الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

أحمد أبورتيمة كاتب فلسطيني من غزة ينشر في موقع (عربي21)  يرسل مقالاته لـ ( البلاد)

 مقالات سابقة

وهل الكفر أعظم جرما من سفك الدماء؟

أحمد أبو رتيمة

مما يأخذه غير المؤمنين على الدين أنه يهتم بالقضايا اللاهوتية أكثر من اهتمامه بالقضايا الاجتماعية المرتبطة بمصلحة الإنسان، فالدين وفق نظرتهم يجعل محور نجاة الفرد أو هلاكه إيمانه بالغيب وليس سلوكه الاجتماعي ونفعه الإنساني، والقرآن يركز على الإيمان بالله والملائكة وإقامة الشعائر أكثر مما يركز على قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية!

مثل هذه الأسئلة تخطر بعقلي حين أمر بآيات مثل: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً" ما هو البعد الواقعي لمثل هذه المسألة حتى يجرمها القرآن إلى هذا الحد؟ أليست المجازر المروعة من حولنا أشد جرما من معتقد الإنسان الداخلي سواءً كان حقا أو باطلاً؟

يؤكد الفهم الشائع للمسلمين تجاه دينهم هذه النظرة السلبية للدين، فالشعور الجمعي للمسلمين يغضب للمسائل ذات الاتصال المباشر بشعائر الدين ومظاهره ورموزه أكثر مما يغضب من الظلم السياسي، وتجد من المتدينين من يتسامح إزاء مشكلة الاستبداد ويغفر للحاكم ظلمه وسرقته للمال العام إن افتتح هذا الحاكم مسجداً أو أدى العمرة أو ظهر أمام الكاميرا مستمعاً إلى خطبة الجمعة، ويحتفي الجمهور بأخبار تدعي أن والدة الطاغية يهودية أو أنه أخطأ في تأويل آية وكأن دليل إدانته لم يكن حاضراً! لقد حدث الأسوأ فعلاً، وليس بعد سفك الدماء ذنب.  

هذا الاختلال في فهم أولويات الدين كان مدخلاً لإحداث اختلال تاريخي فظهر مثال المستبد المتلفح بثوب ديني الذي تباركه الشعوب وتغض الطرف عن تجاوزاته، لأن هذا الحاكم أظهر صورة التدين من اعتناء ببناء المساجد وتيسير سبل إقامة الشعائر وتقريب الوعاظ إلى بلاطه واعتناء بأخلاقيات اجتماعية مثل حظر الخمور والدعارة فرضي الناس منه بهذا النصيب ورأوا فيه حامي الدين وحارس العقيدة فلم يسألوه بعد ذلك عن عدل وشورى وسلطان للأمة.

نرجع إلى السؤال الرئيس: أين تقع القضايا الكبرى المتمثلة في سفك الدماء والإفساد في الأرض من اهتمامات الدين؟ وهل قدم الدين شعائره مثل الصلاة والصوم على الواجبات الاجتماعية مثل إقامة العدل والإصلاح في الأرض؟

في المشهد الأول لاستخلاف آدم على الأرض كان تخوف الملائكة من هذا الكائن إفساده في الأرض وسفكه للدماء: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" ولو كانت هناك جريمة أعظم لاستشهدت بها الملائكة، وإشعال الحروب مذموم في ميزان القرآن: "كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين"، ومهمة إرسال الأنبياء كانت إقامة العدل والإصلاح بين الناس: "ليقوم الناس بالقسط"، "ألا تطغوا في الميزان"، "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت"، "فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ"، ويمكن حشد مئات الآيات الأخرى الداعية إلى الإصلاح والعدل والناهية عن الظلم والإفساد.

والقرآن يعدل المفهوم النمطي للعبادة بأمثلة لأفراد استثمروا  قوتهم في إقامة العدل ونفع الناس مثل يوسف الذي كانت عبادته في حسن إدارة الأزمة الاقتصادية وعدالة توزيع القوت على الناس، وذو القرنين كانت عبادته في العدل في حكم الشعوب التي امتد إليها سلطانه بمكافأة المحسن ومحاسبة المسيء وتأهيل الشعوب الضعيفة.

حتى القضايا التي يظهر أنها ذات طابع لاهوتي مثل قضية التوحيد والشرك فإنها تحمل أبعاداً اجتماعيةً وسياسيةً، ففرعون الذي قال: "أنا ربكم الأعلى" أراد بهذا الادعاء تعزيز سلطانه السياسي وإطلاق العنان لنفسه للعلو والإفساد في الأرض، فادعاء الألوهية يعني الاعتقاد بأنه لا ينبغي أن يكون له منازع في الحكم، وهو ما يظهر جلياً في الحجج التي ساقها لمواجهة دعوة موسى: "وتكون لكما الكبرياء في الأرض"، "وقومهما لنا عابدون"، "وإنا فوقهم قاهرون"، "إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد".

لم تكن مشكلة فرعون مع إله السماء أن يصلي له بنو إسرائيل ويسبحونه بل أن هذا الإله يأمره بالرجوع إلى حجمه البشري وتحرير بني إسرائيل من استعباده لهم.

وليست قصة فرعون استثناءً، فالقرآن يذم أهل الكتاب لأنهم "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله" فعطلوا عقولهم ومسخوا إرادتهم الحرة التي وهبهم الله إياها فأطفأوا نور الإيمان في قلوبهم وأحلوا محله الاتباع الأعمى، والقرآن يذم تحول البشر إلى طبقات من الأرباب والعبيد ويحرض الناس جميعاً ليكونوا عباد الله إخواناً: "وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل"، "إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم، ودعوة أهل الكتاب إلى كلمة السواء يحقق معنى المساواة الإنسانية فالبشر يتخذون بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله ليس بالسجود والركوع إنما بالهيمنة والاستعلاء: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً و لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله".

هكذا يظهر معنى التوحيد في القرآن؛ تحرر نفسي وقوة روحية في مواجهة استلاب الكرامة ومساواة إنسانية تلغي امتيازات السادة والكبراء وتبطل شرعية المستكبرين في الأرض.

لكن هذه المعاني العميقة سطحها من ظنوا أن أقصى غاية للدين هي محاربة الشرك القبوري والجدل في الأسماء والصفات وغفلوا عن الشرك السياسي الذي هو جوهر الأزمة الإنسانية ومدخل كل علو وإفساد وسفك للدماء.

في التأكيد على بشرية عيسى عليه السلام يتحقق مبدأ التساوي الإنساني فليس ثمة أي آلهة على الأرض، وهذا التنزيه يحرر العقل من الوثنية ومن الأوهام والظنون، فمفهوم الإله يراد له أن يظل تجريدياً متعالياً عن الأجسام والتشبيهات حتى يظلش الإنسان قادراً على التسامي الروحي وهو يؤمن بأن الإله فوق أي صورة تخطر بباله.

يذكر القرآن مفهوم الكفر ويتوعد "الذين كفروا" بالعذاب الأليم، وهو ما يعزز شبهات القائلين بالطابع اللاهوتي للدين، فالقرآن يهتم بإدانة الكفر الذي هو موقف اعتقادي أكثر من إدانة مشعلي الحروب.

الكفر بحسب السياق القرآني لا يعني قناعةً عقليةً، بل هو حالة إنكار وجحود واستعلاء، وهو ما يجعله أكبر من موقف اعتقادي داخلي. لا يطلق القرآن صفة كافر على كل غير مسلم بالضرورة، بل يطلقها على الذي تبينت له الآيات فأنكرها حسداً واستكباراً: "فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين"، وما دام الكفر جحوداً وإنكاراً عن قصد فهو اعوجاج داخلي يؤسس للظلم الخارجي: "والكافرون هم الظالمون"، فالذي ينكر ما يعرف في قلبه أنه حق إنسان خسر التصالح مع نفسه فتنطلق منه طاقة عدوانية: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا"، "وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر".

الكفر داخل النفس هو نقطة التأسيس للإفساد والظلم الخارجي، ومن الجدير تدبره أن جميع أمثلة الكفار الذين يذكرهم القرآن هم في حالة عدوان خارجي: "ولولا رهطك لرجمناك"، "لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا"، "أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون".

يكاد القرآن يخلو من ذكر مثال الكافر المسالم، لأن الكفر نقيض السلام إذ إنه مقت وإنكار وجحود داخل النفس يطلق طاقةً عدوانيةً خارجها، وهي ملاحظة ينبغي أن نعيد في ضوئها فحص مفاهيمنا التقليدية حول من هو الكافر.    
   
إن البعد الروحي مركزي في الدين، وهو ما يفسر الحضور الواسع للصلاة والصوم والإيمان بالغيب وذكر الله في القرآن، لكن هذا البعد الروحي معزز ومعمق للبعد الواقعي وليس لاغياً له، فالبعد الروحي يمثل العالم الداخلي للإنسان، والعالم الخارجي ما هو إلا ثمرة العالم الداخلي لذلك يبدأ الدين إصلاح الحياة من إصلاح جوهر الإنسان لأنه يريد إصلاحاً جذرياً عميقاً، فالنفس الممتلئة سلاماً تفيض سلاماً، والنفوس المضطرمة بنيران الحقد والضغينة هي التي توقد الحروب وتسعى في الأرض فساداً.

إن ما تمنحه العبادات الروحية للإنسان هو الطمأنينة والرضا والأمن في نفسه وهو ما سيؤثر بالضرورة على سلوكه الخارجي: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً".

 
والحقيقة التاريخية تخبرنا بأن الغالبية العظمى من الحروب والصراعات والمذابح ذات طابع علماني، وحتى الحروب التي سميت دينيةً أشعلها متعصبون جاهلون أو خبثاء يستغلون اسم الدين وليس الذين تذوقوا روحانية الدين، وهذا طبيعي إذ إن من يشعلون الحروب ويفسدون في الأرض ويقتلون بغير الحق بالضرورة من قساة القلوب الذين لم تلن قلوبهم يوماً لذكر الله ولم تغشاهم طمأنينة الروح.

وتأكيداً على أن الحقيقة المركزية في الدين تتصل اتصالاً وثيقة بإقامة العدل والإصلاح في الأرض فقد جعل مؤشر صلاح العبادة أثرها المرئي في واقع الحياة ولم يقم وزناً لمظاهر التدين إن لم تستند إلى إيمان داخلي واستقامة خارجية: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب..." ، و جعل العمل مصدق الإيمان ليقطع الطريق على الادعاءات الكاذبة التي تستتر تحت عباءة التدين دون أن يتبعها استقامة في الحياة: "إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين"، "أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم"، " قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين".

لا يعرف القرآن مصطلح الإيمان معزولا عن الحياة، بل يربطه بالحركة الإيجابية: "وعملوا الصالحات" وهي كلمة تشمل كل أنواع الخير والبر التي يعرفها العقل الإنساني بدءًا من إطعام اللقمة و الابتسامة وإماطة الأذى وانتهاءً بإعمار العالم وقيادته بالعدل والرحمة

إن الإصلاح في الأرض وإقامة العدل والتعاون على البر وفعل الخيرات ونشر السلام بين الأنام هي غايات الدين الكبرى، وفي المواطن التي يبدو فيها أن معتقدات الدين وشعائره على غير اتصال مباشر بقضايا الحياة فإنها تعمل على إصلاح العالم الداخلي للإنسان وتزكية نفسه لأن بناء التصورات الداخلية هو الذي يمهد لإنشاء العالم الخارجي تماماً مثلما يقيم المهندس البناء في خياله قبل أن يقيمه على الأرض، فإذا امتلأ قلب الإنسان بالمعاني الخيرة والرؤى الإيجابية تحررت منه طاقة نشطة انطلق بها في دروب الحياة معمراً و مصلحاً و داعياً إلى العدل والخير والسلام.

موقع (عربي 21)

 

مركزية السلطة

وكيف أضرت بالإسلاميين

 

أحمد أبو رتيمة

 

تبني الأيديولوجيات مشاريعها عادة على أساس مركزية هدف الوصول إلى السلطة التي تتخيلها بأنها جنة الخلد، وملك لا يبلى، فتسخر في سبيل بلوغها كل الجهود وتبذل كل التضحيات، ولا يتصور الأيديولوجيون قدرتهم على القيام بدور مؤثر قبل التحكم بمقاليد السلطة، وكأن كل وقت خارج السلطة ضائع، وكأن كل جهد قبل الحكم مجرد قطع طريق باتجاه الحكم

وهكذا تتضاءل كل مساحات الحياة، ولا تعدو أكثر من رئيس ووزير وشرطي، إذ تدور الأيام دورتها ويأتي اليوم الموعود يقبض المناضلون على السلطة بأيديهم، ويتشبثون بها، ويغذي وعيهم شريط التضحيات السابقة ليذكرهم بالثمن الباهظ الذي بذلوه من أجل هذه اللحظة التاريخية، فيتعمق إصرارهم بضرورة التمسك بها بكل وسيلة وحيلة، وتصبح المحافظة عليها قضية حياة أو موت

ويعجز الحزبي عن رؤية نفسه خارج السلطة، بعد أن دخل جنتها ويبدي استعداده للقتال إلى آخر قطرة دم وإلى آخر رجل في سبيل عدم التخلي عن السلطة مخافة أن يعني التخلي عنها خسارة المشروع الذي قضى حياته منافحاً عنه!

"
مركزية السلطة" تعني أنها طريق في اتجاه واحد، فإذا صعد الحزب إليها مرة ألقى السلم ولم ينزل ثانية، واعتبر موقعه الجديد نهاية التاريخ وعمي عن رؤية سنة تداول الأيام، ولم يعد قادرا على الاستبصار ورؤية كيف خلت من قبله المثلات، وهو يستند في ظنه إلى تفكير رغائبي وأمنيات لا إلى حقائق موضوعية

وإذ يتصور صاحب السلطة أنها الحلقة الأخيرة في مسلسل التاريخ، فإنه يرى في البقاء في السلطة معركته الكبرى، و يرى أي تهديد لهذه السلطة معاكسة للأقدار ومعاندة لإرادة الله وتآمرا كونيا،  فإذا رصد بدايات تململ جماهيري استنفر حذره وقوته، فإذا كتبت المواجهة قاتل وظهره إلى الجدار، واعتقد أن ليس من سبيل أمامه سوى الاستماتة حتى الموت

وما دام هذا هو الإطار العقلي الحاكم، يصير من المتوقع ألا ترحل السلطة إلا بأنهار من الدماء والمآسي وأن يدفع الجميع ثمن الخوف المهيمن في الأجواء، فابن السلطة يتشبث بها ليس لأنه شرير بالضرورة بل لأنه خائف

إنه يعتقد أن السلطة ركنه الركين وملاذه الأخير الذي يحميه ويعطيه انتماءه وكينونته، فإذا سقط هذا الملاذ انكشف ظهره وتلاشى كيانه ولم يجد من يحميه من طوفان الغضب ونقمة الجماهير.

لعل ما يشهده العالم العربي في واقعنا الراهن ومن قبله كثير من الأحداث العالمية الدموية من إحدى وجوهها ثمرة لمرض مركزية السلطة، فالأيديولوجيات تقاتل باستماتة وتشعل الحروب والحرائق وترتكب الفظائع لأنها تعتبر السلطة معركتها الأخيرة وترى فقد السلطة فقداً للكيان والوجود ذاته.
  
يقص التاريخ علينا نبأ وزير الدعاية في نظام هتلر "جوبلز" الذي أقدم على الانتحار مع زوجته وجرع أطفاله الستة السم ليموتوا معهما جميعاً، وفسر فعلته بأنه يخشى أن يهان أطفاله أمام الروس بعد وفاته! هذه القصة مرعبة وصادمة للوعي، فهي تعني أن السلطة في وعي الأنظمة الأيديولوجية ليست مجرد شهوة ومكاسب مادية بالمعنى التبسيطي للكلمة، بل هي عقيدة، وهي ما تمنحهم الكينونة فإذا خسر الأيديولوجي السلطة شعر أنه خسر كل شيء ولم يعد مبالياً بحرق الأخضر واليابس وهو يخوض حربه الأخيرة.

في الأنظمة الديمقراطية التي تتراجع فيها سطوة الأيديولوجيا لا تعود خسارة السلطة مشكلةً تتوقف بعدها الحياة، فالسلطة في هذه الأنظمة لا تتسم بالطابع الشمولي التغولي على كافة تفاصيل الحياة ، والحزب الذي يختزل كل مشروعه في حكومة أو سلطة ليس أكثر من مجموعة من الانتفاعيين، وفي المجتمع مساحة للتأثير بغير أدوات السلطة التقليدية

أما الحكم فهو فرصة زمنية محدودة لاختبار برامج الأحزاب، فإذا فشلت هذه البرامج فلن يضر الحزب أن يرجع خطوةً إلى الوراء ويعيد فحص أفكاره وتقييم برامجه ليعود أقوى مثل التاجر الذي تخسر تجارته فلا يجد حرجاً في إعادة تقييم سياساته التجارية.

إن ما يدفع حزباً إلى تقبل خسارته بروح رياضية بل حتى اتخاذه قراراً بحل الحزب هو ابتعاده عن النمط الشمولي الذي يتدخل في كافة تفاصيل الحياة، وتحرر أفراده من الشعور بأن كينونتهم متماهية في كينونة الحزب، فانتماؤهم إلى الأمة، أما الحزب فهو وسيلة مرنة يمكن استبدالها بيسر ودون تشنج

إن الخروج من السلطة لا يعني موت الكيان بل يعني أن هذا الكيان مرن بالقدر الكافي ليجدد نفسه ويفلت من الجمود والتحجر الذي لا ينفع في علاجه سوى الضربة الأليمة القاضية من الله أو من الناس.

الخروج من السلطة في بعض الظروف ليس معنىً أخلاقياً وحسب، بل هو مقتضى التقدير الصحيح للمصلحة، ذلك أن مفهوم السلطة ذاته قد تغير، فهي أشمل من مجرد حكومة تتورط في مسؤوليات المعيشة اليومية للناس مع ما يستجلبه التقصير في ذلك من زيادة الغضب في النفوس واستنزاف الرصيد الشعبي.

 
السلطة تعني أن تكون قادراً على التأثير في المجتمع بوسائل متعددة، فالإعلام الذكي سلطة أقوى من سلطة الحكومة لأنه قادر على توجيه وعي الجمهور وصياغة هوية الأمة، والاقتصاد سلطة لأن من يمسك بمقاليد الاقتصاد قادر على التأثير على سياسة الحكومات، تخيلوا أن يعرض على مؤسس شركات فيسبوك أو أمازون أو جوجل رئاسة الولايات المتحدة! غالبا سيرفضون لأن نفوذهم في الاقتصاد أقوى، والإلهام الروحي سلطة تتفوق على سلطة الرئيس، ويكفي أن تنظر إلى رصيد القادة الروحيين والعظماء من الأدباء والشعراء مثل غاندي وشكسبير وتقارن بين رصيدهم من الاحترام والتقدير في الوعي الجمعي لتلك الأمم ورصيد الساسة لتعلم أنهم هم أصحاب السلطة الحقيقية.، لذلك رفض عالم الفيزياء ألبرت آينشتاين القبول بعرض رئاسة دولة الاحتلال، ورد بالقول: " "أنا رجل علم ولست رجل سياسة".

في تسجيل "الخمسة بلدي" الشهير عام 2006 يقهقه محمد دحلان وهو يدخن سيجاره منتشياً بفوز خصمه اللدود في الانتخابات التشريعية وخسارة حركته فتح معللاً ذلك بأن "حماس نكبت نكبةً كبرى بفوزها، لأن أي شخص في الحكم في الوضع الفلسطيني سيكون أضعف منه في المعارضة، ويواصل أن الناس كانوا يرجمون مقرات الشرطة بقذائف ال "b7"" ثم تكون السلطة هي الطرف المدان، وتكون مطالبةً من الناس بتوفير الكهرباء والرواتب ومقتضيات الحياة!

جاء تتابع الأحداث طوال العقد المنصرم مؤكداً هذه النبوءة، فحماس منذ أن تورطت في مسؤوليات الحكم خسرت تألقها النضالي وتراجعت القضايا الوطنية الكبرى من اهتماماتها و حشرت في صندوق غزة الضيق واستنزفت في مطالب الناس اليومية من رواتب وكهرباء ومعابر، وعلقت أوحال تجربة السلطة بها فشاب أداءها الحكومي مظالم وتقصير واغتنت بعض القيادات فيها بمشاريع ربحية، وقاد كل ذلك إلى نتيجة أن حماس بعد السلطة أضعف مما كانت قبلها مهما سيقت مبررات بأن الدخول في السلطة كان حامياً للمقاومة، إذ إن المقاومة كانت أقوى حين كانت متحررةً من تعقيدات السياسة وأوحال السلطة ومسؤوليات الناس.

المثال الثاني من مصر، إذ وضع الإخوان ثقلهم التاريخي والاجتماعي في تجربة السلطة، فكانت ضربة الثالث من يوليو مؤلمةً وقاسيةً جداً إن لم تكن مميتةً، ولم يعد يسيراً على الإخوان أن يعودوا لممارسة ذات الدور الاجتماعي الذي كانوا قادرين على ممارسته بعد أن نصب لهم فخ الحكم بعناية، فكانت سلطةً بلا سلطة إذ لم يكونوا يملكون شيئاً من أدوات التأثير الاقتصادية والإعلامية والأمنية، وكانت النتيجة الوحيدة التي خرجوا بها من تجربة السلطة هي تآكل رصيدهم الشعبي ومباركة الجمهور المغيب لاضطهادهم بعد أن حملهم مسؤولية كل الكوارث السابقة واللاحقة

ولو أن الإخوان انشغلوا في مرحلة ما بعد إسقاط مبارك في نشر ثقافة الديمقراطية وإدامة الحس الثوري في الشارع دون أن يطرحوا مطالب خاصةً لربما قاد ذلك مصر إلى نتيجة أقل مأساويةً ولتعقدت مهمة العسكر في الانقلاب على الثورة.

لا أقصد بنفي مركزية السلطة موقفاً سلبياً أو زهداً صوفياً، إذ لا بد من رؤية لإصلاح النظام السياسي الحاكم والنضال في سبيل عودة السلطة إلى الشعب، إنما أقصد ألا يكون الوصول إلى السلطة هدفاً فئوياً خاصاً بالحزب في أي وقت وأي ظرف وبأي ثمن، فالرؤية الإصلاحية هي مشروع أمة لا مشروع سلطة، وكثيراً ما يكون الوصول إلى السلطة ضاراً بالمشروع لا خادماً له

ويكفي الجماعة أن تكون دافعاً في اتجاه تعزيز قيم الديمقراطية والحكم الرشيد وخلق مناخ ملائم لتداول السلطة وكسر هيمنة الحزب الواحد وتعزيز سلطة المجتمع المدني، فإذا تحققت هذه القيم بالنضال السلمي نعم الجميع بالديمقراطية وتهيأت الأجواء لتشكل الأحزاب في مناخات سليمة من التنافس الديمقراطي ومنحت الفرصة الطبيعية لممارسة برامجها.

وكما أن خسارة السلطة لا تعني نهاية الكون، فإن التفكير في الخروج الآمن من السلطة إذا تبين لأصحابها أنها باتت عبئاً مستنزفاً لقوتهم وأن ضررها أكبر من نفعها وإعادة التموضع في المجتمع والبحث في وسائل أخرى للانتشار الإيجابي في المجتمع ليس عيباً بل قد يكون أفضل الخيارات المتاحة وهو الذي يتيح للجماعة التعافي من أزماتها وتجديد روحها ووقف مزيد من الانحدار والنزيف لرصيدها.

"عربي21"

 

 

الفقه الإنساني

في مواجهة الفقه التكفيري

أحمد أبو رتيمة

 

شهدت الأسابيع الأخيرة ثلاث جرائم اغتيال في أماكن مختلفة كان القاسم المشترك بينها القتل على خلفية فكرية؛ الجريمة الأولى مقتل شاب بتهمة التشيع في غزة، والجريمة الثانية في سيناء وكان ضحيتها شيخ صوفي ضرير قارب المئة لم تشفع له شيخوخته ولا عمى بصره عند عميان القلوب، وأما الجريمة الثالثة في ليبيا وكان ضحيتها الداعية الوسطي ذو الوجه الصبوح نادر العمراني.

هذه الحوادث التي صارت تتكرر على نحو متصاعد في بقاع متعددة من وطننا العربي تدق ناقوس الخطر، فهي تؤشر على وباء عام، وتكشف عن منظومة ثقافية توجه من يستسهلون سفك الدماء وإزهاق النفس البشرية التي حرمها الله، والمعالجة الجذرية تقتضي تجاوز التعامل الموضعي مع الحدث والنفاذ إلى طريقة التفكير التي أنتجته ومنحته الشرعية وفق نظرية بيجوبتش بتجفيف المستنقع للقضاء على البعوض.

إزاء هذه الحوادث، ليس من الحكمة إدانة القاتل وحده، إذ إن القاتل لم يكن سوى صنيعة جو ثقافي عام وناتج عملية تغذية وشحن مستمر شاركت فيه عناصر إعلامية وثقافية وتعليمية كثيرة، هؤلاء جميعهم يتحملون وزر الجريمة وهم شركاء في الدم المسفوك، ولعلنا نجد هذا المعنى في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله". وربما كانت الحكمة من ذكر "شطر الكلمة" هو أن الجزء الأكبر من عملية التهيئة للقتل وتغذية المناخ المتفهم للجريمة يكون بالكلام ثم يكون تنفيذ الجريمة تحصيل حاصل.

لا شك أن الأجواء السياسية وتفشي الاستبداد والقتل وقهر الشعوب تتحمل جزء كبيرا من مسئولية تغذية اتجاهات العنف، لكن الإقرار بدور هذا العامل لا يجوز أن يسقط العامل الذاتي، ذلك أن الدين رسالة أخلاقية لا يتعامل بردود فعل خاطئة ولا يبرر لأتباعه الظلم والاعتداء بظلم الآخرين واعتدائهم مما ينفي صحة التعذر بأي عوامل خارجية لتبرير انتهاك القيم الأخلاقية، فإذا كان مرتكبو هذه الجرائم يقدمون عليها غالبا بدافع مفاهيم دينية مثل الجهاد ومقاتلة أهل النفاق والضلال ويظنون أنهم يتقربون إلى الله بسفك الدماء فإن السؤال الذي لا يصح الهروب منه في مواجهتها/ هل هناك حاضنة فقهية ترعى هذه الثقافة العنفية التي تقود إلى قتل الناس لأسباب مذهبية أو فكرية؟ وهل الجو الفقهي العام في بلادنا أقرب إلى السلام والتعايش والمودة أم إلى الحرب والقتال والكراهية؟

العنف شجرة خبيثة تبدأ من عالم النفوس وتسقى بمداد الكراهية والقسوة، والسلام شجرة طيبة تبدأ من عالم النفوس كذلك وتسقى بمداد الحب والرحمة، لذلك فإن الحكم على منظومة قيمية ما بأنها داعية عنف أو داعية سلام لا يبدأ بالبحث في النصوص المباشرة المحرضة على التعايش أو على القتل بل يبدأ بالبحث في مساحة الحب والرحمة التي تبثها في نفوس المؤمنين بها فإذا ملئت النفوس بمعاني الخير والرحمة والسلام فاضت رحمة وسلاما على العالمين.

يتضمن القرآن مبادئ عظيمة تبث في النفوس الرحمة والعدل والحرية والتعايش، فالله تعالى هو الرحمن الرحيم وقد أرسل نبيه رحمة للعالمين، وهو يحب المحسنين والمصلحين ولا يحب المفسدين والمجرمين، وهو الذي جعلنا مختلفين لحكمة وجعل لكل منا شرعة ومنهاجا لنتسابق في الخيرات وحثنا على الاجتماع على كلمة سواء وعلى التعارف وعلى الجدال بالتي هي أحسن وألا نقاتل إلا الذين يقاتلوننا وألا نعتدي وألا نفسد في الأرض بعد إصلاحها وألا نسفك الدماء وأن نحكم بين الناس بالعدل وأن نتعايش مع الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا بالبر والقسط وأن من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وأنه لا إكراه في الدين وأن أحدنا ليس بمسيطر على الناس ولا جبار ولا وكيل.  

هذه هي المبادئ الأخلاقية العظيمة التي يرسخها القرآن في نفوس المؤمنين، لكن هل كان الفقه التاريخي ترجمة دقيقة لمبادئ القرآن؟
لو أخذنا من خطبة الجمعة عينة لخطابنا الفقهي السائد وبدأنا من الشكل الفني لوجدنا كثيرا من خطباء الجمعة يعتمدون الصوت العالي التوتيري أسلوبهم المفضل على المنابر في لقاء يفترض أن رسالته سكب الطمأنينة والسكينة في القلوب، أما مضمون الخطبة فكثيرا ما يركز على التعبئة بمزايا الذات وأفضليتها على العالمين وضلال الآخرين وانحراف عقائدهم، ويكون مشحونا بلغة النذير والوعيد والتهديد والتحشيد وتختتم الخطبة بالدعاء على اليهود ومن هاودهم والنصارى ومن ناصرهم والشيوعيين ومن شايعهم أن يحصيهم الله عددا ويقتلهم بددا وألا يبقي منهم أحدا.

الكليات الشرعية في الجامعات ليست أحسن حالا فهي تغذي الطلاب بالمفاصلة والصدام مع الخلق أجمعين مستندة إلى مفاهيم الولاء والبراء ودار الحرب ودار الإسلام والفرقة الناجية وأهل السنة والجماعة وتصنيف أهل البدع والضلالات والتحذير من الغزو الفكري وضلال المذاهب وإفقاد الإيمان فطريته وعفويته النابضة بالشعور وتحويله إلى شروح أكاديمية معقدة ومعارف جافة، وبذلك تحولت الجامعات والجمعات إلى ماكينات ضخ هائلة تنتج أجيالا بعد أجيال من المتشددين المعبئين بالرؤية العدائية تجاه الخلق.

لا تقتصر الخطورة على النصوص النظرية المباشرة التي تحرض على العنف، فهناك أفكار صامتة لا تدعو الناس مباشرة إلى القتل ولكنها تخلق أجواء عدائية وتشحن النفوس بطاقة سلبية وتبث إشارات العداوة والبغضاء ضد كل مختلف فيكون العنف بعد ذلك ثمرة طبيعية، والتنبيه إلى خطورة هذه الأفكار الصامتة يأتي من كون معتنقيها يمارسون ازدواجية وتناقضا ويخفى عليهم مشاركتهم في المسئولية، فهم من جهة يتبرؤون من أحداث القتل التي تقع لكنهم من جهة أخرى لا يتفطنون إلى أن هذه الجرائم هي النتيجة الطبيعية للتعبئة التي يمارسونها.  

القتل ليس سوى التجلي النهائي لثقافة الكراهية والإقصاء المتراكمة في النفوس، وكلما تضاءل حضور الرحمة والتسامح والحب في النفوس كلما كبر ذئب الكراهية واستوحش واشتد خطره.
في الأدبيات الفقهية لا يزال تقسيم الأرض إلى دار حرب ودار إسلام حاضرا، ولا يزال تصنيف الناس إلى فرقة واحدة ناجية وفرق كثيرة هالكة في النار هو التصنيف المهيمن، ورغم أن لأبي حامد الغزالي مقولة بأن أكثر الخلق مشمولون في رحمة الله يوم القيامة إلا أن عجلة الفقه طحنت استنارته الرحمانية فلم تنتصر مدرسته تاريخيا، والنظر إلى أكثر أهل الأرض بأنهم في ضلال وسعر سيستدعي بالضرورة نظرة دونية إليهم وسيزيل لا شعوريا قداسة الإنسان من وعي المتدين المتبني لهذا الفقه وعلى أقل تقدير سيجعله لا مباليا تجاه انتهاك حقه.   

في الأدبيات الفقهية نجد الدعوة إلى عدم ابتداء اليهود والنصارى بالسلام وإلى اضطرارهم إلى أضيق الطريق وإلى عدم تهنئتهم بأعيادهم وإلى قتل الكافر بالمؤمن وعدم قتل المؤمن بالكافر ولو كان بريئا، وهي دعوة تناقض القرآن الذي يجعل أصل العلاقة بين المسلم وغير المسلم علاقة بر وقسط: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم"، فكيف سيرجى أن تساهم منظومة فقهية تؤمن بالتمييز العنصري بين البشر في صناعة السلام والتعايش؟ 

الدين يؤمن بالمساواة الإنسانية وكرامة كل البشر: "الذي خلقكم من نفس واحدة"، "ولقد كرمنا بني آدم"، "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"، بينما مثل هذه المفاهيم الفقهية تؤمن بملة بني إسرائيل: "نحن أبناء الله وأحباؤه، وملة هتلر عن تفوق الجنس الآري
في الأدبيات الفقهية تسود فكرة الغربة المنطلقة من سوء فهم حديث: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء"؛ والشعور بالغربة يولد الشعور العدائي بالضرورة ويعزز في النفس إحساسها بالنخبوية والاصطفاء ويؤثر على مفاهيم المودة والألفة الطبيعية داخل المجتمع فينظر إلى الناس بأنهم أعداء لا بأنهم قوم وعشيرة

هناك سبب نفسي لا يحسن تجاهله في تغذية الميل العنفي في الإنسان وهو العجز عن التصالح مع الحياة، هذه الأزمة يغذيها الفقه التقليدي الذي يقيم بناءه على مجاهدة مفاتن الحياة والعزوف عنها ويقدم الدين كما لو أنه حرمان متواصل من مباهج الدنيا، وهو تصور يعاكس التصور القرآني الذي يقدم الإيمان بأنه حب ورضا وإقبال بهيج نحو الحياة: "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"، " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"، "فلنحيينه حياة طيبة". 

النظر إلى الدين بأنه حرمان من ملذات الحياة يخلق أزمة عميقة في نفس الإنسان فيعيش وقد سيطر 
عليه شعور النقص والحسد الخفي مما سيولد نظرة عدائية تجاه مشاهد الحياة الصاخبة واستمتاع 
الناس بها، وستلعب هذه الفكرة الخطرة في الوعي الخفي للإنسان وستشحنه بالطاقة السلبية ضد كل مظاهر الفرح والحياة، وهو ما رأيناه جليا في كثير من الحوادث الإرهابية التي تستهدف أفراح الناس واحتفالاتهم من قبل أفراد يائسين ناقمين

من إسهامات الفقه التقليدي في تغذية مناخ العنف المبالغة في استحضار مفاهيم الحرب العالمية على الإسلام والغزو الفكري، وإفراد مساحة كبيرة من الجهد التثقيفي في تبيان ضلال العقائد الأخرى وانحراف الأفكار البشرية؛ هذه المفاهيم تنشئ جدرانا عازلة بين المؤمن وبين الناس المنوط به هدايتهم إلى الخير والرحمة وتعوق الانتشار الطبيعي للدين كقوة روحية تتسلل إلى النفوس كما يتسلل الماء في الجداول فيتلقاه الناس العطاشى دون مقاومة، لكن حين يتحول الدين إلى مادة أيديولوجية استقطابية فإن محفزات الرفض ستستثار في النفوس وستختلط صورة الدين النقية بأجواء الصراع والكراهية.

إن مواجهة هذه المفاهيم الفقهية التي تغذي شجرة العنف بات ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل، وقد أثبتت التجربة أن المداراة والمواجهة الخجولة لهذه المفاهيم المعارضة لروح القرآن ليست أكثر من تهرب من المسئولية يفاقم المشكلة ولا يحلها، وإذا آثر العقلاء المستنيرون الصمت مجاملة للجماهير وخوفا من إغضابهم فهم بذلك يخلون ميدان السباق لأصوات التطرف والغلو لمزيد من التعبئة السوداء ومزيد من المآسي والدماء

أليس محيرا أن دعاة الغلو والتطرف لا يخجلون من المنافحة عن أفكار تدعو إلى القتل بينما دعاة التسامح والسلام خجلون من الجهر بأفكار إن أخطئوا فيها فسيكون خطأ في العفو لا خطأ في العقوبة؟
 
فأي الفريقين أحق بالخجل إن كنتم تعلمون

(عربي 21) باتفاق مع الكاتب

 

التفسير الديني للأحداث السياسية

أحمد أبو رتيمة

 

يعتبر الدين مكوناً عميقاً في الشخصية العربية، وهو ما يظهر في الثقافة الشائعة بين الناس، إذ تشحن أحداث الحياة بدلالات دينية بدءًا من مستوى الفرد الذي إذا أصابته حسنة قال: الحمد لله، هذا من فضل ربي، وإذا أصابته سيئة قال: الحمد لله على كل حال، قدر الله كله خير.

يبقى استحضار الروح الدينية مثمرا ما دامت هذه الروح تحفز في نفس صاحبها المعاني الإيجابية مثل الرضا والطمأنينة والشكر وتحصنه من اليأس والضياع، والدين في الأساس يهدف إلى إصلاح العالم الداخلي للإنسان، فإذا انطفأت حيوية الإيمان في قلب الإنسان ووافق ذلك نشوءه في بيئة متدينة وجه الثقافة الدينية المكتسبة باتجاه العالم الخارجي، أي استعمل معرفته الدينية لإدانة خصومه لا لإدانة نفسه، وبذلك يصير الدين أداةً يطوعها الإنسان بدل أن يمتثل لهديه؛ يتجلى هذا في ازدواجية المعايير لدى كثير من الناس في تفسيرهم الديني للأحداث فهم يرون المصيبة التي تحل بأحبابهم ابتلاءً من الله لرفع درجتهم بينما يرون المصيبة ذاتها حين تحل بمن يكرهون انتقاماً من الله!

نشأت الحركات الإسلامية في مجتمعات معبأة بالروح الدينية، وأعلنت أن هدفها تغيير الأوضاع السياسية، ولما كان من الطبيعي أن يستحضر الإنسان في معركته السياسية كل الأدوات المتاحة للانتصار وجدت هذه الحركات في النصوص الدينية التي تنزع الشرعية عن ممارسات السلطات أداةً صراعيةً، فتنامى استحضار الدين في إدانة الخصوم السياسيين وفي تأصيل المواقف الفكرية والسياسية للجماعات الإسلامية، وساهم في تعزيز هذا الاستحضار الثقافة الدينية العالية للمنتسبين للحركات الإسلامية ومرجعية القرآن والسنة التي تمكنهم من استحضار الشواهد الدينية بكثافة وربطها بالأحداث السياسية والاجتماعية المعاصرة.

في مقابل موقف الإسلاميين كان موقف العلمانيين المطالب بالفصل بين الدين والسياسة، فالدين لله والسياسة ممارسة بشرية تحت دائرة النقد والمساءلة، ومن شأن خلط الدين بالسياسة إضفاء طابع القداسة على الجماعات الإسلامية والتعامل مع خصمها السياسي كأنه عدو لله ورسوله

الأمر مختلط؛ فمن جهة تبدو وجهة النظر العلمانية منطقيةً إذ ينبغي الفصل بين الدين الإلهي والممارسة البشرية، والسياسة تقيم بالأدوات السياسية وليس بمعيار الإيمان والكفر والهدى والضلال، لكن من جهة أخرى فإن القرآن ذو رسالة إيجابية في الحياة فهو ليس كتاباً قاصراً استعماله على التعبد الفردي والرهبانية، بل فيه الدعوة إلى الإصلاح في الأرض وإقامة العدل والإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والقتال والصدع بكلمة الحق، وهذه الأوامر تقتضي المدافعة الاجتماعية والسياسية، كما أن القرآن يفرد مساحةً كبيرةً للحديث عن قصص الأمم وعاقبة الظلم والإفساد في الأرض، فإذا قلنا بتحييد الدين عن معترك السياسة والمجتمع فما قيمة كل هذه المعالجة القرآنية لمشكلات الاجتماع والسياسة والحضارة؟

لتفكيك الالتباس ينبغي التفريق بين إحياء روح الدين في حياتنا وبين استغلاله السياسي. الدين هو دعوة الحق والعدل والإصلاح في كافة شؤون الحياة بدءًا من سريرة الإنسان وانتهاءً بالعلاقات العالمية. القرآن الذي يقول لنا: "قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله" يقول لنا أيضاً: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط".

لكن الإيمان بدور الدين الإصلاحي لكافة شؤون الحياة مبحث مختلف عن الاعتقاد بأن جماعةً بشريةً تتبنى الخطاب الديني صارت تستمد شرعية وجودها مباشرةً من التفويض الإلهي فيؤدي هذا الاعتقاد إلى إلغاء المسافة الفاصلة بين البشري والإلهي وإلى التماهي بين القيم الدينية الأخلاقية المجردة وبين السلوك البشري الذي يداخله الهوى والخطأ والقصور، وإلى إضفاء حصانة ما ينبغي أن تكون لمجموعة من البشر يتسلحون بها لحماية ذواتهم من المراجعة والنقد

هناك حديث مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند ابن ماجه يوصي فيه أمير السرية: "وإن حاصرت حصناً فأرادوك أن ينزلوا على حكم الله، فلا تنزلهم ولكن أنزلهم على حكمك. فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا". 

هذا الحديث الغائب من التراث الفكري للحركة الإسلامية يحمل مفهوماً ثورياً أقرب إلى الروح العلمانية، فهو يمنع الخلط بين قداسة الدين وبين ما يصيب البشر من أخطاء وقصور، ويوفق بين رسالة الدين الإيجابية وبين تحريم استغلال اسمه لتبرير السلوك السياسي وهو ما يعود بالضرر على الدين في حال جانب المجتهد مراد الله من حيث علم أو جهل.
 
لا تشترط فاعلية الدين الزج باسمه وإلباس الاجتهاد البشري به، إنما يكفي لتحقيق مقاصد الدين الاجتهاد في البحث عن أفضل طريق تؤدي إلى العدل والإصلاح، فإذا تحقق العدل والخير والإصلاح فهذا هو مقصد الدين دون حاجة إلى تنصيب الذات ناطقاً رسمياً باسم الدين أو مفوضاً من الله.

يبين القرآن سنن الله الضابطة لحياة الجماعات البشرية ويضرب لنا أمثلةً من الذين خلوا من قبلنا عن دور الظلم والفساد والترف في هلاكهم، لكن القرآن يتناول هذه العلل تناولاً علمياً، فهي قوانين موضوعية تجري على الجميع، والقرآن يرسخ وحدة القانون الاجتماعي والتاريخي فيقول: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به"، "ويقول: "قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق"، ويقول: "سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً "، والبشر لا يجدون حرجاً في التناول العلمي للمسائل فهم لا يغضبون من طبيب يشخص مرضاً بيولوجياً ولا يتهمونه بالانحياز لأن العلم قوانين ثابتة متعالية على أهواء البشر.

تنشأ المشكلة حين يتحول الدين إلى أيديولوجيا يجري استحضارها بطريقة انتقائية للتعبئة في اتجاه واحد وتوظيفها سياسياً ضد الخصم، فيصبح حال من يفعل ذلك كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض

القرآن يقدم قوانين صارمةً لا تتجزأ، فهو يقول مثلاً: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ".

هذه الآية تبين قانوناً اجتماعياً يشبه قوانين الرياضيات في دقته: الجوع والخوف هي وسائل إلهية لمعاقبة المجتمعات على كفرها بأنعم الله، لكن القانون هنا للعبرة وليس للتسييس، وحين نرى مجتمعاً غارقاً في الجوع والخوف مثلما يحدث الآن في مصر فهي آية إلهية تحثنا على الاعتبار، لكن الحساسية تنشأ من حالة الاستقطاب السياسي والانتقائية في قراءة النصوص بما يخرجها من حقلها الطبيعي الهادف إلى وعظ الإنسان ويعطل فائدتها الروحية

هل نترك التفسير الديني للأحداث سداً لباب التوظيف السياسي للدين؟

إن تبنينا هذا الرأي فسيفوتنا خير كثير لأن القرآن كتاب فاعل اجتماعياً وفيه آلاف القوانين التي تتناول أزمات الناس في كافة الميادين وتنبههم إلى موطن الخلل الرئيس حين يغفلون عنه، وإن فتحنا الباب للتفسيرات الدينية فسيجري التلاعب بها واستحضارها ممن لا يبحث عن الحق ويتخذ من الدين مطيةً لخدمة أهدافه الدنيوية.

ربما يكون سبيل ثالث بين ذلك قواماً، وهو أن تحيد التفسيرات الدينية من حقل العمل السياسي وأن تقوم الأحزاب على أساس مدني وتتبنى الصيغ المدنية في خطابها ومواقفها، وفي ميدان آخر يعمل العلماء على إحياء معاني الدين الاجتماعية والسياسية دون أن تكون لهم مصلحة خاصة لدى جهة دون أخرى، والضامن هنا لئلا يتم استغلال الدين هو التقوى الداخلية في نفس الفرد التي تدفعه لتدبر آيات الله بقلب الباحث عن الحق لا بقلب الباحث عن غرض شخصي أو حزبي، كذلك وأمارة التفسير الديني الصحيح للأحداث السياسية هو أن يكون تفسيراً نزيهاً يدين صاحبه نفسه قبل أن يدين خصمه ويبصر عيوبه قبل أن يبصر عيوب الناس، وأن يستطيع تقديم إطار تفسيري شامل للأحداث المتفرقة في العالم في سياق جامع، فإذا افترض أن مصاباً من جوع أو خوف أو تمزق اجتماعي مرده إلى الظلم والفساد فعليه أن يكون قادرا على إثبات هذه الفرضية حتى النهاية وعلى استحضار أمثلة متعددة من سياقات سياسية وثقافية مختلفة تؤكد الفرضية ذاتها وأن يملك إجابةً مقنعةً على كل الشبهات المعاكسة

الدين يقدم قوانين طبيعيةً تتعلق بالفعل البشري وعاقبته، وحين نبرز المحتوى السنني في الدين سنحرره من الأدلجة والتوظيف. الأحداث السياسية والصيرورة التاريخية والتقلبات الاجتماعية كلها آيات يخاطبنا الله بها تماماً كما يخاطبنا بالقرآن، والقرآن لا يعني بـ"الآية" الآية القرآنية وحدها، إنما يعني بها كذلك الآية الطبيعية التي تشمل أحداث السياسة والاجتماع والتاريخ: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم".

القرآن كلام الله والواقع والتاريخ كلام الله أيضاً، والمؤمن يقف إزاء أحداث السياسة والمجتمع ليس بقصد استغلالها سياسياً، بل وقفةً خاشعةً معتبرةً لأنه يعلم أن الله يخاطبه بهذه الأحداث ويحذره إن اتبع نفس السنن بأنه سيجد نفس العاقبة.

"
قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين". 

"عربي21"

 

 

الشعب يريد بناء النظام

احمد ابو رتيمة

 

الثورة آتية لا ريب فيها، وأمارة اقترابها تفشي الظلم وتعمق الشعور بالقهر في نفوس المواطنين واقتطاع ضريبة الفساد وسوء الإدارة من حاجاتهم الأساسية، فإذا عم الظلم وظهر الفساد وغابت آليات المراجعة والتصحيح في بنية النظام أضحت الثورة مسألة وقت، والثورة هنا فعل انفجاري عشوائي غير خاضع للرصد وغير قابل للاحتواء، هي فعل هدمي لبناء فاسد لم يصن كرامة الإنسان ولم يقم العدل ولم يشعر المواطن بقيمة حياته فلم يعد يبالي بالاندفاع نحو الموت بعد أن فقد معنى الحياة والشعور بها.

الثورة من هذا المنظار فعل يائس لا يخطط صانعوها لما بعدها ولا يبالون بحسابات ربح أو خسارة، إنما يلجأون إليها اضطراراً بعد أن غدا استمرار الوضع الراهن مستحيلاً، وبعد أن غدت فاتورة الحياة باهظةً لا تطاق.

تزيل الثورة عائقا أساسيا من طريق البناء والنهضة، وتخلق فرصةً تاريخيةً للفعل الحضاري، لكنها وحدها لا تكفي لأن الحضارة تقوم بالرؤية الواعية لا بالاندفاعة العاطفية، وحين تكون الثورة فعلاً غاضباً وحسب فإنه يسهل اختراقها وركوب موجتها من قبل شبكات المصالح في الداخل والقوى الأجنبية من الخارج وإعادة توجيه مسارها بعيداً عن إرادة الشعب ومصلحة الوطن، وحين يصحو المواطن بعد ذهاب السكرة ومجيء الفكرة فإنه يجد نفسه أمام نظام حكم جديد جاثم على صدره لا يختلف جوهرياً عن نظام الحكم الذي أسقطه، فيغدو أمام خيارين؛ إما ابتلع الإهانة هروباً من مرارة الاعتراف بالفشل وغض البصر عن تجاوزات النظام الجديد وأوهم نفسه بإنجازات الثورة، أو اعترف سراً في نفسه بأنه قد خدع وسرقت منه ثورته فيبدأ بمراكمة مشاعر الغضب من جديد في انتظار لحظة انفجار أخرى تأتي بها الأيام.

هكذا تدخل الشعوب في دوامات مكررة تستنزف تاريخها وطاقاتها وتطيل أمد رقادها وتحرمها من فرصة الانطلاق الحضاري، وتصبح الثورات مُسكِّناً لحظياً يلجأ الناس إليها بقصد تسكين اضطراب ضمائرهم وتوفيق علاقتهم مع الواقع المعاش ليعودوا سريعاً إلى حياة الراحة والاستقرار، لا بدافع الإرادة القوية لإحداث تغيير جذري يؤسس لحقبة تاريخية جديدة قوامها العمل الجاد في سبيل ترسيخ العدل والرخاء

في هذه الحالات تسقط الثورات وجوهاً وتأتي بوجوه جديدة، وينزع المُلك من أحزاب ويوهب لأحزاب أخرى، لكن بنية النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي تظل راسخةً لا تتأثر، وعوامل التخلف التي أنتجت الأزمات تبقى كامنةً في البنية الفكرية العميقة للمجتمع مما يجعل المناخ ملائماً لإعادة تكرار ذات الأزمات، وتهدر الشعوب أعمارها في التجربة والخطأ وتظن أن النحس قد أصابها أو أن المؤامرة أكبر من قدراتها، وهي لا تدري أنها لم تضع أيديها بعد على موضع الخلل وأن كل موجاتها الثورية لم تكن أكثر من كمادات تخفيض للحرارة وأن إنجازاتها لم تزد عن تجميل وجه النظام دون معالجة أسس الخلل وحاضنته الثقافية.

الثورة ليست هدفاً، بل هي النتيجة الاضطرارية التي يقود إليها تعسر ولادة مجتمع العدل والكرامة، وهي لا تحتاج من المقومات أكثر من تراكم شعور القهر والإحباط، والنظام بظلمه الممنهج وبنيته الفاسدة وسياساته الغبية هو أكفأ من يضطلع بمهمة تغذية الشعور الثوري في نفوس الجماهير.

وما دام النظام قد كفانا هذه المهمة فإن الجدير بالعقلاء وحملة لواء الإصلاح أن يلتفتوا إلى مهمة أخرى أكثر أولويةً وهي رسم ملامح ما بعد الثورة ووضع أسس العدل والحكم الرشيد التي تحول دون تكرار ذات أخطاء المرحلة الراهنة، وتهيئ للثورة يوم أن تحين ساعة ميلادها الطبيعية أن تكون أكثر من مجرد انفجار غاضب، وأن تؤسس لحقبة جديدة تعلن قطيعةً ثقافيةً واجتماعيةً وفكريةً مع الاستبداد وتضع قواعد مجتمع رشيد يقوم على العلم والعدل والتنمية.

هل نحن في حاجة إلى الرؤية قبل الثورة؟

هناك من يرى أن أي حديث في الخطط والرؤى قبل إسقاط نظام الاستبداد هو ترف من الحديث، وأنه لا صوت يعلو اليوم فوق صوت التحشيد وتحريض الجماهير، فإذا سقط النظام كان لكل حدث حديث!

الواقع صارخ الدلالة في الرد على هذه الشبهة؛ لقد سقطت الأنظمة فعليا في أربع دول عربية عام 2011، ثم لم تنجح أي من هذه الدول في إقامة أنظمة ديمقراطية راسخة وفي إطلاق عملية البناء والنهضة، ولا تزال ثلاث منها ممزقةً في حالة احتراب ودماء واستبداد إلى اليوم، أما الرابعة تونس والتي لا يزال المتفائلون يتمسكون بشعاع الأمل الأخير في تجربتها فإن من الصعب الحديث بأنها شهدت تغييراً جذرياً إذ عاد إلى الحكم ذات النظام القديم مع بعض مساحيق التجميل، ولا يزال من المبكر الحكم بأن تحولاً اجتماعياً راسخاً حدث في تونس من شأنه أن يحول دون انتكاس الديمقراطية.

حدثت الثورات فعلا عام 2011 لكنها كانت انفجاراً غاضباً لمشاعر القهر واليأس دون أن تكون مرفقةً برؤية واضحة متبناة من قطاع عريض من الجمهور لشكل المجتمع والدولة الذي سيعقب اللحظة الثورية، وقد أدى غياب الرؤية إلى إيجاد حالة من الفراغ السياسي والاجتماعي، وفي مواجهة واقع جديد لا يملك الناس رؤيةً في التعامل معه أعاد المجتمع إنتاج ذات القيم السلبية لمرحلة ما قبل الثورة، لأن الوضع الطبيعي هو أن يعيد المجتمع تكرار نفسه وأن ينجذب إلى عوامل التخلف المتمكنة فيه ما لم تكن هناك قوة معاكسة تطلقه باتجاه قيم جديدة. ورأينا تجليات هذه الانتكاسة في تفرق القوى الثورية وتنازعهم دون إدراك خطورة المرحلة، وفي هامشية اهتمامات الثوار بدل توظيف النفس الثوري في عملية نهضة شاملة تطال كافة مرافق المجتمع التعليمية والثقافية والاقتصادية و التنموية، ثم جاءت قوى الثورة المضادة لتقطف الثمرة ناضجةً بعد أن أثبت الثوار أنهم لا يملكون رؤيةً جادةً وأنهم لا يمثلون بديلاً قادراً على تنفيذ برامج إصلاحية تحقق العدالة والتنمية.

الشعوب لا تتغير بضربة عصا سحرية، والرهان على إصلاح العادات والتقاليد المجتمعية الراسخة في مرحلة ما بعد إسقاط الأنظمة هو ترحيل للمشكلة، فالمواطن الذي تعود على ثقافة الأخذ بدل العطاء وعلى الاهتمام بمصلحته الخاصة على حساب المصلحة العامة وعلى تكديس الثروات دون مبالاة بحقوق الفقراء وعلى سلوك طرق الرشوة والواسطة والمحسوبية وعلى عدم احترام الوقت والنظام والقانون وعلى ثقافة الإقصاء لا المشاركة، لا يمكن أن يتحرر من كل هذه الأمراض بمجرد سقوط الطبقة الحاكمة، بل إن هذه المظاهر المتفشية في مجتمعاتنا هي أصل الداء، والنظام السياسي ليس سوى تجل لهذه الأمراض التي تنخر عميقاً في بنية المجتمع.

صياغة رؤىً تفصيلية لتحقيق العدالة الاجتماعية وإصلاح مؤسسات الدولة قبل الثورة ضروري لأنه يمنح الثورة معنىً أخلاقياً فلا يصبح إسقاط النظام هدفاً لذاته، إنما الهدف هو الإصلاح، فإن كان في النظام بقية عقل و أعلن انحيازه تحت ضغط الجماهير ووعيهم إلى البرامج الإصلاحية فقد كفى الله المؤمنين القتال وانتفى مبرر الثورة، وإن أصر النظام على المعاندة فقد أقيمت الحجة عليه لأنه غدا في مواجهة مطالب أخلاقية مشروعة لا في مواجهة كيانات سياسية معارضة، كما أن الرؤية القبلية تنقل الثورة من مجرد كونها فعلاً هدميا إلى مشروع بنائي، وتصبح الفرصة أكبر لتفتيت الكتلة المناصرة للنظام واستمالة أعداد كبيرة من مؤيديه، لأن الثورة هنا مشروع أخلاقي ينادي بالقيم المجردة ولا ينادي بهدم الأشخاص والكيانات

وجود الرؤية يحشد الجماهير على أسس واضحة من الوعي، ويمنح الثورة قاعدةً جماهيريةً عريضةً من الفقراء والمهمشين الذين تتبنى الثورة مطالبهم وتطرح برامج تفصيليةً لإنصافهم ورد الحقوق إليهم قبل الانطلاق ولا تكتفي بمجرد شعارات جوفاء للتعبئة اللحظية، كما أن وضوح الرؤية يبصر الثوار بخطواتهم ويحصنهم من الخديعة وسرقة الثورة، ويحمي الدولة من خطر الفوضى والفراغ بعد سقوط النظام، كما يحميها من خطر قيام نظام استبدادي جديد في حال لم تكن قضية العدالة والإصلاح مبلورةً وواضحة المعالم قبل الانطلاق.

في القرآن الكريم يستعجل بنو إسرائيل هلاك فرعون فيرد عليهم النبي موسى عليه الصلاة والسلام: "عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون".

لم تكن المشكلة في زوال فرعون، بل من سيخلف فرعون وكيف سيخلفه؟ 

(عربي21)

 

بل أحسبه غافلا يا شيخنا!

احمد ابو رتيمة

 

أرسل إلي صديق وقد أذهلته مشاهد الموت والدمار القادمة من حلب، وقبلها شلال الدم النازف دون توقف منذ أكثر من خمس سنوات، سألني هذا الصديق أسئلةً قال إنها تفيض من قلبه المنتحب وشعوره بالقهر:

هل وجود الله وعدمه سواء في دنيانا الظالمة!

لا أعتقد بوجود عدالة في دنيانا، بل الانتظار والانتظار حتى قيام الساعة.. نظام ظالم لا يجد من يردعه.

كيف يقول القرآن: "وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ"، بل أحسبه غافلا يا شيخنا !!

في مواجهة هذه الأسئلة الحرجة لا يحسن بنا دفن رؤوسنا في الرمال والتقليل من خطر العواصف النفسية والفكرية التي تجتاح نفوس شباب المسلمين على نطاق آخذ في الاتساع أمام زلزلة الأحداث وفي ظل غياب فقه ديني إنساني عقلاني يقدم إجابات تشفي الصدور وتقنع العقول، وقد سجل القرآن حالةً مشابهةً اجتاحت نفوس المؤمنين في غزوة الأحزاب: "وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً". 

لا يمكن الجزم أن دافع السؤال عن حضور الله دائما شرير، بل ربما هو علامة حيوية إيمانية، فالإيمان الحي إيمان حركي تفاعلي مع الأحداث وهو أبعد ما يكون عن تبلد الشعور وموت الإحساس، وربما يقترب هذا السؤال من حال الصحابة حين شكوا للنبي عما تحدثه به نفوسهم فأجابهم الرسول عليه السلام: أوجدتموه؟ فإن ذلك صريح الإيمان، وقول النبي في موضع آخر: "نحن أحق بالشك من إبراهيم".

الله ليس قانونا ماديا ملموسا، وكل من آمن بالله فقد آمن به على أساس أنه غيب، والفرق بين الغيب والشهادة أن عالم الشهادة يعمل بطريقة آلية يسهل ملاحظتها والتنبؤ بها، فآلة المصنع تدخل فيها المادة خاما ثم تخرج منتجا جاهزا، يحدث ذلك برتابة وتكرار صارم فإذا تأخر المنتج مرة واحدة علم الخبراء أن ثمة خللا طرأ على عمل الآلة فسارعوا إلى الفحص والصيانة، لكن الله لا يعمل بهذه الطريقة، ولو كان حضور الله في الوجود بآلية ميكانيكية رتيبة لانتفى معنى الإيمان والكفر ولما تمايز الناس ولما كان هناك معنى للأخلاق لأن من لا يقترف الخطأ لرؤيته الرقيب الخارجي ليس بصاحب فضل، إنما صاحب الفضل من سمح له تواري الرقيب أن يشعر بحرية فعل الشيء أو الامتناع عنه، لذلك لا يكون الإله إلها إلا إن كان عمله في الخفاء لا بطريقة صريحة فجة، وقد كان من أسماء الله تعالى الباطن لأنك تشعر به في تلمس الروابط الخفية والأسرار اللطيفة خلف ظواهر الأشياء بعد أن تتحرر من ضغط اللحظة وكثافة المادة المحيطة وتنفذ ببصرك إلى العمق والما وراء..

إن هذه الحياة دار ممر وابتلاء لا دار مستقر وهناء، هذا مرتكز ضروري آخر لمقاربة معنى الله في الشدائد، إن كل ما في هذه الحياة مبرمج ذاتيا للفناء، الشمس والنجوم والأرض والذرة والإنسان والدول والحضارات، مأساة الإنسان أنه يتشبث بالبقاء في أرض ينطق كل ما فيها بحتمية الفناء، إنه يحاول معاندة القوة الطبيعية القاهرة المحيطة به، و يجزع من فقد الأحبة، لكن لو سألته في ساعة هدوء بعيدا عن أسر الأحداث وضغط العواطف: وماذا كنت تتوقع في الحياة غير ذلك؟ كم كنت تتوقع استمرار الاستقرار والهناء؟ سبعين، مائة، مائتي عام؟ لما وجد جوابا.. 

لقد جئنا هذه الحياة ضيوفا وعلينا أن نقبل بقانون الضيافة برضى واستسلام، قانون الضيافة الذي يقول إن المقام إلى أجل مسمى، وإن لكل مبتدأ منتهى وبعد كل اجتماع افتراق وبعد كل صفاء كدر، كل ما في الحياة إلى أفول والسعيد من لم يعلق قلبه بالآفلين: "قال لا أحب الآفلين".

لكن ما بال الظلم والفساد والطغيان، وكيف يستقيم مع وجود إله عادل رحيم قادر؟

إن فلسفة وجود الإنسان على هذه الأرض هي الإنابة عن الله: "إني جاعل في الأرض خليفة"، والخليفة هو من يقوم بأدوار من استخلفه بحرية ومسؤولية، إذا لا بد أن يتمتع الإنسان بالحرية الكاملة على هذه الأرض لاختيار الوجهة التي يريدها وأن يتحمل مسئوليات اختياراته، ولو تأملنا قوانين الطبيعة لوجدناها تسير بانضباط ودقة متناهية فلم يحدث يوما ما أن اعتدى نجم كبير على نجم صغير، أو تأخرت الشمس عن موعد طلوعها، إن كل ما في الطبيعة من الذرة إلى المجرة ينضبط وفق ميزان، والكائن الوحيد الذي يملك الخروج عن الميزان هو الإنسان بما امتلكه من حرية: "والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان".

هذه الحرية الإنسانية تحتمل إحدى مسارين: فهي التي تخرج من الإنسان أجمل ما فيه من روحانية وخير وذكاء وعمران، وهي ذاتها التي تخرج أسوأ ما فيه من فجور وشر وإفساد وغباء، كل ما نراه من أمثلة السمو الأخلاقي مثل محمد وعيسى وبوذا وغاندي ومظاهر العبقرية والعمران مثل ناطحات السحاب والطائرات والانترنت هي تجل لقدرة الإنسان على التسامي وذكاء اختياراته، وفي ذات الوقت فإن ما نراه من أمثلة التردي مثل ستالين وهتلر وبشار وجنودهم هي تجل لحرية الإنسان في الاتجاه المعاكس والتسافل إلى آخر مدى وغباء اختياراته، هذه هي جدلية الإنسان فهو ليس ملاكا ولا شيطانا ولكنه كائن يمتلك زمام مصيره ويستطيع صناعة قدره بنفسه، إما نافس الملائكة في الفضيلة وأذهلهم بذكائه أو فاق الشياطين في الشر والفساد

إذا فالذين يسألون عن خفاء دور الإله حين يمهل الظالمين والمفسدين في الأرض حينا من الدهر لا يرون الجزء الآخر من الصورة وهو أن هذا الخفاء ذاته هو الذي أتاح للإنسان إمكانيات العمران والاكتشاف والاختراع، فلماذا نستعجل حضور الله في الشدائد وننساه في المسرات، لماذا نتذكر دور الله في السيئة وننسى فضله في الحسنة، هذه الحالة النفسية رصدها القرآن بدقة: "وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض"! إن التناقض الذي يقع فيه هؤلاء هو أنهم يفترضون أن المنجزات البشرية هي ثمرة ذكاء الإنسان وينسون الله في نشوة فرحهم: "إنما أوتيته على علم عندي"، حسنا بالمنطق ذاته وجب القول: إن جرائم القتل والإفساد في الأرض هي ثمرة غباء الإنسان، لأن إرادة الإنسان وحدة واحدة ومن غير المعقول التعامل معها بانتقائية.

لا شك أن صرخات المظلومين ودماء الأطفال المسفوكة تؤلم كل صاحب قلب حي، ونحن لا ننكر في السائلين شعورهم الإنساني الذي يحرك هذه التساؤلات، لكن لو عرض عليهم أن يتدخل الله في حياتنا البشرية بطريقة واضحة فيسيرنا مثل الروبوتات ويبرمجنا في مسارات قاهرة لا نملك الخروج عنها، هل سيرضون أو سيرضى أحدنا بذلك! إن الفطرة الإنسانية تقدس الحرية وتأبى التضحية بها مهما بهظت تكلفتها، لذلك فإن البشر في مجموعهم وفي تكوينهم العميق يرفضون أن ينزع الله منهم هذه المكرمة مهما أسيء استغلالها، وما الصرخات التي نسمعها في أوقات الشدة عن استعجال التدخل الإلهي بإهلاك الظالمين إلا نتاج شدة الوجع وضغط اللحظة والاستدعاء الرغائبي لله، ولو أجاب الله نداءاتنا دائما وأهلك الظالمين وفق مقاييسنا الزمانية المتعجلة لانتفى معنى الاختبار ومعنى الحرية، فقيمة الحرية هي أن يفعل الإنسان ما يريد دون أن يشعر أن سيفا مسلطا على رقبته سيقتص منه حالا: "إنْ نَشَأْ نُنَزِّل عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء آيَة فَظَلَّتْ أَعْنَاقهمْ لَهَا خَاضِعِينَ".

السؤال عن دور الله في الصراعات البشرية مبني على أساس خاطئ يغفل حقيقة حرية الإنسان وسلطانه في الأرض، والصيغة الصحيحة للسؤال ينبغي أن تكون: ما الذي يمنع المظلومين من الاجتماع وامتلاك أسباب القوة لمدافعة الظالمين وهل سيمنعهم الله إن فعلوا ذلك: "وما كان عطاء ربك محظورا"؟ وما الذي يمنع البشر في مجموعهم من الاجتماع على كلمة سواء والكف عن قتل بعضهم البعض وسفك الدماء، هل سيمنعهم الله إن قرروا ذلك يوما ما؟  

في معرض توعده للظالمين ومواساته للمظلومين يحيلنا القرآن غالبا إلى القانون الطبيعي أكثر مما يعدنا بمعجزات خارقة للعادة، يواسينا القرآن بالعاقبة النهائية لمشهد الحياة الدنيا: "لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد"، والمتاع القليل بالمقياس المطلق قد يكون مئات الأعوام لكن العبرة بالخسران الأبدي بعد ذلك: "أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ"، هذه ليست دعوة للاستسلام والعجز إنما بث للقوة الروحية في نفوس المؤمنين تحميهم من اليأس، إن القانون الطبيعي وحده موطن عبرة دون معجزات، فالقذافي مثلا ظل يقترف جرائم قتل منذ أربعين عاما، وقد كان هناك مظلومون يستغيثون الله منذ ذلك الزمن البعيد ولم يكن الله يستجيب لدعائهم فورا وربما ألحد بعضهم احتجاجا على عدم استجابة الله، لكن في المشهد الأخير الذي نراه الآن فقد رحل ضحايا القذافي ورحل القذافي بعد أن كان يظن ألن يقدر عليه أحد وخيل له في لحظة من الزمن أن ملكه سيخلد فما أغنى عنه ملكه وسلطانه، إن القانون الطبيعي الذي يقول لنا إن كل شيء إلى فناء ولو بعد حين هو في ذاته دليل حضور الله وموطن اتعاظ لمن كان له قلب ومبطل لمنطق الظلم والفساد، لأن دافع الظالمين والمفسدين هو محاولتهم اليائسة تخليد ملكهم وإدامة سلطانهم، وما دام التاريخ لم يكتب أبدا أن ظالما استطاع حماية نفسه من الفناء وبلوغ أجله المحتوم فهذه حجة لصالح الاستقامة والإصلاح في الأرض، إننا نرى الله في أكثر مظاهر الحياة اعتيادا وفي الصيرورة الطبيعية للأحداث ولسنا بحاجة لمعجزة لإظهار دوره.. 

نعم، في القرآن أمثلة لإهلاك الظالمين بتدخل إلهي مباشر مثل فرعون وعاد وثمود أو تنزل الملائكة في بدر، لكن هذه الأمثلة لا تمثل الأصل ولا الحالة الغالبة، وثمة علاقة طردية بين التطور التاريخي وزيادة التخفي الإلهي مقابل تعزيز سلطان الإنسان في الأرض وتمكينه، ففي مراحل الطفولة البشرية حيث كان الإنسان عاجزا في مواجهة قوى الطبيعة وكانت الأفكار الميتافيزيقية وأساليب السحر متحكمة في المجتمعات البشرية كان الأسلوب الإلهي في التعامل مع عباده يعتمد على المعجزات الحسية في تأييد الأنبياء والتدخل الحسي في إهلاك الظالمين، لكن التحول التاريخي الذي انطوى عليه نزول القرآن قلص كثيرا من مساحة التدخل الإلهي المباشر لصالح القوانين العلمية، هذا التحول واضح في القرآن: "ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض"، "قاتلوهم يعذِّبْهم الله بأيديكم". إذا يمكن أن نسمي المرحلة الجديدة التي دشنتها بعثة محمد مرحلة "أيدي المؤمنين" أي أن يأخذ المؤمنون بزمام المبادرة ويجتهدوا وفق السنن البشرية لامتلاك وسائل القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والمعرفية التي تمكنهم من مواجهة القوى المعادية والانتصار عليها دون الداعي لانتظار معجزة من السماء. هكذا يزيد سلطان الإنسان في الأرض ويزيد التكريم الإلهي له بإعطائه مساحة أكبر للفعل والتأثير.

وأخيرا فإن ما تقدم مقاربات عقلانية لفهم حكمة عمل الله في الكون، لكن القرار الحاسم للإيمان أو الكفر لا يعتمد على التحليل المنطقي، لأن مسألة الإيمان بالله في جوهرها مسألة معايشة لا إدراك، فلو حشدنا آلاف الأدلة والبراهين العقلية فلن تقود وحدها إلى الإيمان ما لم يوجد ذلك السر الخفي في قلب الإنسان الذي يلامس فيه حضور الله، إن قيمة الأدلة العقلية هي أنها تقدم وصفا تقريبيا للحالة لمن لم يعايشها، والمعايشة مرحلة متقدمة على الإدراك مثل الحب الذي لن تكفي قراءة مئات الصفحات لتذوقه ما لم يعايشه المرء تجربة شعورية داخلية.

إن الفرق بين الملحد والمؤمن هو أن الأخير يعيش مستوى وجوديا لم يبلغه الأول، وبينما يسوق الملحد مئات الشبهات التي يظنها كافية لهدم بنيان الإيمان فإن المؤمن لا يعبأ بكل هذه الجدالات لأنه يعايش حالة حاضرة بالفعل، إن الله حاضر لأن الذين آمنوا به بحق وصدق استطاعوا بلوغ حالة من السلام الداخلي لم تخذلهم ولم تهزها كل المحن والشدائد الخارجية، فهل يحق لمن لم ير ويعاين أن يكذب من رأى وعاين؟

"
والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".

موقع عربي 21

 

 

التحول إلى القوة الناعمة

أحمد ابو رتيمة

# 

بين الفينة والأخرى يستيقظ العالم على أخبار التجارب النووية لكوريا الشمالية، ولا تتوقف الآلة الدعائية في هذا البلد القصي عن بث مشاهد تدريبات الجنود واستعراضات الأسلحة لتباهي العالم وتسوق بطولات تخدر بها شعبا أحكم حصاره وعزلته عن العالم، ورغم صورة البطولة والتحدي التي يحرص حكام هذا البلد على رسمها إلا أننا لا نحتاج إلى أدنى عناء لإثبات أن هذا البلد ليس هو النموذج الذي يفكر أحد من أمم الأرض في استلهامه واتباع طريقه

بعد حادثة إسقاط تركيا للطائرة الروسية العسكرية قبل بضعة أشهر اشرأبت الأعناق وكثرت التكهنات عن حرب عالمية وشيكة، وانتظر كثيرون غضبة الدب الروسي الجريح لكن الرد الروسي جاء عبر حزمة من الإجراءات الاقتصادية والتجارية وسرعان ما انقشع الغمام عن رغبة كل الأطراف في الحيلولة دون تصعيد التوتر ليصل مرحلة الحرب المباشرة.    

أما ألمانيا واليابان البلدان اللذان تجرعا مرارة الهزيمة في الحرب العالمية الثانية فقد فهما بعد هذا الدرس الأليم أن ثمة طريقاً آخر غير طريق المآسي والحروب لتبوء مكانة محترمة في هذا العالم، ودخلا في مضمار التسابق بالعلم والتكنولوجيا والاقتصاد فغزت منتجاتهما العالم وبذلك امتلكا أدوات جديدةً للهيمنة لا يشترط فيها أن تسحق خصمك بالنار والبارود بل يكفي أن تقنعه بأنك تملك من الأدوات ما يؤثر في تشكيل حياته وأن احتفاظه بحالة الاستقرار لا يكون بمنأىً عن  المحافظة على مصالحك، أي لم تعد فلسفة العلاقات بين الدول قائمةً على حرص كل دولة على كسر إرادة الآخر بل على توصل جميع الأطراف إلى إرادة مشتركة يتوافق فيها الجميع على صيغة سلمية للمحافظة على الهدوء والتعايش.

في مقابل مثل ألمانيا واليابان أمامنا مثل باكستان وإيران، فالأولى أنتجت قنبلةً نوويةً ففرح المسلمون بهذا المولود النووي الإسلامي لكن عين المراقب لا تخطئ أن باكستان النووية لا تجرؤ على قول لا لأمريكا وأن سماءها مستباحة للطائرات الأمريكية وأرضها مستباحة لعبث أجهزة المخابرات الأجنبية فضلاً عن واقع الفقر وغياب التنمية الذي يعيشه الشعب الباكستاني، أما إيران فقد قايضت برنامجها النووي برفع العقوبات الاقتصادية عنها، ما يعني أن سلاح الاقتصاد والمال أقوى من القنبلة النووية فهل من مدَّكر؟  

كل هذه آيات بينات تقول لنا إن السلاح بات صنماً لا ينفع ولا يغني عن أهله شيئاً لكن أكثر الناس عن آيات الله غافلون!

هذه الأمثلة تنبهنا إلى أن شيئاً جديداً يتشكل في العالم غير مسار الاقتتال والإفناء الذي صبغ العلاقات الإنسانية منذ فجر التاريخ، إن طريق العنف مهما طال فهو طريق مسدود، ذلك أن العنف لا يولد إلا العنف، والحرب سلوك انتحاري غير عقلاني فالإنسان يجني على نفسه في هذه الطريق: "يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم" ومع تقدم الأسلحة وصولاً إلى التدمير الشامل ومع تشعب المصالح الاقتصادية للدول لم تعد الحرب خياراً مرغوباً حتى للدول المتفوقة عسكرياً لأن مصالحها الاقتصادية الممتدة حول العالم لا يمكن أن تكون في مأمن إلا بتطبيع العلاقات السياسية والثقافية مع الأمم
إن الإنسان لا يحيا بالتفوق العسكري وحده، ولتبسيط المعنى نبدأ من المستوى الفردي مع جندي مدجج بكل أنواع الأسلحة يعيش في مدينة ويملك من القوة ما يستطيع أن يسحق به أي فرد، لكن أهل المدينة جميعاً يقاطعونه بسبب افترائه وفجاجته، فإذا رغب هذا الجندي في إيجاد صديق يسامره لم يجد، وإذا مر الناس من أمامه أعرضوا عنه ولم يكلموه، يرى الناس من حوله يضحكون ويقيمون الاحتفالات والمهرجانات فلا يستطيع مشاركتهم، إن رغب في شراء حاجة لم يبعه أحد، وإن رغب في الزواج لم تقبل به أي فتاة، ماذا سيغني عن هذا الجندي قوته إن لم يستطع أن يحيا حياةً طبيعيةً وأن يندمج بين الناس؟

هذا المثال يبين بصورة مركزة حاجة الإنسان فرداً وجماعةً إلى ما هو أكبر من التفوق العسكري، وهذا ما دفع جوزيف ناي مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق إلى إطلاق مصطلح "القوة الناعمة" حيث يقول في كتابه الذي حمل هذا العنوان إن حسم الصراعات بالقوة العسكرية وحدها أصبح أمراً من الماضي خاصةً وأن الانفتاح وقوة وسائل الاتصال والبرمجيات قد تشكل عائقاً كلما حاولت الولايات المتحدة شن حرب جديدة، وأضاف ناي أن مصدر قوة أمريكا ليس هو الجيش فقط وإنما مجموعة من الدواعم لهذه القوة مثل اجتذاب الولايات المتحدة أكبر نسبة للمهاجرين، والطلبة الذين سيحملون الكثير من القيم والمبادئ الأمريكية، ويمكن أن يكونوا سفراء للثقافة الأمريكية ويحتلون في دولهم مراكز القرار، كما تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في الفوز بجوائز نوبل في الفيزياء والكيمياء والاقتصاد، ومبيعاتها من المؤلفات الموسيقية تشكل الضعف مقارنة مع اليابان التي تحتل المرتبة الثانية، وتعتبر أمريكا أكبر مصدر للأفلام والبرامج التلفزيونية في العالم.

القوة الناعمة أعمق أثراً من القوة الخشنة، لأن الأخيرة تقوم على إخضاع الناس بالإكراه وتطلب منهم العمل بخلاف إرادتهم ورغبتهم بينما القوة الناعمة تعني أن تخلق في نفوس الناس الرغبة الذاتية للتماشي مع قيمك ومصالحك، إن الفن والأدب من أقوى الأسلحة لفتح القلوب والعقول في العصر الحديث، إن أديباً من طراز غسان كنفاني الفلسطيني قدم للقضية الفلسطينية أكثر مما قدمته ألف بندقية، ما فعله غسان كنفاني هو أنه قدم الرواية الفلسطينية التي عمل الصهاينة جاهدين على إخفائها إلى العالم فصار بإمكان أي قارئ لأدب كنفاني في أي بقعة من العالم أن يتبنى الموقف النضالي الفلسطيني وأن يدين الجريمة الإسرائيلية.

يقول الباحث الفلسطيني جمال هلال: "في أعقاب إعلان دولة إسرائيل في 1948 وهزيمة النخب السياسية والحركة الوطنية آنذاك، حافظت الأقلية الفلسطينية على هويتها الوطنية والقومية من خلال نشاط الحقل الثقافي ولا سيما في مجالات الشعر والقصة والرواية والمسرح ولاحقًا الغناء والسينما. ومنذئذ ظل الحقل الثقافي يوفر للفلسطينيين إمكانيات أرحب من الحقل السياسي، ولا سيما في أوقات الأزمات، للتواصل وبناء الأطر والنشاطات المشتركة الخارقة لحدود الجغرافيا السياسية". 

هذا ما تنبهت إليه حركة المقاطعة الدولية PDS  التي تقوم فلسفتها على مقاطعة دولة الاحتلال أكاديمياً وثقافياً وسحب الاستثمارات منها، إن الفعل النضالي المباشر يقوم على إلحاق الأذى بالإسرائيليين، أما المقاطعة التي تعد من أبرز أشكال المقاومة الناعمة فتقوم فكرتها على الالتفاف على دولة الاحتلال وإحكام الخناق عليها وخلق ظروف غير طبيعية تشعر سكان هذا الكيان بأنهم منبوذون وأنهم غير قادرين على التطبيع مع العالم مما يرفع من تكلفة إقامتهم النفسية والاقتصادية والسياسية، هذه المقاطعة وإن كانت تواجه دولة الاحتلال بوسائل ناعمة إلا أنها نجحت في إثارة الفزع في صفوف قادة هذا الكيان ويكفي الاستدلال بتصريح رئيس دولة الاحتلال روفن ريفلين مؤخراً أن المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل تشكل "تهديداً استراتيجياً من الطراز الأول"، أما غلعاد إردان وزير الشئون الاستراتيجية فقال إنه سيركز على خطرين رئيسيين: إيران و"بي دي اس".

يتزايد العالم اليوم انفتاحا وتشابكا ومصالح اقتصادية، وهذا المعطى الجديد يخدم فكرة التعايش السلمي بين البشر ويقلص مساحة الحرب، وفي ضوء هذا الواقع الجديد تزيد فاعلية أدوات الأدب والفن والثقافة والتقدم العلمي والتكنولوجي، إذ إننا  في واقع يتم فيه تدشين الهرم من الأسفل للأعلى بمعنى أن "التحتي" الاقتصادي والاجتماعي هو الأساس لتدشين "الفوقي" السياسي والعسكري كما تقول هبة رءوف عزت وهو ما يعني مركزية الواقع الاقتصادي والاجتماعي وتبعية الواقع السياسي والعسكري، أي أنه صار بالإمكان الإضرار بالقوى التي تنتهك حقوق الشعوب بأدوات اقتصادية واجتماعية وثقافية وذلك عبر وضعها أمام خيارين: إما أن تقبل بكلمة سواء وتلتزم بالمعايير المتعارف عليها إنسانياً وإما أن تواجه قطيعة وعزلة خانقة تحول دون قدرتها على العيش الطبيعي.

(عربي 21)

 

"في النقد التاريخي" لخالص جلبي:

عوامل انهيار حضارة المسلمين

 

أحمد أبو ارتيمة

 

 

يواصل المفكر السوري خالص جلبي في كتابه "نقد الفكر الديني: في النقد التاريخي".مشروعه الفكري الذي بدأه قبل أكثر من ثلاثين عاما، مع كتاب "ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية".
ينطلق خالص جلبي في قراءته للتاريخ من أن عامل الانهيار داخلي بالدرجة الأولى، أما العنصر الخارجي فهو الذي يكشف الغطاء عن التفاعل الداخلي ويشير إليه.
وإزاء سؤال: كيف انهارت الحضارة الإسلامية وكيف غاب المسلمون عن التاريخ وكيف قفز الأوربيون إلى دفة قيادة التاريخ، يرى جلبي ضرورة البحث في البدايات والمؤشرات.
يبدأ الانهيار التاريخي، وفق تحليل خالص جلبي، من الإنسان الذي إذا تحررت إرادته أصبح مواطنا واعيا مشاركا مسئولا، وليس عصا للضرب بكل يد، أو طبلا جاهزا للقرع بكل الأنغام والرقصات، أو مسدسا جاهز الزناد لإعدام ولو أبيه.
سجل التاريخ الإسلامي مبكرا مأساة انفكاك الضمير عن الواقع، يظهر ذلك في مثال عقيل ابن أبي طالب الذي يواجه مصادرة الحياة الراشدية على يد البيت الأموي بقوله: "إن صلاتي خلف علي أقوم لديني، وإن معاشي مع معاوية أقوم لحياتي".

معركة العقاب

في عام 1212م طُحنت الدولة الموحدية في الأندلس في معركة العقاب، وبعدها تهاوت الحواضر الأندلسية كورق الخريف. لكن من أين أُتي المسلمون في معركة العقاب؟
يورد خالص جلبي مثالا يظهر توقف الحياة العقلية وانحدار مخطط الحضارة في الأندلس، وهو معاقبة الفيلسوف ابن رشد:
يذكر صاحب كتاب "الذيل والتكملة" ابن عبد الملك؛ نص إدانة الفيلسوف ابن رشد الذي جاء فيه: " فاحذروا - وفقكم الله - هذه الشرذمة حذركم من السموم السارية في الأبدان. ومن عُثر له على كتاب من كتبهم فجزاؤه النار التي بها يعذب أربابه، وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه".
هكذا كان مصير الفيلسوف المبدع الذي استفادت منه أوربا أكثر من العالم الإسلامي، ففي الوقت الذي أطلق فيها شرارة العقل المفكر، كان هذا الصك يحكي لنا حرق كتبه أينما وجدت، ولكن الأمة التي تفعل بمفكريها هذه الفعلة هل تبقى بدون عقاب؟.
يجيب جلبي بأن عقاب أهل قرطبة مخيف، بل عقاب أهل الأندلس جميعا، فقد سقطت بعد ذلك بلنسيا، ثم قرطبة، ثم تكلل الانهيار بسقوط مدينة إشبيلية في عام 1248م. وبذلك سقط الجناح الغربي للعالم الإسلامي بتمامه.

اكتساح التتار للمشرق الإسلامي

بعد عشر سنوات بالضبط من سقوط الجناح الغربي للعالم الإسلامي تبعه الجناح الشرقي متمثلا في بغداد؛ التي سقطت على يد هولاكو عام 1258م.
يتساءل خالص جلبي: كيف يمكن أن يفسر حدثٌ في مثل هذه الضخامة انهيارا مريعا للحضارة الإسلامية؟
ويقول: "إن التاريخ ينقل قصصا لا تكاد تصدق سواء من مستوى القيادة، أو مستوى الأمة، بين اتصالات مريبة من السلطان العباسي الذي راسل جنكيز خان يدعوه لغزو بلاد خوارزم، لتخليصه من منافسه هناك جلال الدين، والذي كان يخشى من زحفه باتجاه بغداد، فجاءه طوفان يأجوج ومأجوج بعد ذلك ليعدم ولده المستعصم وأحفاده وحفيداته.. أو في قصة التتري الذي أمسك مسلما ليذبحه، فأمره بالبقاء حيث هو، ثم غاب الجندي التتري سويعة وعاد والمسلم ما زال ينتظر الذبح؛ لأن غريزة التمسك بالحياة قد تلاشت".
يخلص خالص جلبي إلى أن أمة من هذا النوع لا يحتفظ بها التاريخ، ولا يوفرها الجنس البشري، بل يمضي عليها القانون الإلهي: "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم".

معركة سهل أنقرة

يتوقف الكاتب مع مفصل آخر في تاريخ المسلمين، ففي الوقت الذي كان فيه السلطان العثماني بايزيد خان الأول يتأهب لغزو أوربا بحملة قوامها نصف مليون جندي، تحركت عاصفة عسكرية أشد هولا، ومن نفس العرق التركي والدين الإسلامي، وبسبب تاريخي تافه، يقودها عسكري تتري مرعب خلّد اسمه في التاريخ بكل الفظاعات الممكنة (تيمورلنك)، ليحطم الطموحات العثمانية الجنينية للسيطرة على أوروبا في معركة أنقرة في 20 تموز/ يوليو عام 1402م، وليوقف المد الإسلامي، ولينقذ جنين الحضارة الغربية.
يتساءل خالص جلبي عن هذا الارتطام الأعمى بين قوتين إسلاميتين لتنجو وتولد حضارة غير إسلامية: هل هو مجرد مصادفة عبثية؟ أم عمى تاريخي؟
للإجابة عن هذا السؤال يستعين الكتاب بتحليل مالك بن نبي الذي يشرح المعنى التاريخي لمعركة سهل أنقرة في كتابه "وجهة العالم الإسلامي": " لقد قام تيمورلنك في الواقع بعمل لم يكن يستطيع إدراكه حتى بعد انتهائه منه، لأن مغزاه التاريخي الحق لا يمكن أن يظهر إلا بعد عدة قرون. وإن مسألة كهذه قد تتركنا مشدوهين بحجة أنها ذات طابع ميتافيزيقي، ولكن لكي نعطي للأحداث تفسيرا متكاملا يتفق مع مضمونها كله يجب ألا نحبس تصورنا لها في ضوء العلاقات الناتجة عن الأسباب، بل ينبغي أن نتصور الأحداث في غايتها التي انتهت إليها في التاريخ".

"
لماذا حال تيمورلنك دون قيام بايزيد بنشر الإسلام في قلب أوربا..؟ والجواب لكي تتابع أوروبا المسيحية جهدها الحضاري الذي لم يكن العالم الإسلامي بقادر عليه منذ القرن الرابع عشر، حيث كان في نهاية رمقه. إن سيف تيمورلنك هو الذي شق الطريق أمام الحضارة الغربية الوليدة وسط أخطار الغروب التي كانت تخيم على العالم الإسلامي".

معركة أسوار فيينا

في يوم الثاني عشر من أيلول/ سبتمبر من عام 1683م، وفي عصر السلطان محمد خان الرابع، وجه الوزير العثماني الأعظم رسالة حفظتها الوثائق العثمانية إلى أهل فيينا التي كان يحاصرها بجيش عرمرم قوامه ربع مليون جندي، جاء في الرسالة:
"
إنني وبعزة الله وكرامة الرسول وولد القمرين الذي له كل الرفعة والفخر. أنا قائد جيش السلطان العثماني الأعظم. ملك ملوك الأرض. أقول لكم ولقائد النبلاء في فيينا الجنرال ستارهمبرغ. لتعلموا أنني وبأمر من سيدي الأكثر احتراما وتقديرا، الأقوى، والأعظم والذي لا يقهر. والذي جئتكم بجيشه اللجب حتى مدينتكم فيينا هذه من أجل ضمها إلى مملكته. إن استسلمتم له فبإمكانكم أن تنسحبوا بكل أشيائكم صغيرها وكبيرها. ومن يرغب في البقاء هنا صينت ممتلكاته. أما إن عصيتم وامتنعتم عن التسليم اقتحمنا عليكم مدينتكم وقطعنا كل صغير وكبير بحد السيف".
لكن انعطافا نوعيا حصل في تاريخ القارة الأوربية كسر نهائيا المخطط التوسعي العثماني، حيث اندفع الملك البولوني يوحنا الثالث سوبيسكي بقيادة شخصية، وبجيش نجدة بلغ خمسة وستين ألف جندي قدموا لفك الحصار عن مدينة فيينا قلب أوروبا، مما أدى إلى فشل الحملة واندحار الجيش العرمرم، وأعدم الوزير الأعظم في بلغراد، عاصمة الصرب الحالية، في 25 كانون الأول/ ديسمبر من العام 1683م.
يرى خالص جلبي أن مسلسل التراجع العثماني استمر بعد فشل حملة فيينا في القرنين التاليين حتى دخلت الدولة العثمانية "العناية المركزة التاريخية"، حيث سميت بـالرجل المريض، قبل أن يموت هذا الرجل المريض.
في هذه المحطة من تاريخ المسلمين يبرز أيضا دور العامل الداخلي. ويرى خالص جلبي أن الدور الذي لعبه كمال أتاتورك كان تافها، فهو لم يقتل أو يلغ الخلافة العثمانية، وإمبراطوريات عريقة هيهات أن تسقط بأمثال أتاتورك، إن أتاتورك لم يفعل أكثر من إعلان الموت والسير في خشوع في جنازة الدفن الأخيرة.

كانت حملة العثمانيين على فيينا عسكرية في الوقت الذي كان فيه التفوق الغربي تفوقا حضاريا، وفي نفس العام الذي مات فيه السلطان محمد خان الرابع (1687م)، كان إسحق نيوتن يكتب كتابه "الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية"، الذي لم يكن سوى القفزة النوعية في تاريخ العقل الإنساني، وكان المدخل الجديد لفهم عالم جديد. وهو التحول الذي لم يتفطن له المسلمون الأتراك حسب استقراء الكتاب.

معركة سفح الأهرام عام 1798

يذكر المؤرخ الجبرتي أن الإنجليز سبقوا الفرنسيين إلى الساحل المصري وحذروا الشعب المصري قبل وصول الحملة بعشرة أيام، إلا أن المماليك لم يهتمو بشيء من ذلك ولم يكترثو به، اعتمادا على قوتهم وزعمهم أنه إذا جاءت جميع الإفرنج لا يقفون في مقابلتهم وأنهم يدوسونهم بخيولهم!
"
أما موقف الجماهير والعلماء الذين يقودونهم والفرق الصوفية فقد كان يشي بطبيعة العقلية المسلمة في تلك الأيام. لقد كانوا يقرأون صحيح البخاري ويعيدون كلمة يا لطيف آلاف المرات ليدفعوا عن أنفسهم الجنود الفرنساوية"، كما يقول المؤلف.
في الوقت الذي اكتشف فيه الفريق العلمي الفرنسي حجر رشيد وأعاد الحياة إلى اللغة الهيروغليفية، كان المماليك مستلقين على ظهورهم، يدخنون الأراجيل في أشعة الشمس المصرية الدافئة!
يرى جلبي أن حملة نابليون كانت تؤدي دور الصفعة لعالم خرج عن خط التاريخ ليستيقظ من جديد، ولكنه أضاع الفرصة كما أضاع الأتراك فرصة خريف القرن السابع عشر.

ولادة إسرائيل

يصل خالص جلبي في نهاية تطوافه التاريخي إلى محطة "ولادة إسرائيل" التي تشبعت الثقافة العربية بأن الصراع معها هو القضية الجوهرية، لكن جلبي يرى الحاجة إلى إعادة ترتيب علاقات الأشياء. فولادة إسرائيل جاءت من رحم التردي العربي، ولو خسف الله الأرض بإسرائيل لما زال المرض العربي. وهناك دول عربية تخلصت من الاستعمار ولكنها تعيد سيرة الاستعمار على شكل أبشع.
إن من الضروري التأسيس لفهم لماذا ولدت إسرائيل، وكيف تحدث مثل هذه الأشياء في التاريخ؟ يرى خالص جلبي أن هذا التأسيس ضروري لوضع اليد على تشخيص مجد واقتراح علاج ناجع لمشاكلنا

موقع عربي 21   

 

 

الموت جوعًا في 2016



أحمد أبو رتيمة


أطلق برنامج الأغذية العالمي تحذيراته من حدوث مجاعة في اليمن، وقال إن هناك عشر محافظات يمنية تعاني من انعدام الأمن الغذائي وإن هناك أكثر من سبعة ملايين مواطن يمني لا يجدون ما يكفي من الغذاء. اليمن ليس حالةً استثنائيةً في هذا الصدد، فبحسب إحصائيات برنامج الأغذية العالمي هناك أكثر من ثمانمئة مليون إنسان لا يجدون طعامًا كافيًا، هذه الإحصائية تتوزع على جنوب وغرب آسيا ومنطقة أفريقيا، ويتسبب سوء التغذية في وفاة حوالي 3.1 مليون طفل دون سن الخامسة كل عام.
بحسب برنامج الأغذية العالمي، هناك أكثر من سبعة ملايين مواطن يمني لا يجدون ما يكفي من الغذاء

أن يموت الملايين جوعًا في القرن الحادي والعشرين مفارقة مؤلمة تستحق التوقف مليًا عندها، فالإنسان الذي تذللت الأرض لسلطانه وأخرجت له أثقالها من الثروات والكنوز فشل في توزيع هذه الثروات بالعدل والقسط بما يضمن الحد المقبول من العيش الآدمي الكريم على هذه الأرض.
ليس ثمة ندرة في الموارد، هناك في العالم ما يكفي من الغذاء لكل إنسان ليحصل على التغذية التي يحتاجها من أجل حياة صحية ومنتجة وفق حسابات برنامج الأغذية، وفي الوقت الذي يموت فيه فريق من الناس جوعًا يموت فريق آخر تخمةً وشبعًا، المشكلة ذات طابع أخلاقي تتعلق بسلوك الهيمنة والاستعلاء الذي يمارسه الأقوياء على الضعفاء والرغبة في الاستئثار بالثروات بما ينتج توزيعًا مخلًا في العالم. الاعتبارات الأخلاقية غير حاضرة في حسابات المتنفذين سواء كانوا دولًا عظمى أو أنظمةً محليةً استبداديةً أو شركات ربحيةً جشعةً، لذلك من الطبيعي ألا تمثل مأساة الجوعى عبر العالم مشكلةً مؤرقةً تدفع الأقوياء إلى الاجتماع وبحث سبل حلها.
في كتاب يحمل اسم "صناعة الجوع.. خرافة الندرة" صدر في بداية الثمانينيات، وهو كتاب يظهر توجهه من عنوانه يرى مؤلفاه فرانسيس مور لابيه وجوزيف كولينز أن العديدين يعتقدون خطأ بأن العدالة لو صارت لهـا الأولـويـة فسوف تتم التضحية بالإنتاج، ولكن العكس هو الصحيح، فالعالم فيه ما يكفي من الغذاء لكل فرد، فهو ينتج يوميًا رطلين من الحبوب أي أكثر من ثلاثة آلاف سعر حراري وبروتين وفير لكل رجل وامرأة وطفل على الأرض وهذا التقدير أكثر مما يستهلكه شخص في أوروبا الغربية، فإذا وضعنا في الاعتبار ملاحظة الفروق بين الإنتاج الحالي والإنتاج الممكن، فإنه في كل من أفريقيا وأمريكا اللاتينية لا يزرع سوى أقل من 25% من الأراضي التي يمكن زراعتها، وأن العقبات أمام تحرير الطاقة الإنتاجية ليست في معظم الحالات فيزيائيةً بل اجتماعية فحيثما تكون هناك سيطرة غير عادلة وغير ديمقراطية على الموارد الإنتاجية فإن تطورها يعاق.
ويرى الكتاب أنه في معظم البلدان التي يجوع فيها الناس يسيطر كبار الملاك على معظم الأرض، وقد أظهرت دراسة عن 83 بلدًا أن 3% من ملاك الأرض فقط يسيطرون على نحو 79% من كل الأرض المزروعة، لكن هؤلاء الملاك الكبار هم الأقل إنتاجيةً، فالأرض التي تحتكرها قلة تعاني حتمًا من قلة الاستخدام.

 

مآسي العالم من مجاعات وحروب وأمراض هي تعبير عن خلل في العلاقات الدولية التي تقدس أطماعها وأنانياتها

يذهب الكتاب أبعد من ذلك فهو يكشف بالأمثلة والحقائق كيف أن الدول العظمى تستعمل الغذاء كسلاح سياسي، فقد قطعت المعونة عن تشيلي فجأةً عندما انتخبت حكومة تهدد مصالح الشركات الأمريكية الكبرى، وفي عام 1974 نقلت الواشنطن بوست وثيقةً حكوميةً غير منشورة فيها تعارض الولايات المتحدة توسيع برنامج الغذاء العالمي لإعانة مناطق المجاعات وتنص الوثيقة على أن الولايات المتحدة لم تكن قادرةً في السنوات الأخيرة على التأثير بصورة ملموسة في السياسات أو الإجراءات الخاصة بتوزيع المعونات على جهات معينة، بما يعني بشكل واضح أن الولايات المتحدة غير مستعدة لتقديم أي معونة غذائية لا تستطيع تشكيلها وفقًا لأهدافها.
هذه الدراسات والأبحاث تثبت بلغة الأرقام حقيقةً مبدئيةً بأن الأرض لم تبخل يومًا بخيراتها على أهلها، لكن الناس أنفسهم يظلمون، وكل مآسي العالم من مجاعات وحروب وأمراض هي تعبير عن خلل في العلاقات الدولية التي تقدس أطماعها وأنانياتها ولا تقيم اعتبارًا لقيم العدالة والكرامة وحقوق الإنسان، إن من التناقض المريع أن الإنسان الذي غزا الفضاء لا يزال عاجزًا عن إقامة العدل في الأرض، وأن العبقرية التي اخترعت الأدوية التي تحمي الإنسان من الميكروبات والجراثيم عجزت عن حماية الإنسان من ظلم أخيه الإنسان.
لقد بدأ الإنسان مسيرته الحضارية قبل أكثر من خمسة آلاف عام ولم يكن شيئًا مذكورًا، كان يكافح ضد الحيوانات المفترسة في الغابة ويغلق على نفسه باب الكهف مخافة الوحوش، ويعجز عن مواجهة البرد والمرض والجوع، ثم شهد مساره الحضاري قفزات مذهلةً في تسخير الطبيعة لسلطانه فابتكر كل وسائل الراحة وتيسير المعيشة وطوى مشارق الأرض ومغاربها وامتلك من القوة ما يمكنه من تدمير الأرض عن بكرة أبيها، لكن هذا الكائن ذاته لا يزال عاجزًا عن تحقيق صيغة اجتماعية للتعايش بعدل وسلام يكون الناس فيها سواءً لا يبغي أحدهم على أحد. هل هو عجز فعلًا أم أنه الظلم والإفساد والاستكبار في الأرض! وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً.

صحفي وكاتب من فلسطين

 

داء الاغترار بالقوة

أحمد أبو رتيمة

 

نشوة القوة مسكرة لأصحابها وحجاب لعقولهم، تحرضهم على الطغيان والاستكبار والمشي في الأرض مرحا: "كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى"، القوي المستكبر يرى الناس في عينيه مثل الذر لا يبالي أن يسحقهم في طريق نزواته واستعلائه.

حين يعيش الإنسان بنفسية القوة لا يستمع لنداء العقل ظنا منه أن العقل حيلة الضعفاء بينما منطقه الوحيد إذ يمتلك القوة هو البطش وإكراه الناس على إرادته: "قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز"؛ هذه الآية نموذجية في تحليل سيكولوجية الاغترار بالقوة، فالنبي يخاطبهم بالعقل والحوار بينما هم لا يفكرون إلا بمنطق القوة، فما دام النبي ضعيفا فليس من حقه أن يتكلم معهم، إذ الحق في نظرهم هو القوة، القوي هو الذي يملك حق تحديد المعايير الأخلاقية وتقرير الصواب و الخطأ، تماما مثل واقع السياسة الدولية اليوم التي تعكس موازين القوى وليس المبادئ والحقوق، فالخمسة الكبار الذين يملكون حق النقض الفيتو ميزتهم الوحيدة أنهم المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، وكما قال من أظنه جودت سعيد لو انتصر هتلر لما وجد صيغة أسوأ من صيغة الفيتو لفرض سلطانه على الأرض. الفيتو يعني ببساطة أن القوة هي الحق، وأن إرادة كل شعوب الأرض مجتمعة لا اعتبار لها إذا تناقضت مع مصالح القوى الكبرى، إنه منطق: "وإنا لنراك فينا ضعيفا"، أخرج ما لديك من أوراق قوة حتى نقرر إن كان من المناسب أن نتحدث معك أو أن نحاربك..

مرض الاستكبار في الأرض قديم قدم الوجود الإنساني، فالقوة هي التي تمنح الإنسان الشعور التألهي، أنه يملك ميزات إضافية ترفعه عن مصاف الناس العاديين. يتلخص تاريخ الصراعات في تصادم الإرادات وسعي كل فريق لسحق إرادة خصمه وأن تكون الكلمة الأخيرة له بما يعني ادعاء ضمنيا للألوهية، فالله تعالى وحده الذي يملك الإرادة الحقيقية المتغلبة والمشيئة التي لا راد لها، وحين يضيق الإنسان بمعارضة إرادته ويسعى لسحق هذه المعارضة فهو بذلك يسعى أن يثبت أنه لن تكون على الأرض إلا مشيئته

ولو فككنا كل الخطابات السياسية على كافة المستويات لوجدنا القاسم المشترك بينها أن كل فريق يحاول كسر إرادة أعدائه، لماذا تحارب أمريكا هنا عسكريا وتحاصر هناك اقتصاديا، وتغزو بلدا ثالثا بالبرامج الثقافية والمساعدات الإنسانية؟ أليس الهدف المباشر هو أن يخضع العالم كله لإرادتها، وألا تكون هناك أية قوة تخرج عن طوعها؟ إن السبب النفسي يبدو أعمق من السبب الاقتصادي في تفسير الصراعات البشرية، لو قلنا إن الدول تسعى لتقوية اقتصادها عبر الحروب فإن السؤال يظل قائما: لماذا تريد الدول تقوية اقتصادها؟ إن القوة الاقتصادية ليست هدفا بل وسيلة للهيمنة السياسية وفرض الأجندة وإعلاء القيم، وحين تنجح دولة في الوصول إلى مستويات قياسية من الرفاهية لمواطنيها فإنها لا تغلق الأبواب على نفسها بل تبحث عن دور سياسي تمد به نفوذها وتحقق كبرياءها.

لم تكن خشية فرعون من دعوة موسى هو أن يصلي بنو إسرائيل ويصوموا لإلههم الذي في السماءـ بل كان يخشى أن يزاحمه موسى في نفوذه السياسي: "وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ"، هذه المقولة التي جاءت على لسان ملأ فرعون تلخص المنطلق النفسي الذي يرسم سياسات الدول الكبرى في كل زمان، فهي معركة البحث عن النفوذ والكبرياء تستعمل فيها الأدوات العسكرية والاقتصادية والإعلامية من أجل إشباع شعور عميق في نفوس الأفراد والأمم بالعلو والتلذذ بفرض الإرادة على الآخرين.

 
التوحيد في حقيقته دعوة للعدل والمساواة الإنسانية، التوحيد يعني أن تتحرر من شعور الاستكبار على الضعفاء أو الاستضعاف أمام السادة والكبراء وأن تعتقد أن الناس كلهم عباد لإله واحد، فترضى لنفسك ذات المعيار الذي تريده لغيرك، وتؤمن بتساوي الحقوق الإنسانية، لا تسعى لسحق إرادة غيرك لأنك تؤمن أنه إنسان مثلك، ولا تتعالى على غيرك لأنك عبد ضعيف مثله، التوحيد يعني أن يسود التعاون والاعتراف لا التصادم والإلغاء علاقات الأفراد والشعوب والأمم.

التوحيد دعوة لميلاد عالم الحق لا عالم القوة، عالم يكون الناس فيه أقوياء بمبادئهم الأخلاقية لا بعربدتهم وبطشهم، لأن قوة المبدأ الأخلاقي أثر من قوة الله الحق الذي وضع الميزان بما يعنيه من قوانين أخلاقية دقيقة، بينما قوة العربدة والبطش عبادة للأصنام، فالاعتقاد بأن القوة المادية تملك الضر والنفع والموت والحياة والنصر هو شرك بغير الله: "وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَة لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّا"، "وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَة لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ".

في مثال قوم عاد في القرآن الكريم: "فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة".

هو ذات الاغترار الذي يصيب كل الأمم، فروسيا اليوم تعربد في سوريا ومن قبل في أوكرانيا وجورجيا وهي تقول: "من أشد منا قوة".. يجيب القرآن على كل الذين يعبدون صنم القوة: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة"، وهو جواب علمي وليس غيبيا، فالاغترار بالقوة موقف غير عقلاني يقوم على تضخم الشعور بالذات والغفلة عن القراءة الموضوعية لمعطيات الواقع ومسار التاريخ وحدود القدرات البشرية، القوي في ساعة سكرته يظن أن لا حدود لقدراته وأن نهاية التاريخ قد كتبت عند أوج مجده وسلطانه، هنا يعادل القرآن هذا الإفراط في تقدير حدود الذات بالتذكير بالقوة المطلقة المحيطة التي كانت هي علة زوال الحضارات وفناء الأمم عبر التاريخ

إن أعظم برهان على أن هناك دائما ما هو أقوى من كل الحضارات القوية هو قصص التاريخ التي تنبئنا أنه لم يكتب لأي من هذه الحضارات الخلود وأن الأيام كفيلة بتجلية عوامل التحلل والتفكيك وتنشيطها وصولا إلى الأجل المحتوم: "فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين"، إن الله هو أشد قوة تعني أن سنن الله وقوانينه أشد قوة، فالله لا يعمل دائما بطريقة مباشرة إنما يرينا آياته من خلال سننه وقوانينه التي ضبط بها مسار الحياة والوجود

كل دولة مهما علا سلطانها وعظم بطشها تحتوي عناصر ضعف تقتضي العقلانية إدراكها والتواضع بإزائها، قد تمتلك دولة قدرات عسكرية فتاكة وصواريخ نووية كما هو حال روسيا التي تتباهى خيلاء في الأرض وتظن أن لن يقدر عليها أحد لكنها في ذات الوقت تحتوي على ضعف اقتصادي يجعلها في حاجة إلى غيرها مما يبطل دعوى تفردها بالهيمنة والسلطان، وقد تمتلك دولة كل أدوات القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية، لكنها لا تستطيع توفير الأمن لمواطنيها، فيسلط الله عليها بظلمها عبادا مستضعفين لا تأبه لهم يسلبونها أمنها ويكسرون كبرياءها، وقد تستكبر دولة على جيرانها وتنصر كل جبار عنيد كما تفعل إيران بنصرها للطغاة المستبدين لكنها مهترئة من الداخل لم تقم في شعبها العدل والنماء فتظل محرضات الانفجار قائمة من الداخل تنتقص من اكتمال قوتها وتبطل دعوى استكبارها، وقد تشيد دولة أعظم العمران لكنها تقف عاجزة أمام إعصار أو زلزال أو بركان

وهكذا فإن تذكير الآية بقوة الله هي دعوة إلى العقلانية والتواضع وإدراك حدود الذات، فإن من وراء كل قوة مهما علت في الأرض قوة كلية محيطة تتمثل في القانون الكلي للوجود الذي أوجده الله بتجلياته الطبيعية و السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولن تخلو أي قوة من عناصر ضعف كامنة إما غالبها أصحابها بالعدل الذي يحقق الأمن ويزيل أسباب التوتر ويكسب الأمم قوة روحية تؤثر بها في الناس وتكسب قلوبهم، وإما غفلت وعميت وتجبرت في الأرض حتى يأتيها الله من حيث لا تحتسب فيقصم كبرياءها ويرتد بغيها على نفسها: "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين".

 مع (عربي 21) بالاتفاق مع الكاتب

 

حديث في فضائل أوروبا

احمد ابو رتيمة

 

خروج عشرات آلاف المواطنين النمساويين بشكل عفوي لاستقبال اللاجئين السوريين وتوزيع الطعام والمساعدات عليهم هو مشهد مفعم بدلالاته الإنسانية. ليس ثمة مؤامرة ولا حسابات سياسية بل هو تعبير شعبي تلقائي عن الخير الكامن في الفطرة الإنسانية، وهو شاهد للمجتمعات الأوروبية على تمكنها من ارتقاء درجة أعلى في سلم القيم الإنسانية.

في التعامل مع الأمم يلزمنا التحاكم إلى معيار منصف حتى لا نشطط في أحكامنا، يلزمنا التحرر من سجن الصور التاريخية، الأمم ليس بالضرورة أن تظل رهينة لماضيها مكبلة بأغلاله، ألمانيا اليوم ليست هي هتلر، وأوروبا ليست هي الحروب الصليبية، ولو كان محكوما على الأمم والشعوب أن تواصل طريق أسلافها لما كان للتوبة والمراجعة والنهوض بعد الكبوة معنى، ولظل الإنسان راسفا في قيود الجبرية والحتمية التاريخية، لكن قصة التاريخ تمنحنا الأمل بإمكانية الانعتاق من كل خطايا الماضي والبدء بكتابة صفحة جديدة أكثر إشراقا..  

يقتضي المعيار المنصف أيضا ألا نتعامل مع العالم بأنه كتلة واحدة صلبة وفق ثنائية ملاك أو شيطان، العالم غني بتعدده بما تعجز الرؤى الأحادية والأحكام الاختزالية عن تفكيكه، لا تقل إن العالم متآمر، بل قل لي أي عالم تقصد، هل تقصد روسيا أم أمريكا أم أوروبا، وداخل أوروبا ذاتها: هل تقصد بريطانيا أم فرنسا وألمانيا أم الدول الإسكندنافية؟ هل تقصد المنظومة الرأسمالية الغربية التي تقدس مصالحها ولا تعبأ في سبيل ذلك بأن تدوس على الأخلاق وبأن تتحالف مع المجرمين والقتلة، أم تقصد القيم الإنسانية التي أنضجها الوعي الجمعي والتي تقدس الحريات وتحترم حق الإنسان في الكرامة والعدالة؟ حين تحدثني عن الغرب أخبرني إن كنت تقصد كونداليزا رايس صاحبة شركة النفط أم تقصد راشيل كوري التي تصدت بجسدها النحيل لآلة الموت الصهيونية دفاعا عن بيوت الفلسطينيين في رفح؟ 

وإن من ألد أعداء المعيار المنصف اللجوء إلى المقارنات التي تميع وضوح الحقائق وتقتل جوهرها، فإذا ذكرت لأوروبا استقبالها للاجئين السوريين جادلوك بقولهم: ولماذا لم تذكر استقبال اللاجئين في الأردن ولبنان وتركيا؟ 

أولا ما جدوى هذه المقارنات؟ إن الفضيلة قائمة بذاتها بغض النظر عن فضائل الآخرين، كما أن الجريمة قائمة بذاتها لا يقلل من بشاعتها مقارنتها بجرائم أكبر، وإن حديث الساعة الآن هو استقبال اللاجئين في أوروبا، هل تجدون مثلا أن القرآن كان يبخس من حسنات أهل الكتاب بمقارنتها بحسنات المؤمنين! القرآن يسلط الضوء على أي حسنة لأي فريق ويعززها ويبدأ بها قبل ذكر السيئات: "وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَار يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ"، "وما يفعلوا من خير فلن يكفروه". إن أردت أن تذكر لأي فريق حسناته فافعل، المهم ألا يكون ذلك بقصد التهوين من حسنات الآخرين.

ثانيا إن فضل الشعوب الأردنية واللبنانية في استضافة اللاجئين السوريين غير قابل للإنكار، لكنه يظل كرما شعبيا عفويا، وإن كانت هناك تسهيلات من الحكومات فهي تأتي في إطار الإجراءات التي يمليها ضغط المرحلة وهي تسهيلات مقدرة، لكن في أوروبا فنحن نتحدث عن منظومة متكاملة أنضجتها التجربة التاريخية، تبدأ من قيم المجتمع وتنتهي بقوانين ملزمة للسلطات التنفيذية تعطي أي إنسان مضطهد في العالم الحق في اللجوء والإقامة الكريمة ومنافسة أهل البلد الأصليين في وظائفهم وجامعاتهم ومراكزهم بل والتفوق عليهم.

إن هذه القيم ينبغي أن تكون موضع إشادة وتقدير وغبطة وأن نعترف لأوروبا بالسبق فيها وأن نتواضع أمامهم ونتتلمذ على أيديهم إن أردنا أن نصل إلى ما وصلوا إليه ثم نتجاوزه، هذا هو الوجه المشرق لأوروبا، أوروبا ليست تاريخا استعماريا وساسة رسميين وحسب، بل أوروبا هي المكان الذي نضجت فيه التجربة البشرية حول ضرورة احترام حقوق الناس وتوفير الملاذ الآمن للمضطهدين والخائفين بغض النظر عن أديانهم وأجناسهم.. 

كما أن من أعداء المعيار المنصف افتراض الظنون غير المستندة إلى دليل علمي في محاولة لنفي أي قيمة إيجابية غربية، وتحميل ما يبدو إيجابيا على محامل أخرى تفترض المؤامرة وخبث النية، لا يهم أن تفترض أن الغرب يقصد من استقبال اللاجئين الاستفادة من العقول العربية الجبارة ومعالجة مشكلة مزعومة بنقص الكثافة السكانية، أو أن تفترض أنه يريد تنصير هؤلاء اللاجئين عبر توجيههم إلى الكنائس مع أن الغرب ذاته لم يعد مسيحيا فقد طلق الكنيسة ثلاثا ولم تعد تهمه الهوية الدينية كثيرا، أو أن تفترض أنها مؤامرة لتفريغ سوريا من شعبها وإبقائها لبشار الأسد، حتى وإن كلفهم الأمر أن يدفعوا للاجئين معاشات وتأمينات اجتماعية ويؤمنوا لهم سكنا من ضرائب مواطنيهم، لا يهم أن تفترض أي افتراض فليس ثمة من يطالبك بالدليل والإثبات، المهم أن تخلص النتيجة النهائية إلى أن الأخلاق والإنسانية إنتاج حصري للمسلمين ليس لغيرهم منها نصيب، وأن كل الأمم الأخرى متآمرون وشريرون ليسوا على شيء.. 

شيوع هذا النمط من التفسيرات غير المستندة لأي منطق ولأي منهجية علمية يكشف عن انعدام الرؤية في فهمنا للعالم المحيط بنا، فنلقي الأحكام جزافا، ولو اجتمع وزراء الخارجية الأوروبيون وقرروا بشكل قاطع منع اللاجئين من دخول ديارهم لوجدت ذات الذين يشككون في دوافع السماح بالهجرة اليوم يقولون انظروا أين ديمقراطيتهم، إنهم لا يحترمون حقوق الإنسان، وهو ما يعني أن الحكم موجود مسبقا، وسواء فعل الغرب الشيء أو عكسه فهو مدان في جميع الأحوال. هذا التناقض في الحكم على الأشياء يذكر بتناقض الذين قال القرآن فيهم: "ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي"، إذ بنفس منطق الآية: ولو منعوا الهجرة لقالوا لولا سمحوا بها، أمؤامرة أم ليست بمؤامرة!

من مخالفات المعيار المنصف أيضا أن نحمل الدول الأوروبية مسئولية إسقاط بشار الأسد دون مراعاة حدود قدراتها، ودون اعتراف بمسئولية العرب أولا عن هذه المهمة. لست خبيرا في السياسة الدولية لكني أرى خطا عاما يقول إن من يملك موازين القوى الفاعلة في الساحة الدولية هما أمريكا وروسيا لا أوروبا، وحين ثارت الشعوب العربية على حكامها فهي لم تكن تراهن على تدخل خارجي لإسقاط هؤلاء الحكام، بل كانوا يراهنون على قوتهم الشعبية الذاتية، فهل يعقل أن نحمل العالم مسئولية عجزنا وفشلنا العربي! حين أسمع من يقول لماذا لا تسقط أوروبا بشار الأسد أقول له: أعطني آلية تنفيذية تستطيع أوروبا بها إسقاط نظام شرس تدعمه دول كبرى مثل إيران وروسيا وأمريكا أيضا بطريقة غير مباشرة.

لست منبهرا بأوروبا، ويمكنني إبداء كثير من الملاحظات عليها في مواطن أخرى، لكن ما أردت قوله هو أننا بحاجة إلى ميزان أخلاقي نحاكم العالم إليه، وألا نستصحب كل عقدنا التاريخية والاجتماعية ومشكلاتنا السياسية لنفي أي قيمة غربية إيجابية. من أراد أن يدين الغرب فليدنه في مواضع الإدانة، أما حين نرى منهم احتراما لحق الإنسان في اللجوء والأمن وصيانة حريته وكرامته فهنا لا يسعنا إلا أن نعترف لهم بالفضل ونقدر حسن صنيعهم، وقد أمرنا القرآن بالعدل حتى مع أعدائنا: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".

 مع (صحيفة عربي 21 )

 

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

المرجعية الإسلامية والإرث الإنساني

احمد ابو رتيمة

 

تحاورت ذات مرة مع صديق حول الرفاهية التي تعيشها بعض القيادات الإسلامية والتي لا تتناسب مع مستوى الفقر والبطالة الذي تعاني منه نسبة كبيرة من أفراد الشعب، فأجابني بأن هذه الرفاهية من حر مال أصحابها، وبأن الله تعالى لم يحرم الملكية الخاصة، وأنه ما من بأس بأن يبني الغني برجا مشيدا من مائة طابق بجوار مقبرة ينام فيها فقير، لأن الله فضل بعض الناس على بعض في الرزق، وإلغاء الطبقات فكرة اشتراكية لا علاقة للنظام الاقتصادي الإسلامي بها، فلا يجوز أن تحاكم الإسلاميين إلى معيار من خارج قناعاتهم.

هل حقا هناك نظام اقتصادي إسلامي مغلق، أم أن الإسلام هو العدل، وكل صيغة يبتدعها البشر تحقق عدلا أكثر هي أقرب إلى روح الدين، والقرآن يعطينا مبادئ عامة لتحقيق العدل مثل كسر احتكار الأغنياء للملكية: "كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم"، وتحريم كنز الأموال دون عملية إنتاجية: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم". 

وإذا كان القرآن يطرح هذه المعاني الروحية فإن مهمة البشر أن يستلهموا روح العدل الكامنة في النصوص ويصوغوها في أفكار اجتماعية وقوالب قانونية عبر ابتكار النظم التي تمنع تغول الأغنياء وسيطرتهم على الثروات، فكل تجربة بشرية حققت تقدما في هذا الاتجاه كانت أقرب إلى روح الدين، وحين ننقد تجربة الاشتراكية مثلا فلأن بإمكاننا الإضافة إليها وتطويرها بعد تفكيكها بما يحقق عدلا أكثر وليس رفضا لمبدأ الاستفادة من الأفكار والمذاهب الإنسانية.

يفتح القرآن الآفاق واسعة أمام الإبداع الإنساني عبر دعوة البشر للبحث عما هو أهدى وأقرب رشدا: "قل فأتوا بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين".

بالإضافة إلى الدلالة التعجيزية التي يتوقف عندها كثيرون في هذه الآية، فإنها تتضمن أيضا قيمة عملية، فلو افترضنا جدلا أنه قد جاء كتاب أهدى من القرآن فإن القرآن يأمرنا باتباع الكتاب الجديد، إن هذه الآية تحاكم القرآن إلى معيار من خارجه، وهو مدى قدرة أي كتاب على تحقيق عدل وهدى ورشد أكثر في حياة الناس، فإذا تجاوزنا حرفية الآية فإن الروح التي تنطوي عليها هي أن القرآن يدعونا إلى البحث المتجدد عن كل ما يحقق عدلا وصلاحا أكثر.

إذا كان القرآن بمعانيه الحرفية ومواضيعه المحددة يمثل أقصى العدل والهدى في ظروف تنزله التاريخية والاجتماعية، فإن الظروف التاريخية والاجتماعية التي تنزل القرآن لمعالجتها لم تكن هي الأفضل والأقرب إلى العدل عبر تاريخ الإنسان، لذلك إذا جاء زمان آخر وارتقى مستوى الوعي الجمعي وتراكمت التجربة البشرية بما يحقق مقدارا أكبر من العدل لم يكن الناس يعرفونه زمن تنزل القرآن فإننا هنا نحتاج مقاربة جديدة تخرج من الأحكام الفقهية التفصيلية وتستفيد من مراكمة التجربة البشرية وآفاق العدل الجديدة التي بلغها الإنسان لتوسيع إدراكنا لمعنى العدل قبل إسقاط المبادئ القرآنية الكلية على الواقع.

كان نظام الرق مستشريا زمن تنزل القرآن، وكان من المركزية في النظام الاجتماعي العالمي بما جعل إلغاءه مرة واحدة مستحيلا، لذلك لا نجد في القرآن الكريم نصا واضحا قطعيا يحرم الرق. صحيح أننا نجد أحكاما قرآنية تضيق مداخل الرق وتوسع مخارجه، لكن القرآن لم يسعه إلا التعامل مع هذا النظام حتى إننا نجد بعض تشبيهات القرآن متأثرة بذلك الواقع الاجتماعي: "ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون"، وما أنهى نظام الرق هو التجربة البشرية ومراكمة الوعي وتطور الحضارة وليس نصوص القرآن.

عملا بمعيار "أهدى منهما أتبعه": هل الأهدى هو تحرير الرقيق كإحسان فردي مع بقاء النظام، أم إلغاء النظام جذريا من حياة البشر! هنا جاءنا ما هو أهدى ليس بكتاب جديد نزل من السماء بعد القرآن، بل بكتاب التاريخ الإنساني الذي يتوصل في عواقبه إلى الحق والعدل: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق"، إذا فالقرآن أبقى الباب مفتوحا على مصراعيه للتفكير البشري حتى ليتجاوز الأحكام القرآنية ذاتها لما هو أهدى وأقرب رشدا.. 

في مثال آخر كانت الشعوب زمن تنزل القرآن تُحكم بالملك الفرد، ولم يكن الفكر الإنساني قد أنضج آليات الحكم الجماعي. صحيح أن القرآن في ذلك الوقت المبكر تضمن آية الشورى، لكن المناخ المعرفي والسياسي السائد أبقى الغلبة للحكم الفردي، ونشأ نزاع بين الفقهاء إن كانت الشورى معلمة أو ملزمة، وهو نزاع متأثر بالعصر أكثر من تأثره بفحوى النص، وحكم الخلفاء بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وفق النظام السائد آنذاك، وكانت ضمانة العدل هي التقوى الفردية لشخص الخليفة، فإذا تقلب قلب الخليفة فإن الناس لم يكونوا يمتلكون من الآليات الدستورية والمعرفة السياسية ما يلزمون به الخليفة بالعدل، إن قصارى ما كان بمقدورهم فعله هو أن يناصحوا الخليفة ويعظوه، فإن لم يستمع لنصحهم كانوا يصبرون على ظلمه، فذلك أهون من فتنة الخروج عليه. 

الآن نضج الوعي السياسي وجاء كتاب التاريخ بما هو أهدى فصار الحاكم مجرد موظف في مؤسسة الحكم الجماعي محدد الصلاحيات يمكن أن يحاسَبَ وأن يُقال من قبل السلطات الأخرى، ولم يعد الآمر الناهي الذي لا معقب لحكمه، فهل يصح أن يأتي من يقول إن نظامنا السياسي الإسلامي قائم على حكم شخص الخليفة كما كان الحال عليه زمن عمر بن الخطاب، وإن ما يحدث في أنظمة سياسية أخرى في العالم من حولنا هي تجارب غير إسلامية لا شأن لنا بها!

إن فردية الحكم في عصر الإسلام الأول ليست سنة نستن بها، بل كانت نتاجا طبيعيا لمستوى الوعي في ذلك الزمان، أما ما هو جدير بالاستنان فهو عدل الخلفاء، وقد تحول العدل في هذا الزمان إلى آليات جماعية وقوانين ملزمة يحاسَب من يخرج عنها وإن كان الرجل الأول في الدولة، أليس هذا أهدى سبيلا وأولى بالاتباع من أن يبقى العدل رهينة لمزاج فرد واحد يمكن أن يتقلب حتى لو كان هذا الفرد عمر بن الخطاب!

ذات المعنى يقال في النظام الاقتصادي، فإذا كانت مشكلة الفجوة الطبقية غير ناضجة التصور في عقول البشر في الأزمنة الغابرة، وإذا كان البشر يتصورون أن أقصى معاني الإحسان هو أن يلقي الغني بفتات مائدته إلى الفقير دون معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي سمحت للغني بمراكمة ثروته وحرمت الفقير من الحد الأدنى من حياة كريمة، ثم نضجت المفاهيم الإنسانية فصاروا يرون في الفجوة الطبقية مؤشرا غير أخلاقي تعاب به المجتمعات ويناضل المناضلون في سبيل تقليصها ورفع الحد الأدنى لدخل الفقراء وإلزام الأغنياء بمسؤوليات اجتماعية فرضا بالقانون، فإن الجدير بالمسلمين في هذه الحالة أن يكونوا أول من يساهم في انتصار هذه القضية أخلاقيا مهتدين بالمبادئ القرآنية العامة مثل تحريم الاكتناز والحث على تدويل الأموال بين الأغنياء والفقراء، لا أن يستندوا إلى نصوص منزوعة من سياقاتها أو إلى صيغ تاريخية لوقف التقدم البشري وتبرير واقع الفساد بغطاء شرعي.

الاقتصار على النصوص وحدها دون دراسة الأنظمة البشرية التي قطعت شوطا في اتجاه تقريب الناس من العدل ينتج فسادا مغلفا بغلاف ديني، والفساد ليس مقتصرا على السرقة الفجة، بل إن كثيرا من الأساليب التي يعتمد عليها الأغنياء في تضخيم ثرواتهم هي أساليب لا تمثل مخالفة قانونية ظاهرة ولكنها تستفيد من البيئة الاجتماعية ومن العلاقات العامة والاحتكار والاستغلال والتخلي عن المسئوليات الاجتماعية. 

وأيا كانت التبريرات فإن الفطرة الإنسانية السوية تشمئز من مشهد فقير متسول لا يجد بيتا ينام فيه بجوار برج عاجي يسكنه ثري مهما سيقت تبريرات بأن هذا الغني قد بنى برجه من حر ماله وبذكائه الخارق وجهده الذاتي بينما ذلك الفقير قد صار فقيرا بكسله.

إن حكم الفطرة والصورة النهائية أصدق من كل التبريرات النظرية، وليس صحيحا أن الغني صار غنيا بجهده وحسب وأن الفقير قرر بمحض إرادته ألا يجد خبزا ومبيتا لنفسه ولأولاده بل هي سلسلة طويلة من اختلال الفرص واعوجاج المعايير الاجتماعية والفساد غير المعلن هي التي أنتجت الصورة النهائية البشعة.. 

لقد أدى اقتصار كثير من الإسلاميين على استلهام نماذج تاريخية دون تفكيك الواقع المعاصر واستيعاب آخر ما توصل إليه البشر من حكمة وهداية إلى تحالف بعض القيادات الإسلامية مع الطبقة الرأسمالية وانخراطهم في أنشطة تجارية تغيب عنها الرقابة والشفافية ويتم فيها استغلال مواقع المسئولية حتى لو كان استغلالا معنويا في تعزيز فرص الأرباح، مما أدى إلى تكون طبقة من الرأسماليين داخل الحركات الإسلامية. 

لكن الأخطر أن هذا الانحراف الخطير يغلف دينيا، فبعد بناء البرج يكتب على واجهته: "هذا من فضل ربي"، ويكتب عليه أيضا: "لئن شكرتم لأزيدنكم"، وإن حدثت صاحبه عن التفاوت المختل بين مستواه ومستوى الفقراء المعدومين الذين لا يجدون طعاما ولا مأوى قال لك قاطعا الطريق أمام أي نقاش: " ورَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ" مع أن الآية تتحدث فقط عن تفاوت طبيعي داخل المجتمعات، ولا يوجد ما يمنع من سعي البشر إلى تقليص الفجوات وتعزيز مساواة الفرص وحسن توزيع الثروات فيظل التفاوت الطبيعي موجودا لكن بحد أدنى أكثر أخلاقية وعدلا.. 

الانفصال عن الواقع والاكتفاء بالنصوص وبتطبيقاتها التاريخية يحرم أصحابه من أداء رسالة الشهادة على العصر، وفي الوقت الذي يشغل أقوام أنفسهم بالبحث في بطون الكتب عن شواهد انتقائية تمنح الشرعية لحياة البذخ واختلال العدالة التي تهواها أنفسهم فإننا نجد بلادا غير إسلامية تقدم أروع نماذج النزاهة والشفافية والعدالة دون نصوص ولا فقهاء.

 

 

العامل الذاتي في

هلاك الأمم وفناء الحضارات

احمد ابو رتيمة

 

يفرد القرآن مساحة واسعة لقصص الذين خلوا من قبلنا ولتذكيرنا بتدبر عاقبة أمرهم وتحذيرنا من اتباع سننهم: 

"قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ"، "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ"، "وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ"، "وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ"، "فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ"، "وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"، "كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ"، "فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ"، "كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ"، "وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا"، "فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"، "وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ"، "وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ"، "وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وبالليل أفلا تعقلون"، "ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ منْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ".

تأتي قيمة هذا الحضور القوي لمشاهد الأمم الغابرة في تنبيهنا على وحدة القانون التاريخي، فالقرآن لم يكن ليذكر لنا قصصهم إلا لما تحتويه من عبرة، والعبرة تعني أن هناك قابليات نفسية مشتركة بيننا وبين تلك الأمم السابقة، فالأمراض التي وقعوا فيها كامنة فينا نحن أيضا، فيمكن من حيث المبدأ أن نكرر ذات الأخطاء فنلقى ذات المصير، ومن هنا فقط تأتي قيمة التحذير والإلحاح علينا في القرآن بتدبر عاقبة أمرهم ودراسة سننهم.

لا يمل القرآن وهو يعقب على قصص الأمم بتذكيرنا بوحدة القانون التاريخي: "كذلك قال الذين من قبلهم"، "سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً"، "وما هي من الظالمين ببعيد"، "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب"، "أكفاركم خير من أولئكم"، "تشابهت قلوبهم"، وهكذا فإن التاريخ يخضع لقوانين تشبه قوانين الكيمياء والأحياء، فتوفُّر ذات المقدمات بين مثالين يقود إلى ذات النتائج "العواقب" بشكل حتمي لا يعرف التبدل ولا التحول، فلا مكان للصدفة والعشوائية والاستثنائية والمحاباة الخاصة في سنن التاريخ.

ربما أبرز ما يتميز به الطرح القرآني في التعامل مع التاريخ هو أن القرآن يبرز المسئولية الذاتية للأمم عن مصائرها، فالأمم وفق التصور القرآني لا تهلك بسبب قسوة ظروف الطبيعة ولا بسبب غزو عدو خارجي، إنما بفعل التحلل الذاتي نتيجة انتشار أمراض الظلم والإفساد والترف والبطر والاستكبار وطمس القلوب والعقول، هذا التفسير مريح للنفس لأنه يحررها من الشعور بالعبثية واللا معنى تجاه الأحداث المفاجئة، ويجعلها قادرة على فهم خط ناظم يحكم الأحداث، كما أن هذا التفسير يمنح أصحابه قوة لأن فهم القوانين الحاكمة للتاريخ يعطي الأمم سلطانا بالإمساك بزمام الأمور وتعديل مصائرها بالمراجعة الذاتية كما حدث مع قوم يونس الذين آمنوا "فمتعناهم حتى حين"، و هذا التفسير يخلق أيضاً في الأمم الجدية ويعلي من رقابتها الأخلاقية لأنها تعلم أنها تؤتى من الداخل لا من الخارج، وأن أي تجاوز أخلاقي فإنما هو بذرة تؤسس لهلاكها، وأن مسألة بقائها أو فنائها ليست مرتهنةً بالمعادلة الدولية أو التحالفات الخارجية بقدر ما هي مرتهنة بقوة المناعة الداخلية وشعور أهلها بالعدل والمساواة والأمن.

في سورة سبأ التي تحمل اسم حضارة اليمن هناك إبراز واضح لمسئولية الأمم الذاتية عن مصائرها، فهذه القصة تظهر التحول من حالة الرغد والأمن إلى حالة الفقر والتمزق بسبب ما أحدثوه في أنفسهم وفق القانون الاجتماعي: "ذلك أن الله لم يك مغيراً نعمةً أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

يقول الله تعالى:
" لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ () فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ () ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ() وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ() فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ()".

دعونا نصوغ مراحل حضارة سبأ بطريقة رياضية لنستخلص قانونا تاريخيا عاما:

 الحالة الحضارية: الرخاء الاقتصادي وسهولة التواصل وأمان الطرق.
ثمن المحافظة على الحالة الحضارية وتنميتها: الشكر وما يقتضيه من إدراك النعمة والحرص على عدم إضاعتها.
التحول الحادث في النفوس: الإعراض وبطر النعمة وظلم النفس وتمني السيئة بالمباعدة بين الأسفار.
عاقبة التحول: الفقر والتفرق بعد الاجتماع وتمزق وحدتهم.

بهذه المعادلة الرياضية نستطيع أن نلقي إضاءة عامة على مجمل قصص الحضارات دون إسقاط التفاصيل التاريخية والعوامل المتراكبة، لكن كل تفاصيل الأسماء والأحداث التي نقرأها في كتب التاريخ لا بد أن تقود في المشهد النهائي إلى خلاصة مبسطة تمثل قانوناً مطردا.

ما يذكره القرآن في قصص الأمم ليس عوامل غيبية غير قابلة لإخضاعها للتفكيك الاجتماعي والسنن المادية، بل هي قوانين علمية منطقية؛ مثلاً في المشهد الذي بين أيدينا فإن إعراض سبأ وكفرها ليس موقفا إيديولوجيا لا علاقة للغة العلم به، إنما يحمل أبعادا اجتماعيةً ونفسية مما يجعل العلاقة بين هذه الأمراض وبين نتائجها المتمثلة في فناء الحضارة علاقة علمية وليست مجرد إيمان غيبي.

الإعراض والكفر هو انتكاسة نفسية واجتماعية مناقضة للشكر، والإعراض شعور سلبي قوامه الجهل والغفلة والسخط والتذمر وفقدان الرضا والتوافق الداخلي، هذه الحالة السلبية حين تشيع بين الناس في مجتمع من المجتمعات فإنه يصير عاجزاً عن المحافظة على قوته الدافعة الإيجابية فتتراجع قدرته على المحافظة على إنجازات الحضارة وتنميتها فتنقلب أحواله من الرغد الاقتصادي إلى الفقر، وشيوع مشاعر التذمر والسخط ستمس حتماً بوحدة النسيج الاجتماعي فتمزقه كل ممزق، في المقابل فإن الشكر هو حالة إيجابية تغمر النفس فتفيض على أصحابها قوةً روحيةً ونشاطاً إيجابياً ورغبةً في العمل والتنمية، والإنسان الشكور هو إنسان متوافق مع ذاته، وبالتالي فهو متوافق مع المجتمع مما يشكل النواة الأقوى لمجتمع متماسك.

إذاً حين يطالب الله الأمم بالشكر ليزيدها من نعمه ولئلا يغير ما أنعم عليهم فهو لا يطلب شيئا لنفسه إنما ينبهنا لقوانين الحياة: "ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه"، فالشكر يعني اكتساب قوة روحية ونشاط إيجابي يكون دافعاً للعمل والإنجاز، الشكر قوة والكفر ارتكاسة ومقت تضر بصاحبها وحده: "إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم".

أما دعاء قوم سبأ أن يباعد الله بين أسفارهم فهو وإن بدا للوهلة الأولى غير مفهوم إلا أنه طبيعي في حالة ارتكاس الإنسان، وأمثلته في القرآن حاضرة مثل طلب بني إسرائيل من موسى أن يخرج لهم من الأرض من عدسها وبصلها وفومها وقثائها بديلاً عن المن والسلوى، ومثل قوله: "ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير"، هذه الحالة تعني السأم من أوضاع الراحة ومبادرة الإنسان باستجلاب الشقاء لنفسه، وهذا ما يمثل النزعة الانتحارية أو إرادة الموت في داخل النفس البشرية: "وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً".. سأم الإنسان من أحوال الراحة يبرز مسئوليته الذاتية عن مصيره، إن الإنسان في تحد ليس مع الظروف الخارجية وحدها، بل الأهم من ذلك هو في تحد مع قوى الموت والضمور التي تدعوه من داخله لتقتل فيه إرادة الحياة وبهجتها، ويقاس نجاح الإنسان بمدى انتصار إرادة الحياة في داخله على إرادة الموت، وهو ما يساعده الإيمان في تحقيقه، فالإيمان نظرة إيجابية للحياة لا تعرف اليأس ولا القنوط ولا الملل، إنما تعرف الشكر والرضا والعمل.

لكن في محاولة إسقاط الأمثلة القرآنية على واقع اليوم سيبرز أمامنا سؤال عن مدى ملائمة هذه الأمثلة لعصر العلم والتجربة، فإذا كان القرآن يخبرنا عن إرسال سيل العرم على سبأ وعن إهلاك الأقوام السابقة بالريح والصيحة والخسف والإغراق فهل ننتظر أن يهلك الله الأمم والحكام الظالمين اليوم بإحدى هذه الوسائل، وما نصيب هذا الكلام من الواقعية والعلمية؟!

والجواب أني أبرزت في شرح مثال قوم سبأ جانباً من المضامين العلمية التي تظهر علاقة عضوية قابلة للقيام بين المقدمات والنتائج ، والقرآن عموما في ذكره لقصص الأقوام السابقة يركز على القانون التجريدي أكثر من تركيزه على التفاصيل الظرفية، وهو ما يتضح في الآيات الكثيرة التي صدرت بها المقال بأن علة الهلاك الرئيسة هي الظلم بغض النظر عن كيفية هذا الهلاك، أما التدخل الإلهي المباشر في إهلاك الأقوام الظالمة فقد كان معهوداً في مراحل الطفولة البشرية قبل أن يرى الإنسان من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس ما يعطيه سلطاناً للفهم والعمل والتغيير بيده، وهو التحول الذي انطوت عليه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إذ إن انتصاره على قومه المكذبين لم يكن بالمعجزات بل وفق سنن التدافع الاجتماعي الطبيعي والتحول التدريجي: "ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعضهم"، "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم"، هنا تشير الآيات بوضوح إلى أن الله لا يريد التدخل في التدافع بين الناس بمعجزات، بل يترك العمل لعباده، وفي النهاية ستنتصر سنن الله التي لا تتبدل ولا تتحول عبر الزمان، وإذا كان هلاك الظالمين في العصور الخالية عبر إرسال سيل العرم آيةً فقد نسخها الله بآية خير منها وهي هلاك الظالمين عبر التحلل الذاتي والتفكك الاجتماعي، فهذه آية أعظم على دقة وعدالة الناموس الضابط لهذا الكون: "قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ".

إن علة هلاك الظالمين ذاتية، فالظلم بطبيعته يقود إلى تفكك النسيج المجتمعي وإلى مراكمة مشاعر الكراهية والعداء وإلى فقدان الأمن والطمأنينة، وكما أن فقه هذا المنهج القرآني يضفي علينا سكينةً ويقيناً بحتمية انكسار قوى الظلم والاستبداد فإنه في المقابل ينبغي أن يعلي من حذرنا كيلا لا نتبع سنن الذين خلوا من قبلنا فنقع في ذات أمراضهم من ظلم وترف وبطر معيشة وكفر نعمة فيصيبنا مثلما أصابهم.

"وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ".

 

 

 

جدلية السياسة والثقافة

 

أحمد أبو رتيمة

 

هل الظروف السياسية هي التي تشكل ثقافة المجتمع، أم أن الحالة السياسية ليست سوى إفراز طبيعي للثقافة الحاكمة في المجتمع؟

هل إسرائيل هي سبب مشكلاتنا الداخلية؟ أم أن انهيار جهاز المناعة العربي الداخلي هو الذي أتى بإسرائيل إلى بلادنا؟

العامل الداخلي هو أساس تفسير الظواهر الإنسانية، ذلك أن الله تعالى منح الإنسان قوةً حتى لا يكون لأحد سلطان عليه إلا إذا تخلى هو ذاته عن قوته وقبل باستعباد الآخرين له، إن أحداً لا يستطيع امتطاء ظهرك إلا إذا وجده محنياً يقول مارتن لوثر كينغ، والقرآن يعمق هذا المفهوم فيبرز دائماً دور العامل الداخلي فيما يصيب الجماعات البشرية من انتكاسات، ففي غزوة أحد يحيل سبب مصاب المسلمين إلى أنفسهم: "قل هو من عند أنفسكم"، حتى الشيطان رمز الشر في الوجود لا يستطيع أن يضل أحداً إلا إذا كانت فيه القابلية الداخلية للغواية: "وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي"، "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين"، وهذا مقتضى العدل الإلهي ألا يعاقب الناس بعدو خارجي إلا إذا أحدثوا خللاً داخلياً: "ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمةً أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون".

هذه ليست مجرد معان دينية غيبية، بل هي تلخيص للقوانين التي تحكم حركة النفس والمجتمع والحضارة والتاريخ، فالشيطان رمز للشر والتآمر الخارجي، لكن مخططاته لا تنجح إلا حين يكون هناك تجاوب داخلي معها وقابلية لاحتضانها، إن المجتمعات المحصنة تبطل كل المؤامرات الخارجية، ذلك أن ارتفاع مستوى الشفافية الأخلاقية والوعي السياسي داخل المجتمع يحصن المجتمع ضد أي اختراق ويعزل أي مخطط غريب ويحرمه من الغطاء الذي يبحث عنه. 

المؤامرات الخارجية موجودة، لكن العنصر الحاسم في إنجاحها أو إفشالها هو الموقف الداخلي منها: "وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً"، والتقوى يشمل معناها فيما يشمل الحذر واتخاذ الأساليب السياسية الفاعلة لإفشال المخططات المضادة.

تصوروا مثلاً أن يخطط الموساد لتفجير الأوضاع الداخلية في دولة مثل السويد هل سينجح في ذلك؟ ربما ينجح في شراء ضمائر بعض المواطنين السويديين ويوعز إليهم مهمات تخريبيةً، لكن حتى لو نفذوا هذه الأفعال التخريبية فستظل مساحة تحركهم محدودةً بسبب الوعي الوطني الذي يعزلهم ويجعل أي أفعال لهم تبدو غريبةً مستنكرةً، لكن لن تنجر البلاد إلى انفجار شامل إلا في حال وجود بذور كامنة في المجتمع تنتظر الظروف الملائمة.

المؤامرة الخارجية لا تصنع الانقسام الداخلي، لكنها تكشف الاستعداد الكامن له وتجلي ما في النفوس ليخرج إلى العلن.

إن الدماء والحروب والانقسام والكراهية التي تتجلى اليوم في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها ليست سوى إعلان رسمي عما كان مختبئاً تحت السطح طوال العقود الماضية، لا نبرئ التدخلات الخارجية ولا نستبعدها لكنهم يستفيدون من قابليتنا ويستثمرون في أوضاعنا الداخلية الهشة، إن إسرائيل ذاتها لم تكن لتقوم لولا أنها جاءت في ظل أوضاع عربية متردية فاستثمرتها في إقامة دولتها، وإلا كيف استطاعت دولة صغيرة غريبة أن تصمد لأكثر من ستين عاماً وسط بحر من الأعداء! 

حين دعوت إلى تعزيز ثقافة الحوار واحترام التعدد الفكري والسياسي ونشر مفاهيم الشراكة والتعايش بدل الإقصاء من أجل توفير بيئة اجتماعية صحيحة تتصدى للممارسات القمعية للأجهزة الأمنية في الساحة الفلسطينية قال فريق من الناس إن هذا تسطيح للمشكلة لأن هذه الأجهزة ذات ارتباطات خارجية، وإن المشكلة ليست مجرد حب وتفاهم بين الناس، وأنا أعترف أنها حجة منطقية، وأن الواقع السياسي معقد ومتداخل العوامل المؤثرة فيه ، لكن السياسة ليست سوى إفراز للمجتمع، وحين تتعزز في نفوس القطاع الشعبي الأكبر قناعة بأن الآخر هو شريك وطني وأن محاربة إنسان من أجل رأيه جريمة أخلاقية فلن تستطيع أي قوة سياسية مهما كانت ارتباطاتها الخارجية أن تتجاوز هذا الوعي المجتمعي، وستضطر لمسايرة المجتمع حتى لو بهدف منافقته، لأن الجاسوس ذاته لا يستطيع أن يعمل إلا في بيئة مجتمعية مساعدة، وحين تجفف المستنقع فلن يجد البعوض ما يتغذى به.

إذا كان عنصر الأمن يمارس قمعه بقرار سياسي فوقي، فإن البيئة الثقافية التي يأتي منها ودائرة العائلة والأصدقاء له تتفهم فعله مما يعني أن هذا الجندي لا يستطيع ممارسة دوره إلا بمظلة اجتماعية، ماذا لو نبذته العائلة والمجتمع هل سيظل قادراً على ممارسة ذات الدور بنفس الأريحية؟
تتجلى جدلية الثقافي والسياسي في ظاهرة الارتباط بالاحتلال، فالاحتلال يوظف إمكانياته الأمنية والسياسية والمالية في توريط ضعاف النفوس وابتزازهم للعمل معه، لكن لا يمكن إسقاط اعتبار الواقع الاجتماعي من العوامل المؤثرة في اتخاذ العميل قرار الارتباط بالاحتلال، فالأوضاع الاقتصادية القاسية التي يعاني منها المجتمع ممزوجةً بمشاعر الإحباط واليأس دافع رئيس للتورط في مستنقع العمالة، وهذه الأوضاع بدورها نتيجة لاختلال العدالة الاجتماعية ولفساد الإدارة، والناس تتحمل حياة الفقر والكفاف بشرط أن يتساوى الجميع في تقاسمها، لكن حين تزداد الفجوة الطبقية داخل المجتمع فتتنعم طبقة بالرفاهية على حساب أكثرية تعاني من الحرمان والقهر فإن كثيرين من أبناء الطبقة المسحوقة سيشعرون بالظلم وسينظرون إلى الوطن بأنه شركة خاصة ينعم بامتيازاتها علية القوم وليس لهم فيه مكان محترم وسيتأثر شعورهم الوطني سلباً مما يمثل بيئةً ملائمةً للعدو يستغل فيها هذه المشاعر السلبية ويوجهها لتحقيق أهدافه الخبيثة.

إن الاكتفاء بتحليل الأحداث السياسية دون نفاذ عميق إلى المكونات المجتمعية والثقافية التي تحتضن المستوى السياسي وتفرز مواقفه، يشبه أمر الطبيب الذي يكتفي بإعطاء الكمادات لتخفيض الحرارة دون أن يعطي دواءً لقتل الفيروس الذي ينشط في الخفاء.

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

 

نظام العسكرية..من أسوأ ما اخترع الإنسان

 

أحمد ابو رتيمة

 

نظام العسكرية يعني ألا تكون إنسانا، أن تكون بلا إرادة بلا قرار بلا كرامة، أن تتحول إلى آلة صماء وظيفتها الطاعة العمياء وتنفيذ الأوامر، أن تمنح حريتك للقائد يتصرف فيها كما يشاء، في العسكرية يتساوى أن تقتل مسالما ذا رأي أو أن تقتل معتديا غازيا؛ لأنك في جميع الأحوال ممنوع أن تتساءل عن حكمة أوامر القائد، إنما نفذ فقط ولا تناقش.

يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد: "من أكبر مصائب الأمم وأهم معائب الإنسانية نظام الجندية الجبرية العمومية، حتى ربما يصح أن يقال إن مخترع هذه الجندية لو كان هو الشيطان فقد انتقم من آدم في أولاده أعظم ما يمكنه أن ينتقم، الجندية تفسد أخلاق الأمة فتعلمها الشراسة والطاعة العمياء والاتكال، وتميت النشاط وفكرة الاستقلال، وتكلف الأمة الإنفاق الذي لا يطاق، وكل ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشؤوم". 

برر الإنسان اختراع نظام الجندية بالحاجة إلى وجود جيش قوي يحمي البلاد ويتصدى لأعداء الوطن، فلا بد داخل هذا الجيش من وحدة الكلمة وضبط الصف، لكن الدواء إذا أفرط في استعماله ربما قتل المريض، وهذا ما يحدث مع نظام الجندية الذي يفترض أنه مفيد في معالجة حالات استثنائية أوقات الحروب والأخطار لا تمثل أصل العلاقات الإنسانية، لكن هذه المعاني تطرفت، فتضخم نظام الجندية ليتفشى في مفاصل الحياة كلها، وليصبح أصل العلاقة بين الحاكم والمحكوم الانضباط والطاعة العمياء وتجريم حرية الرأي، والحجة حاضرة دائما بسحق أعداء الوطن وحماية مصالحه العليا.

من الصعب على من يتربى في الأجواء العسكرية أن يكون قادرا على إدارة حياة طبيعية قوامها الحوار والتفاهم؛ لأن الشخصية وحدة واحدة، فلا يستطيع صاحبها الفصل بين علاقته بجنوده في معسكر التدريب أو علاقته بأبنائه في البيت، كلها علاقات قائمة على صرامة الأوامر ووحدانية الرأي.

الشخصية العسكرية بطبيعتها غير مؤهلة لقيادة الحياة المدنية، فالأخيرة تقتضي سعة الصدر وحق الفهم والتساؤل وثقافة الحوار وقبول الآراء الأخرى والتداول السلمي للسلطة والمراجعة والمحاسبة، وكل هذه المعاني غير حاضرة في المؤسسة العسكرية، لذلك في المجتمعات الراشدة تكون المؤسسة العسكرية مقودة لا قائدة، منفذة لا مقررة، لا تتجاوز سقفها ولا تتغول خارج جدرانها، وهي خاضعة للرقابة والتدقيق، إن الفرق بين أن يحكم العسكر أو أن يحكم الشعب هو تماما مثل أن يحكم الديناصور بعضلاته أو أن يحكم الإنسان بعقله.

تدفع الشعوب أثمانا باهظة بتضخم مؤسسة الجيش وتحولها إلى صنم كبير تقدم على مذبحه قرابين خيرات البلاد لتسليحه ونفقاته، وفي ظل تخصيص النفقات الهائلة لميزانية الجيش من جهة وتقديس هذا الجيش من جهة أخرى، كونه حامي حمى الديار، وابتعاده عن آليات المحاسبة الشعبية، وانعزاله على نفسه يصبح من الصعب منع تكون طبقة من المتنفذين أصحاب المصالح التجارية داخل مؤسسة الجيش، ويتضخم نفوذ هذه الطبقة ليغزو الوطن كله وتتحكم في مفاصله، كل هذا يتم وسط غياب الرقابة والمساءلة، فمن ذا الذي يجرؤ على التشكيك في وطنية الجيش الذي يعد العدة لسحق أعداء الوطن إلا خائن مأجور!  

فكرة الصنم تتلخص في توقف وظيفة الفكرة التي كانت مبرر وجودها وبقاء صورتها، وهذا ما يحدث مع نظام العسكرية؛ إذ إن الحروب بين الجيوش النظامية في تراجع من العالم مع إفساح المجال للحروب غير المباشرة والمواجهات الاقتصادية والسياسية، ورغم ما يقتضيه هذا من تخفيض حجم الجيش، إلا أن المؤسسة العسكرية لا تزال تحافظ على كيان متضخم وتستنزف ميزانيات الشعوب فيما لو وجه إلى مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لكان خيرا وأفضل، لكن الطبقة المتنفذة داخل الجيش تقاتل في سبيل المحافظة على مصالحها الشخصية وامتيازاتها وترفض أي تقليص لحجم نفوذها أو احتواء يخضعها لسلطان المساءلة الشعبية.

لقد تحول الجيش إلى صنم كبير تقدم إليه قرابين الأموال والطاعة، ويمنع قيام حياة تعددية مدنية طبيعية، رغم أن العائد من وجوده محدود فجوهر الصراعات الإنسانية لم يعد عسكريا، بل صار من الممكن الانتصار، وتبوأ موقعا محترما بين الأمم بوسائل القوة الناعمة متمثلة في الثقافة والاقتصاد والسياسة.

عدم أهلية الشخصية العسكرية لقيادة الحياة المدنية لا يلغيه بطولة الجيش وانتصاراته، إن مهارة الطبيب في جراحته لا يعطيه الحق في وضع مخطط هندسي لإنشاء مدينة، من أكبر مشكلات مجتمعاتنا العربية الخلط بين التضحية والكفاءة، ما يجعل من بلادنا بلاد الأصنام بجدارة، فيكفي أن تسجل لأحدهم بطولة حربية حتى نعطيه صلاحية مطلقة، ليفعل ما يشاء ونرفعه عن المساءلة والمحاسبة، فإذا انتقده أحد هاجمناه بالقول: من أنت حتى تزاود على أصحاب البطولة والشرف! إنك لم تفعل مثلهم فلا يحق لك الحديث عنهم! 

البطولة تعني البطولة وحسب، ولا تعني كفاءة الإدارة وعصمة آراء صاحبها وقراراته، لذلك فإن إثبات الجدارة في المواجهة العسكرية لا يمنح صاحبه تفويضا مفتوحا للتحكم في الشعب بعد ذلك واستعباده، لقد تفطن الشعب الإنجليزي لهذه الحكمة حين عزل ونسون تشرشل وهو في أوج انتصاراته، لأن الناس قد علموا أن انتصاره في زمن الحرب لا يقتضي كفاءته في زمن السلم بالضرورة.

من الضروري قصقصة أجنحة العسكر وضمان عدم تجاوزه لوظيفته المحددة في قتال العدو الخارجي، لأن العسكري إذا انتهى من حرب الأعداء الخارجيين وجد في صدره فراغا فسعى لإشغاله بمعارك داخلية، إن العسكري يريد أن ينتصر دائما، ومفهوم الانتصار في عقله لا يكون إلا بسحق العدو، فإن لم يكن العدو موجودا سعى لخلقه ليشعر بنشوة سحقه كما في فيلم البريء المصري الذي يغسل فيه القائد أدمغة جنوده بمحاربة أعداء الوطن، بينما لا يوجد أعداء سوى مجموعة من المعتقلين أصحاب الرأي والفكر. 

لقد كادت الشعوب العربية ذات يوم قريب أن تسجد لمقاتلي منظمة حزب الله انبهارا ببطولاتهم وانتصاراتهم على إسرائيل، لكن لما وضعت الحرب مع إسرائيل أوزارها رأينا ذات المقاتلين الأبطال يقتلون ويفسدون في حرب طائفية منتنة، لقد انتابت الحيرة كثيرين منا للوهلة الأولى وكذبنا الأخبار، إذ كيف يعقل أن ذلك المقاتل البطل الذي أرغم أنف إسرائيل في التراب هو ذاته الذي يقاتل اليوم إلى جوار نظام مجرم مستبد بحق شعبه! لكن الغرابة تزول إذا عرفنا أن العقلية العسكرية واحدة لا تتجزأ، وأن البطولة لا تعني أكثر من البطولة، وقد كانت كراهيتنا لإسرائيل حجابا لنا عن رؤية الحقيقة كاملة، فلما حيدت إسرائيل رأينا المرض بكل تجلياته.

مشكلة حزب الله ذاتها تنطبق على الجماعات المسلحة عموما، لذلك فإن التحدي الحقيقي في سوريا ليس في انتصار المعارضة المسلحة على بشار، بل في مدى قدرتها على تأسيس حياة مدنية تصون الحريات وحقوق الإنسان في مرحلة ما بعد الأسد، إن نظام العسكرية كله عبء على الإنسانية سواء تمثل في الجيوش الرسمية أو في الجماعات المسلحة، ومشكلتنا لا تحل باستبدال عسكر بعسكر، بل بتحرير الفكر الإنساني من هذه المنظومة بأسرها وتأسيس حياة يحكمها العقل لا العضلات، الحرية لا العبودية.

إن بقاء هيمنة المؤسسة العسكرية يعني أن عصر الإنسان لم يولد بعد، وأن رسالة الأنبياء، المتمثلة في أن يقوم الناس بالقسط، وأن يجتمعوا على كلمة سواء، دون إكراه واستعباد واتخاذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، لا تزال في انتظار التحقيق.

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

داعش والتفسيرالخاطئ لنصوص القرآن

أحمد أبو رتيمة

يدفع العالم عموماً والشرق الأوسط خصوصاً ثمناً باهظاً لانتشار الفكر المتطرف والذي تمثل أخيراً في ظهور تنظيم داعش الذي سجلت عليه انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان تمثلت في حوادث قطع الرءوس والذبح بالسكاكين وإحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة بالنار، و تنطلق هذه المجموعة في أفعالها من فلسفة استحلال قتل كل من يختلف معها فكرياً وسياسياً واتهامه بأنه كافر أو مرتد.

لا يمكن إغفال البيئة السياسية والاقتصادية التي أنبتت هذا الفكر المتطرف، فقد كان انفجاراً عنيفاً لمشاعر القهر واليأس المتراكمة طوال العقود الماضية بفعل ممارسات الأنظمة الدكتاتورية التي تصادر حرية الرأي والتعبير وتجهض كل محاولة سلمية للإصلاح، لذلك فإن المشكلة في جوهرها سياسية، وحين تتعزز الديمقراطية والتنمية في المجتمعات فإن البيئة ستكون معقمةً ضد إنبات شجرة العنف الخبيثة.   

لكن تغليف داعش لممارساتها بثوب ديني وتبرير أفعالها بنصوص مقدسة لدى المسلمين يجعل الحاجة ملحةً لمواجهة الأسس الفلسفية والفكرية التي يقوم عليها هذا الفكر المتطرف والتي دفعت فريقاً من الناس للاعتقاد بأن المشكلة دينية.

في القرآن الكريم هناك آيات تدعو إلى القتال، لكن هذه الآيات تأتي في سياق محدد، وما يفعله الفكر المتطرف في التعامل مع هذه الآيات أنه ينزعها من سياقها الصحيح فتنتج نسخة شاذة من التدين العنيف. 

القرآن يؤكد أن طبيعة رسالته هي "رحمة للعالمين" فيقول في سورة 21 آية 107 : "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين"، ويؤكد أن العلاقة بين المؤمنين وبين الأمم المختلفة معهم دينياً هي علاقة سلام وبر: " (سورة 60 آية 8 )   "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ".

في ضوء هذه المبادئ العامة نفهم الآيات الأخرى التي تشرع القتال، فالقتال لا يكون ضد المختلف دينياً وفكرياً بل ضد من يعتدي ويبدأ بالقتال ويخرج الناس من ديارهم: " إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ" (سورة 60 آية 9).

القتال في القرآن هو ضد الظلم وليس ضد الكفر: " وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصير " (سورة 4 آية 75) .

يوضح السياق التاريخي لنزول أول آية تشرع القتال للمؤمنين أن القتال موجه ضد الظلم وليس ضد الكفر، لقد كانت أول آية تنزل على النبي محمد تتعلق بالقتال بعد تعرض المؤمنين للاضطهاد والتعذيب والطرد من موطنهم مكة: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير" (سورة22 آية 39 )   .

كثيراً ما تستشهد الجماعات المتطرفة في تبرير قتلها العشوائي بآية: " قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ"  (سورة 9 آية 14) لكن لو رجعنا إلى الآية التي تسبق هذه الآية مباشرةً لفهمنا الظروف الخاصة التي شرعت فيها هذه الآية القتال: "ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين."

( سورة9 آية 13 ) ، إن الآية تقول وهم بدءوكم أول مرة أي أنه لا يمكن تطبيقها إلا في ظروف قتال وحين يكون هناك علاقات سلام بين الناس فإن الشروط الأولية للقتال لا تكون متحققةً.

كل الآيات التي يذكر فيها القتال في القرآن تأتي في سياق تحرير المؤمنين من الخوف والتخاذل، أي أن القتال هو عكس التخاذل وليس عكس السلام، وبذلك تكون علة القتال في القرآن هو الشجاعة في حماية المبادئ وليس إشعال الحروب، على سبيل المثال هذه الآية: "وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين." (سورة 3 آية 146 )  

 لذلك فإن مفهوم القتال يتحول إلى المعنى المجازي فيمكن أن نقول عن بطل إنه قاتل في سبيل الحرية رغم أنه لم يستعمل السلاح في حياته مطلقاً لكنه لم يضعف ولم يتراجع في تمسكه بمبادئه.

لقد وضع القرآن قاعدةً أساسيةً تضبط ممارسة القتال وهي ألا يكون إلا ضد المعتدين الذين يبدءون بالقتال: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (سورة 2 آية 190 ).

يبين القرآن أن المؤمن بطبيعته سلامي يكره الحرب والقتال: " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم " (سورة 2 آية 216) وحين يكره الإنسان القتال فهذا يعني أنه لن يتوسع في ممارسته ولن يجد لذةً في القتل بل إنه سيمارسه في أضيق الحدود حين يكون مضطراً إليه للدفاع عن نفسه.

يمكن تسجيل مئات الشواهد التي تفند الأسس الفكرية التي تنطلق منها داعش في ممارساتها الإرهابية، لكن ما يساعد على انتشار تلك التفسيرات الخاطئة والمجتزأة للنصوص المقدسة هو بيئة الاستبداد والظلم والكراهية التي تنشأ فيها تلك الجماعات مما يجعل فريقاً من الشباب يميلون إلى التأويلات المتطرفة، لذلك فإن المدخل إلى حل مشكلة التطرف لا يكون إلا بمعالجة البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية عبر فتح أبواب الأمل للشباب في مستقبل أفضل واستعادة ثقتهم بإمكانية المساهمة في بناء أوطانهم بالطرق السلمية والتخلص من الأنظمة الاستبدادية التي تصادر حقهم في الحرية والكرامة.. 

مقالتي في موقع ريتيلونا الإيطالي..

المقالة هنا باللغة العربية

وفي الرابط باللغة الإنجليزية على الموقع الإيطالي:

 

http://italia.reteluna.it/it/isis-and-the-wrong-interpretation-of-quran-PtNc.html

 

 

الذين آمنوا

 بالسلاح وكفروا بالإنسان

احمد ابو رتيمة

 

"إن الإنسان بإقناعه يعطيك روحه وماله ولكن بإكراهه والتغلب عليه لا يعطيك إلا النفاق".

لطالما كرر هذه الكلمة داعية اللا عنف السوري جودت سعيد، لكن ما يظهر حتى الآن أن هذه الكلمة لم تصب أرضاً طيبةً تحتضن بذورها فتنبت شجرةً طيبةً أصلها ثابت وفرعها في السماء.

لا يزال الصوت الغالب فينا هو صوت القوة والسلاح، ولا يزال أكثر الناس من مختلف الطوائف والمذاهب يؤمنون أن ما لم يؤخذ بالقوة يؤخذ بمزيد من القوة، وأنه لا مانع من أن يحل الدمار والخراب الشامل في سبيل أن تنتصب في المشهد الأخير فوق كل هذا الركام راية عصبية تحيي وهماً تاريخياً اندثر أصحابه تحت التراب ولم تعد قضيتهم تعني الأحياء في شيء..

يتساءل أولو الألباب وهم يرون مشاهد القتل والدماء والدمار المرعبة في وطننا العربي أي حماقة تلك التي تدفع دولاً محوريةً إلى النفخ الطائفي وإشعال الحرائق الذي لن يجلب على المنطقة إلا الدمار الشامل، ولن يكون مشعلو هذه الحرائق بمنأىً عن النيران التي يوقدونها بل ستلتهمهم في حرب جنونية لن تتوقف عند الحدود المرسومة لها.

هؤلاء الذين ينفقون مليارات لإيقاظ فتنة طائفية كانت نائمةً في بطون الكتب، ولإحياء أوهام امبراطورية ولدعم الانقلاب على إرادة الشعوب ويحملون في رقابهم أوزار مئات آلاف النفوس التي أزهقت لم يصنعوا شيئاً سوى تغذية بذور الكراهية وتعزيز الحواجز بينهم وبين الشعوب، ولن يمكنهم بعد الآن التعايش مع هذه الشعوب إلا في أجواء الخوف: "أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين"، ذلك أنهم رهنوا بقاء سلطانهم إلى ما يمتلكونه من قوة وسلاح فسيظلون في رعب دائم من أن تدور عليهم الدوائر وتتغير موازين القوى و تميل الكفة لصالح هذه الشعوب ويؤتون من حيث لم يحتسبوا، ولن يسعهم بعد الآن توطيد سلطانهم واستقرارهم إلا بإبقاء هاجس الخوف مستيقظاً في نفوسهم وبإبقاء نزيف أموالهم مستمراً لتأمين مصالحهم ومحاربة الأخطار التي لن تنتهي لأنهم أقاموا مع الشعوب علاقة كراهية واستعداء، ولو أنها كانت علاقة حب وثقة لأمنوا جانب هذه الشعوب وما خافوا دولة الأيام.

لا أتحدث هنا بمنطق الأخلاق وحده، بل بمنطق المصلحة السياسية أيضاً، ماذا لو وجهت دول مثل إيران والسعودية تلك المليارات التي أنفقوها في تغذية الجماعات المتطرفة ودعم الانقلابات ومساندة الأنظمة المعزولة عن شعوبها وإحياء معارك التاريخ الغابرة التي حصدت مزيداً من النفوس وأهدرت الثروات وبددت الطاقات، ماذا عليهم بدل هذا لو أنهم دعموا إقامة دول مدنية تؤمن بحقوق الإنسان وكرامته وتستثمر في كسب قلوب الناس وعقولهم، وتمد جسور الثقة والحوار معهم، وتنشغل عن الحرب والتآمر بالتنمية الاقتصادية والعدالة والحرية، كم كانت منطقتنا ستربح عدلاً ورخاءً وسلاماً، وكم من الملايين كانوا سيدخلون بدافع الحب الذاتي في دين هذه الدول أفواجاً دون إكراه وحرب وسلاح!!    

 لكن صوت العقل لا يزال غائباً في بلادنا، فنظن أن الاستثمار لا يكون إلا في الدم والسلاح وحكم الشعوب بالإكراه، إننا لا نزال نقتل الأحياء من أجل إعادة إحياء الأموات، و لا نزال نشعل الحروب من أجل أوهام امبراطورية وخلافة وولاية فقيه، ولا نزال نقتل الإنسان قرباناً إلى أصنام سميناها نحن وآباؤنا ما أنزل الله بها من سلطان..

أتطلع إلي اليمن المفكك الحزين فيجول في خاطري ماذا لو استفادت إيران من ضعف الدولة المركزية في هذا البلد لكن بشكل أكثر إنسانيةً فدعمت الشعب اليمني ببناء المستشفيات والمدارس وأنشأت مراكز للحوار الثقافي فغزت القلوب بالحب واستعبدت الإنسان بالإحسان!

إن احتلال الشعوب بالحب والإقناع خير وأبقى من احتلالها بالقوة والإكراه، فالقوة تفنى وتزول لكن الحب يصنع لك مؤمنين جدداً فتصير قضيتك قضيتهم الذاتية التي ينافحون عنها منطلقين من إيمانهم بها دون انتظار تكليف أو تمويل من أحد فتزداد انتشاراً في الأرض وبتكلفة أقل ويكسب الجميع الأمن والسلام ولا يقتل أحد أحداً، إنها وصفة سهلة لقوم يعقلون.. 

يا حسرةً علينا كيف نفكر وكم نجني من شقاوات وعداوات بسوء تقديرنا..

إن المراهنة على السلاح ودعم الطغاة والانقلابات العسكرية تؤشر على أننا لم نؤمن بالإنسان بعد وأننا اتخذنا من القوة والسلاح إلهاً معبوداً من دون الله.. 

الذين لا يؤمنون بالإنسان لا يؤمنون بالله بالضرورة لأن الإيمان بالله يقتضي أن تؤمن بأن النفخة الإلهية في روح الإنسان هي التي تنتصر، وأن هذا الإنسان المكرم يحكم بالحب لا بالسلاح، وأنه لا سبيل إلى الشعوب بالقوة والإكراه: "لا إكراه في الدين"..

كل ما تدفعه الأمة اليوم من ثمن باهظ نتيجة طبيعية لكفرنا بالإنسان وإيماننا بالسلاح، ولن تعرف أوطاننا سلاماً ولا أمناً لأي فريق إلا حين نؤمن بالحب والحوار ونكفر بالمذهبيات والطوائف المقيتة ونتيقن أننا نسير في طريق مسدود لن يكون فيها إلا الارتطام بالجدار وتحطم الرءوس..

إن كان هناك من يظن أن هذا الكلام مثاليات حالمة فما عليه إلا أن يواصل تجريب طريق العنف والقوة ويرى بنفسه إلى أين سيقودنا..

 

المصدر موقع عربي 21 

 

المقال مرسل من قبل الكاتب لـ (البلاد)

 

 

العماية التاريخية

احمد ابو رتيمة

 

كم يشدني القرآن بعمق نفاذه إلى القوانين الاجتماعية وسبر أغوارها وكم نحن بائسون بالغفلة عن عمق المعاني القرآنية وهجرانه..

يتناول القرآن مرض العماية الاجتماعية التي تصيب الأقوام التي تعطل تجددها الروحي والفكري حتى إن هذه الأقوام تغفل عن النذر والآيات الصارخة التي تحذرها من العواقب الأليمة لمسارها الخاطئ وتواصل غفلتها وعمايتها حتى يبغتها العذاب فجأةً فلا يستطيعون ردها وإذا هم منها يركضون..

إن الأمم في حالة العماية لا تتفطن إلى العذاب الأليم الذي تسير باتجاهه حتى حين يقترب منها العذاب فتستعصي على أي يقظة وانتباه..

تأملوا كيف يصور القرآن غفلة أحد الأقوام: "فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم".. إن العذاب على بعد ساعات منهم لكن الحجاب السميك الذي أحاطوا به قلوبهم عطل عقولهم: "وجعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه"، "ومن بيننا وبينك حجاب"..

هذا قانون نفسي اجتماعي مطرد وليست قصةً من قصص الأقوام الغابرة يتلوها علينا القرآن للتسلية أو لترف المعرفة..

"ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون"..

ربما نسخت هذه الآيات الإلهية فلم تعد الأمم تهلك بالريح والصيحة، لكن جوهر القانون لا يزال حياً فاعلاً، فالأمم الغافلة تتبع سنن الأقوام الهالكة عبر تجاهلها نذر الأزمات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية التي تقول لها إن في انتظاركم عاقبةً أليمةً إن لم تبادروا إلى اليقظة والمراجعة والتوبة وتصحيح المسار..

إن حال من تداهمه الأزمات المجتمعية ثم يعرض عن ندائها ويوهم نفسه بأن الأمور مستتبة تماماً مثل حال قوم عاد وهم يرون غيمة العذاب فيخدعون أنفسهم بأنها رياح تحمل الخير والمطر..

سبحان الله.. تشابهت قلوبهم..

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

جدلية الثقافة والنص

أحمد أبو رتيمة

النصوص وحدها لن تحل مشكلات البشرية مهما امتلأت هذه النصوص بالحق والحكمة والعدل والخير.

المواثيق الدولية لحقوق الإنسان زاخرة بالمبادئ الأخلاقية الراقية التي تضمن للشعوب حياةً كريمةً آمنةً، لكن المحصلة العملية هي عالم تمزقه النزاعات والحروب ويموت الناس جوعاً وفقراً ومرضاً!

لا يجد الناس صعوبةً في أن يصوغوا المبادئ البراقة وأن يعللوا أي فعل بمبررات أخلاقية، لكن ما يحكم أفعالهم بعد ذلك هو طبائع نفوسهم وقراراتهم الداخلية وليس النصوص النظرية.

وما ينطبق على الدساتير البشرية ينطبق حتى على النصوص الإلهية، فالنص الإلهي لا يغير الإنسان بمعجزة، بل إن الإنسان يمتلك قابليةً عجيبةً لتحريف الكلام الإلهي عن مواضعه ليشرعن إفساده وظلمه وإجرامه ويطلق العنان لرغبات نفسه لكن بجريمة مضاعفة: جريمة الظلم ذاته، وجريمة الكذب على الله بالزعم بأنه هو الذي أمره بالظلم والفساد: " قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون".

في سياق معالجته لأمراض التدين البشري يفرد القرآن مساحةً واسعةً لمشكلة "تحريف الكلم عن مواضعه"، وتحريف الكلم عن مواضعه ليس المقصود به التفسير الشائع عند كثيرين بأن اليهود والنصارى كانوا يبدلون كلمات وأحرف كتبهم، بل إن التحريف كما قال ابن عباس: "هو فساد التأويل ولا يعمد قوم على تغيير كتابهم"!، وهذا المرض ليس خاصاً باليهود والنصارى وحدهم، بل هي مشكلة ثقافية عامة تقع فيها كل الأمم، وبهذا المعنى فإن المسلمين أيضاً وقعوا في مشكلة تحريف الكلم من بعد مواضعه في علاقتهم بالقرآن الكريم فأساءوا تأويل كثير من النصوص لتتوافق مع ثقافتهم، وكثير من النصوص يتلوها المؤمنون للتبرك بها لكنها مغيبة من حياتهم وغير فاعلة اجتماعياً لأن سلطان الثقافة أقوى من سلطان النص.

يؤكد القرآن بشكل لا لبس فيه أن مشكلة الأمم لم تكن يوماً في قلة النصوص التي تدعو إلى الهدى والنور بل في مواقف هذه الأمم من كتبهم، والقرآن يثني على التوراة والإنجيل فيقول في سورة المائدة: "إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ"، ويدعو النصارى إلى الاحتكام إلى الإنجيل: "وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ"، كذلك يدعو اليهود للاحتكام إلى التوراة: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون"، والملاحظ في هذه الآيات أنها دعوة لليهود والنصارى المعاصرين للنبي محمد عليه السلام بأن يحتكموا إلى شرائعهم، أي أن القرآن يقر بشرعية كتبهم حتى بعد نزول القرآن، كما يلاحظ أن مشكلة اليهود لم تكن في تحريف كتابهم إذ كيف يدعوهم القرآن للاحتكام إلى كتاب محرف!! بل هي مشكلة نفسية تمثلت في الإعراض والتولي عن الحق، أي أن المشكلة هي في الموقف من الكتاب المقدس وليس في الكتاب المقدس ذاته.

ومما يؤكد هذا الفهم آية سورة المائدة: " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"، هذه الآية فيها إقرار واضح بحقيقة تعدد الشرائع والأمم، وفيها أمر إلهي لعباده بأن يتجاوزوا حقيقة اختلاف الأمم والشرائع وأن يتسابقوا في فعل الخيرات.

إن أي كتاب سماوي لن يخلو من المبادئ الأخلاقية الأساسية، فالتوراة والإنجيل والقرآن كلها تشترك في تحريم الكذب والغدر والإفساد في الأرض والقتل ودعوة البشر إلى الاستقامة الأخلاقية والإحسان وفعل الخيرات، لكن كثيراً من أتباع هذه الشرائع هم أبعد ما يكونون عن الاستقامة والصلاح، وهو ما يؤكد من جديد أن النصوص مهما بلغت قداستها فهي لن تحمل الإنسان قهراً على الاستقامة ما لم يكن لديه استعداد داخلي، والقرآن يقول: " إن نشأ ننزل عليهم آيةً فظلت أعناقهم لها خاضعين" أي أن الله كان قادراً على إجبار الناس على الاستقامة تماماً كما جعل حاجاتهم العضوية جبريةً لا يملكون مقاومتها، لكن مقصد الكتب السماوية اختبار الناس وليس إجبارهم.

إن مشكلة البشر ليست في قلة النصوص التي تدعو إلى العدل والخير بل في قابلياتهم النفسية والثقافية التي تتعطل فتقيم الأكنة وتصم الآذان وتعمي الأعين عن أعظم الهدايات وقالوا ما نفقه كثيراً مما تقول وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب، والقرآن ذاته لا يزيد الظالمين إلا خساراً لأنهم قد اتخذوا القرار المسبق بأنهم لن ينتفعوا بهداه!

إن المعلم يبث إشارات راداره فلا يلتقطها إلا من أصغى السمع وهو شهيد وضبط جهاز استقباله الداخلي، أما الآخرون فلن تعني لهم هذه الإشارات شيئاً بل ستزيدهم عمىً وصمماً.

يتعمق القرآن في النفس البشرية فيتحدث عن الذين ينظرون وهم لا يبصرون وعن الذين يستمعون وهم لا يعقلون: " وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ* وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ " لقد تعطلت راداراتهم فلم تعد تستقبل موجات الهداية المبثوثة في الأثير!

من يملك الاستعداد القلبي للهداية فسيكفيه القليل من النصوص، وقد كان المؤمنون الأوائل يؤتون الإيمان قبل القرآن، أي أن المعاني التي تتنزل في القرآن قد تحققت فيهم مسبقاً حتى قبل نزول الآيات، أما من عطل جهاز الاستقبال الداخلي وجعل على قلبه أكنةً فلن تكفيه كل الآيات للإيمان: "وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها".

إن غاندي على سبيل المثال لم يعتكف عشرات السنين ليطالع ما كتبه الفلاسفة والكتب السماوية حول أهمية تحقيق السلام بين البشر، بل كان حبه الداخلي للسلام بين البشر محركه الأول، وفي المقابل تجد من يقضون أعمارهم في قراءة آلاف الكتب لكنها قراءة باردة غير محركة لا ينتج عنها عمل نافع للناس.

ولأن الله تعالى يعلم أن الجدل في النصوص لا يحل مشكلات الناس فهو قد حذر من الذين يبحثون عن متشابهات الكتاب ويتركون المحكمات: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب"،، إن الآيات المحكمات هي المعاني المستقرة الثابتة التي لا يختلف فيها الناس، فالعدل والإحسان وفعل الخيرات هذه آيات محكمات يتبعها من صدقت نيته في الهداية، أما الذين في قلوبهم زيغ فهم يظهرون حرصاً على الدين لكنهم بعيدون عن رسالته حين ينشغلون بالجدال في النصوص المجتزأة ويتركون الآيات المحكمات، فهؤلاء كاذبون لا يريدون هدايةً إنما يريدون الضلال والإضلال.

إن الدعوة إلى التعارف والسلام والإحسان والتوقف عن القتل وسفك الدماء من الآيات المحكمات، فهل نترك هذا الهدف العظيم وننشغل في آيات متشابهات تتناول سياقات استثنائيةً لا يمكن أن تكون أصلاً في الدين والحياة إلا لمن تعمد البحث عن الزيغ وأولئك هم الكاذبون! 

المقالة منشورة في (إيلاف) ومرسلة من قبل كاتبها

 صفحة الكاتب على فيسبوك: https://www.facebook.com/aburtema

 

 

 

مصطلح التقوى في القرآن

احمد ابو رتيمة

مصطلح "التقوى" القرآني مثله مثل المصطلحات القرآنية عموماً هو مصطلح مركب يحمل دلالةً ثنائيةً بما يناسب طبيعة رسالة القرآن ثنائية الأبعاد التي جاءت لتصلح عالمي الروح والمادة..

الدلالة الروحية واضحة لكل مؤمن، والمعنى المباشر لها هو أن يتقي العبد ربه أي يخافه ويحذر من إغضابه لكن ما هو ليس بنفس الدرجة من الوضوح الدلالة المادية للكلمة والتي تعني المعنى اللغوي المباشر للتقوى أي الحذر بمعناه المادي والحرص على الالتزام بالقوانين الاجتماعية والنفسية مخافة الاصطدام بالعواقب الأليمة مثل اتقاء الإنسان حفرةً بمعنى الابتعاد عنها مخافة الوقوع منها، فهذا المعنى المادي للكلمة يحتمله مصطلح التقوى القرآني مما يعطي هذا المصطلح إثراءً وينقله من محدودية الدائرة الروحية لتصبح التقوى حالةً نفسيةً واجتماعيةً ملازمةً للأفراد والأمم، والفرق بين من يتقي ومن لا يتقي هو بالضبط الفرق بين أمة حضارية وأمة همجية..

التقوى في القرآن ليست مجرد أمر إلهي بل هي غاية، وكونها غايةً في ذاتها وليست مجرد أمر مثل أن الصيام والصلاة أوامر تجعل من حقيقة التقوى حالةً نفسيةً واجتماعيةً عامةً ملازمةً لأصحابها: "لعلكم تتقون"

لاحظوا مثلاً هذه الآيات كأمثلة لتبيان حقيقة ثنائية أبعاد مصطلح التقوى:

"الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ" السياق الذي جاءت فيه كلمة "يتقون" في هذه الآية يحتمل المعنى المادي مضافاً للمعنى الروحي المعروف فهم لا يتقون أي أنهم يتعاملون مع عهودهم باستهتار ويعيشون في هذه الحياة بحالة انفراطية فهم لا يحسبون حساب عواقب الأحداث وهذا عمل مادي لأن العاقل من يدرس عواقب أفعاله قبل أن يقدم عليها أي أن العقلاء هم الذين يتقون!

"إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً" هنا الدلالة المادية لكلمة التقوى واضحة جداً، فالتقوى هنا ليس مقصوداً بها المعنى التعبدي الذي نعرفه، بل مراعاة موازين القوى المادية والالتفاف على الاصطدام المادي والسياسي بالقوى المهيمنة، فهو فعل سياسي بحت، أي أن التقوى تحتمل فيما تحتمل المعنى السياسي فنحن بحاجة للتقوى في السياسة بمعنى ألا نقدم على مغامرات مجنونة لا تراعي اختلاف موازين القوى فنقع في عواقب سوء تقديراتنا، التقوى تعني فهم الواقع والحذر من سوء التقدير..

"وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً" هنا يمتزج المعنيان الروحي والمادي، فالتقوى بمعناها الروحي تمثل الالتجاء إلى الله والحذر من عصيانه، لكن السياق يحتمل أيضاً في ذات الوقت المعنى المادي خاصةً أنه مرتبط بالنتيجة الشرطية "لا يضركم كيدهم شيئاً" وبالمعنى المادي فإن أخذ الإنسان الأسباب وحذره من الأخطاء السياسية والعسكرية يجنبه مكائد عدوه..

يكرر القرآن كثيراً في سياق حديثه عن نجاة الأمم: "الذين آمنوا وكانوا يتقون" وفي ضوء هذه النظرة الجديدة نستطيع أن نقرأ هذه الآيات قراءةً أعمق وأشمل فالإيمان والتقوى هي حالة عامة في هذه الحياة تشمل كل الميادين الروحية والعقلية والسياسية والحضارية، ونحن بحاجة إلى أمة تتقي روحياً وفكرياً بفهم سنن الله في النفس والاجتماع والتاريخ والعمل بمقتضياتها والحذر من مخالفة فهم هذه القوانين حتى لا ندفع أثمان أخطائنا السياسية والحضارية..

والحمد لله رب العالمين

 

صفحتي الشخصية على فيسبوك: https://www.facebook.com/aburtema

 

 

سلطان الأسماء

أحمد أبو رتيمة

 

يبرز القرآن المشهد الأول في تاريخ الإنسان عبر منح هذا الكائن الجديد سلطاناً لم يكن للملائكة: "وعلم آدم الأسماء كلها"، وقد كانت هذه الميزة تحديداً هي سر تفضيل الإنسان على الملائكة فأمرهم الله بالسجود لآدم، فأي سر عظيم تحمله الأسماء حتى تستحق أن يكون هذا الكائن الضعيف المحدود موضع احتفاء وتكريم حتى من الملائكة!

يقول الفيلسوف نيتشه إن التسمية سلطة!

الأسماء هي مفتاح المعرفة ومفتاح فهم الطبيعة وتسخيرها، فالإنسان يلجأ للتسمية حتى يحدد مفاهيم الأشياء ويضع لها عناوين واضحةً تيسر تعامله معها..

تصوروا لو لم يسم الإنسان الشجرة شجرةً مثلاً وأراد أحدنا أن يقول لصاحبه "شجرة" ماذا كان سيفعل؟ سيضطر لأن يأخذ بيده ويقطع المسافات الشاسعة ثم يشير إلى الشجرة حتى يفهم مقصده، لكن وجود اسم مميز للأشياء يختزل الجهد والمشقة عبر تكوين صورة ذهنية مشتركة في عقول الناس يتم استدعاؤها عبر الأسماء فيسهل التواصل والتعارف بين البشر.

جاء في كتاب "بنو الإنسان" لبيتر فارب:  "يصبح الوجود الإنساني غير محتمل لو أن كل واحد من الأجسام والأحداث التي نصادفها اعتبر شيئاً فريداً بذاته، فمثلاً لو نظرنا إلى غابة ورأينا أشجار الحور والبلوط والسنديان والصنوبر كأشياء فريدة في ذات كل منها بدلاً من جمعها في صنف "أشجار" فإن عملياتنا العقلية تصاب بالشلل، والمفاهيم تعفينا من التعلم المستمر عن كل شيء أو جسم أو حادثة جديدة"

تتمثل قيمة الاسم في القدرة على التعميم واكتشاف القواسم المشتركة، لو لم تكن الأسماء موجودةً لكان الإنسان عاجزاً عن اكتشاف وجه الشبه بين الجمل والقطة، ولكان عليه أن يلف الكون زاويةً زاويةً ليتعرف على كل مخلوق بهويته وسمته الخاص لأنه لا يستطيع أن يستفيد من تجاربه المختزنة في التعامل مع الأشياء الجديدة التي يراها كل يوم في حياته.

في مقابل التعميم فإن الاسم يفيد التخصيص أيضاً، وكلما تعمق المرء في المعرفة كلما امتلك القدرة والسيطرة على اكتشاف الفروق الدقيقة ومنح الأسماء المميزة لما يبدو للوهلة الأولى شيئاً واحداً، لاحظوا الفرق مثلاً بين تشخيص إنسان عامي لحالة مرضية وبين تشخيص طبيب لذات الحالة، إن الإنسان العامي لا يمتلك إلا معرفةً محدودةً في تخصص الطب لذلك فإنه قد يفسر عشرات الأمراض المختلفة بأنها أنفلونزا، لكن الطبيب المتعمق في تخصصه يملك القدرة على ملاحظة الفروق الدقيقة التي لا يلاحظها العامي وبالتالي إعطاء عشرات الأسماء التخصصية للمشكلة، إن الطبيب يملك معرفةً أكثر، وبالتالي فهو يملك سلطاناً أكثر على الأسماء.. إن الأسماء ليست سوى حقيقة العلم والمعرفة، فمقياس المعرفة الدقيق هو في مدى قدرة الإنسان على منح الأسماء سواءً للتعميم أو للتخصيص، وكلاهما جهد فكري، فالتعميم يقتضي القدرة على ملاحظة مئات أو آلاف الأحداث المختلفة واكتشاف ملامح عامة تجمع بينها، ومن ثم منحها اسماً مشتركاً وهو ما يسمى أيضاً بمنهج الاستقراء ، والتخصيص يتطلب الغوص فيما يبدو شيئاً واحداً والقدرة على اكتشاف التعدد والفروق الدقيقة بداخله وهو معنىً قريب من مفهوم منهج الاستنباط.

الأسماء لا تقوم بدور فني وحسب في توصيف الأشياء، بل إنها تقوم بدور فكري أيضاً، إن منح الأسماء لمكونات الطبيعة يبدو مشابهاً لخلق هذه المكونات من العدم، ومن هنا نفهم كيف كانت الأسماء سر تكريم آدم، والسياق القرآني الذي يتحدث عن تعليم آدم الأسماء يمهد لقصة الخلق بالحديث عن تسخير ما في الأرض جميعاً للإنسان، وكأن تسخير الطبيعة للإنسان تمر عبر مفتاح علم الأسماء!

إن الإنسان لا يستطيع السيطرة على مكونات الطبيعة وتسخيرها ما لم يكن قادراً على تصورها وتحديدها واستخراجها من حالة الخفاء والهلامية الملتبسة بها في الطبيعة، ماذا لو لم يعرف البشر اسم "الزمان" لتحديد انقضاء الوقت ومرور الليل والنهار!! تخيلوا أننا نعيش على هذه الأرض ولا نعرف أن هناك شيئاً اسمه الزمان!! كيف ستكون نظرتنا لأعمارنا ولانقضاء السنوات، سنكون عاجزين عن تصور انقضاء السنوات والأيام وسنعيش خبط عشواء، سيكبر الأطفال ويصيرون شباباً ثم شيوخاً ويموتون بعد ذلك ونحن عاجزون عن تحديد مفهوم العمر، إن الاسم يتجاوز مجرد وظيفته الفنية ليمارس سلطاناً حقيقياً يمكننا من السيطرة على الطبيعة عبر فهمها والقدرة على اكتشاف قوانينها.

غياب الاسم يضعف قدرة الإنسان على فرض سلطانه، وهذه الفكرة العبقرية تنبه إليها مالك بن نبي في حديثه عن ابن خلدون، فهو يرى أن الذي أعاق انطلاق إبداع ابن خلدون ووصوله لصياغة قانون الدورة التاريخية هو محدودية مصطلحات عصره التي وقفت به عند ناتج معين من منتجات الحضارة وهي الدولة وليس الحضارة نفسها. يقول بن نبي: "وهكذا لم نجد فيما ترك ابن خلدون غير نظرية عن تطور الدولة في حين أنه كان من الأجدى لو أن نظريته رسمت لنا تطور الحضارة حيث كنا نستطيع أن نجد فيها ثروةً من نوع آخر غير ذلك الذي أثرانا به فعلاً، إذ لم تكن عبقرية ابن خلدون بعاجزة عن أن ترسم لنا ذلك التطور في صورة منهج قائم بذاته"

إن الذي أعجز ابن خلدون ليست محدودية عبقريته، بل محدودية الأسماء التي عرفها عصره، فاسم "الحضارة" أكثر تعميماً من اسم " الدولة" ولو عرفه ابن خلدون لدخل به أبواباً أوسع من الاكتشاف والمعرفة.  

اللغة ذاتها ليست سوى ترميز لحقائق الحياة عبر اختزالها في أسماء محددة، واللغة كما بات معروفاً ليست وسيلة تواصل وحسب بل إنها هي التي تحدد طريقة التفكير وتتحكم في تداعي المعاني، وحين تنشأ لغة في البادية فإنها ستمنح الصحراء عشرات الأسماء لأنها قادرة على التمييز بين تفاصيلها الصغيرة، أما حين تنشأ لغة في بلاد الأسكيمو فستمنح بدورها الجليد عشرات الأسماء، وهكذا فإن اللغة مؤشر على معارف القوم الذين ابتدعوها.

يقول عدنان إبراهيم إن علم الأسماء هو الشرط الأول لبدء أي معرفة إنسانية، إذ إن المعرفة هي التمييز الدقيق بين الأشياء، ولها مسلكان التحليل والتركيب، تحليل الوحدة إلى أجزائها وهذا لا يكون إلا عبر منح الأجزاء الصغيرة أسماءً، وتركيب الأجزاء في وحدة وهذا أيضاً لا يكون إلا عبر منح اسم جديد للوحدة الجامعة بين الأجزاء.

لا غرابة أن تكون القدرة على التسمية مؤشراً دقيقاً على المستوى الحضاري للشعوب والأمم، ولو تأملنا في حضارتنا المعاصرة على سبيل المثال لوجدنا أن الغرب يسبقنا في ابتكار مصطلحات لم يكن الإنسان يعرفها من قبل، وما ذلك إلا لأنهم هضموا المعرفة الإنسانية السابقة فصاروا قادرين على التجاوز والإبداع عبر اكتشاف مصطلحات جديدة تختزل حقائق الحياة والمعرفة.

 

·         كاتب فلسطيني

 

(المقالة منشورة في صحيفة إيلاف (مرسل من قبل الكاتب لـ البلاد)

 

مذبحة باكستان وعودة إلى آيات القتال..

أحمد أبو رتيمة

 

من جديد يقف العالم مصدوماً أمام مشهد دموي مروع يكاد يتحول من كثرة تكراره إلى مشهد اعتيادي، وأمام الصدمة الإنسانية التي يخلفها قتل الأطفال والأبرياء يتساءل من تبقى في قلبه شيء من معنى الرحمة والسلام أي عقيدة تصنع هؤلاء القتلة الذين لا يتورعون عن إزهاق نفوس البشر وسفك الدماء بأي حجة واهية ثم يضيفون إلى جريمتهم جريمةً أبشع حين يكذبون على الله فيزعمون أن الله أمرهم بهذا! 

لا بد من التقرير بدايةً أن حقيقة المشكلة في عالمنا العربي والإسلامي ليست دينيةً بل هي مشكلة سياسية اجتماعية تتمثل في مخزون الاستبداد والظلم وردة الفعل الهوجاء الخاطئة عليه، وما استحضار النصوص سوى تسويغ لواقع اجتماعي سياسي تماماً مثل الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش التي مورست بمباركة الرب إله المحبة! فالثقافة تمارس وعياً انتقائياً تجاه النصوص فتعزز كل نص تشتبه تأييده لمواقفها وتسقط النصوص التي تتناقض مع اتجاهاتها، ولو كانت الأجواء السياسية في بلادنا مشجعةً على السلام والمحبة لراجت النصوص التي تبشر بالسلام والمحبة والتي هي أكثر حضوراً من الآيات التي تتحدث عن القتال، إذاً فالحكم الغالب هو للثقافة وللاعتبارات الاجتماعية والسياسية وليس للنصوص النظرية.

إن القتل الذي تمارسه القاعدة ينطلق من نفس القاعدة النفسية التي يقتل بها الأسد و القذافي و السيسي، وإذا كانت القاعدة تبرر جرائمها بمبررات دينية فإن علمانية القتلة الآخرين يعني أن ثمة سبباً آخر لا علاقة له بتدين أو بعلمانية وهو التربة الخبيثة التي لا يخرج نباتها إلا نكداً..

لكن كون المشكلة سياسيةً لا دينيةً لا يعفينا من مواجهة صريحة مع القواعد التأصيلية التي يستند إليها التيار المتطرف فإن كنا عاجزين في هذه المرحلة عن وقف جنون القتل فليس أقل من أن نحرم القتلة من الشرعية التي يسعون لاكتسابها بتبرير جرائمهم بنصوص دينية، وهنا يبرز أمامنا مفهومان قرآنيان حدث حولهما تدليس خطير ومثلت إساءة فهمهما نقطة انطلاق لأشد الأفكار تطرفاً والتي وصلت في نسختها القصوى إلى الدعوة إلى حرب شاملة ضد كل مختلف سياسياً وفكرياً مع معتنقي هذه الأفكار، هذان المفهومان هما: الجهاد والقتال..

أما الجهاد فإذا رجعنا إلى أصله اللغوي فهو يعني بذل أقصى الجهد، أي أن معركته الأساسية هي داخل النفس قبل أن تكون خارجها، فكل عمل يقتضي مغالبةً لهوى النفس وانتصاراً عليها جهاد، وبذلك عدَّ القرآن المحاججة الفكرية جهاداً كبيراً لما تتطلبه من صبر وطول نفس على التكذيب والسخرية والإيذاء: "وجاهدهم به جهاداً كبيراً" أي جاهدهم بالقرآن.

فإذا انتقل الجهاد من ميدانه الأول وهو داخل النفس إلى الميدان الخارجي فإنه لا يفقد بوصلته بأن هدفه النهائي يتعلق بتزكية الذات عبر الانتصار للحق وخوض معارك أخلاقية ضد الظلم والطغيان والإفساد، فالجهاد في الإسلام لا يمكن أن يتحول يوماً إلى ترف أو قتل عشوائي، بل هو صيغة عملية للانتقال من الدور التاريخي الذي أدته المسيحية عبر دعوتها للروحانية والرهبانية إلى المبادرة والفعل الخارجي الذي يتطلب تدافعاً بين الأمم والشعوب وواقعيةً لا تتسع لها الرهبانية المجردة.

أما مفهوم القتال فهو أكثر التباساً لأن دلالته اللغوية فيها ارتباط مباشر بالميدان الحربي، لكن هذا الالتباس سرعان ما يزول إذا تأملنا السياق الذي جاءت فيه آيات القتال، فأول آية نزلت في القتال هي: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير" وهي آية يتضح فيها أن القتال شرع لتنظيم أوضاع كانت سابقةً لنزوله ولم يكن تشريعاً تأسيسياً موجداً لحالة جديدة، والحديث عن الإذن للمظلومين بالدفاع عن أنفسهم يدل أن السلوك الأمثل الذي كان مطلوباً منهم هو الصبر على الأذى: "ولنصبرن على ما آذيتمونا" لكن رسالة الانطلاق وتأسيس دستور حياة مدنية متكاملة التي جاء الإسلام بالدعوة إليها يتطلب مغادرة مواقع الصبر السلبي والاشتباك مع القوى الظالمة المتنفذة.

هذه أول آية نزولاً في قضية القتال، أما أول آية ترتيباً في سورة البقرة فهي: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين* واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين* فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم"، وقد تعمدت إيراد هذه الآيات المتتاليات لأن هناك من يستدل بآية "واقتلوهم حيث ثقفتموهم" منتزعةً من سياقها ولو كلف نفسه بقراءة الآية التي تسبقها لعلم أنها آية مقيدة وليست مطلقةً فهي تتحدث عن ظروف قتال كان الفريق الآخر هو البادئ به وهناك محدد أخلاقي واضح بعدم الاعتداء لأن الله لا يحب المعتدين.

هذه الآية "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم" ليست مقيدةً للآية التي تليها مباشرةً وحسب بل هي مقيدة لكل آيات القتال في القرآن، والقرآن فيه العام والخاص والمطلق والمقيد، ولا يتصور عاقل ذو فطرة سليمة أن الله يقرر في آية حكماً أخلاقياً ثم ينقض هذا الحكم في آية أخرى إنما يقيد العام بالخاص.     

هناك قاعدة بدهية جداً يسهل ملاحظتها في القرآن الكريم، ورغم بساطتها إلا أنها تنسف كل مزاعم مدرسة العنف والقتل، هذه الملاحظة تتمثل في أننا لو تأملنا كل آيات القتال في القرآن لوجدنا أن القتال يأتي دائماً عكس القعود والجبن وليس عكس السلام، أي أن علة فرض القتال هي دعوة الناس إلى التحرر من الجبن والخوف من الموت على الصعيد النفسي، ودعوتهم إلى كسر إرادة العدو على الصعيد الخارجي، فلو تحقق هذان الهدفان المتمثلان في تحرر المرء من الجبن وهزيمة القوى التي تمارس الظلم والاستضعاف بأي وسيلة أخلاقية فقد تحقق هدف القتال حتى وإن تم ذلك بوسائل سلمية خالصة، والبشر قد تعارفوا على الاستعمال المجازي لكلمة "القتال" فكثيراً ما نسمع عن الذين يقاتلون في سبيل الكرامة والحرية والسلام مثل غاندي ومانديلا دون أن تنصرف أذهاننا إلى أنهم يمسكون أسلحةً ويقتلون أعداءهم إنما يتبادر إلى مخيلاتنا أنهم يصرون على مبادئهم ويتحملون الأذى والسخرية والاضطهاد ويكتسبون كل يوم أنصاراً جدداً بقوتهم الأخلاقية.

للمثال وليس للحصر تأملوا هذه الآيات:

*"كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم".. هل يتصور عاقل أن الإنسان يكره القتال لأنه سيخلصه من عدوه أم إنه يكرهه لما يمثله له من مفارقة للقعود والسلامة! إذاً هي دعوة للناس لمغادرة ألحفتهم الدافئة والاشتباك في ميدان الحياة والانتصار على أنفسهم التي تدعوهم لإيثار راحة الأجساد على مطالب المعالي.

بالعكس فإن هذه الآية تمثل شهادةً ضمنيةً لجيل المؤمنين الذين تنزلت عليهم، فهي تنبئ في ثناياها عن ميولهم السلامية التي كرهتهم في القتال رغم كل الثناء الذي أعطته الثقافة القبلية العربية لقيم القتال والسيف والثأر، فأن يخرج جيل من تلك الجزيرة الملتهبة بأشعار الحماسة والبطولة يكره القتال فهذا مؤشر سلام داخلي وهو موقف متقدم بمعايير ذلك الزمان..

*"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون* وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم".. يتضح من هاتين الآيتين أن الجبن عن المواجهة لن يطيل عمر الإنسان وأن الشجاعة والإقدام لن تقصر الأجل فهي دعوة إلى الشجاعة لا إلى سفك الدماء.

*"وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين"..من جديد تتأكد فكرة أن القتال في القرآن هو عكس الوهن والضعف والاستكانة وأنه شرع ليحرر الإنسان منها..

*"فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً".. هذه الآية مثل سابقاتها تبين أن القتال عملية أخلاقية وليس عمليةً فنيةً تتعلق بإفناء العدو، فلا يحقق مقصد القتال أن تستأجر شركةً أمنيةً على غرار بلاك ووتر لتحقيق أهدافك باحترافية، إنما يتعلق المقصد الأساسي من القتال بدافعية المقاتل أن يكون متجرداً من أهواء الدنيا مقاتلاً في سبيل الله، وسبيل الله هو كل قضية حق وعدل وحرية وسلام في هذه الحياة. ومن الملاحظ في هذه الآية تقديمه للشهادة على الانتصار، وهذا لا يستقيم إلا في المقياس الأخلاقي الذي يجعل خسارة الحياة في سبيل المبدأ مقدماً على الانتصار على العدو.   

*"وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً".. هذه الآية تبرز الهدف الخارجي للقتال، وهو هدف إنساني يتجاوز التعصبات القومية والأهداف الدينية الخاصة، فليس هدف القتال إجبار الناس على الإيمان إذ "لا إكراه في الدين"، إنما الهدف الواضح هو الانتصار للمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فالقتال هو جبهة أخلاقية عالمية لمواجهة كل قوى الظلم والاستبداد والاستكبار التي تستقوي على المستضعفين.

إن فهم السياق الذي جاءت فيه عموم آيات القتال في القرآن وفهم المعاكس الذي جاءت هذه الآيات لتنقضه ضروري للتفريق بين الروح والشكل، بين الثابت والمتغير، فالثابت في كل هذه الآيات هو أن تصنع إنساناً متحرراً من الوهن والضعف والاستكانة يدافع العدو حتى يثخن في الأرض وتكون كلمة الله هي العليا، أما الشكل فهو متغير ما دامت العلة متحققةً، فإن اختلفت الظروف التاريخية ولم يعد القتال بمعناه الحرفي المباشر حاضراً بنفس المركزية التي كان حاضراً بها زمن تنزل القرآن سواءً في المعارك الداخلية بين المستبد وشعبه أو في المعارك الخارجية بين الدول بحثنا عن وسائل تناسب هذه التغيرات وتحقق فاعليةً أكبر بتكلفة أقل متمثلةً في وسائل سلمية واقتصادية وثقافية وإعلامية حسب طبيعة المعركة التي يفرضها الزمان والمكان.

ما دام هدف القتال حسب التصور القرآني متعلقاً بتحرير نفوس المؤمنين من الوهن والضعف والاستكانة، وتحقيق الانتصار الخارجي عبر كسر شوكة العدو الذي يمارس الظلم والاستضعاف فإن القرآن يكسر مركزية المواجهة العسكرية كونها ليست هدفاً في ذاتها، وهذا ما يتضح في آية الفتح: "وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيراً".. في هذه الآية يمتن الله تعالى على المؤمنين ليس فقط في أنه منع عدوهم من إيذائهم بل أيضاً بأنه كف أيديهم عن أعدائهم بعد أن أظفرهم عليهم، والنفس المشبعة بحب القتال لا تفهم أين المنة في أن تتمكن من عدوك ثم لا تشبع رغبتك بقتله وسفك دمه، لكن الروح السلامية السائدة في القرآن جعلت المنة ليست في انتصار فريق وهزيمة فريق آخر، بل في إلغاء المواجهة العسكرية نفسها..

إن كليات القرآن ومبادئه العامة تعطي مركزيةً لعمارة الأرض وإقامة العدل فيها وتجرم الإفساد فيها وسفك الدماء: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"، "ادفع بالتي هي أحسن"، وقد كان تخوف الملائكة الأول من استخلاف الإنسان: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، والقرآن يقول مراراً: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها"، ويتحدث عن فريق يفسد في الأرض وهو يظن نفسه مصلحاً ليعلي فينا مشعر الحساسية: "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون* ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"، بل إن القرآن يعطي المؤمنين درساً تربوياً مكثفاً في السلام عبر التصالح مع كل المخلوقات بتحريم الصيد أثناء الإحرام وفرض كفارة على من يخالف هذا التعليم، والقرآن يغرس فينا حب الطبيعة فيخبرنا أن الجبال والأشجار والطير يسبحن بحمد الله مما يعني أن الإنسان مطالب بصداقة هذا الكون لا بمعاداته، فمن أين يفهم عاقل تشبع بروح العدل والإحسان والإصلاح والسلام التي تبثها مئات الآيات أن يخوض معركةً عبثيةً دون ضوابط من أخلاق تؤدي بالضرورة إلى الإفساد في الأرض والتناقض مع أبسط بدهيات الدين! إن من يفعل ذلك هو بالضرورة إنسان قد انتكست فطرته وتشوه سلامه الداخلي فهو يريد أن يصدر ناره المشتعلة في صدره ليحرق بها الأنام ثم يكذب على الله تعالى الذي يأمر بالعدل والإحسان فيزعم أنه أمره بهذا ليضفي شرعيةً على باطله وإفساده.

إن من يصنع السلام بين الأنام لا بد أن يحقق سلامه الداخلي أولاً فيفيض على الناس من الحب الذي يملؤ قلبه، أما من امتلأ قلبه بالكراهية والانتقام فهو مريض يستحق الشفقة ولن تكفي كل نصوص الكتب وأقوال الحكماء في إقناعه بالسلام لأنه لم يذقه في حياته، ومن لم يذق لم يعرف.

 

كاتب فلسطيني

 

المقالة لإيلاف تنشر بموافقة الكاتب

 

 

هل الفلسطينيون لا يخافون الموت؟!

 

أحمد أبو رتيمة *

 

يميل كل شعب إلى تمجيد ذاته وإبراز فضائله وتبيان أوجه الاستثنائية التي يختص بها عن غيره وقد يصل الاعتقاد بأفضلية الذات إلى حالة من النرجسية المرضية التي تخيل لأصحابها أنهم استثناء من القوانين التي تحكم غيرهم من الأمم والأقوام، فلا يقبلون محاكمتهم إلى السنن البشرية الطبيعية، ويظنون أن لهم خصوصيتهم وأن قضيتهم يجب أن تناقش في إطار مختلف عن كل ما سبقها من أمثلة تاريخية، وأن ما يصيب الشعوب الأخرى من ضعف وتراجع لن يصيبهم وأن الفشل والهزيمة لن يعرف إليهم سبيلاً!

رغبة الأمم والشعوب في إبراز استثنائيتها ينقضه التوجه العام في القرآن الذي يؤكد دائماً على عموم القوانين التاريخية والاجتماعية والنفسية وتكرارها وأنه لا محاباة ولا أفضلية لشعب على آخر: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءً يجز به"، "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين"، "بل أنتم بشر ممن خلق". إن القرآن يبطل زعم الاستثنائية التي تطرب لها الشعوب وترضي بها غرورها!!

تستوقفني بعض التعليقات التي يكتبها فلسطينيون في سياق الإطراء على الذات يقولون فيها إن الشعب الفلسطيني لا يهاب الموت، وإنه يقابل أصوات القصف بسخرية، وإن الأمهات يستقبلن أخبار مقتل أولادهن بالفرح والزغاريد، فهل يعني هذا أننا شعب قد انتزعت منه الخصائص الإنسانية الفطرية من خوف وقلق وحب للحياة الهادئة المطمئنة وهل ماتت فينا مشاعر الأمومة والأبوة والأخوة، وهو ما لم يحدث مع أقرب الناس إلى الله تعالى وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي بكى عمه حمزة وبكى ولده إبراهيم، وخاطبه القرآن بخصائصه الفطرية الطبيعية: "لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً"!..

حين نعطي لأنفسنا ميزات استثنائيةً عن الآخرين فنحن بذلك نسلم بحق كل شعب أن يفعل ذلك، ولن يعدم كل شعب صناعة رواية خاصة به تثبت أن له من الفضل ما ليس لغيره فالعراقي والمصري والسوري والتونسي يستطيع كل واحد منهم أن يقول بلسان الحال: "نحن شعب مالوش حل وصنعنا ما لم يصنعه غيرنا".

نعم إن الشعب الفلسطيني لم يعد يبالي بأخبار الموت، وصار يقابل يقابل أصوات القصف الإسرائيلي بالسخرية لكن مرد هذا ليس إلى اختلاف جيني عن البشر بل هي السنة الإلهية في قدرة أي شعب على التكيف مع ظروفه الصعبة حتى يظل قادراً على أداء رسالته، لذلك فإن كل شعب يصوغ شخصيته بما يناسب ظروفه الطبيعية والسياسية وهذه الحقيقة ليست حكراً على المسلمين وحدهم بل هي سنة عامة فالشعوب الأوروبية مثلاً استطاعت في ظل الحربين العالميتين المدمرتين التعايش مع واقعها المأساوي فسكن الناس في الملاجئ وتعلموا فيها لأن الإنسان لا يملك إلا أن يواصل مسيرة حياته لذلك فهو مضطر للتعايش مع أي ظرف، ودائماً ما يخرج من مكنونه ما يؤهله للانتصار في صراع البقاء.

أذكر قبل سنوات أن أصدقاء سوريين كانوا يسألونني مستغربين كيف تعيشون في غزة في أجواء القصف والحرب؟ فكنت أبتسم وأقول لهم هي حياة طبيعية تماماً. وما حدث الآن هو أننا نحن الذين صرنا نستغرب كيف يعيش الشعب السوري مع كل هذا القدر من القتل والتدمير على أرضه!! الأمر لا علاقة له بمعجزة بل هي السنن النفسية والاجتماعية التي أوجدها الحكيم لينتصر الإنسان على تحديات الحياة..

إن مواجهة الشعب الفلسطيني للقصف بالابتسام والسخرية وتسمية موجات القصف ب" الحفلة" لا يعني أن هرمونات الخوف الطبيعية قد نزعت منا، إنما يعني أن هناك إطاراً اجتماعياً جديداً قد تشكل وأعيد فيه تحديد معايير ما هو مخيف ومقلق وما هو ليس كذلك للتكيف مع مستوى التوتر المعاش منذ سنوات طويلة، فالإنسان حين يعيش في مجتمع هادئ جداً فإنه يستثار من صوت رصاصة واحدة لكن حين يستمع كل يوم إلى أصوات الرصاص فإنه سيفترض أنه لن يصيبه على الأرجح بحكم تأقلمه مع هذه الحالة لذلك فهي قضية تعوّد لا قضية شجاعة، ولبرهان ذلك لو أن أحد الذين يعايشون القصف حتى لم يعودوا يهتموا بأصوات القذائف والصواريخ قد كشف له الحجاب فعلم أن القصف القادم سيدمر بيته أو سيقتل عزيزاً عليه هل ستكون ردة فعله على أي صوت انفجار قادم هي اللامبالاة أيضاً!! إننا حين نسخر من أصوات القصف فلأنه قد غلب على ظن كل واحد منا أنه لن يكون ضحية القصف القادم، ولو أن أي شعب يعيش الآن في هدوء وسلام قد تبدلت ظروفه وتعرض لحرب مدمرة اضطر للتعايش معها لسنوات طويلة فإنه سيكتسب مناعةً طبيعيةً يتكيف بها مع أحواله الجديدة..

لسنا استثناءً من الأمم بل نحن بشر ممن خلق.

·        كاتب فلسطيني من غزة

 

تصادم الإرادات ومفهوم التوحيد

أحمد أبو رتيمة

 

لو بحثنا في أي صراع في هذه الحياة لوجدنا مرده إلى تصادم الإرادات!

حقيقة الحرب هي تصادم إرادتين فيسعى كل فريق إلى قتل إرادة الفريق الآخر لتنتصر إرادته وحده، بينما مفهوم السلام هو التوصل إلى إرادة مشتركة.

لماذا يتعارك طفلان شقيقان؟ لأن هناك لعبةً واحدةً يريد كل واحد منهما أن يمتلكها وحده فيسعى لإزاحة منافسه، أما لو كانت هناك لعبة لكل منهما ولا يتطلع أحدهما للعبة الآخر فلن يكون هناك عراك بينهما!

لماذا يتصارع الرجال ويتباغضون ويتحاسدون ويتقاتلون في السعي للاستئثار بالنساء؟؟ لأن أنثى واحدةً تكون مهوى أكثر من رجل فلا يجد سبيلاً إليها إلا بإزاحة منافسيه من طريقه، لكن لو كان لكل رجل في الدنيا أنثى واحدة يقنع بها ولا يشعر برغبة تجاه غيرها فسيحل السلام بين الرجال ولن تكون هناك أي كراهيات وبغضاء وشحناء!!

لماذا تتصارع الأحزاب داخل الدولة الواحدة؟ لأن كل حزب يسعى إلى الاستئثار بالسلطة دون أن يكون له شريك من الأحزاب الأخرى، ولأن للآخرين إرادتهم المماثلة فإن كل فريق لا يرى من سبيل أمامه إلا بإفناء إرادة الخصم حتى يكون الأمر كله له وحتى لا يكون هناك معقب لحكمه، وفي الدول المتقدمة يحدث السلام حين تتوصل مختلف الأطراف إلى إرادة موحدة تتمثل في الاحتكام إلى صندوق الاقتراع والتسليم بنتيجته.

لماذا تنشأ الحروب بين الدول؟ لأن كل دولة تسعى للاستئثار بثروات وأراض وامتيازات على حساب الدولة الأخرى فترفع كل دولة في حربها شعار كسر إرادة العدو، ولو توافقت كل الدول على ما لها وما عليها ولم تعد عينا أحدها على أراضي وممتلكات وثروات الآخرين لحل السلام بين البشر.

إن الصراع ينتهي في الوقت الذي لا يعود فيه الإنسان عبداً للملكية فتسمو روحه عن جاذبية الأشياء وتصبح تابعاً له لا متبوعاً، لذلك تعس عبد الدينار لأن الدينار هو الذي يتملكه فيخضعه لسلطانه ويسلبه روحه!

إذاً خلف كل صراع وكراهية وبغضاء في هذا الوجود صغر أم كبر إرادتان متناقضتان، ولا يكون السلام إلا بتوحيد الإرادة..

توحيد الإرادة يعني توحيد الله، فالله هو صاحب الإرادة العليا وهو الذي لا معقب لحكمه ولا شريك له ولا راد لأمره، والتسليم له بالإرادة والمشيئة يعني التحرر من حب الملكية والاستئثار وتحطيم مركزية الأنا فلا يسعى الموحد حقاً إلى التعالي على خلق الله والاستئثار بمزايا خاصة دون البشر إنما يقبل بكلمة السواء أن يكون له ما لغيره من البشر.

الشرك ليس سوى تناقض الإرادات، والتوحيد هو حالة من السلام والطمأنينة القلبية تنتج عن التحرر من الغايات المشتتة وتوحيد الهم والجهد والغاية في اتجاه الإرادة العليا في هذا الوجود..

الشرك هو صراع وتمزق داخلي: "إن الشرك لظلم عظيم" لأن الشرك يعني تناقض الغايات داخل النفس البشرية الواحدة، وقد ضرب القرآن مثلاً لرجل فيه شركاء متشاكسون ورجل سلماً لرجل، فمفهوم الشرك يلخصه مثال الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون، فيأمره أحدهم أن يذهب شرقاً ويأمره الآخر أن يذهب غرباً، وإرضاء كليهما مستحيل لذلك فإن الشرك هو جحيم في الدنيا قبل الآخرة، أما توحيد الإرادة في اتجاه واحد: "رجلاً سلماً لرجل" فهو الذي سيضفي على القلب طمأنينةً وراحةً وتوافقاً داخلياً..

المشرك تتنازعه إرادات متناقضة، فهو يريد أن يرضي آلهته المتعددة في وقت واحد: يريد أن يرضي إله الشهوة وإله الشهرة وإله المال وإله السلطان الذي يخافه وإله المجتمع الذي يتستر منه، والسبيل إلى التوفيق بين هذه الإرادات مستحيل، فهو إن أرضى إله المجتمع كبت في داخله شهوته، وإن أرضى إله شهوته خسر إله ماله، وإن أرضى جميع هذه الآلهة التي يشركها مع الله أسخط إلهه الحق الذي ينبعث صوته من داخل فطرته فيقض راحته ويظل شعور التناقض ملازماً له يحرمه من الطمأنينة والسلام.

أما التوحيد فهو يعني أن يوجه الإنسان كل همه وغاياته وحبه وخشيته في اتجاه غاية عليا توافق فطرته فيضفي ذلك عليه شعوراً بالطمأنينة والسكينة والتوافق الداخلي، لأنه لم يعد يعاني من اضطراب الوجهات وتعدد الآلهة، لم يعد لديه ما يخفيه لأن ظاهره قد توحد مع باطنه، وكل الغايات والرغبات قد انصهرت في غاية واحدة كبرى.

إن التوحيد ليس إلا حالة من السلام والتوافق الداخلي نتيجة توحد الإرادة، والشرك هو الاضطراب والقلق والتناقض والجحيم: "إنه من يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق"..

إن الكون كله مفطور على حقيقة التوحيد: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"، وكل مشكلات الحياة إن بحثنا في سبب جامع لها فإننا سنجد أنه يتلخص في تناقض الإرادات، بينما السلام لا يكون إلا بتوحيد الإرادة، وحتى في داخل النفس البشرية الواحدة فإن شعورنا بالقلق والاضطراب لا يكون إلا بسبب تناقض الوجهات والغايات وحين تتوحد إرادتنا الداخلية سنمنح السلام والتوافق، وإذا كانت الإرادة الكبرى في هذه الحياة لله تعالى فإن السلام لا يكون إلا حين تصبح إرادتنا تبعاً لإرادته لا نداً ولا منافساً لها.

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

النصوص التنبؤية والجبرية السياسية!

 

أحمد أبورتيمة

 

في أي سياق نفهم النصوص الدينية التي تخبرنا عن أحداث ستقع في المستقبل مثل فتح القسطنطينية و روما، وقتال اليهود واختبائهم خلف الحجر والشجر؟

بدايةً من الضروري الانتباه إلى أن القرآن الكريم وهو النواة الصلبة والنبع الصافي الذي لم يصل إليه أدنى تحريف يكاد يكون خالياً من مثل هذه النصوص التنبؤية، وهذا الخلو طبيعي بالنظر إلى طبيعة رسالة الدين المتمثلة في هداية الناس وشفاء ما في الصدور وتحقيق التقوى والصلاح في حياتهم، فالدين لم يأت ليقدم للناس نبوءات تفصيليةً حول أحداث المستقبل والنبي ذاته يقول: "ما أدري ما يفعل بي ولا بكم" ويقول: " لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء"..

أما السنة ففيها مرويات كثيرة تتنبأ بأحداث تفصيلية ستقع في المستقبل، والمساحة التي أعطتها ثقافة المسلمين لهذه النصوص أخلَّت بالنسبة الطبيعية التي نجدها في القرآن، وحرفت طبيعة الدين من كونه رسالةً روحيةً إصلاحية وحولته إلى تنبؤات مستقبلية وما هذه برسالة الدين، وبالتأكيد فإن هذه الأحاديث قد خلطت بين الصحيح والضعيف..

لكن إذا تجاوزنا مشكلة السند في هذه الأحاديث وتعاملنا مع ما نظنه صحيحاً منها فكيف نتعامل مع هذه الأحاديث في واقعنا وكيف نحول دون سوء فهمها واستعمالها؟؟

ما تفيده هذه الأحاديث هو أن أحداثاً ستقع في وقت ما في ظروف ما بكيفية ما، لكنها لا تأمرنا بفعل محدد غير الأوامر والنواهي العامة في القرآن والسنة، أي أن مضمون هذه الأحاديث لا يبنى عليه فعل محدد، وأن علينا أن نواصل السلوك الطبيعي دون أن تمثل هذه النصوص سلطاناً جبرياً علينا.

لكن المشكلة الخطيرة هي في الأفكار غير المعلنة التي تنشط في الخفاء فتترك أثراً في سلوكنا يشبه حالة الجبرية التي يقاد فيها الإنسان مأسوراً بالأفكار الخفية التي تشكل طريقة تفكيره، فمع أن هذه النصوص التنبؤية لا تأمرنا بأي فعل خاص ولا تطلب منا التدخل لتحقيقها إلا أنه يحدث الخلط بين هذه النصوص المطلقة من التقييد بزمان محدد وبين واقعنا السياسي الراهن فيتشكل تصور في العقول أن مسار الأحداث لن يحتمل إلا شكلاً واحداً يقودنا إلى تحقق هذه النبوءة، وهذا التصور يفصل صاحبه عن الواقع الموضوعي ويدفعه إلى إسقاط كثير من المعطيات، وفي المقابل تضخيم تفاصيل صغيرة ليست ذات قيمة في المشهد السياسي ظناً منه أن هذا هو الوقت الراهن لتحقق النبوءة. وهنا أذكر تعليق فريق من أصحاب هذا التفكير على القصف الكيماوي للغوطة بدمشق وما أعقبه من تهديدات أمريكية بضرب النظام السوري، فاستحضروا النصوص النبوية التي تتحدث عن معركة عظيمة في الغوطة مع الروم، ووضعوا سيناريوهات لحرب عالمية ثالثة وحددوا كيف ستبدأ وكيف ستنتهي، ليس استناداً إلى المعطيات الواقعية بطبيعة الحال إنما استناداً لتوظيف النصوص التنبؤية بمعزل عن شروط الواقع، لكن شيئاً من هذه التوقعات لم يحدث، وانقشع الغبار عن أن التهديدات بالحرب لم تكن إلا للضغط السياسي!

هذا مثال ليس نادراً بل يتكرر باستمرار وأصحاب هذا التفكير يفتنون في كل عام مرةً أو مرتين، فكلما لاح طرف خيط فيه شبهة ربط بنبوءة سارعوا إلى التقاطه وبناء تقديراتهم السياسية وسلوكهم العملي على أساسه، وهذا التوظيف للنصوص التنبؤية يعطي لها سلطان جبر في قيادة تفكيرنا وأفعالنا مما يضر بفهمنا السياسي وقراءتنا الموضوعية للواقع، فنعيش في عالم متوهم ننسجه في عقولنا بدل أن نعيش ظروف الواقع ونفهم متطلباته، وفي هذه الحالة يصبح غير المتدينين أكثر ذكاءً وبراعةً سياسيةً لأنهم قد تحرروا من هذا الإصر والأغلال الذي وضعه المتدينون على عقولهم، فهم يفهمون الواقع متحررين من أي أحكام مسبقة تجبرهم على تطويع الأحداث لموافقتها، هم يقرءون الواقع فيستنتجون من المقدمات الراهنة نتائج محتملةً أما أصحاب الفكر التنبؤي فيضعون النتائج الحتمية في عقولهم ثم يلوون أعناق الأحداث لتناسب تلك النتائج المسبقة مما يعني أنهم لم يعودوا يعيشون الواقع، وفي هذه الحالة يصبح التدين فتنةً للذين كفروا لأنهم سيقولون هذا هو الدين يفصلكم عن الواقع ويبعدكم عن القراءة السياسية العقلانية بينما عقولنا متحررة ونحن واقعيون فلماذا نضطر إلى دين سيقيد تفكيرنا ويخلق جبريةً على أفعالنا!

الدين لم يقل لنا أن نرهن عقولنا لتنبؤات مستقبلية فليست هذه هي وظيفة الدين، ولنا في رسول الله أسوة حسنة فهو كان يعيش واقعه السياسي ويحلل معطياته ويبني قراراته على أساس تلك المعطيات ولم يكن ينتظر نزول جبريل عليه السلام ليوجهه في السلوك السياسي، بل إن هناك مثالاً بالغ الدلالة في السيرة النبوية يبطل جبرية النصوص التنبؤية وهو موقفه في صلح الحديبية وكان قد أخبر صحابته بأن الله تعالى بشره بدخول مكة وطواف البيت: "لقد صدق اللّه رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللّه آمنين" فلم يشك الصحابة في أن هذه الرؤيا ستتحقق العام، لكن لما تم توقيع صلح الحديبية كان من شروطه أن يرجعوا إلى المدينة دون أن يعتمروا وأن يعودوا في العام القادم، فوقع في نفوس بعض الصحابة رضي اللّه عنهم من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب النبي: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: "بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟" قال: لا، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "فإنك آتيه ومطوف به".

هذا المثال نموذجي لأنه متكامل الأركان قد حضر فيه النص التنبؤي من جهة ومقتضيات الفعل السياسي الواقعي من جهة أخرى.

النبوءة القرآنية تبشر الصحابة وهم في المدينة قد أبعدوا قسراً عن وطنهم أنهم سيدخلون المسجد الحرام، ولما شارف الصحابة فعلاً على الوصول إلى مكة وصاروا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق البشارة تطلبت مقتضيات السياسة الواقعية فعلاً آخر وهو توقيع اتفاق مصالحة مع قريش كان من مقتضياته ألا يدخل المسلمون هذا العام المسجد الحرام حتى لا تقول العرب إنهم دخلوها عنوةً على قريش وأن يعودوا في العام القادم، هنا حدث لبس في فهم المسلمين يشبه ما يحدث في عصرنا هذا أيضاً وهو التناقض بين مضمون البشارة القرآنية وبين الواقع السياسي الراهن، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أزال هذا اللبس ببساطة، فالبشارة القرآنية حتمية الوقوع لكن ليس بالضرورة في الوقت والكيفية التي نظن أنها ستحدث فيها، وكل ما تفيده البشارة هو الطمأنينة العامة لكنها لا تفصلنا عن مقتضيات الواقع السياسي ولا تجبرنا على فعل محدد، والنبي عليه السلام تصرف بمقتضى الواقع السياسي لا بمقتضى البشارة القرآنية التي منحته الطمأنينة بحسن العاقبة.

هذا هو المنهج الذي ينبغي أن نتمثله في سلوكنا السياسي، أن نحرر عقولنا من جبرية النصوص، وأن نتصرف وفق مقتضيات الواقع ونبني سلوكنا العملي وفق الفهم الموضوعي للحالة الراهنة، أما ما صح من الأحاديث التنبؤية فهو سيحدث يوماً ما بكيفية ما، وعلم ذلك عند ربي، ومعرفة حدوثه لا يقتضي منا فعلاً خاصاً ، لأن الله لم يكلفنا باستقدام هذه الأحداث، بل كلفنا بما نراه في واقعنا.

من أبرز تجليات مشكلة الجبرية في فهم النصوص التنبؤية الموقف من الأحاديث التي تخبر عن قتال المسلمين لليهود واختباء اليهود خلف الشجر والحجر، والظن أن هذه النبوءة ستتحقق بالضرورة في هذه المرحلة التاريخية وفي هذه الجولة من جولات الصراع، مما يؤدي إلى رفض أي تناول سياسي لمشكلة الاحتلال في فلسطين، والزهد في مناقشة الحلول السياسية الممكنة، ليس بدافع فهم الواقع، إنما بتوجيه الأفكار الخفية في اللا شعور والتي أنشأت خيالاً عاماً حول توقع صيرورة الأحداث، والنبوءة لم تخبرنا عن موعد تحققها، فما يدرينا ربما تنتهي هذه الجولة بحل سياسي، وتعود الكرة بعد ألف أو ألفي سنة خاصةً، فتتحقق النبوءة في ذلك الوقت، فما دمنا غير متأكدين فإن التعامل ينبغي أن يكون واقعياً، وأفعالنا ينبغي أن تستند إلى فهم مقتضيات الواقع ومراعاة موازين القوى، وكل ما نبأ به النبي سيتحقق يوماً ما بطريقة ما لكننا لسنا مكلفين بأكثر من الاستجابة العقلانية لتحديات الواقع والغيب لله وحده..

صفحتي على الفيسبوك: www.facebook.com/ahmedaburtema

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gifabu-rtema@hotmail.com

 

 

 

جدلية العلمي والإلهي...

"فاليوم ننجيك ببدنك" مثالاً..

أحمد أبورتيمة

يقول أصحاب مدرسة الإعجاز العلمي إن من معجزات القرآن أن الله تعالى نجى بدن فرعون: "فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آيةً"، وهو ما يصدقه العلم الحديث إذ إن مومياء فرعون لا يزال محفوظاً في متحف القاهرة حتى اليوم، لكن العلم يقول أيضاً إن هناك عشرات المومياءات الأخرى المحفوظة حتى اليوم ، وإن سر بقائها هو معرفة قدماء المصريين أسرار التحنيط. .

هل نحن حقاً أمام تفسيرين متناقضتين؟ وهل بقي جسد فرعون بمعجزة أم أن من حفظ جسد فرعون هم قدماء المصريين تماماً كما حفظوا مومياءات الملوك الآخرين عبر وسائل التحنيط التي عرفوها؟؟ 

بدايةً أنبه إلى أني لا أمتلك معلومات تاريخيةً ولا تفاصيل علميةً إنما قصدي تقديم إطار للتفسير بغض النظر عن التفاصيل التي يتكفل العلم بتوفيرها..

القضية لا تتعلق بتناقض بين روايتي الدين والعلم، والالتباس ناشئ فقط عن اختلاف زاوية المعالجة، فالقرآن يتناول المسائل بما يناسب رسالته الروحية لذلك فهو يسقط كل التفاصيل المعرفية غير الضرورية لتحقيق رسالته، عكس العلم الذي يهتم بتفاصيل الإجابة عن أسئلة ماذا وكيف...

القرآن يخبرنا أن الله نجى بدن فرعون، وهذا الإخبار لا يأتي في سياق وصف منجزات الحضارة الفرعونية فذلك تخصص العلم، بل يأتي في سياق استخلاص العبرة من مصائر الظالمين، لذلك يعلل القرآن سبب إنجائه: " لتكون لمن خلفك آيةً"، فمن زاوية نظر الدين فالآثار التاريخية ليست للمتعة السياحية والاندهاش، بل هي للتفكر في مصائر الأمم الغابرة واستقاء العبرة، ولهذا السبب أيضاً فإن القرآن ينسب إبقاء جسد فرعون سليماً إلى الله: " ننجيك"، ونسبة الفعل إلى الله ينظر الماديون إليها بأنها فرضية غير ضرورية لكنها في القرآن تناسب مقاصده لأنها تبين حقيقةً إيمانيةً بأن الله هو الفاعل والمحيط من وراء كل أحداث التاريخ والكون..

في ذات الوقت الذي يسقط فيه القرآن التفاصيل العلمية فهو لا يناقضها، فلا يوجد في ذكر نجاة فرعون موسى ما ينفي أنه نجى آخرين، لكن القرآن اكتفى بذكر مثل لحالة نموذجية لبيان عاقبة الظالمين..

القرآن أيضاً لا يذكر الآلية التي نجا الله بها بدن فرعون "كيف"، وليس في السياق القرآني ما يبين إن كانت عبر معجزة استثنائية أم عبر قوانين طبيعية يمكن فهمها بالبحث العلمي، وهنا تبرز إشكالية العقلية المعجزاتية التي لا تستطيع أن تفهم فعل الله إلا بالخروج عن سنن الطبيعة، وهي مشكلة كبيرة ندفع تكلفتها الباهظة بالانفصال عن الواقع والبحث العلمي لأننا لا نرى في القرآن سوى محتوىً غيبي دون قدرة على تفكيك مكوناته  وإخضاعه للسنن العلمية، مع أن الله يوجهنا في مئات الآيات بأن السنن الطبيعية هي آيات الله: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم"، بل إن أفعال الإنسان ما هي إلا تعبير عن إرادة الله وعمله في هذا الكون: "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"، "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون" مع أن وسائل المواصلات الحديثة مثل السيارة والطائرة هي من اختراع الإنسان إلا أنها من خلق الله فهو الذي هدى الإنسان إلى صناعتها..

في ظل هذه الرؤية القرآنية فإنه لا معنى للفصل بين العلمي والإلهي، فالله حاضر في كل الأحداث الكونية، وفعل الله لا يتضح عبر المعجزات الاستثنائية فقط بل عبر السنن الطبيعية، وكما أهلك الله قوم نوح وعاد وثمود في الماضي فإنه أهلك أيضاً في زماننا الحاضر الطغاة من أمثال شاه إيران وصدام وتشاوشيسكو وهتلر والقذافي، لذلك فإن قولنا إن أمريكا أسقطت صدام لا يتعارض مع القول بأن الله أسقط صدام، فالقول الأول تفسير للكيفية الواقعية وهذا هو اهتمام العلم، أما القول الثاني فهو حديث في الغايات الكلية للوجود وهذا هو اهتمام الدين..

الأمر متروك للعلم فإن أثبت العلم أن بقاء جسد فرعون مرده إلى التحنيط فلن يكون في هذا أي تعارض مع فعل الله، فالله تعالى هو الذي علم الفراعنة أسرار التحنيط: "علم الإنسان ما لم يعلم"، وما الذي يمنع أن فرعون بعد غرقه تم استخراج بدنه من البحر وتحنيطه كما كانت التقاليد سائدةً في التعامل مع الملوك آنذاك، وأن هذا التحنيط هو الذي حفظه من التحلل، وفي جميع الأحوال فإن الله هو الفاعل الأول تماماً كما أن الله هو الذي يهلك الظالمين في زماننا ليس بإرسال صاعقة من السماء، إنما عبر القوانين الطبيعية التي أودعها والتي تقضي بتداول الأيام وتدافع الناس وصعود أمم وموت أخرى..

والله أعلم..

abu-rtema@hotmail.com

 

 

عالم بلا حروب

احمد ابو رتيمة

 

"عالم بلا حروب" ليست فكرةً طوباويةً بل هي قابلة للتحقق وإن تطلبت نضالاً مريراً ومعركةً طويلةً ولنا مثال في العبودية كيف كانت مكوناً راسخاً في الحياة الاجتماعية البشرية قروناً طويلةً حتى إن القرآن ذاته لم يستطع تجاوز قوة تغلغلها فلم يرد في القرآن آية صريحة تحرم الاسترقاق ثم جاء اليوم الذي اختفت فيه العبودية بفعل التطور التاريخي..

ما دام هذا المثال ساطعاً أمامنا فلماذا لا نتفاءل بأنه سيأتي أيضاً اليوم الذي تختفي فيه الحروب من حياة البشر ليس بالضرورة بدافع أخلاقي-الفكرة الطوباوية أن نظن أن الناس سيصبحون كلهم طيبين أخياراً- بل بدافع سياسي حين تنمو قناعة لدى كل أمم الأرض بأن الحروب لن تحل لأحد مشكلاته ولن يخرج منها أحد منتصراً وأن كل ما ستفعله الحروب هو المزيد من المآسي والدموع والدماء وأن هناك صيغاً للتنافس بأدوات اقتصادية وإعلامية وسياسية...

هذا الهدف يستحق على الأقل أن نقاتل في سبيله والمفاجأة أن أكثر أمة مؤهلة للدعوة للسلام ووقف الحروب على هذه الأرض هي أمة الإسلام وذلك لما يتضمنه القرآن من روح سلامية عميقة حتى وهي تتناول القتال فإنها تقدمه في صورة خيار اضطراري دفاعي ولا تقدمه بأنه مقصود ومطلوب لذاته مما يعطينا الجرأة على تجاوز مربع ردود الفعل في تبرير حقنا بالقتال إلى مربع أكثر تقدماً وهو دعوة البشرية جمعاء إلى صيغة سلامية تحيد فيها القوة العسكرية ويتوقف فيها البشر عن سفك الدماء ويلجأوا لميادين أخرى للتنافس فيما بينهم..

فهل من مدكر..

صفحتي على الفيسبوك:  https://www.facebook.com/

 

 

الدين لا يزاحم العلم ولا يناقضه

احمد ابو رتيمة

 

الدين لا يزاحم العلم في ميدانه لكنه لا يناقضه في نتائجه..

الدين يهتم بميدان مختلف تماماً عن ميدان اهتمام العلم..

مثلاً يتحدث القرآن عن نزول الغيث فيقول: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَار" إن القرآن يتناول السحاب والأمطار من الزاوية التي تناسب وظيفته الروحية فهو مهتم بإبراز جانب الفضل الإلهي في هذه الظاهرة لكنه لا يقدم لنا آليات علميةً محددةً عن كيفية تكون السحاب ونزول الأمطار فهو لا يتحدث عن المنخفضات الجوية ولا عن الشحنات الموجبة والسالبة فهذه متروكة للبحث العلمي..

الدين يجيب عن سؤال "لماذا" والعلم يجيب عن سؤال "كيف"..

مهما تعمق العلم في بحوثه التجريبية فهو لن يتناقض مع التناول الديني للظواهر.. ببساطة لأنه لا يزاحم العلم أصلاً في ميدانه وهو يبحث في ميدان آخر مختلف تماماً..

كل ما تقوله الآية أن الله هو الذي ينزل الغيث رحمةً بعباده أما كيف فهذا متروك للعلم ..

صحيح أن العلم يمنحنا أدوات معرفيةً لمقاربة المقصد الديني: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" لكن جوهر الدين مستقل عن ميدان العلم لأن الدين يهتم بالتزكية الروحية للإنسان وبتحقيق الغائية في حياته وإكسابه الطمأنينة والتوازن النفسي أما العلم فهو عملية تقنية تهدف إلى تحسين مستوى حياة الإنسان على الأرض..

الخطأ المنهجي الذي يقع فيه كثير من المسلمين هو أنهم يخلطون بين ميدان القرآن وميدان العلم فهم يسعون للتوفيق التلفيقي بين الآيات القرآنية والحقائق العلمية عبر ما يسمى بالإعجاز العلمي ومشكلة هذه المحاولات التوفيقية-التي ستنجح أحياناً بلا شك- أنها تحرف اتجاه اهتمامات القرآن وتسعى لاستنطاقه إجابات لم يأت أصلاً ليجيب عنها فالقرآن ذاته قال عن نفسه أنه كتاب هداية وشفاء لما في الصدور ودعانا للبحث عن الإجابات العلمية خارجه وليس في ثناياه فقال لنا: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق"، وقال: " وكم من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون".. إن القرآن ذاته يقول لنا: ابحثوا في الأرض وفي الآفاق وفي الأنفس حتى تجدوا آيات الله ولا يقول لنا إنه كتاب احتوى حقائق تفصيليةً في الفيزياء والأحياء..

إن أقصى ما يحتمله القرآن هو أنه لن يتناقض بحال من الأحوال مع التفاسير العلمية مهما ذهبت بعيداً لذا فإن الخلط بين الأمرين خطير فالقرآن لا يضع تابو على التفكير العلمي ولا يضع حدوداً يحرم على العلماء اقتحامها فلينطلق العلماء إلى آخر مدىً يسعهم: "إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان" وليبحثوا في كيفية خلق الله فالعلم ذو طبيعة وصفية أي أنه يصف الظواهر الموجودة فعلاً أما الدين فهو الذي يقدم الإطار الكلي الذي يربط الإنسان بالمطلق ويريه الصورة النهائية ويضفي عليه السكينة والطمأنينة..

 

مزيد من خواطري في صفحتي على الفيسبوك:

 

https://www.facebook.com/ahmedaburtema

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

رحلة إبراهيم إلى الله

احمد ابو رتيمة

 

إن رحلة إبراهيم عليه السلام في البحث عن الله تمثل تجربةً فكريةً روحيةً متكاملة الأركان، وهي دليل بأن طريق الفكر والتساؤل التي يصدق فيها الإنسان في طلب الحق ستصل به إلى الإيمان يقيناً، فلا خشية على الإيمان من التساؤل والبحث وإخضاع المسلمات للتحقق والتأكد والشك الموصل إلى اليقين..

لقد رأى إبراهيم كوكباً فقال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين، وإبراهيم في هذا الموقف يتبع منهجاً علمياً تجريبياً، فهو وضع فرضيةً واختبرها لتفسير حقائق الواقع حتى ثبت بطلانها، ففرضية أن الكوكب هو الرب ظلت ساريةً حتى أفل الكوكب، والرب المفترض لا ينبغي له أن يأفل لأن أفوله يعني غياب الرقابة وفساد الكون، فسقطت هذه الفرضية علمياً، ثم لما رأى القمر بازغاً وضع فرضيةً علميةً أخرى: "قال هذا ربي"، فلما أفل سقطت هذه الفرضية بدورها لكن إبراهيم يدرك ابتداءً بفطرته وعقله أنه لا بد من رب، وأن سقوط فرضية كون الكوكب أو القمر رباً لا ينفي مبدأ وجوده لذلك دعا هذا الإله الذي يبحث عنه: "قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ"، ثم لما رأى الشمس بازغةً وضع فرضيةً ثالثةً: "قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ"

وهو أيضاً منطق علمي، فالرب ينبغي أن يكون أكبر من كل شيء، وما دامت الشمس أكبر من الكوكب ومن القمر، فهذا يعني أن نخضعها للتحقق إن كانت تختلف عن سابقيها اللذين ثبت بطلانهما حين أفلا، فلما أفلت الشمس بدورها علم إبراهيم أن الإله أكبر من ظواهر الطبيعة التي تنتابها مظاهر الأفول والمحدودية والقصور لذلك أعلن براءته الفطرية من الشرك بكل شيء دون ذلك الإله الأكبر المتعالي المطلق.

إن رحلة إبراهيم في الوصول إلى الله قامت على حرية التفكير والتساؤل إلى آخر مدىً وكان يضع كل الفرضيات تحت مجهر الفحص والتدقيق باحثاً عن الحق، فالحق هو ما يثبته البرهان والمنهج العلمي، والباطل هو ما يبطله التساؤل والتفكير، وحين آمن إبراهيم بالله تعالى فإن إيمانه كان ثمرة اتباع المنهج العلمي فقد آمن بالإله الذي توافرت فيه كل صفات الكمال والتعالي والقدرة: "الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين"، ومحاججة إبراهيم لقومه كانت قائمةً على التفكير العقلي فبطلان عبادة الأصنام راجع لأسباب علمية إذ إنها تفتقد للشروط التي تؤهلها لتكون آلهة: "قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون".

 

المزيد من خواطري تجدونها في صفحتي على الفيسبوك:

https://www.facebook.com/ahmedaburtema

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

هل تجدي المقاومة السلمية في غزة؟

الجزء الثاني

 

أحمد أبورتيمة*

 

تمتاز المقاومة السلمية أيضاً بأنها متحررة من القيود المفروضة على المقاومة العسكرية، فالمقاومة السلمية لا تخضع لاتفاقات التهدئة مع الاحتلال، وهي أنشطة غير مركزية، فلا تملك إسرائيل ولا الوسيط المصري محاسبة فصيل معروف عليها، إذ إن أي تجمع شبابي قادر على أخذ زمام المبادرة والإبداع في هذا الميدان، وإذا كان إطلاق صاروخ واحد في فترات التهدئة كافياً لإعطاء دولة الاحتلال مبرراً لإغلاق المعابر وقصف القطاع، فإنها تجد صعوبةً أكثر في التعامل مع المقاومة السلمية التي لا تمثل أي جريمة أو مخالفة في الأعراف الإنسانية السائدة مهما كان السياق السياسي، ومن الصعب على إسرائيل أن تبرر إغلاق المعابر بمسيرات وأنشطة سلمية مهما كانت هذه الأنشطة مزعجةً لها، أما ما يشاع بأن المسيرات السلمية دعوة للموت المجاني فهي إشاعة تخدم ما يريده الاحتلال، لأن الهدف الحقيقي لإطلاق النار على هذه المسيرات وتعمد الاحتلال إسقاط جرحى كل مرة هو هزيمة الوعي الفلسطيني بأهمية هذه الوسائل السلمية وإجهاض الفكرة في مهدها قبل أن تقوى وتتطور بما يمثل تهديداً حقيقياً له، ولو لم تكن هذه الوسائل مزعجةً للاحتلال لتركها تقوى ولما عبئ بها.

لا يعني دفاعي عن المقاومة السلمية تبنياً كاملاً للمسيرات التي تجري كل جمعة شرق غزة، فلدي ملاحظات عليها تتمثل في عدم تأييد وصول الشباب إلى السياج الحدودي وتعريض أنفسهم للموت، لأن الهدف -في هذه المرحلة على الأقل- هو تقوية هذه الفعاليات وتحقيق أهداف إعلامية وجماهيرية، وحشد المشاركين المحليين والمتضامنين الدوليين مع هذه الأنشطة عبر خلق عنوان مستقطب لهم، وهي أهداف يمكن تحقيقها بالمحافظة على بعد مناسب عن السياج دون مخاطرة، لكن ملاحظاتي فنية تهدف إلى تطوير الأفكار، وهي تختلف عمن يعترض على المبدأ ذاته ولا يؤمن بجدوى أي شكل من أشكال المقاومة السلمية، ويدعو إلى الاكتفاء بالانتظار السلبي للمواجهات المسلحة القادمة..

إذا كانت دولة الاحتلال صاحبة التفوق العسكري بلا منازع والتي ترجح موازين القوى لصالحها لا تجد في كل ما تملكه من قدرات عسكرية وأمنية بديلاً عن النشاط الإعلامي والسياسي الذي تهدف من خلاله إلى منح نفسها مبررات أخلاقيةً وإلى حشد التأييد الدولي لأنها تعلم وهي في موقع القوة أن كل القدرات التي تملكها حتى لو كانت نوويةً لا تغني عن الحاجة إلى شرعية التأييد العالمي.. إذا كان هذا حال الفريق المتفوق عسكرياً فما بال قوم يظنون أن امتلاكنا أدوات عسكرية ستظل متواضعةً بميزان القوة المادية يغنيهم عن الحاجة لأدوات النضال الشعبي التي تحشد التضامن الإنساني وتعزز أخلاقيتنا؟

أقصى ما تحققه المقاومة العسكرية للفلسطينيين هو أنها تخلق توازن ردع مع الاحتلال، وتحقق مكاسب سياسيةً، لكن حين يكون الحديث عن معركة طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق أهدافنا الوطنية، فهذا لن يكون إلا بمنظومة متكاملة تشمل الجهود الشعبية والإعلامية والسياسية والاقتصادية، ونحن أحوج من دولة الاحتلال لكسب المعركة الإعلامية لصالحنا، وهو ما لا يتحقق عبر الصراع العسكري إنما عبر المحافظة على الطابع الشعبي لمقاومتنا ضد الاحتلال..

هناك تصور مبسط لمفهوم المقاومة السلمية يقوم على أنها مسيرات تقابل الصواريخ والرصاص الإسرائيلي بإلقاء الورود، وهذه الصورة المختزلة ساهمت في تزهيد الفلسطينيين فيها، لكن المقاومة السلمية أكبر من هذا التبسيط بكثير، فهي منظومة متكاملة ومتراكمة من الجهود الشعبية والاقتصادية والإعلامية والقانونية الإبداعية التي تهدف في محصلتها إلى تحشيد التضامن الإنساني العالمي مع قضيتنا والضغط على دولة الاحتلال وتعريتها أخلاقياً واستنزاف رصيدها السياسي والإعلامي، فكل جهد يصب في اتجاه استقطاب الدعم العالمي ومحاصرة الاحتلال بالأدوات المدنية يدخل في تعريف المقاومة السلمية، ومن أمثلتها حملة المقاطعة الدولية التي يشتكي منها قادة الاحتلال، حتى إن نتنياهو دعا وزراءه للبحث في سبل التصدي للمنظمات الناشطة في مجال المقاطعة.

الحديث عن العمل بصمت دون ضجيج التظاهرات والأنشطة السلمية طرح ساذج لا يدرك أن حقيقة المعركة بيننا وبين عدونا أنها معركة على الوعي، وأن مقياس نجاح أي وسيلة نضالية ليس في قدرتها على إراقة دماء أكثر، بل مدى قدرتها على خلق وعي ذاتي وعالمي مناصر لحقوقنا، وتشكيل الوعي لن يكون إلا بمنظومة مكثفة من الجهود الجماهيرية والإعلامية المتنوعة المحلية والدولية.. 

كاتب فلسطيني من غزة

abu-rtema@hotmail.com

 

 

هل تجدي المقاومة السلمية في غزة؟

الجزء الأول

أحمد أبورتيمة

 

قاد الأداء الجيد للمقاومة العسكرية في قطاع غزة  خاصةً حين يقارن بأحوال الضفة الغربية إلى خلق قناعة لدى تيار شعبي كبير بأن كل أشكال المقاومة الأخرى غير مجدية ولون من العبث والموت المجاني، ورأينا من ينظر إلى كل من يفكر في وسائل أخرى في مقاومة الاحتلال بنظرة استعلائية منطلقاً من اعتقاده بأن المقاومين الحقيقيين يعملون في صمت ولا يظهرون في الإعلام وأنهم منشغلون في هذه الأثناء بتطوير السلاح وحفر الأنفاق، وأن السيف أصدق أنباءً من الكتب وأن ألفي قذيفة من كلام لا تساوي قذيفةً من حديد..

الإيمان بجدوى المقاومة العسكرية وحدها وفقدان الثقة بالوسائل الأخرى دفع باتجاه عسكرة المجتمع، وتمثلت هذه العسكرة في توقف الإبداع النضالي المتعدد الهادف إلى مراكمة الإنجازات الوطنية والضغط على الاحتلال، وجمد الفكر في صندوق صغير يتمثل في التجهيزات العسكرية، كما أنه خلق حالةً من السلبية العامة في نفوس الجماهير، لأن العمل العسكري بطبيعته نخبوي لا يشترك في الإعداد والتنفيذ له سوى دوائر ضيقة ويحاط بالسرية والكتمان، وفلسفة المقاومة العسكرية تعني التواري عن الأنظار والاستعداد في الخفاء للجولة القادمة، والتواري عن الأنظار يبعد الجماهير عن التماس المباشر مع قضيتها، ويشغلها بقضاياها المعيشية وحين لا تكون حاضرةً أمامها أمثلة للاشتباك الدائم مع العدو فسيتراجع من دائرة وعيها الاهتمام الوطني،  وهو ما تحققه الوسائل الجماهيرية التي تتطلب إبرازاً دائماً للقضية في الإعلام واستقطاباً للتفاعل الوطني والعالمي بها..

من ناحية أخلاقية فإن غياب مشهد الاشتباك الجماهيري الدائم مع العدو وتراجع الاستحضار اليومي في الإعلام لصورة العدو المجرم القاتل يضر بنفسية المقاتل ذاته، فيبعده عن حقيقة المقاتل انطلاقاً من الهم المسيطر عليه برفع الظلم عن شعبه، ويقربه من صورة المقاتل المحترف لأجل القتال، وهذه الحقيقة النفسية تنبه إليها خالد بن الوليد رضي الله عنه حين أمسك المصحف وبكى وهو يقول: "شغلنا عنك الجهاد"، والمعنى المستبطن هو أن العسكرة تؤدي بالضرورة إلى تراجع الجوانب الإنسانية، وحين يكون الحديث عن قضية عادلة مثل قضية فلسطين فنحن لسنا معنيين بالمقاتل المحترف بل بالمقاتل الإنسان.

سيرد كثيرون سريعاً أنه لا ينقص المقاتلين تعبئة أخلاقية وأن كل عوامل الاستفزاز حاضرة أمامهم، لكن المشاهد التقليدية متمثلةً في الأخبار اليومية عن انتهاكات الاحتلال بحق الأقصى والأسرى وأخبار الشهداء تصبح روتينيةً مع الوقت، والذي يجدد نفسية المقاتل الإنسان ويحميه من خطر المقاتل المحترف هو وجود حالة متجددة من الاشتباك الجماهيري مع الاحتلال تعزز الشعور في نفسه بأنها معركة بين شعب متشبث بحقوقه وبين عدو يحمل مشروعاً استيطانياً إحلالياً..

هذا البعد الأخلاقي الذي تحققه المقاومة السلمية ضروري أيضاً لكسب معركتنا الإعلامية على مستوى العالم، ولاستقطاب مناصرين من شتى أنحاء العالم والذين سيمثلون بدورهم حالة ضغط سياسي على صناع القرار في بلدانهم، والاقتصار على المقاومة العسكرية وحدها يصور المواجهة بأنها بين جيشين متكافئين، وفي هذه الحالة حتى لو انتصرنا فسيكون انتصاراً عسكرياً منزوعاً من أبعاده الإنسانية الأخلاقية، وسيكون من حق إسرائيل استعمال أقصى ما لديها من ترسانة عسكرية للرد عليه، هذا عدا أن الانتصار العسكري وحده لا يعطي شرعيةً أخلاقيةً ما لم نكن مستندين إلى رواية قادرة على إقناع الناس بأننا أصحاب قضية أخلاقية وأننا نواجه عدواً خارجاً عن القانون، وترسيخ هذه الرواية لا يكون إلا عبر جهود تراكمية من وسائل المقاومة السلمية التي تستعمل الأدوات الإعلامية والشعبية والقانونية والاقتصادية في تشديد الحصار على عدونا وتسجيل نقاط لصالح قضيتنا..

المقاومة السلمية تتميز بأنها تخلق إيجابيةً أكثر في نفوس الشعب لأنها تقوم على مشاركة قطاعات واسعة من الناس في أنشطتها كما أنها تبقي القضية حاضرةً إعلامياً وتزعج الاحتلال وتنسف روايته حول مواجهة مجموعةً من المقاتلين، وإسرائيل تملك القدرة على مواجهتنا في الميدان العسكري فهو عنصر قوتها، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا مكابر، لكنها لا تملك القدرة على هزيمتنا في الميدان الأخلاقي كونها تقوم على رواية ضعيفة متهاوية بينما نستند نحن إلى أساس أخلاقي متين.

المقاومة السلمية هي التي تملك القدرة على ملء الأوقات المهدرة بين جولات التصعيد العسكرية، فعسكرة الصراع مع الاحتلال غيرت طبيعة المواجهة من كونها انتفاضةً يوميةً مستنزفةً لهدوء الاحتلال واستقراره وطاردةً للمهاجرين منه ومضطرةً له للبقاء في حالة استنفار أمني، ووضع سياسي واقتصادي غير طبيعي، غيرتها إلى موجات تصعيد قصيرة تعقبها فترات هدوء كبيرة بانتظار الموجة القادمة، وفي هذه الفترات يلتقط الاحتلال أنفاسه، ويستثمر الوقت في تمرير مخططاته الاستيطانية في القدس والضفة وفرض وقائع جديدة دون أن تملك المقاومة العسكرية أريحية الرد كونها تخضع في حركتها لحسابات كثيرة، كما يستفيد الاحتلال من فترات التهدئة في استقطاب الاستثمار وتنشيط السياحة واستئناف الحياة الطبيعية، لكن وجود برنامج دائم لأنشطة جماهيرية وإعلامية إبداعية بشكل متصاعد على غرار بلعين ونعلين هو الذي يحرم إسرائيل من فوائد فترات الهدوء العسكري وسيضطرها للانجرار إلى معركة الاستنزاف الطويل التي يتفوق الفلسطينيون فيها كونهم متجذرين في أرضهم ومتشبثين بحقوقهم ويستندون إلى دافع أخلاقي أقوى.

يتبع في الجزء الثاني....

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

مفهوم "التضحية" وتوظيفه في المكان الخطأ..

أحمد أبورتيمة

 

من بذور الأفكار الخطيرة المتسللة إلى وعينا الجمعي فكرة التضحية مؤشراً على صحة المسار، فكلما كانت هناك دماء وضحايا أكثر، منحنا ذلك شعوراً مطمئناً أننا نسير في الاتجاه الصحيح..

هذه الفكرة تخلط بين مفهومي الإخلاص والصواب، فتضحية إنسان في سبيل فكرة هو مؤشر فقط على قوة إيمانه بها، لكنها ليس ضماناً على صواب الفكرة بالضرورة فهناك ملايين من مختلف المذاهب تسابقوا إلى الموت دفاعاً عن مذاهبهم دون أن يعني هذا صحة أفكارهم، وحتى لو افترضنا صحة المبدأ فإنه قد يكون بالإمكان حين نفكر بعقولنا وننظر من زوايا أخرى أن ننصر مبادئنا بتكلفة أقل دمويةً تحقق ذات الأهداف، فما الحاجة حينئذ للتكلفة الأكبر وقد علمنا أن العبرة بجني العنب لا بمقاتلة الناطور!.

خطورة فكرة التضحية أنها تغلق أبواب مراجعة السلوك السياسي وتمنعنا من البحث في اختصار التكلفة وتخلق فجوةً بيننا وبين فهم الواقع بموضوعية، لأنه قد استقر في وعينا الباطن أن الذي يقدم دماءً أكثر فهو على الحق مهما طالت الطريق وعظمت التضحيات، فما الداعي إذاً للمراجعة وإعادة تقييم الوسائل، وما دام الآخرون الذين يتحدثون عن الواقعية السياسية لا يضحون مثلنا فليس لهم الحق في إسداء النصائح، وقد قال لي أحدهم إنه لا يؤمن بأهل الأقوال، إنما يؤمن بأهل الأفعال الذين يبيتون في الخنادق، قلت له: ألا يحتاج المجاهد في الخنادق إلى رؤية سياسية واضحة حتى يعلم إلى أين هو سائر وحتى يكون لجهاده معنىً، وما قيمة أن نقاتل دون وضوح المسار، وما جدوى البندقية دون سياسي؟؟

نجد أثر هذه الفكرة واضحاً اليوم في سوريا ومصر وعندنا في فلسطين، فنحن نعزي أنفسنا أن كل الخسائر والكوارث التي تصب فوق رءوس الشعب السوري تدخل في باب الابتلاء والتمحيص وتمايز الطيب عن الخبيث وكفى!! هذه الإجابة الجاهزة المختصرة لن تحل المشكلة وستسقط كثيراً من التفاصيل المهمة مما سيفقد الثورة أي مراجعات وقراءة لتقديرات الموقف بلغة عقلانية واقعية..

من حيث المبدأ من قال إن الله يشترط حتى ينصرنا أن تجري دماؤنا أنهاراً في الشوارع!.. هذه الفكرة تظهر الإله في صورة وحشية ينتظر القرابين البشرية حتى يرضى، ويظهر عمق هذه الثقافة فينا في المثل الذي نردده حول تقديم القرابين على مذبح الحرية "قرابين-مذبح!" ما كل هذا القدر من الدموية!..

نعم هناك مفاهيم دينية مثل الابتلاء والجهاد والقتال وشراء الله لأنفس المؤمنين، لكنها مفاهيم ينبغي أن توضع في موضعها الصحيح، فغاية هذه المفاهيم أن تمحص نفوس المؤمنين وتظهر مدى استعدادهم المبدئي للعطاء في سبيل الله، والله تعالى قد سن الابتلاء ليختبر صدق إيمان الناس، ولا يعني مفهوم الابتلاء أن من يظهر قدرات انتحاريةً أكثر ويقتحم مغامرات مجنونةً غير محسوبة فهو الأصدق إيماناً، فكثيراً ما يكون الضحايا تعبيراً عن أزمة تفكير وعجز عن الفهم الصحيح للواقع واستعصاء اجتماعي كما هو الحال في أوروبا حين قدمت عشرات الملايين من أبنائها ضحايا في الحربين العالميتين في مغامرات مجنونة لم يكن لها أي معنى..

إن المؤمن الذي يبيع نفسه لله فهو إنما يعلن بذلك أنه مستعد لدفع أي ثمن في سبيل الله إذا اقتضت الضرورة، ولا يعني أن الموت صار ترفاً مقصوداً لذاته، فحتى لو كان الموت سيؤدي بنا إلى الجنة فهو ليس مطلوباً لذاته، لأن الله خلقنا لأداء رسالة لا لنسعى للتخلص من الحياة بأي ثمن، وحين تضيق الدنيا في وجوه المؤمنين وتسد الأبواب ولا يجدون بديلاً عن بذل أرواحهم في سبيل التمكين لمبادئهم تظهر قيمة الشهادة، لكن ما دام الأمر يحتمل خروجاً من الصندوق، وبحثاً في الأفكار الممكنة، وإبصار مخارج سياسية تخفض تكلفة الانتصار، فالأولى التوجه نحو الحلول السياسية وفق إمكانات الواقع، وقد امتن الله على المؤمنين بتجنيبهم المواجهة العسكرية إذ لم يكن القتال يوماً هدفاً في ذاته: "وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيراً" ..

لا يأمر الله تعالى المؤمنين أن يبيعوا أروحهم في فراغ، وإسقاط هذه المعاني لا يكون إلا بفقه الواقع و القراءة السياسية، ومعرفة إن كان هذا البذل سيحقق أهدافه أم أنه موت وحسب..لا يكفي أن نموت لنذهب إلى الجنة بل يجب مراعاة جدوى العمل والعائد من ورائه والتقديرات السياسية.. إن قيم الشهادة والجهاد تتطلب إسقاطاً على واقع صحيح تتحقق فيه الشروط التي تجعله عملاً مثمراً لا عبثياً دموياً وحسب..

من الضروري أن نفصل بين المبادئ الروحية القرآنية وبين أخطاء البشر وأفكارهم المميتة، فنحن لا نناقش في معاني الشهادة والجهاد والابتلاء، إنما ندرس السلوك السياسي البشري، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يخوض مغامرات عسكريةً دون فهم السياق السياسي، ولو كان الأمر تضحيةً وحسب لتصلب على موقفه ولما قبل بتسوية سياسية مع قريش تمثلت في عقد صلح الحديبية، ولما قال عليه السلام: "والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها".

ما يحكم إن كان البذل في موقعه الصحيح أم أنه عبثية ناتجة عن جمود فكري وقصور سياسي هو أن نسأل أنفسنا هذا السؤال في كل مرة: هل كان بالإمكان تجنب هذه المعركة وتحقيق ذات الأهداف بخسائر أقل، أم أنه لم يكن بالإمكان أحسن مما كان.. هل ما يحدث اليوم في البلاد العربية تضحيات في مكانها الصحيح أم أنها دماء بلا معنى.. وهل من أفق سياسي نراه أمامنا؟...

إن من الخطر الشديد أن نبني تصورنا الحضاري على فكرة الدماء والأشلاء بل إن هذا هو الجنون بعينه..

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

نقطة البدء..من الواقع أم التراث؟؟..

أحمد أبورتيمة

المدخل الصحيح لرؤية حضارية لأمتنا ليس العودة إلى التراث بل قراءة الواقع قراءةً دقيقةً وتحليل كل مكوناته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحضارية، لكن هذا لا يكفي فنحن لا نفهم الواقع المعاصر لننصهر فيه إذاً ماذا أضفنا إلى الحياة؟؟ بل نقرأ الواقع لنستوعبه ونفهمه ثم نتجاوزه نحو الأفضل دون أن نصير جزءً من العلاقات المختلة القائمة فيه..

هناك كليات ومبادئ عامة في الدين مثل العدل والرحمة والشورى وإصلاح الأرض وعمارتها، هذه مبادئ عامة وليست صيغاً تطبيقيةً، فنحن نفهم طبيعة العلاقات الدولية ثم ننزل مبدأ العدل القرآني ونفهم كيف يمكن أن نطبقه بأكبر كمية ممكنة في ظل العلاقات الدولية والمعادلة الاجتماعية والسياسية المعاصرة ونبني صيغةً عمليةً، أما التطبيقات السياسية زمن النبي عليه الصلاة والسلام فهي لا تزال مصدر تشريع لنا، لكن قبل أن نطبقها في واقعنا فإن علينا أن نحررها من خصوصية ظروف الزمان الذي كانت فيه ونستنبط منها المعاني المجردة التي لا ينال منها اختلاف الظروف التاريخية والثقافية، ونستلهم الروح الكامنة فيها، فمثلاً حين نقرأ في سيرة النبي رسالته إلى هرقل عظيم الروم، فهذا لا يعني أن نرسل ذات الرسالة بحرفيتها إلى أوباما عظيم أمريكا! فمن يحكم أمريكا اليوم ليس شخص أوباما بل منظومة معقدة من الشركات والمؤسسات، و المعنى المستفاد هو أن نفهم الظروف السياسية والأعراف الدبلوماسية في العلاقات بين الدول وأن نتواصل مع الشعوب من العناوين الصحيحة.

وهذا المعيار ينطبق حتى على تعاملنا مع القرآن الكريم، فمثلاً هناك عشرات الآيات التي تتناول القتال في القرآن لكن هذا لا يعني-حسب فهمي- أن ننزل هذه الآيات على واقعنا ونحن مغمضو الأعين دون أن نفهم اختلاف المتغيرات، والنظرة إلى القتال في هذا الزمان والشروط السياسية المستقرة في الأعراف الدولية لممارسته، بل نقرأ الواقع فإن كانت الظروف السياسية ألغت مركزية القتال في العلاقات الدولية، فهذا لا يعني أن آيات القتال فقدت صلاحيتها التاريخية إنما تبقى الروح والمعنى المجرد فيها، فالقتال ترميز للاشتباك بين الناس والذهاب إلى الحد الأقصى من المواجهة في سبيل ما تؤمن به، والتحرر من عقدة الخوف من الموت، ولم تكن غاية القتال يوماً سفك الدماء أو الإفناء المادي لأشخاص المحاربين، والمعنى الحرفي للقتال هو الحالة القصوى التي تبلغها هذه المعاني، لكن إذا كانت الظروف السياسية وتطور الفكر الاجتماعي للبشر قد غيب الشكل التقليدي للقتال، فإن معنى آيات القتال في مجتمع سلمي تتحقق بألا نداهن في سبيل مبادئنا وأن نواصل النضال السلمي في سبيلها وأن نتحلى بالشجاعة في سبيل الحق، وهي معان روحية مجردة تصلح في أي زمان وأي ظروف.

لقد غير العالم اليوم أدواته لكن الحقائق النفسية للبشر لم تتغير، فنزعة العلو والهيمنة التي كان الأقدمون يعبرون عنها بالغزو العسكري لا تزال حاضرةً تعبر عنها أمريكا بأدوات اقتصادية وسياسية و استخبارية مع بقاء روح الهيمنة والعلو في الأرض، في ضوء هذا الواقع فالمسلمون وهم أصحاب رسالة حضارية مطالبون بأن يغيروا وسائلهم أيضاً مع بقاء الأهداف العليا للدين المتمثلة في أن يقوم الناس بالقسط وألا يتخذ البشر بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، وهذا هو الفرق بين المشروع القرآني والمشروع الامبراطوري فنحن نغير وسائلنا في سبيل تحقيق الأهداف الإنسانية العليا للقرآن وهي الرحمة للعالمين والعدل والقسط، وحين نمتلك كياناً سياسياً قوياً فهذا لا يعني أن نستبدل هيمنةً بهيمنة، وأن نطرد أمريكا من مجلس الأمن لتحل دولة المسلمين محلها وأن نمتلك حق الفيتو مثلهم لنعاكس إرادة الشعوب بهذا الحق الباطل! بل إن مهمتنا الحضارية هي تغيير هذه المعادلة، والتأسيس لمبدأ جديد في الأمم المتحدة يحقق الأهداف الكلية للقرآن بإقامة العدل في الأرض ومحاربة الإفساد فنطالب بألا تتدخل الدول القوية في شئون الدول الضعيفة، وأن تكون هناك صيغة إلزامية تجبر المجتمع الدولي على التدخل العسكري في الدول التي يحدث فيها انتهاك لحقوق الإنسان كما هو الحال في سوريا اليوم التي عجزت المعادلة الدولية الراهنة عن وقف الفظائع المرتكبة فيها بسبب خضوع السياسة الدولية لمنطق المصالح لا لمنطق العدل، وهنا تكون إضافتنا بأن نطالب بإلغاء امتيازات الدول الكبرى في مجلس الأمن وتعزيز دور الأمم المتحدة التي يكون فيها حق التصويت متساوياً لكل الدول دون استحواذ من الدول الكبرى..

المدخل الصحيح لمشروعنا الحضاري هو فهم العالم المعاصر وتحليل مكوناته ثم بعد ذلك تقديم إضافتنا الأخلاقية الروحية وتطبيق كليات الدين على هذا الواقع، لا أن تكون إضافتنا استنساخ تطبيقات تاريخيةً دون وعي بالزمان ولا بالمكان..

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

داعش تخرج أسوأ ما فينا

أحمد أبورتيمة

 

النبي محمد صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، وهو الذي قال عن يوسف عليه السلام: رحم الله أخي يوسف لو كنت مكانة لأجبت الداعي، وفي صلح الحديبية حين اشترط سهيل بن عمرو شطب بسم الله الرحمن الرحيم ووضع باسمك اللهم وشطب محمد رسول الله ووضع محمد بن عبد الله لم يتصلب النبي عند رأيه إنما أبدى مرونةً سياسيةً من أجل إتمام الصلح، وتظهر ميول النبي السلامية في قوله: "يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ أَكَلَتْهُمْ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ"، وفي غزوة الأحزاب هم النبي بمصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا عن قتال المسلمين لكن الأنصار هم الذين رفضوا هذا الاتفاق فأجابهم النبي لأنهم أصحاب المدينة وثمارها..

ماذا لو كان أحدنا مكان النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المواقف، ماذا كان سيفعل؟؟

ربما كان سيقول إن ما فعله يوسف هو البطولة، فلنمت بكرامتنا في السجن ولا نتنازل مهما كان هذا التنازل شكلياً، وربما كان سيقول: كيف يشترط هؤلاء الكفار أن نشطب "بسم الله الرحمن الرحيم" ونضع صيغةً يوافقوننا عليها، الأمر يتعلق بعقيدتنا وهي خط أحمر، هذه ثوابت لا يمكن المساس بها، لن نقبل الدنية، ولن نوقع معهم اتفاقاً ولتبقى الحرب بيننا وبينهم ولنقدم الشهداء والتضحيات فهذه مسألة كرامة ومبدأ! وربما كان سيفعل مثلما فعل الأنصار في مسألة ثمار المدينة وقال إنهم لن يروا منى إلا ما يسوءهم وسنقاتلهم حتى آخر رجل فينا..

إن الثقافة العربية لا تشجع حديث الواقعية السياسية، وتعطي كلمات مثل الكرامة والمبادئ والبطولة أولويةً على لغة المصالح والمرونة والالتقاء في منتصف الطريق، ومهما كلفتنا هذه الكلمات من دماء وحروب فإنه يعز على النفس العربية القبلية أن يقال إنها قبلت الدنية وكسرت كلمتها، وترى أن تقديم مئات آلاف القتلى وإدامة الحروب لأربعين سنةً أهون من أن يكسر كبرياؤها..

على خلاف هذه الثقافة العنترية فإننا نرى في شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم الرفق واليسر والواقعية السياسية والالتفاف عن العوائق بدل الاصطدام بها فهو لم يكن هاوياً للخطابات العنترية الفارغة التي تكلف الناس الخسائر الباهظة بدعوى الكرامة والثبات على المبدأ وعدم المساومة ويظل أصحابها على تصلبهم يرفضون إبداء أي مرونة مهما تعاضدت الوقائع على استعصاء المسار وكلفة الثمن ويغمضون أعينهم عن قراءة الواقع وفهم موازين قواه ويفضلون الاصطدام بالجدار حتى تتفتت رءوسهم فضلاً عن أن يتراجعوا قليلاً ويبحثوا عن طريق أقل كلفة..

هذه الثقافة المستشرية فينا ليست من الدين في شيء حتى وإن مارسناها مع من نعتبرهم أعداءً وطواغيت وظلمةً وكفاراً بل هي جهل وعناد وكبر ما نحن ببالغيه، فالعاقل لا يهمه أن يقال عنه شجاع لا يتنازل عن كلمته، ولا يعاند الواقع بل يتفهم الواقع بموضوعية وهدوء ويراجع مساره..

حين تسير في طريق ثم تكتشف أنه ينتهي بجدار صلب فإن الإصرار على الاصطدام بهذا الجدار لا يكون سوى غباء ومقتضى العقل أن يفكر الإنسان ويتراجع ويقبل بحلول وسط حتى يقلل الخسائر قدر المستطاع..

لقد أنتجت لنا هذه الثقافة ظاهرة داعش التي لا تؤمن بأي منطق سياسي ولا تلتفت للواقع لتحلل مكوناته، كل ما تؤمن به هو القتال حتى النهاية وإشعال كل الجبهات، واستعداء الجميع حتى لو انتهى الأمر إلى الانتحار والدمار الشامل ولم يبق حجر على حجر، وداعش ليست سوى التجلي النموذجي لثقافة مريضة عبئت بها نفوسنا، فهي ليست جماعةً معزولةً عن الوسط الثقافي المشبع بفكر البطولة والمفاصلة والثنائية الحادة، بل هي تعبر عن أسوأ ما في ثقافتنا العربية القبلية..  

لقد جربنا هذه الثقافة البطولية العنترية فلم نجن منها سوى الاصطدام بالحائط والفشل والانتحار، وبتنا في أمس الحاجة لتعزيز ثقافة التسامح والواقعية السياسية حتى لا نحمل أمتنا وشعوبنا المزيد من النتائج الكارثية بحجة أننا على الحق وأنهم على الباطل..

abu-rtema@hotmail.com

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

11-1

 

مأساة اليرموك

وضرورة التفكير خارج الإطار

 

أحمد أبورتيمة *

كلما رأيت الأحوال المروعة للاجئين الفلسطينيين في سوريا تذكرت مشهد سورة البقرة عن الذين خرجوا وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم...

 لا أدري على وجه الدقة ما هو الرابط بين القصتين لكن ربما هو أن الخوف من الموت والإحجام عن مواجهته لن ينجي الأمم منه بل سيلحقهم الموت ولو كانوا في مضاجعهم...

اللاجئون الفلسطينيون في سوريا منذ أكثر من عامين يذوقون مختلف أصناف الموت تارةً بالرصاص، وتارةً بالتشرد في مصر، وتارةً بالغرق في البحر في طريق الفرار إلى أوروبا، وأخيراً هم الآن يموتون جوعاً في مخيم اليرموك كما لم يحدث منذ تهجيرهم قبل خمسة وستين عاماً...

هل كان اللاجئون مجبرين على كل هذا؟؟ ألم يكن هناك خيار أقل قسوةً كان يمكن أن يلجئوا إليه فيختصروا هذه المآسي؟؟

ماذا لو توجه اللاجئون منذ البداية إلى حدود فلسطين على الجولان واعتصموا مطالبين بالعودة إلى ديارهم التي أخرجوا منها عام ١٩٤٨ بدل أن ينتقلوا من لجوء إلى لجوء؟؟؟

 إن كانت الحالة الراهنة لا تحتمل الحديث بمنطق المكاسب فدعونا نتحدث بمنطق الخسائر الأقل والخسائر الأكثر..

هل كانت إسرائيل ستتعامل معهم بأقسى مما يتعامل معهم النظام السوري والنظام المصري؟؟

 حتى لو لم ينجح تجمعهم في حل المشكلة جذرياً كما يسارع المحبطون المثبطون إلى القول كانوا على الأقل سيعيدون قضيتهم إلى مربعها الأول ويذكرون العالم بأن مشكلتهم هي أنهم هجروا من ديارهم وأن الحل هو في العودة إلى الوطن لا في إتباع اللجوء بلجوء آخر..

كانوا على الأقل سيحدثون ضغطاً سياسياً على الكيان ومن ورائه أمريكا..

كانوا على الأقل سيلقون بالكرة المشتعلة في العواصم العربية في ملعب الكيان ليصيبه شيء من اللهيب بدل أن يظل المكان الوحيد الآمن وسط غابة مشتعلة..

من غير المعقول أن إسرائيل باتت الدولة الأكثر أمناً رغم أنها محاطة بالأعداء من كل جانب!

حتى لو لم يأت اعتصام اللاجئين الفلسطينيين على حدود وطنهم المحتل بفائدة فإنهم لن يخسروا شيئاً وسيقتصدون كثيراً من الموت والذل الذي يتجرعونه الآن..

لماذا نزهد في الحلول القريبة المباشرة ونضيع تيهاً في الأرض كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول..

كل ما ينقصنا يا قوم خطوة إقدام وتفكير خارج الإطار..

مشكلتنا قبل أن تكون سياسيةً هي مشكلة في طريقة التفكير وفي غياب ثقافة المبادرة والإقدام!!

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

*لاجئ فلسطيني من غزة

 

 

إقامة العدل قبل إقامة الحدود...

أحمد أبورتيمة

الظن بأن تطبيق الشريعة هو إقامة الحدود من رجم وجلد وقطع الأيدي وحسب هو اختزال مخل لمفهوم الشريعة وهو فتنة للناس.. 

فالحدود هي السياج الأخير الذي يحمي بناء الشريعة فهل أقمنا البناء أولاً حتى نقيم السياج حوله!!

قبل أن نقطع يد السارق الصغير مطالبون بأن نكبل يد السارق الكبير عبر محاربة تكديس الثروات بأيدي أثرياء المجتمع حتى لا يكون المال دولةً بين الأغنياء منا و قبل أن نقيم الحدود لا بد من إطار من العدالة وضمانات بأن يكون الناس سواسيةً أمام القانون لا محاباة لابن وزير أو ابن رئيس ونحقق فصل السلطات حتى يضمن الناس نزاهة تطبيق القانون ونحقق الحرية السياسية والإعلامية حتى نرفع الإكراه عن الناس فلا يقولون شيئاً أو يفعلونه تحت سلطة الإجبار..

وقبل أن نجلد الزاني علينا أن نقيم نظاماً اجتماعياً ينشر العفة ويضيق أبواب الفتنة عبر نشر ثقافة التيسير بين الناس فيصير بإمكان أي شاب أن يتزوج بسهولة وإقامة إعلام منافس يعزز قيم الفضيلة بدل الإعلام الذي يحض الناس حضاً على الفاحشة ثم حين يشعر الناس بالعدل والأمن والاكتفاء ويتيسر لهم الحلال تكون البيئة مهيئةً لإقامة الحدود ولن يكون في إقامتها فتنة للناس..

هذه المقدمات التي نتحدث عنها قبل إقامة الحدود هي أيضاً جزء من الشريعة فالشريعة لا تعني الحدود وحسب إنما الشريعة في معناها الواسع هي العدل فحيثما كان العدل كان شرع الله ومهمة الأنبياء هي إقامة القسط بين الناس: "ليقوم الناس بالقسط"، ويوسف عليه السلام دخل الحكم بمشروع اقتصادي فكان برنامجه هو حل مشكلة المجاعة وتوزيع الطعام بين الناس بالعدل..

والله أعلم

abu-rtema@hotmail.com

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

ثلاث آيات

 من سورة آل عمران...

أحمد أبورتيمة

 

ثلاث آيات متتاليات في سورة آل عمران استرعت انتباهي يمكن أن نفهم في ضوئها قانوناً تاريخياً عاماً:

" ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون*  ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون*  وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين* "

كيف لبشر أن يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله بهذا الشكل الفج الصارخ!!

إن صاحب الرسالة رجل متنكر لذاته قد سيطر على قلبه هم الرسالة وتبليغها للناس فهو غافل عن أي أمجاد شخصية ولا يسعى لمكانة بين الناس ولا يريد منها جزاءً ولا شكوراً.. لقد تفانى عن شخصه لأن الروح التي قذفت في قلبه اختلطت بدمه ولحمه فعاش حياته للمبدأ المجرد المتعالي عن الشخصنة والمكانة الدنيوية.. إن المعنى الحقيقي لتوحيد الله هو التجرد من كل حظوظ النفس والتركيز في وجهة واحدة والتفاني فيها والغفلة عما سواها.. وهذا المعنى ليس خاصاً بالأنبياء وحدهم بل يسري على كل أصحاب الرسالات الذين يأمرون الناس بالقسط..

أما الانحراف فإن مبدأه حين يكون الخلط بين الدعوة المجردة وبين الأشخاص الذين يحملونها فيظنون أن حملهم للدعوة المقدسة يمنح قداسةً لأشخاصهم ووسائلهم فتصير قداسة الدعوة ساريةً على أصحابها وأفكارهم واجتهاداتهم في إيصال هذه الدعوة فيصير القائد مقدساً ومن ينتقده ينظر إليه بأنه ينتقد الدين ذاته وتصير الجماعة التي أنشئت لحمل هذه الدعوة بدورها مقدسةً فأعداء الجماعة هم أعداء الدين بالضرورة والعمل في سبيل الجماعة هو معادل موضوعي للعمل في سبيل الله والاستجابة لأوامر الجماعة هي استجابة لله وللرسول..

خطورة هذا الخلط أن كثيرين يقعون فيه وهم لا يشعرون أن استبدال مركزية الجماعة بمركزية الدعوة المجردة مهما كانت الجماعة قريبةً من مبادئ الدعوة المجردة يفقدهم البوصلة ويحول الوسيلة التي أريد بها بلوغ الغاية إلى غاية في ذاتها، والجماعة مهما جاهدت واجتهدت فإنها لن تصل إلى حالة التطابق الكامل مع الدعوة المجردة فلن تكون معادلاً موضوعياً دقيقاً للدعوة الإلهية الخالصة، وتطاول العهد وطول الأمد يزيد الفتق بين الجماعة والدعوة المجردة ولا يرتقه لدخول عوامل الهوى والفتور وضعف الروح، لذلك فإن الضامن للوقاية من الانحراف هو إبقاء التركيز على الدعوة المجردة وإضعاف مركزية التنظيم والإبقاء عليه في حدود الوسيلة المرنة القابلة للمراجعة والتبديل والتطوير وعدم إضفاء قداسة عليه تدخله في حالة الصنمية، حالة: " كونوا عباداً للتنظيم من دون الله"...

إن هذه التعبيرات صادمة ولا شك وسيسارع كثيرون للاعتراض؛ هل نحن كفار؟؟ لا أحد يقول للناس كونوا عباداً للتنظيم من دون الله؟؟ لكن الرجوع إلى أصول المعاني القرآنية كاف لتهدئة انفعالاتنا وللتحلي بالمنهج العلمي، فالقرآن حين وصف أهل الكتاب بأنهم " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله" فإنهم لم يكونوا يركعون ويسجدون للأحبار والرهبان، كل ما في الأمر أنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فالطاعة العمياء دون تبصر هي شكل من أشكال عبادة غير الله لأن الطاعة المطلقة شأن يختص الله به وحده دون عباده، ثم إن المعاني القرآنية عموماً هي معان كمية لا حدية أي أنها تبدأ ببذرة تنمو وتزيد لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يستغفر الله أن يشرك به شيئاً لا يعلمه، ولا أحد يتصور أن يكون الشكل الصارخ المباشر للشرك موجود في حياة النبي معاذ الله بل ولا في حياة من هو أدنى منه إيماناً إنما كان النبي يستعيذ من البذور الخفية التي إن لم يجاهدها صاحبها فإنها تزيد، وبهذا الفهم نتعامل مع المصطلحات القرآنية عموماً فليس بالضرورة أن يطلب الدعاة من الناس بشكل صارخ أن يتخذوهم أرباباً من دون الله فهذه لا يقولها حتى طغاة الأرض ومستكبروها، والقرآن لا يثير قضايا نظريةً لا يلمسها الناس في حياتهم بل يهتم بمعالجة الأمراض النفسية والاجتماعية والتاريخية المعايشة للبشر، وبذرة "كونوا عباداً لي من دون الله" موجودة في نفوسنا تتطلب مجاهدةً شاقةً فهي تبدأ أن يمنح صاحب الرسالة لنفسه خصائص إلهيةً فيجعل شخصه أو تنظيمه مطابقاً للدعوة الإلهية ويسعى لإعلاء اسمه الخاص أو إعلاء اسم تنظيمه وزيادة رصيد سمعته ومحوريته في حياة الناس ويستجلب طاعة الناس له وكل هذا سيؤدي بالضرورة إلى تراجع التركيز على الغاية المجردة لأنه ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه،

منهج الأنبياء الذي تبينه الآيات هو الغفلة عن الذات الفردية والتنظيمية والاستغراق في الغاية العليا: " ولكن كونوا ربانيين" فالنبي في هذه الآيات ليس له أي حظوظ ولا يسعى لأي مكاسب خاصة به أو بقبيلته فهو مجرد وسيلة لتعريف الناس بربهم، وانتصار الحق والعدل هو انتصار شخصي له، وليس العكس أن يكون انتصار شخصه انتصاراً للحق والعدل فهذه هي الربوبية من دون الله..

في الآية الثانية: "ولا يأمركم أن تتخذوا النبيين والملائكة أرباباً".. لماذا النبيين والملائكة تحديداً؟؟ إن الناس لا تقدس الأفراد العاديين ولا تقدس القادة المجرمين فالخطر الخفي هو في تقديس الرجال الصالحين والقادة الأبطال فهؤلاء على حق وقاموا بأفعال يمجدها الناس ويذكرونها بخير لكن الخطورة هي في توقف حالة التجدد الروحي والفكري عند الأمم وتحول إعجابها بالبطولة والتضحية إلى حالة الصنمية واتخاذ الأبطال أرباباً، ففلسفة الحياة هي الحركة الدائبة والتجدد الدائم سعياً إلى الله، وفي أي مرحلة يبدع فيها الأبطال والصالحون ويصنعون الأمجاد بإنجازاتهم التاريخية فإن ابتلاء الله للناس حينها يكون بتجاوز هذه الحالة إلى ما بعدها ومواصلة التقدم لأنهم لم يصلوا بعد إلى الله الذي إليه المنتهى: " يا أيها الذين آمنوا آمنوا"، أما العكوف على ما بلغوه من إنجازات والاكتفاء بإنجازات الأبطال والمصلحين والركون إليها والتغني بها بدل العمل وتقديسها فهذا يعني أن هؤلاء الأبطال أو المصلحين وأفعالهم وأفكارهم صارت هي المنتهى أي أننا اتخذناهم أرباباً من دون الله..

إن الملائكة والنبيين فتنة لأتباعهم لأنهم مرسلون من الله فيميل الناس إلى منحهم القداسة لكن القرآن يطالبنا بيقظة روحية وفكرية دائمة حتى نستطيع التفريق بين الوسيلة والمنتهى، فالملائكة والنبيون هم وسائل للتواصل مع الغاية وكونهم وسائل فهذا يعني ألا نقدسهم لذواتهم بل نحبهم بما تفضل الله به عليهم والفرق دقيق بين المحبة والتقديس، وما ينطبق على النبيين والملائكة الذين يمثلون حالة الطهر والنقاء الكامل ينطبق أيضاً من باب أولى على أي داعية أو مجدد أو مفكر أو قائد أو جماعة مهما عظم عطاؤهم فنحن نحبهم لكن علينا أن نتجاوزهم وألا نستغرق في العكوف على إنجازاتهم حتى ننسى استحقاقات العمل والمواصلة...

إن طول الأمد بالقائد أو الجماعة يدفع شعوراً إلى التسلل إلى نفوسنا وهو المطابقة وإلغاء الفرق بين الوسيلة والغاية فننسى الأهداف الروحية الكبرى ونجعل من رعاية التنظيم وحمايته وتسمينه هدفاً قائماً لذاته، لكن مراد الله من التاريخ هو الحركة الدائمة وليس السكون والاستقرار على أوضاع معينة فكيف نضمن استمرار ديناميكية الحركة الحضارية ولا ندخل في حالة الصنمية والجمود الفكري، إن هناك مؤشراً دقيقاً على مدى اليقظة الروحية وهو التحرر من مركزية الأنا الفردية أو التنظيمية، فإذا كنا نقول إن المصلحة الشخصية أو التنظيمية ليست هي الهدف، فإن أمارة صدق قولنا ألا نجد حرجاً في التعاون مع أي صيغة أخرى خارج حدود التنظيم ما دامت تحقق ذات الأهداف، وألا نجد حرجاً في تجاوز الصيغة التنظيمية الحالية حين يتبين لنا أن هناك وسائل أكثر فاعليةً، وأن نتحرر من شعور الكبرياء والحسد تجاه الأفكار الجديدة التي تتجاوز أطرنا التنظيمية لكنها تخدم ذات الهدف، فإذا كان الهدف مثلاً تحرير الوطن فإن تصديق ذلك أن نتعاون مع أي جهد يخدم الوطن من أي مصدر كان، وإذا كان الهدف هو الوطن لا التنظيم فإن أبناء التنظيم لن يترددوا لحظةً واحدةً في تجاوز قالبهم التنظيمي حين تتبين لهم صيغ أكثر كفاءةً في تحقيق الأهداف، وهذا المؤشر نفهمه من الآية الثالثة: "وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه"، فالنبي لا يسعى لبناء مجد شخصي ولا يهمه علو اسمه، كل ما يهمه روح الدعوة لذلك فإنه لن يشعر بحرج إذا تجاوز التاريخ شريعته وجاءت رسالة جديدة مصدقة لما معه، فسيسارع إلى الإيمان بها ونصرتها، وهذا ما سيفعله أي صاحب رسالة صادق فهو لن يصاب بمرض بني إسرائيل الذين كذبوا رسالة محمد حسداً من عند أنفسهم لأنهم كانوا ينتظرون أن يأتي النبي منهم، إنما سيكون صاحب الرسالة الصادق مهتماً بروح الرسالة وحسب، ولن يضخم من مركزية تنظيم أو جماعة بل سيكون على استعداد دائم للتجديد والمرونة وتجاوز الصيغ الحالية إلى صيغ أكثر فاعليةً وحيويةً

إن دينامية الأفكار وقدرتنا على التجدد الدائم لإيجاد صيغ جديدة أكثر فاعليةً وأكثر استشعاراً لتطورات الواقع هو مؤشر تحررنا من مركزية الأنا ومن تقديس الأشخاص والتنظيمات ودخولنا مرحلة الروح حيث الإيمان المتجدد لا الراكد..

والله أعلم

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gifabu-rtema@hotmail.com

 

 

 

 مقالات سابقة

هل جعل الإسلام  حدوداً لحرية التفكير؟؟

الجزء الثالث

أحمد أبورتيمة

 

حين يقال إن الفلسفة تقود إلى الإلحاد وإن الفكر يؤدي بصاحبه إلى الكفر وإن كثرة العلم تسبب الجنون فهذه دعوة صريحة لإغلاق العقول ولتقديس الجهل، هل حقاً يمكن أن يؤدي الفكر في مرحلة من مراحله إلى الكفر، وكيف يدعونا الله في مئات الآيات إلى التفكر والتدبر والتعقل، وكيف يعتمد منهج البرهان والمحاورة العقلية طريقاً لإقناع عباده بالدين وهي ذاتها التي قد تقود إلى الكفر به، أو يعقل أن ذات الطريق التي تقود إلى هدف قد تقود إلى نقيضه؟؟ ما لكم كيف تحكمون؟؟

إن العقل والفكر لا يمكن أن يضل بالإنسان في أي مرحلة، فالعقل هو الطريق المقدس الذي يقودنا إلى الحق، وكل محاججة القرآن قوامها العقل، ومشكلة الذين لا يؤمنون تتلخص في أنهم لا يعقلون: "وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون".. إذاً كيف نفهم أن بعض الفلاسفة والمفكرين انتهى بهم الحال إلى الكفر والزندقة؟؟

إن ما يدفع الإنسان إلى الكفر والزندقة هو هوىً خفي في نفسه وليس طريق العلم والفكر، فلنحذر ولنحسن التفريق بينهما، فطريق العلم هي طريق الهدى أما طريق الكفر والإلحاد فهي طريق الهوى والظن المتناقضة مع أسس التفكير الصحيح: "إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى".. الذين يضلون على علم فإنما يحدث لهم ذلك لأنهم لم يعودوا متجردين لطلب الحق وليس لأن تساؤلات فكريةً قادتهم إلى الضلال: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم.."

إذا تأملنا دائرة المحرمات في الدين فإننا نجد أنها تتناول ميداناً مناقضاً لطريق العلم، وهو ميدان المخالفات الأخلاقية، ولا علاقة له من قريب أو بعيد برغبة الإنسان الفطرية في التفكير والتساؤل: "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ".. لو تأملنا هذه الأصناف المجملة لمفهوم الحرام لوجدنا أنها جميعاً تتعلق بمخالفات للفطرة الإنسانية السوية، فهي محرمة في كافة الشرائع والنحل، وليست تابو يوضع على حركة العقل: الفواحش، والإثم والبغي، والكذب، كلها أمور تشمئز منها أي فطرة سوية، كيف يمكن لتحريم الفاحشة أو لتحريم ظلم الناس أن يكون قيداً على حرية التفكير؟؟ العكس هو الصحيح ففي المحرمين الرابع والخامس نجد أن المشكلة هي في مخالفة منهج العلم: الإشراك بالله ما لم ينزل به سلطاناً يعني مجانبة طريق العلم القائم على سلطان البرهان، وأن يقول الإنسان على الله ما لا يعلم هو أيضاً مجانبة لطريق العلم التي تطالبه بألا يأتي بدعوى إلا وعليها دليل يقيني..

إن تحريم الفواحش والإثم والبغي والقول بغير علم هو عامل إضافي يطلق حرية الإنسان الفكرية على نقيض ما يزعم القائلون بتقييد حرية الفكر، لأن تجنب هذه المخالفات الأخلاقية هو الذي ينقي قلب الإنسان ويجعله مهيئاً للتفكر واختراق الآفاق، من يفعل الفواحش مثلاً يكون قلبه مشتتاً عاجزاً عن الصفاء والتركيز فأنى لهذا أن يكون حراً في تفكيره وقد امتلأ عقله بالخيالات المريضة والتصورات الفاسدة!، بينما من صفا قلبه وخلا عقله من المشاغل فهو الذي ينطلق في الآفاق ويتذوق متعة التفكر والعلم..

لم يحدث في القرآن الكريم أن الله تعالى زجر أحداً على تساؤله مهما كان هذا التساؤل فقد سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، ومن قبل تساءل عن الكوكب والقمر والشمس في رحلة البحث عن الله والقرآن يخلد هذه التجربة الإبراهيمية لتكون مثلاً لنا حتى نبني إيماننا على اليقين الذي يأتي بعد التساؤل الحر وليس ذلك التسليم الأعمى: " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه"!! وأسئلة إبراهيم عليه السلام تمثل ذروة ما يمكن أن يخطر في بال الإنسان وأن يصل تفكيره مما يدلل على أن الإيمان يبنى على حرية فكرية كاملة لا على تقليد واتباع أعمى: "قل هذه سبيل أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن"..

إن القرآن يستفز العقل الإنساني إلى آخر مدىً مستطاع ليطلق طاقاته: "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان".. القرآن لا يقول لنا: الزموا حدودكم أيها البشر، بل إنه يستفزنا للمحاولة: "فانفذوا"، وما دام معكم سلطان من علم فستنفذون..

أما الشبهة التقليدية التي تثار لتبرير القول بتقييد حرية التفكير فهي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله". ويستشهد فريق من الناس بهذا الحديث لإبطال القول بحرية التفكير!

حتى هذا الاستثناء الضيق للتفكر لا يعد قيداً على حرية التفكير، لأن النهي قائم على حجة عقلية وهي أن الذات الإلهية فوق قدرة البشر على التصور فهو ليس كمثله شيء ولا تدركه الأبصار، والبشر ليس لديهم الأدوات التي يمكنهم من خلالها تصور الذات الإلهية، والإنسان بطبيعته يعجز عن تخيل أي شيء إلا بتوفر العناصر الأولية له، فلو حاول أحدنا مثلاً تخيل لون جديد غير الألوان المعروفة في الطبيعة واعتصر عقله فإنه لن يستطيع أن يتخيل لوناً جديداً إلا بخلط الألوان المعروفة وذلك لعجزه عن تخيل شيء جديد من العدم، ولو طلب من أحدنا أن يتخيل كائناً خرافياً فإنه سيحاول رسم مخلوق جديد خليط من الكائنات التي سبق أن رآها لكنه في أي حال لن يتمكن من تخيل كائن جديد كل الجدة، فإذا كان الخيال البشري عاجزاً عن تصور أي شيء خارج حدود مشاهداته فكيف يمكن أن ينجح في رسم صورة ذهنية للذات الإلهية وهي التي تعلو على وصف الواصفين!!

إذاً فهذه الدائرة الضيقة التي ينهانا النبي عن التفكر فيها ليست دليلاً ذا قيمة على تقييد التفكير لأنه ليس نهياً استبدادياً بل معلل بعلة علمية: "فإنكم لن تقدروا قدره"، والتفكير ليس عمليةً ترفيةً أو خيالاً فارغاً بل عملية علمية يسعى الإنسان من خلالها إلى فهم حقائق الوجود..

قد يقول قائل ما هو مبرر حرية التفكير وهذا كتاب الله بين أيدينا فيه تبيان لكل شيء، وقد فصل الله لنا فيه ديننا ودنيانا، إذاً ما الذي سيضيفه التفكير إلى عقولنا وعندنا الدين الكامل والحق المبين؟؟ هذا ما سنرد عليه إن شاء الله في الجزء القادم...

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

هل جعل الإسلام حدوداً

لحرية التفكير؟ الجزء الثاني

أحمد أبورتيمة

من الأقوال المتداولة بين المسلمين أن الدين يؤخذ بالنقل لا بالعقل، ويحاجج فريق من المسلمين بهذه المقولة للتدليل على أن الإسلام يقيد حرية التفكير، فهل حقاً أن وجود النقل في الدين يعد قيداً على حرية التفكير؟؟

إن كان المقصود بالنقل الشعائر التعبدية وأننا نصلي المغرب ثلاثاً دون أن نفهم لماذا لم تكن أربعاً فهذا كلام يرد عليه بالعقل أيضاً دون أن يتناقض ذلك مع مبدأ حرية التفكير المطلقة لأن الشعائر جعلت في الدين بقصد تحقيق التعبد لله وإسلام الأمر إليه وليس بقصد التحليل العقلي لمكونات الشعيرة ذاتها فنحن لا نصلي في المقام الأول لنمارس رياضةً بدنيةً حتى يهدينا تفكيرنا مثلاً إلى أن الركوع  مرتين  أفضل  للعمود الفقري من الركوع مرةً واحدةً أو إن الصيام حتى أذان العشاء أفضل صحياً من الصيام حتى المغرب أو كما في المثل الشهير الذي نبرر به تعطيل عقولنا بأن الدين لو كان يؤخذ بالعقل لكان المسح على باطن الخف أولى من المسح على ظاهره..

إن هذه التفاصيل ليست ميدان حرية التفكير أصلاً، والشعائر تؤخذ كلها جملةً واحدةً لتحقيق غاية روحية تتمثل في إثبات صدق إيمان العبد بربه والتسليم له بالعلم والإحاطة والحكمة والرحمة والالتزام بهذه الشعائر لم يكن إلا على أساس عقلي من الإيمان بالله ورسله وكتبه، فمن آمن بأن هذا الكتاب هو من عند الله وأن الرسول قد أرسله الله فإن مقتضى هذا الإيمان التصديق بما جاء به الكتاب والرسول دون أن يكون هذا التصديق لاغياً بحال من الأحوال لحرية الإنسان الفكرية لأن من لم يقتنع بعقله بأن هذا الدين هو من عند الله فلا حاجة لله في صلاته وصيامه فأساس الإيمان هو الاقتناع، ولا إكراه في الدين..

ثم إن العبد حين يؤدي الشعائر التي افترضها الله عليه فإنه يفعل ذلك ليروي ظمأه الروحي ولينال طمأنينة القلب وراحة النفس، فالعلاقة بيننا وبين الله قائمة على الحب لا على الإكراه، والصلاة والصيام حق لنا قبل أن تكون واجباً علينا فنحن نحمد الله أن دلنا على دواء لعلل نفوسنا وعرفنا بالطريق التي تحقق طمأنينة قلوبنا، إن الله لا يحب لعباده أن يؤمنوا به خاضعين كارهين بل أن يأتوا إليه محبين مختارين: "إن نشأ ننزل عليهم آية فظلت أعناقهم لها خاضعين"، ولتعزيز الطابع الاختياري لعلاقة العبد بربه أحاط الله فرائضه بسياج من النوافل لا يؤثم تاركها لكن الحكمة منها أنها تعزز علاقة الحب في نفوس المؤمنين تجاه خالقهم، فإلى جانب الصلوات الخمس المفروضة هناك سنن رواتب وقيام ليل وغيرها، وشهر رمضان يتبعه ست من شوال، ومقدار الزكاة المعلوم يتجاوزه أكثر المؤمنين بالصدقات، وهذه السنن التي يتسابق المؤمنون إليها رغم أنها ليست مفروضةً عليهم تؤكد الطبيعة الروحية للشعائر الدينية، فهي تلبية لحاجة داخلية وليست إذعاناً لسلطة خارجية..

الطبيعة الروحية للشعائر الدينية تنفي أي تعارض بين هذه الشعائر وبين مبدأ حرية التفكير، فهما ميدانان مختلفان تماماً، الشعيرة الدينية لا تحرم على صاحبها التفكير والتساؤل، بل إن هذه الشعائر هي التي تمنح الإنسان الأساس الروحي الذي ينطلق منه للتفكير الحر، فالصلاة مثلاً تحقق للإنسان صفاءً روحياً وتركيزاً ذهنياً وتخلصه من التشتت مما يساعده على جمع أفكاره في اتجاه واحد واختراق آفاق أوسع، والصوم يصفي النفس ويزكيها فيضفي ذلك عليها هدوءً في التفكير، والزكاة تشعرنا بالرضا النفسي وبالراحة الأخلاقية، وهكذا فإن العلاقة بين الشعائر الروحية وبين حرية التفكير هي أن الأولى تعزز الثانية وتمنحها الأساس الذي يطلقها ويحلق بها في أوسع الآفاق..

من جهة أخرى فنحن نضيق الدين كثيراً حين نصوره شعائر وحسب، فالمساحة الأكبر في الدين هي لمبادئ كبرى لا تقيدها النصوص مثل العدل والإحسان والرحمة وعمل الصالحات وفعل الخيرات وإعمار الأرض وإصلاحها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومجاهدة النفس، وتحقيق هذه المعاني الكبرى التي هي المقصد الأكبر للدين ليست مقيدةً بنصوص وهي لا تتحقق إلا بحرية فكرية كاملة من أجل توليد أفكار إبداعية تعمل على زيادة الخير والعدل وتقليل الفساد والظلم في الأرض، فالآليات الحديثة التي اهتدى البشر إليها لتحقيق كمية أكبر من العدل مثل المجالس النيابية وتداول السلطة واستقلال القضاء وحرية الصحافة والإعلام ليس منصوصاً عليها تحديداً في ديننا بل هي ثمرة حرية فكرية وتساؤل ألح على أصحابها وهم يتفكرون كيف يتحقق العدل بين الناس، لكنها مع ذلك من الدين ما دامت تحقق العدل وتحارب الفساد في الأرض: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"، "ليقوم الناس بالقسط"، وحول هذا المعنى ينسب إلى ابن تيمية قوله بأنه حيثما كان العدل فثم شرع الله وإن لم يأت به نص صريح...

كيف السبيل لمعرفة الحق والعدل والمعروف والمنكر وللاهتداء إلى خير السبل لتحقيقها في واقع البشر إلا بحرية تفكير نحلل بها واقع الإنسانية ونضع أيدينا على مواطن القصور فيه ونجتهد في تفكيرنا حتى نبدع واقعاً أفضل يحقق غايات الدين الكبرى من عدل وإحسان وبر ورحمة وخير وصلاح.

إن المعاني الدينية مثل المعروف والخير والعدل تدرك بالفطرة الإنسانية، فكل ما عرفته الفطرة السوية فهو معروف وكل ما أنكرته فهو منكر، وتجليات هذه المعاني لا نهائية في واقع البشر فلا تحدها النصوص، والقرآن حين يأمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعمل الصالحات وفعل الخيرات، وإقامة العدل فإنه يطلق أفكارنا إلى آخر مدىً، فكل فكرة يمكن أن يهتدي إليها عقل إنسان تؤدي إلى نفع الإنسانية "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"، وشفاء المرضى، والقضاء على مشكلات الفقر والبطالة والمرض والحروب فهي تدخل في دائرة "عملوا الصالحات"، "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".

إن الدين يعالج الأساس الأخلاقي في نفوسنا، لكنه لا يحجر على إبداع عقولنا في كيفية تحقيق مقاصد الخير والعدل، فإن كان من قيد يضعه الدين فهو ألا نفكر في الشر والإفساد في الأرض، وهذه لا علاقة لها بحرية التفكير الحقيقية لأن التفكير مقدس وهو مجرد من الأهواء والظنون..

وللحديث بقية....

abu-rtema@hotmail.com

 

 

هل عمل مانديلا لآخرته؟؟

أحمد أبورتيمة

سأل سائل قد عمل مانديلا لدنياه فماذا عمل لآخرته؟!..

لسنا معنيين بإقحام أنفسنا في محاكمة مصير أحد في العالم الآخر بعد الموت سواءً كان هذا الواحد مسلماً أو غير مسلم فنحن لسنا متأكدين أيضاً كيف سيحاسبنا الله فذلك عالم غيب لم نزره بعد والجدل في تفاصيل مصائر الناس فيه رجم بالغيب وتأل على الله وهو لا يفيد في حياتنا ولا يبنى عليه عمل..

لكن ما يعنينا هو أن نفهم المعايير العامة التي يحاسب الله الناس بها فتطمئن قلوبنا إلى رحمة الله تعالى وعدله المطلق وحكمته فيزيد إيماننا ونستطيع تقديم خطاب ديني إنساني قادر على إقناع العالمين بعدالته وسمو مبادئه..

أما أنه عمل لدنياه فهذا خلط شائن لأن مفهوم العمل للدنيا يعني أن يعمل الإنسان لشهواته وأهوائه وأن تستغرقه أنانياته الخاصة ويقضي حياته لاهثاً وراء المتع والملذات غير عابئ بمثل عليا ولا بقيم أخلاقية، لكن الجهاد في سبيل الحق والعدل والحرية ليس عملاً للدنيا لأن الله هو الحق العدل وحيثما كان العدل والحق كان شرع الله..

ليس لدي رؤية محددة مع الأسف لكن لدي إشارات كافية في كتاب الله ليطمئن قلبي إليها، منها مثلاً قول الله تعالى عن أهل الكتاب: "وما يفعلوا من خير فلن يكفروه"، وقوله تعالى: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"

في الآية الأخيرة فإن شروط الخلاص الأخروي تتمثل في ركنين رئيسين هما: الإيمان بالله واليوم الآخر، والعمل الصالح، أما الإيمان بالله واليوم الآخر فهو فطري موجود في الأمم والشعوب والثقافات المختلفة وهو يتجاوز خصوصيتنا التشريعية كمسلمين لأن الآية لم تذكر من ضمن الشروط أن يكون من أمة محمد-صلى الله عليه وسلم- وفي آية أخرى: "لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً"، ففي كل الأمم هناك من يؤمن بالله وباليوم الآخر بفطرته وببقية ما في ثقافة مجتمعه من رسالات الأنبياء، أما العمل الصالح فهي كلمة واسعة تشمل كل أوجه البر والخير في هذه الحياة وهل هناك عمل صالح أعظم من أن تحرر شعباً كاملاً من الظلم والاستعلاء وأن تخلص الناس من اتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله عبر التفريق العنصري، فهذا من أعظم الأعمال الصالحة بل إن هذا هو جوهر كلمة التوحيد، والله عز وجل لا يريد من عباده أعمالاً تعود عليه بالنفع الخاص بل إن الأعمال الصالحة هي التي ترجع على الناس أنفسهم بالخير وكلما كان العمل الصالح أكثر نفعاً للبشرية كلما كان خيراً وأبقى: "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"..

ما هي الأعمال الصالحة التي يعملها فريق من المسلمين القاعدين ويتعالون على الخلق بها ويظنون أن الله سيحابيهم على بقية خلقه ويدخلهم الجنة وحدهم بسبب هذه الأعمال، بينما يكب الآخرين في النار دون أن ينفعهم فعل خير ولا عمل صالح؟؟

ثم إننا حين نقول إن هؤلاء يعملون لدنياهم وليس لآخرتهم هل يعني هذا أن أكثر المسلمين متفانون في طلب الآخرة قد طلقوا الدنيا ثلاثاً ونبذوها وراء ظهورهم؟؟

ما أكثر ما نعمل لدنيانا وما أقل ما نعمل لآخرتنا وهذا حال أكثر الخلق بمن فيهم المسلمون وقليل هم الذين يعملون للآخرة فهل يحق لنا وهذه حالنا أن نتهم من يفنون سنوات أعمارهم في سبيل الحق والحرية والعدل أنهم يعملون للدنيا؟ إن الحرية والعدل والحق لا تنتمي لهذه الدنيا بحال من الأحوال بل هي أشواق روحية لما بعد هذه الحياة الدنيا..

تنطلق هذه الأسئلة وما أكثرها من أفكار لا شعورية تحكمنا وهي أن رحمة الله خاصة بالمسلمين في الآخرة وأن كل من هم خارج دائرتنا الأيديولوجية هالكون سيكبون على وجوههم في النار، وهو ذات المرض الذي أصاب من سبقنا من أهل الكتاب حين قالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ثم يقول القرآن: "كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم تشابهت قلوبهم" فمن هم هؤلاء الذين لا يعلمون الذين يقولون نفس أقوال اليهود والنصارى بأن رحمة الله وجنته خاصة بهم وليست لأحد من الخلق دونهم: "قل فلم يعذبكم بذنوبكم" "بل أنتم بشر ممن خلق"

أظن أن رحمة الله تعالى أوسع كثيراً مما نظن نحن المسلمين وأن الله هو رب العالمين فسيعامل خلقه كلهم بمعيار واحد قوامه العدل والقسط والرحمة والحكمة فلنشغل أنفسنا بنشر الحق والعدل والخير في هذا العالم بدل أن نحشر أنوفنا فيما لا علم لنا به..

والله أعلم..

abu-rtema@hotmail.com

 

 

هل جعل الإسلام

حدوداً لحرية التفكير؟ "1"

أحمد أبورتيمة

من أخطر الدعاوى التي يدعيها فريق من المسلمين ويردون بها على أي مناقشة فكرية قولهم إننا مسلمون وليس في الإسلام حرية تفكير على إطلاقها بل هناك ضوابط ينبغي التوقف عندها!!.. مشكلة هذا القول لا تتوقف عند دلالته الحرفية بل تتعداها إلى النتائج المترتبة على طريقة استعماله الذي يقود إلى آثار فكرية وحضارية خطيرة إذ إنه تحت دعوى الضوابط يمكن أن تجهض أي عملية فكرية ويمكن لأي واحد أن ينصب نفسه قاضياً فيحاكم الناس إلى فهمه ويتهم من يتجاوز هذا الفهم بأنه تخطى حدود الدين ذاته، وبذلك فإن القول بضوابط الحرية الفكرية ما هو إلا تعبير جذاب عن تقويض حرية الفكر من جذورها...

مشكلة الذين يقولون بحدود حرية التفكير أن الإسلام في نظرهم هو فهمهم ومبلغهم من العلم لذلك فإن الحدود التي يقصدونها عملياً لا تعني ألا تتجاوز دين الله بل أيضاً ألا تتجاوز آراءهم وأفهامهم البشرية لأن هذه الآراء هي الميزان الذي يحاكمون الناس إليه فلا يحق لأحد أن يرى ما لا يرونه وإلا عدّوه خارجاً عن الدين وعدواً لله ولرسوله وللمؤمنين.. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن آراءهم متفاوتة فهذا يعني أنه صار بوسع أي أحد أن يمارس الإرهاب الفكري ضد كل صاحب رأي بحجة تجاوزه لحدود الإسلام وهو يقصد بالإسلام فهمه طبعاً فنحن أمام نسخ متعددة من الإسلام بقدر تعدد آرائنا وكل رأي من هذه الآراء هو الإسلام الذي يحرم الخروج عنه ويحق محاكمة من يخرج عنه وربما استباحة دمه!!

القول بضوابط حرية التفكير يعني أن الله يقيد عقولنا ويحرم علينا التساؤل وبذلك فإنه لا يسعنا ما وسع سقراط وأرسطو من التفكير الحر لأن الفكر الحر يتعارض مع الإسلام كما يزعمون فإذا قال أحد الناس:  أريد أن أفكر بحريتي فإنهم يقولون له إن الإسلام ليس مكانك الصحيح وإن لم يكن مسلماً فكأنهم يقولون له لا تدخل الإسلام إلا إذا تخليت عن حريتك الفكرية، وبذلك صرنا فتنةً للذين كفروا نصد عن سبيل الله وننفر الناس من دين الله لأن الحرية مقدسة في نفوس أحرار العالم ومن غير المتوقع حين نضعهم بين خيارين إما الفكر الحر وإما الفكر المقيد أن يختاروا الثاني..

هل حقاً أن الدين يقيد حرية التفكير أم أننا نحن المسلمين من وضعنا على عقولنا الإصر والأغلال وأسأنا فهم ديننا وقيدنا أنفسنا بما لم ينزل به الله سلطاناً!!

أولاً إن الحديث عن حدود لحرية التفكير يلغي أي قيمة لحرية التفكير من أساسه فالتفكير بطبيعته عشوائي ومنطلق في كافة الاتجاهات والأسئلة تقفز إلى عقل الإنسان فجأةً دون استئذان وتلح عليه ويستحيل أن تقول لإنسان فكر بحرية لكن في اتجاه واحد ولا تفكر في الاتجاه الآخر.. إن أي حد يوضع أمام حرية التفكير ينسف مبدأ الحرية من أساسه ويصبح كأنه لم يكن فالقول بأن هناك حرية فكر ولكن بحدود قول متناقض فإما أن نقول هناك حرية تفكير لا تتجزأ وإما أن نقول إنه لا حرية للتفكير ولا سبيل بينهما...

ثانياً إن الدين يقيم بناءه على أساس حرية الفكر الكاملة وتقديم الإجابات الشافية على كل الأسئلة التي يمكن أن تخطر في قلوب البشر ويقدس البرهان كمعيار للحق فلا دعوى إلا ببرهان، والقرآن يخضع أي مسألة لمعيار البرهان وحده وحتى القضية الوجودية الكبرى وهي قضية الألوهية فإن القرآن يثبتها بالبرهان ويفتح باب المحاورة الفكرية أمام المشركين ليدلوا بما عندهم من أدلة وبراهين على صدق دعواهم بوجود إله غير الله: " ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه" فمنطلق ذم القرآن لهؤلاء المشركين هو مجانبتهم لأسس المنهج العلمي واتباعهم الظن وتقديم دعوى بغير دليل، وليس لأنهم أطلقوا العنان لتفكيرهم فالظن والهوى مخالف لأسس التفكير العلمي وليس صفةً له... وهذا الأسلوب القرآني في مطالبة المخالفين بالالتزام بأسس الحوار الفكري حاضر بقوة حتى يسهل ملاحظة أنه سمة رئيسة من سمات المنهج القرآني.. تأملوا مثلاً: " قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"، "قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون "،    "قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون" " ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ"

إن مطالبة القرآن للمخالفين بالالتزام بالمنهج العلمي المتمثل في ضرورة الاعتماد على البرهان ليس قيداً على حرية التفكير بل إن الالتزام بالبرهان وحده هو الذي يحرر المجادلة الفكرية من آفات الهوى والظن ويحقق الحرية الفكرية الحقيقية...

القرآن هو كتاب هداية إلى الناس من خالقهم ومع كونه علوي المصدر وقدرته على اعتماد أسلوب الأمر وحده إلا أنه يتخذ من طريقة الإقناع العقلي عماده وليس سلطة الإجبار الفوقي...تأملوا هذه الآية:" أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة".. إن الله تعالى يستعمل المنطق البشري البسيط للرد على دعوى قيلت بحقه بغير علم مع أنه كان قادراً على النفي وحسب دون اضطرار إلى الاستغراق في كل هذا التبيان والإقناع العقلي، ولكنه يبث فينا روح اعتماد العقل أساساً لمعرفة الحق.. والقرآن لا يتخلى عن منهج المحاججة العقلية حتى في أقصى الحالات التي يسيء فيها الناس الأدب مع خالقهم فحتى حين اتهم اليهود الله تعالى بأن يده مغلولة كان المنطق العقلي حاضراً في الرد: " بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"... إننا نحن البشر لو أسيء الأدب إلينا أو اعتدي على حقنا فإننا ننسى أي لغة للمنطق والعقل ونرد الشتيمة بأضعافها ونعد الحديث بالعقل في مواجهة الشتيمة علامة ضعف واستسلام لكن رسوخ منهج القرآن في احترام لغة العقل والحجة يبلغ حداً أنه لا يتخلى عنه حتى في مواجهة أولئك الذين يسيئون الأدب ويتخلون عن المنهج العلمي في مخاطبة الله تعالى..

يتبع....

abu-rtema@hotmail.com

 

 

أدلجةالمعرفة وتسييسها

أحمد أبو رتيمة

تمارس الجماعات والأنظمة أسلوب التحشيد الجماهيري والتعبئة الإيديولوجية والتوعية الانتقائية بهدف توظيف المعرفة لتحقيق أهداف سياسية فتستحضر من الحقائق ما يؤكد رؤيتها الإيديولوجية والسياسية بينما تسقط أو تخفي المعرفة التي لا تخدم هذه الأهداف.. هذا الأسلوب تتورط فيه أيضاً أنظمة ديمقراطية حيث تسخر أدواتها الإعلامية في صياغة الوعي الجماهيري في الاتجاه الذي تريده فتضخم التركيز مثلاً على جرائم أحد الأنظمة الدكتاتورية لتبرير اتخاذ موقف سياسي ضده بينما تتغاضى عن جرائم لا تقل وحشيةً يرتكبها نظام آخر لأن مصلحتها السياسية تقتضي السكوت عليه...

أسلوب استحضار النصوص والشواهد بشكل انتقائي لا يتضمن إيذاءً مباشراً للشعوب التي يمارس عليها لأنه يستند إلى الإقناع الفكري والتأثير العاطفي وغالباً ما يقدم حقائق صادقةً لكنه مع ذلك أسلوب غير إنساني لأنه يفرض على الشعوب وصايةً فكريةً ويحول بينها وبين المعرفة الشاملة و يحرمها من رؤية الصورة الكاملة بكل أجزائها ولا يقدم لها فرصاً متكافئةً تتيح لها اختيار الرأي الذي ترتئيه مبنياً على معطيات كافية بل ترسم لها مسارات محددةً يتحتم عليها السير فيها في ضوء عدم القدرة على رؤية مسارات أخرى..

أسلوب التضخيم الإعلامي الانتقائي هو سحر بالمصطلح القرآني فحقيقة السحر الذي كان يمارسه فرعون ليثبت به دعائم عرشه كان الاعتماد على قوة الإيحاء والتأثير في وعي الجماهير: " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى"... السحر هو التأثير على وعي الناس لإخضاع إرادتهم واسترهابهم: " وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم".. وهذا الدور تحديداً هو ما تقوم به ماكنات الإعلام الأمريكية ضد شعبها كما فصل في ذلك المفكر الأمريكي نوعام تشومسكي في كتابه "السيطرة على الإعلام" فهذا الإعلام يستعبد الناس ليس بالشكل المباشر المستفز لكرامتهم والمحرض لهم على الثورة إنما بتشكيل وعيهم في الاتجاه الذي تريده النخبة الحاكمة فتوهمهم أنهم أحرار يختارون رأيهم بأنفسهم لكنهم لا يتفطنون إلى أن المصادر التي تشكل وعيهم تنتقيها لهم شبكات مصالح وأن هذه المصادر لا تتيح لهم حرية الفكر إلا في اتجاهات مرسومة... 

توظيف المعرفة في التحشيد السياسي  والتعبئة الأيديولوجية هو ضرب من الوصاية على الناس لأنه يفترض أنهم أقل وعياً وأنه لا يوثق باختياراتهم في الحياة فوجب أن يكون هناك من يقرر لهم طريقهم كما أن هذا التسييس للمعرفة يعطي إشارةً على اهتزاز الثقة بالأساس الأخلاقي الذي نستند إليه فنحن نريد للناس أن يظلوا بين جدران مغلقة لأننا نخشى إن خرجوا إلى ضوء الشمس الساطع وحصلوا على معلومات أخرى أن يهتز إيمانهم وانتماؤهم وأن تدفعهم هذه المعرفة الجديدة إلى اعتناق موقف سياسي مناقض لمصالحنا..

من حيث المبدأ فإن التوظيف السياسي للمعرفة واستحضارها بانتقائية هو خيانة لأمانة العلم ولكلمة الحق لأن العالم لا يهمه شيء سوى الاهتداء إلى الحقيقة سواءً كان ذلك في مختبر الأحياء والفيزياء أو في حقول العلوم الإنسانية مثل النفس والاجتماع والتاريخ وغيرها.. إن العالم الحق يستعصي على الأدلجة والاحتواء وليس من وظيفته حين تتبين له حقيقة علمية أن يراعي الفريق الذي ستنفعه هذه الحقيقة والفريق الذي ستضره وأن يتنبأ كيف سيتم توظيف هذه الحقيقة.. وظيفته تتمثل في تبيان هذه الحقيقة المجردة: " لتبيننه للناس ولا تكتمونه" فمن حرف هذه الحقيقة عن مواضعها وطوعها لهواه من بعد ذلك فإنما إثمه على الذين يبدلونه..

تحدث الله عن مرض إنساني أصاب بني إسرائيل وهو مرض عام يصيب أي قوم آخرين وهو الاستحضار الانتقائي للعلم وأدلجته وتسييسه بما يخدم الأهواء: " تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًاً "..

ضرر أدلجة العلم ليس روحياً وحسب بل له ضرر سياسي أيضاً لأنه يحكم على أبناء المجتمع بالبقاء رهن طريقة واحدة في التفكير وبرؤية جزء من الحقيقة فقط وبذلك تحرم المجتمعات نفسها من الرؤية الشاملة التي يبنى عليها قرارات صحيحة وتظل هذه المجتمعات مخادعةً لنفسها تعيش على الوهم المريح فالمعرفة الانتقائية تعني استحضار الشواهد على فضائل الذات وميزاتها وفي المقابل استحضار كل الشواهد التي تعزز شيطنة الأعداء ويؤدي هذا بالضرورة إلى الغفلة عن أخطاء الذات مما يعني تفاقمها كما سيؤدي إلى بخس الأعداء أشياءهم والتهوين من عناصر قوتهم مما سيحرمنا من تقدير قوتهم والاستعداد الكافي لهم، وهذا التفكير الرغائبي الذي يشبه ما يسميه القرآن اتباعاً للأهواء: " وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ" يصرفنا عن الدراسة الموضوعية للواقع وينتج مواقف عاطفيةً لا تستند إلى معطيات صحيحة..

كتبت ذات مرة عن إيجابيات المجتمع الإسرائيلي مثل العدالة الداخلية، والتداول السلمي للسلطة والتقدم العلمي فرد أحد الإخوة أن الحديث عن محاسن لإسرائيل ليس مثمراً وأنه لا يخدم فكرة التحشيد ضدها، لكن رأيي كان هو أن المعرفة مطلوبة لذاتها والحشد يجب أن ينطلق من رؤية صحيحة متكاملة حتى لا تستغرقنا العواطف ونحرم أنفسنا من القراءة الصحيحة للواقع فتصدمنا النتائج، والتحشيد المبني على العاطفة خطر على العقل والحكمة ونحن نريد أمةً مفكرةً قائدةً لا أمةً مقادةً، والمعرفة يتكامل بعضها ببعض ويصحح بعضها بعضاً فالمشكلة ليست في أن نعرف إيجابيات أعدائنا بل في ألا نرى الصورة كاملةً وأن نتوقف عند معلومة مجتزأة وألا نواصل سعينا الدائب للحقيقة المقدسة...

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

مفهوم الابتلاء وأخطاؤنا البشرية..

أحمد أبو رتيمة

 

الابتلاء هو الاختبار، وكما يعرفه المفكر خالص جلبي فهو يعني إدخال الفكرة إلى مختبر الممارسة العملية، فالذي يدعي أنه لا يخاف من الموت مثلاً ابتلاؤه في تعرضه لخطر الموت ليرى صدق ادعائه من كذبه، وهكذا فإن لكل دعوى ابتلاءً من جنسها: "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون"، بهذا المفهوم فإن الابتلاء شرط ضروري لنجاح العمل، فهو يأتي في سياق إيجابي للتأكد من صدق الدعاوى، ولولا الابتلاء لكثر الزيف والخبث ولسهل على أي أحد أي ادعاء..  

الابتلاء ليس عاملاً خارجياً بل هو من جنس الدعوى، وهو ليس تبريراً للفشل واستسلاماً له بحجة الابتلاء، فهذا خلط خطير بين الإلهي والبشري يؤدي بنا إلى أن نبرر إخفاقاتنا بإرادة الله بدل أن نراجع أنفسنا ونحاسبها!!

الابتلاء لا يحتم علينا البقاء في حياة الفقر أو المرض أو السجن، لأن أي حالة نكون فيها من فقر أو غنى، عافية أو مرض، سجن أو حرية، فهي ابتلاء، الابتلاء لا يقتصر على جانب الشر وحده بل إن الخير أيضاً ابتلاء: " ونبلوكم بالشر والخير فتنة"، ومثل سليمان عليه السلام في القرآن يوضح لنا اتساع مفهوم الابتلاء، فبعد أن آتاه الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده اعتبره ابتلاءً قال: " ليبلوني أأشكر أم أكفر".

اتساع مفهوم الابتلاء وتنوع صوره يحرره من الارتباط بالجبرية التي تعيق العمل وترهن أصحابها في حالة لازمة من الفقر والجهل والفشل، فإذا كان الابتلاء ملازماً للمرء في جميع أحواله حتى لو ملك الدنيا كلها فإلى أي أساس يستند الفاشل في زعمه بأن ابتلاء الله هو سبب فشله!!

أصيب المسلمون في غزوة أحد ورسول الله بين ظهرانيهم فلم يقل لهم القرآن إنه ابتلاء- رغم أنه كان ابتلاءً بالتأكيد في أحد وجوهه- بل قال لهم: " قل هو من عند أنفسكم" فالجانب المتعلق بنا نحن البشر هو البحث عن أخطائنا وتصويبها، أما الابتلاء والأجر فهو متعلق بعمل الله عز وجل يدبره بحكمته دون أن يفرض علينا مساراً جبرياً في الحياة.

الحالة النموذجية للابتلاء لا تكون في بقاء الإنسان على حالة واحدة من السجن أو الفقر أو المرض، لأن البقاء على حالة واحدة يجعل صاحبها يألفها ويتعامل معها بأنها أحد مكونات حياته فيتوقف إيمانه عن التجدد ولا يظل هذا الابتلاء صالحاً لقياس مستواه الإيماني... مثال ذلك أن يظل الإنسان سجيناً طول عمره فهو في أول عهده بالسجون سيكون حياً في تفاعله مع هذا الابتلاء وسيزكي السجن نفسه لكن طول إلفه بالسجن ربما يميت هذا التفاعل في قلبه فلا يعود السجن مثيراً للرصيد الإيماني الكامن في نفسه وستتحول معايشته للسجن إلى تقليد جامد فتموت من قلبه معاني الصبر ومجاهدة النفس، لقد حدثني أحد السجناء أن مفهوم الشهوة في السجن هو أن ينظر السجين إلى صورة مذيعة الأخبار في التلفزيون!! الشاهد هو أن الإنسان الذي يطول إلفه مع المعاناة يتعايش معها ويمارس اختياراته في الحدود التي تتيحها له ظروف الحياة الجديدة ولا يظل في حيويته الإيمانية، فحقيقة جدلية الإنسان هو التذبذب الدائم مما يجعل الحاجة ملحةً دائماً لابتلاء من نوع جديد، وما ينطبق على السجن ينطبق على كل أصناف الابتلاءات الأخرى فالفقير يتعايش مع فقره والمريض يتعايش مع مرضه والمقاتل يتعايش مع أجواء الحروب والدماء إذا طال عهدهم بها: "طال عليهم الأمد فقست قلوبهم" فلا تعود الظروف المعيشية القاسية مقياساً للحالة الإيمانية لصاحبها لأن الإيمان يتحقق بالاختيار الحر وليس بالتعود الإجباري..

يضرب لنا القرآن مثل يوسف عليه السلام في الابتلاء، فحياته تنوعت بين صنوف الابتلاء المختلفة من إلقائه في الجب إلى فتنة امرأة العزيز إلى فتنة اتهامه زوراً ثم فتنة دخول السجن ثم فتنة الملك المختلفة تماماً عما سبقها، ومع كل ابتلاء جديد كانت هناك استجابة متجددة، وبذلك يظل الإيمان في حالة تجدد لا يجمد في حالة واحدة...

 الابتلاء يعني أن يستجيب البشر استجابةً حيةً مبدعةً لظروفهم المستجدة، أما الفشل فيعني أن هناك خللاً بشرياً يتطلب المراجعة والتصويب.

إن أحدنا لم يطلع على الغيب حتى يزعم بأن الله لم يكتب له النجاح فيتوقف عن المراجعة والسعي، وإذا كنا نقول إن الفشل كان بتقدير الله فإننا حين نراجع الأسباب ونعيد المحاولة وننجح فسيكون ذلك بتقدير الله فنحن نفر من قدر الله إلى قدر الله وما دام النجاح والفشل والعافية والمرض والغنى والفقر كلها أقدار إلهية فهذا  يلغي اعتذارنا بقدر الله عن أي نتيجة تصيبنا لأن نقيضها هو قدر الله أيضاً فلا بد من إطلاق الجهد الإنساني وتصويب المسار في ضوء الأسباب البشرية..

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

صنمية التنظيم وقصور الإبداع النضالي

أحمد أبورتيمة


 



عبر التاريخ كان قيام الأحزاب مبرراً في تحقيق أهداف وطنية أو دينية، فالحزب وسيلة وليس هدفاً قائماً لذاته، لكن ما يحدث مع مرور الوقت هو أن الوسيلة تتحول إلى غاية فيكون تضخم الحزب والعكوف عليه واكتسابه مركزية القضية التي منحته مبرر وجوده، وحينها يكون انحراف البوصلة عن الأهداف الكبرى، والانشغال بالمحافظة على جسم التنظيم وتسمينه وحمايته من الأخطار.

حين يحدث هذا الانحراف تتبدل الأولويات فيصبح العمل الوطني خاضعاً لمقاييس التنظيم وليس العكس، وربما تأثرت الأنشطة الوطنية في ضوء الحسابات التنظيمية التي تفقد أصحابها كثيراً من المرونة، وتقيد انطلاقتهم الحرة، فما كان مسموحاً به خارج دائرة التنظيم ومحققاً للأهداف الوطنية بفاعلية يتحفظ التنظيم عن القيام به حين ترد شبهة تأثر مصالحه التنظيمية بهذا النشاط الوطني، وفي هذه الحالة فإن العمل الوطني سيفقد تركيزه وزخمه لأنه لم تعد هناك غاية واحدة تتركز عليها الجهود وتنصب إليها الأنظار بل غايات متفرقة وشركاء متشاكسون فتتشتت الجهود وتضعف قوة الانطلاقة في ظل توزيع الاهتمام بين التنظيم والوطن..

إذا كان متفهماً ضرورة وجود التنظيم ليكتسب العمل الوطني قوةً وليكون هناك إطار ناظم للجهود الفردية وللتنسيق بين القوى المبعثرة فإن محافظة التنظيم على مبرر وجوده مرهونة ببقاء فاعليته الوطنية وعدم تضخمه إلى الحد الذي يكسبه مركزيةً تشغل أبناءه عن القضية الأساسية، وحين يعطى التنظيم المركزية على حساب الوطن فإنه يتحول إلى صنم!...

فكرة الصنم تعني باختصار الجمود الفكري والتوقف عن التجديد والإبداع وتحول الوسائل إلى غايات، فالمشركون قالوا: "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"، أي أن الأصنام المعبودة من دون الله كانت في بادئ أمرها لغاية خيرة وهي التقرب من عبادة الله ثم صارت معبودةً ومقصودةً لذاتها، ونفس الفكرة في جدلية الوطن والتنظيم، فالتنظيمات تنشأ ابتداءً لخدمة الوطن، لكن المبالغة في الحفاظ على التنظيم والانشغال عن الوطن يعني أن أبناء التنظيم يقولون بلسان الحال: ما نعبد التنظيم إلا ليقربنا إلى الوطن زلفى!!

إذا أردنا أن يظل التنظيم فاعلاً في اتجاه تحقيق الأهداف الوطنية فلا بد من امتلاك مؤشر حساس يحذرنا من أي بادرة انحراف حتى لا يحدث الخلط القاتل بين موقع الوطن وموقع التنظيم،

هذا المؤشر يقول إن التنظيم مهما كانت وطنيته وتضحيات أبنائه فهو في النهاية ليس الوطن بل وسيلة إليه مما يعني أن يخضع للمراجعة في ضوء مدى نجاحه في الاقتراب من الأهداف الوطنية، وحين تتراجع المفردات الوطنية وتتقدم الأجندة التنظيمية في خطاب أي تنظيم فهذا مؤشر على أننا نسير في طريق الانحراف، وأن التنظيم لم يعد فاعلاً في اتجاه الغاية التي أنشئ من أجلها، وأنه قد فقد المرونة التي تمكنه من الالتفاف على المعيقات واستمرار المسير في الوجهة الصحيحة وأصيب بحالة جمود معطلة..

في الحالة الفلسطينية لا تخطئ العين حالة الجمود القاتل الذي أصاب العمل التنظيمي عموماً مما يطرح تساؤلاً إن كانت التنظيمات الفلسطينية لا تزال فاعلةً وطنياً أم أنها استنفدت دورها التاريخي وصارت عبئاً على القضية التي أنشئت من أجلها فوجب التفكير خارج الإطار..

في اعتقادي أن الفصائل الفلسطينية لم تعد مؤهلةً في شكلها الحالي لتحقيق اختراق وطني، ولإبداع وسائل نضالية جديدة تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية وتشكل ضغطاً حقيقياً على الاحتلال، فالعمل التنظيمي منذ سنوات يكرر نفسه دون تطوير يكافئ تطوير الاحتلال لوسائله العدوانية، والمحافظة على سلامة التنظيم صارت تستنزف حيزاً كبيراً من طاقة أبنائه وقياداته، والخطاب الإعلامي للتنظيمات أقرب إلى الشعارات منه إلى البرامج العملية، وفي ضوء هذا الواقع أستشرف أن يأتي الاختراق النضالي من خارج عباءة العمل التنظيمي التقليدي، لأن الاختراق وتجاوز مربع الجمود يحتاج إلى روح جديدة لم تعد موجودةً داخل أسوار التنظيم..

شهدنا في السنوات الأخيرة محاولات لتجاوز واقع الركود التنظيمي من هذه المحاولات مسيرات العودة، وتظاهرات بلعين ونعلين، وقرية مجدل شمس، وحملات المقاطعة الدولية للاحتلال، وأخيراً ائتلاف شباب الانتفاضة، ومثل هذه المحاولات التي يقوم بها شبان فلسطينيون من خارج الأطر التقليدية تسعى لاستلهام روح الثورات العربية وإعادة الحيوية لنضالنا الوطني، والتنبيه إلى بوصلة الوطن التي زاغت عنها الأبصار.

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

الفوائد المعجلة للإيمان

أحمد أبورتيمة

 

يظن فريق من الناس أن جزاء الإيمان مؤجل إلى الآخرة، وأن حياة المؤمن في هذه الدنيا محكومة بالمتاعب والابتلاءات الدائمة وحرمان النفس من الملذات، وقد أدى هذا التصور الخاطئ إلى فتنة كثير من الناس وتفضيلهم الانغماس في الملذات والشهوات العاجلة عن جزاء مؤجل لا يرونه قريباً..

إن هذا التصور يتناقض مع ما يقرره القرآن من أن الحياة الطيبة في هذه الدنيا هي من نصيب المؤمنين:  "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" بينما من يعرض عن ذكر الله فإن له معيشةَ ضنكاً في الدنيا قبل الآخرة، إن جنة المؤمن تبدأ منذ اللحظة التي يلامس فيها الإيمان شغاف قلبه، وما جنة الآخرة إلا امتداد للجنة التي صنعها في قلبه في هذه الدنيا..

هدية الإيمان تكمن فيه ذاته فلو لم يكن للإيمان جزاءً أخروياً لكان جديراً أن يتبعه الناس في هذه الدنيا لما يمنحهم إياه من شعور بالسعادة والطمأنينة.

يذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن الذي يجد حلاوة الإيمان يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار، ودلالة هذا الحديث واضحة في أن لذة الإيمان في الدنيا تبلغ بالإنسان حد أنه يرى العذاب النفسي للكفر في ذات درجة عذاب النار، فالإنسان لا يؤمن ابتغاء جنة الآخرة وحسب بل يؤمن لأنه لا يستطيع أن يعيش في هذه الحياة إلا بالإيمان..

 المؤمن هو القادر على استكشاف الوجه الإيجابي للحياة لأنه يرى نعم الله سابغةً عليه ظاهرةً وباطنةً حتى في المحنة يستطيع أن يرى وجه المنحة فهو بذلك يحتفظ بنظرة تفاؤلية تجاه الحياة..

إن ما يراها الناس أشياءً عاديةً روتينيةً مملةً بفعل إلفهم وطول معايشتهم لها يراها المؤمن نعمةً متجددةً فيمتلئ قلبه رضاً وشكراً تجاهها فيتعزز التفاؤل في نفسه ويقبل على هذه الحياة بإيجابية ونشاط..

لا يوجد أشياء عادية من منظور الإيمان، أبسط الأشياء وأكثرها إلفاً مثل لقمة الطعام وشربة الماء والنوم في أمان، والعافية في الأهل والبدن والمال، كل يوم تستيقظ فيه فتجد نفسك لا تزال حياً محاطاً بهذه النعم يمثل هبةً إلهيةً إضافيةً تستحق تجديد الشكر والامتنان، هي نعم متجددة وليست لمرة واحدة فقط، ، وبذلك يظل المؤمن في حالة متجددة من الشعور بالسعادة،

 إن غير المؤمن يتمتع ويأكل كما تأكل الأنعام ثم ينام ملء جفونه دون أن يتفكر في أن هناك من الناس من افتقدوا هذه النعم اليسيرة فلا يشعر بقيمة هذه النعمة ويتعامل معها بأنها روتين فلا يجد فيها داعياً للشكر والامتنان فتصير الحياة بكل مباهجها وجمالها مصدراً للضجر والملل في نفسه، أما المؤمن فهو قادر على ملاحظة أبسط الأشياء والتفكر في أهميتها فيتضاعف استمتاعه حتى بلقمة الطعام وشربة الماء والنوم الآمن ويرى حياته دائمةً متجددةً  فيتحرر من حالة الروتين والبلادة التي أصيب بها من "طال عليهم الأمد فقست قلوبهم".

مصدر سعادة الإنسان ليس وجود النعمة بل شعوره بوجودها وموقفه منها، فهناك من يمتلك قصوراً فاخرةً وبساتين عامرةً وأرصدةً ماليةً ضخمةً لكنه مع ذلك دائم الشكوى والتذمر والتأفف، أما الذي يشكر النعمة مهما كانت متواضعةً في أعين الناس ويتفكر في قيمتها فهو الذي تتضاعف سعادته، لذلك فإن القرآن يدعونا إلى تذكر نعم الله: "اذكروا نعمة الله عليكم" لما في التذكر من تعزيز للمعاني الإيجابية في نفوسنا..

لا تقتصر فائدة الإيمان على الناحية الشعورية وحدها بل إن الإيمان هو الذي يضع أقدام الإنسان على طريق الفكر والعلم والإبداع، المؤمن الحق هو الذي يتمتع بيقظة فكرية دائمة لأنه قد تحرر من إلف الأشياء فهو لا يرى الأشياء من حوله عاديةً طبيعيةً إنما يرى كل شيء بأنه محدث من الله بعد أن لم يكن لذلك فالمؤمن دائماً يطرح سؤال ماذا لو؟؟ ماذا لو لم تكن الجبال أوتاداً وماذا لو لم تكن الأرض مهاداً وماذا لو كان الليل سرمداً إلى يوم القيامة أو لو كان النهار سرمداً إلى يوم القيامة، بل ماذا لو كان هناك أكثر من إله في السماء والأرض؟ ماذا لو لم يخلقنا الله أزواجاً ذكراً وأنثى؟ ماذا لو كانت كل الشعوب تتكلم بلسان واحد ولم يكن هناك اختلاف في الألسنة واللغات؟؟..

إن القدرة على طرح سؤال "ماذا لو؟" هو الذي يحررنا من أسر المألوفية ويطلق عنان الخيال ويحرك الفكر من جموده..

لقد وصف الله الناس بدون إيمان بأنهم عن آيات الله معرضون وغافلون: "وكم من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون".. هذا الإعراض والغفلة هو البلادة العقلية والجمود الفكري، فغير المؤمن هو الذي عطل حاسة النقد الفكري وأمات روح التساؤل في نفسه، فلم يعد قادراً على استكشاف أسرار الحياة وملاحظة قوانينها.

إن إلف الأشياء يقتل روح التساءل في الإنسان ويصيبه بالبلادة: "قد مس آباءنا السراء والضراء".. أي لا يوجد في الأحداث من حولنا ما يستدعي التساؤل والتفكر فهذه هي وتيرة الحياة المملة..

الإيمان ليس سوى السعادة الروحية واليقظة الفكرية في هذه الحياة، بالطبع قصدت الإيمان الحي وليس ذلك النوع الطقوسي البارد.. 

abu-rtema@hotmail.com

 

 

لماذا القلب وليس العقل؟؟

أحمد أبورتيمة

القرآن لا يستعمل مصطلح "العقل" كجهاز مسئول عن وظيفة التفكير في جسم الإنسان، ويستعمل عوضاً عنه مصطلح القلب: "القلوب التي في الصدور"، فما هي أبعاد اعتبار القلب جهاز الفكر في الإنسان؟؟

القلب في القرآن يأتي بوظيفة ثنائية الأبعاد فهو من ناحية جهاز الإدراك: "لهم قلوب لا يفقهون بها"، ومن ناحية أخرى جهاز للشعور: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"، القلب ذاته هو الذي يدرك ويفقه ويخشع ويطمئن فهو مزيج بين الإدراك والشعور..

في استعمالنا البشري جرت العادة على التفريق بين العقل والعاطفة واعتبارهما متناقضين، فالعقل محله الدماغ في الرأس، بينما العاطفة محلها القلب، وقد أدى هذا التفريق إلى انفصال خطير في الحياة، فالعلم شأن العقل ولا علاقة له بالعواطف والأحاسيس، فأنتج هذا الانفصام أستاذاً جامعياً حائزاً على أعلى الدرجات العلمية لكنه لا يتحلى بأي مسئولية أخلاقية، وربما يستغل ذكاءه في القتل والشر، بينما هناك عجوز ليست على قدر من العلم تتمتع بشعور أخلاقي عال وطيبة قلب، ومع ذلك فليس لها أي حظ من التكريم في المجتمع.

لقد أدت مركزية العقل وليس القلب إلى كوارث وحروب في تاريخ البشرية حيث صار الذكاء والعلوم الأكاديمية هي مقياس الأفضلية ولم تعد هناك قيمة للشعور القلبي النبيل!! أرأيتم كم هي بذور الأفكار خطيرةً!!

هذا الفصل المتعسف بين العقل والعاطفة لا يستقيم مع حقيقة الإنسان ذاته، فالإنسان مزيج مركب من الإدراك والشعور، ولا وجود لإنسان أكاديمي مجرد منفصل عن عواطفه ومشاعره، والعلم الذي ليس له أثر إنساني لا قيمة له، لذا فإن العلم حتى يكون مثمراً فإنه يجب أن يرتبط بشعور أخلاقي من صاحبه تجاه الناس ورغبةً في خدمتهم، وهنا نفهم وصف القرآن ليعقوب: "وإنه لذو علم لما علمناه"! كأن الذي لا يترك علمه أثراً في حياته ليس بذي علم أصلاً، والعلم المعتبر في القرآن هو الذي يقود إلى الخشية أي إلى نتيجة شعورية "إنما يخشى الله من عباده العلماء"..  

استعمال القرآن للقلب بدل العقل يأتي موافقاً لطبيعة الإنسان "ثنائية القطب" -حسب تعبير بيجوبتش-، حيث لا يمكن أن ينفصل فكره عن شعوره، فلا بد من مصطلح يجمع الأبعاد المتعددة في مزيج واحد، والجدير ذكره أن الطبيعة الثنائية هي سمة عامة للمصطلحات القرآنية، فلو تأملنا مصطلحات مثل "الإيمان- العلم- التقوى" لوجدنا كلاً منها يحمل أبعاداً ثنائيةً، فالإيمان مثلاً بالإضافة للبعد الروحي المعروف يحمل بعداً فكرياً: "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير"، "حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم"، في الآية الأخيرة تبرز أحد خصائص المنافقين وهي بلادة الفهم، وهي مشكلة فكرية محضة..

استعمال القرآن لمصطلح القلب كجهاز للمعرفة يجعل هذه المعرفة نابضةً بالحياة، فالإنسان لا يتفاعل مع الحقائق إلا حين يعايشها ويشعر بها، وهذا ما يبين لنا سر المفهوم الإسلامي بأن الإيمان يزيد وينقص، فالمعرفة الأكاديمية لا تزيد أو تنقص فلا يستقيم مثلاً أن يقول إنسان لقد زاد إيماني بأن 1+1=2 ، فهذه معرفة في درجة واحدة وحسب..

أما المعرفة التي تزيد وتنقص فهي المعرفة القلبية الممتزجة بالشعور، ولعل هذا ما دفع إبراهيم عليه السلام أن يسأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى مع إيمانه المسبق بذلك فربما أراد إبراهيم برؤية إحياء الموتى أمامه أن ينتقل من التصديق العقلي إلى التصديق القلبي: "قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي"..

كان والد الفيلسوف محمد إقبال رحمه الله يقول له: اقرأ القرآن كأنما يتنزل عليك.. وهي نصيحة لنا جميعاً أن يكون لكل واحد منا تجربته الشعورية الخاصة به مع القرآن فتتجدد نفوسنا ونحن نتدبر آيات الله ونتفاعل معها بقلوبنا ولا نقتصر على العلوم التفسيرية ذات المنطق البارد..

إن منظومتنا الثقافية تنتج مع الأسف معارف أكاديميةً ومحفوظات آليةً ولا تشجع الإنسان على أن يحقق إنسانيته ويروي ظمأه الروحي بأن تكون له تجربته الشعورية الخاصة به وأن يتفاعل مع حقائق هذا الوجود بقلب شاعري فيقبل على الحياة محباً مبدعاً بعد أن رأى كل ما فيها جديداً ورائعاً ومدهشاً..

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

الاستعصاء التاريخي

أحمد أبورتيمة

يعني الاستعصاء أن تصل الأمم والأقوام إلى حالة جمود فكري وموت روحي تتوقف فيها عن تجديد نفسها وتعجز عن الاستمرار في العطاء الحضاري فتفقد مبرر وجودها التاريخي وتنكمش على نفسها وتتجمد في مربع من الزمن تعكف على أصنام من التقاليد والموروثات لا تبرحها.. في هذه الحالة تنعدم أي إمكانية للإصلاح وتحارب كل دعوة للعقل وتتعطل آليات المراجعة والتصويب "النفس اللوامة" فتصم الآذان وتستغشى الثياب في مواجهة كل فكرة جديدة ويقتل الآمرون من الناس بالقسط فتصبح هذه الأمم عبئاً ثقيلاً على الحضارة البشرية.

مؤشر حياة الأمم هو مدى قدرتها على التجدد الدائم ومدى فاعلية آليات النفس اللوامة فيها للتأشير الدائم على المسار الصحيح وقدرتها على التعامل مع التحديات المستجدة بأفكار إبداعية والتحرر من أسر الأفكار التقليدية حين تعجز هذه الأفكار عن أداء دورها الوظيفي وتصبح الحاجة ملحةً لصيغ اجتماعية وثقافية أكثر فاعلية...

في القرآن يحمل مصطلح "الكفر' أبعاداً اجتماعيةً وحضاريةً عميقةً تتجاوز المعنى الغيبي الضيق الذي حصرناه فيه، فالقرآن حين يتحدث عن عدم إيمان الأمم فإنه يشرح حالة الاستعصاء الفكري التي أصابت تلك الأقوام حتى أنها سدت كل منافذ الفهم ولم تعد مهيئةً لقبول أي أفكار جديدة، تتحدث مئات الآيات عن هذه الحالة: "لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا "، " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون"، " قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون"، "إنا جعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً".. إذاً فمشكلة عدم الإيمان ليس مردها إلى التباس فكري يزال بمزيد من الإيضاح والأدلة بل هي حالة متعمدة من سد منافذ الفهم وقرار مسبق بالمعاندة فماذا ستغني كل الأدلة والبراهين والآيات: " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين" ...

لقد كانت المواجهة بين الأنبياء وأقوامهم في جوهرها مواجهةً بين التجديد والتقليد أو بين العقل والجمود، فالأقوام تواجه أنبياءها بحجة: " إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون" فيرد الأنبياء عليهم بالعقل: "أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم"، " أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون".. لقد كان منطق الأقوام قائماً على أن قدم الأفكار ووراثتها عن الآباء ومألوفيتها يعطيها قداسةً وصلاحيةً مطلقةً بينما تلخص منطق الأنبياء في أن الأفكار يجب أن تناقش في ذاتها فالأفكار السائدة ليس بالضرورة أن تكون حقاً لمجرد أنها هي المألوفة والمتوارثة والأفكار الجديدة قد تكون هي الحق فوجب الحكم عليها بالعقل لا بالقدم أو الجدة.. لقد كان الأنبياء هم حملة لواء التجديد في مواجهة الجمود وإغلاق العقول...

لو طبقنا هذه المعاني في واقعنا فإن في كل مجتمع منظومةً سائدةً من الأفكار والتقاليد.. هذه المنظومة تمثل "ما وجدنا عليه آباءنا"، والأفكار الاجتماعية لها صلاحية تتوقف على قدرتها على الإجابة على التحديات المستجدة وتحقيق العدل والحكمة فإن فقدت هذه القدرة ماتت وأصبحت الحاجة ملحةً لإبداع أفكار جديدة، فإن آثر المجتمع التمسك بالأفكار القديمة بدافع الحنين إلى الماضي والرغبة في الاستقرار وافتقاد الشجاعة للتحرر من إرث الآباء فهو مجتمع ميت لأنه عطل آلية المراجعة لمنظومته الفكرية فلم يعد قادراً على الانطلاق نحو المستقبل والمساهمة الحضارية ودخل حالة الصنمية التي تعني موت الروح وبقاء الشكل..

لكن الله عز وجل الذي وضع الميزان ليقوم الناس بالقسط لا يترك الناس يضلون الطريق دون أن يبين لهم لذلك أوجد مؤشرات ومشعرات تحذرنا من الاتجاه الخاطئ حتى نرجع إلى الطريق الصحيح مثلما أن هناك أعراضاً للمرض تظهر على الجسم لتنبه المريض للمسارعة إلى الدواء..

هذه المؤشرات يسميها القرآن آيات ونذراً، وهي ليس شرطاً أن تكون معجزات فكل ما ينزل بالناس من أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية هي تجليات لخلل في البناء الفكري تستدعي المراجعة: " ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون".. إن الله لا يعذب الناس في هذه الدنيا انتقاماً بل لتحقيق غاية خيرة تتمثل في رجوعهم إلى الطريق الصحيح..

إن الأزمات المتنوعة التي تحل بالمجتمعات هي بمثابة محرض للعقل للاستيقاظ من سباته ولمراجعة المنظومة الفكرية القائمة والبحث عن مواطن الخلل فيها، وهذه الوظيفة الإيجابية للأزمات تستفيد منها المجتمعات الحية فتخرج بعد الأزمة أقوى، لكن المجتمعات الميتة مصابة بالعماية والجمود القاتل فتتعطل أي قدرة على الاستفادة والتصحيح وتصاب بالبلادة المطلقة فلا تعتبر من كل المؤشرات والتحذيرات: "وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها" وتصر على التمسك بذات المنهج الذي أنتج الأزمات وبدل المراجعة فإنها تبرر وتفترض المؤامرة: "وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ "..

لا ينزل العذاب على المجتمعات دفعةً واحدةً بل بالتدرج لعلهم يرجعون فإن لم يستفيدوا تطلب الأمر جرعةً أخرى، حتى إذا استنفدت كل محاولات الإصلاح تبين أن هذا المجتمع قد وصل إلى الاستعصاء الكامل والعماية الكاملة ودخل في موت تاريخي: " إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن"، " ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً" في هذه الحالة تتدخل حكمة الله لإهلاكه بعد أن فقد أي مبرر للبقاء واستنفدت كل محاولات إصلاحه، وقد يأتي هلاكه عن طريق التحلل الذاتي بفعل الظلم وتزايد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية أو بفعل حرب خارجية وفق سنة التدافع..

 إن هذا الإنسان عجيب في عناده وتكذيبه للآيات والنذر وتصل اللاعقلانية به أنه يرى العذاب أمامه فلا يدفعه ذلك إلى الإيمان ويواصل عمايته وتبريره: " فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم".. إن عماية قوم عاد دفعتهم حتى اللحظة الأخيرة إلى تعليل نذر العذاب بأنها ظواهر طبيعية ستجلب لهم الخير "التفكير الرغائبي الأهوائي"! وما أشبه منطق قوم عاد بمنطق الأقوام الظالمة اليوم التي تعصف بها نذر العذاب من أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية طاحنة ثم تخدع نفسها بأن الأمور طبيعية وليس ثمة أي مشكلة!! إنه الاستعصاء الفكري الرهيب...

أما السؤال الصادم فهو: هل مجتمعاتنا العربية حية أم دخلت مرحلة العماية التاريخية؟؟؟

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

Abu-rtema@hotmail.com

 

 

تحول مفهوم القوة

أحمد أبورتيمة

 

شاهدت تقريراً مخيفاً عن الأسلحة التي تمتلكها الولايات المتحدة وقدراتها التدميرية الهائلة، من هذه الأسلحة طائرة b2 سبيريت التي تعد أغلى طائرة على الإطلاق فتبلغ تكلفة الطائرة الواحدة منها مليارين ومائتي مليون دولار، وقد صممت كقاذفة للصواريخ النووية ويمكنها التخفي عن الرادار..

أمريكا حريصة على أن تظل هي الدولة الأقوى عسكرياً حتى تكون لها الكبرياء والعلو في الأرض، وهذه الترسانة المخيفة من الأسلحة هي أصنام هذا العصر فالدول تتخذ من ترسانة الأسلحة آلهةً يقدمون لها القرابين بتخصيص ميزانيات ضخمة للتسليح لعلهم ينصرون.. وبهذه الأصنام تستعبد الشعوب فيخاف الناس من الأقوياء ويتخذونهم أولياء لعلهم ينصرون ويحذرون من إغضابهم لاعتقادهم بأن هؤلاء الأقوياء يملكون لهم الضر والنفع والموت والحياة..

أمام هذه المعادلة فإن التفكير التقليدي يقول: يجب أن نمتلك السلاح حتى نهزم أمريكا، وهي معادلة تبدو صعبةً وشائكةً جداً، لكن ماذا لو فكرنا خارج الإطار فبدل أن نسعى لامتلاك هذه الأسلحة حيدنا تأثيرها وفرغناها من فاعليتها حتى لا تغني عن أصحابها شيئاً فنحطم بذلك أصنام العصر كما فعل أبونا إبراهيم بأصنام عصره، ونحقق معنى التوحيد: "فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب"..

استعمال القوة العسكرية ليس عمليةً فنيةً بسيطةً تتوقف على إصدار أمر من قائد عسكري أو الضغط على زر تقني إنما هناك شبكة مصالح اقتصادية وسياسية ومنظومة علاقات اجتماعية وثقافية هي الأساس وقبل أن تفكر أي دولة في استعمال السلاح فإنها تراعي كل هذه العوامل، فالجانب الفني من استعمال السلاح ليس سوى الثمرة الأخيرة، فلو أحسنا التعامل مع المقدمات فخلقنا معادلةً سياسيةً واقتصاديةً واجتماعيةً فإننا لن نكون مضطرين للاقتراب من حافة الهاوية أصلاً فضلاً عن السقوط فيها..

تقوم الدول على شبكة علاقات اقتصادية وثقافية وسياسية، ولا يمكن أن تمارس دولة مسئولة الحروب ترفاً دون مراعاة مصالحها، فالحرب تنشأ نتيجة تصور الدولة المعتدية بأن هذه الحرب ستعود عليها بالفائدة، وأن رد العدو على اعتدائها لن يتسبب في إلحاق أضرار استراتيجية بمصالحها، فلو تغير الوعي لدى صناع قرار الحرب بأنها ستلحق الضرر الفادح بمصالحهم فلن يقدموا عليها حتى لو امتلكوا أسلحةً نوويةً ليس انطلاقاً من دوافع أخلاقية بطبيعة الحال إنما حرصاً على مصلحتهم التي تشابكت وتلاقت مع مصلحة العدو..  

أضرب مثالاً تبسيطياً لإيضاح المعنى: لنفترض أن هناك شعباً أعزل لا يملك قوةً عسكريةً لرد العدوان عن نفسه وهذا الشعب معاد لأمريكا التي تمتلك قنبلةً نوويةً يمكنها أن تمحو هذا الشعب عن الوجود بضربة واحدة، لكن هذا الشعب استعاض عن القوة العسكرية بتحقيق ريادة علمية وصناعية كبيرة فأغرقت منتجاته الأسواق العالمية، واستطاع تكوين شبكة مصالح واسعة متغلغلة في كثير من دول العالم بما فيها أمريكا، واستطاع أن يحدث إضافةً نوعيةً للإنتاج العالمي، هل تملك أمريكا شن اعتداء عسكري على هذا البلد الأعزل؟؟

فنياً تستطيع فعل ذلك، لكن إذا راعينا شبكة المصالح الاقتصادية والمعادلة الدولية فإن أمريكا لن تجرؤ على ذلك، لأن مصلحتها هي ذاتها ستتضرر، كما أن شبكة العلاقات التي استطاع هذا البلد نسجها مع دول العالم ستوفر غطاء حماية له، لأن أي اعتداء عليه سيلحق الضرر الفادح بمصالح الدول المرتبطة اقتصادياً به، وبذلك فإن انفتاح العالم وتشابك العلاقات الاقتصادية خدم السلام العالمي، وخيار الحرب يتراجع في العالم، فلم نعد نرى حروباً بين الدول المتقدمة لأن مصالحها تشابكت وتداخلت، وأي توتر فضلاً عن المواجهة العسكرية الفعلية سيهوي بمؤشرات البورصة وسيلحق الضرر بالاقتصاد في هذه الدول..

في واقعنا المعاصر أمثلة كثيرة لدول شقت طريقها نحو التقدم بالتنمية الاقتصادية دون الحاجة إلى جيوش وأسلحة مثل ألمانيا واليابان وماليزيا وتركيا، ويكفي أن نشير إلى ما ذكره كتاب اليابان تقول لأمريكا لا من أن التكنولوجيا النووية لأمريكا متوقفة على الميكرو شيبس الذي تنتجه اليابان!!

لقد تحول السلاح إلى صنم لا يضر ولا ينفع، فقد امتلكت باكستان سلاحاً نووياً لكنه لم يغن عنها شيئاً ولا تزال تئن تحت وطأة الفقر والجهل والتخلف، أما الاتحاد السوفييتي فقد انهار وهو يملك من السلاح ما يمكنه من تدمير الكرة الأرضية عدة مرات "فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب". لذلك فإن المدخل للحاق بالدول المتقدمة ومنافستها هو التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وليس تكديس الأسلحة أو بناء ترسانة نووية كما تفعل بعض الدول الإسلامية، وحين ننجح في إحداث نهضة ثقافية واجتماعية واقتصادية وبناء أنظمة سياسية مسئولة في بلادنا العربية فإننا سنمتلك عناصر قوة تجبر العالم على احترامنا..

هذه ليست دعوةً إلى التخلي عن القوة حتى لا يحاججني أحد بقوله تعالى "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل" بل للتنبه إلى أن مفهوم القوة قد تغير، فصار بإمكان الأدوات الاقتصادية والسياسية والإعلامية أن تصنعه ما لا تصنعه أصنام الأسلحة المتكدسة..   

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

إشكالية الفهم القانوني للدين

أحمد أبورتيمة

القانون هو مجموعة من الضوابط والعقوبات والالتزامات تمثل الحد الأدنى لإدارة علاقات الناس، لكن الحياة أوسع من القانون، والأساس هو تشجيع اختيارات الناس الحرة وخلق التنافس بينهم لتحقيق أكبر قدر من الخير والعدل، أما المجتمعات التي تلتزم بحرفية القانون وتميت روحه فهي مجتمعات لا حياة فيها، هي أشبه بمعسكر تجنيد تقوم العلاقة فيه على الانضباط وتنفيذ الأوامر..

القانون وحده حسب تعبير عفراء جلبي يشبه مدينةً تدخلها فلا ترى فيها إلا قسم الشرطة والسجون، ولا تقابل فيها إلا القضاة والمحامين. بينما يغيب عنها الفن والعلوم والاختراعات، والعلاقات الإنسانية والجماليات والأدب!!.

القانون حدي بينما الحق والخير والعدل كميات قابلة للزيادة لذا فإن صاحب العقلية القانونية يسجن نفسه في صندوق ضيق، ويعيش حياته وفق مبدأ الواجبات وحدها بدل أن يفيض قلبه بالخير والعدل التلقائي.. 

***********

من آثار العقلية القانونية ما نجده في فهمنا للدين حيث اختزلنا الفقه في أحكام حدية من قبيل: "فرض- حرام" ، "يجوز - لا يجوز"، وغاب عنا أن الدين أوسع من هذا بكثير، وأن هناك مقاصد كبرى لا يمكن ضغطها في فتاوى تفصيلية، هذه العقلية القانونية أثبتت عجزها في تحقيق رسالة الدين النفسية والاجتماعية والحضارية، ذلك أن الحدية التي تتسم بها تتناقض مع طبيعة القرآن ذاته وتتناقض مع طبيعة الحياة كذلك، فالقرآن يترك لنا في معظمه مساحات مفتوحة للارتقاء الروحي والأخلاقي دون أن يسجننا في اختيارات ضيقة صارمة: " فاتقوا الله ما استطعتم"، "هو أقرب للتقوى"، "أقسط عند الله"، "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" " وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم"،... هذه الآيات تعني أن ميدان الخير والحق والعدل غير محدود بل يقبل التنافس والزيادة، والبشر كذلك متفاوتون بطبيعة الحال تختلف طاقاتهم الاستيعابية اختلافاً شاسعاً: "فسالت أودية بقدرها"، فلو كان الدين واجبات ومحرمات وحسب لما كان هناك فرق بين أبي بكر الصديق وبين أدنى رجال هذه الأمة ممن يقيم الفروض ويمتنع عن المحرمات، لكن الذي حقق الفضل لأبي بكر هي دائرة التنافس المفتوح التي تركها القرآن لتحقيق الاختيار الإنساني دون إلزام...

*************

إذا رأيت مظلوماً يعتدى عليه فإن عفويتك تأمرك ببساطة أن تهب لنجدته لا أن تبحث عن تأصيل الحكم الشرعي ثم تقرر ماذا تفعل!

 لمسنا معضلة الفقه القانوني في الثورات الشعبية فالذين صنعوا هذه الثورات لم يكونوا أصحاب الفقه التقليدي الذين سجنوا أنفسهم في فتاوى صدرت قبل مئات السنين في ظروف سياسية واجتماعية مختلفة تماماً بل كانوا الأفراد العفويين الذين يعيشون واقعهم والذين فهموا الدين ببساطته وإنسانيته فهبوا تلبيةً لنداء الفطرة والحق والعدل، هؤلاء أقرب إلى الدين من المتدينين الرسميين وإن لم يوح مظهرهم ولباسهم بذلك..

الدين استجابة حية لمشكلات الواقع وليس مؤسسةً وطقوساً رسميةً وفتاوى محنطة.. سمعت أحدهم يسأل قبل عيد الفطر مدعياً حرصه على معرفة الحكم الشرعي إن كان يجب على الجنين زكاة علماً بأن المبلغ الذي سيزيد عليه ليخرج من دائرة الشك لا يتعدى الدولارين وأياً كان الحكم الذي يظنه ديناً فإن زيادة المبلغ بمقدار دولارين أو ثلاثة سيكون خيراً له وأزكى وأقرب لأهداف الدين! هكذا مسخت العقلية الفقهية فطرتنا السليمة وأماتت فينا حرارة الإيمان وتلقائية الاستجابة لدوافع الخير والعدل وحولتنا إلى مومياءات محنطة مجردة من الشعور الحي..

لا ينقص المسلمين فتاوى فدائرة الأحكام الحدية في القرآن محصورة جداً لا تتجاوز عشرات الآيات من أصل أكثر من ستة آلاف آية أما الثقل الأكبر في القرآن فهو توجيهات أخلاقية وروحية عامة تفتح باب التنافس والاختيار لذا فإن الأصل في حياة الإنسان هو الانطلاق الحر وفق مبادئ الدين العامة وحيثما كان العدل فثم شرع الله وكلما زاد العدل أكثر كلما اقتربنا من شرع الله أكثر، والتدين الحقيقي هو الذي يأتي استجابةً حيةً لمخالطة الواقع وليس الذي يقدم أنماطاً وإجابات مسبقةً صنعت في واقع آخر.

************

لعل أحد مشكلات الحركة الإسلامية هو غلبة الفقه القانوني على تفكيرها مما يؤثر على فاعلية أدائها السياسي والاجتماعي ويساهم في إبعادها عن دائرة التأثير على المجتمع، فكثير من الإسلاميين يبذلون طاقتهم الفكرية في البحث عن تأصيل شرعي للسلوك السياسي ويطرحون أسئلة من قبيل: هل تجوز المشاركة البرلمانية؟ هل يجوز الاستعانة بغير المسلمين ضد الحكام الظالمين؟، ما هو الحكم الشرعي للثورة على الحاكم؟؟ وبينما تستغرق هذه التساؤلات منهم الجهد والوقت الكثير يكون الآخرون قد تجاوزوهم بمراحل، وحين يعثر الإسلاميون على إجابات شرعية لهذه التساؤلات فإنهم يظنون أنهم قد حققوا اختراقاً فكرياً بينما الواقع يقول إنهم لم يبدءوا بعد، لأن العثور على إجابات لهذه التساؤلات بالإيجاب لا يعني حتمية الإقدام على هذه الخطوات إنما يعني الجواز فقط دون أن يغني ذلك عن دراسة الواقع السياسي والاجتماعي والموازنة بين المصالح والمفاسد لاتخاذ القرار، إن الفتوى تقول لك يجوز أو لا يجوز، لكن تعقيدات الواقع السياسي أكبر من هذه الإجابات التبسيطية بكثير، وهكذا فحين يحصر الإسلاميون تفكيرهم في دائرة ضيقة فإنهم يبتعدون كثيراً عن الواقع ويؤثر انشغالهم بالبحث عن التأصيل الشرعي على كفاءتهم السياسية لأنهم قد فرضوا قيوداً تحد من انطلاقتهم، والمدخل للواقع ينبغي أن يكون مدخلاً سياسياً يفهم الواقع بكل تفاصيله وتعقيداته ويستخرج فتوى سياسية بناءً على معطيات هذا الواقع، فالمسألة ليست ببساطة يجوز أو لا يجوز، إنما هي دراسة شاملة لعوامل كثيرة متراكبة ومعقدة.. 

******************

العقلية الفقهية القانونية تبعد الناس عن روح الدين وتفتح الباب للتحايل اللا أخلاقي، وهذا ما نجده مثلاً في بعض المصارف التي تسمي نفسها إسلاميةً فهي لا تتعامل بظاهر الربا وتقدم لك فتاوى لإقناعك بجواز معاملاتها لكنها لا تتوانى عن الجشع والاستغلال والتحايل، وكأن الدين حرم شكل الربا، ولم يحرم التحايل والجشع والاستغلال!! هذا الواقع هو من الآثار الواضحة للعقلية القانونية التي تظن أن الدين أحكام معلبة وفتاوى جاهزة دون أن يكون للدين بعد ذلك كلمة إذا ما تم الالتفاف على روحه والابتعاد عن مقاصده الكبرى..

***************

أدرك الإمام مالك بن أنس رحمه الله هو ومن سبقه من الفقهاء أن الدين أكبر من دائرة الأحكام، وأن الناس بحاجة إلى التربية أكثر من الفتوى فقال: «لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من، ولا أدركت أحدًا أقتدي به يقول في شيء: «هذا حلال وهذا حرام»، ما كانوا يتجرأون على ذلك، وإنما كان يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسناً، ونتقي هذا ولا نرى هذا،"

إن تحويل الدين إلى مجموعة من الأحكام الفقهية يفرغه من دوره الحيوي ويعزله عن حياة الناس ويجعله شيئاً ثانوياً تكميلياً لا يفتقده الناس في صميم انشغالاتهم بالحياة، ذلك أن الحياة بصخبها وتماوجها  أكبر من مجموعة أحكام معلبة، والناس حين لا ترى في رسالة الدين ملامسةً لمشكلاتهم الواقعية فإنهم سيعدونه ترفاً فكرياً وطقوسياً يلجأون إليه  في المناسبات ويتركونه في غمرة انشغالاتهم وحينها سينتج الانفصال الخطير القائم الآن بأن هذا دين وهذه دنيا وذلك لأن الدين بالشكل الذي نطرحه لا يعمل إلا في مساحة محدودة ومن ثم فهو لا يقدم إجابات مقنعةً لأسئلة الحضارة والعلم والمجتمع...

********************

حصر الدين في الأحكام الفقهية يقعدنا عن التزاماتنا الأخلاقية الإنسانية لأن الإنسان الذي ينتجه هذا الفقه الممسوخ سيتعامل مع الحياة بأنها واجبات وحسب ولن يتجاوز هذه الواجبات فستنطفئ فيه الروح الحية المتفاعلة.. إن مثل هذا الإنسان تماماً كمثل الطالب الذي ينسى أن هدفه هو تحصيل العلم فيصير همه مقتصراً على تأدية الواجبات التي يفرضها عليه معلمه وإن واتته فرصة لزيادة كسبه العلمي وتطوير مهاراته خارج دائرة الواجبات المدرسية فسيتقاعس عنها وكذلك الإنسان الذي ينتجه الفقه التقليدي فسيتعامل مع الحياة بأنها واجبات وحسب فإن أدى هذه الواجبات فلن يشعر بالتزامات أخلاقية تجاه مشكلات الظلم والفقر واختلال موازين العدالة التي يرزح تحت الناس في مشارق الأرض ومغاربها...

********************

إن الذي جاء بالفتاة الأمريكية ريشيل كوري إلى رفح لتناصر الفلسطينيين الذين يختلفون معها في الدين والجعرافيا واللغة والقومية ولتتصدى لجرافات الاحتلال وتقدم حياتها ثمناً لهذا الموقف الأخلاقي لم يكن فتوى سمعتها من أحد رجال الدين إنما أخرجها إحساسها الفطري بالالتزام الأخلاقي تجاه المظلومين في العالم، وربما يكون تحررها من هذه الفتاوى المنمطة عنصراً إيجابياً في تحفيز شعورها الأخلاقي الإنساني..ما أردت قوله من ضرب هذا المثل هو أن الإنسان بعفويته وفطرته يكون أقرب لتحقيق رسالة الدين في نصرة الحق والعدل من ذلك الذي تسجنه الأنماط الجاهزة والأحكام الفقهية الحدية، ولعل هذا يفسر لنا لماذا لم تولد ظاهرة ريشيل كوري في بلاد المسلمين فلا نجد نشطاء مسلمين يذهبون إلى بلاد غير إسلامية لمناصرة أهلها في الحق، وذلك لأن عقلية الواجبات والمحرمات التي رسخها الفقه التقليدي في نفوسنا أطفأ التفاعل المباشر مع قضايا المظلومين في العالم فصار أحدنا يظن أنه بتأدية الفروض قد أعفى نفسه من المسئوليات الأخلاقية في هذا العالم..   

الفقه القانوني فقه غائب عن العصر الذي نعيشه وهو قد خذلنا عن تقديم خطاب حضاري إنساني قادر على تحقيق غايات الدين الكبرى المتمثلة في الرحمة للعالمين وليقوم الناس بالقسط!! 

abu-rtema@hotmail.com

 

 

خواطر مضطربة بين يدي الضربة الأمريكية لسوريا

احمد ابو رتيمة

 

أعجز العجز أن نتخاصم بين مؤيد ومعارض ونتعصب لآرائنا ونحن نعلم أننا لا نملك أكثر من الجدل حول هذه الآراء دون أن تكون لآرائنا أي تأثير في مسار الأحداث وأننا لا نزيد عن كوننا أحجار شطرنج في المعادلة الدولية يحركها الأقوياء.. المشكلة ليست في أن رأيي أو رأيك هو الصواب.. المشكلة أن آراءنا في جميع الأحوال ليس لها قيمة فنحن في موقع المفعول به لا في موقع الفاعل...

**********

ليست المشكلة في قدوم أمريكا إلى المنطقة إنما في تربة بيئتنا التي أنبتت شجرةً خبيثةً وفرت الغطاء لهذا التدخل..حدث هذا في العراق ويحدث اليوم في سوريا وربما يحدث غداً في دول أخرى بعد أن فقدنا أي مناعة أو حصانة.. علينا أن نناقش الأسباب لا النتائج.. ما يحدث اليوم هو نتيجة طبيعية بعد أن دمرت مقومات الأمة وسحقت كرامة الشعوب.. لا تتباكوا على قطف ثمرة كان لا بد أن تقطف إن لم يكن على يد أمريكا فعلى يد قوة دولية أخرى..ازرعوا بذوراً جديدةً حتى تنبت شجرةً طيبةً أصلها ثابت وفرعها في السماء..

*************

لسنا غافلين عن الأهداف الخبيثة للسياسة الأمريكية ولسنا سذجاً إلى حد الاعتقاد بأن تدخل أمريكا جاء بدوافع إنسانية رأفةً بالمظلومين بل ونعلم أن التدخل الأمريكي يستهدف استنزاف سوريا وتفتيت وحدتها وسيستهدف مقاتلي الثورة كما سيستهدف النظام لكن حالة الاستعصاء الرهيب للحالة السورية منذ أكثر من عامين ونصف ووتيرة القتل والدمار المجنونة التي لا تهدأ لم تبق لنا سعةً من الخيارات وصار أي حراك يكسر حالة الاستعصاء الراهنة هو مفيد لمجرد أنه سيخرجنا من هذا الروتين القاتل الذي يبدو بلا نهاية..

لا نراهن على أمريكا إنما نراهن على أن هناك تدافعاً سيغير موازين القوى على الأرض وسيلحلحنا من مواقع الروتين القاتل التي لم نغادرها منذ عامين ونصف..

************

في جميع الأحوال إذا كان صدري سيتسع لوجهات نظر ترفض التدخل الأمريكي فإنني سأقبل أي مبررات باستثناء أن يكون مبرر الرفض هو التباكي على صنم القومية الزائفة..تباً لعروبة تقدس الأوثان وتقتل الإنسان..

*************

إلى عباد صنم القومية العربية الزائفة لقد مللنا من شعاراتكم الزائفة.. لن نأسى على المجرم بشار حتى لو كان هلاكه على يد الشيطان.. تتباكون على قومية عربية زائفة وتتجاهلون إزهاق أرواح عشرات آلاف الأبرياء.. تباً للوطن.. تباً للعروبة.. تباً للمذاهب والإيديولوجيات والشعارات المتصنمة كلها إن لم تقدس روح الإنسان.. أي تناقض هذا الذي تعيشونه حين لا ترون قتل الأطفال والنساء بأيدي بشار وترون فقط أن صنماً عربياً آخر سيحطم على يد الشيطان...أي حل دولي لن يكون أكثر سوءً من الواقع الحالي.. لماذا نصر على البقاء في شر أكيد مخافة وقوع شر محتمل إن وقع فلن يكون أسوأ من حمام الدم الحالي...لا تطرحوا أفكاراً عبثيةً إن كان عندكم قدرة على إسقاط بشار قبل قدوم أمريكا الشريرة فتفضلوا وسارعوا إلى هذا الحل وإلا فاصمتوا...

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

الكتابة والاستكتاب...

أحمد أبورتيمة...


كثيراً ما يقترح علي أصدقائي أن أكتب في موضوع محدد فأشكرهم على هذه الثقة التي يمنحوني إياها وأشعر بالرضا لأن طلبهم يدل على أنني أعبر بكتاباتي عما يختلج في صدورهم لكنني في ذات الوقت أشعر بالحرج لأنني غالباً لا أستطيع أن أكون عند ظنهم بي فألبي طلبهم مع سهولته الظاهرية..
ذلك أن الفكرة هي كائن حي فلا بد قبل ولادتها أن تمر بتفاعل وتلاقح في نفس صاحبها وأن يعيش تجربةً شعوريةً حتى تخرج إلى النور قويةً نابضةً بالحياة والأفكار الكبيرة تولد من القلب وليس من العقل كما يقال لذا فإن قوة الفكرة تكمن في أن تنبع من إحساس صاحبها الذاتي وليس في أن تطلب منه من جهة خارجية لذا حين يطلب مني أصدقائي الكتابة في موضوع ما أقول لهم أنتم الأقدر على الكتابة في هذه الفكرة لأن شعوركم بأنها تستحق الكتابة يعني أنها تفاعلت في قلوبكم إلى الحالة الحرجة ونضج شعوركم بها حتى صارت جاهزةً للولادة فإن أطلقتم العنان لأقلامكم فستخرج قويةً حيةً متدفقةً..
ليس بالضرورة أن يكون اعتذاري عن الكتابة هو أنني لا أتفق مع الأفكار المقترحة فربما أتفق معها عقلياً والفرق بين العقل والقلب هو أن الأول منطق بارد أما الثاني فهو طاقة حية متدفقة لذا علينا أن نعيد النظر في طبيعة رسالة الكاتب فالكاتب المؤثر لا يمكن أن يكون موظفاً تسيره حسابات الجهة المشغلة إنما هو شاعر بمعنىً من المعاني لا يكتب إلا بما يحس به ويعايشه في تجربة شعورية.. 
إن كثيراً من الأفكار راودتني بما يكفي لأكتب مئات المقالات التي لم أكتبها لكنها كانت ستكون مواضيع تقليدية روتينية تشبه الخطابات الرسمية ولا تضيف شيئاً جديداً لأنها لم تنبع من قلب صاحبها فلن تصل إلى قلوب القراء لذا فإن اقتناعك بفكرة لا يكفي وحده مبرراً للكتابة بها ما لم تلامس إحساسك وتعايشها..

 

 

 

حيوية العلم وبساطته..

أحمد أبورتيمة



التعليم الحي هو الذي يبدأ من تساؤلات الواقع ويهدف إلى إيجاد حلول لمشكلاته، ويكتسب فيه الإنسان خبراته من خلال مخالطة الحياة والتأمل في ظواهرها واستحضار أمثلتها لا أن يغلق الأبواب على نفسه وينكب على دراسات نظرية معزولة عن الواقع، فهو يتخذ من الحياة معملاً للتدريب، وبذلك تنشأ شخصية المتعلم متوافقةً واقعيةً تتشرب ما تتعلمه وتجد تطبيقاً مباشراً له في الحياة..
في طفولتنا تلقينا في المدارس تعليماً نظرياً مفصولاً عن الواقع فنشأنا ونحن ندرس بهدف أن ننجح في الامتحان ونتجاوز إلى المرحلة الدراسية التالية دون رغبة ذاتية في العلم ودون أن نستشعر علاقةً حيويةً لما تلقناه بحياتنا القريبة..
آية العلم الحي هو أنك تستشعر ملامسته لشغاف قلبك وأنه أجاب على تساؤلات ملحة تعتمل في صدرك فيورث هذا الاستشعار طمأنينةً قلبيةً وإحساساً بالتكامل والتوافق النفسي..

التعليم النظري يعزز حالة الانفصام النفسي بين العلم والواقع، ويفرغ العلم من وظيفته الحيوية فيصبح طلاسم وألغازاً ذا وظيفة ديكورية لنيل مكانة اجتماعية وحسب دون أن يكون له تماس مباشر بحياتنا وهذا ما نراه في غياب النقاش الفكري الحيوي المستند إلى حقائق المنطق البسيطة في مجتمعاتنا، فالعلم حسب ظننا يجب أن يكون معقداً حتى ينال صفة العلم، والعالم أو المثقف عندنا هو ذلك الذي يقول كلاماً غير مفهوم ويكثر من التحدث بمصطلحات فلسفية تستعصي على فهم العامة، لقد قال لي أحدهم ذات مرة إن فلاناً بحر من العلم، قلت له وكيف عرفت ذلك: قال إنه يتحدث بلغة فلسفية صعبة لا أفهم منها شيئاً!! إن العالم عندنا هو من يلوي لسانه بمصطلحات غامضة ولكنة أجنبية وليس ذلك الذي يشرح الحقائق ببساطة ويملك القدرة على إقناعنا ويحمل رسالةً إصلاحيةً تلامس قضايا المجتمع..

كان عالم الفيزياء الشهير آينشتاين يكره الكهانة العلمية والتلفع بالغموض، والادعاء، والتعاظم، وكان يقول إن الحقيقة بسيطة، يتحدث عنه في ذلك العالم المصري مصطفى محمود..
إن العلم بصورته المشوهة في بلادنا لا يشجع الناس على الإقبال عليه فهو يفتقد إلى جاذبية العلم وروحه لأنه منفصل عن الواقع مما سيدفع الناس إلى تفضيل الالتفات إلى هموم حياتهم اليومية عن الانشغال بعلوم نظرية لم تلامس حلاوتها شغاف قلوبهم، والسبيل إلى نهضة علمية حقيقية لا يكون عبر ديكور الاهتمام بالعلم وإقامة الاحتفاليات به وتقديسه كصنم لا حياة فيه إنما بتبسيط لغة العلم وردم الفجوة بينه وبين الواقع وتوثيق الصلة بين مؤسسات التعليم ومناهجه وبين قضايا المجتمع حتى يشعر المقبل على العلم بعلاقة حيوية مباشرة بين ما يتعلمه وبين مشكلاته الحياتية ويكون دافعه للعلم هو اقتناعه بأنه سيجد الحلول للمشكلات التي تؤرقه في هذا العلم وأنه بعد تلقي هذا العلم سيصبح أكثر كفاءةً وأكثر إنتاجيةً..
مثلاً فإن المزارع حتى يقتنع بالعلم فلا بد أن يكون لهذا العلم تماس مباشر مع حقل تخصصه فيدخل إلى معهد زراعي ويتلقى تدريبات تتعلق بميدان عمله وكيف يضاعف الإنتاج الزراعي ويكافح الآفات التي تلحق بعمله الخسائر أما أن يدخل هذا المزارع إلى كلية زراعية لأربع سنوات ويستنزف جزء كبير من طاقته الذهنية في دراسة متطلبات الجامعة ومتطلبات الكلية وأساسيات نظرية بعيدة عن التماس المباشر لحقله فإن هذا الواقع سيزهده في العلم..
مثال آخر حين يتعلم أحدهم لغةً أجنبيةً فلو كان هذا الشخص يمتلك ذاكرةً خارقةً وأمسك بمعجم ألفاظ هذه اللغة وحفظها جميعاً عن ظهر قلب فإنه لن يتقن هذه اللغة وستظل معرفته نظريةً تتمثل في حفظ كلمات معجمية دون أن يستطيع توظيفها واقعياً، وإتقان اللغة لا يكون إلا بممارستها والتعرف على كلماتها من خلال سياق حي فهذا أثبت للمعرفة، وهنا نستحضر تنزل القرآن في ثلاث وعشرين سنةً من خلال معالجة الأحداث والإجابة على التساؤلات الواقعية أولاً بأول بدلاً أن ينزل مجموعةً من المبادئ الأخلاقية النظرية جملةً واحدةً كما طلبت قريش وتعليل القرآن لذلك بتشرب هذه المعاني وتثبتها في القلب: "وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملةً واحدةً كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً"..

الفرق بين الكلمة المعجمية والكلمة الواردة في سياق هو أن الكلمة حين تنتزع من سياقها باردة لا حياة فيها لكن حين تتعرف على ذات الكلمة من خلال سياق واقعي فسوف تتشرب هذه الكلمة وتستقر في ذاكرتك ويثبت بها فؤادك..

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

فلسفة العيد كما أفهمها

أحمد أبورتيمة

 

الدرس الأهم الذي أفهمه من العيد هو أن الإنسان يتعبد ربه حتى باللهو واللعب، وفي هذا دلالة عميقة، فأن تكون الفرحة عبادة كما أن الصلاة والصوم والتعب عبادة في مواضع أخرى فهذا هو مفهوم التوحيد والوسطية.

التوحيد يعني أن يتحرر الإنسان من الخضوع لأي شيء من دون الله سواءً كان هذا الشيء مادياً أو معنوياً. فلا يخضع لحجر أو شجر أو بشر، وكذلك لا يخضع للهيئات والأحوال فتكون هي الغاية من دون الله لأن الخضوع للشيء هو عبادة له وهو بداية الإشراك مع الله..

ربما يكون واضحاً كيف يخضع الإنسان لهواه الظاهر من مال أو شهوة أو سلطان، ولكن كيف نفهم خضوع الإنسان للهوى الخفي فتتحول صور العبادة التي افترضها الله عليه من كونها عبادةً وقربى إلى كونها اتباعاً للهوى؟

يحدث ذلك إذا تحولت من كونها مجرد وسيلة إلى الله إلى غاية مقصودة بذاتها.مثلاً الصوم هو خضوع لله ونحن نفهم كيف أن الإفطار في رمضان هو مخالفة لأمر الله. ولكن كيف نفهم التشديد على ضرورة التعجيل في الإفطار حتى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم إن الناس لا يزالون بخير ما عجلوا الفطور..

ما هي كل هذه الأهمية لتعجيل الفطور حتى يجعله النبي مؤشراً على خيرية الأمة؟

الجواب والله أعلم أن التعجيل بالفطور يعني أن الإنسان ملتزم بالإسلام من طرفيه فهو في حالة التوازن والوسطية، ملتزم بالصوم أولاً، لكن هذا الالتزام مقيد بالحد والمدى الذي شرعه الله له، فالصوم ليس غايةً تقصد لذاتها ولو كانت مرضاة الله في الأكل آناء الليل وأطراف النهار لما تردد في فعل ذلك، وهذا يعني أنه متحرر من أي هوى ظاهرياً أو باطنياً، وأنه لم يعد متبعاً لحظوظ نفسه وميولها إلى أي اتجاه كان هذا الميل..

يفهم المرء كيف يكون إفطار رمضان اتباعاً للهوى، ولكن كيف يكون تأخير الإفطار كذلك، مع أن هذا التأخير في ظاهره دلالة تقوى وإيمان فهو يسبب للإنسان مزيداً من الجوع والعطش؟

والجواب يأتي من فهم عميق لسيكولوجية الإنسان فهو يملك قدرة هائلةً على التأقلم والتعويض، فإذا حرم من شيء فإنه مع مرور الوقت يألف هذا الحرمان فيصير مصدر استمتاع وتلذذ له..

وهذا ما نراه في واقعنا في حالة الفقراء مثلاً فمن يألف الفقر فإنه يصبح جزءً من كينونته النفسية، فإذا جاءته فرصة للغنى فإنه يزهد بها، وإن سعى إليها فليس سعياً جاداً لأن هناك دافعاً عميقاً لا شعورياً في داخله باللذة والاستمتاع بكونه فقيراً، وهنا نفهم العدالة الإلهية في تقسيم الناس إلى أغنياء وفقراء، فهذه تقسيمات ظاهرية لكن التأمل العميق يظهر أن كلا الفريقين منسجم نفسياً مع مستوى معيشته "يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر".

بهذا المنطق فإنه مع تعود الإنسان على الصيام فترات طويلة لا يظل الطعام هواه الرئيسي، ولكن يتحول هواه إلى البقاء على هذه الحالة من الجوع والعطش لفترات طويلة..فهو يتحرر من هوىً ليتبع لوناً آخر من الهوى

والإسلام يريد أن يحرر الإنسان تحريراً كاملاً فكما أنه يسعى لتحريره من أن يكون عبداً لهواه الظاهر، فهو يريد أن يحرره أيضاً من هواه الخفي..لذلك فإن خير الأمور الوسط ، والوسطية هي خاصية الدين حتى يظل الإنسان متوازناً بعيداً عن الإفراط أو التفريط..

نستطيع أن نقرب معنى الهوى الخفي باستحضار أمثلة أخرى.. مثلاً في الصلاة فكما أن الإنسان يتبع هواه ويتكاسل عن أداء الصلاة، لكنه إذا تغلب على هذا الهوى وصارت الصلاة جزءً من كيانه، فإنه يدخل إلى ميدان جديد للابتلاء فربما يتسلط عليه نوع من هوى آخر، وهو الرهبانية المتواصلة دون انقطاع، لذلك كان لا بد من جرعة توازنية فكانت هناك أوقات ثلاث تكره فيها الصلاة، وكان المنهج النبوي بأنه يصلي ويفتر، فكما أن المرء يتعبد الله بالصلاة فإن هناك أوقاتاً يتعبده بها بعدم الصلاة، وهذه الأوقات وإن كانت استثنائية وليست هي الأصل إلا أنها كافية لتحرير المؤمن من الخضوع لهيئة معينة وتحويلها إلى غاية في ذاتها، وضمان بقائه عبداً لله وحده، ونحن ندعو بعد كل أذان اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة لنتذكر أن الصلاة مجرد وسيلة وأن لها رباً نعبده ولا نعبدها.

مثال ثالث في الزواج فالعفة خلق حميد إلا أن الانقطاع الكامل عن الزواج فيه خروج عن شرع الله، وكما لذلك يتقرب الإنسان إلى الله بالتعفف فإنه يتقرب إليه أيضاً بقضاء شهوته..

وربما تكون هذه خاصيةً مميزةً لجميع شرائع الدين بأن كل عبادة هناك من جنسها ما يقابلها لإبقاء الإنسان في حالة التوازن والوسطية وحتى لا يميل كل الميل في أي اتجاه سواءً كان اتجاه التفريط والتحلل أو اتجاه الرهبانية والتبتل..فلا يكون الإنسان عبداً للملذات المادية، وفي ذات الوقت لا يكون عبداً للأهواء الخفية التي تتولد مع الإلف وطول العهد فتصير الأشياء التي ظاهرها تعب ومجاهدة هي مصدر تلذذ، وبذلك تتحول العبادة والتعفف والرهبانية من كونها مجاهدةً للهوى إلى هوى جديد..

فكما أن الأصل هو الإطالة والخشوع في الصلاة إلا أن هناك حقنةً توازنيةً نجدها في حث النبي على التخفيف في حالة الإمامة بالمصلين، وكذلك تجوزه في الصلاة حين سمع بكاء أم الصبي..

ومثال آخر وهو قضية القتال فكما أن القتال بطبعه تكرهه النفس، إلا أن المقاتل مع طول الإلف فإنه يشعر بشهوة تدفعه إلى مواصلة القتال، وتحيّن فرصه، وهنا تكون مجاهدته لنفسه ليست في أن يقاتل ولكن في ألا يقاتل حين لا يكون القتال ضرورياً لإحقاق الحق والعدل..

إذاً التحرر الحقيقي ليس في ترك القتال كليةً ولا في اعتماده كليةً، ولكنه في تجرد النفس من أي هوى وتعاليها فإذا اقتضى الأمر قتالاً قاتل الإنسان وإذا اقتضى سلماً سالم دون أن تستهويه حالة فيخضع لها.

في ضوء هذه الفلسفة نفهم موقع العيد ضمن النسق الكامل فهو بمثابة الجرعة التي تعيد الإنسان إلى حالة التوازن وتضمن عدم انحرافه عن الطريق القويم. فإذا كان الإنسان طوال العام مجتهداً في الزهد في الحياة والتخفف من المباحات، فإن الإسلام يقول له في يوم العيد كما أنك تتقرب إلى الله طوال العام بالتخفف من المباحات فإن تقربك إلى الله في هذا اليوم هو باللهو واللعب وبالتوسع في المباحات وكما في الحديث عن أيام التشريق بأنها أيام أكل وشرب وذكر الله، فإن زعم إنسان أنه لا رغبة له بهذه الأمور وأنه يريد أن يظل في يوم العيد على ذات النمط المألوف من الزهد والانقطاع والاعتكاف فإننا نقول له:إنك لست صادقاً في عبادة الله، ولكنك تعبد إلفك ومعهودك، وحين يختار إحياء الحزن وزيارة المقابر يوم العيد فهذا ليس بدافع الاعتبار والاتعاظ، ولكن اتباعاً لشهوة خفية، لأن التقرب إلى الله في هذا اليوم هو بالأكل والشرب واللهو المباح..

أرأيتم كم هو ديننا عظيم!!

والله أعلى وأعلم..

abu-rtema@hotmail.com

 

 

عبادة بالاجتناب

أحمد أبورتيمة

 

ليس بالضرورة أن يكون دافع البشر للقبول بالعبودية الخوف أو الحب أو نحو ذلك من الدوافع التقليدية..

أحياناً تكون هناك عبودية مجانية يمنحها العبيد لأسيادهم دون أن يكونوا مجبرين على فعل ذلك إنما يفعلون ذلك فقط لأنهم ألفوا تصغير النفس وإذلالها ولو أنهم قرروا أن يكونوا أحراراً لما كلفتهم الحرية ثمناً من جهد أو نفس أو مال..

إن الحرية في هذه الحالة لا تتطلب منهم أكثر من أن يتوقفوا عن التملق الرخيص للطغاة وأن يبتعدوا عن المواطن التي تمس كرامتهم وأن يعيشوا حياتهم الطبيعية بعيداً عن الطغاة وما يقتضيه القرب منهم من إهانة للنفس وإذلال..

يدلنا القرآن على عبادة جديدة وفريدة لا تكلفنا شيئاً لكنها تضمن لنا حرية النفس وكرامتها إنها عبادة الاجتناب: "أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت"، "والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها"..

إن أضعف الإيمان إن لم تكن قادراً على قول الحق ألا تقول الباطل.. إن أعجزك الدخول في مواجهة مفتوحة مع الطاغوت فليس أقل من الابتعاد عن طريق النفاق والتملق والعبودية المجانية..

الحرية كثيراً ما لا تتطلب منا ثمناً أكثر من الاجتناب والاجتناب مقاومة سلبية يقدر عليها أي فرد، ولا يغفل عنها إلا من تشرب قلبه العبودية حتى اختارها من تلقاء نفسه طواعيةً لا يكرهه عليها أحد..

يخاطب الله نبيه في سورة العلق أن يواجه طغيان قومه بآلية بسيطة تشبه ما يعرف في عصرنا بالعصيان المدني، إنها آلية "لا تطعه".. إن قالوا لك يا محمد لا تصلي فالرد ببساطة هو أن تصلي: "أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى.....كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ"..

كثير من مظاهر العبودية التي نراها في مجتمعاتنا هي من قبيل العبودية المختارة- حسب تعبير الفرنسي أتين دي لابويسيه- يمارسها الناس دون أن يجبرهم عليها أحد..

ما الذي يدفع الناس للتزاحم حين يرون أحد المسئولين للسلام عليه والتبسم في وجهه ونفاقه بمجاملات رخيصة وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنه طاغية يستكبر في الأرض بغير الحق ويقول للناس اتخذوني إلهاً من دون الله ولو أنهم اكتفوا بالابتعاد عنه وتجنب مجاملته لصانوا حريتهم الداخلية من التلوث ولحافظوا على كرامتهم الإنسانية..

"إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون"!!

abu-rtema@hotmail.com

 

 

أين الله؟؟؟

أحمد أبورتيمة

في ساعات الزلزلة تصبح قضية الإيمان ذاتها محل تساؤل إذ يضعف يقين كثير من النفوس ويقولون لماذا يسكت الله على الظلم ولماذا لا ينصر أصحاب الحق على البغاة ولو كان موجوداً فلماذا لا يستجيب لعباده الذين يرفعون أكف الضراعة إليه!!

يصور القرآن هذه اللحظات العصيبة: "إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا"

في ظل اشتداد وطأة الابتلاء كتب أحدهم: " لا أعلم شيئاً عن سر الإله لكنني أعلم الكثير عن بؤس الإنسان"...هل الله حاضر بالفعل وهل يراقب ما يحدث ولماذا لا يتدخل لنصرة المظلومين !!
نعم الله حاضر وهو ليس بغافل عما يعمل الظالمون لكن الله تعالى يعطي البشر فرصتهم الكاملة ليختبرهم ويرى ماذا يصنعون في هذه الأرض التي استخلفهم فيها هل يفسدون فيها أم يصلحون وليتحملوا مسئولية اختيارهم..

استخلفنا الله في هذه الأرض وأعطانا الحرية الكاملة لنفعل ما نشاء، وما دمنا نملك الحرية الكاملة فعلينا أن نتحمل المسئولية الكاملة تجاه عواقب أفعالنا فلا معنى لحرية بدون مسئولية، وما يحدث في هذه الأرض من قتل وسفك دماء هو من صنع البشر أنفسهم بإرادتهم الحرة: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض ما كسبوا"، وكما صنعنا هذا الجحيم بما كسبت أيدينا فإن الله قد منحنا القدرة لنصنع جنتنا على هذه الأرض بأيدينا أيضاً حين نغير ما بنفوسنا دون إكراه أو إجبار منه تعالى.. 

 لماذا نلوم الله على أنه لم يتدخل لتغيير مجريات الأحداث بمعجزة خارقة وهو قد أعطانا القدرة على تغيير هذه الأحداث بإرادتنا الحرة ووفق سنن طبيعية لا تتغير ولا تتبدل..

إن الله لا يتعجل بعجلتنا بل يضع سنناً محكمةً في هذا الكون ثم يراقب أفعالنا..

غاية هذه الحياة الأرضية هي ابتلاؤنا ليميز الخبيث من الطيب وليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً"، وهذه الغاية العظيمة لا تتحقق إلا بشيء من الخفاء لدور الله "الظاهر والباطن"، فلو كان دور الله واضحاً سافراً ينصر المظلوم فور وقوع الظلم عليه ويأخذ الظالم دون أن يمهل له لما كان هناك معنىً للابتلاء ولما تمايزت الصفوف ولآمن الناس إلجاءً لا اختياراً: "إن نشأ ننزل عليهم من السماء آيةً فظلت أعناقهم لها خاضعين"..

هذه الدنيا ليست سوى لحظة عابرة لا تساوي شيئاً بمقياس الحياة الأبدية "وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون" لذا لم يجعلها الله داراً للخلود والاستقرار بل هي فترة ابتلاء وتمحيص فلا عجب من أن يعلو صوت الظالمين وتشتد المحنة بالمستضعفين حيناً من الدهر، فبضع عشرات أو مئات من السنين يعلو فيها الظالمون ليست سوى لحظة خاطفة في عمر الحياة الأبدية: "أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون"...

لم يرض الله تعالى هذه الحياة الفانية مستقراً لعباده، لذا فإن مراد الله غير مراد البشر، مراد البشر النصر والقوة بينما مراد الله التمحيص والتطهير، وبذلك يحررنا التصور القرآني من مركزية النصر والدولة مع اعترافه بأهميتها للبشر: "وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب"، هي مسألة تأتي في الترتيب الثاني، أما الأولوية فهي لتزكية الإنسان وتطهيره وتقريبه من الله تعالى، وهذه الغاية لا تتحقق إلا بالابتلاء: "ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم"..

إن الخسائر التي تلحق بالمؤمنين أثناء مجاهدتهم في هذه الحياة الدنيا ليست ثمناً مهدراً نتمنى لو أننا تجنبناه، بل هي في ذاتها مقصد إلهي يتقدم على مقصد النصر والتمكين لو أننا نظرنا نظرةً أشمل من النظرة الدنيوية القاصرة التي تجعل هذه الحياة هي نهاية الآمال، نظرة تتخذ من تزكية الإنسان هدفاً أساسياً لا من تمتعه بالملذات والراحة:

 "إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ"..

يميل البشر إلى الراحة ورغد العيش لكن الله تعالى يريد أن يحق الحق ويبطل الباطل:

"وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين"

هذا التصور هو الذي يمنحنا الصبر واليقين ويحول بيننا وبين الوقوع في براثن اليأس والكفر مهما طال الظلم واشتد الظلام:

" أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ"..

abu-rtema@hotmail.com

 

 

 

وهم الشعور بالاستثنائية

أحمد أبو رتيمة

 

قلت ذات مرة إن أجواء العنف والاقتتال التي تمر بها بلاد العرب تذكر بتاريخ الأوروبيين الذين لم يهتدوا إلى سبيل الوحدة إلا بعد حربين عالميتين طاحنتين أزهقتا نفوس عشرات الملايين فهل علينا أن نعيد ذات التجربة وأن نمر بحروب أهلية طاحنة قبل أن نضطر إلى القبول بأسس الحكم الرشيد والتداول السلمي للسلطة؟؟، حين قلت هذا الكلام ردَّ علي رجل تونسي غاضباً إنك قد ضللت ضلالاً مبيناً.. كيف تشبهنا نحن المسلمين بالكفار.. إنهم يعيشون في جاهلية جهلاء أما نحن فعلى الحق المبين، وإن ما ينتظرنا هو الخلافة الراشدة وليس نفس مآل الأوروبيين!!

أشكر هذا الرجل فقد نبهني جوابه إلى إحدى ثقافتنا وهي الشعور بالاستثنائية والأفضلية والاستعلاء على البشر حتى إننا نتحسس من المقارنة مع الأمم الأخرى ونظن أن الله يعاملنا معاملةً خاصةً، وأن كوننا مسلمين يجعلنا خارج دائرة السنن التاريخية!

هي ذات المشكلة التي نجد بعض تجلياتها في واقع قضيتنا الفلسطينية مثلاً، فرغم أوجه الشبه الكبيرة بين ممارسات الاحتلال الصهيوني ونظام الفصل العنصري الأبارتهايد في جنوب أفريقيا فإننا نلمس عزوفاً واضحاً عن دراسة هذه التجربة الأممية واستلهام تجربة نيلسون مانديلا في مقاومة الفصل العنصري للاستفادة منها في بعض جوانبها وليس بالضرورة استنساخها بالكامل، وسبب ذلك أن فكرةً قد استقرت في اللا شعور عندنا أن قضيتنا الفلسطينية الإسلامية هي استثناء تاريخي لا ينتمي لتجارب الشعوب الإنسانية، وأن الله يسيرها بآلية غيبية..

لعل أحد أسباب هذه الفكرة اللا شعورية بالاستثناء هو الفهم الخاطئ لبعض النصوص الدينية وإخراجها عن سياقها الصحيح رغم أن هذه النصوص كثيراً ما تكون ضعيفةً يسقطها التحقيق العلمي الدقيق، فمثلاً حين يقرأ المسلم حديث قتال المسلمين لليهود في آخر الزمان حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر فإن هذا الحديث يترك في اللا شعور أثراً يتمثل في الاعتقاد بأن صراعنا مع الاحتلال الصهيوني لا ينتمي لحقل التجارب الإنسانية فيولد ذلك زهداً في دراسة هذه التجارب والاستفادة منها، وكذلك حين يقرأ المسلم أحاديث المهدي المنتظر فإنها تترك أثراً لا شعورياً بأن الوحدة الإسلامية لن تتحقق إلا بظهور هذا القائد وأن تجارب الأمم الأخرى في الوحدة والقوة لا تنجح معنا، مع أن هذه النصوص فيما لو صحت فهي لا تمثل قيداً جبرياً على أفعالنا إذ هي لا تزيد عن إخبار بغيب سيحدث يوماً ما بكيفية ما دون أن يقيدنا الحديث بتوقيت معين وفعل معين لتحقيق هذه النبوءة، وإن كان الله قد قضى أمراً فسيحدث هذا الأمر لا محالة وكل الطرق ستؤدي إليه سواءً اليوم أو بعد ألف سنة، لكن هذا التدبير الغيبي لا يلزمنا نحن البشر بأن ننعزل عن واقعنا ونتقاعد عن مواجهة تحدياته وفق الأسباب التي يأخذ بها البشر جميعاً.. 

 الشعور المتوهم بالاستثنائية يحرمنا من الاستفادة من تجارب البشر الثرية الزاخرة عبر آلاف السنين فنتخبط في مسار حياتنا ونسير على غير علم ولا هدى ولا كتاب منير ونعتمد مبدأ التجربة والخطأ في سلوكنا فنعيد تكرار نفس أخطاء الأمم الأخرى ونتجرع ذات الويلات التي تجرعوها لأن نرفض القبول بأننا بشر مثلهم وأن ما أصابهم سيصيبنا إن اتبعنا سننهم وأن دراسة عاقبة أمرهم ستختصر علينا الكثير من المعاناة والألم..

إننا نظن أن الله يحابينا وأنه يدبر أمورنا بآلية غيبية لا تتأثر بأخطائنا البشرية، وأن الله يمكن أن يتدخل لينصرنا بمعجزة خارقة للسنن الطبيعية، ونظن أن القوانين التي تعمل في حياة الأمم الأخرى تخص غير المسلمين وحدهم، أما نحن فنمتلك من الميزات التفضيلية ما يمنحنا الاستثناء والتعالي على هذه القوانين.

هو ذات مرض الشعور بالاستثنائية الذي أصاب اليهود والنصارى من قبلنا فقالوا "نحن أبناء الله وأحباؤه"، لكن القرآن يصحح لهم ولنا طريقة التفكير برد علمي حاسم: " قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق"..

إن سنة الله واحدة تجري على الأولين والآخرين "ولن تجد لسنة الله تبديلاً"، والتشابه بين ما يصيبنا من فشل وهزيمة وما يصيب الأمم الأخرى يكذب ادعاء الاستثنائية، لذلك فإن من يدرس التاريخ يمتلك القدرة على التنبؤ بمآلات الأمور وفق مقدماتها، وهذه هي قيمة دراسة التاريخ أن نستفيد منه في توقع أحداث المستقبل بالنظر إلى مصائر الأمم التي خلت من قبلنا، فالقانون الذي يحكمنا ويحكمهم  قانون واحد، فنسارع إلى تصحيح المسار والاتعاظ من عبرة التاريخ..  

إن دراسة التاريخ الإنساني يحررنا من وهم الاستثنائية فتتسع آفاقنا ونتصل بامتدادنا الإنساني ونبصر ما عند الأمم الأخرى من جوانب تضحيات وآلام ونجاحات فنكتشف أننا لسنا وحدنا في هذا العالم وأن لدى الآخرين ما قدموه وأبدعوه في مسار الحضارة البشرية..

مؤشر الوعي التاريخي ليس أن ندرس العصور الأموية والعباسية والمملوكية وحسب، فالاقتصار على تاريخنا وحده يعني قطع امتدادنا الإنساني وحرمان أنفسنا من تجارب الأمم الثرية ويعني أيضاً تكرار ذات الأخطاء التي وقعنا فيها عبر تاريخنا.

يقول الله تعالى " قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين" وهي دعوة لدراسة التاريخ الإنساني في عمومه من خلال السير في الأرض أي تجاوز الحدود القطرية والثقافية الضيقة، فالسنن ذاتها هي التي تحكم المسلمين وغير المسلمين..

إن من لا يقرءون التاريخ هم الذين يصيبهم مرض الشعور بالاستثنائية "فيحسبون أن التاريخ قد كتب نهايته على أبوابهم، وأن الأيام لن تتداول بعد أن وصلت إليهم، فيقودهم هذا الشعور إلى التمادي في العماية حتى تجري عليهم سنة الأولين ويأتيهم العذاب بغتةً وهم لا يشعرون...

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

تحرير الخلاف في قصة عساف

أحمد أبورتيمة*

كان يفترض ألا تحدث قصة الفنان محمد عساف كل هذه الضجة، وكان ينبغي أن تظل في إطارها الطبيعي متمثلةً في قصة شاب موهوب تغلب على ظروفه الصعبة واختار وجهته الخاصة في هذه الحياة وحقق في ذلك نجاحاً سواءً اتفقنا معه أو اختلفنا فالناس أحرار في اختياراتهم، لكن ما أضفى على قصة محمد كل هذا الجدل هو خصوصية واقع قطاع غزة السياسية والاجتماعية لذا كان لا بد من وضع النقاط على الحروف:

أولاً لست مختلفاً مع الذين يعارضون برنامج عرب آيدول فهو برنامج فيه كثير من مظاهر الفساد والهبوط الأخلاقي مما يتناقض مع ديننا وتقاليدنا عدا أنه وسيلة لاستنزاف جيوب الناس وجني الأرباح الطائلة منهم، لذا سيكون حديثي عن ظاهرة محمد عساف وليس عن البرنامج أو الوسط الفني الذي كان يحيط به.

لم يكن البرنامج ذاته هو ما دفع الجمهور الفلسطيني للمتابعة إنما الرغبة في فوز ابن بلدهم ورفع اسم فلسطين، كما أن مظاهر التبرج والسفور المنكرة التي تضمنها البرنامج ليست هي القضية الأساسية التي ينبغي أن يتركز حديثنا حولها، فإن كان هناك من يبحث عن الانحلال الأخلاقي فسيجد طرقاً أقصر لتحقيق مآربه من أن يتعمد مشاهدة مثل هذا البرنامج.

من حقنا ألا نرضى عن اهتمام الناس بمثل هذا البرنامج، ومن حقنا أن تكون لنا رؤيتنا وطريقة حياتنا الخاصة التي نسعى لنشرها في المجتمع، لكن ليس لنا أن نلوم الناس حين تأتي اهتماماتهم مخالفةً لتوقعاتنا، فالناس أحرار في تحديد أولوياتهم، وحين نفشل في تعميم رؤانا فإن علينا أن نراجع أنفسنا وأفكارنا ووسائلنا وأن نتساءل لماذا لم ننجح في جذب الناس إلينا على النحو الذي نجحت فيه قضايا أخرى لا أن نهاجم الناس ونتهمهم بالتفاهة..

أثبت اهتمام الناس بقضية عساف أن المجتمع أكبر من أي جماعة، وأنه عصي على الاحتواء، وأن تنوع الألوان والاهتمامات هو حالة طبيعية داخل المجتمع، ولا يحق لأحد أن يمارس الإقصاء ضد غيره، إنما علينا أن نبدع وسائل أكثر مرونةً في التعامل مع الناس تراعي تنوع مشاربهم واهتماماتهم.

أثبت خروج الناس العفوي إلى الشوارع عقب إعلان فوز عساف أن الناس تبحث عن الفرح، ونفس الذين فرحوا بهذا الفوز هم الذين فرحوا بانتصار حجارة السجيل وفرحوا بفوز مرسي وهم أنفسهم الذين يخرجون للاحتفال بفوز فريقهم المفضل في كرة القدم، إذاً فالناس تبحث عن صناعة الفرح بغض النظر عن التفاصيل، ودلالة ذلك أن الناس تبحث عن متنفس ولا تطيق البقاء في حالة شحن متواصل، وخطاب العزيمة الذي يدعو إلى الصبر والتضحية على أهميته لا يكفي وحده إن لم يعزز بخطاب رخصة يبث الفرح والابتهاج في نفوس الناس.

علينا ألا نضيق بفرح الناس فنثبت بذلك دعاية أعدائنا بأننا ظلاميون كارهون للحياة لا نفهم سوى الموت والقتل، ففرح الناس ينبغي أن يفرحنا لأنهم أهلنا، بل علينا أن نعززه لأنه يقوي صمودهم، وليس صحيحاً أن الناس تفرح بالمعاصي فمنبع فرح الجماهير هو أن اسم فلسطين انتصر، وأن ابناً لهم رفع ذكر بلدهم..

هناك خلط غير مبرر بين قضية فنية صرفة وبين قضايانا الوطنية الكبرى فتجد من يقول: كيف تفرحون والأسرى يعانون، والقدس محتلة، أو من يحلو له المقارنة بين محمد عساف وسامر العيساوي، وهذا النمط من الخطاب ممل لم يعد يقنع أحداً، كما أنه عدائي للحياة، فالوطنية لا تفرض على صاحبها أن يعيش حياته في هم وحزن دائمين، ونفس الذين ينتقدون فرحة الناس يقضون بعض أوقاتهم في الفرح والضحك، فلو عاملناهم بنفس منطقهم لاعتبرنا أن أي فرح لهم هو خيانة لقضايا الأمة والوطن..

كشفت متابعة الجمهور العربي والفلسطيني لهذا البرنامج أن هناك جماهير عريضة من الشعوب العربية لا تزال خارج التغطية لم تنجح الحركة الإسلامية بعد في الوصول إليهم ومراعاة اهتماماتهم، وهذا ينبهنا إلى ضرورة أن نكسر الشرنقة العازلة بيننا وبين هذه الكتلة الجماهيرية الضخمة التي ستحدد مصير الأمة وأن نصل إليهم باللغة البسيطة والعفوية المباشرة التي يفهمونها بعيداً عن الخطاب التقليدي والوسائل النمطية التي أخفقت في إقناعهم..

لقد نبهتنا قضية محمد عساف إلى قصور الفكر التنظيمي والحاجة إلى فكر جماهيري أوسع، الفكر الجماهيري ينظر دائماً إلى جوانب الاتفاق ويراعي فردية الناس واختلافاتهم، وإذا طبقنا الفكر الجماهيري على حالة محمد عساف فليس مطلوباً منه أن يخضع لمقاييسنا بشكل كامل حتى نرضى عنه، إنما يكفي أن تكون هناك نقطة التقاء واحدة للاستفادة منها، فمحمد عساف لم يصنع موهبته ابتداءً داخل إحدى الأطر التنظيمية إنما فرض نفسه على الساحة بجهده الذاتي، لذا فإن الاختيار اليوم ليس بين الأسود والأبيض إنما بين كمية اقترابه أو ابتعاده منا، وكلما نجحنا في مد الجسور أكثر مع أمثال هؤلاء كلما كانت فرصة توجيه مواهبهم وقدراتهم في اتجاهات وطنية أكبر..

إذا كانت إسرائيل تحرص على مد الجسور مع كبار الفنانين والشخصيات المؤثرة عبر العالم قاصدةً بذلك أن تصل من خلالهم إلى جمهورهم وأن تقنع ذلك الجمهور بروايتها، فهل يعقل أن نتجاهل نحن أصحاب القضية العادلة مثل هؤلاء الأشخاص المؤثرين خاصةً وأنهم يحملون بذور خير وفيهم روح وطنية يمكن استثارتها وتعزيزها بما يحقق النفع لقضيتنا الوطنية..

*كاتب فلسطيني

abu-rtema@hotmail.com

 

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

الأسير أحمد السكني. .مأساة مروعة تذرف لها العيون

أحمد أبورتيمة

 

تخيلوا قصة إنسان ينتظر بلهفة وشوق مولوده الأول وبينما هو في الانتظار يعتقل ظلماً ويحكم عليه بالسجن سبعةً وعشرين عاماً وتضع زوجته مولودهما الأول وهو في الأسر فيكبر الطفل دون أن يرى أباه، وبعد أحد عشر عاماً تبلغ المأساة ذروتها حين يسمع وهو في السجن عبر إحدى الإذاعات خبر مصرع ولده الوحيد الذي لا يزال ينتظر احتضان أبيه على أحر من الجمر..

هذه هي قصة الأسير الفلسطيني أحمد السكني من غزة وولده الوحيد طارق، إذ كان السكني قد اعتقل على حاجز أبو هولي وسط قطاع غزة في العاشر من ديسمبر عام 2001 ، وولد ابنه الوحيد طارق أثناء اعتقاله، ولم يتمكن طوال فترة الاعتقال من رؤية ولده سوى مرتين بفعل السياسة الإسرائيلية المتبعة بحرمان الأسرى داخل السجون من زيارة ذويهم..

لقي طارق مصرعه في يوم الاثنين الرابع والعشرين من يونيو 2013 بعد مشاركته في احتفالية لنصرة الأسرى ألقى خلالها كلمته الأخيرة إلى العالم جاء فيها:

"أيها العالم النائم..إن هناك قطعةً من هذا العالم تسمى فلسطين يعيش شعبها حالةً من الظلم والبطش.. بأي حق يستيقظ أطفال فلسطين دون أن يرى الطفل أباه.. بأي حق يحرم الطفل من رؤية والده منذ الولادة؟ أبي ليس مجرماً وليس قاتلاً وليس خائناً ولكنه يقبع في زنزانة لا يرى فيها الضوء ولا تصح إلا للقتلة والمجرمين.. أيها العالم الذي أغلق أذنيه في وجه أطفال فلسطين: أين حقوق الإنسان أين الضمير أين الإنسانية؟؟ منذ أن ولدت لم أر أبي!! في أي مكان من الكون يحصل هذا؟؟ أريد أبي أريد أبي أريد أن أسمع صوته"

انفجرت هذه الكلمات من قلب الطفل طارق المليء بالحزن والقهر، وهو لا يدري أن لحظات قليلةً تفصله عن الموت حيث الرحيل إلى الله، هناك في دار أبدية لا يظلم فيها أحد..

أما الأب المفجوع في سجنه فلم يحتمل صدمة الخبر الذي سمعه عبر إحدى الإذاعات المحلية ففقد وعيه وانهار من الصدمة وقال وهو في حالة يرثى لها: "السجن والأسلاك الشائكة بكت من هذا الخبر , فكيف أنا أبوه .. " ابني طارق .. ابني طارق .. مات وهو ينتظر الإفراج عنى ليحتضنني!!

الطفل طارق أحمد السكني قبل لحظات من مصرعه:

abu-rtema@hotmail.com

 

https://www.youtube.com/watch?v=RIkxNrdXx6w

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

حديث البطولة وحديث الفكر

أحمد أبورتيمة

يركز حديث البطولة على إبراز تضحيات الشعوب، وعلى تحويل القادة إلى أبطال أسطوريين خالدين لم يجد الزمان بمثلهم، ويبرز إنجازاتهم فوق العادية وملكاتهم التي تكاد تخرجهم من دائرة البشرية إلى دائرة الألوهية، وكيف انتصروا رغم شح الإمكانيات وصعوبة التحديات.

 حديث البطولة لا يخاطب العقل إنما العاطفة والوجدان ويهدف إلى تعبئة النفوس بروح ثورية تطلق أصحابها نحو التضحية والفداء، طبيعة أحاديث البطولة تقتضي إبراز المناقب والفضائل للذات الوطنية أو القومية أو الدينية وإحاطة الأبطال بهالة من القداسة، وفي ذات الوقت تميل إلى شطب السلبيات والتغاضي عنها لأن الحديث فيها قد يخدش الصورة الجميلة..

حديث البطولة تلجأ إليه الشعوب في فترات الاستضعاف لأنه يمنحها أجواءً من العاطفة الدافئة ويعزز مشاعر التضامن بين الناس فهو حديث عاطفي دافئ لا يعكره جفاف الفكر ولا ينغصه مراجعة النفس وإدانتها، أما حديث الفكر فهو حديث يفتقد إلى دفء البطولة وحرارة العاطفة، يعتمد على نزع الهالات والأردية الجميلة، ويهدم أصنام البطولة، ويواجه الحقيقة السافرة حتى لو كانت مزعجة..

حديث البطولة رغم أنه أحب إلى نفوسنا إلا أنه يشتمل على مخاطر جسيمة وذلك لأن الأمم لا يمكن أن تبني حضارات وتنهض بالبطولة وحدها بل لا بد من أسئلة مزعجة وطرح قضايا شائكة للمعالجة ومواجهتها بشجاعة مهما تسببت في الإزعاج، والدول المتحضرة اليوم قد هدمت كل الأصنام البشرية ولم يعد أحد في الدولة خارج دائرة المساءلة مهما علا منصبه..

خطورة البطولة تنبع من أنها تميل إلى حذف الأخطاء والتستر عليها بحجة أن تظل الصورة ناصعة البياض لكن هذا التستر من شأنه أن يفاقم هذه الأخطاء وأن يحرمنا من فرصة معالجتها..

شطب أخطاء القادة وتقديمهم إلى الناس بأنهم كتلة من الحسنات وحسب سيحول هذه الزعامات إلى أصنام وتماثيل يحرم الاقتراب منها بالنقد وبذلك سيغيب صوت العقل والفكر..

ينحاز القرآن بطبيعته إلى المنهج الفكري، فهو كتاب واقعي لا يكرس البطولات الأسطورية حسب تعبير المفكر علي عزت بيجوفتش، وإذا كان الذين يحيطون أبطالهم بهالات من القداسة يتذرعون بأن هؤلاء الأبطال سيكونون ملهمين للأجيال لذا ليس من الحكمة التركيز على مواطن ضعفهم وأخطائهم فإننا نجد في القرآن أن محمداً رغم كونه المثل الأعلى للبشرية إلى يوم الدين إلا أن هذا لم يكن مبرراً لخلق دوائر حمراء ومناطق محرمة في سيرته بل إن القرآن يعرض لنا سيرته بكل دقائقها بما فيها من عواطف بشرية "وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه"، "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك" "عفا الله عنك لم أذنت لهم" "عبس وتولى أن جاءه الأعمى".. ويعالج أيضاً أخطاء الصحابة " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة" "إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم" "قل هو من عند أنفسكم".. كل هذه الآيات تتعارض مع حديث البطولة الذي نبرر به التغافل عن أخطائنا وإغلاق الأبواب أمام أي نقاش فكري جاد يقيم تجربتنا بما لها وما عليها دون أي تحفظ بحجة الحفاظ على الصورة النقية وعلى المثال الذي يحتذي به الناس..

يقول المفكر السعودي إبراهيم البليهي:

"إن اخفاء أخطاء العظماء و ادعاء كمال الأبطال و توهم الصواب المطلق عند الذين نجلهم هي سلوكيات لم تعد مقبولة لأنها نوع من الصنمية التي لا تتلاءم مع الخصائص البشرية , فالتعود على هذا اللون من التفكير يصيب العقول بالعطب و يلحق الضرر الفادح بالحقيقة .."

 البطولة ما هي إلا مقدمة للصنمية والوثنية وموت العقل وما ينقص الأمة اليوم هو النقاش الفكري الجاد أكثر من البطولة..

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

الفكر الانفصالي وكيف تسلل إلينا؟؟

أحمد أبورتيمة

نظرت إلى خارطة الكرة الأرضية فرأيت في المشهد الجغرافي عجباً.. دولة واحدة هي روسيا تحتل مساحتها ما يعادل السبعة عشر ضعفاً من مساحة مصر، ولو توحدت كل البلدان العربية في دولة واحدة لظلت مساحتها أصغر من مساحة روسيا، تداعت إلى ذاكرتي حينها الكيانات الكبرى المؤثرة في السياسة الدولية مثل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، فعلمت أنه لا مستقبل للكيانات الضعيفة، وأن العالم يتجه نحو مزيد من التكتلات والاتحادات، وأن من يبحث عن دور مؤثر في العالم فإن عليه أن يتجه نحو التوحد والاندماج..

على النقيض من هذا التوجه العالمي يسود الفكر الانفصالي ثقافتنا العربية والإسلامية، والانفصال يبدأ في العقل ثم يترجم نفسه في حدود جغرافية، في الهند انفصل المسلمون عن الهندوس وأنشئوا دولة باكستان، والشيشان لا تزال تناضل للانفصال عن روسيا، وجنوب السودان انفصل عن الدولة الأم، وفي مالي وسوريا والعراق وليبيا وربما مصر هناك من يغذي في اتجاه الانفصال، والأسوأ من الانفصال هو تبرير الانفصال وفلسفته فتجد من يقول إن إقامة دولة مستقلة يحكمها النظام الذي أؤمن به ولو كانت في حيز جغرافي ضيق أحب إلي من دولة كبرى ينافسني فيها الآخرون، كيف تسلل هذا الفكر إلى ثقافتنا، ولماذا نسعى إلى تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ بينما الأمم الأخرى تتجاوز كل تناقضاتها العرقية والدينية وتتوحد في كيانات جامعة، كيف نشأت ثقافة الإمارة في مجتمعاتنا؟؟

الاستقلال فكرة براقة يغري بها بحث الإنسان عن التمايز، والعيش في مجتمع نقي بلون واحد لا يعكر صفاءه اختلاف، لكن بريق هذه الفكرة يخفي وراءه الكثير من المعضلات، فالنقاء هو فكرة عنصرية تتعارض مع حقيقة الإنسان الذي لا يمكن قولبته وحصره، لذا فإن المجتمع الذي ينفصل مرةً يميل إلى انفصالات متعددة بعد ذلك، إن لم يكن جغرافياً فعلى الصعيد النفسي، لأن الفكر الانفصالي يظل موجوداً وهو أنه لا يطيق أن يعيش مع الآخر المختلف، فالوصول إلى حالة النقاء المتوهمة ليس نهاية المطاف إنما يواصل المجتمع ديناميته فيبرز فيه الاختلاف والتعدد من جديد فيتوهم الحاجة إلى تطهير جديد!!    

إقامة الكيانات المستقلة هو الفخ الذي يقع فيه أصحاب المبادئ فتقتل مبادؤهم من حيث يظنون أنها ستقوى وتنتصر، لأن إقامة هذه الكيانات يحصر الدعوة في حدود معلومة ويحول بينها وبين الانتشار الطبيعي بين الناس، ويخلق حول الفكرة شرنقةً عازلةً عن المجتمع، فبدل أن ينتمي إليها الإنسان بسهولة كونها دعوةً روحيةً فإن الانتماء إليها يصير اصطفافاً سياسياً وتدخل الدعوة في حالة استنزاف سياسي ويتلوث نقاؤها الروحي فينفض الناس من حولها..

لقد بدا حرص النبي جلياً على المحافظة على وحدة النسيج الاجتماعي في المدينة المنورة، فرغم خطر وجود المنافقين إلا أنه لم يشأ أن تخدش الصورة الوحدوية للمجتمع المدني، فرفض قتل عبد الله بن أبي بن أبي سلول معللاً ذلك بسبب سياسي " معاذ الله أن تتسامع الأمم أن محمداً يقتل أصحابه".. لقد كان هؤلاء المنافقون رغم نفاقهم جزءً من النسيج الوحدوي لمجتمع المدينة، وكانوا في الإعلام أصحاباً لمحمد لذا فإن قتلهم كان يتضمن خطورة تمزق هذا النسيج المجتمعي..

ومن يتدبر القرآن يجد أنه كان يشمل المنافقين في الخطاب العام للصحابة مثلاً "إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم".. تدبروا كلمة منكم، فلم تكن هناك فواصل صارمة بين المؤمنين والمنافقين في المجتمع المدني، والرسول صلى الله عليه وسلم ذاته لم يكن دائماً يستطيع التفريق بين المؤمنين وبين المنافقين "عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين"..

في قصة هارون دلالة بالغة فقد رفض الانسحاب من المجتمع رغم أنهم عبدوا العجل حتى لا يفرق بينهم "إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي". هنا قدم هارون وحدة الأمة على انحراف العقيدة، لأن ضمان بقاء هذه الوحدة سيسهل دعوتهم بعد ذلك إلى التوحيد، وسيبقي البيئة المناسبة لتحقيق التحول الاجتماعي، أما إن تفرق القوم وتشرذموا فليس من السهل في واقع التفرق أن يستمع أحد إلى نداء العقل والحكمة بل ستسود العصبية والاقتتال..

إن الدعوة في أجواء الوحدة هي أكثر جدوى من الدعوة في أجواء الانقسام.. ففي أجواء الوحدة تستطيع أن تبث روح الدعوة بسيولة وانسيابية داخل المجتمع حتى يتحول المجتمع تدريجياً إلى الأفكار التي تدعو إليها أما حين يحدث الانقسام والفرز الطائفي والمذهبي والسياسي فإن حواجز نفسيةً تقام بين الناس فتمنعهم من الإيمان بالحق وتتشوه صورة الدعوة المشرقة لأنه مهما كانت مبادئها ساميةً فإن الانتماء إليها في أجواء الانقسام والفرز سينظر إليه بأنه عمل سياسي وليس تلبيةً لحاجة روحية..

يقول مالك بن نبي معلقاً على انفصال باكستان عن الهند بدعم بريطاني:

" لقد استطاع الثعلب الهرم-تشرشل- أن ينشئ في شبه القارة الهندية منطقة أمان، وبعبارة أخرى: حجراً صحياً ضد الشيوعية، ولكنه عرف أيضاً كيف يخلق بكل سبيل عداوةً متبادلةً بين باكستان والهند، وكان من أثرها عزل الإسلام عن الشعوب الهندية من ناحية، والحيلولة دون قيام اتحاد هندي قوي من ناحية أخرى، ولقد بذل هذا السياسي غاية جهده لتدعيم هذه التفرقة، وتعميق الهوة بين المسلمين والهندوس، تلك الهوة التي انهمرت فيها دماء الضحايا، من أجل هذا التحرر الغريب، فكان الدم أفعل في التمزيق من الحواجز والحدود..

abu-rtema@hotmail.com

 

 

إعلام مصري فاضح!!

أحمد أبورتيمة

 

إعلامية مصرية تصور تقريراً في رفح المصرية عن خطورة الأنفاق التي تمد قطاع غزة بالغذاء ومواد البناء على الأمن القومي المصري!!

ليس هذا هو المهم فهذا الموضوع مستهلك وقد أشبع جعجعةً في الإعلام المصري المرتبط بأجندة غير وطنية غير قومية..

لكن المثير في هذا التقرير أن صاحبته جعلت منه فيلم "أكشن" وصورت نفسها خلاله بأنها بطلة تقتحم أوكار العصابات وتخاطر بروحها وأن الأعداء يتربصون بها ويلاحقونها كي يقتلوها..

إن كنت قرأت رواية دون كيشوت فستتذكر معاركه الوهمية فور رؤيتك للأسلوب المثير والطريقة الساذجة لأداء هذه المذيعة المصرية الكبيرة..

تقول المذيعة في تقريرها إنها مستهدفة وإنها تخشى أن يكون هناك من قد نصب لها كميناً ولكنها أصرت على أداء رسالتها وأنها جاءت إلى هذا المكان الذي يسكنه قطاع الطرق والعصابات وقد حملت روحها على كفها!!

تقدم المذيعة على تصرفات غير راشدة فتخلق لنفسها عدواً وهمياً وتستعين بمؤثرات بصرية وبموسيقى تصويرية لإضفاء مزيد من أجواء الإثارة والرهبة!!

فجأةً بدون سبب تجد هذه المذيعة تجري وتقول للمصور "هنمووت" "لو حدا شافنا واحنا بنصور حنموت حالاً" "اجري يا راضي"..أية مخاطر وأي استهداف أيها التافهون وأنتم تصورون بين سكان مدنيين مسالمين لا يسعون لأكثر من قوت يومهم!!

يظهر هذا التقرير كما يظهر الإعلام المصري عموماً بالإضافة إلى حقارته جانب الجهل البالغ فالمذيعة لا تستطيع التفريق بين فلسطين وإسرائيل، ولا بين سيناء وفلسطين، ترى راعيةً بدوية تمارس عملها الطبيعي في رعى الأغنام فتتوهم أنها اكتشفت شيئاً مذهلاً، وتشير إلى أعمدة السور الحدودي الفاصل بأنها أنفاق!!

لا يكتفي التقرير بالإساءة للشعب الفلسطيني وحسب إنما يسيء أيضاً إلى المواطنين المصريين سكان شمال سيناء ويصورهم بأنهم عصابات من اللصوص وقطاع الطرق مما يعني تعزيزاً للنظرة العنصرية حتى إلى المواطنين من ذات البلد..

تختم المذيعة تقريرها باكتشاف تاريخي مذهل فتقول سيناء أهي، وفلسطين أهي، والحدود أهي..يبقى فهمتوا الخطر جاي منين ومش حأقول أكثر من كده"..نشكرك على هذا الاكتشاف المذهل فلم نكن نعرف أن هذه هي فلسطين وهذه هي سيناء، لا داعي لأن تقولي أكثر من هذا فهذا الاكتشاف وحده ربما يخلدك في التاريخ!!

تختم المذيعة فيلم الأكشن بأغنية "بلدنا بتضيع منا نستنى إيه" لاستثارة الجمهور وتعبئته استعداداً لخوض معارك وهمية ليست هي معركته الحقيقية بالطبع..

لمصلحة من هذا التشويه المتعمد وتعبئة الشعب المصري ضد أشقائه الفلسطينيين وتصويرهم بأنهم الخطر وعدم تناول إسرائيل الخطر الحقيقي بالذكر!!

العتب ليس على هذه المذيعة لكن على ثقافة الجهل السائدة التي يجد هذا الإعلام فيها تربةً خصبةً لتسويق أكاذيبه وافتراءاته بل وسذاجته أيضاً، والعتب موصول على شرفاء مصر الذين تركوا الساحة لكل هذا القدر من الغثاء والتفاهة..

https://www.youtube.com/watch?v=IYooLOz3QXM&NR=1&feature=fvwp

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

المعنى السياسي للتوحيد

أحمد أبو رتيمة

 

التوحيد هو مركز الثقل في القرآن فلا تكاد صفحة أو آية في كتاب الله إلا وتشير إليه مجملاً ومفصلاً، وقضية بكل هذا الحضور المكثف لا يمكن أن تكون هامشيةً في الحياة، إذاً كيف انحرفت مفاهيم كثير من المسلمين حتى ظنوا أن التوحيد حديث في الميتافيزيقيا واللاهوت، وأنه مسألة غيبية تضمن النجاة في الآخرة وحسب دون أن يكون لها تماس مباشر مع شئون الحياة المدنية!!

علينا ألا نفترض أن القرآن يفرد كل هذه المساحة التي تتحدث عن التوحيد والشرك لمشكلة تاريخية كانت موجودةً زمن تنزله وانتهت أو أنها لم تعد في عصرنا بذات الأولوية والأهمية، إن هذا الافتراض مناف لطبيعة منهج القرآن الذي جاء لمعالجة مشكلات البشرية في كل زمان ومكان، وكون هذه القضية مركز الاهتمام في القرآن فهذا يستدعي بالضرورة أن تكون هي المشكلة الأساسية للبشرية جمعاء في زماننا هذا كما في كل زمان، وإذا علمنا أن صورة الشرك البسيطة التي كانت شائعةً زمن تنزل القرآن المتمثلة في عبادة الحجر والشجر قد انحسرت وتراجعت كثيراً في عالم اليوم فهذا يعني أن هناك أشكالاً جديدةً للشرك علينا أن نبحث عنها وأن نسقط معالجة القرآن عليها حتى تظل للقرآن فاعليته الاجتماعية والحضارية والنفسية ولا نصوره للعالم بأنه كتاب تراثي يعالج مشكلات تاريخيةً تجاوزها قطار المعاصرة..

إن الميدان الجديد لفهم هذه المعاني القرآنية الخالدة لا بد أن يكون هو ذات المشكلات العالمية المعاصرة الأكثر إلحاحاً، فكيف يمكن أن نسقط معان تجريديةً مثل التوحيد والشرك على مشكلات العالم الكبرى مثل غياب العدالة والقتل وسفك الدماء واستعباد الشعوب واختلال توزيع الثروات؟؟

إن الشرك بصورته البسيطة المتمثلة في عبادة أصنام الحجر والشجر قد تراجعت حتى لم تعد هي القضية التي تحتل الصدارة في العالم، لكن هذا لا يعني أن تركيز القرآن على هذه القضية هو من قبيل تناول موضوعات تاريخية، إذ برزت أشكال أكثر تعقيداً تخفي في طياتها حقيقة الشرك الذي عده القرآن المشكلة الأساسية للإنسانية..

لم يعد البشر يعبدون اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لكن أصناماً وتماثيل جديدةً قد انتصبت، هذه الآلهة الجديدة التي تعبد من دون الله تتمثل في أحزاب وأيديولوجيات وزعامات وقوىً مستكبرةً لا يعبدها الناس بركوع أجسادهم لكنهم يعبدوها بخضوع قلوبهم وأسر عقولهم لها.

 الحديث عن آلهة جديدة تعبد من دون الله ليس من قبيل المبالغة وتزيين الألفاظ، فالقرآن ذاته يحرر كلمة "إله" من قالبها الأيديولوجي فيتحدث عن الهوى بأنه إله يعبد من دون الله "أرأيت من اتخذ إله هواه"، ونحن لم نسمع بأحد يسجد ويركع لهواه، لكن عبادة الهوى تكون بخضوع القلب له. كذلك حين تلا النبي صلى الله عليه وسلم آية "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم من دون الله" قال له عدي بن حاتم وكان نصرانياً: إنا لسنا نعبدهم ، فقال : " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه " ؟ قال قلت : بلى ، قال : " فتلك عبادتهم "..إذاً فالتوحيد والشرك ليس قضيةً لاهوتيةً إنما هي مشكلة نفسية وسياسية واجتماعية!

يطرح القرآن نموذج فرعون في دليل واضح على أن مشكلة الشرك في جوهرها مشكلة سياسية..

 لم يكن تأله فرعون لاهوتياً فلم تكن لديه مشكلة بأن تكون له آلهة يقيم لها طقوساً تعبديةً "ويذرك وآلهتك"، كما أنه وصف بني إسرائيل بأنهم يعبدونه "وقومهما لنا عابدون" رغم أنهم لم يكونوا يعبدونه بالمعنى الطقوسي إذ كانوا على دين آبائهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فلا بد أنه قصد بعبادتهم له خضوعهم لسلطانه.

 كان تأله فرعون سياسياً  فلم يكن يريد أن ينازعه أحد في السلطة "وإنا فوقهم قاهرون"، وكان يخشى أن يزاحمه موسى في سلطانه "وتكون لكما الكبرياء في الأرض" ولولا هذا البعد السياسي لدعوة التوحيد لما حاربها الملوك والسادة والكبراء..

حين نبحث في كل صراعات البشر قديمها وحديثها فإن من السهل ملاحظة أن السبب الجوهري لهذه الصراعات هو الكبرياء والسعي للهيمنة والنفوذ والاعتقاد بالأفضلية على الناس، فقد رفع هتلر شعار "ألمانيا فوق الجميع" و"تفوق الجنس الآري"، وها هي أمريكا تخوض الحروب من أجل ضمان بقائها القوة العظمى، ومن أجل فرض نمطها الثقافي على الأمم والشعوب الأخرى، وها هي كل الحروب ترفع شعار "كسر إرادة العدو"..

إن سعي البشر لكسر إرادة بعضهم البعض تعني في جوهرها أن كل واحد منهم يبحث عن التفرد والزعامة والكبرياء ولا يريد أن يكون هناك معقب لحكمه ولا شريك له في ملكه، وأن تكون كلمته العليا، وهل ادعاء الألوهية سوى هذا!!

التوحيد في معناه الاجتماعي والسياسي هو رسالة تحرير ومساواة بين الناس "ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله"، واتخاذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً لا يكون غالباً بالسجود والركوع لبعضهم البعض إنما بإقامة علاقات بشرية مختلة تحكمها موازين القوى بدل العدل كما هو عالم اليوم فهناك زعامات تستعبد شعوبها وهناك دول مهيمنة تفرض إرادتها على الدول الضعيفة ولا تسمح لها بمنافستها وبأن تكون معها على ذات القدر من المساواة..

إن كل مشكلات الأرض اليوم المتمثلة في الحروب ونهب الثروات والإفساد في الأرض لم تكن لو أن البشر آمنوا بكلمة السواء، وأنه ليس من آلهة على الأرض إنما هو إله واحد في السماء، فآمن الحاكم بأنه ليس أكثر من إنسان مثله مثل شعبه لهم ما له من الحرية والكرامة، وعليه ما عليهم من الواجبات، وآمنت الدول المستكبرة بأن الشعوب الضعيفة هم بشر لهم حقوقهم الإنسانية ولهم آمالهم وأحلامهم، إن كل هذه المشكلات لم تكن لتكون لو أن البشر حققوا التوحيد في حياتهم..

في هذا الصدد أنصح بقراءة كتاب "تحرير الإنسان وتجريد الطغيان" لحاكم المطيري، فقد أبدع في تبيان المعنى السياسي لعقيدة التوحيد التي جاء بها الأنبياء..

abu-rtema@hotmail.com

 

 

أخطاء الذات وأخطاء الغير

 

أحمد أبورتيمة

 

كلنا يحسن انتقاد الآخر وترصد أخطائه ووضعها تحت المجهر، سواءً كان هذا الآخر فرداً أو شركةً منافسةً أو جماعةً أو أمة ولا تكاد تخلو مجالس نسائنا ورجالنا من الغيبة والسخرية والهمز واللمز بالآخرين . لكن ماذا عن أخطاء النفس، وهل من اليسير أن يتناول الإنسان نفسه التي بين جنبيه كواقع موضوعي كما يتناول ظاهرةً فيزيائيةً أو بيولوجية!!..

 يتساهل الناس في الحديث عن أخطاء الآخرين وإحصائها بل يجدون متعةً في ذلك، بينما يتحرجون من أي مساس بالذات وانتقادها، وذلك في آلية نفسية لا شعورية لإظهار أفضلية الذات وقداستها.

 الانتقاص من الآخرين وغمط فضائلهم مؤشر على الشعور بالدونية والنقص، فالذي يشغل نفسه بترصد أخطاء الناس يحاول إخفاء عيوبه بإظهار عيوب الآخرين، بينما الممتلئ روحياً وفكرياً في المقابل ليس مضطراً للنيل من أحد في سبيل تحقيق ذاته، فهو من القوة والثقة بما يؤهله للنجاح حتى في ظل وجود منافسين أقوياء في الميدان..

 الانشغال بعيوب الآخرين والغفلة عن عيوب النفس يقود إلى نتائج كارثية لأن ما يحدد مصير الإنسان في الدنيا والآخرة هو أعماله وليس أعمال الناس، ومن انشغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه فقد انشغل بلغو لا يفيده ولا يؤثر في مستقبله عما يحدد مصيره في الدنيا والآخرة..

 تركز فلسفة القرآن على الخلل الداخلي وليس الخارجي، فنحن لا نملك إصلاح الأخطاء التي يرتكبها الآخرون لكننا نملك إصلاح أنفسنا، لذا فإن الاتجاه العملي في القرآن يعبر عن نفسه بتنبيهنا إلى الانشغال بما نملك التأثير فيه عن الظروف والعوامل الخارجية التي لا نملك تغييرها " ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" طبعاً بالمعنى الإيجابي وليس بمعنى الانعزال عن الناس..

 تساءل الصحابة عن مصابهم في غزوة أحد فنزل القرآن بمعالجة سريعة تنبههم وتنبهنا من بعدهم إلى ميدان الخلل الأساسي "قل هو من عند أنفسكم"، وفي سورة الشورى "بما كسبت أيديكم"، ويحدثنا القرآن عن نموذج يونس عليه السلام ليحتذي به كل مؤمن وهو التوجه نحو النفس بالملامة لا نحو الظروف الخارجية "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"، ومن قبله أبونا آدم الذي حمل نفسه المسئولية ولم يحملها للشيطان "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"..

 كان آدم عليه السلام قادراً على تحميل الشيطان المسئولية بأنه هو الذي وسوس له وأغواه، لكن تحميل الشيطان المسئولية وإن كان يريحنا مؤقتاً ويعفينا من المسئولية إلا أنه لا يحل المشكلة، لأن من يعتقد بأن الشيطان –أو أي عامل خارجي آخر- هو المتسبب في مشكلاته لن يفكر في تصحيح مسار حياته ومراجعة أفعاله..

 في مقابل إبراز القرآن خطورة العامل الداخلي يبين لنا محدودية قدرة العامل الخارجي على النيل منا حين تكون الجبهة الداخلية صلبةً متماسكةً، صحيح أن هناك عاملاً خارجياً مؤثراً وصحيح أن مكر أعدائنا تزول منه الجبال، لكن تمتين الجبهة الداخلية وإيقاظ آليات المراجعة والتصويب سيمكننا من التغلب على هذه التحديات الخارجية الصعبة "لن يضروكم إلا أذى"، "ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله"، "ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين"، "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً"، "وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً"، حتى الشيطان ذاته فإن قدرته محدودة في النيل منا حين نحصن أنفسنا "إن كيد الشيطان كان ضعيفاً"، "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين"..

كل أخطاء الآخرين وكيدهم ومكرهم لا يؤثر في تحديد مصائرنا لكن ما يدخل البشر النار في الدنيا والآخرة هو أخطاؤهم وليس سوى أخطائهم..

 إن تركيز الجهد الفكري في اتجاه تزكية الذات سواءً الذات الفردية أو الحزبية أو القومية أو المذهبية وشيطنة الآخر يعطل الدور الإصلاحي المنوط بنا، لأن المهمة الإصلاحية تقتضي التفاتاً إلى الذات ومراجعةً دائمةً وتصحيحاً دائباً..

 

والله الهادي إلى سواء السبيل..

abu-rtema@hotmail.com

 

 

التعبئة الأيديولوجية والواقعية السياسية

أحمد أبو رتيمة

على مدار يومين في هذا الأسبوع شاركت في لقاءين بغزة جمعا السيدين وضاح خنفر وبشير نافع مع عدد من المثقفين والشباب أغلبهم ذوو توجهات إسلامية..

كان اللقاءان من حيث لم أحتسب فرصةً ثمينةً لقياس اختلاف طريقة التفكير بين جيل من الشباب الفلسطيني ولد ونشأ في قطاع ضيق محاصر ومعزول عن العالم فهو لا يرى المسائل سوى من زاوية ضيقة فرضتها عليه ظروف نشأته الجغرافية والسياسية والاجتماعية، وبين شخصيات متنورة سافرت كثيراً حول العالم الفسيح المتعدد وخالطت ثقافات وشعوباً مختلفةً وأنجزت بحوثاً وأنشطةً اجتماعيةً وسياسيةً مواكبةً للتغيرات العالمية..

لم يكن من السهل إخفاء الفجوة الثقافية بين الفريقين، فبينما يتحدث الضيوف بلغة واقعية، كشف حديث الشباب عن كثير من الطيبة والإخلاص وحب التضحية وعشق البطولة والاعتزاز بالدين والتاريخ لكنه كشف أيضاً عن نقص في جانب فهم الواقع والعجز عن الموازنة بين البطولة والتضحية وبين الواقعية السياسية، وإدراك التطورات الهائلة التي طرأت على الفكر الاجتماعي السياسي العالمي في القرون والعقود الأخيرة، بالطبع لم يخل اللقاء من شباب متنورين يفهمون عالمهم المعاصر لكن الذين يتحدثون بلغة منفصلة عن الواقع يمثلون ثقلاً له تأثيره المجتمعي ومن الصعب تجاوزه.

ما يتبين من هذه الحوارات هو أن منسوب التعبئة الأيديولوجية في قطاع غزة يتغلب على الواقعية السياسية بل لا يترك متسعاً لها. ومن صفات لغة الأيديولوجيا أنها لغة حدية صارمة بخلاف لغة السياسة التي تؤمن بالمنطقة الرمادية وبالحلول الوسط، الأيديولوجيا تكثر من استعمال مفردات التمايز والفسطاطين والاصطفاف العقدي والإيمان والكفر والوطنية والتخوين ونحو ذلك من خطاب حدي صارم لا يؤمن بإمكانية التعايش مع الآخر  ويؤمن بديلاً عن ذلك بلغة الفرز والحسم والتطهير والاجتثاث.

أظن أنني لمحت في عيون الضيوف آثار صدمة وهم يفاجئون بلغة مختلفة تماماً، فبينما يتحدث الضيوف عن قراءة استراتيجية لمستقبل المنطقة وفهم المعادلات الإقليمية والدولية وضرورة تعزيز التوافق المجتمعي وتقبل الآخر لنتمكن من مواجهة العواصف العاتية يتحدث شباب متحمس عن المفاصلة والبراء من الخونة وضرورة تطهير المجتمع وإقامة الدولة الإسلامية والخلافة الإسلامية!

حول حلم الدولة الإسلامية والخلافة تحديداً قال الضيوف إن هذه الفكرة لم تعد واقعيةً وإن إقامة دولة إسلامية وفق الصورة النمطية التاريخية المستقرة في أذهاننا مآله إلى الفشل كما كان الحال في أفغانستان وإيران والسودان فطبيعة مفهوم الدولة والمجتمع والعلاقة بينهما تغير عن مفهوم الدولة في زمن العباسيين مثلاً، ووظيفة الدولة اليوم هو أن توفر إطاراً مدنياً يتعايش فيه الجميع وتطلق فيه الحريات ويمكن الاستفادة من المبادئ الإسلامية العامة مثل الشورى والعدل في صيغ تطبيقية معاصرة لكن بفهم واقع اليوم وليس بسجن عقولنا في أشكال تاريخية تجاوزها الزمن..

إشكالية تقدم التعبئة الأيديولوجية على الفهم السياسي يتحمل شيئاً من وزرها وفق وضاح خنفر سياسات التنظيمات التي تعبئ شبابها في لحظات الصراع ضد الفريق الآخر بصفات تصل إلى حد شيطنته والقطيعة النهائية معه. بعد هذه التعبئة من الصعب على الشاب المنظم أن يتقبل محاورة قياداته مع عملاء الأمس وتبسمها في وجوههم، وكان الأصوب أن تحافظ القيادات على الطبيعة السياسية للاختلاف وألا تحرق مراكب العودة، إذ أن منطق السياسة يقول إنه ليس من عدو دائم أو صديق دائم فوجب الحفاظ على لغة هادئة تتيح الرجوع مستقبلاً "عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة"..

التعبئة الأيديولوجية ليست ديناً كما يظن البعض بل هي مرض يلغي العقول ويخلق التعصب ويحصر الدين في شرنقة لا يستطيع تجاوزها لاستيعاب المجتمع، الدين هو دعوة للفكر والفهم ولا يمكن أن يطبق الدين تطبيقاً صحيحاً سوى بفهم التغيرات الاجتماعية والسياسية فهماً شاملاً وأخذها بعين الاعتبار..

المجتمع الفلسطيني خاصةً في غزة غدا معبأ أيديولوجياً إلى حد الإشباع، ولم تعد الهوية الإسلامية مهددةً أو مثار خلاف في المجتمع، لذا فإن الحركة الإسلامية مطالبة بأن تتقدم خطوةً إلى الأمام نحو اعتماد خطاب وطني جامع يستوعب كافة ألوان الطيف الفلسطيني تحت عباءة وطنية فضفاضة، وأن تخفف من حدة التعبئة الأيديولوجية لصالح تعزيز التقارب المجتمعي، فمهما تعددت الرؤى الفكرية والسياسية، فنحن أبناء وطن واحد، وأقوى رصيد يمكن أن نستعين به في مواجهة التحديات التي تتهدد المشروع الوطني هو المحافظة على وحدة النسيج الداخلي..

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif كاتب فلسطيني

abu-rtema@hotmail.com

 

 

معركة تصحيح الثقافة

 

أحمد أبورتيمة

 

حين كان بنو إسرائيل يستعجلون الخلاص من فرعون رد عليهم موسى عليه السلام "قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون".. القضية ليست في التخلص من فرعون، بل هي كيف سنخلف فرعون!.

كثيراً ما يقوم العدو الخارجي بإخفاء أخطائنا وعللنا الذاتية فإذا انهار هذا الساتر خرجت كل أمراضنا إلى العلن وصرنا في مواجهة مباشرة معها بعد أن سقطت الشماعة التي كنا نحمل عليها إخفاقنا وفشلنا!!

حين أتأمل بؤس الواقع العربي في سوريا ومصر وليبيا وتونس أتساءل هل فعلاً أن مشكلة العرب الرئيسية هي إسرائيل أم أنها مشكلة داخلية سببها أمراض ثقافية مستعصية، وماذا لو تحررت فلسطين فجأةً!!، هل ستتحول بلاد العرب في اليوم التالي مروجاً وأنهاراً وتنميةً ورخاءً، أم ربما سيتضاعف التناحر الداخلي بعد زوال التحدي الخارجي الذي يفترض أنه أكبر عامل استفزاز للوحدة والنهضة..

ليس مهماً أن يهلك الله عدونا، لكن المهم بعد ذلك هو كيف تعملون!!

جاءت رسالة السماء بتحرير الإنسان قبل تحرير الأوطان، فالإنسان هو محور التكريم وهو سيد الكون وله سخر ما في السموات والأرض جميعاً، وحين ينصب تركيزنا على تحرير الأرض في الوقت الذي نغفل فيه عن تحرير الإنسان فإن الوطن لن يزيد عن كونه صنماً وتمثالاً نحن له عاكفون..

أي فائدة ترجى من تحرير الأرض بينما الإنسان مستعبد بأغلال الثقافة.. وأي فرق نصنعه حين نتحرر من الاحتلال ثم نقيم نظاماً استبدادياً يقتل روح الإنسان ويصادر كرامته..هل هناك فرق بين أن يقتل إنسان برصاص عربي أو رصاص إسرائيلي!!..

لعل من أعظم دروس سوريا أنها كشفت أن مرضنا الأساسي داخلي وأن عللنا الثقافية والنفسية أشد علينا من عدونا الخارجي..لو أننا خضنا معركة تحرير فلسطين هل كانت ستكلفنا كل هذا الثمن الباهظ الذي دفعناه ولا نزال ندفعه في سوريا بسبب الثقافة الإلغائية ومرض الاستبداد المستشري كالسرطان أم ربما كنا سنحرر فلسطين بأقل من هذا بكثير!!..

يرسخ القرآن لمنهج تحميل النفس مسئولية الخلل فيقول للصحابة حين تساءلوا عن مصابهم في أحد "أنى هذا" "قل هو من عند أنفسكم"

لقد تحقق ما كان ينتظره بنو إسرائيل بشوق يشبه شوقنا اليوم لتحرير فلسطين فأنجاهم الله من ظلم فرعون، لكن ماذا كان بعد ذلك!! ظلت نفوسهم مستعبدةً ذليلةً، لم يستطيعوا أن يعانقوا شمس الحرية بعد أن ألفوا العبودية فطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهاً "اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهةً" .. إن النفوس المريضة لا تستطيع أن تعيش في فضاءات الحرية فتبقى ذليلةً جبانةً مقيدةً بأغلال داخلية تمنعها من الإقدام "لن ندخلها حتى يخرجوا منها"..

هذا المثل البين الذي يضربه القرآن من بني إسرائيل ينبغي أن ينبهنا لأنفسنا فثمة تشابه واضح يتمثل في الجمع بين ظلم العدو الخارجي واستشراء الخلل الداخلي، وكما أن زوال فرعون لم يكن كافياً لتحرير بني إسرائيل نفسياً فإن تحرير فلسطين في ظل تجذر الأمراض الثقافية والنفسية لن يكون كافياً لحل مشكلاتنا المستعصية.

لا أقول هذا الكلام إشاعةً للإحباط وقتلاً للأمل إنما أقوله لنتفطن إلى حقيقة علتنا الداخلية العميقة وأن قضيتنا الأولى هي قضية تحرر نفسي وثقافي ذاتي قبل أي شيء، بل إن وجود العدو الخارجي مفيد إذا كان باعثاً للتحدي فينا ومشعراً بأخطائنا ومستفزاً لمعالجتها..

معركة مواجهة الثقافة وتصحيحها ليست معركةً سهلةً كما يتوهم كثيرون، ومن يرفع لواء التصحيح الثقافي لا يمارس ترفاً فكرياً إنما يرفع لواء الجهاد الأكبر الذي يهون دونه جهاد العدو، فالذي يقاتل العدو في نظر المجتمع بطلاً، لكن الذي يواجه أمراض المجتمع وعلله، ويقول للناس إن مألوفاتكم خاطئة فهو غريب وشاذ ومحارب من أقرب الناس..لقد وصف القرآن مواجهة النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه بالحجة والبيان ومحاربة الأفكار الخاطئة المستقرة بأنها الجهاد الكبير "وجاهدهم به جهاداً كبيراً"..

كانت مواجهة الأنبياء الأساسية مع ثقافة المجتمع قبل أن تكون مع السلطات الحاكمة، فالسلطة الثقافية للمجتمع أشد وطئاً من السلطة السياسية لذا يظهر لنا القرآن أن عداوة الأنبياء كانت تأتي دائماً من أقوامهم التي تريد أن تحافظ على موروثها الثقافي وتتصدى بشراسة لأي محاولة للاقتراب من آلهتها ودوائر ثقافتها المحرمة "يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا"..

إن خوض معركة تصحيح الموروث الثقافي أثقل على النفس من خوض المعركة مع العدو الخارجي...

والله أعلم..

كاتب فلسطيني https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

المجتمعات الأبوية . .ما لها وما عليها

أحمد أبورتيمة

توصف المجتمعات الشرقية عموماً بأنها مجتمعات أبوية حيث للأب مركزيته وسلطته النافذة فلا يقدم الابن على أمر إلا بمشاورة أبيه والاستعانة بخبرته، وتلعب أفكار الأب وقيمه الدور الرئيس في تشكيل شخصية الابن وتحديد وجهته في الحياة ..

هناك جوانب إيجابية تتمثل في بر الأب وتوقيره والإحسان إليه "رب ارحمهما كما ربياني صغيراً"، فتجد قدراً أكبر من التماسك الأسري والحنان وتشعر بالروح الإنسانية حيث الحب والوفاء، وتبلغ حساسيتنا العاطفية تجاه آبائنا أن أحدنا إذا سئل عن اسمه يتأثم إن ذكره دون اسم أبيه "كذكركم آباءكم".

لكن المشكلة هي في انحراف سلطة الأب من معناها الإيجابي لتصل إلى حد إلغاء شخصية الابن، فالأب يريد أن يكون الابن نسخةً كاملةً عنه ولا يأخذ بعين الاعتبار أنه إنسان كامل الإنسانية له شخصيته المتفردة واختياره الحر.

 

 أحضر أحياناً ولائم أفراح فلا أعرف من هو العريس لأن الناس لا يقولون إن فلاناً تزوج بل يقولون إن أبا فلان زوج ابنه، الأب هو الذي يخطط ويقرر، وربما هو الذي يختار لابنه شريكة حياته وتخصصه ومهنته فلا يتبقى للابن رأي واختيار ولا يرى إلا ما يرى أبوه..

لا يقتصر الأمر على المعنى الحرفي لكلمة أب بل تمتد هذه الثقافة إلى التعامل مع كبار السن عموماً بل مع كبار القدر والمكانة أيضاً فيشيع الحديث عن إنزال الناس منازلهم والاحترام والتقدير ودور الخبرة، ويسمى صغير السن في اللهجة العامية "جاهلاً"، ولا يطيق الكبار أن يكون للصغار-أولاد امبارح- رأي مختلف، فتنقلب هذه الثقافة الإيجابية في بعض جوانبها مدخلاً للاستبداد فلا يرى المواطن في رئيس الدولة أو المسئول أنه أجير لدى الشعب أو مسئول تنبغي محاسبته إن أخطأ بل لا يرى فيه سوى أنه كبير القدر والمكانة ويجب احترامه..

وجوب احترام كبار القوم ما هو إلا صيغة ملطفة للاستبداد لأنه يريد الإيحاء بأن الشعب يحب زعيمه ويحترمه ويقدره لا بأن الأمر إلزامي..

هذه الثقافة عبر عنها الرئيس المصري أنور السادات في مناظرته مع عبد المنعم أبو الفتوح حين كان الأخير طالباً جامعياً وكان يواجه رئيس الدولة بجرأة فرد السادات عليه بمناداته "يا ابني" ولما أراد إسكاته قال له إن مصر عائلة كبيرة وإن رئيس الدولة هو كبير العائلة فوجب على صغار السن والقدر أن يحترموا مختار العائلة المتمثل في الرئيس..

هذا المثل الذي ضربه السادات مثل نموذجي يتيح لنا فهم الثقافة وطريقة التفكير التي لا ترى في منصب الرئاسة سوى جانب المخترة والوجاهة وليس جانب المسئولية والمحاسبة..

الأمر مختلف تماماً في المجتمعات الغربية فسلطة الأب هامشية وما إن يشب الشاب أو الفتاة عن الطوق حتى يتمرد على سلطة أبيه ويستقل بشكل كامل وحين يكبر الأب في السن لا يجد لنفسه مكاناً في المجتمع وربما ألقي به في دار المسنين.

في ثقافتنا يبقى للإنسان دوره واحترامه حين يبلغ الكبر فلا يشعر أنه بات عالةً على المجتمع، ولا تمزق الحسرة نياط قلبه حين يجد أبناءه الذين تعب في تنشئتهم قد جحدوا معروفه وأداروا ظهورهم له.

المجتمعات الأبوية تحترم الإنسان وتشعره بتحقيق ذاته حين لا يظل منه سوى إنسانيته فلا يتبقى لديه ما يقدمه للمجتمع، أما المجتمعات التي تنظر إليه أنه آلة إنتاج وحسب فإنها ترى كبار السن عبئاً على العملية الإنتاجية وعلى ميزانية الدولة، ولا غرابة أن تنتج هذه الفلسفة الجاحدة أفكاراً تدعو إلى إبادة المرضى والمعاقين وكبار السن.

لكن مشكلة المجتمعات الأبوية تأتي من الخلط بين العاطفة والفكر، بين الاحترام والاتباع الأعمى، فتتطرف معان إيجابية مثل الاحترام والتقدير والتوقير إلى مرادف لإلغاء الشخصية وتعطيل العقل وترك الآباء والسادة والكبراء يفكرون بالنيابة عنا ويتخذون القرارات التي يرونها صائبة وليس لنا سوى أن نسمع ونطيع فمن نحن بالمقارنة مع هؤلاء الذين عركتهم تجارب الحياة وخبراتها حتى نختلف معهم ونرى غير ما يرونه..

المجتمع الأبوي ينشئ الفرد سلبياً اتكالياً يفتقد إلى المبادرة والشجاعة في تحمل المسئولية ولا يثق في قدرته على التفكير المستقل فقد تعود منذ صغره أن الكبار يفكرون له ويوجهونه وأنه ليس له إلا أن يسلم عقله ومشيئته لهم، هذا بخلاف المجتمعات التي يكون للابن استقلاليته فينشأ قادراً على الاعتماد على نفسه متحملاً لمسئولية اختياره وساعياً لتحقيق ذاته والانسجام مع تطلعاته الخاصة.

يحارب القرآن فكرة الأبوية بلا هوادة فقد كانت المواجهة بين الأنبياء وأقوامهم على اتباع الآباء فكرياً، فالأنبياء يدعون إلى العقل "أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم" بينما تتحجج الأقوام بأنهم يتبعون آباءهم "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون".

ولأن فكرة الأبوية ليست هامشيةً فقد احتلت حيزاً كبيراً من المعالجة القرآنية، فأكثر من أربعين آيةً في كتاب الله تذم اتباع الآباء فكرياً، ولا توجد سوى استثناءات قليلة مثل قول يوسف "واتبعت ملة آبائي"، وقول بني يعقوب لأبيهم "قالوا نعبد إلهك وإله آبائك"، وحتى هذا الاستثناء فهو مبرر بأنه اتباع على بصيرة فهم لم يقلدوا آباءهم تقليدا أعمى إنما اتبعوهم في الحق الذي كانوا عليه وما عدا هذا الاستثناء القليل فإن التوجه في القرآن هو ذم سلطة الآباء الفكرية.

الفصل ضروري بين ما هو إنساني وما هو فكري، فالحديث عن الاحترام والتقدير والبر والإحسان هو في جانب التعامل الإنساني على ألا يؤثر ولو شيئا قليلاً في استقلالنا الفكري فنحن نحترم إخواننا الذين سبقونا بالإيمان ويحثنا القرآن أن ندعو لهم فذلك يعمق الأواصر ويشعرنا بالامتداد الزماني والارتباط الوجداني "ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان"، لكن هذا الاحترام لا يمنعنا من الاختلاف معهم إلى أي مدى وليس لأحد أن يستغل سلطته الأبوية، وكبر مقامه في إكراه الناس على أن يروا ما يراه فهنا تنقلب الأبوية إلى معناها الذميم الذي لم تأت رسالة القرآن سوى لمحاربته.

الاستقلال الفكري عن الآباء سواءً بالمعنى المباشر لكلمة أب أو بمعنى جيل الآباء أي ثقافة المجتمع ليس مجرد حق نملك أن نأخذه أو أن نفرط فيه، بل هو واجب يؤثم تاركه فلا يسع أحداً أن يعتذر إلى ربه يوم القيامة بأنه كان مسلوب الإرادة لسادته وكبرائه أو أنه  وجد آباءه على أمة فاقتدى بهم، فهو عذر غير مقبول لن يعفي صاحبه من العذاب "وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً"..

لا خيار أمام الإنسان للنجاة في الدنيا والآخرة سوى أن يجاهد ضد سلطة الآباء والسادة والكبراء التي تحاول سلب عقله وإرادته..

يفكك القران إشكالية الخلط بين الإنساني والفكري فيقول: "وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً"..

مهما بلغت ضغوط الوالدين ومحاولتهما استغلال سلطتهم الأبوية لتختار اتباع أهوائهما على العلم "ما ليس لك به علم" فلا تستسلم لهذه الضغوط واتبع سبيل الحق، لكن دون أن يؤدي هذا الاستقلال الفكري إلى جحد معروفهم الإنساني.. هذه هي المعادلة الدقيقة إحسان في الجانب الإنساني واستقلال في الجانب الفكري

نحن بحاجة لترسيخ هذه المعادلة.. وفي ضوء فشل النموذجين الشرقي والغربي فالأول تقليد بلا فكر والثاني حرية بلا إنسانية تبرز الحاجة إلى ضرورة صياغة نموذج جديد نابع من ذاتنا الحضارية والثقافية نتقبل فيه عن ثقافتنا أحسن ما فيها فتبقى قيم التماسك الأسري والوفاء والإحسان، لكن تتحقق في ذات الوقت الاستقلالية الفكرية فلا سلطة لآباء ولا سادة ولا كبراء حين يتعلق الأمر بمخالفة مقتضى العقل والتفكير.

إن الإنسان سيحاسب يوم القيامة فرداً لذا وجب أن يتخذ قراره في هذه الحياة فرداً بمعزل عن أي ضغوط لن تعفيه من المسئولية أمام الله ..

 والله الهادي إلى سواء السبيل..

https://mail.google.com/mail/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

الصورة النمطية

أحمد أبورتيمة

 

الصورة النمطية هي تلك الصورة التي تقفز إلى خيال أحدنا بمجرد سماع إحدى الكلمات..

خذ أمثلةً على ذلك ما هي الصورة النمطية لكل من هذه الكلمات: "صحابي-الصومال-هارون الرشيد-يهودي-عربي-سلفي"..

بمجرد سماع كلمة صحابي تقفز إلى الذهن صورة رجل بلحية وثوب أبيض يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، وبمجرد ما تذكر الصومال تستحضر صورة أناس سمر عرايا يتضورون جوعاً، أما الصورة النمطية لهارون الرشيد فهي ذلك الخليفة الذي يحج عاماً ويغزو عاماً ويقتني الجواري ويسكن القصور، أما اليهودي فصورته في ثقافتنا رجل ذو لحية وجدائل يرتدي قبعةً  ويتصف بالبخل والمكر، وأما العربي فصورته الذهنية في الثقافة الغربية هو ذلك الإنسان المتخلف الذي يركب جملاً ويرتدي عقالاً ويهيم في الصحراء..

مشكلة الصورة النمطية أنها تختزل حقيقة الواقع بصورة مخلة وتشطب التفاصيل المهمة وتلغي حقيقة الاختيار البشري والفروق الطبيعية فتبعدنا عن فهم الواقع..

الصحابي ليس بالضرورة أن يكون دائماً في مجلس النبي فهم كانوا بشراً ينطلقون لشئون حياتهم اليومية ويذهبون إلى التجارة والأسواق ويعتريهم ما يعتري البشر، واليهودي ليس بالضرورة أن يكون ذلك الماكر البخيل فهم ليسوا سواءً كما يحررنا القرآن من أسر التعميم فمنهم ومنهم، وكذلك العربي ليس بالضرورة أن يكون متخلفاً كما هي الصورة النمطية في المخيال الغربي فكثير من العرب أذكياء ومبدعون ومساهمون في الحضارة البشرية..

كثير من الوفود التي تأتي إلى غزة تفاجأ حين ترى الناس يمارسون حياتهم الطبيعية ويذهبون إلى أعمالهم وأسواقهم بل وإلى المتنزهات والشواطئ، لأنه جاء إلى غزة وقد ارتسمت في ذهنه صورة أن غزة في حالة حرب دائمة وبؤس غير منقطع..إن بعده عن غزة هو الذي كوَّن لديه هذه الصورة النمطية الاختزالية بينما من يعيش في غزة أقرب إلى التفاصيل فيرى فيها جانب الحياة العادية بما لها وما عليها..

الاقتراب من التفاصيل هو الذي يحررنا من أسر الصورة النمطية، ويتيح لنا فهماً حقيقياً للواقع، لذا يتميز العلم بالبحث في التفاصيل والنفاذ إلى العمق وتجنب إصدار الأحكام العامة..

مثلاً لو قلت إن في المجتمع الإسرائيلي أناساً يهدون بالحق وبه يعدلون..هل ستتقبل الثقافة الصماء هذا القول مع أن مقتضى العقل ألا يخلو مجتمع من ستة ملايين شخص من طائفة مهما قلَّت تتبع الحق والصدق..إن الصورة النمطية تكبلنا وتأسرنا وتمنعنا عن فهم الواقع فنختزل المجتمعات البشرية في تصنيفات جاهزة غير قابلة للاختراق..

تبرز مشكلة الصورة النمطية في تعاملنا مع تاريخنا وتطلعنا لإعادة استنساخه فصورة المجاهدين الأوائل في المخيال العام هي أولئك المؤمنون الذين يلبسون ثياباً بيضاء ويمتطون ظهور الخيل ويمسكون بالسيوف وينطلقون لفتح البلاد.. هذه الصورة راسخة في عقولنا وقلوبنا إلى درجة أننا نعيد إنتاج أفلام تجسد هذه المشاهد مع أن هذا الشكل المبسط لمفهوم المجاهد تجاوزه التاريخ، فروح الجهاد تعبر عن نفسها في هذا العصر بشكل مختلف، والمجاهد يمكن أن يكون شاباً يرتدي هنداماً أنيقاً ويجلس على حاسوبه ويشكل مجموعات الكترونيةً لمناصرة قضايا الحق والعدل، لكن حبس أنفسنا في الصورة النمطية القديمة يحرمنا من مواكبة العصر وفهم التغيرات فنظل عاكفين على أصنام الصور..

لعل خير ما ندلل به على الدور السلبي الذي تلعبه الصورة النمطية في الحيلولة دون مواكبة العصر وتوقف حركة التجديد الفكري والروحي هو أننا إلى اليوم لا نستطيع أن نتخيل البطولة إلا في صورة فارس يمتطي ظهر الخيل ويتقلد سيفاً..الصورة النمطية هي صنم يشل قدرتنا على التفكير والتجديد..

سمعت امرأةً أيام الغزو الأمريكي لأفغانستان قبل نحو عقد من الزمان تقول: إن مقاتلي طالبان يذكرونها بعصر الصحابة لأنهم يرتدون ثياباً بيضاء ويركبون الخيل!!

الصورة النمطية هي التي كبلت هذه المرأة فلم تعد ترى نموذجاً صحابياً في هذا العصر سوى طالبان مع كل ما يمثلونه من غياب حضاري وانفصال عن الواقع ليس لشيء إلا لأنهم حافظوا على المظهر والصورة حتى وإن غابت الروح والفاعلية بينما يمكن أن يكون من هم أكثر منهم صحابيةً وإن لم يذكر شكلهم ولباسهم وخطابهم المعاصر بأيام الصحابة..

والله أعلم..

abu-rtema@hotmail.com

 

 

قصص من التراث

أحمد أبورتيمة

هناك قصص يزخر بها تراثنا نتسلى بحكايتها في المجالس والدواوين ونصدح بها من على رءوس المنابر نظن أنها من مفاخر تاريخنا الإسلامي لكنها تقوم بدور سلبي تخديري للأمة يعوق انطلاقتها الحضارية، وتبعدنا عن النبع الصافي للدين المتمثل في القرآن والسنة الصحيحة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين..

مثلاً هناك نمط شائع من هذه القصص يحدثنا أن أحد الخلفاء أعجب بقصيدة أحدهم فأمر له بألفي درهم!!..

هل نُسر بكرم الخليفة واهتمامه بالفكر والإبداع أم نحزن؟؟ أين المحاسبة والمراقبة على مصاريف الدولة.. وهل خزينة الدولة هي تحت تصرف شخص الخليفة يعطي من يشاء ويمنع من يشاء لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون؟؟

أو نسمع أن خليفةً تأثر تأثراً شديداً بموعظة أحد العلماء حتى شهق من البكاء وأنفذ لهذا العالم مطالبه!!..

هل قصارى ما تستطيع الأمة أن تؤثر به على حكامها هو أن تعظهم حتى يبكوا وأن تراهن على استثارة شفقتهم ورحمتهم حتى تصلح أحوال العباد والبلاد؟؟.

وماذا لو لم يرزقنا الله اليوم بحاكم مرهف الحس مثل أولئك الخلفاء؟؟ هل تظل أحوال العباد والبلاد تحت رحمتهم ومزاجهم الشخصي حتى يموتوا أو يقضي الله أمراً!!..

 دور الأمة الراشدة تجاه حاكمها ليس أن تهمس له بالموعظة سراً بل أن تراقبه وتحاسبه وتلزمه بالاستقامة، كما قال الخليفة الراشد الأول أبو بكر رضي الله عنه لرعيته "فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم"، وكما خاطب الأعرابي الخليفة الراشد الثاني عمراً "لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا"..

ميدان الموعظة ليس فيما يتعلق بمصير الأمة، فحقوق الناس ليست منةً من شخص الخليفة، وعليها أن تمتلك من الوسائل الملزمة والآليات المحددة ما يمكنها من محاسبة الحاكم بل وعزله إن قصَّر في أداء واجباته.

 لا يعنينا أمر شخص الحاكم كثيراً إن بكى أو ضحك، فهو فرد واحد في النهاية، بل يعنينا النظام السياسي أن يكون نظام حكم جماعي شوري لا يملك فيه الحاكم الفرد سوى صلاحيات محددة إن تجاوزها عوقب..

قصة أخرى أشهر من نار على علم إذا سمعناها كبرنا وهللنا وسألنا الله أن يعيد لنا تلك الأمجاد، وهي قصة هارون الرشيد حين خاطب سحابةً في السماء قائلاً: أمطري حيث شئت فإن خراجك يأتي إلي في آخر العام..

هذه القصة التي نطرب لسماعها ونود لو أعاد لنا التاريخ كَرَّته حتى نخضع الناس لدولتنا ونتحكم في ثروات العالم تدل على روح امبراطورية استعلائية مناقضة لروح القرآن، فرسالة الدين كما في القرآن هي رسالة الرحمة للعالمين والعدل بين الناس، والقرآن لا يقر الفكر الامبراطوري فيقول "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً".. إن مهمة المشروع الحضاري الإسلامي ليست جباية الأموال والخراج كما كان ينتظر هارون الرشيد، بل مهمته هو هداية البشرية وإخراجها من الظلمات إلى النور، والعدل والرحمة..

مشكلة استحضار هذه القصص التراثية وتناولها في سياق الإعجاب، واعتبارها من مفاخر تاريخنا أنه يعزز في نفوسنا حلم إعادة استنساخ التجربة الغابرة بسلبياتها المتمثلة في فردية الحكم وتضخم دور الخليفة وغياب مؤسسات المحاسبة والمراقبة الملزمة للحاكم بالاستقامة، وهو ما نراه واقعاً في بعض ممارسات الحكام التي تلبس لباس الدين والصلاح مثلما هو شائع في بلادنا عن مكرمات ملكية، وعفو رئاسي، وكأن أموال الدولة هي ملك الرئيس أو الملك ورثها عن أبيه يتفضل بها على من يشاء ويمنعها عمن يشاء، أو كأن مصائر الناس رهن لمزاج الحاكم دون قانون ومحاسبة....

ربما نلتمس للأمة عذراً في تلك الأزمنة نظراً لعدم نضج الفكر البشري حول آليات الحكم الجماعي، لكننا اليوم لسنا معذورين بأن نسجن أنفسنا في قفصهم بعد أن جاءتنا الآيات البينات ورأينا البشرية تؤسس قواعد جديدة لتنظيم علاقة الشعوب بحكامها ونقلها من كونها علاقة تبعية وانتظار المنة إلى علاقة شراكة ومحاسبة فتتحقق كمية أكبر من العدل بتحديد صلاحيات الحاكم وسيادة القانون والفصل بين السلطات وإيجاد مجالس وآليات للمحاسبة والتدقيق..

إن تجربة أمتنا التي أفرزت تلك القصص دفنت في بطن التاريخ بما لها وما عليها، وتلك أمة قد خلت، أما المطلوب منا اليوم فهو الاستفادة من الأنظمة السياسية الحديثة وتطويرها، ولا بأس، بل من الواجب استحضار الروح الإيمانية التي تميزت بها تجربتنا الإسلامية، لكن على أن نكون قادرين على التفريق بين هذه الروح الأصيلة التي تمثل شخصيتنا المتفردة، وبين ممارسات سياسية تاريخية كانت محكومةً بمستوى الوعي البشري في زمانها..

والله أعلم..

abu-rtema@hotmail.com

 

 

كيف يؤثر القرآن فينا؟؟

أحمد أبورتيمة

 

وقع بين يدي مقال يثبت كاتبه تأثير القرآن الإعجازي على مرضى القلب ومساهمته في استقرار أدائه، وانتظام حركته، ويستعين الكاتب لإثبات فرضيته بدراسة فنلندية أجراها الباحث... من جامعة....

مقال آخر مشابه وقع بين يدي عن تجربة لعالم ياباني أفادت أنه عندما تعرضت بلورات الماء للبسملة عن طريق القراءة أحدثت فيه تأثيراً عجيباً وكونت بلورات فائقة الجمال في تشكيل الماء، وتجربة ثالثة تتحدث عن تأثير القرآن على غير الناطقين بالعربية، وقدرتهم على تمييزه دون سائر الكلام لما يتميز به من نظم وموسيقا خاصة!!..

هناك ملاحظة مبدئية أود تسجيلها وهي أن هذه البحوث التي تمثل موضةً رائجةً هذه الأيام ونسارع إلى نشرها لأننا نرى فيها البرهان الساطع والحجة البالغة على صحة ديننا هي بحوث –في حال صحت علمياً-قام بها أجانب، وصار يكفي أن تؤلف اسم عالم غربي وجامعة غربية تنسب إليهما هذا البحث لتضفي مصداقيةً عليه، ولهذا دلالة مؤسفة على عقدة النقص التي تعترينا حتى بتنا نتسول شهادة الآخرين لنثق بديننا، وهذا يدل أيضاً على أن إعجابنا بهذه البحوث يأتي في سياق آلية تعويضية للفراغ الحضاري الذي نعيشه وعجزنا عن تقديم مساهمة حضارية في عالم اليوم.

بعد هذه الملاحظة المبدئية نطرح السؤال: هل فعلاً يؤثر القرآن فينا وفي الأشياء بطريقة خارقة كونه كتاب الله المعجز؟؟

لا أميل إلى منطق الثنائيات الصارمة والتصنيفات الحدية لذا لا أنفي مطلقاً كل ما تذكره هذه المقالات وهي لن تخلو من الصحة، ونحن نعلم أن للقرآن نظمه ونسقه المتميز وموسيقاه الجمالية الجذابة.

 لكن في التوجه العام فإن محاولة إثبات تأثير القرآن إعجازياً في حياتنا دون بذل جهد، ودون اعتبار للاختيار الإنساني بالإيمان أو الكفر هي مخالفة لمنهج القرآن ذاته..فالقرآن في مجمله يقرر أن الاستفادة منه متعلقة بالاستعداد النفسي والجهد البشري، وأنها لا تتحقق بطريقة آلية كما يتحقق الدفء والضياء بمجرد طلوع الشمس ونحن مستلقون لا نبذل أي جهد..

القرآن يؤكد في عشرات المواضع على حقيقة أن الانتفاع بالقرآن متوقف على الاختيار الإنساني، بل يذهب أبعد من ذلك بتقرير أن كثيراً من الناس سيزيدهم القرآن خسراناً وضلالاً، مثل قوله "ولا يزيد الظالمين إلا خساراً"، وقوله "وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً"، وهناك من اتخذ قراراً مسبقاً بسد منافذ فهمه فهذا لن يستفيد من القرآن شيئاً "وجعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً"، بل إن القرآن بتعبير القرآن ذاته هو عمىً على هذا الفريق من الناس "قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى"، والانتفاع بالقرآن لا يكون إلا بشرط الاستعداد المسبق "هدىً للمتقين"، ونحو ذلك من عشرات الآيات التي تخرج القرآن من فكرة التأثير الآلي إلى التأثير المشروط بالاستعداد والجهد البشري..

الحديث بأن القرآن يؤثر بطريقة خارقة عدا أنه يخالف منهج القرآن ذاته فهو أيضاً غير علمي ويضعنا في حرج كبير إذ يكفي أن يأتي معاند واحد ويتحدانا بأنه لن يتأثر بآيات القرآن لينسف أساس نظريتنا نسفاً فنقلب أكفنا على ما أنفقنا فيها وهي خاوية على عروشها، كما أن هذه الطريقة غير مجدية حضارياً لأنها تعطل الدور الحقيقي للقرآن في استثارة العقول والقلوب للتفكر والتدبر ودفعنا للعمل، وتعزز فينا السلبية والاتكالية، وهو ما نراه واقعاً في حياة أكثر المسلمين الذين غاب عنهم شرط التدبر للاستفادة من القرآن لذا اكتفوا من القرآن بجمال الصوت ومخارج الحروف، فيشغل أحدهم صوت قارئ جميل في البيت أو السيارة لجلب البركة والراحة ثم لا يمنعه صوت القرآن من الثرثرة والانصراف إلى شئون أخرى، لأنه يظن أن القرآن سيؤثر بطريقة آلية دون استماع وإنصات، ويخرج أحدهم من البيت تاركاً آيات القرآن تباركه في غيبته!!

إن أثر القرآن لن يتحقق في حياتنا إلا حين نفتح قلوبنا وعقولنا لتلقي هدايته وما لم نحقق هذا الشرط فلن تنفع كل هذه البحوث والدراسات الصادقة منها والمزعومة في انتشالنا من وهدتنا الحضارية.

والله المستعان.. 

abu-rtema@hotmail.com

 

 

 

قصة مدينة انقسمت إلى مدينتين

أحمد أبورتيمة

 

ولدت في مدينة رفح الحدودية بين مصر وفلسطين، ولهذه المدينة قصة معاناة إنسانية ينبغي أن نعرف الناس شيئاً منها..

كانت رفحاً واحدةً ثم صارت رفحين إحداهما مصرية والأخرى فلسطينية..فصلت بينهما حدود السياسة لكن روابط الروح والدم لا تقيم شأناً لحسابات السياسة الجافية عديمة الأخلاق والضمير.

لم يكن الناس يعرفون سوى رفح واحدة، فنفس العائلات هي التي تسكن في كلا الشطرين، كانوا يتعايشون على أرضها ويسكنون حيثما أرادوا ويتزاوجون فنشأت علاقات اجتماعية قوية دون أن تكون هناك أية حدود فاصلة إذ كانت كلا الرفحين تخضعان للحاكم المصري ثم في حرب 1967 خضعت كلاهما للاحتلال الإسرائيلي وهكذا استطاعت رفح المحافظة على وحدتها..

لكن حين وقعت اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 كانت تنص على إقامة سلك شائك يقسم رفح إلى جزئين، وقد طبق هذا البند على الأرض في الخامس والعشرين من أبريل عام 1982 مع بداية عهد مبارك وهنا بدأ فصل مروع من فصول المأساة الإنسانية المتواصلة حتى اليوم.

فقد مر هذا السلك الشائك من وسط البيوت والأراضي والممتلكات حتى أنه قسم البيت الواحد إلى بيتين فتكون إحدى غرف البيت مصريةً والأخرى فلسطينية وتشتتت العائلات على طرفي الحدود فصار الأب في مصر وابنه في فلسطين، والأخ هنا وأخوه هناك، والأم هنا وابنها هناك، وهكذا أثبتت السياسة من جديد كم هي متجردة من كل خلق وإنسانية.

أصدرت كل من السلطات الإسرائيلية والمصرية تصاريح مرور مؤقتة لأهالي الرفحين ليتسنى لهم الوصول إلى ممتلكاتهم وأراضيهم على الجانب الآخر لكن هذه التصاريح سرعان ما تم سحبها وقطعت أي إمكانية للتواصل بين الأخ وأخيه والأب وابنه باستثناء معبر رفح وما فيه من تعقيدات أمنية وإجرائية حرمت كثيرين من السفر من خلاله..

أمام هذا الفصل المروع من الحرمان والمعاناة لم يجد سكان الرفحين بداً من البحث عن أي وسيلة ليتسنى لهم استمرار التواصل فكانت الوسيلة الوحيدة هي التواصل عبر السلك الشائك فيقف الأقارب على طرفي الحدود يتحدثون مع بعضهم عن بعد بينهما برزخ لا يبغيان فيه الأسلاك الشائكة وجنود الاحتلال والجنود المصريون.

وحين كان يتوفى شخص في إحدى الرفحين كانوا يستعملون مكبرات إحدى المساجد الحدودية لإعلام أقربائه في الطرف الآخر، ثم يقام له بيتا عزاء في كلا الجانبين..

من المشاهد المروعة التي تختزنها الذاكرة هو مشهد وفاة ابنة عمتي الحاجة فاطمة التي كانت متزوجةً من ابن عمها في رفح المصرية، بينما أمها تقيم في رفح الفلسطينية، ولما توفيت لم تجد عمتي العجوز وسيلةً لتوديع ابنتها سوى التوجه إلى السلك الشائك وإلقاء نظرة عن بعد على نعش ابنتها...

لكن حتى هذه الوسيلة القاسية للتواصل لم يرق للاحتلال استمرارها، فحين جاءت انتفاضة الأقصى عام 2000 بدأت قوات الاحتلال عمليات هدم واسعة للمنازل القريبة من الشريط الحدودي في رفح فدمرت آلاف هذه المنازل، وهي العمليات التدميرية التي جاءت بالشهيدة الأمريكية ريشيل كوري لتدافع عن منازل أهل رفح فكان قدرها أن تدعسها جرافة احتلالية فتهشم عظامها، وبعد أن أتمت دولة الاحتلال تدمير هذه الآلاف من المنازل وحولت منطقة الشريط الحدودي بأكملها إلى ركام وخراب أنشأت جداراً اسمنتياً وفولاذياً عازلاً على غرار جدار الضفة مما حجب رفح المصرية عن أعين شقيقتها رفح الفلسطينية فلم يعد التواصل ممكناً حتى بحده الأدنى..

 في الثاني عشر من أيلول عام 2005 انسحبت القوات الإسرائيلية من قطاع غزة بعد ثمانية وثلاثين من الاحتلال بشكل أحادي دون التنسيق مع مصر أو السلطة، وشمل هذا الانسحاب الشريط الحدودي الفاصل بين مصر وغزة، مما أتاح للفلسطينيين تجاوز الحدود لأول مرة منذ ترسيمها، فكانت فرصةً لالتقاء العائلات بعد انقطاع طويل ماتت فيه أجيال وولدت أجيال جديدة تسمع عن أقارب لها لا يبعدون عنهم سوى مئات الأمتار دون أن تراهم، وكانت لحظات مليئةً بالمشاعر الإنسانية وبالدموع والذكريات سجل فيها لقاء أم بابنها أو أخ بأخيه بعد انقطاع أكثر من عشرين عاماً..لكن هذه الفرحة لم تدم طويلاً إذ سرعان ما أعادت السلطات المصرية إغلاق الحدود بعد أيام قليلة من فتحها وكان على الفلسطينيين أن يعودوا مرةً أخرى إلى سجنهم، وأن تعود العائلات إلى الافتراق..

تسارعت الأحداث في الأعوام اللاحقة إذ فرض حصار مشدد على قطاع غزة فأغلقت جميع المعابر التي تصل قطاع غزة بالعالم الخارجي بما في ذلك معبر رفح الذي تشرف عليه السلطات المصرية، ومنع عن غزة دخول الغذاء والدواء والوقود ومواد البناء وتنقل الأفراد، وبعد عام ونصف من الحصار المشدد وبعد أن وصل الحصار إلى ذروته بغرق غزة في الظلام الدامس جاء الانفجار باتجاه الحدود المصرية إذ عبر مئات آلاف الفلسطينيين في الثاني والعشرين من يناير عام 2008 الحدود مرةً أخرى باتجاه مصر وكانت فرصةً ثانيةً لأهالي رفح للالتقاء مع ذويهم..

بعد حوالي أسبوع من فتح الحدود قامت السلطات المصرية مرةً أخرى بإغلاقها ووعدت بفتح معبر رفح، ولكن حين تمت لها السيطرة على الحدود نكثت بوعدها وعاد مسلسل الحصار المشدد من جديد، وهنا لم يجد الفلسطينيون وسيلةً في صراع البقاء الذي يخوضونه إلا أن ينبشوا الأرض ويحفروا الصخر فابتدعوا فكرة الأنفاق بين الرفحين لإدخال الدواء والغذاء والوقود، وهنا كان للعلاقات الاجتماعية بين سكان الرفحين دور في إنجاح هذه الفكرة إذ كان صاحب النفق في رفح الفلسطينية يتواصل مع أحد أقربائه في الجانب الآخر ويتفق معه على أن يكون مخرج النفق في أرضه أو بيته، ونجحت هذه الفكرة بالفعل في التخفيف من الحصار الخانق على قطاع غزة عبر إدخال كافة أصناف الأغذية والمواد إلى غزة.

مع الأيام والسنوات تطورت فكرة الأنفاق التي تجاوز عددها الأربعمائة نفق فلم تعد قاصرةً على إدخال البضائع وحسب بل صارت وسيلةً للتواصل الاجتماعي بين الأقارب على الجانبين، وخصصت أنفاق لمرور الأفراد بعد إدخال تحسينات على بنية هذه الأنفاق بتوسيعها وتهويتها وتحصين بنائها، ولا تزال هذه الوسيلة هي الوسيلة الأكثر فاعليةً للتواصل الاجتماعي بين الرفحين خاصةً في ظل ما يشهده السفر عبر معبر رفح من تعقيدات سياسية وإجرائية.لقد كانت هذه الأنفاق استجابةً تاريخيةً لتصل ما أمر الله به أن يوصل ولتعيد الوحدة الجغرافية والتاريخية التي قطعتها السياسة.

بدأ عهد جديد في مصر مع إسقاط نظام مبارك الذي كان انقسام رفح إحدى أوزاره، وعلق الرفحيون آمالاً عريضةً بإعادة الوحدة بين شطري مدينتهم ولو في حدها الأدنى الذي يستجيب للاعتبارات الإنسانية، لكن انشغالات الثورة المصرية الكثيرة لم تبق مساحة للاهتمام بهذه المدينة النائية..

أخيراً بعد أكثر من ثلاثين عاماً من النسيان وجدت قصة انقسام رفح طريقها نحو الاهتمام الإعلامي بوثائقي عبر قناة الجزيرة، فهل يسهم هذا الوثائقي بإخراج هذا الملف الإنساني الملح إلى دائرة الاهتمام!!

كلنا أمل...

abu-rtema@hotmail.com

 

   http://www.youtube.com/watch?v=knU07dZtnmM&feature=youtu.be

 

 

لماذا لم نصنع بالقرآن حضارة؟؟

 

أحمد أبورتيمة

 

القرآن هو كتاب الهداية الإلهي للعالمين، يستهدف تحرير الإنسانية من الإصر والأغلال وتفحير طاقاتها واستثارة أقصى فاعلية لإمكانياتها، وبلوغ النفس حالة السلام والطمأنينة، وعلى المستوى الجماعي تحقيق العدالة وليقوم الناس بالقسط..

لكن الواقع مختلف، فالقرآن اتخذ مهجوراً حتى بين أتباعه الذين يتلونه ليل نهار، والتعامل مع هذا الكتاب أشبه بالطقوس الباردة من التفاعل الحي، ومن يقرؤه فإنما يفعل ذلك بقصد التماس البركة وطرد الشياطين أو في أحسن الأحوال بقصد فهم أحكامه الجزئية دون تدبر المقاصد الكبرى والنفاذ إلى عمق القضايا الرئيسية التي يفرد لها القرآن الحيز الأكبر..

إن الهدف القرآني بإطلاق عقال الإنسان وتفعيل إمكانياته وتنمية مقدراته وتحقيق السلام الداخلي والعدل الخارجي لم يتحقق إلا قليلاً فأين الخلل؟؟

رغم كون القرآن كتاب الخالق المعجز إلا أنه لا يؤثر في الناس بطريقة خارقة، بل هي استفادة مشروطة بالجهد الإنساني وفتح القلب لتلقي معانيه، والقرآن يتحدث عن فريق من الناس لن يزيدهم القرآن إلا خساراً "ولا يزيد الظالمين إلا خساراً"، "وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً"

فتح القلب -وهو الشرط الضروري لتلقي معاني القرآن- هو عمل يجمع بين الروح والفكر، فلا بد من روح شفافة لتلقي هذا القول الثقيل، ولا بد من منهج سليم في التفكير حتى نفقه مقاصد القرآن ومراميه، والقرآن كثيراً ما يحدد مشكلة الكفار بأنها مشكلة عقلية فهم لا يعقلون ولا يفقهون ويستعصي عليهم فهم المعاني القرآنية "حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً"، لذا فإن أقفال القلوب التي يتحدث القرآن بأنها تحول بين الإنسان وبين تدبر القرآن هي أقفال روحية وعقلية في آن واحد "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها".

جاء القرآن برسالة هداية للعالمين تتجاوز حدود الزمان والمكان، وهذا يقتضي بالضرورة أن القضايا التي يعالجها القرآن هي قضايا عامة تواجهها البشرية في كل مكان وزمان، وأنها قضايا إنسانية تتناول الإنسان من حيث كونه إنساناً أياً كان لونه وقومه ومذهبه، لكن تعاملنا مع القرآن لا يزال يغلب عليه الطابع النرجسي المنغلق على الذات مما حال بيننا وبين النفاذ إلى عمق المعاني الإنسانية في هذا الكتاب.

  نمر على الآيات التي تتناول مشكلات الكفر والشرك والترف والظلم والاستكبار في الأرض فنقول إن هؤلاء هم الآخرون ولا نتفطن إلى الغايات الواقعية لإفراد المساحة الأكبر من القرآن لتناول هذه المشكلات، والتي لا بد أنها تخصنا نحن بالذات وتشتمل على تحذير لنا لأننا نحن من يقرأ القرآن ويتلقى توجيهاته قبل غيرنا.

 نمر على الآيات التي تتناول الأحداث المعاصرة لنزول القرآن فنقول إن مقصد هذه الآية تلك الغزوة أو ذلك الصحابي أو المشرك الفلاني، وبذلك نعطل فاعلية القرآن في حياتنا بالغفلة عن السنن العامة التي تتضمنها الآيات حتى تلك التي تتناول أحداثاً تاريخيةً محددةً، وندور مع خصوص السبب ونغفل عموم المعنى.

نمر على الآيات التي تتناول عاقبة الأمم التي خلت من قبلنا، والتي تأخذ حوالي ثلث مساحة القرآن فنظن أنها قصص دينية دون أن نتفكر في الأمراض الفكرية والقلبية التي أهلكت تلك الأمم ونستخرج ما فيها من قوانين عامة فنستفيد منها ونحذر أن يصيبنا ما أصابهم، مع أن المنهج النبوي كان يتمثل في تفعيل هذه القصص التاريخية واقعياً بالربط بين أفعالهم وأفعال الصحابة بقصد رفع مستوى التحذير " إنما أهلك من كان قبلكم.... "

حين نعطل القضايا التي تحتل المساحة الأكبر من الاهتمام القرآني مثل الشرك والتوحيد والكفر والإيمان وعاقبة الذين من قبلنا فنتعامل معها بأنها تتناول قوماً آخرين أو زماناً آخر، وأنها معان ساكنة فهناك قالب اسمه الكافرون، وقالب آخر معزول تماماً اسمه المسلمون لا يصيبه شيء من أمراض الكافرين، ولا نتفطن إلى حركية هذه المعاني وتناولها للإنسان من حيث كونه إنساناً سواءً كان يهودياً أو نصرانياً أو مسلماً، ونغفل عن عموم هذه القوانين القرآنية "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءً يجز به"، حين نفعل ذلك فإننا نهجر أكثر القرآن فلا يتبقى من آياته ما يمكن أن يقوم بوظيفة حيوية في إصلاح واقعنا المعاصر سوى بضع مئات من آيات الأحكام التي نتعامل معها بمنطق بارد بعد أن نزعناها من سياق الكليات القرآنية فخلت من حرارة الروح، وربما نتوقف مع اللفتات القرآنية الجميلة التي تبرز روعة هذا الكتاب ودقته وتدلل على المصدر العلوي له بلا شك، لكنها لفتات موضعية، أي أنها تبقى في حدود الآية الواحدة، ولا تبرز التوجهات الكلية والاهتمامات العامة للقرآن فلا تصلح لإحداث حالة استنهاض حضاري شامل.

حين نظن أن القضايا القرآنية الكبرى التي لا تكاد تخلو صفحة من كتاب الله من تناولها مثل الكفر والإيمان والشرك والتوحيد وعاقبة الذين من قبلنا هي مسائل أيديولوجية معزولة عن الحياة المدنية، أو نتعامل معها بخصوص السبب التاريخي لا بعموم المعنى ولا نتفطن إلى المحتوى العلمي السنني المتجرد عن الزمان والمكان في هذه الآيات فإننا نفرغها من وظيفتها الحيوية بل ونفرغ القرآن كله من وظيفته الحيوية لأن كتاباً يتناول في مساحته الأكبر قضايا على هامش الحياة المعاصرة، وليست ملحةً في الحياة البشرية هو كتاب غير مؤهل للقيام بدور حضاري.

لاستعادة الوظيفة الحيوية للقرآن لا بد من منهج جديد في التعامل معه، فنحرره من سجن الأيديولوجيا التي حجّرت واسعاً ونطلق آياته من أسر القوالب التاريخية فنلمس ما بها من معان إنسانية فضفاضة حتى نستشعر ونحن نتلو القرآن كأنه يتنزل الساعة وبأنه يلامس الاهتمامات الإنسانية المعاصرة ويقدم الحلول الجذرية لأكثر المشكلات البشرية إلحاحاً على كافة المستويات النفسية والاجتماعية والحضارية فلا يعود هذا الكتاب كتاب تراث يخص المسلمين وحدهم، بل يستعيد رسالته العالمية ويدرك الناس أنه ضرورة ملحة لا غنى عنها للإنسانية كلها.

إن القرآن هو الكتاب الأقدر على النفاذ إلى أعماق النفس الإنسانية وتشخيص حالتها بكل صراحة وجرأة دون مواربة، واستخلاص القوانين العامة التي تتناول حركة النفس والمجتمع والتاريخ. لكن هذه الحقيقة لن تكون فاعلةً حتى ننقل القرآن من كونه أيديولوجيا أو كتاباً تراثياً للمسلمين إلى الحقل الفسيح للعلم والسنن والإنسانية..

 التعامل العلمي الإنساني مع القرآن يعني أن نخلع نظاراتنا الثقافية والتاريخية ونحن نقرؤه، فنبصر فضاءاته الواسعة، وننفذ إلى عمق معانيه الإنسانية، ونستخلص القوانين النفسية والاجتماعية والحضارية من بين ثناياه.

حين نقرأ قصص الأمم الغابرة لا نقرؤها بأنها قصص دينية، بل نرى فيها قانون الاستعصاء الذي يصيب المجتمعات والحضارات حين تسد منافذ الفهم وتصم الآذان وتغشاها العماية فتتوقف حركة الفكر والعقل وتتمسك بأوضاع صنمية جامدة وتحارب أي محاولة للتجديد وتحريك العقول فتتقوقع على ذاتها وتعيد إنتاج نفسها في نسخ مكررة خالية من الروح "لن يلدوا إلا فاجراً كفاراً" فينتهي دورها التاريخي وتصير عبئاً على التقدم الإنساني.

 وحين نقرأ عاقبة تلك الأمم لا نقرأ فيها جانب المعجزة الخارقة للعادة، بل ننظر في بعدها السنني "فانظر كيف كان عاقبة المكذبين"، فالعذاب الذي نزل بتلك الأمم هو النتيجة الطبيعية والحتمية لحالة الاستعصاء وتوقف حركة الفكر، وذلك العذاب هو قانون تاريخي يصيب أي أمة جزاءً وفاقاً لها حين تعكف على أصنامها من الموروثات وتحارب أي تجديد فكري.

 وحين نقرأ آيات التوحيد التي لا تكاد صفحة من كتاب الله تخلو منها فهي ليست حديثاً في الميتافيزيقيا، أو شأناً دينياً لا علاقة له بالحياة المدنية بل هو معنى إنساني ضروري للبشرية، فالتوحيد هو طاقة تحرر الإنسان من مشاعر العبودية والاستلاب والذل والخوف والقلق والحزن حين يؤمن أن أحداً لا يملك له الضر أو النفع أو الرزق سوى إله واحد مطلق، فيطلق هذا الإيمان إمكانيات الإنسان ويفجر إبداعه، والشرك في المقابل هو مرض إنساني عام يؤدي إلى التشتت والتمزق الداخلي فتتبدد قوى الإنسان حين يصير مثل رجل فيه شركاء متشاكسون، ويعجز عن التركيز في اتجاه واحد مثمر.

والكفر كذلك ليس معنىً غيبياً أخروياً، بل هو حالة من اللا عقلانية تعتري النفس البشرية فتجحد الحقائق البينة، وتطمس صوت الفطرة المنبعث من داخلها فتنشأ بذلك حالة من العمى والتخبط والضلال، ليس بالمعنى الديني وحسب، بل ضلال يمنعه من التفكير الطبيعي السليم واتخاذ قرارات صحيحة، فيكون الفرق بين معنى الإيمان ومعنى الكفر هو الفرق بين إنسان يعمل عقله وآخر لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل فيكون عبئاً على الإنسانية..

ما يحول بيننا وبين ملامسة هذه المعاني الإنسانية العميقة التي يزخر بها القرآن هو النظارات القاتمة التي نلبسها، والأكنة والأقفال التي على القلوب، أما حين نقرأ القرآن بنفسية جديدة وقلب مفتوح فسنلامس عمقه الإنساني وسيكون بوسعنا حينذاك استخراج أعظم رؤية حضارية إنسانية منه فيها العدل والرحمة وشفاء ما في الصدور

واجب الساعة الحضاري هو تحرير القرآن من ضيق الأيديولوجيا إلى سعة العلم والإنسانية فهل من مشمر؟؟

والحمد لله رب العالمين..

abu-rtema@hotmail.com

 

 

جماهير فتح وطاقاتها المعطلة

أحمد أبورتيمة

 

لم تهمني السياسة يوماً مثلما يهمني الإنسان، ولا تعنيني القيادات الصنمية الشائخة المنتصبة كالتماثيل كما يعنيني نبض الشعب الحي القادر على التجدد الدائم والإبداع.

هذه المرة قررت تجاوز القوالب الرسمية والمناظير السياسية، ونزلت إلى الشارع لأخالط نبض القاعدة الفتحاوية مباشرةً في خروجهم الأول من بيوتهم منذ ست سنين..

سرت ماشياً على قدمي لمسافة تزيد على الخمسة كيلومترات وأنا أتفرس في وجوه الغادين والرائحين رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، أريد أن أقرأ ملامح الوجوه ولغة العيون التي لا تخطئ..

أمعنت النظر فيهم واحداً بعد الآخر فإذا هم أناس مثلنا تماماً يضحكون ويبكون، ينبضون بالمشاعر والأحاسيس، لكل واحد منهم قصص وذكريات، وفي عيني كل واحد ألم وحلم..

أعلم أنني أذكر شيئاً بدهياً جداً إلى درجة الإضحاك، لكننا كثيراً ما ننسى أبسط الحقائق فنحتاج إلى من يذكرنا بها..نعم لقد اكتشفت أنهم أناس مثلنا تماماً..

هذا القطاع العريض من الشعب النابض بالمشاعر والحيوية مغيبون في بيوتهم منذ ست سنين لا يساهمون شيئاً في صناعة المجتمع، يتقاضون رواتبهم ولا يعملون، قد تعطلت طاقاتهم وحيدت إمكانياتهم، فأي خيبة تحل بمجتمع تتعطل نصف طاقاته فيصيرون عالةً يحملهم المجتمع بدل أن يحملوه..

لقد حل بنا الانقسام البغيض فأقام هذه الحواجز النفسية المنيعة حتى أنها أنستنا كم نحن متشابهون في إنسانيتنا وفي آلامنا وأحلامنا وفي قضيتنا ومصيرنا المشترك..

كيف لهذه الحواجز البغيضة أن تتهدم وكيف للنسيج المجتمعي أن يعيد التحامه وكيف لهذه الطاقات المعطلة والأشواق الجارفة أن تتفجر في اتجاه إيجابي يعود بالنماء والازدهار على الوطن بدل أن تتبدد بالفراغ القاتل أو بمظاهر احتفالية خالية من أي مضمون..

لقد ذكرنا خروج عشرات آلاف الجماهير للمرة الأولى منذ ست سنوات كم تضم جدران البيوت من طاقات معطلة، وكم كان الانقسام بغيضاً حين غيب عن اهتماماتنا مصلحة الوطن والمجتمع وأغرقنا في استنزافات فصائلية محزنة أهدرت الكثير من الوقت والجهد فيما لا طائل من ورائه..

أختم بما قد بدأت به وهو أنه لا تهمني القيادات الشائخة بقدر ما يهمني نبض الجماهير الحية، وإذا كنت على قناعة بأن وظيفة فتح التاريخية قد انتهت فإن هذه القاعدة الجماهيرية العريضة التي لا يربطها بفتح أكثر من الحنين إلى الماضي والرغبة في الانتماء لجماعة يجب أن نكسبها ونضع الخطط الجادة لذلك لأنها تمثل مادةً خاماً وعناصر أوليةً يمكن أن يستفاد منها في صناعة صيغ اجتماعية جديدة أكثر حيويةً فتتوجه الطاقات في مشاريع مفيدة تحقق الخير للوطن والإنسان.. 

والله أعلم..

abu-rtema@hotmail.com

 

  

 

 

آيات الله في عصر العلم...

أحمد أبورتيمة

حين سأل إبراهيم ربه رب أرني كيف تحيي الموتى جاء الجواب الإلهي على هيئة معجزة بأن خذ أربعةً من الطير ثم اجعل على كل جبل منهن جزءً ثم ادعهن يأتينك سعياً، وحين تساءل الذي مرَّ على قرية أنى يحيي هذه الله بعد موتها كان الجواب أيضاً على هيئة معجزة أن أماته الله مائة عام ثم بعثه، وكذا عيسى عليه السلام كان من معجزاته إحياء الموتى، لكن في عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم تعامل القرآن مع ذات القضية تعاملاً مختلفاً، فهو لم يأت بمعجزة تدلل على قدرة الله الخارقة على إحياء الموتى، بل جاء الجواب علمياً سننياً قائماً على الاستنباط من ظواهر الطبيعة التي حولنا، فحين سأل أحد المشركين من يحيي العظام وهي رميم أجابه القرآن بتذكيره بخلق الإنسان الأول: "قل يحييها الذي أنشأها أول مرة".. ، وكثيراً ما يستغل القرآن مشهد اخضرار الأرض وإنباتها للتدليل من خلاله على القدرة الإلهية في الإحياء بعد الموت، فما دامت الطبيعة تتجدد على هذا النحو، فهذا يعني إمكانية تجدد خلق الإنسان بعد أن تبلو عظامه "إن الذي أحياها لمحيي الموتى"، "كذلك النشور"، ..

يلفت الفيلسوف محمد إقبال رحمه الله الأنظار إلى هذا الفرق في طريقة إجابة القرآن في مرحلتين مختلفتين فيقول إن القرآن جاء ليعلن انتهاء عصر الخوارق وبدء عصر العلم..

الفرق بين عصر الخوارق وعصر العلم هو أن الإنسان في طفولته الفكرية يطلب الخوارق حتى يؤمن كأن تخرج ناقة من قلب صخرة أو تنقلب العصا إلى حية تسعى، وهذه الخوارق ليس لها علاقة مباشرة بموضوع الرسالة ولكنها قرائن خارجية، لكن الإنسان في عصر العلم فإن كل ما يحتاجه هو أن يقوم البرهان على الدعوى من جنسها، وإثبات قضية الحياة بعد الموت ليست بحاجة إلى خرق سنن الطبيعة، بل يمكن الاستدلال عليها من خلال التأمل والدراسة العلمية لمراحل الحياة، واستنتاج النهايات من البدايات، فيكتشف البعث من طبيعة الحياة ذاتها، ..وقد لخص الإمام أبو حامد الغزالي هذه الفكرة بالقول إنه لو جاء أحد الناس وقال إن الثلاثة أكبر من التسعة ودليلي على ذلك أنني أستطيع أن أقلب العصا إلى حية، ثم قلب العصا إلى حية بالفعل ما دفعني ذلك إلى الاعتقاد بصحة دعواه بأن الثلاثة أكبر من التسعة غير أنني أتعجب من قدرته على قلب العصا إلى حية..

لذلك نجد أن آية النبي محمد صلى الله عليه وسلم بخلاف الأنبياء السابقين هي آية عقلية وليست حسيةً فالقرآن يدعو الناس إلى الإيمان به بطرح حجج الإيمان العقلية ودعوتهم للتفكر والتدبر "أفلا يتدبرون القرآن"..

إثبات صحة القرآن لا يحتاج إلى خرق مألوفات الناس بل يكون بالتأمل الموضوعي العلمي في محتواه، وحين كانت قريش تعرض على النبي قائمةً من المطالب الطفولية بأن ينزل عليهم قرطاساً أو يفجر لهم ينبوعاً أو تكون له جنة أو قصر لم يكن القرآن يقرهم على هذه المطالب بل كان الرد "سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً"، وكان يلفتهم إلى المعجزة الأهم وهي القرآن في ذاته "أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم"..

إن أقوى أنواع الأدلة هو الذي يأتي من جنس الشيء فيحمل قوته في ذاته، وليس من قرينة خارجية، لذا فإن دليل القرآن الأساسي لا يأتي من أن الماء كان يتفجر من أصابع النبي، أو أن القمر انشق له، أو أن الله أنطق له الجماد، إنما يأتي من التأمل الموضوعي في محتوى القرآن، وهو ما يلفتنا القرآن إليه "أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم"، وفي موضع آخر يشير القرآن إلى أن دليل صحته هو في اتساقه الداخلي وعدم تناقضه "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً"..

نقع في خطأ منهجي حين نركز على جانب المعجزات في حياة النبي وكأنها كانت تشغل الحيز الرئيسي من سيرته فلا نرى فيها إلا تفجر الماء من بين أصابعه وانشقاق القمر وبكاء الجذع وغير ذلك..

إن السيرة النبوية هي آية أخرى على أن الإسلام جاء ليضع حداً لعصر الخوارق وليبدأ عصر السنن والعلم، فبينما نجد أن التأييد الإلهي للأنبياء السابقين كان يأتي عبر مؤيدات خارجية مثل الريح الصرصر العاتية أو الصيحة أو الخسف أو الطوفان نجد أن التمكين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم جاء وفق سنن التحول الاجتماعي البطيء حتى أننا إذا استثنينا كونه نبياً يوحى إليه ونظرنا إلى سيرته وفق القوانين الاجتماعية فإن مراحل التحول الاجتماعي التي حدثت معه بدءً من كونه مستضعفاً يدعو في السر وصولاً إلى نصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجاً  يمكن أن يحدث مع أي مجدد حتى لو لم يكن نبياً!!

لقد بدأ النبي محمد دعوته سراً في مكة وأخذ يبحث في دائرة الثقات المقربين منه ليفضي إليهم بدعوته، وكوّن النواة الصلبة التي كان يجتمع بها في أجواء الخوف والكتمان في دار الأرقم، ثم بدأت مرحلة الاضطهاد والإيذاء له ولأصحابه، وأخذ يبحث عمن ينصره من القبائل العربية ويجيره من الأذى، وتعرض هو شخصياً في تاريخ حياته الطويل لكثير من المصائب ولحظات الخوف التي يتعرض لها عامة الناس، ، وكان الله قادراً على نصرته لكنه تركه يخوض تجربةً بشريةً كاملةً، وتسلسلت الأحداث بشكل طبيعي حتى هاجر النبي سراً إلى المدينة التي احتضنت دعوته، وأقام فيها نواة المجتمع المسلم وأسس دستوراً مدنياً لإدارة العلاقات مع سكان المدينة، وبدأت مرحلة جديدة من التدافع الاجتماعي بالمواجهة مع قريش فمرةً ينتصر وأخرى تنتصر قريش، وتمضي الأمور وفق صيرورتها الطبيعية حتى يوقع اتفاقية الحديبية مع قريش ينال بها الاعتراف السياسي، وبعد رحلة طويلة من المدافعة يأتي فتح مكة تتويجاً للتحول الاجتماعي والسياسي، ويدخل الناس في دين الله أفواجاً وفق سنة تبدل الولاءات التي تحدث في أي مجتمع حين يمكَّن لقوة جديدة وتنهار قوة قائمة، وبعد الفتح يترك رموز المرحلة السابقة مثل أبي سفيان للذوبان في المجتمع الجديد، وللفناء الطبيعي وفق تعاقب الأجيال، وهكذا يقدم لنا النبي محمد تجربةً متكاملةً يمكن دراستها وفق السنن الاجتماعية والتاريخية، ليكون في ذلك درس لنا بأن قدرة الله تتجسد دون الحاجة إلى الخروج عنها إلى الخوارق والمعجزات..

إن فريقاً من المسلمين لا يزال عاجزاً عن فهم قدرة الله إلا وفق الخوارق والمعجزات، فهم ينتظرون أن يرسل الله على الدول الظالمة صاعقةً من السماء أو أن يخسف بها الأرض، أو أن يبعث عليها إعصاراً ساحقاً ماحقاً حتى يروا في ذلك قدرة الله، مع أن التحلل الطبيعي لهذه الدول والارتخاء التدريجي لسطوتها الاقتصادية والعسكرية على العالم، وفي المقابل بدء صحوة الشعوب الضعيفة وتحررها من الأنظمة الاستبدادية، وتقدمها التصاعدي تدريجياً وصولاً لتحولها إلى قوة إقليمية ثم دولية وفق خطة خمسينية أو أكثر من ذلك أو أقل هذا في حد ذاته آية دالة على قدرة الله..

إن آيات الله لا تتمثل في أنه أهلك عاداً وثمود وقوم نوح وقوم لوط وحسب، ولكنها تتمثل في عصرنا الحاضر في أنه أهلك هتلر وتشاوشيسكو والقذافي ومبارك بالعلة الذاتية، وفي أن القوة النووية للاتحاد السوفييتي لم تحل بينه وبين التحلل الداخلي حين حكم الناس بالحديد والنار، كل هذه آيات بينات تحثنا على التفكر والتدبر!!

إن حديث القرآن عن تداول الأيام وبأن الله عز وجل يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء لا يفهم منه بالضرورة أن تحدث معجزة فيأتي المُلكُ إلى رجل وهو نائم في بيته، بل إن هذه المشيئة مقيدة بالحكمة وبالسنن التي قدرها الله في عباده، فإذا شاء الله أن يؤتي الملك لقوم من الأقوام هداهم للأخذ بالسنن الطبيعية ولاكتساب أسباب القوة حتى تتحقق هذه المشيئة، وإذا شاء أن ينزع الملك من أحد دفعه إلى التمادي في الظلم وأعمى قلبه عن سنن التمكين فنرى انحساراً طبيعياً وتراجعاً تدريجياً لقوته وملكه، وهكذا فإن لله سنناً طبيعيةً لا تحابي أحداً، ولا يمكن أن نتخذ من إيماننا بقدرة الله المطلقة ذريعةً للتفكير العبثي أو للتواكل والتكاسل، لأن من سنن الله عز وجل السعي والعمل "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" "ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً"..

يقرر القرآن هذه الحقيقة السننية بشكل واضح في قوله تعالى "ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض"..إن الله قادر على إرسال ريح صرصر عاتية تجتث أعداءنا وتقطع دابرهم، ولكن حكمته اقتضت وجود سنة الابتلاء والتدافع، فهو لا يريد أن ينصرنا بمعجزة إنما يريد منا أن نتحرك ونتدافع مع الأمم الأخرى وفق السنن الاجتماعية والتاريخية، وحينذاك ينصرنا..

في ظل شيوع العقلية الخوارقية تجد من يترصد أخبار الغرائب والعجائب فإذا سمع عن بيضة أو خروف أو شجرة نحت عليها لفظ الجلالة، أو قرأ خبراً عن ادعاء سماع الأذان على سطح القمر، مع أن النزول على القمر ذاته محل تشكيك، هلل وكبر لذلك واستحلفك أن تنشر هذه الآية البينة ليؤمن الناس بالله، وهذا تفكير في غاية السذاجة لأن من يفعل ذلك يترك متسع الآيات البينات التي قام عليها سلطان من العلم ويلجأ إلى الدائرة الضيقة الشاذة ليبحث فيها عن دليل إيماني، وحين نكون مضطرين للبحث عن الغرائب وشواذ الأخبار لإقناع الناس بالإيمان، فنحن بذلك ندعو الناس إلى إيمان استثنائي لا يصلح إلا في حالات الخوارق والغرائب، والناس في النهاية تعيش وفق السنن الطبيعية وليس وفق الخوارق والاستثناءات، وحين تنتمي أدلتنا وبراهيننا إلى عالم الخوارق فهذا يعني أننا نقدم للناس إيماناً يختص بهامش حياتهم ولا يمثل صميمها وعمقها، أما حين نقدم أدلة الإيمان من خلال السنن النفسية والاجتماعية والطبيعية التي يلمسها الناس في كل أجزاء حياتهم، فنحن بذلك نقدم الدليل على أن الإيمان يمثل مكوناً رئيسياً لا غنى عنه من مكونات حياتنا، فيكون الإيمان بذلك محفزاً للنجاح والنهضة والحضارة..   

إن آيات الله عز وجل تتجلى في السنن الطبيعية، وليس من ضرورة للخروج عن هذه السنن للإيمان بالله، لذا فإننا نجد في القرآن صراعاً بين مدرستين: مدرسة العلم من جهة التي يمثلها القرآن ويدفع فيها الناس إلى دائرة السنن الطبيعية ليتفكروا ويتدبروا، وبين المدرسة الخوارقية من جهة أخرى التي يمثلها المكذبون بالقرآن والذين كانوا يشترطون أن يرسل الله إليهم معجزات خارقةً للعادة حتى يؤمنوا، لقد كان المكذبون بالقرآن يطلبون من محمد آيةً مثل آيات الأنبياء من قبله، أو أن يفجر لهم من الأرض ينبوعاً، أو أن يكون له بيت من زخرف، أو يرقى في السماء فينزل عليهم كتاباً في قرطاس.. إلى غير ذلك من المطالب الإعجازية، كان الله قادراً على إجابة هذه المطالب "إن نشأ ننزل عليهم آيةً من السماء فظلت أعناقهم لها خاضعين"، لقد استجاب الله فيما مضى لقوم عيسى فأنزل عليهم مائدةً من السماء، لكن رفض القرآن إجابة طلب قريش للمعجزات جدير بالتأمل..كان القرآن في مقابل رفضه الاستجابة للمطالب الإعجازية يلفت أنظارهم إلى الظواهر الطبيعية التي يزخر بها الوجود من حولهم، فكان يدعوهم إلى التدبر في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، واختلاف الألسن، وفي أنفسهم وفي الآفاق، لقد دفع القرآن بإصرار لتحويل مفهوم الآية من المعنى الخوارقي إلى الدائرة السننية فنبه إلى أن كل ما يحيط فينا هو آية تقود إلى الإيمان "قل انظروا ماذا في السموات والأرض من آيات"، "وكم من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون"، وبذا فإن القرآن لا يطرح قضية الإيمان على أنها قضية تنتمي إلى عالم الغيبيات والخوارق بل يطرحها على أنها قضية حيوية تنتمي إلى دائرة السنن الطبيعية التي نعايشها ونلاحظها، فغدا كل ما في هذا الوجود شاهداً على الله عز وجل، ولم تعد هناك حاجة لتجاوز المألوف والطبيعي لإثبات القضية الإيمانية بل يمكن البرهان عليها في إطار المعطيات التي تمنحها لنا الحياة،

وبذلك امتلك القرآن الأهلية للمنافسة والتفوق في عصر العلم والمنهج العلمي..

إن مفهوم "آيات الله" ليس قاصراً على نطق طفل في المهد، بل إن التكون الطبيعي للطفل بدءً من كونه نطفةً ثم استقراره في قرار مكين وتحوله إلى علقة ثم إلى مضغة مخلقة ثم اكتمال نموه وولادته، وتسخير حليب الأم له حتى ينمو ويحبو ثم ينطق ثم يشتد عوده، ومروره بثلاثة أطوار من ضعف إلى قوة إلى ضعف وشيبة، وتعلمه بعد أن لم يكن يعلم شيئاً عن طريق السمع والبصر والفؤاد، إن هذا المسار الطبيعي لخلق الإنسان هو آية دالة على الإيمان في ذاتها، وليس من ضرورة لانتظار حدوث حالة شاذة من حديث طفل في المهد حتى نصدق بالله عز وجل..

يعزز القرآن فينا التفكير السنني في هذه الآية مثلاً "إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء..." إن الحديث عن مشيئة الله التي تذهب بنا يغرينا بالتفكير في اتجاه حدوث معجزة خارقة للعادة، كأن يخسف الله الأرض بالبشر جميعاً فيذهب بهم في ضربة واحدة، ثم يأتي بكائنات أخرى بين عشية وضحاها بمعجزة لا ندري كنهها ، لكن الشطر المتبقي من الآية يعيدنا إلى التفكير السنني: "...كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين" أي أن هذا الاستبدال الذي تتحدث عنه الآية يتم وفق سنة تعاقب الأجيال الطبيعية..

إن سمة المنهج العلمي هو أنه يستدل على الحقائق من ذاتها، وليس من داع لقرائن خارجية، فالطبيعة في ذاتها تحمل عناصر إعجازها، والدول الظالمة في ذاتها تحمل معاول هدمها وفنائها حتى دون الحاجة لإرسال صاعقة من السماء، والفئة المؤمنة في ذاتها تحمل عناصر قوتها الروحية والاجتماعية، وهكذا يقاس الأمر على كافة جوانب الحياة، كما أن سمةً أخرى تميز المنهج العلمي تتمثل في أن اعتماد هذا المنهج العلمي يسهل تعاملك مع الحياة وفهمك لها وتوقعك للأحداث، لأن المنهج العلمي يقوم على مبدأ السببية فلكل مقدمة نتيجة معلومة مسبقاً، وهذا بخلاف المنطق العشوائي الذي لا يؤمن بالسنن فيمشي مكباً على وجهه فلا يستطيع فهم سنن الحياة وتسخيرها.. 

إن طبيعة القرآن من جهة، وطبيعة العصر الذي نعيشه من جهة أخرى لا تتوافق مع التفكير الأسطوري الخوارقي الذي ينتظر معجزةً من السماء تنصره أو تقنع الناس بحقيقة دينه، فالشعوب اليوم بطبيعتها أقرب إلى العلمانية منها إلى اللاهوتية، لذا فإن إقناعها بالإيمان يتطلب منا أن نتناول القضية الإيمانية بأدوات علمية معاصرة فندلل عليه من خلال السنن الطبيعية والنفسية والتاريخية المشاهدة لكل إنسان، وإن على هؤلاء الطيبين الذين لا يزال عماد خطابهم الديني التدليل على الله بالمعجزات والأحوال الاستثنائية أو انتظار تدخل السماء أن يحذروا من التشابه في المنطلق النفسي بينهم وبين المكذبين الأوائل بالقرآن، فكلا الفريقين يبحث عن أدلة الإيمان خارج حدود الطبيعي والمألوف، بينما القرآن يدلل على حقيقته في إطار الطبيعي والمألوف "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق"..

والله أعلم..  

abu-rtema@hotmail.com

 

 

الحركة الإسلامية والعمل النقابي

أحمد أبورتيمة

 

النقابة هي تجمع للعاملين في مؤسسة من المؤسسات أو مهنة من المهن تهدف إلى تمثيلهم والمطالبة بحقوقهم  أمام مسئولي العمل، ويتم انتخاب أعضاء  النقابة من العاملين مباشرةً دون تدخل من جهة العمل إلا إذا كان تدخلاً لضمان الترتيبات الإجرائية، لأنهم في النهاية يعبرون عن القاعدة العمالية وليس عن إدارة العمل..

ترجع أهمية وجود نقابة للعاملين إلى أن العامل هو الأقدر على المطالبة باحتياجاته، ومهما كان رئيس العمل طيب القلب عطوفاً وحريصاً على راحة العاملين فلن يكون قادراً على الإلمام بكافة متطلبات بيئة العمل، والنظر من نفس الزاوية التي ينظر منها العامل، لذا فإن تشكيل نقابة ممثلة للعاملين يعد ضرورةً لا يلغيها عدل الجهة المشغلة أو جورها، والنقابة ليس بالضرورة أن تكون في موقع المخاصمة والمعاداة للجهة المشغلة بل إن التوصيف الأكثر دقةً لدورها هو التكامل مع أرباب العمل ومساعدتهم في الارتقاء بواقع المؤسسة، والمسئول الحريص على الارتقاء بمؤسسته يعنيه الاستماع لوجهة نظر العاملين، ويهمه قياس انعكاس أي قرار على هؤلاء العاملين، وهذا ما يوفره وجود نقابة تعبر عن العاملين تعبيراً حقيقياً، فيكون الاجتماع مع هذه النقابة بشكل دوري للاستماع لوجهات نظر العاملين ولمقترحاتهم من أجل تحقيق الرضا الوظيفي لدى العاملين، وهو ما سينعكس بالضرورة على المؤسسة إيجاباً، لأن العامل المنسجم مع بيئة عمله هو الأكثر إبداعاً وإنجازاً فيها.

وجود النقابة يشكل ضمانةً لتحقيق قدر أكبر من العدالة والنزاهة لأن وجود نقابة قوية يمنع جهة العمل من التعامل مع العاملين بأنهم آلات إنتاج وحسب بل إنها ستكون ملزمةً بمراعاة إنسانيتهم وكرامتهم وأنهم بشر لديهم أحاسيس ومشاعر ولديهم همومهم وتطلعاتهم، وهم في النهاية يستطيعون تشكيل قوة ضاغطة لإلزام المسئولين بالتزام طريق النزاهة والعدالة..

لا يكفي أن تكون هناك نقابة للعاملين وحسب، أقول هذا لأن كثيراً من المؤسسات العربية لديها شكل نقابات وانتخابات وديمقراطية، لكنها تتعامل مع هذه الأفكار التي أنضجتها البشرية بعد تاريخ من المعاناة والتضحيات بأنها ديكور تجميلي، فربما كانت هناك نقابات عمالية لكنها ذات وظيفة ديكورية أكثر من كونها ذات دور حقيقي مؤثر، فلا يسمح لهذه النقابات أن تمارس ضغطاً على جهة العمل، لذا يشوب عملية اختيار أعضاء النقابات الكثير من التلوث وشراء الولاءات وضمان اختيارهم من ضعفاء النفوس الذين لا يقوون على مواجهة سلطة العمل وتمثيل حقوق العاملين..

إن أي تدخل من أي نوع من قبل سلطة العمل في اختيار أعضاء النقابات يفقد هذه النقابات أهميتها، فالنقابة كي تمارس دورها الحقيقي يجب أن يتم اختيار أعضائها بشكل حر ومباشر من قبل العاملين في المؤسسة، وأن يملك العاملون إسقاط تمثيلهم في الوقت الذي يتقاعس فيه هؤلاء عن دورهم في تمثيل حقوق العاملين.

أما سبب تخصيصي في العنوان الحركة الإسلامية فهو أولاً أنني أنتمي للحركة الإسلامية، ومن الواجب الذي يحتمه  انتمائي  إليها طرح أي أفكار أرى أنها تفيدها، ثانياً فإن الحركة الإسلامية لا يزال يغلب على رؤيتها للأمور جانب الولاء والثقة الإخوانية أكثر من اعتبارات تأسيس مجتمع على أسس حضارية واجتماعية سليمة، والتفكير بطريقة "هؤلاء إخواننا نثق بهم" ربما يصلح في مراحل الاستضعاف التي تحتاج إلى مشاعر دافئة، لكن هذا التفكير وحده لا يصلح لتولي زمام السلطة وتقديم نموذج حضاري يحقق العدالة ويقيم المجتمع على أسس سليمة، هذا التفكير ترك آثاراً سلبيةً في أداء الحركة الإسلامية في العمل المؤسساتي والحكومي، فمن يفكر بهذه الطريقة ينظر إلى المسئول بأنه أخ، وما دام أخاً فلا يجوز التعامل معه بندية إنما وفق مبدأ الثقة، وإن أخطأ هذا الأخ وجب نصيحته بالسر فقط دون أن تتجاوز هذه النصيحة إلى آليات إلزامية تضمن التزام المسئول بطريق الصواب..

هذا التفكير يخلط بين المشاعر الإخوانية وبين أسس العمل المؤسساتي السليم، فتصير آليات المراجعة والشفافية والنزاهة وكأنها نقيض للمشاعر الإخوانية. إن معادلة العمل المؤسسي تقوم على المثل الشعبي القائل "حرص ولا تخون" فكوني أحتفظ بمشاعر إخوانية تجاه المسئول لا يمنع من وجود آليات للرقابة ومنع هذا المسئول من احتمال أن تضعف نفسه أو يغلبه قصوره البشري، وتبقى المشاعر الإخوانية قائمةً بعد ذلك، بل إن أجواء الشفافية والنزاهة تعزز هذه المشاعر ولا تنتقص منها.

إن كون المسئول "من إخواننا الثقات" لا ينفي أنه صار في موقع المسئولية العامة وبالتالي فمن حقي كعامل في موقع العمل أن أطالبه بحقوقي وأن أحميه من ضعفه البشري عبر مراقبته وأن أكون عوناً له في الارتقاء بواقع المؤسسة عبر تبادل الأدوار فهو يرى المؤسسة من زاوية المسئول وأنا أراها من زاوية العامل، لذا يكمل أحدنا الآخر.

لقد أثبت التفكير بطريقة "الثقة في إخواننا" فشلاً ذريعاً في جانب الإدارة، فهم إخواننا على العين والرأس، ولكن في ميدان الإدارة فالعلاقة بين العامل والمسئول هي علاقة بين طرفين مختلفين، وليس علاقةً مع الذات، والعلاقة مع طرفين مختلفين تعني أن يكون لكل طرف كينونته وشخصيته المستقلة..

التفكير بعقلية الثقة والأخوة أفرز نتائج سلبيةً على واقع العمل المؤسسي فبحجة أن المسئول من الإخوة الثقات مُنع توجيه أي نقد إليه، وصار أي تهامس بين العاملين حول أخطاء إدارية ينظر إليه نظرة تشكيك وتخوين، وفي ظل الصمت وغياب رقابة القاعدة العمالية تفاقمت الأخطاء الإدارية وتكاثرت..    

لقد استفادت الحركة الإسلامية من النقابات في مواجهة خصومها السياسيين، فاستغلت هذا الهامش في تكوين هيئات معارضة في مختلف المؤسسات والمهن للضغط على أصحاب السلطة والنفوذ وانتزاع مكاسب منهم، وهذا حق طبيعي لا نجادل فيه، لكن من غير المقبول التعامل مع العمل النقابي بازدواجية فنقبله في مرحلة من المراحل ثم إذا وصلنا إلى السلطة ضقنا ذرعاً به ونظرنا إلى أي هيئة معارضة نظرة تشكيك.

 إن ذات الوسائل التي أعطينا لأنفسنا الحق في استعمالها حين كان أصحاب السلطة من خصومنا الفكريين والسياسيين، من حق الآخرين أن يستعملوها اليوم لمطالبتنا بحقوقهم بعد أن صرنا في موقع السلطة والمسئولية، والفكر النقابي هو فكر ديناميكي لا يتوقف في مرحلة من المراحل، وكما أنه أفادنا حين كنا معارضين، فإنه يفيدنا حتى بعد أن صرنا أصحاب السلطة في كونه يردم الفجوة بين المسئول والرعية ويساعدنا في الارتقاء بمؤسساتنا عبر تلبية احتياجات ومتطلبات العاملين.

لا يجوز اللجوء إلى أي طرق التفافية بديلاً عن العمل النقابي، فقد حدث ذات مرة أن مجموعةً من العاملين فكروا في إنشاء نقابة تعبر عنهم أمام جهة العمل، فلما علم صاحب العمل استدعاهم وقال لهم بلهجة أبوية حنونة: ما الداعي لإنشاء هذه النقابة ونحن إخوة؟؟ إذا كانت لديكم أية مطالب فأخبروني وسأعمل جاهداً على تنفيذها..

 أميل إلى تصديق رغبة هذا المسئول في الاستجابة لطلبات العاملين، ولكن الإجابة بهذه الطريقة تدل على أن الفكر النقابي لم ينضج بعد بما فيه الكفاية، فالنقابة ليست جهةً معاديةً أصلاً حتى نخشى من تأسيسها، وعملها لا يزيد عن كونه ما ذكره هذا المسئول من إخبار جهة العمل بمطالب العمال، ولكن بطريقة أكثر تنظيماً وتخصصيةً وشمولاً، وأصدق تمثيلاً للعاملين، فبدل أن يتم التواصل بشكل فردي بين كل عامل ومشغليه والشكوى لهم وانتظار شفقتهم عليه وما يعنيه ذلك من مزاجية في الاستجابة لمطالب العامل أو تجاهلها، فإن ما تفعله النقابة هو أنها توحد صوت العاملين في جبهة قوية تملك أدوات ضغط عند الضرورة  لضمان انتزاع حقوق العاملين وحمايتها من أي ضيم.

إن تصدر الحركة الإسلامية للمشهد السياسي في الوطن العربي يفرض عليها تحديات بأن تتحرر من طريقة التفكير الأحادي وأن تجتهد أكثر في ترسيخ أسس العمل الديمقراطي في كافة مؤسساتها، وأن تخلق الصوت الآخر فضلاً عن أن تضيق به، وحين تعمم الحركة الإسلامية على كافة مؤسساتها بإنشاء نقابات تعبر بصدق عن العاملين فيها فإن وجود هذه النقابات يخدم الحركة الإسلامية ولا يزعجها، لأن تمثيل أصوات القاعدة العريضة من العاملين يساهم في تعزيز النزاهة والشفافية ومحاربة الفساد، وتحقيق الرضا الوظيفي وتقوية أواصر الانتماء..

آمل أن تستمع الحركة الإسلامية لهذه النصيحة وأن تبادر لخطوة عملية باتخاذ قرار بتأسيس نقابات ممثلة للعاملين في كافة مؤسساتها..

والله الهادي إلى سواء السبيل..  

abu-rtema@hotmail.com

 

 

 

القدرة الشرائية للكلمة

أحمد أبورتيمة

 

كما أن هناك قيمةً شرائيةً للعملة كذلك توجد قيمة شرائية للكلمة.. لماذا يضطر أحدنا حين يريد إقناع الآخرين بصدقه أن يقسم جهد أيمانه..ألا يكفي أن يقول كلمة الصدق وحسب فيصدقه الناس؟!

إن تفشي الكذب والمجاملات الزائفة ولغة المبالغة والتهويل في المجتمع هي التي ترخص من القيمة التأثيرية للكلمة فيضطر أحدنا إلى المبالغة في التأكيد والتكرار واليمين لإقناع الناس أنه يعني ما يقول وأنه ليس مجاملاً هذه المرة أو كاذباً أو مبالغاً كما جرت العادة في المجتمع..

ينكر علينا القرآن إرخاصنا لقيمة كلماتنا فيقول "لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" تصوروا حين يصل أحد الناس إلى درجة من الصدق حتى أنه لا يقول كلمةً إلا وهو يعنيها دون مبالغة وتهويل، حينها لن يكون مضطراً للمبالغة في التأكيد لأن كلمةً واحدةً منه تتفوق على ألف يمين يحلفه الآخرون كذباً كما أن الورقة الواحدة في العملة الصعبة تفوق في قدرتها الشرائية أكواماً مكدسةً من أوراق العملة الرخيصة..

احذر من المبالغة واحرص على الدقة فلا تقل مثلاً كل الناس يفعلون هذا وأنت تعلم أن نصفهم فقط هم الذين يفعلون، ولا تقل لأحد سأمر عليك بعد نصف ساعة وأنت تضمر بأنك ستتأخر ساعتين أو ثلاثة ولا تعط أحداً وعداً تعلم أنك لن تنفذه، ولا تقل لأحدهم تفضل معي إلى البيت وأنت تعلم أن ظروفك إلى البيت لا تسمح باستقباله في هذه الساعة لأنك بمثل هذه الأفعال تفقد مصداقيتك بين الناس وترخص من قيمة كلماتك وتكتب عند الله كذاباً..

حين أعلى الصديق يوسف قيمة كلماته لم يحتج لإثبات براءته سوى أن يقول "هي راودتني عن نفسي" دون يمين وتشنج ومبالغة في الدفاع عن النفس فكان أن صدّقه العزيز، وفي مشهد مقابل في نفس السورة حين أرخص إخوة يوسف من قيمة كلماتهم بالكذب فإنهم فقدوا مصداقيتهم فلم يستطيعوا إقناع أبيهم بصدقهم حتى حين كانوا صادقين فعلاً رغم سيل التأكيدات المبالغ فيها التي ساقوها "ياأبانا...إن ابنك سرق...وما شهدنا إلا بما علمنا..وما كنا للغيب حافظين..واسأل القرية التي كنا فيها..والعير التي أقبلنا فيها.. وإنا لصادقون.." بعد كل هذه التأكيدات رد عليهم أبوهم مكذباً "بل سولت لكم أنفسكم أمراً".

والله أعلم..

abu-rtema@hotmail.com

 

 

أسر المألوف

أحمد أبورتيمة

إذا دخلت مدينةً لأول مرة فسيبهرك جمالها وستدهشك آثارها وقصورها وشوارعها ومبانيها العملاقة لكن إن أطلت الإقامة فيها أسابيع أو شهوراً فسوف تتلاشى هذه الدهشة ويصبح ما كان مثيراً رائعاً بالأمس عادياً ومملاً اليوم..

في الجانب السلبي نذكر مثال سوريا ففي بداية الثورة كان خبر مقتل عشرين شخصاً صادماً ومثيراً لمشاعر الحزن والغضب لكن مع طول أمد الثورة تعايش الناس مع أخبار القتل المروعة حتى صار خبر مقتل مائة وخمسين إنساناً كل يوم مجرد رقم ربما يسمعه أحدنا فيكتفي بالحوقلة والاسترجاع إن كان لا يزال فيه بقية من خير ثم يغير إلى قناة أخرى واهتمام آخر..

نفس الحقيقة تتكرر في كافة جوانب حياتنا فحين بات الناس ليلتهم الأولى بعد انتهاء الحرب استشعروا أهمية نعمة الأمن التي افتقدوها طيلة الليالي السابقة لكن بعد بضع ليال من إلف الهدوء صار هذا الأمن شيئاً عادياً لا يشعرون بقيمته لأنهم نسوا تلك اللحظات العصيبة التي مرت بهم، وحين يتعافى إنسان من مرض كان يحرمه الطعام فإنه سيتلذذ بشربة الماء وكسرة الخبز لكن بعد أن يطول به أمد المعافاة فسيتناول أشهى الطعام والشراب دون أن يتذوق لذتها بعد أن طال إلفه لها..

ينبهنا الله تعالى إلى خطورة مألوفيتنا للنعم في نسيانها فيقول "وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون"..إننا نجأر الله وقت الضر لأننا نتذكر في تلك الحالة أهمية النعمة بعد أن فقدناها، لكننا لا ننتبه ونحن نتنعم بالعافية والصحة إلى قيمة هذه النعم وأنها أيضاً من عند الله لذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم "نعمتان مغبون بهما كثير من الناس الصحة والفراغ"..إن الناس لا يشعرون بأهمية الصحة والفراغ إلا إذا فقدوهما..

 إن طول معايشتنا للأشياء يفقدنا الإثارة والدهشة تجاهها ويحولها إلى أشياء روتينية مملة..

هناك معادلة قرآنية في غاية الروعة..يقول الله عز وجل "طال عليهم الأمد فقست قلوبهم".. 

إن طول الأمد يقتل في قلب الإنسان روح التفاعل والاستثارة فيتعامل بجمود مع الأشياء من حوله وبذلك يقسو قلبه تجاهها فلا تؤثر فيه..

وهناك آيات أخرى تدور حول نفس المعنى فتبين الدور السلبي لطول العمر في إماتة القلب وقتل الإثارة فيه منها قوله تعالى: "ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر"، وقوله تعالى: "ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ"..في الآية الأخيرة يبعث الله الضراء على عباده حتى تثير فيهم معنى الإيمان وتلجئهم للتضرع إليه، لكن تكرار هذه الأحوال على العباد يقتل فيهم روح التفاعل معها ويقسي قلوبهم فهم لا يرون منها أكثر من جولات عادية للحياة التي تشتد تارةً وتنبسط تارةً كما كانت مع آبائهم دون أن يكون لذلك معنى روحي بالنسبة إليهم..

هل هناك أشد تأثيراً في نفس المرء من مشهد الموت؟؟ لكن حين يعمل إنسان في مهنة يشاهد فيها الموتى كل يوم كأن يكون طبيباً أو حفار قبور فسيتحول الموت بالنسبة إليه إلى مجرد روتين لا يستثير فيه أي معنى روحي.

المشكلة ليست في أن هذه الأشياء صارت مملةً في ذاتها فجانب الإثارة سيظل موجوداً لا يقلل من أهميته تطاول العمر، لكن المشكلة هي في موت الروح تجاهها فتتوقف عن التفاعل ويقسو القلب.. 

التحدي هو أن يجدد الإنسان روحه وأن يقاوم أسر المألوف حتى لا يقسو قلبه إنما يظل حياً متفاعلاً يستشعر أهمية النعم التي أسبغها الله عليه متلذذاً بكل لحظة في حياته وبذلك تتضاعف سعادته بتذكره الدائم للنعم التي يرفل فيها..

يقال في تعريف الفيلسوف إنه ذلك الإنسان الذي يتحلى بروح طفولية دائمة، فالطفل حين تتفتح عيناه على الدنيا يكون مدهوشاً بالأشياء التي يراها الكبار عاديةً لأنها جديدة له فيتميز بحس مرهف ويتساءل عن كل شيء، لكن بعد أن يكبر وتطول معايشته لهذه الأشياء  وينهره الكبار عن الأسئلة تخمد فيه هذه الروح فيرى ذات الأشياء التي كانت تبهجه في طفولته رتيبةً مملة..

القليلون الذين يحافظون على التجدد الروحي الدائم ويقاومون أسر المألوف فتظل نظرتهم إلى الأشياء العادية بأنها جديدة مثيرة تستوجب التفكر الدائم هم الذين يمكنهم فهم الطبيعة والانسجام معها فتخشع قلوبهم ويبدعون فتتقدم بهم مسيرة البشرية.

إن إسحاق نيوتن على سبيل المثال لا الحصر لم يكن ليكتشف قانون الجاذبية لولا تحرره من جاذبية المألوف، فرأى أبسط الأشياء جديرةً بالتساؤل والتعجب وهو لماذا تسقط الأشي