الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

عبدالحسين شعبان اكاديمي ومفكر عربي وناشط دولي في مجال حقوق الانسان 

مقالات سابقة

مسلمو ميانمار بين نارين

عبد الحسين شعبان


منذ 25 أغسطس /آب المنصرم (2017) ومسلمو ميانمار يتعرضون إلى حملة جديدة من العنف والتطهير والإجلاء، فبعد ساعات من إطلاق قوات ميانمار (بورما سابقاً) النار على مئات من الفارين من المعارك في ولاية أراكان، اعتقلت السلطات البنغالية نحو 70 لاجئاً من مسلمي الروهينجا، وعمدت إلى إعادتهم بالقوة إلى ميانمار، وقال أحد المسؤولين الإداريين إن بنغلادش تستضيف حالياً عدداً كبيراً من مسلمي الروهينجا (يقدر عددهم بنحو 400 ألف)، ولن تستقبل المزيد منهم. وكانت سلطات الحدود قد رفضت السماح لعدة آلاف، لاسيّما من النساء والأطفال اللاجئين، من العبور إلى أراضيها.
وكان اللاجئون قد روَوا قصصاً مروعة عما جرى لهم في ولاية أراكان، وكل ذلك كان يتم بعلم السلطات الحكومية التي لم تحرّك ساكناً، كما أنها لم تفرّق بين المدنيين والعسكريين، أو بين الأهالي العزّل ومن يحمل السلاح للدفاع عن نفسه، بل إن الجيش الميانماري قام برد فعل قاس جداً ضد تحرّك عسكري لمسلّحي الروهينجا وعلى نحو عشوائي.
وكانت بعثة من الأمم المتحدة برئاسة أمين عامها الأسبق كوفي أنان، قد أصدرت تقريراً تضمن عدداً من التوصيات، منها حث الحكومة على عدم إضاعة فرصة التنمية ودعت إلى وقف العنف الذي اندلع بين البوذيين والمسلمين، ومجابهة التعصّب والتطرّف والإرهاب كظواهر مستفحلة ومنذرة بأسوأ العواقب، كما خاطبتها بضرورة الاعتراف بالحقوق الإنسانية للمسلمين ومعاملتهم على قدر المساواة ووفقاً لمبادئ المواطنة.
وكانت الأمم المتحدة قد أكدت في وقت سابق أن 87 ألفاً من المسلمين قد فرّوا خلال عمليات تطهير نفذتها قوات ميانمار في أكتوبر/ تشرين الأول العام 2016، حيث أحرقت القوات الحكومية قرى بكاملها وجرّفت مزارع وهجّرت سكانها، الذين اضطرّوا إلى الفرار، لكن الكثير منهم لم يستطيعوا الوصول إلى بنغلادش. وقد استخدمت القوات الحكومية هذه المرّة قاذفات صواريخ، الأمر الذي أوقع خلال أيام قليلة أعداداً كبيرة من الضحايا.
وتواجه الحكومة الميانمارية تهماً عدّة، منها ارتكاب جرائم حرب من قتل وتشريد وحرق للقرى ومحاصرة السكان ومنعهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، بل إن بعض الجرائم ترتقي إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، لاسيّما استخدام مروحيات وآليات لإبادة المدنيين وقذفهم بالصواريخ، مثلما هناك اتهامات بقيام السلطات الميانمارية أو غضّها الطرف عن عمليات إبادة جماعية تعرّض لها المسلمون في ميانمار، وهو ما يحاسب عليه القانون الدولي.
لعل هذا الصراع الذي اتخذ طابعاً عنصرياً ودينياً لا يتعلق بانتهاكات فردية بحق أشخاص، بل إنه يشمل أكثر من مليون إنسان من مسلمي الروهينجا، الأمر الذي يعني، أن جرائم جماعية ترتكب وعلى نحو مبرمج ومنهجي وروتيني، وهو ما يقتضي من المجتمع الدولي التحرّك السريع لوقف هذه المجزرة المستمرة منذ أعوام، والتي قد يؤدي استمرارها إلى اندلاع موجة جديدة وخطرة من أعمال العنف والتعصّب والتطرّف والإرهاب، قد تمتد إلى العديد من البلدان المجاورة. وقد أعرب الفاتيكان والبابا شخصياً عن تضامنه مع المجموعة الثقافية المسلمة في ميانمار.
ويعود سبب المشكلة إلى أن السلطات الحاكمة لا تتعامل مع مسلمي الروهينجا المختلفين ثقافياً عن المجموعة الأكبر سكانياً من البوذيين، على قدر من المساواة واحترام الحقوق والحريات، أي بصفتهم مواطنين ولهم نفس الحقوق وعليهم ذات الواجبات، وإنما تعتبرهم وافدين أو مهاجرين غير مرغوب بهم، سواء باختلاف ثقافتهم ودينهم مع الثقافة والدين البوذي السائدين. وانطلاقاً من هذه النظرة العنصرية - الاستعلائية أيضاً، يستمر وضع المسلمين في ميانمار في التدهور، لا سيما عدم الاعتراف بالتعددية الثقافية والدينية وإنكار التنوّع الديني والسلالي واللغوي. 
والغريب أن المجزرة التي تعرّض لها المسلمون تزامنت مع تقرير الأمين العام الأسبق كوفي أنان (23 أغسطس/ آب/ 2017) الذي سلّمه إلى الحكومة بشأن بعثة تقصي الحقائق في أعمال العنف ضد مسلمي الروهينجا. وفي حين تندلع مجزرة جديدة لا يزال الموقف الدولي يدور في إطار الإدانات أو المناشدات بتقديم المساعدات، على الرغم من الأوضاع الإنسانية القاسية، خصوصاً أنه خلال أسبوع واحد تم تهجير نحو 50 ألف مسلم. 
وإذا كان على مجلس الأمن الدولي اتخاذ قرار حازم لوقف المجزرة والدعوة لمنح المسلمين حقوق المواطنة كاملة، بما فيها المساواة التامة والمشاركة والشراكة في وطنهم على أساس عادل وحقهم في تأدية طقوسهم وشعائرهم الدينية، فإن من واجبه أيضاً اتخاذ قرارات بموجب الفصل السابع الخاص بالعقوبات في حالة تمادي سلطات ميانمار بعدم الانصياع للقانون الدولي وصوت العقل والحكمة. 
ومن واجب البلدان العربية والإسلامية وهي تزيد على 57 بلداً، ومنظمة التعاون الإسلامي تقديم الدعم والمساندة بجميع أشكالها، لكي يستطيع مسلمو الروهينجا الصمود أمام محاولة اقتلاعهم ورميهم خارج الحدود في ظروف قاسية، فذلك واجب إنساني هو «فرض عين وليس فرض كفاية»، كما يُقال.

drhussainshaban21@gmail.com

 

صحيفة الخليج (الإماراتية)

 

 

في تأويل الظاهرة الإرهابية

عبد الحسين شعبان

عدتُ لأرشيفي بعد حوادث الإرهاب الخمسة التي حصلت خلال أسبوع واحد في عدد من المدن الأوروبية، وهي برشلونة الإسبانية، وتوركو الفنلندية، ومرسيليا الفرنسية، ولندن العاصمة البريطانية، وفي بروكسل العاصمة البلجيكية، (17 و19 و21 و25 أغسطس/ آب الجاري)، منقّباً عن إشكالية الظاهرة، وتفسيراتها، وتأويلاتها، خصوصاً بعد أن اجتاحت العالم بفعل العولمة إلى حدود لا يمكن حصرها، وتعدّدت أساليبها إلى الدرجة التي لا يمكن حسابها، فحسب أحد التقارير الدولية بلغ عدد الحوادث الإرهابية 13400 حادثة، في العام 2016 ، راح ضحيتها 34 ألف إنسان. 
صحيح أنّ الإرهاب ظاهرة دولية، وهي ليست جديدة، بل إنها وُضعت على طاولة البحث والتشريح في الأمم المتحدة، وقبل ذلك في عصبة الأمم، وانشغل به المجتمع الدولي كلّه. ولم يعد كافياً، منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة وهزّت العالم، الحديث عن صدور بعض القرارات الدولية، التي تعالج قطاعياً وجزئياً بعض مظاهر الإرهاب، وإنّما استجدّت الحاجة الملحّة والماسّة إلى بحث شامل للظاهرة بأبعادها، ودلالاتها المختلفة، خصوصاً بوضع تعريف محدّد لها، لكن مثل هذا التعريف ظل غائباً بسبب تعارض المصالح الدولية والتفسيرات والتأويلات الخاصة به، لا سيّما من جانب القوى المتنفّذة في العلاقات الدولية. 
وكانت الأمم المتحدة منذ العام 1963 أصدرت نحو 20 اتفاقية وإعلاناً دولياً حول الإرهاب، لكنها لم تتوصل إلى تعريف ماهيّته، وحتى حين أصدر مجلس الأمن الدولي 3 قرارات دولية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية، وفي ما بعد 4 قرارات عقب احتلال «داعش» للموصل في العام 2014، إلّا أنّ الأمر لم يتغيّر وظلّ تعريف الإرهاب عائماً، بل ازداد التباساً وتناقضاً بحكم التفسيرات المختلفة بشأنه. 

وإذا كان الإرهاب نتاج التطرّف، فإن كل تطرّف لفكرة، أو رأي، أو أيديولوجية، أو دين، أو طائفة، أو قومية، أو إثنية، أو سلالية، أو لغوية، أو غيرها، ينجم عن تعصّب، مهما اختلفت الأسباب، وتعدّدت الأهداف، فلا بدّ أن يكون التعصّب
Fanatism الدافع لها، وكلّ متطرّف في حبّه أو كرهه لا بدّ أن يكون متعصّباً، لا سيّما في نظرته للآخر وعدم تقبّله للاختلاف، الذي هو حقّ للبشر ولكلّ إنسان، فضلاً عن كونه من طبيعة الأشياء.
والتطرّف
Extremism يمكن أن يكون دينياً، أو طائفياً، أو قومياً، أو لغوياً، أو اجتماعياً، أو ثقافياً، أو سياسياً. أمّا التطرّف الديني فقد يكون إسلامياً، أو مسيحياً، أو يهودياً، أو هندوسياً، أو غيره، كما يمكن للتطرّف أن يكون علمانياً، حداثياً، مثلما يكون محافظاً وسلفياً، فلا فرق في ذلك سوى بالمبرّرات التي يتعكّز عليها لإلغاء الآخر، باعتباره مخالفاً للدين، أو خارجاً عليه، أو منحرفاً عن العقيدة السياسية، أو غير ذلك. 
أما الإرهاب
Terrorism فإنه يتجاوز التطرّف، أي أنه ينتقل من الفكر إلى الفعل، وكل إرهاب هو عنف جسدي أو نفسي، مادي أو معنوي، يؤدي إلى إحداث الأذى بالآخر والرعب في المجتمع، ولكن ليس كل عنف هو إرهاب، خصوصاً إذا ما كان دفاعاً عن النفس، واضطراراً من أجل الحق ومقاومة العدوان.
ولا يصبح الشخص إرهابياً إلاّ إذا كان متطرّفاً، ولكن ليس كلّ متطرّف إرهابياً، فالفعل تتم معالجته قانونياً، وقضائياً، وأمنياً، لأن ثمة عملاً إجرامياً تعاقب عليه القوانين، أما التطرّف، ولا سيّما في الفكر، فله معالجات أخرى مختلفة، وهنا يمكن قرع الحجة بالحجة، ومحاججة الفكرة بالفكرة، وإنْ كانت قضايا التطرّف عويصة ومتشعّبة وعميقة، خصوصاً في المجتمعات المتخلّفة، علماً بأن بعض التطرّف الفكري قد يقود إلى العنف ويحرّض على الإرهاب، بما فيه عن طريق الإعلام بمختلف أوجهه.
وإذا كان التطرّف يمثّل نموذجاً قائماً على مرّ العصور والأزمان، فإن نقيضه هو الاعتدال والوسطية والمشترك الإنساني بين الشعوب، والأمم، والأديان، واللغات، والسلالات المتنوّعة، لأن الاجتماع الإنساني من طبيعة البشر، حيث التنوّع والتعدّدية والاختلاف صفات لصيقة بالإنسان، وهذه كلّها ينبغي الإقرار بها والتعامل معها كحقوق إنسانية توصّلت إليها البشرية بعد عناء، وهي النقيض لفكر التطرّف.

التطرّف يعني في ما يعنيه ادّعاء الأفضليات، فالأنا أفضل من الأنت، و«النحن» أفضل من «الأنتم»، وديني أفضل من الأديان الأخرى، وقومي فوق الأمم والقوميات الأخرى لدرجة الزعم بامتلاك الحقيقة، وتلك البذرة الأولى للتعصّب المنتجة للتطرّف والعنف والإرهاب.
لا يكفي إدانة العمل الإرهابي كلّما حصل، واتخاذ إجراءات احتياطية مشدّدة فحسب، بل يجب البحث في الأسباب الحقيقية له، وقد أثبتت التجارب أن الفكر المتطرّف الذي قد يصل إلى الإرهاب لا يمكن الانتصار عليه بالعمل العسكري، أو المسلّح وحده، أو مواجهة العنف بالعنف، بل يحتاج للقضاء على الإرهاب معالجة الظاهرة وجذورها وأسبابها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والدينية والقانونية والنفسية، خصوصاً بتقليص الفوارق الطبقيّة والاجتماعيّة، وتحقيق الحدّ الأدنى من العدالة والمساواة، وبالتالي خلق بيئة مناسبة لنشر قيم التآخي والسلام والتسامح واللاّعنف.

drhussainshaban21@gmail.com

صحيفة الخليج (الإماراتية)

"أصيلة" وفضاء

 الإصلاح والتجديد

عبد الحسين شعبان

            يصعب الحديث عن الإصلاح والتجديد في العالم العربي دون تناول المجال الديني، وهذا الأخير يشمل الفكر والوسائل والأدوات والقوانين والأنظمة والتربية والثقافة والوضع الاقتصادي والاجتماعي، بل كل ما له علاقة بالتنمية البشرية المستدامة، التي هي منظومة متكاملة ومتداخلة بحيث لا يمكن إهمال أو تأجيل جزء منه، لأنه سيؤثر على الأجزاء الأخرى، لترابطها وتفاعلها ، وإنْ كانت درجة تطور أقسامها متفاوتة.

            والإصلاح بطبيعته يحتاج إلى تطوّر وتراكم كمّي وقد يكون طويل الأمد ليصل إلى التجديد بمعنى حدوث تغيير نوعي حسب المنهج الجدلي، إذا ما توافرت العوامل الذاتية والموضوعية ، والشروط الداخلية والخارجية لتحقيقه.

            ولأن موضوع المجال الديني حسّاس ومتميّز جدّاً، فإن المقاربة ستكون حسّاسة ومتميّزة أيضاً، لاسيّما إذا انصرف الأمر إلى الإصلاح والتجديد الذي يتعلق بالعقائد والمورثات والعادات والتقاليد وما استقرّ عليه المجتمع وترسّخ في وعيه لدرجة التقديس أحياناً.

            وكانت "جماعة أصيلة" التي يرأسها محمد بنعيسى مدركة جداً لمثل هذا التشابك بما فيه من مُدخلات ومُخرجات وإمكانات وعقبات، حين خصصت الندوة الأساسية لمهرجان "أصيلة 32" لبحث ومناقشة "الفكر العربي المعاصر والمسألة الدينية"، بالمرور على أنماط التديّن الجديدة وخلفياتها الثقافية والاجتماعية، مثلما توقفت عند الخطاب الفكري الإسلامي الراهن باتجاهاته وتوجّهاته، إضافة إلى بعض المقاربات التأويلية والعملية الجديدة لتمظهراته، وخصوصاً بالإطلالة على مسألة "العيش المشترك" والتي استغرقت حواراً مفتوحاً يخصّ الدين والدولة والمجتمع وما له علاقة بالحقوق الأساسية مثل: الحق في الحياة والحرّية والمساواة والعدل والشراكة والمشاركة، وهي اللبنات الأساسية والتي لا غنى عنها  للمواطنة المتكافئة.

            ويحتاج الإصلاح مثلما هو التجديد، في المجال الديني إلى رؤية وإرادة وشجاعة وأدوات وحوامل اجتماعية تستطيع تحمّل المسؤولية، ولاسيّما حين تتوفّر بيئة مناسبة وظرف موضوعي مساعد. أي أنه باختصار لا بدّ من توفّر شروط معينة ذاتية وموضوعية مناسبة لتحقيقه. وقد يتوفر الشرط الموضوعي لكن الشرط الذاتي يكون غائباً أو غير مهيأ، والعكس صحيح أيضاً حين يتوفّر الشرط الذاتي ولم ينضج الظرف الموضوعي.

            فمن الناحية الذاتية قد لا تتوفر قناعات للاصلاح والتجديد، أو أن هناك خشية منه لأنه يتعارض مع المصالح والامتيازات، إضافة إلى الخوف من " العامة" أحياناً، لأنه سيعارض ما ترسّخ لديها من مفهومات ومعتقدات استقرت مع مرور الزمان، بحيث أصبحت "تابوات" وهي أقرب إلى "مقدسات" ولهذا فإن أي مساس بها قد يثير ردود أفعال لا تحمد عقباها، إضافة إلى أنه قد يلقى مقاومة من جانب القوى التقليدية باعتباره يخالف المألوف لدرجة يمكن تفسيقه باعتباره بدعة، "وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ، وبهذا المنطق يدافع أصحاب الفكر التقليدي عن القديم حتى وإن كان بالياً.

            وقد حاولت حركة النهضة من الأفغاني ومحمد عبده والطهطاوي والكواكبي والتونسي والنائيني وصولاً إلى طه حسين، إصلاح المجال الديني وإسباغ سمة العصر عليه، لكنها اصطدمت بعقبات وتحدّيات كثيرة رسمية ودينية واجتماعية. ولا شكّ أن مثل صدمة الاستعمار قبل قيام الدولة الوطنية وصدمة ضياع فلسطين (النكبة 1948 والنكسة 1967) اللتان مرّ بهما الفكر العربي المعاصر، تركتا أثراً سلبياً على تطوّره بما فيه الجزء المؤثر فيه، ونعني به المجال الديني، ويمكننا أن نضيف إلى ذلك صدمة "الحرب العراقية - الإيرانية" وصولاً لاحتلال العراق، ثم صدمة "الإرهاب الدولي" الذي طبع مرحلة ما بعد العام 2001 ولحد الآن، سواء كان على شكل داعش أو قبلها القاعدة، وهي مرحلة شملت أيضاً صدمة تعثر وارتداد موجة الربيع العربي.

            والسؤال الآن كيف يمكن إصلاح المجال الديني أو تجديده؟ومن يقوم بذلك؟ هل المؤسسة الدينية قادرة على اقتحام هذا الميدان؟ وهل هي راغبة؟ ثم هل لديها المؤهلات لوحدها؟  أم أنها تحتاج إلى رافعة من خارجها؟ وبعد ذلك ثمة عقبات موضوعية داخلية وخارجية تجعلنا نتساءل:كيف يمكن مواجهة قروناً من السكونية والنمطية والرتابة لأن الناس حسب عمانوئيل كانط.." يعيشون حياتهم برتابة عادية وليس لهم أدنى حاجة إلى الفكر".

            وكانت ثمة محاولات وإرهاصات طفولية سبق أن جرّبتها قوى باسم اليسار والحداثة برفض الدين أو التقليل من شأنه، لكنها اصطدمت  بجدار سميك وقاسي لدرجة أنه تم تكفيرها وتأثيمها وتجريمها. ولذلك لا بدّ من التفريق بين الدين والتديّن وبين قيم الدين وسلوك رجال الدين، والأمر بحاجة مرّة أخرى إلى التراكم والتطوّر بما له من علاقة عضوية بين بـ الثيولوجيا والانتربولوجيا والسوسيولوجيا، أي بين الدين والإنسان والمجتمع،  تلك الثلاثية التي ينبغي أن تحكمها منظومة من الضوابط القانونية.

            والأمر الذي يحتاج إلى تعامل مرن وحذر في الوقت نفسه، بدءًا من التراث ووصولاً إلى ما هو راهن لتفكيكه وتنقيته من التعصّب والتطرّف، وهذان هما الجذران الحقيقيان للإرهاب، بضخّ البديل، لاسيّما قيم التسامح واللّاعنف والإقرار بالتنوّع والتعدّدية والاعتراف بالآخر وقبول الحق في الاختلاف، لاسيّما، بتوفير الحدّ الأدنى من العيش الكريم المشترك الذي يمثّل فضاءً رحباً للإصلاح والتجديد.

باحث ومفكر عربي

 

 

 

 

ترامب وتوازن

القوى في أمريكا

د. عبد الحسين شعبان

بعد تسرّب خبر اللقاء الخاص بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس

الروسي فلاديمير بوتين، والذي قيل إنه لقاء «سرّي»، «وذلك على هامش قمة

العشرين المنعقدة في هامبورج 7-8 يوليو/ تموز 2017، ضجّ الكثير من وسائل الإعلام «مجدّداً» عن إمكانية عزل الرئيس الأمريكي ترامب ومحاكمته على خلفية العلاقة الخاصة مع روسيا، واختراق موسكو للانتخابات الرئاسية، لكن تدهور العلاقات السريع، وإقدام الكونجرس على اتخاذ عقوبات جديدة ضد روسيا، ردّت عليها موسكو بعقوبات مماثلة، بطرد مئات من الدبلوماسيين وتقييد بعض المواقع، دفع الأمور إلى التأزم ليس بصدد العلاقات الأمريكية الروسية فحسب؛ بل في انعكاسه على الداخل الأمريكي؛ حيث تزداد زخماً حملة إقصاء الرئيس ومحاكمته أو إجباره على تقديم الاستقالة».
وكان ترامب والحزب الجمهوري قد تلقيّا هزيمة كبيرة بفشلهما في إلغاء «برنامج الرعاية الصحية الشامل» والمعروف باسم «أوباما كير»، إضافة إلى حال الفوضى والتخبط والتناقض الذي ساد الإدارة الأمريكية منذ تولي ترامب، وهو الأمر الذي دفع بكبير موظفي البيت الأبيض راينس بريباس للاستقالة من منصبه.
الحملة ضد ترامب، بدأت بعد إعلان فوزه مباشرة بردود أفعال اعتراضية، لكنها اتخذت اليوم طابعاً منظماً، ويشارك فيها: قادة الحزب الديمقراطي وعدد من الصحف والمنابر الإعلامية المعروفة، إضافة إلى بعض قادة الحزب الجمهوري. 
والسؤال المهم هو: هل بالإمكان دستورياً عزل الرئيس الأمريكي وكيف وَوِفق أي المبرّرات؟ ولعلّ العزل أو المحاكمة أو الإقالة تتطلب اتباع آليات دستورية متعدّدة ومعقّدة وهي إجراءات يعتورها الكثير من العقبات ويقف بوجهها العديد من العراقيل. ومنها أن الجمهور الذي صوّت لترامب لا يزال متماسكاً وهذا يعترض على تقديم رئيس البلاد للمحاكمة، وقد زادت نسبة المعترضين على اتخاذ الإجراءات ضد الرئيس على 53% حسب مجلة نيوزويك الأسبوعية 
(24 يوليو/تموز2017). كما أن الحزب الجمهوري ما يزال مسيطراً على مجلس الشيوخ ومن المستبعد موافقته على إقصاء الرئيس، وهي سابقة سياسية قد تهدّد مستقبله.
وحسب الدستور الأمريكي وهو من أعرق الدساتير الديمقراطية في العالم؛ حيث أبرم بين أعوام 1776و1788؛ فإنه يجوز تقديم الرئيس ومسؤولين آخرين للمحاكمة بشرط توفّر مبرّرات مقنعة منها ارتكاب «الخيانة العظمى» أو«تلقّي رشا» أو«سوء الإدارة» أو«سوء السلوك». وعند التحقق من ذلك ينعقد مجلس النواب للتصويت على سريان مفعول الجريمة، ويتم التصويت بالأغلبية البسيطة (نصف + واحد) وحين يتقرّر ذلك يخضع الرئيس للمحاكمة وفقاً للائحة الاتهام، ولكنه يستمر بمنصبه لحين رفع توصية من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ الذي ينبغي أن يصوّت بعزله ويحتاج قرار إقصاء الرئيس إلى «ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ»، وحينئذ تنقل صلاحيات الرئيس إلى نائبه.
أما أهم الاتهامات الموجّهة إلى ترامب فتتلخص ب:التقصير. ومثل هذه التهمة وُوجه بها رئيسان في كل تاريخ الولايات المتحدة الذي يقارب 240 عاماً، وهما: اندرو جونسون (الرئيس السابع عشر 1865 - 1869 الذي تولّى الرئاسة مع نهاية الحرب الأهلية، وبعد اغتيال ابراهام لينكولن (الرئيس السادس عشر) والذي كان نائبه؛ حيث دخل في صراع مع مجلس النواب الذي سحب الثقة منه وتمت تبرئته من قبل مجلس الشيوخ بفارق صوت واحد. وبيل كلينتون الذي قام مجلس النواب باتهامه بالتزوير وإعاقة العدالة بعد فضيحة مونيكا ليونسكي 1998، إلّا أن مجلس الشيوخ برّأه من هذه التهمة العام 1999 وأكمل فترة ولايته.
حتى الآن ليس هناك ما يدلّ على ارتكاب ترامب الخيانة العظمى أو تلقّي الرشا، أو سوء الإدارة أو السلوك، على الرغم من أن خصومه حاولوا تعظيم أخطائه وتصرفاته الغريبة، علماً بأن الدستور الأمريكي يمنحه صلاحيات واسعة، منها إقالة من يشاء وتعيين بدائل عنهم، كما إن الحصول على أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ، أي 67 من مجموع 100 تبدو عسيرة. واستناداً إلى التجربتين السابقتين؛ فإنه من المستبعد نجاح المساعي لتقديم لائحة اتهام بحق الرئيس ترامب ضمن الظروف السائدة.
ولكن ماذا بشأن الاستقالة؟ وهي حالة مقاربة لخيار الرئيس ريتشارد نيكسون (الرئيس السابع والثلاثون) العام 1974،الذي فضّل الاستقالة على المثول أمام الكونجرس كمتهم، علماً بأنه ثبت عليه ارتكاب جريمة إعاقة العدالة خلال التحقيقات بفضيحة ووترجيت، مما دفع بقادة الحزب الجمهوري للضغط عليه لتقديم الاستقالة لإنقاذ حزبهم، لا سيّما في الانتخابات المقبلة، ومع ذلك فقد كانت هزيمتهم شديدة في الانتخابات تلك.
فهل يمكن قبول الرئيس ترامب الانحناء أمام العاصفة أم أنه سيمضي بالشوط إلى نهايته غير مكترث بما حوله وغير عابئ بما يُقال بشأنه؟ لأنه رئيس غير تقليدي وفاز بطريقة غير تقليدية وإن توازن القوى حتى الآن يميل لصالحه.
drhussainshaban21@gmail.com

صحيفة الخليج (الاماراتية)

 

 

ما بين الصهيونية والساميّة

عبد الحسين شعبان

في غمرة إجراءاتها التعسفية لمنع المسلمين من الصلاة في المسجد الأقصى وشنّ حملة إرهابية ضد عرب فلسطين وفي محيط مدينة القدس ذاتها، لم تتوانَ " إسرائيل" من صرف الانتباه عن محاولاتها المستمرة لتهويد مدينة القدس بعد أن ضمّتها رسمياً بقرار من الكنيست إليها العام 1980 خلافاً لقواعد القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن التي اعتبرت قرار ضم القدس باطلاً ولاغياً ويتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. والأكثر من ذلك فإنها تحاول الظهور بمظهر "الضحية" بزعم إن أي انتقاد أو احتجاج على تصرفاتها " اللاشرعية" واللّا قانونية، إنما هو معاداة للصهيونية ، وكل عداء يعني في وجهه الآخر، عداء للسامية.

جدير بالذكر إن الأمم المتحدة وجمعيتها العامة كانت قد أصدرت قراراً في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) العام 1975 برقم 3379 يقضي باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري. وفي حينها شنّت " إسرائيل" حملة ضد الأمم المتحدة وأمينها العام الأسبق كورت فالدهايم، متهمة إيّاها بمعاداة السامية، مثلما حاولت تشويه سمعته بكونه كان ضمن تشكيلات النازية في شبابه. واستماتت لإلغاء القرار. وكان ممثلها في الأمم المتحدة إسحاق هيرتزوغ الذي أصبح لاحقاً رئيساً "لإسرائيل" (العام 1986) قد صرّح أنه لن تمرّ فترة رئاسته إلاّ ويكون القرار قد أُعدم. وبدأ حملة دولية تطالب بإلغاء القرار، خصوصاً حين وقّع نحو 800 شخصية دولية سياسية وفنية وثقافية وأدبية تدعو الأمم المتحدة بالتراجع عن قرارها.

وصادف أن تغيّر ميزان القوى الدولي والعربي لصالح الصهيونية، بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، ولاسيّما الاتحاد السوفييتي وتدهور التضامن العربي إلى درجة مريعة بفعل مغامرة غزو الكويت العام 1990، ومن ثم شنّ الحرب على العراق وفرض نظام عقوبات شديد عليه، حتّى تمكّنت " إسرائيل" من التأثير على الموقف الدولي بكسب عدد من الدول في التصويت لصالح إلغاء القرار، فألغي بالفعل في ديسمبر/ كانون الأول العام 1991.

وتحاول " إسرائيل" اليوم صرف النظر عن انتهاكاتها السافرة لحقوق المسلمين وأتباع الديانات المختلفة ، برمي كل من يقف ضد إجراءاتها تلك بمعاداة السامية. وللأسف فإن أوساطاً أوروبية تساند حملتها تلك وقد عبّر الرئيس الفرنسي إيمانوئيل ماكرون وخلال استقباله رئيس الوزراء " الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو(16 يوليو/تموز/2017) عمّا يفيد بأن مناهضة الصهيونية ليست سوى إعادة اختراع جديد لمعاداة السامية. علماً بأن معاداة السامية تهمة تعاقب عليها القوانين الأوروبية، وتعتبر أقرب إلى ممارسة العنصرية.

وتحاول القوى المناصرة لـ "إسرائيل" اليوم تقديم الصهيونية باعتبارها "حركة تحرّر" "لتمثيل الشعب اليهودي" والتعبير عن "حقوقه" في بناء وطنه، ولذلك فإن كل مناهض للصهيونية وأيديولوجية "إسرائيل"، إنّما هو مناهض لحركة تحرر ولحقوق شعب، وبالتالي فهو معاد للسامية وضد حقوق اليهود.

واستناداً إلى مثل هذا التوجه، فإن أي انتقاد لممارسات " إسرائيل" يمكن أن يدمغ بمعاداة السامية. ووفقاً لمثل هذا الاجتهاد المريب فقد تعرّض بعض الناشطين في عدد من البلدان الأوروبية إلى اتهامات مثلما أُخضعوا إلى تحقيق بسبب جملة قيلت هنا أو تعليق قيل هناك، إزاء الصهيونية " العقيدة السياسية لإسرائيل"، كما يتلقى العديد من وسائل الإعلام الأوروبية رسائل وكتابات تندّد بأي انتقاد لـ " إسرائيل"  وأحياناً تتّهمها بالعداء للسامية على نشر مواد خبرية أو برامج تلفزيونية أو إذاعية لما يحدث في فلسطين من جانب الاحتلال "الإسرائيلي". والحملة تشمل أحياناً تنظيم تظاهرات واعتصامات أمام مداخل الوسائل الإعلامية لممارسة ضغوط على بعض الإعلاميين تصل أحياناً إلى التهديدات.وإذا ما عرفنا أن ثمة تواطؤ من جانب بعض الحكومات الأوروبية فإن بعض وسائل الإعلام تتردّد من نشر أو بث ما يؤدي إلى تعريضها للمساءلة أو الاتهام أو الضغوط.

إن الحملة التي انطلقت من فرنسا بلاد الحرّيات والحقوق، إنّما تستهدف ربط معادى الصهيونية بالسامية ، وذلك لإبعاد الصورة المأساوية التي يعيشها الشعب العربي الفلسطيني المحروم من حقوقه في تقرير المصير وإعادة اللاجئين وإقامة الدولة وعاصمتها القدس الشريف، حيث تستمر الانتهاكات لأبسط الحقوق وآخرها " حق العبادة" وممارسة " الشعائر الدينية "، إضافة إلى قتل الأطفال والنساء وهدم البيوت وتهجير السكان الأصليين، وتلك لا يجمعها جامع مع أي اعتبار إنساني أو تحرّري أو أخلاقي أو قانوني دولي، بل هي تمثّل جوهر العقيدة الصهيونية، الرجعية والاستعلائية، ولا علاقة بالأمر بمعاداة السامية.

باحث ومفكر عربي

صحيفة الخليج (الاماراتية)

 

ماذا ما بعد الموصل:

خيار محسوم أم حساب ملغوم؟!

عبد الحسين شعبان

 

أعلن حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي عن نهاية ما أسماه "دولة داعش" في العراق بعد مرور نحو 8 أشهر على إطلاق معركة " قادمون يا نينوى" . وجاء هذا الإعلان بعد تفجير الإرهابيين " جامع النوري الكبير" وهو صرحٌ تاريخي بُني قبل 850 عاماً. وكان أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم  قد أعلن في خطابه الذي ألقاه فيه " قيام الدولة" قبل ثلاث سنوات (29 يونيو/ حزيران العام 2014)، ليس هذا فحسب، بل إن داعش قام بتفجير منارة الحدباء التاريخية التي توصف ببرج بيزا العراقي نسبة إلى برج بيزا الإيطالي المائل . وهذا يعني حسب تفسير الخبراء العسكريين أنه قرّر الانسحاب بعد أن مُني بهزائم شديدة، لم يستطع معها البقاء في الموصل " عاصمته".

I

تتباين الإجابات على سؤال ما بعد الموصل، وتختلف التقديرات بدرجات حادة أحياناً، وهي تتفاوت بين الرغبة والقدرة، وبين المشروع والممنوع، وبين الممكن والمحال، فهناك أسباب أدّت إلى تمدّد داعش وانتشار الداعشية وهذه ما تزال موجودة، وهي تحتاج إلى خطوات جذرية وإجراءات فعّالة لمعالجتها، إذا ما أريد إلحاق الهزيمة بالإرهاب.

فهل حسمت معركة الموصل مصير التنظيم الإرهابي "داعش" أم أن المسافة بين تحرير الموصل وهزيمة الداعشية ما تزال شاسعة، لاسيّما وداعش ما يزال في الحويجة وتلعفر وحديثة والقائم وعلى امتداد الشريط الحدودي العراقي- السوري: ثم ماذا عن داعش في سورية، لاسيّما في الرقة  "المحاصرة" وفي منبج وضواحي الباب وضواحي تدمر والبوكمال والميادين والبادية السورية وصولاً إلى دير الزور؟.

لقد  كانت هزيمة داعش العسكرية كبيرة جداً وربما مفصلية، سواء في محافظتي صلاح الدين والأنبار وتحديداً في مدينة الرمادي  وكذلك في محافظة ديالى التي انحسر فيها التنظيم في الأشهر الأخيرة وبعد ذلك في الموصل، إلّا أن ذلك  لا يعني نهاية له ، خصوصاً وإن الأسباب التي أدّت إلى نشوء الداعشية ما تزال تجد تربة خصبة تتغذّى منها، الأمر الذي يحتاج إلى اقتلاعها من جذورها ونشر القيم النقيضة لها.

وإذا كانت الداعشية فكرة تعصّبية متطرّفة وإرهابية، تقوم على إلغاء الآخر كلياً بزعم امتلاك الحقيقة وادعاء الأفضليات، فإن أفكار التسامح والتعايش والسلام واللّاعنف هي ما يمكن مواجهته بها، وذلك للحيلولة  دون تمكّنه من غسل أدمغة الشباب اليائس والمحبط ، خصوصاً بالقضاء على البطالة والفقر والجهل والأميّة والتخلّف وتحقيق المواطنة السليمة القائمة على إشاعة الحرّيات والمساواة والعدالة، ولاسيّما الاجتماعية، والشراكة والمشاركة وعدم التمييز لأي سبب كان.

وقد دلّت الكثير من التجارب مع المنظمات الإرهابية، لاسيّما تلك التي تتذرّع بالدين وتستخدمه سلاحاً لتغطية أهدافها السياسية، إنها على الرغم من تعرّضها لهزائم، فإنها  تمتلك قدرات لا يمكن الاستهانة بها أو الاستخفاف بإمكاناتها اللوجستية والتعبوية. يكفي أن نشير إلى أنه حين لحقت الهزيمة بتنظيم القاعدة الإرهابي، وهو "التنظيم الأم" في أفغانستان وصولاً إلى اغتيال أسامة بن لادن الشخصية الكارزمية القيادية للتنظيم في 2 (مايو)  أيار 2011، فإنه استمرّ وأنتج وفرّخ تنظيمات أخرى، لعلّ أهمها هو "تنظيم داعش" و"جبهة النصرة " (جبهة فتح الشام - لاحقاً) وغيره من التنظيمات الإرهابية.

وقبل ذلك حين قُتل أبو مصعب الزرقاوي في 7(يونيو) حزيران 2006 في العراق، إلاّ أن التنظيم لم ينتهِ. وقد نقلت وكالات الأنباء خلال الأيام الأخيرة لمعركة الموصل مقتل أبو بكر البغدادي (لكنه لم يتأكد حتى الآن) ، إلّا أن التنظيم على الرغم من خسارته الفادحة وهزيمته الموصلية، فإنه لا يزال يشغل مساحة ليست بقليلة من أرض العراق وسوريا، ناهيك عن وجوده في النيجر ونيجيريا (بوكو حرام) والمغرب العربي (ليبيا وتونس والمغرب والجزائر وموريتانيا)، فضلاً عن قيامه بعمليات إرهابية في العديد من البلدان الغربية وغيرها.

وإذا كانت خسارة داعش للموصل مختلفة نوعاً ما، وذلك لأنها هي العاصمة بعد احتلال داعش للموصل في 10 يونيو (حزيران) 2014، فهذا يعني أنه خسر معها أهم مصادره المالية، تلك التي كان يحصل منها على مبالغ طائلة لاسيّما من الآتاوات ، إضافة إلى بيع النفط بعد وضع يده على بعض الآبار لتغطية عملياته واجتياحاته ورواتب العاملين معه، مقاتلين وغيرهم.

لم ينشأ الإرهاب من فراغ، بل جاء نتيجة للتطرّف وهذا الأخير يقوم على التعصّب، وهو متغلغلٌ أحياناً في العقول ومعشش في الرؤوس بسبب أوضاع اجتماعية واقتصادية وثقافية، خصوصاً في ظلّ الانغلاق ورفض الآخر والميل إلى التفرّد والتماثل وعدم الإقرار بالتعدّدية والتنوّع وحق الاختلاف، وحسب داعش: كل آخر، هو غريب وأي غريب مريب، وبالتالي: أما عليه الخضوع ودفع الجزية إنْ لم يكن مسلماً أو الرحيل وإلاّ فإن الموت ينتظره، وهو ما حصل مع المسيحيين والإيزيديين في العراق ، هذا إذا كان رجلاً، أما إذا كانت امرأة، فالسبي هو ما  تناله، وهذا ما حدث للإيزيديات بشكل خاص، حيث تم بيعهن في سوق النخاسة. وكانت عمليات داعش أقرب إلى حرب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي يجرّمه القانون الدولي.

 لقد ابتكر الإرهاب الداعشي عمليات نوعية في السابق، وليس مستبعداً بعد هزيمته الموصلية أن يبتدع أساليب جديدة،  فمن ابتكار مهاجمة مبنى التجارة العالمي في نيويورك بواسطة الطائرات، العام 2001، إلى حوادث دهس وقتل بواسطة سيارات، كما حدث مؤخراً في عدد من المدن والبلدان مثل  نيس (فرنسا)  وبروكسل ( بلجيكا) ولندن (بريطانيا) وغيرها، وهذه لا تكلّف كثيراً، لكن المال يبقى عموداً فقرياً له وعنصراً مهماً في رفده، مثلما يرفده استمرار البطالة والفقر والتمييز والتهميش والطائفية وهدر حقوق الإنسان.

وإذا ما اجتمع المال و"العقيدة" والأوضاع العامة والخاصة، للإرهابيين فإن عملهم المتوحّش، سوف لا تكون له حدود ، خصوصاً بتوفّر أرضية مناسبة لنمو بذور الإرهاب وتفقيس بيضه، الأمر الذي يحتاج إلى تجفيف المنابع وقطع خط الإمدادات والتواصل، وردم الهوّة التي تشجع على استمراره وانتعاشه، وهذا يتطلّب مواجهة الفكر بالفكر أيضاً، فالوسائل العسكرية والأمنية، وإنْ كانت ضرورية أحياناً - وآخر العلاج الكي كما يقال -  لكنها لوحدها لا تكفي للقضاء عليه.

II

إذا كان العراق في نهاية السبعينات  قد أوشك على التخلّص من الأمية باعتراف منظمة اليونسكو، فإنه بسبب الحروب والحصار والاحتلال والطائفية والإرهاب والفساد، عاد القهقري حيث انتكست التنمية، ووجد الإرهاب مرتعاً خصباً له في ظل تخلّف المناهج الدراسية وعدم مواكبتها للتطور، ناهيك عن اعتمادها على أفكار ماضوية واحتوائها على الكثير من الآراء التي تقوم على الكراهية ولا تقبل التنوّع وترفض التعددية، الأمر الذي يشكل أرضية صالحة لنمو الإرهاب.

لقد  مرّ العراق  بأطوار خمسة للتنمية، أولها حين تأسست الدولة في العام 1921، لاسيّما بعد انطلاق حقل بابا كركر النفطي في كركوك العام 1927، ثم تأسيس مجلس الإعمار العراقي العام 1950  ولغاية ثورة 14 (تموز) العام 1958، وهي مرحلة شهدت نجاحات تنموية إيجابية وإن كانت محدودة.

أما المرحلة الثانية فكانت بعد الثورة، حيث توسّعت الخدمات التعليمية والصحية وشملت قطاعات سكانية واسعة وشعبية، إضافة إلى تعزيز شبكة الطرق والجسور والهياكل الإرتكازية والبنى التحتية .

أما المرحلة الثالثة فكانت بعد تأميم النفط العام 1972 والطفرة النفطية عقب حرب اكتوبر (تشرين الأول) العام 1973، حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير، وشهدت هذه المرحلة توسّعاً كبيراً في ميدان التنمية وتراكم الموارد، لاسيّما في القطاعات المختلفة وارتفاع مستوى المعيشة والرفاه الاقتصادي.

أما في المرحلة الرابعة فقد رزح العراق تحت وطأة انكماش لعملية التنمية بسبب الحرب العراقية - الإيرانية العام 1980-1988، وفيما بعد غزو الكويت 1990، وحرب قوات التحالف ضد العراق 1991، والحصار الدولي الذي فُرِضَ عليه حتى احتلاله العام 2003،حيث تعرّضت التنمية إلى انهيار شامل، خصوصاً مع تفكّك بنية الدولة وحل الجيش العراقي واستشراء الطائفية والإرهاب والفساد، ولعلّ المرحلتين الأخيرتين مهدتا لنشر بذور الإرهاب، سواء بإسقاطه خارجياً أو بانتعاشه داخلياً.

وإذا ما أضفنا إلى هذه العوامل عدم عدالة العلاقات الدولية والشعور بالغبن والإجحاف الذي تعاني منه شعوب الأمة العربية ولاسيّما  الشعب الفلسطيني، الذي تعرّض للظلم والاحتلال والعدوان لما يقارب من سبعة عقود من الزمان، فإننا نستطيع أن ندرك أن بيئة حاضنة لنشوء الإرهاب لا تزال موجودة، بل إنها شكّلت مرتعاً له حيث أخذت تتكوّن على نطاق واسع لاسيّما بعد الاحتلال، وهذه وجدت ذرائع عديدة لممارسة الإرهاب باسم الدين أو المذهب، وذلك كغطاء شرعي لتبرير جرائمها، بالضد من الدين ذاته وتعاليمه السمحاء ورسالته الإنسانية.

III

إذا كانت معركة الموصل قد ألحقت خسارة فادحة بداعش وبمستقبل الداعشية في العراق، فإن انعكاساتها ستعود أيضاً على العالم العربي، لكن المعركة مع داعش والإرهاب الدولي سوف لا تنتهي سريعاً، حسبما صرّح به الجنرال الأمريكي ستيفن تاونسند بقوله "إن الحرب بعيدة كل البعد عن نهاياتها. وكانت بعض المخاوف قد عبّرت عن نفسها باحتمال وجود "خلايا نائمة" قد تقوم بتنفيذ بعض العمليات الهجومية الانتحارية، إضافة إلى قلق من احتمال اندلاع صراعات طائفية وإثنية على مراكز النفوذ، وقال يان كوبيش ممثل الأمم المتحدة في العراق :" إن سحق داعش في الموصل لا يعني نهاية الحرب على الإرهاب وأمام العراق المزيد من العمل للتعافي الكامل وإرساء السلام الدائم".

يمكن القول إنه من السابق لأوانه اعتبار هزيمة داعش في  الموصل هزيمة للداعشية،  فالمعركة قد تطول لفترة غير قصيرة ، لأن التنظيم الذي عُرف بالمكر والخداع واستخدام تاكتيكات متنوّعة وبارعة ومفاجئة، قد يستخدم خططاً جديدة وبديلة، تعويضاً عن قيام الدولة والركون إلى بناء مؤسساتها، بالعودة إلى ضرب المواقع لمنعها من الاستقرار وإعادة البناء، وسيستغل الخلافات حول مصير المناطق المحرّرة وعائديتها، خصوصاً وهناك مناطق متنازع عليها في الموصل وبشكل خاص في كركوك، إضافة إلى ديالى، فضلاً عن الخلافات بين ما يسمّى بالسنّية السياسية، حول مناطق النفوذ، وبدا الأمر واضحاً من انعقاد مؤتمرين للسنّة بدلا ً من واحد واختلافات حول التمثيل، إضافة إلى خلافات حادة بين الشيعية السياسية، حول مصير الحشد الشعبي وقياداته ومحاولة توظيف النصر العسكري لصالح هذه الجماعة الشيعية أو تلك، فضلاً عن اختلافات وصراعات كردية- كردية، ساهم في اندلاعها الموقف من الاستفتاء الذي دعا له رئيس الإقليم مسعود البارزاني في 25 سبتمبر (أيلول) القادم.

الأمر لا يخص العراق وحده، فسوريا والتسويات التي ستجري فيها، لاسيّما بعد لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة العشرين، إضافة إلى مخرجات  الأستانة "5"، وارتباط ذلك بتركيا وإيران،والأطراف الإقليمية الأخرى، كلّها ستكون مطروحة في إطار مواجهة المجتمع الدولي لداعش وللإرهاب الدولي.

IV

ولعلّ من الاستخلاصات المبكرة لذلك، القول بأنه ليس من المعقول والمنطقي أن تستمر الصيغة السياسية في العراق ذاتها، تلك التي تأسست بعد الاحتلال وفقاً لنظام المحاصصة الطائفي- والإثني، وقادت إلى اختناقات وردود فعل وتوترات وأعمال عنف وإرهاب وفساد، بسبب الشعور بالتهميش والتمييز وعدم المساواة. وقد يحتاج الأمر إلى إعادة النظر بالدستور ذاته المليء بالألغام، ولكن ذلك يحتاج إلى وحدة وطنية حقيقية وثقة وتوافق وطني ورغبة في التغيير الحقيقي.

 كما لم يعد معقولاً أو منطقياً ما بعد الموصل أيضاً، ممارسة سياسات ترقيعية وتسويات ظرفية على أساس "ترضيات" بعقد المؤتمرات الصاخبة والخطابات الرنّانة وترديد الأناشيد  الحماسية حول الوحدة الوطنية المزعومة في غياب المصالحة الوطنية والمجتمعية وتفاقم المشاكل بين بغداد وإربيل، بل وصولها إلى استعصاءات أحياناً في أجواء عدم الثقة والتهديد بانشطارات قد تكون خطرة على صعيد المنطقة كلها.

ولم يعد مناسباً أو ممكناً غضّ الطرف من جانب الدول الإقليمية والمجتمع الدولي الذي كانت  سياستهما تقوم على اللّامبالاة أو حتى التشجيع غير المعلن أو المبطّن ببقاء الحال طالما بقيت ظواهر العنف والإرهاب خارج حدودهما، دون أن تدركا أن المنطقة متّصلة ومتواصلة مع دول الإقليم والعالم، وإن الإرهاب يمكن أن ينتقل إليهما وهو ما حصل فعلاً، فلم يعد درءه ممكناً، حيث لم ينجُ منه أي مجتمع أو دولة، سواء أكانت إيران أم تركيا أم غيرها مهما ادعت الحصانة والوقاية.

إن الخروج  من دوامّة داعش ما بعد الموصل وتحرير جميع الأراضي العراقية يتطلّب مصارحة ومكاشفة بالأسباب التي أدت إلى ظهور داعش وقيام الداعشية، لأن ما يواجه  العراق والمنطقة ما بعد تحرير الموصل، قد لا يقلّ أهمية إنْ لم يزدْ خطورة عمّا سبقها، خصوصاً لإعادة بناء ما خربته الحرب وإعادة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم وتعويضهم والشروع بوضع خطط تنموية مستدامة وإنسانية وشاملة في جميع المجالات إستناداً إلى مبادئ المواطنة الأساس في الدولة العصرية الدستورية، وعلى أساس حوار مجتمعي ومصالحة حقيقية بعيداً عن المغالبة ووصولاً إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على احترام حقوق الجميع.

وقد دلّت الكثير من التجارب الدولية إن التصدي للإرهاب لن يتم بمثله أي بالضد النوعي، ولكن بوسائل مختلفة، فالغايات الشريفة تتطلّب وسائل شريفة، والوسيلة العادلة هي من صلب الغاية العادلة، وإذا كان الظالم يستخدم وسائل ظالمة، فعكسه ينبغي للعادل أن يستخدم وسائل عادلة، وهذه كثيرة ومتنوّعة، وذلك لأن الجريمة لا تحارب بالجريمة، فجريمتان لا تنتجان عدالة.

باحث ومفكر عربي

مجلة الشروق (الإماراتية )

 

فلسطين ومعركة الثقافة

 

د. عبد الحسين شعبان


في مدينة كراكوف التاريخية (بولونيا) اتّخذت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو)، ومقرّها في باريس، قراراً تاريخياً بتسجيل مدينة الخليل (الفلسطينية)، والتي لا تزال تحت الاحتلال «الإسرائيلي» على لائحة التراث الإنساني العالمي الذي يجب الحفاظ عليه وحمايته، وذلك يوم 7 يوليو (تموز) 2017.
واتخذ القرار في أعقاب تصويت سرّي أثار جدلاً واسعاً ونقاشاً متواصلاً على المستوى الدولي، ولاسيّما ردود الفعل «الإسرائيلية» الحادّة، وذلك لما للقرار من رمزية تتخطّى الجانب التاريخي على أهميته، وتذهب إلى أبعد من ذلك، لاسيّما التشكيك بمجمل الرواية «الإسرائيلية» بخصوص «أرض الميعاد». ولا شكّ أن الصراع هو قديم وجديد في الآن، بل إنه يتجدّد في كل لحظة، وهو لا يتعلّق بالآثار التاريخية فحسب، بل بمجمل الحقوق الوطنية الفلسطينية، وخصوصاً «حق تقرير المصير».
وصوّت لصالح القرار 12 دولة عضو في لجنة التراث العالمي، مقابل 3 دول صوّتت ضده، وامتنعت 6 دول عن التصويت. ويشمل ملف التسجيل: البلدة القديمة لمدينة الخليل والحرم الإبراهيمي العتيق. وقد وضع القرار الحرم الإبراهيمي الذي يطلق عليه اليهود «كهف البطاركة» على قائمة المواقع «المهدّدة». ويعتبر من المقدسات الدينية، حيث دفن فيه الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وكانت مدينة الخليل، لعقود سابقة، مسرحاً للصراعات بين المستوطنين اليهود الذين يعيشون في جيوب استيطانية، بينما يحيط بهم سكان المدينة الفلسطينيون البالغ عددهم نحو 200 ألف نسمة.
ويأتي هذا القرار امتداداً لطائفة من القرارات التي تمّ اتخاذها في وقت سابق، منها قراران مهمّان تم اتخاذهما في العام المنصرم، أحدهما اتخذته «اليونسكو» في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 يقضي باعتبار الأماكن المقدسة في القدس من تراث العرب والمسلمين.
وثانيها: قرار اتخذه مجلس الأمن الدولي في 23 ديسمبر (كانون الأول) 2016 بخصوص وقف الاستيطان «الإسرائيلي» في الأراضي العربية المحتلة، علماً بأن الاستيطان وإجلاء السكان بالإكراه يعتبر «جريمة دولية».
وكانت (الأسكوا) «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا» في وقت لاحق قد أصدرت تقريراً يدين «الأبرتايد»، إزاء الشعب العربي الفلسطيني، وذلك في 15 مارس ( آذار) 2017.
ولعلّ من دلالات قرار اليونيسكو الأخير بخصوص الخليل اعترافه بأنها «مدينة محتلّة»، وبالطبع فلا يحق لسلطة الاحتلال تغيير معالمها أو تركيبتها السكانية أو نظام علاقاتها، طبقاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها: الأول الخاص بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية، والثاني الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية، الصادرين عن المؤتمر الدبلوماسي في جنيف (1973-1977). كما أنه يعيد تأكيد حقوق عرب فلسطين في أرضهم وتراثهم وفي حقهم الدولي غير القابل للتصرّف، ونعني به «حق تقرير المصير».
والقرار من زاوية أخرى يعدّ نصراً لكلّ القوى التحررّية وهزيمة للصهيونية وحماتها، ولذلك فإن السفير «الإسرائيلي» كارمل شاما هاكوهين لدى منظمة «اليونسكو» شنّ حملة قاسية ضد المنظمة ذاتها واعتبرها منحازة للفلسطينيين وأن قراراتها مسيّسة، والسبب أنها انتصرت للعدالة وللتاريخ والحقيقة، حين أكدت «فلسطينية» مدينة الخليل وتراثها الثقافي.
وكانت حكومة بنيامين نتنياهو قد فشلت في محاولاتها لمنع صدور القرار، وحاولت تقديم دلائل باطلة، مضمونها أن تراث مدينة الخليل، يهودي بالأصل، وأن المدينة ترتبط باليهود منذ آلاف السنين، وهي مكان ميلاد مملكة داوود، وتعتبر من أقدم المواقع الأثرية اليهودية. 
القرار الأممي الذي اتخذته اليونيسكو يعكس درجة التفّهم الدولي لشرعية وعدالة القضية الفلسطينية، حيث أخذ العالم ينظر إليها بعين العطف والتضامن، وباقة القرارات الدولية التي تم اتخاذها مؤخراً تعد تطوراً مهماً وتراكماً إيجابياً أخذت وتيرته تزداد وزخمه يتعاظم منذ أن قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1974 الاعتراف ب «منظمة التحرير الفلسطينية» كممثل شرعي ووحيد للشعب العربي الفلسطيني. ومثل هذا التطوّر الكمّي التدرّجي، لا بدّ أن يتحوّل إلى تغيير نوعي بالتراكم، يمكن للفلسطينيين والعرب توظيفه بالاتجاه الصحيح.
وبقدر ما تعكس قرارات المجتمع الدولي تطوراً إيجابياً للقضية الفلسطينية، فإنها بالقدر نفسه تعكس انحسار وتراجع المشروع «الإسرائيلي» وانكشاف مدى اللّاعدالة واللّاشرعية التي قام عليها، إضافة إلى استمرار الاحتلال والاستيطان والعدوان خلافاً لجميع قرارات الأمم المتحدة. ولعلّ كل نجاح فلسطيني دولي يعني فشلاً «إسرائيلياً»، وتلك فرضية ينبغي اعتمادها باستمرار كمؤشر في الصعود الفلسطيني والهبوط «الإسرائيلي».
النجاح الفلسطيني الجديد هو انتصار للدبلوماسية الثقافية، التي ينبغي إيلاء اهتمام أكبر بها، ليس على المستوى الفلسطيني فحسب، بل على المستوى العربي، وهناك الكثير من الشواهد والأدلة، على أننا نحتاج إلى مزيد من العمل والمثابرة والمعرفة والدبلوماسية، لاقتحام هذا الميدان المهم الذي تركنا جزءًا كبيراً منه ل «إسرائيل» في العقود السبعة الماضية، وآن الأوان لكي نُحسن التعامل معه لتحقيق اختراقات جديدة للمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، وذلك بإضافة أبعاد جديدة إلى حقوقنا العادلة والمشروعة.

drhussainshaban21@gmail.com

 

صحيفة الخليج (الاماراتية)

 

 

نظرة أخرى

لمسألة الإتجار بالبشر

عبد الحسين شعبان

 

تحت عنوان “لا طلب.. لا عرض” أعدّت المخرجة المسرحية سمر عسّاف، وبمبادرة من ” مركز الفنون والآداب Mellon Grant في الجامعة الأمريكية في بيروت بالشراكة مع منظمة ” كفى عنف واستغلال”، مسرحية قدمتها وسط جمهور جلّه من النساء والشباب على مسرح المدينة في شارع الحمرا. المسرحية، التي أعقبها نقاش مفتوح مع غادة جبور مسؤولة قسم الإتجار بالنساء في منظمة “كفى”، تناولت موضوع ” الدعارة” والأفكار المغلوطة عنه، واستندت في ذلك إلى مقابلات مسجّلة مع نساء سوريّات ناجيات من شبكة تجارية مختصّة بالإتجار بالبشر ولاسيّما من النساء،  حيث قامت المخرجة عسّاف ذاتها بتسجيل هذه المقابلات بتاريخ 10 ابريل (نيسان) و12 مايو (أيار) 2016 بالتعاون مع غادة جبور.

كما قامت ساندي عيسى وهي مختصة بالصحافة الاستقصائية بتصوير مقابلات مع نساء سوريات ناجيات، إضافة إلى مقابلات مع المقدّم مصطفى بدران الذي اتخذ قرار مداهمة ” بيت الدعارة”، حيث تم احتجاز عدداً من النساء بلغ 75 امرأة. وتابعت المسرحية القرار الإتهامي الصادر بحق الأشخاص المتهمين بالاتجار بالبشر، كما استندت إلى ما يقوله الرجال ” مشترو الجنس″ حول دوافع ممارساتهم وتصوراتهم لعملية الشراء ” الرخيصة” وللمتعة المشتراة، تلك التي وثّقتها بدراسة خاصة. ما يلفت النظر هو الأسلوب المؤثر الذي ناقشت فيه المسرحية بعض الآراء الخاطئة بشأن تجارة الجنس، تلك التي يقترب بعضها من المسلّمات، خصوصاً لجهة شيوعها عن عالم الإتجار بالبشر ولاسيّما بالنساء،وحاولت إخضاع ذلك إلى  منظومة فلسفية فكرية، شكّلت خلفية للمسرحية بجميع مفرداتها، والتي وضعت هدفاً لها هو ” مكافحة الاستغلال الجنسي للنساء والاتجار بهن” والهدف الأعمق والأوسع هو “رفع الوعي” إلى خطورة هذه المسألة التي ترتبط فيها قضايا أخرى مثل تجارة المخدرات وغسل الأموال وتجارة السلاح والإرهاب الدولي. وكانت منظمة “كفى” قد أطلقت حملة في العام 2014 بعنوان ” الهوى ما بينشرى”.

ومن الأخطاء التي تكاد تكون راسخة في هذا الميدان هي تلك التي تزعم ” إن الدعارة أو تجارة الجنس هي أقدم مهنة في التاريخ” ولكن المهنة تتطلّب تأمين الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية والأمن الذاتي، ومثل هذا الأمر مفقود في عملية بيع وشراء الهوى، حيث تتعرّض نسبة كبيرة من النساء إلى أشكال العنف المادي والمعنوي، فضلاً عن العنف الجنسي على يد مشتري الجنس والوسطاء وغيرهم. وتشير إحصائية إلى أن نسبة الوفيات من النساء اللواتي يتعاطين هذه المهنة هي أكثر من 40 بالمئة لدى غيرهن، لذلك إن قدِمْ هذه المهنة لا يبرّر القبول بها كظاهرة حتمية للمجتمعات، وإلاّ فإننا سنقبل بالجريمة بوصفها موجودة منذ القدم.

إن هذه المهنة هي ليست مهنة اختيارية للنساء، وإنما هي اضطرارية ومفروضة وأحياناً بسبب غياب الخيارات الأخرى، والغالبية الساحقة من النساء دخلنها وهنّ دون السن القانوني بسبب الفقر والحاجة وظروف اجتماعية واقتصادية وشخصية قاسية، الأمر الذي يتنافى مع مبدأ الخيار الحر. ويتم الترويج أحياناً إلى إن مثل هذه الممارسة الجنسية، هي من قبيل الحرّية وهي حق للمرأة للتصرّف بجسدها، لكن الظروف التي تجبر المرأة على ممارستها، ولاسيّما الحاجة إلى المال تجعلها خاضعة للرجل الذي يعبّر عن ذكوريته وتسيّده في شراء الجنس. وأشارت دراسة لمنظمة كفى إن 80 بالمئة من مشتري الخدمات الجنسية، هم من الذين يشاهدون أفلاماً جنسية ويحاولون تمثيلها مع النساء من خلال شراء الجنس. وتبرّر بعض الأطروحات الخاطئة إن الرجل بحاجة إلى تعدّدية الممارسة الجنسية لأنه لا يستطيع السيطرة على شهواته، الأمر يدفعه لتبرير شراء الجنس، وتلك مسألة تشكّك بها الدراسات الاجتماعية والنفسية، مثلما تقول وجهة نظر أخرى خاطئة لو لم تعرض المرأة جسدها للبيع، فسوف لا يجد الرجل الخدمات الجنسية لشرائها، مثلما هناك وجهة نظر أخرى تقول إن تحريم تجارة الجنس يجعلها سرّية أو غير مرئية، الأمر الذي يحمل فكرة خاطئة تدعو إلى ترخيص بيعه، بمبرر إنه سيبقى تحت الرقابة ومقنن شرعياً.

وحسب القانون الدولي فإن الإتجار بالأشخاص بهدف الاستغلال الجنسي محرّم، خصوصاً استغلال الضحايا وأوضاعها الصعبة، الأمر الذي يجعل من ذلك جريمة يحاسب عليها القانون، لاسيما استغلال الموقع الضعيف للنساء وخداعهن أو تهديدهن أو ابتزازهن، لاستقطابهن أو إبقائهن في دائرة بيع الخدمات الجنسية. لقد وظّفت المسرحية تقنية آليكي بلايت ” التوصيل المسجل” واعتمدت على مونتاجات لمقابلات من الحياة اليومية، وجاء عرضها على هامش ” إعادة الإعمار ما بعد الحرب: سوريا والعراق واليمن وفلسطين”. إن مسألة الاتجار بالبشر ومنها تجارة الجسد مسألة قانونية وحقوقية وأخلاقية ودينية، إضافة إلى كونها مسألة إنسانية أساساً، ولا بدّ من حملة توعوية وتربوية بين النساء والرجال، لوضع حد لآثارها الضارة، ناهيك عن إنزال أقسى العقوبات بمرتكبيها.

{ باحث ومفكر عربي

(الزمان ) البغدادية

 

ما بعد الموصل..

«داعش» و«الداعشية»

 

د. عبد الحسين شعبان


من السابق لأوانه القول إن هزيمة «داعش» في الموصل هي نهاية له، على الرغم من الجانب الرمزي في سياق مواجهة التنظيم الإرهابي. والأمر له علاقة بأسباب داخلية وأخرى خارجية، وله أبعاد فكرية ودينية وطائفية وسياسية واقتصادية واجتماعية وقانونية وتاريخية وتربوية ونفسية، أي أنه يتعلق بمجمل الأوضاع التي أدت إلى نشوء التنظيمات الإرهابية، ابتداء من تنظيم القاعدة ووصولاً إلى تنظيم «داعش». وبقدر ما هناك بيئة عراقية ساعدت على نشوئه، فهناك فضاء إقليمي ساهم في انتشار فيروسه، وتأمين حركته وانتقاله، مستفيداً من أوضاع دولية وإقليمية.
وإذا كان دخول الجيش العراقي جامع النوري الكبير الذي أعلن منه أبو بكر البغدادي دولته في يونيو/ حزيران العام 2014، قد طوى صفحة من صفحات التنظيم، فإن صفحات أخرى، ربما أهم بحاجة إلى أن تطوى تماماً، ليُصار إلى إغلاق هذا الملف كليّاً والتخلّص من تبعاته وآثاره، وقد يحتاج الأمر إلى وقت وجهد لا يمكن الاستهانة بهما لتحقيق هذا الهدف. والأمر لا يتعلق بالعراق فحسب، بل في سوريا أيضاً حيث تتزامن المعارك لتحرير الرقة من قبضة «داعش»، وفي بقية المناطق والبلدان التي عمل فيها «داعش» ولا يزال، مثلما هناك بلدان أخرى لديه فيها خلايا نائمة حتى وإن لم تظهر إلى العلن أو أنه لم يقرّر تنفيذ عمليات إرهابية مباشرة فيها، لكنها تعتبر ممرّاً وعيناً ومموّلاً له.
لم ينشأ «داعش» من فراغ، بل هو حصيلة ثقافة سائدة بأشكال مختلفة سيطرت على عقول شباب يائس جرت عملية غسل دماغ لهم بشكل منهجي طوال عقود من الزمان، ووجدت ضالتها في الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، حيث الفقر والجهل والأمية وشحّ الحرّيات والتمييز، إضافة إلى الإذلال الذي تعرّضت ولا تزال له شعوب بكاملها جراء اختلال نظام العلاقات الدولية، وكل ذلك أوجد مناخات لانتعاش الإرهاب وتفقيس بيضه، لاسيّما بفشل الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال في العديد من دول المنطقة وعدم قدرتها على إنجاز مهمات التحرر الوطني وتحقيق التنمية المنشودة بمختلف جوانبها، يضاف إليها دور العنصر الخارجي والتدخّلات الأجنبية والحروب والاحتلال والعدوان المستمر.

ولعبت المدرسة بشكل عام والمناهج التربوية بشكل خاص، إضافة إلى بعض المؤسسات الدينية وبعض رجال الدين بخطابهم الماضوي الإلغائي إزاء الآخر، دوراً سلبياً في نشر أجواء التشدّد والتعصّب المنتجة للتطرّف، وهذا الأخير حين يتحوّل من الفكر إلى الممارسة، ينتج عنفاً وإرهاباً، كجزء من عقيدة استعلائية تدّعي امتلاك الحقيقة والأفضلية بالتعكّز على الدين وزعم القرب إلى الله، الأمر الذي ساعد في سيادة الخطاب الآحادي والتفسير «الإسلاموي»، باعتباره مقدساً وغير خاضع للنقاش والجدل، علماً بأنه مجرد اجتهاد فقهي قابل للخطأ والصواب.

هكذا نمت «الداعشية» في إطار المنظومة الثقافية السائدة، خصوصاً بضعف المواطنة أو الشعور بها وغياب أو شحّ مبادئ الشراكة والمشاركة والمساواة والعدالة الاجتماعية التي هي أركان أساسية للمواطنة، فما بالك حين تمارس سياسات تمييزية وانتهاكات لحقوق الإنسان.
والآن كيف يمكن أن تسهم عملية تحرير الموصل في دحر «داعش» والأهم من ذلك في القضاء على «الداعشية» كفكر إرهابي، إقصائي، استئصالي متطرّف وضد قوانين الطبيعة والمدنية والعصر؟ ف «الداعشية» لا تزال تمتلك تأثيراً آيديولوجياً على قطاعات يائسة من الشباب لشعورها بالتمييز والقنوط وانعدام الأمل. وحتى من الناحية العسكرية والسياسية ف «داعش» ما زال يهيمن على مناطق أخرى مثل قضاء تلعفر القريب من الموصل وصحراء نينوى والأنبار، إضافة إلى قضاء الحويجة وقضاء الشرقاط والشريط العمراني الواصل بين قضاءي حديثة والقائم على الحدود العراقية - السورية، وذلك بالطبع يحتاج إلى جهد مركّب ومتنوّع بما فيه حملة دعائية وفكرية ضده بمنظومة قيمية نقيضة له.

صحيح أن هزيمة «داعش» العسكرية في الموصل ستنعكس إيجاباً على المعارك التي ستدور في هذه المناطق على الرغم من استحقاقات كل واحدة منها، الأمر الذي يتطلّب جهداً عسكرياً واستخبارياً وأمنياً مكثّفاً دقيقاً وهادفاً للحفاظ على أرواح وممتلكات المدنيين، إضافة إلى جهد ثقافي وتربوي وديني واقتصادي واجتماعي لمواجهة الفكر «الداعشي» و«الداعشية» عموماً، خصوصاً بتفكيك خطابها وعناصر فكرها وفقاً لمنهج متسامح وإنساني وعصري.
إن القضاء على «الداعشية» يحتاج إلى مشروع بديل، بحيث يتكرّس الانتصار الفكري استراتيجياً بمختلف الجبهات والميادين ليستطيع أن يحلّ محلّ «داعش» و«الداعشية»، والمدخل إلى ذلك في العراق هو سرعة إعادة بناء ما خرّبته الحرب وإعادة النازحين إلى مناطقهم وتعويضهم، والشروع في تنمية البلاد وفق خطط مدروسة ومتدرّجة، وحل مشكلة المناطق المتنازع عليها بتطبيق المادة 140 من الدستور، وبالطبع، فالأمر يحتاج إلى توفّر إرادة سياسية موحدة وتحقيق مصالحة وطنية حقيقية، وإعلاء شأن المواطنة كقيمة عليا خارج نطاق نظام المحاصصة الطائفية - الإثنية ووضع حد لظاهرة الفساد، الوجه الآخر للإرهاب، فذلكم هو السبيل للقضاء على «الداعشية».

صحيفة الخليج (الإماراتية

 

 

العنف والإرهاب وما بينهما

د. عبد الحسين شعبان


غالباً ما يُطرح بُعيد كل عمل إرهابي السؤال عن العلاقة بين العنف والإرهاب، وهل كل عمل عنفي هو عمل إرهابي؟ وأين يمكن إدراج حقّ الدفاع عن النفس؟ وكيف السبيل للتحرر من شباك العنف وبالتالي الإفلات من شرنقة الإرهاب؟
ولأنّ الإرهاب يضرب في كلّ مكان، وهو في الأغلب الأعمّ يكون عشوائياً، فإنّ هدفه تهديد المجتمع وإرعاب الناس وإضعاف الثقة بالدولة وإعلاء شأن الجماعة الإرهابية، فذلك لأنّه لا ينشغل بالضحية، بل يرتكب عمله بقصد إلغائي، تدميري، في محاولة لفرض نمط «مختلف»، وسلوك «غريب» وحياة «غير مألوفة» لما هو سائد، وذلك بواسطة القوة والعنف، كما هو إرهاب تنظيم «داعش» مثلاً. 
ثمة فوارق أحياناً بين العنف والإرهاب، وإن كان كلاهما يشكّلان جريمة بالتجاوز على القانون، لكن معظم الجرائم التي تقوم بها القوى الإرهابية تتم ضدّ مجهول وفي قطاعات شعبية، لا علاقة لها بالصراع وبما يحدث، في حين أن العنف يستهدف الضحايا بالتحديد، أي أنه يختارهم اختياراً، لغرض محدّد.
الإرهاب والعنف جريمتان تستهدفان ضحايا، لكن الجريمة الأولى هدفها يختلف عن الجريمة الثانية، فجريمة العنف تندرج تحت لواء القانون الجنائي ضدّ أفراد أو جهات محدّدة، في حين أن جرائم الإرهاب تُحتسب على الجرائم ضد الإنسانية، وهي جرائم جماعية وجرائم إبادة وتحكمها قواعد القانون الإنساني الدولي، إضافة إلى القوانين الوطنية.
وهنا لا ينبغي أن نهمل الجانب الفكري للإرهاب فهو يمثّل فكراً ناجماً عن تطرّف وهذا الأخير يقوم على التعصّب. وإذا كانت المجابهة مع الإرهاب عسكريّة فإنها لن تؤدّي إلى القضاء عليه لوحدها، بل ينبغي أن تتعدّاه إلى تفكيك الظاهرة ومتابعة حلقاتها وكشف أهدافها ووسائلها، ومحاربتها بفكر مضاد وبوسائل مختلفة، ف«الوسيلة جزء من الغاية»، بل إنهما مترابطان، ولا غاية شريفة بدون وسيلة شريفة، وعلى حدّ تعبير المهاتما غاندي، «الوسيلة والغاية مثل البذرة من الشجرة».
وإذا كان الفكر الإرهابي أحاديّاً وإقصائيّاً ومعادياً للآخر، فإنّ الفكر النقيض الذي تحتاجه مجتمعاتنا ينبغي أن يقوم على الاعتراف بالآخر، والإقرار بالتعددية والتنوّع، وهذا يتطلّب نبذ التمييز بجميع أشكاله، سواء كان دينياً أو إثنياً أو بسبب اللون أو الجنس أو اللغة أو الأصل الاجتماعي أو لأي سببٍ كان، أي الاعتراف بمبادىء المساواة.
الإرهابي لا يؤمن بالحوار ويحاول أن يبسط سلطانه على محيطه بالقوة، وبدلاً من الإقناع يلتجئ إلى التفجير والمفخخات خارج أي اعتبار إنساني، طالما تتلبسه فكرة «امتلاك الحق» والسعي للوصول إلى هدفه بكل الوسائل، المشروعة وغير المشروعة أحياناً، وقد تكون هذه الأخيرة بنظره مشروعة، طالما يحاول «أدلجة» سلوكه وإعطاء نفسه مبرّرات قمع الآخر أو تصفيته، سواء كان ذلك بزعم الدخول إلى الجنّة أو إبادة الخصم الكافر أو القضاء على المروق والإلحاد، أو غير ذلك من محاولات إخضاع الآخر.
وإذا تمكّن التطرّف من التوغّل في العقول، والتغلغل فيها، فإنّه سيتمكّن ممّن يُصاب بلوثته، خصوصاً من تعرّض لعمليّة غسل دماغ لدرجة تعمي بصيرته وتشلّ مشاعره الإنسانية، ليقوم بفعلته، سواء بتفجير نفسه أو تفجير عدوّه أو خصمه، أو السعي لإذلاله والقضاء عليه.
ولكن ما السبيل لقطع دابر الإرهاب؟ هل بالعنف أو بالقوة والوسائل العسكريّة ؟ التجارب أكّدت إن المعالجة الأمنية غير كافية لوحدها، لأن الإرهاب يتناسل ويتوالد إذا ما استمرّت الظروف المؤاتية لتناميه، إذ لا يمكن القضاء على الإرهاب إلاّ بنشر الفكر المعاكس والمضاد، وبالمزيد من احترام الحقوق والحرّيات واعتماد مبادئ المواطنة المتساوية وتحقيق القدر الكافي من العدالة وتحسين ظروف العيش الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية.
لقد سمّم الإرهاب القائم على التطرّف والتكفير علاقات المجتمعات مع بعضها بعضاً، وأضرّ بعلاقات فئاتها وأديانها ومذاهبها وحتى أفرادها، مثلما أشبع المجتمعات الدولية بهواء ثقيل ورائحة كريهة، ولكن الخطر الأكبر هو السيطرة على عقول الشباب أفراداً وجماعات والعبث بها، خصوصاً بزراعة الكراهية وتبرير العدوان وإيجاد الذرائع لإقصاء الآخر واستسهال عمليات القتل والتفجير.
وإذا كانت يد الإرهاب طويلة وضاربة، فليس ذلك بفعل الإمكانات المادية والاقتصادية فحسب، فمثلها بعشرات ومئات الأضعاف يوجد في العالم، لكن التطرّف والتكفير قوي بقدرته على اختراق عقول الشباب العاطل، الممسوس بكرامته والشاعر بشحّ فرص العيش الكريم وانعدام العدالة وعدم المساواة وحالات الإحباط واليأس التي يصاب بها.
drhussainshaban21@gmail.com

صحيفة الخليج الاماراتية

 

 

عن المصالحة الوطنية

وإدارة الأزمات

عبد الحسين شعبان


راجت في العقود الأخيرة، خصوصاً بعد تجربة الانتقال السياسي في أوروبا الشرقية وجنوب إفريقيا، وبعض دول أمريكا اللاتينية، فكرة المصالحة الوطنية، ووَجدت هذه الأخيرة في «العدالة الانتقالية» وسيلة لتحقيقها. وفي المنطقة العربية ارتفع الجدل، واتسع النقاش حولها، بين موالاة ومعارضة، بعد موجة ما أطلق عليه ب«الربيع العربي»، تأييداً، أو تنديداً، فهناك من يرفعها إلى درجة التقديس، في حين أن هناك من ينزلها إلى درجة التدنيس، ولكل تفسيراته، ومبرراته. وبين هذا وذاك، فالمصالحة الوطنية، كما أكدت العديد من التجارب الكونية مسألة ضرورية للانتقال الديمقراطي.
لكن المصالحة الوطنية تحتاج إلى شروط ومستلزمات لإنجاحها، مثلما تستوجب وجود جهة معتمدة لإدارة النزاع، وهذه الجهة يمكن أن تفرزها التطورات ذاتها، لا سيما بتبادل المواقع بين معارضات سابقة، وحكومات معزولة، وما بينهما، حيث تبرز مشكلات عدة، واتهامات وملاحقات، تحتاج إلى الفصل فيها من جانب القضاء، أو عبر عملية سياسية انتقالية جديدة، وهو ما يندرج في إطار العدالة الانتقالية، التي تكون المصالحة الوطنية ختامها. كيف السبيل للوصول إلى المصالحة الوطنية المنشودة، خصوصاً بعد اندلاع العنف، وانفجار الصراع المسلح؟ بالتأكيد سيكون ذلك صعباً، بل عسيراً أحياناً، ولكنه ليس مستحيلاً، فقد توصل الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس، إلى إنهاء النزاع المسلح مع المعارضة، الذي دام 52 عاماً بفعل توفر إرادة سياسية، ووصول الطرفين إلى قناعة أنه لا يمكن لأحدهما القضاء على الآخر، الأمر الذي يحتاج إلى تقديم تنازلات متبادلة وصولاً للمصالحة الوطنية. 
ويتطلب ذلك أحياناً جهوداً كبيرة قد تتخطى القدرات الوطنية، لتتشابك مع قدرات إقليمية ودولية، وهي من دون أدنى شك تحتاج إلى اتخاذ تدابير وإجراءات استثنائية، لأن العنف ومحاولات الاستئصال تقود إلى شق المجتمعات بين موالين وأتباعهم، ومعارضين وأنصارهم، وستترك بلا أدنى شك، تداعيات اجتماعية خطرة، لا سيما إذا طال أمدها، لأنها ستؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، والروابط التقليدية.
والمسار الذي تتخذه إدارة الأزمات يبدأ بمحاولة الاحتواء
containment، ثم يأخذ منحى تحويل الأزمة transformation، وأخيراً البحث عن الحلول الممكنة، أي اتخاذ قرار resolution بعد بحث ونقاش واتفاق، وقد يستغرق ذلك فترات زمنية طويلة وخطوات تدريجية، وصولاً لإنهاء النزاع، وتحقيق المصالحة الوطنية، أي تحويل النزاع العنفي العسكري إلى نزاع مدني إيجابي وبناء، تتم فيه معالجة مسببات النزاع الرئيسية، وصولاً إلى حله. ويحتاج ذلك إلى فتح حوارات واسعة، والبحث عن المشتركات المشروعة للأطراف المتنازعة، والسعي للتغلب على بعض المعضلات، لا سيما التوصل إلى توافق وطني يقدم الأولويات الوطنية على المصالح الخاصة، بأخذ أهداف الفرقاء المتنازعين في الاعتبار.
وتعتمد إدارة الأزمات على مسارات متعددة عبر تفعيل الدبلوماسية الرسمية والشعبية، والاستعانة بالتعليم والبحث العلمي وقطاعات المال والأعمال والإعلام والاتصالات، إضافة إلى دور بعض رجال الدين والشخصيات الاجتماعية والثقافية، كما يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دوراً إيجابياً على هذا الصعيد، لكن ثمة عقبات تعترض الوصول إلى المصالحة الوطنية المنشودة، من أهمها تسييسها، أي جعلها وسيلة لإملاء الإرادة بفرض تنازلات من طرف على حساب طرف آخر. مثلما تتشبث بعض الأطراف المستفيدة من استمرار الصراع بمواقفها وإصرارها على محاكمة عهد كامل، أو اجتثاث جميع من كان بارزاً فيه، الأمر الذي سيكون عقبة أمام التوصل إلى مصالحة وطنية شاملة.
إن حالة عدم الاستقرار السياسي، والانفلات الأمني، وضعف المؤسسات العسكرية، وجهات إنفاذ القانون، تحول دون إنجاح المصالحة الوطنية، لا سيما إذا كان السلاح منتشراً، والثقة بين الفرقاء المتنازعين غائبة. 
أما الخطوة الأولى لنجاح عملية المصالحة فإنها تتطلب اعترافاً رسمياً بما حصل من انتهاكات لحقوق الإنسان، ومساءلة المتهمين بارتكابها، لا سيما إذا كانت انتهاكات جسيمة، وممنهجة، والهدف ليس الانتقام والثأر بقدر ما يُراد التوصل إلى إحقاق الحق وتحقيق العدالة، مع أخذ مبادئ التسامح في الاعتبار.
وحسب تعبير لزعيم عراقي راحل، ينبغي اعتماد مبدأ «الرحمة فوق القانون»، وهو ينطبق أكثر على الظروف الاستثنائية، وهي التي نطلق عليها تعبير «العدالة الانتقالية»، أي أنها عدالة مؤقتة وانتقالية، محكومة بظروف استثنائية، وبانتقال البلاد من طور إلى طور آخر، ومن نظام إلى آخر، باستخدام أدوات قضائية وسياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وغيرها، كما ينبغي أن تبقى الذاكرة الوطنية حية، حين يتم جبر الضرر وتعويض الضحايا والمتضررين، مادياً ومعنوياً، وإصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني، لكي لا يتكرر ما حصل.

drhussainshaban21@gmail.com

صحيفة الخليج الاماراتية

 

مسؤولية الأمم المتحدة

إزاء المأساة الفلسطينية

د. عبد الحسين شعبان

أعاد إضراب الأسيرات والأسرى الفلسطينيين التساؤلات القديمة الجديدة حول مسؤوليّة الأمم المتحدة إزاء مأساة الشعب العربي الفلسطيني، خصوصاً وقد سبقه قرار للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس بسحب تقرير «الإسكوا» الخاص ب«الممارسات «الإسرائيليّة» تجاه الشعب الفلسطيني، ومسألة الأبرتايد» وبسببه قدّمت ريما خلف الأمينة العامة التنفيذية السابقة لل«إسكوا» استقالتها، بعد أن أشارت بإصبع الاتهام إلى القوى المتنفّذة التي مارست ضغوطاً على الأمين العام لاتخاذ هذا الإجراء.

وبغض النظر عن تقرير «الإسكوا» (المسحوب) فإن «إسرائيل» عملت منذ قيامها على تأسيس نظام فصل عنصري «أبرتايد» يهدف إلى تسليط جماعة عرقيّة على أخرى. حيث تُعرّف قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان جريمة الفصل العنصري بأنّها «أية أفعال لا إنسانيّة ترتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والهيمنة المبرمجة، من جانب جماعة عرقيّة واحدة إزاء أيّة جماعة أو جماعات عرقيّة أخرى، وترتكب بنيّة الإبقاء على ذلك النظام».
وإذا كان نظام الفصل العنصري قد انقرض على الصعيد العالمي بعد نهاية نظام جنوب إفريقيا ونظام ناميبيا (جنوب غربي إفريقيا)، فإنّ رحيلهما لم يُبطِل وجود أنظمة عنصريّة أخرى، وهو ما حاول تقرير «الإسكوا» تأكيده، من خلال وقائع وممارسات تخضع للتعريف المذكور، وتقوم بها «إسرائيل».
الدليل الذي حاول تقرير «الإسكوا» الاستناد إليه، هو الوضع المأساوي والتمييزي الذي يعيشه الشعب العربي الفلسطيني في كلّ مكان، سواء في الداخل «الإسرائيلي» أو ما يطلق عليه «عرب ال 48»، فهؤلاء يخضعون ل«القانون المدني» مع قيود خاصّة، ويبلغ عددهم أكثر من مليون وسبعمئة ألف نسمة. أمّا الذين يعيشون في مدينة القدس فيطبّق عليهم قانون «الإقامة الدائمة» ويربو عددهم على ثلاثمئة ألف فلسطيني.
ويطبّق على الفلسطينيين الذين يعيشون منذ العام 1967 تحت الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزّة أو مخيّمات اللجوء «القانون العسكري» ويبلغ عددهم اليوم ستّة ملايين وستمئة ألف فلسطيني، أكثر من ثلثيهم في الضفّة، والبقيّة في القطاع.
والقسم الرابع من الفلسطينيين خارج «إسرائيل» وهؤلاء متضرّرون أيضاً من قوانين الفصل العنصري، ومحرومون من حقّهم في العودة، طبقاً للقرار 194 لعام 1948، لأن «إسرائيل» تعتبر عودتهم تهديداً ديموغرافياً لها، وهي التي تخشى «القنبلة الديموغرافية الفلسطينيّة». إنّ هذه الفضاءات التمييزيّة الأربعة، إضافة إلى محاولة «إسرائيل» تكريس نفسها كدولة «يهوديّة أحاديّة التكوين» خصوصاً، بغياب مبادئ المساواة والعدالة، تلك التي تضع ممارساتها في خانة الفصل العنصري، فماذا ستقول الأمم المتحدة بشأن التعريف الدولي للأبرتايد ؟ الذي يرتكز على عنصرين أساسيين هما:

الأول، الانتماء إلى جماعة عرقيّة يشملها التمييز والاضطهاد. 
والثاني، حدود وخصائص الجماعة العرقيّة، والمقصود هنا وضع الفلسطينيين الذين لهم الحق في تقرير المصير، طبقاً للعهدين الدوليين الصادرين عن الأمم المتحدة، العام 1966، وقد أشار إلى ذلك قرار محكمة العدل الدوليّة في لاهاي العام 2004، بخصوص الآثار القانونيّة الناشئة عن تشييد جدار الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة.

ويبدو أنّ الأمم المتحدة تقف منذ فترة ليست بالقصيرة عاجزة أمام تغوّل القوى المتنفّذة وتنكّر «إسرائيل» إلى قراراتها. وإلّا كيف تُصدر قرارات تدعوها للانسحاب من الأراضي المحتلّة عام 1967 (القراران رقم 242 لعام 1967 و338 لعام 1973) في حين أنّ الأخيرة تتمادى في تجاهلها لدرجة أنّ الكنيست اتخّذ قراراً العام 1980 بضمّ القدس، وقراراً آخر في العام 1981 بضمّ الجولان، ولم تأخذ الأمم المتحدة أي خطوات عمليّة رادعة، أو من شأنها مساءلة المرتكب جرّاء خرقه المستمر لقواعد القانون الدولي، وتهديده للسلم والأمن الدوليين وفي المنطقة.
وإذا كان الأمين العام جوتيريس قد استجاب لضغوط القوى المهيمنة وسحب تقرير «الإسكوا»، فكيف سيتعامل مع قرارين دوليين تمّ اتخاذهما من جانب جهتين دوليّتين رفيعتي المستوى؟ الأول من منظّمة اليونيسكو في 18 أكتوبر(تشرين الأول) 2016 ، يعتبر الأماكن المقدّسة في القدس من تراث العرب والمسلمين. والثاني من مجلس الأمن الدولي في 23 ديسمبر(كانون الأول) 2016 يطالب «إسرائيل» بوقف الاستيطان، الذي هو جريمة دوليّة يعاقب عليها القانون الدولي.

وإذا كان يجدر بالعرب ودولهم انتهاز فرصة إضراب «الأمعاء الخاوية»، الذي استمر أكثر من 40 يوماً وصدور قرارات دوليّة مهمّة، شنّ حملة دبلوماسيّة وقانونيّة لمساءلة المرتكبين «الإسرائيليين» ومن ثمّ تجريمهم ؟ فإن ذلك يقع في صلب مسؤولية الأمم المتحدة. 
ويمكن للمجتمع المدني العالمي أن يُسهِم فيها، وهو الذي سبق له أن اتّخذ قراراً تاريخيّاً بمشاركة نحو 3000 منظّمة دوليّة في المؤتمر العالمي ضد العنصريّة المنعقد في «ديربن» (جنوب إفريقيا) العام 2001، حيث دمغ الممارسات «الإسرائيليّة» بالعنصريّة.

drhussainshaban21@gmail.com

 

جريدة الخليج الاماراتية

 

في التباس مفهوم

 الإرهاب الدولي

 

عبد الحسين شعبان


أعادتنا الأحداث الإرهابية التي حصلت في لندن ومانشستر ببريطانيا والمنيا بمصر، والتي راح ضحيتها عدد كبير من الأبرياء، إلى سؤال كبير، ما هو الإرهاب الدولي؟ وهو السؤال الذي ظل عائماً طوال عقود من الزمان، وفشلت عصبة الأمم وبعدها هيئة الأمم المتحدة في إيجاد تعريف محدّد له ولمعناه ومبناه. 
وفي الكثير من الأحيان يتم خلط الإرهاب بالمقاومة لأغراض سياسية، وهو ما تعتمده «إسرائيل»  في سياستها التوسعية الاستيطانية، حين تعتبر كل مقاومة لإرهابها الدولي، «إرهاباً»، علماً بأن المقاومة عمل مشروع من أجل «التحرر الوطني»، حسب القانون الدولي، مثلما هو حق الدفاع عن النفس طبقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وبسبب غياب تعريف واضح، وكما يُقال في القانون، «جامع مانع» للإرهاب الدولي، فهناك تعريفات متناقضة ومتعارضة تطلق على توصيف بعض الأعمال تبعاً للجهة التي خلفها أو المستفيدة منها، وهذه تتراوح بين التأييد والتنديد، وبين التقديس والتدنيس، فما هو الإرهاب الدولي؟


رصد الباحث ألكس شميد
Alex Schmid في كتابه Political Terrorism وجود نحو 109 تعريفات لمصطلح الإرهاب، وهي تنطلق من خلفيات ومصالح سياسية مختلفة. ويذهب الباحث والمفكّر الأمريكي نعوم تشومسكيNoam Chomsky إلى تحديد مضمون الإرهاب، الذي يعني حسب وجهة نظره: كل محاولة لإخضاع أو قسر السكان المدنيين أو حكومة ما عن طريق الاغتيال والخطف أو أعمال العنف، بهدف تحقيق أهداف سياسية، سواء كان الإرهاب فردياً أو تقوم به مجموعات أو تمارسه دولة، وهو الإرهاب الأكثر خطورة. وعلى الرغم من وجود حزمة من القرارات الدولية بخصوص الإرهاب، لكنها ومنذ العام 1963 كانت قطاعية، أي أنها تشمل تشريعات تتناول بعض مجالات الإرهاب مثل الهجمات الإرهابية على متن الطائرات أو الاستيلاء عليها أو تهديد النقل الجوي أو مكافحة التفجيرات أو تمويل الإرهاب الدولي أو مكافحة الإرهاب النووي أو غيرها، إلا أن معظم الاتفاقيات التي صدرت عن الأمم المتحدة لم تعالج موضوع الإرهاب بصورة شاملة، بل عالجت ظواهر الإرهاب الفردي وإرهاب الجماعات، واستبعدت معالجة ظاهرة الإرهاب الدولي الذي تمارسه الدول وحكوماتها.
وحتى بعد صدور ثلاثة قرارات دولية من مجلس الأمن الدولي عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول العام 2001 إلاّ أن التعريف ظل ضبابياً إن لم تكن المهمة أصبحت أكثر تعقيداً، وهذه القرارات هي:
1- القرار رقم 1368 الذي صدر بعد يوم واحد من أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الذي أرخ لفاصل تاريخي بخصوص مكافحة الإرهاب الدولي.
2- القرار رقم 1373 الصادر في 28 سبتمبر/أيلول العام 2001، (أي بعد سبعة عشر يوماً من الحدث الإرهابي)، وهو أخطر قرار في تاريخ المنظمة الدولية، عندما أعطى الحق للدول (المتنفّذة بالطبع) بشنّ حرب استباقية أو وقائية بزعم وجود «خطر وشيك الوقوع» أو «محتمل»، ويعتبر هذا القرار عودة للقانون الدولي التقليدي الذي يجيز «الحق في الحرب» و«حق الفتح» «والحق في الحصول على مكاسب سياسية في الحرب»، وذلك تبعاً لمصالح الدولة القومية.
3- القرار رقم 1390 الصادر في 16 يناير/كانون الثاني 2002 والذي فرض على الدول التعاون لمكافحة الإرهاب الدولي، وإلاّ فإنها يمكن أن تتعرض إلى العقوبات الدولية.
كما أصدر مجلس الأمن 4 قرارات دولية أخرى بعد احتلال «داعش» للموصل، في 10 يونيو/حزيران 2014، وهي على التوالي:
1 - القرار رقم 2170 وصدر في 15 أغسطس/آب 2014، وذلك على خلفية سلّة القرارات التي أشرنا إليها.
2 - القرار رقم 2178 وصدر في 24 سبتمبر/أيلول 2014، ونصّ على «منع تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق». ودعا الدول إلى «وضع ضوابط فعالة على الحدود، وتبادل المعلومات».
3 - القرار رقم 2185 وصدر في 20 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014، وأكد على دور الشرطة كجزء من عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلم والأمن الخاص بالبعثات السياسية، وعلى التعاون المهني لمكافحة الإرهاب ومشاركة الجميع.
4 - القرار رقم 2195 الصادر بتاريخ 19 ديسمبر/كانون الأول 2014 حول التهديدات التي يتعرض لها السلم والأمن الدوليان. 
وقد صدرت هذه القرارات جميعها بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بتنفيذ العقوبات في الحال واستخدام جميع الوسائل المتاحة بما فيها القوة لوضعها موضع التطبيق.
ومع أنّ تعريف الإرهاب مسألة مهمّة لجهة التحديد القانوني، إلّا أنّ الدول العظمى المتنفّذة لا ترغب في الوصول إلى توافق دولي حول مضمونه ومعناه، لأنّه يتعارض مع مصالحها ومحاولاتها لبسط هيمنتها، كما يحدّ من استخداماتها لأشكال متنوّعة من القوّة، التي قد ترتقي إلى الإرهاب الدولي.

drhussainshaban21@gmail.com

 

صحيفة الخليج الاماراتية

 

 

 

ما الذي تبقّى

من المشروع الفلسطيني؟

 

عبد الحسين شعبان

حين يخصّص مركز الخليج للدّراسات (التّابع لدار الخليج)، مؤتمره السنوي السابع عشر المنعقد في الشارقة، لبحث موضوع "مستقبل المشروع الفلسطيني" وبمشاركة نخبة متميّزة من المفكّرين والباحثين العرب من فلسطين والمغرب والبحرين ومصر والعراق والإمارات وغيرها، فذلك له دلالات عديدة:  

أوّلها- إنّه يستعيد القضية الفلسطينية كمحور للقضايا العربية، خصوصاً وتشهد الساحة العربية اليوم ، بل ومنذ ثلاث عقود من الزمان،  تراجعات مختلفة، لا سيّما لشيوع ظواهر التعصّب والعنف والإرهاب والطائفيّة، تلك التي زادت من الانقسامات والتباعدات والاحترابات العربية الموجودة أساساً، في حين كانت القضية الفلسطينية جامعاً ومشتركاً ومرتكزاً للعمل العربي الموحّد، وإنْ كان بحدّه الأدنى الذي أُطلق عليه "التضامن العربي" الذي بدأ هو الآخر بالتقهقر، والذي طال اليوم الدولة العربية بوجودها ووحدتها باندلاع حروب أهلية ونزاعات مذهبية.

وثانيها-  محاولة  نابهة لردّ الاعتبار للقضية الفلسطينية في الوعي العربي الذي أخذ بالتصدّع، خصوصاً وأنّها تتزامن مع إعلان الأسرى الفلسطينيّين الإضراب عن الطعام في "السجون الإسرائيليّة" وسط حالة من اللّامبالاة على أقلّ تقدير على الرّغم ممّا ترتّبه من مسؤوليّات دولية يمكن استنفارها، لأنّها تتعلّق بالحقوق والقوانين والشرعيّات الدولية التي تنتهكها "اسرائيل" جهاراً نهاراً دون أيّ رادع أو مساءلة.

وثالثها- إنّ توقيت انعقاد المؤتمر يأتي بعد صدور قرارين دوليّين مهمّين : الأوّل عن منظمة اليونيسكو بتاريخ 18 أكتوبر (تشرين الأوّل) العام 2016 والخاص باعتبار الأماكن المقدّسة في القدس من تراث العرب والمسلمين. وكان هذا القرار قد استكمل بقرار لاحق صدر بعده بعدّة أيّام (26 أكتوبر- تشرين الأول) أدان الانتهاكات "الإسرائيليّة " في الأماكن المقدّسة، وهو القرار الذي وصفه "كرمل شامة هاكوهين" السفير "الإسرائيلي" لدى اليونيسكو  بقوله:  "إنّ هذا القرار هو الأكثر عبثيّة ومكانه الوحيد مزبلة التاريخ" .

أمّا القرار الثاني فكان قد صدرعن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 23 ديسمبر ( كانون الأوّل) 2016 والخاص بمنع الاستيطان، إضافة إلى صدور تقرير من منظمة الإسكوا الذي أدان بدوره "الأبرتايد الإسرائيلي" وكان "أنطونيو غوتيرس" الأمين العام للأمم المتّحدة قد قرّر سحب التقرير، فما كان من ريما خلف المديرة التنفيذيّة للإسكوا إلّا أن قدّمت استقالتها.

       إنّ هذه القرارات والأجواء الإيجابية التي خلقتها تستوجب متابعة فلسطينية وعربية ودولية لما لها من جوانب معنوية على حركة التضامن التي
أخذ رصيدها يرتفع خصوصاً في إطار المجتمع المدني الذي خصّص له المؤتمر محوراً خاصّاً ، ويتعلّق الأمر بملاحقة متّهمين صهاينة بارتكاب جرائم أو صدور قرارات من مؤتمرات دولية تدين "اسرائيل" وتدعو لمقاطعتها أكاديميّاً وثقافيّاً واقتصاديّاً، لأنّها تمارس جريمة الأبرتايد . وقد أصبح لحركة التضامن صوت مؤثّر في أوروبا وأمريكا اللّاتينية  وكندا وأفريقيا وآسيا وتحتاج لتفعيل وتوسيع وإسناد.

ورابعها- إنّ القضية الفلسطينيّة لم تعد تهمُّ الفلسطينيّين وحدهم أو العرب فحسب على الرغم من وجود نزاعات إنعزالية وانكفائية لديهم ، فتارة بزعم "القرار الوطني الفلسطيني المستقل"، وأخرى برفع شعار "هذا البلد أوّلاً" وإنّ الفلسطينيّين هم أدرى بشؤونهم، لتبرير تقديم التنازلات.

      لكنّ المشروع الوطني الفلسطيني ليس مشروعاً وطنيّاً خالصاً ، بقدر ما هو مشروع عربي وأممي في الآن، إذْ لا يمكن تحقيق تقدّم وتنمية حقيقيّة ودائمة دون حلّ عادل للقضية الفلسطينيّة، وحتّى الإصلاحات الديمقراطية المنشودة لا يمكن  لها أن تتوطّد  وتترسّخ باستمرار حالة الحرب، كما أنّ قضايا مثل "السلام العالمي" و"حقّ الشعوب والأمم في تقرير مصيرها"، هي قضايا ذات أبعاد إنسانيّة ودوليّة تتعلّق بالتحرّر والحريّة والعدالة. وهي جزء لا يتجزّأ من قواعد القانون الدولي واتّفاقيّات جينيف لعام 1949 وملاحقها ونظام العدالة الدوليّة، لأنّ الفلسطينيّين والعرب والعالم أجمع يواجهون استعماراً استيطانيّاً إجلائيّاً عنصريّاً، وهو محرّم دوليّاً بموجب نظام محكمة روما لعام 1998 والذي دخل حيّز التنفيذ العام 2002، ويعتبر جريمة دوليّة تستحقّ العقاب ولا تسقط بالتقادم.

      وإذا كان جوهر المشروع الصهيوني يقوم على الاستيطان الذي تحوّل مع مرور الأيّام، وخصوصاً منذ قيام "إسرائيل" إلى مشروع تمييز عنصري ونظام أبرتايد بكلّ ما تعنيه الكلمة، فالمشروع الفلسطيني هو نقيضه، لأنّه : يتعلّق بجوهر المسألة الإنسانيّة وحقوق الإنسان.  كما عبّر عنه نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي، ورمز التسامح العالمي.

     ولهذه الأسباب فقد كان حاضراً على طاولة البحث والمناقشة في المؤتمر مطالبة بريطانيا الاعتذار عن وعد بلفور (2 نوفمبر - تشرين الثّاني -1917) وتعويض الشعب العربي الفلسطيني بتمكينه من استعادة حقوقه العادلة والمشروعة، مع استذكار اتّفاقيّة سايكس بيكو (1916)، باعتبارهما حدثان دوليّان أساسيّان كان لهما أثر كبير في الكارثة التي حلّت بالشعب الفلسطيني وامتدّت إلى الوطن العربي بتفكيكه وتفتيته.وهو ما يواجهه اليوم بعد أكثر من قرن من الزمان.

 

 

ماذا يعني تدويل قضية

الأسرى الفلسطينيين ؟

عبد الحسين شعبان

 

          بدأ أكثر من 1500 أسير فلسطيني بسجون الإحتلال "الإسرائيلي" إضراباً مفتوحاً عن الطعام مطالبين بتحسين ظروف حياتهم. وقد سارعت مصلحة السجون "الإسرائيلية" إلى إتخاذ اجراءات عقابية شديدة، من بينها عزل بعضهم في سجن انفرادي وتهديدهم بترحيلهم إلى سجن النقب الصحراوي.

         ويعتبر هذا الإضراب الأوسع بعد إضراب مايو (أيار) العام 2012 الذي شارك فيه نحو 2500 أسير فلسطيني. وتتمثل أهم مطالب الأسرى في تحسين اتصالهم بذويهم والسماح بالزيارات الدورية وتقريب مدتها وزيادة أوقاتها وتوفير الخدمات الطبية وإطلاق سراح المرضى وذوي الإعاقات وأصحاب الأمراض المستعصية ومراعاة احتياجات الأسيرات وإيصال الكتب للأسرى والسماح بالدراسة لمن يرغب وغيرها.

         ويعتبر يوم الأسير الفلسطيني 17 أبريل (نيسان) من كل عام هو يوم تضامني ومناسبة لتجديد التضامن على المستوى الدولي، لاسيّما التذكير بمأساة الشعب العربي الفلسطيني ومعاناته من الإحتلال. وكان المجلس الوطني الفلسطيني قد أقرّه في العام 1974 ليكون يوماً للوفاء ولشحذ الهمم ودعم الحق في الحرية وتكريم الأسرى على تضحياتهم.

        وعلى الرغم من مئات الآلاف من الأسرى الذي مرّوا بالسجون الإسرائيلية، إلاّ أنّ قضية الأسرى بحاجة إلى معالجات قانونية كجزء من معركة لم تأخذ حقها في هذه الجبهة المهمة، ولا سيّما في الإطار الدولي والدبلوماسي، ف"إسرائيل" التي اعتقلت خلال انتفاضة الأقصى العام 2000 (الإنتفاضة الثانية) نحو 40 ألف معتقل يستمر الآلاف منهم إلى الآن في السجون موزعين على 27 معتقلاً لا تتورع عن ارتكاب أقسى أنواع التعذيب والعقوبات بحقّهم. وتبرر ذلك بأنها تتعامل معهم باعتبارهم "مجرمين" و "مخرّبين" و "إرهابيين"، وبالتالي فهم يستحقون السجن والعقاب، خصوصاً وهم حسب مسوّغاتها "جناة" صدرت الأحكام القانونية بحقّهم، وهي ترفض اعتبارهم "أسرى حرب" كما ترفض تصنيفهم "أسرى سياسيين"، وهدفها هو منع تدويل قضيتهم وإضعاف دور التضامن معهم.

           وثمّة فوارق بين المركز القانوني للأسيرعلى المستوى الدولي عمن قام بارتكاب جريمة أو مارس عملاً إرهابياً أو أي فعل من شأنه أن يؤدي إلى خرق القانون ويستحق عليه العقاب، ومثل هذا الإختلاف في تحديد المركز القانوني للأسير له تبعات قانونية وسياسية وعملانية خطرة للغاية، تبعاً للقانون الإنساني الدولي.

           وعلى الدولة التي لديها أسرى حرب الإمتثال إلى إتفاقيات جنيف الصادرة في 12 أغسطس (آب) 1949 تتويجاً لتطور الفقه الدولي، والتي جاءت بعد اتفاقيات لاهاي لعام 1899 و 1907 وغيرها من الإتفاقيات والمعاهدات الدولية، وقد تناولت اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة، إضافة إلى البروتوكول الأول الملحق بها الخاص ب : "حماية ضحايا المنازعات المسلحة" الصادر عن المؤتمر الدبلوماسي في جنيف الممتد من العام 1974 ولغاية 1977، موضوع حقوق الأسرى، تلك التي تنتهكها "إسرائيل" جهاراً نهاراً.

           وإذا كانت "إسرائيل" لم تنضمّ حتى الآن إلى اتفاقيات جنيف، إلاّ أنها ملزمة بتطبيق أحكامها، التي هي قواعد آمرة وكما تسمّى باللاتينية  Jus Cogens   أي  قواعد ملزمة وواجبة الأداء، ولا يمكن التذرّع بعدم التوقيع على الإتفاقيات الخاصة بالأسرى للتحلل من الإلتزامات التي ترتبها، لا سيّما وهي تشكل محور القانون الإنساني الدولي.

        وتزعم "إسرائيل" إن المعتقلين هم من المدنيين وهو غير مقاتلين وبالتالي لا تنطبق عليه شروط "أسرى الحرب..."، خصوصاً تلك التي تم تحديدها بالخضوع إلى قيادة عسكرية وحمل السلاح بصورة علنية ووجود شارة مميّزة وارتداء ملابس عسكرية، ولكن هذا المنطق لا يصمد أمام المحاججة القانونية، فهؤلاء المختطفون والمعتقلون في غير سوح             القتال إنما يخضعون لإتفاقية جنيف الرابعة، باعتبارهم مدنيين ويرفضون احتلال وطنهم ويناضلون من أجل حريته واستقلاله طبقاً لمبدأ حق تقرير المصير ولقواعد القانون الدولي.

         يضاف إلى ذلك إن المعتقلين هم "أسرى" بموجب ما تمّ من اتفاقيات أوسلو العام 1993، حيث تمّ الإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كسلطة إدارية وسياسية (كيان مستقل) على جزء من أراضي فلسطين، وأصبح سكان هذا الجزء غير خاضعين لسلطات الإحتلال، فكيف يتمّ اعتقالهم من جانب السلطات "الإسرائيلية" في هذه المناطق التي تعتبر تحت سيادة السلطة الفلسطينية.

       إن تحديد المركز القانوني مهم جداً لجهة مطالبة المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته، لاسيّما وإن سلطات الإحتلال قامت باعتقال الأسرى في مواجهات عسكرية أو مداهمات أمنية ليست بعيدة عن صفة الأعمال العسكرية التي تنطبق عليها اتفاقيات جنيف، كما إن تحديد المركز القانوني للأسير يمنع "إسرائيل" من نزع الصفة القانونية عن الأسرى الذين تحكمهم قواعد القانون الإنساني والدولي، وبشكل خاص اتفاقيات جنيف وملاحقها، وبالتالي ينبغي الإعتراف بحقوقهم، خصوصاً وهم يقومون ب "حق الدفاع الشرعي عن النفس" الذي تقرّه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، كما يسعون للتخلص من الإحتلال وما يقومون به من أعمال مقاومة تعتبر مشروعة وتقرّها قواعد القانون الدولي المعاصر.

       وآن الآوان لإضاءة هذه القضية الملتبسة عن قصد من جانب "الإسرائيليين" على المستوى الدولي، لما لها من ارتباطات بالحقوق العادلة والمشروعة للشعب العربي الفلسطيني ككل وحقوقه غير القابلة  للتصرف.

أكاديمي ومفكر عربي

 

العروبة والقومية

عبد الحسين شعبان

 

لسنوات غير قليلة استخدم كل ما نعنيه أو نقصده بالعروبة باعتباره "قومياً"، وهو أمرٌ بحاجة إلى توضيح وفكّ اشتباك، فالفكرة القومية كأيديولوجيا شيء، والفكرة العروبية كرابطة إنسانية – اجتماعية وجدانية شيء آخر. إن واقع تطور الفكرة العروبية وضع أمامنا طائفة من المتغيّرات الجديرة بالدراسة والنقد، لا سيّما وأنه لا يمكن الان الحديث عن "فكرة عروبية" أو "قومية عربية" من دون الحديث عن عملية انبعاث جديدة لتيار عروبي تقدمي، بجناحين أساسيين:

الأول: الإيمان بالديموقراطية السياسية دون لفٍ أو دوران،

والثاني: الإيمان بالعدالة الاجتماعية دون ذرائع أو مبررات.

ولا يمكن للتيار العروبي التقدمي أن يحلّق من دون هذين الجناحين، إذْ أن انكسار أحدهما يقود إمّا إلى الدكتاتورية والاستبداد أو إلى الاستتباع وقبول الهيمنة، وبالتالي فإن تعطّل أحد الجناحين سيضرّ بالعروبة وبفكرة الوحدة العربية.

إن فكرة الوحدة العربية مسألةٌ محوريةٌ ومفصليةٌ يشترك فيها على نحو وجداني أبناء العروبة من أقصى الخليج إلى أقصى المحيط وفقاً لشعور تلقائي وعفوي بالانتماء إلى المشترك العربي – الإنساني. ولا يمكن للأمة العربية أو حتى للفكرة الوحدوية العربية أن تتقدما من دون التنمية المستدامة المستقلة.

كما لا يمكن الحديث عن العروبة دون أخذ مفهوم الحداثة بعين الاعتبار، ولا يمكن أن نتحدّث عن دولة عربية منشودة دون الأخذ بفكرة الدولة الدستورية الديمقراطية المؤسساتية، ولن يتحقّق ذلك إلاّ في ظل سيادة القانون ودولة عصرية قائمة على المواطنة الكاملة وعلى مراعاة شروط المساواة والعدالة والمشاركة.

ومثل هذه الحداثة تؤسَسْ على أربعة أركان هي: المدنية والعلمانية والعقلانية والديمقراطية، التي تشكّل محتوى وجوهر أي تغيير اجتماعي، لا سيّما في إطار دولة دستورية عصرية حداثية.

وبالعودة إلى بدايات فكرة نشوء الدولة – الأمة/ الوطن – الأمة تاريخياً، نرى أن فكرة الدولة في أوروبا انطلقت من فكرة الأمة وقامت على أساسها ضمن حدود سياسية معينة، بينما، دولنا العربية الطامحة لتحقيق دولتها العربية الموحدة ما زالت أجزاءً مبعثرةً ومتفرقةً، متفرّعة عن أمةٍ ممزّقةٍ وموزّعةٍ إلى كيانات وكانتونات ودوقيات ما قبل الدولة يتحكّم فيها الإنتماء الديني والطائفي والمذهبي والإثني والعشائري وغيرها.

وإذا كانت الرابطة العروبية قد نشأت وتعمّقت في ظل الشعور بالاستلاب أيام الدولة العثمانية، فإن التعبير عنها سار باتجاهين متباعدين في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، خصوصاً في خضم الصراع السياسي:

الأول؛ دعا إلى ضرورة العمل على قيام وحدة عربية فورية شاملة بغض النظر عن سياسات ورغبات الأنظمة، فيما سعى الثاني، إلى قيام اتحاد عربي على أساس التقارب السياسي والاجتماعي، لا سيّما بين الأنظمة، أو إيجاد دولة المركز (القاعدة)، الأساس التي يمكن أن تلتف حولها دول وأقاليم أخرى، لتشكّل دولة الوحدة السياسية والاجتماعية.

ولتحقيق ذلك ظهر فريقان طالب الأول منهما، بقيام وحدة اندماجية فورية دون الالتفات إلى تفاوت الظروف الاقتصادية والاجتماعية بين البلدان العربية، فيما دعا الثاني إلى تعزيز فكرة الدولة القطرية لتكون مركز الدولة الموحّدة المقبلة، ولكنه لاحقاً استمرأ فكرة الدولة القطرية، وأخذ يدافع عنها بأسنانه وأظافره بضراوة لا مثيل لها.

وصاحب ذلك، صراع آخر ظهر على أشدّه بين التيارين الاشتراكي الماركسي واليساري وبين الوحدوي "القومي" العروبي، لا سيّما حركة القوميين العرب، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والحركة الناصرية، الذين كانوا ميّالين إلى إتمام الوحدة العربية الفورية،وفيما بعد يمكن أن تتحقق العدالة الاجتماعية المنشودة، بغض النظر عن طبيعة الأنظمة السائدة.

أما الحركة الشيوعية والماركسية فقد تبنّت شعار "الاتحاد الفيدرالي" بزعم تهيئة الظروف وتمهيد الطرق السياسية والاجتماعية والاقتصادية لإقامة شكل من أشكال الاتحاد الذي يمكن أن يتعزّز فيما بعد ليصل إلى الوحدة.

يمكنني القول إن كلا الأطروحتين تضمّن جزءًا من الحقيقة، لكنهما كانا على خطأ رئيس أيضاً. فخطأ الحركة الشيوعية كان في التقليل من أهمية شعار الوحدة الجاذب للجماهير، لأن هذه الوحدة بغضّ النظر عن طبيعة الأنظمة الاجتماعية والسياسية، هي وحدة شعوب، ووحدة الطبقة العاملة في هذه البلدان، وكان على الشيوعيين أن يتبنّوا شعار الوحدة، وأن يبذلوا كل الجهد في سبيل تحقيقه، لأنهم سيكونوا الأكثر مصلحة في إقامة الكيان العربي الكبير والموحّد.

ولكن بحكم تأثيرات أممية وخارجية، وربما بحكم نفوذ بعض "العناصر غير العربية" على قيادات الأحزاب الشيوعية في العالم العربي أو قلّة وعي القيادات الشيوعيّة العربية، فإن اختيارها دفعها للتقليل من أهمية الدعوة لشعار الوحدة وعدم استخدامه كشعار مركزي، علما بأن الحركة الشيوعية العربية تبنّت شعار الوحدة العربية منذ العام 1935، لكنها أهملته في حملة التثقيف الأساسية، مقدّمة القضايا والمطالب الاجتماعية والطبقية عليه.

أما خطأ القوميين العرب ولا سيما الناصريين والبعثيين وهم أكثر الدعاة تمسكاً بوجوب قيام الوحدة، فقد عملوا بعد وصولهم إلى سدّة السلطة بوعي منهم أو دونه على تعميق عوامل التباعد والتنافر بين الدول العربية مما أدى إلى المزيد من التشرذم والانقسام واتّساع هوة الخلاف بينهم، ما ساهم في ترسيخ فكرة قيام الكيانات القطرية باعتبارها "مملكة الخلود".

 

 

ما بعد مؤتمر الأستانة:

قراءة في البعدين الإقليمي

 والدولي للأزمة السورية

عبد الحسين شعبان

 

            ظلّت الأزمة السورية[1] متأرجحة بين العواصم الدولية والإقليمية، انعكاساً لما يجري على الأرض، وكان من مخرجات ما بعد حلب أن يحدث نوعاً من التقارب الإقليمي والدولي، لعقد مؤتمر تحضره الأطراف السورية يبحث في حيثيات الأزمة ابتداءً من ترسيخ الهدنة ومروراً بوقف إطلاق النار وصولاً للحل السياسي المنشود.

            لم يتصوّر أحد قبل انعقاد المؤتمر أن العاصمة الكازاخستانية المعروفة باسم "الأستانة"[2] والتي كان اسمها سابقاً "آلما أتا" ستكون محطّة لحوار بين السوريين أولاً وهم الذين رفضوا الجلوس إلى جانب بعضهم البعض على طاولة مفاوضات لتسوية سلميّة للنزاع المندلع منذ 15 آذار (مارس) العام 2011 والذي اتخذ طابعاً عسكرياً وعنفياً بعد بضعة أسابيع، واستمرّ منذ ذلك اليوم ولحد الآن، خصوصاً بتبادل اتهامات مستمر، فالمعارضة حاولت "أبلسة" الحكومة، وسعت لشلّ مؤسسات الدولة، ومن جهة ثانية نظرت الحكومة إلى المعارضة باعتبارها جزءًا من مؤامرة دولية تستهدف سوريا، وبين هذا وذاك استمرّ القتال وتعطّلت التنمية، وانحسرت سيطرة الدولة على العديد من المناطق التي خرجت عن سلطتها، وعمَّ الدمار بمختلف أشكاله في جميع أنحاء سوريا.

            ودفع الشعب السوري الثمن باهظاً، ليس فقط بآلة الإرهاب والعنف وانعدام الأمن والأمان والحياة الطبيعية فحسب، بل من خلال عمليات نزوح ولجوء شملت أكثر من 8 مليون سوري[3]، إضافة إلى تخريب مدن بكاملها، وتحطيم بُنيتها التحتية، وتعريض بيئتها وأراضيها للتصحّر، وتعثر الزراعة والصناعة كليّاً أو جزئياً، كما سادت الفوضى العديد من المناطق، وهيمنت الجماعات الإرهابية على نحو ثلث الأراضي السورية، وأصبحت الرّقة عاصمة لـ"داعش"، الذي فرض على المناطق التي تحت هيمنته نمط حياة أقرب إلى التوحّش، تعود إلى القرون الوسطى، وفي تعارض كامل مع روح العصر والمدنية والتحضّر.

موسكو وأنقرة وطهران

            جمعت محطّة الأستانة للحوار إضافة إلى السوريين (الحكومة والمعارضة المسلّحة) ثلاث جهات دولية، هم الروس والأتراك والإيرانيون، وهم قوى فاعلة في الملف السوري، وكان يمكن ضمّ السعودية وقطر، وبالطبع الولايات المتحدة إلى حوار الأستانة، لكي تكتمل أطراف الحوار الأساسية، لكن ذلك لم يحدث لأسباب تعود إلى حساسيات الجهات المشاركة وأدوارها في الصراع، فدول الخليج التي دعمت الجماعات المسلّحة وقوى المعارضة وموّلتها، لم يكن في أجندتها وارداً أن يتم الحوار، لذلك اعتبرت أن الأمر لا يعنيها، وشكّكت في أن يصل الحوار إلى نتيجة ملموسة، خصوصاً وأنها كانت قد رفعت أعلى الشعارات رنيناً، بانحيازها ضدّ الحكومة السورية، مراهنة على المعارضة والقوى المسلّحة، إضافة إلى ذلك أن الذين برزوا في هذا الحوار هم المعارضون المسلّحون على الأرض، وليس الجماعات السياسية "الخارجية"!.

            أما إيران فقد رفضت حضور السعودية، كما لم ترغب بحضور الأمريكان، في حين كان الروس يميلون إلى حضور السعودية وجميع الأطراف الدولية ذات التأثير في الملف السوري، بهدف استكمال النّصاب - كما يُقال - خصوصاً لجهة العلاقة بحضور الأمريكان الذين ظلّوا متردّدين في الحضور. وبغض النظر عن كون الأطراف الدولية الغائبة منحازة كلّياً إلى جانب المعارضة والجماعات المسلّحة، وأن غيابها بلا أدنى شك سيؤثر على الاتفاق الشامل للحلّ، لكن ثمة استدراكات، فواشنطن أعلنت أنها تقف ضدّ الإرهاب وتسعى للقضاء على "داعش"، ولم تعد تطرح مسألة رحيل الرئيس الأسد عن السلطة، الأمر شجّع بعض أطراف المعارضة السياسية على المشاركة في لقاء موسكو التكميلي بعد أن كانت تشكّك بجدوى مؤتمر الأستانة، ناهيك عن قوته الإلزامية، وقد كانت مبادرة موسكو استدراكية أيضاً بهدف سدّ النقص في مؤتمر الأستانة والتعويض عنه بلقاء المعارضة وزير خارجيتها سيـرغي لافروف في موسكو بعد مؤتمر الأستانة[4].

            لقد كان اختيار الأستانة مكاناً لانعقاد المؤتمر ما يبرّره، فهي مقرّبة جداً من موسكو، مثلما هي في الوقت نفسه مصدر ثقة بالنسبة لواشنطن، الأمر الذي أضفى على المؤتمر أهمية خاصة، لا سيّما وأن كازاخستان ترغب في لعب دور الوسيط، وقد ساهمت في التقارب بين موسكو وأنقرة، وهي إحدى الجمهوريات السوفييتية المنفصلة عن الاتحاد السوفييتي بعد انحلاله، وذلك حين قرّرت الاستقلال في كانون الأول (ديسمبر) في العام 1991، بعد أن كانت منذ العام 1917 "جمهورية سوفيتيية".

دبلوماسية ما بعد حلب و"المناطق الآمنة"

            لقد فتحت استعادة الحكومة السورية سيطرتها على حلب، وإخراج المسلّحين وهزيمة الإرهابيين، الباب أمام حركة دبلوماسية سريعة وكثيفة بشأن الحلّ السياسي، خصوصاً وأن الحل العسكري أو الأمني لم يكن بإمكانه إنهاء الصراع في سوريا، فلم تتمكّن الدولة حتى الآن من القضاء على المجموعات الإرهابية والمسلّحة، أو إنهاء المعارضة، فضلاً عن الدعم الإقليمي والدولي، والتسليح والتجهيز والتمويل.

            كما لم تتمكّن المجموعات الإرهابية والمسلّحة ومن ضمنها المعارضة، من الإطاحة بنظام الحكم، حتى وإن أضعفوا الدولة، لكن تماسك الجيش ووجود نواة صلبة ملتفّة حوله، حال دون الانهيار، وذلك بمساعدة إقليمية - دولية، منها الدعم اللوجستي الذي قدّمه حزب الله اللبناني، إضافة إلى الدعم الإيراني المتعدّد الوجوه عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً، يضاف إلى ذلك الدعم الروسي العسكري، وخصوصاً من خلال الضربات الجويّة التي كانت مؤثّرة جداً في إلحاق هزيمة بالقوى الإرهابية التكفيرية، الأمر الذي غيّر من موازين القوى بين الفرقاء المتنازعين في الأزمة السورية.

            لكن القوى الإرهابية والمسلّحة وبقية قوى المعارضة لم تفلظ أنفاسها، وإنْ انحسر دورها وتمزّقت وحدتها، إلاّ أنها ما تزال عنصر مشاغلة وتهديد وورقة بيد القوى الدولية التي تبحث عن موطىء قدم لها في سوريا، بعد أن فشلت في الإطاحة بالدولة، فعلى الأقل قد تجد فرصة في "مناطق آمنة" Safety Zone أو Safety Area واختراقات محدودة، لكي تبقى بؤرة توترات مستديمة ومستمرة ومصدر إزعاج مستقبلي[5].

            وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد اقترح بعد مؤتمر الأستانة، إقامة "مناطق آمنة" لإيواء النازحين واللاّجئين، وتقديم المساعدات الضرورية لهم، وأبدى وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف استعداد موسكو مناقشة الفكرة شريطة التنسيق مع دمشق وموافقتها، وجاء ردّ الفعل السوري سريعاً على لسان وزير الخارجية وليد المعلم، الذي حذّر من تداعيات خطيرة قد يسفر عنها تحقيق هذه الفكرة دون التنسيق مع الحكومة السورية، لأنه سيؤدي إلى المساس بالسيادة الوطنية. وكانت دمشق قد رحّبت بنتائج مؤتمر الأستانة، واعتبرت وقف إطلاق النار خطوة تمهيدية للحوار السوري - السوري[6].

            ويعيد مفهوم المناطق الآمنة إلى الأذهان القرار الذي اتخذ بشأن الملاذ الآمن في شمال العراق، لا سيّما بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 688 في 5 نيسان (أبريل) 1991، الذي أدان القمع الذي يتعرّض له المدنيون العراقيون في أجزاء كثيرة من العراق، والذي شمل مؤخراً المناطق السكانية الكردية، وتُهدّد نتائجه السلم والأمن الدوليين في المنطقة[7]، وهو مسألة ترفضها الحكومة السورية بشدّة، لأنها تدرك أن وجود مثل هذه المناطق ودون الاتفاق معها يعني ثلم جزء من سيادتها، وهو الأمر الذي ارتبط بفرض الحصار على العراق، الذي استمر أكثر من 12 عاماً، وكان ذلك تمهيداً لغزوه.

            وعلى الرغم من الغموض والإبهام فيما يتعلّق بإقامة المناطق الآمنة في سوريا وجوارها، فإن الرئيس ترامب زادها غموضاً والتباساً خلال مهاتفته الملك سلمان بن عبد العزيز "ملك المملكة العربية السعودية"، لا سيّما حين عوّم المسألة وعمّمها بشموله دول الجوار الإقليمي. وإذا كان الأمر يتعلّق بالنازحين واللاجئين السوريين، فمن باب أولى التنسيق والتعاون مع دمشق التي تشترط موافقتها على أي منطقة آمنة لأغراض إنسانية. أما إذا كان الأمر يمتد إلى جوار سوريا (عمان وبيروت وأنقرة) حيث الكثافة الكبيرة للاجئين السوريين، فيقتضي موافقة حكومات هذه البلدان.

            وبالعودة إلى سوريا كيف سيتمّ اختيار المناطق الآمنة؟ ومن سيديرها؟ وكيف ستتكفّل الجهات الدولية تقديم المساعدة لها؟ وهل ستكون الدول الضامنة لمؤتمر الأستانة الدور الأساسي فيها؟ وكيف سيتم التنسيق مع الأمم المتحدة والهيئات الإنسانية الأخرى؟ هذه وغيرها أسئلة تحتاج إلى تفاهمات مسبقة، تتم مع دمشق، خصوصاً وأن هناك رؤى مختلفة ومتعارضة إزاء موضوع إدارة المناطق، فـ"وحدات الحماية الكردية" تعمل بالتعاون مع قوات التحالف الدولي "الأمريكي" باسم "قوات سوريا الديمقراطية" وهناك مناطق تابعة للجيش التركي في وسط منطقة جرابلس، حيث يوجد فيها الآن، مثلما هناك مناطق تحت سيطرة الجماعات الإرهابية، مثل "جبهة فتح الشام"، و"داعش" وغيرها، مثل إدلب والرّقة، فكيف سيتم التعامل معها؟

            لقد اضطرّت القوى المعارضة، إضافة إلى الجماعات المسلّحة - دون أن نُدخل في حسابنا الجماعات الإرهابية والتكفيرية، سواء "داعش" أو "جبهة فتح الشام" أو أخواتها - إلى القبول بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، والأمر يتعلّق أولاً باختلال موازين القوى على الأرض، ولا سيّما بعد خروجها من حلب، بل إنها كانت في حالة تراجع وتقهقر مستمرين، وثانياً أصبح واضحاً وبعد نحو 6 سنوات أن القوى الدولية الإقليمية تهمّها مصالحها، وأنها غير معنية باستمرار الحرب الأهلية حتى لو تم تدمير كامل سوريا، فذلك إحدى أهدافها، وسيكون المستفيد الأول منها "إسرائيل" والصهيونية، وثالثاً أن الضغوط التي تعرّضت لها من جانب تركيا أجبرتها على قبول الحوار مع الحكومة السورية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وربما ساعد ذلك في دفع العملية السياسية.

            وقد يكون للداخل التركي انعكاساً إيجابياً على الأزمة السورية، "فربّ ضارّة نافعة" - كما يُقال - خصوصاً بعد تعرّض النظام التركي لهزّة عميقة إثر محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز (يوليو) العام الماضي 2016[8]، والتي لا تزال تداعياتها مستمرّة حتى الآن، وتواجه سياسة تركيا الإقليمية تحدّيات عديدة، إضافة إلى ردود فعل داخلية وخارجية، فالانقلاب ترك ندوباً وآثاراً على الدولة التركية، بل وصورة تركيا التي تم رسمها على نحو إيجابي في السنوات الخمسة عشر الماضية، باعتبارها تمثل نموذجاً "للإسلام المعتدل" و"الدولة المدنية" والحداثية، وهو الأمر الذي أصبحت الشكوك بشأنه تكبر، ليس في الغرب فحسب، بل في دول الإقليم، بسبب تدخلاتها من جهة، وفي الداخل التركي أيضاً حيث يتخذ الصراع طابعاً عنفياً.

            وكانت مفاوضات الأستانة (كانون الثاني/ يناير/ 2017)، قد شملت قضيتين أساسيتين تم الاتفاق عليهما وهما:

            - تثبيت الهدنة

            - وقف إطلاق النار في جميع أنحاء سوريا.

            أما المرحلـة الثانية من المفاوضات فستـبدأ في شباط (فبرايـر) 2017، حيث سيتم عقد جولة جديدة في إطار الأمم المتحدة للتوصل إلى حل سلمي، استمراراً لجنيف 1 و2 و3[9].

            وإذا كانت نتائج مؤتمر الأستانة الأولية خطوة بالاتجاه الصحيح، فهل سيكون التوصل إلى خريطة طريق ممكناً بعدها، ولا سيّما بغياب واشنطن أم أن الدور الروسي، إضافة إلى الدور الإقليمي، ولا سيّما التركي والإيراني كفيل بذلك؟ وحتى لو لم تكن تركيا ممثلة للأطراف الغائبة، فإن مثل هذا الاتفاق سيكون عاملاً مهماً في الحملة المناهضة للإرهاب وكما قال الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب: إن مكافحة الإرهاب هي من أولوياته، بالتناغم مع الدور الذي تلعبه واشنطن في العراق ضدّ "داعش"، حيث تقود قوات التحالف الدولي لتحرير الموصل، بالتعاون مع القوات العراقية.

مشاريع الدستور

            ثمّة أسئلة ضرورية لبحث حيثيات الأزمة السورية ومنها: هل يحظى مؤتمر الأستانة بالإجماع، بعد أن غابت عنه المعارضة السياسية؟ أم أنه "بروفة" أولية تبعها لقاء لافروف بالمعارضة السورية؟ ولعلّ مثل هذا اللقاء التكميلي مهم لجهة عقد مؤتمر جنيف القادم. وكانت روسيا قد دعت على لسان لافروف: التحلي بالصبر لدى تشجيع المعارضة السورية على المشاركة في مفاوضات السلام، وكان هو ووزير خارجية إيران محمد جواد ظريف قد دعيا إلى الاستفادة من تجربة الأستانة لتفعيل عملية السلام.

            وقد برّرت بعض القوى السياسية المعارضة غيابها عن لقاء لافروف بالصفة الشخصية للدعوة (قائمة الرياض - الهيئة العليا للمفاوضات)، وقال فريق آخر: "قائمة موسكو"، و"قائمة القاهرة" و"قائمة الداخل"، وممثّل عن الكرد وآخرين، أن المعارضة ستشكّل فِرقاً لصياغة الدستور السوري الجديد والمقترح، وذلك على هامش لقائهم بوزير الخارجية الروسي، ويأتي مثل هذا التوجّه بعد أن أعدت وزارة الخارجية الروسية مسوّدة مشروع لدستور جديد، أساسه توسيع صلاحيات البرلمان على حساب صلاحيات الرئيس ومنع تدخّل الجيش في المجال السياسي، وتأكيد سمو القانون الدولي في النظام القانوني السوري.

            وكان لافروف قد دعا المعارضة إلى المشاركة النشيطة في ترتيب عملية تفاوضية مستدامة من أجل تسوية الأزمة السورية في جنيف، بالتعاون مع المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، علماً بأن هناك مسوّدة كردية لمشروع دستور سوري أعدّها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وسلّمها لوزير الخارجية الروسي، وذلك بتوسيع صلاحيات الأقاليم اللاّمركزية، علماً بأن المسودّة الروسية ترفع اسم "العربية" من الجمهورية العربية السورية، وترفع صفة دين الدولة "الإسلام"، وهو النص الذي تتضمنه جميع دساتير البلدان العربية تقريباً، وتسمح الصيغة المقترحة بإمكانية تغيير الحدود بواسطة الاستفتاء واعتبار اللغتين العربية والكردية متساويتين في مناطق الحكم الذاتي الثقافي الكردي.

            وبرّرت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا اقتراح مشروع دستور على الأطراف السورية، بقولها: "إن موسكو لا تحاول فرض أفكار ما على أحد، إنما يكمن الهدف من مبادرتها في تحفيز النقاش بين السوريين"[10].

             والسؤال الآن: ماذا بعد الأستانة؟ وماذا بعد لقاء موسكو مع المعارضة السورية؟ هل سيكون بالإمكان توفير أرضية صالحة وخصبة لمؤتمر جنيف برعاية الأمم المتحدة؟ والجواب هو ما عبّر عنه الروس من رغبة يمكن الاستدلال عليها من استضافتهم المعارضة السورية، وكان الهدف واضحاً هو استكمال مؤتمر الأستانة تمهيداً لعقد مؤتمر جنيف.

ميزان القوى الجديد

            إن التطوّرات الجديدة والتبدّل في موازين القوى قد يسهم في تغيير أو تعديل توجهات بعض أجندات المعارضة، لا سيّما إذا حصل نوع من التفاهم الروسي - الأمريكي، بعد التوافق الروسي - التركي، على الرغم من وجود بعض المنغصّات الدولية الأخرى، وذلك غير دول الخليج وتردّد الولايات المتحدة، ونعني به تحفّظات فرنسا وألمانيا التي لم يحظ مؤتمر الأستانة برضاهما، كما كان دور الأمم المتحدة فيه محدوداً، ولعلّ من أسباب نقد بعض القوى للمؤتمر، أنه انعقد في رحاب مدينة محسوبة على موسكو التي لها دور مؤثّر في قراراتها.

            وإذا كان ثمّة أسباب داخلية دفعت تركيا إلى المشاركة الفاعلة في مؤتمر الأستانة، فإن هناك أسباباً أخرى منها مشاكل المهجرين واللاجئين السوريين وعدم إيفاء أوروبا بوعودها والتزاماتها، وهو ما كانت تركيا تريد به ابتزاز أوروبا، فضلاً عن محاولتها محاصرة حزب العمال الكردستاني PKK، الذي لا زال وجوده يؤرقها، فهي حتى الآن لا تعترف بحقوق الكرد القومية، وتتخذ موقفاً استعلائياً وشوفينياً من القضية الكردية ومن قضايا المجاميع الثقافية الأخرى، يضاف إلى ذلك أن حزب العمال الكردستاني لا يقتصر نفوذه السياسي والعسكري داخل تركيا، بل إنه يتمدّد داخل الأراضي السورية، ولا سيّما في عفرين والقامشلي، وكذلك داخل الأراضي العراقية في جبل قنديل.

            وقد تمكّن مؤخراً من فرض سيطرته على قضاء سنجار، الأمر الذي حاولت تركيا أن تضغط فيه على إقليم كردستان وعلى حكومة بغداد، بل أعطت تعهداً بانسحاب قواتها من العراق، بعد أن كانت تتمنّع عن مثل هذا الالتزام وتتذرّع بأن أولوياتها محاربة القوى الإرهابية التي تشنّ عليها حملات من داخل الأراضي العراقية، وبالمقابل فقد تعهّدت إربيل وبغداد بمواجهة حزب العمال الكردستاني وإبعاده عن سنجار، حتى وإنْ لم يتمكنا، لا سيّما وأن المعركة مع "داعش" لم تحسم، ولا يمكن الدخول في معركتين في آن واحد.

            وبغض النظر عن اختلاف التقييمات بخصوص مؤتمر الأستانة، فإنه نجح حتى الآن في تثبيت وقف إطلاق النار، وهذه خطوة لصالح الحكومة السورية التي سيكون بمقدورها إعادة الانتشار وإعادة السيطرة الإدارية على مناطق البلاد التي أفلتت من قبضتها خلال السنوات الخمس ونيّف الماضية من الحرب، وقد يقلّص من قدرة المعارضة والجماعات المسلحة التي أصبحت الممرّات أمامها مغلقة، ويمكن استهدافها فرادى، علماً بأن هدف الإيرانيين والروس هو الشروع بالتفاوض الطويل الأمد، خصوصاً بتقوية مواقع الجيش السوري.

            وإذا كان ثمة اختلافات في الرؤية بين الإيرانيين والروس، فإن إيران التي ساهمت منذ البداية في دعم الحكومة السورية، لا تريد تجيير ذلك لمصلحة الروس، كما أن الروس الذين كان لهم دور حاسم في ضرب مواقع الإرهاب والجماعات المسلّحة، ولا سيّما في معارك حلب، لا يريدون الخروج من المشهد دون وضع بصمتهم الواضحة عليه، ويعتبرون سوريا حليفة لهم بدءًا من الحكومة، مثلما هي بعض أطراف المعارضة التي يستميلونها، ولذلك يطمحون في إجراء تقارب بينهما لتتمكّن روسيا أن تلعب دور مستقبلي في سوريا وعند أي تغيير محتمل أيضاً.

            أما تركيا، فإن وضعها الخاص سيتوضّح لاحقاً، لا سيّما في جنيف، فيما إذا كانت قد قرّرت التخلّص من عبء علاقتها بالجماعات المسلحة والمعارضة، بل يمكن أن تذهب أبعد من ذلك، حيث يمكنها التطبيع مع الحكومة السورية بعد أن اختل ميزان القوى لصالح استمرار النظام برئاسة بشار الأسد.

            واللاّفت في مفاوضات الأستانة أن الذي مثل المعارضة المسلّحة، هم ممن لهم فعل على الأرض، وليسوا من معارضة الخارج، في حين أن اللقاءات السابقة ضمّت مجاميع سياسية معارضة، لكنها لا تملك رصيداً قوياً على الأرض، وخصوصاً في الجانب العسكري.

بيان الأستانة

            وكان البيان الختامي لمؤتمر الأستانة قد حدّد الوجهة العامة التي يمكن أن ترضي الحكومة والمعارضة، وذلك بتأكيده على[11]:

1 - الالتزام بسيادة واستقلال ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية (أي إبعاد فكرة التقسيم التي يتم التلويح بها) من جانب القوى الخارجية وبعض الجماعات المسلحة والمعارضة أحياناً.

2 - إن سوريا دولة متعدّدة الأعراق والأديان وغير طائفية وديمقراطية (وهذه أطروحات جديدة كانت المعارضة تدعو إليها، ووافقت عليها الحكومة السورية).

3 - تأكيد محاربة "داعش" وجبهة "فتح الشام"، باعتبارهما تنظيمين إرهابيين وهو اشتراط للحكومة السورية مدعوماً من إيران وروسيا، وتفريقهما عن بقية المنظمات المسلّحة، أي إجراء فرز بين الجماعات والقوى المناهضة للحكومة السورية، وهو بقدر ما يأتي لصالح الحكومة السورية، فإنه يتطابق مع طموح الشعب السوري والقوى الإقليمية والدولية في التخلص من الإرهاب، فضلاً عن انسجامه مع طموح بعض المعارضات المسلّحة التي تريد تمييز نفسها عن الجماعات الإرهابية والتكفيرية.

4 - التأكيد على قرار مجلس الأمن 2336، الذي صدر في 31 كانون الأول (ديسمبر) [12]2016، حيث كان وزراء خارجية كل من تركيا وإيران وروسيا قد أصدروا بياناً مشتركاً في موسكو في 20/12/2016 أكّدوا فيه على "إطلاق محادثات بين حكومة الجمهورية العربية السورية ومجموعات المعارضة المسلّحة في الأستانة...".

5 - تأكيد الأطراف المشاركة على الحل السياسي، باعتباره الحل الوحيد من خلال عملية سياسية مبنية على تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 بالكامل[13]، واستبعاد الحل العسكري على نحو صريح وواضح، وهو وإنْ كان إقرار بواقع أليم جاء بعد نحو 6 سنوات، لكنه يمثل روح القرارات الدولية والقوى الحليفة للحكومة السورية، لا سيّما بعد أن أحرزت نجاحات عسكرية على الأرض.

6 - تثبيت وتقوية نظام وقف إطلاق النار من خلال ترتيبات متفق عليها، وبدعم من قرار مجلس الأمن 2336 لعام 2016، بما يساهم في تقليص العنف والحد من الانتهاكات وبناء الثقة وتأمين وصول سريع وسلس ودون معوّقات للمساعدات الإنسانية تماشياً مع قرار مجلس الأمن 2165 لعام 2014 وتأمين الحماية وحريّة التنقّل للمدنيين في سوريا[14].

            وأعتقد أن ذلك لو حصل وتم الالتزام به سيفتح الباب أمام عودة الحياة الطبيعية وسيضغط على جميع الأطراف من أجل إنجاز تسوية من شأنها إعادة هيبة الدولة وإخضاع الجميع لسلطانها مع إجراء التغييرات المطلوبة للانتقال الديمقراطي.

            وإذا كان الوفدان السوريان قد تباحثا من خلال غرفتين منفصلتين وعبر وسيط، حيث كان دي ميستورا وممثلين من الوفد الروسي والتركي، فإن المباحثات القادمة ربما ستشهد حواراً تمهيدياً مباشراً أو شبه مباشر، ولكن أكثر قرباً وتواصلاً وقد تتبدّل بعض المواقع.

            وصدر البيان عن الدول الثلاث الضامنة ، الذي أكّد في إحدى فقراته على هدف محاربة الإرهاب (داعش والنصرة)، وهو أمر سيكون ملزماً لهذه الدول بالطبع.

مصارعة على الطريقة الرومانية

            أوجدت محطة الأستانة إطاراً جديداً للمفاوضات، وهي مختلفة عن مفاوضات جنيف، وإن كانت لا تتعارض معها، لكنها خطوة متقدمة عليها، وخصوصاً بتأكيد فشل الحل العسكري والتركيز على الحل السياسي، باعتباره الحل الوحيد لتسوية الأزمة، لا سيّما وأن جميع الأطراف أنهكتها الحرب التي استمرّت، وكأنها مصارعة على الطريقة الرومانية التي قد توصل أحد الطرفين المتصارعين إلى الموت، في حين أن الطرف الآخر قد يبلغ به الإعياء والإنهاك حد العجز الذي هو أقرب إلى النهاية، وقد كان لتغيير الموقف التركي أثر بالغ في تحقيق الهدنة بين الحكومة والمعارضة.

            وسيكون موضوع الدستور السوري واحداً من القضايا المعروضة للنقاش، فيما إذا نجحت الأطراف في إرساء دعائم وقف إطلاق النار والشروع بالاتفاق حول مستقبل العملية السياسية والتغيير المنشود طبقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا كان هدف التوصل إلى حلّ سياسي، قد أجمع عليه المتفاوضون، فإن ذلك لن يتحقّق دون خطوات عملية لوقف إطلاق النار، وهذا يمكن أن يتم إذا ما شعرت الأطراف جميعها أن مرحلة انتقالية بعيدة المدى تنتظر سوريا، وأنها يمكن أن تتبلور وفقاً لصيغة اتفاقية ورضائية مكفولة دولياً.

            لقد لعب الدعم الروسي دوراً كبيراً في تغيير موازين القوى لصالح الحكومة السورية، كما كان للتقارب التركي - الروسي مؤخراً، أثراً إيجابياً في تقريب وجهات النظر، سواء بالتحضير لمؤتمر الأستانة أو لإقناع المعارضة المسلّحة بالحضور والمشاركة، وقد عكس لقاء موسكو للدول الضامنة ذلك بالدعوة إلى ضرورة عقد مفاوضات سياسية بين الأطراف السورية - السورية، أي بعد نجاح وقف إطلاق النار وتحقق شروط الهدنة والالتزام بها، وبهذا المعنى فإن الأطراف الثلاثة استبعدت الحل العسكري كليّاً وهو تطوّر جديد في الأزمة السورية، خصوصاً إذا ما تم الالتزام به.

الأزمة استثنائية والحلّ الاستثنائي

            كان حضور الحكومة والمعارضين السوريين إلى الأستانة يعني فيما يعنيه الخروج من معطف جنيف الذي حاولت القوى الدولية إلباسه للسوريين (حكومة ومعارضة) برعاية الأمم المتحدة، وفي الوقت نفسه فإن هذا الخروج ليس إلى فراغ، بل إلى رعاية روسية أساسية وإن كانت ليست معارضة لاتفاقات جنيف، لكنها أكثر واقعية وقدرة على التنفيذ من خلال التوافق الدولي - الإقليمي (روسيا - تركيا).

            ربّما كانت القراءة الأولى لمؤتمر الأستانة باعتباره تحدّياً روسياً للمجتمع الدولي، لكن دخول تركيا وتأثيرها على المعارضة، أعطاه أهمية استثنائية، ولا يمكن إنجاح أي حلّ في سوريا إلاّ إذا كان استثنائياً، فالأزمة استثنائية وتتطلّب حلاًّ استثنائياً، وأعتقد أن وضع مسودة تنفيذ القرار 2254 الصادر في 18 كانون الأول (ديسمبر) 2015 عن مجلس الأمن الدولي ستكون الخطوة الأساسية لنجاح أي اتفاق لاحق، وقد نصّ هذا القرار على "أن الشعب السوري هو من يقرّر مستقبل البلاد"، ودعا إلى "تشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات برعاية أممية، كما طالب بوقف الهجمات ضدّ المدنيين بشكل فوري، وقد تمّ التصويت عليه بالإجماع (15 دولة عضو في مجلس الأمن).

            الجديد في الأزمة السورية الراهنة هو الضمانة الروسية التي تمكّنت من حل بعض العُقد أمام مؤتمر جنيف في شباط (فبراير) 2017، يضاف إلى ذلك فصل المعارضة المسلّحة عن الجماعات الإرهابية مثل "داعش" و"حركة أحرار الشام الإسلامية" و"جيش الإسلام" و"الجيش الحرّ" وغيرها، وهذه خطوة مهمّة.

            ولكن تبقى هناك عقبات جدّية ما بعد الأستانة أهمها: تحديد المشاركين باسم المعارضة ويطمح الروس أن تشارك جميع القوى الفاعلة، خصوصاً وأن بعضها قد غاب عن الحضور، وتمثيل الأكراد الذين لديهم حضور في المناطق الشمالية ويديرونها ذاتياً، وكيف سيكون الأمر في المستقبل، أي العلاقة بين المركز والأقاليم أو الأطراف، خصوصاً وأن مطالب عديدة أخذت تتبلور في أوساطهم تدعو إلى الفيدرالية أو الحكم الذاتي أو اللاّمركزية، وكلّها تبدي اعتراضاً على فكرة الدولة المركزية البسيطة، التي عرفتها سوريا منذ استقلالها، وأخذت تروج بدلاً عنها فكرة الدولة اللامركزية والمركّبة، فهل نحن بصدد نظام لا مركزي؟ وأين حدود صلاحيات المركز والأقاليم؟ وهل هي إدارية أم قومية؟ وحسب المصطلح المستخدم "الثقافية"؟ ووفق أي الاعتبارات سيتم تحديدها؟ وعلى أي النسب السكانية سيتم تقريرها؟ وهذه أسئلة تحتاج إلى أبحاث مستفيضة وتراضٍ وتوافق استثنائي وتاريخي في الوقت نفسه، وقد تكون المفاوضات فيها مضنية.

            ولعلّ هذه الإشكالات الاستثنائية تحتاج إلى حلول استثنائية وتنازلات متبادلة من جميع الأطراف، كما أن الأطراف الكردية غير متفقة مع بعضها البعض، علماً بأن موسكو تريد مشاركة حزب الاتحاد الديمقراطي وشخصيات قريبة من النظام وأخرى محسوبة على محور القاهرة، في حين ترى أنقرة ضرورة مخاطبة الهيئة العليا للمفاوضات وهي ترفض دعوة الأكراد، الأمر الذي يحتاج إلى مرونة من جهة، مثلما يحتاج إلى وضوح وأفق لكي لا تُخلق بؤراً جديدة للتوتر والصراع أو تُبقي عليها، بحيث تنفجر في أي وقت.

            وإذا كان الموقف التركي قد تغيّر تماماً، وانتقل من حالة الرفض لأي مفاوضات لا تحدّد مصير الرئيس الأسد، إلى مفاوضات قد لا تتطرّق إلى ذلك مراعية مصالحها السياسية والاقتصادية وأوضاعها الداخلية، فإن للنجاحات التي أحرزها الجيش السوري وتراجع القوى المسلحة في مناطق عديدة، وخصوصاً في منطقة الباب وحلب دور كبير في ذلك، ناهيك عن فتور علاقات تركيا مع الناتو وضيق صدرها من الولايات المتحدة التي اتهمتها ولو لم تسمّيها بالاسم، بالتحريض على الانقلاب الفاشل ودعم فتح الله غولن، وقد يكون لتولي الرئيس دونالد ترامب أثر كبير في مجريات الأحداث في سوريا بغض النظر عن مواقفه الأخرى، والأمر قد يكون له صلة بالعلاقة الروسية - الأمريكية.

            ولعلّ أهم نتائج مؤتمر الأستانة على الصعيد الدولي والإقليمي هو إنشاء إطار ضامن وأوكل له مهمّة أساسية معلنة بوضع آليات لمراقبة وقف إطلاق النار، وذلك بعد أن تمكّن اللاّعب الروسي، الإمساك بالملف السوري، خصوصاً بعد قرار إدارة أوباما، التراجع إلى الخلف لانشغالها بملفات داخلية وإبداء تركيا استعدادها لجلب المعارضة المسلحة للأستانة مع تخلّيها عن فكرة تنحية الرئيس الأسد.

            هكذا أصبحت موسكو هي الضامنة، وليست طرفاً في الصراع كما كان المعارضون المسلحون يتهمونها، بل أدانوها بارتكاب مجازر عديدة في المناطق التي تحت سيطرتهم، وهذا يعني أنها أصبحت مقبولة كطرف حيادي يرعى مؤتمراً لتثبيت وقف إطلاق النار، ثم سيضمن مراقبة ذلك. وسيكون لها وفقاً لهذا التقدير دور مستقبلي قد يصبح كبيراً أكثر مما هو عليه للوصول إلى تسوية شاملة، فيما إذا سارت الأمور حسب ما هو معلن ومقرر.

خريطة الطريق الروسية[15]

            وحسب ما ترشّح، فإن لدى الروس أربع حلقات أساسية لحل الأزمة السورية، وقد تلتقي معها كلياً أو جزئياً إيران وتركيا، وخصوصاً بعد نتائج مؤتمر الأستانة، ولحين تبلور رؤية أمريكية جديدة في عهد ترامب، فإن هذه الخطة ستأخذ مجراها إلى التطبيق ويعتمد نجاحها على دفع اللاّعب الأمريكي بوقت لاحق للتعاطي مع المشروع الروسي.

            الحلقة الأولى للخطة الروسية، تقوم على إرساء وقف إطلاق النار بشكل حقيقي في المناطق المتنازع عليها بين الحكومة السورية والجماعات المسلّحة.

            أما الحلقة الثانية، وقد بدأت خطواتها الأولى بشن حرب تشارك فيها الأطراف المختلفة للقضاء على جبهة فتح الشام "جبهة النصرة سابقاً" وكان من مؤشرات ذلك صراع الجماعات المسلحة مع جبهة فتح الشام في إدلب التي ترافقت مع العمليات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي وموسكو من خلال استهداف مقرّاتها واجتماعات قيادييها، ليس هذا فحسب، بل إن هذه الحلقة قد تتوسّع لتشمل محاربة "داعش".

            وتقضي الحلقة الثالثة بإقرار دستور جديد لسوريا وقد تمّت الإشارة إلى مشاريع الدساتير المقترحة والمشاريع التي ستعكف على تقديمها قوى المعارضة، وكانت المسوّدة الروسية قد استندت على الدستور السوري الذي تم تعديله العام 2012، وهناك قلق لدى العديد من النخب السورية الحاكمة وغير الحاكمة في أن يكون هذا الدستور صيغة مماثلة أو مقاربة لدستور بول بريمر بخصوص العراق للمرحلة الانتقالية 2004 والذي تم صياغة الدستور الدائم على أساسه لعام 2005، وهو الذي كرّس نظام المحاصصة الطائفية - الإثنية، لكن الروس يؤكّدون أن ذلك يتم بوحي من الأرضية الدستورية السورية نفسها وبأيدٍ سورية، مع ملاحظات حول شكل نظام الحكم وصيغة اللاّمركزية المطروحة فيه[16].

            وتعتبر الحلقة الرابعة من أهم حلقات الخطة الروسية، وذلك برفع أي فيتو عن أي من المرشحين للرئاسة، ولكن كل ذلك مرهون بنجاح عملية إحلال السلام، وتعاون الأطراف الإقليمية مع موسكو، لا سيّما تركيا وإيران، وبالطبع فإن صيغة البيان الختامي فجّرت خلافات جديدة بين الجماعات المسلّحة والمعارضة، لا سيّما بشأن الدور الإيراني الضامن.

            في الختام يمكن القول إن مؤتمرات السلام التي انعقدت لحلّ الأزمة السورية في السنوات الثلاث الماضية، جميعها بما فيها مؤتمر الأستانة، ساهمت في كسر الحاجز النفسي وتطبيع العلاقات بين القوى المعارضة والحكومة السورية. وإذا كانت المؤتمرات الأولى ضمّت جماعات سياسية مثل "المجلس الوطني السوري - الدوحة" ثم "هيئة الائتلاف الوطني - اسطنبول"، ولاحقاً "الهيئة العليا للمفاوضات - الرياض"، فإن مؤتمر الأستانة مثّل جماعات مسلّحة على الأرض حملت تسميات من قبيل "جيش الإسلام" و"جيش إدلب الحر" و"الجبهة الجنوبية" و"صقور الشام".

تركيا: تسوية الأزمة بدون الأسد أمر غير واقعي

            وإذا كانت تركيا المتعهّد باسم الجماعات المعارضة المسلحة، فإن روسيا ظهرت وكأنها الأقرب لتمثيل الحكومة السورية كقطب أساسي، وإن حظرت إلى جانبها إيران، لكن تحفّظات بعض الأطراف المسلّحة جعلها في المرتبة الثانية، وإذا كان هناك من تبدّل نوعي، فهو يتعلّق بتهميش دور المملكة العربية السعودية وقطر، خصوصاً بعدم حضور المعارضات السياسية المدعومة من جانبيهما.

            ومن التطوّرات المهمّة التي تبلورت عشية وخلال وبُعيد مؤتمر الأستانة أن تركيا التي كانت تصرّ على رحيل الأسد، تخلّت عن هذه الفكرة، وقد عبّر نائب رئيس وزرائها محمد شيمشك في مؤتمر دافوس (سويسرا) ما يؤكّد ذلك حين قال: إن تسوية الأزمة السورية بدون الرئيس السوري بشار الأسد، تعدّ في الوقت الراهن أمراً غير واقعي، وذهب أكثر من ذلك حين أضاف "الأسد يتحمّل مسؤولية معاناة الشعب السوري، لكن يجب أن نكون براغماتيين، وأن ننطلق من الواقع، فالوضع تغيّر جذرياً، ولذلك لا يمكن لتركيا أن تواصل الإصرار على تسوية بدون الأسد، وأنه أمر غير واقعي"[17].

            صحيح أن مؤتمر الأستانة ركّز على الجوانب العسكرية، المتعلّقة بتثبيت الهدنة ووقف إطلاق النار، إلاّ أنه فتح الأفق واسعاً بعد انسداد دام لسنوات أمام تسوية سياسية، وهو ما حاول دي ميستورا الحديث عنه، ولا سيّما استئناف مؤتمر جنيف في شباط (فبراير) 2017، أي محاولة إضفاء بُعدٍ أممي على ما جرى في الأستانة، وتبقى الأزمة السورية، سورية بالدرجة الأساسية، وحلّها سورياً أيضاً، مهما كان دور القوى الإقليمية والدولية كبيراً، وهذا الحل الميداني يحتاج إلى خريطة طريق طويلة الأمد، وتفاهمات وشجاعة استثنائية في الوقت نفسه، لأن الهدف هو إعادة بناء سوريا وترميم ما خربته الحرب، وإجراء مصالحة وطنية حقيقية وتاريخية.

كولومبيا وتجارب العدالة الانتقالية

            وسيكون ذلك ممكناً حين يتم اعتماد قواعد العدالة الانتقالية، مع حساب الخصوصية السورية، تلك التي تقوم على كشف الحقيقة: ما الذي حصل؟ ولماذا حصل؟ وكيف حصل؟ لتحصين الأجيال القادمة، وذلك دون نسيان المساءلة عمّا حدث مع الأخذ بنظر الاعتبار الابتعاد عن الثأر والانتقام والكيدية، فمثل ذلك سيولّد ردود فعل وانقسامات تزيد من الشروخ الاجتماعية الحاصلة، وهنا لا بدّ من اعتماد مبادىء التسامح، والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يثير الحساسيات والضغائن والفتن ويدخل البلاد في أتون تقسيمات طائفية وإثنية.

            والخطوة الأخرى التي يمكن اعتمادها تقوم على جبر الضرّر، خصوصاً المعنوي بإطلاق أسماء مكتبات وساحات عامة وشوارع وقاعات ومدارس وغيرها على ضحايا يخلّدهم الشعب السوري، وكذلك تعويض الضحايا وأسرهم وجميع المتضررين مادياً ومعنوياً، خارج أي اعتبار سياسي أو قومي أو ديني أو طائفي أو اجتماعي أو مناطقي أو أي اعتبار آخر، ودون أي تمييز، والعمل على إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، التي تعزّز من احترام حقوق الإنسان وحرّياته باعتبارها ركيزة أساسية من الركائز الدستورية التي تقوم على المواطنة الفاعلة، لا سيّما بأجواء من الحريّة التي هي أسمى الحقوق والمساواة والعدالة، وخصوصاً العدالة الاجتماعية والشراكة والمشاركة.

            الأزمة السورية استثنائية والحل استثنائي أيضاً، وإذا كان الهدف هو تحقيق المصالحة الوطنية التاريخية وإعادة لحمة المجتمع السوري، فلا بد من إنهاء جميع تبعات الصراع المسلّح الاستئصالي، الإلغائي، التهميشي، وتحقيق العيش المشترك والتفاهم، وقطع دابر التدخلات الخارجية التي كان لها دور أساسي في إشعال الفتنة واستمرارها. وأول ما تحتاجه المصالحة هو بناء جسور الثقة لوقف التعقيبات القانونية، وإطفاء القضايا المتعلّقة لكل من يلقي السلاح ويستجيب لنداء الوطن والوحدة الوطنية والتحوّل الديمقراطي، وقد جرّبت شعوباً كثيرة مثل هذه الحلول ونجحت في تجاوز أزمتها، ولعلّ آخر الأمثلة كانت التجربة الكولومبية التي استحق عليها الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس جائزة نوبل العام (2016)، وذلك تقديراً لجهوده في تسوية النزاع المسلح في بلاده[18].

            وكان الرئيس الكولومبي قد اتفق مع الحركة اليسارية (المتطرّفة) التي تُدعى "فارك" بعد مفاوضات مضنية دامت 4 سنوات لوضع حدٍّ لصفحة الصراع المسلح الذي استمر 52 عاماً وأودى بحياة 220 ألف مواطن وساهم في تعطيل التنمية وهدر طاقات البلاد.

لقد كان الاستمرار بالنسبة للطرفين يمثل نوعاً من المكابرة والعبث، فوافقت الحركة على إنهاء الكفاح المسلّح، وإلقاء السلاح وتسليمه إلى الحكومة والتوصل إلى مصالحة مع الدولة وبشروطها، ووافقت الحكومة على التوصل إلى حلول سلمية ومدنية، باستبعاد المساءلة الفورية أو المباشرة، ذلك أن اشتراط تحقيق العدالة كشرط للسلام قد يفضي إلى استمرار الحرب الأهلية، خصوصاً في ظل نفوذ لا يزال يملكه المتمردون، الذين يبلغ عددهم أكثر من 15 ألف مسلح، فكان لا بدّ من اللجوء إلى الوسائل السلمية واللاّعنفية باعتبارها سلاحاً ماضياً للوصول إلى الأهداف المرجوة، حتى وإن ألحق بعض الخسائر بمسألة العدالة القانونية المنشودة.

الاتفاق الكولومبي كان أقرب إلى صفقة سياسية حين وضع السلام مقابل العدالة، مقدّماً الأول على الثانية، لأننا لو أخذنا بمعيار تطبيق مستلزمات العدالة القانونية والقضائية عند الاتفاق، فإن ذلك سيعني ملاحقة أعضاء حركة "فارك"، التي تصل جرائمها إلى جرائم حرب، وجرائم إبادة جماعية، وجرائم ضدّ الإنسانية، خصوصاً لجهة عدد الضحايا وتدمير المنشآت وإحراق المزارع وإتلاف البيئة وتهجير مئات الآلاف من السكان، وقد يكون بعضها من مسؤولية المحكمة الجنائية الدولية.

لعلّ التجربة الكولومبية اليوم هي إحدى تجارب العدالة الانتقالية الجديدة، خصوصاً بتقديم السلام على المساءلة، ومن أبرز عناصرها هي: تعهّد قادة الحركة المسلّحة بتسليم أسلحتهم، والامتناع عن زراعة المخدرات وإتلاف ما يوجد لديهم، والتوقف عن الاتجار بها أو بعمليات تهريبها أو القيام بأي خرق لحقوق الإنسان، كما تعهّدوا بتقديم تعويضات (من المال السّحت الذي حصلوا عليه) إلى المزارعين، وأولاً وقبل كل شيء إعلاء حكم القانون ومرجعية الدولة والعودة إلى المجتمع كأفراد مدنيين. وأعتقد شخصياً أن ذلك أمراً في غاية الأهمية.

أُطلقَ على الاتفاق بين الرئيس سانتوس وقادة الحركة المسلحة: العدالة التوافقية أو العدالة البنّاءة، وهي عدالة مؤقتة وانتقالية تشمل جوانب قانونية وأخرى سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وهذه تعني حسب حيثياتها: لا معاقبة الجاني وإعادة الحق لأصحابه، بل الاتفاق على تعهّد المرتكب بعدم تكرار ارتكاب جرائم جديدة وإعادة جزء من الحق لأهله، والاعتراف بحق الدولة في استعادة سلطتها، باعتبارها الجهة الوحيدة التي يحق لها احتكار السلاح واستخدامه.

وإذا كانت شروط العدالة الانتقالية[19] تقوم على كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرّر وتعويض الضحايا وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، فإن التجربة الكولومبية، قفزت على النقطة الأولى، وتركت أمرها لتنفيذ الاتفاق، وإذا كان مثل هذا الإشكال يجنّب الشعب الكولومبي الويلات والمآسي التي عاشها لعقود من الزمان، فلا بدّ أن يكون مرحّباً به لعلاقته بالمستقبل وليس بالماضي، فالانتقام والثأر قد يدفع إلى ردود فعل متقابلة، وهكذا.

وكانت التجربة الأرجنتينية في أواخر السبعينات وما بعدها قد سلكت طريق التوافق بإطفاء الحرائق ووقف التعقيبات القانونية بحق المرتكبين، كما سلكت التجربة التشيلية في أواخر التسعينات ذات الطريق، وهما شقّا تجربة جديدة في العدالة الانتقالية، قائمة على فقه التواصل وليس فقه القطيعة، وهو ما سلكته تجربة الدول الاشتراكية السابقة منذ أواخر الثمانينات، خصوصاً بولونيا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا، ويمكن هنا أن نستذكر تجربة جنوب إفريقيا للعدالة الانتقالية التي استبعدت الانتقام، لأن فتح مثل هذه الصفحة قد يؤدي إلى استشراء العنف الذي سيصاحبه ردود أفعال مضادّة، والعنف يولّد عنفاً، وهكذا، كما أن التجربة المغربية للعدالة الانتقالية وهي من داخل النظام واستمراراً له مفيدة جداً، ويمكن قراءتها بصورة هادئة، حتى وإن كانت الأجواء ساخنة، لأن فيها ما ينفع مثل التجارب الأخرى، وهي ليست للتقليد أو للاستنساخ، بل لاستلهام الدروس والعبر، خصوصاً من وجود بعض المشتركات العامة.

قد يصلح الدرس الكولومبي والأمريكي اللاتيني ودروس أوروبا الشرقية، وجنوب إفريقيا والمغرب لبلدان وشعوب أخرى، ويكون مفيداً إذا أخذنا بنظر الاعتبار الظروف الخاصة بكل بلد، علماً بأن مهمة تحقيق السلام، هي مهمة إنسانية مشتركة وعامة.

ولعلّ مؤتمر الأستانة ولقاء موسكو قد فتحا الطريق أمام مؤتمر جنيف الذي يحتاج إلى خريطة طريق تستكمل ما بدأته مؤتمرات جنيف السابقة، الأول في حزيران (يونيو) 2012، والثاني في كانون الثاني (يناير) 2014، والثالث الذي كان مقرراً بترتيب من محادثات فيينا للسلام ومجلس الأمن الدولي ومبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا، على أن تتوافق عليها القوى السورية أساساً، حكومة ومعارضة، ولا بد لها لكي توضع موضع التطبيق أن تحظى بتأييد ودعم إقليمي ودولي.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

 

نشرت في مجلة الغدير العدد 72 /2017 (وهي مجلة فصلية ثقافية محكّمة)

 

في المواطنة والحوار والإرهاب

عبد الحسين شعبان

 

  أعادت حوادث القتل والتّهجير التي جرت في شبه جزيرة سيناء والتي استهدفت الأقباط، ما حصل لمسيحيّي العراق، سواء نزوحهم من البصرة وبغداد وكركوك والموصل خصوصاً بعد احتلالها من قبل داعش العام 2014 ،إلى كردستان ومنها إلى المنافي البعيدة، الأمر الذي لا يزال مستمرّاً في سوريا كما جرى في لبنان خلال الحرب الأهلية، وينبغي أن نتذكر باستمرار ما حدث لمسيحيّي فلسطين الذين كان عددهم يزيد على 20 % من السكان قبل الاحتلال وبسبب التهجير المنظّم، وصل عددهم الآن إلى أقل من 1،5 % وكان في القدس وحدها ما يزيد  عن 50 ألف مسيحي، في الوقت الذي لا يصل عددهم اليوم إلى 5 آلاف.

  إنّ حوادث القتل ومحاولات الاستئصال والإلغاء وعدم الاعتراف بالآخر تطرح مسألتين أساسيّتين :

أوّلها: غياب أو ضعفِ المواطنة، فحيثما تكون هذه هشّة يتمّ التّهميش والإلغاء وتجري محاولات للتّسيّد والهيمنة،حيث تستقوي جهات نافذة تفرض نفسها على مصادرة حقوق الآخرين، وكلّما ضعفت أو اهتزّت أركان المواطنة كان التعصّب والتطرّف جاهزين ولها بالمرصاد، وحيث يسودان فذلك يعني أنّ العنف والإرهاب سيجدان طريقهما إلى المجتمع.

     ثانيها: غيابالحوار الذييفترضالاعترافبالآخر على قدر من المساواة، وذلك يعني الإقرار بالتنوّع والتعدّدية، وغيابه سيفضي إلى نوع من الإلغاء أو التّهميش أو الانتقاص من الحقوق، وليست تلك سوى حقوق المواطنة. هكذا تظهر العلاقة العكسية بين الإرهاب والمواطنة، فسيادة الإرهاب ستكون بسبب ضعف المواطنة أو الانتقاص من أركانها، والعكس صحيح، فإنّ وجود مواطنة حيوية تقوم على الإقرار بالحريّات وممارستها، ولاسيّما حرية التعبير، والحق في التنظيم و الاعتقاد ، والحق في المشاركة والشّراكة،سيعني الإعلاء من القيم الإنسانية العليا، وهذه تغتني بمبادئ المساواة وعدم التمييز والعدالة وخصوصاً الإجتماعية، إذ إنّ المواطنة ستكون قاصرة وناقصة مع الفقر، والمواطنة تحتاج أيضاً إلى الاعتراف بالحق في المشاركة وتولّي الوظائف العليا دون تمييز.

        خلال الشّهرين المنصرمين قدّر لي أن أشارك بعدد من المؤتمرات والأنشطة الثّقافية والفكرية والحقوقية، وفي عدد من البلدان العربية، وكان العنوان الأساسي لها: ماالسّبيللمواجهةالتعصّبوالتطرّف؟ وما علاقتهما بالعنف والإرهاب؟ وأيّ تعارض بين الطائفية والمواطنة؟ وأخيراً هل نحتاج إلى خطاب جديد لمجابهة ثقافة الكراهية والإقصاء والتّهميش؟

         وبقدر ما لهذه الظواهر من اشتباك ثقافي واجتماعي وسياسي، فلها خلفيّات دينيّة وطائفيّة وثقافيّة وتربويّة، وتنعكس على سلوك الأفراد والمجموعات، لاسيّما التي تدّعي امتلاك الحقيقة، أو التيتعتبر لها أفضليّات على الآخرين، لهذه الأسباب أو لغيرها.

       وإذا كان الخطاب السّائد قاصراً، ويتّسم بالشّحن والتّحريض، أفلا تستلزم الحاجة إلى إعادة النظر به، بل مراجعة منطلقاته الفكرية والثّقافية؟ ثمّ كيف يمكنإصلاح الخطاب دون إصلاح الفكر؟ والمسألة لا تقتصر على الفكر الدّيني وحده بل على إصلاح الفكر الطاغي، وتعزيز مستلزمات مراجعة نقدية مفتوحة، يشارك فيها الجميع، قوى وتيّارات ومنظّمات مجتمع مدني ونقابات وإعلام، لأنّ الأمر يتعلّق بصميم توجّهات المجتمع وسلامة جميع أفراده. والمجتمعات المتصالحة مع نفسها تجد فيها نوعاً من "التّطامن" يساعد على تطويق ظواهر إلغاء الآخر أو إقصائه أو تهميشه أو محاولات التسيّد عليه.

        ولأنّ ظواهر التعصّب والتطرّف استفحلت في عالمنا العربي بشكل خاص، وباتت تهدّد وجود الدولة الوطنية، فقد استوجب الأمر إحياء لغة الحوار، الذي لم يعد اختياراً فحسب، بل أصبح ضرورة و اضطراراً، فبدونه ستكون التّربة خصبة للعنف والإحتراب، خصوصاً في ظلّ التمترسات المذهبية.

        والحوار ينبغي أن يستهدف أوّلاً وقبل كلّ شيء الاتّفاق والتّوافق حول سبل تعزيز المواطنة، التي ستبقى حجر الزاوية في مواجهة العنف والإرهاب اللّذين يتحوّلان إلى فعل، بعد أن يستحوذ التعصّب والتطرّف على عقول أفراد أو مجاميع فئويّة، وهو ما أضحى جزءًا من المشهد البارز في بغداد ودمشق وطرابلس وصنعاء، ووجد حواضن له أحياناً لـ "يفقّس فيها بيضه" في مصر وتونس، وصولاً إلى المغرب والجزائر وغيرها،خصوصاً بفعل عمليّة "غسل الأدمغة" لبعض الشّباب المقبل على عنف لاحدود له، بما فيه مع النّفس حين يُقدم على عمليّات إنتحاريّة تحت مزاعم ومبرّرات شتّى، بعضها ديني أو مذهبي، وآخر إجتماعي أو اقتصادي أو سياسي، وبقدر ما ينطبق على إرهابيّي المنطقة، فإنّه أيضاً يشمل إرهابيّي الغرب الذين يأتون ليفرغوا ما في جعبتهم من عنف في بلداننا.

        هل تنفع الوسيلة الأمنية لوحدها في التّصدّي للظاهرة الإرهابيّة؟

سؤال حائر ظلّ يتردّد في العديد من المؤتمرات الدوليّة والعربيّة الحقوقيّة، وهو وإن كانت الإجابة عنه معروفة سلفاً، لكنّ الرّكون إليه لوحده أو تقديمه على سواه من سبل الوقاية والحماية، جعل استمرار الإرهاب، يعيد طرحه بشدّة كبيرة، خصوصاً وإنّ الحاجة تتعاظم إلى تكامل الوسائل المتنوّعة للتّصدّي للظاهرة الإرهابيّة سياسيّاً، واجتماعيّاً، واقتصاديّاً، وثقافيّاً، وتربويّاً، ودينيّاً، إضافة إلى الوسائل الأمنيّة والعسكريّة، وهذه كما يقول "العرب" هي آخر "العلاج-الكي".

         وإذا كانت المواطنة نقيضاً للإرهاب، فهذه الأخيرة تحتاج إلى حوار بعقل مفتوح وقلب "حار" كما يقال، خاصة وإنّ بلداننا تقف عند مفترق طرق، فكلّما ارتفع شأن المواطنة تناقص خطر الإرهاب، والعكس صحيح أيضاً، حيث تظهر "العنعنات" الدينيّة والمزاعم الطائفيّة والدعوات الإنفصاليّة والإستتباع للخارج الإقليمي،ولكلّ ما له علاقة ببقايا ما قبل الدولة.

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

 

ترامب وحكم القانون

 

عبد الحسين شعبان

 

 

            أثار قرار الرئيس دونالد ترامب بشأن منع مواطني 7 بلدان إسلامية (6 منها عربية هي العراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان والصومال) إضافة إلى إيران من دخول الولايات المتحدة (لمدة ثلاث أشهر) وتعليق قبول اللاجئين (لأربعة أشهر) واستثناء طالبي اللّجوء السوريين إلى أجل غير مسمّى، موجة عارمة من ردود الأفعال المختلفة، بين مؤيّديه الذين يعتبرون ذلك من مظاهر السيادة، لا سيّما إذا كان الأمر يتعلّق بالأمن القومي، وهو حق للرئيس بموجب الدستور، وبين معارضيه الذين يعتبرون مثل هذا الإجراء مخالفاً للمبادىء القانونية والدستورية العامة التي تقوم على المساواة وعدم التمييز، وبالتالي فهي تتعارض مع الدستور.

            والأكثر من ذلك، فإن مثل هذا القرار أثار اختلافاً حادّاً بين ما هو سياسي وبين ما هو قانوني، فالقضاء الذي حكم بعدم جواز اتخاذ مثل هذا الإجراء، أيّدته محكمة الاستئناف، الأمر الذي دفع ترامب إلى التعليق عليه فور صدوره بأنه سيواجهه بالمحكمة، والمقصود بذلك "المحكمة الدستورية العليا"، وطعن به باعتباره "مسيّساً"، وأياً كانت الأسباب، فإن ما هو سياسي أصبح في خلاف مع ما هو قانوني وقضائي، وهناك خلاف بين ما هو حق دستوري للرئيس وفي بعض قراراته التي تتعارض مع الدستور نفسه، فضلاً عن تعارضها مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.

            وحين نقض القضاء "القرار الرئاسي"، كانت تبريراته قانونية بأن طعن البيت الأبيض فيه (وهو طعن سياسي) مرفوض حسب ما ورد على لسان القضاة الثلاثة في محكمة الاستئناف، لأن الإدارة الأمريكية لم تبرهن على أن استمرار تعليق هذا القرار (الرئاسي) قد يؤدي إلى انتهاكات خطرة لأمن الولايات المتحدة.

            وإذا كان الاتجاه المؤيد لقرار الرئيس الأمريكي يستند إلى مبادىء السيادة، فإن هذه الأخيرة لم تعد مطلقة كما كانت في القانون الدولي التقليدي، بل أصبحت مقيّدة في القانون الدولي المعاصر، وازدادت تقييداً مع مرور الأيام بحكم المعاهدات والاتفاقيات التي تنضم إليها الدولة والمنظمات الإقليمية والدولية التي تنتمي إليها، والتي يتم بموجبها التنازل عن جزء من سيادتها.

            وحين أصبحت قاعدة حقوق الإنسان، قاعدة مستقلّة وآمرة، أي ملزمة في القانون الدولي أي Jus Cogens، فإن السيادة ازدادت تقييداً ولم يعد بإمكان دولة ما اتخاذ قرارات انفرادية حتى وإن كانت داخلية، إذا كانت تتعارض جوهرياً وصميمياً مع سموّ قواعد حقوق الإنسان، وذلك منذ إقرار مؤتمر هلسنكي لها في العام 1975 وهو المؤتمر الخاص بالتعاون والأمن الأوروبي الذي شاركت فيه 33 دولة أوروبية، إضافة إلى أمريكا وكندا، وما صدر عنه يعتبر بمثابة اتفاقية شارعة أي منشأة لقواعد قانونية جديدة أو مثبتة لها.

            ومن جهة أخرى فالقرار الرئاسي يعتبر انتقاصاً من مبادىء المساواة، فاستثناء مواطنين بلد ما يندرج في إطار التمييز والعنصرية والدعوة إلى الكراهية والتحريض والعنف، وهو مخالف لروح المادتين (19 و20) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في العام 1966، وهو في الوقت نفسه مخالف لقرارات "مؤتمر ديربن" حول العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب لعام 2001. والأكثر من ذلك، فإن القرار الرئاسي يتعارض مع مبادىء الدستور الأمريكي نفسه، وهو من أعرق الدساتير العالمية، خصوصاً لمخالفته لمبادىء المساواة والتمييز ضد شعوب بكاملها على أساس الدين والعرق.

            وتختلف الرؤية السياسية عن الرؤية القانونية، ليس فقط بالتبرير، بل بالقواعد التي تحكمهما، وحين يبرّر ترامب إجراءه الأكثر رمزية بالأمن القومي، يقول القضاة إن قرارهم يتساوق مع "المصلحة العامة"، وهنا يظهر الافتراق والتعارض ما بين السياسة والقانون، علماً بأن قرار المحكمة الدستورية العليا سيكون حاسماً، وينبغي الامتثال له.

            لقد كنّا نعتقد وما زلنا أن الولايات المتحدة هي بلد القانون والمؤسسات، وأن تهمة التسييس للقضاء وعدم النزاهة أو الحيادية أو المهنية، هي تُهم جاهزة يتم تلبيسها للعالم الثالث ولمعارضي سياسة واشنطن كلّما اقتضت الحاجة لذلك، وهو ما لمسناه خلال فترة الحصار على العراق، وفيما بعد تبرير احتلاله باتهامه امتلاك أسلحة دمار شامل، وإذا بنا اليوم أمام ظاهرة جديدة، وهي أن الرئيس الأمريكي نفسه، وهو أعلى درجة في سلّم الهرم، يتّهم القضاء الأمريكي وقراراته بالتسييس.

            لقد تعلّمنا خلال دراستنا القانونية، أن القانون حسب مونتسكيو مثل الموت لا يستثني أحداً، وهو ما حاولنا أن ندرّسه لطلابنا، مشيدين بالمؤسسات التي تم بناؤها في الدول المتقدّمة والتي سبقتنا في ميدان حكم القانون ومنها الولايات المتحدة، بما فيها مؤسسات القضاء التي هي الأكثر احتراماً، لكن ما هو جديد أن الرئيس الأمريكي هو من يطعن بقراراتها ويتّهمها بالتسييس. وإذا كان مثل هذا الأمر يتعلّق بمسألة ذات اختصاص داخلي أمريكي، وإن كانت لها انعكاساتها الدولية، فما بالك حين يتعلّق الأمر بشرعنة الاستيطان من جانب "إسرائيل"، فسيكون من حقنا وحق جميع المدافعين عن حقوق الإنسان التساؤل من منظور العدالة والحقوق: من سيقاضي المرتكبين؟ ومن لديه مثل هذه القدرة على ملاحقتهم حتى لو تمت إدانتهم؟ ومن سينصف الضحايا؟

 

نُشرت في صحيفة الخليج "الإماراتية"

بعنوان: "قرارات ترامب ومبادىء الدستور الأمريكي"

أكاديمي ومفكّر عربي

 

 

قضم الضفة الغربية: ماذا يعني؟

عبد الحسين شعبان

            كانت صدمة "إسرائيل" حادّة جداً، ووقعها شديد القسوة، وذلك بصدور قرارين دوليين خلال فترة شهرين، أحدهما من اليونيسكو، والثاني من مجلس الأمن الدولي، والقراران يطعنان بالممارسات "الإسرائيلية"، ويؤكدان بطلانها وعدم شرعيتها، فضلاً عن تعارضها مع قواعد القانون الدولي وانتهاكها لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وإذا أردنا التوسّع في تفسير دلالاتهما، فإنهما يشكّكان بشرعية الوجود "الإسرائيلي"، خصوصاً بتجاوزها على مبادىء الأمم المتحدة وأهدافها، التي ساهمت في تأسيسها.

            وقضى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 الصادر عشية عيد الميلاد 24/ديسمبر (كانون الأول) 2016 بعدم شرعية الاستيطان (الذي يندرج في القانون الإنساني الدولي باعتباره جريمة دولية)، إضافة إلى تعارضه مع قواعد القانون الدولي. أما قرار اليونيسكو الصادر في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 فقضى بعدم أحقية "إسرائيل" السيطرة على الأماكن التاريخية في القدس باعتبارها تمثل إرثاً للشعب العربي الفلسطيني، مثل المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف وحائط البراق، باستخدام أسمائها العربية، وليس التسمية اليهودية "جبل المعبد".

            ولأن "إسرائيل" اعتادت أن تتعامل باستهتار مع المجتمع الدولي وتستهين بقرارات المنظمات الدولية، بوضع نفسها فوق القانون، فقد تصرّفت بردّ فعل غاضب مندّدة بالمنظمتين الدوليتين، بل ذهبت أبعد من ذلك بتحدّيهما حين قرّرت توسيع دائرة الاستيطان الذي هو أقرب إلى إعادة "احتلال المُحتلّ"، من أراضي الضفة الغربية والقدس. وبدلاً من الامتثال لقرارات ما يُسمى بـ"الشرعية الدولية"، فإنها لجأت إلى التصعيد، الأمر الذي لقي سخط المجتمع الدولي حتى إن بريطانيا وفرنسا وألمانيا شجبت مشروع الاستيطان الجديد، وكانت إدارة ترامب قد حذّرت من الخطوات الأحادية على الرغم من انحيازها الكامل "للإسرائيليين" ودعمها لهم، وإعلانها عن نيتها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

            وقد أعلن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو مصادقة مجلس الوزراء على بناء 2500 وحدة استيطانية في الضفة الغربية، وهو ما أيّده بحماسة منقطعة النظير وزير الحرب أفيغدور ليبرمان. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية الجديدة استمراراً للقضم التدريجي لأراضي الضفة الغربية التي اتبعتها "إسرائيل" سواء في الضفة عموماً وفي القدس خصوصاً. ولعلّ من دلالات هذه الخطوة أنها تأتي عشية تدشين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقعه في البيت الأبيض.

            الخطوة "الإسرائيلية" هي رد فعل مباشر لقراري مجلس الأمن واليونيسكو، وفي الوقت نفسه هي رد فعل لخطاب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ومؤتمر باريس، الأمر الذي سيعني بلغة التحليل السياسي زيادة عزلة "إسرائيل" واتّساع دائرة المعارضين لممارساتها ذات الطابع غير الشرعي والمخالف لقواعد القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي.

            وكانت التبريرات "الإسرائيلية" لبناء المستوطنات (المستعمرات) الجديدة هي الحجة المعروفة بالاستجابة للاحتياجات السكنية والحفاظ على سير الحياة الطبيعية، وستقام "المستوطنات" داخل الكتل الاستيطانية، أي بتوسعتها، بينها 100 وحدة ستبنى شرق مدينة رام الله. وكان نتنياهو قد أبلغ مجلس الوزراء المصغّر (الكابينيت) أنه سيرفع القيود "المفروضة" على سياسة البناء الاستيطاني في القدس الشرقية والضفة الغربية (المحتلة)، ووعد أن "الفترة المقبلة ستشهد عملية بناء إلى ما لا نهاية"، الأمر الذي سيعني من الناحية الفعلية تقويض أي جهود للسلام، سواء كانت على المستوى الدولي أو الإقليمي، فضلاً عن أن أي حديث عن مفاوضات في ظل تفاقم عمليات الاستيطان، سيعني رضوخاً للأمر الواقع وضرباً من العبث لا معنى له، وقبولاً لإملاء الإرادة "الإسرائيلي".

            وتسعى "إسرائيل" من خلال ضغوطها تلك، الظهور أمام المجتمع الدولي، بأن رفض المفاوضات المباشرة من جانب الفلسطينيين يعني أنهم والعرب معهم لا يريدون تسوية سلمية، في حين أنها لم تستجب لمبادرة السلام العربية التي أقرّها مؤتمر القمة العربية المنعقد في بيروت العام 2002، وضربت جميع المساعي التي اتخذت بهذا الشأن من جانب العرب والفلسطينيين بما فيها تقديم تنازلات وصولاً لسلام عادل ولو بحده الأدنى.

            ونقلت القناة الثانية "الإسرائيلية" أن نتنياهو قال للوزراء إنه سيتم تنفيذ مخططات بناء واسعة خاصة في القدس الشرقية وسيضم مستوطنة "مستعمرة" (معاليه آدوميم) شرقي القدس إلى "إسرائيل"، وهي "مستوطنة" واقعة في بلدة أبوديس العربية، لحين اجتماعه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، علماً بأنه سبق للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أن حذّر من اتخاذ مثل هذه الخطوة التي لن تساعد في عملية السلام. وكانت لجنة التنظيم والبناء في البلدية "الإسرائيلية" بالقدس قد وافقت على بناء 566 وحدة استيطانية جديدة في القدس المحتلة، وذلك في إطار مسعى "إسرائيلي" يندرج ضمن مشروع "القدس الكبرى" الذي يقضي بضم القدس الشرقية إلى "إسرائيل"، وتوسيع الاستيطان فيها، بعد أن ضمتها "إسرائيل" قانونياً في العام 1980 بقرار من الكنيست لقي رفض المجتمع الدولي وعدم اعترافه بتلك الخطوة غير الشرعية والتي تتعارض مع مبادىء الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي المعاصر والقانون الإنساني الدولي، والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ولا سيّما اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملاحقها.

            ويعني ضم "مستوطنة" معاليه آدوميم في بلدة أبوديس، اقتطاع أراضي فلسطينية جديدة على حدود العام 1967، الأمر الذي سيقود إلى تعقيد أي تسوية ويمنع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، ويكشف للعالم أجمع انتفاء أي مشروع جاد للتسوية لدى "الإسرائيليين"، خصوصاً وأن نتنياهو عاد يردّد في الأسابيع الأخيرة "أن القدس ليست مستوطنة وعليه سيستمر البناء هناك". ومثل هذه الخطوات هي بمثابة حرب جديدة، بل هي استمرار للحروب التي تشنها "إسرائيل" ضدّ الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه العادلة والمشروعة، وهي بالضدّ من قرارات مجلس الأمن الدولي، وخصوصاً القرار 242 لعام 1967 والقرار 338 لعام 1973 الذي يقضي بانسحاب "إسرائيل" من الأراضي العربية التي احتلتها في عدوان الخامس من حزيران العام 1967.

            ويبدو أن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" نتنياهو استدرك بشأن مستعمرة (مستوطنة معاليه آدوميم)، فقام بتأجيل مناقشة ضمّها بمبرّر وصول إدارة ترامب وعدم رغبته في مفاجأته بخطوات أحادية الجانب.

            جدير بالذكر أن هذه  "المستعمرة - المستوطنة" كانت إحدى نقاط الخلاف بين إدارة أوباما و"إسرائيل"، وكان روبرت غيبس المتحدث السابق في البيت الأبيض، قد قال في بيان مكتوب إن الرئيس أوباما يرفض اعتبار توسيع النشاط الاستيطاني أمراً مشروعاً، مؤكّداً أن ذلك يجعل من الصعب توفير مناخ ملائم للمفاوضات، مثلما أكّد البيان على حلّ الدولتين بقيام دولة فلسطينية تعيش بسلام إلى جانب "إسرائيل"، وهو الموقف الذي يستهدفه الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً فرنسا بالدعوة إلى مؤتمر دولي.

            لعلّ القرارات "الإسرائيلية" ببناء مستوطنات في القدس وفي الضفة الغربية ومحاولات ضم أراضي على حدود العام 1967 الفلسطينية، "إعادة احتلالها" يعتبر تحدّياً جديداً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 الذي تمت الإشارة إليه (وهو أول قرار يمرّ بإدانة "إسرائيل" من مجلس الأمن منذ العام 2008)، حيث طالبها بوقف بناء المستوطنات في القدس الشرقية والضفة الغربية، وكان قد صوّت لصالحه 14 دولة (أعضاء في مجلس الأمن)، وحتى الولايات المتحدة لم تستخدم حقها في الفيتو لمنع إمرار القرار، لكنها امتنعت عن التصويت. وكان مشروع القرار قد قدّمته نيوزيلندا والسنغال وفنزويلا وماليزيا.

            ولذلك يعتبر قرار بناء "المستوطنات" تحدّياً جديداً لمجلس الأمن الدولي الذي اعتبر الاستيطان "عملاً غير مشروع"، ناهيك عن أنه كان قد أصدر قراراً رقم 476 في 30 يونيو (حزيران) 1980، أعلن فيه بطلان الإجراءات التي اتخذتها "إسرائيل" لتغيير طابع القدس، وأكّد القرار مجدداً "أنه لا يجوز الاستيلاء على الأرض بالقوة"، و"ضرورة حماية البعد الروحي والديني الفريد للأماكن المقدسة في المدينة" وذكّر "باتفاقية جنيف الرابعة الموقعة في 12 أغسطس 1949، والمتعلّقة بحماية المدنيين وقت الحرب"، كما شجب استمرار "إسرائيل" في تغيير المعالم المادية والتركيب الجغرافي والهيكل المؤسسي ووضع مدينة القدس الشريف".

            إن الاحتلال والضم والاستيلاء بالقوة على الأراضي يعتبر من تركة الماضي، وهو بموجب القانون الدولي المعاصر وميثاق الأمم المتحدة، وهو عمل باطل بطلاناً مطلقاً، الأمر الذي يفترض من المجتمع الدولي وما يسمى بالشرعية الدولية ممارسة الضغوط المختلفة على "إسرائيل" لحملها على تنفيذ القرارات الدولية، خصوصاً العودة إلى حدود 4 يونيو (حزيران) العام 1967، ووقف عمليات الاستيطان، وتفكيك المستوطنات وإبطال ضم القدس والجولان وغيرها من الأراضي العربية المحتلة.

            إن استمرار "إسرائيل" في سياستها الإجلائية الاستيطانية سيعني ليس الإبقاء على بؤر التوتر، بل صبّ الزيت على النّار لكي تبقى مشتعلة وهو ما يهدّد السلم والأمن الدوليين، ويجهض أي محاولة لتنفيذ حلّ الدولتين على أساس احترام حقوق الشعب العربي الفلسطيني، بما فيها حقه في تقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية المستقلة القادرة على الحياة، واعتبار القدس عاصمة لها، وحل مشاكل الحدود والمياه واللاجئين بإقرار حق العودة والتعويض، وذلك يمثل معيار الحد الأدنى كما يقال.

            وسيكون اليوم من واجب القوى الكبرى، وخصوصاً أعضاء مجلس الأمن الدائمين أن يمارسوا ضغوطهم لوقف سياسة الاستيطان الجديدة وهستيريا قضم الضفة الغربية، لأن ذلك سيفتح الاحتمالات على حروب جديدة، علماً بأن قطاع غزة يعاني من حصار منذ نحو 10 سنوات تقريباً، مثلما تعرّض إلى 3 اعتداءات سافرة وصارخة، وكان العدوان الأول - أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009 وحمل اسم عملية عمود السحاب. والثاني - الموسوم بـعملية الرصاص المصبوب في العام 2012، أما الثالث - فقد كان في العام 2014 وأطلق عليه عملية الجرف الصامد.

            وإذا كان الفلسطينيون والعرب قد كسبوا الجبهة السياسية والدبلوماسية، سواء بشجب أوروبا الغربية أو بعدم الارتياح الروسي والصيني من مشاريع الاستيطان "الإسرائيلية"، إضافة إلى المواقف الداعمة للدول الإسلامية بشكل خاص والدول النامية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بشكل عام، فإن المطلوب منهم المزيد من توحيد المواقف لجعل سياسات نتنياهو وإجراءاته مكلفة له على الأرض وفي الميدان أيضاً، بالصمود الفلسطيني، ولا سيّما برأب الصدع بين الفلسطينيين وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والفصائلية الضيقة، وعلى الصعيد العربي المزيد من الدعم والتضامن لتعزيز الدبلوماسية الفلسطينية وتعضيدها. وقد أكّدت التجربة أن وحدة منظمة التحرير الفلسطينية وتضامن عربي فعّال وتأييد دولي للأصدقاء كان له أكبر الأثر في إحراز الشعب الفلسطيني على مكاسب إيجابية.

            إن الاستيطان كان أحد أكبر العقبات أمام اتفاق أوسلو العام 1993 الذي وصل إلى طريق مسدود، وسيبقى طريقاً مغلقاً ما لم تتوقف "إسرائيل" بالكامل عنه. والغريب أن هذه العملية الاستيطانية الجديدة هي أكبر حجماً منذ العام 2013، وظلّت الدعاية "الإسرائيلية" مستمرة لها، فهذا رئيس الوزراء نتنياهو يقول على موقعه "نبني وسنواصل البناء" وهذا وزير الدفاع ليبرمان يقول "تعود إلى الحياة الطبيعية في يهودا والسامرة" وفقاً للتسمية التوراتية للضفة الغربية المحتلة منذ العام 1967.

            إن هدف "إسرائيل" منع قيام دولة فلسطينية وعزل الضفة الغربية داخل كانتونات، وذلك دون أي اكتراث لموقف المجتمع الدولي، وهو جزء من مخطط مسحي وخرائطي لمستقبل القدس العام 2020، والمخطط كان سالكاً منذ العام 1979 بخصوص الضفة الغربية، وضمن هذا المخطط فإن ما يعرف مشروع 5800 لعام 2050 سيكون من ضمنه بناء أكبر مطار بمنطقة البقيعة في الضفة لاستقبال 35 مليون مسافر و12 مليون سائح، إضافة إلى مشاريع سكك حديدية.

            وحتى الآن هناك أكثر من 650 ألف مستوطن على 145 مستوطنة و116 بؤرة استيطان بالضفة الغربية و15 مستوطنة بمدينة القدس.

            وبالعودة للاستيطان الصهيوني، فهو مصطلح يعود إلى الاستعمار الصهيوني لفلسطين، وهو آخر استعمار عنصري استيطاني إجلائي في العالم، لا سيّما بعد النظام العنصري في جنوب إفريقيا، الذي دام أكثر من قرنين من الزمان، أي أنه من تراث الماضي فلم يعد في عالمنا المعاصر وجود دولة عنصرية، ولذلك فإن المطالبة بإقامة دولة "إسرائيل" اليهودية النقية يعني طرد أكثر من 20% من سكان البلاد الأصليين، أي عرب فلسطين في إطار سياسة تطهير عرقي لم تعد مقبولة عالمياً، لكن إسرائيل التي ترفض حلّ الدولتين وتتنكر حتى لاتفاقيات أوسلو التي هي أقل من الحد الأدنى، متمسكة بهذا الإجراء لما تبقى من عرب الـ48، وهذا سيعني الاستمرار في ممارسة سياسة تمييز عنصري جديدة في المنطقة "أي الأبرتايد الصهيوني".

            وإذا كان مؤتمر ديربن العام 2001 قد أدان العنصرية واعتبر الممارسات "الإسرائيلية"، شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وخصوصاً في أكبر عملية استفتاء للمجتمع المدني، شملت نحو 3000 منظمة حقوقية، فإن من واجب المجتمع الدولي العمل للحيلولة دون تفقيس بيض العنصرية الجديد الذي سيعني جرعات جديدة لاستمرار الكيان العنصري الاستعلائي الذي هو مشروع حرب دائمة في المنطقة.

            إن بناء المستوطنات وقضم الأراضي وضمها بالقوة أو السعي للحصول على مكاسب سياسية جراء الحرب والعدوان والتوسّع، هو انتهاك لنص المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة 1949، لا سيّما للسكان المدنيين، وكان مجلس الأمن الدولي منذ العام 1979 قد اتخذ قراراً برقم 488 اعتبر فيه المستوطنات غير شرعية. كما أكّدت محكمة العدل الدولية في لاهاي العام 2004 أن بناء جدار الفصل العنصري غير شرعي وينبغي تفكيكه وهو يهدف خدمة المشاريع الاستيطانية وأن القيود على السكان الذين تبقوا ما بين الجدار الفاصل وبين الخط الأخضر قد يؤدي إلى رحيلهم، وأن السيطرة على الأراضي الخاصة والمرتبطة بإقامة الجدار، كما ينبغي تعويض الفلسطينيين، ويشكّل مساً بالأملاك الشخصية، مما يعد خرقاً للمواد 46 و52 لاتفاقيات لاهاي لعام 1907 والمادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة.

            لقد بدأت الحركة الصهيونية بعملية الاستيطان حتى قبل قيام "إسرائيل"، حيث تم إنشاء 19 مستوطنة قبل انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال (بازل) السويسرية العام 1897، وعملت الصهيونية على شراء الأراضي والاستيلاء عليها وبشكل خاص بعد العام 1908 ولغاية الانتداب البريطاني على فلسطين في 24 يوليو (تموز) العام 1922، وزاد الأمر بعد الانتداب ولغاية قيام دولة "إسرائيل" العام 1948.

            أما بعد قيام "الدولة" العبرية فقد توسّعت حركة الاستيطان نتيجة انفتاح باب الهجرة على مصراعيه وارتفعت بعد العام 1967 وصولاً إلى العام 1979، حيث أقيمت 799 مستوطنة قروية جديدة، وبعد هذا التاريخ جرى الاهتمام بالمستوطنات الصناعية حيث تصاعد ما سمي بالاستيطان الاقتصادي والسكني والوجود الحضري، مقابل القروي والتعاوني والريفي، وذلك منذ نهاية الثمانينات.

            إن الموجة الجديدة من المستوطنات هدفها هو قضم ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وستعني فيما تعنيه إبطال أي عمل يؤدي إلى حل سلمي مقبول من الفلسطينيين وهو بحدّه دون الأدنى، لأنه سيعني إلغاءً لوجودهم.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

صحيفة الشروق "الإماراتية"

 

 

صفاء الحافظ وصباح الدرّة

37 عاماً على الاختفاء القسري

 

عبد الحسين شعبان

 

            أعادني خبر اختطاف عشرات المواطنين العراقيين في وضح النهار في شمال العاصمة العراقية بغداد، إلى ظاهرة الاختفاء القسري التي ظلّت مستفحلة في العديد من المجتمعات، بل إن نحو 63 بلداً في العالم تعاني منها، ولأن الاختطاف الذي يسمّى بلغة القانون الدولي والأمم المتّحدة "الاختفاء القسري"، ظاهرة شائعة في العراق في الماضي والحاضر، فإن اعتراف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي: "... بإقدام قوة مجهولة على اعتقال 30 شخصاً من منطقة التاجي والطارمية، ولم يُعرف حتى الآن مرجعية هذه القوة، ولا مصير المعتقلين ولا الجهة التي اقتيدوا إليها"، يعتبر مسألة جديدة، فهو اعتراف صريح، بأن جهة مجهولة استغلّت قيام الجيش باعتقال عدد من المطلوبين، فنفّذت عمليتها المدبّرة، سواء باسم الدولة أو بعض أجهزتها أو بانتحال صفتها من جانب ميليشيات مسلّحة.

            في السابق كانت الدولة وحدها هي من يحتكر العنف، وإذا ما حدث عمل من هذا النوع، فإن إصبع الاتّهام سرعان ما يوجّه إليها، إذْ من سواها قادر على القيام باختطاف مفكّر أو صاحب رأي أو ناشطة سياسية وحقوقية أو رجل دين وإخفائه إلى ما لا نهاية، الأمر الذي سيدخل معها في نزاع حول اختصاصاتها، وهو أمر غير مسموح به على الإطلاق، ولكن منذ الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003، فإن جماعات عديدة من داخل الدولة وبجوارها ومن خارجها، ناهيك عن الاختراقات الأجنبية، من يقوم بهذا الدور سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.  وظلّت الكثير من الحوادث يلفّها الغموض والإبهام والالتباس والتقديرات المتباينة، وإن لم تخرج من دائرة الصراعات الطائفية والإثنية ومصالح أمراء الطوائف بألوانهم واتجاهاتهم المختلفة الفاقعة منها والباهتة.

            وفي العادة فإن الدولة تنكر أية صلة لها بالخطف وتبعد عن نفسها وعن أجهزتها الشبهة، بل تحاول إلصاقها بالأجنبي أو بأعدائها، كما حصل في حال الاختفاء القسري للفقيه القانوني د. صفاء الحافظ وللخبير والباحث الاقتصادي د. صباح الدرّة، وهما شخصيتان وطنيتان عراقيتان وعالميتان، فالأول عضو في مجلس السلم العالمي، والثاني عمل في سكرتارية اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي، وقد اختطفا في شباط (فبراير) العام 1980، ولا يزال مصيرهما مجهولاً.

            ومنذ ذلك التاريخ لم أترك مناسبة إلاّ وذكّرتُ بهما في المحافل الحقوقية الدولية والعربية، ليس للعلاقة الشخصية فحسب، بل للدلالات الخاصة، سواء ما يتعلّق بالجهات الخاطفة أو المتواطئة أو المدسوسة التي أسهمت في أن تقع الشخصيتان بيد الخاطفين، لا سيّما وكانا قد اعتقلا قبل ذلك وتعرّضا للتحقيق والاستجواب لأكثر من مرّة، وحتى بعد تغيير النظام وانكشاف الكثير من الأمور، فقد ظلّت قضيتهما خارج دائرة الضوء، وربما يكون من مصلحة البعض ذلك، كي لا تتم المساءلة الضرورية، وكي لا ينال المتورطون عقابهم العادل، ولكن ذوي الضحايا وأصدقائهم ومن تعنيهم قضية حقوق الإنسان من مصلحتهم إجلاء مصير الشخصيتين الوازنتين.

            وبالطبع فإن موضوع الاختفاء القسري يشمل أسماء أخرى ذات شهرة واسعة مثل المهدي بن بركة الذي اختطف في باريس العام 1965، وموسى الصدر الذي اختفى في ليبيا العام 1978 ومنصور الكيخيا الذي ضاع كل أثر له في القاهرة العام 1993، وشبلي العيسمي الذي اختفى قسرياً في لبنان العام 2011، إضافة إلى شخصيات عراقية مثل: عايدة ياسين ودارا توفيق وأسعد الشبيبي ومحمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى وعزيز السيد جاسم وضرغام هاشم وشاكر الدجيلي وآخرين.

            وكنت أتوقّع أن يجلى مصير العراقيين المختفين قسرياً بعد العام 2003، ولكن للأسف لم تتم متابعة مثل هذه الملفّات، في حين أن المطالبة بكشف مصير منصور الكيخيا أتت أُكلها، في نهاية العام 2012، وتقول الرواية أنه نُقل "سرّاً" من القاهرة إلى طرابلس الغرب، بعد اختفائه قسرياً العام 1993 خلال حضورنا لمؤتمر المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وبقي "سجيناً" في أحد "المساكن" بعيداً عن الأنظار، وتوفي في العام 1997، لكنه لم يدفن، وإنما استبقي في ثلاجة لحين الإطاحة بالقذافي العام 2011، وكان قد استمع إلى نصيحة إحدى العرّافات، بأن دفن شخصية مهمة قد يؤدي إلى وفاته، فأبقى عليه لمدّة نحو 14 عاماً، حتى تم اكتشافه، وأرسل الحمض النووي إلى معهد خاص في سيراييفو لتحليله وفحصه، والتأكّد من أنه يعود للكيخيا، وخصوصاً بعد مقارنته بالحمض النووي لابنه رشيد وأخيه محمود، وقد نُظم احتفال مهيب لتكريمه، تشرّف كاتب السطور بحضوره وإلقاء كلمة فيه (نهاية العام 2012)، علماً بأن الكاتب كان قد أصدر كتاباً عنه بعنوان: "الاختفاء القسري في القانون الدولي: الكيخيا نموذجاً".

            وبخصوص الحافظ والدرّة، وبغض النظر عن الملابسات الغامضة التي اكتنفت عملية اختفائهما والاتهامات العديدة التي صاحبتها في غمرة صراعات سياسية وحزبية، فقد آن الأوان للكشف عن مصيرهما ومتابعة بعض الخيوط بخصوص اختفائهما، إذْ لا ينبغي أن نجعل النسيان الذي يراهن عليه المتورطون يطغى على القضية، ولا بدّ لها وجميع قضايا الاختفاء القسري أن تظل في دائرة الضوء لكشف المتسبّبين والمتواطئين فيها أمام الرأي العام ولمنع تكرار حوادث الاختفاء، بهدف ردع القائمين عليها، باعتبارها جرائم لا تسقط بالتقادم. والأمر يشمل قضايا المختفين قسرياً في الجزائر والمغرب ولبنان والعراق (وكردستان العراق أيضاً) وأفغانستان وليبيا وإيران وسوريا وتشيلي والأرجنتين، وغيرها.

            وإذا كان هناك من سكت عن الاختفاء القسري للحافظ والدرّة، أو حاول التقليل من شأن تلك الجريمة، فإن جرائم الاختفاء القسري التي تبعتها، لم يعد السكوت عنها ممكناً، الأمر الذي على الجميع إدراكه بأن مثل هذه الجرائم يمكن أن تطال "الجميع"، طالما تمكّن الخاطفون والمتواطئون معهم الإفلات من العقاب، حيث شملت مجموعات ثقافية وبشرية تم استهدافها مثل الصابئة المندائيين والمسيحيين والإيزيديين الذين سُبيت نساءهم، في محاولة لفرض نوع من التأسلم "الداعشي" على كل من يختلف مع الفكر التكفيري الإرهابي، ولعلّ الوطن بكامله تعرّض إلى الاختطاف، وتحوّل العراق بمشيئة بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق، من شعب موحّد إلى "مكوّنات" متناحرة، حسبما ورد في الدستور ثمان مرات، وحلّت الطائفية والإثنية محلّ المواطنة الجامعة، في محاولة لإعادة الجميع إلى أصولهم الدينية أو المذهبية أو العرقية ولو بالإكراه.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

 

(الزمان)  البغدادية

 

 

 

 

المثقف

وظاهرة الاغتيال السياسي

 

عبد الحسين شعبان

 

- 1 -

            يوم سقط حسين مروّة مضرّجاً بدمائه وقف مهدي عامل (حسن حمدان) مودّعاً رفيقه أمام ضريح السيدة زينب في ضواحي دمشق قائلاً: إذا لم توحّدنا الثقافة بوجه الظلام والتخلّف، فماذا سيوحّدنا بعد؟ ولم يدر بخلده أنه سيكون الضحية القادمة بعد مرور ثلاثة أشهر فقط، وقد سبقه صحافيان لامعان، هما خليل نعوس وسهيل الطويلة، ونعيد ما قاله مهدي عامل بقلب المعادلة أي جعلها معكوسة: هل الموت هو الذي يوحّدنا أم أن الحياة والثقافة والجمال والتنوّع والتعدّدية واحترام حق الاختلاف والرأي والرأي الآخر هي التي ينبغي أن تقربنا عن بعضنا إن لم تستطع توحيدنا؟

            مناسبة هذه الاستعادة هي اغتيال الشخصية اليسارية الأردنية، ناهض حتر في عمّان، على يد أحد المتطرفين الإسلامويين.

            لقد وجدتُ في الموت الذي يعني الغياب علاقة وجودية بالحياة، وقد تكون تلك مفارقة، إلاّ أنها مفارقة حقيقية وسائدة، خصوصاً لما يتركه الفقدان من فداحة وحزن يؤثر على مشاعر البشر وعواطفهم، لهذا السبب فهم يبحثون عما يقرّبهم إن لم يكن يوحّدهم، خصوصاً إزاء الأقدار الغاشمة، لكن البشر بطبيعتهم يعودون إلى حيث كانوا، لا سيّما وأن النسيان يجعل مما هو اعتيادي ومستمر قائماً. هكذا إذاً تتفجّر الرغبة والإحساس بما ينبغي أن نكون عليه من تقارب واتحاد ووحدة لمواجهة العبث والموت والفواجع والكوارث.

            البحث عمّا يوحّد، كان هاجس الصديق الكاتب والباحث حمادة الفراعنة، الذي وجد في الموت وكأنّه رديف للتوحيد، حين قال إن معاذ الكساسبة، الطيار الأردني الذي اغتاله "داعش" وحّد الأردنيين، مثلما وحّدهم اليوم ناهض حتر، وإذا كان المثقفون يُصدمون عند كل مفاجأة لاغتيال أحدهم، فنتساءل مع الفراعنة، متى يرتقي هؤلاء ومعهم التيارات الفكرية والسياسية إلى ما هو يوحّد، خصوصاً بتحديد الأولويات وتقديم ما هو استراتيجي وثابت على ما هو طارىء وظرفي؟

            وإذا كان أول الفلسفة سؤال، كما يُقال، فمن أين نبدأ؟ وكيف ومتى يمكننا تحديد أولوياتنا واختيار جبهة أصدقائنا وخصومنا وأعدائنا بالاتفاق والاختلاف وبالتعايش والمساكنة والمغايرة؟ ثم ما هي المعايير التي يمكن الاحتكام إليها؟

            أليس الاتفاق على قاعدة الحدّ الأدنى للخيار الديمقراطي السلمي المدني يمكن أن يكون وسيلة للتفاهم وللمنافسة في آن؟ وهذا يقتضي الاتفاق على أسس وقواعد لما هو مشترك، خصوصاً بنبذ العنف وحلّ الخلافات بالطرق السلمية وإقرار التعدّدية والتنوّع.

            وإذا كان الاغتيال السياسي يعني محاولة لإسكات الخصم أو العدوّ أو حتى الصديق إذا كان منافساً أو مختلفاً أو مغايراً، وذلك بتغييبه واستئصاله، فإن الرأي والفكرة والموقف لا يمكن تغييبهما أو استئصالهما أو إسكاتهما حتى عند تصفية مفكّر أو اغتيال مثقف أو صاحب رأي، سواء كان ناشطاً مدنياً أو سياسياً أو رجل دين متنوّر أو صاحب مشروع فكري واجتماعي وغير ذلك.

            ويمكن مقارعة الحجة بالحجة، ومواجهة الرأي بالرأي، والفكرة بالفكرة، وليست الرصاصة مقابل الكلمة، وكاتم الصوت مقابل الرأي، والمفخخة مقابل الفكرة، فذلك دليل عجز وضعف وضيق أفق، ولن يحل الاغتيال السياسي محلّ ارتفاع الصوت والقناعة بالرأي، وقوة الفكرة.

 

            إن مسلسل الاغتيال السياسي لن يتوقف، وناهض حتر لن يكون الأخير، لأن قوى التكفير والظلام لا تتورع من استخدام جميع الوسائل للوصول إلى غاياتها، خصوصاً وأنها غير قادرة على المجابهة تحت نور الشمس، إلاّ بالتأثيم والتحريم والتجريم، فتلك وسيلتها باستخدام الدين وتوظيفه لأغراضها السياسية الأنانية الضيّقة، والتي تتعارض مع سياق تطوّر المجتمع، بل ومع سمة العصر، والتقدم الذي حصل على المستوى العالمي.

            وإذا قُدر لي أن كنت قد تعرّفت على ناهض حتّر قبل عقد ونيّف من الزمان، والتقيته في عدد من المناسبات، فإنني بتجرد أقول: وجدته مجتهداً وصاحب رأي، وله وجهات نظر يدفع بها ويدافع عنها، ويقبل النقاش حولها، اتفقت أو اختلفت معه، وسواء كان مصيباً أو مخطئاً، فقد وجدت فيه شجاعة في معاكسة المألوف ومعارضة السائد، وأحياناً التحريض عليه بصوت عالٍ وأحياناً بدويّ، فقد كان فضاء الحرّية الذي منحه لنفسه عالياً، مثلما كان التعبير عن الرأي لديه واسعاً، وهو ما يدافع فيه ويكافح وينافح، بالقلم والحرف والصوت والصورة، ودفع حياته ثمناً لذلك.

- 2 -

            وبعد ذلك: ماذا يعني الاغتيال السياسي لمثقف وصاحب رأي ومجتهد، لا يملك سوى قلمه وصوته، وهو بقيمة ناهض حتر، الذي أدانت السلطات الأردنية عملية اغتياله، مثلما أدانتها الأحزاب والقوى السياسية بمختلف تياراتها الماركسية واليسارية والقومية العربية والإسلامية، والمنظمات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني العربية والعالمية؟ وبقدر ما كان حتر أردنياً، فكان عربياً، وبالقدر نفسه كان أممياً وإنسانياً، يؤمن بتآخي الشعوب وبالمشترك الإنساني وبما يوحّد البشر ويحقّق العدالة والمساواة، وكان مكافحاً شجاعاً يُصارع الحجة بالحجة ويدفع الرأي بالرأي ويطرق الفكرة بالفكرة.

            وكان ناهض حتر واضحاً في تصدّيه للفكر التكفيري المتطرّف وللجماعات الأصولية المتعصّبة، مثلما كان ضدّ التدخلات الخارجية من أي ومن أين أتت، سواء باسم مواجهة أنظمة دكتاتورية أو نشر وتعميم الديمقراطية، لأنه أدرك مثل عديد المثقفين أن أي تدخّل أجنبي سيقود إلى تعقيد الأوضاع الداخلية، وينشر الفوضى والتشرذم في المجتمعات العربية، وكان يعرف ما حصل للعراق بعد الاحتلال الأمريكي ويتألّم لذلك، ولا يريد لسوريا أن تكون الضحية المقبلة، ولهذا كان يدعو للانتقال الديمقراطي بوسائل سلمية ومدنية، وبتوفير أدوات مناسبة تهيّىء لذلك، ولن يكون ذلك إلاّ بالإقرار بحق الاختلاف والتنوّع والتعددية، وعبر أسلوب الحوار، وبالضغط الشعبي.

            كما كان ناهض حتر يدرك خطر الصهيونية على الأمة العربية ووسائلها الخبيثة في التغلغل الناعم، إضافة إلى آلتها العسكرية العدوانية وحروبها التدميرية، لأنه يعرف أن "إسرائيل" مشروع عدوان دائم ومستمر، وكل عدوان يولّد عدواناً، لأن أساس وجودها واستمرارها قائم على الاستلاب والتوسّع، وهي آخر استعمار عنصري استيطاني في العالم.

            وقد بادر بزيارتي في منزلي ببيروت قبل نحو خمسة أعوام، ، ودعاني لتحرّك عربي لمناهضة المشروع الصهيوني، ولا سيّما إعادة الروح إلى "اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية" التي كان لي الشرف أن أكون أميناً عاماً لها، وأن يكون الدكتور جورج جبور رئيساً لها، وقد ضمت كوكبة من المفكرين والمثقفين العرب، أو أي شكل جديد يصبّ في هذا الميدان، ولدرء تصدّع البلدان العربية وانتشار الفوضى والتفتّت.

- 3 -

كنت في العام 1994 قد نظّمتُ ندوة فكرية "حول الاغتيال السياسي" في لندن "الكوفة كاليري" في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وكانت المناسبة اغتيال الشيخ طالب السهيل التميمي في بيروت، وقد تابعت خلال السنوات المنصرمة حوادث الاغتيال السياسي البارزة التي حصلت في العالم العربي، وحاولت الكتابة عنها أو الإشارة إليها مثل:

اغتيال غسان كنفاني وكمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار على يد "الموساد الإسرائيلي" في بيروت، وكذلك اغتيال باسل الكبيسي ويحيى المشد عالم الذرة المصري الذي كان يعمل لحساب العراق في باريس، واغتيال خليل الوزير "أبو جهاد" في تونس على يد "الأجهزة الإسرائيلية"، واغتيال ناجي العلي في لندن، ومحمد المبحوح في الإمارات، واغتيال علي شريعتي في لندن، ومحاولة اغتيال مصطفى البارزاني في كردستان، واغتيال عبد الرحمن قاسملو وفاضل رسول في فيينا، والسيد محمد صادق الصدر في العراق.

وكذلك: اغتيال الفنان السوداني الخوجلي عثمان، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، واغتيال فرج فودة في مصر، والطاهر جعوط ويوسف فتح الله في الجزائر، وجار الله عمر في صنعاء، ومحمد باقر الحكيم في النجف، وسيرجيو ديميلو ممثل الأمم المتحدة في بغداد، ومئات من العلماء والأكاديميين العراقيين.

وتكرّرت حوادث الاغتيال اللبنانية، فقد اغتيل رفيق الحريري رئيس الوزراء الأسبق، وجورج حاوي، أمين عام الحزب الشيوعي الأسبق، وجبران التويني رئيس تحرير جريدة النهار، والكاتب والإعلامي سمير قصير، ومحاولة اغتيال مي شدياق ومروان حمادة، كما اغتيل في تونس خلال فترة قصيرة شخصيتين بارزتين هما: شكري بلعيد ومحمد براهمي.

أياً كانت الذرائع المستخدمة سواءً سياسية أو فكرية، وأيّاً كانت المبرّرات والمسوّغات، "طبقية" أم قومية" أم "دينية" أم "مذهبية" أم غيرها، وأيّاً كانت الوسائل المتبعة: رصاصة أو سكين أو كاتم صوت أو كأس ثاليوم أو حادث سيارة أو تفجير أو مفخخة أو عبوة ناسفة، أو اختفاء قسري، كما حصل لموسى الصدر في طرابلس (ليبيا)، ومنصور الكيخيا الذي اختفى من فندق السفير بالدقي (القاهرة)، وصفاء الحافظ وصباح الدرّة اللذان فُقدَ أي أثر لهما في العراق منذ العام 1980،  وعزيز السيد جاسم الذي اختفى قسرياً منذ العام 1991، فإنها من زاوية علم النفس الاجتماعي تلتقي عند عدد من النقاط هي باختصار:

الأولى – أنها تستهدف تغييب الآخر وإلغاء دوره ومصادرة حقه.

الثانية – أنها تعتمد على الغدر وإخفاء معالم الجريمة في الغالب.

الثالثة – أنها تتّسم بسرّية كاملة وقد يقوم بها بعض المحترفين.

الرابعة – أنها تستخدم كل الأساليب لتحقيق أهدافها من أكثرها فظاظة وبربرية إلى أكثرها مكراً ونعومة، بحيث يمكن إخفاء أي أثر يُستدلّ عليه من الضحية.

الخامسة – الحرص على إخفاء هويّة المرتكبين وقد يمشي المجرم في جنازة الضحية، الأمر الذي قد تنصرف فيه الأذهان إلى أطراف أخرى، بما فيها قد تكون صديقة أو قريبة، بهدف التمويه ودق الأسافين وإضاعة معالم القضية.

السادسة – أنها تتجاوز على القانونية والشرعية، سواءً كانت الحكومات هي المسؤولة عن تطبيق القانون والشرعية وهكذا يُفترض، فما بالك حين تقوم بعض أجهزتها بالضدّ من ذلك، أو كانت من قوى التطرّف والإرهاب التي لا تعترف بالقانون وبالشرعية، بل إنها تنتهكهما جهاراً نهاراً، ولعلّ ما قام به "داعش" وقبلها "القاعدة" وربيبتها "جبهة النصرة" وأخواتها، ليس سوى محاولة لإلغاء الآخر، بل إنهاء حياته، بهدف إسكاته، وذلك ما استهدفه قاتل ناهض حتر.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن الاغتيال السياسي ومصادرة حق الحياة، هما أسوأ درجات انتهاك حقوق الإنسان، وهما دليل ضعف وليس وسيلة قوة، ولذلك فإن الجهات التي تلجأ إليهما أحياناً، تحاول التنصّل منهما رسمياً أو تنفي مسؤوليتها عن أعمال ترتكب باسمها، بل تحاول خلط الأوراق للتمويه على هويّة المرتكب.

 

باحث ومفكر عربي

 

نُشرت في مجلة المصير "التونسية"، العدد 1، يناير (كانون الثاني) 2017

 

عن أشكال العبودية الجديدة

 

عبد الحسين شعبان

 

 

            إذا كان المجتمع الدولي قد اتّجه في القرنين الماضيين لإلغاء العبودية، فإن ثمّة أشكالاً جديدة أخذت بالظهور ترافقاً مع موجة التعصّب، والتطرّف، والإرهاب، التي ضربت العالم في العقود الثلاثة الماضية، والتي اتّخذت شكلاً تكفيرياً وتدميرياً، بل وإبادياً في السنوات الأخيرة، لا سيّما بعد ظهور تنظيم "القاعدة"، وربيبه تنظيم  "داعش" في العراق والشام.

            وفي ظلّ العولمة، وبفعل التطوّر العلمي والتقني، خصوصاً في تكنولوجيا الإعلام، والمعلومات والاتصال والمواصلات والطفرة الرقمية "الديجيتيل"، فإن ظاهرة العبودية بشكلها القديم الذي أخذ العالم كلّه يتبرأ منها، ويسنّ القوانين لمكافحتها، بدأت بالظهور عبر أشكال جديدة، مثل الاتجار بالبشر، وتجارة المخدّرات، وتجارة السلاح، وتبييض الأموال، والاتجار بالأعضاء البشرية، أو غيرها من أنواع التجارة التي تلحق ضرراً بليغاً بالإنسان، وكرامته وآدميته.

            وإذا كانت العبودية بشكلها القديم مظهراً مستهجناً في عالمنا المعاصر، لدرجة أنه كاد ينقرض، فإن ظهورها بحلّة جديدة ليس فقط أمراً لا أخلاقياً ولا إنسانياً فحسب، بل إن ضرره وخطره على المجتمع ككلّ، أصبحا أشدّ بأساً بما لا يقاس، فضلاً عن أنه جريمة دولية بحق الإنسانية، خصوصاً حين يتعلّق الموضوع باستعباد فئات، أو مجاميع بشرية، أو أشخاص من خلال قيود وإجراءات من شأنها التحكّم فيهم، وإخضاعهم لظروف وأوضاع تكاد تقترب من سلب حريّتهم، بتوظيفهم واستغلالهم بما يعود بالنفع المادي على الجهات التي تستخدمهم.

            لعلّ مناسبة هذا الحديث، هو ندوة مهمّة نظّمها مركز جامعة الدول العربية في تونس، بمرور 170 عاماً على إصدار أمر المشير أحمد باي يقضي بـ"إلغاء الرّق وعتق العبيد" وذلك في العام 1846، وإذا كان هذا القرار المتقدّم يأتي من دولة صغيرة قياساً بجيرانها من جنوب وشمال البحر المتوسط، إلاّ أنها كبيرة بما قدّمته للبشرية في السابق والحاضر بريادتها وحجم تأثيرها.

            والشيء بالشيء يُذكر - كما يُقال - فإن تونس بعد ثورة 14 جانفي (يناير - كانون الثاني 2011) أصدرت قانوناً جديداً يقضي بـ"منع الاتجار بالبشر ومكافحته"، في 3 أغسطس (آب) 2016، بهدف منع جميع أشكال الاستغلال التي يمكن أن يتعرّض لها الأشخاص، وخاصة النساء والأطفال ومكافحتها بالوقاية من الاتجار بهم، وردع مرتكبيه وحماية ضحاياه ومساعدتهم.

            إن أشكال العبودية الجديدة التي يواجهها العالم تحتاج إلى بحث معمّق للظاهرة من جوانبها المختلفة، التاريخية والقانونية والفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية وغيرها، حيث لا يزال هناك نحو 45 مليون إنسان تشملهم ظاهرة الاتجار بالبشر، وتبلغ قيمة هذه التجارة نحو 150 مليار دولار. وقد ساهمت الحروب والنزاعات الأهلية، إضافة إلى ظواهر الإرهاب والعنف والهجرات والنزوح، وتمزّق الروابط الاجتماعية والعائلية، في تعريض الملايين من النساء والأطفال للابتزاز والاغتصاب وتجارة الجنس والمخدّرات وتبييض الأموال وتجارة السلاح وغيرها، وجميعها تشكّل انتهاكات سافرة لحقوق الإنسان وكرامته.

            وقد أقدم "داعش" على عمليات استرقاق جديدة، وعبودية مستحدثة، لا سيّما إزاء أتباع الأديان الأخرى، من المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين، حين اشترط عليهم الدخول في الإسلام على طريقته، أو بدفع الجزية أو الرحيل، وإلاّ فإن القبور سوف تنتظر الرجال، ويكون مصير النساء السبي والبيع في سوق النخاسة، وهو ما حصل لمئات النساء الإيزيديات بعد احتلال "داعش" للموصل في 10 يونيو (حزيران) 2014.

            وكانت الندوة قد سلّطت الضوء على موضوع التعامل مع الرق والعبيد في الحضارة العربية - الإسلامية، وعلى الرغم من عدم وجود نص تحريمي في ذلك الزمان، إلاّ أن الإسلام دعا منذ وقت مبكر إلى "معاملة الأسرى والعبيد معاملة حسنة والرفق بهم"، ونهى الرسول محمد (ص) على تسميتهم بالعبيد، خصوصاً أن الإسلام ساوى بين البشر في الكرامة الإنسانية، وكان النبي محمد (ص) يشجّع على عتقهم، وبهذه المناسبة نستذكر الفاروق عمر بن الخطّاب الذي قال: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، وهو نصّ ورد ما يشابهه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 والذي جاء في مادته الأولى: "يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق...".

            وبالتدرّج، وبحكم قوانين التطوّر وتوقيع العديد من البلدان العربية على الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، فإن دساتيرها وقوانينها أخذت تنحو منحى تحريم تجارة العبيد، بل والمساءلة على من يقوم بها، وقد يكون مناسباً ليس فقط التوقيع على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة في هذا المجال، بل تغليظ العقوبات لمن يرتكب جريمة الاتجار بالبشر بمختلف أشكالها وفروعها.

            وإذا كانت العبودية بشكلها القديم قد انتهت ولم يعد لها وجود في عالمنا، فإن الأشكال الجديدة من الاستعباد تشكّل خطراً حقيقياً على الإنسانية جمعاء، وهي تمثّل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي، وللاتفاقيات والمعاهدات الدولية وللشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولا بدّ من التعاون على المستوى الدولي لوضع حدٍّ لهذه الظاهرة المشينة.

 

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

أكاديمي ومفكّر عربي

 

 

عن حكم القانون

عبد الحسين شعبان

 

حين تبنّى عدد من النواب الكوريين "عشية العام الجديد 2017" مذكرة لإقالة الرئيسة بارك غيون، بسبب فضيحة فساد واسعة، ونقل صلاحياتها إلى رئيس الوزراء، امتثلت الرئيسة، فالأمر كان وفقاً للدستور، وطبقاً لحكم القانون. استعدتُ بهذه المناسبة وأنا أقلِّب أوراقي كيف أوقف الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي العام 2014، في قضية استغلال نفوذ؟ مثلما استذكرتُ فضيحة ووترغيت بحق الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون التي هزّت العالم، كما يُقال، حيث كان يتنصّت على مكاتب الحزب الديمقراطي المنافس، ووجّهت التّهمة إليه تمهيداً لمحاكمته وعزله تحت عنوان "إعاقة العدالة"، ومخالفة القانون.

وكانت تهمة الرئيس الفرنسي جاك شيراك تبديد المال العام، وتهم فساد أخرى، وذلك خلال رئاسته بلدية باريس، وقد تم الحكم عليه بالسجن سنتين مع وقف التنفيذ. أما رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، فقد اتهم بالتهرّب من العدالة، إضافة إلى فضائح مالية وأخلاقية، حيث اضطرّ لتقديم استقالته وصدر الحكم عليه بالسجن سبع سنوات. هكذا في الدولة القانونية يُستدعى العديد من المسؤولين للتحقيق، أو يقالون طبقاً لأحكام الدستور والقانون، فلا فرق بين حاكم ومحكوم إزاء القانون، فما هو حكم القانون؟

يُعتبر "حكم القانون"، أو "سيادة القانون" أصلاً من الأصول الدستورية، بمعنى أن السلطات العامة في أي دولة لا يمكنها ممارسة سلطتها إلاّ وفقاً للقانون، وفي الأغلب الأعم والشائع السائد وفقاً لقوانين مكتوبة صادرة طبقاً لإجراءات دستورية متفق عليها في الدستور، والهدف من ذلك هو تحقيق الحماية ضدّ التعسف، والأحكام الجائرة. ويعني حكم القانون وجود قوانين وتشريعات ناظمة، وعلى أساسها تُقام المؤسسات، وينعقد القضاء وتتم من خلاله حماية أرواح وممتلكات المواطنين، وحفظ النظام والأمن العام.

وفي الدول الديمقراطية يكون المسؤول الأول في الدولة ابتداءً من رئيس الجمهورية، أو رئيس الوزراء، وانتهاءً بشرطي، أو جابي الضرائب، يتحمّلون المسؤولية ذاتها عن الأعمال التي يقومون بها، مثل أي مواطن آخر، الأمر الذي يصبح تنفيذ القانون ملزماً للجميع، لمن وضعه، ولمن يقوم بتنفيذه والجميع مطالبون بالتقيد به، ولذلك نلاحظ حالات كثيرة تتم فيها متابعة المسؤولين في الدولة بصفتهم الشخصية، ويمثل كثيرون منهم أمام القضاء لمحاسبتهم واتخاذ عقوبات بحقهم.

ويرتبط مفهوم حكم القانون وسيادة أحكامه بعدد من المفاهيم منها:

1 – عدم سن قوانين بأثر رجعي "لا عقوبة ولا جريمة إلاّ بنص".

2 – افتراض البراءة "المتهم بريء حتى تثبت إدانته".

3 – العقوبة المضاعفة "لا يعاقب الإنسان إلّا مرة واحدة عن الجريمة المعينة التي ارتكبها" (مع السماح بإعادة المحاكمة في حال توفّر أدلّة جديدة).

4 – مبدأ المساواة القانونية (أي عدم التمييز بسبب الدين، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الأصل الاجتماعي).

وحسب مونتيسكيو: القانون مثل الموت الذي لا يستثني أحداً.

5 – إخبار المتهم بالجريمة التي يتهم بها.

6 – أن تقوم بحبسه جهة قضائية.

ومبدأ حكم القانون لا يتعرّض إلى عدالة القانون ذاته، ولكن يُعنى بالمحافظة على النظام القانوني من خلال الامتثال لحكم القانون، وعكسه ستكون الفوضى، ولكن مبدأ حكم القانون يعتبر شرطاً من شروط الدولة الديمقراطية، وكان أرسطو أول من تحدث عن هذا المبدأ باعتباره من القانون الطبيعي.

وبرغم الاختلاف الفكري والسياسي بين الأنظمة السياسية، فإنها جميعها تتحدث عن مبدأ حكم القانون، وفي الدول الديمقراطية فإنه يشكّل وسيلة لفرض قيود على الحكومة، ومنعها من التغوّل على المواطن، أو الاستبداد في الحكم، أو التعسف في إصدار الأحكام، في حين تستخدمه الدول الشمولية والدكتاتورية للتغوّل على المواطن بزعم حماية المجتمع.

وتميل الدول الشمولية إلى استخدام مبدأ حكم القانون بما يضمن إخضاع الدولة لمن بيدهم السلطة، وأحياناً تبتلع السلطة الدولة، وتخضعها لصالحها، وتوظفها لمصلحتها بزعم الدفاع عن مصالح الأمة، أو الشعب، أو الكادحين، أو مصلحة الثورة، أو تحرير الأراضي، أو إعلاء شأن الإسلام، أو غير ذلك من ذرائع هدفها الزوغان من حكم القانون واستخدامه أداة لإملاء الإرادة على الآخرين.

وقد سارت جميع الأنظمة الشمولية في هذا الاتجاه دولياً: الفاشية، والدول الاشتراكية السابقة، وإقليمياً دول ما نسميه بـ"التحرر الوطني" التي حكمت باسم القومية أو الدين أو مصالح الكادحين، مبررة ذلك بالصراع مع العدوّ والأخطار الخارجية ومهمات تثوير المجتمع وتغييره عبر الثورة على القوانين ومن خلالها، يتم تجاوز الواقع. وأياً كانت المبرّرات، فإن النتيجة كانت لغير صالح حكم القانون الذي لن تتقدّم الدول وتتحقق التنمية بمعناها الشامل والمستدام إلاّ من خلاله، وحتى لو كان القانون متخلفاً فينبغي العمل على تغييره بالوسائل السياسية والدستورية ومن خلال التراكم والتطوّر، مثلما يمكن أن يلعب الرأي العام وقواه الحيّة دوراً في ذلك.

وقد أكّدت جميع التجارب العالمية والإقليمية والعربية، أن التغييرات الانقلابية التي حصلت ويتم فيها التجاوز على القانون سرعان ما عادت وانتكست، مؤخِّرة التطوّر الطبيعي التدريجي.

وفي الدول الديمقراطية: الشعب مصدر السلطات (بواسطة ممثليه)، في حين أن هدف القانون في الأنظمة الشمولية والدكتاتورية هو "مصلحة الشعب التي تمر عبر مصلحة الحاكم". أما في الأنظمة الديمقراطية، فإن طاعة القانون، ليست في جميع الأحوال ناجمة عن الخوف من العقوبة، بل وفي الكثير من الأحيان من خلال القناعة، وعبر التراكم الحقوقي والثقافة الحقوقية والديمقراطية تنشأ ثقافة عامة في المجتمع تشجّع على احترام القانون، وتزدري منتهكيه بما فيه المخالفات البسيطة لأنظمة المرور مثلاً، أو لاختراق الدّور عند الانتظار أمام دائرة أو مؤسسة أو في مطار، في حين أن الطاعة في الأنظمة الشمولية تأتي عن طريق الخوف، أو الردع، أو العقوبات الغليظة واللاقانونية أحياناً، أي أنها طاعة إجبارية وإكراهية في الأغلب.

"القانون فوق الجميع" في الأنظمة الديمقراطية، وفي نقيضها الأنظمة الشمولية "الحاكم فوق القانون"، والحاكم هو الذي يسنّ القانون من خلال قرارات فوقية، بحجة "حكم الضرورة" و"الأوضاع الاستثنائية" وأحياناً تبرير "المحظورات" بحجّة "الضرورات"، أو من خلال مجالس تشريعية مزيفة أو مزوّرة أو بانتخابات شكلية، وحتى لو تضمّنت شكلياً على القيم الديمقراطية، فإنها تعطّل تحت ذرائع مختلفة، في حين أن القيم الديمقراطية يتم تعميقها برقابة الرأي العام في الأنظمة الديمقراطية (إعلام، مؤسسات مجتمع مدني، منظمات حقوقية..).

 وأساس القوانين في الأنظمة الديمقراطية: الحريّات العامة والخاصة، ولا سيّما حريّة التعبير والحق في تأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات، وحق الاعتقاد ومبادىء المساواة والشراكة والمشاركة والمساءلة والشفافية، في حين أن بعض القوانين تعطّل أو تسوّف تحت ذرائع مختلفة، فتارة بزعم مصالح البلد العليا، وأخرى بحجة التحدي الخارجي وثالثة التغيير بالقوة أو بالثورة للقضاء على أعدائها حتى لو تم التجاوز على القانون وانتهاك حقوق الإنسان، وكل ذلك يتم تبريره بحجج وشعارات كبرى لا تصمد أمام الواقع الموضوعي.

 

صحيفة الخليج "الإماراتية"

أكاديمي ومفكّر عربي

 

 

حوار الأمم الأربع

عبد الحسين شعبان

            "منذ بداية الثورة (14 جانفي – يناير/ كانون الثاني 2011) وإلى الآن حضرت نحو  300 مؤتمر وندوة وفعالية حقوقية وثقافية وتدريبية، كان أغلب المحاضرين والمتحدثين فيها أجانب وغربيين، لكن هذه الفعالية لها نكهة خاصة، فالمتحدثون فيها هم من أبناء المنطقة: عرباً وكرداً وتركاً وفرساً... إنه شيء مختلف ونحتاج إليه وإلى حوار جاد ومسؤول للبحث عن المشتركات التي تجمعنا".

            بهذه الرؤية اختصر أحد المشاركين مبادرة الحوار بين مثقفي الأمم الأربعة، التي أطلقها "المعهد العربي للديمقراطية"، والذي تأسَّس في العام 2012 بعد نجاح الثورة التونسية، واتّخذ من تونس العاصمة مقرّاً له، وهو امتداد لـ"مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي" الذي تأسَّس في روتردام (هولندا) العام 2004.

            ولم يأتِ هذا الحدث الثقافي المتميّز إلاّ بعد حوار ونقاش وجدل بين نخب مختلفة ومتعدّدة، وفي بلدان عديدة، الأمر الذي وفّر قناعات متراكمة وخبرات مضافة، لتأكيد أهمية مثل هذا الحوار الذي لم يعدْ حسب تقديري ترفاً فكرياً، بقدر ما هو حاجة ضرورية وماسّة، فالحوار الثقافي بشؤونه وشجونه بين مثقفي الأمم الأربعة أصبح اختياراً وخياراً لا غنى عنه، ولا مناص من اعتماده وسيلة فعّالة للعلاقة بين البلدان والأمم والشعوب والجماعات، وبهذا المعنى فهو في الوقت نفسه اضطرار، لأن نقيضه سيعني استمرار الحال على ما هو عليه من تباعد وانغلاق وتناحر، على أقل تقدير.

            وفي حين يتجه العالم أمماً وشعوباً وهيئات نحو التقارب والتعاون والتكامل، تستمر منطقتنا في حالة من التنافر والنزاع والاحتراب، تلك التي لا يستفيد منها إلاّ أعداء الأمم الأربع، ومن يغيظهم أي تقدم يحصل على طريق إذابة الثلوج التي تمنعهم من التلاقي والتراضي والتشارك.

            إن عالمنا المعاصر عالم متشابك ومتعدّد ومتداخل من المصالح والمنافع والمشتركات، خصوصاً في ظل المرحلة الثانية من الثورة العلمية – التقنية منذ نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، ولا سيّما في مجال الاتصال والتواصل والمواصلات، الأمر الذي يتطلّب التغيير باتجاه التعايش والتفاهم والتسامح والسلام والتواصل، وعكسه سيستمر الصراع والاحتراب والتخندق والتمترس والانعزال الذي دفعت ثمنه شعوبنا وأممنا غالياً، فما بالك باستمرار النزاعات والتناحرات والحروب الخارجية والداخلية، الدولية والأهلية، وشيوع ظواهر الإرهاب الدولي العابر للقارات والحدود، وهو إرهاب معولم لا دين له ولا قومية ولا لغة ولا جنسية ولا منطقة جغرافية ولا هويّة خاصة.

            ومثلما كان الحوار العربي – الكردي فكرة عامة، فقد أصبحت بفضل المبادرة التي أطلقتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان منذ أكثر من ربع قرن والتي تبلورت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) العام 1992، فكرة ملموسة وقابلة للتنفيذ والتفاعل والتواصل، حيث تم تنظيم حوار في لندن لأوّل مرّة بين مثقفين من العرب والكرد (من أقطارهم المختلفة) وضم الحوار 25 عربياً و25 كردياً، وعلى أساسه نُظّم الحوار الثاني العام 1998 في القاهرة، ومن ثم تمَّ تأسيس جمعيات للصداقة العربية – الكردية في فلسطين والأردن والعراق ونواتات أخرى غيرها.

            الحوار بين مثقفي الأمم الأربع ينطوي على عدد من الاعتبارات، وأهمها:

            الأول – أنه حوار ثقافي معرفي يتّصل بمجمل علاقات الأمم الأربع، وهدفه تعزيز وتوطيد العلاقات بمختلف جوانبها، وبين المثقفين بشكل خاص. وهو حوار سلمي ومستقبلي، لا يبحث في الماضي إلاّ بالقدر الذي يتناول ما هو إيجابي وجامع وموحّد، أي أنه لا يستغرق في بحث السلبيات القديمة والعقد التاريخية، وإنما يركّز على الإيجابيات والمشتركات، لا سيّما في بعدها الإنساني، وفيما يتعلّق بالقيم الإنسانية المشتركة، وحقوق الإنسان، بما فيها حق الأمم والشعوب بتقرير مصيرها بحريّة، وحقها في اختيار نظامها الاجتماعي دون تدخل أو هيمنة أو أي شروط مجحفة أو غير متكافئة.

            الثاني – أنه حوار يستهدف دعم مشروع الانتقال الديمقراطي ودحر التحدّي الإرهابي، وذلك بالتنمية واعتماد قيم التّسامح والسّلام واللاّعنف، وهو حوار يبحث في أواصر الصداقة والتضامن. وبهذا المعنى فإنه يستهدف تطويق ظواهر التعصّب والتطرّف والطائفية والعنصرية والإلغاء والتهميش، والتصدي لمحاولات زرع الشكوك والألغام بين الأمم الأربعة، خصوصاً وأن قوى غير قليلة خارجية وداخلية، استعلائية ومتطرّفة، يهمّها أن تبقى أممنا وشعوبنا في حالة من التباعد والتفرّق والتشتّت والتشظّي، بل والاحتراب والكراهية.

            الثالث – أن مثقفي هذه الأمم بقدر اعتزازهم بهويّتهم وخصوصيتهم وتراثهم وتاريخهم ولغتهم، فإنهم في الوقت نفسه يشعرون بأنهم جزء من حضارات وامتداد لثقافات تفاعلت في الماضي في إطار أديان وسلالات ولغات كانت عامل قوّة وليست عنصر ضعف وعامل غنى وليس عنصر خواء، واليوم فإن المثقفين بشكل عام يشعرون أكثر من أي وقت مضى أنهم جزء من الثقافة الإنسانية، وبقدر محليتهم فهم مثقفون كونيون بما يحملونه من قيم، يتواصلون بها مع الآخر، ويعترفون لغيرهم مثلما لأنفسهم بالحقوق والمساواة. وهذا يعني أن اعتزازهم بثقافتهم وخصوصيتها ولغتها، إنما هو تفاعل مع القيم الإنسانية والحضارة البشرية بشكل عام.

            وفي ختام ندوة "حوار الأمم الأربع" التي استمرت 3 أيام، (23 – 25 ديسمبر / كانون الأول 2016) صدر "إعلان تونس" الذي تضمن الأسس والأهداف والوسائل التي قام عليها تأسيس "المنتدى المشترك للأمم الأربع" وكُلِّف المعهد العربي للديمقراطية باعتباره صاحب المبادرة في إدارة شؤونه واقتراح الخطط والبرامج لأنشطته وفعالياته، مع تشكيل لجنة عليا للمتابعة تعمل على رسم السياسات وبناء الاستراتيجيات لإنجاح مساره وتحقيق أهدافه.

            وأكّد "إعلان تونس" على تقريب وجهات النظر، والمساهمة في نشر ثقافة الحوار، ومحاربة الأفكار والمشاريع المتعصّبة والمتطرّفة والإرهابية، بتشجيع مراكز القرار على التواصل والتعاون والعمل المشترك، وبما يساعد الأمم الأربعة على ضمان مصالحها وتحقيق تطلعاتها، خصوصاً عندما أكد على استقلال القرار الوطني، ومنح الأولوية لإيجاد حلول بين أبنائها، وبما يجنّب أهوال التدخّل الخارجي ويعزّز قدراتها الذاتية.

            لعلها المرّة الأولى التي يتمّ فيها الاتفاق على تنظيم "منتدى مشترك" للأمم الأربع، ينعقد سنوياً بالتتابع في ما بينها، ويكون مفتوحاً لمثقفين ونشطاء مدنيين ومؤسسات مجتمع مدني، وذلك من خلال المساهمة في العمل على تعبئة قوى التنوير والتحرّر والديمقراطية لمجابهة المشاريع الإرهابية "الداعشية" ودعم مسارات الانتقال الديمقراطي في المنطقة، وفي مقدمتها التجربة التونسية، كما توجّه إعلان تونس إلى مخاطبة الحكومات المعنية والجهات السياسية والمنظمات الإقليمية والدولية، ذات الصلة.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

ميانمار: أية تجربة تنتظرها؟

 

عبد الحسين شعبان

 

لم تكن التحدّيات التي تواجه التجربة الجديدة في ميانمار بشرية فقط، تتعلّق بالانتقال الديمقراطي والعقبات التي تقف في طريقه فحسب، بل كانت كارثية طبيعية أيضاً، فقد واجهت البلاد كارثتين طبيعيتين هما الزلزال الذي ضربها، والفياضانات الكبرى التي اجتاحتها لدرجة أن أكثر من 600 ألف مشرّد عانوا من ظروف قاسية، وأدّت الأمطار الغزيرة إلى انهيارات أرضية كانت نتائجها وخيمة.

 لنحو قرن من الزمان خضعت ميانمار (وهو اسمها الجديد بعد أن استبدل الاسم القديم "بورما" في العام 1989)، للاستعمار البريطاني، الذي حكمها خلال 1948 - 1852، وبعدها عانت من حكم الدكتاتورية العسكرية نحو نصف قرن أيضاً (من الاستقلال ولغاية عام 2016)، علماً بأن الانتقال إلى الحكم المدني بدأ في العام 2011، وحقّق إصلاحات سياسية محدودة، لكنه تباطأ وتلكأ وانتكس في العديد من القطاعات، على الرغم من وجود بعض هوامش الحرّيات، ولا سيّما حرّية التعبير، وخصوصاً في الإعلام.

ولهذه الأسباب نستطيع أن ندرك المصاعب الجدّية التي تواجه التجربة الميانمارية للانتقال الديمقراطي، ولا سيّما في ميدان العدالة الانتقالية، إذا ما عرفنا تاريخها خلال القرن ونصف القرن الماضيين، تُضاف إليه عوامل جديدة، وهي انفجار عناصر التعصّب والتطرف المجتمعية، خصوصاً بعد وصول تجربة الحكم السابقة إلى طريق مسدود، الأمر الذي وضع البلاد على مفترق طرق، فإما استمرار القديم على قدمه، وهذا ما قد يؤدي إلى الانفجار، أو حلحلة الأوضاع باتجاه تغيير يتم عبر الانتخابات، وهذا ما حصل بالفعل.

وقد شهدت ميانمار، التي يبلغ عدد سكانها 51 مليون نسمة وتتكوّن من 130 مجموعة ثقافية دينية وسلالية وإثنية وفيها نحو 30 لغة، تطوّراً سياسياً جديداً بإجراء أوّل انتخابات حرّة، وتشكيل حكومة منتخبة، واختيار رئيس جديد للبلاد (مارس / آذار 2016)، ولا تزال التجربة الوليدة تواجه تحدّيات كبرى، خصوصاً أن التركة العسكرية الدكتاتورية ثقيلة، وتأثيراتها ونفوذها لا يزالان باقيين، إضافة إلى استمرار تأثير القوات المسلّحة، سواء على الصعيد الدستوري (النص بأن يكون 25% من أعضاء البرلمان من العسكريين وفقاً لدستور العام 2008) أو على الصعيد العملي والسياسي.

وعلى الرغم من أن ميانمار كانت خلال الحرب العالمية الثانية بؤرة مواجهة يابانية –بريطانية، فإن علاقاتها اليوم طيبة مع اليابان وكوريا الجنوبية، وجيّدة مع الهند والصين التي تتحدث النسبة الأكبر من السكان بلغتها، وهي في الوقت ذاته عضو في المجموعة الآسيوية. كما أن علاقة ميانمار وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وقد رفع عنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما عقوبات بلاده الاقتصادية التي كانت مفروضة عليها، حيث كانت تعتبر "دولة منبوذة"، وأعلن ذلك عند زيارة زعيمة الرابطة الديمقراطية وزيرة خارجية ميانمار أونغ سان سوتشي المكتب البيضاوي، وتأتي هذه الخطوة المهمة بعد سنوات من التقارب الميانماري – الأمريكي.

ولكن وجهاً آخر سلبياً رافق التطوّرات الإيجابية التي حصلت في ميانمار، ففي السنوات الخمس الأخيرة ارتفعت وتيرة التعصّب وأعمال العنف ضدّ المسلمين الذين يزيد عددهم على مليون نسمة، خصوصاً مع ظهور وتنامي نزعة قومية فوقية في البلاد قادها اتجاه أحادي عرقي وديني تزعمه راهب بوذي ويُعرف التشكيل التنظيمي لهذا الاتجاه اختصاراً باسم "ماباثا".

وقد نجحت "الماباثا" في صياغة أربعة قوانين تمييزية رجعية ومتخلفة الأول – قانون حماية العرق والدين، والثاني – قانون الحدّ من عدد السكان، والثالث – قانون زواج النساء البوذيات، والرابع – تغيير الديانة والزواج الأحادي، وهي قوانين أحدثت صراعاً وعنفاً في المجتمع، واتهِم من عارض هذه القوانين بأنه "خائن"، واعتبرت هذه القوانين استهدافاً للمسلمين، في حين برّرها أنصارها بأنها تحدّ من "الغزو الإسلامي".

وخلال عام 2015 ارتفع عدد سجناء الرأي وتعرّضت حركات احتجاج لأعمال عنف، كما ازدادت هجرة المسلمين المعروفين باسم "الروهينغا" من ميانمار إلى بنغلاديش بحكم أصولهم البنغالية وإلى بلدان أخرى، وحسب الأمم المتحدة، فقد خاض هذه المغامرة نحو 100.000 شخص ما بين عام 2014 و2015، وتعرّضت العديد من القوارب إلى الغرق وتوفي العشرات من الفارين، ومُنع اللاجئون من الوصول إلى تايلند وماليزيا وأندونيسيا، إضافة إلى نزوح داخلي شمل نحو 140 ألف نازح من مسلمي الروهينغا، بأوضاع صحية ومعيشية ونفسية سيئة للغاية.

وإذا كان الحكم العسكري الاستبدادي قد تعامل مع الجميع بمنطق القوة، فإن الانتقال إلى الوضعية المدنية فجّر صراعات عديدة كانت غير منظورة، وقد كان نصيب المسلمين الجزء الأعظم منها. فهل سيستطيع الرئيس المنتخب هيتين كياو أن يضع حداً لها، خصوصاً أنه بدأ عهده بشيء من الانفراج السياسي، فقام بإطلاق سراح عشرات المعتقلين والسجناء السياسيين وأصدر عفواً عاماً، الأمر الذي رجّح موضوع المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية ووضعه في جدول عمل الحكم الجديد، إضافة إلى مطالبات مؤسسات المجتمع المدني.

وعلى الرغم من أن الرئيس الجديد هيتين كياو حاز على 360 صوتاً من مجموع 652 نائباً، فإنه سيكون - بحكم المراتب الحزبية - خاضعاَ لقيادة "حزب الرابطة من أجل الديمقراطية"، التي تتزعمها سوتشي الحائزة على جائزة نوبل للسلام، والتي كان من المؤمل أن تكون في موقع الرئاسة لولا قيود وضعت أمام توليها هذا المنصب في حقبة النظام السابق، وهي تتعلّق بالجنسية البريطانية التي يحملها نجلاها، لكنها أنيطت بها حقيبة وزارة الخارجية.

وإذا كان السلام المنشود وتحقيق المصالحة الوطنية والمجتمعية هدفاً يُراد الوصول إليه، كما هو معلن، خصوصاً بالتخلص من إرث الماضي، فإن الأمر يقتضي تحديد المسؤوليات وكشف الحقيقة، وجبر الضّرر وتعويض الضحايا، وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، لمنع تكرار ما حدث من جهة، ولمواجهة أعمال التطرّف والعنف من جهة ثانية، وهو ما دعا سوتشي إلى التصريح خلال زيارة كوفي أنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة في 6 أيلول (سبتمبر) 2016، قائلة: "علينا تحقيق السلام المنشود".

وكان أنان قد دعا لإعادة الثقة وإيجاد السبل الكفيلة بالتمسّك بالقيم المشتركة القائمة على العدل والإنصاف والمساواة، وهو ما قابله البوذيون بفتور ملحوظ، خصوصاً أن البلاد قد هيمنت عليها نزعات الإقصاء والاستئثار، وهو ما يضعها على مفترق الطرق.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

موقع الجزيرة نت

 

 

الإرهاب: التفكير والتكفير!!

عبد الحسين شعبان

يحتاج المراقب لمعرفة منبع التكفير الإرهابي، الوقوف عند بعض منطلقاته النظرية، ليستطيع فهم تطوّره، لا سيّما بربط حلقاته التاريخية، إضافة إلى متابعة بعض شخصياته مثل أسامة بن لادن الذي تأثّر بمؤسس تنظيم القاعدة عبد الله عزام والذي كان معلّمه الأول في أفغانستان، حيث التقيا في قاعدة بيشاور التي انطلقت منها تنظيمات القاعدة، والتي كان فيها أكبر معسكرات التدريب أيام الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، وكانت قد حظيت بدعم أميركي.

فما إن تأسّس تنظيم القاعدة حتى أخذ يتربّع على عرش التنظيمات الإرهابية، لا سيّما بعد أن لمع اسم أسامة بن لادن، حيث عمل الأخير جاهداً لإيصال المساعدات إلى "المجاهدين" في أفغانستان، وحسبما يقول أيمن الظواهري في أحد تسجيلاته الصوتية، إنه كان على صلة بجماعة "الإخوان المسلمين" في جزيرة العرب، كما يسمّونها، وكانت التوجيهات التي صدرت له هي الاتصال بالجماعة الإسلامية في لاهور، لكن ابن لادن تجاوز ذلك ووجد الطريق إلى "المجاهدين" في أفغانستان، الأمر الذي أدّى إلى فصله، وهو ما يذكره الظواهري.

الجدير بالذكر أن المرجعية الفكرية الأولى لأسامة بن لادن كان أبو علي المودودي وسيد قطب بالدرجة الأساس، وهو ما يتّضح من لغته، فقد كان يستخدم مصطلح "جاهلية المجتمع" و"ردّة المجتمع"، التي كثيراً ما تردّدت في كتاباتهما، وهو الأمر الذي أدّى به إلى استباحة دماء المسلمين، وتبرير قتلهم بزعم إقامته "المجتمع المسلم".

وإذا كان المودودي وسيد قطب مرجعين أساسيين لأسامة بن لادن، فإن هناك شخصية مثيرة للجدل، ساهمت في تأطير الجانب النظري للفكر التكفيري ونعني بها سيد إمام الشريف المعروف باسم الدكتور فضل أو الدكتور عبد القادر عبد العزيز، وقد وضع "الشريف" كتابين مرجعيين لتنظيم القاعدة ولأي تنظيم إسلاموي إرهابي، يمكن أن يستقي منهما أفكاره، وجلّ هذين الكتابين يقوم على تحديد أحكام الكفر من جهة، و"الجهاد" من جهة أخرى، ولعلّ اسمَي الكتابين يدلان عليهما، والمكتوب يُقرأ من عنوانه كما يُقال، فالكتاب الأول كان اسمه "الجامع في طلب العلم الشريف"، أما الكتاب الثاني فهو الموسوم "العمدة في إعداد العدّة".

في الكتابين تقع على أحكام مثيرة وخطرة في الآن، تمثّل اغتراب الجماعة الإرهابية عن الفكر السائد في مجتمعاتها، بل وعن مجتمعاتها، وخصوصاً عن التعامل الشعبي مع الإسلام من عموم المسلمين، وذلك بعيداً عن التأطير الآيديولوجي، حيث يحاول فيهما تأصيل التكفير، بجعل بلاد المسلمين "بلاد كفر" وجب الهجرة منها إلى حين يتم تطبيق "شرع الله"، ولعلّ ما قام به "داعش" من محاولة تأسيس "الدولة الإسلامية" بعد احتلال الموصل والتمدّد لنحو ثلث الأراضي العراقية، خصوصاً بربط ذلك باحتلال الرقة السورية، هي تطبيق عملي لفكر الشريف التدميري الإلغائي.

ويعتبر سيد إمام الشريف أن جميع البلدان الإسلامية كافرة وخارجة عن الملّة، ولذلك وجب الخروج عليها، واستوجب الأمر الجهاد ضدها، وهذا "فرض عين وليس فرض كفاية" كما يُقال، وهو واجب على المسلمين، لأن الحكم بغير ما أنزل الله من قوانين هو كفر، والمقصود بذلك جميع القوانين الوضعية.

وبهذا المعنى يضع الشريف والفكر التكفيري الجميع في خانة الخروج عن شرع الله، طالما ارتضوا بوجود قوانين تحكمهم هي من صنع البشر، لأن ذلك سيكون خروجاً على الإسلام، الأمر الذي يقتضي مواجهته وتحريمه وإبطال ما يتّخذ بخصوصه من أحكام، وصولاً إلى خلع الحكام وإقامة حكم الإسلام.

ووفقاً لذلك يضع الشريف وتنظيم القاعدة وربيبه "داعش" في خانة الكفر: حكام البلاد الإسلامية وقضاتها (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [سورة المائدة، الآية 44].

ويضع الفكر التكفيري أسبقية "الجهاد" على الاستحقاقات الأخرى، ويقدّم محاربة العدوّ القريب على العدوّ البعيد، أي يضع المسلمين قبل المسيحيين والنصارى واليهود وغيرهم، أي إن مثال المرتدين هو الذي يحظى بالأفضلية من الكفار والوثنيين وأتباع الديانات الأخرى. ويعتبر الفكر التكفيري أن مجتمعاتنا تسبح في "جاهلية مطبقة" و"كفر سافر"، الأمر الذي اقتضى تقويمهما بالسيف.

لقد سمّمت الأفكار التكفيرية عقول بعض الشباب، خصوصاً وقد أخضعوا في الكثير من الأحيان لعمليات غسل أدمغة، الأمر الذي قاد إلى تعكير حياة العديد من البلدان والشعوب، وجعلت الواقع على ما فيه من تحديات وآلام ومصاعب، أشد قسوة وعسفاً، وذلك بإشاعة الرعب والهلع بين الناس، من خلال المفخخات والتفجيرات والأحزمة الناسفة والمقابر الجماعية، وأعمال الانتقام وإشاعة روح الكراهية، والغريب أن شعار "الله أكبر" ظلّ يتصدّر أطروحات الإرهابيين وأعمالهم وأعلامهم وشعاراتهم.

وإذا كانت "غزوة" 11 سبتمبر /أيلول العام 2001 كما يسمونها وقبلها تفجيرات نيروبي ودار السلام وبالي وتفجيرات أوروبا، ولا سيّما أنفاق إسبانيا ولندن وعدد من تفجيرات باريس وفرنسا عموماً وتفجيرات ألمانيا وغيرها، هي ضرب تكتيكي في الأطراف، فإن استراتيجية التنظيم، على الرغم من استخدامها الإرهاب الخارجي، فإن مهماتها الأساسية ظلّت داخلية عربية وإسلامية بامتياز، أي تقديم مواجهة العدوّ القريب على العدوّ البعيد، مع الاستمرار في مشاغلة البعيد، لتنفيذ استراتيجية التصدي للقريب.

ولذلك لا يمكن النظر إلى قانون جاستا الصادر عن الكونغرس والذي أعطى الحق لعائلات ضحايا 11 سبتمبر من مساءلة البلدان التي ينتمي إليها الإرهابيون أو يحملون جنسيتها، والذين قاموا بتفجير برجَي التجارة العالمية في نيويورك، وهجمات واشنطن، إلاّ من زاوية التوظيف السياسي الذي يستهدف الابتزاز وإملاء الإرادة، بغض النظر عن السياسات ذات الطبيعة الازدواجية والانتقائية، ومثل هذا الأمر حاول الرئيس أوباما التنبيه لمخاطره على صعيد العلاقات الدولية، مشيراً إلى إمكانية ملاحقة دبلوماسيين عسكريين أمريكان، لكن موجة العداء وقصر النظر هي التي تدفع إلى مثل هذه الإجراءات ذات الطبيعة العدائية.

ثمَّ من سيعوّض الضحايا الفلسطينيون الذين احتلّ وطنهم وهجّروا منه؟ ومن سيعوّض الأمة العربية، ومنها دول مثل مصر وسوريا والأردن ولبنان والعراق، التي عانت من انتهاكات "إسرائيل" السافرة لحقوقها وارتكابات متواصلة، بل وعدوان مستمر عليها، ناهيك عن تعطّل التنمية وتبديد الأموال بسبب حروب "إسرائيل"، وما زال العراق وأفغانستان يعانيان من وطأة الاحتلال الأمريكي لهما؟

لقد كان لأسامة بن لادن والظواهري وما بعدهما أبو مصعب الزرقاوي وتنظيم الدولة الإسلامية للعراق والشام "داعش"، وخصوصاً أبو بكر البغدادي دوراً كبيراً في ضخّ الفكر التكفيري، لا سيّما بالاستراتيجية العسكرية للسيطرة على مناطق شاسعة وإخضاعها لقوانينها، وهو ما جعلها تتمدّد لفتح جبهات قتالية من أفغانستان مروراً بالعراق، ووصولاً إلى سوريا ولبنان واليمن وليبيا ومصر وتونس والمملكة العربية السعودية، وغيرها.

الإرهاب بالأصل أو بالفرع، واحد، ولا دين له ولا جنسية له ولا وطن ولا لغة ولا منطقة جغرافية، إنه فكر التعصّب والتطرّف والإلغاء.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

 

بوصلة الباحث وشعار الداعية

عبد الحسين شعبان

في العديد من الأنشطة والفاعليات الفكرية والثقافية، غالباً ما يظهر الاختلاف واضحاً وجليّاً بين الداعية السياسي وبين الباحث، لا سيّما إذا كان الأخير موضوعياً وهدفه البحث عن الحقيقة من دون الترويج لمجموعة سياسية، مدنية أو دينية، يمينية أو يسارية. وقد لفت انتباهي مثل هذا التباين واضحاً، في حلقة نقاشية نظّمها مركز دجلة (العراقي) بالتعاون مع منظمة فنلندية معنية بحل الأزمات، وانعقدت في إربيل، وناقشت باجتماع مغلق، ومن دون حضور إعلامي "الأزمة العراقية وسبل الخروج منها"، بهدف تقديم رؤى وتصورات.

ثمّة ما يجمع الداعية السياسي بالباحث الأكاديمي، وإن كانت الأهداف تتباعد بينهما أحياناً، فضلاً عن الوسائل، ولكن بغض النظر عن صحة أو خطأ التحليلات التي يطرحها الداعية السياسي، فإن هدفه الأساسي هو الوصول إلى السلطة، والترويج لجماعته أو حزبه أو قوميته أو طائفته، وتبرير السياسات التي يتبعها. فالطائفيون يتجمعون تحت عنوان الطائفة حتى إن كان بينهم ما صنع الحداد، وآخرون جاؤوا من مشارب شتى يتحالفون لأغراض انتخابية لتجميع من هم خارج التجمعات الدينية أو الإثنية، بعضها يساري وماركسي، وآخر يؤمن بالليبرالية الجديدة، وبدور مشروع لواشنطن، ويعوّل على الغرب، وقد يتسرّب من خلالها من يغضّ الطرف عن الدور "الإسرائيلي" في المنطقة، أو ليس لديه حساسية إزاء التدخلات الإقليمية والدولية، سواء كانت إيرانية أو تركية أو دولية أمريكية أو بريطانية، الأمر الذي سيكون التحالف فيه أقرب إلى كشكول قبل أن يكون له هويّة محدّدة.

وكنت قد سألت أحد أصحاب هذه المشاريع في الارتباط والانفكاك من تحالف إلى آخر، كيف يستطيع أن يفعل ذلك بالانتقال من اليسار إلى ما يسمى بالليبرالية، ثم منها إلى مجموعة دينية أو طائفية، وأخيراً إلى حزمة من أصحاب رؤوس الأموال؟ فقال لي: إنها صفقة ليس إلاّ، وهكذا تبتذل فكرة التحالف نفسها بين فئات اجتماعية وقوى سياسية حين تختزل إلى مجرد مكاسب أنانية ضيقة.

أما الباحث الذي لا يسعى لأن يلعب دوراً سياسياً، فهو غير معني بالترويج لمشروع آيديولوجي أو سياسي، بقدر ما يشغله البحث عن الحقيقة، وقد تكون مرّة أو مخيّبة للآمال أو صادمة، لكنها أقرب إلى الواقع. إنه يقدّم الوقائع على الرغبات والمعطيات على الإرادة، وبالتالي قد يصل إلى استنتاجات مختلفة عما يدعو إليه الداعية السياسي الذي يروّج لمشروع قد يكون عبر تحالف أو تواطؤ أو تهافت أو تهالك على المواقع، طالما أن الهدف هو الوصول إلى السلطة أو ملامسة جانب من جوانبها.

والحديث عن التيارات يبدو في أحد جوانبه مغايراً للحقيقة الموضوعية، فما أن تجمّع بضعة أفراد، حتى أطلقوا على أنفسهم "التيار"، ولكنهم سرعان ما ينفكّون عن بعضهم، وهكذا يتفرع التيار إلى تيارات ويفرّخ جداول عديدة، حتى دون أن تكون وجهته واضحة ومعالمه بائنة، ويعود ذلك في قسم منه إلى استسهال استخدام المفاهيم دون التدقيق فيها.

وإذا كان هناك تيار يساري وماركسي، وإن كانت مدارسه مختلفة ومتباينة، لكنه يدعو في المحصلة إلى إنهاء استغلال الإنسان للإنسان، مثلما هناك تيار قومي عروبي يدعو إلى الوحدة العربية، وهذان التياران تكوّنا تاريخياً، ووجد تيار إسلامي لاحقاً كان هدفه إقامة دولة إسلامية أو مرجعيتها الإسلام والشريعة، طبقاً لتفسيراته، حتى إن كانت القراءات متعدّدة وبعضها يندرج تحت لواء مذهبي، سواء ادعى الاعتدال أو الوسطية أو اختار التطرّف، والأمر ينطبق على التيارات الأخرى أيضاً.

وحول الليبرالية التي راج رصيدها مؤخراً في عالمنا العربي، فقد كان نسلها قد انقطع بفعل الثورات والانقلابات العسكرية وهيمنة قوى من الطبقة البرجوازية الصغيرة، أساسها ريفي أو قروي أو حتى بدوي على مقاليد الأمور. وفي مصر وسوريا والعراق، يكاد يكون ما يسمى بالتيار الليبرالي قد انقرض، منذ أواخر الخمسينات، دون إهمال بعض الإرهاصات الجديدة، لكنه لا يوجد تيار واضح المعالم، يمكن أن يُطلق عليه اسم تيار ديمقراطي أو ليبرالي، إلاّ إذا استثنينا بعض دعاة الليبرالية الجديدة وأصواتهم العالية.

وهناك إشكالية أخذت تكبر، خصوصاً في السنوات الأخيرة، ولا سيّما بعد انهيار الأنظمة الشمولية وظهور نسبة من الباحثين المستقلين خارج نطاق الاستقطابات القديمة، وهي أن البون أخذ يتسع بين الباحث والداعية السياسي الذي لا يعنيه البحث عن الحقيقة بقدر ما يشغله الحصول على مكاسب محددة، مثلما يبدو الاختلاف شاسعاً بين المثقف والباحث من جهة، وبين رجل الدين من جهة أخرى، الأمر الذي يتم فيه تهميش الباحث والمثقف لحساب رجل الدين الذي يزعم أنه يمتلك الحقيقة وينطق باسمها وأحياناً باسم الله، معلياً من شأن المقدس.

وإذا كان الباحث يسعى لتشخيص المرض، ووضع المعالجات الضرورية، ومن ثم الوصول إلى استنتاجات لتعميم الخبرة بالتراكم والتجربة، فإن الداعية السياسي يبحث عن مدى المكسب الذي يحققه من خلال ذلك، وهو يسعى لكسب الجمهور، وأحياناً لتضليله، وذلك دفاعاً عن جماعته أو حزبه أو طائفته، بغض النظر عن أخطائها وارتكاباتها، لأن حمولته الآيديولوجية هي الأساس والدافع، بغض النظر عن اقترابها وابتعادها عن الحقيقة، مثلما يحاول أحياناً توظيف الباحث لمصلحته، سواء بالترغيب أو الترهيب، أي بالامتيازات أو بالإقصاء، ولعلّ مجرد قبول الباحث بمثل هذا الدور سيفقده جزء من وظيفته ويحوّله بالتدريج إلى داعية كلياً أو جزئياً.

إن قيم البحث العلمي والأمانة الأكاديمية والثقافية، تقتضي من الباحث الحفاظ في بحثه عن الحقيقة، والتمسّك بالموضوعية وعدم الانحياز المسبق، تلك التي لا يعيرها الداعية السياسي أي اهتمام إذا تعارضت مع أهداف جماعته ومصالحها، وبقدر ما يقدّم الباحث من رؤية فهو يحاول استشراف المستقبل، ولا يهمه التكتيكات السياسية والأحابيل الحزبية والمناورات الطائفية والمذهبية، لأنه يبحث في القيم والمفاهيم ويعطي قوة المثل للسياسي لكي يتمسّك بها ويتشبّث بمعاييرها، حتى وإن اضطر إلى المساومة والتكتيك وتخفيض سقف المطالب، لكن البوصلة ينبغي أن تكون واضحة وغير مضببة، وهي المآل الذي يريد الباحث أن يصل إليه المجتمع.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

الخليج "الإماراتية"

 

 

ثلاث عُقد قانونية لـ"إسرائيل"

عبد الحسين شعبان

ثلاث عُقد قانونية دولية ظلَّت "إسرائيل" تواجهها بعنف من جهة، واستخفاف من جهة أخرى، بل إنها تتحدّى المجتمع الدولي بخصوصها، وهذه العُقد الثلاث تتعلّق بوجودها وحدودها ومستقبلها، خصوصاً باتّساع دائرة المطالبة بالتزامها قواعد القانون الدولي.

العُقدة الأولى: (الوجود) وهي تتعلّق بـ(البرنامج النووي "الإسرائيلي")، الذي بدأ منذ الخمسينات، وقد فضح مردخاي فعنونو "الفني الإسرائيلي" بالصور والوثائق امتلاك "إسرائيل" ما بين 100 – 200 رأس نووي بقدرات تدميرية، بما فيها قنابل نووية حرارية، وقد كشفت ذلك صحيفة الصنداي تايمز في حينها، أما فعنونو فقد قضى حكماً بالسجن لمدة 18 عاماً.

والأمر لا يتعلّق بتسريب أخبار على طريقة ويكيليكس على أهميتها، بل إن هناك عدداً من العلماء المتخصّصين من أيّد ذلك، بينهم تيودور تايلر الذي عمل رئيساً لبرنامج الأسلحة الذرية في البنتاغون، الأمر الذي يعني أن "إسرائيل" قوّة نووية رئيسية، يمكن أن تكون في المرتبة السادسة في العالم على قائمة الدول النووية، ولكنها ترفض الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهي تتشبّث بهذا الموقف منذ العام 1968.

وفي الوقت الذي ترتفع الدعوات لمنع انتشار الأسلحة النووية، يتم غضّ النّظر عن تطويرها القدرات العسكرية النووية، وذلك تحت ذريعة الهواجس الأمنية والعسكرية من المحيط العربي. ولعلّ الاهتمام بالسلاح النووي كان قد بدأ مع بداية تأسيس "إسرائيل" حين خاطب ديفيد بن غوريون رئيس الوزراء لأول حكومة "إسرائيلية" بعض العلماء اليهود المهاجرين من ألمانيا إلى فلسطين بقوله: أريد منكم أن تهتموا منذ الآن بالأبحاث الذرية وبإنجاز كل ما يمكن إنجازه من أجل تزويد الدولة اليهودية المنشودة بأسلحة نووية.

العُقدة الثانية: (الحدود) وهي تتعلّق برفض "إسرائيل" التوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار المبرمة في العام 1982، والتي دخلت حيّز التنفيذ في العام 1994، وقد انضم إليها حتى الآن 167 دولة، في حين هي ترفض الانضمام إليها، بل إنها لا تعترف بالقواعد القانونية التعاهدية التي تم الاتفاق عليها. لماذا؟ الجواب باختصار: لأنها لا تريد ترسيماً لحدودها سواء كانت بحرية أو بريّة، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تقرّ بحدودها، كما أنها الدولة الوحيدة بلا دستور، لأنها لا تريد إقرار مبادىء المساواة، الأمر الذي لا يعني سوى التمدّد على حساب العرب، كلّما كان ذلك ممكناً وفقاً لمشروعها العتيق بقيام دولة "إسرائيل" من النيل إلى الفرات، وهو مشروع حرب دائمة وعدوان مستمرّ.

جدير بالذكر أن دولة فلسطين التي تم الاعتراف بها كدولة غير عضو في الأمم المتحدة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) العام 2012، وعضو كامل العضوية في منظمة اليونيسكو، انضمت إلى اتفاقية قانون البحار في العام 2014، ضمن عدد من الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها، مثلما انضمت إلى اتفاقية أخرى تتعلّق بمياه الأنهار والأحواض العذبة العابرة للحدود، أو المتشاطئة بين دولتين أو أكثر، وهي اتفاقية خاصة بالأنهار الدولية.

وتوفّر اتفاقية قانون البحار نظاماً شاملاً للقوانين المعمول بها في محيطات العالم وبحاره، وتؤسّس وتثبّت لأعراف وقواعد من شأنها أن تحكم الاستخدامات والموارد، بما فيها ترسيم الحدود المتعلّقة بالمياه الإقليمية ومراقبة البيئة والأنشطة الاقتصادية والتجارية، وكذلك تسوية النزاعات بين الدول، وتحدّد المياه الإقليمية بـ 12 ميل، لكن "إسرائيل" كما تشهد الوقائع اليومية، تخرق تلك القواعد بصورة سافرة فيما يتعلق بالمياه الإقليمية لقطاع غزة وتمنع السلطة الفلسطينية من ممارسة حقهما في السيادة البحرية على حدودها، وذلك بفرض حصار غير شرعي وغير قانوني، وبالتالي غير إنساني وغير أخلاقي في انتهاك سافر وصارخ للقانون الدولي، ولا سيّما لقانون البحار، كما تقوم بمنع الصيادين الفلسطينيين من الصيد في المياه الإقليمية.

وعلى الرغم من أن "إسرائيل" ليست طرفاً في اتفاقية قانون البحار، لكن ذلك لا يمنع من تقدم دولة فلسطين بالشكوى ضدّها في المحكمة الدولية الخاصة بقانون البحار والتي مقرّها مدينة هامبورغ (الألمانية)، والهدف هو التعريف بالحقوق وتأكيدها أمام المجتمع الدولي، وخصوصاً بالحجج القانونية والمسؤولية الدولية، وذلك لضمان التزام الدول الأخرى بالحقوق الفلسطينية، وهو جزء من معركة طويلة الأمد، خصوصاً وأن الاتفاقية تعطي للدول حقوقاً سيادية بعمق 200 ميل بحري كمنطقة اقتصادية خالصة فيما يتعلّق بالموارد الطبيعية وغيرها، بما فيها الغاز الطبيعي الذي هو مصدر تنازع كبير، لا سيّما قبالة ساحل غزة.

والأمر يخصّ لبنان أيضاً، فقد ارتفعت شهيّة الأطماع "الإسرائيلية" بسبب احتياطات الغاز والنفط المحتملة بالقرب من الشواطىء اللبنانية، وانفجر النزاع بشأنها في العام 2011، وما يزال مستمراً، وهو يشمل قبرص أيضاً.

العُقدة الثالثة: (المستقبل)، فـ"إسرائيل" تدرك أن تطبيق العدالة الدولية ليس بصالحها، ولهذا السبب انسحبت من نظام محكمة روما الذي أبرم في العام 1998 ودخل حيّز التنفيذ في العام 2002. وفي الوقت الذي ذهبت إلى التوقيع عليه تكتيكياً في اللّحظات الأخيرة قبل إغلاق باب الانضمام لتكون دولة مؤسِّسة، فإنها انسحبت منه بعد دخوله حيّز التنفيذ، والسبب يعود إلى وجود نص يتعلّق بالاستيطان الذي تعتبره المحكمة الجنائية الدولية "جريمة تستحق المساءلة والعقاب".

وإذا كانت "إسرائيل" قد انسحبت من نظام روما ومعها الولايات المتحدة، فإنهما لم يوقّعا أساساً على اتفاقية قانون البحار، أي أن "إسرائيل" لا تتصرف لوحدها في مخالفة القانون الدولي وانتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني والعربي، بل هي تحظى بدعم أمريكي مستمر على جميع الصعد المادية والمعنوية، وإلاّ كيف يسمح لها وهي بؤرة للتوتر، عدم إخضاع منشآتها النووية للرقابة الدولية؟

وتبقى المعركة مع "إسرائيل" لها أوجه متعدّدة، سياسية واقتصادية وثقافية ودبلوماسية ودولية وإعلامية، خصوصاً فيما يتعلّق بمواجهة هذه العقد القانونية التي تكشف حقيقة دولة "إسرائيل"، ومخالفتها لقواعد القانون الدولي.

ويأتي قرار اليونيسكو بإبطال نظرية الهيكل التي تحاول "إسرائيل" التعكّز عليها تاريخياً لإثبات عائدية المناطق المقدسة في القدس، فرصة تاريخية مناسبة يمكن توظيفها باتجاه الدعوة لتنفيذ قرار الأمم المتحدة حول بطلان قرار ضم القدس الذي اتخذه "الكنيست الإسرائيلي" العام 1980، مثلما هو دعوة لتحمّل الدول الكبرى لمسؤولياتها، ولا سيّما بريطانيا وذلك بمناسبة مرور 100 عام على وعد بلفور الذي سيصادف العام القادم، ومطالبتها بالاعتذار والتعويض، لتمكين الشعب العربي الفلسطيني من نيل حقوقه غير القابلة للتصرّف وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

 

خير الدّين حسيب

الرياضة النّفسية والمثقف

الكوني و"الكتلة التاريخية"

عبد الحسين شعبان

"أستطيع القول من خلال تجربتي الشخصية، ونظرتي إلى الذين قاموا بتعذيبي عندما اعتقلت لمدة سنتين ونصف السنة تقريباً في معتقل قصر النهاية – ويسمّونه بهذا الاسم لأنهم يعتبرون أن من يدخله لا يخرج منه حيّاً، وقد تنقّلت خلال تلك الفترة في ستة سجون "معتقلات" – إن نظرتي كانت إلى "هؤلاء" ملؤها الحقد والرغبة في الانتقام، في حين أنها تغيّرت بعد ممارستي رياضة نفسية، وأصبحت أتعامل مع الأحداث بهدوء وتفهّم يختلفان تماماً عن نظرتي قبل ذلك. لهذا أعتقد أنه من المفيد أن يمارس الذين تعرّضوا للتعذيب أثناء فترة سجنهم أو توقيفهم هذه الرياضة النفسية".

بهذا المدخل المؤثّر بدأ الدكتور خير الدّين حسيب مداخلته وتعليقه في الحلقة النقاشية التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية عن "العدالة الانتقالية"*، والتي كان فيها يستعيد ذكريات مؤلمة بعد أكثر من أربعة عقود ونصف من الزمان. ولم يكن هدفه استثارة العواطف للظهور بمظهر الضحية، بل كان يتعامل مع الواقع من موقع القوة والتسامح، وهو يتطلّع إلى المستقبل، بعيداً عن روح الثأر والانتقام، متجاوزاً محنته وآلامه الشخصية.

وعند تلك المقاربة الإنسانية يمكن التوقّف لقراءة دلالاتها من خلال ثلاث قضايا أساسية اتّسمت بها نظرة حسيب:

أولها – توظيف الخاص ليصبح عاماً لإدراكه العلاقة العضوية بين الخاص والعام، وإخضاع ما هو ذاتي لما هو موضوعي في إطار من التوازن والتجاذب. وتكمن وراء تلك الرؤية، فلسفة بعيدة النظر، لا تقيم في الماضي، بل تستفيد من دروسه وأخطائه باستشراف المستقبل، إذْ لا يمكن بناء تجربة ناجحة من خلال الفعل وردّ الفعل والعنف والعنف المضاد. وكان غاندي محقّاً حين قال: "ربما هناك قضية أنا مستعد أن أموت من أجلها، لكن ما من قضية مستعد أن أقتل من أجلها".

وثانيها – سلوكه كمثقف عضوي جمع بين التنظير والممارسة (البراكسيس)، إذْ لا يمكن فصل الفكر عن الممارسة الإنسانية، وهو بذلك يعبّر عن نفسه بوضوح كمثقف كوني، جامعاً بين انتمائه العروبي وانتمائه الإنساني، من خلال الهموم الإنسانية المشتركة، خصوصاً وعيه بالدور الذي يمكن أن يلعبه المثقف في عملية التغيير.

لا يكفي القول بوجود فكرة صحيحة، بل لا بدّ من عمل صحيح لوضعها موضع التطبيق، فالعمل هو منتهى الفلسفة وتحقّقها، وما قيمة الخطابات الفكرية التي تشيد بالمُثل السامية، إنْ لم تكن هي حاملة لها من خلال الممارسة، وهو ما يربط الغاية بالوسيلة، فالغايات الشريفة تحتاج إلى وسائل شريفة لتنفيذها، وهذه الوسائل تصبح جزءًا من الغاية ذاتها.

وثالثها – دعوته المتقدّمة لمسألة الكتلة التاريخية، فقد أدرك منذ وقت مبكر، أن ليس بإمكان قوّة لوحدها، مهما بلغت من نفوذ شعبي وقوّة تنظيم وقدرة على التعبئة أن تحكم أو تقود الأمّة منفردة، وبمعزل عن تعاون مع قوى أخرى تجمعها أهداف مشتركة، وإنْ تباينت طرق الوصول لتحقيق هذه الأهداف، ولذلك قام بمبادرات فكرية مختلفة وشرع بتنظيم أنشطة وفعاليات سياسية وتنظيمية، لتهيئة التربة المناسبة التي يمكن لبذرة المشروع النهضوي العربي أن تنمو فيها.

وأعتقد أن ذلك من إحدى خلاصات الكتاب** المهمّة ومن خلاصات تجربة حسيب التاريخية، ولنكون منصفين أكثر، فلا يمكن مناقشة أفكار خير الدّين حسيب وكتاباته المتنوّعة، بما فيها كتابه المشار إليه، دون التوقّف عند هاجسه الأكاديمي وروح البحث العلمي التي تتلبّسه، تلك التي عمل على توظيفها لهدفه الأكبر والأسمى، وهو الوحدة العربية التي شعر بعد تجارب مريرة وإخفاقات عديدة، أنه لا يمكن إنجازها وجنْي ثمار نتاجها إلاّ بتوفّر شروط سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية تساعد على ذلك، ومنها أجواء من القناعة وحريّة الاختيار والتعبير والمناخ الديمقراطي الذي يستطيع أن يحميها، ولهذه الأسباب وضع العروبة محوراً لتيارات فكرية وسياسية متنوّعة، باعتبارها جامعاً للوصول إلى إنجاز مشروعه المستقبلي.

وإذا كان مكسيم غوركي قد قال عن أحد أبرز ثوريّي عهده، "إن نصف عقله يعيش في المستقبل"، فإن انهمام حسيب بالدراسات المستقبلية، جعل عقله يفكّر بطريقة مزدوجة ومركّبة: نصف للحاضر، بما فيه استخلاص بعض تجارب الماضي، ونصف للمستقبل، وهو ما عمل على وضعه كـ بلاتفورم فكري وثقافي ومرجعي، لما أطلق عليه "المشروع النهضوي العربي"، بالتعاون مع نخبة متميّزة من المفكّرين والباحثين العرب.

ومثل هذا الانشغال بالبحث والنظر إلى المستقبل، هو ما دعا حسيب إلى تقديم مشروعه الفكري الباذخ، وذلك بعد تأمّل كثير وتأنٍّ كبير ومعاناة فائقة. وتقوم فلسفته على استمرارية تفاعلية، تربط التاريخ بالحاضر، وهذا بالمستقبل الذي كرّس له مشروعه الحضاري. وكان الصديق معن بشور على صواب حين تحدّث عن هاجسَي حسيب: الأول "المعلومة الموثّقة"، والثاني "الاستشراف المستقبلي"، فالمثقف ينشغل بما هو دائم وجوهري واستراتيجي، وحتى لو تعرّض إلى ما هو آني، فهو يخترقه ليصبح جوهرياً على حد تعبير إدوارد سعيد، ولعلّ ذلك ما يطبع الكتاب، الذي تناول أحياناً ما هو ظرفي ومؤقت، ليحوّله حسيب إلى ما هو بعيد المدى ومستمرّ، وليس عابراً أو طارئاً.

أعترف بأنني، وعلى غير العادة، واجهت صعوبة كبيرة في تقريض هذا الكتاب، نظراً لاتّساع موضوعاته وتنوّعها، وكثرة المحاور التي جاء على مناقشتها، وباقة الأفكار التي احتواها، ورؤيوية كاتبها وإشكاليته، سواء اتفقت أو اختلفت معه، فلا بدّ لك منذ البدء الإقرار بقيمة الجهد المعرفي وحجم المعلومات الغنية، وجرأة التحليل، فضلاً عن المصادر المهمّة والمتنوّعة التي اعتمدها، ولذلك لا تستطيع إلاّ أن تشعر بالاحترام والتقدير لكاتبها، ولهذه الأسباب تجاوزت على طريقة كتابة التقاريض والقراءات ذات الطبيعة المدرسية الصرفة، لأضع ما هو فكري بالدرجة الأساسية، خصوصاً عندما أُخضعه للنقد، بربطه بما هو إنساني.

عرفت الدكتور خير الدّين حسيب منذ الستينات، وإنْ كانت المواقع مختلفة، فهو أستاذ في "كلية الاقتصاد والعلوم السياسية"، وأنا طالب حينها في الكلية ذاتها، وهو قومي عربي ناصري يُشار إليه بالبَنان، وأنا شيوعي ماركسي يساري، خارج من المعتقل ومُعاد إلى الدراسة بعد فصل، وهو قريب من السلطة حتى وإنْ كان من موقع الاختلاف أحياناً بعد تجربته كمحافظ في البنك المركزي 1964 – 1967 وإدارته للسياسة الاقتصادية وما سمّي بالقرارات الاشتراكية في عام 1964، وأنا لست بعيداً من السلطة فحسب، بل ومن موقع المعارضة.

في تلك الأجواء والاحتدامات التي كان يمور فيها العراق عرفت حسيب، وصادف أن أحرزنا نجاحاً ساحقاً في انتخابات الطلبة عام 1967، ونحن في ظروف عمل سرّية، أو شبه سرّية، ومئات من رفاقنا في السجون، بل وكنّا نعاني الإقصاء، الأمر الذي لفت الانتباه مجدّداً إلى أن أي قوّة سياسية مهما بلغت من مكانة ومقدرة وتنظيم، لا يمكنها حكم البلاد لوحدها، وجاءت هزيمة 5 حزيران (يونيو) العام 1967 لتؤكد ذلك، وخصوصاً أن أي تجربة يُراد لها النجاح، لا بدّ أن تعتمد على التيارات الأساسية التي عليها البدء بالحوار والاتفاق على ما هو مشترك، ولا سيّما التيار القومي العربي متمثّلاً بالقوميين والناصريين بمختلف فروعهم والبعثيين بشقّيهم الأساسيين (العراقي والسوري)، والتيار اليساري والماركسي بثقله الأساسي الممثّل بالحزب الشيوعي، وخصوصاً بجناحيه بعد انشطار العام 1967، والتيار القومي الكردي بفريقيه المتعارضين: جناح الحزب الديمقراطي الكردستاني (الأساسي)، وجناح المكتب السياسي حينها الذي كان قريباً من الحكم.

ولم يكن آنذاك معروفاً وجود تيار إسلامي أو ديني من الطرفين (المذهبيين)، وإنْ كان ثمة تجمّعات أو مراكز اتّخذت شكلاً تربوياً أو ثقافياً (مدارس دينية ومراكز بحثية وبعض مطبوعات)، لكن التيار الديني بالمعنى الذي تعرفه مصر مثلاً، لم يكن معروفاً في العراق، وأخذ لاحقاً بالتبلور منذ أواسط الستينات، وإن كانت بعض نواتاته موجودة.

وانطلاقاً من ذلك، فإنني حاولت إضاءة فكرة أساسية وردت في الكتاب وهي العلاقة بين التيارات الأساسية، وهي الفكرة التي تبلورت لدى خير الدّين حسيب لاحقاً، وإنْ كنتُ أعتقد أن جذورها كانت قد بدأت عنده منذ النصف الثاني من الستينات، وهو ما أخذ يطلق عليه الكتلة التاريخية والتي تجلّت في البحث عن المشتركات التي تجمع القوميين والماركسيين والإسلاميين لاحقاً.

وكان قد بدأ الحوار بين القوميين والإسلاميين منذ وقت مبكر في الثمانينات، وعلى قاعدته تلك تأسّس المؤتمر القومي – الإسلامي بعد تأسيس المؤتمر القومي العربي في عام 1990، وذلك تجسيداً لتلك الفكرة التي كان حسيب - ولا يزال - مؤمناً بها، حتى وإنْ اعترتها صعوبات أو وقفت أمامها عوائق أو تعرّضت للانتكاس بفعل تغييرات وتطوّرات أثّرت في بعض المواقع وغيّرت بعض المواقف.

وإنْ كنتُ وما أزال أعتقد أن ثمة عقبات جدّية بين الفرقاء، باستعارة عنوان رواية كازانتزاكي "الاخوة الأعداء"، أو قصيدة وليد جمعة "الأعدقاء"، لأن الأمر ما يزال يحتاج إلى مصارحات ومكاشفات، بعيداً عن المجاملات والتسويات، ولن يكون ذلك دون مراجعات ونقد، ونقد ذاتي، بحيث تنعقد العلاقات على أساس متين مع ضمان حق النقد والاختلاف، مصحوباً بالاحترام لأفكار الغير، وهذا بتقديري لم يحدث، وإنْ حدث فلا يزال "نقراً في السطح وليس حفراً في العمق"، على حد تعبير المفكر ياسين الحافظ، والأمر لا يخصّ الإسلاميين وحدهم، بل إن الجميع مشمول به.

وعدا ذلك، فإن هناك تحديات كبرى تحول دون تحقّق فكرة الكتلة التاريخية، سواء بمعناها الغرامشي أو بالمعنى الذي نظّر إليه حسيب، لضعف الثقافة السياسية عموماً وشحّ مستوى الوعي، ناهيك عن عدم أهلية الكثير من القيادات وعدم رغبتها في تحقيق ذلك، وغياب حق النقد وقبول الآخر، فالقوى المرشحة للعمل في إطار الكتلة التاريخية حتى وإن أعلنت في الكثير من الأحيان استعدادها لقبول مثل هذا المشروع، لكنها لمجرّد اقترابها من السلطة أو حتى شمّ رائحتها سرعان ما تتحوّل إلى النقيض منه تحت حجج ومبرّرات مختلفة، وقد رأينا كيف استدارت لدرجة الجحود، العديد من القوى الإسلامية وعادت إلى مواقعها الإلغائية السابقة، بعد التغييرات التي حصلت في بعض البلدان العربية، فيما أطلق عليه موجة "الربيع العربي"، وكيف تنكّرت قوى لبعضها البعض بعد جبهات وطنية وتحالفات قيل عنها إنها ستكون استراتيجية؟ ولو راجعنا السبب الحقيقي وراء ذلك لاكتشفنا أنه يعود إلى القرب أو البُعد من السلطة "المُلك العضوض"، كما قالت العرب، ناهيك بادعاء الأفضليات، والزعم بامتلاك الحقيقة والسعي لاحتكار الحكم ومنع الآخر، حتى وإن كان حليفاً، من الوصول إليه أو المشاركة فيه، وفوق ذلك استمرار هيمنة الفكر الشمولي الإقصائي، السبب الجذري الأساسي في التعامل بازدراء مع الآخر.

وكنتُ وما أزال أعتقد أن الحوار ينبغي أن يأخذ شكلاً جديداً بين الماركسيين واليساريين عموماً، وبين التيار القومي العربي، بتوجهاته المختلفة، وهو ما سبق أن طرحته في مناسبات مختلفة، حتى وإنْ كانت هناك أسباب لما حصل بينهما من صراعات وتناحرات أدّت إلى تباعدهما، لكنه لا ينبغي أن يكون ثمة قطيعة بين التيارين المحوريين، كعامل موضوعي، إضافة إلى عوامل ذاتية أخرى، وخصوصاً أن كليهما ضعيف حالياً ويعاني تشظّيات وانشطارات، فضلاً عن وهن على الصعيد الفكري، وتعسّر القدرة الحقيقية على التجديد، عطفاً على ضغط الماضي بثقله وإخفاقه، ولا سيّما في الموقف من المسألة الديمقراطية وقضية الحرّيات، وحقوق الإنسان والإقرار بالتعدّدية والتنوّع.

وإذا أردنا مقارنة التيارين اليساري الماركسي والقومي العربي أو العروبي عموماً، مع  القوى التقليدية من خصومهما، فسنصل إلى استنتاجات مثيرة ليست لصالحهما، هذا إذا كانا متحدّين ومتعاونين، فما بالك إذا كانا متفرّقين ومتناحرين، أو بعيدين من بعضهما.

وحتى لو انحسر نفوذ التيار اليساري والشيوعي وهو ما حصل فعلاً، وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، وتقلّص نفوذ التيار القومي العربي بانهيار أو تراجع أو ضعف الأنظمة الداعمة له، فإنهما بغضّ النظر عن الأخطاء والنواقص والثغرات والممارسات السلبية، يمثّلان "إسمنت" الكتلة التاريخية، فيما إذا توفرت الشروط الأخرى، وهما جزء لا يتجزأ من تاريخ الأمة العربية المعاصر ومن تاريخ المنطقة ودولها، بما يحملانه من هموم، وبما يتمتّعان به من زخم، وما يعبّران عنه من ثقافة مدنية سلمية، الأمر الذي يتطلّب قراءة نقدية "إيجابية" لمساراتهما بتشخيص الأخطاء والنواقص والعيوب، والأهم من ذلك العمل على تجديد خطابهما ولغتهما، بحيث تستبدل الشمولية بالتعدّدية، والواحدية والإطلاقية بالتنوّع وقبول الآخر، وادعاء امتلاك الأفضليات وامتلاك الحقيقة، بالقدرة على رسم برنامج واقعي يستجيب لما حاصل من تطوّر، من خلال التعاون والعمل المشترك.

ولأن الحديث الذي ابتدأت به مراجعة الكتاب عن العدالة الانتقالية، يبدأ من الرياضة النفسية، فإن الهدف منه هو الوصول إلى المصالحة الحقيقية لإنجاز التغيير الديمقراطي، وقد واجهت تجارب الربيع العربي جميعها مثل هذه المسألة على نحو حاد، كما تفاوتت زوايا النظر إليها بين فقه القطيعة وفقه التواصل، وبين التشدّد والتّسامح، دون أن يعني ذلك نسيان ما حدث، بل العمل على إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، لكي لا تتكرّر تجارب الماضي، وهكذا تكبر الحاجة إلى جبر الضرر والتعويض، ولا سيّما بعد كشف الحقيقة والمساءلة.

ولعلّ تجارب العدالة الانتقالية لها علاقة بالبعد أو القرب من دائرة العنف الذي شكّل معادلة طردية لفقه القطيعة ومعادلة عكسية لفقه التواصل. وهناك تجارب دولية مهمّة يمكن الاطّلاع عليها، مثل تجربة جنوب أفريقيا، وتجربة أوروبا الشرقية، وتجربة بلدان أمريكا اللاتينية، والتجربة المغربية وغيرها.

ونحن إذ نتناول فكرة العدالة الانتقالية، يمكن أن نقدّم الدكتور خير الدّين حسيب نموذجاً عراقياً وعربياً، ناهيك بكونه بحكم رمزيته وشخصيته ودوره نموذجاً عالمياً للتطهّر من أدران الحقد والانتقام والكراهية، والتعامل على نحو هادىء وعقلاني للتفكير: ماذا حصل وكيف حصل ولماذا حصل؟

والمهم هو فتح صفحة جديدة لتجاوز تدمير الآخر، فكل تدمير للآخر، سيكون تدميراً للذات، ومثل هذا التدمير لا يخصّ الآخر وحده، بل إنه سيدمّر النفس، وأي عنف ضد الآخر، هو عنف ضد الذات أيضاً بنزع إنسانيتها، ولهذا فإن خير الدّين حسيب بنظرته ذات المدلول التسامحي – الإنساني يريد أن يقول، لا لتدمير الذات مرّة أخرى، بلجوئها إلى الانتقام والثأر والكيدية، مثلما لا لتدمير الآخر، انتقاماً وثأراً ورد فعل، فمردود ذلك سيقع على الذات أيضاً بتدميرها الآخر، وفي حين يتم تدمير الآخر، فإن الذات تدمّر نفسها أيضاً، وكأن لسان حاله يقول: رذيلتان لا تنجبان فضيلة.

الهدف إذاً ليس نكء الجراح، ولكن المقصود هو تجاوزها، الذي لن يتم دون ممارسة رياضة نفسية، بكل ما تحمله من ألم وعذاب أحياناً، لكنها ذات معنى إنساني وحضاري من التحقّق والامتلاء والدلالة. وحسيب حين يتحدث فهو ليس فرداً، بل هو مجموع أو يعبّر عن ضمير، حتى وإن كان واحداً، وأستطيع القول، سواء من موقع الاختلاف أو الاتفاق، وبعد هذه المعرفة الطويلة والنقاش والجدل والحوار واختلاف زوايا النظر: إنه مكوّن إنساني، أكاديمي وثقافي وفكري: وطني وعروبي وعالمي، وهو مجموع في واحد، ممن أطلق عليهم صفة "المثقف الكوني" باستخدام إدوار سعيد.

والمثقف الكوني هو الذي يمثّل مبادىء كونية مشتركة، ويواجه خطاب القوّة بخطاب الحقّ، ويصرّ على أن وظيفته هي أن يُجبر نفسه ومريديه بالحقيقة التي يكون إخلاصه لها قبل كل شيء، وقد كان إدوارد سعيد، قلقاً بشأن اختفاء صورة المثقف هذه، حين يتحوّل إلى "مهني مجهول الهويّة"، في حين هو يريده "مقاوم" بفكره ونشاطه، هيمنة السلطات السائدة بمختلف أنماطها المادية والاجتماعية والسياسية.

وفي حين كانت فلسطين والعروبة والوحدة، الثلاثي الذي لا ينفصل عن كل أنشطة المركز، وتوجّهات حسيب بالذات، فمنها يبدأ وإليها ينتهي، فإن الكتاب، بأقسامه الثلاثة وفصوله الستة والثلاثين، تدور في ذات الفلك وتصبّ في نفس الهدف، ولو استعرضت عناوينها، ناهيك بمضامينها، سترى أن الرابط بينها خيوطاً حيكت من ذات النسيج، وحتى لو كان بُعدها عالمياً، فـ العرب هم الهدف، والوحدة وسيلة لتحرّرهم على الرغم من التجارب الفاشلة، بل هي ركن من أركان المشروع النهضوي العربي، إضافة إلى الديمقراطية التي تعزّز رصيدها بعد فشل التجارب العربية، والتنمية المستقلة، التي لا يمكن بدونها إحداث تغيير حقيقي في العالم العربي، وهي تنمية شاملة ومستدامة واجتماعية وذات بعد إنساني، ولا يمكن الحديث عن مشروع نهضوي عربي دون تحقيق العدالة الاجتماعية، وذلك في إطار الاستقلال الوطني والقومي، باستلهام التراث، بما فيه من إيجابيات نحو المعاصرة، وصولاً للتجدّد الحضاري، وهي العناصر الستة للمشروع النهضوي العربي.

ولأن حسيب مجموع، فهو يتناول في كتابه قضايا ذات إشكاليات فكرية وسياسية جامعة، عراقياً وعربياً وإقليمياً وعالمياً، ففي القسم الأول يتناول تهديدات الخارج وتحديّات الداخل، ويتوقّف في هذا القسم عند تسعة فصول، لامست جانباً مهمّاً منها وهو فكرة الحاجة إلى كتلة تاريخية تجمع تيارات الأمة الرئيسية، مع إشارة خاصة للعراق.

أما القسم الثاني فيتكوّن من 14 فصلاً، ووضع له عنواناً صفحات من قضايا عربية، جاء فيه على وجدانيات مثل الكتابة عن رحيل بشير الداعوق ووداع عبد العزيز الدوري، وقد اشتبكتُ عند واحدة منها الخاصة بفكرة المثقف الكوني ومقولة غرامشي بخصوص "تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة"، وفي هذا القسم توقفتُ عند الفصل الخاص بالعرب والعالم بعد الاتفاق النووي الإيراني، وهو يطرح سؤالاً حيوياً: ما العمل؟ كما بحث في فصل خاص المسؤولية الأمريكية بخصوص داعش، وهو فصل جدير بأن يأخذ حيّزاً واسعاً من النقاش، ففيه رؤية ومعرفة ومعلومات وتحليل واستنتاجات.

أما القسم الثالث فهو بعنوان: "حول شؤون الأمة" وضمّ 13 فصلاً. وركّز غالبيتها عن العراق، سواء بما له علاقة بالجانب الاستراتيجي المتعلّق بالاحتلال أو بالمأزق العراقي أو ما يتعلق بما بعد انتخابات العام 2010.

ويطرح خير الدّين حسيب في كل كتاباته وأبحاثه وحواراته المتلفزة حول العراق خطة سياسية بعيدة المدى، كان قد قدّم قراءاتها الأولى في نشاط فكري واسع لإعداد دستور عابر للطائفية وقانون انتخاب عصري وقانون أحزاب تقدمي، ومواقف ناضجة من مسألة النفط والقضية الكردية والإعلام والجيش والتنمية بشكل عام، وذلك في ما يتعلّق بسبل الخروج من الاحتلال، وما يتبعه من عملية سياسية قامت على المحاصصة الإثنية – الطائفية، وكان قد توقّف في بحث منفصل عند موضوع العرب والاستحقاقات التاريخية، المصارحة والمصالحة وهذه تحتاج إلى مراجعات مستقلّة بخصوص اليمن وليبيا وسوريا ومصر وتونس ولبنان.

والكتاب وما يعرضه يُريك شخصية حسيب عن كثب، فبقدر ما فيه من العناد والصلابة والثبات والحدّية، ففيه من التّسامح واللّيونة والمرونة والانفتاح، وبخاصة إذا ما شعر أن الأمر يتعلّق بالمستقبل وبمصلحة الأمّة ومشروعها الحضاري.

ولأنني ابتدأت بداية غير تقليدية في تقريض الكتاب، فذلك لأن كاتبه شخصية استثنائية، ولهذا لا يمكن تقريض كتابه أو الإحاطة به، ولا سيّما بما قبله دون الذهاب إلى الكاتب بطبيعة الحال، فما بالك إذا كان هذا الكاتب إشكالياً ومتعدداً لدرجة لا يمكن جمعه، فهو عالم اقتصاد وأكاديمي متمرّس ومفكّر ذو عقل رؤيوي واستراتيجي، لا ينظر للقضايا إلاّ بارتباطها ببعضها وبما حولها، ولا يبحث في الظواهر إلاّ بعلاقاتها المعقّدة والمتشعّبة، وبقدر ما يشعر بثقل الحاضر وبالخيبة والمرارة، فإن ثقته بالمستقبل وبالمشروع النهضوي العربي الحضاري لا حدود لها.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

نُشرت في مجلة المستقبل العربي، العدد 454، كانون الأول (ديسمبر) 2016

 

في التنوّع الثقافي وملحقاته!!

عبد الحسين شعبان

إذا كانت المنطقة العربية تزخر بالتنوّع الثقافي بمختلف أشكاله ومضامينه، سواء كان تنوّعاً دينياً أو إثنياً أو سلالياً أو لغوياً، فإن هذا التنوّع كان مصدر قوة وثراء وإبداع لا حدود لهما في الماضي، أمّا اليوم فإنه أصبح مصدر قلق ونزاعات وحروب، لا سيّما بصعود موجات التعصّب والتطرّف، التي نجم عنها عنف وإرهاب لا مثيل لهما.

وقد كان "التنوّع والمشاركة والتسامح" عنوان لقاء فكري وثقافي وحقوقي التأم في "البرلمان اللبناني" في بيروت، بمشاركة أربع جهات فاعلة: أولاها – "الاتحاد البرلماني العربي"، الذي سبق له أن قرّر في مؤتمره الثالث والعشرين المنعقد في القاهرة 10 – 11/أبريل (نيسان) 2016 "ضرورة الوقوف بوجه التطرف وانعدام التسامح والتشجيع على ثقافة السلام والحوار".

وثانيتها – "مركز الديمقراطية وبناء السلام" الذي يتّخذ من إيرلندا الشمالية مقرّاً له ويترأسه اللورد الدردايس بصفته رئيساً لحزب التحالف في إيرلندا الشمالية، والذي قاد المفاوضات التي أدّت إلى التوصل إلى اتفاق "الجمعة العظيمة" الشهير العام 1998، وهو طبيب نفسي استشاري في بلفاست.

وثالثتها – "مؤسسة ويستمنستر حول الديمقراطية"، التي لها تجربة غنيّة في نشر الوعي بثقافة الديمقراطية.

ورابعتها – "الشبكة العربية للتسامح" التي تضم شخصيات عربية وازنة، ونظمت على مدى أكثر من ثماني سنوات فعاليات وأنشطة متميّزة لنشر ثقافة التسامح واللاّعنف.

وإذا كان التنوّع لا يعني الاختلاف والتمايز بأنواعهما فحسب، بل إنه يشمل الإقرار بحق المغايرة، وهذا هو الأهم، إضافة إلى اعترافه بمبادىء المساواة والمواطنة والحقوق الإنسانية المتساوية. أما المشاركة، فتعني الإقرار بحق الاختلاف، أي أن الآخر هو إنسان يشترك في الإنسانية والحقوق مع غيره، لذلك لا ينبغي التمييز أو الإقصاء أو التهميش ضده، لأي سبب كان، سواء كان دينياً أو إثنياً أو لغوياً أو سلالياً أو بسبب اللون أو الجنس أو الأصل الاجتماعي أو غير ذلك. في حين أن إقرار مبادىء التسامح، هو اعتراف مسبق بوجود الاختلاف، وأن لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة، وذلك وجه آخر للمساواة والتمسّك بالحقوق وقبول الآخر.

ويواجه التنوّع في العالم العربي اليوم تحدّيات عديدة ومتنوّعة، فوجهه الأول إيجابي، والمقصود به التنوّع في إطار الوحدة، والآخر سلبي، وهو الانغلاق والتعصّب والميل إلى التباعد والعزلة، ويعود ذلك في أحد أسبابه إلى الاضطهاد والعزل الذي تعرّضت له مجاميع ثقافية، دينية أو قومية أو لغوية أو غيرها.

وهكذا يكون التنوّع مع الوحدة في مواجهة للتذرّر مع الانعزالية، مثلما تكون الشمولية والوحدة مع الحفاظ على الخصوصية، مواجهة الانقسامية وضيق الأفق، ذلك أن عدم إقرار التنوّع والتنكّر لأسس المشاركة وازدراء التسامح، سيؤدي إلى تهديد الوحدة مثلما يشجّع على الانغلاق، بإضعاف العناصر الجامعة لهويّة المجتمع وللمشترك الإنساني، وقد يقود ذلك إلى نزاعات وحروب تعود بالسلب على الجميع، مثلما تسهّل على القوى الخارجية استغلالها والتدخل بشؤونها تحت عناوين مختلفة.

وحسب توماس هوبز يمكن للحرب الأهلية أن تتحوّل إلى نوع من التدمير الذاتي، لأن العنف لا يدمّر الآخر فحسب، بل يدمّر الذات، وإذا ما استفحل فإنه سيقوّض مقومات التنمية ويسهم في زعزعة السلام والأمن، ويكون بيئة خصبة لانتشار الجريمة والفساد المالي والإداري وكل ما يتعلّق بخرق حكم القانون وتعطيل الحياة المدنية والسلمية الطبيعية.

ولو عدنا إلى معرفة الكثير من أسباب الحروب والنزاعات الأهلية، لوجدنا أنها تكمن بالدرجة الأساسية بعدم الإقرار بالتنوّع الثقافي والتنكّر لمبدأ الشراكة والمشاركة وعدم الاعتراف بمبادىء التسامح، وحسب الفيلسوف الفرنسي فولتير، إن البشر خطّاؤون، لذلك علينا أن نسامح بعضنا بعضاً، وعلينا القبول بمسافة منتصف الطريق، لأن التعصّب لن ينتج إلاّ منافقين وعصاة.

لقد قادت نزعة ادعاء الأفضليات أو الزعم بالتفوق أو احتكار الحقيقة أو غير ذلك من المبررات إلى التسلّط والهيّمنة وعدم قبول الحق في الاختلاف، وبالتالي عدم قبول الآخر، وأدّت هذه إلى انهيار العلاقات الإنسانية، سواء باسم الدين أو القومية أو المذهبية أو الآيديولوجية أو الجنس أو اللون أو اللغة أو الأصل الاجتماعي، في حين أن البشر يُخلقون متساويين، ولا سيّما في الكرامة الإنسانية.

لقد بيّنت الكثير من التجارب العالمية لبناء السلام ومنها تجربة إيرلندا الشمالية الغنيّة جداً، أن الحوار وسيلة فعالة وناجعة للوصول إلى السلام، حيث استمرت المفاوضات أكثر من 30 عاماً، حتى تم التوصل إلى الاتفاق بإنهاء النزاع المسلح، كما تعكس تجربة الحوار الكولومبي المضنية درساً مهمّاً على هذا الصعيد، فقد دام الحوار أربع سنوات حتى تم التوصل إلى وقف الحرب الأهلية التي استمرت 52 عاماً، لذلك استحق عليها الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس، جائزة نوبل، وكان النزاع المسلح قد أودى بحياة ما يزيد عن 220 ألف مواطن، وهدر طاقات البلاد وإمكاناتها، وتعطيل التنمية وتخريب البيئة.

لعلّ دراسة تجربة أمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا وتجارب أوروبا الشرقية، بخصوص الانتقال الديمقراطي والعدالة الانتقالية، ستكون مفيدة للعديد من البلدان العربية التي تواجهها مثل هذه المشاكل، والهدف هو الاستفادة من هذه التجارب، مع أن لكل بلد خصوصياته، فتجربة المغرب للعدالة الانتقالية تختلف عن تجربة تونس، مثلما تختلف تجربتي بولونيا وهنغاريا عن تجربة ألمانيا الديمقراطية، وهكذا.

إن إقرار التنوّع يحتاج إلى توافق مجتمعي، سياسي أولاً وقبل كل شيء، ثم توافق دستوري وقانوني، إضافة إلى توافق قيمي، عبر المؤسسات التعليمية والتربوية والدينية وغيرها، وهو ما يوفر الأرضية المشتركة والمتوازنة لمبادىء الشراكة التي تحمل في ثناياها قيم التسامح والاعتراف بالآخر، وهو أمر يتطلّب إدماج الشباب فيه على نحو كبير، إضافة إلى تعميم فكرة التربية على الحوار وقبول الاختلاف والتنوّع، وكل ما له علاقة بالمصالحة مع الذات، قبل المصالحة مع الآخر، لأنها ستكون الجسر المؤدي للتفاهم مع الغير والمختلف.

لا أظن أن مثل هذه القضايا يمكن الحصول عليها من خلال الكتب والقراءة وحدهما، بل يحتاج المرء إلى التجربة العملية التي تفترض التعايش المشترك، إضافة إلى الحوار الهادف، ولذلك كان أحد قرارات الملتقى، هي التحضير لمؤتمر يشارك فيه برلمانيون وأكاديميون وتربويون ورجال دين ومؤسسات مجتمع مدني وفاعلون سياسيون، للبحث في قضايا التنوّع الثقافي، القومي والديني.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

 

 

 

ترامب بين الشعبويّة والنخبويّة!!

عبد الحسين شعبان

بعد صدمة الانتخابات الأمريكية وفوز دونالد ترامب، انتشر اللّون الأحمر، وهو لون "الحزب الجمهوري" على مواقع كثيرة من الخريطة السياسية للولايات المتحدة، وانحسر إلى حدود معيّنة الجدار الأزرق بخسارة هيلاري كلينتون مرشّحة الحزب الديمقراطي.

الرئيس الجديد المنتخب "الخامس والأربعون"، البالغ من العمر 70 عاماً، هو تاجر عقارات كبير، وهو من خارج المؤسّسات والنّخب التقليدية والسياسية الأمريكية، وقد استطاع بخطابه الشعبوي دغدغة عواطف الفئات المهمّشة والأكثر فقراً في المجتمع، إضافة إلى الطبقة المتوسطة، وجميع المتضرّرين من الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي ضربت الولايات المتحدة العام 2008، وهو الذي جعله يكسب الانتخابات في تخطّيه العتبة الانتخابية المقرّرة 270 صوتاً لضمان الفوز إلى 306 صوتاً في حين حصلت منافسته على 218 صوتاً.

ويأتي هذا الفوز العاصف والمفاجىء لترامب خارج الكثير من التوقّعات واستطلاعات الرأي وانحياز الكثير من وسائل الإعلام المسبق ضدّه، وقد كانت الحملة الانتخابية هي الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة، لما شهدت من انحدار في مستوى المناظرات وما اتّسمت به من بذاءات وشتائم وتركيزها على الفضائح والاتّهامات، بدلاً من التنافس في البرامج والخطط وتقديم ما هو أصلح للناس.

الهزيمة تبدو مجلّجلة ليس لهيلاري كلينتون فحسب، بل للنُّخب الحزبية المتحكّمة بالحزبين الأساسيين، اللّذين طبعا الحياة السياسية على مدى قرنين ونيّف من الزمان، خصوصاً وأن ترامب اعتمد على شعبويّـته الشخصية وخطابه التهريجي، متحدّياً المؤسسة التقليدية برمّتها، بما فيها الحزب الجمهوري، حيث كان في معارضته التيار المحافظ داخل الحزب، لكن فوزه سيكرّس الحزب كقائد للبلاد دون منازع، وربما لأوّل مرّة بهذه القدرة الشاملة، فهو يمتلك الأغلبية في مجلس الشيوخ، وكذلك في مجلس النواب، والأغلبية مكفولة له في المحكمة العليا، وزاده وصول ترامب إلى البيت الأبيض. وقد تعيد هذه الهيمنة إلى الأذهان فترة ذهبية عاشها الحزب الجمهوري خلال رئاستي رونالد ريغان وجورج بوش (الأب) من العام 1981 وحتى حرب الخليج الثانية 1990 – 1991، والتي عُرفت بما سمّي "بالنظام العالمي الجديد" وانهيار الكتلة الاشتراكية.

والسؤال الآن: هل ستبقى الشعبويّة التي صبغت آراء ترامب المرشّح وخطبه النارية، تحكم سلوك ترامب الرئيس، أم أنه سيتمّ التخلي عنها، سواء برغبة أو بحكم الضرورة والمسؤولية؟

سينتظر ترامب حتى حلول (يناير/ كانون الثاني القادم 2017)، ليتم نقل السلطة إليه رسمياً، ويتولّى إدارة البيت الأبيض كرئيس للولايات المتحدة، فهل سيعيد النظر بخطابه كمرشح ليقدّم خطاباً جديداً كرئيس؟ وهل ستبقى الشعبوية تحكم تصرفاته أم أنه سيعود إلى النخبوية السياسية التي حكمت إدارات البيت الأبيض بحكم عدد من الاعتبارات، منها مسؤولياته الكونية ومراعاته لمصالح الاحتكارات العالمية، ولا سيّما للمجمّع الصناعي الحربي، خصوصاً حين يطّلع على ملفات الأمن القومي وقضايا المؤسسة الحاكمة ودور الـCIA والعلاقات الدولية المعقّدة، وخصوصية العلاقة بالحلفاء؟

فهل سيتغلّب ترامب الرئيس على ترامب المرشّح؟ أي هل سينقلب ترامب رجل الأعمال المتمرّد والمشاكس الشعبوي المحتجّ والمحرّض المستفزّ، إلى ترامب النخبوي المسؤول والحاكم والمعني بمسؤوليات كبرى إزاء السياسة العالمية؟

وماذا سيبقى من ترامب المرشح، الذي تحدث بلغة إقصائية ضدّ المسلمين وهدّد بمنع دخولهم للولايات المتحدة مؤقتاً؟ هل سيتشبّث بذلك أم أن علاقاته بـ57 دولة إسلامية، ونحو مليار و600 مليون مسلم ستفرض عليه نمطاً آخر من التصرّف؟ ويبدو أن الاحتمال الثاني هو الذي سيتغلّب، وإن بقي موقفه معادياً "للراديكالية الإسلامية" كما سمّاها، فقد رفع موضوع منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة (مؤقتاً) من موقعه الألكتروني بعد فوزه، مؤكّداً أنه سيضع مصالح أمريكا في المرتبة الأولى، وسيسعى لقواسم مشتركة مع الأمم الأخرى، وقال: سنتفاهم مع كل الدول الأخرى التي لديها رغبة في التفاهم معنا، ولن نسعى للعداء.

إذا كان ترامب شعر بالقوّة من خلال خطابه الشعبوي واستخدامه لغة غير معتادة، سواء لإدهاش من يدعمونه أو لاستفزاز من يكرهونه، فإنه أدرك أنه الأقرب إلى نفسية الشعب الأمريكي، وخصوصاً للرجل الأبيض الذي شعر بحاجة للتغيير، وقد ذاق ذرعاً إزاء سياسات آل بوش وآل كلينتون اللذان هُزما أمام ترامب، ومعهما هُزم باراك أوباما، الذي تطوّع وقرينته ميشال ترامب بالترويج لهيلاري كلينتون في حملتها الانتخابية.

فكيف سيتصرّف ترامب على صعيد السياسة الداخلية فيما يتعلّق ببرنامج التأمين الصحّي الذي عرف باسم "أوباما كير Obama Care" وتحديد نسبة الفائدة، وإزاء مخصّصات التعليم والصّحة؟ ثم على الصعيد الخارجي، ماذا عن دعوته: إلغاء الاتفاقيات الدولية والعلاقة مع إيران، لا سيّما البرنامج النووي الإيراني؟ وكيف سيتعاطى مع "خيار الدولتين" التي قالت عنه "إسرائيل" بعد فوزه، إنه سقط وطالبته بتنفيذ وعوده بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة أبديّة لدولة "إسرائيل".

ثم كيف سيطبّق موضوع تقليص الهجرة وطرد عشرة ملايين لاجىء غير شرعي من الولايات المتحدة؟ وإذا كان ترامب قد وضع في أولوياته محاربة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، فكيف سيتصرّف إزاء سوريا والعراق واليمن وليبيا، وهي بلدان ملتهبة بصراعات داخلية وتداخلات خارجية؟ وإذا كان لا يريد الخوض في حروب، فكيف سيتعامل مع روسيا وإيران ودول الخليج؟ ثم كيف سيعاقب الصين ويحدّ من نفوذها الاقتصادي؟ وبعد ذلك كيف سيتعامل مع حلفائه في حلف شمال الأطلسي، هل سيستمرّ بشطحاته حين قال: عن بلجيكا إنها قرية في أوروبا؟ في حين أن بروكسل هي مقرّ الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وهو الأمر الذي يحتاج منه إلى معرفة بالسياسة وبأوروبا وتاريخها تحديداً؟

وهل سيبقى على مطالبته المكسيك دفع كلفة بناء الجدار العازل بينها وبين الولايات المتحدة، والذي طوله 1600كم؟ وهل سيستمر بازدراء اللاتينيين؟ وهل ستبقى نظرته للعرب والخليج بشكل خاصّ نظرة استعلائية، في حين يعبّر بفجاجة وعدم لياقة دبلوماسية عن أطماعه في نفوطهم وأموالهم؟

هذه أسئلة ربما سيوجّهها ترامب الرئيس (النخبوي) إلى ترامب المرشح (الشعبوي)، وسيتوقّف على جواب المرشّح، للرئيس تحديد مسار ولايته، بل والعالم أيضاً، وإلاّ فإن الإمبراطورية الأمريكية قد تنتهي هي نفسها إلى التفتّت، وحتى لو كانت هناك إرهاصات بخصوص مطالبات باستقلال كاليفورنيا، وهي من الولايات الغنية جداً، ويبلغ عدد نفوسها نحو 34 مليون نسمة، فلا ينبغي التعاطي معها باستخفاف، إذا ما استمرّ ترامب في تطبيق برنامجه الانتخابي بطريقته الفوضوية، التي قد تُفقد واشنطن حلفائها، الأوروبيين واللاتينيين والشرق أوسطيين، ولن تحقّق "عظمة" أمريكا التي يتحدّث عنها.

أكاديمي ومفكّر عربي

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

 

الأمل.. في الطريق إلى لياج!

عبد الحسين شعبان

لا أدري كيف وجدتُ نفسي في مدينة سوون Suwon الكورية، وأنا أستعيد قصيدة الشاعر أحمد رامي التي غنّتها كوكب الشرق أم كلثوم، لأدندن بها في ذلك الجوّ الخريفي المنعش:

"بالأمل أسهر ليالي / في الخيال/ وابني علالي/واجعلك فيها نديمي/ واملكك ليلي ويومي"

قد تكون تلك الاستعادة اللاّشعورية، جاءت بوحي من عنوان المنتدى العالمي للإنسانيات WHC الموسوم بالأمل “The Humanities of Hope”، والذي يعقد جلسة تحضيرية له وطاولة مستديرة في كوريا، تمهيداً لالتئامه في مدينة لياج Leige (البلجيكية) في أغسطس (آب) العام 2017.

المنتدى الذي تنظمه منظمة اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة)، سيحضره أكثر من 1800 مشارك من مختلف أنحاء العالم، من العاملين في مجالات العلوم والسياسة والفن والاتصال وفروع الإنسانيات المختلفة، وأيضاً العديد من المنظمات الدولية، الحكومية وغير الحكومية. وقد نُظّمت تحضيراً لذلك، الطاولة المستديرة في مدينة سوون Suwon الكورية، وعنوانها: "الطريق إلى لياج Leige"، كما سيُنظّم عدد من الفعاليات الإقليمية، وصولاً إلى المنتدى العام الرابع، منها مؤتمر إقليمي في لبنان (بيبلوس) ومؤتمر إقليمي آخر في جمهورية مالي (باماكو) ومؤتمر ما قبل لياج في باريس، يضمّ خلاصات المؤتمرات التحضيرية الإقليمية.

الأمل هو المظلّة الكبرى للقاء سوون، فهل نحن محكومون بالأمل على حد تعبير المسرحي السوري سعد الله ونّوس، الذي قاوم مرض السرطان بالأمل، مثلما كان عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد يدرك أن إحدى وسائل العلاج هو بعث الأمل، فلا أمل حقيقياً إلاّ بالأمن الروحي والنفسي للإنسان، ولذلك جعله موازياً للكرامة الإنسانية، ولا كرامة حقيقية بانعدام الأمن، وسيتحوّل الأمن إلى نوع من الاستبداد والتسلّط بغياب الكرامة.

والحق في الأمل بعد حق الحياة يتقدّم على بقية الحقوق، الأمر الذي يحتاج إلى تنمية عوامل الجمال والإحساس به وتمثّله وجعله عنصراً ملازماً لحياتنا وحقوقنا الثقافية والإنسانية. ولكن دعنا نتساءل: ماذا يعني الأمل؟ وهل الأمل حق؟ وهل يحتاج إلى تنظيم فعاليات وأنشطة دولية له؟ أسئلة وإشكاليات كنت قد طرحتها في وقت سابق، خصوصاً ارتباط ذلك بالسعادة والجمال والتسامح.

ولعلّ تلك الأسئلة، بقدر ما هي بسيطة، فهي معقّدة، لأنها تتعلّق بجوهر ومحتوى الفلسفات والأديان والنظريات، التي تزعم جميعها أن هدفها هو وصول الإنسان إلى السّعادة، علماً أن حاجات الإنسان المادية والروحية لا حدود لها ولا ضفاف، لأنها حاجات متواصلة ومتطوّرة ومتخالقة، ارتباطاً بتطوّر الإنسان، وتقدّم العلوم والاكتشافات، فما بالك حين نكون أمام الطور الجديد من الثورة العلمية – التقنية الهائلة، ولا سيّما ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والطفرة الرقمية "الديجيتيل".

وإذا كانت علوم الإنسانيات قد انحسرت وهُمّشت، وخصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، فإنها اليوم لكي تحقق حضوراً ودوراً جديدين ينبغي أن تعود إلى الفضاء العمومي، إضافة إلى السياسات المتعلّقة بالعلم، وهو ما كانت عليه في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

يستهدف المنتدى العالمي للإنسانيات، بلورة تفكير شامل بخصوص الإنسانيات ودورها في عالم متعدّد المراكز والثقافات، يأخذ بنظر الاعتبار الخصوصيات الثقافية لكل مجتمع، لكنه يبحث عن سبل تحقّق المشترك الإنساني، وهو الهدف الذي يريد الوصول إليه في عدد من الحقول الإنسانية، وهكذا سيكون معنياً على سبيل المثال، لا الحصر بـالتزايد السكاني، وموجات الهجرة العالمية ومتطلّبات الطاقة والبيئة، والهويّات في سياق العولمة، والعالم الرقمي أو الطفرة الرقمية "الديجيتيل" وغيرها، وسيتعاون على تنظيمه، إضافة إلى اليونيسكو، المجلس الدولي للفلسفة والعلوم CIPSH و"لياج معاً" Liege Together.

وبقدر ما يجمع المنطقة العربية مع العالم من مشتركات، فإن لها خصوصيات وتحدّيات ينبغي إبرازها، لا سيّما فيما يتعلّق بالمواطنة والمساواة وحقوق المجاميع الثقافية وقضايا التنمية والحداثة والتواؤم والتعارض مع المجتمع الدولي، إضافة إلى قضايا السلام والأمن ومواجهة العدوان والاحتلال، ناهيك عن الإرهاب والتطرّف.

وقد تولى المركز الدولي لعلوم الإنسان (لبنان) وبالتعاون مع اليونيسكو سلسلة المشاورات في المنطقة العربية تحضيراً للمؤتمر، وشارك بفعالية في الأعمال التحضيرية وآخرها الطاولة المستديرة في سوون، وقدّم عدّة اقتراحات لتعزيز "ثقافة الأمل"، من بينها نشر وتعميم قيم التسامح واللاّعنف، ولا سيّما في المناهج التربوية، التي ينبغي تنقيتها عن كل ما يتعارض مع ذلك، ويمكن لليونيسكو أن تقوم بدور فعّال في مساعدة البلدان المختلفة لتحقيق هذه الغاية وصولاً للمشترك الإنساني، انطلاقاً من الإعلان العالمي للتسامح الصادر عن اليونيسكو العام 1995. ويحتفي المركز باليوم العالمي للفلسفة، كما يقيم مؤتمراً إقليمياً حول "المركزية الإثنية والتاريخ" في (كانون الثاني – يناير/ شباط – فبراير) 2017.

شارك في الطاولة المستديرة شخصيات متنوّعة، حرصت اليونيسكو على تمثيل جغرافي لاختيارها مع مراعاة اعتبارات كثيرة أكاديمية وثقافية وربما سياسية، إضافة إلى توازن في الحضور النوعي، فقد كان متحدثون لكل من: الصين والولايات المتحدة واليابان وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والمنطقة العربية (التي كان لي شرف الحديث عنها)، إضافة إلى الجهة المنظّمة (اليونيسكو) والجهة المضيفة والمشاركة في التنظيم، وهي كوريا. وقد زاد عدد المشاركين من مختلف دول العالم على ثمانين مشاركاً، إضافة إلى هيئات وجامعات ومراكز أبحاث كورية متعدّدة، وفي الوقت الذي كانت ورشات عمل ديربن وبكين العام 2015 قد بحثت موضوع التعدّدية الثقافية والشفاء ورسائل إلى عصر العلوم والتكنولوجيا التحويلية، فإن الطاولة المستديرة في سوون ركّزت على الأمل، والدور الذي يمكن أن تلعبه الإنسانيات في تجسير الفجوة بين الأكاديميين وأصحاب القرار.

وإذا كان شعار الأمل هو الأساس الذي انعقدت الطاولة المستديرة تحت لوائه، فإن لافتة كبيرة ارتفعت تحت عنوان: “Overcoming the crisis of civilization toward a sustainable society”. وتعني: "التغلّب على أزمة الحضارة نحو مجتمع مستقرّ".

الأمل لا يعني التفاؤل، مثلما التشاؤم لا يعني اليأس. الأمل هو الإصرار على تحقّق الأفضل وتجاوز الواقع لما هو أحسن، وأكثر سعادة ورفاهاً للإنسان. وبقدر ما نحن محكومون بالأمل، فنحن محكومون بالحريّة حسب تعبير جان بول سارتر.

وكما يقول الطغرائي في قصيدته الشهيرة (لاميّة العجم):

أعلّلُ النّفس بالآمال أرقبُها / ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

وأختتم بقول الشاعر الفرنسي جاك بريفير: "إن كانت السعادة نَسَتْكَ بعض الشيء... فلا تنساها"، ولعلّ ذلك يمثّل جوهر فكرة التمسّك بالأمل!

أكاديمي ومفكّر عربي

 

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

 

معركة الموصل و"الأخوة الأعداء"

عبد الحسين شعبان

أكاديمي ومفكّر عربي

فيما تُعلن جميع الأطراف السياسية استعدادها لخوض معركة تحرير الموصل والمشاركة في القضاء على "داعش"، تختلف الرؤى والتصوّرات، بل والخطط حول الوجهة التي ستتخذها والآفاق التي تنتظرها، وبقراءة مواقف القوى والجماعات المنضوية في العملية السياسية يتبيّن مدى التباعد بينها، لدرجة أن هناك الكثير ممّا يُعلن غير ما يُبطن.

فبعد توتّرات واستقطابات بين بغداد وإربيل، قام رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني بزيارة بغداد، في محاولة لإعادة شيء من حبل الوصل بين الطرفين وتلطيف الأجواء بينهما، وهي الزيارة الأولى التي يقوم بها رئيس الإقليم إلى بغداد منذ العام 2013 وبعد تولي حيدر العبادي رئاسة الوزارة (في 8 سبتمبر/ أيلول العام 2014)

وكانت أهم الملفّات العالقة التي تصدّرت المباحثات تتعلّق بالنفط، والخلاف بشأن عقوده وإنتاجه وتصديره، دون إشراف أو معرفة الحكومة العراقية، ورواتب البيشمركة (المحجوزة) وحصّة الإقليم المُحتجبة، فضلاً عن تفاصيل معركة الموصل ومستقبلها ما بعد التحرير، دون إهمال موضوع الاستفتاء المقترح لإعلان دولة كردية، فيما إذا وصلت الأمور إلى طريق مسدود بين الطرفين، وهو ما كان قد لوّح به البارزاني لعدّة مرّات، وبمناسبة وغير مناسبة، بما فيها ما يشمل دائرة المنافسة الكردية – الكردية، بين إربيل والسليمانية.

وإذا كان هذا هو المعلن من الزيارة، فإن هناك ما يدور الحديث عن أهداف أخرى، يندرج فيها إقامة تحالفات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وأطراف سياسية، ردّاً على زيارة نوري المالكي رئيس الوزراء السابق إلى السليمانية ولقائه مع غرماء البارزاني من الاتحاد الوطني الكردستاني وكتلة كوران "التغيير"، يضاف إلى ذلك البحث عن بديل لوزير المالية هوشيار الزيباري، وزير خارجية العراق لأكثر من ثمان سنوات، الذي تمت إقالته بعد استجواب من البرلمان.

إن فكرة "تجرؤ" بغداد على إقالة وزير معتمد وأساسي لدى إربيل، ومن ثم محاولة بعض القوى الالتفاف على حزب البارزاني بإقامة علاقات جانبية لعزله، هما ما أقلق إربيل، وربما كان ذلك أحد أسباب زيارة بغداد. وقد يكون هناك ثمة ضغوط أمريكية مورست على الطرفين الحكومي والكردي (الإقليمي)، للقاء وإزالة بعض الكتل الصخرية التي اعترضت طريقهما خلال الأعوام الماضية، ولا سيّما في القضايا العقدية التي تم ذكرها، والتي تعقّدت بفعل الأزمة الاقتصادية والمالية العامة، وانخفاض أسعار النفط.

ولم يكن ملف النازحين بعيداً عن المفاوضات الحكومية – الكردية، علماً بأن الإقليم يستضيف نحو مليوني نازح من محافظات الموصل وصلاح الدين والأنبار منذ هيمنة "داعش" على الموصل في 10 يونيو (حزيران) العام 2014.

وعشيّة الحملة لتحرير الموصل ظهرت تداعيات أخرى معارضة لزيارة البارزاني إلى بغداد، فقد دعا النائب عبد السلام المالكي (من كتلة دولة القانون التي يرأسها نوري المالكي) إلى تحريك دعوة قضائية وإصدار مذكرة قبض بحق البارزاني بتهمة "التخابر مع الأجنبي وتهريب ثروات البلد والتعامل مع الأنظمة الإرهابية"، وهو تحريض وكيدية تعكس مدى العداء الذي وصل بين المالكي والبارزاني، مثلما ارتفعت أصوات تدعو إلى حسم موضوع الاستفتاء الكردستاني، ومن جانبه أكّد البارزاني أن استقلال الإقليم لن يتمّ من دون الاتفاق مع بغداد.

وفي حين تحتدم المعركة على مشارف الموصل ويتم تحرير قرى وقصبات، وخصوصاً بعد الاستيلاء على قاعدة القيارة الجوية في 25 أغسطس /آب المنصرم (2016)، (تقع جنوب مدينة الموصل بحوالي 60 كم)، ويحاول "داعش" حجز الموصل خلف الأسوار، فإن بعض الأصوات التشكيكية تظهر للعلن محذّرة من "اختناقات طائفية وتصفية حسابات" وقد جاء ذلك على لسان رئيس ائتلاف "متحدون" أسامة النجيفي رئيس البرلمان الأسبق ونائب رئيس الجمهورية السابق، الذي قال: إن أخطاء الحكومة السابقة، ونهجها العسكري كانا وراء سقوط الموصل، مشيراً إلى أن تحريرها يجب أن يكون على يد قوات "الحشد الوطني" (وهو تنظيم تم تدريبه أمريكياً من أهالي الموصل)، والجيش والشرطة وقوة مكافحة الإرهاب، إضافة إلى البيشمركة ودعم قوات التحالف الدولي، وانتقد مشاركة الحشد الشعبي الذي يضم مجموعات عسكرية شيعية، كما انتقد جماعة حزب العمال الكردستاني PKK. وقال النجيفي في حديث مع وفد المعهد الديمقراطي الوطني للشؤون الوطنية الأمريكي: إن القوات العسكرية في المدينة، مارست نهجاً غير مقبول من المواطنين ما أفقد الجيش صفته الوطنية.

ولم يفت المرجع الشيعي المتنفذ في النجف علي السيستاني إلاّ أن ينبّه إلى مواجهة الفوضى، وكان أحمد الصافي ممثله في كربلاء، "قد أكّد على ضبط الأمور عن طريق القانون"، لكن رجل الدين محمد تقي المدرسي دعا إلى تشكيل محكمة دولية لجرائم الحرب يكون مقرّها العراق رافضاً استبعاد الحشد الشعبي من المشاركة في تحرير الموصل، وأن هذا الاستثناء له أهداف سياسية وتقوم على التمييز بين أبناء القوات المسلحة (ويقصد استثناء جماعة الحشد الشعبي التابعة للقوات المسلحة وتحت إدارة رئيس الوزراء نفسه باعتباره القائد العام للقوات المسلحة).

يمكن القول إن هزيمة "داعش" في الموصل محقّقة، لعدّة أسباب سياسية وعسكرية واستخبارية اجتماعية ودينية ومدنية:

أوّلها – أنه ضدّ منطق الحياة والتطوّر، وإذا كان خلال العامين ونيّف قد حكم مناطق شاسعة بالحديد والنار، فإن إمكانية بقائه أصبحت شبه مستحيلة بعد اندحاره في صلاح الدين والأنبار، سواء من داخل الموصل أو من خارجها، حيث يُحاصر ويُضرب، ناهيك عن المقاومة السريّة، المدنية المباشرة وغير المباشرة الرافضة لقوانينه وأنظمته، على الرغم من الإعدامات وأعمال التنكيل ضد السكان.

ثانيها – أنه لا يستطيع مواجهة كل هذا الحشد العسكري الدولي والعراقي، الرسمي والشعبي، بما فيه قوات البيشمركة، إضافة إلى قوات شعبية نظامية تم تدريبها تمهيداً لهذه المعركة.

وثالثها – أن هناك تعاوناً يجمع العرب والكرد، حيث يتم التعاون بين القوات المسلحة والبيشمركة، وقوات شبه نظامية أو شعبية، في إطار عمل عسكري موحّد، على الرغم من الخلافات والتناقضات أحياناً، لكن مسألة تحرير الموصل تتقدّم على غيرها، وهو ليس اختياراً بقدر ما هو اضطرار، لأن الجميع مهدّدون بوجودهم واستمرارهم. ونتذكر كيف هبّ الجميع، بما فيه قوى إقليمية لمواجهة "داعش" حين اقتربت من إربيل؟ كما نتذكّر كيف كان الاستنفار على أشدّه يوم معركة جرف الصخر والطريق إلى بغداد وعند مشارفها؟

ورابعها – أن معركة تحرير الموصل، تعني اليوم الولايات المتحدة، وهي إذا لم تفعل شيئاً يُذكر في السابق، وكانت عمليات قصفها متباعدة وغير كثيفة، فإنها معنية مباشرة بذلك، ومعها قوات التحالف الدولي، لأن استمرار الوضع كما هو عليه يمكن أن يهدّد العملية السياسية التي صمموها في العراق برمّتها.

وخامسها – أن لكل طرف من الأطراف أهدافه العامة والخاصة ما بعد التحرير، فالكرد يريدون إدارة مشتركة للموصل بعد تضحيات البيشمركة، وقد يحاولون الاحتفاظ ببعض المناطق التي سمّيت بالدستور "المتنازع عليها" بعد تحريرها، وهو ما عبّر عنه مسعود البارزاني، لكي لا ينفلت الوضع وتحدث انتقامات وتصفية حسابات.

وعرب الموصل يتخوّفون من تمدّد كردي مثلما تخشى ذلك الكثير من الأوساط الشيعية داخل الحكومة، ولهذا تصرّ على مشاركة ووجود الحشد الشعبي. وبعض القيادات الموصلية وفي مقدمتها النجيفي تريد إقامة إقليم باسم الموصل، سواء يمثل المحافظة أو يمكن أن تضم إليها عدداً من المحافظات، وهو ما قد يلقى معارضة شديدة من الشيعية السياسية، وتردّداً ورفضاً من السنية السياسية المنقسمة حول مناطق النفوذ والحصص والامتيازات.

أما الأمريكان فهم باتوا أكثر اقتناعاً بمشاركتهم العتيقة – الجديدة بشأن تقسيم العراق إلى كيانات، وعلى الأقل، يتم وضع حدود ونقاط تفتيش بينها، وتحدّد لها هويّات أقرب إلى باسبورتات، وتبقى بغداد موحّدة، تمثل العراق الموحّد شكلياً والمقسّم فعلياً، وذلك طبقاً لمشروع جو بايدن في العام 2007، واستمراراً لمشروع برنارد لويس الخاص بالعالم العربي منذ العام 1979 والعام 1982 القاضي بتشطيره وتفتيته إلى دويلات تصل إلى 41 كياناً.

وقد يؤدي هذا الوضع إلى احترابات محتملة داخل الشيعية السياسية، فالحشد الشعبي المدعوم إيرانياً يريد حصة أكبر، خصوصاً وأن نفوذه اتسع، وهذا بحد ذاته سيطرح مشكلات جديدة، ولا سيّما بين القوى المسلحة مثل لواء بدر، وجماعة مقتدى الصدر وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وجماعة النجباء، وغيرها من القوى السياسية الشيعية التي تشكّلت وانضمت إلى الحشد الشعبي للحصول على الامتيازات وزادت عن 40 قوة مسلّحة.

والسنية السياسية ليست بحال أحسن من الشيعية السياسية، فعلى الرغم من التهميش والتمييز لمناطق بكاملها، فهناك مشكلات النازحين التي ستواجهها وإعادة الإعمار والتعويض عن الغبن والخسائر التي لحقت بالناس، وقد تقود منافستها إلى صراع واحتراب على مناطق النفوذ والامتيازات.

أما الخلاف الكردي – الكردي، فهو مرشح للانفجار بين السليمانية وإربيل، وعلى أقل تقدير، فإن المشكلة القائمة بين الطرفين قد تؤدي إلى التباعد وحتى إلى الدعوة لإقامة إقليم السليمانية – حلبجة مقابل إقليم إربيل – دهوك.

ولعلّ ذلك هو ما قصدته من العنوان الذي وضعته لهذه المقالة "الأخوة الأعداء"، وهي رواية للكاتب اليوناني كازانتزاكي، وهو ما كنت قد عبّرت عنه قبل أكثر من عام ونصف بقولي: خشيتي ما بعد "داعش".

صحيفة الشروق "الإماراتية

 

 

 

في مغزى الانتخابات المغربية

عبد الحسين شعبان

في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري 2016 باحت الصناديق الانتخابية بأسرارها، ودفعت مجدّداً حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة، فقد حصل على 125 مقعداً من مجموع 395 مقعداً، هي إجمالي مقاعد البرلمان بزيادة 18 مقعداً عن الدورة البرلمانية السابقة، حيث صوّت له مليون وثمانمئة ألف مغربي، بزيادة أكثر من نصف مليون صوت عما حصل عليه في انتخابات العام 2011. وتلاه حزب الأصالة والمعاصرة الذي حصل على 103 مقاعد بزيادة 56 مقعداً عن الدورة السابقة التي حصل فيها على 47 مقعداً. وشارك في الانتخابات 24 حزباً سياسياً وتحالفان انتخابيان.

تعتبر الانتخابات الأخيرة هي الثانية بعد دستور العام 2011، وهي محطة سياسية جديدة واختبار آخر للدستور وللعملية السياسية، بعد موجة الربيع العربي، فقد راعى الدستور المستجدات والمتغيّرات التي حصلت بعد الحراك الشعبي، فقام بإجراء تكييفات قانونية وسياسية  ومؤسسية، أراد لها أن تكون تعويضاً عن "الربيع العربي"، ولربما اختار هو ربيعه الخاص على الطريقة المغربية، التواصلية وليست الانقطاعية، التي مثلت فقهاً استبعد القطيعة واختار الاستمرار والتراكم.

هذه الانتخابات هي الثانية التي يفوز بها حزب العدالة والتنمية، ومع أن حكمه شهد تجاذباً وشدّاً وإرخاءً وابتعاداً واقتراباً من القصر الملكي، فضلاً عن اتباعه إجراءات تقشفية أثارت استياء شعبياً، إلاّ أنه في نهاية المطاف تمكّن من الحصول على أعلى الأصوات والمقاعد. وكان الجميع مقتنعين بشعار "الإصلاح في ظل الاستقرار"، أي جعل التغيير مرتبطاً بالكرامة، والحرّية بالأمن، وهي تجربة جديرة بالدراسة، وخصوصاً منذ حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمن اليوسفي في أواخر التسعينات، ارتباطاً بمسألة المصالحة والعدالة الانتقالية والانفراج السياسي وأجواء الحرّيات التي أعقبته.

وتقوم العملية السياسية في المغرب على ثالوث أساس، أركانه المؤسسة الملكية والوحدة الوطنية (حسب الاصطلاح المغربي وحدة تراب البلاد) والجمع بين الإسلام والحداثة على نحو تفاعلي. وهذه العناصر تعتبر من الثوابت الوطنية التي يلتقي على قاعدتها الجميع. ومنذ العام 2002 أصبح الوعي بأهمية الانتخابات وسيلة للفوز بالسلطة من جهة، ومن جهة أخرى لعرض البرامج السياسية لمختلف الفاعلين السياسيين من القوى والأحزاب والجماعات.

وعكست الانتخابات الأخيرة، على الرغم من احتدام الصراع بين حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة، الأول فرع من فروع الإسلام السياسي بطبعة مغربية منفتحة أقرب إلى الطريقة التركية، والثاني من الوسط الليبرالي ومعارض شديد للإسلاميين، ولكنه قريب من القصر، حدّة المواقف وشدّة التعارضات، لدرجة النزول إلى مستوى التراشق أحياناً، عبر فضائح شخصية لعدد من السياسيين، وانزلاق إلى اتهامات خطرة بالعمالة والخيانة وغير ذلك، لكنها لم تؤثر على واقع شفافية الانتخابات ونزاهتها، وهو ما يسجل للتجربة المغربية الجديدة.

ويعزو البعض فوز حزب العدالة والتنمية إلى تنظيمه وانضباطه ووجوده بالسلطة في السنوات الخمس الماضية من جهة، وإلى عزوف شعبي عن الممارسة الانتخابية لجمهور واسع وعريض من جهة ثانية، الأمر الذي مكّن الحزب وهو يتوفر على كتلة شبه مستقرة، سواء في الريف أو المدينة، لضمان الفوز المريح له.

وقد تمكّن الحزب بطريقة بارعة من خوض الصراع الآيديولوجي والدعائي، وذلك بتوظيف خطابه لجهة المظلومية السياسية التي ظلّ متمسكاً بها، ودغدغة بعض عواطف الناس، وتمكّن من استثمار ذلك بذكاء وأساليب ناعمة، حتى وهو في قمّة السلطة السياسية، فأعاد ضخّ كل ذلك مجدداً في حملته الانتخابية.

لقد أكل حزب العدالة والتنمية من جمهور الأحزاب الأخرى، التي ضعف دورها، وخصوصاً في أوساط الطبقة الوسطى التي كان تعاطفها مع اليسار وأحزابه، ولا سيّما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية، وكذلك تعاطفها مع الاتجاه الليبرالي، وحزب الاستقلال بشكل خاص، وهي أحزاب تمتدّ إلى مرحلة الاستقلال والتحرّر الوطني، لكن رصيدها تدهور في العقد ونصف العقد الماضي.

الانتخابات الأخيرة بقدر ما رفعت من حزب العدالة والتنمية، لكنها في الوقت نفسه كرّست حزب الأصالة والمعاصرة، كحزب منافس قوي وخصم شديد، حيث حصل على المرتبة الثانية، وهكذا انتقل المغرب من الهندسة السياسية السابقة التي تقوم على ثنائية التنافس بين حزب الاستقلال القريب من القصر في حينها وحزب الاتحاد الاشتراكي المعارض إلى هندسة ثنائية جديدة، تقوم على حزب العدالة والتنمية مقابل حزب الأصالة والمعاصرة.

وبمراجعة مقاعد القوى السياسية نستطيع أن نلاحظ مدى التبدّل الذي حصل في الساحة المغربية، فقد حصل حزب الاستقلال على 46 مقعداً، وجاء في المرتبة الثالثة، ولكن مع فارق شاسع عن المرتبتين الأولى والثانية، وأعقبه حزب التجمع الوطني للأحرار الذي حاز على 37 مقعداً (المرتبة الثالثة).

أما الاتحاد الاشتراكي فقد حصل على المرتبة السادسة حيث نال 20 مقعداً بعد أن كان لديه 40 مقعداً، وهو يعدّ أكبر الخاسرين، والحركة الشعبية على 27 مقعداً (المرتبة الخامسة)،  كما حصل الاتحاد الدستوري على 19 مقعداً (المرتبة السابعة)، ونال حزب التقدم والاشتراكية (الشيوعي) على 12 مقعداً (المرتبة الثامنة)، والحركة الديمقراطية الاجتماعية على 3 مقاعد،  وفيدرالية اليسار الديمقراطي على مقعدين وحصل حزبان آخران على مقعدين لكل منهما.

جمع حزب العدالة والتنمية بعض عوامل النجاح استراتيجياً وتكتيكياً من خلال: زعيم كارزمي "عبدالإله بنكيران" وطاقم قيادي متفاهم وتنظيم متماسك وعلاقة قوية بالأوساط الشعبية في الريف والمدينة، إضافة إلى وسائل دعاية ناجحة وصلات مباشرة بالناخبين، ولهذا فإن عناصر الفوز فيه كانت متوفّرة على عكس بعض تجارب الإسلام السياسي في البلدان العربية الأخرى.

يمكننا القول إن الانتخابات المغربية الأخيرة كانت مناسبة لتأكيد مرحلة جديدة أساسها طيّ صفحة الماضي، وانتهاء عهد المعارضة السلبية ومقاطعة الانتخابات، والانتقال من محاولة تهديم بيت السلطة، إلى دخول هذا البيت، بل والاقتناع بذلك، فلم يعد أي حزب خارج لعبة الانتخابات، والجميع يلعب تحت سقف البيت وفي الحدود والمساحة المتاحين له، من أجل تحسين شروط اللعب، وهو ما كان يدركه الملك الحسن الثاني ووريثه الملك محمد السادس الذي فهم المزاج العام وتعاطى معه في ظروفه الجديدة، ولا يزال يعتبر البناء السياسي الديمقراطي الأساس الذي يمكن تحقيق التنمية والتطوّر من خلاله.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

 

تركيا والموصل والخرائط!

 

عبد الحسين شعبان

 

برّرت تركيا إرسالها قوات عسكرية إلى العراق، بحماية الأمن القومي التركي ومكافحة الإرهاب، وهما مبرّران مشروعان يحق لتركيا بموجبهما الدفاع عن أراضيها وحماية مواطنيها من شرور الإرهاب، لكن هذين المبرّرين لا يعطيان الحق لتركيا أو لغيرها في اختراق سيادة بلد آخر أو اجتياز حدوده الدولية.

وإذا كانت سيادة العراق معوّمة ومجروحة بفعل عناصر متداخلة ومعقّدة، منها تداعيات الاحتلال الأمريكي، ثم سيطرة "داعش" على الموصل وأجزاء واسعة من مناطق غرب العراق، يضاف إليها النفوذ الإيراني المهيّمن على السياسة العراقية، لكن ذلك ليس مبرّراً لتركيا لانتهاك السيادة أو ما تبقّى منها، بحجة أن الآخرين يخرقونها.

إن مثل تلك المبرّرات تعني العودة إلى القانون الدولي التقليدي الذي كان يجيز "الحق في الحرب" و"الحق في الغزو" بزعم حماية المصالح القومية، ولكن ذلك أصبح من تراث الماضي، ولا سيّما بعد تأسيس الأمم المتحدة.

لقد حاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان البحث عن سند قانوني يدعم المطالب التركية، من خلال إعادة قراءته وتحفّظه على معاهدة لوزان المبرمة في العام 1923، والتي رسمت الحدود بين الدولة التركية الجديدة وجيرانها على أنقاض الإمبراطورية العثمانية التي جرى تقاسمها وفقاً لاتفاقية سايكس – بيكو السرّية لعام 1916، وتبعاً لنتائج الحرب العالمية الأولى.

وقال أردوغان: إن المشكلة الأساسية في الموصل هي "إعادة بناء المنطقة وفقاً لخطة تطبّق فيها، وهي ليست في مصلحة تركيا"، بل تهدّد بقاءها. وذهب أبعد من ذلك حين صرّح بخصوص محاربة الإرهاب: "لن ننتظر حتى تدقّ المنظمات الإرهابية أبواب بلادنا، سنقوم من الآن بملاحقتها وننقضّ عليها أينما وجدت"، وأضاف: إن وجود قوات تركية في منطقة بعشيقة قرب الموصل هو من أجل حماية "استقلالنا ومستقبلنا".

أردوغان على حق حين يسعى لحماية بلاده، ولكن عليه اتباع الوسائل القانونية وعدم التجاوز على حقوق الآخرين، الأمر الذي يتطلّب التعاون مع دول الجوار، ولا سيّما العراق، إضافة إلى قوات التحالف الدولي، بخصوص مكافحة الإرهاب. أما اتخاذ قرارات فردية ودخول الأراضي العراقية حتى دون التشاور مع حكومة البلد، فإن ذلك سيزيد من تعقيد المشاكل، كما أنه لا يساعد على توحيد الجهود للقضاء على الإرهاب.

لم يكتفِ أردوغان بذلك، بل حذّر العراق وسوريا بقوله: لقد بدأنا بتنفيذ خطتنا، وأن النار التي تحاولون إشعالها ستحرقكم أكثر منّا. ولم ينسَ في ظل هذا الاندفاع والحماسة البعيدة عن الدبلوماسية والقواعد القانونية الدولية التعاهدية أو العرفية، أن ينتقد معاهدة لوزان، ويقول إنها كانت مفروضة على تركيا مثلما تم فرض معاهدة سيفر عليها، العام 1920.

لقد حدّدت معاهدة لوزان الحدود لعدّة بلدان كانت ضمن الإمبراطورية العثمانية، مثل بلغاريا واليونان وقبرص ودول المشرق العربي، والتي حكمتها لنحو أربعة قرون، فكيف يمكن إعادة القديم إلى قدمه؟ أليس في ذلك ضرب من إسقاط الرغبات على الواقع؟ فالعالم تغيّر كثيراً منذ نحو قرن من الزمان، والأمر لا يتعلّق بدول المنطقة فحسب، بل يشمل أوروبا وآسيا وإفريقيا وأمريكا، وعلى من لديه خيال أن يتصوّر ماذا تعني إعادة القديم إلى قدمه، غير نزاعات وحروب وحرائق ستندلع لتشمل العالم كلّه؟

إذاً ماذا تعني إعادة جريدة ديليليش (وهي الجريدة المؤيّدة للرئيس التركي) نشر الخرائط التركية الجديدة "القديمة"، وهي تضمّ فيها أجزاء من العراق وسوريا وبلغاريا وأرمينيا وجورجيا إلى تركيا؟ وبالطبع، فكركوك والموصل وإربيل وحلب وإدلب والحسكة هي في الصدارة من ذلك. أليس في الأمر ثمة أزمة، وهي أزمة تفكير وواقع؟

يمكنني القول: إن تلك الآراء كانت تظهر وتختفي تبعاً لتوازن القوى، فكلّما كان العراق ضعيفاً، وهو ما حصل منذ الحرب العراقية – الإيرانية، وبعد الاحتلال الأمريكي، وكذلك كلّما كانت سوريا  ضعيفة ومنقسمة كما هي اليوم، بسبب الاحترابات الداخلية، تطلّ تلك المطالبات برأسها، فضلاً عن ارتفاع منسوب الشحنة القومية الاستعلائية فيها.

إن الخطاب العالي النبرة الذي ذهبت إليه القيادة التركية، والذي ازداد تطرّفاً بعد محاولة الانقلاب العسكري الذي حدث في تركيا في شهر يوليو/ تموز الماضي (2016)، يستبطن الرغبة في توجيه الأنظار نحو الخارج وصرفها عن المشاكل الداخلية المستفحلة، وهو أحد الأسباب الأساسية لتصعيده في الفترة الأخيرة، كما يمكن تفهّم محاولة أنقرة مداعبة المشاعر القومية للتركمان تحت عنوان حمايتهم، وخصوصاً في تلعفر التي تسكنها غالبية تركمانية، إضافة إلى كركوك التي فيها نسبة تركمانية وازنة.

ولكن حماية التركمان وبقية المجموعات الثقافية واجب، يستلزم من تركيا إذا أرادت تحقيقه، مخاطبة الحكومة العراقية باحترام حقوق الإنسان وإقرار مبادىء المساواة والمواطنة المتكافئة وعدم التمييز واعتماد مبادىء المشاركة والشراكة الحقيقية، وكذلك مناشدة الهيئات الدولية لممارسة ضغوطها لتحقيق ذلك، الأمر الذي يتطلّب منها أولاً وقبل كل شيء احترام حقوق الكرد في تركيا، وتلبية مطالبهم العادلة والمشروعة في حكم ذاتي أو إدارة ذاتية، والسماح لهم باستخدام لغتهم بصورة رسمية وحقّهم في التعلّم بها، وممارسة حقوقهم السياسية كاملة كمجموعة ثقافية متميّزة، وتأكيد ذلك دستورياً، والأمر يشمل الحقوق الثقافية للمجاميع المتنوّعة الأخرى بمن فيهم العرب.

أعتقد أن خشية القيادة التركية من تفجّر الموضوع الكردي في تركيا، ما بعد تحرير الموصل وما بعد حسم الصراع في سوريا، ومطالب الكرد في البلدين بصيغة من صيغ الحكم الذاتي أو اللاّمركزية أو الفيدرالية أو غير ذلك، هي التي تدفعها إلى هذا الخطاب المتشدّد بدلاً من البحث فيما يمكن التعاون به لمكافحة الإرهاب من جهة، ومن جهة ثانية لإيجاد تسويات لمشكلات تتعلّق بالمسألة القومية والهويّة وذيولها.

إن الدعوة لإعادة النظر بمعاهدة لوزان ومخرجاتها، ليس ورقة خاسرة فحسب، بل هي مسألة غير ممكنة، فقد مضى نحو قرن من الزمان على حسمها وتثبيت عائدية الموصل إلى العراق، وقد شكّل مجلس عصبة الأمم لجنة للتحقيق الأممي في 30 سبتمبر (أيلول) العام 1924، وأجرت هذه اتصالات وقامت بزيارات إلى لندن وأنقرة ودمشق وبغداد والموصل، وقابلت عدداً من الشخصيات والأعيان وأهالي المنطقة، وقرّرت في نهاية العام 1925، ضم الموصل إلى العراق لاعتبارات جغرافية وقومية وتاريخية واقتصادية وعسكرية وسياسية، كما ورد في تقريرها، ووافقت عليه تركيا مع تعديلات طفيفة، ووقّعت في تلك الفترة معاهدة عراقية – تركية – بريطانية.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

 

 

اليونيسكو و"نظريّة" الهيكل

عبد الحسين شعبان

 

أعلنت اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) عدم أحقية "إسرائيل" في امتلاك الأماكن التاريخية في القدس، ورفضت وصفها بأسمائها اليهودية، وقالت في قرار اتخذته لجنة فرعية بالمنظمة يوم 13 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري (2016) إنها إرث تاريخي خاص بالتاريخ الفلسطيني، مثل المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف وحائط البراق، وذلك بالأسماء العربية، وليس بالتسمية اليهودية "جبل المعبد".

صوَّت لصالح القرار 24 دولة، ورفضته 6 دول، هي: (المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وأستونيا وهولندا ولتوانيا)، وامتنعت بعض الدول عن التصويت مثل: فرنسا وألبانيا واليونان والأرجنتين واليابان وعدد من الدول الإفريقية، وغابت عن جلسة التصويت صربيا وتركمانستان.

أثار قرار اليونيسكو ردود فعل حادّة لدى دولة "إسرائيل" وسخطاً شديداً وغير مسبوق ضد اليونيسكو، لم يظهر مثله في تاريخها، باستثناء مرتين:

الأولى – حين صدر قرار الأمم المتحدة 3379 في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1975 والخاص باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري.

حينها ثار حاييم هيرستوغ ممثل "إسرائيل" في الأمم المتحدة، فقام ومزّق القرار من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل إنه تباهى بصهيونيته، واصفاً القرار بأنه مدعاة للاشمئزاز. وكانت غولدا مائير رئيسة وزراء "إسرائيل" (السابقة) قد قالت بتحدٍّ: علينا أن نعلق الباجات على صدورنا ونكتب عليها "إنني صهيوني". وحين تولى هيرستوغ رئاسة الدولة في "إسرائيل" (1986) أقسم: ألاّ تنتهي مدّة رئاسته (1990) إلاّ ويكون القرار 3379 قد أعدم. وفعلاً بُعيد ذلك بقليل تم إلغاء القرار الأممي التاريخي، في سابقة خطرة في 16 ديسمبر (كانون الأول) العام 1991.

الثانية – قرار نحو 3000 منظمة مجتمع مدني بإدانة الممارسات "الإسرائيلية" ودمغها بالعنصرية، وذلك في مؤتمر ديربن (جنوب إفريقيا) العام 2001، وحينها هدّدت الولايات المتحدة وكندا بالانسحاب من المؤتمر، وعملتا على تعويم القرار، وخصوصاً بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية الإجرامية، وسعت "إسرائيل" و"حماتها" إلى العمل على تغيير وجهته في مؤتمرات لاحقة في جنيف حول العنصرية، وتحقّق لها ما أرادت، وللأسف الشديد ففي المرتين حصل العرب على نصر سهل وكبير ثم ناموا، في حين كان ذلك حافزاً جديداً لـ"إسرائيل" ويقظة لها في المحافل الدولية للقيام بكل ما من شأنه دعم وجودها واستمرارها وتبرير احتلالها وعدوانها القائمين.

من هذا المنظور نقرأ ردود الفعل "الإسرائيلية" اليوم حول قرار "اليونيسكو"، فقد قال عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: إنه قرار سخيف واليونيسكو تمثّل مسرحاً للهزل. أما رؤوفين ريفلين رئيس الدولة فعلّق عليه بقوله: إن من يُقدم على فعلة إنكار علاقة اليهود بالقدس، فإنه يهين نفسه، وقال رئيس الكنيسيت يولي أدلشطاين: إن القرار دليل عدم وجود المنظمتين (ويقصد اليونيسكو والأمم المتحدة)، ناسياً أن "إسرائيل" تأسست بقرار الأمم المتحدة 181 لعام 1947، ووصف وزير الداخلية الحاخام إرييه درعي: اليونيسكو، بأنها عار يلطّخ الأمم المتحدة، وجاءت التعليقات وردود الفعل من قبيل أن القرار دعم للإرهاب وهو معاد للسامية، وغير ذلك.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: إذا كانت "إسرائيل" لا تكترث بالقرارات الدولية، فلماذا أقامت الدنيا ولم تقعدها لصدور قرار من اليونيسكو بشأن مسألة تاريخية؟ الجواب يعود إلى موقفها من القرار 3379 الذي يسحب الشرعية القانونية عن قيام دولة "إسرائيل"، لا سيّما بممارستها العنصرية، ويصب في هذا الاتجاه قرار مؤتمر ديربن وتقرير غولدستون حول الممارسات "الإسرائيلية". أما قرار اليونيسكو، فإنه يسحب الشرعية التاريخية التي تحاول "إسرائيل" التعكّز عليها بادعاء احتلال المناطق الفلسطينية المقدسة.

لذلك نلاحظ الغضب والتوتر على سلوك وتصرفات القادة "الإسرائيليين"، عند سماعهم خبر نفي علاقة اليهود بالمسجد الأقصى. وهو ما عبّر عنه نتنياهو بسخرية حين اعتبر عدم وجود علاقة "لإسرائيل" بالأماكن المقدسة، هو مثل نفي علاقة الصين بسور الصين أو مصر بالأهرام.

إن قرار اليونيسكو ذا الأهمية الاستثنائية ينسف نظرية الهيكل "دولياً" ويفضح زيفها علمياً، ولهذا لا بدّ من العمل على دعمه وتعميمه واستخدامه في الصراع الدبلوماسي والقانوني والتاريخي، المدني والسلمي، ضد "إسرائيل"، خصوصاً بحشد دول ومنظمات دولية أخذت تدرك أكثر فأكثر، حقيقة عدوانية "إسرائيل" والدور التخريبي الذي تقوم به في المنطقة وعلى النطاق العالمي بتهديد السلم والأمن الدوليين. والقرار انتصار للحق العربي التاريخي في فلسطين، حيث لم تستطع الحفريات التي امتدت لعشرات السنين إثبات العكس، ومثل هذا القرار بالتالي يفقد أي مبرّرات أخرى سواء بضم القدس، فضلاً عن اعتبارها عاصمة أبدية "لإسرائيل".

وإذا كانت القدس مدينة الأديان السماوية الثلاث، فهي مدينة مفتوحة في الإدارة الفلسطينية السابقة يوم كانت ضمن الدولة العثمانية وحتى الانتداب البريطاني على فلسطين، وتقسيم البلاد العربية وفقاً لاتفاقية سايكس – بيكو العام 1916، مثلما كانت ملتقى لأتباع الديانات الثلاث، فإنها يمكن أن تكون كذلك، خصوصاً برفع يد الاحتلال عنها، وتمكين الشعب العربي الفلسطيني من تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

وإذا كان القرار خطوة إيجابية في الطريق الصحيح، فالأمر بحاجة إلى تعزيز وتعميق واستخدام جميع الوسائل المشروعة للضغط والإقناع لدعم هذا القرار والاستناد إليه بإصدار قرارات لاحقة. فهذا المكسب الذي تحقّق على المستوى الدولي ينبغي ألاّ يضيع في غمرة الأحداث وازدحام الأجندات، ولا بدّ من إلفات النظر لمحاولة التراجع والنكوص عنه، وإلى الضغوط التي سيتعرّض لها البعض، وكانت مديرة عام اليونيسكو السيدة ايرينا بوكوفا قد صرّحت بعدم رضاها على القرار، وقالت إن القيمة العالمية للمدينة يرجع إلى التركيب المترابط الذي يجب أن يشجّع على الحوار وليس المواجهة.

وينبغي ألاّ ننسَى أن الولايات المتحدة قد أوقفت دعمها لليونسكو البالغ 80 مليون دولار سنوياً في العام 2011 بعد قبول عضوية دولة فلسطين. وقد نتوقع إجراءات أخرى مماثلة بعد صدور هذا القرار، وهو ما يذكرنا بالوسائل التي تم استخدامها على مدى نحو 15 عاماً، بخصوص القرار 3379، حتى أطيح به في سابقة لم تحدث في تاريخ الأمم المتحدة أن أصدرت قراراً، ثم عادت وناقضت نفسها بنفي تهمة العنصرية عن الصهيونية.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

 

وميض نظمي

الحالم الذي قتلته النزاهة!

عبد الحسين شعبان

- I -

لم يكن وميض جمال عمر نظمي الذي فقدناه، إلاّ الإنسان النزيه، الموصوف بالرقة والدفء والصراحة والرجولة (الجنتلمانية)، ونستطيع أن نتلمّس ذلك من نبرته وابتسامته الموحية ونظرة عينيه المشعّتين بالوداعة والسلام. هكذا يمكننا بسهولة التعرّف على حجم الصدق والأمانة والإخلاص المتدفّق من كلامه، والطّافح على وجهه، سواء كان الحديث مباشراً أو غير مباشر عن أمر لا يريد أن يفضي به، أو يحرص على عدم التصريح فيه، وذلك تبعاً للظروف. وبقدر ما هو رجل الرفاهة والخير والجمال، فهو رجل الصلابة والمواقف الجريئة والتحدّي أحياناً.

لم يكن وميض سياسياً تقليدياً أو حزبياً "منضبطاً" بمعناه البيروقراطي، بل كان من نمط السياسيين المنفتح الذي يستخدم عقله، قبل أن يستخدم عاطفته، وقبل أن يتلقى التعليمات من جهة تزعم امتلاكها للحقيقة أو حق النطق باسمها. كان سياسياً يقلّب الأمور ويفحص المعطيات ويفكّر، ليحدّد الموقف والاتجاه، ضمن بوصلة هو أعدّها لنفسه التي منحها سقفاً عالياً من الحرية، حتى في ظروف لم يكن هذا النوع من التفكير مقبولاً.

إن فعل التفكير هو بحدّ ذاته محنة، خصوصاً في ظلّ سيادة محنة عدم التفكير. وإذا كان وميض سياسياً من نوع جديد ومختلف، لأن المفكر الذي في داخله كان يشرئب دائماً ليعبّر باللحظة المناسبة عن الموقف ويتّخذ القرار، لذلك كان يتجاوز على التقاليد المألوفة في العمل السياسي، ولا سيّما في القوى والأحزاب الشمولية، وهو ما قاده للتمرّد، بل جعله متمرداً دائماً.

وإذا كان السياسيون التقليديون قد انخرطوا في العمل السياسي واعتادوا على الأوامرية والانضباطية، فإن وميض كان يتميّز عنهم، لأن فهمه للسياسة مختلفاً عن فهمهم لها، وحسب ابن خلدون: السياسة عموماً هي صناعة الخير العام، وهي أمانة وتفويض، ولا مجرى لها إلاّ بين تضاريس المحاسبة والتوضيح. وكلّما انحدر الكلام في السياسة ازدادت الحاجة إلى الاهتمام بها كعلم، وهو ما كان وميض قد درسه ثم درّسه لما يزيد عن 3 عقود من الزمان.

وإذا كانت السياسة حسب فلاديمير لينين هي التعبير المكثّف عن الاقتصاد، فإنها حسب حنا أرندت تعني بكل بساطة الحرّية، وهو ما حاول وميض تجسيده بنزعته الأرسطوية التي تعيد السياسة إلى الفضاء العام باعتبارها نشاطاً إنسانياً يهدف لتحقيق الخير العام لجميع أفراد المجتمع.

جمع وميض بين العمل السياسي والعمل الفكري، وبين الممارسة اليومية وبين النظرية، واضعاً للبراكسيس مكانة خاصة، بل وضرورية لإعادة النظر بالكثير من المسلّمات النظرية، لا سيّما إذا لم تعد تتماشى مع نسق الحياة وتطوّرها.

وإذا كان جيل السياسيين عندنا يمتاز بالنّقمة والسّخط والعداء للآخر، وادّعاء الأفضليات والزعم باحتكار الحقيقة والتفوّق، فإن وميض وربما عدد قليل من جيله، انفرد بمنهج مغاير، حيث كان يسعى للتواصل مع الآخر والتكامل معه، وكان باستمرار يبحث عن مساحات للقاء والتقارب.

ووميض وإن كان من جيلنا، إلاّ أنه انتمى إلى جيل سبقنا، وتأدّب بأدبه وتخلَّق بأخلاقه. إنه جيل الرواد الذين جمعوا بين السياسة والأخلاق، وهو جيل شفاف بشكل عام ارتبط بقواعد عمل طبقها في الغالب الأعم على نفسه وعلى الآخر. وبهذا المعنى، فإن وميض الذي فهم السياسة أيضاً باعتبارها "علم وفن إدارة الدولة"، جعل الأخلاق معياراً لا يبتعد عنها.

ربما كانت معايشة وميض لذلك الجيل أو بقاياه، هي التي عزّزت عنده تلك السّمات، حتى بدا أكبر من عمره، وتجربته بدت أكثر غنىً وعمقاً، خصوصاً وأن ذلك الجيل الذي سبقنا لم يُصب بأمراض العمل السري وفايروس المؤامرات والدسائس، الذي استحكم في عدد من سياسيي جيلنا، وأصبح دليل الشطارة والفهلوة والإغراق في التكتيك، حتى غدا الاستراتيج، تكتيكاً يومياً، لا سيّما على صعيد العلاقات الخاصة.

لم أشأ التحدّث عن الجيل الذي تبعنا أو الأجيال التي أعقبتنا، وبخاصة الجيل الحالي من السياسيين، الذي أصبح له قاموسه الخاص البعيد عن تراث الأجيال التي سبقته، فجيلنا والجيل الذي سبقنا، والأدق الجيلين اللذين سبقونا من الحركة الوطنية لم يعرف الطائفية، ولم يتورّط بعلاقات مشبوهة مع الأجنبي، وكان شعار محاربة الاستعمار الأساس في توجهاته بغض النظر عن آيديولوجيته، بل كانت شبهة حقيقية إذا كان لديك أية علاقات مع جماعات خارجية، وكانت الأنظمة الداخلية للأحزاب بشكل عام تحرّم تلك العلاقات.

كان ذلك في الماضي ويمكن تأرخته لغاية الحرب العراقية – الإيرانية العام 1980، وعلى نحو أوضح لغاية غزو القوات العراقية الكويت العام 1990، وفيما بعد خلال فترة الحصار الدولي الجائر 1991 – 2003، حيث استحدثت تبريرات وتنظيرات للاستعانة بالقوى الخارجية، لدرجة أخذ يتباهى معظم السياسيين اليوم بعلاقاتهم مع هذه الدولة أو تلك، ومع هذا الجهاز أو ذاك.

وتلك من الظواهر الشاذّة إذا قرأنا تاريخ الجيل السياسي الأوّل والجيل السياسي الثّاني والجيل السياسي الثّالث، وذلك باحتساب عشرينية لكل جيل، أي من العشرينات إلى الستينات وما بعدها، وباستثناءات محدودة لبعض أقطاب الحكم الملكي، فإن السمة العامة السائدة لجميع القوى والشخصيات كانت "الوطنية"، حتى وإن كان ثمة اجتهادات في تحقيقها وفي التحالفات لتعزيزها.

أما الظاهرة الأخرى التي برزت في الجيل السياسي الحاكم، فهي شراهته إزاء المال واندفاعه دون أي اعتبار وطني للاستحواذ على المال العام والانخراط في عمليات فساد مالي وإداري وسياسي، واستثمار المواقع السياسية لأغراض شخصية وانتخابية وحزبية والتغطية على الفساد. وبالطبع، لا أرغب في التعميم فهو "الصَّخرة التي يتكىء عليها المتعبون"، لكن لكل قاعدة هناك استثناءات.

وبشكل عام كانت الأجيال الأولى من السياسيين أكثر نزاهة وترفعاً وزهداً، ولعلّ تلك الصفات جميعها تلتصق بشخصية وميض وتقود حركته وتشكّل خلفية لمواقفه التي اتخذها، صائبة كانت أم خاطئة، لكنها صميمية ونزيهة.

- II -

لقد تمرّد وميض على نفسه – أي على واقعه – أولاً مثلما تمرّد على أسرته، ثم تمرّد على مجتمعه، وبالتالي تمرّد على الحركة السياسية وتقاليدها السائدة، خصوصاً الخضوع والطاعة والانصياع لقرارات الهيئات العليا، لكنه عرف كيف يوائم بين تمرّده الشخصي والتمرّد العام في هارموني، سعى لوضع أسس المصالحة بينه وبين نفسه، وبينه وبين الآخر، المختلف، المغاير، بحيث يكون بقدر ما هو متباين، فهو منسجم، وبقدر ما هو متوافق فهو متعارض، وبقدر ما هو متقارب، فهو متباعد، وكان يجد في ذلك نوعاً من التكامل والتفاعل والتواصل.

وتلك سمة تميّز بها وميض عن كثير من أقرانه السياسيين، فلم يدع الحقد أو الكراهية أو الانتقام تتسلّق إلى قلبه، ووقف حتى مع "جلاّديه" وهم رفاق الأمس، حين اعتقل في العام 1963، موقفاً إنسانياً فيه الكثير من قيم التسامح، رغم آلامه وعذاباته، لأنه كان يدرك طبيعة البيئة السياسية والتربية التنظيمية المتزمتة والولاءات الحزبية، تلك التي رفضها، لا سيّما بصورتها الأوامرية الفوقية الزجرية، والأكثر من ذلك كان يشعر أحياناً بالعطف على بعض المتورّطين منهم، فهو المترفّع عن الصغائر، تلك التي لا ينصرف إليها إلاّ أصحاب العقول الخاوية.

ولعلّ أحد الأسباب أنه صاحب مشروع حضاري، ويعرف أن الثأر أو الكيديّة أو ردّ الفعل غير العقلاني، سيعود بالخسارة عليه قبل غيره، لذلك تحلّى بقدر كبير من التسامح، وهو ما ندعوه "بالتطهّر" الروحي، بعيداً عن روح الانتقام ومواجهة العنف بالعنف، وفي ذلك ممارسة لرياضة روحية مع نفسه ومع الآخر. ولعلّ ذلك أحد دروس العدالة الانتقالية، حيث كان وميض أكثر ميلاً إلى الصّفح من العقاب، وإلى المصالحة من المساءلة، ولكن بوضع ضوابط بعدم تكرار ما حصل من جميع الأطراف.

كان وميض إيجابياً جداً ومرهفاً جداً ومحبّاً جداً ووفياً جداً وجريئاً جداً، وهو ما جعله متميّزاً جداً، وفي الوقت الذي كانت ترتفع القبضات لتنادي العين بالعين والسن بالسن، كان وميض يفكر في الطريقة المثلى لفتح حوار وصولاً إلى التفاهم والمصالحة والمشترك الإنساني، واضعاً ما هو استراتيجي قبل ما هو تكتيكي، وما هو ثابت قبل ما هو طارىء، وما هو مستمر قبل ما هو ظرفي، فقد كان وميض رؤيوياً وصاحب عقل استراتيجي.

وأريد هنا أن أعيد ما قاله عنّي في مداخلته المنشورة في كتاب "الحبر الأسود والحبر الأحمر: من ماركس إلى الماركسية" التي هي قراءة لكتابي "تحطيم المرايا – في الماركسية والاختلاف"، لأنها أكثر انطباقاً عليه: "إن ما قام به شعبان هو رد اعتبار للفكر، فالرجل كماركسي ظلّ يردّد منذ أكثر من 20 سنة، وحتى قبل ذلك حسب اطلاعي، أن هناك أزمة عميقة على صعيد الفكر والممارسة"... وأقول: "إن كتاب المفكّر شعبان قد "تأخّر" على الرغم من أهميّته الكبيرة، فهو برحابته واستقلاليته، طرح أفكاراً جديدة، ولو كنّا في أوروبا لتلقّفها، أولاً وقبل أي جهة أخرى، الحزب الشيوعي واستفاد منها وساهم في مناقشتها، لكن أوضاعنا ليست طبيعية، فلا شعبان يقبل أن يخوض معتركه الفكري ونشاطه الإبداعي المتنوّع ضمن أطر وسياقات تقليدية ضيّقة تحرّر منها، ولا الحزب الشيوعي يقبل أي نقد لأفكاره وممارساته، ناهيكم عن الاعتراف بأخطائه".

أظنّ أن هذا ينطبق على وميض نظمي وموقفه الفكري من الحركة القومية، التي يمكنني القول إنه سبقها بعقود، فبعضها قد تجمّد وتخشبّت لغته، وبعضها الآخر عاد القهقري، لما ما قبل ذلك، متشبثاً بصيغ ما قبل الدولة، ولو راجعنا الخطاب الناصري أو البعثي للحركات القومية أو بقاياها لوجدنا أن خطابها الستيني أكثر تقدّماً من خطابها خلال ربع القرن الماضي.

استجاب وميض لإيقاع زمنه، فمع صعود الحركة القومية العربية، لم يجد نفسه وهو ابن الخامسة عشر سوى أن ينخرط في انتفاضة العام 1956 دفاعاً عن الشقيقة مصر، ضدّ العدوان الثلاثي الأنكلو – فرنسي – الإسرائيلي، وتشرّب من الفكرة الوحدوية العروبية حتى فاض، ما جعله رومانتيكياً أحياناً، أوَتوجد فكرة واقعية لا تحتاج إلى قدر من اليوتوبيا؟ وإن وجِدتْ فستبدو فكرة جامدة دون أي خيال يُذكر!!، ولذلك كانت رومانتيكية وميض جزء من التشبث بالحلم الضروري لأي فكرة، فما بالك إذا كانت جديدة.

وقد أدرك وميض أهمية إعلاء ما يربط العرب على ما يفرّقهم، وهو ما قرأه، لا في كتب التاريخ فحسب، بل بحاضرها ومستقبلها، في إطار البحث عن مكانتهم بين الأمم، ولذلك ترى حديثه يرشّح بالحزن والشوق والحب والسّلاسة والتغنّي، وهو حديث موشّى بالأمل ومطرّز بالأحلام، بوحدة عربية جامعة، تعيد للعرب انبعاثهم الحضاري وتضعهم على طريق التنمية والتقدّم.

لم يكن وميض ماضوياً، وحين يتعاطى مع الراهن واليومي، فإنه كان يفكر بالمستقبل. وكان عقله مستقبلياً، حسب مكسيم غوركي، بوصف أحد ثوريّي عصره الكبار، فقد نظر إلى التجزئة والموروث والتقاليد البالية والحدود المصطنعة، باعتبارها أثقال على صدر الأمة وينبغي إزاحتها، لكي تستطيع أن تتنفّس بحرّية وبشكل طبيعي، وهي أصفاد وضعها المستعمر وذيوله لتكبيل الأمّة ومنعها من تحقيق أهدافها في التنمية المستدامة واللّحاق بركب الشعوب والأمم المتقدّمة.

وإذا كان شيئاً من التقليد بقي في شخصه، فهو ذلك الرابط ما بين الديني بمعناه الطهري، الروحي والأخلاقي، وما بين المدني، التقدّمي والإنساني، وفي كل الأحوال بقيت العروبة والوحدة العربية تمثّل جوهر مشروعه الاجتماعي، فتراه يطعّمها بالاشتراكية والعدالة الاجتماعية، ثم يستلهم التراث الحضاري للإسلام وغير ذلك. وكان في القلب منها والمؤشر لها كبندول الساعة النابض هي القضية الفلسطينية، ولعلّ كل من يعرف وميض يقدّر مدى تعلّقه بذلك وإيمانه به ورؤيته المستقبلية له.

- III -

كان بعض القوميين والعروبيين يرون في وميض نظمي قريباً من الضفّة الأخرى اليسارية والماركسية، في حين أن بعض من في الضفّة الأخرى، كان يريد منه القطع مع الماضي للانتقال إليها أو إلى فضائها. ويقول وميض عن ذلك: "بدأت أتأثّر بالماركسية والمادية التاريخية منذ بدايات فشل محاولات الوحدة والانفصال (السورية – المصرية)، لكنني لم أقتنع بأن الطبقة العاملة يمكن لها أن تستلم السّلطة في العراق، إذْ لا توجد عندنا طبقة عاملة، سوى باصات المصلحة وبضع سكك حديدية وعمال النفط والميناء. وقد حاولت فهم المسألة على نحو أكثر استيعاباً، بعيداً عن الشعارات العامة التي يطرحها الحزب الشيوعي".

ويقارن ذلك بعد انتقاله إلى الغرب، فيقول: حيث وجدت ماركس يتحدّث عن البرجوازية والتقدّم، ويضرب مثلاً على ذلك "فعند كل ربع ساعة يتحرّك قطار، وكل ساعة يتحرك باص، والإضراب في الغرب يُسقِط النظام السياسي خلال أيام...."، في حين أن في دولنا علينا الوصول إلى التحرّر الوطني والقومي، ثم تأتي المسألة الاجتماعية، كما يقول. (مداخلته في كتاب الحبر الأسود والحبر الأحمر – من ماركس إلى الماركسية).

   كان لوميض ضفّة أخرى أو حتى نهر خاص به، فقد كان يفكّر قريباً من أنطونيو غرامشي المفكّر الشيوعي الإيطالي، الذي دعا لإقامة "الكتلة التاريخية"، وبنظر وميض يمكن أن تتلاقى السواقي والجداول والنهيرات، على اختلافها وتفرّعاتها في نهر كبير، وكان هو من يريد التقريب بين الضفتين العروبية الوحدوية، والاشتراكية اليسارية، ويجد هو في نفسه الميزان، وتلك خصوصية أخرى له، امتازت بها شخصيته.

وبقدر ما ظلّ متمسّكاً بفردانيته واستقلاليته وتميّزه، فإنه كان يدفع باتجاه من يصنع التاريخ، ولكن هؤلاء يحتاجون إلى قيادات متفانية وذات معرفة لتسوسهم. قيادات جريئة وعلى قدر من المسؤولية والمعرفة والتجرّد، وصولاً إلى ما هو منشود، ولذلك لم يهمل دور الفرد في التاريخ، وهو ما تجسّد في إيمانه بقيادة جمال عبد الناصر، مع إقراره بالأخطاء الفادحة التي ارتكبت في عهده.

- IV -

 لم أشأ أن أتحدّث عن وميض نظمي ماضياً، فكنت دائماً أراه حاضراً. أكثر من خمسة عقود مضت منذ أن تعرّفت عليه مباشرة، والتقيته لأوّل مرّة وجهاً لوجه، بعد أن كنت أسمع عنه من الأخ المحامي حسن شعبان، الذي كان زميله في كلية الحقوق، وقد سبقه إلى التخرج بعامين، حيث تخرج في العام 1962، في حين تخرّج وميض في العام 1964، وكثيراً ما تسامرنا حسن شعبان وأنا وهو في مخبئه وأنا خارج من المعتقل والمفصول من الدراسة، وجئنا على ذكر وميض وشخصيته المحبّبة الجذابة.

كان اللقاء الأول أقرب إلى مراجعة ونقد، وكأنه استكمال لحديث سابق، وهو ما دأبنا أن نبتدىء به حديثنا طيلة السنوات الماضية، وكلّما كانت فرصة للقاء، خصوصاً إذا انفرد أحدنا بالآخر، فنبدأ وكأننا انتهينا يوم أمس عن أحداث العام 1959، والأخطاء والارتكابات التي حدثت وعمليات الإرهاب الفكري، ومن المسؤول عن فشل جبهة الاتحاد الوطني، وعن خطيئة إعدام رفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي، على حدّ تعبيره.

وهكذا نتوغّل لنصل إلى الانشقاقات داخل الأحزاب الكبرى، وغياب الديمقراطية، والرأي والرأي الآخر: من الحزب الشيوعي إلى حزب البعث، ومن الحركة القومية العربية إلى الحركة القومية الكردية، وكان وميض يملك خزيناً كبيراً من المعرفة بكل الفسيفساء السياسية العراقية، وكل ألوان الطيف السياسي العراقي، ليس على صعيد نظري فحسب، بل إن العديد من قيادات الموازييك العراقي، كانت تعتبره صديقاً لها وهو صديق حقيقي.

لقد حاول وميض طيلة حياته السياسية والثقافية والأكاديمية كسر الأسوار الوهمية، وهدم الحواجز المفتعلة التي بنتها الجماعات المتشدّدة داخل الأحزاب فيما بينها، دون إهمال الخلافات الحقيقية، لكنه كان داعية حوار ومصالحة وسلام، في إطار منافسة شريفة بالبرامج وتقديم ما ينفع الناس، ويدافع عن مصالحها.

وبهذا المعنى كان وميض واحداً من الرجال الكبار الذين تساموا على الحزبوية والتوجّهات السياسية الضيّقة والأنانية، واحتفظ بمسافة واحدة من جميع الفرقاء، وكان في الوقت نفسه صديقاً حقيقياً للجميع، على الرغم من قناعاته الخاصة، فالصداقة حسب وجهة نظره هي إحدى وسائل التقريب في المواقف والآراء، وهي جسر تواصل، فما بالك إذا كانت صداقة حقيقية ومعها ثقة تتعزّز مع مرور الأيام، ولكن شريطة أن تستمر مع النقد.

حين التقينا لأوّل مرة في العام 1964، لم نكن قد شفينا بعد مما أصابنا، إثر انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963، ومعنا كان وميض مصدوماً بما حصل، على الرغم من الانفراج النسبي الذي حدث بعد انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1963، الذي قاده عبد السلام عارف، وحلّ الحرس القومي. لم تكن ظروفنا يسيرة، سواء على المستوى الشخصي أو العام. كنّا ثلاثة إضافة إليه: أحمد سنجر، أو كما تلقّب لاحقاً (أحمد السنجري)، وكان قد وجد عملاً كمترجم في السفارة البلغارية، وحسن شعبان الذي ظلّ مختفياً لتسعة أشهر ونيّف، وحوكم بتهمة سابقة، وصدر الحكم بالإفراج عنه، وأغلق ملف القضية (كبس منشورات شيوعية لديه في زمن قاسم، جرى تغييرها إلى منشورات قومية ضد الحكم السابق). وخرج ليرى العالم تغيّر، ولم يعد بإمكانه ممارسة مهنة المحاماة التي بدأها قبل انقلاب 8 شباط (فبراير)، فذهب إلى الكويت للحصول على عمل وعاد خائباً بعد بضعة أشهر، رغم المعارف الكثيرين هناك، بمن فيهم أقارب متنفّذين، ولكن الطيف الأحمر كان مخيفاً وهو معروف ومعتقل سابق، وأنا كنتُ قد عدتُ للدراسة بعد تسوية موضوع فصلي للعام السابق، وأدّيت الامتحانات النهائية بنجاح وقُبلت في جامعة بغداد، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.

أما وميض الذي عاد من القاهرة بعد فترة لجوء ونشاط وانشقاقات وتصدعات واعتقال، فإنه استقرّ على ممارسة العمل الفكري والثقافي والكتابة، وكانت الأبواب مفتوحة أمامه والدولة وقياداتها تستقبله، لكنه كان يعتبر نفسه واحداً منّا، حتى وإن اختلفت المواقع، أو هكذا كان يشعرنا بكل أريحية وصفاء، ودائماً ما يعرض علينا ما يمكن أن يقدّمه لنا.

في تلك الأجواء كانت اللقاءات أحياناً تمتاز بالحدّة. أما اللقاء مع وميض فله نكهة مميّزة. وإن كنّا نحسب حكم عبد السلام عارف امتداداً لحكم البعث، على الرغم من أنه قريب منه، ولكنه في الوقت نفسه كان ناقداً له، وتلك سمة "وميضية"، فالنقد لا يفارقه في الإيجاب وفي السلب. وكنّا نقدّر كل لقاء مع وميض على اعتباره لقاءً صداقياً ومعرفياً في الآن. وفي كل مرة كان وميض يوفّر لنا خزيناً من المعلومات المفيدة عن الحكم وخفاياه وخباياه وصراعاته وأجنحته، مما لم نكن نعرفه أو نطّلع عليه، وهو من داخل المؤسسة، يستطيع أن ينقل صورة حيّة عما يجري.

- V -

في تلك الجلسة الأولى أتذكّر أن موضوعين كانا محطّ النقاش، وهو ما كان مثار جدل ونقاش واسعين في أوساط بعض القوميين والبعثيين، وخصوصاً بعد انهيار تجربة 8 شباط العام 1963، وكان في المقدمة منهم وميض نظمي، الذي كان يريد أن يدفع القوميين باتجاه البرنامج الاجتماعي للشيوعيين واليساريين، وفي الوقت نفسه يدفع الشيوعيين واليساريين عموماً باتجاه المنهج الوحدوي العروبي للقوميين والبعثيين، وهو اتجاه برز فيه، في تلك الفترة مفكرون مثل ياسين الحافظ، كما أن انتقادات الياس مرقص ومراجعاته النظرية، كانت مطروحة بقوة داخل الحركة الشيوعية والتي توّجها في وقت لاحق ملاحظات "العلماء السوفييت" على برنامج الحزب الشيوعي السوري 1969 – 1971 والذي أدى إلى انشقاقه ولم تستطع إطفاء الحرائق داخله، وأخذت تنفتح نقاشات حادة بشأنها، وإنْ اعتبر البعض تلك الاتجاهات الجديدة "تحريفية" أو خروجاً على الخط السائد.

الموضوع الأول الذي أخذ جانباً من تلك الجلسة هو مقالة كتبها وميض نظمي في "مجلة الكاتب" المصرية، التي كان رصيدها كبيراً في أوساط النخب الثقافية في العراق والتي كان رئيس تحريرها أحمد عباس صالح، مؤلف كتاب "اليسار واليمين في الإسلام" والذي نشر على حلقات في مجلة "الكاتب"، ثم جمعها لتصدر في كتاب مستقل، وقد حدثني أديب ديمتري أنه كتب نصاً بهذا المعنى في السجن، وسلّمه إلى أحمد عباس صالح، ليعيد قراءته وتنقيحه والإضافة عليه، خصوصاً وأنه كانت لديه أفكار متقاربة، ويعود السبب في عدم نشره باسمه إلى خشيته من مناقشة مسائل حساسة في الإسلام، وهو المسيحي، الشيوعي، السجين السابق، وفضل أن "يتبرع" بجهده ليصدر باسم أحمد عباس صالح الذي ذاعت شهرته أكثر بسبب نشر الكتاب.

وكان وميض قد تطرّق في مقالته المشار إليها إلى موضوع "الاشتراكية العلمية" وإيمانه بوجود اشتراكية واحدة مع تطبيقات مختلفة، على ما أتذكّر. وعاد إلى ذكر ذلك في مداخلة في جامعة النهرين في اللقاء الفكري لمناقشة كتاب: تحطيم المرايا – في الماركسية والاختلاف، حين قال: "وبودي أن أشير أن لا وجود لخط مستقيم في النضال، كما لا توجد مقولات صالحة لكل الأزمان ولكل الأقوام، فقد حاول ماوتسي تونغ وتيتو وكاسترو وعبد الناصر إيجاد طرقهم الخاصة إلى الاشتراكية، عبر محاولة تكييفها طبقاً لظروف بلدانهم الخاصة وتطوّر مجتمعاتهم وتاريخها وخصوصياتها، وهو الأمر الذي يمكن أن ينسحب أيضاً على الحركات الإسلامية والقومية، فكلّها لها تجارب قابلة للنقاش والأخذ والرد، فضلاً عن الخصوصية ومحاولات التقليد".

وأجد في هذا الاستنتاج تلخيصاً لما كان يؤمن به وميض نظمي منذ الستينات وتعمّق مع مرور الأيام، وخصوصاً بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وسقوط جدار برلين وتفكيك الاتحاد السوفييتي.

وهذا دليل جديد لموقف وميض المتقدّم والجريء على القوى والجماعات القومية الأخرى، التي كانت تميّز نفسها عن الشيوعيين والماركسيين بالحديث عن الاشتراكية العربية، وهو ما ظلّ مثار نقاش وجدل كبيرين، ليس بشأن المصطلحات، ولكن الأمر يتعلّق بالخصوصية الوطنية والقومية مع الأخذ بنظر الاعتبار القوانين العامة وتكييفها في كل بلد تبعاً لظروفه وتاريخه وتكوينه الثقافي ودرجة تطوّره، ففي حين كان الشيوعيون يميلون للتحليق باتجاه الأممية والتقليل من شأن الخصوصيات، بل واستصغارها، لا سيّما بتبني "الموديل السوفييتي"، كان القوميون يتجهون صوب المحلية والخصوصية لدرجة الانغلاق أحياناً.

وكان طاقم مجلة الكاتب المصرية، إضافة إلى طاقم "مجلة الطليعة" التي كان رئيس تحريرها الماركسي العريق لطفي الخولي، والتي صدرت في مطلع العام 1965، من الشيوعيين واليساريين المصريين السابقين، بعد أن حلّ الحزب الشيوعي المصري والحركة الديمقراطية للتحرر الوطني "حدتو" الشيوعية نفسيهما في العام 1964، وانخرط العديد من أعضائهما بالاتحاد الاشتراكي العربي، إثر تنظيرات المفكرين السوفييت والمسؤولين عن الصلة بالأحزاب الشيوعية من أمثال سوسلوف وبوناماريوف و"ألسكندر شيليبين رئيس جهاز الكي جي بي"، حول ما سمّي بـ"التطوّر اللاّرأسمالي" وإمكانية تحقيق الاشتراكية بغير الطبقة العاملة وحزبها الماركسي في البلدان النامية، حيث راجت فكرة حل الأحزاب الشيوعية وقام السوفييت بمحاولة إقناعها لحلّ نفسها والانخراط في أطر هيكلية وتنظيمية مع الديمقراطيين الثوريين لبناء الاشتراكية عبر طريق التطوّر اللاّرأسمالي، وكان لقاء خروشوف عبد الناصر واحداً من المعالم التي مهّدت لهذا التحوّل.

جدير بالذكر هنا أن أحد أبرز قادة الحركة الشيوعية العربية كان قد وقف ضد "الوصفة السوفييتية"، ونعني به خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري، كما عارض فكرة "التطور اللاّرأسمالي" التي كان السوفييت يروّجون لها.

وفي العراق، وإنْ لم يصل الأمر إلى الحد الذي يدعو إلى تبنّي فكرة حلّ الحزب، لكن دعوات بالانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي طارت هنا وهناك، مصحوبة بتقييمات عالية جداً لبعض الإجراءات التي اتخذتها سلطة انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1963.

وكانت تلك "المهادنات" أو المساومات غير المفهومة إزاء سلطة عارف أو حسب تعبير ملطّف "المرونة الزائدة"، قد لقيت معارضة شديدة من القاعدة الحزبية الشيوعية المجروحة، وهو الأمر الذي جعل أفكار ما يسمى خط آب العام 1964، تتراجع لاحقاً، ثم استبدل ذلك التوجّه في العام 1965 برفع شعار "إسقاط السلطة"، بعد جدلٍ حزبي داخلي حول فكرة العمل الحاسم أو الانتفاضة الشعبية. وقد وُصِف خط آب خلال الصراع الحزبي بـ"التصفوي الذيلي"، ولا سيّما بعد انشقاق القيادة المركزية للحزب الشيوعي بزعامة عزيز الحاج في 17 أيلول (سبتمبر) العام 1967.

لو قُرىء الأمر باعتباره تراجعاً تكتيكياً بسبب ضعف الحزب ومحاولته تضميد جراحه واستعادة أنفاسه ولملمة صفوفه، فسيكون الموضوع مختلفاً، وهو ما كان بحاجة إلى تهيئة، ولربما لفترة مناسبة، مع مراعاة المزاج الحزبي، لا سيّما إذا كانت الرؤية والتوجّه واضحين، أما حين يصبح الأمر تنظيراً باعتباره سمة العصر، وتجري محاولات للتفتيش عن "نتفٍ" في مؤتمرات الحزب الشيوعي السوفييتي أو مؤتمرات الكومنترن، ولا سيّما (العام 1928 أو العام 1935)، بظروف وأوضاع مختلفة، فهذا شأن آخر ولم يكن ذلك سوى النكوص والتراجع غير المنظّمَين، وفي الواقع فإن الأمر ليس بعيداً عن إملاءات سوفييتية مفروضة في ظل تكوين قيادي جديد وهش بعد اغتيال قيادة سلام عادل.

الموضوع الثاني خط "حزيران" – "آب" الذي استُقِرّ على تسميته "خط آب" العام 1964، وكان النقاش يدور حول الاتحاد الاشتراكي والعضوية الواسعة فيه، وهل هناك من سعي حقيقي للتقارب في ضوء التجربة المصرية؟

كنّا الثلاثة، السنجري وحسن شعبان وكاتب السطور، نشكّك في إمكانية أن يكون العراق مثل مصر، وفي كون الاتحاد الاشتراكي "العراقي" مثل الاتحاد الاشتراكي "المصري"، فضلاً عن الاختلافات الجوهرية في تجربة البلدين، وتطوّر الحركة الثورية فيهما، وتجذّر الحزب الشيوعي في الحياة الثقافية والسياسية العراقية.

فحتى ذلك الوقت كان الآلاف من الشيوعيين في المعتقلات، وكان سجنا "الحلة" و"نقرة السلمان" لوحدهما يحتويان على أكثر من ألفي شيوعي، وكان الآلاف من المفصولين أو مسحوبي اليد منهم لا يزالون خارج دائرة العمل بسبب قرارات الفصل السياسي أو سحب اليد، ناهيك عن الملاحقة المستمرة.

وكانت الحرب قد بدأت مجدّداً في كردستان، إضافة إلى ارتفاع نزعة التفرّد التي بدت صارخة في الحكم من خلال هيمنة عبد السلام عارف، التي شكا منها القوميون العرب أنفسهم، وبعد حين أخذ الاتحاد الاشتراكي نفسه بالتشقّق والانشطار. أما "قرارات التأميم" أو ما سمّي بـ"القرارات الاشتراكية"، فخلقت حالة من الركود الاقتصادي والحذر الشديد من جانب البرجوازية الوطنية، وكان تأييدنا له ملتبساً ومأخوذاً بالخطوط العامة التي كان الترويج لها قائماً من المركز الأممي وأطروحاته حول "سمة العصر" ودور حركة التحرّر الوطني والبلدان المتحرّرة وقياداتها، باعتبارها أحد روافد الحركة الثورية العالمية، إضافة إلى المعسكر الاشتراكي وفي طليعته الاتحاد السوفييتي وحركة الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية، فضلاً عن أن تأييدنا لفكرة التأميم ذاتها، باعتبارها إجراءً "ثورياً" من الناحية النظرية، في حين أن مردوداتها لم تكن إيجابية من الناحية العملية.

كان وميض دائماً يشعر بالمغايرة والتميّز والاجتهاد، وفي هذا الإطار كان يناقش بحماسة أطروحاته الجديدة التي عبّر فيها عن تطوّر أفكاره وجرأته في طرحها ومناقشتها سواء عبر ما أخذ يكتبه في صحيفة الثورة العربية التي كان يرأس تحريرها حازم مشتاق أو على منابر أخرى. وقد ظلّت تلك الصفات لصيقة بوميض نظمي، بل هي جزء لا يتجزّأ منه، فلم يعرف المداهنة أو التملّق أو الانتهازية، فما يعتقد فيه يقوله ويدافع عنه وإن غيّر موقفه، سيقول الأسباب، وتلك إحدى سجايا وميض التي ظل يسعى للمحافظة عليها في حياته الخاصة والعامة.

عروق كثيرة تشابكت في شخصية وميض، فهو الخارج من معطف ميشيل عفلق (حيث عمل في حزب البعث منذ العام 1956)، والمرتدي بدلة الناصرية، خصوصاً حين أيّد الحزب الانفصال العام 1961، وقد ازداد تأثره بجمال عبد الناصر كرمز للقومية العربية الصاعدة، لا سيّما بتجذّر برنامجه الاجتماعي، مثلما كان قريباً من فؤاد الركابي، الذي أسّس الحركة العربية الواحدة، بعد أن كان أميناً عاماً سابقاً لحزب البعث، والذي اغتيل في السجن العام 1971. وكان وميض مناضلاً متحمّساً لقيام النظام الجمهوري، على الرغم من تحدّره من عائلة أرستقراطية، عملت في إدارات ووزارات في العهد الملكي، فجدّه عمر نظمي كان وزيراً، ووالده جمال نظمي كان وزيراً.

وثمة جذر آخر لوميض نظمي، وهو يتصل بانخراط أعمامه (كمال وبديع عمر نظمي) في إطار الحركة الشيوعية العراقية، اللّذان أصبحا من كادراتها الأساسية، وكان لهما تأثير عليه. وينقل إبراهيم الحريري أن سلام عادل، سكرتير عام الحزب الشيوعي الذي قتل تحت التعذيب في العام 1963، في قصر النهاية، كان يبيت ليلته عشية 14 تموز (يوليو) العام 1958 في بيت كمال نظمي، وقد اصطحبه الأخير بالسيارة ليلة الثورة ليذهب بنفسه ويستكشف وزارة الدفاع، حيث مرّا من أمامها ذهاباً وإياباً، وحي الصالحية حيث محطة الإذاعة والتلفزيون وبيت نوري السعيد في كرادة مريم، الذي كانت فيه الأنوار مطفأة، عدا مصباح أو اثنين فوق الباب الخارجية، التي يوجد أمامها شرطي يغالب النعاس، وكأن سلام عادل يريد الاطمئنان على أن الأمور سائرة كما هو مخطط لها.

وفي رواية أخرى يقول عامر عبد الله (في حواره مع الكاتب): إن سلام عادل وجمال الحيدري باتا ليلة 13 /14 تموز (يوليو) العام 1958 في بيت ناظم الطبقجلي في حي الصليخ، وعلى سطح الدار بانتظار الإعلان عن الثورة. قد تكون الرواية الأولى صحيحة، لأن من نقلها هو كمال نظمي لشقيق سلام عادل واسمه "مهدي أحمد الرضي" حين كان في سجن نقرة السلمان بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963.

مثلما قد تكون الرواية الثانية صحيحة أيضاً، فقد يكون سلام عادل، قضى جزء من الليل في بيت الطبقجلي، وبصحبته جمال الحيدري، والجزء الثاني في بيت كمال نظمي، أو بات يوم 12 / 13 في بيت الطبقجلي ويوم 13 /14 في بيت كمال نظمي.

أعتقد أن الرافد العروبي "البعثي" الأول في ثقافة وميض، امتزج بروافد أخرى بينها رافد قومي آخر عروبي وناصري لاحقاً، هو بتأثير خاله باسل الكبيسي أحد مؤسسي حركة القوميين العرب وزعيمها الأول في العراق، والذي كان يخطط لعملية اغتيال للملك فيصل الثاني، وبعض أقطاب الحكم العام 1957، حيث اعتقل، ولولا تدخّلات ونفوذ عائلته لكان مصيره في خبر كان، لكن القضية تم لفلفتها، وأبعد إلى الخارج. ومن المفارقات الغريبة أن تقوم الموساد الإسرائيلي باغتياله في باريس العام 1973، ويمكنني أن أضيف أن تأثير الرافد الماركسي عليه لم يكن قليلاً، لكن قراءته له لم تكن تقليدية، بل كانت نقدية.

إن الروافد الثلاث التي اجتمعت في شخص وميض، تعايشت وتكاملت واتّحدت في جامع أساسه الوحدة والصراع، وساهم ذلك في إكساب المرونة والانفتاح على شخصية وميض، الذي اجتمعت فيها كل هذه المتناقضات، لتؤلف هارموني إنساني شديد الحساسية، أساسه هو قلق وميض نظمي، المعرفي وعدم استقراره عند فكرة محدّدة، وبحثه المستمر عن الجديد.

وفي التناقض ثمة تجاذب (وحدة وصراع الأضداد)، وكل ذلك جعل وميض خزّاناً لتفاعل كيميائي غريب وعجيب، فأنتج شخصية مؤثّرة ومحبّبة وحيويّة ومتفاعلة لكل من عرفه، وبقدر ما كان يصغي ويستمع ويسأل، كان حين يتحدّث يفرض على الآخر الإصغاء إليه، لأن ما كان يقوله كان عميقاً وصميمياً، إضافة إلى ذلك أنه يملك ثراءً وتنوّعاً وتعدّديةً، وربما أكثر من هويّة سياسية في شخصه، وتلك إحدى سمات الاستنارة والتميّز، حيث كان حواره مع النفس مستمراً في إطار مونولوج داخلي.

وفي الحوار مع النفس، يستمر الإنسان في طرح الأسئلة على نفسه وعلى الآخر، والسؤال يولّد سؤالاً، وهكذا كان وميض مزدحماً بالأسئلة، ومملوءً بالقلق الإنساني الذي لم يبارحه ولو ساعة واحدة، فهو لا يعرف الهدوء أو الاستقرار، وكلّما لمعت برأسه فكرة أعاد طرحها لتلمع بعدها فكرة ثانية، فقد كان في رحلة دائمة ومضنية للبحث عن الحقيقة، ومع كل بحث كانت أسئلته تزداد وقلقه يتعمّق.

- VI -

كان وميض نظمي مع الشيوعيين، يبدو قومياً عروبياً وحدوياً راسخاً، ومع القوميين والبعثيين، كان أقرب إلى الماركسي المؤمن بالصراع الطبقي وبنظرية التطور التاريخي وتعاقب المراحل وفائض القيمة وبالجدلية الماركسية. ومع الأكراد هو العروبي المتمسّك بالدعوة للوحدة العربية كركن أساس من أركان المشروع النهضوي العربي، إلاّ أنه في الوقت نفسه مؤمن بحق تقرير المصير للشعب الكردي، وداعية حوار مع ممثليه، وربطته علاقات وطيدة مع بعض قيادييه ومثقفيه.

 وفي سنواته الأخيرة بدا ذلك العروبي، اليساري، متأثراً بالجو السائد، أقرب إلى إعادة قراءة الإسلام قراءة حداثية جديدة لاستلهام التراث وضمّه إلى المنظومة المعرفية المؤمنة بالإسلام كقيم عليا، والذي يعتبر الإسلام أحد المراجع الأساسية للدستور. وإذا كان ما هو حداثي وليبرالي يتصدر منظومته الفكرية الملقحة بالعدالة الاجتماعية، فإن ذلك لم يمنعه من الإقرار بمرجعية الإسلام، وهو ما لمسته منه وبقناعة عند إعداد الدستور المنشود العام 2005 في إطار تكليف من مركز دراسات الوحدة العربية، بالتعاون مع يحيى الجمل وخليل الكبيسي، وعصام نعمان ووميض نظمي (نفسه) وكاتب السطور (المقرر والمحرّر الأساسي للنص).

كان وميض يشعر بالتكامل مع الآخر وليس بالتفاضل، وبالتكافؤ وليس المغالبة، ويبحث عن الإيجابيات لدى الآخر وليس عن السلبيات وحدها، وإن شخّصها فالهدف هو تحويلها كيما تصبح إيجابيات، والتخلّص منها لكي يحصل الاقتراب، فهو حيثما عمل لم يفكّر بالتباعد، قطعاً، وكان يعتقد أن من يبحث عن التنافر والتصادم لا بدّ أن يكون ضعيفاً، وعلى العكس من ذلك، فمن يبحث عن التقارب والتعاون هو الأقوى، وكان وميض من المجموعة الثانية، حيث يشعر بقوّة المنطق وقوة الحجة وقوة الحق لديه، لذلك كان ميّالاً للسلم والحوار واللاّعنف.

- VII -

حين قرّر وميض الدراسة في إنكلترا، فهناك عدّة أسباب، أوّلها: أنه أراد أن يتفرّغ للعمل الأكاديمي والبحث العلمي، خصوصاً بعد الإحباط العام الذي أصاب الحركة السياسية العراقية، إثر صراعاتها غير المبدئية، وثانيها أن الانشقاقات التي ظهرت في الساحة السياسية ضربت الجميع بلا استثناء، وكان ذلك مدعاة لتشاؤمه، وهو "تشاؤم الواقع"، وإن كان غرامشي قد ربطه بـ"تفاؤل الإرادة"، بهدف تجاوز الواقع، وذلك ما يذكرني بمقولة الكاتب والمسرحي السوري سعد الله ونّوس، الذي قال وهو يصارع مرض السرطان: "إننا محكومون بالأمل".

كان وميض يفرش خريطة الأحزاب السياسية أمامه ليعلّق "إننا نرى الشيء وضده" ويبدأ بطريقته النقدية المحبّبة في الحديث عن انشقاق حزب البعث إلى يسار ويمين حسب الاصطلاحات السائدة، بعد سلسلة من التشكيلات: قيادة تنظيم القطر، حزب العمال الثوري العربي، حركة الكادحين العرب (ولاحقاً المنظمة العمالية التي التحق معظم كادراتها بالقيادة المركزية للحزب الشيوعي)، ولكن الأبرز في ذلك كان تنظيم القيادة القومية (ميشيل عفلق – وعراقياً الرئيس البكر – صدام حسين) والتنظيم "اليساري" الموالي لسوريا (محمد عمّار الراوي – فؤاد شاكر – أحمد العزاوي لاحقاً).

ثم الحزب الشيوعي (اللجنة المركزية) والقيادة المركزية (عزيز الحاج) وخلالهما كتلة إبراهيم علاوي، وقبلهما تنظيم اللجنة الثورية (سليم الفخري). أما الحركة الكردية فقد كانت منشطرة إلى (الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الملاّ مصطفى البارزاني والمكتب السياسي بقيادة إبراهيم أحمد – جلال الطالباني).

أما التنظيم القومي (الاتحاد الاشتراكي) فقد تشظّى إلى عدّة جماعات: الرابطة القومية (يوسف الخرسان – هشام الشاوي)، مؤتمر القوميين الاشتراكيين (إياد سعيد ثابت) حزب الوحدة الاشتراكي (صبحي عبد الحميد – رشيد محسن)، الحركة الاشتراكية العربية التي انقسمت إلى حزب العمل الاشتراكي العربي (فؤاد الركابي – هاشم علي محسن)، ومجموعة عبد الإله النصراوي، التي استمرت على اسم  الحركة، إضافة إلى شخصيات قومية لها ثقلها مثل أديب الجادر وخير الدين حسيب وعبد الكريم فرحان وآخرين.

في ظل هذه الأجواء وبعد فشل قيام جبهة وطنية، لا سيّما بعد عدوان 5 حزيران (يونيو) العام 1967، وعدم نجاح الإضراب الطلابي الذي قادته أربع قوى أساسية في تحقيق أهدافه، والقوى هي: الشيوعيون (وبالدرجة الأساسية مجموعة القيادة المركزية) والبعث السوري (اليساري) والحركة الاشتراكية العربية (قبل انشطارها) وبقية القوى القومية، والحركة الكردية بجناحيها، كلّ هذه الأجواء كانت ضاغطة على وميض، فقرّر السفر إلى لندن، تخلّصاً من أي مواجهات قد لا تحمد عقباها، وخصوصاً بعد انقلاب العام 1968.

في مطلع السبعينات كان وميض كتلة متحركة على جميع الصعد، للتضامن مع الشعب العربي الفلسطيني وفي دعم قضايا التحرّر العربي وصمود مصر وسوريا بوجه العدوان وسياسة الاستنزاف، إضافة إلى الدفاع عن القضايا المهنية للطلبة العرب وحقوقهم والاعتراف بهم، ولهذه الأسباب اقتنعت جميع الأطراف بترشيحه لرئاسة اتحاد الطلاب العرب في المملكة المتحدة. وكانت فترته، كما كنت أتابع الفترة الذهبية التوحيدية الجامعة للاتحاد على الصعيد السياسي والثقافي والفكري والمهني.

وفي العام 1972 (ربما أواخر العام) كتب لي وميض رسالة إلى براغ، سألني فيها ما إذا بإمكانه الدفاع عن أطروحته (وهي عن ثورة العشرين)، في إحدى جامعات براغ الرصينة، وقد أمهلته عدة أسابيع لأجري الاتصالات اللاّزمة، وفعلاً قمت بما يجب، حيث اجتمعت مع أستاذتي للعلاقات الدولية المشرفة على أطروحة الماجستير التي كنت أقدّمها في ذلك الوقت الدكتورة هيبنروفا (عضو مجلس السلم والتضامن التشيكوسلوفاكي آنذاك) وأحالتني إلى قسم الأجانب، وراجعت بصفتي رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين، القسم وسألت عن الموضوع، وطلبوا الاختصاص والامتحانات التي أدّاها وعنوان الأطروحة وسبب المشكلة، إضافة إلى التزكية السياسية، وكتبت له بهذا الخصوص بعد تبادل الرسائل بيننا، وفي آخر رسالة أخبرني بأن المشكلة التي حدثت مع أستاذه بخصوص بعد استنتاجات الأطروحة تم تسويتها، ولم تعد هناك حاجة للاستمرار بالإجراءات.

وكنت قد أبلغته أنه من المحتمل مجيئي إلى بريطانيا، خلال مهرجان جمعية الطلبة العراقيين في المملكة المتحدة (السنوي)، وصادف ذلك في أبريل (نيسان) العام 1973 في مدينة توركي Torquay، واتفقنا على اللقاء، وقال إن اتحاد الطلبة العرب يدعوك لإلقاء محاضرة، وحدّدنا العنوان على ما أتذكر، وقبل سفري بثلاثة أسابيع كتبت له أعلمه بموعد وصولي، ولكن للأسف حدث ما لم يكن بالبال، ففي 6 نيسان (أبريل) اغتيل خاله باسل الكبيسي في باريس على أيدي عملاء الموساد الإسرائيلي، واضطرّ هو للسفر إلى هناك، وقد سافر مع الجثمان إلى بغداد، وذهبت للمشاركة في المهرجان وفي الإشراف على جمعية الطلبة العراقيين في إنكلترا، ولكن لم ألتقِ وميض.

تراسلنا بعدها وأرسلت له رسالة تعزية، ثم حان موعد سفره إلى العراق العام 1974 بعد أن دافع عن أطروحته المتميّزة، وودّع حسبما علمت من الأخ سعيد سطيفان مسؤول منظمة الحزب الشيوعي في بريطانيا، بأحسن توديع يستحقه.

أعود إلى أطروحة وميض "ثورة العشرين – الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية الاستقلالية" والتي طبعها بهذا الاسم، مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت العام 1984، والتي تناولت بناء الدولة العراقية، فقد أبرز فيها دور رجال الدين الشيعة على نحو جلي، إضافة إلى إضاءته موضوع الوحدة الوطنية العراقية، دينياً مذهبياً وقومياً، وهو ما ظل يدافع عنه باستمرار.

وخلال الحرب العراقية – الإيرانية 1980 - 1988 نشر مقالات في مجلة "المستقبل العربي" التي يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية بإدارة مؤسِّسه الدكتور خير الدين حسيب، عن عروبة الشيعة ودورهم في الحركة الوطنية، الأمر الذي أثار عليه ردود فعل داخلية بالأساس وأمنية بالدرجة الأولى، حيث ظل يعيش قلقاً لبضعة أشهر، كما أخبرني خلال لقاءاتنا المتكررة، خصوصاً وقد راجت خلال تلك الفترة دعوات مفادها أن إيران عدو دائم، وأن الصراع معها تاريخي وتناحري، وهو ما جرى التنظير له خلال الحرب التي أطلق عليها اسم "القادسية الثانية"، تيمّناً بالقادسية الأولى.

ربما لا يزال البعض مستمراً ومقتنعاً حتى الآن، بمثل تلك الأطروحات، التي زادها حساسية صعود "الشيعية السياسية" الموالية لإيران وتسلّمها مقاليد الحكم في العراق بعد الاحتلال الأمريكي العام 2003، إضافة إلى تعاظم النفوذ الإيراني، لكن ذلك شيء ومحاولة ربط شيعة العراق العرب بإيران شيء آخر، وهو ما يذهب إليه بعض المتعصّبين إلى درجة "تعجيمهم" للشيعة العرب، والتعامل معهم بالجملة باعتبارهم "طابوراً خامساً"، باستثناءات محدودة، وهو رأي يعارضه بشدة وميض، استناداً إلى قراءة مختلفة لخريطة الصراع الدولي وذيولها الإقليمية، وخصوصاً الصراع العربي – الإسرائيلي.

انقطعت الصلات بيننا فهو في بغداد وأنا في براغ، حتى عدت إلى بغداد، بعد دفاعي عن أطروحتي للدكتوراه وتخرجي في العام 1977. وفي بغداد، ولا سيّما خلال السنة الأولى وقبل التحاقي بالخدمة الإلزامية، دعانا حسن شعبان بحضور غضبان السعد وكاظم السماوي ووميض نظمي وعدد آخر من الأصدقاء إلى بيته، كما أقام محمد حسين رؤوف دعوة لي في بيته، دعا لها ماجد الرضا وحسن شعبان ووميض وعدد آخر من الأصدقاء، وكان رؤوف قيادياً في الحركة الاشتراكية، وقد أرسل لي أوراقه للحصول على قبول 1971، وقدمنا له زمالة دراسية في العام 1971 – 1972، ولكنه بعد عدّة أشهر قرر العودة إلى سوريا ومنها إلى بغداد، تاركاً العمل السياسي، حتى أطيح بالنظام العام 2003 واحتل العراق، فقرر معاودة نشاطه، لكن قتل بعد سنتين ونيّف من الاحتلال.

وكانت الدعوة الكبيرة قد أقامها لي وميض في نادي نقابة المحامين، وأتذكر أنه سألني من يمكن أن يدعوه من الطلبة السابقين في إنكلترا، فقلت له: إن لبيد عبّاوي وصل قبل أيام وكذلك رائد جاهد فهمي كان قد عاد. ودعوت حميد برتو كما دعا وميض، حسن شعبان وعدد آخر من الأصدقاء.

ومن الطرائف أن وميض كان ناقداً للممارسات السلبية للنظام القائم آنذاك وهو أستاذ في جامعة بغداد، في حين كان بعض رفاقنا مدافعين أشدّاء حتى عن الأخطاء والممارسات السلبية، وهكذا انطبق علينا المثل الذي يقول: "ملكيون أكثر من الملك".

- VIII -

خلال الجلسة أسرّني وميض بأن ضغوطاً تمارس عليه للعودة إلى حزب البعث، وينقلون لهم كلاماً على لسان السيد النائب صدام حسين حينها، وكان هو بمثابة صديق شخصي له، فقد استقبله عند هروبه إلى القاهرة، وقام بإسكانه معه لعدّة أيام لحين توفير سكن خاص له، وظلّت العلاقة تقوم على الاحترام المتبادل، بغض النظر عن المواقع، وهو ما لم يحاول استغلاله حين أصبح النائب رئيساً، وكان بإمكانه لو أراد أن يصبح وزيراً أو سفيراً، لكنه فضّل العمل الأكاديمي والاستقلالية على جميع الامتيازات التي كان يتهافت عليها كثيرون، بل إن بعضهم أقل شأناً منه حصل عليها.

وفي لقاء خاص بعد هذه الجلسة، قال لي وميض: ماذا تقول في العرض وكيف لي التهرّب منه؟ قلت له ممازحاً: أعتقد لو وافقت لكان الأمر أحسن، وأجابني مستغرباً: أأنت تقول ذلك؟ قلت: نعم، ولكن بشروط، فقال: ما هي الشروط التي أشترطها عليهم؟ قلت له: الشرط الأول: أن تحتسب مدّة الانقطاع مستمرة لأغراض "الترفيع"، وبهذا المعنى يحق لك أن تكون عضواً في القيادة القطرية، وكثيرون ممن هم في القيادة آنذاك كانوا قد انقطعوا عن العمل لسنوات، بل إن بعضهم كان موقعه ضعيفاً.

أما الشرط الثاني، فهو أنك تستطيع حماية ثلاثة أشخاص من الملاحقة؟ فسألني من هم؟ قلت: اثنان أنت تختارهم والثالث أنا، وضحكنا كثيراً، وكان يستعيد تلك الشروط "الجهنمية" كما يسمّيها حين نلتقي، وهو ما استعدناه في جلسة على الغداء دعوته إليها مع باقر إبراهيم (أبو خولة) في بيروت في مطعم الكبابجي الشعبي الذي يحبّه كثيراً.

ظلّ يسأل عني حين غبت عنه لأدائي للخدمة الإلزامية، وهو شديد الحساسية لخصوصية وضعنا، فلا يحاول الاستفسار مباشرة أحياناً. وكانت صلتي قد انقطعت بالعالم الخارجي تماماً، وكان يسأل حسن شعبان عني، الذي كان يطمئنه طالما لم يحدث شيء ذو بال، فالخبر السيىء يصل بسرعة كما يقال.

بعد انفكاكي من الخدمة الإلزامية، وكانت الموافقة على تعييني قد صدرت قبل أكثر من عام ونيّف على ملاك جامعة بغداد، كلية القانون والسياسة، وبسبب عدم الموافقة على انتدابي طيلة أكثر من عام، علمت بتنسيبي إلى مركز الدراسات الفلسطينية بصفة تدريسي، وظلّت علاقتي مع المركز قائمة إدارياً، حسب كتاب الموافقة على تعييني الأول والمنسّب إلى المركز، ولكنني لم ألتحق بعد انتهاء مدة الخدمة الإلزامية التي كان متبقّياً منها نحو ستة أشهر، ولكنني لم أكملها بعد صدور قرار من مجلس قيادة الثورة يسمح بدفع البدل النقدي، وهو ما بادرت إليه على الفور. ويبدو أن تلك الإجراءات والتعليمات والقوانين التي جرى إعدادها بخصوص العسكريين والهاربين والغائبين والمفقودين، كانت تمهيداً للحرب العراقية – الإيرانية.

حين علمتُ أن وميض أصبح مديراً للمركز بالوكالة، قررت الذهاب إلى بيته، وهناك فوجىء بمجيئي وبالتغييرات التي طرأت عليّ، سألني هل أنت مطارد؟ قلت له: أنا موظف عندك، فضحك، قال: أتمزح؟ قلت له: منذ أكثر من سنة ونيّف، وأطلعته على كتاب تعييني، قال: لقد استلمت المركز بالوكالة، وسيكون الأمر لمدة محدودة، ثم سألني: كيف يمكنني مساعدتك، وبماذا؟ قلت له: أنهيت الخدمة الإلزامية، ولا بدّ لي من الالتحاق بالعمل الذي نُسبت إليه، وإلاّ سأعتبر مستقيلاً بعد إنذاري. ما أريده هو أن ألتحق رسمياً وأن تمنحني موافقة نظامية للسفر ضمن الإجازة الصيفية.

فكّر قليلاً، ثم قال: أنت تطلب حقاً، وأنا أتصرف ضمن صلاحيتي وفي إطار القانون، وأردف ذلك بالقول: غداً نلتقي في المركز و"تدلَّل"، قلت له: أرجو أن لا أسبب لك إحراجاً، قال: أبداً، والمسألة نظامية وهي بيننا (بين مدير المركز وتدريسي وهي مسألة طبيعية)، قلت له: غداً سأسجل مباشرة، وبعدها بأيام سأمرّ عليك للحصول على موافقة السفر، ضمن العطلة الصيفية لأساتذة الجامعة، وإن كان الوقت المتبقي منها قصيراً؟ وحصل ذلك بالفعل. أتذكّر وأنا أمدّ يدي لأستلم الورقة التي انزلقت من بين أوراق كثيرة كانت أمامه ولا تزال صورتها محفوظة لدي، ودّعني بابتسامة ودون كلام لأنه كان يعرف أنني لن أعود.

عند حصولي على موافقة السفر وإجراء معاملة تأشيرة الخروج بسهولة ويُسر (كأستاذ جامعي)، ذهبت إلى المركز لأودّعه قبل سفري بيوم واحد، وكنت قد غيّرت مكان سكني، تحوطاً لأي احتمالات، لكنني لم أجده.

قبل سفري بأسبوع، ودّعت رياض عبد عيسى الزهيري الذي كان معي في الخدمة الإلزامية، حيث توجّه إلى دمشق، وبتشجيع مني، وكنت قد أعطيته بعض العناوين والأسماء، لأنني أعرف وضعه وما حصل له، كما ضربت له موعداً في مقهى الحجاز بالشام، مع إشارة بمن سيتصل به، وسألني كيف لي أن أعرفه، قلت له: إنه يعرفك، وهو سيبادر بالكلام معك. وكنت أرغب في مساعدته بالحصول على عمل كأستاذ جامعي بالجزائر وهو من المختصّين القلائل البارعين والأساتذة القديرين في القانون الإداري.

ومضى الأسبوع وهو ينتظر حتى حان موعد اللقاء، فذهب في اليوم المحدّد وفي الساعة المحدّدة ليجلس في المقهى المذكور وأخذ يتلفت يميناً ويساراً، وإذا بي أدخل إلى المقهى وكان أول من استقبلني هو الشاعر عزيز السماوي، وبصوته الجهوري قال: أهلاً أبو علي (الحمدلله عالسلامة). فالتفت رياض مندهشاً عندما سمع اسمي، لكنه تنفّس الصعداء، وضحكنا كثيراً، وتذكرنا الأصدقاء والأعدقاء وتلك الأيام التي لا تنسَ، مستحضرين ذكر الأسماء الطيبة والنزيهة والإنسانية، وفعلاً أرسلنا أوراقه مع توصيات إلى الجزائر حيث تم قبوله، فغادرنا للعمل، وكنت قد حصلت على موافقة للعمل أيضاً في إحدى الجامعات، كما حصلت على تعيين للعمل في سوريا، في وزارة العمل، ولكن قيادة الحزب الشيوعي، طلبت مني التفرغ لاستلام مسؤولية العلاقات الوطنية والعربية وخصوصاً مع القيادة القومية في سوريا، إضافة إلى مسؤوليات أخرى.

لم أنسَ مساعدته تلك التي يعتبرها "طبيعية"، وضمن حدود القانون والصلاحيات الممنوحة له، ولكنني حرصت ودفعاً لأية حساسيات أو ردود فعل أو تفسيرات بدعم معارضين وما شاكل ذلك أن أتجنّب الحديث عنها، مثلما تجنّب هو الآخر، وكأننا باتفاق ضمني (اتفاق جنتلمن). فهو من جانبه لم يذكّرني يوماً حتى عندما نكون وحدنا بذلك، علماً بأن رغبتي كانت جامحة بأن أبوح للجميع بما قدمه لي، وعلى أقل تقدير للمقرّبين مني. واستمرّ الأمر حتى بعد أن زالت المحاذير، فلم أذكر ذلك إلاّ الآن فقط، وبعد رحيله، وذلك إقراراً مني بدوره واعترافاً بجميله واستذكاراً لمواقفه الجريئة، فوميض المثقف، الشفاف، الجاد، تجتمع في خصاله الذاتية: البساطة جداً لدرجة الزهد، والصدق جداً لدرجة الطفولة، والشجاعة جداً لدرجة التضحية بالنفس.

            باستعادة تلك الأيام وأنا أستذكر اللحظة الأخيرة التي تقابلنا بها قبل مغادرتي بغداد العام 1980، حين التقت عيناي بعينيه، أدركت كم هو كبير هذا الرجل، وكم هو منسجم مع نفسه، وكم يكون الإنسان سعيداً حين يكون باتساق بين عقله وقلبه وضميره، وأظن أن الشاعر الجواهري هو الذي قال: ألا ليت الإنسان ينسجم مع نفسه دائماً!!.

- IX -

كان وميض قد سأل عني عامر عبد الله في براغ العام 1983 خلال حضورهما المؤتمر الذي دعا إليه مجلس السلم العالمي، خصوصاً وقد علم أنني كنت منسقاً لأعمال اللجنة الوطنية للسلم التي أسسناها بالشام تمييزاً لأنفسنا عن مجلس السلم والتضامن العراقي. وقد ضممنا إليها الأعضاء السابقون، إضافة إلى مجموعة جديدة من الخريطة السياسية والثقافية العراقية، بينهم الجواهري ومحمود صبري وعلي الشوك، وكان قلقاً بعد أن سمع بما جرى لنا في مجزرة بشتاشان، على يد الاتحاد الوطني الكردستاني "أوك" وقد عرف أنني التحقت بفصائل الأنصار الشيوعية في مهمة إعلامية وفكرية، وهو ما أصبح متداولاً وإن على نحو محدود، وطمأنه عامر عبد الله بأنني بخير، وقد وصلت إلى دمشق، وسأتوجّه إلى موسكو للعلاج، بعد أن نجوت من المذبحة.

وحين تأسَّست الجمعية العربية للعلوم السياسية العام 1987 بمبادرة من خير الدّين حسيب، كان لوميض جهد كبير فيها، وقد ترأسها لدورتين، وكان اجتماعها الأول في قبرص، وقد أطلعني جورج جبور على مسعاه بهذا الاتجاه، مثلما دعا لتأسيس علم سياسة عربي، وكان قد سألني إن كان لدي مانعاً من حضور المؤتمر، حتى ضمن الوفد السوري،  فاعتذرت لكي لا تختلط الأمور. وأستطيع القول إن فترة إدارة وميض كانت الأكثر حيويةً وتنوّعاً في الأنشطة والفعاليات والدراسات والنشر، بما فيها حيوية المجلة التي تصدرها. وهو ما كنت أتابعه من خلال ما ينشر.

وفي أواخر الثمانينات التقى ماجد عبد الرضا في براغ، وأخبرني ماجد أنه سمع كلاماً مهمّاً وموضوعياً، وخصوصاً بعد انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية، وكان وميض قد نشط بعد حرب قوات التحالف ضد العراق العام 1991، إثر غزو القوات العراقية للكويت، مع مجموعة من الشخصيات الوطنية العراقية، بينها عدّة شيوعيين من الذي عادوا إلى العراق ومعظمهم بسبب خلافات داخلية، منهم: ماجد عبد الرضا وحسين سلطان وخليل الجزائري وخالد السلام، إضافة إلى حسن شعبان وسعد ناجي جواد ودريد سعيد ثابت (في بغداد)، وكانت المجموعة متحرّكة، يدخل فيها واحد ويخرج منها آخر، لكنها عُرفت باسم "مجموعة الثمانية".

وكانت المجموعة تسعى للحصول على جريدة، وقابلت لهذا الغرض وبترتيب من وميض، طارق عزيز، لشرح توجهاتها وكونها ليست تنظيماً، وإنما مجموعة من الشخصيات الوطنية المتنوّعة المشارب، التي تسعى لتقديم رؤيتها إزاء الأوضاع بما يعزز النهج الوطني، ويساهم في مواجهة التحديات الخارجية. وقد طلب طارق عزيز من المجموعة تأسيس حزب لتتم إجازته في إطار توجهات كانت قد أعلنت عنها السلطة في حوارات قيادية تم تسريبها إلى مجلة "اليوم السابع" في باريس، وقد ناقشت المجموعة المسألة وتفاوت الرأي حولها بين الموافقة عليها أو الاستمرار في طلب منح امتياز لإصدار جريدة تحمل اسم "الإخاء الوطني"، ولكن سرعان ما دبّت الخلافات بينها أيضاً، خصوصاً حين شعرت أن الأجواء لا تزال ملبّدة بالغيوم، وأن السلطة غير مستعدّة لتقديم أي تنازل مهما كان بسيطاً، واكتفت بإرسال بعض المذكرات بين حين وآخر ثم توقفت.

وفي إحدى زيارته للقاهرة، وكنّا نحضر مؤتمراً مشتركاً، ناقش معي الفكرة، وقلت له: إن الحكم غير جاد، وورطة لكم إصدار جريدة، فماذا ستكتبون؟ وكيف سيمكنكم أن تتحاشوا صور الرئيس وتصريحاته؟ وستكون كل كلمة محسوبة عليكم، وحتى لو كان الأمر جاداً من جانب السلطة في منحكم جريدة، فعليكم الاعتذار بحجة عدم وجود كادر وعدم توفر رأسمال، كما أن المسألة تحتاج إلى تفرّغ ليس بمقدور المجموعة تحقيقه، علماً بأن حسن شعبان كان قد اختير لرئاسة تحرير الجريدة.

قلت له: من الممكن أن تطلبوا إصدار مجلة فكرية فصلية (كل 3 أشهر أو 4 أشهر أو 6 أشهر) تناقشوا فيها قضايا نظرية عامة، لنشر الوعي الديمقراطي والثقافة الحقوقية، وهو بنظري أجدر لكم، ولكن قبل كل شيء هل النظام مستعد لفتح صفحة جديدة وإقرار التعددية فعلاً وإطلاق حريّة ولو محدودة للأحزاب للعمل الشرعي القانوني، وحل المسألة الكردية وإعادة المهجرين وانتهاج سياسة عربية وإقليمية جديدة، وإعادة النظر بالدستور وبمسألة الحزب القائد؟ أم هناك نوعاً من الاستهلاك والتسويق المحلي والدولي، بسبب فشل مغامرة الكويت والرغبة في امتصاص النقمة الداخلية؟

ولديّ مراسلات مع خليل الجزائري بهذا الخصوص، وأحتفظ بعدد من رسائله، يمكنني نشرها في وقت مناسب، وهو الذي راح ضحية مقابلة تلفزيونية قال فيها: إنه مع معارضة دستورية ويدعو لحل سلمي للقضية الكردية، وبالتفاوض مع القيادات الكردية. وكان قد عاد إلى العراق بعد عودة ماجد عبد الرضا وحسين سلطان قبله.

وكنّا خلال فترة الحرب العراقية – الإيرانية وما بعدها قد جرّبنا أن ننصح النظام، وأن نبحث معه وإن كان على نحو مباشر أو شبه مباشر أو حتى غير مباشر إمكانية تحقيق مصالحة، والانفتاح على القوى الأخرى لإعادة الإعمار وبناء ما خرّبته الحرب، والانطلاق في طريق التنمية، لكننا وصلنا إلى طريق مسدود سواء في كتلة "المنبر الشيوعية" أو في "مجموعة باقر إبراهيم وعامر عبد الله" وغيرهما من القيادات الحزبية التي كانت بصدد مراجعة لمواقفها، وخصوصاً من الحرب العراقية – الإيرانية والمشروع الحربي والسياسي الإيراني، الذي عارضناه بشدّة كما هو معلوم.

كما أن لبعض أطراف الحركة الكردية محاولات أخرى في الثمانينات، منفردة ومجتمعة، لكنها هي الأخرى فشلت في حلحلة مواقف النظام، وقد بذل مكرّم الطالباني جهوداً كبيرة للوساطة، بما فيها مع الشيوعيين، وقد فشلت جميع تلك الجهود.

- X -

أتذكّر أننا التقينا في القاهرة على هامش ندوة حقوقية – إعلامية نظمها اتحاد الصحفيين العرب والمنظمة العربية لحقوق الإنسان العام (1999) لتدريب إعلاميين على الثقافة الحقوقية، وحقوقيين على الثقافة الإعلامية، وحدث شيء مثير في تلك الندوة، فحين تكلّم جاسم القطامي وهو شخصية قومية عربية كويتية مرموقة، ووصل إلى الحصار على العراق وموت مئات الآلاف من الأطفال، تهدج صوته وبكى بصوت عالٍ، فما كان من ناصر العبد العال زميله ورفيقه إلاّ أن أخذ الورقة من يديه وأكمل قراءتها.

في القاهرة دعانا الأخ حلمي شعراوي رئيس مركز البحوث العربية – الإفريقية، لإلقاء محاضرة عن العراق وظروف الحصار، وقدّمنا كأكاديميين ومفكرين عراقيين، بل معارضَين، حيث قال: إن وميض هو من معارضة الداخل وشعبان هو من معارضة الخارج، لكنهما يلتقيان عند نقطة أساسية وهي أن التغيير ينبغي أن يكون بأيدي عراقية، وأنه حق للشعب العراقي وحده دون سواه، إضافة إلى دعوتهما لقيام نظام ديمقراطي تعددي، وهما يلتقيان عند موقف موحّد إزاء الحصار الدولي المفروض على العراق ويرفضان القرارات الدولية ونظام العقوبات الذي يقع على كاهل العراقيين وليس السلطة.

وقد أصدر المركز لاحقاً: المداخلتين بكرّاس، وضمّ إليهما مقالة كان قد كتبها عزيز الحاج في وقت سابق عن التركيبة السياسية العراقية، ومقالة أخرى كتبها جورج غالاوي، وصدر الكراس بعنوان: "العراق تحت الحصار" وكانت الطبعة الأولى في العام 1999، وصدرت طبعة ثانية عشية غزو واحتلال العراق (مارس – آذار 2003).

وفي القاهرة أيضاً، طلب مني وميض في إحدى المرّات اللقاء مع أحمد الحبوبي الوزير السابق والعروبي المعارض، فاتصلت به، ورحّب بذلك، ثم قمنا بزيارته في بيته، ودخلنا في حديث وحوار متشعب، وإن كنا من منابع مختلفة، لكن ما يجمعنا هو الكثير من المشتركات، وأظن ذلك كان يزيده حزناً، ولم تمنعه ظروفه وهو الذي يعيش في بغداد من لقاء معارضين للنظام. وكان حريصاً حتى بعد الاحتلال على متابعة موقف الحبوبي لأن لديه تقييماً ورمزية لبعض الشخصيات لوطنيتها ونزاهتها، وهو ما كان يبحث عنه.

جدير بالذكر أن وميض لعب دوراً مشرّفاً أيام الحصار الدولي الجائر المفروض على العراق، حيث كان على رأس مجموعة متطوّعة، عملت خلال أكثر من عشر سنوات على التخفيف من تبعات نظام العقوبات، حيث كان ينتقل بين عمان وبغداد بالحافلات (السيارات الكبيرة) ولساعات طويلة، في ظروف مناخية وصحية قاسية، بهدف جمع التبرعات وتوفير ما يمكن توفيره من الأدوية للمحتاجين، خصوصاً وأن زوجته طبيبة، وكم استطاع إنقاذ عشرات بل ومئات العوائل من موت محقق، بسبب عدم الحصول على المضادات الحيوية أو بعض الأدوية الضرورية. إذا كان التاريخ سيسجل ما قام به وميض على الصعيد السياسي والفكري، فإن مساهمته الإنسانية في مساعدة الناس البسطاء ستضيف الكثير إلى رصيده.

في إحدى اللقاءات وأعتقد أنها في بيروت أو القاهرة، كان وميض قد أعطى تصريحات لإحدى الصحف حول مقتل محمد صادق الصدر، وحلّل الموقف والاحتمالات والتداعيات، وقد سألني عن رأيي ، فقلت له: ليس لديّ ما أضيفه بخصوص التحليل والتوجّه وموضوع المرجعيات، باستثناء النبرة الجازمة، وكحقوقي لا أستطيع الجزم بخصوص المرتكب، حتى وإن توفرت لديّ بعض القرائن أو المؤشرات، لكنها ليست كافية لإصدار حكم حول هويّة الجاني.

وكان وميض قد ذكر ثلاث احتمالات هي: الأول هو احتمال جهات خارجية، وقد يكون من بينها الموساد الإسرائيلي، والثاني احتمال تصفيات داخل المؤسسة الدينية (الشيعية – السياسية) بسبب الاختلافات بين توجهات بعضها البعض، خصوصاً وبعضها في الخارج ولا سيّما في طهران، والآخر في الداخل، والخلافات والاتهامات كانت على أشدّها بين الطرفين. والثالث قد يكون الموضوع غير سياسي أي شخصي أو عمل إجرامي فردي، وكل هذه الاحتمالات ممكنة وواردة.

وأقدّر أن ثمة في الأمر خشية من اتهام الحكومة العراقية أو حتى وضعها في دائرة الاتهام، حتى وإن كان بصورة غير مباشرة، وهذا لم أطلبه من وميض بالطبع، ولكن كان من الممكن القول إن هناك جهات أخرى مستفيدة في إسكات صوته، وعلى التحقيق الحكومي أن يكشف ذلك، علماً بأن الأمر يخلق فتنة، فلا بدّ من تحقيق نزيه وتقديم المرتكبين إلى العدالة. نظر إليّ وميض من خلف نظارته، وعلى طرف شفتيه ابتسامة خفيفة، وقال: لو كنت مكانك لقلت ذلك. فقمت وقبّلت رأسه.

وأذكر حادثة ثانية لها دلالة، فعشية غزو العراق انعقد مؤتمر في بيروت، وكنت قد طلبت الكلام على غير عادتي قبل بدء الجلسة، إذْ نادراً ما أتحدث في المؤتمرات العامة، لكنني كنت أريد أن أوجه كلمة للتاريخ، حيث كنت أشعر أن العراق موضوع على طاولة التشريح، فعسى أن تكون تلك الكلمات مساهمة مع غيرها في تغليب صوت العقل والحكمة.

كنت أعرف توجّه المؤتمر وإدارته، إضافة إلى بعض المزاودات التي ستُقال فيه، والخطابات الرنانة وارتفاع الأصوات والقبضات، وكأنها تحلّ مشكلة الغزو الإمبريالي – الهمجي الذي يستهدف العراق والأمة العربية ككلّ. انتظرت أن أحصل على الكلام، لكنه تحدث 30 متحدّثاً في الجلسة، ولم أعط "حق الكلام"، وغرّبت وشرّقت الكلمات بلغة بعضها يعود إلى أيام أحمد سعيد وصوت العرب. وللتاريخ أقول: لم يكن العراقيون هم من تحدث، بل كان بعض الأخوة العرب الذين أخذتهم الحماسة، وإن كنت أقدرها وأقدر مشاعرهم، لكن لغة العواطف في مثل تلك الظروف الحساسة ليست هي المطلوبة. كتبتُ ورقة مرّتين إلى الرئاسة أذكّرها بأنني طلبت الكلام قبل بدء الجلسة، ولكن دون جدوى، فما كان مخططاً له قد تم تنفيذه.

في اليوم الثاني، وعلى عادتي في مثل هذه المؤتمرات الكبيرة، والتدافع حول طلب الكلام، كنت أجلس في اللوبي، ولكنني تذكّرت موعداً مع أحد الأصدقاء باللقاء في المؤتمر، فدخلت القاعة لأستدعيه للخروج لنتحدّث، وكان أحد المتكلمين قد انتهى من كلامه، وإذا برئيس الجلسة يفاجئني بأن الكلمة لي.

لم أتردّد وأخذت المايكروفون، وقلت: لا أحد يستطيع المزاودة عليّ في موقفي من الحصار الدولي الجائر، ومن رفضي للقرارات الدولية (ولديّ كتباً بذلك منذ العام 1994 وما بعده)، وكنت قد أعلنت رأيي منذ سنوات طويلة، أنني ضدّ التدخّل الخارجي، لا سيّما العسكري، وأعتبره كارثة حقيقية، واختلفت مع أطراف في المعارضة العراقية بسبب ذلك، ولكنني بصراحة استمعت يوم أمس إلى دعوات ونداءات تزيد من غطرسة الحاكم، وبدلاً من نصحه بالتنازل لشعبه وتحقيق الوحدة الوطنية والمصالحة السياسية والانفتاح وإطلاق الحريّات وحل المسألة الكردية وإعادة المهجرين، فإنني على العكس سمعت كلاماً مغايراً للأسف الشديد.

وأضفت على ذلك: أعتقد أن الحاكم لا يحتاج إلى مثل هذا الكلام، فلديه الكثير الذي يسمعه يومياً. وقلت: إن الحكم في العراق بالنهج السائر عليه من جهة، وبالحشود للحرب ضدّه من جهة ثانية، حيث تُدقُّ طبول الحرب، سينتهي إلى كارثة محققة لا محال، وآن الأوان ولو من باب "الهزيمة المشرفة"، انتهاج سبيل آخر، وذلك مسؤوليتنا كنخب عربية في تبصير الحكّام، ومخاطبتهم في هذه اللحظات التاريخية الحساسّة.

ساد صمت بعد كلامي وبعد دقائق خرجت من القاعة ولحقني وميض، وقال: إنك تعبّر عنا وأنت مثّلتنا جميعاً، وأتذكر أن سعد قاسم حمودي الذي كان حاضراً، تبعني لخارج القاعة وشدّ على يدي، وكنت أرى شفاهه تتحرّك، ولكنني لم أسمع صوته، وهو ما فعله للأمانة نبيل نجم أيضاً، حين صافحني بحرارة متمنّياً لي الصحة والسلامة. أذكر ذلك لأنه مقطع من مشهد عام لا يزال مؤثراً في الواقع العربي. وهو ما كان يحزّ في نفس وميض.

- XI -

لقد كان وميض منذ اللحظة الأولى للاحتلال رافضاً له، وللتشكيلات التي أقيمت على أساسه، وعند عودتي إلى بغداد، في شهر حزيران (يونيو) العام 2003 التقيته، واتفقنا على تحرّك مشترك، كل من موقعه ضدّ الاحتلال، خصوصاً وأن محاضرتي في الجامعة المستنصرية كان لها صدىً طيباً في أوساط عديدة ومن تيارات مختلفة، لا سيّما القوى المناوئة للاحتلال. وكانت بعض الأسماء تتردّد حول إمكانية ضمّها إلى مجلس الحكم الانتقالي الذي شكّله لاحقاً بول بريمر، ومن ضمن هذه الأسماء اسمه، ولكنه كان رافضاً بحزم، خصوصاً بالتشكيلة التقسيمية الطائفية – الإثنية التي أعلن عنها فيما بعد.

التقينا ثلاث مرات عند الزعيم العروبي ناجي طالب الذي استمريت في زيارته كلما زرتُ بغداد، وفي إحداها كان معه صبحي عبد الحميد وعبد الحسين الجمالي، وحضر معنا في إحدى الجلسات الشيخ جواد الخالصي، وهو الذي اصطحبني في المرة الثالثة، وكان وميض قد تأخر، فأرسل لي الشيخ جواد الخالصي، وعجبت حين وجدت الشيخ الخالصي في بغداد دون عمامة، وقد لفّ يشماغاً (كوفية) على رقبته، وجلست بجانبه في السيارة رشاشة كلاشنكوف.

وعلى الرغم من شحّ إمكانية أن يكون ناجي طالب على رأس تشكيلة كان يُراد لها كصيغة انتقالية، لكن ذلك ما أوصلناه للأخ الأخضر الإبراهيمي، الذي طلب ملاحظاتي حول الدستور، وكتبتها وأرسلتها له بالفاكس بعد زيارتي الثانية في تشرين الثاني/ كانون الأول (نوفمبر/ ديسمبر) العام 2003، لكن الأمور سارت باتجاه آخر، وكان الأمريكان قد قرّروا كل شيء، ولذلك كان من العبث، بل السذاجة التعويل على صيغة المحاصصة والتقاسم الوظيفي، وحتى أديب الجادر الذي عمل مع عدنان الباججي توصل إلى هذه القناعة بعد زيارة للعراق دامت عشرة أيام فقط، وغادر، ولم يعد بعدها إلى بغداد على الإطلاق، وكتب مقالة كانت أقرب إلى مرثية للوضع المحزن والمأساوي الذي انحدرت إليه البلاد، حيث الطائفية والمحاصصة والفوضى والعنف والفساد، ونشر ذلك في جريدة الحياة اللبنانية (لندن).

الجلسة مع ناجي طالب ممتعة، فهو كثير الإصغاء وكثير الأسئلة، وكثير التهذيب وكثير التواضع، وكانت أسئلته نابعة من انضباطه العسكري وعقله المنظم، ومن كونه رجل دولة من الطراز الأول، وهو أحد أبرز الضباط الأحرار الذين خطّطوا للثورة.

كنت قد عرّفته بنفسي في أول لقاء، وذلك كي أشكره، حتى وإنْ كان الأمر بعد عقود من الزمان، فقد ساهم في إطلاق سراحي ثم سراح عمي شوقي في العام 1963، ببرقية من الحاكم العسكري العام رشيد مصلح في حينها، لعلاقة والده مع عمي الدكتور عبد الأمير شعبان الذي كان طبيباً في سوق الشيوخ في الأربعينات، واستمرت تلك العلاقة، حيث كنّا نتلقّى أنواعاً من التمور الممتازة سنوياً من الحاج طالب، واستمرت في كل سنوات الخمسينات تقريباً.

وكان وميض قد سأل ناجي طالب مرّة: ماذا لو قررت الأمم المتحدة أن تتولى إدارة المرحلة الانتقالية؟ كان يصمت كثيراً، ثم يعلّق بهدوء، لن أقبل ذلك إلاّ إذا كان هناك إجماعاً من كل القوى التي ستشارك، ووفقاً لبرنامج سأضعه وفي المقدمة منه انسحاب القوات المحتلة من العراق.

حين تأسَّس المؤتمر التأسيسي (الوطني العراقي)، وضمّ شخصيات قومية وإسلامية ووطنية عامة، كان وميض وآخرون يريدونني أن أكون عضواً في أمانته العامة، وهناك من ألحّ عليّ وأنا أحترمه كثيراً، وكان رأيي ولا يزال أن لا أمل في التشكيلات التي تقام على عجالة، لأنها ستنتهي بسرعة، فضلاً عن أنه لم يجرِ حوار جاد بين الأطراف المشاركة، خصوصاً لمعرفة كل منها للآخر، وهو ما سيجعل الألغام كثيرة في طريقها.

يضاف إلى ذلك أن هناك اختلالاً في موازين القوى، وستضطر القوى المعارضة للتعاون مع الجهات الخارجية، إذا أرادت أن يكون له حصة في العراق ضمن ما هو قائم، وهو ما فعلته المعارضة السابقة، مع تغيّر الكثير من الظروف والمعطيات، وبهذا المعنى سنضيع فرصة 20 عاماً أخرى لنعود ونلتقي مع القوى الأجنبية المتنفّذة ذاتها، وإذا كنت قد رفضت ذلك قبل 20 عاماً، فهل سأقبل به بعد 20 عاماً مع العمر والتجربة والخيبات الكثيرة.

وكنت ولا أزال أعتقد أن وسائل التأثير كثيرة ومتعدّدة، ويمكن العمل كل من موقعه وبالاتجاه الذي يراه دون أي صيغ ملزمة أو التزامات مسبقة. ولم تستطع جميع التحالفات الظرفية السريعة الاستمرار سواء تحت عناوين معينة أكانت المقاومة أو غيرها للأسباب المذكورة، ويحتاج الأمر إلى ظرف أنسب ومراجعة أشمل ونقد ذاتي من جميع الأطراف والشخصيات.

وخلال فترة ما بعد الاحتلال كان وميض حريصاً على مواقف الشيوعيين، وكان يتمنى ألاّ ينخرط الحزب الشيوعي في الصيغة الطائفية – الإثنية التي شكّلها بول بريمر باسم "مجلس الحكم الانتقالي". وظل يستفسر عن مواقف بعض الشيوعيين القياديين الذين يعرفهم وبعض الكوادر الحزبية، وغالباً ما كان يتصل بآرا خاجادور، وعندما يفقد رقم هاتفه أو رقم هاتف باقر إبراهيم (وقد عمل معه في المؤتمر القومي العربي، وفي المؤتمر التأسيسي)، يعاود الاتصال بي ليستفسر عنهما، وأعيد إعطائه أرقام هواتفهما، مثلما اتصل بالشام بصاحب الحكيم ومحمد جواد فارس وآخرين. وكان يهمه أن يعلن الشيوعيون موقفاً ضد الاحتلال الأمريكي ويدعون إلى سحب القوات الأمريكية، فذلك ما يجنّبهم أي شرخ أو مساس بالهويّة الوطنية العراقية، وبالمناسبة فقد كان معجباً بموقف المنبر المتوازن من الحرب العراقية – الإيرانية.

ظلّ وميض متشبثاً بالأمل، ولكنه كان يأكل بنفسه، بل يحرق في أعصابه، وكم أتذكر بألم حين اعتدى عليه أحد الأشخاص خلال مناظرة تلفزيونية. كان وميض كبيراً ولم ينجر إلى استفزازات عابرة لهذا وذاك أو لاتهامات ظالمة، فقد كانت نزاهته تصل حد الهوس أحياناً، مع أن الأجواء العامة في السابق والحاضر كانت تتّسم بالالتباس والغموض والتآمر المحموم، كل ضد الآخر. وفي حين كان البعض يختفي وراء عناوين أو واجهات أو مؤسسات، كان وميض واضحاً كالحقيقة وشفافاً كزجاج الكأس، لأنه صاحب مشروع تغيير اجتماعي، لم يجد من وسيلة إلا وطرقها رغم الظروف القاسية، فقد عمل على إصدار جريدة: العرب ثم التيار، وكان يريد أن يوصل الرأي بكل الوسائل المشروعة.

أتذكّر حين سُئلت أكثر من مرة من القيادات الكردية: من يمكن أن أرشحه في بغداد لمشاركة في ندوة الحوار العربي – الكردي؟ وفي كل مرة كنت أقول: عليكم بوميض، وكنت أضيف اسم سعد ناجي جواد لاختصاصه بالقضية الكردية، حيث كانت أطروحته في لندن عنها، وكتب كتاباً ودراسات عديدة. وفي العام 2004 دُعينا إلى ندوة في إربيل عن الحوار العربي – الكردي نظّمها المفكّر الكردي السوري صلاح بدر الدين، منسق جمعيات الصداقة العربية – الكردية، وكان وميض حاضراً، وحين حان موعد اللقاء مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني الذي وضع المنظمون مكاني إلى جانبه، ودخل وميض القاعة ولم يستدلّ على مكانه، فقمت من مكاني وأجلسته فيه.

وحين تكلّم كان مُبهراً، سواء في العرض أو في الموقف، أو في طريقة التناول أو في التأثير، وهو ما دعا البارزاني للإشادة به، وقد أكّد على الأخوة العربية – الكردية والمصير المشترك مع إقراره بحق تقرير المصير، دون أن ينسى التذكير بقضية العرب المركزية فلسطين.

لم أزر بغداد مرّة، وهي زيارات متكرّرة لعشرات المرات خلال السنوات الـ 13 الماضية، إلاّ وزرت فيها وميض، لكي أطمئن على صحته، ولكي أطفىء بعض الشوق لديّ، ولأستمع إلى أحاديثه المملّحة التي تزيدني رغبة بالتواصل، مثلما كنا نضحك لبعض القفشات والنكت.

حين عرف بمرضي اتصل أكثر من مرّة، واطمئن من أخي حيدر، وبعد شهور كلّمني بقوله: كنت أظن أنك آخر من يصاب بالقلب، وإذا بك مثلنا، فقلت له: إن أصحاب القلوب الرقيقة هم أكثر من غيرهم عرضة للإصابة، على عكس ذوي القلوب الغليظة.

ستفقد الوطنية العراقية أحد أعلامها الكبار، وستخسر النزاهة أحد أقطابها البارزين، وذلك بغياب وميض جمال عمر نظمي، أحد الأصوات المتفردة والواثقة من نفسها والمعتدّة بأطروحتها الجدلية، وسيكون حزن المجتمع الأكاديمي كبيراً برحيل أستاذ غير تقليدي، مجدّد وجريء ومبادر ويتقبّل الحوار والرأي الآخر، بل يسعى إليه حتى مع طلبته، وبقدر ما كان وميض معتزاً بفرديته، فلم تكن لديه أوهاماً بأنها بديل عن الجمهور في عملية التغيير، التي كان مؤمناً بها، لكنه يدرك أهمية نضوج الظرف الموضوعي والذاتي، وعدم حرق المراحل كي تحين اللحظة الثورية، التي كان يترقّبها وظلّ يراقبها، لكنها لم تأتِ حتى الآن، مثلما جاءت يوم انفجر العراق من أقصاه إلى أقصاه في 14 تموز (يوليو) العام 1958.

 

 

 

أكاديمي ومفكّر عربي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جريدة الزمان العراقية

 

الأزمة العراقية الراهنة :

مستقبل الدولة

 والسيناريوهات المحتملة

 

عبد الحسين شعبان(*)

 

مـقــدّمــة

يمكن القول إن الدولة العراقية المعاصرة عانت مشكلات أساسية منذ تأسيسها في 23 آب (أغسطس) العام 1921 (أي منذ تسعة عقود ونصف من الزمان)، وظلّت هذه المشكلات تتراكم وتتفاقم، بحيث أصبحت بؤراً مستديمة للصراع، وعقداً مستحكمة تركت تأثيراتها في المجتمع العراقي والحياة السياسية عموماً.

لكن الأزمة الراهنة التي تعانيها الدولة، هي من نوع آخر مختلف، لأن الأمر يتعلّق بمستقبلها: هل تبقى دولة موحّدة أم أنها صائرة إلى زوال بعد تفتيت وتفكيك وتشظٍّ، ومثل هذه الإشكاليات المحورية هي من إفرازات الاحتلال الأمريكي للعراق منذ العام 2003، الذي وضع مستقبل الدولة لا على بساط البحث فحسب، بل أدخلها في دوامة لا تكاد تستفيق منها، فكل أزمة تلد أزمات أخرى، وهكذا بدأت السبل تتباعد أمام وحدتها، الأمر الذي عرّضها من الناحية العملية لتصدّعات كبيرة، وهو ما يضع اليوم عدداً من السيناريوهات المحتملة بخصوص مستقبلها، فلم تعد المسألة تتعلّق بمشكلة الحكم والتمثيل السياسي والاجتماعي، وبما له علاقة بالقضية الكردية، وبعض قوانين التمييز في الجنسية والمواطنة المنقوصة وغيرها، فالمسألة تجاوزت ذلك، ولامست عمق الدولة، بعد أن تغلغلت في جميع مفاصلها.

وكان المسمار الأوّل الذي دقّه الاحتلال لتحطيم الدولة ومؤسّساتها، وليس السُّلطة، هو حلّ الجيش العراقي وقوى الأمن الداخلي بجميع فروعهما، والشروع بالتأسيس لعملية سياسية قائمة على صيغة المحاصصة الطائفية – الإثنية، التي وجدت ضالّتها في تأليف مجلس الحكم الانتقالي في تموز (يوليو) العام 2003، ولا سيّما بتخصيص 13 عضواً منه لما سمّي الشيعة و5 أعضاء لما سمّي السنّة و5 أعضاء لممثلي الكرد وعضو واحد لمن اختير ممثلاً عن التركمان وعضو واحد باسم الكلدو آشوريين.

وعرفت الدولة "الجديدة" التي تأسّست على أنقاض الدولة القديمة، باسم "دولة المكوّنات"، التي ورد ذكرها ثماني مرّات في الدستور. أما "دولة المواطنة" التي كان العراقيون يتطلّعون إليها بعد انقضاء حقبة الحكم الشمولي – الاستبدادي، فقد اختفت مدلولاتها وتضبّبت معانيها، ولا سيّما بعد إقرار صيغة المحاصصة، المستندة إلى الغنائمية وفقاً للنظام الزبائني، وإلى التخادم المتبادل، الذي نَعُمَ المشتركون في العملية السياسية بفوائده وجدواه، عاملين على استمرارها من جهة، وعلى التنافس في إطارها لتوسيع دائرة الامتيازات من جهة ثانية، وهو ما عمل الاحتلال عليه منذ اليوم الأول، ولا يزال هو الحبل السري الذي يربط القوى المشاركة بالعملية السياسية.

إن ذلك يمثّل جوهر الأزمة بجميع فروعها وأجنحتها، وخصوصاً في ما يتعلّق بفلسفة الدولة والقانون بوجه عام والدستور بوجه خاص. وإذا كان الاحتلال صائراً إلى زوال مثلما كان متوقّعاً، فإن خطر الطائفية ظلّ ينخر في جسم الدولة العراقية، ويحفر في كيانها بمعول مسموم، وإذا ما استمرّ على هذا المنوال، فإن عملية الهدم والتآكل ستصل إلى أساساتها، وبالتالي ستؤدي إلى انهيارها.

أولاً: دستور نوح فيلدمان

كان الدستور المؤقت (قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية)(1) الذي صدر في عهد الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر (13 أيار/مايو 2003 – 28 حزيران (يونيو) 2004) في 8 آذار (مارس) العام 2004، تكريساً وانعكاساً للصيغة الجديدة لتوازن القوى، وقد قام نوح فيلدمان القانوني الأمريكي المناصر لإسرائيل، بإعداد مسوّدته الأولى، مثلما عمل الخبير الأمريكي بيتر غالبرايت في وقت لاحق على صياغة بعض المواد ذات الطبيعة الإشكالية، والتي اعتبرت ألغاماً قابلة للانفجار في أية لحظة، لأنها تشكّل مصدر خلاف واختلاف وتباعد وتناحر. وعلى أساس قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية صيغ الدستور الدائم، الذي تم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول (أكتوبر) العام 2005(1).

وبدلاً من أن يكون الدستور القاسم المشترك الأعظم الذي تلتقي عنده الإرادات المختلفة للقوى والأحزاب والمنظمات السياسية والجماعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ذات المصالح المتنوّعة، فإذا به يصبح هو بالذات تعبيراً عن المشكلات والصراعات التي عانتها الدولة العراقية ما بعد الاحتلال، وهذه كلّها تنطلق وتصبّ في صيغة المحاصصة التي اعتمدتها، حيث يدور النزاع حول تمثيل هذه الجماعة أو تلك لتتحدث نيابة عن هذه الطائفة أو تلك أو تمثل جزءًا منها، وذلك عبر الاستقواء بالمحتل والحصول على الامتيازات، وخصوصاً من جانب أمراء الطوائف، وليس بوسائل إقناع أو بنفوذ حقيقي سياسي أو فكري أو اجتماعي.

ولم يتورّع هؤلاء من استخدام العنف والحشود الجماهيرية الهائلة التي تذكّر بعصر المداخن في فترة الثورة الصناعية في أوروبا، بهدف كسر إرادة الآخر وفرض نمط ديني أو مذهبي على الحياة العامة وعلى المجتمع ككل. وبالطبع فإن مثل هذا الأمر لم ينشأ في فراغ، فقد كان له ردود فعل أقسى وأشدّ أحياناً، وهكذا أخذت دائرة العنف تتّسع لتشمل الجميع، وخصوصاً بانتعاش بؤر للإرهاب، التي تغذّت بتفاعلها مع جهات خارجية إقليمية ودولية ولأهداف مختلفة.

ولكي يتم تمويل عمليات الإرهاب والعنف، لجأ الكثير من القوى إلى استخدام موارد الدولة لمصالحها الخاصة، الشخصية والحزبية، سواء عبر سرقات منظمة أو هدر المال العام أو توظيفه في غير مواقع التنمية، ناهيك بأصحاب الحظوة من الأبناء والأصهار والشركاء في إطار عمل غير مشروع.

وهكذا أصبح الفساد مؤسسة قائمة بذاتها وتستطيع تحريك الوضع السياسي سلباً أو إيجاباً ما دامت تتحكّم في الملايين من البشر الذين يعانون من البطالة وشظف العيش والأميّة والتخلّف، مع ضخّ الكثير من الأوهام الطائفية ضد الآخر.

ولم يستثنِ الفساد أحداً، بل حاول لفّ الجميع بشرنقته، خصوصاً أن المال السائب يغري بالسرقة كما يُقال، ولا سيّما في ظل اخترام مؤسسات الدولة وحلّ الجيش والأجهزة الأمنية وعدم وجود مساءلة أو محاسبة إزاء هدر المال العام أو التلاعب به.

ويعتبر الفساد الوجه الآخر للإرهاب، كما أنه ليس بعيداً من مخرجات الطائفية والتقاسم المذهبي - الإثني، وقد أغرى الفساد جميع الكتل والأحزاب والقوى على الانخراط فيه، والتستّر على منتسبيها وأتباعها، ولهذا فإن خطره امتدّ إلى أجهزة الدولة بكاملها والعديد من المنظمات والهيئات الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني(1)، التي هي الأخرى ضعفت يقظتها إزاء غول الفساد ومخالبه. وقد أصبح مجرد الاقتراب من مؤسسة الفساد يعني الدخول في منطقة الخطر، وإلاّ كيف نستطيع أن نفسّر أن وزير الدفاع الذي استجوب في البرلمان العراقي وسعى لكشف محاولات ابتزازه مؤشراً إلى شبهات بالفساد طالت رئيساً و3 من أعضاء البرلمان، هو من تمت إقالته، في حين كان الشارع يهتف ضد الفساد والمفسدين.

ومن المظاهر الأخرى للأزمة العراقية وخلفياتها، هو ضعف الشعور العام بالمواطنة والعودة في الكثير من الأحيان إلى صيغ ما قبل الدولة، سواءٌ الطائفة، أو الجماعة الإثنية، أو الدين أو العشيرة أو الجهة أو المنطقة، وذلك للاحتماء بها والاختباء خلفها، ما دامت الدولة غير قادرة على حمايتها وتأمين الحدّ الأدنى من وظيفتها في ضبط الأمن والنظام العام وحماية أرواح وممتلكات المواطنين، وتلك هي الوظائف الأولى والأساسية للدولة، وأية دولة لا تستطيع القيام بذلك، فلماذا إذاً هي دولة!؟(1).

وقد عمل الاحتلال حتى قبل الوصول إلى العراق على إضعاف الشعور بالمواطنة في العراق، ليس فقط للتأثير في قوى سياسية محدّدة ودعمها بمختلف الوسائل، بل لاستدراج قوى أخرى، حتى إنه ورّط عشرات المثقفين العراقيين، وبعضهم من أصول شيوعية ويسارية، بتوقيع عقود عمل مع البنتاغون ووزارة الخارجية الأمريكية، وكان الهدف من ذلك، الذي اتّضح على نحو جليّ، هو تحويل هؤلاء المتعاونين إلى أصحاب مصلحة معه، ومن خلال العملية السياسية التي دعمها هو بنفسه، سواء لقوى تعاونت معه أو تواطأت أو نشأت لها مصالح مع المحتل في وقت لاحق، وارتبطت بوجوده وباستمرار العملية السياسية.

لقد ساهمت الطائفية السياسية في انهيار هيبة الدولة ومعنوياتها، ولا سيّما أن بعض الأطروحات والتوجّهات السياسية وضعت "المرجعية" الدينية المذهبية(2)، فوق الولاء للدولة، بما فيها تداخلاتها الخارجية، والأمر لم يقتصر على المؤيدين لهذه "المرجعية" وهي تمثّل مجموعة من رجال الدين المتنفذين في النجف وأتباعهم الذين يسائلون ولا يُسألون، بل شمل خصومهم أيضاً، الذين يتسابقون معهم أحياناً في الحصول على صكوك المباركة لوظائفهم أو مواقعهم أو امتيازاتهم.

إن ذلك يعني إخضاع مرجعية الدولة لمرجعية غير دستورية، في حين أن جميع المرجعيات سواءٌ كانت دينية أو سياسية أو حزبية أو اجتماعية أو عشائرية ينبغي أن تخضع للدولة التي لها صفة العلوية والسمو على غيرها من المرجعيات، بما فيها حق احتكار السلاح واستخدامه والفصل في الحكم بين الأفراد وبينهم وبين الدولة، ومن دون إخضاع المرجعيات الأخرى لها فلا تصبح والحالة هذه دولة.

وإذا كان الدستور ملغوماً وفيه الكثير من العيوب والمثالب التي تستوجب تعديل نصوصه أو إلغائه لسنّ دستور أفضل، فإن ذلك لا يلغي وجوده القانوني وعلويته والاحتكام إليه وفقاً للنظام السائد، حتى تتوافر فرصة مناسبة، يتمكّن فيها الشعب العراقي من اختيار ممثليه الحقيقيين في أوضاع سلمية وطبيعية وآمنة، وخصوصاً بوضع حدٍّ لظاهرة الإرهاب والعنف والفساد.

ثانياً: سياقات الأزمة ودوائرها

سأتوقف لمناقشة ثلاث دوائر تتحرّك في إطارها الأزمة العراقية الرّاهنة بما له علاقة بفكرة المواطنة والهويّة، سواء بجانبها الدستوري والحقوقي أو بجانبها المجتمعي والانتمائي والشعوري، فالدائرة الأولى تتمثّل في حركة الاحتجاج الأخيرة ومطالبها، سواءٌ الآنية العاجلة أو المستقبلية الآجلة، التي تتجسّد بمآلات حركة الاحتجاج وسقفها ومدى تحقّق أهدافها ، ولا سيّما البعيدة.

أما الدائرة الثانية فترتبط بفكرة الأقاليم، ومعنى الفيدرالية ومبناها، سواء كمفهوم عام أو ما ورد بخصوصها في الدستور الذي أثار الكثير من التنازع في شأن الاختصاصات والصلاحيات ما بين السلطة الاتحادية وسلطة إقليم كردستان، والأمر له علاقة بما هو راهن حيث تروّج فكرة الإقليم السّني، ولا سيّما بعد احتلال داعش للموصل، وتمدّده في نحو ثلث الأراضي العراقية، على الرغم من الهزائم التي مُني بها مؤخّراً.

وتندرج الدائرة الثالثة بموضوع مستقبل الدولة العراقية وآفاقها، حيث تعاني التفكّك والتفتّت إلى درجة يصعب لملمة شتاتها، فانتقلت الدولة من مركزية صارمة وأحادية التوجه والأداء، إلى دولة لامركزية، أقرب إلى التبعثر والتبدّد، وتغيّرت طبيعتها من دولة بسيطة كما تسمى في القانون الدستوري إلى دولة مركّبة، سمّيت اتحادية "فيدرالية"، مع أنه حتى الآن لا يوجد "مجلس اتحادي"، وانتقلت الدولة من دولة عميقة إلى دولة رخوة، ومن دولة صارمة القيود، على الرغم من بعض الاختراقات والامتيازات، إلى دولة غنائمية تقوم على نظام الزبائنية.

1 – حركة الاحتجاج

إذا كانت حركة الاحتجاج مدعاة لتفاؤل الإرادة حسب المفكر الماركسي غرامشي، فإن الواقع لا يزال يشي بالتشاؤم، على الرغم من أن التململ أخذ يكبر وهاجس التغيير ازداد عمقاً، وخصوصاً أن كتلاً بشرية ضخمة أخذت تنضم إلى المتظاهرين من شتى الفئات والتوجّهات اليسارية واليمينية، الدينية والعلمانية، من داخل العملية السياسية ومن خارجها، ومن جميع التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية، والذين تجمعهم أهداف ومطالب مشتركة، ولا سيّما حياة الناس وحاجتهم الماسّة إلى الخدمات ومكافحة الفساد والمفسدين، فلم يعد السكوت عنها ممكناً.

إذا راجعنا شعارات التظاهرات العارمة والمندلعة في مختلف أنحاء العراق منذ تموز (يوليو) العام 2015 ولحد الآن  سنلاحظ أنها تلتقي حول أهداف مشتركة، وهذه تتلخص بـ:

أ – تحسين الخدمات ومكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين، ولا سيّما الكهرباء والماء والتعليم والصحة وإيجاد فرص عمل متكافئة وتلك أمور آنية ومستعجلة، إضافة إلى تقديم الفاسدين إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل، بما فيهم المقصّرون وعديمو الشعور بالمسؤولية والمستهترون بالمال العام، وقد تفشّت ظاهرة الفساد ما بعد الاحتلال، وخصوصاً بعد أن أصبح الولاء والمصالح الحزبية والانتماء الطائفي هو الأساس في الحصول على المناصب العليا في ظل التقاسم الوظيفي الطائفي والإثني، بعيداً من الكفاءة والخبرة والنزاهة.

ب – محاسبة المسؤولين عن سقوط الموصل، بيد داعش في 10 حزيران (يونيو) 2014 واستمرار الأمر حتى الوقت الحاضر، بل وتمدّدها إلى مناطق أخرى من العراق بلغت نحو ثلث الأراضي العراقية، وتهديدها العاصمة بغداد، على الرغم من تحرير محافظتي صلاح الدين والأنبار، وانتظار معركة تحرير الموصل الحاسمة، لكن خطر داعش لا يزال ماثلاً إنْ لم يتم استئصال جذوره الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والطائفية، وتجفيف منابع تمويله، وإعادة تأهيل البيئة التي احتضنته.

ولعلّ مطلب المحاسبة يحتوي على التمسك بالوحدة الوطنية العراقية ومواجهة مظاهر تفكّك الدولة ومساءلة المقصرين عن التفريط بها.

 

ج – إلغاء نظام المحاصصة الطائفية – الإثنية، الأمر الذي يستوجب نبذ الطائفية وخطرها قانوناً وردّ الاعتبار لمرجعية الدولة وهيبتها ومكانتها، واعتماد مبادئ المواطنة التامة والمساواة الكاملة أساساً للحصول على الوظائف العليا وإلغاء التمييز الطائفي والإثني والديني والعشائري والمناطقي وغير ذلك. وبسبب فشل محاولات تديين الدولة أو تطييفها أو مذهبتها، انطلقت بعض الدعوات إلى قيام الدولة المدنية.

وقد ألقى مثل هذا الاشتباك والاندغام بين الدين والسياسة بثقله على المجتمع لدرجة أصبحت الحياة الشخصية مهدّدة ويتم انتهاكها كل يوم تحت حجج ومزاعم شتى، ناهيكم عن بتجييش الكثير من أبناء الطوائف وشحنهم بالكراهية والانتقام من الآخر. لذلك ارتفعت بعض الشعارات التي تعبّر عن أمنيتها لقيام دولة مدنية، ولا سيّما الشعار الذي ظلّ الصوت فيه مرفوعاً وعالياً "سلمية.. سلمية.. دولة دولة مدنية"، وبغض النظر عن إمكان تحقيق هذه الشعارات الآن، بسبب اختلال توازن القوى، فإن مجرد رفعه والتذكير به وترداده على ألسنة آلاف الناس، يؤكّد انبثاق وعي جديد بحاجة إلى رعاية وتنمية وتوجيه.

إن أهمية تلك الشعارات والدعوات تكمن في نزع القدسية عن رجال الدين، والتعامل معهم كبشر يخطئون ويصيبون، وإذا ما أرادوا تقديم أنفسهم "كمرجعية" لطائفة أو مجموعة منها، فعليهم أن يكفّوا عن التعاطي بالسياسة ويتصرفوا خارج نطاق اللعبة السياسية، باعتبارهم وعاظاً أو مرشدين جامعين وغير مفرّقين، ولا سيّما بعدم الانحياز لهذا الفريق أو ذاك وتحت عناوين مصلحة المذهب أو الطائفة، فالمصلحة الوطنية والولاء للوطن هي التي ينبغي أن تتقدّم على جميع الولاءات الدينية والإثنية والمذهبية والسلالية واللغوية والعشائرية والمناطقية، مثلما يكون الاحتكام إلى القانون والخضوع لسيادته هو الأساس، بوصفه المرجعية التي تفصل علاقات الناس ببعض وبالدولة، وليس لأي قواعد أو أنظمة أخرى دينية أو طائفية أو إثنية أو عشائرية أو غيرها.

 

2 – فكرة الأقاليم والفيدرالية: الدستور وبعض مشكلاته

الفيدرالية حسب الدستور العراقي، جاءت موسّعة وصلاحياتها كبيرة ومفتوحة، على عكس صلاحيات السلطة الاتحادية التي جاءت مقتصرة على أبواب محدّدة، وإذا ما حصل خلاف بين الدستور الاتحادي والدستور الإقليمي، فإن الأول يخضع للثاني ولا العكس، كما هي الحال في الأغلبية الساحقة من فيدراليات العالم، وليس بمستطاع قيادة الجيش، بمن فيه القائد العام للقوات المسلحة، نقل أو تحريك قطعات عسكرية أو حتى جندي واحد من الأقاليم وإليها، إلاّ بموافقتها. وبحسب الدستور يحقّ للأقاليم فتح ممثليات لها في السفارات العراقية في الخارج لمتابعة القضايا الإنمائية والثقافية والاجتماعية.

 

وبالقراءة القانونية(1)، فإن مثل هذا الوضع سيكون نواة لدويلة داخل الدولة بغض النظر عن النيات، ما دامت هناك امتيازات وصلاحيات، فلا يمكن والحال هذه إلاّ التمسك بها لأنها ستكون "حقوقاً" مكتسبة، وخصوصاً أن الدستور قد تضمنها، وليس بعيداً عن ذلك "العلاقات الخارجية" و"الاقتصادية" وإشكالات النفط وتوابعه، من الإنتاج إلى التصدير، ومن التعاقد إلى التوزيع، وعلاقة السلطة الاتحادية بالسلطة الإقليمية، سواء بالتنسيق أو بالإشراف أو الموافقة. وقد انفجرت هذه الأزمة منذ سنوات بين الحكومة الاتحادية وبين إقليم كردستان، ولم تجد طريقها إلى الحل حتى الآن، على الرغم من محاولات نزع فتيل الأزمة. وأعتقد أن سبب هذه الإشكالية في الدستور هي في المادتين 111 و112، اللتان تنصّان على:

مادة 111 – النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كلّ الأقاليم والمحافظات .

 مادة 112 – أولاً: – تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المُستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المُنتجة، على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، مع تحديد حصّة لمدّة محدّدة للأقاليم المتضرّرة، والتي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق، والتي تضرّرت بعد ذلك، بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد، وينظم ذلك بقانون.

ثانياً : – تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة معاً برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز، بما يحقق أعلى منفعةٍ للشعب العراقي، معتمدةً أحدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار .

            وإذا كانت الحكومة الاتحادية تدير النفط والغاز من الحقول الحالية، فإن النفط والغاز غير المستخرج تتم إدارته من جانب الأقاليم بالتنسيق والتعاون مع الحكومة الاتحادية، ومثل هذه النصوص كانت وراء تفسيرات وتأويلات مختلفة ومتنوّعة، بل ومتناقضة ولإقليم كردستان تفسيراته، مثلما للحكومة الاتحادية تفسيراتها(1).

إن تلك الإشكاليات جعلت من مبدأ الفيدرالية أو "الأقاليم" إمّا وسيلة للتحلّل من الهيمنة المركزية للدولة وذكرياتها المؤلمة، وخصوصاً للكرد، ولا سيّما في فترة النظام الاستبدادي السابق، ولكنها قد تؤدي في الواقع العملي إلى إضعاف الدولة وسلطتها الاتحادية لحساب الأقاليم، أو فزّاعة مرعبة وبعبعاً مخيفاً، بوصفها طريقاً للانفصال والانقسام، الأمر الذي سيُبقي على المركزية الشديدة الصارمة، وهو ما سارت عليه الدولة منذ تأسيسها، ولا سيّما خلال فترة النظام السابق، بل إن هذا الاتجاه يعتبر أي حديث عن الفيدرالية إنما يصبّ في تقسيم العراق وقد يكون موحىً به أو مدفوع الثمن من جهات خارجية مشبوهة. وهكذا يتعامل الفرقاء مع الفيدرالية حسب أهوائهم التي تتراوح بين المقدّس والمدنّس. وهذا ينم عن عدم ثقة وعدم وجود فهم مشترك وقناعات موحّدة حول الفكرة الفيدرالية معنًى (أي مضموناً) ومبنًى (أي صياغة)، وترتفع درجة الشكوك في ظلّ وجود هيمنة طائفية وتمييز وتهميش، ناهيك بالرغبة في الحصول على المزيد من المكاسب على حساب الآخر وتحت تبريرات مختلفة.

الفيدرالية التي رفعت شعارها الحركة الكردية منذ أوائل التسعينيات وأيّدتها قوى يسارية وليبرالية ووطنية بشكل عام، كانت تطويراً لشعار الحركة الوطنية القديم منذ أوائل الستينيات "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان"، وذلك في إطار دعوة صريحة إلى تمثيل الشعب الكردي وتمكينه من تقرير مصيره في إطار الوحدة الوطنية العراقية كما اختارها، لكن الأمر لم يقتصر على ذلك، وظهرت مشكلات قديمة وجديدة، بعضها عويص، خصوصاً ما يتعلق بكركوك أو بما سمّي المناطق المتنازع عليها، والتي ورد ذكرها في المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية أو المادة 140 من الدستور الدائم الذي تم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2005، وأجريت الانتخابات على أساسه في 15 كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته(1).

وكان الدستور الدائم امتداداً لقانون إدارة الدولة التي صدر في عهد بريمر، وقد نُقلت الكثير من مواد الأخير وأحكامه إلى الدستور الدائم، الذي جاء مليئاً بالألغام، بحيث لم يشعر أي طرف بالارتياح، في حين إن الدستور هو تعبير عن الواقع السياسي والاقتصادي ودرجة التطور الاجتماعي ويعكس المصالح والأهداف المشتركة للفئات الاجتماعية المختلفة، لكن الأمر في الدستور العراقي اتخذ منحًى مختلفاً. ولذلك وفي أكثر الأحيان يوضع الدستور على الرف ويتم الحديث عن التوافق والديمقراطية التوافقية خارج اللعبة الانتخابية (كقدر دائم لا مردّ له)، ولكن ما أن تدبّ الخلافات فيتذكّر كل طرف الدستور حتى وإن كان يتعارض تماماً مع ما يقول، لكنه يحاول الاستناد إليه من باب الزعم بتمسّكه باعتباره "أبو القوانين"، حتى وإن كان الأمر شكلياً، ثم يُصار بعد ذلك للعودة لما يسمى بالتوافق دون أي اعتبار لصندوق الانتخاب وإرادة الناخبين.

 

إذا كانت الفيدرالية الكردية تعبيراً عن حقوق قومية مشروعة ولها ما يبرّرها، وإن النظام الفيدرالي هو صيغة متطورة أخذت بها نحو 40% من سكان الكرة الأرضية، وشملت أكثر من 30 دولة، وأصبحت جزءًا من تطور النظام السياسي العالمي، فإن تطبيقاته في العراق وبصيغته الملتبسة أوجدت تعارضات شديدة بين الفرقاء السياسيين من المشاركين بالعملية السياسية ومن خارجها وعزّزت الشكوك بينهم، خصوصاً وإن العراق عانى من مركزية صارمة وشديدة المراس، وبحاجة اليوم إلى لا مركزية وتوزيع الصلاحيات، لكن تفسيرات وتطبيقات وتأويلات هذه الفيدرالية جاءت متناقضة وملتبسة من جانب العديد من الجماعات السياسية.

إن القوى التي رفضت التصويت على الدستور لأنه يتضمّن مبدأ الفيدرالية، عادت واندفعت لقيامها تحت حجة عدم استفراد القوى الشيعية بالحكم وعزل وتهميش السنّة، وتلك واحدة من مفارقات الحياة السياسية العراقية ما بعد الاحتلال، وفكرة الأقاليم بما فيها "الإقليم السنّي" التي عارضتها وتحفّظت عنها الكثير من القوى، بدت وكأنها "مقبولة"، حيث أعيد طرحها بعد احتلال داعش الموصل، وخصوصاً بعد تشكيل الحشد الشعبي ودخوله المناطق ذات الأغلبية السنّية وما ترك ذلك من اتهامات له بانتهاكات وردود أفعال ومخاوف في شأن مستقبل هذه المناطق.

والقوى الشيعية التي كانت متحمّسة للفيدرالية بعد الاحتلال(1)، بدأت تتحفّظ عنها لا في المبدأ فحسب، بل في التطبيق أيضاً، ولذلك وجدنا كيف تعامل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بقسوة مع المناطق الغربية والشمالية ذات الأغلبية العربية السنية المطالبة بالفيدرالية، وكيف كانت النتائج: هيمنة داعش وجزع فئات واسعة من السكان دفعها إلى عدم اتخاذ موقف من استيلاء داعش على الموصل وكأن الأمر لا يعنيها، ولكن بعد حين شعرت هذه الفئات بخذلانها، في إثر هيمنة داعش وفرضها نظاماً سياسياً واجتماعياً ودينياً متشدداً ومتعصباً خاصاً بها وخارج سياق التطور التاريخي.

أما الكرد فإنهم ينتظرون الفرصة السانحة للتعبير عن كيانيتهم المستقلة، ويريدون قبل ذلك تحقيق أكبر المكاسب تمهيداً لإعلانهم، وخصوصاً إذا ما توفّرت اللحظة المناسبة، وحصلوا على تأييد دولي وموافقة إقليمية ضمنية بعدم معارضة ذلك، علماً أن مبدأ حق تقرير المصير يشكّل المنطلق القانوني والدولي لمشروعهم التاريخي.

وإذا كانت دولة ما قبل الاحتلال تتّسم بالشمولية والواحدية والإطلاقية واحتكار الحقيقة وتمجيد الفرد ونهج التسلّط، فإن دولة ما بعد الاحتلال انتقلت من التعثر في وحدتها إلى استفحال الأزمة بخصوص حاضرها ومستقبلها، ولا سيّما في ظل الارتفاع السريع في وتيرة عوامل التفكيك والتشظي والتفتّت.

وشهدت البلاد احترابات داخلية وإرهاب وعنف منفلت من عقاله، ناهيك عن استمرار النفوذ الخارجي، سواء على شكل اتفاقية للتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 2008، مع إن محاولات إبرام اتفاقية أمنية جديدة بعد نفاذ الاتفاقية الأولى في نهاية العام 2011 باءت بالفشل، إلاّ أن النفوذ الأمريكي لا يزال واسعاً ومتحكّماً ويظهر دوره في الأزمات والمنعطفات التي تمرّ بها البلاد، خصوصاً في ظل وجود اتفاقية مجحفة وغير متكافئة بين بغداد وواشنطن حسب اتفاقية فيينا حول "قانون المعاهدات" لعام 1969(1)، حيث تم تغيير صفة الاحتلال، من الاحتلال العسكري إلى احتلال تعاقدي. وفي ضوء الاتفاقية وتحت مبررات مكافحة الإرهاب الدولي والتصدي لداعش بدأت الولايات المتحدة بإرسال جنود لها إلى العراق مجدداً بلغ عددهم أكثر من أربعة آلاف وستمائة جندي، إضافة إلى خبراء واستراتيجيين ومدربين وغير ذلك.

يضاف إلى ذلك النفوذ الإيراني القوي والمؤثّر، سواء على صعيد الحكم رسمياً أو على صعيد العلاقة مع قوى أساسية في الحكم، وهذا النفوذ لم يعدّ خافياً أو مستتراً لا من جانب بعض القوى العراقية، ولا من جانب إيران،، فخط دفاع طهران كانت بغداد منذ احتلال العراق العام 2003، وإيران كانت ولا تزال تلعب دوراً إقليمياً كبيراً في العراق ولدى بعض دول المنطقة، وقد يتعاظم هذا الدور بعد التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني بعد مفاوضات دامت 12 عاماً وعرفت باسم (5+1)، على الرغم من محاولة تطويقه عربياً ودولياً من جانب بعض دول الخليج العربي والولايات المتحدة والغرب عموماً.

3 – الدولة: من المركزية إلى التفكّك

من مظاهر أزمة الدولة العراقية ما بعد الاحتلال، هو عجزها عن حماية الاستقلال الوطني للبلاد، أو استعادته كاملاً وغير منقوص، وذلك بالاضطرار إلى توقيع على اتفاقيات مجحفة ومذلّة بين طرفين أحدهما قوي ومحتل والآخر ضعيف ومحتلة أراضيه، وذلك بالضد من اتفاقية فيينا حول " قانون المعاهدات" لعام 1969 التي تفترض التكافؤ والمساواة وعدم الإكراه أو الإرغام عند عقد أية اتفاقية، وإلاّ ستكون مثل هذه الاتفاقية مخالفة لقواعد القانون الدولي، وذلك لأنها ستكون مشوبة بأحد عيوب الرضا التي تُبطلها قانونياً وشرعياً(1).

وبسبب ضعف العراق، اضطرّ إلى السكوت عن تدخّلات وتجاوزات لحدوده وأراضيه واختراق سيادته في أكثر من موضع ومجال، وهو الأمر الذي يحصل مع إيران الذي لها اليد الطولى، ومع تركيا يومياً بزعم ملاحقة حزب العمال الكردستاني التركي، وذلك أحد مظاهر أزمته.

كذلك عجزها عن تحقيق التنمية المستدامة المستقلة بجميع جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية وغيرها، ولعلّ التظاهرات المندلعة منذ أسابيع مطالبة بمساءلة الفاسدين وتحسين الخدمات وغيرها من المطالب، خير دليل على فشل الدولة، فضلاً عن هدر أكثر من 700 مليار دولار هي واردات النفط خلال الفترة المنصرمة منذ الاحتلال وحتى الآن من دون أي منجزات تُذكر، بل ذهبت جميعها تقريباً هباءً منثوراً، بسبب سوء الإدارة وهدر المال العام وعدم الشعور بالمسؤولية واستشراء الفساد المالي والإداري، المتمثّل بالسرقات وعمليات التزوير والامتيازات غير المشروعة وغير ذلك. ولا يزال العراق منذ 13 عاماً يصنّف من جانب منظمة الشفافية الدولية، في أسفل سلّم الهرم بالنسبة إلى الفساد المالي والإداري.

من مظاهر الأزمة أيضاً عدم إحراز أي تقدّم في ميدان العدالة الاجتماعية، حيث ازداد التفاوت الطبقي والاجتماعي على نحو شديد وارتفعت نسبة الفئات الفقيرة التي زادت فقراً، ويوجد نحو 8 ملايين إنسان دون خط الفقر في بلد من أغنى بلدان العالم، ولكن شعبه يعيش بحالة مدقعة من الفقر، بل إن هناك بلداناً فقيرة يعيش سكانها بطريقة أفضل من العراق بسبب نسبة قليلة من الإدارة الرشيدة والوحدة الوطنية.

ومن مظاهر الأزمة الأخرى هو تقليص دائرة المشاركة السياسية والشعبية وعدم تحقيق المصالحة الوطنية، على الرغم من المشاريع الكثيرة الفاشلة، والسبب يعود إلى عدم توافر إرادة سياسية، فالكل يعلن عن رغبته في التوافق، لكن التوافق الذي يفهمه لا يعني سوى الامتثال إلى رأيه لدى أي خلاف، ومثل هذا الأمر زعزع الثقة الهشّة والتفاهم المهلهل أصلاً وقاد إلى المزيد من التباعد والتمترس، وخصوصاً في ظل ارتفاع نزعات الهيمنة والثأر والكيدية والانتقام، ليس ضد النظام السابق وكبار موظفيه فحسب، بل ضد القوى المشاركة بالعملية السياسية بعضها ضد البعض الآخر، حيث يتم اقتناص الفرص لإيقاع كل فريق بالآخر.

أما المظهر الأخطر للأزمة، فهو حالة التفتّيت والانشطار العمودي التي تعيشها الدولة منذ الاحتلال وحتى الآن، والتي تنذر بعواقب وخيمة ليس بعيداً عنها مشروع جو بايدن لعام 2007 لتقسيم العراق إلى 3 دويلات (تحت عناوين فيدراليات) ووضع نقاط تفتيش Check point بينها وتخصيص 300 ألف جندي لمراقبة حدودها وإصدار هويّات Identity أقرب إلى جوازات سفر للتمييز بين أبناء المناطق المختلفة حسب سكنهم والأماكن التي يقطنونها.

وسيكون ذلك جزءًا من تطهير طائفي وإثني جديد، وخصوصاً أن هناك مناطق يستعصي تجييرها لطائفة أو مجموعة طائفية كبغداد العاصمة على سبيل المثال، على الرغم من التطهير الطائفي الذي تعرّضت له منذ الاحتلال ولحد الآن، وباختصار، إن الزعم بأن التقسيم سيكون حلاًّ أو حتى آخر الحلول السيئة ليس سوى محاولة لفرض الأمر الواقع على العراقيين ليصبح ذلك واقعاً في المستقبل.

التقسيم سيكون كارثة جديدة على العراق الذي سيختفي من الخريطة السياسية، وخصوصاً إذا ما استمر الاحتراب والصراع، بل إن صراعه سيكون مصارعة على الطريقة الرومانية، حيث سينهك الجميع ويصلون إلى حافة الموت.

ويذكّرنا مشروع جو بايدن بسؤال طرحه غراهام فولر(1) الدبلوماسي والسياسي في مؤسسة راند Rand الأمريكية (المقرّبة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA) هل سيبقى العراق موحداً العام 2002؟ وعاد وكتب دراسة في العام 2002 عنوانها "العام الأخير لصدام حسين"!(2)، وكان ذلك تمهيداً لاحتلال العراق، وجزء من نظرية التفتيت التي اشتغلت عليها مؤسسات الأبحاث والدراسات الاستراتيجية الأمريكية بشكل خاص والغربية بشكل عام، وتروست الأدمغة ومجمّع العقول لصالح المجمّع العسكري والصناعي، منذ اندلاع الحرب العراقية –الإيرانية، باعتبار الصراع في المنطقة هو بين سنّة وشيعة، وبين فرس وعرب وبين دولتين نفطيتين، وليس القضية الفلسطينية هي المسألة المركزية وإن الصراع العربي – الإسرائيلي هو الصراع الأساسي في المنطقة، وهو ما أريد الترويج له والعمل على أساسه لتفتيت دول المنطقة ، والعراق كان بروفتها الأولى.

لعلّ غراهام أي فولر لم يكن خيالياً عندما كتب "هل سيبقى العراق لغاية العام 2002" خصوصاً باستمرار الحصار والنظام حينها!؟ ننقل هذه الفقرة الجوهرية التي يريد الوصول اليها: دولة على درجة عالية من الاستبداد للحيلولة دون التفسخ، ولكن من شأن هذه الدولة الاستبدادية، أن تحرم البلاد من الاستقرار السياسي والمرونة اللازمة، الأمر الذي يغرق البلاد بالمقاومة الداخلية وعمليات التمرد والتدخلات الخارجية، وربما يغريها للسعي للمقاومة الخارجية للتعويض عن ضغطها الداخلي.

وضمن هذا السيناريو يمضي فولر: لقد شهدنا بالفعل تلك التجربة عندما شنّ العراق حربين ضد جيرانه خلال عقد واحد من الزمن. ثم يواصل فولر حبكته الدرامية بالاستنتاج التالي "ومما يدعو للمفارقة أن التدخل الخارجي ربما يكون السبيل الوحيد لإنقاذ وحدة العراق، لأن استمرار نظام الحكم البعثي، سيؤدي بالتأكيد إلى تعميق الخلافات الطائفية والدينية القائمة والتي يصعب التوفيق بينها داخل العراق".

ويفصح أكثر وعلى نحو لا لبس فيه ولا غموض عن استراتيجيته الولايات المتحدة إزاء العراق، التي عبّر عنها أكثر من مرّة الرئيس كلينتون وآل غور نائبه وكريستوفر وليك وإضرابهم بالقول " فالسياسة الأمريكية تجاه العراق تنطوي على مسائل تتجاوز كثيراً مصير دولة معتدية لحقت بها الهزيمة، بل إنها تشمل على العديد من القضايا ذات الاهتمام الدولي. ويعددها على النحو التالي:

يعتبر العراق واحداً من أخطر منتهكي الحظر على انتشار الأسلحة التدميرية وهو "مصدر قلق"!

العراق هو الدولة الأولى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، التي تم دحرها وترويضها عسكرياً بموجب النظام العالمي الجديد (الدور الجديد للأمم المتحدة).

ستظل "الوحدة الاقليمية" للعراق ليس موضع شك حسب، بل ربما يتقرر استمرار وحدتها جزئيا بسياسات المجتمع الدولي(1).

 

وإذا كان كريستوفر قد صرّح بما يلي "إني قلق بشأن الذين سيخلفون (الرئيس) صدام حسين بقدر قلقي منه... فإن العامل الخارجي الذي يبرر التآكل التدريجي للدولة العراقية، يلتقي مع العوامل الداخلية، التي تؤدي الى ذبولها إذا جاز التعبير وبالتالي انهيارها(2).

ولكي نتعرف على طبيعة الدولة العراقية، لا بدّ من العودة ولو بصورة سريعة الى قراءة بعض عناوين ومحطات قيام هذه الدولة وما وصلت إليه البلاد في الوقت الراهن.

لقد عانت الدولة العراقية منذ تأسيسها من أزمة حادة، استفحلت مع مرور الأيام بوجود "حكم أقلي" وابتعاد القاعدة الاجتماعية الواسعة عن المشاركة في إدارة الشؤون العامة، وبالتالي تقليص دائرة الحكم، حتى إن دستور العام 1925 "القانون الأساسي" الذي بدا متقدماً حين صدوره، أهمل بالتدرج وتقلّصت هوامش الحريّات، وخصوصاً حرية التعبير، وازداد النفوذ الأجنبي، ومنذ ثورة 14 تموز (يوليو) ولغاية الاحتلال العام 2003 حُكم العراق من قبل أنظمة شمولية ارتفعت وتيرة العنف مع مرور الأيام، خصوصاً في ظل ادّعاء الأفضليات والزعم باحتكار الحقيقة.

لقد أقيم العراق الحديث بلبنته الاولى في اتفاقية سايكس – بيكو السرّية عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا. وضم هذا البلد خليطاً من قوميات وعناصر متنوعة. وإذا كان العنصر العربي الأساس في المجتمع العراقي، خصوصاً في الوسط والجنوب وغرب البلاد وجزء من شمالها وبمحيطه العربي الأوسع، فإن العنصر الكردي تفوّق في كردستان (شمال العراق)، إضافة إلى وجود عرب وتركمان وآشوريين وغيرهم.

وضمّ العراق المتنوع قومياً، تنوّعاً دينياً، فإضافة الى المسلمين بطائفتيهم الرئيسيتين الشيعة والسنّة، هناك أقليات دينية متعايشة، خصوصاً المسيحيين بطوائفهم وصابئة وإيزيديين وأرمن وغيرهم. والجميع يؤلفون نسيج الوحدة الوطنية العراقية بفسيفسائها وتمايز ألوانها.

وإذا كان التنوّع من خلال التعايش والوحدة الوطنية دليل قوة، إلاّ أنه لم يكن كذلك في منظور بيرسي كوكس – مس بيل بعد قيام ثورة العشرين (1920). فلم يكن من وجهة نظرهم ومصالحهم، سوى نوعاً من التناقض والصراع، الذي ينبغي أن يُحل لمصلحة بريطانيا بإحداث التعارض بين القاعدة العريضة وقمة الهرم التي كانت تضيق باستمرار.

ومع أن الملك فيصل الأول حاول تشخيص هذا الوضع قبل ما يزيد على بضعة عقود من الزمان وبعد خبرة في الحكم دامت نحو 12 عاماً حين دعا في مذكرته الشهيرة، التي وجهها قبل وفاته بفترة قصيرة (1932) إلى تقديم أولوية الانتماء إلى الوطن بدلاً من الطائفة والعرق، بسبب نهج لم يعتمد المساواة بين المواطنين أساساً للحكم، وخصوصاً فيما يتعلق بقانون الجنسية رقم 42 العام 1924، الذي قسّم العراقيين إلى فئة أ و فئة ب فيما يتعلق بشهادة الجنسية العراقية، وعلى أساسه والقوانين اللاحقة جرى تهجير عشرات الآلاف من المواطنين العراقيين بحجة التبعية الإيرانية وإنسابهم إلى الفئة (ب)، في حين أن الفئة ( أ ) نسبت إلى التبعية العثمانية وبالتالي إلى التبعية العراقية (بالتأسيس).

وإذا كان هذا موقف رأس الدولة في العام 1932 الذي صاغه على نحو جريء وصريح محللاً حقيقة أزمة الدولة العراقية، فما بالك بما يجري في الواقع الفعلي، وهو ما أثار تداعيات وتساؤلات كثيرة بصدد تجليات الأزمة، وذلك من خلال معرفة الخلفيات وإجراء مقارنات ضرورية، كلما تطلب الأمر(1).

الدولة حسب ابن خلدون تبدأ من "الرأس فما تحت" وهي بحاجة إلى سلطة رادعة (وازع) وقائد عصبية أو تضامن من شعب يتحد معه لتنظيم أمور المجتمع. ويرى الدكتور علي الوردي الباحث والمفكر الاجتماعي: إن فكرة الدولة هي الأساس في نظرية ابن خلدون الاجتماعية وهو ما ذهب إليه الدكتور طه حسين، حين ركّز على موضوع القيم الحضرية.

أما ساطع الحصري فقد ركّز على موضوع العصبية، أي أنه أعار اهتماماً كبيراً لموضوع " القيم البدوية" في المنهج الخلدوني، كما يحلّل وليد نويهض في مقال له في صحيفة الحياة(2).

(وحسب هوبز ولوك وسبينوزا وروسو تنشأ الدولة بموجب " عقد اجتماعي" بين الحكام والمحكومين (وإن اختلفت شروطه). أما عند كارل ماركس ولينين فالدولة أداة قمع للسيادة الطبقية، فهي والحالة هذه أداة لتنظيم سيادة طبقة على أخرى.

وإذا كان الإجبار سمة من سمات الدولة حسب ابن خلدون، لتأتي بعدها المظالم، فالدولة أيضاً نتاج تحريضي لما يحدث بين الناس من إكراه على التعاون في سبيل الإنتاج الحضاري(1).

الدولة سواء ابتدأت من "رأس" أو كانت بموجب "عقد" أو "تخويل" أو "سيادة لطبقة" فلا بدّ من قوانين تنظيم شؤون البلاد والعباد وفقاً لدرجة التطور الاجتماعي. وإذا كان العراق بعد إحراز استقلاله السياسي، يمرّ بمرحلة انتقالية، فإن انتماءه إلى المجتمع الدولي، كدولة ذات سيادة "عصبة الأمم عام 1932" ودخوله الأمم المتحدة، كعضو مؤسس وموقع على الميثاق عام 1945، قد جعلت مكانته الإقليمية والدولية تكبر، خصوصاً ما يمثله من موقع استراتيجي وموارد هائلة وخيرات ومعادن وتاريخه الحضاري العريق.

وشهدت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، استقراراً نسبياً وعمراناً تجسّد بمشاريع تنموية كبرى وسعياً لتحديث الإدارة وبناء مؤسسات ومرافق اقتصادية، وخصوصاً بتأسيس مجلس الإعمار العام 1950، لكن ربط العراق بمشاريع دولية للهيمنة وفي إطار الصراع السياسي والآيديولوجي، فترة "الحرب الباردة" كحلف بغداد عام 1955، والعديد من المعاهدات والاتفاقيات مع بريطانيا والولايات المتحدة، أدى إلى المزيد من التباعد بين الحكم وقاعدته التي ضاقت إلى حدود كبيرة، وكانت تتّسع باستمرار لدرجة لم يعد بالإمكان ردمها إلاّ بعملية قيصرية بإعادة بناء الدولة على أسس جديدة وفي إطار المساواة وعدم التمييز، بما يعالج الفجوة الكبيرة والهائلة بين قاعدة الدولة وقمة الهرم، وهو ما كانت تأمل منه حركة التغيير والمعارضات السياسية.

لقد استهدفت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 معالجة موضوع اختلال التوازن في الدولة، بالسعي لتوسيع قاعدة الحكم وتحرير الإرادة الشعبية والتخلص من النفوذ الأجنبي الاستعماري، ومن مظاهر تزييف الحياة البرلمانية وقيود العشائرية والمحسوبية والمنسوبية والاضطهاد الشوفيني، ونهج العزل والتمييز واللاّمساواة، لكن الأمور سارت باتجاه آخر، أكثر ضيقاً وتدريجياً بدأت ملامح الحكم العسكري تحكم قبضتها على البلاد وتفرض نوعاً جديداً أشد قسوة من الهيمنة ومصادرة حق الآخر والتدخّل بشؤون المجتمع المدني والاستحواذ على مؤسساته، لدرجة أن البلاد دخلت دوامة الانقلابات العسكرية المتكررة ودارت في حلقة الأنظمة الشمولية التوتاليتارية المتعاقبة، حيث تمت السيطرة على الحياة العامة وأُخضعت الأنشطة والفاعليات السياسية والنقابية والمهنية والاجتماعية للدولة، التي ألحق بها كل شيء، فانقطع خط التطور التدريجي وازدادت قمة الهرم ضيقاً وتباعدت عن قاعدته الاجتماعية.

ثالثاً: من برسي كوكس – مس بيل، إلى بريمر –

زلماي خليل زاده، نغروبونتي

أما الدولة بعد الاحتلال الأمريكي وبموجب صيغة بول بريمر- زلماي خليل زاده نغروبونتي، فإنها توزّعت على ثلاث كيانيات سمّيت مكوّنات، هي الشيعة والسنّة والكرد، وفقاً لهذا النظام تمت المحاصصات الطائفية والإثنية وسارت على هذا الطريق من الناحية العملية منذ العام 2003 ولحدّ الآن، ويبدو إنها أصبحت مرتهنة إليه وأسيرة له، بل إن شرنقة تكاد تلف هذه الصيغة على نحو شديد لا يستطيع أحد الفكاك منها.

ومن مظاهر الأزمة الراهنة هو: غياب الحد الأدنى من التوافق الوطني حول الوحدة الوطنية قاد إلى رؤية متناقضة للجماعات السياسية والطائفية، وهذه الرؤية تزداد تعقيداً بفعل اشتباك المصالح وتضاربها وبحكم التداخلات الإقليمية والدولية، يضاف إلى ذلك سعي أمراء الطوائف في الحصول على المزيد من الامتيازات لشحن أبناء طوائفهم ضد الآخر بزعم الخطر القادم.

 فالشيعية السياسية، وخصوصاً الجماعات المسلّحة، سواء في السابق أو في الوقت الحاضر وتحت تسميات "الحشد الشعبي"(1) الذي هو جيش موازي للجيش النظامي من الناحية العملية وإن كان خاضعاً رسمياً لرئاسة الوزراء ومرتبطاً برئيس الوزراء، نقول إن الشيعية السياسية ولاسيّما المسلحة تطمح إلى دور أكبر بعد انتهاء العمليات العسكرية والقضاء على داعش.

ويضم الحشد الشعبي الذي يرأسه هادي العامري، لواء بدر الذي كان تحت إمرته، وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي وكتائب حزب الله وهي من التنظيمات التي قاومت الاحتلال، وجماعة المجلس الإسلامي الأعلى بقيادة عمار الحكيم ومجموعة من حزب الدعوة بقيادة نوري المالكي، وجماعات أخرى صُنِّعت لتدخل في إطار الحشد الشعبي لتشكيل قوة ضاربة أخرى، إضافة إلى القوى الموجودة. وبقيت مجموعة الصدر "سرايا السلام" خارج دائرة الحشد الشعبي.

إن نشاط هذه المجموعات الشيعية، السياسي والعسكري، يستند إلى 3  ركائز أساسية:

الركيزة الأولى – هي التحالف مع إيران والترحيب بالدور الإيراني الذي تقوم به في العراق، سواء في مواجهة داعش أو في دعم العمليات السياسية، أو في الدفاع عن المذهب، حتى التدخل العسكري في سوريا، هو بالدرجة الأساس عن المقامات المقدسة، وخصوصاً في السيدة زينب.

أما الركيزة الثانية – فهي وقوفها بقوة ضد عودة القديم إلى قدمه، أي الحؤول دون محاولات عودة أتباع النظام السابق، وهو الأمر الذي يجعل من موضوع المصالحة الوطنية مجرد شعار ترويجي، ليس للتطبيق بحكم المخاوف المزروعة والمستمرة بين الأطراف المختلفة، وخصوصاً باستمرار قانون المساءلة والعدالة الذي هو امتداد لقانون اجتثاث البعث الذي أصدره بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق العام 2003، (وقد صوّت البرلمان العراقي على قانون جديد تحت عنوان "قانون حظر حزب البعث" في 3 آب /أغسطس/ 2016).

الركيزة الثالثة – هي الوقوف ضد الخطر الوهابي، الذي يجري أحياناً تهويله لدرجة كبيرة. وهذه الركائز الاستراتيجية الثلاث تعمل عليها قوى الشيعية السياسية وإيران بصورة  متداخلة ومتكاملة، وهي ضمن برنامج تدرّجي وبعيد المدى، له ركن سياسي وآخر مذهبي، يتعلق بالمصالح والصراعات الإقليمية، إضافة إلى ركن اقتصادي وتجاري ومالي.

أما السنّية السياسية المشاركة في العملية السياسية أو غير المشاركة فهي تخيف أبناء المناطق الغربية والسنّة العرب عموماً من:

1 –"الخطر الشيعي"، وخصوصاً محاولات انفراد الشيعية السياسية بالحكم وتهميشها الطائفة السنية، بحجة الأغلبية .

2 – التدخل الإيراني وما تطلق عليه "التمدّد الصفوي" بهدف التعبئة ضد الخصوم السياسيين والنفوذ الإيراني بوجه عام، سواء كان الأمر بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وترتكز في مشروعها السياسي على:

أ – اعتبار دول الخليج وتركيا حليفاً للسنيّة السياسية، مقابل تحالف إيران مع الشيعية السياسية، وذلك بهدف إحداث توازن نوعي في ميزان القوى الداخلي.

ب – عادت بعض المجموعات من السنية السياسية بمن فيها قوى ورؤساء عشائر وشخصيات إلى التعويل أكثر من قبل على واشنطن والتقرّب منها مباشرة أو عبر دول الخليج وتركيا، بهدف كسبها للوقوف ضد النفوذ الإيراني من جهة ومن جهة ثانية ضد حلفاء إيران من الشيعية السياسية الحاكمة.

ولذلك وتحت ضغط الواقع والشعور بالتمييز والتهميش تضطر أحياناً إلى قبول فكرة "الإقليم السنّي" للحدّ من نفوذ الشيعية السياسية، كما أنها تسعى للحصول على دعم إقليمي، ولا سيّما من بلدان الخليج العربي، وتركيا بهدف التوازن مع الدعم الإيراني للشيعية السياسية كما تبرّر، وهكذا فإن مثل هذا التجاذب يستمر، بل يتصاعد. وكانت لقاءات الدوحة (أيلول/ سبتمبر/2015) تعبيراً عن المخاوف إزاء تطور الأوضاع الراهنة في العراق، وخصوصاً في المناطق الغربية منه، ولا سيّما بعد احتلال داعش الموصل وتوغله في مناطق غرب العراق.

وإذا كان الأمريكان، قد باشروا باستقبال جماعات وكتل وقوى سياسية عراقية في إطار الاستماع إلى وجهات نظرها، وخصوصاً لمرحلة ما بعد "داعش"، شملت رؤساء عشائر ومجموعات سنيّة وأوساط كردية وبعض الشخصيات وغيرها، فإن ما ترشّح منها يؤكّد أن واشنطن تريد تقليص دور إيران والمجموعة الشيعية المتحالفة معها، لكنها سوف تلجأ إلى ذلك بشكل تدرّجي وهي تنتظر انتخابات العام 2018، وخصوصاً بعد دحر "داعش" وتحرير الموصل، ومن ثم البحث في مسألة الأقاليم التي يبدو أن الأمريكان أخذوا يميلون إليها أو يرجّحونها للتطبيق بعد أن كادت مجرد أفكار أو سيناريوهات، وخصوصاً أن هناك أوساطاً من السنيّة السياسية تشجّع عليها، إضافة إلى تحالفهم الفرعي مع إقليم كردستان وتسليح وتمويل البيشمركة، الذين يؤيّدون إقامة الإقليم السّني أو نظام الأقاليم بشكل عام.

ويعبّر الكرد عن مشروعهم بوضوح أكبر بدعوتهم إلى إقامة كيانية خاصة، بمعنى الانفصال في دولة مستقلة عبر إجراء استفتاء لسكان إقليم كردستان، استناداً إلى تمسّكهم بمبدأ حق تقرير المصير، ومع أن مشكلات داخلية تعترضهم على هذا الصعيد، بسبب الخلافات الحزبية والسياسية الكردية – الكردية، وخصوصاً بين جناح الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني وبين جناح الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطالباني الذي تحالف مؤخراً مع كتلة كوران "التغيير" بقيادة نوشيروان مصطفى، إلاّ أن الفكرة أو التلويح بها ما زال يشكّل هاجساً للكرد يتم استثماره في الصراعات السياسية الداخلية من جهة، وبين بغداد وإربيل من جهة ثانية.

وفي حين يقترب البارزاني من أنقرة، ويبتعد عن بغداد، فإن كتلة مناوئيه والمقصود كوران والاتحاد قريبة من طهران ومن بغداد في الآن، يضاف إلى ذلك أن هناك تحفظات إقليمية ودولية بخصوص فكرة الدولة المستقلة، وهو ما لوحظ بشكل خاص بعد زيارة رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني لواشنطن الأخيرة في 3/5/2015.

 وعلى أي حال فالمشروع الكردي بإقامة كيان خاص "دولة" سوف يبقى عنصر إشغال وإهدار للدولة العراقية، إن لم يتم التفاهم مع ممثلي الشعب الكردي للتوصل إلى حلول سلمية ووطيدة، وهذا يحتاج إلى ظروف طبيعية بحيث يستطيع الشعب العراقي اختيار ممثليه الحقيقيين أيضاً.

أما التركمان فهم يشعرون بالغبن لعدم تمكّنهم من إقامة كيان خاص بهم، فضلاً عن وقوعهم في منطقة حساسة لتضارب المصالح، ولا يزال المسيحيون (الكلدان والآشوريون والسريان) في حال شديد البأس والخطورة، بسبب إجلائهم من مناطقهم في الموصل وبعض قرى وقصبات سهل نينوى وترتفع نسبة الهجرة في أوساطهم، ناهيك بتعرضهم لعنف وإرهاب مستمرين منذ الاحتلال وإلى الآن.

وهكذا فإن الدولة تسير بخطوات حثيثة نحو المزيد من الاصطفاف الاصطفائي والتباعد العملي الذي سيزيد من عوامل الانشطار والتمزّق.

مستقبل الدولة: التحدّيات والسيناريوهات

إن التحدّيات التي تواجه استمرار العراق كدولة قائمة هي:

تحدّيات سياسية خارجية، إضافة إلى تحدّيات اقتصادية دولية بسبب شروط التبادل التجاري واستيراد الغذاء وانخفاض أسعار النفط واستيراد السلاح والمديونية، الأمر الذي يجعل البلاد أكثر خضوعاً للهيمنة الخارجية، وخصوصاً في ظل وجود النفط، وذلك يطرح تحدّيات جيوسياسية من خلال روابط التبعية، ولا تأتي هذه فقط من الغرب الإمبريالي، بل من إيران وتركيا و"إسرائيل"، سواء باستخدام القوة العسكرية أو لاقتطاع الأراضي، أو لإجبار العراق على توقيع اتفاقيات "سلام" استسلامية مع "إسرائيل" وإنهاء كل علاقة بقضية العرب المركزية "فلسطين" وفتح أسواقها للصناعات والتكنولوجيا "الإسرائيلية"، وكذلك لإحداث المزيد من التصدّع داخل المجتمع العراقي.

 

تحدّيات داخلية، وأولها وأهمها وأخطرها هو الاحتراب الطائفي المعلن والمستتر، وهيمنة الطائفية السياسية على مقاليد الدولة وأجهزتها وممارستها للتقاسم الوظيفي الطائفي والإثني. يضاف ذلك عدم الإقرار بالتنوّع الثقافي، ولا سيّما أن مشاكل الإثنيات والأديان والطوائف أخذت بالظهور على نحو شديد بعد الاحتلال، إما بسبب كبت طويل الأمد واضطهاد وعدم مساواة، وإما بسبب رغبة في التعبير عن هوّية فرعية وخصوصية جرى طمسها أو تغييبها خلال مسار الدولة العراقية. والمسألة تتعلّق بالكرد والتركمان والآشوريين والكلدان والسريان كتعبيرات قومية وإثنية، وبالأديان مثل المسيحية والإيزيدية والصابئة وغيرهم، وفي إطار الأديان بما فيه الإسلام والمسيحية وطوائفهما، وبالطبع فإن نهج الاستعلاء والإقصاء والتهميش الذي عانته هذه المجموعات الثقافية على مرور تاريخ الدولة العراقية دفعها إلى التعبير عن نفسها وهوّيتها الفرعية وفي بعض الأحيان بانغلاقها وضيق أفقها بسبب ما عانته.

وتبقى المسألة الأساسية هي التحدّي الطائفي المحتدم والمصحوب بالكثير من عناصر الكراهية والحقد والبغضاء، ولا سيّما التي يقوم أمراء الطوائف والمستفيدون من الانشطار الطائفي بتغذيتها، وخصوصاً علاقة الشيعة بالسنّة، حيث أدى هذا الانقسام إلى احترابات وتكفير، إذ أن دعاة الطائفية هم في الغالب الأعم "طائفيون بلا دين"(1) على حد تعبير عالم الاجتماع علي الوردي واستخدموا الطوائف بما يسيء إلى الدين، بتقديم ذلك على مبادئ الوطنية والمواطنة، وليس ذلك بعيداً عن التداخل الخارجي الإقليمي والدولي.

إن التحدّي الديني وفروعه الطائفية قاد إلى موجات مختلفة من التعصّب والتطرّف والإرهاب والعنف، وانتشار ما سمي بالحركات الأصولية "الإرهابية" سواء اتخذت اسم جماعات القاعدة أو داعش أو جبهة النصرة أو جماعات مسلحة خارج دائرة القانون سنّية أو شيعية، ولاحظنا كيف اهترأت دولة مثل العراق واقتطع جزء عزيز منها هو الموصل، بكل تلك الخفّة واللاّمسؤولية، والأمر ذاته في سوريا، حيث لا تزال الرقة ونحو ثلث الأراضي السورية تحت هيمنة داعش.

خامساً: الأزمة العراقية والسيناريوهات المحتملة

وضعت الأزمة العراقية الأخيرة، الدولة ومستقبلها على بساط البحث، فهل سيتعرّض العراق للتفتيت؟ ثم ما هي السيناريوهات؟ وإذا كان هذا السيناريو محتملاً بفعل استفحال الأزمة العراقية وعدم وجود حلول جذرية لإعادة لحمة الدولة باستمرار الطائفية السياسية التي تمثّل جوهر الأزمة، فالدراسات المستقبلية تضع سيناريوهين آخرين لأزمة الدولة، أولهما سيناريو استمرار الحال على ما هو عليه أو تفاقمه، الأمر الذي يمكن أن يقود إلى احتمالات أخرى، وثانيهما سيناريو التوحيد، وخصوصاً إذا ما توافرت إرادة سياسية موحدة وظرف موضوعي وذاتي مناسب. ما الذي يمكن أن يحصل؟ وأي السيناريوهات المستقبلية سيكون أقرب إلى الواقع؟

1 – سيناريو التفتّت(1)

أ - التفتّت الواقعي (Defacto fragmentation)، وذلك بتحوّل الدولة إلى كانتونات أو فيدراليات أو دوقيات أو مناطقيات لا يربطها رابط وثيق فيما بينها سواءٌ كانت معلنة أو غير معلنة، معترف بها أو غير معترف بها رسمياً، داخلياً أو إقليمياً أو دولياً، لكنها قائمة بالفعل ويمثّل إقليم كردستان نموذجاً لها، من حيث السلطة والإدارة والموارد والخدمات، وهكذا تضمحل وتتقهقر الدولة تدريجياً.

ب - التفتّت الرسمي Dejure Fragmentation) ( وهو الشكل الفعلي للانقسام أو الانشطار وقد يتحقق بالقوة وبعد احترابات ونزاعات مسلحة، أو بالاتفاق سلمياً، وقد يحصل على اعتراف دولي وإقليمي، وقد تأخذ الأقاليم المنقسمة أسماء أخرى غير الدولة القائمة أو تضيف شيئاً إلى اسمها السابق، وسيكون لهذه الدولة نشيدها الخاص وعلمها ورموزها، إضافة إلى مؤسساتها وتمثيلها الخارجي، ومن المحتمل أن يكون هذا التفتت الفعلي هو نتيجة أو مرحلة أخيرة للأمر الواقع، خصوصاً إذا ما استمرّت سلطات محلية بصلاحيات موسّعة ونفوذ سياسي وعسكري واقتصادي، ناهيك بامتيازات، حينها سيكون من الصعب تخلّي النخب الحاكمة الإقليمية عنها.

ج - الانضمام والإلحاق (Joining and Annex)، وهو وسيلة أخرى للتفتت، يضاف إلى التفتت الواقعي والتفتت الرسمي (الفعلي)، إذْ من المحتمل أن تسعى بعض دول الجوار إلى ضمّ ما تبقى من الدولة أو شطرها عند الانقسام، سواء باستخدام القوة لفرض واقع جديد أو بدعوة من أطراف سياسية أو جماعات مسلحة وتحت عناوين التحالف والمصالح المشتركة "القومية" أو "المذهبية" أو غير ذلك، وأعتقد أن الجارين الكبيرين والمحتربين تاريخياً على الأرض العراقية (بلاد ما بين النهرين) وهما تركيا وإيران يمكن أن يكونا جاهزين لاحتواء التفتت العراقي، وخصوصاً بالتمدّد الجيوبوليتيكي.

ومن العوامل التي تسهم في تزايد التحدّي وعدم الاستجابة الفعّالة لحلول ممكنة هو الإخفاق في مواجهة الأزمات والمشكلات الحادة وعدم التمكّن من تلبية المطالب الشعبية، بالقضاء على الفساد ومحاسبة المفسدين، وكذلك عدم التمكّن من تحسين الخدمات واستمرار الإرهاب وأعمال التفجير والمفخخات وتدهور الوضع الأمني، إضافة إلى استمرار التفاوت الشاسع بين الفئات الاجتماعية في الدخول والموارد، وعدم تحقيق المشاركة السياسية الحقيقية بما فيها المصالحة الوطنية والتخلّي عن مساعي الانتقام والثأر ومحاولة كسر شوكة الآخر، ناهيك عن بشحّ موارد الدولة ووصول نموذجها التنموي إلى طريق مسدود، واقتراضها من البنوك الدولية وغير ذلك.

ويمكن أن يقود سيناريو التفتيت، وخصوصاً فيما إذا تم القضاء على داعش، وبعد تحرير الموصل إلى تنازعات على السلطة، وقد يقود إلى حروب أهلية مصغّرة، محلية، وليس بالضرورة أن تكون بين الشيعية السياسية والسنية السياسية، بل داخل السّنية السياسية ذاتها، وداخل الشيعية السياسية، وداخل الإقليم الكردستاني (بين إربيل والسليمانية)، وذلك للاستحواذ على مقاليد السّلطة والنفوذ والمال، وخصوصاً في ظل غياب جهد وطني عام لإعادة بناء الدولة وترسيخ كيانياتها القائمة على المواطنة وسيادة القانون، وإرساء قواعد اللعبة الديمقراطية على نحو صحيح.

2 – سيناريو استمرار الحال

وهذا يعني بقاء الوضع على ما هو عليه من دون إحراز تقدّم يُذكر، وذلك سيعني فشل الخطط المعلنة للإصلاح، بسبب عوامل الكبح والمعارضة من جانب الجماعات المتضرّرة من الإصلاح، وخصوصاً أن هناك تحالفاً سرّياً بين مختلف الكتل والجماعات على عدم فتح ملفّات الفساد، وحين تجرأ وزير الدفاع خالد العبيدي على كشف محاولات ابتزازه، وصفّق له الشارع طويلاً، بغض النظر عن شبهات الفساد التي تحيط وزارته، عاقبه مجلس النواب بسحب الثقة منه، فمن بعد ذلك سيغامر ويكشف ملفات الفساد أو التعرض للفاسدين.

وإذا توقّف مشروع الإصلاح وهو متعثّر فعلاً، فإن ذلك سيكون سبباً في الخيبات والمرارات التي سيعيشها العراقيون، وأن استمرار مثل هذا الأمر لفترة غير قصيرة سيؤدي إلى تعميق فشل الدولة الفاشلة والرخوة، ويساهم في تفتيتها وتشظيها. ومن احتمالاته عدم بقاء رئيس الوزراء في موقعه، (وكاد الأمر يحصل لولا ضغوط الولايات المتحدة المتوافقة مع إيران بهذا الخصوص). وانفتاح الأزمة على مصراعيها، فالأمر لا يتعلّق بالعبادي، بل بمستقبل الدولة العراقية ومسألة مكافحة الفساد وملاحقة الفاسدين؛ فهل يمكن استمرار الدولة وهي غارقة حتى رأسها بالأزمات والمشاكل، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخصوصاً بفشل إدارتها وفشل إدارة حلّ الأزمة؟

هل سنذهب إلى انتخابات مبكرة؟ أم إن العبادي سيستخدم "صلاحياته" أو يتجاوزها بفعل الخطر الذي يتهدد الدولة العراقية بإعلان حالة الطوارئ وتعليق الدستور وحلّ البرلمان وتشكيل حكومة إنقاذ وطني جديدة انتقالية من كفاءات عراقية تحدّد بعد سنتين مثلاً، ثم الذهاب إلى انتخابات؟

 

3 – سيناريو التوحيد

إذا كان هناك سيناريو التفتيت وسيناريو بقاء الحال دون تغيير، فالدراسات المستقبلية لا تهمل سيناريوهات أخرى أيضاً، فهل هناك سيناريو توحيد؟ هذا السؤال هو مقدمة لحوار حول دور النخب في شأن مستقبل البلاد، فحتى موجة الاحتجاج هذه، هناك من يحاول ركوبها والاستفادة منها وتوظيفها بما فيها قوى تعاونت مع الاحتلال ومخرجاته، وكانت جزءًا من أسباب الخراب التي تعانيها البلاد.

إن النخب الفكرية والثقافية والأكاديمية في مجتمعنا لا تزال ضعيفة ومستلبة وملحقة لحساب النخب السياسية التي بيدها القدح المعلّى ولها سطوة عليها، بل إن لها القابلية على الاستتباع حسب توصيف المفكر الجزائري مالك بن نبي "القابلية على الاستعمار"، ولا سيّما أن النخب السياسية تملك المال والسلطة أو جزءًا منها، والنفوذ وأحياناً معها ميليشيات وبعض دول الجوار أو القوى الدولية، لذلك فإن أي استعادة لدورها، يتطلّب استعادة الوعي أولاً واستعادة الإرادة. ويحتاج مثل هذا إلى التحدّي والاستجابة الخلاقة لمتطلبات التغيير ونتائجه.

كما أن إجراء إصلاحات واستجابة لمطالب المتظاهرين قد يفتح آفاقاً جديدة لنشوء كتل وجماعات سياسية تسهم في عملية التغيير. ويمكن القول إن القوى الدافعة للتوحيد والتغيير تمثل طيفاً واسعاً من القوى، ولكنها قد لا تكون منسجمة أو موحّدة مع أن الكثير من المشتركات تجمعها، ولا تزال القوى المهيمنة، ولا سيّما الدينية والطائفية والإثنية، تمنع وتعرقل أي لقاء بينها، بل تضع العصا في دولاب أي تحرّك باتجاه الحوار.

وهذه القوى هي: جماعات المصالح الاقتصادية والأحزاب والقوى السياسية المهمّشة من داخل العملية السياسية أو من خارجها، إضافة إلى المجموعات الثقافية المتنوّعة التي تشعر بالغبن بسبب الإقصاء أو العزل أو التهميش أو حتى احتساب بعضها على النظام السابق، فجرى اجتثاثها، وبعضها من أصحاب الكفاءات والخبرات التي لا يستهان بها. يضاف إلى ذلك مؤسسات المجتمع المدني من داخل وخارج العملية السياسية، وخارجها، ومراكز الأبحاث والدراسات والجامعات، فضلاً عن أن البيئة الدولية والإقليمية قد تكون مشجّعة للتوحيد لأسباب تتعلق بالخوف من انتقال عدوى التفتيت إليها، ناهيك بفايروس الإرهاب.

وسيكون على عاتق الطبقة الوسطى، وخصوصاً المثقفين والأكاديميين والمفكرين ومؤسسات المجتمع المدني، دور مهم على صعيد التوحيد والتغيير، ويحتاج الأمر إلى جهود فكرية وثقافية وسياسية لتشكيل قوة ضغط لإعادة النظر بالدستور واعتماد قواعد اللامركزية الإدارية على صعيد الأقاليم الفيدرالية أو المحافظات على نحو صحيح ومن دون صفقات سياسية بوصفها نظاماً لتوزيع الثروة والسلطة، كما لا بدّ من اعتماد آليات توحيد ديمقراطية الأسلوب واجتماعية المضمون.

يبقى هناك أسس للتوحيد ولقيام دولة عصرية دستورية لا يمكن تجاوزها، وأولها الحرية، وثانيها المساواة، وثالثها العدالة، ولا سيّما الاجتماعية ورابعها المشاركة، وكل هذه تصبّ في مبادئ المواطنة، التي تشكل جوهر الهويّة الجامعة، مع احترام الهويّات الفرعية والخصوصية الثقافية.

حلقة نقاشية مغلقة

مركز دراسات الوحدة العربية

بيروت

 

نشرت في مجلة المستقبل العربي، التي يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت،

العدد 452، تاريخ تشرين الأول /أكتوبر 2016

 

 

 

 

 

 

 

 

قانون "جاستا" غير القانوني!

عبد الحسين شعبان

 

            في تطوّر سريع، وبعد يومين فقط من دخول قانون "جاستا" حيّز التنفيذ، أقامت السيدة ستيفاني روس دي سيموني، أرملة أحد ضحايا هجمات سبتمبر /أيلول الإرهابية دعوى قضائية ضدّ المملكة العربية السعودية، زعمت فيها أن المملكة قدّمت دعماً مادياً لتنظيم القاعدة، وزعيمه أسامة بن لادن، كما جاءت دعواها نيابة عن ابنتها، حيث كانت حاملاً بها عندما لقي زوجها الضابط البحري باتريك دون حتفه في هجمات سبتمبر /أيلول العام 2001.

            وكان الكونغرس الأمريكي صوّت بغرفتيه ضدّ فيتو الرئيس أوباما لمنع تطبيق القانون الذي سبق أن أصدره مجلس النواب في الكونغرس وأجازه مجلس الشيوخ في مايو/ أيار الماضي 2016، علماً بأن البيت الأبيض لم يتّخذ الإجراءات الكفيلة، وسكت حين قدّم مشروع القانون قبل ست سنوات.

            ولعلَّ اسم القانون "قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب" يدلّ على الاستهداف الواضح لبعض الدول بعينها، بإضعاف المعيار الدولي للحصانات السيادية، حيث يمنع القانون الدولي مقاضاة حكومات بسبب قيام بعض أفرادها بأعمال تخلّ بالقوانين الدولية أو الوطنية، وبسبب ذلك ارتفعت حمّى الجدل القانوني والدبلوماسي، داخل الولايات المتحدة وخارجها، حول "قانونية القانون"، فالقانون الذي صدر ليس قانوناً، وإنما هو أقرب إلى إجراء سياسي مبيّت وتدبير إداري يقصد دولاً بعينها، ويستهدف ابتزازها لدفع أموال بعنوان تعويضات للضحايا، وهو ما يذكّر بمحاكمة لوكربي التي جرت في هولندا ووفقاً للقانون الاسكتلندي، وعلى الرغم من الإدانة الجزئية إلاّ أنه لم يتم التوصّل إلى الفاعل الحقيقي بارتكاب الجريمة، لكن التسوية السياسية قادت إلى إطلاق سراح عبد الباسط المقرحي، ودفع تعويضات ضخمة، لم تكن الدولة مسؤولة عنها، وذلك باستغلال سوء سمعتها على المستوى الدولي وقيامها بقضايا أخرى، يمكن اتهامها بالإرهاب الدولي، وانتهاكات حقوق الإنسان.

            وبالرغم من أن قانون "جاستا" هو قانون وطني أمريكي في داخل الولايات المتحدة، إلاّ أنه يشكّل سابقة قانونية في التعامل مع الدول الأخرى، وفي ذلك مخالفة للقوانين الجنائية التي تلتزم بمبدأ شخصانية العقوبة، أي أن كل شخص مسؤول عمّا ارتكبه من جرائم دون امتداد أثر الجريمة إلى أشخاص آخرين أو إلى الدولة التي يعتبر أحد مواطنيها، ويخالف هذا القانون قواعد القانون الدولي الجنائي وقرارات محاكم نورنمبرغ وطوكيو العسكريتين، حيث تمت محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم ولم تحاكم دولهم، علماً بأن قرارات الحرب وجرائمها والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية، كانت بعلم وتخطيط أعلى المستويات في الدولتين.

            ويتعارض قانون "جاستا" مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، خصوصاً احترام مبدأ السيادة الوطنية للدولة، وهو ما حذّر منه الرئيس أوباما نفسه، خصوصاً أنه يمكن أن يكون سلاحاً ذا حدَّين، كما يمكن أن يضرّ بالمصالح الأمريكية ذاتها، إذْ يمكن أن تستخدمه دول وأفراد وجماعات ضدّ الولايات المتحدة ذاتها، بتهمة تورّط بعض جنودها ودبلوماسييها وشركاتها في عمليات إرهابية، وهو أمر ليس مستبعداً، وباختصار فإنه قد يفسح في المجال لفوضى قضائية.

            إن دخول القانون حيّز التنفيذ سيفتح الباب لدعاوى متقابلة، تطبيقاً لقاعدة المعاملة بالمثل، حيث سيكون لكل دولة الحق في تشريع قوانين مثل قانون "جاستا"، ومن ثم يمكن ملاحقة المتهمين الأمريكيين الذين تسببوا بقتل الآلاف من الأبرياء في العالم، في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، فضلاً عن ضحايا هيروشيما وناكازاكي وغيرها.

            وكان كيرت برادلي أستاذ القانون الدولي، عبّر عن رؤيته في صحيفة "نيويورك تايمز" بقوله: نحن ما زلنا نرى أن مشروع القانون من شأنه أن يخلق استثناء كبيراً على الحصانة السيادية، التي من شأنها أن تشكّل انتهاكاً للقانون الدولي، وتدعو إلى الانتقام المتبادل ضدّ الولايات المتحدة، واقترح خيارات أخرى منها: تقديم تعويض إضافي مباشرة لأسرى الضحايا في أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، كما يمكن تسوية المسائل العالقة بشأن الهجوم نفسه، وتفويض الأمر للمدّعين العامّين الخاصين والمحاكم الاتحادية غير المنتخبة، لتجنّب كل ما هو غير مألوف لمسؤولية الكونغرس التي من شأنها أن تلحق ضرراً كبيراً بالولايات المتحدة في العديد من المجالات في الخارج.

            إن إزالة الحصانة السياسية يمكن أن يمتد إلى مساءلة الولايات المتحدة عن احتلال أفغانستان والعراق، كما يمكن بموجبه رفع حصانة "إسرائيل" بدعاوى الحرب على غزة، إضافة إلى حصارها غير القانوني وغير الشرعي منذ العام 2007، خصوصاً وأن المساءلة يمكن أن تشمل الإصابات الشخصية والخسائر في الأرواح والممتلكات، من قبل أي من الأفراد، سواء كانوا أفغاناً، أو عراقيين أو فلسطينيين في حالة "إسرائيل".

            والشيء بالشيء يُذكر، فلدى كوبا وإيران تشريعات مشابهة لقانون جاستا ترفع حصانة الولايات المتحدة السيادية في محاكمها، ردّاً على تشريعات أصدرتها واشنطن ضدّهما سمحت بصدور أحكام ضدهما في المحاكم الأمريكية، وبالمقابل فقد رفعت دعاوى في البلدين ضدّ الولايات المتحدة وتواجهها أحكاماً افتراضية بمليارات الدولارات نتيجة ذلك، ويمكن للمملكة أو دول خليجية  وعربية أخرى قد تكون مشمولة بقانون جاستا، تشريع قوانين ترفع الحصانة السيادية، لكن ذلك سيدخلها في الوقت نفسه والعالم أجمع في صراعات لا حدود لها، ويعطل اتفاقيات ومعاهدات عقدتها مع الولايات المتحدة، وقد تكون غير مهيّأة لإبطالها، مثلما هو سحب أرصدتها، فالمملكة لوحدها تملك نحو 750 مليار دولار. علماً بأن تنفيذ قانون جاستا قد يذهب إلى حجز أموال أو عقارات أو استثمارات أو صناديق أو شركات أو طائرات عائدة للدولة التي سيتم تجريمها.

            وكان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير قد أبدى اعتراضه على القانون، وطلب إجراء تعديلات جذرية عليه، وذلك خلال لقائه مع بوب كروكر رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس، ووعد الأخير بإمكانية ذلك من خـلال تقيـيد سريانه على هجمات 11 سبتمبر/ أيلول فقط، إضافة إلى إمكانية تغيير العتبات القانونية الواردة فيه، بإنشاء عملية قضائية منفصلة، لكن ذلك حسب اعتقادي لن يتم سريعاً ويحتاج إلى وقت طويل للمراجعة خلال الولاية الجديدة للرئاسة، فيما إذا تم الاتفاق عليه.

            جدير بالذكر أن لجنة التحقيق كانت قد أصدرت تقريرها في العام 2004 مؤكّدة فيه أنه لا يوجد دليل على تورّط المملكة العربية السعودية (كدولة) ولا أي من المسؤولين الكبار في الحكومة، قاموا بتمويل تنظيم القاعدة، لكن جزءًا من التقرير ظل سرّياً لسنوات طويلة، حتى تم رفع السرّية عنه في يوليو /تموز 2016، ويشير هذا الجزء إلى أن منفّذي الهجمات ربما حصلوا على مساعدة من بعض المسؤولين السعوديين، وكانت المملكة قد نفت في السابق والحاضر مسؤوليتها عن الهجمات التي كان 15 من بين 19 إرهابياً نفذوها يحملون جنسيتها.

            القانون الذي حظي بشبه إجماع في الكونغرس، عاد البعض وتراجع عنه، وهو ما يفتح المجال لتراجعات أكبر، لأنه بقدر ما يحرج دولاً معينة، فإنه سيحرج الولايات المتحدة.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

 

عن الديمقراطية والسوق

عبد الحسين شعبان

هل ثمّة علاقة بين الديمقراطية والسوق؟ ثم ما هي عناصر هذه العلاقة وأركانها إن وُجدت؟ وبعد ذلك هل تزدهر الديمقراطية بازدهار السوق، أم أن السوق يزدهر بالديمقراطية؟ ولعلَّ مثل هذه الأطروحات لاقت رواجاً كبيراً بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، حيث ارتفعت الدعوات إلى حرية السوق و"الخصخصة" بتفكيك القطاع العام، ارتباطاً مع نهج الانفتاح و"الدمقرطة"، وإعلان فشل سياسات التخطيط الموجّه، وغير ذلك من المبرّرات التي كان بعضها صحيحاً، لكن الهدف أريد به باطل، حيث السعي المحموم لإثبات ظفر النيوليبرالية على المستوى العالمي، وبالتالي التسليم بوحدانيتها كخيار اجتماعي لا مفرّ منه للتنمية.

وقد حاول النيوليبراليون (الليبراليون الجدد) تأكيد هذا التوجّه بالتعكّز على أربعة أضلاع أساسية، زعموا أنها ستكون مفضية لمد الجسور والقناطر بين السوق والبناء الديمقراطي، وهذه الأضلاع هي:

1 – تحرير قطاعي التجارة والمال (من القطاع العام وتأثيرات الدولة).

2 – السماح للأسواق (والمنافسة) بتحديد الأسعار (والمقصود بذلك تصحيح الأسعار حسب وجهة النظر النيوليبرالية).

3 – القضاء على التضخّم (أي تحقيق الاستقرار على مستوى الاقتصاد الكليّ).

4 – خصخصة المنشآت الحكومية (أي تفكيك القطاع العام بزعم فشله).

ووفقاً لهذه الوضعية، على الحكومة لكي تكون ديمقراطية ومقبولة أن تتنحّى جانباً لحساب حركية السوق وارتباطاته العالمية.

ويذهب المفكّر الأمريكي نعوم تشومسكي لتحليل ذلك في كتابه "الربح مقدّماً على الشعب" مع عنوان فرعي يمثّل جوهر فكرة الكتاب "النيوليبرالية والنظام العالمي"، ويركّز على ظاهرة "السوق الحرّة"، أو حسبما يسمّيها تلميذه وكاتب مقدمة كتابه روبرت دبليو ماك تشيزني "أسطورة" السوق الحرّة، تلك الترتيلة الباعثة على التفاؤل المقحمة عنوة في رؤوسنا حسب تعبيره، والقائلة إن الاقتصاد بطبيعته "تنافسي وعقلاني" وهو أيضاً "كفوء وعادل"، وهو الأمر الذي يدحضه تشومسكي، فالسوق تهيمن عليه شركات عملاقة تتمتّع بسيطرة هائلة وتزيح أي منافسة جدّية أمامها، حتى ولو كانت ضئيلة جداً.

وتشومسكي هو من رافضي الحرب على فيتنام في سبعينات القرن الماضي ومن منتقدي السياسة الأمريكية، وخصوصاً النيوليبرالية، التي نشطت في عهد الرئيس رونالد ريغان وبالتعاون مع رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر، وكذلك من المندّدين بمبدأ الرئيس بيل كلينتون، القاضي بسيادة التجارة الحرّة وسيلة مهيمنة على العالم عبر شركات عابرة للقارات، وهذه الشركات العملاقة تعمل وفق نظام إداري تراتبي متسلّط وأوامرية فوقية، الأمر الذي سيعني أن حرية السوق حسبما ينظر لها أصحاب المذهب النيوليبرالي، لا تنسجم مع الدعوة لإقامة أنظمة ديمقراطية، وهكذا فإن التعارض سيكون شاسعاً بين متطلّبات السوق ومستلزمات الديمقراطية.

خلال صعود الفاشية والنازية في الثلاثينات من القرن الماضي، أطلق البعض عليهما وصف "الرأسمالية بلا قفازات"، لمعارضتهما حقوق الإنسان والديمقراطية، وانحيازهما للدكتاتورية والشمولية، وهو ما يخالف الفكرة الرأسمالية الليبرالية الكلاسيكية، تلك التي تعلي من شأن الفرد والفردانية، وترفع من قدر الحريّة كقيمة عليا سامية، إضافة إلى تقديس "حرية السوق"، وفقاً لشعار المفكر الاقتصادي البريطاني آدم سميث "دعه يعمل، دعه يمرّ".

فهل تنطبق تلك المواصفات على النيوليبرالية، أم أن هذه الأخيرة تمثّل مرحلة جديدة صعدت فيها قوى البزنس لتصبح أكثر شراسة وعدوانية، وهي تحاول إزاحة أي قوة أمامها تعارض ما يسمّى بحريّة الأسواق أو الأصح "دكتاتورية السوق"، حتى وإن كانت نظاماً ديمقراطياً لا فرق في ذلك عندها، لأن هدفها هو الهيمنة والحصول على الأرباح، لكنها قد تجد في "ديمقراطية" شكلية قائمة على الانتخابات مثالاً "جيداً"، لتحقيق أهدافها حيث يلعب الإعلام دوراً مؤثراً في كسب الناخب، وتحويل اهتمامه من المشاكل الجوهرية إلى مسائل ثانوية وربما أقل تأثيراً، بما يحافظ على هيمنة الشركات الكبرى المحميّة من الاحتكارات العالمية.

وقد حاولت النيوليبرالية إطاحة أنظمة وفرض أخرى للحجة ذاتها "الديمقراطية وحريّة السوق"، فالحكومات التي تعارض حرية السوق حسب النيوليبرالية هي حكومات غير ديمقراطية، حتى لو كانت تحظى بدعم شعبي، وكوبا مثالاً على ذلك، فقد استمر الحصار عليها ما يزيد عن خمسة عقود ونظّمت مئات محاولات التدخل للإطاحة بنظامها، وحكومة الليندي في تشيلي التي أطيح بها في العام 1973، كانت قد جاءت عبر انتخابات شرعية، ولكنها من وجهة نظر البزنس هي حكومة غير ديمقراطية، لأنها تعارض "حريّة الأسواق" التي تعني حريّة الولايات المتحدة في التدخل بشؤون الغير، بإعطاء الشرعية لنفسها للإطاحة بأي نظام يعارض توجهاتها، باعتباره يهدد "الأمن القومي"، حتى وإن بَعُد آلاف الأميال عنها.

وحسب النيوليبرالية يعتبر الفلسطينيون مهدّدين لحرية السوق وللديمقراطية، طالما يرفضون الانصياع للسياسة "الإسرائيلية"، وهي وإن كانت عدوانية وتتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، لكنها تنسجم مع وصفة واشنطن ذات الأضلاع الأربعة، وحسب أضلاعها هذه، فالتجربتان الأفغانية والعراقية بعد الاحتلال الأمريكي للبلدين، "ديمقراطية" لأنها تنسجم مع حرية الأسواق، والمقصود حرية واشنطن في التدخل ونهب الثروات.

وتحت مبرّرات العولمة تحاول النيوليبرالية عقد الصفقات التجارية والاتفاقيات الدولية، لتجعل مجتمع البزنس والشركات الكبرى، وكبار الأغنياء مسيطرين على اقتصاديات الأمم، وذلك عبر منظمة التجارة العالمية، خصوصاً بتسويق أوهام ضرورية ليبدو غير المنطقي مرغوباً، بالإيحاء أنه يعمل للصالح العام، وذلك عبر جهاز دولي واسع لصناعة "فكرة القبول" أو القدرة على الإقناع، ليصبح حسب المفكر الجزائري مالك بن نبي القابلية على الرضا أو الموافقة التي يقابلها الخضوع، حيث يعمل فيه ويسخّر له مفكّرون وإعلاميون ومؤسسات مجتمع مدني وقوى وأحزاب ووكلاء مباشرون وغير مباشرين.

ومنذ نهاية الحرب الباردة راجت نظريات ما سمّي بـ"نهاية التاريخ" حسب فرانسيس فوكوياما، أو "صدام الحضارات" حسب صمويل هنتنغتون وغيرها، سعياً وراء اختراع عدوّ جديد بعد القضاء على الشيوعية سمّي "بالإرهاب الدولي" الذي وضع مرادفاً له "الإسلام"، مع تسويق فكرة عدم وجود بديل أفضل من النيوليبرالية وتركيباتها الفرعية، واستبعاد أي فكرة جوهرية للتغيير أو لديناميات جديدة تُفضي إليه وتقف بوجه العولمة وتسعى للتقليل من تأثيراتها السلبية.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

"إسرائيل" الأفريقية

 

عبد الحسين شعبان

كانت القاهرة قبلة حركة التحرّر الوطني الأفريقية في الخمسينات والستينات، ولم يصادف أن يمرّ شهر من دون أن يزورها أحد زعمائها سراً أو علناً ويلتقي مسؤولين فيها، ويحظى بدعمها، فقد انتهجت مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر سياسة تضامنية مع شعوب أفريقيا وآسيا منذ مؤتمر باندونغ التاريخي العام 1955، الذي مثّل حضوراً لافتاً لزعماء وقادة كبار، مثل سوكارنو ونهرو وتيتو وعبد الناصر. وقد حدثني محمد فايق مسؤول الملف الأفريقي ووزير الإعلام المصري الأسبق، الذي أصدر أكثر من كتاب عن علاقة مصر بشكل خاص والعرب بشكل عام بأفريقيا، من بينها ما كتبه وهو في السجن، والموسوم "عبد الناصر والثورة الأفريقية"، أنه التقى لمهمات مختلفة ومتعدّدة مع باتريس لومومبا ونيلسون مانديلا وكوامي نيكروما وأحمد بن بلة، وعدد كبير من القادة الأفارقة، سواء قبل أن تتحرّر بلادهم أو بعد نيلها الاستقلال في الستينات، خصوصاً بصدور قرار الأمم المتحدة رقم 1514 في 14 كانون الأول (ديسمبر) العام 1960، والقاضي بتصفية الكولونيالية.

لكن أفريقيا التي كانت عمقاً استراتيجياً للعرب، لم تعد كذلك، الأمر الذي شجّع "إسرائيل" على التغلّغل بمختلف الوسائل النّاعمة والصّلبة داخل القارة السوداء، فبعد أن كانت أفريقيا بشكل عام تقف إلى جانب العرب وتؤيّد حقوق الشعب العربي الفلسطيني، وتندّد بسياسة "إسرائيل"، فإذا بها تقيم أوثق العلاقات معها، بما فيها على حساب العرب وأمنهم القومي.

هكذا حلّ رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو ضيفاً مميزاً على أفريقيا، وقام بجولة أفريقية شملت أربع بلدان في منطقة حوض النيل هي: كينيا وأوغندا ورواندا وإثيوبيا، ولعلّ هذه الزيارة هي الأولى منذ أواسط السبعينات لمسؤول "إسرائيلي" رفيع المستوى، وخلال زيارته الأفريقية عقد نتنياهو قمة في أوغندا (يوليو/ تموز/ 2016)، التقى فيها مسؤولين عن سبع دول أفريقية، فإضافة إلى رؤساء الدول الأربع، انضمّ مسؤولين في ثلاث دول أخرى إلى القمة، وهم رئيس جنوب السودان، ورئيس زامبيا، ووزير خارجية تنزانيا.

اللاّفت في زيارة نتنياهو، هو توقيتها الذي له دلالة رمزية، حيث تصادف زيارته مرور 40 عاماً على مقتل شقيقه الكولونيل جوناثان نتنياهو في عملية عينتيبي (يوليو/ تموز 1976)، التي أشرف عليها التنظيم المسلّح التابع للجبهة الشعبية (جناح وديع حداد)، حيث تمّ اختطاف طائرة "إيرفرانس" وهي في طريقها إلى باريس من مطار رام الله "الإسرائيلي"، وقام الفريق المهاجم بتوجيه طاقم الطائرة للنزول في مطار عينتيبي (أوغندا)، ولكن "إسرائيل" تمكّنت من إنقاذ الرهائن بالتواطؤ مع كينيا، واعتقلت بعض المهاجمين الذين أطلق سراحهم في عملية تبادل كبرى في العام 1986 ولقي ضابط "إسرائيلي" واحد حتفه هو شقيق نتنياهو.

كما تأتي هذه الزيارة، تتويجاً لنشاط محموم قامت به "إسرائيل" في القارة السوداء منذ عقود، مستغلة الأوضاع الاقتصادية الصعبة والمعقّدة التي تعيشها، وحاجتها إلى المساعدة التكنولوجية لتطوير الزراعة واستثمار الأخشاب واستصلاح الأراضي ونصب شبكات كهرباء وري، خصوصاً أن العديد من البلدان الأفريقية تعاني من المجاعة والتصحّر والأمراض والأمّية والتخلّف، ومن هذا الباب دخلت "إسرائيل" وتغلّغلت بحجّة مد يد العون لشعوبها.

وتشعر "إسرائيل" بأن سمعتها الدولية في تدهور مستمرّ، خصوصاً بعد عدوانها على لبنان العام 2006، وكذلك بعد حصار غزة منذ العام 2007، وعدوانها المتكرّر عليها في عملية عمود السحاب (أواخر العام 2008 وبداية العام 2009)، وعملية الرصاص المصبوب في العام 2012، وعملية الجرف الصامد في العام 2014، إضافة إلى مداهمة أسطول الحرية وقتل عدد من أفراده، بينهم 9 أتراك.

وقد تعهّد رؤوساء الدول الافريقية الذين التقاهم نتيناهو مؤخراً، بإعادة "إسرائيل" كعضو مراقب في الاتحاد الأفريقي، وقد كانت في السابق عضواً مراقباً في منظمة الوحدة الأفريقية لغاية العام 2002، وتأتي العودة "الإسرائيلية" بعد انحسار الدور العربي، فبعد أن كانت أفريقيا تتطلع إلى العلاقة مع العرب ودعمهم وتضامنهم، فإذا بها تنفتح أمام النفوذ الصهيوني الذي حاول الرئيس عبد الناصر قطع الطريق عليه، بمشاركته في تأسيس منظمة التضامن الأفرو – آسيوي العام 1957، ليوكل إليها مهمّات التضامن الدولي والإقليمي. ولا ننسى ما قامت به الجزائر في حينها بعد استقلالها، وكذلك الدعم الليبي والسوداني من أجل استمرار شعار المقاطعة لـ"إسرائيل"، وإنْ أصبحت نبرته خافتة، خصوصاً بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد العام 1978 – 1979، وفيما بعد توقيع اتفاقية أوسلو العام 1993 بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين"، الأمر الذي استغلّته "إسرائيل" لتعزيز علاقاتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية بدول وسط أفريقيا ومنابع النيل، بما فيها بناء 3 سدود كبرى في إثيوبيا.

وعلى الرغم من استمرار دعم الاتحاد الأفريقي لحقوق الشعب العربي الفلسطيني وتضامنه من أجل تحقيق مصيره وإقامة دولته المستقلة، ودعوة السلطة الوطنية الفلسطينية لحضور اجتماعاته، لكن ذلك لم يمنع دولاً أفريقية عديدة من تعزيز علاقاتها مع "إسرائيل" التي استغلّت حاجة الكثير منها لتفرض شروطها السياسية وتستثمر علاقاتها لأغراض أمنية واستخبارية. وتملك "إسرائيل" حالياً علاقات مع 40 دولة أفريقية (ولديها 10 سفارات، ويوجد 15 سفارة أفريقية في تل أبيب)، وهو أمر لا يمكن تصوّره بعد عدوان "إسرائيل" على البلدان العربية العام 1967 وحرب تشرين التحرّرية العام 1973، حيث قطعت خلال تلك الفترة نحو 30 دولة أفريقية علاقتها مع "إسرائيل".

ولعلّ أحد أهداف زيارة نتنياهو لأفريقيا تكمن في محاولة الظهور بمظهر من يريد تقديم الدعم لمكافحة الإرهاب، وهو بذلك يحاول تسويق "إسرائيل" باعتبارها ضحية  للإرهاب "الفلسطيني"، بقوله "ليس لدى أفريقيا أي صديق أفضل من دولة "إسرائيل" خارج أفريقيا، خصوصاً عندما تكون هناك حاجة لأمور عملية مثل الأمن والتنمية". إذاً فالأسباب الأمنية والاستخبارية، إضافة إلى الرغبة في الحصول على دعم أفريقي في المحافل الدولية لصالح "إسرائيل"، هو من أهداف هذه الزيارة التي جرى الاستعداد والتحضير لها على نحو دقيق خلال الفترة الماضية، فـ"إسرائيل" تريد القول إنها موجودة في أفريقيا، وأن وجودها سيكون على حساب العرب.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

 

إسلام ومسلمون

عبد الحسين شعبان

 

ليس بوسع المرء أن يتحدّث عن الإسلام في منطقتنا ما لم يتكلّم عن المسلمين أنفسهم حضوراً، أو فعلاً سياسياً أو وعياً لأنفسهم إزاء الدّين من زاوية، وإزاء الآخرين من زاوية أخرى، متدينين أو غير متدينين، بقدر ما له من صلة بالمشترك الإنساني الذي يجمع البشر.

والأمر يمتدّ إلى بعض الممارسات العنفية وبعض الأعمال الإرهابية التي استشرت في المنطقة العربية على نحو مريع، وبعض أمثلتها ما قامت به تنظيمات "القاعدة" و"داعش" و"جبهة النصرة" وغيرها، فضلاً عن توجّهات متعصّبة ومتطرّفة تحمل يافطة الإسلام.

ندرة من الإسلاميين تفرض عليك قولاً آخر، بالاستجابة إلى ركب التقدّم الحضاري والرقي الإنساني، في حين تغرق الأغلبية السّاحقة، لا سيّما من النخب الدينية في التموقع الطائفي والاصطفاف المذهبي، خارج دائرة الوطن والمواطنة والوطنية، سواء بزعم المظلومية تارة، أو بادعاء الأغلبية في أخرى، وفي ثالثة، التشبث بالأفضليات على الآخر، سواء التغنّي بالعقدة "الأقلوية" أو "الأغلبوية" أو الاستغراق في الماضي، بزعم العودة للأصول.

لا تزال عقلية الأسوار والخنادق مهيمنة على الكثير من الإسلاميين، وهي امتداد لثقافة الحرب الباردة، بشكلها الأكثر بشاعة، من خلال ما هو محرَّم وما هو محلَّل، وما هو مقدَّس وما هو مدنَّس، وأساس ذلك التفريق بين مواطن وآخر تبعاً لدينه أو طائفته أو مذهبه أو عرقه أو لغته أو جنسه أو أصله الاجتماعي. وإذا لم يتم تغيير النظرة والممارسة التي تأخذ على الناس هويّاتهم الفرعية وخصوصياتهم، فلن تستطيع مجتمعاتنا إحراز التقدم المنشود الذي يقوم على مبادىء المواطنة والشراكة والمشاركة، التي تتعزّز بارتفاع قيم الحريّة والمساواة والعدل، وذلك عبر قوانين وتشريعات ومؤسسات وقضاء مستقل ومساءلات ضرورية في إطار من الشفافية.

وإذا كانت المساواة في الكرامة الإنسانية من قيم الإسلام، لكنها ليست بالضرورة سلوكاً يومياً وأخلاقياً بالنسبة إلى المسلمين، خصوصاً أن قسماً غير قليل منهم يشعر بالتسيّد والتفوّق بزعم كونه "الأغلبية"، في حين يشعر الآخر بالتمييز وعدم المساواة، إنْ لم يكن بالاضطهاد، لا سيّما من أتباع الديانات الأخرى مثل المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين وغيرهم.

ومثل هذا الشعور بالاستعلاء وادعاء احتكار الحقيقة يمتدّ إلى داخل الدين الواحد، الذي ينقسم إلى طوائف، وتتحوّل فيه الاجتهادات إلى صراع مذهبي، وقد شهدنا منذ الثورة الإيرانية في العام 1979، صراعاً محموماً طابعه طائفي اتّخذ من السنّة والشيعة في العديد من بلدان المنطقة وقوداً لا قرابات لها، ذيولها وامتداداتها الإقليمية.

إذا كنا نؤمن بقول الخليفة عمر بن الخطاب "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، وهو ما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد نحو 1400 عام، حين نصّ "يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق"، فعلينا احترام اختيار الناس الأحرار، الذين بإمكانهم أن يهتدوا أو أن يضلّوا، بغضّ النظر عن مذهبهم كما يقول المطران جورج خضر، وسواءً كان الناس من اليمين أو من اليسار، فهم أحرار في اختياراتهم وحقهم في التعبير عنها دون خوف أو محاكم تفتيش للضمائر والقلوب والعقول.

ومن هذا المنطلق ننظر إلى معاناة المسيحيين في بلدان الشرق، والمشاكل الحقيقية التي واجهوها في العالم العربي، وهي بالأساس ناجمة من فهم مغلوط أولاً لمعنى المساواة القانونية وثانياً لمبادىء الشراكة والمشاركة الفعلية وثالثاً لاحترام الخصوصية والهويّة ورابعاً للمواطنة وقيمها الأساسية في الحرية والعدالة.

وتعرّض المسيحيون إلى حملات تنكيل وتقتيل وتهجير، ارتفع منسوبها خلال السنوات الأخيرة، على نحو لم يشهده العالم العربي في تاريخه القديم والحديث، وحصل مثل هذا الأمر في العراق منذ الاحتلال العام 2003، حيث استمرّ نزيف الهجرة، مثلما شهدت كنائس وأديرة وتجمعات المسيحيين أعمال تفجير وعنف وإرهاب. وفي سوريا لاقى المسيحيون منذ العام 2011 استهدافات بذرائع مختلفة، واضطر قسم كبير منهم إلى الهجرة. وقبل ذلك في فلسطين التي أجلي المسيحيون عنها، فقد كان عددهم يزيد على 20% من السكان قبل الاحتلال "الإسرائيلي" وقيام "إسرائيل"، لكنه تراجع إلى أقل من 1.5% وفي القدس وحدها كان في العام 1948 أكثر من 50 ألف مسيحي، لكنهم اليوم أقل من 5 آلاف فقط، بسبب تعرّضهم إلى التهجير، والأمر يشمل أيضاً لبنان التي هاجر منها خلال الحرب الأهلية، وما بعدها ما يزيد على 700 ألف مسيحي، كما يشمل مصر والسودان، حيث كانت تمارس ضغوط واسعة على المسيحيين، الذين ظلوا يشعرون بالتمييز وعدم المساواة.

المسيحيون في كل تاريخهم المشرقي لم يمارسوا العنف، وكذلك المسيحية المشرقية بشكل عام كانت سلمية في علاقتها بالأديان الأخرى، مثلما رفضت، وقاومت محاولات فرض الهيمنة من جانب الغرب في ما سمّي بالحروب الصليبية خطأ، في حين أنها "حروب الفرنجة" ضد الشرق لفرض الاستتباع والسيطرة على المنطقة، بمسلميها ومسيحييها.

وقد أدرك المسيحيون خطر الصهيونية أبكر من غيرهم، فوضعوا الكتب ضدها منذ مطلع القرن العشرين، وهم من أبدع المفهوم الحضاري الثقافي للعروبة، وقاموا بعلمنته بهدف توحيد دنيا العرب مساهماتهم في حركة التنوير والانبعاث الحضاري، فضلاً عن جهدهم المثابر والدؤوب في الحفاظ على اللّغة العربية، وقد يكون قول السيد المسيح هادياً لهم "وتعرفون الحق والحق يحرّركم".

وإذا كان ثمّة شعائر يؤدّيها المسلمون، فهناك شعائر يؤدّيها المسيحيون أيضاً، وهي متوارثة وجزء من طقوس تاريخية، وهو ما يفرض احترامه وحفظه قانوناً، كحق للمسلم والمسيحي، ولغيرهما، مثلما هو حق للمؤمن ولغير المؤمن، ﴿فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر﴾؛ (سورة الكهف: الآية 29). حسب ما جاء في القرآن الكريم.

والإنسان دائماً مأخوذ بين الشك واليقين، وهذا بحدّ ذاته يستوجب احترام الآخر على أساس "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" حسب الإمام الشافعي، وإذا كان لكل منّا مقدّساته، فلا بدّ من احترامها، علماً بأن ما هو مقدس لدينا، قد لا يكون مقدساً لغيرنا والعكس صحيح، الأمر الذي استوجب احترام حريّة التعبير، وحق التفكير والضمير. وحقّ لنا أن نتأمل مقولة الشيخ محمد عبده حين قال: "ذهبت للغرب فوجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين، ولما عدت للشرق وجدت مسلمين، ولكن لم أجد إسلاماً"، وقد كان يقصد وجود حريّات ومواطنة واحترام الخصوصية والهويّة الفرعية.

 

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

عن سُلطة المثقف!

عبد الحسين شعبان

غالباً ما يطرح السؤال هل للمثقف سلطة "خاصة به"؟ ثم ما هي عناصر هذه السلطة إن وجدت؟ وبعد ذلك ما هي العلاقة بين سلطة المثقف والآيديولوجيا والقمع؟ وأخيراً كيف يمكن التعبير عن جدلية الثقافة والوعي؟

يمكن القول إن سلطة المثقف هي ثقافته والثقافة معرفة، وهو ما يطلق عليه فرنسيس بيكون سلطة. أما عناصر هذه السلطة فهي ما يمكن أن نحدّدها بالعلم والتجربة الذاتية للمبدع بما فيها من خيال (فنتازيا)، إضافة إلى الإرادة والوجدان والضمير. وهذه السلطة لا تسود بالقمع أو بالمال، بل تتعزّز وتتوطّد وتغتني في ظل وعي يتلازم، وخصوصاً في أجواء الحرية أو الحد الأدنى منها، بحيث تكون أرضية مناسبة لتطوّرها، خصوصاً بتوفّر ضمانة لحمايتها ولتعميق الوعي بأهمية الثقافة.

لسلطة المثقف حرمة، مثلما للمعرفة حرمة، وهي حرمة لدى صاحبها أولاً، ومن لا يحترم وسيلته الإبداعية لا يحترم حرمته، ولهذا فإن نكوص المثقف عن سلطته، أي تنازله عنها يعني عدم احترام ثقافته وبالتالي معرفته. والسبيل لتعزيز سلطة المثقف وتحريره مما يحول بينه وبين الإبداع، يكمن في إشاعة الحريّات، ولا سيّما حريّة الفكر والإبداع واحترام حقوق الإنسان، ففي أوضاع كتلك تتعمّق وتتعزّز سلطة المثقف وتزداد رقابته إزاء نفسه، وتنحسر استعداداته لحالات الضعف والمداهنة، خصوصاً لما تريده السلطة أو الجماعة السياسية أو الدينية أو الطائفية أو العشائرية أو بعض مفاصل القوة في المجتمع من تبرير وتسويغ لخطابها ونهجها وعقيدتها وممارساتها.

خلال حقب زمنية وفي ظل تسويغات فكرية وإبداعية للخطاب السياسي ولا سيّما في ظلّ أنظمة شمولية سواء كانت اشتراكية أو قومية أو إسلامية امتُهِنتْ الثقافة بشكل عام، ووظّفت جميع وسائل التعبير فيها، مثل الكتابة والريشة واللوحة والمسرح والسينما والموسيقى وغيرها من الفنون والآداب لتبرير بعض الأعمال ذات الطابع الاستبدادي. وحاولت الطبقات والفئات الحاكمة والجماعات السياسية والدينية تقديم نفسها باعتبارها  ممثلة لكل الشعب، وذلك بوصفها " الأب الروحي" الذي يفكّر نيابة عن جميع المواطنين، وسعت لتسويق فكرها عبر الأجهزة الآيديولوجية والإعلامية الخاضعة لها باعتباره فكر كل المجتمع، والتعبير المصطفى عن نخبه وتطلّعاته.

ولكي يتم كسر شوكة المثقف فقد استخدمت بحقه ثلاث وسائل وهي: القمع والآيديولوجيا والإغراء بالمال، فعبر الأولى يتم فرض السلطة المادية (البوليسية) وفي الثانية يتم بسط النفوذ الفكري الذي قد يقترب من غسل الدماغ أحياناً، أما الثالثة فيتم ترويضه ويضطر هو إلى المداهنة أو السكوت، إنْ لم يوظف وسيلته الإبداعية، لصالح جهة المال والقرار. وفي أحيان غير قليلة يتحوّل القمع الى نوع من "الأدلجة" لإجبار ليس المواطن فحسب، بل المثقف على قبول فكر السلطة أو الجماعة السياسية أو الدينية أو الطائفية باعتباره الفكر الوحيد والمقبول والمسموح به، أو هو ما يبرره لنفسه.

لقد واجه المثقفون وسائل متنوعة استهدفت جميعها، الحطّ من دور الثقافة والمثقف، سواء بالتبديد المبرمج أو بالتدمير المبعثر، وسواء كان الإجهاز على الثقافة والمثقف منهجياً أو عشوائياً، فإن الهدف منه هو أما محاربة الثقافة وتحجيم دور المثقف أو استخدامها وتوظيفه لمصلحة الحاكم وصاحب القرار، أياً كان وأياً كانت آيديولوجيته لتبرير مشروعه السياسي أو الديني أو الطائفي أو الإثني.

في مواجهة سلطة المثقف، استخدمت سلطة التحريم بشكل عام، ابتداء من مقص الرقيب ولجم حرّية التعبير وإلى السجن وكاتم الصوت. مثلما استخدمت ضده سلطة الدين، والأدق سلطة توظيفه للحد من نفوذه وتأثيره، وخصوصاً المثقف الحداثي، التنويري، الداعي إلى التغيير، لا سيّما في مواجهته ثقافة ماضوية. ولعلّ الجدل في مجتمعاتنا لا يزال قوياً ومؤثراً، خصوصاً بين من يدعي النطق باسم " الدين" أو من يزعم تمثيل هذه الطائفة أو تلك وبين سلطة المثقف وثقافته، وهؤلاء وأولئك حاولوا تسييس الدين لأغراضهم ومصالحهم الخاصة، وأحياناً انعقد الحلف بين الحاكم  أو السياسي، ورجل الدين، فالأول يضفي القدسية على رجل الدين ويترك له أمور الفتوى، والثاني يطلب تأييد الحاكم أو السياسي ونهجه بغض النظر عن صلاحه أو فساده.

وهناك سلطة التقاليد والعادات الاجتماعية، بكل ثقلها وتزمّتها، حتى وإن كان بعضها قد أصبح بالياً، ولم يعد يتناسب مع روح العصر، لكن هناك من يوظفها ويستخدمها لمواجهة المثقف، في ظلّ محرّمات وتابوات بهدف منعه من مشروعه التغييري والإبقاء على المجتمع في سكونية وخمول، أما سلطة المال فهي دائماً تحاول إغراءه وتظل تضغط عليه من زوايا ووجوه مختلفة، سواء بالاقتناع أو بالاقتلاع، وغالباً ما يتم غلق الأبواب بوجهه وعدم إتاحة الفرص أمامه، الأمر الذي يؤدي إلى اختلالات كبيرة في حياته ظل حاجات ومتطلبات معيشية  ضرورية وأساسية.

وتقوم الآيديولوجيا السائدة بمهمة أو وظيفة منح القمع "المشروعية"، باعتباره شرطاً لا غنى عنه لاستمرار السلطة وفكرها عبر قوانين ومؤسسات ولوائح وإجراءات تبرّر إنزال العقاب بالمعارضين وغير المروّجين لسياساتها، حتى إذا التزموا الصمت ولاذوا بالسكوت وابتعدوا عن الأضواء وأحجموا عن النشر أو ممارسة النشاط الثقافي.

لقد تعاظمت هذه الظاهرة لدرجة أصبحت مألوفة في عالمنا العربي، وخصوصاً بارتفاع عائدات النفط وامتداد نفوذ السلطة إلى خارج حدودها واتساع أجهزتها الآيديولوجية والإعلامية الأخرى ولا فرق هنا بين أنظمة ثورية أو أنظمة محافظة، لتشكّل بُعداً وتأثيراً بالمال والمغريات في محاولة لنشر ثقافتها وفكرها عن طريق بعض المثقفين، في حين ساد نوع من الخوف لدى البعض الآخر وانتشر اليأس وعدم المبالاة لدى جماعات أخرى من المثقفين، ولجأت السلطة إلى سحق من يقف في طريقها أو من يحاول أن يفكر ويدعو إلى رأي آخر، كما استطاعت إرهاب آخرين ودفعتهم إلى الانزواء والعزلة.

إن عملية تدجين المثقف بهدف توظيف طاقاته الإبداعية لصالح السلطة أو الجهاز البيروقراطي مرّت وتمرّ بوسائل متنوّعة، متدرّجة ومتداخلة، فإضافة إلى ما ذكرناه، فهناك وسائل أخرى لا تقلّ قسوة لترويض المثقف، عبر حرب نفسية وإشاعات ومحاولة لتشويه السمعة وغيرها.

وقد سعت السلطة والجماعة السياسية لإلحاق المثقف بها والعمل على دمجه بجهازها البيروقراطي ومؤسساتها الثقافية، بالإغداق عليه أو إغراقه كي لا يغنّي خارج السرب. وفي كل الأحوال تحرص على عدم خروجه من الفلك الذي تريده أن يدور فيه، بهدف الإبقاء على الصوت الواحد وتطويع وسيلته، كي لا يشكّل نقطة جذب، خصوصاً عندما يتمتّع بقدر من الاستقلالية في الاجتهاد والمعالجة والموقف.

 

موقع الجزيرة نت

 

 

"الترامبية":

 مجابهة الإرهاب بمثله

 

عبد الحسين شعبان

هل شكّلت أفكار دونالد ترامب المرشّح الجمهوري للرئاسة الأمريكية وآرائه، نظرية سياسية، بحيث يمكن أن نطلق عليها "الترامبية"؟ أم ثمّة مبالغة في الأمر، فظهور نظرية سياسية، يحتاج إلى حقبة زمنية تتبلور فيها، وسياسات رسمية تعتمدها، سواء كان المنظّر أو الداعية لها زعيماً أو قائداً أو رئيساً. وإذا أردنا ألاّ نحصر الأمر بالفلسفات والنظريات الكبرى، كالليبرالية والماركسية والفاشية والنازية وغيرها، فإن هناك نظريات وآراء تتعلق بالاستراتيجية الأمريكية، وخصوصاً تلك التي برزت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تبنّاها رؤساء أمريكان، وهو ما ندرج فيه الترامبية، حتى وإن لم تتبلور بعد، لكن بعض أساساتها موجود في المجتمع الأمريكي.

وقد كان مذهب ترومان قد تبلور في بداية الحرب الباردة، وهو يقوم على "فكرة القوة الضاربة" في المواجهة الاستراتيجية العسكرية ضد الاتحاد السوفييتي، وقد تلقّفه ونستون تشرشل الزعيم البريطاني الذي أطلق صرخته ضد الشيوعية.

أما مبدأ آيزنهاور فقد تشكّل حول "فكرة ملء الفراغ"، وجاء بعده مبدأ نيسكون الذي قام على "نظرية الدركي بالوكالة"، وأعقبه مبدأ كارتر المعروف بـ"التدخل السريع والمباشر"، طبقاً لما عناه بريجنسكي "قوس الأزمات والعمليات الصاعقة"، وعلى أساسه تحدّدت "استراتيجية الحرب ونصف الحرب"، وبالتدرّج كانت أوروبا أولاً والشرق الأقصى ثانياً والشرق الأوسط ثالثاً.

وفي غمرة الصراع الآيديولوجي في الثمانينات نشأ مبدأ ريغان الذي قام على "نظرية الحربين ونصف الحرب"، فالحرب الأولى في أوروبا ، والثانية في الخليج ونصف الحرب أو حروب صغيرة في أمريكا اللاتينية.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وإقامة ما يسمى بـ"النظام العالمي الجديد" تم الترويج لمبدأ بوش الأب الذي استند إلى فكرة "الاستخدام الأوسع لنظرية القوة المسلحة"، والذي طبقه لاحقاً في أفغانستان والعراق، وحين جاء الرئيس كلينتون من بعده قدّم خطوة وأخّر أخرى في ظل سياسته الموسومة بـ"الاحتواء المزدوج". والإبقاء على هيمنة واشنطن، وقد سار الرئيس بوش الابن، مديات أوسع في فكرة استخدام القوة، مقدّماً الوسائل العسكرية على الوسائل السلمية والدبلوماسية.

أما الأوبامية فهي وإن بدت استمراراً للاستراتيجية الأمريكية بخطوطها العامة، إلاّ أنها وتحت ضغط الفشل في العراق والأزمة المالية والاقتصادية، انكفأت وحاولت عدم التورط بإرسال قوات عسكرية إلى الخارج. فهل يمكن أن نقول إن ترامب حتى قبل أن يصبح رئيساً جاء ونظريته معه؟ فما بالك لو أصبحت سياسته رسمية؟

صحيح أن ترامب رجل أعمال، وليس له خبرة سياسية، لكن الآراء التي قال بها وروّج لها، وإنْ كانت غريبة عن مسار رؤوساء الولايات المتحدة السابقين، إلاّ أنها حاكت توجّهات قوى داخل المجتمع الأمريكي، وهي أفكار موجودة، بل ومنتشرة لدى أوساط واسعة، فجاء ترامب ليحرّكها، ويبث فيها روح المجابهة.

يستخفّ البعض بمحدودية تفكير ترامب ونظرته الضيّقة إلى العالم والعلاقات الدولية والإنسانية بين الأمم والشعوب، ويعتبر حضوره ضعيفاً، وهو لا يحظى حتى الآن حسب استطلاعات الرأي على 25% من أصوات الناخبين، وقد خسر في الولايات الكبرى،  لكن أجواء الكراهية والعدائية والعنصرية ضد الآخر موجودة لدى فئات واسعة من السكان، بل تكاد تتفاقم سواء نجح ترامب أم لم ينجح.

وإذا كانت الولايات المتحدة في كل تاريخها المعاصر تشن الحروب وتحيك الدسائس والمؤامرات وتتدخّل بشؤون الدول الأخرى، ولكن الحجة دائماً كانت "حماية قيم العالم الحر" والدفاع عن الحرّيات وحقوق الإنسان ورعاية الديمقراطية، وهي الذرائع التي اتبعها جميع رؤساء أمريكا بشكل عام، لكنها أصبحت أكثر خطورة بعد تفرّد واشنطن بالهيمنة على نظام العلاقات الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لا سيّما وهي تزعم الآن أن مسؤوليتها في قيادة العالم تتجلّى بمكافحة الإرهاب والعنف والتطرّف، الأمر الذي يجعل شخصية مثل ترامب تجاهر بعدائيتها وكراهيتها للعالم. والسؤال: هل يمكن مكافحة التطرّف والتعصّب والعنف والإرهاب، بمثله؟ ترامب يجيب على ذلك بنعم، ولا يتورّع أن يدعو له علناً، بحيث يريد توظيف كل قدرات الولايات المتحدة لذلك.

ويدرك ترامب أن تصريحاته على ما فيها من فجاجة وضحالة، إنما تتناغم مع سايكولوجية شرائح غير قليلة من المجتمع الأمريكي، ولذلك فهو يضرب عصفورين بحجر واحد، الأول – كدعاية انتخابية، والثاني – كتعبير عن فكر عنصري متطرّف، وهو الأمر الذي قد يقوده إلى سدّة الرئاسة، خصوصاً إذا استغلّ خلال الشهرين والنيّف المقبلين بعض أخطاء هيلاري كلينتون، المرشحة الديمقراطية فضلاً عن فضائح الـ15 ألف رسالة ألكترونية المختفية حتى الآن، والتي استخدمتها عندما كانت وزيرة للخارجية في حكومة الرئيس أوباما خلال ولايته الأولى.

إن استمرار ظواهر الإرهاب والعنف على المستوى العالمي وتنامي الجماعات الإرهابية، يجعل مخاطبة المزاج العام الأمريكي مسألة مؤثرة في الدعاية الانتخابية، وهو ما يحاول ترامب العزف عليه، فهل يعقل بعد إعلان ثلاث رؤساء هم كلينتون وبوش الابن وأوباما: أن حلّ الدولتين هو الأفضل للنزاع العربي – الإسرائيلي، حتى وإن كانت النبرة خافتة، أن يأتي مرشّح للرئاسة ليعلن أن سفارة بلاده ستكون في القدس، وهو الإجراء الذي أعلن عنه قبل عدّة سنوات، ولقي ردود فعل عالمية كثيرة، لأن القدس حسب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 467 والصادر في 30 يونيو (حزيران) العام 1980، قرر بطلان ضم القدس وعدم شرعيته، كما أن قواعد القانون الدولي لا تجيز ضم الأراضي بالقوة أو إحراز أي مكاسب سياسية بسبب الحرب.

هل يعقل أن يقول "مرشح للرئاسة" لأكبر دولة في العالم، "إنه سيمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة" (أي يمنع مليار وأكثر من 500 مليون إنسان)، وهم يشكّلون قوام سكان أكثر من 57 بلداً، ومعهم مسلمون من دول أخرى يحتلون فيها نسبة وازنة؟ وهل يصدّق حين يدعو إلى بناء جدار عازل مع المكسيك، في الوقت الذي تتألف الولايات المتحدة من إثنيات ولغات وشعوب متعدّدة ومختلفة؟

إذا كان البعض لا يتصوّر صعود ترامب إلى دست الرئاسة، فإن كاتباً مثل جوناثان فريدلاند يكتب في صحيفة "الغارديان" مقالة بعنوان "مرحباً بكم في عصر ترامب"، وحتى لو كان الأمر من باب الإثارة أو الاستفزاز، فإن الترامبية لديها جذور في المجتمع الأمريكي، سواء فاز ترامب أو لم يفزْ.

أكاديمي ومفكّر عربي

 

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

"... ولات ساعة مَنْدمْ"!!

 

عبد الحسين شعبان

قال الرئيس السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف، في تصريح لوكالة الأنباء الروسية "سبوتنيك"، إنه لم يندم إلاّ على شيء واحد، وهو زوال الاتحاد السوفييتي، وقد أثارت تلك التصريحات عاصفة من التكهّنات والتقديرات حول الانقلاب العسكري الذي أراد الإطاحة به، قبل ربع قرن من الزمان (19 – 21 أغسطس/ آب/ 1991)، خصوصاً ما له علاقة بمصير الاتحاد السوفييتي السابق، الذي كان آخر رؤسائه، والذي ضمّ 15 جمهورية اتّحدت على دفعات، واستمرّ لنحو 70 عاماً في ظلّ نظام «اشتراكي».

وقد اعترف غورباتشوف بمسؤوليته عن انهيار الاتحاد السوفييتي، وقال في وقت سابق في موسكو (أبريل/ نيسان/ 2016) بمناسبة صدور كتابه "غورباتشوف في الحياة": لا أستطيع أن أعفي نفسي من المسؤولية مشيراً إلى أنه لم يتمكّن من مقاومة المحيطين به، وخصوصاً بوريس يلتسين.

جدير بالذكر أن غورباتشوف احتـجز في منـتجعه على البحـر الأسود، لأنّـه – كما نقلت الرواية – رفض التوقيع على مرسوم إعلان حالة الطوارىء بعد الانقلاب العسكري، ولكنّه عاد بعد فشله وسلَّم مقاليد الأمور إلى بوريس يلتسين، في خريف العام ذاته، وهذا الأخير سلَّم السُّلطة بعد ثماني سنوات ونيّف من الزمان إلى فلاديمير بوتين (31 ديسمبر /كانون الأول 1999).

وظلّ الانقلاب العسكري منذ ذلك الحين وإلى الآن أقرب إلى لغزٍ، يحيطه الكثير من الغموض والإبهام، فضلاً عن عناصر الشكّ والإثارة في الوقت نفسه، ناهيك عن أسئلة حائرة حول ما حصل، وكيف حصل، ثم كيف انهار الاتحاد السوفييتي بعد ذلك، برمشة عين وحتى دون عاصفة تُذكر؟ وقبل ذلك لماذا أخذ بالانحلال لدرجة أن 6 جمهوريات خرجت منه، وكأنها أوراق أشجار تساقطت خلال الخريف؟

بعض التقديرات والتسريبات تقول: إن مدبّر الانقلاب ومخرجه، وواضع سيناريوهاته، هو أعلى هرم في السُّلطة والحزب في الاتحاد السوفييتي، والمقصود به غورباتشوف، في حين أن من نفّذه هم فريق من الصقور، الذي أراد التخلّص منهم بزعم الحفاظ على الاتحاد السوفييتي، وكان ذلك بمثابة فخٍ لهم، حيث قاد الانقلاب وزير دفاعه ديمتري بازوف ووزير داخليته بوريس يوغو ورئيس استخباراته فلاديمير كريتشوف.

لم يكن سرّاً أن غورباتشوف تعرّض بسبب سياسته المعلنة «البيريسترويكا والغلاسنوست» (إعادة البناء والشفافية) إلى ضغوط كثيرة، من الطرفين المتصارعين، والمقصود بذلك فريق الصقور، أي الجناح المحافظ والمتشدّد والتقليدي، والذي كان متحفّظاً ومعرقلاً للتغيير والإصلاح، وفريق الليبراليين الذي اعتقد أن خطوات غورباتشوف بطيئة وغير حاسمة أو جذرية بما فيه الكفاية، وكان يريد منه الإسراع بالتغيير والانفتاح، بزعم العصرنة والتحديث والديمقراطية، تأثراً بالطريقة الغربية التي لا يمكن تطبيقها في ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتاريخية مختلفة، خصوصاً إذا كان الأمر "استنساخاً" و«تقليداً».

إذا كان غورباتشوف قد ندم على سياساته التي أدّت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي، فإن ندمه جاء متأخّراً، فقد حصل المحذور، والأمر ليس خطأً صميمياً يتعلّق بالاجتهاد، بل كان الخطأ استراتيجياً، وهو خطيئة بكل معنى الكلمة، ومن الخطورة بمكان على مستوى النظرية والتطبيق، حين تمّ تسهيل مهمّة العدوّ الخارجي للانقضاض على الاتحاد السوفييتي وتدميره، وبالتالي تحطيم التجربة الاشتراكية العالمية.

صحيح أن الاتحاد السوفييتي كان بحاجة إلى إصلاحات جذرية على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية، بإقرار التعدّدية والتنوّع وإطلاق الحرّيات، وخصوصاً حرّية التعبير، واتباع أساليب عصرية في الإدارة والإنتاج، والاستفادة من منجزات الثورة العلمية – التقنية، وإصلاح الأنظمة والقوانين والمناهج، وتأكيد حقوق الشعوب والمجاميع الثقافية، والتعامل معها على أساس المساواة وعدم التمييز، وهو ما تضمنه برنامج غورباتشوف، لأنه كان يعاني من الركود الاقتصادي، بل إن اقتصاده مرّ بأزمات حادّة وخانقة، ناهيك عن بيروقراطية حكومية وحزبية سافرة وضعف روح المبادرة والفردانية، فضلاً عن شحّ الحريّات وهدر حقوق الإنسان، لكن مثل تلك الإصلاحات لو اتسمت بالتدرجية وتهيئة الظروف المناسبة لها، ليست بالضرورة تقود إلى الإطاحة بالدول السوفييتية، والتجربة الاشتراكية الكونية.

لقد أوقع غورباتشوف بسياسته المتعجّلة وغير المتسقة مع التطوّر التاريخي، البلاد في  أزمة جيوسياسية اقتصادية سوسيوثقافية فوق أزمته التاريخية، وهذه الأزمة قادت إلى تفكيكه، خصوصاً وأن الفريق الذي اعتمد عليه لم يكن جديراً بالإصلاح، كما أنه باشر بالإصلاح السياسي قبل أن يهيّىء الظروف المناسبة لتغييرات اقتصادية ومعاشية وثقافية تسبقه، ناهيك عن تهيئة كوادر على مستوى الدولة والحزب والمنظّمات الجماهيرية والمدنية لإنجازه.

حين حصل الانقلاب كان الاتحاد السوفييتي على شفا حفرة – كما يُقال – فقد انسلخت من منظومته كل من بولونيا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا، وكان جدار برلين فاصلة بين مرحلتين، ونتذكّر حين خاطب الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، غورباتشوف قائلاً: حطّم جدار برلين (يونيو/ حزيران 1987) وهو ما حصل في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) العام 1989، وكان ذلك بمثابة قصّ أجنحة الاتحاد السوفييتي، وكشف ظهره.

وخلال تلك الفترة برزت شخصيات وصولية طامعة بالسُّلطة مثل بوريس يلتسين، الذي لقي دعماً من الغرب لإزاحة غورباتشوف نفسه، الذي تم الترويج له هو الآخر، وكان الهدف هو القضاء على ما تبقى من الاشتراكية، حتى وإن كانت بصفحتها الرديئة، وكانت الخطوة الأخرى والمهمّة للتفكيك هي خروج (روسيا) و(أوكرانيا) و(بيلاروسيا) من الاتحاد السوفييتي، بقرار اتخذه ممثلوها، وهم شيفارنادزه وكرافتشوك وشوشكرفيتش، دون العودة إلى الأطر الدستورية التي يحاول غورباتشوف اليوم التذكير بها بعد 25 عاماً، ولكن بعد فوات الأوان.

ولم يكن انهيار الاتحاد السوفييتي بمعزل عن الصراع الآيديولوجي بين المعسكرين، حيث نظّم الغرب على مدى أربعة عقود ونيّف من الزمان (أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية العام 1945) برنامجاً للقضاء على الشيوعية، وذلك عبر ما سمّي "مجمّع العقول" أو (تروست الأدمغة) الذي عمل بمعيّة كنيدي والرؤساء من بعده، حيث عمل فيه كيسنجر وبريجنسكي ومادلين أولبرايت وستيفن هادلي وكونداليزا رايز وآخرون.

وقد راجت عدّة نظريات للإطاحة بالاشتراكية، ولعلّ أهمها نظرية بناء الجسور التي قال عنها الرئيس جونسون: إنها جسور ستعبرها البضائع والسلع والسوّاح والأفكار، تلك التي سنمدّها لتحطيم الاتحاد السوفييتي من داخله. وكان سارتر على حق، وبنظرة متقدّمة حين وصف الدول الاشتراكية، بقوله: إنها قلاع محصّنة، ويصعب اقتحامها من الخارج، لكنها هشّة وخاوية من الداخل، وهزمت كل المحاولات للإطاحة بالأنظمة الاشتراكية من الخارج، لكن العدوّ كان داخلياً وبامتياز، وهو إكراه الناس والأمم والمجتمعات (السوفييتية) ومحاولات فرض موديل واحد عليها بالقوّة وينبغي على الجميع الخضوع له.

أكاديمي ومفكّر عربي

صحيفة الخليج "الإماراتية"

 

 

الشيزوفرينيا السياسية

في العراق والمربع صفر!!

عبد الحسين شعبان

بعد تطوّرات دراماتيكية عاصفة، تمكّن حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي مؤخّراً من إمرار تعيين خمسة وزراء قيل إنهم «تكنوقراط»، وحصل على موافقة البرلمان، لكن الوزراء المعنيين لم يكونوا بعيدين عن ترشيحات الكتل السياسية وبعضهم محسوب عليها، الأمر الذي سيعني أن مرجعيتهم ستكون لهذه الكتل ذاتها، ورؤسائها بالتحديد، وليس مرجعية مجلس الوزراء.

ولم يخفِ المجلس الإسلامي الأعلى ترشيحه لوزيرين من وزراء «التكنوقراط»، هما وزيرا النفط جبار لعيبي، والنقل كاظم فنجان الحمامي، في حين رشّح حزب الدعوة يوسف الأسدي لحقيبة وزارة التجارة الذي لم يحصل على تصويت البرلمان لصالحه، كما أن وزارة الصناعة عادت إلى ترشيح كتلة الصدر، ويبحث رئيس الوزراء تعيين وزير تركماني، وظلّت منظمة بدر في أخذ وردّ بشأن وزارة الداخلية التي هي من «استحقاقها» كما تقول بعد استقالة محمد الغبّان، وطرحت اسماً بديلاً عنه هو قاسم الأعرجي، أما قائمة إياد علاوي (الوطنية) فأخذت تطالب استحقاقها بتعيين وزير لها بعد اتهام وزيرها السابق ملاس عبد الكريم بالفساد من جانب هيئة النزاهة منذ أكثر من عام، وهكذا عدنا إلى لعبة المحاصصة.

كثرة من أعضاء البرلمان الذين صفّقوا بحرارة لوزير الدفاع خالد العبيدي، في جلسة الاستجواب المثيرة، لكشفه للفساد، عاد بعضهم لجمع التواقيع لسحب الثقة منه، (63 نائباً) الأمر الذي سيعني إسكات المطالبين بمحاسبة الفاسدين، إذْ من سيجرؤ بعد إقالة وزير الدفاع في الحديث عن الفساد، فقد يكون هو الضحية القادمة، سواء كان وزير الدفاع متورطاً بالفساد أم لا؟ لكن ذلك لن يغيّر من الواقع شيئاً، فالفساد أصبح أقرب إلى مؤسسة لها أخطبوطات مختلفة وقوى ضاربة، وسيعني الاقتراب منها مغامرة حقيقية.

هكذا أخذت الأزمة الدورية التي تضرب العملية السياسية بين الفينة والأخرى منذ الاحتلال الأمريكي العام 2003 ولحدّ الآن، تزداد تفاقماً، وترتفع وتيرتها بصورة طردية بفعل استمرار ظواهر الإرهاب والعنف والمحاصصة الطائفية – الإثنية والفساد ووجود الميليشيات، لكنها بدت هذه المرّة أشدّ عمقاً، فخلال أقلّ من نصف عام، ينفرط عقد مجلس النواب مرتين وتتناثر كتله وجماعاته إلى شظايا وأجزاء، وتختلط فيه الأوراق لدرجة كبيرة، بحيث لم يعد بالإمكان التمييز بين من يدعو للإصلاح «قناعة»، وبين من هو فاسد ويزاود على الإصلاح.

لقد انتقل الصراع بين الكتل والتحالفات إلى داخلها، فالاتّهامات شملت الكيانات ذاتها التي ينتمي إليها المتّهِم والمتّهَم (العبيدي والجبوري – اتحاد القوى وهو تحالف ضم بعض قوى السنيّة السياسية). أما كتلتي مقتدى الصدر (الأحرار)، والمواطن (عمار الحكيم)، إضافة إلى كتل شيعية أخرى، فهما الأشدّ انتقاداً لحزب الدعوة الحاكم، وجميعهم أعضاء في ما سمّي بـ«التحالف الوطني» الذي يضم قوى الشيعية السياسية.

وكشفت جلسة الاستجواب أن أزمة العملية السياسية بنيويّة، ولا يمكن تجاوزها إلاّ بتغيير جذري يطالها من الأساس، فالتسوية التي حصلت لمنع انحلال البرلمان عادت إلى الظهور بقوة، وهكذا بدا المشهد صمغياً أكثر من أي وقت مضى، فرئيس البرلمان الذي أقيل ثم عاد، أعلن هو عن انسحابه هذه المرّة لغاية تبرئة ساحته من جانب القضاء، وبعد جلسة استماع لم تستغرق سوى 40 دقيقة قال القضاء كلمته: أن لا وجود من دلائل كافية تؤكّد شبهة الفساد، وبالتالي لا يمكن اتخاذ إجراءات قانونية بحقه، وهو الأمر الذي استغرب منه رئيس الوزراء، الذي ردّ عليه الجبوري، بعدم التدخّل بشؤون السُّلطة القضائية من جانب السلطة التنفيذية.

لقد عدنا إلى المشهد ذاته على الرغم من الشدّ والجذب، أي الإبقاء على ما هو قائم وعدم التحرّش بالرئاسات الثلاث، لأنها أساس المحاصصة و«التوازن» الغنائمي لنظام الزبائنية السياسي. وكان وزير الخارجية الأمريكية جون كيري خلال زيارته إلى بغداد في 8 أبريل (نيسان) من العام الجاري قد أبلغ «القيادات العراقية»، بأن أي تغيير لا ينبغي أن يطال ما سمّي بالرئاسات الثلاث، وهو ما أكّده آشتون كارتر وزير الدفاع الأمريكي خلال زيارتيه للعراق في 17 أبريل (نيسان)، و11 يوليو (تموز) 2016، وتوّج جو بايدن نائب الرئيس القرار الأمريكي ذلك، على نحو حاسم خلال زيارته المفاجئة إلى بغداد أيضاً في 28 أبريل (نيسان) من العام الحالي.

وإذا كان الأمريكان، قد باشروا باستقبال جماعات وكتل وقوى سياسية عراقية في إطار الاستماع إلى وجهات نظرها، خصوصاً لمرحلة ما بعد «داعش»، شملت رؤساء عشائر ومجموعات سنيّة وأوساط كردية وبعض الشخصيات وغيرها، فإن ما ترشّح منها يؤكّد أنهم يريدون تقليص دور إيران والمجموعة الشيعية المتحالفة معها، لكنهم سوف يلجأون إلى ذلك بشكل تدريجي وينتظرون انتخابات العام 2018، وخصوصاً بعد دحر «داعش» وتحرير الموصل، والبحث في مسألة الأقاليم التي يبدو أنهم أخذوا يميلون إليها أو يرجّحونها، خصوصاً وأن هناك أوساطاً من السنيّة السياسية تشجع عليها، إضافة إلى تحالفهم الفرعي مع إقليم كردستان وتسليح وتمويل البيشمركة، الذين يؤيّدون إقامة الإقليم السني أو نظام الأقاليم بشكل عام.

سيظلّ المشهد القائم يُظهر عكس ما يُبطن ويطالب بدلاً من أن يستجيب، ويبوح بقدر ما يخفي، ذلك أن جميع أركان العملية السياسية يطالبون بالإصلاح ومحاربة الفساد ويكيلون الشتائم للطائفية ونظامها، ويعتبرونها مسؤولة عن كوارث البلد، ويتشبثون «بوحدة العراق»، على الرغم من دعوات تقترب من الانفصالية بزعم تنازع الصلاحيات وتقاسم السّلطات، ويدافعون عن وزراء ووكلاء ومدراء فاسدين محسوبين عليهم، ويعتبرون أي اتهام لهم إنما هو مكيدة مدبّرة واستهداف سياسي لا أخلاقي، ويقرّ الجميع بالدستور ويطالبون بالالتزام به، وحين تتعارض مصالحهم يرفعون الصوت بتبريرات وتفسيرات لا دستورية ولا قانونية، والكل يزعم تمسّكه بالقضاء واستقلاله ونزاهته، وإذا حكم لصالحه صفق له، وإذا حكم ضد فساده اتهمه بالانحياز، والكل يتبرؤون من الميليشيات ومن أعمال الانتهاك والتجاوزات، لكن للجميع أذرعاً مسلّحة وأظافر عنفية، تستخدم عند الحاجة وبأشكال مختلفة، ولتذهب مسألة حقوق الإنسان إلى الجحيم.

في ظل هذا الوضع المعقّد، يصبح الإصلاح بعيد المنال والقضاء على الفساد صعباً، إن لم يكن مستحيلاً، خصوصاً وأن الجميع متورطون به، والخلاص من الإرهاب والعنف غير ممكن بغياب المصالحة السياسية واستمرار إجراءات العزل الاستثنائية، تلك هي الشيزوفرينيا السياسية التي هيّمنت على المشهد السياسي على نحو لفّته مثل شرنقة يصعب الخروج منها، إلاّ بتمزيقها، ومعنى ذلك العودة إلى المربع صفر.

أكاديمي ومفكّر عربي