الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

أحمد أبورتيمة كاتب فلسطيني من غزة ينشر في موقع (عربي21)  

 

 

مقالات سابقة

أمريكا بعيون

زائر من غزة (2)

أحمد ابو رتيمة

 

من قال إن الإنسان مشروع فاشل؟ هذه الحياة العامرة هي تجل للقدرة الخلاقة الكامنة في روحه.. حين تراقب مظاهر العمران ودقة النظام من كل جانب تفخر بأنك تنتمي إلى هذا الكائن الذي أسجد الله له الملائكة، هذا النشاط الدائب الذي لا يمل! نظرة من السماء تريك سيل السيارات بلا انقطاع؛ معبراً عن إيقاع حركة الحياة الدائبة، طائرات تهبط وأخرى تقلع في كل دقيقة، هندسة الطرقات والجسور التي تذلل السبل لتواصل الناس، والسفن تمخر عباب المحيط كالأعلام، والبروج الشاهقات التي تناطح السحاب، والزرع الأخضر الذي يمتد على مرمى البصر فيضفي في النفس بهجةً وسروراً.

هذا الإنسان لم تهزمه كل المآسي والأحزان عبر التاريخ، وبعد كل موت تتجدد الحياة في أوصاله، يدهشني التناغم بين أجزاء الحياة، والذي هو أثر من التناغم الذي يضبط الوجود. إن كل فرد في هذا النظام يؤدي دوراً صغيراً، لكنه يتكامل مع الآخرين الذين يؤدون أدواراً صغيرةً بمفردهم، لكن المجموع هو لوحة فنية جميلة تجمع هذه الأجزاء الصغيرة في إيقاع كلي.

يبدو العمران وكأنه ذلل للإنسان كل الصعاب، حتى إنه لا يعد قطع مسافات شاسعةً في ساعة واحدة بالطائرة أمراً داعياً للانبهار، فينشغل في أوقات الانتظار بالمطار وعلى متن الطائرة بجهاز حاسوبه لينجز بحثاً أو عملاً أو ليقرأ كتاباً.

هذا التكيف مع وسائل الراحة مفيد من زاوية دلالته على استيعاب الإنسان للتطور وتوظيفه في اقتصاد جهده ووقته، لكنه قد يحمل ضرر إصابة الإنسان بالبلادة فتنطفئ شاعريته ولا يتذوق جمال الحياة وإبهارها، فيتعاظم فيه الجانب التقني والعملي ويتضاءل الحس الروحي والشاعري.   

الاهتمام بالمعرفة أمر يحسب للإنسان الأمريكي، في كل بيت دخلته لم أر مكتبةً واحدةً بل مكتبات، في كل زاوية من البيت هناك مكتبة. الجامعات بيت دافئ للطلبة؛ تتوفر فيها مقومات الإقامة والراحة، فيتولد في الطالب شغف ذاتي للتعلم واندفاع إلى متعة المعرفة. في كافة أرجاء الجامعة يجلس طلاب وطالبات كل منهم يمسك كتاباً يقرؤه، أو ينجز بحثاً، أو يمارس الرياضة في صالة الألعاب الرياضية، أو يتناول الطعام في المطعم.

للطفل في المجتمع الأمريكي شخصيته الناضجة، يضحك بعفوية ويناقش بعفوية ويلعب بعفوية، هو ليس قلقاً من أن ينهره الكبار أو أن يكبتوا حريته بقيود سلطة العيب والممنوع.. حين يتحدث الطفل يستمع إليه الجميع ويتبادلون معه الرأي بجدية، فينشأ الطفل واثقاً من نفسه، وتلمس راحةً وثقةً في تعبيره عن نفسه.  

الالتزام بالوقت سمة رائعة في الثقافة الأمريكية، الشاشة تقول لك: سيصل القطار بعد ثلاث دقائق.. بعد ثلاث دقائق بالضبط يفتح باب القطار أمامك، يواعدك أحدهم: سأكون عندك الساعة العاشرة والربع صباح غد، لن تكون مضطراً إلى إعادة التأكيد عليه، في العاشرة والربع عليك أن تكون جاهزاً في انتظار دق جرس الباب.

قبل شهر من بدء رحلتي كنت أعلم اليوم والساعة لجدول أنشطتي.. جدولة الأنشطة ليس مذهلاً في جانبه التقني الذي ينظم الحياة ويقتصد التكلفة وحسب، بل في معناه الفلسفي.. أن تكتب على الورق شكل حياتك في الأيام والأسابيع القادمة ثم تكون الحياة كما صغتها على الورق، فهذا تجلية للقدرة الخلاقة في روح الإنسان.

الناس الذين عرفتهم يعنون ما يقولون، لا يوجد إسراف في الكلام دون رصيد.. حين يعرض عليك أحدهم المساعدة فهو يعني أن يساعدك، وحين يختلف معك فهو ليس مضطراً لمجاملتك، وحين يدعوك إلى الطعام فهو ينتظر منك أن تجيبه ببساطة بنعم أو لا؛ إن أخبرته بلا فلن يصر على العرض، لأنه يفترض أنك فعلاً لست بحاجة إلى الطعام، هذه العفوية تجعل علاقاتنا الإنسانية أكثر أريحيةً.

جمال المشهد لا يكتمل.. الحياة الاقتصادية قاسية، فأمريكا هي أقوى دولة في العالم اقتصادياً، لكنها ليست دولة رفاه لكل مواطنيها.

الضرائب باهظة، وأهم ما تفعله الحكومة في علاقتها مع الناس هو جباية الضرائب.. يدفع الناس ضرائب على كل شيء.. ضريبة البيت المملوك قد تصل إلى عشرة آلاف دولار كل سنة مدى الحياة.. لا يوجد تأمين حكومي، بل مستشفيات خاصة.. تكلفة إنجاب طفل في مستشفىً أمريكي قد تصل إلى 12 ألف دولار، بينما في غزة تكلفة الولادة قد لا تتجاوز الثلاثين دولاراً! أما عن تكلفة دراسة الجامعة، فقد حدثتني سيدة أن الرسوم الجامعية لابنتها تصل إلى 50 ألف دولار سنوياً. هذه التكاليف الباهظة ترهن الناس إلى قروض البنوك مدى الحياة.

إذا دخلت متجراً واشتريت بعض البضائع فلا داعي لأن تطلب من العامل كيساً لوضع هذه البضائع؛ لأنك ستدفع ثمن هذا الكيس!

البحث عن موقف للسيارات في زحام المدن الأمريكية هو تحد لا يعرفه من يعيشون حياةً بسيطةً مثل التي في غزة.. قد تدور السيارة في المكان ربع ساعة بحثاً عن موقف متاح، وهذه المواقف ليست مجانيةً، بل تتراوح أجرتها ما بين أربعة إلى 20 دولاراً.

الإنسان الأمريكي هو إنسان كادح، لا يعيش حياةً سهلةً، فلكي يعيش عليه أن يواصل الدفع.. تتجلى الرأسمالية في أمريكا في أقسى صورها، فيرفض الرأسماليون أي مشروع تكافلي بحجة ألا يتعود الناس على الكسل، وشركات التأمين والأدوية هي التي تعرقل فكرة وجود تأمين حكومي للمواطنين كي تحافظ على أرباحها الطائلة.

يمثل بيرني ساندرز حالةً جديدةً في المشهد السياسي الأمريكي؛ لأنه يحاول كسر هذا النمط من هيمنة الشركات.. ساندرز الذي أعلن نيته منافسة ترامب في الانتخابات القادمة؛ يسعى إلى التحرر من سطوة الشركات، وجمع التبرعات من الناس مباشرةً ليكون أقدر على تمثيل مصالحهم. وهو يطرح برامج اجتماعيةً إصلاحيةً، لكن ليس مؤكداً بعد حظوظ ساندرز في الفوز، ولو قدر له فعلاً أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة، فسيكون ذلك تحولاً مهماً في التاريخ الأمريكي.

عربي21" لندن

 

 

أمريكا بعيون

زائر من غزة (1)

أحمد أبو رتيمة

 

قال لي صديقي الذي سبقني إلى زيارة أمريكا ومكث فيها سنوات باحثاً ومعلماً؛ إنه سافر إلى أمريكا أخيراً بعد أن زار بلداناً كثيرةً فرآها بعيون ثقافات وتجارب متراكمة، أما أنا فقد خرجت من غزة الصغيرة المحاصَرة إلى أمريكا مركز العالم دون محطات وسط، فقلت له: ربما يكون ذلك مفيداً ليكون الاندهاش أقوى.

ليس شائعاً أن يحصل سكان غزة على تأشيرة دخول لأمريكا ما لم يكن لديهم مبرر قوي، وكان مبرر حصولي عليها هو دعوة وجهت إلى من مؤسسة عريقة، وهي لجنة خدمة الأصدقاء الأمريكية (AFSC) التابعة لجماعة كويكرز، ضمن برنامج إيصال أصوات المجتمعات المضطهَدة إلى المجتمع الأمريكي، فبدأوا بتنسيق رحلة لي منذ صيف العام الماضي، تشمل زيارة أكثر من عشر مدن أمريكية في ثماني ولايات، وإلقاء محاضرات تعريفية بحصار غزة وحق العودة وقضية فلسطين ولقاء مئات الشخصيات الناشطة في المجتمع الأمريكي، وزيارة معالم تجسد قصص النضال الحقوقي في التاريخ الأمريكي ومد جسور التواصل مع أهل غزة

هذه الجماعة الداعية صاحبة تاريخ حافل في نصرة العدالة وحقوق الإنسان، إذ كان لها دور في تحرير المستعبدين من الجنوب الأمريكي وتهريبهم إلى الشمال، وقد حازت جمعية "AFSC" على جائزة نوبل للسلام عام 1947. أما فيما يتعلق بدورها تجاه فلسطين، فقد كانت أول منظمة تقدم الغوث للاجئين الفلسطينيين بعد النكبة، قبل تأسيس الأونروا.

غزة مكان معزول عن العالم، فالغالبية العظمى من أبنائها خاصةً أبناء جيلي والأجيال اللاحقة لم يغادروا غزة مرةً واحدةً خلال حياتهم، هذا يعني أنهم لم يروا نهراً أو جبلاً، ولم يركبوا قطاراً أو يستعملوا مصعداً كهربائياً، بل إنهم لم يروا في حياتهم طائرةً مدنيةً في السماء تقل مسافرين؛ لأن الطائرات الوحيدة التي تحلق في سماء غزة هي طائرات الحرب الإسرائيلية. كانت أول مرة في حياتي أرى فيها طائرةً مدنيةً تحلق في السماء عام 2011 حين سافرت إلى القاهرة، كتبت آنذاك: هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها طائرةً ترمز إلى الحياة والنشاط وليس إلى الموت والخوف.

من المرعب تخيل أن أكثر أهالي غزة من الأجيال الشابة لم يتحدثوا طوال حياتهم مرةً واحدةً مع شخص خارج أسوار مجتمعهم، لم يخالطوا إنساناً من ثقافة أخرى أو لغة أخرى. هذه هي الآثار غير المرئية لجريمة الحصار، فالحصار لا يقتل المرضى ويمنع الغذاء والدواء وينشر البطالة ويدمر الاقتصاد وحسب، بل إنه ينزع من المحاصَرين إنسانيتهم عبر حرمانهم من الحق الطبيعي في الاتصال مع بقية أبناء الأرض.

محاصِرو غزة يخنقون أشواق أرواحنا في الانطلاق دون قيود، وهذا من أقوى أسباب حبي للسفر. حين غدا معبر رفح وراء ظهري بعد ست سنوات من المحاولة؛ كنت أشعر بنشوة غامرة في الانطلاق بالسيارة دون توقف. لا أريد أن أنزل فندقاً أو بيتاً، بل أود لو ظلت السيارة منطلقةً إلى أبعد مدىً لأشعر بأكبر قدر من الحرية. الآن يمكن أن أقطع مسافات شاسعةَ دون أن تصادفني بوابة أو لافتة تعلن انتهاء حدود حريتي. حين وقفت مع صديقي جهاد في شرفة بيته في الطابق الحادي عشر في مدينة شيكاغو، كان يشير إلي معرفاً بأرجاء المدينة.. سألته ساخراً: أين السلك؟

 
السلك هو حد الحرية في قطاع غزة، فإذا وقفت في طابق مرتفع وسط غزة فإنك تستطيع من ذات النقطة أن ترى أقصى حد شرقي، وهو السلك المزود بأبراج وتحصينات جنود الاحتلال، وأن ترى أقصى حد غربي، وهو شاطئ البحر الذي تحتله زوارق الاحتلال وتمنع أي فرد أو قارب من تجاوزه.

إن طول العهد بالحصار يجعله يتسلل إلى قدرات المحاصَرين التخيلية، وينال من قدرتهم على تصور صحيح للعالم. هذه هي جريمة القتل الجماعي التي ترتكبها دولة الاحتلال ضد شعب كامل. قالت لي سيدة تمكنت أخيراً من زيارة دولة أوروبية: لقد تفاجأت أن هناك كثيراً من الناس الطيبين! إن من الطبيعي أن يكون هناك كثير من الناس الطيبين في كل مكان، ولكن انقطاع الاتصال يحرم الناس من معرفة البديهيات البسيطة ويضعف قدرتهم على تحقيق التفاهم والتعاطف المتبادل. لذلك حين سألت أصدقائي في أمريكا عن الجدوى التي يتوقعونها من رحلتي، قالوا لي: إن مجرد الحضور سيحقق شيئاً. إن كثيراً من الناس لم يقابلوا شخصاً من غزة، ولم يسمعوا منه قصص الحياة تحت الحرب والاحتلال والحصار. إن ما نراه في غزة عادي بفعل طول الإلف؛ يحمل كثيراً من الغرابة لمن لم يعش ذات الظروف. والحكم هو فرع عن التصور، وكثير من الانحياز للاحتلال في أمريكا وغيرها مرده إلى قوة الضخ الإعلامي عن المظلومية اليهودية والإرهاب العربي، لذلك فإن إنشاء تصور يظهر إنسانية الشعب الواقع تحت الاحتلال وهمجية مشروع التهجير والاحتلال والحصار سيحقق مع الزمن وتراكم الجهود إزاحةً في المواقف. ومن ناحية أخرى، فإن التواصل يبصرنا بامتدادنا الإنساني، فنحن لسنا استثناءً من البشر. وكم في هذا العالم من قصص ظلم وتمييز؟ وكم فيه من قصص نضال وبطولات؟ إن التواصل يحررنا من وهم الاستثنائية، ويرينا السياق التاريخي لقضيتنا، ويبصرنا بالمساحات المشتركة مع الأمم والشعوب، ويدفعنا إلى حب شركائنا في النضال في سبيل العدالة وحقوق الإنسان، ويمنحنا الفرصة للتعلم من تجاربهم.

الابتعاد يدفعنا إلى اختزال الناس في أطر ضيقة ويحرمنا من رؤية التعدد والثراء، فقد يظن المحاصَر في عزلته أن أمريكا هي ترامب واللوبي الصهيوني، وفي المقابل قد يظن الأمريكي، تحت ضغط التعبئة الإعلامية الموجهة، أن العربي هو الإرهابي المتوحش، لكن الاقتراب يزيل الحواجز ويجلي الروابط الإنسانية. وأنا أقترب من المجتمع الأمريكي أستطيع أن أبصر إنسانيتنا المشتركة أكثر، وأنا أحدثه عن غزة وفلسطين يستطيع هو أن يفهم إنسانيتي أكثر.. أتأمل في وجوه الآلاف الذين يمرون أمامي كل يوم في القطار والشارع وأماكن الاجتماعات: بالطبع لن يكون كل هؤلاء أشراراً مثل ترامب.. هناك وجوه تنطق بالبراءة.. كم في قلوب هؤلاء من الخير؟ أسأل كثيرين منهم: هل سمعت عن غزة من قبل؟ فيجيبونني: لا! هذا جواب لا يدفعنا إلى بغضهم، بل يدفعنا إلى التماس العذر لهم. كيف سيتعاطف الناس مع قضيتنا وهم لا يعرفون عنها؟ ما هو مقدار معرفتنا عن مأساة اللاجئين المكسيكيين في الجنوب مثلاً؛ كي ننتظر من الطالب في جامعته والعامل في مصنعه والناشط في حقل نشاطه أن يعرف عن مأساتنا؟ الناس متشابهون في كل مكان، والعواطف الإنسانية التي نحملها يحملها هؤلاء مثلنا، ويثبت ذلك حسن عشرتهم في المستوى الفردي وتأثرهم حين يعرفون، لكننا ندفع ثمن الابتعاد.

ما أيسر الحل الإنساني! أن يقترب الناس من بعضهم أكثر وأن يسمعوا من بعضهم أكثر..

(عربي 21)

 

الإلحاد والعنف "في سبع سنين"

أحمد أبو رتيمة

 

يحسب للوثائقي "في سبع سنين" الذي بثته قناة الجزيرة حديثاً؛ جرأة الموضوع الذي يعالجه، فقد اعتمد هذا الوثائقي أسلوب النفاذ إلى الأزمات الفكرية والاجتماعية الكامنة في بنية المجتمع، متجاوزاً طريقتنا العربية المفضلة في التناول الرغائبي والرؤية الانتقائية للأشياء، والسعي دائماً للهروب من مواجهة المشكلات وإضفاء طلاء جميل خادع على الواقع الذي نعيشه.

يعالج هذا الوثائقي الآثار النفسية والفكرية التي خلفها واقع الاستبداد والظلم والقهر الاجتماعي في نفوس فريق من الشباب العربي، متخذاً من صدمة فشل ثورة الخامس والعشرين من يناير وإسقاط حكم الرئيس محمد مرسي ومجزرة رابعة؛ مثالاً. وتضاف إلى الظلم السياسي سلسلة أخطاء اقترفها التيار الديني السائد؛ أفقدت هؤلاء الشباب الثقة في صدق هذا التيار. هذه الأخطاء تمثلت في انحياز بعض الشيوخ إلى السلطة وتبريرهم لممارساتها، وسلبية فريق آخر من المتدينين وإحجامهم عن المساهمة الإيجابية في مشكلات الواقع، وفريق آخر تخلى عن الشباب الثائر في الميدان بسبب حسابات سياسية خاطئة؛ نجحت في تفتيت الوحدة التي حققها ميدان الثورة.

إزاء الإحباط الذي تملّك نفوس هؤلاء الشباب اتخذوا أحد طريقين، فأما الفريق الأول فقد روعته مشاهد القتل والظلم، فدخل في مرحلة شك عميق وفقد الثقة بالإله الذي يسمح بحدوث كل هذا، هذا الفريق يحمل موقفاً عتابياً من الله في أحسن الأحوال إن لم يكن موقفاً عدائياً.. إنهم لا يرون الله في حُجُب سفك الدماء والظلم والقهر وينكرون "صمته".

 لا أتفق مع النتيجة التي آل إليها كلا الفريقين، إلا أني ألمح موقفاً أخلاقياً كامناً في نفوس هؤلاء الشباب

وأما الفريق الآخر فقد روعته أيضاً مشاهد القتل والظلم، لكنه اتخذ رد فعل آخر وهو اللجوء إلى حمل السلاح والانضمام للجماعات المسلحة، في محاولة لتغيير هذا الواقع وإنهاء الظلم.    

لا أتفق مع النتيجة التي آل إليها كلا الفريقين، إلا أني ألمح موقفاً أخلاقياً كامناً في نفوس هؤلاء الشباب. فالملحد ليس عابثاً في جميع الأحوال، كما تصوره ثقافة التدين التقليدي.. إن الملحد هنا هو إنسان حساس ضد الظلم والقهر الاجتماعي، هو حالم بالعدالة ومتسائل عن الحكمة. إن موقفه الباطن وراء قشرة الإلحاد الخارجية هو السؤال عن إله العدالة والحكمة: "ما دام الإله سميعاً وبصيراً وقادراً، فلماذا لا ينصر المظلومين؟". الملحد هنا قد اتخذ موقفاً إيجابياً في الحياة، متقدماً في رحلته البحثية، وليس في النتيجة، على الأشخاص السلبيين الذين قرروا التكيف مع الواقع وشراء راحتهم الشخصية وإماتة حس النقد والسؤال في نفوسهم.


كذلك، فإن الشباب الذين انضموا إلى العمل المسلح فهم يحملون شعوراً ضد الظلم والفساد والقهر الاجتماعي. إننا نريح أنفسنا من تحمل المسؤولية حين نصور هؤلاء بأنهم إرهابيون أو تكفيريون وحسب، ثم نغفل العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية التي دفعت هؤلاء إلى هذا الخيار. هذا الخيار لم يكن سوى النتيجة الطبيعية للإحباط وفقدان الأمل، فلم يجد هؤلاء الشباب سبيلاً للإصلاح بالطرق السلمية، وضاقت نفوسهم عن تحمل الظلم والفجور الذي يرونه فتفجرت نفوسهم بطاقة من الغضب والانتقام.

كل من الإلحاد والعنف تجليان لمشكلة واحدة، إذ يمثل كلاهما تحدياً للنظم السياسية والاجتماعية القائمة. لقد اختار الملحد التمرد عبر تحدي أقدس ما في المجتمع في رسالة مفادها أنه لا قداسة لإله تنتهك باسمه العدالة وكرامة الإنسان وحقوقه، أما العنفي فقد اختار الاصطدام مع أقوى سلطة في هذا المجتمع رفضاً للظلم والقهر، والرسالة واحدة في جوهرها بين الفريقين.

 

كل من الإلحاد والعنف تجليان لمشكلة واحدة، إذ يمثل كلاهما تحدياً للنظم السياسية والاجتماعية القائمة


هذه المشكلة المزدوجة "الإلحاد- العنف" تنبهنا من جديد أن الاستبداد والظلم هو أبو الشرور ورأس الفساد كله، وأن المعركة الحقيقية التي يلزم أن يحتشد لها المؤمنون والعلمانيون والملحدون هي معركة الحرية وكرامة الإنسان، فالأفكار ابنة ظروفها "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً". إن الظلم هو الذي يغذي أفكار اليأس والإحباط، والعدل يستثير في النفوس أجمل وأرق ما فيها من أحاسيس: "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم".

قضية الإيمان والكفر ليست قضيةً نظريةً، لذلك لم يحدث عبر التاريخ أن حسم هذا الجدل، وفي كل زمان لا يزال هناك مؤمنون وكافرون من كل فئات الناس وطبقاتهم العلمية والاقتصادية، ولو كان الإيمان أو الإلحاد مرتبطاً بالمعرفة والوعي لرأينا أعلم الناس على رأي واحد، لكننا نرى في العلماء والفلاسفة والمفكرين اختلافاً حسب اختلاف قابلياتهم النفسية وإرادتهم القلبية.

 من تكريم الله لك أن يمنحك الحرية كاملةً للفعل وتحمل نتيجته، وما دام الإنسان هو الذي يصنع الظلم وسفك الدماء، فإن هذا الإنسان نفسه قادر على إقامة العدل وإشاعة السلام

الإيمان والكفر ذو صلة وثيقة بحالات النفس، والقرآن يربط بين اليأس والكفر، ما يعني أن الكفر هو حالة نفسية وليس قناعةً عقليةً، لذلك فإن مُناخ الأمل والرحمة والحب والعدل يعزز الخير في نفوس الناس ويعرضهم إلى نفحات الله ورحمته.

الله حاضر وقريب، لكن البشر لا يضبطون راداراتهم دائماً لالتقاط إشاراته. إن الله يتجلى في الحب والرحمة بين الخلائق، وفي فطرة النفوس التواقة إلى العدل والحكمة، وفي الطاقة الخلاقة المبدعة التي صنعت الحضارة والعمران، وفي نظام الكون ودقته المدهشة، أما عدم  "تدخل" الله بمعجزة لوقف سفك الدماء ونصرة المظلومين، فهو المقتضى الضروري لحقيقة الحرية الإنسانية.


إن لك أيها الإنسان شأناً مختلفاً عن السماء والأرض والجبال، بل إن لك تميزاً عن الملائكة. فقد حملتَ الأمانة وكنت خليفة الله في هذه الأرض قد استخلفك الله فيها لعمارتها. ومن تكريم الله لك أن يمنحك الحرية كاملةً للفعل وتحمل نتيجته، وما دام الإنسان هو الذي يصنع الظلم وسفك الدماء، فإن هذا الإنسان نفسه قادر على إقامة العدل وإشاعة السلام، ولن يمنع الله الناس في مساحة حريتهم على الأرض من فعل أي شيء أو ضده، ولن يقيد اختياراتهم حتى لو كان اختيارهم الكفر به. إن كنت مؤمناً بالعدل والحرية، فجاهد في سبيلهما وستنتصر.

عربي21"

 

 

ضرورة تصويب

مسيرة العودة

أحمد أبو رتيمة

 

لا يزال يسعنا القول إن مسيرة العودة تمثل خياراً استراتيجياً للنضال في سبيل تحقيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين، لذلك يجب ضمان ديمومة هذا الخيار وتوسعه ليشمل كافة أماكن تواجد اللاجئين الفلسطينيين ومختلف الساحات العالمية، وتطوير أساليب هذه المسيرات وفق محددين اثنين: أن تمثل هذه المسيرات ضغطاً حقيقياً على المشروع الاستيطاني الإحلالي في فلسطين وإزعاجاً له؛ بجره إلى المربع الأول للمشكلة متمثلا في ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين ينشدون حقهم الفطري والعادل والمتفهم إنسانياً بالعودة إلى أراضيهم وقراهم التي هُجّروا منها قسراً، وأن تدار هذه المسيرات بطريقة اقتصادية حكيمة؛ كيلا تتحول هذه الوسيلة إلى عبء على الشعب الفلسطيني يجعل لمواصلتها ثمنا باهظا.


أصر على الدفاع عن مبدأ مسيرات العودة؛ لأن هذه المسيرات من حيث فكرتها المبدئية تمثل الاستجابة التاريخية الصحيحة للشعب الفلسطيني المضطهد منذ سبعين عاماً، والذي لم يفارقه يوماً الحلم بالعودة إلى وطنه. مسيرات العودة ببساطة مثلت المحاولة الفعلية للعودة الجماعية لهؤلاء اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم الذي هجروا منه قسراً. وبالنظر إلى الهدف الأساسي الذي عمل عليه المشروع الاستيطاني الصهيوني منذ سبعين عاماً بشطب الشعب الفلسطيني من الوجود، فإن هذه المحاولة ومن حيث كونها محاولةً تمثل إرباكاً حقيقياً للمشروع الصهيوني، وإفشالاً لمحاولاته تطبيع وجوده، وحرماناً له من الشعور بالاستقرار بينما يبني ازدهاره على حساب معاناة شعب آخر.  

 


تخيلوا لصاً استولى على بيت بالقوة، وبعد عشر سنوات من مكوثه في هذا البيت جاء صاحب البيت الضعيف وأخذ يدور حول البيت ساعةً من نهار وينظر إليه ثم انصرف، وصار يكرر هذا الفعل ساعةً كل أسبوع، هل سيبقى اللص قادراً على الشعور بالاستقرار والأمن بينما صاحب الحق يقول له كل أسبوع: أنا هنا لم أمت ولم أنس حقي؟! هذا بالضبط ما يمكن لمسيرة العودة أن تفعله في بنية المشروع الاستيطاني الصهيوني.

لكن أخطاءً وقعت في طريقة إدارة مسيرات العودة أضرت بوهجها، وأضعفت وضوح رسالتها، وهو ما يقتضي أن تكون هناك مراجعات جذرية لهذه الأخطاء، وليس أن نتخلى عن فكرة مسيرات العودة.

في العشرين من شباط/ فبراير عام 2018، وقبل بدء المسيرة بأربعين يوماً، كتبت على حسابي في فيسبوك مجموعةً من المبادئ المقترحة لمسيرة العودة الكبرى، هذه المبادئ تتضمن أن تكون هذه المسيرات سلميةً لا تستعمل فيها أي أداة سوى الاحتشاد السلمي، وأن تكون هذه المسيرات مستدامةً ومتراكمةً وشاملةً لكافة أماكن وجود اللاجئين الفلسطينيين، وأن تكون حقوقيةً تهدف إلى تطبيق حق العودة، ولا علاقة لها بأي أجندة سياسية، وأن تكون وطنيةً تشترك فيها كل مكونات الشعب الفلسطيني تحت علم فلسطين، وأن تكون قانونيةً وتطالب بتطبيق القرارات الدولية بشأن اللاجئين الفلسطينيين، وأهمها قرار 194.

 


لكن الهيئة الوطنية التي تشكلت من القوى الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني؛ توافقت على أن يضاف إلى هدف العودة هدف كسر الحصار، فتحول اسمها إلى "مسيرات العودة وكسر الحصار". وكسر الحصار هو هدف مهم وملحّ دون ريب، خاصةً في ضوء الأوضاع الكارثية التي يعاني منها أهالي قطاع غزة، لكن مشكلة إضافة هذا الهدف أنه مثّل تخفيضاً مجانياً من قبل منظمي المسيرات لسقف أهدافهم الوطنية. ولو أخذنا بمقولة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "اطلبوا الموت توهب لكم الحياة"، فإنه يمكن القول قياساً عليها: اطلبوا الأهداف الكبيرة توهب لكم الأهداف الصغيرة، دون أن نكون مضطرين إلى تشتيت الإجماع الوطني والمساندة العالمية حول قضية العودة الكبرى.

وليت الأمر توقف عند هدف كسر الحصار، لكن سياسة الاحتلال أشغلتنا عن الأهداف الكبيرة بالتفاصيل الصغيرة، وسعت إلى تكريس معادلة مهينة للكرامة الوطنية عبر الربط بين إدخال الوقود والأموال القطرية بوتيرة رفع أو خفض المسيرات. وكسر الحصار هو هدف أكبر بكثير من مناقشة جزء من رواتب الموظفين كل شهر، فكسر الحصار يعني فتحاً كاملاً لكل معابر قطاع غزة، ودوران عجلة الاقتصاد، والسماح للسكان بحرية الحركة دون قيود.

من المؤسف والمهين لقضيتنا الوطنية أن يتحول إدخال جزء من رواتب الموظفين كل شهر إلى قضية رأي عام، ومادة ابتزاز من قبل الاحتلال.. هذه الرواتب هي أقل من الحق الإنساني الطبيعي الذي ينبغي أن يتلقاه أصحابه بسلاسة، دون ضجة أو مساومة. يريد الاحتلال من خلال هذا الابتزاز إضعاف قوة مسيرات العودة ووضوحها المبدئي، بعد أن كانت تناضل في سبيل غاية وطنية كبرى، فيوصل رسالةً إلى الرأي العام الفلسطيني بأن منظمي هؤلاء المسيرات يسعون إلى فتات من المال فيفقد الناس حرارة الدافع الوطني للمشاركة والعطاء.

 


هذه المعادلة المهينة يجب أن تستفز كرامتنا الوطنية فنسعى إلى تغييرها. إن الواقع الإنساني في قطاع غزة بالغ القسوة، لكن لا خيارات أمامنا سوى أن ننفر إلى القضايا الكبرى. مسيرات العودة هي شكل من أشكال المقاومة السلمية المشروعة في كل الأعراف وليست مادة مساومة، بل إن استمرارها يجب أن يكون بمعزل عن أي تطورات سياسية. يجب أن يكون خطابنا للعالم أن كسر الحصار هو مقابل إنسانية المحاصَرين، وليس مقابل تخفيض أو رفع وتيرة النضال السلمي. فمن حق الناس أن يحتشدوا ويتظاهروا ويطالبوا بالعودة إلى ديارهم، حتى لو كُسر الحصار وتحولت غزة إلى جنة مزدهرة.

ومن أجل استمرار مسيرات العودة وتراكمها، فإنه يجب العمل الحاسم على تخفيض تكلفتها. مسيرة العودة لا تقوم فكرتها على الاشتباك والمواجهة الميدانية، بل تقوم فكرتها على الاعتصام السلمي الآمن على غرار ميدان التحرير في عام 2011، وأن يمارس الناس أنشطةً ثقافيةً وإعلاميةً على بعد آمن من جنود الاحتلال، ويعرّفون العالم بحق العودة عبر الرسم والأغنية والدبكة وإحياء التراث الشعبي، وأن تمتد هذه الروح إلى كل أماكن تواجد اللاجئين في الضفة وفلسطين الداخل والدول المحيطة، وأن تسند بحركة تضامن عالمي تبرز قضية اللاجئين وحقهم بالعودة والتعويض، وتحاصر مشروع الاحتلال بإشهار تناقضاته الأخلاقية.

"عربي21"

 

 

جدل "الكريسماس" في كل عام

احمد ابو رتيمة

 

كثيراً ما تكون الأسئلة أدلَّ في رصد توجھات الناس وطرائق تفكيرھم من الإجابات، فالأسئلة ھي ثمرة التراكم المعرفي و مؤشر الأولويات المھيمنة على العقل، فليس كل الأسئلة سواء، إذ إن ھناك أسئلة وجيھة تستفز النشاط العقلي وتستحثه لمزيد من الإنتاج العلمي والعملي، وھناك أسئلة محبطة ليس لمشقة الإجابة عنھا بل لأنھا تكشف الفجوة الواسعة في خرائط الاھتمام و طرق التفاعل مع الحياة، لذلك يذكر المثقف الفلسطيني إدوارد سعيد في أحد كتبه أنه كان يبادر أي صحفي يرغب في عقد مقابلة معه بسؤاله: "ھل لديك أسئلة وجيھة؟".

إذاً لا يصح أن يقال ھذا سؤال وذاك سؤال، وأن ينتظر الإجابة عن أي سؤال، فھل يستوي أن يسأل سائل عن طرق تطوير النظام القضائي لتقوية روح العدل وحماية القانون من أساليب الالتفاف والمخادعة، وأن يسأل سائل عن حكم قول صباح الخير! إن السؤال كاشف الاھتمام، فالأول ثمرة ھيمنة قضية العدالة على نفس صاحبھ، بينما السؤال الثاني ثمرة تشوش تلقائية الفطرة وعفويتھا. 

ھذه ھي معضلة الجدل الفقھي العقيم الذي يثار في نھاية كل عام مع حلول عيد الكريسماس في العالم المسيحي: ما حكم تھنئة المسيحيين بأعيادھم؟ فيذھب فريق إلى التحريم ويذھب فريق آخر ميسراً إلى الإجازة راصداً عدداً من الأدلة والشواھد الفقھية التي يعزز بھا رأيه. 

ومع التقدير لأصحاب الرأي الميسر على الناس إلا أن المشكلة أعمق من تلمس الأدلة والشواھد لإثبات إجازة التھنئة، فجوھر المشكلة ھو أن تكون ھذه القضية في دائرة المفكر فيه في عقولنا، وفي المساحة الكبيرة التي تحتلھا من اھتماماتنا. إن الإنسان في حالته الفطرية يتعامل ببساطة و لا يخطر بباله أن تكون ھذه المسألة قضية نقاش.

إن مشاركة الإنسان لأخيه الإنسان في مشاعره ھي من البداھة مثل مساعدة الناس بعضھم بعضاً في شؤون الحياة، يفعلھا الناس بدافعھم الفطري دون حاجة إلى تقعيد وتأصيل ينزع من الحياة بساطتھا و سلاستھا. 

ھذا النوع من النقاشات الرائجة في الساحة الفقھية يكشف عن انفصال الفقه عن حركة الحياة، وفي مسعىً من المدرسة الفقھية للمحافظة على شرعية وجودھا فإنھا تضخم المسائل الصغيرة وتوحي للناس بخطورة ھذه القضايا و مركزيتھا و تخترع لكل مسألة من مسائل الحياة أحكاماً ومحددات وضوابط وتأصيلاً وتقعيداً يجب على المسلم الإحاطة بھا كي لا يضل عن سواء السبيل، وھذا الفعل يلجأ إليه أصحابه بطريقة لا واعية ضمن آليات النفس الدفاعية خوفاً من تجاوز الناس دورھم وتآكل شرعيتھم.

لقد سمعنا مئات الأسئلة مثل حكم استعمال الانترنت، وضوابط دخول فيسبوك وحكم الجلوس على شاطئ البحر وحكم استعمال مكبرات الصوت، وقصة الآداب والأحكام والضوابط عموماً تعني تأخر الفقه

عن حركة الحياة، فالآخرون يبادرون وينسجون نظم الحياة، ثم نأتي نحن من بعدھم لنخلق لأنفسنا تميزاً متوھماً ونرقع آراءنا وأفكارنا لنقول إن لدينا ھويةً خاصةً بنا و لنحمي مفاھيمنا القديمة أننا دار الھداية و الإسلام وأن العالم من حولنا بكل منجزاتھ وإبداعاتھ ھو عالم الكفر! 

ھل يحتاج الدين حقاً إلى كل ھذه المساحة الضخمة من الأحكام والآداب التفصيلية؟ ألا يكفي أن نقول إن الدين ھو دعوة إلى العدل والحكمة والرحمة والصلاح والإحسان ليعرف الناس بعد ذلك سبيلھم بميزان الأخلاق الذي أودعھ الله فيھم! إذاً كيف نفھم أن بعض الناس في زمن النبي محمد صلى الله عليھ وسلم كانوا يأتون إليھ فيبين لھم الدين في كلمة أو كلمتين: "قل آمنت بالله ثم استقم"، ثم ينطلقون بعد ذلك في شعاب الحياة غير مثقلين بأسفار من الشروح والتفاصيل؟! 

إن الذين يصنعون الحياة لن تتسع أوقاتھم للمسائل الصغيرة، فالذي يلتحق بركب الحياة و يكرس جھده لإقامة العدل ونشر الرحمة و الإحسان إلى الخلق والتعاون مع الأمم على البر والتقوى سيكون عملياً أكثر في التعامل مع محيطھ، و سيتبادل التھاني مع صديقه وزميله و جاره المسيحي واليھودي لأن ھذا الفعل ھو مقتضى الحياة الطبيعية، أما المنشغلون بجواز التھنئة أو تحريمھا فإن ما يدل عليھ انشغالھم ھو حالة الفراغ الفكري التي يعيشونھا وغياب الإنتاج الحضاري و الانفصال عن حركة الحياة.

لقد أكد القرآن على المبادئ الكبرى لتكون نبراساً ھادياً لنا في حركة الحياة، فقرر في آيات محكمات أن أصل العلاقة مع غير المسلمين ھو البر والقسط والإحسان: " لا ينھاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم أن تبروھم وتقسطوا إليھم إن الله يحب المقسطين"، لكن التعنت والإصر والأغلال أنتجت أحكاماً مناقضةً لھذا الھدي القرآني فقررت هذه الأحكام أن العلاقة بيننا وبين العالمين ھي التباغض والتنافر وقلة الذوق والأدب، فيھنئوننا ھم بأعيادنا ويشاركوننا في مناسباتنا دون أن نبادلھم ھذه المجاملات والملاطفات، فإن جادلت أصحاب ھذه الآراء بأن القرآن أولى أن يتبع قالوا لك إن أفھام الفقھاء مستمدة من القرآن، وھو ما يعني حسب منطقھم أن القرآن يدعو إلى الشيء وعكسھ، لكنھم عملياً يقدمون أفھام البشر التي قيلت في ظروف زمنية محددة دون أن يمنحھا أحد العصمة و الإطلاق على كلام الله المحكم الذي لا يأتيھ الباطل من بين يديھ ولا من خلفھ..

أفلا يعقلون!

"عربي21"

 

 

سبعون عاماً على الإعلان

العالمي لحقوق الإنسان

أحمد أبو رتيمة

 

قبل سبعين عاماً، وتحديداً في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر من عام 1948، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي يعد واحداً من أعظم ما أنتجته الإنسانيةً مجتمعةً عبر تاريخها الطويل؛ للتأصيل لقيم الحرية والكرامة والمساواة وتجريم الاضطهاد والاستعباد لكل الناس.

تنص مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن جميع الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، ولا يجوز التمييز بينهم بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي، وأن لكل فرد حق الحياة والحرية والأمان، ولا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، أو إخضاعه للتعذيب أو المعاملة القاسية أو الحاطَّة بالكرامة. كذلك لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً، ولكل فرد الحق في حرية التنقل وفي مغادرة بلده والعودة إليها، ولكل إنسان الحق في حرية التفكير والوجدان والدين والرأي والتعبير، ولكل شخص حق الاشتراك في التجمعات السلمية، وله الحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إما مباشرةً أو عبر ممثلين يختارهم في حرية، وأن السلطة يجب أن تكون ممثلةً لإرادة الشعب من خلال انتخابات نزيهة ودورية واقتراع سري، ولكل شخص حق تقلد الوظائف العامة في بلده دون تمييز، ومن حق كل فرد الضمان الاجتماعي في وطنه، وأن يحظى بمستوى المعيشة الكافي لتأمين الاحتياجات الضرورية له ولأسرته، من مأكل وملبس ومسكن ورعاية طبية، وتأمينه من الغوائل الخارجة عن إرادته، من مرض وبطالة وترمل وشيخوخة.

بين إعلانين

 بإقرار هذه المبادئ، تبدو الإنسانية وكأنها تقترب من رسالات الأنبياء التي عمادها أن يقوم الناس بالقسط وألا يطغوا في الميزان، وألا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، وإن كانت هذه المبادئ لا تزال نظريةً غالباً، إلا أن دخولها حيز الوعي البشري يمثل خطوةً إلى الأمام، إذ إنها حتى في حالتها النظرية، فإنها تعزل أفعال الاستعباد وسفك الدماء والظلم وتظهرها غير طبيعية ، وهي الأفعال التي صبغت دهراً طويلاً من عمر البشرية على هذه الأرض.


إن هذه المبادئ هي كتاب البشرية الذي تدعى اليوم إلى اتباعه: ".. كل أمة تدعى إلى كتابها..".

لعل من موافقات القدر أن عام 1948، الذي شهد ولادة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هو ذات العام الذي شهد ولادة دولة الاحتلال على أنقاض البلدات الفلسطينية المدمرة، وعلى أساس التطهير العرقي لشعب فلسطين. وإن كان الإعلان الأول يمثل ارتفاع صوت الفطرة الإنسانية وتجلي الخير الذي أودعه الله في جوهر هذا الكائن، فإن الثانية تمثل الامتداد الطبيعي لحقبة الهيمنة والاستعباد والإبادة الجماعية. وإشارة هذا الالتقاء هو أننا في عالم تتدافع فيه قوتان؛ القوة الأخلاقية التي تجاهد من أجل تكريس مبادئ العدل والمساواة والحرية والكرامة لكل البشر، والقوة الاستعلائية التي لا تؤمن بالمساواة، وتجعل أهل الأرض شيعاً منهم السادة ومنهم العبيد. وفي سبيل نيل الامتيازات الخاصة للسادة، توقد (القوة الاستعلائية) نيران الحرب، وتسفك الدماء، وتفسد في الأرض وتستعبد الشعوب وتنهب خيراتها، وتشرع لنفسها شرائع خاصةً تؤمن بمنطق القوة لا بمنطق الأخلاق.


جوانب مشرقة. ولكن

 

بعد سبعين عاماً، لا تزال القوة الاستعلائية تجاهد في سبيل المحافظة على إرث قرون الهيمنة والاستعباد. فإسرائيل لا تزال قائمةً على أنقاض حقوق شعب آخر، ولا تزال تمارس التطهير العرقي، وترفض تطبيق القرارات الدولية بعودة اللاجئين وتعويضهم وإنهاء احتلالها. وهي تفعل ذلك بغطاء دولي يمدها بأسباب القوة والنصرة، ما يعني أنها لا تمثل حالةً معزولةً، بل تعبر عن منظومة دولية منحازة. وليست إسرائيل وحدها التي تمثل القوة الاستعلائية، فهناك كثير من بقاع العالم التي تنشط فيها علاقات الظلم والهيمنة والاستعباد، سواءً بالتدخل الخارجي كما فعلت أمريكا في العراق وروسيا في سوريا وفرنسا في أفريقيا، أو بالاستبداد الداخلي الذي تعبر عنه أنظمة شمولية تحكم شعوبها بالخوف والقهر ودون احترام لكرامة الإنسان وحقوقه. وذروة سنام هذه العلاقات المختلة يتجلى في مجلس الأمن الذي يشرعن القوة بدل الحقوق، وتفرض فيه الدول الكبرى كلمتها تبعاً لمصالحها الخاصة، وليس تبعاً لمبادئ العدل وحقوق الإنسان.

في الجانب المشرق، هناك تجارب عديدة لشعوب نجحت في إقامة مجتمعات العدالة والرفاه الاجتماعي، وعززت سلطة القانون وأطلقت الحريات، وقوَّت القدرة التمثيلية للشعب في اختياره حكومته، وهناك مجتمع مدني حقيقي يرصد انتهاكات حقوق الإنسان ويعلي صوت الإنسانية في مواجهة منطق القوة والهيمنة. وهناك حركات احتجاجية تنحاز إلى العدالة حول العالم باتت تكتسب مساحات أكبر لإسماع صوتها، لكن هذا الجانب المشرق، وإن كان يمنحنا الأمل في غد أفضل، إلا أنه لم يقو حضوره بالقدر الكافي ليكون قادراً على هزيمة منظومة الاستعلاء؛ وفرض واقع عالمي جديد تكون فيه الكلمة العليا للعدل والحقوق.

ليست ملكا لأحد

 في حالتنا العربية، هناك من يهاجم الأمم المتحدة ولا يفرق بينها وبين الولايات المتحدة، وهو موقف نابع من غلبة نظرية المؤامرة على التفكير، وليس نابعاً من تقييم موضوعي للأشياء. فالمبادئ العظيمة التي أقرتها الأمم المتحدة عبر مؤسساتها لم تكن لعبةً ولا مسرحيةً، بل كانت تجلياً حقيقياً للخير والعدل المكنون في الفطرة الإنسانية، وبحثاً جاداً من المجموع الإنساني عما هو أهدى وأقوم. والمشكلة ليست في هذه المبادئ العالمية، بل في غياب القوة القادرة على تنفيذها، لذلك فإن الخطاب الحكيم هو الذي يركز على المطالبة بتطبيق المبادئ الحقوقية الدولية وإيجاد آليات عملية ملزمة لتنفيذها، وليس الذي يهاجم هذه المبادئ.


إن ما أصَّلته المبادئ العالمية من قيم وحقوق يكفي، لو وجد طريقه إلى التنفيذ، لإنهاء الظلم الواقع على مليارات البشر اليوم وصيانة كرامتهم وتحسين شروط حياتهم. لذلك، فإن معركتنا ينبغي أن تكون من داخل المنظومة الدولية وليس من خارجها. إن هذه المبادئ ليست ملك أمريكا أو روسيا وحسب، بل هي تراثنا جميعاً، ويجب أن نحافظ عليه ونقوّيه. ويجب أن نصوغ خطابنا باتجاه البحث عن آليات التنفيذ التي تخرج هذه المبادئ من جمالها النظري إلى فاعليتها العملية، والتي تعبر عن إرادة المجموع الدولي وليس إرادة الدول المهيمنة.

إن أشد الأطراف معاداةً للمبادئ الدولية هي الدول المتنفذة، مثل أمريكا ودولة الاحتلال وروسيا، وهذه المعاداة منطقيةً لأن أجندة هذه الدول عدوانية، وهي أجندة خاصة بها ولا تعبر عن الاتجاه الإنساني العام، لكنَّ الذي ليس منطقياً هو أن تأتي معاداة هذه المبادئ من أطراف ضعيفة مضطهدة، والتي لم تكن ستحظى ببؤس واقعها لو كانت تلك المبادئ موضع احترام وهيبة.

"عربي21"

 

 

العري الإنساني أمام أطفال اليمن

أحمد أبو رتيمة

 

يحدث في زمن الوفرة أن يموت الأطفال جوعاً، ويحدث في زمن التقدم العلمي أن يذوي الأصحاء من غير علة ثم يموتوا بفعل تفشي الأوبئة ونقص الدواء والخدمات، ويحدث في زمن مواثيق حقوق الإنسان أن يدفع الأبرياء تكلفة الحرب، وأن يتخذ الطغاة من إبادتهم ورقة ضغط سياسية؛ وهم آمنون من العقاب.
في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وبالتزامن مع يوم الغذاء العالمي، حذّرت الأمم المتحدة من أن اليمن بات على مشارف "أكبر مجاعة في العالم". وقال المتحدّث باسم برنامج الأغذية العالمي إن 18 مليون يمني لا يعرفون من أين سيؤمنون وجبتهم التالية.

أما منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسيف، فقد كشفت قبل أيام قليلة أن طفلا يموت كل 10 دقائق في اليمن بسبب أمراض يمكن علاجها بسهولة. تترافق هذه الإحصائيات الصادمة مع صور لا تحتملها القلوب المرهفة؛ لأطفال يمنيينالتصقت جلودهم بعظامهم وهم يتلوون جوعاً ومرضاً، في انتظار أن يفتك بهم الموت.

هل كان ينقصنا فصل جديد من المأساة الإنسانية لتتبدى لنا سوءاتنا، ولنعلم أن الإنسانية في مجموعها قد فشلت في تحقيق الكرامة والعدل لكل الناس، رغم الإمكانات الهائلة المسخرة طوع يديها، ولنتأكد كم أن هذا النظام الدولي غارق بالتناقضات؟!

نظام يلقي فيه القاتل كلمة سلام، ويعظ فيه السارق عن محاربة الفساد، وتعقد فيه الأطراف المغذية للفتن مؤتمرات لبحث سبل الاستقرار.. أما نشر الديمقراطية و الحضارة فتتولى أمرها دول ذات تاريخ حافل في قتل الحريات ومعاداة إرادة الشعوب!

هل لنا أن نلقي باللوم في موت أطفال اليمن من الجوع والأوبئة على العدوان الخارجي الذي يصب حمم نيرانه فوق رؤوس المدنيين، بعد أن أخفق في هزيمة الحوثيين؟ أم نلوم الحوثيين بسبب إيثارهم مصالحهم الخاصة على وحدة اليمن ومصالح شعبه؟ أم نلوم إيران على تغذيتها القلاقل والانقسام في بلد أنهكه الفقر والجوع والمرض؟ أم نلوم أمريكا على صفقات الأسلحة التي تغذي بها نظاماً راعياً للظلم وانتهاك حقوق الإنسان؟

لكل فريق من هؤلاء كفل من الجريمة، لكن المشهد الكلي هو أن النظام الدولي فشل في تحقيق مبادئ العدالة، فوجود فئات طامعة بالسلطة داخل بلد وسعيها إليها بكل سبيل غير أخلاقي أمر دائم الحدوث في تاريخ الاجتماع الإنساني. وعدوان بلد قوي على جاره الضعيف أمر مألوف في دورة الأيام، أما المحاكمة الأساسية فينبغي أن توجه إلى النظام الدولي الذي يستند إلى جملة من المواثيق والمعاهدات التي تنص على صيانة كرامة الإنسان ورعاية حقوقه، لكنه لم يكن وفياً لهذه المبادئ وآثر الانحياز إلى المصالح على حساب الأخلاق، ولم يطور أدواته لتتحول إلى قوة إلزام لأي دولة أو جماعة بأن تلتزم بحقوق الإنسان أو أن تواجه عقوبات دوليةً على انتهاكاتها وجرائمها بمعايير قانونية واضحة، دون تدخل للهوى السياسي ودون محاباة لطرف دون آخر، فتكون معاقبة الدولة المارقة قراراً مبنياً على النظر القانوني والتقدير المهني وحده، وليس قراراً سياسياً تقدمه أو تؤخره مصالح الدول العظمى؛ دون اعتبار لفظاعة الجرائم والانتهاكات الممارسة.

لقد نجح البشر داخل دولهم أكثر مما نجحوا على الصعيد الدولي، فعرفوا الفصل بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، وغدا جهاز الشرطة ملزماً بتنفيذ أوامر القضاء دون اعتبارات سياسية.. هذه الصيغة هي ما نحتاج مثلها في المستوى الدولي، فيتحول التدخل العسكري إلى عمل آلي بمجرد ثبوت حدوث انتهاك في أي رقعة جغرافية، تماماً كما أن تدخل الشرطة هو عمل آلي بمجرد إبلاغها بحدوث شجار.

إن الحالة الدولية مدانة إزاء الجرائم التي تمارس ضد الشعوب؛ لأنها لم ترسخ اعتبار حقوق الإنسان أساساً للعلاقات الدولية، وإذا كان من الإنصاف الإشارة إلى سياسات بعض الدول التي تعلق تصدير السلاح إلى الدول التي ترتكب جرائم حرب، إلا أن هذه الحالة الدولية اتسعت للرئيس الأمريكي ترامب أن يؤكد عقب اغتيال الصحفي جمال خاشقجي على ضرورة إمضاء صفقات بيع السلاح للسعودية، حتى وإن ثبت تورطها في الجريمة؛ لأن هذه الصفقات توفر وظائف للمواطنين الأمريكيين!

لم يكن هذا الموقف ليصدر عن ترامب لولا وجود بيئة سياسية تتفهم هذا المنطق في تقييم الأمور، وما يعنيه هذا الموقف هو أنه لا مانع من قتل مزيد من المواطنين في بلد فقير ما دام ثمن ذلك توظيف مزيد من المواطنين الأمريكيين، إذ إن بيع السلاح لمجرم قاتل، ثبت إجرامه لدى الدولة التي تصدر السلاح إليه، هو مشاركة مباشرة في جرائم هذا القاتل في المستقبل، وامتلاك هذا المجرم للسلاح يعني مزيدا من الضحايا المؤكدين.

إن موت أطفال في أي مكان من العالم جوعاً وفقراً هو فضيحة أخلاقية؛ لأن موارد الأرض تكفي لإشباع كل سكانها. فأزمة الجوع هي أزمة عدالة وإرادة وليست أزمة نقص موارد، ولو امتلك النظام الدولي الإرادة الحقيقية لأنهى مشكلة الجوع جذرياً، ولخلق الضمانات الملزمة لكل الحكومات بوصول المقومات الأساسية للحياة لكل الناس، وتجنيب إقحام الاحتياجات الإنسانية الضرورية في الصراعات.

يقول جيفري ساكس، مدير معهد الأرض فى جامعة كولومبيا الأمريكية، في كتابه "نهاية الفقر"، إن الدول الغنية قادرة وخلال فترة وجيزة على القضاء على الجوع والفقر، لكنها لا تريد..

أما كتاب "صناعة الجوع.. خرافة الندرة"، للباحثين الفرنسيين فرانسيس مور لابيه وجوزيف كولينز، فيرصد عدداً من الشواهد التاريخية التي تؤكد أن أمريكا تتعمد صناعة الجوع في بلدان العالم الثالث، وتستعمل الغذاء أداةً سياسيةً لمنع استقلال تلك الدول.

يذكر الكتاب أن السيناتور هيوبرت همفري، في منتصف القرن الماضي، انتقد الذين يريدون أن تكون المعونة الغذائية مجرد وسيلة للتخلص من الفائض، ورأى في الغذاء سلاحاً سياسياً قوياً، وهذا ما ترجمته السياسة الأمريكية حين قطعت المعونة عن تشيلي فجأةً، عندما انتخبت حكومةً لا تتوافق مع أهواء مصالح الشركات الأمريكية..

ولهذا السبب أيضاً، رفضت الولايات المتحدة عام 1974 توسيع برنامج الغذاء العالمي الهادف لمعاونة مناطق المجاعات؛ لأنهم لا يريدون المساهمة بالغذاء في المناطق الأقل خضوعاً لسيطرتهم، والتي لا يستطيعون فيها التأثير بشكل ملموس في توزيع المعونة..

ويضيف الكتاب: "ليس هذا فحسب، بل إن أمريكا تعمل جاهدةً على منع قيام اكتفاء ذاتي من الغذاء في بلدان العالم الثالث، لضمان ألا تكون هناك تنمية حقيقية، فتضع القيود على زراعة القمح، ويدل على ذلك رهن نفقتها السنوية على مصر بعدم التوسع في زراعة القمح".

أمام هذا الحشد من الحقائق المريرة، لا يسعنا فصل المحلي عن الدولي، وإذا كان من الضروري التأكيد على المسؤولية الذاتية للأطراف اليمنية والعربية في صناعة الكارثة، فإنه لا يمكن إغفال العامل الدولي. فالنظام الذي يقتل في اليمن هو نظام مدعوم أمريكياً بالسلاح وبالغطاء السياسي، وفي ضوء مواقف أمريكا التاريخية في استعمال الغذاء أداةً للابتزاز السياسي، فإن من غير المتوقع أن يتأثر ضمير السياسة الأمريكية بأخبار مجاعة جديدة ما لم تكن هناك قوة ضغط سياسية؛ ترفع من تكلفة الانحياز إلى نظام قاتل ينتهك حقوق الإنسان ويرتكب الفظائع ضد المدنيين.

 

"عربي21" - لندن

 

جمال خاشقجي.. القوة الناعمة

التي يخشاها المستبدون

 

أحمد أبو رتيمة

 

لم يكن جمال خاشقجي معارضاً بل كان داعية إصلاح، وهذه ميزة أولى تسجل في كتابه، فالمعارضة من الاعتراض، وهي توحي بدلالة سلبية تتمثل في تقصد إظهار الأخطاء وإدانتها لاكتساب شرعية الوجود، لكن منهج المصلح في التعامل مع النظام هو تحسين الحسن وتقبيح القبيح. فقد كان صوتاً من داخل المنظومة لا من خارجها، مثله في ذلك مثل مؤمن آل فرعون الذي خلد القرآن ذكره. لقد كان انتماء مؤمن آل فرعون القومي والنفسي إلى قوم فرعون لا إلى قوم موسى، لذلك كان يحدثهم بضمير المتكلم انطلاقاً من رغبته في إبقاء ملكهم وشفقةً عليهم من عاقبة مكرهم السيئ: "يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا".. "يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ".

كذلك كان جمال خاشقجي مترفقاً ليناً في دعوته الإصلاحية، كانت دعوته مثل الماء في انسيابها لا مثل النار في فورانها، لذلك فإن قتله يكشف مدى وحشية الفاعل ويحرمه من أي قدرة على تبرير الجريمة. لم يكن المغدور يمثل كياناً أيديولوجياً يزاحم النظام في وجوده ويسعى ليحل محله، إذاً لاحتملت الجريمة شبهة التأويل بأنها في سياق صراع السلطة وحرب البقاء، لكنه لم يكن يدعو إلى أكثر من حرية الكلمة وحرية الرأي واعتماد نهج الحوار؛ بدل التخويف والعدوان. هذا التجريد لموطن الخلاف من كل ما قد يستند النظام إليه من شبهات ومسوغات والتسلح بالكلمة وحدها وبالموقف وحده؛ يمنح داعية الإصلاح شرعيةً أخلاقيةً متينةً لا يملك الطاغية انتزاعها أو تشويهها، ويجرّم الطاغية؛ لأن أي استهداف حينها لدعاة الإصلاح يحمل دليل إدانته في نفسه، فلا يضيق من الدعوة إلى الإصلاح إلا فاسد مفسد ولا يضيق من الكلمة الحرة إلا طاغ باغ مستبد ولا يقتل الآمرين بالقسط من الناس إلا الذين يقيمون سلطانهم على أنقاض الظلم والاستعلاء.       

لا عجب أن يعد الدين أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، فالكلمة المجردة هي القادرة على نزع شرعية الظلم وتذكير الناس ببديهيات المساواة وحقوقهم المسلوبة ،وحرمان الظالمين من مساعيهم إلى تطبيع واقع الظلم وكأن الله أورثهم ميزات فوق البشر، وإزعاجهم بحقيقة الميزان الذي نهاهم الله عن الطغيان فيه. إن الكلمة تلامس أعمق ما في النفوس؛ لأن الظالم مهما عظمت سلطته لا يكتمل هناؤه إلا بشيخ أو كاهن أو عالم يطمئنه باستقامة طريقته، ويسكن ضميره من أوجاع غمط حقوق الناس والبغي عليهم. أما مواجهة الطاغية بالسلاح أو بخطاب الكراهية، فإنه يحيد المعركة الأخلاقية ويستفز الآليات الدفاعية في كيان السلطة، ويظهر السلطة في مظهر الأبطال الساعين إلى المحافظة على نظام الدولة ووحدتها، وأنها تواجه عدواً مكافئاً، فتتحول جرائم السلطة إلى أعمال بطولة وانتصار، وتستغل السلطة أجواء الاستقطاب الحادة في ارتكاب مزيد من الجرائم، وفي تكريس تسلطها وإيجاد المبررات لقتل الحريات وإخراس الأصوات.

أظهرت جريمة قتل شهيد الكلمة جمال خاشقجي أن العدو الحقيقي لمنظومة الاستبداد والفساد هو الكلمة وليس البندقية، وأن التناقض الجذري لهذه الأنظمة هو مع الاعتدال وليس مع التطرف. لقد تمثلت خطورة خاشقجي في أن أفكاره كانت تملك جاذبيةً قادرةً على حشد مناصري العدل والحرية في العالم إلى صفها، وعلى تفتيت تماسك الجبهات الداعمة لهذا النظام، وما كان لأفكار خاشقجي أن تتحلى بهذه القدرة لولا ما تضمنته من معان إنسانية ومن أطروحات معتدلة ومن تناغم مع الفطرة الإنسانية المجبولة على حب العدل والقسط. كانت هذه الأفكار قادرةً على إضاءة شعاع من الأمل وسط ظلمات اليأس التي تحيط بنا، وعلى تلطيف الأجواء المشحونة بالكراهية، وعلى كسر حدة الاستقطاب الطائفي والسياسي، لذلك كان من الطبيعي لنظام يستمد شرعيته من تفشي الجهل، وإشاعة الخوف وتأجيج الفتن الطائفية، وإعلاء تهديد الإرهاب؛ أن يشعر بالخطر من هذه الأفكار التي ستحرمه من بيئته النموذجية للاستمرار.

أظهرت هذه الجريمة الارتباط الوثيق بين أنظمة الاستبداد وبين الإرهاب الذي تمثل في نسخته الأخيرة بداعش وممارساته الوحشية، هذا التشابه تمثل أولاً في التفاصيل الفنية للجريمة الوحشية التي تذكر بفظائع داعش في السنوات الماضية، وتمثل ثانياً في أن كلاً من تنظيم داعش والنظام السعودي يستند في تبرير جرائمهم إلى تكييفات فقهية منحرفة. فداعش كان يستحضر مع كل جريمة جديدة يقترفها دليلاً من الموروث الفقهي، وهو ذات الموروث الذي يرعاه النظام السعودي وينشره في الآفاق، لما يحتويه من مضامين تكرس هيمنته وتعطل حس الثورة في نفوس الناس، هذا الموروث يستند إلى مفاهيم من قبيل: "سلطان غشوم خير من فتنة لا تدوم"، و"طاعة السلطان وإن جلد ظهرك وأخذ مالك"، وتحريم الخروج على ولي الأمر.

في هذه البيئة الفقهية التي فرخت ثنائي "نظام آل سعود- تنظيم داعش"، ليس مستغرباً أن يخرج شيخ مؤصلاً جريمة إعدام خاشقجي من التاريخ الإسلامي بحاثة قتل مالك بن نويرة على يد خالد بن الوليد ومخالفة خالد في ذلك لتعاليم أبي بكر الصديق، وبالمثل فقد قتل الوفد المفاوض جمال خاشقجي مخالفين في ذلك هدي ولي الأمر ابن سلمان!!

أما ثالثاً، فقد منح وجود الإرهاب أنظمة الاستبداد شرعيةً سياسيةً، إذ كانت هذه الأنظمة عاريةً في مواجهة ثورات شعوبها السلمية ومطالبات المصلحين بالحرية والعدل. لكن حين ظهر الإرهاب المسلح، فجأةً تغيرت الصورة من ثورة شعبية ترفع مطالب أخلاقيةً عادلةً؛ إلى اقتتال داخلي جعل أهلها شيعاً، واستبيح  فيه التدخل الخارجي، ورفع عن الأنظمة حرج دفع تكلفة الإصلاح السياسي، ولم تعد هذه الأنظمة عصابات مجرمةً تقتل المتظاهرين السلميين، بل صارت أنظمةً وطنيةً وقوميةً تحمي البلاد من الإرهاب.

لقد رأينا هذا التكامل العضوي بين الاستبداد والإرهاب في سوريا، إذ إن تمدد داعش فيها أدى بالضرورة إلى انحسار الاحتجاج السلمي، واستعاد النظام السوري زمام المبادرة وعزز شرعيته. ونحن نرى ذات العلاقة بين النظام السعودي والإرهاب، إذ إن وجود هذا الإرهاب يمنحه شرعية البقاء ويعفيه من استحقاقات الإصلاح السياسي.

لقد دفعت شعوبنا العربية أثماناً باهظةً من الدماء والتفكك في السنوات الخالية؛ في حروب عبثية يظن كل فريق من المتحاربين فيها أنه يقاتل في سبيل الحق، لكن الرابح الوحيد فيها هم تجار الأسلحة وأصحاب المشاريع المضادة لتطلعات الشعوب. وفي ضوء انسداد مسار عسكرة الثورات الذي أدى إلى الاقتتال المسلح وإلى تفتيت البلاد وخراب العمران واتعاظاً باستهداف صوت الإصلاح المعتدل جمال خاشقجي، فقد آن الأوان لأن نختصر التكلفة ونكتشف الطريق التي تمثل تهديداً حقيقياً لبنى الاستبداد والفساد.. إنها طريق اللين والسلم وليس الشدة والعنف.  

يقول الحكيم الصيني لاو تسو:

"
لا شيء على الأرض أوهن من الماء
ثم إنك لا تجد شيئا أنفذ
في الحجر الصلد، من الماء".

 المصدر : "عربي21"

 

 

لماذا يدعم الغرب إسرائيل؟

أحمد أبو رتيمة

 

يمثل سؤال الدعم الغربي لإسرائيل قضيةً حيويةً للنقاش، كون هذا الدعم شكّل عاملاً رئيساً في نشأة دولة الاحتلال وبقائها. وإلى اليوم، لا تزال دولة الاحتلال ترتبط بشبكة علاقات استراتيجية بالغرب تمثل الفضاء الطبيعي الذي تحتاجه أي دولة للبقاء، ورغم وجود مساحات اختلاف بين حكومة الاحتلال والحكومات الغربية، مثل قضية الاستيطان وحل الدولتين وانتهاك القوانين الدولية، إلا أن الغرب لا يضحي بانحيازه الاستراتيجي لدولة الاحتلال بسبب هذه الاختلافات.
لماذا يحرص الغرب على علاقته الاستراتيجية مع دولة الاحتلال؟ وما هي إمكانية حدوث تحول في هذا التوجه الغربي؟ وما حدود قدرة الحركة المناصرة للحقوق الفلسطينية في كسب مساحات في الغرب وإضعاف الدعم الاستراتيجي الغربي لدولة الاحتلال؟
هناك سبب تقليدي يطرح لتفسير الدعم الغربي لإسرائيل، وهو شعور الغرب بعقدة الذنب تجاه اليهود بسبب المحرقة التي اقترفها النازيون في أوروبا بحقهم في الحرب العالمية الثانية.. هذا الشعور بالذنب قاد إلى الرغبة في التكفير عنه عبر منح اليهود دولةً خاصةً بهم، وحماية هذه الدولة ومدها بأسباب البقاء كيلا تتكرر المأساة ثانيةً، وفي ضوء الصورة النمطية بأن إسرائيل محاطة ببحر من الأعداء العرب الذين يتحينون فرصة الانقضاض عليها وإبادتها، يتعزز الشعور في الضمير الغربي بضرورة استمرار الدعم للأقلية اليهودية المضطهدة وتقويتها؛ كي تكون قادرةً على حماية نفسها من أعدائها.
هذا السبب وجيه، لكنه لا يعطي تفسيراً كاملاً للدعم الاستراتيجي الذي تحظى به دولة الاحتلال من قبل أمريكا وأوروبا. فالغرب ذو سجل حافل من الجرائم ضد شعوب آسيا وأفريقيا في حقبة الاستعمار، وقد قتل ملايين الصينيين والهنود والعرب و الأفارقة، فلماذا لا يشعر الغرب بعقدة الذنب تجاه ماضيه الاستعماري ويكفر عن الأضرار التي ألحقها بالشعوب المستعمرة؟
هناك سبب تحظى به إسرائيل لم تحظ به الشعوب الأخرى التي نالها الأذى على أيدي الغربيين، وهو أن إسرائيل امتداد طبيعي للمشروع الاستعماري الغربي، فهي ولدت من رحم الاحتلال البريطاني لفلسطين، وقبل بريطانيا كان إنشاؤها حلماً في مخيلة القائد الفرنسي نابليون بونابرت. وإسرائيل هي الجسم الغريب الذي يشق الوطن العربي، ويبقي موطئ قدم للمنظومة الغربية في بلاد المشرق، ويثير القلاقل ويشغل العرب عن التوحد في مشروع أممي يقوي شوكتهم ويمكّنهم من منافسة الغرب والتفوق عليه. لذلك، فإن دعم الغرب لإسرائيل هو دعم الأب لابنه، وهذا ما يفسر تغاضي الغرب عن هفوات إسرائيل وعصيانها، فالوحدة العضوية تغفر الخلافات.
تتجلى الوحدة العضوية بين إسرائيل والغرب في تشابه المنظومة القيمية بينهما؛ في قضايا نظام الحكم السياسي والاقتصاد والليبرالية والحريات والمرأة والأسرة، وهو ما يخلق تجانساً شعورياً بين المواطن الغربي ونظيره الإسرائيلي في الوقت الذي يسود فيه نمط ثقافي مختلف في الشعوب العربية.
كذلك، فإن التفوق التكنولوجي والصناعي لإسرائيل يعزز رصيدها النفسي في العالم، فإسرائيل من أكثر دول العالم تطوراً في نظام الزراعة، وهي تصدر خدماتها الزراعية إلى 32 دولةً في العالم، وهي تحتل المرتبة الثالثة من حيث عدد الشركات المدرجة في بورصة ناسداك للتكنولوجيا، بعد الولايات المتحدة والصين، متقدمةً على دول عظمى مثل فرنسا وألمانيا، ومن بين أكبر 500 شركة في العالم؛ تمتلك ثمانون منها مراكز رئيسةً في إسرائيل مثل جوجل وفيسبوك وأبل.
هذا التقدم الصناعي يطبع وجود إسرائيل في العالم المتقدم، ويشجع النظر إليها بأنها شريك استراتيجي كونها تساهم بفاعلية في المنجزات الحضارية، ويعزز ارتباط مصالح العالم بها ويدفع إلى التغاضي عن سياساتها العنصرية الاحتلالية.
هل تعني هذه الأسباب أن انحياز الغرب إلى دولة الاحتلال قدر مقدور لا فكاك منه؟
الغرب غربان، فهناك الغرب الرأسمالي الذي يهتم بمصالحه الاقتصادية ويمثل امتداداً للحقبة الاستعمارية التي استعبدت الشعوب ونهبت ثرواتها؛ هذا الغرب متصالح نفسياً مع المشروع الاحتلالي الاستيطاني لإسرائيل، ولن يضعف انحيازه لدولة الاحتلال في ظل الحالة العربية الراهنة، لكن إذا شهد الوطن العربي إصلاحاً سياسياً ونهضةً اقتصاديةً، وبدأت الشعوب العربية طريقها نحو الاستقلال والإنتاج، فستتكون علاقات جديدة تعزز المسافة الفاصلة بين مصالح هذا الغرب ومصالح دولة الاحتلال؛ كون العرب صارت لديهم أوراق قوة يستطيعون استعمالها لكسب المواقف الغربية لصالحهم.

وهناك غرب المجتمع المدني الذي يهتم بالقيم والحريات وحقوق الإنسان، وتخرج منه مجموعات المناصرة للحقوق وتنشط فيه حركة المقاطعة الدولية.. هذا المجتمع المدني في الغرب إذا قوي أنتج سياسات منصفةً وعادلةً ومنحازةً إلى الحقوق المبدئية، وشكل عامل ضغط على المواقف الرسمية للانحياز إلى المبادئ وإدانة الأفعال اللا أخلاقية. وقد رأينا مثال هذه المواقف في المؤتمر الأخير لحزب العمال البريطاني، والمواقف القوية في الانحياز إلى حقوق الشعب الفلسطيني وإدانة الاحتلال الإسرائيلي.
ما هو الدور المطلوب فلسطينياً وعربياً لعزل دولة الاحتلال وجذب المناصرة العالمية لحقوقنا؟
إسرائيل تستمد شرعيتها من مناخ الخوف، فهي تستعمل الخطاب الأيديولوجي فزاعةً لإثارة العام وحشده لمناصرتها، وكلما نمت مخاوف العالم ساعد ذلك إسرائيل في إقناعه بأنها رأس الحربة في مواجهة التطرف، وأنها حارس بوابة منظومة القيم والحضارة الغربية. لذلك، فإن مصلحتنا تقتضي تعزيز الخطاب الحقوقي بدل الخطاب الأيديولوجي، وهو الخطاب الذي يركز على جوانب العدالة وحقوق الإنسان، ويظهر الممارسات العنصرية والاحتلالية القبيحة لدولة الاحتلال. فنحن لا نعادي إسرائيل لأنها تؤوي اليهود المضطهدين ولا بسبب مساهماتها الحضارية، إنما نعادي احتلالها واستيطانها، وممارساتها العنصرية القبيحة التي تناقض منظومة القيم الأخلاقية.
إن البرهنة المستمرة على انتهاكات الاحتلال للقيم الإنسانية وعلى ممارسته التمييز العنصري؛ هو الذي يسمح بنمو التيارات المناصرة لحقوقنا الفلسطينية، ويضعف من وضوح صورة الدولة المتقدمة العصرية التي تسوقها دولة الاحتلال لنفسها، ويسمح بنمو حركة المقاطعة ونزع الشرعية ويقوي حجة الآمرين بالقسط من الناس.

"عربي21"

 

 

رسالة إلى الشاب

الإسرائيلي هليل جارمي

أحمد ابو رتيمة

 

هليل جارمي هو شاب إسرائيلي يبلغ من العمر تسعة عشر عاما، وهو الآن داخل السجن بسبب رفضه أداء الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال؛ احتجاجا منه على جرائم هذا الجيش ضد المدنيين الفلسطينيين في مسيرة العودة.

كتب هليل رسالة بين فيها دوافع اتخاذه قرار رفض الخدمة العسكرية، جاء فيها:

"
هذه السنة، وفي وقت موجة المظاهرات غير المسلحة التي أقيمت بجانب جدار قطاع غزة، قمت بقراءة ما كتبه أحد مبادري المظاهرات أحمد أبو رتيمة، وأثر بي وجود أشخاصٍ يفضلون التعامل مع الوضع القائم بين النهر والبحر بدون رفع السلاح. وأنا مثلهم، أؤمن بالعصيان المدني.

عندما كنت أصغر سنا لم أكن أعتقد أن الجيش هو فقط واجب بديهي، وإنما قمة كل الطموحات؛ رغبت في الانضمام إلى وحدة مقاتلة مميزة بقدر ما أستطيع. ولكن كلما كبرت سنا، واطلعت على الوضع الموجود بين البحر والنهر، فهمت أنني لن أستطيع القيام بذلك.

لن أستطيع الانخراط لأنني تربيت منذ أن كنت صغيرا على الإيمان بأن جميع البشر يولدون سواسية. لا أؤمن بأن هناك أي قاسم مشترك لجميع اليهود يفصلهم عن جميع العرب. لا أؤمن بأنه يجب أن أحصل على معاملة مختلفة عن طفل ولد في غزة أو جنين، وأنا لا أؤمن بأن أسى أو فرح أحدنا أكثر أهمية من تلك لدى الآخر. ومن هذا الإيمان استوجب عليّ أن أسأل نفسي، ما هو الأمر الجيد لكل من يعيش بين البحر والنهر؟ ثلاثة ملايين مواطن في الضفة الغربية وشرق القدس يعيشون تحت احتلال عسكري أو ضم مفروض مستمر لأكثر من نصف قرن. مليونا مواطن في قطاع غزة ما لبثوا أن تحرروا من الاحتلال، وإذ بهم يعيشون تحت حصار عسكري منذ عقد ونيف؛ تديره إسرائيل من اليابسة والبحر والجو. لا يمكن تبرير هذه السياسة بأيديولوجية ترى جميع الناس على أنهم سواسية.

لا يمكن تبرير هذه السياسات لأن نظام إسرائيل هو نظام ينتخبه ثمانية ملايين مواطن، ولكنه في الواقع يحكم ثلاثة عشر مليونا. يتم اتخاذ القرارات الأكثر أهمية لحياة سكان قطاع غزة والضفة الغربية من قبل الحكومة الإسرائيلية. هي تقرر مَن مِن سكان غزة يستطيع الدخول والخروج، هي تقرر ما الذي يستطيعون استيراده وتوريده، هي تقرر متى يكون لديهم كهرباء، أين يمكنهم الصيد وفي أية مناطق داخل القطاع لا يستطيعون التجول. حكومة إسرائيل تقرر من أين، وإلى أين يستطيع سكان القطاع السفر، هي تقرر أي أراض يستطيعون استصلاحها، وهي تستطيع أن تقرر باعتقال كل واحد في أية لحظة. هذا الأمر الصواب الوحيد الذي أستطيع القيام به؛ لأنني غير مستعد لخدمة نظام غير ديمقراطي كهذا.

أنا أعي تماما أن كل دولة تحتاج إلى جيش للدفاع عنها، لكن لا يمكنها تبرير كل استعمال للجيش بهذا الادعاء، ويجب أن يكون لكل نظام حكم خطوط حمراء، بحيث لا يمكننا دعمه إذا عبرها. أنا أعتقد أنه بعد أكثر من خمسين عاما من الاحتلال، فإن خطوطي الحمراء تم عبورها بكل تأكيد. على الرغم من أن قراري الأولي كان قرارا شخصيا بعدم الانخراط لكي لا أكون جزءا من تصرفات الجيش، إلا أنني قررت خلال السنة الأخيرة أن أرفض بشكل علني. قررت القيام بذلك لأنني أؤمن أنه يمكن للعصيان المدني أن يؤدي إلى تغيير، وإلى الوصول إلى إحساس العدالة لدى الطرف الذي يحصل على حقوق أكثر بين البحر والنهر. يتم استعمال العصيان المدني عادة عندما يفقد النظام المصدر الشرعي لسلطته. وأنا أعتقد أنه بعد خمسين عاما ونيف بدون ديمقراطية، فإن النظام بين النهر والبحر قد فقد هذا المصدر. أنا أعتقد أن موجة المظاهرات قرب جدار القطاع، وردة فعل الجيش الإسرائيلي، حولت هذه الطريقة لتصبح ذا صلة بشكل أكبر اليوم بشكل خاص، ولذلك قررت، مثل هؤلاء المتظاهرين أن أقوم بالعصيان المدني".

* * *

شعرت بضرورة تعزيز هذا الموقف الأخلاقي لهذا الشاب الإسرائيلي الذي انتصر فيه انحيازه للحق والعدل على قوة ضغط المجتمع الذي نشأ فيه، لذلك أرسلت إليه رسالة ستسلم إلى يده فور مغادرته السجن، جاء فيها:

عزيزي هليل:

إن قوة المواقف الأخلاقية لا تقاس بما تمثله من رأي الأغلبية، بل تقاس بميزتها الذاتية. وعلى مدار التاريخ، كان أصحاب المواقف الأخلاقية هم الأثقل في الميزان والأعظم إلهاما، حتى لو كانوا وحدهم في مواجهة التيار السائد، ذلك أن الإنسان حين يقرر أن يتخذ موقفا أخلاقيا، فإنه يحقق جوهره الإنساني ويتصالح مع الرسالة التي من أجلها خلقنا في هذا الكوكب، وإن كلفه ذلك التضحية بشيء من راحته وهدوئه الشخصي.

لقد قرأت رسالتك واستمعت إلى حديثك في تسجيل اليوتيوب، فأشرق الأمل في قلبي بأن هناك نواة لتأسيس واقع أكثر عدالة وإنسانية في حدود ما بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط؛ واقع لا يستمد شرعيته من عدد الذين يثقون بإمكانية تحقيقه حاليا، بل يستمد شرعيته من أنه الخيار الأكثر اقتصادية والأقرب إلى مبادئ الحق والعدل، والمستند إلى احترام الإنسان وليس إلغاءه. هذا الخيار من شأنه أن ينهي المظلمة التاريخية الواقعة على الشعب الفلسطيني، وفي ذات الوقت يراعي مخاوف الأجيال الجديدة في المجتمع الإسرائيلي التي ولدت فوجدت نفسها في واقع معقد، وفي رقعة جغرافية مضطربة محرومة من الأمن والسلام.

إن الفلسطينيين لن يستطيعوا إلقاء الإسرائيليين في البحر، وإن الإسرائيليين لن يمكنهم إلغاء حقيقة أن هناك أكثر من عشرة ملايين فلسطيني لا يزالون يحلمون بيوم ينالون فيه حريتهم، ويعودون إلى ديارهم التي هجروا منها قسرا عام 1948. هنا لا يبدو أمامنا سوى خيارين لا ثالث لهما: إما أن نبحث عن صيغة توافقية تقوم على أساس العدالة وحقوق الإنسان والمساواة، وإما أن نستمر في حالة اللااستقرار سبعين عاما أخرى.

عزيزي هليل:

لقد نشأت في قطاع غزة الذي لجأ إليه جدي بعد أن هُجر قسرا من بلدته الأصلية الرملة. أغبطك أنك تستطيع أن تزورها بسهولة في الوقت الذي لم أتمكن فيه من تجاوز حاجز بيت حانون مرة واحدة في حياتي.

تفتحت عيناي منذ سنوات عمري الأولى على مشاهد جنود إسرائيليين يطلقون الرصاص الحي على جيراني وأقاربي، ويعتقلونهم ويهدمون بيوتهم، ويفرضون منع التجول الذي كان يحبسنا أياما طويلة تصل أحيانا شهرين في بيوتنا. بعد أن كبرت ارتفعت وتيرة العنف أكثر، فلم تعد البيوت تهدم بالجرافات إنما بقنابل طائرات "إف 16"، وصار القتلى بالآلاف بعد أن كانوا بالمئات، وصارت الدبابات تتجول في حيّنا بدل الجيبات العسكرية.

في عام 2005 أعاد جيش إسرائيل انتشاره حول قطاع غزة، ففرض حصارا مشددا، وأغلق المعابر ومنع الفلسطينيين من حرية السفر برا وبحرا وجوا. وطوال هذه السنوات شن ثلاث حروب، ذهب ضحيتها أكثر من 3500 فلسطيني.

لقد تعلمت في المدرسة قانون إسحاق نيوتن الذي يقول إن لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه، والواقع يقول إن الشعب الفلسطيني منذ سبعين عاما يمارس ضده التهجير والاحتلال والاستيطان والقتل والاعتقال والحصار.. فهل يتوقع بعد ذلك أن تجني الحكومة الإسرائيلية أمنا واستقرارا! نعم إن الشعب الفلسطيني هم الطرف الأضعف عسكريا وسياسيا، ولكن بقاءهم في هذه الأوضاع المنافية للعدل وحقوق الإنسان وانعدام الأمل؛ سينتج بالتأكيد ردة فعل متمثلة في تعزيز حالة اللااستقرار، وحرمان دولة إسرائيل من أن تعيش مثل الدول الطبيعية وتكرس طاقاتها للإنتاج العلمي والازدهار الاقتصادي.

عزيزي هليل

نحن اليوم في عام 2018، حيث لم يعد الوعي الإنساني قادرا على تفهم كلمات مثل الاضطهاد العنصري والاحتلال وإذلال شعب لشعب آخر. إن العالم اليوم يتجه ليكون أكثر انفتاحا وتشبيكا في علاقاته الثقافية والاقتصادية، وإن الجدران الفاصلة بين الشعوب والثقافات تتحطم، وإن بقاء دولة تقيم جدرانا إسمنتية عالية لتحبس خلفها مجموعات عرقية أخرى يبدو مشهدا منكرا وغير قابل للاستمرار.

أعتقد أن الحل قريب ومتاح، وهو لا يحتاج أكثر من شجاعة المبادرة وتأسيس منظور جديد للتعامل؛ بعد أن فشلت الحلول التقليدية في تحقيق تسوية عادلة.. دعونا نناضل سويا من أجل حقوق الإنسان، ومن أجل دولة ديمقراطية لكل مواطنيها، ومن أجل أن يتعايش الفلسطينيون والإسرائيليون على أساس الحق والمواطنة والمساواة؛ لا على أساس التفرقة العنصرية.

أعلم أن هذا الخيار سيواجه عقبات كثيرة، لكنه خيار يستحق أن يحتشد كل الأحرار للنضال في سبيله، وأن نسخر سنوات أعمارنا المحدودة لتقريب تحقيقه، فهو الخيار الأكثر إنسانية وعدالة، بل والأكثر واقعية؛ لأن أيا من الفلسطينيين والإسرائيليين لن يتمكن أحدهم من محو الآخر من الوجود. وقد تعلمت من القرآن أن الأفكار النافعة لكل الناس تمكث في الأرض، أما الزبد فيذهب جفاء..

"عربي21" لندن

 

 

اليقظة الفكرية سبيلا للإيمان

أحمد أبو رتيمة

 

ينطلق التصور النمطي للإيمان من أنه يتعلق بشؤون الغيب المفارقة للعالم المادي، هذا التصور قاد إلى خطوة في الاتجاه الخاطئ، وهو أن النشاط الفكري هو جهد دنيوي لا قيمة دينية له، ومن ثم نتج عن هذه التصورات ولادة مدرستين منفصلتين، وهما مدرسة التفكير المادي الذي ينشط فيه المتنورون، ومدرسة أخرى موغلة في الغيبيات والبشارات التي لا تستند إلى مقدمات علمية منطقية؛ ينشط فيها فريق من المتدينين الذين يغالون في التعويل على التدخلات الغيبية إلى حد الزهد في الأسباب المادية، بل واعتبار الثقة بها قدحا في اليقين الإيماني.

كيف يمكن أن نجسر الهوة بين المعنى الإيماني الذي يعول على قوة غيبية تتدخل للتأثير في الأحداث، وبين التفكير المادي الذي يؤمن بأن الطبيعة محكومة بقوانين وأن المقدمات المعلومة تقود إلى نتائج محتومة؟ هل صحيح أن التفكير المادي هو شأن العلمانيين واليساريين، وأن الإيمان يقيد أصحابه برؤية غيبية منفصلة عن الواقع؟

الإيمان ليس بديلا للتفكير المادي بل هو تغذية له وسد للفراغ الذي لا يستطيع الفكر المادي ملأه. الإيمان يمنحنا الطاقة الروحية في طريق الإعداد والبناء المادي ولا يبرر الكسل الفكري؛ لأن النجاح في الحياة مشروط بفهم سننها واتباعها، وسنن الله لا تحابي بين مؤمن وكافر، ومن حاد عن هذه السنن عوقب: "وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق".

ثمة مخيال أسطوري لفكرة الوحي، وهو أن الوحي كان يتنزل على النبي محمد آناء الليل وأطراف النهار بحلول تفصيلية لكل ما يواجهه في حياته، هذا المخيال أضر بفرص ولادة الفكر العقلاني، وأسقط أهمية الجهد البشري في حياة النبي.

سيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام كانت نموذجا كاملا للنجاح البشري بالأسباب الطبيعية، فهو بدأ مستضعفا، وكان يختبئ وأصحابه خشية أذية قريش، وهاجر متخفيا عن أعين قومه الذين يلاحقونه. وكما أنه انتصر في بدر، فإنه أصيب في أحد. وكان يطلب مشورة الناس وينزل عند رأيهم، وكان يتألف قلوب سادة القبائل ليقوي بهم كيان الدعوة، وكان يستمع لآراء الخبراء، مثل سلمان الفارسي في حفر الخندق، وكان يقدر موازين القوى السياسية ويقرر وفق مقتضاها، كما هو بيّن في صلح الحديبية الذي قبل فيه بشروط قريش القاسية، وكان يهدف من توقيع ذلك الاتفاق إلى نيل شرعية الاعتراف السياسي.

إن قراءة سيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام تظهر بوضوح أنها قصة بنيت وفق سنن الاجتماع والتاريخ، لا بأنها سلسلة من المعجزات والخوارق، بل إن آية محمد الدالة على نبوته كانت آية عقلية لا معجزة حسية: "أوَ لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم".

وكان القرآن يرفض إجابة مطالب قريش بمعجزات حسية مثل أن يفجر لهم النبي من الأرض ينبوعا أو تكون له جنة يأكل منها أو يرقى في السماء، كان النبي يجيبهم: "سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا". وكأن القرآن يوقظ في الناس العقل والتفكير، وليس يأخذهم إلى عالم المعجزات والأساطير.

يقول الفيلسوف الباكستاني محمد إقبال في كتاب "تجديد التفكير الديني":

إن إبطال الإسلام للرهبنة وتوريث الملك، ومناشدة القرآن العقل والتجربة باستمرار، وإصراره على أنّ النظر في الكون وأخبار الأولين باعتبارها مصدرا رئيسا للمعرفة، كل ذلك يقدم صورا مختلفة لانتهاء النبوة. فكرة انتهاء النبوة لا تعني أن العقل سيحل محل الشعور بشكل نهائي، إنه أمر غير ممكن، ولكن فكرة انتهاء النبوة تنزع العصمة عن أي فكرة تتدثر بالغيب وتخضعها للخبرة والتجربة".

إن القرآن ينبه إلى أن النظر في الكون وأخبار الأولين هي آيات دالة على الإيمان: "وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون".. "قل انظروا ماذا في السماوات والأرض".. "وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون".. "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين". وكما أن الله تعالى أنزل الكتاب المسطور، فهو الذي خلق الكون المنظور، والله تعالى لا يتكلم إلينا في الكتب السماوية وحدها، فهذه مدادها محدود، بل إنه يتكلم إلينا عبر سنن الكون وأحداث التاريخ وعواقب الأمور، فهذه كلمات الله التي لا تنفد: "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا".

هنا يتسع المعنى الديني ليتجاوز النصوص المنقولة إلى أفق أوسع، فكما أن المؤمن يقدس النصوص المنقولة، فإن مقتصى إيمانه يفرض عليه أن يقدس سنن الله في الكون وأن يفقهها ويعمل بمقتضاها: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى".

هنا لا تصبح دراسة التاريخ أو تفكيك الظواهر الاجتماعية أو تحليل النظم الاقتصادية عملا دنيويا، بل هي عمل ديني؛ لأنها تدبر ونظر في آيات الله في خلقه، واتباع لسننه.

إن الله تعالى يشير إلى إهلاك الظالمين في الأمم السابقة بمعجزات مثل الطوفان والخسف والصيحة، لكن سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم التي كانت إعلانا لختم النبوة وولادة العقل الاستدلالي، كما يقول محمد إقبال، مثلت نموذجا مغايرا، فانتصاره على أعدائه كان وفق سنن التدافع الاجتماعي والسياسي الطبيعي، والتي توجت بفتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا. والقرآن يزحزح عقولنا عن سيطرة المعجزات بإظهار أوجه جديدة للتدخل الإلهي عبر السنن الطبيعية، مثل قوله: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم"، وقوله: "قُلْ هوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآْيَاتِ لَعَلَّهمْ يَفْقَهونَ"، وقوله: "وَضَرَبَ اللهَّ مَثَلا قَرْيَة كَانَتْ آَمِنَة مُطْمَئِنَّة يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهَّ فَأَذَاقَها اللهَّ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يصنعون".

إن ما تلاقيه المجتمعات البشرية اليوم من الحروب والتفكك الاجتماعي ولباس الجوع والخوف؛ هي أوجه للتدخل الإلهي الذي تدفعه البشرية ثمنا لحيدها عن سبيل الله أي حيدها عن العدل والاستقامة والسلام.

يحاول بعض المتحمسين للدين بغير علم إثبات عظمة الله عبر الترويج لقصص غرائبية، مثل أن مولودا كتب على جسده لفظ الجلالة، أو أن إعصارا دمر المدينة وترك المسجد، أو أن رجلا صالحا لم يتحلل جسده بعد الموت، لكن القرآن يسير في وجهة معاكسة، فهو يثبت عظمة الله من خلال القوانين المادية الطبيعية، مثل أن الله خلقنا في الأرحام، وأن حياتنا تتبدل من ضعف إلى قوة إلى ضعف وشيبة، وأن الله يوقظنا من النوم، وأنه خلق لنا السمع والبصر، وأنه جعلنا شعوبا وقبائل، وخلق لنا من أنفسنا أزواجا، وجعل لنا بنين وحفدة، وجعل النهار معاشا والليل لباسا، وأنه ينزل المطر ويرسل الرياح، وأنه يحيي العظام وهي رميم.

هذه الآيات التي تنبهنا إلى الظواهر الطبيعية تمثل التوجه الرئيس في القرآن، والمعنى هو أن الإيمان ليس معجزات أو خرقا للمألوف، بل هو تفتيح أبصارنا لرؤية الحياة الطبيعية من حولنا، وإزالة حجب الغفلة والغشاوة التي تميت فينا حاسة الاندهاش، فيصبح العادي والطبيعي طريقا إلى الله، كما يقول في ذلك فيلسوف فرنسي: "إن أكبر المعجزات ليست أكثر إعجازا من العادي".

الإيمان ليس تسليما أعمى أو انفصالا عن العقل، بل هو فتح لمنافذ السمع والبصر والفؤاد واتباع سلطان البرهان. والإيمان هو التصديق بالدليل، أي إن الإيمان يجب أن يقوم ابتداء على موقف علمي وهو اتباع مقتضى العقل، فنقطة الافتراق الأولية بين الإيمان والكفر هي إعمال العقل أو تعطيله، لذلك فإن الكفر في السياق القرآني هو تغطية الحقيقة من بعد تبين الآيات، والذين كفروا هم الذين أصموا آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا وجحدوا، وفي النار يقولون: "لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير". ويحدثنا القرآن عن وصف أصحاب النار بأنهم: "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ولهم أعين لا يبصرون بها".

المؤمن في القرآن نشط فكريا بالضرورة؛ لأنه دائم النظر في السماوات والأرض والتفكر في قصص الأولين، بينما الكافر هو المتبلد فكريا: "ما نفقه كثيرا مما تقول".. "وقالوا قلوبنا غلف".. "ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قال الذين في قلوبهم مرض للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم".

يتجاوز الإيمان عالم المادة، لكنه لا يتجاوزه إلا عبر العلم والعقل والبرهان، فكل ظن ووهم وخرافة فهو إلى الكفر أقرب وإن زعموا نسبته إلى الله وألبسوه لباس الدين.

"عربي21"

 

 

 

هل بقي للدين

ما يضيفه للإنسانية؟

أحمد أبو رتيمة

يقوم عماد النظرة المادية المنكرة لإلهية الدين على أن الدين نشأ في سياق تاريخي بدافع خوف الإنسان، فالخوف أول أمهات الآلة، حسبما جاء في موسوعة قصة الحضارة، إذ كان الإنسان في الحياة البدائية خائفاً من الموت والمرض فاخترع آلهةً يلجأ إليها، كما أنه في ظل سيادة الجهل وعدم قدرة الإنسان على تفسير الظواهر الطبيعية، نشأت الأساطير والتفسير الغيبي للألغاز، وتقود هذه النظرة أن الإنسان اليوم بعد أن اكتشف قوانين الطبيعة وتقدمت معارفه لم يعد يحتاج إلى الدين، فهو قادر أن يحيا بالعلم وأن يجد حلولاً لمشكلات حياته.

ثمة خلط في التفسير المادي لظاهرة الدين يقوم على إغفال الفرق بين الجوهر الداخلي للإنسان وبين حياته الخارجية، فكما أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فإنه ليس باختراع الطائرة والحاسوب والهاتف، ولا بتطوير الطب والعلاج، ولا بمضاعفة الإنتاج وحده يقنع الإنسان.. إن كل هذه المخترعات العظيمة تيسر الحياة المادية وتزيد من تسخير الطبيعة له، لكنها لا تسبر أغواره الروحية، ولا تكفي لملء نفسه بالسكينة والطمأنينة وأرقام الكآبة والانتحار وقتامة الوجوه في عصر العيش الرغيد وبسط الرزق؛ برهان واضح على أن ثمة أمراً ينقص الإنسان.

إن وفرة الأشياء يسرت حياة الإنسان، لكنها لم تجلب له الطمأنينة والسكون. لقد سلب التطور التقني روح الإنسان، فما يكاد يشتري جهازاً جديداً حتى ينزل إلى السوق إصدار أحدث، فيلهث وراءه مخدوعاً بميزاته الجديدة وتستمر هذه اللعبة المميتة بلا نهاية، ويظل الإنسان مستلباً لاهثاً طوال حياته.

في جيل آبائنا لم يكن الإنترنت قد غزا المجتمعات، وكان التلفاز يقتصر على أقل من خمس محطات أرضية، لكن إرادة القراءة والثقافة كانت أكبر، فكان الكتاب الواحد يدور بين العشرات من أبناء الحي؛ يقرؤه أحدهم بنهم ثم يعطيه لغيره ويبادله بكتاب آخر، وكانت مشاهدة التلفاز تتم بتركيز أكبر، إذ تجتمع العائلة لمشاهدة برنامج أو مسلسل حتى  نهايته. لكن في ظل طوفان المعرفة اليوم في الإنترنت والتلفاز، فإن الإنسان لا يكاد يصبر على إتمام مقالة أو متابعة برنامج حتى النهاية.

يقول سيكار إن الزمن الصناعي المتواصل لا يدع على الإطلاق للإنسان المنعزل أن يواجه نفسه..

إن افتراض أن التاريخ يسير في اتجاه تطوري بحاجة إلى تدقيق أيضاً، فحاجة الإنسان إلى الأمن والطمأنينة والسلام ومحنته الوجودية مع الخوف والحزن والعداوة هي ثوابت جوهرية في هذا الكائن، وإن الخوف الأعظم الذي ابتلي به الإنسان ليس خوفه من الوحوش في الزمن البدائي، بل خوفه الوجودي النابع من شعوره بالانقطاع عن مصدره وقلقه من المجهول الذي يحيط به، وبذلك تتبدى سطحية استنتاج إمكانية تجاوز الدين في زمن العلم والحضارة. فالربط بين لجوء الإنسان إلى التدين وشعوره بالخوف هو ربط معقول، لكن خوف الإنسان الذي يلجئه إلى الدين هو خوف وجودي لن يعالجه تقدم العلم أو تيسر الأدوات، إنه خوف نابع من الانقطاع عن المصدر الكلي المطلق للحياة و الرحمة والسلام. لذلك، فإن الدين وحده هو القادر على تحقيق الطمأنينة والأمن للإنسان؛ لأنه يحميه من الشعور بالعبثية والضياع، ويعطي لحياته معنىً، ويقدم له إجابات شافيةً عن خلقه ومصيره، ويشعره بالراحة بأنه لم يخلق سدىً ولن يترك عبثاً، وأن هذا الكون محكوم بميزان أخلاقي دقيق، فلا يضيع إحسان محسن ولو كان مثقال ذرة، ولا يفلت ظالم من ظلمه مهما عظم سلطانه وامتد ملكه: "فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون".

الدين ليس في موضع تنافس مع العلم، فالعلم يتعلق بالكيفيات ولا يجيب عن الغايات. إن العلم يفسر أسباب سقوط الإمبراطوريات وتحلل الحضارات، لكن الدين يظهر العظة الروحية في هلاك الأمم ويدعونا إلى الاعتبار وتمثل النفس؛ لأن القانون الذي أهلك الأولين لا يزال ساري المفعول في الآخرين. إن العلم ينظر إلى الطبيعة من مسافة فاصلة، وينظر إليها أنها مادة جامدة، لكن الدين يعزز سلطة الإنسان عبر الربط بين أفعاله ومصيره، العلم قد يخلص إلى أن حضارةً بادت بالصدفة بسبب قسوة الطبيعة، لكن الدين يقول هو من عند أنفسكم، إنه يوجه الاهتمام إلى عالم الأخلاق، وينبه الإنسان إلى قدرته على تغيير مصيره بتغيير نيته وفعله. إن الطبيعة وأحداث التاريخ في ميزان الدين نابضة بالحياة؛ تتشكل وفق قرار الإنسان ولا تمارس عليه قهراً جبرياً.

التقدم العلمي يوفر أسباب الراحة للوجود الإنساني، لكنه لا يجيب عن أصل الموضوع وهو لماذا وجد هذا الإنسان.

هل وجد ليخترع ويكتشف ويقيم البنيان والعمارة؟ وماذا بعد أن يفعل كل هذا ثم يموت؟ هل يتحول إلى فناء مثله مثل التراب وكأن شيئاً لم يكن؟

إن كان الفناء هو القانون الحتمي للإنسان، فمن أين جاءت في داخلنا هذه الأشواق الخالدة للسلام والحب والخلود؟

الشعور بالعطش في داخلنا يدل على وجود الماء، ماذا لو أننا نشعر بالعطش ولا يوجد في الطبيعة ماء؟

إذا كان الشعور بالعطش منبهاً طبيعياً لنا للبحث عن الماء الذي هو موجود، والشعور بالرغبة بالجنس منبه طبيعي للبشر كي يتزاوجوا ويحافظوا على نسلهم من الانقراض، ألا يفترض بنفس المنطق أن تكون أشواق البشرية وأحلامها وخيالاتها لعالم الكمال والعدالة والسعادة المطلقة والخلود والسلام هي منبهات طبيعية أودعها الله في داخلنا لتستفزنا للشوق والعمل من أجل ذلك العالم الموجود حقاً؟

يعطي الدين معنىً للعمل الصالح والخلق الكريم. سيجادل الماديون هنا بأن الأخلاق حاضرة خارج دائرة الدين، وكم من ملحد مرهف القلب عظيم الإحسان.

تتمثل إضافة الدين الرئيسة في أنها تحفظ العمل الأخلاقي من الضياع عبثاً، لقد فني ذلك الرجل الذي كان يساعد الأيتام والفقراء قبل مئة عام، وفني أيضاً ذلك الرجل الذي كان يقتل ويفسد في الأرض قبل مئة عام، الدين وحده هو الذي يحررنا من هذه العبثية: "ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى".

إذا كان الدين ليس منشئاً للأخلاق ابتداءً، فهو معزز لها ومكافئ لأصحابها، وهو الذي يحقق العدل في التفريق بين الإحسان والإساءة. إن إسقاط الدين من حياة البشر يفقد الأخلاق جدواها، ففي لحظة حسابات مادية سيفكر الإنسان ما الذي سيدفعه لمواصلة الاستقامة في عالم يتفوق فيه الأشرار. إن الإيمان بالجزاء وبالإله الرحيم السميع البصير هو الذي يبث الطمأنينة في نفوس المؤمنين أن عملهم الصالح لن يذهب سدىً. قد يسقط فريق من المتدينين بدورهم في الاختبار، لكن بقاء الميزان صحيحاً يحفظ الحياة من العبثية، فالمحسن لن يكون مثل المسيء سواءً محياهم ومماتهم.

يعطي الدين الأخلاق تحديداً ووضوحاً فلا تبقى رهناً للمزاج القابل للتغير، إن الأخلاق بدون تحديد لن تكون كاملةً، أما الدين فهو يعطينا البوصلة الأخلاقية الكاملة، إذ يوجهنا كيف نتعامل في الغضب، وفي الرضى في الحزن، وفي الفرح مع من أحسن إلينا ومع من أساء إلينا، ينهانا عن الغيبة وعن السخرية وعن الجدال إلا بالتي هي أحسن، وألا نقول إلا التي هي أحسن لأن الشيطان ينزغ بيننا.

هذه الأخلاق التي يدعو الدين إليها توجد في حياة الناس بدافع الفطرة، لكنها تكون انتقائيةً ومبعثرةً بينهم، أما الدين فيجمع هذه الأخلاق كلها في منظومة واحدة متكاملة ويضفي عليها بعداً غائياً بربطها بالثواب الإلهي، ويوجد حداً قانونياً أدنى يلتزم به الإنسان حين تتشوش فطرته أو حين يغلبه الغضب.

الدين باق بقاء الإنسان؛ لأنه يعالج مشكلاته الوجودية التي لن تنفصل عنه ويمنحه الطمأنينة ويروي أشواقه الروحية ويوجد السلام الداخلي في قلبه. العلم يسخر الطبيعة للإنسان ويسهل حياته، لكنه لن ينفذ إلى كينونته ولن يعالج اغترابه الوجودي، واليوم في عصر الحضارة والتقدم ترجع أعداد متزايدة من الناس إلى ندائها الروحي، كما يقول في ذلك دانيال بينيك صاحب كتاب "عقل جديد كامل":

"
اذهب إلى أي مجتمع مزدهر إلى حد ما في الدول المتقدمة، وإلى جانب فرص التسوق العديدة يمكنك أن تلمح تجسيداً لمطلب السمو يتمثل في الإقبال الشديد الذي أصبح شائعاً على ممارسات كانت غريبةً ذات يوم، مثل اليوجا والتأمل، إلى ازدياد الاهتمام بالروحانية في أماكن العمل والموضوعات الدينية في الكتب والأفلام.. أصبح السعي من أجل الغاية والمعنى جزءً مكملاً لحياتنا".

يتضمن الدين تشريعات تعالج ظروفاً تاريخيةً محددةً، بعض هذه التشريعات يمكن للعلماء إعادة النظر فيها في ضوء مقاربات جديدة إذا تغيرت ظروف تشريعها في ضوء العلل والمقاصد الكبرى للدين، لكن إعادة النظر في تشريعات تفصيلية معللة بسياقات تاريخية محددة لا يبرر التشكيك في أصل الدين، فالدين في جوهره هو القضايا الكبرى التي يعالجها من إيمان بالله واليوم الآخر، وثواب المحسن وعقاب المسيء، وتجاوز لمحدودية الحياة الدنيا ونفاذ إلى عالم الغيب الواسع اللا نهائي، والحديث عن انتهاء مهمة الدين يحتمل وجاهةً حين يكون الحديث ممكناً أن الإنسان لم يعد يحتاج إلى الصدق والأمانة والحب والعدل والإحسان والسلام؛ لأن هذه المعاني كانت قبل خمسة آلاف عام.

"عربي21"

 

 

في الحاجة إلى تعزيز

الخطاب الحقوقي الفلسطيني

أحمد أبو رتيمة

ثمة فرضيات تحكم تفكير الحالة الشعبية الفلسطينية، مثل أن حقوقنا معروفة لا تحتاج إلى تبيان، وأن العالم يعرف الحقيقة لكنه يتآمر علينا، وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وأن ألفي قذيفة من كلام لا تساوي قذيفةً من حديد.. هذه الفرضيات تخلق زهداً في صياغة خطاب إعلامي منطقي يستند إلى الحقائق، ويسلط الأضواء على جرائم الاحتلال، ويكرس صورته بأنه كيان نشاز يمارس الاحتلال والاضطهاد العنصري، ويقترف جرائم مروعةً بحق الإنسانية.

إن مروراً سريعاً على نوعية الخطاب الإعلامي الفلسطيني السائد؛ يكشف أنه خطاب يميل إلى التفريغ العاطفي أكثر من الإقناع المنطقي. نحن نتحدث بصوت عال، ونجيد خطابات المهرجانات، ونتوعد الاحتلال بأن نرد له الصاع صاعين وأن نسحقه، وأننا نملك جيشاً في مقابل جيشه، لكننا لا نشعر بإلحاح الحاجة إلى التأثير في الوعي العالمي عبر إبداع أنشطة إعلامية وفنية ونضالية؛ تكرس صورة الحق الفلسطيني وتحرم الاحتلال من صورة الدولة النظامية المستقرة التي تواجه جماعات مسلحةً تهدد أمنها، وتصوره على حقيقته بأنه دولة احتلالية عنصرية مقيتة؛ تمارس التهجير والاستيطان والتطهير العرقي ضد السكان الأصليين.

 


في الأشهر الخمسة الأخيرة لنا عبرة، فقد بدا ارتباك الاحتلال واضحاً في تغطيته الإعلامية قبل بدء مسيرة العودة الكبرى، ولهذا الارتباك أسباب، لعل من أهمها أن فكرة مسيرة العودة تقفز عن كل التفاصيل والتشعبات، وترجع النقاش إلى أصل المشكلة.. إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. وقد بلغ استشعار الاحتلال خطورة القضية التي تطرحها مسيرة العودة أن دفع شخصيةً بوزن آفي ديختر، وزير الأمن الداخلي السابق، للخروج بخطاب باللغة العربية يلوم فيه الشعب الفلسطيني على عدم القبول بقرار التقسيم عام 1947، ويبرر النكبة بأنها كانت النتيجة الطبيعية لمعاندة الفلسطينيين لقرار الأمم المتحدة. إن تحويل النقاش إلى جذور المشكلة في ذاته هو مكسب وطني فلسطيني، ومأزق حقيقي لمشروع الاحتلال الذي يواجه معضلة الشرعية.

 


تجد دولة الاحتلال راحتها في مربع 
المواجهة الأمنية؛ لأن من السهل عليها أن تنتصر في هذا المربع عبر تسويق نفسها بأنها الدولة المستقرة المزدهرة التي تدافع عن أمن مواطنيها، كما تفعل كل دول العالم! لكنها لن تستطيع أن تقول إنها تفعل مثل كل دول العالم حين تواجه قضية عودة اللاجئين؛ لأن هذه القضية رابحة حقوقياً بشكل كامل، وهي تستند إلى مواثيق وقرارات دولية تضعف موقف من يواجهها. إن مجرد وضع هذه القضية على الطاولة وإثارتها إعلامياً مربك لدولة الاحتلال؛ لأنه يهز ثقة مواطنيه الوجودية، ويشعرهم بأن الاستقرار في هذه الأرض موضع شك وتساؤل، ويغذي فيهم الخوف من المجهول.

لقد مثلت بداية مسيرة العودة فرصةً لإعادة الحيوية إلى المشروع الوطني الفلسطيني؛ عبر تغيير صورة الصراع من كونه "توتراً أمنياً بين طرفين" إلى كونه نضالاً حقوقياً مشروعاً يستند إلى القرارات الدولية، ويطالب أهله بحقوقهم الطبيعية في الحياة والحرية والعودة إلى بلداتهم التي هجروا منها قسراً.


وصورة النضال الحقوقي المشروع لا يملك أحد في العالم إلا احترامها، لذلك فإن العديد من المواقف الدولية في بداية مسيرة العودة كانت تصب في اتجاه احترام حق المتظاهرين السلميين في التعبير عن آرائهم، وقد تلقينا في الجهة الداعية إلى مسيرة العودة قبل بداية مسيرة العودة بثلاثة أيام رسالةً من مدير الأونروا في قطاع غزة، ماتياس شمالي، قال فيها: "إن أونروا تدعم حق الفلسطينيين بالتجمع السلمي والاحتجاج اللا عنيف، وإن مسيرة العودة يمكن أن تتحول إلى مبادرة قوية". والشاهد في رسالته وغيرها من المواقف الدولية التي أدانت ارتكاب جيش الاحتلال المذابح بحق المتظاهرين السلميين أن النضال الحقوقي لا يكسب تأييد الحلفاء السياسيين وحسب، بل إنه يمتلك القدرة أيضاً على تجنيد دعم الجهات الدولية المهنية؛ كونه نضالاً خالصاً من الشبهات و الاختلاط.   

لكن رواية دولة الاحتلال تتغذى في حقل التوتر الأمني، وليس في حقل النضال الحقوقي الواضح، لذلك فقد كرست الآلة الدعائية الاحتلالية جهودها منذ اللحظة الأولى لتشويه فكرة مسيرة العودة. وكانت أولى ملامح هذا التشويه تجاهل كلمة العودة، لما تثيره من إزعاج لمشروع الاحتلال، وتسميتها بـ"مسيرة الفوضى"، ثم نزع الطابع الشعبي عنها وتصويرها بأنها حراك يقوده فصيل سياسي واحد، ثم تجاهل المطالب المشروعة لهذا الحراك السلمي والتركيز على جانب التوتر الأمني، مثل قص السلك 
والطائرات الورقية والبالونات الحارقة، والتهويل من خسائر الاحتلال وحرائق مزارعه.


لقد أحدث الاحتلال إزاحةً في الصورة الإعلامية من القضية الحقوقية الرابحة إلى صورة التوتر الأمني، فبدل أن يتصدر عناوين الأخبار أن اللاجئين الفلسطينيين يتظاهرون مطالبين بحق العودة أو بحقهم في الحياة الطبيعية، تصدر العناوين أن ثمة توتراً على الحدود بين الجانبين، وعلا دخان الكاوشوك وأزيز الرصاص الإسرائيلي الحي على المنطق الهادئ القادر على محاصرة رواية الاحتلال وأن هؤلاء المتظاهرين أصحاب قضية عادلة.

وقد ساهم زهد الفلسطينيين في المعركة الحقوقية في نجاح الآلة الدعائية الاحتلالية. ومع مرور الأيام، تراجعت أدبيات العودة والأعمال الفنية الإبداعية المرتبطة بها إلى التركيز على إطلاق البلالين الحارقة. وقد لفت نظري أكثر من شخص أجنبي دخل غزة بين متضامن وصحفي إلى هذه المشكلة؛ بالقول إنهم يرون مواجهةً على السياج الفاصل، لكنهم لا يرون عنواناً مرئياً للقضية التي يتظاهر الفلسطينيون من أجلها.


إن دولة الاحتلال هي دولة قوية عسكرياً وسياسياً، لكن هذه الحقيقة لا تقلل من حاجتها إلى غطاء شرعي لأفعالها. فهي مرتبطة بشبكة من العلاقات الخارجية التي تدفعها إلى الحرص على تصدير صورة إعلامية إيجابية لها. وصورة العدوان الفج لا تحتمل الدول تكلفته الأخلاقية والاقتصادية والسياسية، كأن تكون الصورة في الإعلام الدولي مثلاً أن شعباً كان يعيش في أمن وسلام ثم داهمته دولة أخرى فجأةً دون مقدمات وأعملت في المدنيين قتلاً وتشريداً. إن هذه الصورة ناصعة الوضوح ستفرض حصاراً على الدولة المعتدية، ولن تجرؤ الحكومات على دعمها، لذلك تعمل الدول المعتدية على خلط عدوانها بروايات مضللة مثل الدفاع عن النفس وتأمين مواطنيها ومواجهة الإرهاب ونحو ذلك. ومن هنا، فإن قيمة الخطاب الحقوقي الواضح أنه يضعف قدرة دولة الاحتلال على إيجاد مناخ تبرر به جرائمها، وتفرض عليها حصاراً أخلاقياً عبر تكريس صورتها العدوانية، وهو ما سيقود بالتراكم إلى الإضرار بمصالحها، ومقاطعتها شعبياً وحكومياً، وحرمانها من صورة الدولة الطبيعية المستقرة.

إن العالم ليس كله متآمراً علينا، وغالباً فإن ما يشكل سلوك الشعوب تجاه قضيتنا مقدار وعيهم بالقضية، وأغلب مواطني العالم الذين لا يجدون مشكلةً في إقامة علاقات مع إسرائيل، كونها جزءاً من المنظومة الدولية، هم أنفسهم الذين لن يجدوا مشكلةً في الانصراف عنها حين تتبين لهم حقائق أكثر وضوحاً عن الجرائم التي تقترفها هذه الدولة ضد المدنيين المسالمين، وعن الانتهاكات التي تقترفها ضد القوانين والأعراف الدولية.

إن معركتنا في جزء كبير منها هي معركة على صناعة الوعي، وبقدر ما نبذل من جهد في هذا الاتجاه بقدر ما سنحقق المنفعة لقضيتنا وسننتصر لحقوقنا.

"عربي21"

 

 

خيار الدولة

 الواحدة في فلسطين

أحمد أبو رتيمة

 

هناك من يرى أن قانون القومية الإسرائيلي يمثل إعلان فشل خيار الدولة الواحدة بتكريسه يهودية الدولة ونزعه الشرعية عن السكان غير اليهود، لكن ثمة زاوية أخرى محتملة للنظر، فإقرار هذا القانون يكشف بالذات خشية دولة الاحتلال من المستقبل و أن يفرض خيار الدولة الواحدة نفسه على أرض الواقع.

 وهو ما يعني عملياً تفكيك المشروع الاحتلالي الاستيطاني من الداخل، وكل القرارات والقوانين والإجراءات التي تتخذها دولة الاحتلال للتأكيد على يهودية الدولة ليست سوى معاندة للتاريخ واستجداء شرعية لواقع شاذ لم يستطع تكريس شرعيته منذ سبعين عاماً لأنه مناقض لطبائع الأشياء.

من الطبيعي أن دولة الاحتلال لن ترحب بخيار دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين لكل مواطنيها تقوم على أساس المساواة، لكن منذ متى كان رفض القوى المهيمنة مبرراً كافياً للتوقف عن النضال في سبيل ما هو أقوم وأقسط.

إن مبرر طرح خيار الدولة الواحدة ليس رضى الاحتلال عنه، بل ما يحمله هذا الخيار من بذور قوة كامنة تجعله الخيار الأقل تكلفةً والأقوى أخلاقياً والأقرب إلى المنطق، وهو ما يشجع على صياغة مشروعنا النضالي في اتجاه الدعوة إليه ومراكمة عناصر القوة لصالح تحقيقه يوماً ما.

 وحتى لو لم يكتب لهذه الفكرة التحقق بسبب جملة من الأسباب التي تتعلق باختلال موازين القوى أو بسبب ارتفاع العنصرية في المجتمع الإسرائيلي أو حتى بسبب الطبيعة الثقافية للمجتمع الفلسطيني العربي التي لم تنضج بعد لقبول فكرة تنطوي على كل هذا القدر من الانفتاح، فإن هذه المعوقات لن تنال من القوة المبدئية لهذه الفكرة، فالأفكار قوية في ذاتها، وكم من الأنبياء لم يؤمن بدعوتهم سوى رجل أو رجلين لكن زهد الناس بدعوات الأنبياء لا يقدح في قوتها المبدئية.

ثمة العديد من مبررات طرح فكرة الدولة الواحدة:

أولاً فهي الأكثر واقعيةً إذ إنها تستند إلى حقوق الفلسطينيين الأساسية في العودة إلى ديارهم والتحرر من واقع الاحتلال والهيمنة وإنهاء سياسات الاضطهاد والتمييز الواقعة عليهم، ولكنها في ذات الوقت تأخذ بعين الاعتبار واقع وجود ملايين اليهود في أرض فلسطين، فهؤلاء ليس من المنطق وربما ليس من الممكن عملياً أن ندعو إلى إبادتهم أو رميهم في البحر.

 لقد نشأت أجيال جديدة من الإسرائيليين لا يعرفون وطناً لهم سوى هذه الأرض، وهؤلاء ليس بالضرورة أن يكون كل واحد منهم مجرماً، فالجريمة قضية فردية وليست قوميةً، نعم إن كل من جاء بقصد وإرادة إلى أرض فلسطين وهو يعلم أنه سيطرد فلسطينياً من بيته ويحل محله فهو مجرم، لكن من ولد وكبر وهو في هذه الأرض فإن له مقاربةً مختلفةً، والمرء لا يؤخذ بجريرة أبيه أو جده، وإذا كانت قضيتي الأولى كفلسطيني هي عودتي إلى أرضي فإن إكمال المشهد أن أقول إنه لا يعنيني من يبقى في فلسطين ومن يخرج منها، كل ما يعنيني أن يعود إلي حقي وأن تنتهي حقبة التهجير والتشريد والاضطهاد.

ثانياً إن فكرة الدولة الواحدة تتناغم مع روح العصر، فالوعي الإنساني يبدو أقرب إلى فكرة المواطنة من فكرة القومية، أو على الأقل فإن فكرة القومية قد أزاحت متسعاً للمواطنة والعلاقات الإنسانية، وإذا كانت العقلية العربية التقليدية تدفعنا لإحياء مفاهيم العصبية للأرض وأنه ليس من حق لليهود بالبقاء في أرض فلسطين، فإن ملايين العرب على الأقل هم مواطنون في أوروبا وأمريكا ينعمون بخيراتها ولهم ذات الحقوق التي للمواطنين الأصليين بل ويمكن لأحدهم أن يترشح ويكون مسؤولاً في تلك البلاد، إذاً وبنفس المنطق فلماذا لا نتفهم بقاء جزء من اليهود في فلسطين إذا كان بقاؤهم على أساس المواطنة الإنسانية وليس على أساس الاحتلال والاستيطان.

إن هناك من الفلسطينيين الذين لجأوا إلى بلاد الغرب من ارتبطت مصالحهم ومصالح أبنائهم وأحفادهم من بعدهم بوطنهم الجديد، هؤلاء لن يعودوا إلى فلسطين لو تحررت إلا زائرين بعد أن ارتبطوا مصيرياً ببلاد جديدة، إذاً فالعدل يقتضي أن يكون هناك معيار واحد في التعامل مع أجيال جديدة من اليهود ارتبطت مصيرياً بأرض فلسطين، مع تأكيد الرفض ثانيةً وعاشرةً لبقائهم كمحتلين.

 نحن نريد أن نسقط مشروع الاحتلال والاستيطان وأن يبقى بعد ذلك كل من يرغب في البقاء في فلسطين على أساس الحقوق الإنسانية المتساوية.

ثالثاً هناك من يتوجس لا شعورياً من فكرة التعايش مع اليهود في وطن واحد، وهذا التوجس يستند إلى عوامل نفسية بسبب طول العهد بنمط اللون الواحد والمجتمع النقي وليس إلى مبررات موضوعية، والرد على هذا التوجس من عدة وجوه، أولاً فإن الفلسطينيين في بلاد الغرب يعيشون فعلاً في مجتمع واحد مع كل أعراق الأرض بمن فيهم اليهود بل والصهاينة ويخضعون إلى نظام واحد و يحتكمون إلى قانون واحد، ثانياً إن التعايش مع قومية أخرى في نفس المجتمع لا تعني الذوبان والانصهار، فالشيخ رائد صلاح والمناضلة حنين زعبي والمناضل باسل غطاس يعيشون في دولة واحدة مع عتاة الصهاينة لكن علاقتهم هي علاقة النضال وليس الانصهار.

 ثالثاً فإن الدولة الواحدة لا تعني القضاء على الهويات المتعددة ويمكن لكل طائفة أن يتجمعوا في مدنهم وقراهم ويحيوا بينهم روابط الدين والثقافة دون انصهار في الهويات الأخرى، وسيكون واقعهم أفضل لأنهم لن يعيشوا في معازل عرقية كما هو واقع أهالي قطاع غزة والضفة الغربية، وإذا لم ينل الفلسطينيون حقوقهم كاملةً في الدولة الواحدة فإن بوسعهم أن يناضلوا كما تناضل حنين زعبي ورائد صلاح، ولكنه نضال سيكون أقل استنزافاً ودمويةً لأنه من داخل الدولة وبأدوات النضال السلمي، وهدفه الحقوق وليس تدمير الواقع كلياً.

رابعاً نحن عملياً نعيش في دولة واحدة تحكمها حكومة نتنياهو ويدير شئونها المدنية المنسق، كما اعترف بذلك صائب عريقات، ونحن نطالب حكومة الاحتلال بفتح الحواجز وإدخال البضائع وتحويل المرضى إلى المستشفيات، لأننا نعلم أنها الحاكم الفعلي.

قطاع غزة هو سجن على أراضي هذه الدولة الواحدة يناضل أهله من أجل تحطيم جدران سجنهم، والضفة الغربية وتجمعات أهالي ال48 هي معازل عرقية داخل هذه الدولة الواحدة يسكن فيها مواطنون يمارس ضدهم التمييز العنصري..

أطروحة الدولة الواحدة لا تدعو إلى تأسيس واقع جديد بل تدعو إلى النضال وفق معطيات الواقع الراهن من أجل إسقاط الجدران والتمييز العنصري وتحقيق المساواة والكرامة والحرية لكل الناس، وهذه مهمة أكثر واقعيةً من الدعوة لإبادة إسرائيل أو الدعوة لدولة فلسطينية لن تقبل بها حكومة الاحتلال أبداً..

إن تطبيق خيار الدولة الواحدة ليس سهلاً، وستقاتل مؤسسة الاحتلال قتالاً شرساً ضده، لكنه يحمل من القوة المبدئية والطاقة الكامنة ما يستأهل أن نعيد صياغة خطابنا ومشروعنا النضالي في ضوء هذه الرؤية.

إن جزءًا كبيرا من ضعف المواقف الدولية المساندة للقضية الفلسطينية رغم الإقرار المبدئي بعدالتها هو معضلة مصير اليهود في فلسطين، هذه المعضلة تحلها أطروحة الدولة الواحدة التي لا تنادي بإبادة الإسرائيليين بل تنادي بتحقيق حقوق الفلسطينيين، وتعلن أن مشكلتها مع عنصرية الإسرائيلي واحتلاله وليس مع إنسانيته ووجوده.

"عربي21" المصدر :

 

 

مسيرة العودة.. الاستمرار

واجب والمراجعة ضرورة

أحمد أبو رتيمة

 

بعد مئة يوم من انطلاق مسيرة العودة تثور حالة جدل في الشارع الفلسطيني حول هذا الأسلوب وجدوى استمراره، ويغذي هذا الجدل عوامل عدة أهمها ارتفاع تكلفة الضحايا، وكذلك خلط هدف العودة المجمع عليه وطنياً بهدف موضع خلاف واستقطاب، وهو كسر الحصار، وكذلك تصدر فصائل محددة لمشهد المسيرات، وهو ما حرم هذه المسيرة من ميزة مهمة تمتعت بها في لحظة انتشارها الأولى، وهي الطابع الشعبي الذي جذب إليها كل قطاعات الشعب الفلسطيني، وفجّر طاقة العمل في نفوس الرجال والنساء، وأظهر حضور الشعب بعد أن توارى أمام تعاظم مركزية الفصائل واحتكارها للعمل الوطني.

أتفق مع كثير من دعوات المراجعة لأسلوب مسيرة العودة، فأي جهد بشري يجب أن يقوم في ضوء نتائجه، لكن هذه المراجعات يجب أن تكون على أساس التطوير والاستمرار وليس على أساس الانقطاع، فمسيرة العودة رغم كل الملاحظات التي يمكن أن تسجل على أسلوب ممارستها، إلا أنها حققت أهدافاً مهمةً يجب عدم التفريط فيها. والدعوة إلى وقف مسيرة العودة ما هي إلا هدية مجانية للاحتلال، وتفريط سهل بخيار يمثل ذخراً استراتيجياً لشعب يخوض نضالاً طويلاً في سبيل الحرية.

 مسيرة العودة رغم كل الملاحظات التي يمكن أن تسجل على أسلوب ممارستها، إلا أنها حققت أهدافاً مهمةً يجب عدم التفريط فيها

أعادتنا مسيرة العودة إلى الحالة الطبيعية التي يجب أن نكون عليها، وهي حالة الاشتباك والرفض العملي للاحتلال. فالشعب الفلسطيني لم يكن في حالة رخاء وأريحية لتتهم مسيرة العودة بأنها نغصت عليه رخاءه، بل كانت هذه المسيرة حلقةً جديدةً في مسلسل طويل مستمر منذ مئة عام من الاحتلال والثورات والانتفاضات التي تذكر دائماً بأن ثمة خللاً يجب أن يعالج، والتوقف عن أساليب مقاومة الاحتلال ورفضه يعني التدجين والقبول بواقع العبودية، لذلك فإن مسيرة العودة لم تزد على أنها أظهرت الحالة على حقيقتها، وأزالت بعض أوهام الاستقرار الخادع، وأعادت تذكير الأجيال الجديدة والعالم بالسبب العميق الذي يمنعنا من العيش الطبيعي والحياة الكريمة، وهو أن هناك قوةً احتلاليةً استيطانيةً تصادر حق شعب كامل في الحرية والحياة.

 مسيرة العودة لم تزد على أنها أظهرت الحالة على حقيقتها، وأزالت بعض أوهام الاستقرار الخادع، وأعادت تذكير الأجيال الجديدة والعالم بالسبب العميق الذي يمنعنا من العيش الطبيعي والحياة الكريمة

 لقد فعّلت مسيرة العودة بأيدي الشعب الفلسطيني سلاحاً كان معطلاً، وهو سلاح المواجهة الجماهيرية المباشرة للاحتلال. والاحتلال قوي في مواجهة الفصائل ضعيف في مواجهة الحركة الجماهيرية العارمة، لذلك كرس الاحتلال جهده منذ بدء مسيرة العودة في إعادة المواجهة إلى مربع الفصائل، فاتهم حركة حماس بأنها هي من تنظم مسيرات العودة؛ لأن دعاية الاحتلال حين يقول إنه يواجه فصيلاً ليس موضع تناغم مع العالم أيسر من أن يقول للعالم إنه يواجه شعباً كاملاً. وقد ساعد سلوك وتصريحات بعض قيادات حركة حماس في المسيرة في تعزيز دعاية العدو، وزهد قطاعات كانت تشارك بفعالية في الأيام الأولى في استمرار المشاركة، وهذا من الأخطاء التي ينبغي أن تكون موضع مراجعة وتقويم.

كذلك، فإن مسيرة العودة عززت الوعي الفلسطيني والعالمي بقضية العودة، وهي جوهر مسألة فلسطين. وهي قضية على أهميتها وجوهريتها؛ إلا أنها لم تنل مكانتها المركزية في الخطاب الفلسطيني، وتقدمت قضايا أصغر منها، مثل الدولة والاستيطان والحصار. لقد كانت مسيرة العودة فرصةً لإعادة القضية إلى مربعها الأول، وشحنت نفوس الأجيال الجديدة بثقافة العودة، وبدأ الشباب يتساءلون عن قراهم وبلداتهم المحتلة، وكم يستغرق الوصول إليها بالسيارة أو مشياً على الأقدام، وتوافدت الجماهير إلى منطقة السلك الزائل المحرمة؛ لتمتع أنظارها بأرضها المحتلة.

 يسجل خطأ آخر وقعت فيه قيادات الهيئة الوطنية، وهو أنها أولت اهتماماً أكبر لكسر الحصار من قضية العودة، حتى على مستوى الشعارات المكتوبة

 إن صناعة وعي العودة هو هدف وطني ذو قيمة كبيرة؛ لأن التحولات التاريخية الكبيرة يجب أن يمهد لها بإيقاظ الوعي وحماية الذاكرة من الضياع. وهنا يسجل خطأ آخر وقعت فيه قيادات الهيئة الوطنية، وهو أنها أولت اهتماماً أكبر لكسر الحصار من قضية العودة، حتى على مستوى الشعارات المكتوبة. فميادين العودة تكاد تخلو من شعار واحد مكتوب عليه "حق العودة" أو ما يتعلق به. أتفهم كسر الحصار كهدف مرحلي، خاصةً أن الحصار أنهك الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، لكن حتى تحقيق الأهداف المرحلية يكون بالتركيز على الأهداف الكبرى، وفي المستوى المبدئي التنظيري يجب أن تظل العودة هي القضية الأولى، والجماهير التي خرجت بكثافة غير مسبوقة في الثلاثين من آذار/ مارس فقد جذبها إلى الخروج شعار العودة وليس شعار كسر الحصار، لذلك كانت المصارحة مع الناس تقتضي أن تظل العودة هي شعار الميادين، وأن تحتل مكانتها المتقدمة التي تليق بها في خطابنا الإعلامي.

يجب أن تستمر مسيرة العودة لأنها أعادتنا إلى حالة الاشتباك والرفض الطبيعية مع الاحتلال، ولأنها ذكرت الأجيال الجديدة والعالم بحقيقة المشكلة وبقضية العودة ولأنها فعلت عنصر المواجهة الشعبية، ولأنها خلقت استنزافاً إعلامياً وسياسياً وأمنياً للاحتلال، وفي ذات الوقت يجب أن تقوم مسيرة العودة كي تكون قادرةً على الاستمرار، وأهم ما يجب أن يقوم فيها هو خفض تكلفة الخسائر فيها، فالعدد المهول الذي سقط من الشهداء والجرحى حتى اللحظة لا يتناسب مع طبيعة الهدف المعنوي لهذه المسيرة.. لو سقط ذات العدد من الشهداء والجرحى في العودة الحقيقية إلى أراضينا المحتلة لكان ذلك متقبلاً عند الناس، أما وإن الهدف إعلامي تعبوي، فإننا لسنا مضطرين لكل هذه الخسائر البشرية، وعلينا أن نفكر بكل الوسائل لتخفيض التكلفة لتقترب من الصفر. وحقيقة الميدان الذي نواجه به الاحتلال في مسيرة العودة هو الإعلام، فنحن في صراع على الصورة الإعلامية.
إن ما نريده من مسيرة العودة أن تظل قضية العودة حاضرةً في نفوس الأجيال الجديدة، وأن ينتبه العالم إلى حالة الموت البطيء التي يعيشها أهالي قطاع غزة، وأن نحرم الاحتلال من الشعور بالاستقرار، وأن نطرق أبواب السجن لنزعج السجان والمتواطئين معه. وكل هذه الأهداف تقتضي تفكيراً في أنشطة إعلامية وميدانية مبتكرة وإبداعية، وبعيدة عن التكرار الممل الذي يفقد الحراك روحه مع تقليل الاحتكاك المادي المباشر مع جنود الاحتلال، حتى لا نعطيهم فرصةً لإيقاع الخسائر في صفوفنا، فنحن بحاجة إلى حياة كل شاب وإلى كل قطرة دماء، ونحن نحب الحياة ولا نندفع إلى الموت، وما خروجنا إلا طرق لجدران السجن وطلب لحياة عزيزة كريمة.

إننا أمام عدو يخوض معركةً إعلاميةً بدهاء، وهو ما يقتضي منا أن نمتلك رؤيةً إعلاميةً مقابلةً للصورة التي نريد أن تصل إلى الوعي العالمي. كنت مع صديق إعلامي قبل أيام بالقرب من السلك العازل، فلفت نظري خلو السلك من أعلام دولة الاحتلال، فسألته عن تفسير ذلك، فقال لي إن دولة الاحتلال لا تريد أن يرتبط علمها في الوعي العالمي بصورة العنف والدماء. ثم لفت نظري إلى شيء آخر، وقال لي: ألا ترى أنهم يخفون القناصة خلف السواتر الترابية؟ إن المشهد الإعلامي الذي يخرج يوم الجمعة هو أعداد غفيرة من الفلسطينيين وكأنهم أرقام، ودخان كاوشوك وقص أسلاك، لكن لا أحد يرى صورة القاتل وهو يوجه رصاصاته نحو صدور المدنيين.

إننا أمام عدو يخوض معركةً إعلاميةً بدهاء، وهو ما يقتضي منا أن نمتلك رؤيةً إعلاميةً مقابلةً للصورة التي نريد أن تصل إلى الوعي العالمي


نجح الاحتلال في إزاحة صورة مسيرة العودة إلى صالحه، فغلبت صورة الاشتباك على صورة القضية التي ينشدها المتظاهرون، وهوّل من الحديث عن الحرائق التي يسببها المتظاهرون حتى لم تعد ملامح التظاهر السلمي واضحةً، وهو ما يقتضي منا في المقابل أن نناضل من أجل صورة إعلامية أكثر إيجابيةً لنا وأنفع لقضيتنا، وهي صورة الشعب الذي يحب الحياة ويحب الجمال ويناضل من أجل حريته وحياته الكريمة.

نحن لا نقاتل عدونا بالسلاح، بل نقاتله بالصورة والرواية، فإذا استطعنا الوصول إلى الوعي العالمي بالتظاهرة السلمية والأغنية والمسرح والدبكة ومختلف أنشطة الحياة، وأقنعناه بروايتنا، فقد قطعنا شوطاً مهماً في طريق الحرية وبتكلفة اقتصادية.

"عربي21"

 

 

الدور المنشود للمجتمع

المدني الفلسطيني

أحمد أبو رتيمة

 

يعرّف المجتمع المدني بأنه مجموع المكونات التي تمارس الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي خارج موقع السلطة، وتشمل هذه المكونات الأحزاب والنقابات والجمعيات وجماعات المصالح ونحوها.

يتميز المجتمع المدني باستقلاله عن السلطة الحاكمة، وهو ما يقوي موقفه ويمنحه القدرة على أداء دور أقرب إلى نبض الناس وأشد التصاقاً بهمومهم، وأن يمارس دوراً رقابياً على أداء السلطات التنفيذية، فيقوّم اعوجاجها، ويعلي من حساسية أجهزة الإشعار المبكر؛ استباقاً لاحتمالات تمادي الأخطاء وتراكم بنية الفساد ومأسسته.

 صورة مشوهة للمجتمع المدني كرستها المؤسسات المتضخمة بالتمويل الأجنبي المشروط، هذا النمط من المؤسسات ربط أجندة عمله وبرامجه بقيم الممول ومعاييره، وهو ما أضر بأصالة الرسالة الوطنية والقيمية

وبذلك، فإن رشد الأمم يقاس بفاعلية المكونات المجتمعية خارج دائرة السلطة وارتباطاتها وولاءاتها، فإذا قوي حضور المجتمع المدني كان ذلك ضماناً للحكم الرشيد وأماناً من أخطار التسلط والفساد.

ثمة صورة مشوهة للمجتمع المدني كرستها المؤسسات المتضخمة بالتمويل الأجنبي المشروط، هذا النمط من المؤسسات ربط أجندة عمله وبرامجه بقيم الممول ومعاييره، وهو ما أضر بأصالة الرسالة الوطنية والقيمية، فتجد تركيزاً على قضايا مثل الجندرة والمساواة والعنف ضد المرأة، في مقابل تغييب لقضايا أشد إلحاحاً، مثل بطالة الشباب والفقر والحرمان من السفر وبتر الأطراف بفعل مجازر الاحتلال. ربما تحتمل البرامج التي تنفذها هذه المؤسسات شيئاً من الوجاهة، لكن من الواضح تأثرها بمنظومة القيم التي تنتمي إليها الجهات الممولة أكثر من كونها نابعةً من أولويات الواقع الذي تعمل فيه هذه المؤسسات. وللسخرية، فقد علقت ذات مرة لافتة عريضة في شارع رئيس بغزة تدعو إلى تفعيل دور المرأة في عملية إعادة الإعمار، بينما إعادة الإعمار ذاتها لم تكن مفعلةً!

لا يمكن تصور قيام مجتمع مدني حقيقي دون ترسيخ ثقافة العمل التطوعي، فالعمل التطوعي هو الذي يمد المجتمع المدني بروحه ويمنحه شرعية وجوده، ويجذب إلى دائرته القطاعات الواسعة من الشباب والنشطاء الراغبين في فعل الخير والمبادرة الإيجابية، سواءً بالخدمة المادية المباشرة مثل مساعدة الجرحى والفقراء، أو الخدمات الثقافية والقانونية والسياسية ونحوها، فيشكل هؤلاء قوةً رافدةً للعمل الحكومي، ويساهمون في توزيع مراكز القوى منعاً للتسلط والاستفراد، أما اعتماد العمل الأهلي كلياً على التمويل وتقاضي الأجرة، فإنه يبهت روحه الثورية، ويضعف من استشعار الرسالة الأخلاقية تجاه المجتمع، ويحوله إلى مجموعة من الامتيازات التي يخشى خسارتها، ويقرب مكونات المجتمع المدني من دائرة السلطة أكثر، بينما يبعدها عن الالتصاق بهموم الناس الذين تمثلهم واستشعار احتياجاتهم وأولوياتهم.

 العمل التطوعي هو الذي يمد المجتمع المدني بروحه ويمنحه شرعية وجوده، ويجذب إلى دائرته القطاعات الواسعة من الشباب

كان المجتمع المدني في فلسطين في الانتفاضة الأولى أكثر أصالةً؛ لأنه كان يقوم على فكرة لجان العمل التطوعي، وكان يرتب أولوياته وفق احتياجات الناس الناتجة عن واقع الاحتلال والشهداء والجرحى والأسرى، فكان ثمة قليل من التنظير عن الجندرة والحوكمة والحوسبة، لكن كان ثمة كثير من التكافل الاجتماعي ومساعدة الفقراء ومسح دموع الأرامل والأيتام. لكن مرحلة أوسلو لم تفسد النظام السياسي الفلسطيني وحسب، بل أفسدت البنى الاجتماعية، وعززت ارتهان مكونات المجتمع لاعتبارات الممول الأجنبي، فتحولت كثير من مؤسسات المجتمع المدني إلى حالة من النخبوية المنفصلة عن روح الشعب وقضيته، وصار الحديث في القضايا الوطنية وأسس المشكلة مصدر حرج لدى بعض مدراء المؤسسات، فتجدهم ينتقون كلماتهم حذرين من الاقتراب من الخطوط الحمراء أو إبداء رأي صريح يعالج جذر المشكلة؛ كي لا تتأثر مصالحهم وميزاتهم التي منحتها لهم وظائف المجتمع المدني.

في تعريفات المجتمع المدني، تُدرج الأحزاب بأنها إحدى مكوناته، لكن خصوصية الحالة الفلسطينية تخلق مبرراً لإيجاد خط تمايز بين الفصائل السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. فالفصائل هي مسلحة أولاً، وكذلك فإن طبيعة البنى التنظيمية في داخلها تحول هذه الفصائل إلى شكل من أشكال السلطة لها مصالحها الخاصة التي تحدد سلوكها في ضوئها وإن لم تكن في موقع الحكم، كذلك الهوية الأيديولوجية للفصائل تقلل من وضوح الطابع الحقوقي الأهلي لها.

 مرحلة أوسلو لم تفسد النظام السياسي الفلسطيني وحسب، بل أفسدت البنى الاجتماعية، وعززت ارتهان مكونات المجتمع لاعتبارات الممول الأجنبي، فتحولت كثير من مؤسسات المجتمع المدني إلى حالة من النخبوية المنفصلة عن روح الشعب

يمكن القول إن الفصائل مرشحة للقيام بدور أهلي ريادي، لكن لا ينطبق عليها التعريف النموذجي للمجتمع المدني، وفي ضوء عدد من المشكلات الجادة التي تعاني منها البنية الفصائلية عموماً في الحالة الفلسطينية، ولعل أهم هذه المشكلات عدم دمقرطة هذه الفصائل، يظهر دور ملح للمجتمع المدني، وهو تقليل حالة الاستقطاب الفصائلي وتعزيز الدور الشعبي الحر.

ثمة دور إيجابي تؤديه الفصائل الفلسطينية، ومن غير الإنصاف نفي دورها الوطني والاجتماعي، سواءً في المحافظة على زخم القضية الوطنية أو في الاضطلاع بأدوار مجتمعية، مثل كفالة أهالي الشهداء والجرحى والأسرى.. هذا الدور موضع تقدير واحترام، لكنه دور بحاجة إلى إكمال، وهو تفعيل حالة شعبية حرة قادرة على التأثير دون أن تمر عبر قنوات التنظيم ومحدداته. فالفرد الذي ينتمي إلى التنظيم هو فرد معطاء، لكن عطاءه كثيراً ما تقيد عفويته؛ لأنه مسقوف بتقديرات قيادة التنظيم، وهو ما يفتح الأبواب أمام مخاطر تكون طبقة داخل التنظيم تمارس الاستفراد والاستئثار، وترهن حركة المجتمع الطبيعية لاعتباراتها الضيقة. ومع مرور الوقت تتحول مواقع القيادة في القوى السياسية إلى مواقع سلطة وهيمنة، فلا ترغب هذه القيادات بأن يزاحمها أحد في مواقعها. وبذلك تتضرر مفاهيم الديمقراطية وتستلب أدوار الأفراد وقدراتهم على المبادرة والتأثير، ويحرم المجتمع من ضخ دماء جديدة وأفكار جديدة، وتصبح القيادات السياسية أكثر عرضةً للابتزاز الخارجي.

 الفرد الذي ينتمي إلى التنظيم هو فرد معطاء، لكن عطاءه كثيراً ما تقيد عفويته؛ لأنه مسقوف بتقديرات قيادة التنظيم، وهو ما يفتح الأبواب أمام مخاطر تكون طبقة داخل التنظيم تمارس الاستفراد والاستئثار

إن قوة القرار السياسي الفوقي تنبع من قوة التفاعل الداخلي، وجرأة الأفراد في طرح مبادراتهم وأداء أدوار فاعلة في الميدان السياسي والمجتمعي دون احتكار هذه الأدوار لفئات قليلة. هذا التفاعل الداخلي يسد أبواب الاستفراد أمام الطبقة السياسية، ويمثل رافعةً للسقف الوطني، ويخلق حالةً صحيةً في المجتمع تفكر بحرية وتبادر بعفوية، ويكون لها موقعها في صناعة القرار.

إن المؤهل لأداء هذا الدور الرافع للحالة الوطنية هو مجتمع مدني حقيقي تحرر من قيود التمويل الأجنبي المشروط، وحقق تمايزاً في الهوية عن الاستقطاب الفصائلي، وامتلك من وضوح الرسالة والقوة الثورية ما يمنحه قوةً دافعةً لتفعيل الطاقات الشعبية ودفع الحالة الوطنية باتجاه أكثر عدالةً وشفافيةً وديمقراطيةً.

" المصدر : عربي21"

 

 

يوم أن تضع

 الحرب أوزارها

أحمد أبو رتيمة

 

الحرب مآس وأحزان، دماء ودموع.. الحرب هي أن يترقب الطفل عودة أبيه في آخر النهار ليرتمي في أحضانه ويسأله عن الهدية التي أحضرها له، فلا يأتي الأب ويطول الانتظار بلا نهاية.. الحرب تعني أن ينتزع الأحبة من دفء أحضان أحبائهم، وأن يحكم على النساء أن يترملن باكراً، وعلى الأمهات أن يثكلن أبناءهن، وعلى الأطفال أن يعيشوا حياتهم بلا سند وظهير.

في المشهد الأول لاستخلاف الإنسان في الأرض أبدت الملائكة قلقها من السلوك العدواني لهذا الكائن: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، لكن الله تعالى أجاب الملائكة: "إني أعلم ما لا تعلمون". والواقع أن الإنسان منذ آدم إلى اليوم لم يخالف ظن الملائكة فيه، فلا يزال يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وهو ما يستثير التأمل في معنى الرد الإلهي: ما هو هذا العلم الإلهي الذي يقابل ظن الملائكة في الإنسان والذي لم نره إلى يومنا هذا؟

 هل الحرب قدر لا مفر منه للجنس البشري؟ أم أن بالإمكان تصور عالم جديد تنتهي فيه الحروب ويتعايش الناس فيما بينهم بسلام؟

كانت هذه الآية مفتاحاً تأملياً للمفكر السلامي جودت سعيد الذي أسس على هداها فلسفته السلمية، والتي يبشر فيها بميلاد إنسان جديد يقيم رسالات الأنبياء ويحقق علم الله فيه، فيتوقف عن الإفساد في الأرض وسفك الدماء.
هل الحرب قدر لا مفر منه للجنس البشري؟ أم أن بالإمكان تصور عالم جديد تنتهي فيه الحروب ويتعايش الناس فيما بينهم بسلام؟
إن منشأ الحروب بين البشر هو تصادم الإرادات، فيسعى كل فريق إلى إثبات إرادته وكسر إرادة عدوه، فإذا عانده عدوه، وهو السلوك الطبيعي المتوقع كون العدو أيضاً صاحب إرادة، سعى بكل وسيلة إلى إلغاء وجود عدوه، حتى يبلغ الصدام ذروته بإلغاء وجوده مادياً من أجل الاستفراد بالسيادة والهيمنة: "وتكون لكما الكبرياء في الأرض".
هذا التصادم بين الإرادات الإنسانية هو طبيعة ملازمة للجنس البشري: "اهبطوا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو"، فالإنسان تحرضه النفخة الإلهية المودعة فيه على حب التميز والتفرد، ولو لم يتقاتل البشر على الظفر بالغنائم والثروات المادية لتقاتلوا على المواقع المعنوية، مثل الرئاسة والوجاهة، وكم من حرب نشأت وقتل فيها ملايين البشر؛ ليس من أجل ثروة مادية بل من أجل سمعة وكبرياء. فهتلر أحرق العالم مدفوعاً بحميته القومية "ألمانيا فوق الجميع"، وبوش حين دمر أفغانستان أعلن أن هدف حربه أن يعلم الناس أن أمريكا هي أعظم أمة في التاريخ، وأبو جهل أصر على ورود بدر حتى تسمع العرب بقريش فلا تزال تهابها أبداً! وكل فريق يعلن الحرب يحدد هدفها أن تكسر إرادة العدو، ومختار العائلة حين تتشاجر مع عائلة أخرى يرفع شعار الكرامة والهيبة، وأن يعلم الناس من نحن ومن هم! وهكذا فإن العلة الرئيسة للحروب بين البشر ليست علةً اقتصاديةً، بل هي علة نفسية تتمثل في إثبات الكبرياء والهيمنة.

إذن، فمدخل مناقشة "عالم بلا حروب" يجب ألا يكون البحث في وسائل لتغيير الطبيعة الإنسانية وتخيل كائن طوباوي معدل جينياً، بل إن المدخل المناسب هو تغيير وسائل المواجهة، فتراعى حقيقة سعي الأفراد والأمم إلى التميز والانتصار، لكن بتكريس مفاهيم جديدة لمعنى الانتصار لا يقوم على الإفناء المادي للعدو، بل يكون مثل المباريات الرياضي التي ينتصر فيها فريق ويهزم فريق آخر دون إضرار مادي بالفريق المهزوم.

 

دخل مناقشة "عالم بلا حروب" يجب ألا يكون البحث في وسائل لتغيير الطبيعة الإنسانية وتخيل كائن طوباوي معدل جينياً، بل إن المدخل المناسب هو تغيير وسائل المواجهة

لقد تحقق هذا المعنى نسبياً في العلاقات الداخلية للدول التي تقوم فيها أنظمة سياسية راشدة، فقد تخلت أحزاب هذه الدول عن الصراعات الدموية من أجل الوصول إلى الحكم، وكرست ثقافةً اجتماعيةً وسياسيةً جديدةً تقوم على تداول السلطة وتوزيع السلطات والمعارضة بأساليب الاحتجاج السلمية. في هذه الأنظمة السياسية الجديدة لم تنتزع من الإنسان أنانيته واهتمامه بمصالحه الخاصة ورغبته في هزيمة خصومه، بل تغيرت الأدوات المتاحة للتعبير عن طبائعه الإنسانية، فلم يعد يحتاج إلى تكوين مليشيات مسلحة والانقلاب على الحاكم، بل صار بإمكانه أن يعد برنامجاً انتخابياً قادراً على المنافسة، وأن يراقب سلوك الحاكم ويحرض الجمهور إلى أخطائه، وأن يبحث في الحيل السياسية لتقوية علاقاته الحزبية وتوسيع قاعدته الجماهيرية من أجل أن يحظى بالمنصب الذي يتطلع إليه.

هذا التغير في أدوات المواجهة ليس مرده أخلاقية الإنسان المعاصر، فكم يختبئ وراء البذلات الأنيقة والدبلوماسية الرقيقة من وحشية تفوق وحشية إنسان الغابة الذي كان يأكل لحم أخيه الإنسان، ولو أتيحت الفرصة للإنسان المتحضر لتكشفت طباعه عن أسفل سافلين، لكن ما يدفع الإنسان المعاصر إلى تغيير أدوات المواجهة هي حالة الوعي الجمعي وتطور المفاهيم الإنسانية المشتركة، وتعزيز قدرة الشعب على محاسبتهم من خلال عدم تركز السلطات في يد فريق واحد وتوزع أقطابها، بما يضمن منع الهيمنة والاستفراد.

 غدت الحروب اليوم من أفعال الصغار الذين تحركهم الدول الكبرى مثل بيادق الشطرنج، وتؤجج صدورهم وتوجه حماستهم في الوجهة التي تخدم مصالح تلك الدول الكبرى

ثمة مؤشر آخر على تراجع ثقافة الحرب في الحضارة الإنسانية، وهو العلاقات بين الدول الكبرى، فروسيا وأمريكا مثلاً لا تتقاتلان عسكرياً وجهاً لوجه، إنما تتنافسان فيما بينهما بالأدوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية. لقد غدت الحروب اليوم من أفعال الصغار الذين تحركهم الدول الكبرى مثل بيادق الشطرنج، وتؤجج صدورهم وتوجه حماستهم في الوجهة التي تخدم مصالح تلك الدول الكبرى، فإذا تجاوز الصغار حدود اللعبة المرسومة لهم، تدخلت الصواريخ العابرة للقارات والمقاتلات الحربية لتعيدهم إلى حدود حلبة الصراع المسموحة.

إن الكبار لا يتقاتلون وجهاً لوجه؛ لأنهم يفهمون عناصر القوة الحقيقية من امتلاك أدوات المعرفة والهيمنة الاقتصادية، ولأنهم يدركون الثمن الباهظ للحروب في ضوء امتلاك أسلحة الدمار الشامل، ولأنهم مرتبطون بشبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية التي يصعب التفريط فيها وخسارتها إذا حدثت حرب شاملة. هذا الانحسار لخيار الحرب من علاقات الدول الكبرى لم يكن فعلاً أخلاقياً، بل كان مساراً تاريخياً إجبارياً في ضوء تغير مفهوم القوة وشمولها لمعاني التفوق الاقتصادي والمعرفي، وفي ضوء زيادة تشابك العلاقات الدولية وتداخلها بما يجعل الحرب خياراً مكلفاً للجميع، وفي ضوء التفوق الهائل في صناعة السلاح، وهو ما يجعل من الحرب خياراً انتحارياً. ومع ذلك، فهو مؤشر إيجابي يمنحنا الأمل بتوسع هذه الثقافة لتغزو أوطاننا المنهكة بالحرب والدمار وتستفزها لإعادة تغيير مفهوم القوة والانتصار، وتكريس الجهود في اتجاه صناعة الحياة وامتلاك أدوات التفوق المدني.

إن تكريس ثقافة السلام بين الأنام ومحاصرة خيار الحرب يكون عبر تجفيف المنابع الثقافية التي تغذي الحروب وتنفخ في نارها، فوقود الحرب هي مفاهيم الثأر والكرامة والعصبية القومية والسيادة، بينما وقود السلام مفاهيم بناء الإنسان وتعزيز المساواة والعدالة. وإن لنا في التاريخ القريب لعبرةً، فقد داست اليابان على جراحها وتغافلت عن مفهوم الكرامة وأعلنت استسلاماً غير مشروط لأمريكا، بعد تدمير ناجازاكي وهيروشيما، ثم أولت اهتمامها بالإنسان والعلم والصناعة، فدخلت العالم من جديد، لكن عبر بوابة العلم وليس عبر بوابة الحرب والسلاح.

 أتخيل في حالتنا الفلسطينية لو أننا تركنا خيار المقاومة المسلحة كلياً أو حصرنا دوره في مهمة الردع، ثم تفرغنا لبناء نظام تعليمي حديث ومستشفيات تنقذ المرضى من الموت، ومصانع تنقذ الشباب من البطالة، ونشرنا ثقافة النضال السلمي وحقوق الإنسان والعدالة

أتخيل في حالتنا الفلسطينية لو أننا تركنا خيار المقاومة المسلحة كلياً أو حصرنا دوره في مهمة الردع، ثم تفرغنا لبناء نظام تعليمي حديث ومستشفيات تنقذ المرضى من الموت، ومصانع تنقذ الشباب من البطالة، ونشرنا ثقافة النضال السلمي وحقوق الإنسان والعدالة، ودخلنا أبواب العالم عبر الثقافة والفن والإعلام والتعليم.. ألن نكون قادرين على محاصرة عدونا بقوتنا الناعمة، وعلى تفتيت كتلته العنصرية الاحتلالية بالتسرب الهادئ في مفاصله مثل الماء الذي يفتت الصخر بالتتابع والاستمرار؟ ألن يكون هذا الخيار أكثر اقتصاديةً وأجدى في بناء الإنسان، فلا نكسب التحرير وحده، بل نكسب ما هو أهم، وهو أننا بنينا الإنسان الحر الإيجابي الفاعل صانع الحضارة؟

إن علم الله في هذا الإنسان لا يزال كامناً لم يخرج إلى حيز النور، ولا تزال طبائع الغابة تحكم سلوكه، لكن سلطة العلم التي منحها الله لهذا الكائن، والممكنات المودعة في خلقه تبشر بقدرة هذا الإنسان على بناء عالم جديد تنتصر فيه الروح الإلهية الخلاقة على طغيان القوة.

ويقولون متى، هو قل عسى أن يكون قريباً..

" المصدر : عربي21"

 

 

مسيرة العودة.. أين

 أصبنا وأين أخطأنا؟

أحمد أبو رتيمة

 

تعمدت حكومة الاحتلال إحداث صدمة في الوعي الفلسطيني عبر رفع التكلفة الدموية لمسيرة العودة؛ التي وصلت إلى ذروتها في الرابع عشر من أيار/ مايو. فقد ارتكب جنود الاحتلال يوم الاثنين مذبحةً ضد المدنيين السلميين، فقتلوا أكثر من 60 متظاهرا وأصابوا حوالي 2500، وهو ما يرفع شهداء مسيرة العودة منذ انطلاقها في الثلاثين من آذار/ مارس إلى حوالي 110 شهداء.

حكومة الاحتلال، عبر دخان الغاز المسيل للدموع ودوي الرصاص الحي الذي كان جنودها يصبونه بغزارة على المتظاهرين العزل، أرادت حجب رؤية الفلسطينيين لأي فائدة قد تحققها مسيرة العودة، وكسر الثقة بجدوى التمرد، ودفعهم إلى التكيف الذليل مع واقع الاحتلال والقيد.

وإذا كان البديل عن الفعل النضالي هو القبول المهين بشروط الاحتلال والموت البطيء تحت سيف الحصار، وهو خيار لا يخطر ببال الغزيين، فإن هذا يحصر حدود النقاش في مراجعة أدوات الفعل النضالي وفق محددي رفع تكلفة الاحتلال وخفض تكلفة الشعب، وهو ما يبطل حجة الذين يرفضون مبدأ مواجهة الاحتلال انطلاقاً من حرصهم على حياة هادئة خالية من التوتر. هذا الفريق نقر لهم بحقهم الشخصي في البحث عن نمط الحياة الذي يريدونه، لكنهم لا يعبرون عن الوعي الجمعي الذي يحركه دافع الاضطرار إلى المواجهة لاستحالة التكيف مع الذل والقهر.

كانت فكرة مسيرة العودة سبيلاً وسطاً بين ثنائية المقاومة المسلحة في قطاع غزة أو البقاء دون فعل شيء، فالمقاومة المسلحة ليست خياراً مفضلاً للفلسطينيين في هذه المرحلة بسبب جملة الظروف الداخلية والإقليمية والدولية التي رفعت تكلفتها. وفي المقابل، فإن عدم فعل شيء يزيد الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة سوءاً ويدفعها إلى الانفجار مع تردي الواقع الصحي وانهيار الاقتصاد وقطع الرواتب وإغلاق المعابر. هذه الجدلية بين فعل باهظ التكلفة وبين لا فعل يفاقم الأزمة؛ أظهرت الحاجة إلى النضال الشعبي السلمي كونه الخيار الأقل كلفةً، والقادر على ضرب حالة الاستقرار التي ينعم بها الاحتلال، مع ضرورة مراجعة هذا الخيار لتقليل تكلفته وإبقائه قادراً على استنزاف الاحتلال سياسياً وإعلامياً وأمنياً وأخلاقياً، بدل أن ينقلب دوره إلى استنزاف الشعب الفلسطيني من خلال رفع الثمن الذي يدفعونه.

لقد أحيت مسيرة العودة ثقافة العودة في نفوس اللاجئين في غزة، وتنامت مشاعر الشوق والحنين في نفوس الشباب والشيوخ والرجال والنساء إلى وطنهم المسلوب، وأعادت تعريف القضية الفلسطينية بأنها قضية شعب مقتلع من أرضه، وأعادت قضية فلسطين إلى بؤرة الاهتمام العالمي، كذلك فإنها فجرت الطاقات المكنونة في الشعب الفلسطيني، وعززت ثقافة الإيجابية الوطنية، واضطرت دولة الاحتلال إلى استنفار كتائبها العسكرية على طول السلك العازل مع قطاع غزة. وساهمت مسيرة العودة في تراجع الشعور بالأمن والاستقرار في المجتمع الإسرائيلي، وأحدثت تصدعاً داخلياً عبر عن نفسه في عدد من التظاهرات والمواقف التي تحرك أصحابها تحت ضغط الشعور بالعار من سلوك حكومتهم التي تقتل المدنيين العزل، وأنهت مسيرة العودة حالة اللامبالاة الإسرائيلية والدولية تجاه حصار غزة، وساهمت في إحراج موقف دولة الاحتلال عالمياً وعرقلت عجلة التطبيع.

هذه الفوائد يجب ألا تغيب عن حسابات أي عملية مراجعة لمسيرة العودة، فلا يصح أن يقال إن الفكرة فشلت لأن الاحتلال ارتكب مجزرةً ضد المدنيين، فالاحتلال لم يرتكب المجزرة إلا لأن مسيرة العودة تحمل بذور تهديد استراتيجي لكيانه، وهو ما عبر عنه اليوم وزير الحرب السابق موشيه يعلون؛ بالقول إن الفلسطينيين يحاربوننا على تل أبيب، وليس المستوطنات، ولذلك لا مجال للسلام بيننا"، لذلك هدف الاحتلال من خلال قتل المتظاهرين إلى قتل الفكرة ذاتها، وعملية المراجعة ضرورية، لكن قوامها ينبغي أن يكون تعزيز الفوائد والبحث عن مواطن سوء الإدارة التي رفعت تكلفتها الدموية من أجل تداركها.

أعتقد أن ثمة خطأين رئيسين ارتكبا في طريقة الإدارة الفلسطينية لمسيرة العودة، وقد تمثل الخطأ الأول في رفع سقف آمال الناس عبر تضخيم مركزية منتصف أيار/ مايو، وهو ما أوجد موعداً يترقبه الناس وينتظرون منه الكثير، وأضر بفكرة الاستدامة. ولو كانت مسيرة العودة دون تحديد موعد أطلق عليه بأنه يوم الذروة، لسمح ذلك بتفاعلها ونضجها على نار هادئة واستدامتها بما يمثل استنزافاً حقيقياً لدولة الاحتلال، وكذلك الترويج لفكرة العبور دون إعداد متكامل لهذه الفكرة، وهو ما حمس الجماهير وساهم في اندفاعهم باتجاه السلك العازل، وكذلك رفع مستوى الخوف الإسرائيلي، وهو ما انعكس على مستوى العنف الذي لجأ إليه، فانقضى يوم الرابع عشر من أيار/ مايو الذي أطلق عليه النشطاء "يوم العبور" دون عبور فعلي، وفي ذات الوقت مع تكلفة مرتفعة لم نكن مضطرين إليها لو كان الهدف إيصال رسالة إعلامية وجماهيرية وحسب.

أما الخطأ الثاني، فقد تمثل في تصدر حركة حماس للمشهد أكثر مما ينبغي، وهو ما جعلها العنوان الذي تتوجه إليه الضغوط الإقليمية، وأضر بالعمق الشعبي للحراك. وقد تعاملت حركة حماس بغموض مع الجماهير، بل حتى بغموض مع الناشطين في مسيرة العودة الذين تنظر الجماهير إليهم بأنهم المسؤولون عن اتخاذ القرار، وذهبت قيادة حماس إلى القاهرة قبل يوم من ذروة مسيرة العودة، في زيارة غامضة، ثم رجعت دون إطلاع الناس على نتائج تلك الزيارة. ومع غياب المعلومات والشفافية فتح باب التكهن، وزعمت بعض المصادر أن حركة حماس تلقت تهديداً من النظام المصري في تلك الزيارة القصيرة إن استمرت مسيرة العودة.

إن حركة حماس هي قوة وازنة في قطاع غزة، لكن ليس من مصلحتها الاستفراد في اتخاذ القرار وفي تمثيل الجماهير. فحركة حماس رغم ثقلها التنظيمي والجماهيري، فإنها لم تكن قادرةً على تنظيم فعاليات بقوة مسيرة العودة طوال عشر سنوات خلت، والجماهير التي خرجت بهذا الزخم إنما فعلت ذلك لأن مشهد مسيرة العودة كان وطنياً وحدوياً جامعاً. ومما ساهم في إقناع الجماهير بالمشاركة في مسيرة العودة، تصدر شخصيات وطنية ومجتمعية بعيداً عن القيادات الفصائلية التقليدية.

توسيع قاعدة المشاركة وتقليل مركزية قيادة حركة حماس سيقوي الموقف الشعبي الفلسطيني، وسيضعف قدرة الجهات الخارجية على ممارسة الضغوط. كذلك، فإن من حق شركاء النضال أن يكونوا شركاء في القرار، وألا يتم الالتفاف عليهم في لقاءات سرية أو التعامل معهم بأنهم ديكورات إعلامية.

لا بديل عن مواصلة نهج مسيرة العودة وتطويره. وبعد 45 يوماً من انطلاقها، فإن من المفيد استقاء عبرتين:

أولاهما، تكريس ثقافة النضال السلمي في المجتمع الفلسطيني بديلاً عن ثقافة الاشتباك المباشر مع جنود الاحتلال. فالنضال السلمي لا يقتضي بالضرورة الفعل المادي الملموس، مثل قص السلك وإلقاء الحجارة وسقوط الشهداء والجرحى، بل إن خلق حالة من الحضور الثقافي والفني والاجتماعي والإعلامي في ميادين العودة، والقدرة على إبداع أنشطة متجددة، وجذب الاهتمام الدولي؛ هو نمط اقتصادي التكلفة لكنه قادر على إبقاء زخم مسيرة العودة وحرمان الاحتلال من الشعور بالاستقرار، ويرتبط بهذا التوقف عن التنظير لفكرة العبور كي لا نحرق المراحل بخطوات مستعجلة ولا نرفع ثمن التكلفة البشرية. وإذا كان العبور والعودة إلى الوطن هو الحلم الجميل الذي يداعب مخيلة اللاجئين، فإن إحياء ميادين العودة وزيارة العائلات والأصدقاء إليها هو عنصر إزعاج مستدام للاحتلال، وعنصر تغذية للثقافة الوطنية حين لا تسمح الظروف التاريخية بخطوة العودة الكبرى.

ثانيهما، تعزيز حضور أطياف المجتمع المتعددة في مسيرة العودة، وتشكيل جسم مدني فاعل لا يطغى عليه الحضور الفصائلي، ويكون هذا التيار المدني قادراً على قيادة هذه المرحلة. فلكل مرحلة عناوينها، ومن يقود الكفاح المسلح مع كل التقدير لجهوده ونضاله فإنه ليس الجهة المناسبة لقيادة الكفاح السلمي، وأن يكون هذا التيار ممثلاً حقيقياً للجماهير، وأن يكون ديمقراطياً تشاركياً لا يستأثر بقيادته جهة واحدة كي لا يسهل على الأطراف الخارجية ابتزازه.. وجود هذا التيار المدني سيقوي الرواية الفلسطينية بأن مسيرة العودة هي نشاط سلمي، وسيخرج هذا الإبداع الوطني من دائرة الاصطفافات والاستقطابات المضرة، ويعزز مكانة مسيرة العودة بأنها مشروع وطني راسخ ومتراكم.

" عن عربي21"

 

 

أنا ساهمتُ في إطلاق

احتجاجات غزة ولستُ نادماً

احمد ابو رتيمة

يتمسك الفلسطينيون منذ زمنٍ بعيد بحلم أن تكون القدس عاصمتنا، أو على الأقل عاصمةً مشتركة في بلدٍ يُوفِّر حقوقاً متساوية للجميع. كان الشعور بالخيانة والضغط في غزة ملموساً. ولتصفية ذهني، ذهبتُ أنا وصديقي حسن في تمشيةٍ على طول الحدود، وهو أمرٌ كنا نفعله بين الفنية والأخرى.

قلتُ لحسن بينما كنتُ أنظر إلى الأشجار على الجانب الآخر من السياج الحدودي الشائك الذي يحبسنا: "هنالك تقع أرضنا. على بُعد بضعة كيلومترات فقط من هنا". مع ذلك، وبسبب ذلك السياج والجنود الذين يحرسونه، هذه الأرض بعيدةٌ جداً. معظم الأشخاص في مثل سِنّي لم يُسمَح لهم قط بمغادرة غزة؛ لأنَّ مصر تتحكم في المنفذ البري الجنوبي، فيما تُقيِّد إسرائيل الوصول إلى الشمال، إلى جانب أنَّها تمنعنا من استخدام بحرنا ومطارنا (أو على الأقل ما تبقى منه بعد ثلاث حروب).

هذا التفكير قاد إلى رغبةٍ عبَّرتُ عنها على موقع فيسبوك. وضربت على وتر حساس لدى الناس في غزة لدرجة أنَّها أطلقت حركة بلغت أوجها في الاحتجاجات التاريخية التي جرت على مدار الشهر الماضي أبريل/نيسان. وردَّت إسرائيل على نحوٍ مُفجِع بوحشيةٍ أكبر حتى مما توقعت، وأنا الذي عايشتُ ثلاثاً من حروبها. آخر التقديرات لعدد المحتجين القتلى هو 104، أكثر من 50 منهم قُتِلوا أمس الإثنين 14 مايو/أيار. وأُصيب آلاف آخرون. لكن أصواتنا كانت يجب أن تُسمَع، وقد سُمِعَت.

إنَّ كراهيتي للحدود عامة –بمعنى أنَّ كل الفلسطينيين يعانون منها- وشخصية جداً. وُلِد أجدادي وأجدادهم ونشأوا في مدينة الرملة وسط ما أصبح الآن إسرائيل. وأثناء جولات تمشيتي، كنتُ أتخيل أرض أجداد عائلتي.

لكنَّني أيضاً خَبِرتُ الأثر المُدمِّر للحدود على نحوٍ شخصيٍ أكثر. لقد وُلِدتُ في عام 1984، بعد عامين من انسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء وتقسيم مدينتي، رفح، بين غزة ومصر. هدَّمت مصر وإسرائيل قلب المدينة لإقامة منطقة عازلة، الأمر الذي قسَّم العائلات، ومن بينهم عائلتي، بأسلاك شائكة. عاشت عائلة أمي في الجانب المصري، وانتهى مطاف تقسيم رفح إلى الفصل بين والديّ. ومع أنَّ أمي كانت تعيش على مرمى حجر، استغرق الأمر 19 عاماً حتى أراها مجدداً.

في ذلك اليوم في ديسمبر/كانون الأول، بينما كنتُ أشاهد الطيور تُحلِّق فوق الحدود التي لا يمكنني عبورها، وجدتُ نفسي أفكر كم أنَّ الطيور والحيوانات أكثر ذكاءً من البشر؛ فهي تتآلف مع الطبيعة بدل أن تبني الجدران. في وقتٍ لاحق من ذلك اليوم، تساءلتُ على فيسبوك حول ما قد يحدث إن تصرَّف أحدهم كما لو كان طائراً وعَبَر ذلك السياج. وكتبتُ: "لماذا سيطلق الجنود الإسرائيليون النار عليه كما لو كان يرتكب جريمة؟". كل ما كنتُ أفكر به هو الوصول إلى الأشجار، والجلوس هناك، ثُمَّ العودة.

لم أستطع التخلي عن تلك الفكرة. وبعد شهر، كتبتُ منشوراً آخر. كتبتُ فيه: "شكراً إسرائيل؛ لأنكم فتحتم أعيننا. فلو كان الاحتلال فتح نقاط العبور، وسمح للناس بالعيش حياة طبيعية وخَلَق الوظائف للشباب، كان من الممكن أن ننتظر (على هذه الحال) لبضعة أجيال. إنَّنا مجبرون على الاختيار بين المواجهات وبين الحياة". وأنهيتُ المنشور بهاشتاغ "مسيرة العودة الكبرى".

تفاعل الشباب في غزة مع منشوري على الفور، فشاركوه وأضافوا أفكارهم. وبعد أسبوعٍ فقط، بدا كما لو أنَّ المئات يتحدثون عنه. أقمنا لجنةً شبابية، والتقينا مع الوكالات والمؤسسات المحلية. التقينا أيضاً مع الأطراف السياسية الوطنية؛ إذ كنا نرغب في منح كل قطاعات المجتمع في غزة الفرصة للمشاركة.

ما حدث منذ بدأت مسيرة العودة الكبرى كانت أمور أردتُها وتوقَّعتُها، وأمور أخرى لم أُرِدها أو أتوقعها. فلم يكن رد إسرائيل على مسيرتنا بالعنف المميت مفاجئاً. لكنَّني لم أتوقع هذا المستوى من الوحشية. ومن ناحية أخرى، تشجَّعتُ بالالتزام بالسلمية الذي ساد بين معظم أفراد شعبي.

قبل بضع سنوات، كان الناس هنا سيرفضون فكرة أنَّ التظاهرات السلمية قد تُحقِّق أي شيء. ففي النهاية، لم تُحقِّق أي صورة أخرى من صور المقاومة أي مكاسب ملموسة. ما يدهشني هو التحول الذي نراه في الطريقة التي نقاوم بها. كان نضالنا في الماضي نضالاً بين المقاتلين الفلسطينيين من جهة والقناصين والدبابات وطائرات F-16 الإسرائيلية من الجهة الأخرى. أمَّا الآن، فهو نضالٌ بين الاحتلال والمحتجين السلميين من الرجال والنساء والشيوخ والشباب.

تُذكِّر مسيرة العودة الكبرى العالم بأصل الصراع؛ أي اقتلاعنا من أرضنا وحيواتنا، بدءاً من العام 1948 واستمراراً منذ ذلك الحين. لقد اخترنا يوم 15 مايو/أيار ليكون ذروة احتجاجاتنا لأنَّه اليوم الذي يُحيي فيه الفلسطينيون ذكرى "النكبة"، التي نُسمِّيها عمليات الترحيل من ديارنا قبل 70 عاماً. وأيّاً ما كان الحل الذي سنتفاوض عليه في المستقبل للسماح لشعبينا بالعيش معاً في سلام ومساواة، لابد من الاعتراف بهذا الخطأ.

مع ذلك، ورغم رد القناصين الإسرائيليين، أواصل الالتزام بالسلمية، تماماً كما هو الحال بالنسبة لكل الآخرين الذين "يُنسِّقون" هذه المسيرة. وأنا أستخدم علامات التنصيص هنا؛ لأنَّ أي حركة حين تصبح بمثل هذا الحجم الكبير –تجذب المسيرات ما نُقدِّره بمائتي ألف شخص في أيام الجمعة- تصبح السيطرة عليها بصورة كاملة أمراً غير ممكن. ولم نشجع إحراق الأعلام الإسرائيلية وربط زجاجات المولوتوف بالطائرات الورقية. نحن نريد أن يكون التعايش السلمي المتسم بالمساواة هو رسالتنا.

حاولنا أيضاً إثناء المحتجين عن محاولة العبور إلى داخل إسرائيل. لكنَّنا لا نستطيع منعهم. إنَّه سلوك شعب سجين يتوق للحرية، التي تمثل أحد أقوى الدوافع في الطبيعة البشرية. وبالمثل، لن ينصرف الناس عن المشاركة في 15 مايو/أيار. إنَّنا عازمون على مواصلة نضالنا إلى أن تعترف إسرائيل بحقنا في العودة إلى ديارنا وأرضنا التي طُرِدنا منها.

اليأس يُغذِّي هذا الجيل. لن نعود إلى وجودنا غير الآدمي. وسنظل نطرق أبواب المنظمات الدولية وسجَّانينا الإسرائيليين إلى أن نرى خطواتٍ ملموسة لإنهار حصار غزة.

 هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

 المصدر : (عربي بوست)

 

وهل الكفر أعظم جرما من سفك الدماء؟

أحمد أبو رتيمة

مما يأخذه غير المؤمنين على الدين أنه يهتم بالقضايا اللاهوتية أكثر من اهتمامه بالقضايا الاجتماعية المرتبطة بمصلحة الإنسان، فالدين وفق نظرتهم يجعل محور نجاة الفرد أو هلاكه إيمانه بالغيب وليس سلوكه الاجتماعي ونفعه الإنساني، والقرآن يركز على الإيمان بالله والملائكة وإقامة الشعائر أكثر مما يركز على قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية!

مثل هذه الأسئلة تخطر بعقلي حين أمر بآيات مثل: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً" ما هو البعد الواقعي لمثل هذه المسألة حتى يجرمها القرآن إلى هذا الحد؟ أليست المجازر المروعة من حولنا أشد جرما من معتقد الإنسان الداخلي سواءً كان حقا أو باطلاً؟

يؤكد الفهم الشائع للمسلمين تجاه دينهم هذه النظرة السلبية للدين، فالشعور الجمعي للمسلمين يغضب للمسائل ذات الاتصال المباشر بشعائر الدين ومظاهره ورموزه أكثر مما يغضب من الظلم السياسي، وتجد من المتدينين من يتسامح إزاء مشكلة الاستبداد ويغفر للحاكم ظلمه وسرقته للمال العام إن افتتح هذا الحاكم مسجداً أو أدى العمرة أو ظهر أمام الكاميرا مستمعاً إلى خطبة الجمعة، ويحتفي الجمهور بأخبار تدعي أن والدة الطاغية يهودية أو أنه أخطأ في تأويل آية وكأن دليل إدانته لم يكن حاضراً! لقد حدث الأسوأ فعلاً، وليس بعد سفك الدماء ذنب.  

هذا الاختلال في فهم أولويات الدين كان مدخلاً لإحداث اختلال تاريخي فظهر مثال المستبد المتلفح بثوب ديني الذي تباركه الشعوب وتغض الطرف عن تجاوزاته، لأن هذا الحاكم أظهر صورة التدين من اعتناء ببناء المساجد وتيسير سبل إقامة الشعائر وتقريب الوعاظ إلى بلاطه واعتناء بأخلاقيات اجتماعية مثل حظر الخمور والدعارة فرضي الناس منه بهذا النصيب ورأوا فيه حامي الدين وحارس العقيدة فلم يسألوه بعد ذلك عن عدل وشورى وسلطان للأمة.

نرجع إلى السؤال الرئيس: أين تقع القضايا الكبرى المتمثلة في سفك الدماء والإفساد في الأرض من اهتمامات الدين؟ وهل قدم الدين شعائره مثل الصلاة والصوم على الواجبات الاجتماعية مثل إقامة العدل والإصلاح في الأرض؟

في المشهد الأول لاستخلاف آدم على الأرض كان تخوف الملائكة من هذا الكائن إفساده في الأرض وسفكه للدماء: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" ولو كانت هناك جريمة أعظم لاستشهدت بها الملائكة، وإشعال الحروب مذموم في ميزان القرآن: "كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين"، ومهمة إرسال الأنبياء كانت إقامة العدل والإصلاح بين الناس: "ليقوم الناس بالقسط"، "ألا تطغوا في الميزان"، "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت"، "فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ"، ويمكن حشد مئات الآيات الأخرى الداعية إلى الإصلاح والعدل والناهية عن الظلم والإفساد.

والقرآن يعدل المفهوم النمطي للعبادة بأمثلة لأفراد استثمروا  قوتهم في إقامة العدل ونفع الناس مثل يوسف الذي كانت عبادته في حسن إدارة الأزمة الاقتصادية وعدالة توزيع القوت على الناس، وذو القرنين كانت عبادته في العدل في حكم الشعوب التي امتد إليها سلطانه بمكافأة المحسن ومحاسبة المسيء وتأهيل الشعوب الضعيفة.

حتى القضايا التي يظهر أنها ذات طابع لاهوتي مثل قضية التوحيد والشرك فإنها تحمل أبعاداً اجتماعيةً وسياسيةً، ففرعون الذي قال: "أنا ربكم الأعلى" أراد بهذا الادعاء تعزيز سلطانه السياسي وإطلاق العنان لنفسه للعلو والإفساد في الأرض، فادعاء الألوهية يعني الاعتقاد بأنه لا ينبغي أن يكون له منازع في الحكم، وهو ما يظهر جلياً في الحجج التي ساقها لمواجهة دعوة موسى: "وتكون لكما الكبرياء في الأرض"، "وقومهما لنا عابدون"، "وإنا فوقهم قاهرون"، "إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد".

لم تكن مشكلة فرعون مع إله السماء أن يصلي له بنو إسرائيل ويسبحونه بل أن هذا الإله يأمره بالرجوع إلى حجمه البشري وتحرير بني إسرائيل من استعباده لهم.

وليست قصة فرعون استثناءً، فالقرآن يذم أهل الكتاب لأنهم "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله" فعطلوا عقولهم ومسخوا إرادتهم الحرة التي وهبهم الله إياها فأطفأوا نور الإيمان في قلوبهم وأحلوا محله الاتباع الأعمى، والقرآن يذم تحول البشر إلى طبقات من الأرباب والعبيد ويحرض الناس جميعاً ليكونوا عباد الله إخواناً: "وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل"، "إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم، ودعوة أهل الكتاب إلى كلمة السواء يحقق معنى المساواة الإنسانية فالبشر يتخذون بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله ليس بالسجود والركوع إنما بالهيمنة والاستعلاء: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً و لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله".

هكذا يظهر معنى التوحيد في القرآن؛ تحرر نفسي وقوة روحية في مواجهة استلاب الكرامة ومساواة إنسانية تلغي امتيازات السادة والكبراء وتبطل شرعية المستكبرين في الأرض.

لكن هذه المعاني العميقة سطحها من ظنوا أن أقصى غاية للدين هي محاربة الشرك القبوري والجدل في الأسماء والصفات وغفلوا عن الشرك السياسي الذي هو جوهر الأزمة الإنسانية ومدخل كل علو وإفساد وسفك للدماء.

في التأكيد على بشرية عيسى عليه السلام يتحقق مبدأ التساوي الإنساني فليس ثمة أي آلهة على الأرض، وهذا التنزيه يحرر العقل من الوثنية ومن الأوهام والظنون، فمفهوم الإله يراد له أن يظل تجريدياً متعالياً عن الأجسام والتشبيهات حتى يظلش الإنسان قادراً على التسامي الروحي وهو يؤمن بأن الإله فوق أي صورة تخطر بباله.

يذكر القرآن مفهوم الكفر ويتوعد "الذين كفروا" بالعذاب الأليم، وهو ما يعزز شبهات القائلين بالطابع اللاهوتي للدين، فالقرآن يهتم بإدانة الكفر الذي هو موقف اعتقادي أكثر من إدانة مشعلي الحروب.

الكفر بحسب السياق القرآني لا يعني قناعةً عقليةً، بل هو حالة إنكار وجحود واستعلاء، وهو ما يجعله أكبر من موقف اعتقادي داخلي. لا يطلق القرآن صفة كافر على كل غير مسلم بالضرورة، بل يطلقها على الذي تبينت له الآيات فأنكرها حسداً واستكباراً: "فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين"، وما دام الكفر جحوداً وإنكاراً عن قصد فهو اعوجاج داخلي يؤسس للظلم الخارجي: "والكافرون هم الظالمون"، فالذي ينكر ما يعرف في قلبه أنه حق إنسان خسر التصالح مع نفسه فتنطلق منه طاقة عدوانية: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا"، "وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر".

الكفر داخل النفس هو نقطة التأسيس للإفساد والظلم الخارجي، ومن الجدير تدبره أن جميع أمثلة الكفار الذين يذكرهم القرآن هم في حالة عدوان خارجي: "ولولا رهطك لرجمناك"، "لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا"، "أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون".

يكاد القرآن يخلو من ذكر مثال الكافر المسالم، لأن الكفر نقيض السلام إذ إنه مقت وإنكار وجحود داخل النفس يطلق طاقةً عدوانيةً خارجها، وهي ملاحظة ينبغي أن نعيد في ضوئها فحص مفاهيمنا التقليدية حول من هو الكافر.    
   
إن البعد الروحي مركزي في الدين، وهو ما يفسر الحضور الواسع للصلاة والصوم والإيمان بالغيب وذكر الله في القرآن، لكن هذا البعد الروحي معزز ومعمق للبعد الواقعي وليس لاغياً له، فالبعد الروحي يمثل العالم الداخلي للإنسان، والعالم الخارجي ما هو إلا ثمرة العالم الداخلي لذلك يبدأ الدين إصلاح الحياة من إصلاح جوهر الإنسان لأنه يريد إصلاحاً جذرياً عميقاً، فالنفس الممتلئة سلاماً تفيض سلاماً، والنفوس المضطرمة بنيران الحقد والضغينة هي التي توقد الحروب وتسعى في الأرض فساداً.

إن ما تمنحه العبادات الروحية للإنسان هو الطمأنينة والرضا والأمن في نفسه وهو ما سيؤثر بالضرورة على سلوكه الخارجي: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً".

 
والحقيقة التاريخية تخبرنا بأن الغالبية العظمى من الحروب والصراعات والمذابح ذات طابع علماني، وحتى الحروب التي سميت دينيةً أشعلها متعصبون جاهلون أو خبثاء يستغلون اسم الدين وليس الذين تذوقوا روحانية الدين، وهذا طبيعي إذ إن من يشعلون الحروب ويفسدون في الأرض ويقتلون بغير الحق بالضرورة من قساة القلوب الذين لم تلن قلوبهم يوماً لذكر الله ولم تغشاهم طمأنينة الروح.

وتأكيداً على أن الحقيقة المركزية في الدين تتصل اتصالاً وثيقة بإقامة العدل والإصلاح في الأرض فقد جعل مؤشر صلاح العبادة أثرها المرئي في واقع الحياة ولم يقم وزناً لمظاهر التدين إن لم تستند إلى إيمان داخلي واستقامة خارجية: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب..." ، و جعل العمل مصدق الإيمان ليقطع الطريق على الادعاءات الكاذبة التي تستتر تحت عباءة التدين دون أن يتبعها استقامة في الحياة: "إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين"، "أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم"، " قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين".

لا يعرف القرآن مصطلح الإيمان معزولا عن الحياة، بل يربطه بالحركة الإيجابية: "وعملوا الصالحات" وهي كلمة تشمل كل أنواع الخير والبر التي يعرفها العقل الإنساني بدءًا من إطعام اللقمة و الابتسامة وإماطة الأذى وانتهاءً بإعمار العالم وقيادته بالعدل والرحمة

إن الإصلاح في الأرض وإقامة العدل والتعاون على البر وفعل الخيرات ونشر السلام بين الأنام هي غايات الدين الكبرى، وفي المواطن التي يبدو فيها أن معتقدات الدين وشعائره على غير اتصال مباشر بقضايا الحياة فإنها تعمل على إصلاح العالم الداخلي للإنسان وتزكية نفسه لأن بناء التصورات الداخلية هو الذي يمهد لإنشاء العالم الخارجي تماماً مثلما يقيم المهندس البناء في خياله قبل أن يقيمه على الأرض، فإذا امتلأ قلب الإنسان بالمعاني الخيرة والرؤى الإيجابية تحررت منه طاقة نشطة انطلق بها في دروب الحياة معمراً و مصلحاً و داعياً إلى العدل والخير والسلام.

موقع (عربي 21)

 

مركزية السلطة

وكيف أضرت بالإسلاميين

 

أحمد أبو رتيمة

 

تبني الأيديولوجيات مشاريعها عادة على أساس مركزية هدف الوصول إلى السلطة التي تتخيلها بأنها جنة الخلد، وملك لا يبلى، فتسخر في سبيل بلوغها كل الجهود وتبذل كل التضحيات، ولا يتصور الأيديولوجيون قدرتهم على القيام بدور مؤثر قبل التحكم بمقاليد السلطة، وكأن كل وقت خارج السلطة ضائع، وكأن كل جهد قبل الحكم مجرد قطع طريق باتجاه الحكم

وهكذا تتضاءل كل مساحات الحياة، ولا تعدو أكثر من رئيس ووزير وشرطي، إذ تدور الأيام دورتها ويأتي اليوم الموعود يقبض المناضلون على السلطة بأيديهم، ويتشبثون بها، ويغذي وعيهم شريط التضحيات السابقة ليذكرهم بالثمن الباهظ الذي بذلوه من أجل هذه اللحظة التاريخية، فيتعمق إصرارهم بضرورة التمسك بها بكل وسيلة وحيلة، وتصبح المحافظة عليها قضية حياة أو موت

ويعجز الحزبي عن رؤية نفسه خارج السلطة، بعد أن دخل جنتها ويبدي استعداده للقتال إلى آخر قطرة دم وإلى آخر رجل في سبيل عدم التخلي عن السلطة مخافة أن يعني التخلي عنها خسارة المشروع الذي قضى حياته منافحاً عنه!

"
مركزية السلطة" تعني أنها طريق في اتجاه واحد، فإذا صعد الحزب إليها مرة ألقى السلم ولم ينزل ثانية، واعتبر موقعه الجديد نهاية التاريخ وعمي عن رؤية سنة تداول الأيام، ولم يعد قادرا على الاستبصار ورؤية كيف خلت من قبله المثلات، وهو يستند في ظنه إلى تفكير رغائبي وأمنيات لا إلى حقائق موضوعية

وإذ يتصور صاحب السلطة أنها الحلقة الأخيرة في مسلسل التاريخ، فإنه يرى في البقاء في السلطة معركته الكبرى، و يرى أي تهديد لهذه السلطة معاكسة للأقدار ومعاندة لإرادة الله وتآمرا كونيا،  فإذا رصد بدايات تململ جماهيري استنفر حذره وقوته، فإذا كتبت المواجهة قاتل وظهره إلى الجدار، واعتقد أن ليس من سبيل أمامه سوى الاستماتة حتى الموت

وما دام هذا هو الإطار العقلي الحاكم، يصير من المتوقع ألا ترحل السلطة إلا بأنهار من الدماء والمآسي وأن يدفع الجميع ثمن الخوف المهيمن في الأجواء، فابن السلطة يتشبث بها ليس لأنه شرير بالضرورة بل لأنه خائف

إنه يعتقد أن السلطة ركنه الركين وملاذه الأخير الذي يحميه ويعطيه انتماءه وكينونته، فإذا سقط هذا الملاذ انكشف ظهره وتلاشى كيانه ولم يجد من يحميه من طوفان الغضب ونقمة الجماهير.

لعل ما يشهده العالم العربي في واقعنا الراهن ومن قبله كثير من الأحداث العالمية الدموية من إحدى وجوهها ثمرة لمرض مركزية السلطة، فالأيديولوجيات تقاتل باستماتة وتشعل الحروب والحرائق وترتكب الفظائع لأنها تعتبر السلطة معركتها الأخيرة وترى فقد السلطة فقداً للكيان والوجود ذاته.
  
يقص التاريخ علينا نبأ وزير الدعاية في نظام هتلر "جوبلز" الذي أقدم على الانتحار مع زوجته وجرع أطفاله الستة السم ليموتوا معهما جميعاً، وفسر فعلته بأنه يخشى أن يهان أطفاله أمام الروس بعد وفاته! هذه القصة مرعبة وصادمة للوعي، فهي تعني أن السلطة في وعي الأنظمة الأيديولوجية ليست مجرد شهوة ومكاسب مادية بالمعنى التبسيطي للكلمة، بل هي عقيدة، وهي ما تمنحهم الكينونة فإذا خسر الأيديولوجي السلطة شعر أنه خسر كل شيء ولم يعد مبالياً بحرق الأخضر واليابس وهو يخوض حربه الأخيرة.

في الأنظمة الديمقراطية التي تتراجع فيها سطوة الأيديولوجيا لا تعود خسارة السلطة مشكلةً تتوقف بعدها الحياة، فالسلطة في هذه الأنظمة لا تتسم بالطابع الشمولي التغولي على كافة تفاصيل الحياة ، والحزب الذي يختزل كل مشروعه في حكومة أو سلطة ليس أكثر من مجموعة من الانتفاعيين، وفي المجتمع مساحة للتأثير بغير أدوات السلطة التقليدية

أما الحكم فهو فرصة زمنية محدودة لاختبار برامج الأحزاب، فإذا فشلت هذه البرامج فلن يضر الحزب أن يرجع خطوةً إلى الوراء ويعيد فحص أفكاره وتقييم برامجه ليعود أقوى مثل التاجر الذي تخسر تجارته فلا يجد حرجاً في إعادة تقييم سياساته التجارية.

إن ما يدفع حزباً إلى تقبل خسارته بروح رياضية بل حتى اتخاذه قراراً بحل الحزب هو ابتعاده عن النمط الشمولي الذي يتدخل في كافة تفاصيل الحياة، وتحرر أفراده من الشعور بأن كينونتهم متماهية في كينونة الحزب، فانتماؤهم إلى الأمة، أما الحزب فهو وسيلة مرنة يمكن استبدالها بيسر ودون تشنج

إن الخروج من السلطة لا يعني موت الكيان بل يعني أن هذا الكيان مرن بالقدر الكافي ليجدد نفسه ويفلت من الجمود والتحجر الذي لا ينفع في علاجه سوى الضربة الأليمة القاضية من الله أو من الناس.

الخروج من السلطة في بعض الظروف ليس معنىً أخلاقياً وحسب، بل هو مقتضى التقدير الصحيح للمصلحة، ذلك أن مفهوم السلطة ذاته قد تغير، فهي أشمل من مجرد حكومة تتورط في مسؤوليات المعيشة اليومية للناس مع ما يستجلبه التقصير في ذلك من زيادة الغضب في النفوس واستنزاف الرصيد الشعبي.

 
السلطة تعني أن تكون قادراً على التأثير في المجتمع بوسائل متعددة، فالإعلام الذكي سلطة أقوى من سلطة الحكومة لأنه قادر على توجيه وعي الجمهور وصياغة هوية الأمة، والاقتصاد سلطة لأن من يمسك بمقاليد الاقتصاد قادر على التأثير على سياسة الحكومات، تخيلوا أن يعرض على مؤسس شركات فيسبوك أو أمازون أو جوجل رئاسة الولايات المتحدة! غالبا سيرفضون لأن نفوذهم في الاقتصاد أقوى، والإلهام الروحي سلطة تتفوق على سلطة الرئيس، ويكفي أن تنظر إلى رصيد القادة الروحيين والعظماء من الأدباء والشعراء مثل غاندي وشكسبير وتقارن بين رصيدهم من الاحترام والتقدير في الوعي الجمعي لتلك الأمم ورصيد الساسة لتعلم أنهم هم أصحاب السلطة الحقيقية.، لذلك رفض عالم الفيزياء ألبرت آينشتاين القبول بعرض رئاسة دولة الاحتلال، ورد بالقول: " "أنا رجل علم ولست رجل سياسة".

في تسجيل "الخمسة بلدي" الشهير عام 2006 يقهقه محمد دحلان وهو يدخن سيجاره منتشياً بفوز خصمه اللدود في الانتخابات التشريعية وخسارة حركته فتح معللاً ذلك بأن "حماس نكبت نكبةً كبرى بفوزها، لأن أي شخص في الحكم في الوضع الفلسطيني سيكون أضعف منه في المعارضة، ويواصل أن الناس كانوا يرجمون مقرات الشرطة بقذائف ال "b7"" ثم تكون السلطة هي الطرف المدان، وتكون مطالبةً من الناس بتوفير الكهرباء والرواتب ومقتضيات الحياة!

جاء تتابع الأحداث طوال العقد المنصرم مؤكداً هذه النبوءة، فحماس منذ أن تورطت في مسؤوليات الحكم خسرت تألقها النضالي وتراجعت القضايا الوطنية الكبرى من اهتماماتها و حشرت في صندوق غزة الضيق واستنزفت في مطالب الناس اليومية من رواتب وكهرباء ومعابر، وعلقت أوحال تجربة السلطة بها فشاب أداءها الحكومي مظالم وتقصير واغتنت بعض القيادات فيها بمشاريع ربحية، وقاد كل ذلك إلى نتيجة أن حماس بعد السلطة أضعف مما كانت قبلها مهما سيقت مبررات بأن الدخول في السلطة كان حامياً للمقاومة، إذ إن المقاومة كانت أقوى حين كانت متحررةً من تعقيدات السياسة وأوحال السلطة ومسؤوليات الناس.

المثال الثاني من مصر، إذ وضع الإخوان ثقلهم التاريخي والاجتماعي في تجربة السلطة، فكانت ضربة الثالث من يوليو مؤلمةً وقاسيةً جداً إن لم تكن مميتةً، ولم يعد يسيراً على الإخوان أن يعودوا لممارسة ذات الدور الاجتماعي الذي كانوا قادرين على ممارسته بعد أن نصب لهم فخ الحكم بعناية، فكانت سلطةً بلا سلطة إذ لم يكونوا يملكون شيئاً من أدوات التأثير الاقتصادية والإعلامية والأمنية، وكانت النتيجة الوحيدة التي خرجوا بها من تجربة السلطة هي تآكل رصيدهم الشعبي ومباركة الجمهور المغيب لاضطهادهم بعد أن حملهم مسؤولية كل الكوارث السابقة واللاحقة

ولو أن الإخوان انشغلوا في مرحلة ما بعد إسقاط مبارك في نشر ثقافة الديمقراطية وإدامة الحس الثوري في الشارع دون أن يطرحوا مطالب خاصةً لربما قاد ذلك مصر إلى نتيجة أقل مأساويةً ولتعقدت مهمة العسكر في الانقلاب على الثورة.

لا أقصد بنفي مركزية السلطة موقفاً سلبياً أو زهداً صوفياً، إذ لا بد من رؤية لإصلاح النظام السياسي الحاكم والنضال في سبيل عودة السلطة إلى الشعب، إنما أقصد ألا يكون الوصول إلى السلطة هدفاً فئوياً خاصاً بالحزب في أي وقت وأي ظرف وبأي ثمن، فالرؤية الإصلاحية هي مشروع أمة لا مشروع سلطة، وكثيراً ما يكون الوصول إلى السلطة ضاراً بالمشروع لا خادماً له

ويكفي الجماعة أن تكون دافعاً في اتجاه تعزيز قيم الديمقراطية والحكم الرشيد وخلق مناخ ملائم لتداول السلطة وكسر هيمنة الحزب الواحد وتعزيز سلطة المجتمع المدني، فإذا تحققت هذه القيم بالنضال السلمي نعم الجميع بالديمقراطية وتهيأت الأجواء لتشكل الأحزاب في مناخات سليمة من التنافس الديمقراطي ومنحت الفرصة الطبيعية لممارسة برامجها.

وكما أن خسارة السلطة لا تعني نهاية الكون، فإن التفكير في الخروج الآمن من السلطة إذا تبين لأصحابها أنها باتت عبئاً مستنزفاً لقوتهم وأن ضررها أكبر من نفعها وإعادة التموضع في المجتمع والبحث في وسائل أخرى للانتشار الإيجابي في المجتمع ليس عيباً بل قد يكون أفضل الخيارات المتاحة وهو الذي يتيح للجماعة التعافي من أزماتها وتجديد روحها ووقف مزيد من الانحدار والنزيف لرصيدها.

"عربي21"

 

 

الفقه الإنساني

في مواجهة الفقه التكفيري

أحمد أبو رتيمة

 

شهدت الأسابيع الأخيرة ثلاث جرائم اغتيال في أماكن مختلفة كان القاسم المشترك بينها القتل على خلفية فكرية؛ الجريمة الأولى مقتل شاب بتهمة التشيع في غزة، والجريمة الثانية في سيناء وكان ضحيتها شيخ صوفي ضرير قارب المئة لم تشفع له شيخوخته ولا عمى بصره عند عميان القلوب، وأما الجريمة الثالثة في ليبيا وكان ضحيتها الداعية الوسطي ذو الوجه الصبوح نادر العمراني.

هذه الحوادث التي صارت تتكرر على نحو متصاعد في بقاع متعددة من وطننا العربي تدق ناقوس الخطر، فهي تؤشر على وباء عام، وتكشف عن منظومة ثقافية توجه من يستسهلون سفك الدماء وإزهاق النفس البشرية التي حرمها الله، والمعالجة الجذرية تقتضي تجاوز التعامل الموضعي مع الحدث والنفاذ إلى طريقة التفكير التي أنتجته ومنحته الشرعية وفق نظرية بيجوبتش بتجفيف المستنقع للقضاء على البعوض.

إزاء هذه الحوادث، ليس من الحكمة إدانة القاتل وحده، إذ إن القاتل لم يكن سوى صنيعة جو ثقافي عام وناتج عملية تغذية وشحن مستمر شاركت فيه عناصر إعلامية وثقافية وتعليمية كثيرة، هؤلاء جميعهم يتحملون وزر الجريمة وهم شركاء في الدم المسفوك، ولعلنا نجد هذا المعنى في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله". وربما كانت الحكمة من ذكر "شطر الكلمة" هو أن الجزء الأكبر من عملية التهيئة للقتل وتغذية المناخ المتفهم للجريمة يكون بالكلام ثم يكون تنفيذ الجريمة تحصيل حاصل.

لا شك أن الأجواء السياسية وتفشي الاستبداد والقتل وقهر الشعوب تتحمل جزء كبيرا من مسئولية تغذية اتجاهات العنف، لكن الإقرار بدور هذا العامل لا يجوز أن يسقط العامل الذاتي، ذلك أن الدين رسالة أخلاقية لا يتعامل بردود فعل خاطئة ولا يبرر لأتباعه الظلم والاعتداء بظلم الآخرين واعتدائهم مما ينفي صحة التعذر بأي عوامل خارجية لتبرير انتهاك القيم الأخلاقية، فإذا كان مرتكبو هذه الجرائم يقدمون عليها غالبا بدافع مفاهيم دينية مثل الجهاد ومقاتلة أهل النفاق والضلال ويظنون أنهم يتقربون إلى الله بسفك الدماء فإن السؤال الذي لا يصح الهروب منه في مواجهتها/ هل هناك حاضنة فقهية ترعى هذه الثقافة العنفية التي تقود إلى قتل الناس لأسباب مذهبية أو فكرية؟ وهل الجو الفقهي العام في بلادنا أقرب إلى السلام والتعايش والمودة أم إلى الحرب والقتال والكراهية؟

العنف شجرة خبيثة تبدأ من عالم النفوس وتسقى بمداد الكراهية والقسوة، والسلام شجرة طيبة تبدأ من عالم النفوس كذلك وتسقى بمداد الحب والرحمة، لذلك فإن الحكم على منظومة قيمية ما بأنها داعية عنف أو داعية سلام لا يبدأ بالبحث في النصوص المباشرة المحرضة على التعايش أو على القتل بل يبدأ بالبحث في مساحة الحب والرحمة التي تبثها في نفوس المؤمنين بها فإذا ملئت النفوس بمعاني الخير والرحمة والسلام فاضت رحمة وسلاما على العالمين.

يتضمن القرآن مبادئ عظيمة تبث في النفوس الرحمة والعدل والحرية والتعايش، فالله تعالى هو الرحمن الرحيم وقد أرسل نبيه رحمة للعالمين، وهو يحب المحسنين والمصلحين ولا يحب المفسدين والمجرمين، وهو الذي جعلنا مختلفين لحكمة وجعل لكل منا شرعة ومنهاجا لنتسابق في الخيرات وحثنا على الاجتماع على كلمة سواء وعلى التعارف وعلى الجدال بالتي هي أحسن وألا نقاتل إلا الذين يقاتلوننا وألا نعتدي وألا نفسد في الأرض بعد إصلاحها وألا نسفك الدماء وأن نحكم بين الناس بالعدل وأن نتعايش مع الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا من ديارنا بالبر والقسط وأن من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وأنه لا إكراه في الدين وأن أحدنا ليس بمسيطر على الناس ولا جبار ولا وكيل.  

هذه هي المبادئ الأخلاقية العظيمة التي يرسخها القرآن في نفوس المؤمنين، لكن هل كان الفقه التاريخي ترجمة دقيقة لمبادئ القرآن؟
لو أخذنا من خطبة الجمعة عينة لخطابنا الفقهي السائد وبدأنا من الشكل الفني لوجدنا كثيرا من خطباء الجمعة يعتمدون الصوت العالي التوتيري أسلوبهم المفضل على المنابر في لقاء يفترض أن رسالته سكب الطمأنينة والسكينة في القلوب، أما مضمون الخطبة فكثيرا ما يركز على التعبئة بمزايا الذات وأفضليتها على العالمين وضلال الآخرين وانحراف عقائدهم، ويكون مشحونا بلغة النذير والوعيد والتهديد والتحشيد وتختتم الخطبة بالدعاء على اليهود ومن هاودهم والنصارى ومن ناصرهم والشيوعيين ومن شايعهم أن يحصيهم الله عددا ويقتلهم بددا وألا يبقي منهم أحدا.

الكليات الشرعية في الجامعات ليست أحسن حالا فهي تغذي الطلاب بالمفاصلة والصدام مع الخلق أجمعين مستندة إلى مفاهيم الولاء والبراء ودار الحرب ودار الإسلام والفرقة الناجية وأهل السنة والجماعة وتصنيف أهل البدع والضلالات والتحذير من الغزو الفكري وضلال المذاهب وإفقاد الإيمان فطريته وعفويته النابضة بالشعور وتحويله إلى شروح أكاديمية معقدة ومعارف جافة، وبذلك تحولت الجامعات والجمعات إلى ماكينات ضخ هائلة تنتج أجيالا بعد أجيال من المتشددين المعبئين بالرؤية العدائية تجاه الخلق.

لا تقتصر الخطورة على النصوص النظرية المباشرة التي تحرض على العنف، فهناك أفكار صامتة لا تدعو الناس مباشرة إلى القتل ولكنها تخلق أجواء عدائية وتشحن النفوس بطاقة سلبية وتبث إشارات العداوة والبغضاء ضد كل مختلف فيكون العنف بعد ذلك ثمرة طبيعية، والتنبيه إلى خطورة هذه الأفكار الصامتة يأتي من كون معتنقيها يمارسون ازدواجية وتناقضا ويخفى عليهم مشاركتهم في المسئولية، فهم من جهة يتبرؤون من أحداث القتل التي تقع لكنهم من جهة أخرى لا يتفطنون إلى أن هذه الجرائم هي النتيجة الطبيعية للتعبئة التي يمارسونها.  

القتل ليس سوى التجلي النهائي لثقافة الكراهية والإقصاء المتراكمة في النفوس، وكلما تضاءل حضور الرحمة والتسامح والحب في النفوس كلما كبر ذئب الكراهية واستوحش واشتد خطره.
في الأدبيات الفقهية لا يزال تقسيم الأرض إلى دار حرب ودار إسلام حاضرا، ولا يزال تصنيف الناس إلى فرقة واحدة ناجية وفرق كثيرة هالكة في النار هو التصنيف المهيمن، ورغم أن لأبي حامد الغزالي مقولة بأن أكثر الخلق مشمولون في رحمة الله يوم القيامة إلا أن عجلة الفقه طحنت استنارته الرحمانية فلم تنتصر مدرسته تاريخيا، والنظر إلى أكثر أهل الأرض بأنهم في ضلال وسعر سيستدعي بالضرورة نظرة دونية إليهم وسيزيل لا شعوريا قداسة الإنسان من وعي المتدين المتبني لهذا الفقه وعلى أقل تقدير سيجعله لا مباليا تجاه انتهاك حقه.   

في الأدبيات الفقهية نجد الدعوة إلى عدم ابتداء اليهود والنصارى بالسلام وإلى اضطرارهم إلى أضيق الطريق وإلى عدم تهنئتهم بأعيادهم وإلى قتل الكافر بالمؤمن وعدم قتل المؤمن بالكافر ولو كان بريئا، وهي دعوة تناقض القرآن الذي يجعل أصل العلاقة بين المسلم وغير المسلم علاقة بر وقسط: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم"، فكيف سيرجى أن تساهم منظومة فقهية تؤمن بالتمييز العنصري بين البشر في صناعة السلام والتعايش؟ 

الدين يؤمن بالمساواة الإنسانية وكرامة كل البشر: "الذي خلقكم من نفس واحدة"، "ولقد كرمنا بني آدم"، "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"، بينما مثل هذه المفاهيم الفقهية تؤمن بملة بني إسرائيل: "نحن أبناء الله وأحباؤه، وملة هتلر عن تفوق الجنس الآري
في الأدبيات الفقهية تسود فكرة الغربة المنطلقة من سوء فهم حديث: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء"؛ والشعور بالغربة يولد الشعور العدائي بالضرورة ويعزز في النفس إحساسها بالنخبوية والاصطفاء ويؤثر على مفاهيم المودة والألفة الطبيعية داخل المجتمع فينظر إلى الناس بأنهم أعداء لا بأنهم قوم وعشيرة

هناك سبب نفسي لا يحسن تجاهله في تغذية الميل العنفي في الإنسان وهو العجز عن التصالح مع الحياة، هذه الأزمة يغذيها الفقه التقليدي الذي يقيم بناءه على مجاهدة مفاتن الحياة والعزوف عنها ويقدم الدين كما لو أنه حرمان متواصل من مباهج الدنيا، وهو تصور يعاكس التصور القرآني الذي يقدم الإيمان بأنه حب ورضا وإقبال بهيج نحو الحياة: "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"، " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"، "فلنحيينه حياة طيبة". 

النظر إلى الدين بأنه حرمان من ملذات الحياة يخلق أزمة عميقة في نفس الإنسان فيعيش وقد سيطر 
عليه شعور النقص والحسد الخفي مما سيولد نظرة عدائية تجاه مشاهد الحياة الصاخبة واستمتاع 
الناس بها، وستلعب هذه الفكرة الخطرة في الوعي الخفي للإنسان وستشحنه بالطاقة السلبية ضد كل مظاهر الفرح والحياة، وهو ما رأيناه جليا في كثير من الحوادث الإرهابية التي تستهدف أفراح الناس واحتفالاتهم من قبل أفراد يائسين ناقمين

من إسهامات الفقه التقليدي في تغذية مناخ العنف المبالغة في استحضار مفاهيم الحرب العالمية على الإسلام والغزو الفكري، وإفراد مساحة كبيرة من الجهد التثقيفي في تبيان ضلال العقائد الأخرى وانحراف الأفكار البشرية؛ هذه المفاهيم تنشئ جدرانا عازلة بين المؤمن وبين الناس المنوط به هدايتهم إلى الخير والرحمة وتعوق الانتشار الطبيعي للدين كقوة روحية تتسلل إلى النفوس كما يتسلل الماء في الجداول فيتلقاه الناس العطاشى دون مقاومة، لكن حين يتحول الدين إلى مادة أيديولوجية استقطابية فإن محفزات الرفض ستستثار في النفوس وستختلط صورة الدين النقية بأجواء الصراع والكراهية.

إن مواجهة هذه المفاهيم الفقهية التي تغذي شجرة العنف بات ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل، وقد أثبتت التجربة أن المداراة والمواجهة الخجولة لهذه المفاهيم المعارضة لروح القرآن ليست أكثر من تهرب من المسئولية يفاقم المشكلة ولا يحلها، وإذا آثر العقلاء المستنيرون الصمت مجاملة للجماهير وخوفا من إغضابهم فهم بذلك يخلون ميدان السباق لأصوات التطرف والغلو لمزيد من التعبئة السوداء ومزيد من المآسي والدماء

أليس محيرا أن دعاة الغلو والتطرف لا يخجلون من المنافحة عن أفكار تدعو إلى القتل بينما دعاة التسامح والسلام خجلون من الجهر بأفكار إن أخطئوا فيها فسيكون خطأ في العفو لا خطأ في العقوبة؟
 
فأي الفريقين أحق بالخجل إن كنتم تعلمون

(عربي 21) باتفاق مع الكاتب

 

التفسير الديني للأحداث السياسية

أحمد أبو رتيمة

 

يعتبر الدين مكوناً عميقاً في الشخصية العربية، وهو ما يظهر في الثقافة الشائعة بين الناس، إذ تشحن أحداث الحياة بدلالات دينية بدءًا من مستوى الفرد الذي إذا أصابته حسنة قال: الحمد لله، هذا من فضل ربي، وإذا أصابته سيئة قال: الحمد لله على كل حال، قدر الله كله خير.

يبقى استحضار الروح الدينية مثمرا ما دامت هذه الروح تحفز في نفس صاحبها المعاني الإيجابية مثل الرضا والطمأنينة والشكر وتحصنه من اليأس والضياع، والدين في الأساس يهدف إلى إصلاح العالم الداخلي للإنسان، فإذا انطفأت حيوية الإيمان في قلب الإنسان ووافق ذلك نشوءه في بيئة متدينة وجه الثقافة الدينية المكتسبة باتجاه العالم الخارجي، أي استعمل معرفته الدينية لإدانة خصومه لا لإدانة نفسه، وبذلك يصير الدين أداةً يطوعها الإنسان بدل أن يمتثل لهديه؛ يتجلى هذا في ازدواجية المعايير لدى كثير من الناس في تفسيرهم الديني للأحداث فهم يرون المصيبة التي تحل بأحبابهم ابتلاءً من الله لرفع درجتهم بينما يرون المصيبة ذاتها حين تحل بمن يكرهون انتقاماً من الله!

نشأت الحركات الإسلامية في مجتمعات معبأة بالروح الدينية، وأعلنت أن هدفها تغيير الأوضاع السياسية، ولما كان من الطبيعي أن يستحضر الإنسان في معركته السياسية كل الأدوات المتاحة للانتصار وجدت هذه الحركات في النصوص الدينية التي تنزع الشرعية عن ممارسات السلطات أداةً صراعيةً، فتنامى استحضار الدين في إدانة الخصوم السياسيين وفي تأصيل المواقف الفكرية والسياسية للجماعات الإسلامية، وساهم في تعزيز هذا الاستحضار الثقافة الدينية العالية للمنتسبين للحركات الإسلامية ومرجعية القرآن والسنة التي تمكنهم من استحضار الشواهد الدينية بكثافة وربطها بالأحداث السياسية والاجتماعية المعاصرة.

في مقابل موقف الإسلاميين كان موقف العلمانيين المطالب بالفصل بين الدين والسياسة، فالدين لله والسياسة ممارسة بشرية تحت دائرة النقد والمساءلة، ومن شأن خلط الدين بالسياسة إضفاء طابع القداسة على الجماعات الإسلامية والتعامل مع خصمها السياسي كأنه عدو لله ورسوله

الأمر مختلط؛ فمن جهة تبدو وجهة النظر العلمانية منطقيةً إذ ينبغي الفصل بين الدين الإلهي والممارسة البشرية، والسياسة تقيم بالأدوات السياسية وليس بمعيار الإيمان والكفر والهدى والضلال، لكن من جهة أخرى فإن القرآن ذو رسالة إيجابية في الحياة فهو ليس كتاباً قاصراً استعماله على التعبد الفردي والرهبانية، بل فيه الدعوة إلى الإصلاح في الأرض وإقامة العدل والإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والقتال والصدع بكلمة الحق، وهذه الأوامر تقتضي المدافعة الاجتماعية والسياسية، كما أن القرآن يفرد مساحةً كبيرةً للحديث عن قصص الأمم وعاقبة الظلم والإفساد في الأرض، فإذا قلنا بتحييد الدين عن معترك السياسة والمجتمع فما قيمة كل هذه المعالجة القرآنية لمشكلات الاجتماع والسياسة والحضارة؟

لتفكيك الالتباس ينبغي التفريق بين إحياء روح الدين في حياتنا وبين استغلاله السياسي. الدين هو دعوة الحق والعدل والإصلاح في كافة شؤون الحياة بدءًا من سريرة الإنسان وانتهاءً بالعلاقات العالمية. القرآن الذي يقول لنا: "قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله" يقول لنا أيضاً: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط".

لكن الإيمان بدور الدين الإصلاحي لكافة شؤون الحياة مبحث مختلف عن الاعتقاد بأن جماعةً بشريةً تتبنى الخطاب الديني صارت تستمد شرعية وجودها مباشرةً من التفويض الإلهي فيؤدي هذا الاعتقاد إلى إلغاء المسافة الفاصلة بين البشري والإلهي وإلى التماهي بين القيم الدينية الأخلاقية المجردة وبين السلوك البشري الذي يداخله الهوى والخطأ والقصور، وإلى إضفاء حصانة ما ينبغي أن تكون لمجموعة من البشر يتسلحون بها لحماية ذواتهم من المراجعة والنقد

هناك حديث مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند ابن ماجه يوصي فيه أمير السرية: "وإن حاصرت حصناً فأرادوك أن ينزلوا على حكم الله، فلا تنزلهم ولكن أنزلهم على حكمك. فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا". 

هذا الحديث الغائب من التراث الفكري للحركة الإسلامية يحمل مفهوماً ثورياً أقرب إلى الروح العلمانية، فهو يمنع الخلط بين قداسة الدين وبين ما يصيب البشر من أخطاء وقصور، ويوفق بين رسالة الدين الإيجابية وبين تحريم استغلال اسمه لتبرير السلوك السياسي وهو ما يعود بالضرر على الدين في حال جانب المجتهد مراد الله من حيث علم أو جهل.
 
لا تشترط فاعلية الدين الزج باسمه وإلباس الاجتهاد البشري به، إنما يكفي لتحقيق مقاصد الدين الاجتهاد في البحث عن أفضل طريق تؤدي إلى العدل والإصلاح، فإذا تحقق العدل والخير والإصلاح فهذا هو مقصد الدين دون حاجة إلى تنصيب الذات ناطقاً رسمياً باسم الدين أو مفوضاً من الله.

يبين القرآن سنن الله الضابطة لحياة الجماعات البشرية ويضرب لنا أمثلةً من الذين خلوا من قبلنا عن دور الظلم والفساد والترف في هلاكهم، لكن القرآن يتناول هذه العلل تناولاً علمياً، فهي قوانين موضوعية تجري على الجميع، والقرآن يرسخ وحدة القانون الاجتماعي والتاريخي فيقول: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به"، "ويقول: "قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق"، ويقول: "سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً "، والبشر لا يجدون حرجاً في التناول العلمي للمسائل فهم لا يغضبون من طبيب يشخص مرضاً بيولوجياً ولا يتهمونه بالانحياز لأن العلم قوانين ثابتة متعالية على أهواء البشر.

تنشأ المشكلة حين يتحول الدين إلى أيديولوجيا يجري استحضارها بطريقة انتقائية للتعبئة في اتجاه واحد وتوظيفها سياسياً ضد الخصم، فيصبح حال من يفعل ذلك كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض

القرآن يقدم قوانين صارمةً لا تتجزأ، فهو يقول مثلاً: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ".

هذه الآية تبين قانوناً اجتماعياً يشبه قوانين الرياضيات في دقته: الجوع والخوف هي وسائل إلهية لمعاقبة المجتمعات على كفرها بأنعم الله، لكن القانون هنا للعبرة وليس للتسييس، وحين نرى مجتمعاً غارقاً في الجوع والخوف مثلما يحدث الآن في مصر فهي آية إلهية تحثنا على الاعتبار، لكن الحساسية تنشأ من حالة الاستقطاب السياسي والانتقائية في قراءة النصوص بما يخرجها من حقلها الطبيعي الهادف إلى وعظ الإنسان ويعطل فائدتها الروحية

هل نترك التفسير الديني للأحداث سداً لباب التوظيف السياسي للدين؟

إن تبنينا هذا الرأي فسيفوتنا خير كثير لأن القرآن كتاب فاعل اجتماعياً وفيه آلاف القوانين التي تتناول أزمات الناس في كافة الميادين وتنبههم إلى موطن الخلل الرئيس حين يغفلون عنه، وإن فتحنا الباب للتفسيرات الدينية فسيجري التلاعب بها واستحضارها ممن لا يبحث عن الحق ويتخذ من الدين مطيةً لخدمة أهدافه الدنيوية.

ربما يكون سبيل ثالث بين ذلك قواماً، وهو أن تحيد التفسيرات الدينية من حقل العمل السياسي وأن تقوم الأحزاب على أساس مدني وتتبنى الصيغ المدنية في خطابها ومواقفها، وفي ميدان آخر يعمل العلماء على إحياء معاني الدين الاجتماعية والسياسية دون أن تكون لهم مصلحة خاصة لدى جهة دون أخرى، والضامن هنا لئلا يتم استغلال الدين هو التقوى الداخلية في نفس الفرد التي تدفعه لتدبر آيات الله بقلب الباحث عن الحق لا بقلب الباحث عن غرض شخصي أو حزبي، كذلك وأمارة التفسير الديني الصحيح للأحداث السياسية هو أن يكون تفسيراً نزيهاً يدين صاحبه نفسه قبل أن يدين خصمه ويبصر عيوبه قبل أن يبصر عيوب الناس، وأن يستطيع تقديم إطار تفسيري شامل للأحداث المتفرقة في العالم في سياق جامع، فإذا افترض أن مصاباً من جوع أو خوف أو تمزق اجتماعي مرده إلى الظلم والفساد فعليه أن يكون قادرا على إثبات هذه الفرضية حتى النهاية وعلى استحضار أمثلة متعددة من سياقات سياسية وثقافية مختلفة تؤكد الفرضية ذاتها وأن يملك إجابةً مقنعةً على كل الشبهات المعاكسة

الدين يقدم قوانين طبيعيةً تتعلق بالفعل البشري وعاقبته، وحين نبرز المحتوى السنني في الدين سنحرره من الأدلجة والتوظيف. الأحداث السياسية والصيرورة التاريخية والتقلبات الاجتماعية كلها آيات يخاطبنا الله بها تماماً كما يخاطبنا بالقرآن، والقرآن لا يعني بـ"الآية" الآية القرآنية وحدها، إنما يعني بها كذلك الآية الطبيعية التي تشمل أحداث السياسة والاجتماع والتاريخ: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم".

القرآن كلام الله والواقع والتاريخ كلام الله أيضاً، والمؤمن يقف إزاء أحداث السياسة والمجتمع ليس بقصد استغلالها سياسياً، بل وقفةً خاشعةً معتبرةً لأنه يعلم أن الله يخاطبه بهذه الأحداث ويحذره إن اتبع نفس السنن بأنه سيجد نفس العاقبة.

"
قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين". 

"عربي21"

 

 

الشعب يريد بناء النظام

احمد ابو رتيمة

 

الثورة آتية لا ريب فيها، وأمارة اقترابها تفشي الظلم وتعمق الشعور بالقهر في نفوس المواطنين واقتطاع ضريبة الفساد وسوء الإدارة من حاجاتهم الأساسية، فإذا عم الظلم وظهر الفساد وغابت آليات المراجعة والتصحيح في بنية النظام أضحت الثورة مسألة وقت، والثورة هنا فعل انفجاري عشوائي غير خاضع للرصد وغير قابل للاحتواء، هي فعل هدمي لبناء فاسد لم يصن كرامة الإنسان ولم يقم العدل ولم يشعر المواطن بقيمة حياته فلم يعد يبالي بالاندفاع نحو الموت بعد أن فقد معنى الحياة والشعور بها.

الثورة من هذا المنظار فعل يائس لا يخطط صانعوها لما بعدها ولا يبالون بحسابات ربح أو خسارة، إنما يلجأون إليها اضطراراً بعد أن غدا استمرار الوضع الراهن مستحيلاً، وبعد أن غدت فاتورة الحياة باهظةً لا تطاق.

تزيل الثورة عائقا أساسيا من طريق البناء والنهضة، وتخلق فرصةً تاريخيةً للفعل الحضاري، لكنها وحدها لا تكفي لأن الحضارة تقوم بالرؤية الواعية لا بالاندفاعة العاطفية، وحين تكون الثورة فعلاً غاضباً وحسب فإنه يسهل اختراقها وركوب موجتها من قبل شبكات المصالح في الداخل والقوى الأجنبية من الخارج وإعادة توجيه مسارها بعيداً عن إرادة الشعب ومصلحة الوطن، وحين يصحو المواطن بعد ذهاب السكرة ومجيء الفكرة فإنه يجد نفسه أمام نظام حكم جديد جاثم على صدره لا يختلف جوهرياً عن نظام الحكم الذي أسقطه، فيغدو أمام خيارين؛ إما ابتلع الإهانة هروباً من مرارة الاعتراف بالفشل وغض البصر عن تجاوزات النظام الجديد وأوهم نفسه بإنجازات الثورة، أو اعترف سراً في نفسه بأنه قد خدع وسرقت منه ثورته فيبدأ بمراكمة مشاعر الغضب من جديد في انتظار لحظة انفجار أخرى تأتي بها الأيام.

هكذا تدخل الشعوب في دوامات مكررة تستنزف تاريخها وطاقاتها وتطيل أمد رقادها وتحرمها من فرصة الانطلاق الحضاري، وتصبح الثورات مُسكِّناً لحظياً يلجأ الناس إليها بقصد تسكين اضطراب ضمائرهم وتوفيق علاقتهم مع الواقع المعاش ليعودوا سريعاً إلى حياة الراحة والاستقرار، لا بدافع الإرادة القوية لإحداث تغيير جذري يؤسس لحقبة تاريخية جديدة قوامها العمل الجاد في سبيل ترسيخ العدل والرخاء

في هذه الحالات تسقط الثورات وجوهاً وتأتي بوجوه جديدة، وينزع المُلك من أحزاب ويوهب لأحزاب أخرى، لكن بنية النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي تظل راسخةً لا تتأثر، وعوامل التخلف التي أنتجت الأزمات تبقى كامنةً في البنية الفكرية العميقة للمجتمع مما يجعل المناخ ملائماً لإعادة تكرار ذات الأزمات، وتهدر الشعوب أعمارها في التجربة والخطأ وتظن أن النحس قد أصابها أو أن المؤامرة أكبر من قدراتها، وهي لا تدري أنها لم تضع أيديها بعد على موضع الخلل وأن كل موجاتها الثورية لم تكن أكثر من كمادات تخفيض للحرارة وأن إنجازاتها لم تزد عن تجميل وجه النظام دون معالجة أسس الخلل وحاضنته الثقافية.

الثورة ليست هدفاً، بل هي النتيجة الاضطرارية التي يقود إليها تعسر ولادة مجتمع العدل والكرامة، وهي لا تحتاج من المقومات أكثر من تراكم شعور القهر والإحباط، والنظام بظلمه الممنهج وبنيته الفاسدة وسياساته الغبية هو أكفأ من يضطلع بمهمة تغذية الشعور الثوري في نفوس الجماهير.

وما دام النظام قد كفانا هذه المهمة فإن الجدير بالعقلاء وحملة لواء الإصلاح أن يلتفتوا إلى مهمة أخرى أكثر أولويةً وهي رسم ملامح ما بعد الثورة ووضع أسس العدل والحكم الرشيد التي تحول دون تكرار ذات أخطاء المرحلة الراهنة، وتهيئ للثورة يوم أن تحين ساعة ميلادها الطبيعية أن تكون أكثر من مجرد انفجار غاضب، وأن تؤسس لحقبة جديدة تعلن قطيعةً ثقافيةً واجتماعيةً وفكريةً مع الاستبداد وتضع قواعد مجتمع رشيد يقوم على العلم والعدل والتنمية.

هل نحن في حاجة إلى الرؤية قبل الثورة؟

هناك من يرى أن أي حديث في الخطط والرؤى قبل إسقاط نظام الاستبداد هو ترف من الحديث، وأنه لا صوت يعلو اليوم فوق صوت التحشيد وتحريض الجماهير، فإذا سقط النظام كان لكل حدث حديث!

الواقع صارخ الدلالة في الرد على هذه الشبهة؛ لقد سقطت الأنظمة فعليا في أربع دول عربية عام 2011، ثم لم تنجح أي من هذه الدول في إقامة أنظمة ديمقراطية راسخة وفي إطلاق عملية البناء والنهضة، ولا تزال ثلاث منها ممزقةً في حالة احتراب ودماء واستبداد إلى اليوم، أما الرابعة تونس والتي لا يزال المتفائلون يتمسكون بشعاع الأمل الأخير في تجربتها فإن من الصعب الحديث بأنها شهدت تغييراً جذرياً إذ عاد إلى الحكم ذات النظام القديم مع بعض مساحيق التجميل، ولا يزال من المبكر الحكم بأن تحولاً اجتماعياً راسخاً حدث في تونس من شأنه أن يحول دون انتكاس الديمقراطية.

حدثت الثورات فعلا عام 2011 لكنها كانت انفجاراً غاضباً لمشاعر القهر واليأس دون أن تكون مرفقةً برؤية واضحة متبناة من قطاع عريض من الجمهور لشكل المجتمع والدولة الذي سيعقب اللحظة الثورية، وقد أدى غياب الرؤية إلى إيجاد حالة من الفراغ السياسي والاجتماعي، وفي مواجهة واقع جديد لا يملك الناس رؤيةً في التعامل معه أعاد المجتمع إنتاج ذات القيم السلبية لمرحلة ما قبل الثورة، لأن الوضع الطبيعي هو أن يعيد المجتمع تكرار نفسه وأن ينجذب إلى عوامل التخلف المتمكنة فيه ما لم تكن هناك قوة معاكسة تطلقه باتجاه قيم جديدة. ورأينا تجليات هذه الانتكاسة في تفرق القوى الثورية وتنازعهم دون إدراك خطورة المرحلة، وفي هامشية اهتمامات الثوار بدل توظيف النفس الثوري في عملية نهضة شاملة تطال كافة مرافق المجتمع التعليمية والثقافية والاقتصادية و التنموية، ثم جاءت قوى الثورة المضادة لتقطف الثمرة ناضجةً بعد أن أثبت الثوار أنهم لا يملكون رؤيةً جادةً وأنهم لا يمثلون بديلاً قادراً على تنفيذ برامج إصلاحية تحقق العدالة والتنمية.

الشعوب لا تتغير بضربة عصا سحرية، والرهان على إصلاح العادات والتقاليد المجتمعية الراسخة في مرحلة ما بعد إسقاط الأنظمة هو ترحيل للمشكلة، فالمواطن الذي تعود على ثقافة الأخذ بدل العطاء وعلى الاهتمام بمصلحته الخاصة على حساب المصلحة العامة وعلى تكديس الثروات دون مبالاة بحقوق الفقراء وعلى سلوك طرق الرشوة والواسطة والمحسوبية وعلى عدم احترام الوقت والنظام والقانون وعلى ثقافة الإقصاء لا المشاركة، لا يمكن أن يتحرر من كل هذه الأمراض بمجرد سقوط الطبقة الحاكمة، بل إن هذه المظاهر المتفشية في مجتمعاتنا هي أصل الداء، والنظام السياسي ليس سوى تجل لهذه الأمراض التي تنخر عميقاً في بنية المجتمع.

صياغة رؤىً تفصيلية لتحقيق العدالة الاجتماعية وإصلاح مؤسسات الدولة قبل الثورة ضروري لأنه يمنح الثورة معنىً أخلاقياً فلا يصبح إسقاط النظام هدفاً لذاته، إنما الهدف هو الإصلاح، فإن كان في النظام بقية عقل و أعلن انحيازه تحت ضغط الجماهير ووعيهم إلى البرامج الإصلاحية فقد كفى الله المؤمنين القتال وانتفى مبرر الثورة، وإن أصر النظام على المعاندة فقد أقيمت الحجة عليه لأنه غدا في مواجهة مطالب أخلاقية مشروعة لا في مواجهة كيانات سياسية معارضة، كما أن الرؤية القبلية تنقل الثورة من مجرد كونها فعلاً هدميا إلى مشروع بنائي، وتصبح الفرصة أكبر لتفتيت الكتلة المناصرة للنظام واستمالة أعداد كبيرة من مؤيديه، لأن الثورة هنا مشروع أخلاقي ينادي بالقيم المجردة ولا ينادي بهدم الأشخاص والكيانات

وجود الرؤية يحشد الجماهير على أسس واضحة من الوعي، ويمنح الثورة قاعدةً جماهيريةً عريضةً من الفقراء والمهمشين الذين تتبنى الثورة مطالبهم وتطرح برامج تفصيليةً لإنصافهم ورد الحقوق إليهم قبل الانطلاق ولا تكتفي بمجرد شعارات جوفاء للتعبئة اللحظية، كما أن وضوح الرؤية يبصر الثوار بخطواتهم ويحصنهم من الخديعة وسرقة الثورة، ويحمي الدولة من خطر الفوضى والفراغ بعد سقوط النظام، كما يحميها من خطر قيام نظام استبدادي جديد في حال لم تكن قضية العدالة والإصلاح مبلورةً وواضحة المعالم قبل الانطلاق.

في القرآن الكريم يستعجل بنو إسرائيل هلاك فرعون فيرد عليهم النبي موسى عليه الصلاة والسلام: "عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون".

لم تكن المشكلة في زوال فرعون، بل من سيخلف فرعون وكيف سيخلفه؟ 

(عربي21)

 

بل أحسبه غافلا يا شيخنا!

احمد ابو رتيمة

 

أرسل إلي صديق وقد أذهلته مشاهد الموت والدمار القادمة من حلب، وقبلها شلال الدم النازف دون توقف منذ أكثر من خمس سنوات، سألني هذا الصديق أسئلةً قال إنها تفيض من قلبه المنتحب وشعوره بالقهر:

هل وجود الله وعدمه سواء في دنيانا الظالمة!

لا أعتقد بوجود عدالة في دنيانا، بل الانتظار والانتظار حتى قيام الساعة.. نظام ظالم لا يجد من يردعه.

كيف يقول القرآن: "وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ"، بل أحسبه غافلا يا شيخنا !!

في مواجهة هذه الأسئلة الحرجة لا يحسن بنا دفن رؤوسنا في الرمال والتقليل من خطر العواصف النفسية والفكرية التي تجتاح نفوس شباب المسلمين على نطاق آخذ في الاتساع أمام زلزلة الأحداث وفي ظل غياب فقه ديني إنساني عقلاني يقدم إجابات تشفي الصدور وتقنع العقول، وقد سجل القرآن حالةً مشابهةً اجتاحت نفوس المؤمنين في غزوة الأحزاب: "وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً". 

لا يمكن الجزم أن دافع السؤال عن حضور الله دائما شرير، بل ربما هو علامة حيوية إيمانية، فالإيمان الحي إيمان حركي تفاعلي مع الأحداث وهو أبعد ما يكون عن تبلد الشعور وموت الإحساس، وربما يقترب هذا السؤال من حال الصحابة حين شكوا للنبي عما تحدثه به نفوسهم فأجابهم الرسول عليه السلام: أوجدتموه؟ فإن ذلك صريح الإيمان، وقول النبي في موضع آخر: "نحن أحق بالشك من إبراهيم".

الله ليس قانونا ماديا ملموسا، وكل من آمن بالله فقد آمن به على أساس أنه غيب، والفرق بين الغيب والشهادة أن عالم الشهادة يعمل بطريقة آلية يسهل ملاحظتها والتنبؤ بها، فآلة المصنع تدخل فيها المادة خاما ثم تخرج منتجا جاهزا، يحدث ذلك برتابة وتكرار صارم فإذا تأخر المنتج مرة واحدة علم الخبراء أن ثمة خللا طرأ على عمل الآلة فسارعوا إلى الفحص والصيانة، لكن الله لا يعمل بهذه الطريقة، ولو كان حضور الله في الوجود بآلية ميكانيكية رتيبة لانتفى معنى الإيمان والكفر ولما تمايز الناس ولما كان هناك معنى للأخلاق لأن من لا يقترف الخطأ لرؤيته الرقيب الخارجي ليس بصاحب فضل، إنما صاحب الفضل من سمح له تواري الرقيب أن يشعر بحرية فعل الشيء أو الامتناع عنه، لذلك لا يكون الإله إلها إلا إن كان عمله في الخفاء لا بطريقة صريحة فجة، وقد كان من أسماء الله تعالى الباطن لأنك تشعر به في تلمس الروابط الخفية والأسرار اللطيفة خلف ظواهر الأشياء بعد أن تتحرر من ضغط اللحظة وكثافة المادة المحيطة وتنفذ ببصرك إلى العمق والما وراء..

إن هذه الحياة دار ممر وابتلاء لا دار مستقر وهناء، هذا مرتكز ضروري آخر لمقاربة معنى الله في الشدائد، إن كل ما في هذه الحياة مبرمج ذاتيا للفناء، الشمس والنجوم والأرض والذرة والإنسان والدول والحضارات، مأساة الإنسان أنه يتشبث بالبقاء في أرض ينطق كل ما فيها بحتمية الفناء، إنه يحاول معاندة القوة الطبيعية القاهرة المحيطة به، و يجزع من فقد الأحبة، لكن لو سألته في ساعة هدوء بعيدا عن أسر الأحداث وضغط العواطف: وماذا كنت تتوقع في الحياة غير ذلك؟ كم كنت تتوقع استمرار الاستقرار والهناء؟ سبعين، مائة، مائتي عام؟ لما وجد جوابا.. 

لقد جئنا هذه الحياة ضيوفا وعلينا أن نقبل بقانون الضيافة برضى واستسلام، قانون الضيافة الذي يقول إن المقام إلى أجل مسمى، وإن لكل مبتدأ منتهى وبعد كل اجتماع افتراق وبعد كل صفاء كدر، كل ما في الحياة إلى أفول والسعيد من لم يعلق قلبه بالآفلين: "قال لا أحب الآفلين".

لكن ما بال الظلم والفساد والطغيان، وكيف يستقيم مع وجود إله عادل رحيم قادر؟

إن فلسفة وجود الإنسان على هذه الأرض هي الإنابة عن الله: "إني جاعل في الأرض خليفة"، والخليفة هو من يقوم بأدوار من استخلفه بحرية ومسؤولية، إذا لا بد أن يتمتع الإنسان بالحرية الكاملة على هذه الأرض لاختيار الوجهة التي يريدها وأن يتحمل مسئوليات اختياراته، ولو تأملنا قوانين الطبيعة لوجدناها تسير بانضباط ودقة متناهية فلم يحدث يوما ما أن اعتدى نجم كبير على نجم صغير، أو تأخرت الشمس عن موعد طلوعها، إن كل ما في الطبيعة من الذرة إلى المجرة ينضبط وفق ميزان، والكائن الوحيد الذي يملك الخروج عن الميزان هو الإنسان بما امتلكه من حرية: "والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان".

هذه الحرية الإنسانية تحتمل إحدى مسارين: فهي التي تخرج من الإنسان أجمل ما فيه من روحانية وخير وذكاء وعمران، وهي ذاتها التي تخرج أسوأ ما فيه من فجور وشر وإفساد وغباء، كل ما نراه من أمثلة السمو الأخلاقي مثل محمد وعيسى وبوذا وغاندي ومظاهر العبقرية والعمران مثل ناطحات السحاب والطائرات والانترنت هي تجل لقدرة الإنسان على التسامي وذكاء اختياراته، وفي ذات الوقت فإن ما نراه من أمثلة التردي مثل ستالين وهتلر وبشار وجنودهم هي تجل لحرية الإنسان في الاتجاه المعاكس والتسافل إلى آخر مدى وغباء اختياراته، هذه هي جدلية الإنسان فهو ليس ملاكا ولا شيطانا ولكنه كائن يمتلك زمام مصيره ويستطيع صناعة قدره بنفسه، إما نافس الملائكة في الفضيلة وأذهلهم بذكائه أو فاق الشياطين في الشر والفساد

إذا فالذين يسألون عن خفاء دور الإله حين يمهل الظالمين والمفسدين في الأرض حينا من الدهر لا يرون الجزء الآخر من الصورة وهو أن هذا الخفاء ذاته هو الذي أتاح للإنسان إمكانيات العمران والاكتشاف والاختراع، فلماذا نستعجل حضور الله في الشدائد وننساه في المسرات، لماذا نتذكر دور الله في السيئة وننسى فضله في الحسنة، هذه الحالة النفسية رصدها القرآن بدقة: "وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض"! إن التناقض الذي يقع فيه هؤلاء هو أنهم يفترضون أن المنجزات البشرية هي ثمرة ذكاء الإنسان وينسون الله في نشوة فرحهم: "إنما أوتيته على علم عندي"، حسنا بالمنطق ذاته وجب القول: إن جرائم القتل والإفساد في الأرض هي ثمرة غباء الإنسان، لأن إرادة الإنسان وحدة واحدة ومن غير المعقول التعامل معها بانتقائية.

لا شك أن صرخات المظلومين ودماء الأطفال المسفوكة تؤلم كل صاحب قلب حي، ونحن لا ننكر في السائلين شعورهم الإنساني الذي يحرك هذه التساؤلات، لكن لو عرض عليهم أن يتدخل الله في حياتنا البشرية بطريقة واضحة فيسيرنا مثل الروبوتات ويبرمجنا في مسارات قاهرة لا نملك الخروج عنها، هل سيرضون أو سيرضى أحدنا بذلك! إن الفطرة الإنسانية تقدس الحرية وتأبى التضحية بها مهما بهظت تكلفتها، لذلك فإن البشر في مجموعهم وفي تكوينهم العميق يرفضون أن ينزع الله منهم هذه المكرمة مهما أسيء استغلالها، وما الصرخات التي نسمعها في أوقات الشدة عن استعجال التدخل الإلهي بإهلاك الظالمين إلا نتاج شدة الوجع وضغط اللحظة والاستدعاء الرغائبي لله، ولو أجاب الله نداءاتنا دائما وأهلك الظالمين وفق مقاييسنا الزمانية المتعجلة لانتفى معنى الاختبار ومعنى الحرية، فقيمة الحرية هي أن يفعل الإنسان ما يريد دون أن يشعر أن سيفا مسلطا على رقبته سيقتص منه حالا: "إنْ نَشَأْ نُنَزِّل عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء آيَة فَظَلَّتْ أَعْنَاقهمْ لَهَا خَاضِعِينَ".

السؤال عن دور الله في الصراعات البشرية مبني على أساس خاطئ يغفل حقيقة حرية الإنسان وسلطانه في الأرض، والصيغة الصحيحة للسؤال ينبغي أن تكون: ما الذي يمنع المظلومين من الاجتماع وامتلاك أسباب القوة لمدافعة الظالمين وهل سيمنعهم الله إن فعلوا ذلك: "وما كان عطاء ربك محظورا"؟ وما الذي يمنع البشر في مجموعهم من الاجتماع على كلمة سواء والكف عن قتل بعضهم البعض وسفك الدماء، هل سيمنعهم الله إن قرروا ذلك يوما ما؟  

في معرض توعده للظالمين ومواساته للمظلومين يحيلنا القرآن غالبا إلى القانون الطبيعي أكثر مما يعدنا بمعجزات خارقة للعادة، يواسينا القرآن بالعاقبة النهائية لمشهد الحياة الدنيا: "لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد"، والمتاع القليل بالمقياس المطلق قد يكون مئات الأعوام لكن العبرة بالخسران الأبدي بعد ذلك: "أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ"، هذه ليست دعوة للاستسلام والعجز إنما بث للقوة الروحية في نفوس المؤمنين تحميهم من اليأس، إن القانون الطبيعي وحده موطن عبرة دون معجزات، فالقذافي مثلا ظل يقترف جرائم قتل منذ أربعين عاما، وقد كان هناك مظلومون يستغيثون الله منذ ذلك الزمن البعيد ولم يكن الله يستجيب لدعائهم فورا وربما ألحد بعضهم احتجاجا على عدم استجابة الله، لكن في المشهد الأخير الذي نراه الآن فقد رحل ضحايا القذافي ورحل القذافي بعد أن كان يظن ألن يقدر عليه أحد وخيل له في لحظة من الزمن أن ملكه سيخلد فما أغنى عنه ملكه وسلطانه، إن القانون الطبيعي الذي يقول لنا إن كل شيء إلى فناء ولو بعد حين هو في ذاته دليل حضور الله وموطن اتعاظ لمن كان له قلب ومبطل لمنطق الظلم والفساد، لأن دافع الظالمين والمفسدين هو محاولتهم اليائسة تخليد ملكهم وإدامة سلطانهم، وما دام التاريخ لم يكتب أبدا أن ظالما استطاع حماية نفسه من الفناء وبلوغ أجله المحتوم فهذه حجة لصالح الاستقامة والإصلاح في الأرض، إننا نرى الله في أكثر مظاهر الحياة اعتيادا وفي الصيرورة الطبيعية للأحداث ولسنا بحاجة لمعجزة لإظهار دوره.. 

نعم، في القرآن أمثلة لإهلاك الظالمين بتدخل إلهي مباشر مثل فرعون وعاد وثمود أو تنزل الملائكة في بدر، لكن هذه الأمثلة لا تمثل الأصل ولا الحالة الغالبة، وثمة علاقة طردية بين التطور التاريخي وزيادة التخفي الإلهي مقابل تعزيز سلطان الإنسان في الأرض وتمكينه، ففي مراحل الطفولة البشرية حيث كان الإنسان عاجزا في مواجهة قوى الطبيعة وكانت الأفكار الميتافيزيقية وأساليب السحر متحكمة في المجتمعات البشرية كان الأسلوب الإلهي في التعامل مع عباده يعتمد على المعجزات الحسية في تأييد الأنبياء والتدخل الحسي في إهلاك الظالمين، لكن التحول التاريخي الذي انطوى عليه نزول القرآن قلص كثيرا من مساحة التدخل الإلهي المباشر لصالح القوانين العلمية، هذا التحول واضح في القرآن: "ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض"، "قاتلوهم يعذِّبْهم الله بأيديكم". إذا يمكن أن نسمي المرحلة الجديدة التي دشنتها بعثة محمد مرحلة "أيدي المؤمنين" أي أن يأخذ المؤمنون بزمام المبادرة ويجتهدوا وفق السنن البشرية لامتلاك وسائل القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والمعرفية التي تمكنهم من مواجهة القوى المعادية والانتصار عليها دون الداعي لانتظار معجزة من السماء. هكذا يزيد سلطان الإنسان في الأرض ويزيد التكريم الإلهي له بإعطائه مساحة أكبر للفعل والتأثير.

وأخيرا فإن ما تقدم مقاربات عقلانية لفهم حكمة عمل الله في الكون، لكن القرار الحاسم للإيمان أو الكفر لا يعتمد على التحليل المنطقي، لأن مسألة الإيمان بالله في جوهرها مسألة معايشة لا إدراك، فلو حشدنا آلاف الأدلة والبراهين العقلية فلن تقود وحدها إلى الإيمان ما لم يوجد ذلك السر الخفي في قلب الإنسان الذي يلامس فيه حضور الله، إن قيمة الأدلة العقلية هي أنها تقدم وصفا تقريبيا للحالة لمن لم يعايشها، والمعايشة مرحلة متقدمة على الإدراك مثل الحب الذي لن تكفي قراءة مئات الصفحات لتذوقه ما لم يعايشه المرء تجربة شعورية داخلية.

إن الفرق بين الملحد والمؤمن هو أن الأخير يعيش مستوى وجوديا لم يبلغه الأول، وبينما يسوق الملحد مئات الشبهات التي يظنها كافية لهدم بنيان الإيمان فإن المؤمن لا يعبأ بكل هذه الجدالات لأنه يعايش حالة حاضرة بالفعل، إن الله حاضر لأن الذين آمنوا به بحق وصدق استطاعوا بلوغ حالة من السلام الداخلي لم تخذلهم ولم تهزها كل المحن والشدائد الخارجية، فهل يحق لمن لم ير ويعاين أن يكذب من رأى وعاين؟

"
والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".

موقع عربي 21

 

 

التحول إلى القوة الناعمة

أحمد ابو رتيمة

# 

بين الفينة والأخرى يستيقظ العالم على أخبار التجارب النووية لكوريا الشمالية، ولا تتوقف الآلة الدعائية في هذا البلد القصي عن بث مشاهد تدريبات الجنود واستعراضات الأسلحة لتباهي العالم وتسوق بطولات تخدر بها شعبا أحكم حصاره وعزلته عن العالم، ورغم صورة البطولة والتحدي التي يحرص حكام هذا البلد على رسمها إلا أننا لا نحتاج إلى أدنى عناء لإثبات أن هذا البلد ليس هو النموذج الذي يفكر أحد من أمم الأرض في استلهامه واتباع طريقه

بعد حادثة إسقاط تركيا للطائرة الروسية العسكرية قبل بضعة أشهر اشرأبت الأعناق وكثرت التكهنات عن حرب عالمية وشيكة، وانتظر كثيرون غضبة الدب الروسي الجريح لكن الرد الروسي جاء عبر حزمة من الإجراءات الاقتصادية والتجارية وسرعان ما انقشع الغمام عن رغبة كل الأطراف في الحيلولة دون تصعيد التوتر ليصل مرحلة الحرب المباشرة.    

أما ألمانيا واليابان البلدان اللذان تجرعا مرارة الهزيمة في الحرب العالمية الثانية فقد فهما بعد هذا الدرس الأليم أن ثمة طريقاً آخر غير طريق المآسي والحروب لتبوء مكانة محترمة في هذا العالم، ودخلا في مضمار التسابق بالعلم والتكنولوجيا والاقتصاد فغزت منتجاتهما العالم وبذلك امتلكا أدوات جديدةً للهيمنة لا يشترط فيها أن تسحق خصمك بالنار والبارود بل يكفي أن تقنعه بأنك تملك من الأدوات ما يؤثر في تشكيل حياته وأن احتفاظه بحالة الاستقرار لا يكون بمنأىً عن  المحافظة على مصالحك، أي لم تعد فلسفة العلاقات بين الدول قائمةً على حرص كل دولة على كسر إرادة الآخر بل على توصل جميع الأطراف إلى إرادة مشتركة يتوافق فيها الجميع على صيغة سلمية للمحافظة على الهدوء والتعايش.

في مقابل مثل ألمانيا واليابان أمامنا مثل باكستان وإيران، فالأولى أنتجت قنبلةً نوويةً ففرح المسلمون بهذا المولود النووي الإسلامي لكن عين المراقب لا تخطئ أن باكستان النووية لا تجرؤ على قول لا لأمريكا وأن سماءها مستباحة للطائرات الأمريكية وأرضها مستباحة لعبث أجهزة المخابرات الأجنبية فضلاً عن واقع الفقر وغياب التنمية الذي يعيشه الشعب الباكستاني، أما إيران فقد قايضت برنامجها النووي برفع العقوبات الاقتصادية عنها، ما يعني أن سلاح الاقتصاد والمال أقوى من القنبلة النووية فهل من مدَّكر؟  

كل هذه آيات بينات تقول لنا إن السلاح بات صنماً لا ينفع ولا يغني عن أهله شيئاً لكن أكثر الناس عن آيات الله غافلون!

هذه الأمثلة تنبهنا إلى أن شيئاً جديداً يتشكل في العالم غير مسار الاقتتال والإفناء الذي صبغ العلاقات الإنسانية منذ فجر التاريخ، إن طريق العنف مهما طال فهو طريق مسدود، ذلك أن العنف لا يولد إلا العنف، والحرب سلوك انتحاري غير عقلاني فالإنسان يجني على نفسه في هذه الطريق: "يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم" ومع تقدم الأسلحة وصولاً إلى التدمير الشامل ومع تشعب المصالح الاقتصادية للدول لم تعد الحرب خياراً مرغوباً حتى للدول المتفوقة عسكرياً لأن مصالحها الاقتصادية الممتدة حول العالم لا يمكن أن تكون في مأمن إلا بتطبيع العلاقات السياسية والثقافية مع الأمم
إن الإنسان لا يحيا بالتفوق العسكري وحده، ولتبسيط المعنى نبدأ من المستوى الفردي مع جندي مدجج بكل أنواع الأسلحة يعيش في مدينة ويملك من القوة ما يستطيع أن يسحق به أي فرد، لكن أهل المدينة جميعاً يقاطعونه بسبب افترائه وفجاجته، فإذا رغب هذا الجندي في إيجاد صديق يسامره لم يجد، وإذا مر الناس من أمامه أعرضوا عنه ولم يكلموه، يرى الناس من حوله يضحكون ويقيمون الاحتفالات والمهرجانات فلا يستطيع مشاركتهم، إن رغب في شراء حاجة لم يبعه أحد، وإن رغب في الزواج لم تقبل به أي فتاة، ماذا سيغني عن هذا الجندي قوته إن لم يستطع أن يحيا حياةً طبيعيةً وأن يندمج بين الناس؟

هذا المثال يبين بصورة مركزة حاجة الإنسان فرداً وجماعةً إلى ما هو أكبر من التفوق العسكري، وهذا ما دفع جوزيف ناي مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق إلى إطلاق مصطلح "القوة الناعمة" حيث يقول في كتابه الذي حمل هذا العنوان إن حسم الصراعات بالقوة العسكرية وحدها أصبح أمراً من الماضي خاصةً وأن الانفتاح وقوة وسائل الاتصال والبرمجيات قد تشكل عائقاً كلما حاولت الولايات المتحدة شن حرب جديدة، وأضاف ناي أن مصدر قوة أمريكا ليس هو الجيش فقط وإنما مجموعة من الدواعم لهذه القوة مثل اجتذاب الولايات المتحدة أكبر نسبة للمهاجرين، والطلبة الذين سيحملون الكثير من القيم والمبادئ الأمريكية، ويمكن أن يكونوا سفراء للثقافة الأمريكية ويحتلون في دولهم مراكز القرار، كما تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في الفوز بجوائز نوبل في الفيزياء والكيمياء والاقتصاد، ومبيعاتها من المؤلفات الموسيقية تشكل الضعف مقارنة مع اليابان التي تحتل المرتبة الثانية، وتعتبر أمريكا أكبر مصدر للأفلام والبرامج التلفزيونية في العالم.

القوة الناعمة أعمق أثراً من القوة الخشنة، لأن الأخيرة تقوم على إخضاع الناس بالإكراه وتطلب منهم العمل بخلاف إرادتهم ورغبتهم بينما القوة الناعمة تعني أن تخلق في نفوس الناس الرغبة الذاتية للتماشي مع قيمك ومصالحك، إن الفن والأدب من أقوى الأسلحة لفتح القلوب والعقول في العصر الحديث، إن أديباً من طراز غسان كنفاني الفلسطيني قدم للقضية الفلسطينية أكثر مما قدمته ألف بندقية، ما فعله غسان كنفاني هو أنه قدم الرواية الفلسطينية التي عمل الصهاينة جاهدين على إخفائها إلى العالم فصار بإمكان أي قارئ لأدب كنفاني في أي بقعة من العالم أن يتبنى الموقف النضالي الفلسطيني وأن يدين الجريمة الإسرائيلية.

يقول الباحث الفلسطيني جمال هلال: "في أعقاب إعلان دولة إسرائيل في 1948 وهزيمة النخب السياسية والحركة الوطنية آنذاك، حافظت الأقلية الفلسطينية على هويتها الوطنية والقومية من خلال نشاط الحقل الثقافي ولا سيما في مجالات الشعر والقصة والرواية والمسرح ولاحقًا الغناء والسينما. ومنذئذ ظل الحقل الثقافي يوفر للفلسطينيين إمكانيات أرحب من الحقل السياسي، ولا سيما في أوقات الأزمات، للتواصل وبناء الأطر والنشاطات المشتركة الخارقة لحدود الجغرافيا السياسية". 

هذا ما تنبهت إليه حركة المقاطعة الدولية PDS  التي تقوم فلسفتها على مقاطعة دولة الاحتلال أكاديمياً وثقافياً وسحب الاستثمارات منها، إن الفعل النضالي المباشر يقوم على إلحاق الأذى بالإسرائيليين، أما المقاطعة التي تعد من أبرز أشكال المقاومة الناعمة فتقوم فكرتها على الالتفاف على دولة الاحتلال وإحكام الخناق عليها وخلق ظروف غير طبيعية تشعر سكان هذا الكيان بأنهم منبوذون وأنهم غير قادرين على التطبيع مع العالم مما يرفع من تكلفة إقامتهم النفسية والاقتصادية والسياسية، هذه المقاطعة وإن كانت تواجه دولة الاحتلال بوسائل ناعمة إلا أنها نجحت في إثارة الفزع في صفوف قادة هذا الكيان ويكفي الاستدلال بتصريح رئيس دولة الاحتلال روفن ريفلين مؤخراً أن المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل تشكل "تهديداً استراتيجياً من الطراز الأول"، أما غلعاد إردان وزير الشئون الاستراتيجية فقال إنه سيركز على خطرين رئيسيين: إيران و"بي دي اس".

يتزايد العالم اليوم انفتاحا وتشابكا ومصالح اقتصادية، وهذا المعطى الجديد يخدم فكرة التعايش السلمي بين البشر ويقلص مساحة الحرب، وفي ضوء هذا الواقع الجديد تزيد فاعلية أدوات الأدب والفن والثقافة والتقدم العلمي والتكنولوجي، إذ إننا  في واقع يتم فيه تدشين الهرم من الأسفل للأعلى بمعنى أن "التحتي" الاقتصادي والاجتماعي هو الأساس لتدشين "الفوقي" السياسي والعسكري كما تقول هبة رءوف عزت وهو ما يعني مركزية الواقع الاقتصادي والاجتماعي وتبعية الواقع السياسي والعسكري، أي أنه صار بالإمكان الإضرار بالقوى التي تنتهك حقوق الشعوب بأدوات اقتصادية واجتماعية وثقافية وذلك عبر وضعها أمام خيارين: إما أن تقبل بكلمة سواء وتلتزم بالمعايير المتعارف عليها إنسانياً وإما أن تواجه قطيعة وعزلة خانقة تحول دون قدرتها على العيش الطبيعي.

(عربي 21)

 

"في النقد التاريخي" لخالص جلبي:

عوامل انهيار حضارة المسلمين

 

أحمد أبو ارتيمة

 

 

يواصل المفكر السوري خالص جلبي في كتابه "نقد الفكر الديني: في النقد التاريخي".مشروعه الفكري الذي بدأه قبل أكثر من ثلاثين عاما، مع كتاب "ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية".
ينطلق خالص جلبي في قراءته للتاريخ من أن عامل الانهيار داخلي بالدرجة الأولى، أما العنصر الخارجي فهو الذي يكشف الغطاء عن التفاعل الداخلي ويشير إليه.
وإزاء سؤال: كيف انهارت الحضارة الإسلامية وكيف غاب المسلمون عن التاريخ وكيف قفز الأوربيون إلى دفة قيادة التاريخ، يرى جلبي ضرورة البحث في البدايات والمؤشرات.
يبدأ الانهيار التاريخي، وفق تحليل خالص جلبي، من الإنسان الذي إذا تحررت إرادته أصبح مواطنا واعيا مشاركا مسئولا، وليس عصا للضرب بكل يد، أو طبلا جاهزا للقرع بكل الأنغام والرقصات، أو مسدسا جاهز الزناد لإعدام ولو أبيه.
سجل التاريخ الإسلامي مبكرا مأساة انفكاك الضمير عن الواقع، يظهر ذلك في مثال عقيل ابن أبي طالب الذي يواجه مصادرة الحياة الراشدية على يد البيت الأموي بقوله: "إن صلاتي خلف علي أقوم لديني، وإن معاشي مع معاوية أقوم لحياتي".

معركة العقاب

في عام 1212م طُحنت الدولة الموحدية في الأندلس في معركة العقاب، وبعدها تهاوت الحواضر الأندلسية كورق الخريف. لكن من أين أُتي المسلمون في معركة العقاب؟
يورد خالص جلبي مثالا يظهر توقف الحياة العقلية وانحدار مخطط الحضارة في الأندلس، وهو معاقبة الفيلسوف ابن رشد:
يذكر صاحب كتاب "الذيل والتكملة" ابن عبد الملك؛ نص إدانة الفيلسوف ابن رشد الذي جاء فيه: " فاحذروا - وفقكم الله - هذه الشرذمة حذركم من السموم السارية في الأبدان. ومن عُثر له على كتاب من كتبهم فجزاؤه النار التي بها يعذب أربابه، وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه".
هكذا كان مصير الفيلسوف المبدع الذي استفادت منه أوربا أكثر من العالم الإسلامي، ففي الوقت الذي أطلق فيها شرارة العقل المفكر، كان هذا الصك يحكي لنا حرق كتبه أينما وجدت، ولكن الأمة التي تفعل بمفكريها هذه الفعلة هل تبقى بدون عقاب؟.
يجيب جلبي بأن عقاب أهل قرطبة مخيف، بل عقاب أهل الأندلس جميعا، فقد سقطت بعد ذلك بلنسيا، ثم قرطبة، ثم تكلل الانهيار بسقوط مدينة إشبيلية في عام 1248م. وبذلك سقط الجناح الغربي للعالم الإسلامي بتمامه.

اكتساح التتار للمشرق الإسلامي

بعد عشر سنوات بالضبط من سقوط الجناح الغربي للعالم الإسلامي تبعه الجناح الشرقي متمثلا في بغداد؛ التي سقطت على يد هولاكو عام 1258م.
يتساءل خالص جلبي: كيف يمكن أن يفسر حدثٌ في مثل هذه الضخامة انهيارا مريعا للحضارة الإسلامية؟
ويقول: "إن التاريخ ينقل قصصا لا تكاد تصدق سواء من مستوى القيادة، أو مستوى الأمة، بين اتصالات مريبة من السلطان العباسي الذي راسل جنكيز خان يدعوه لغزو بلاد خوارزم، لتخليصه من منافسه هناك جلال الدين، والذي كان يخشى من زحفه باتجاه بغداد، فجاءه طوفان يأجوج ومأجوج بعد ذلك ليعدم ولده المستعصم وأحفاده وحفيداته.. أو في قصة التتري الذي أمسك مسلما ليذبحه، فأمره بالبقاء حيث هو، ثم غاب الجندي التتري سويعة وعاد والمسلم ما زال ينتظر الذبح؛ لأن غريزة التمسك بالحياة قد تلاشت".
يخلص خالص جلبي إلى أن أمة من هذا النوع لا يحتفظ بها التاريخ، ولا يوفرها الجنس البشري، بل يمضي عليها القانون الإلهي: "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم".

معركة سهل أنقرة

يتوقف الكاتب مع مفصل آخر في تاريخ المسلمين، ففي الوقت الذي كان فيه السلطان العثماني بايزيد خان الأول يتأهب لغزو أوربا بحملة قوامها نصف مليون جندي، تحركت عاصفة عسكرية أشد هولا، ومن نفس العرق التركي والدين الإسلامي، وبسبب تاريخي تافه، يقودها عسكري تتري مرعب خلّد اسمه في التاريخ بكل الفظاعات الممكنة (تيمورلنك)، ليحطم الطموحات العثمانية الجنينية للسيطرة على أوروبا في معركة أنقرة في 20 تموز/ يوليو عام 1402م، وليوقف المد الإسلامي، ولينقذ جنين الحضارة الغربية.
يتساءل خالص جلبي عن هذا الارتطام الأعمى بين قوتين إسلاميتين لتنجو وتولد حضارة غير إسلامية: هل هو مجرد مصادفة عبثية؟ أم عمى تاريخي؟
للإجابة عن هذا السؤال يستعين الكتاب بتحليل مالك بن نبي الذي يشرح المعنى التاريخي لمعركة سهل أنقرة في كتابه "وجهة العالم الإسلامي": " لقد قام تيمورلنك في الواقع بعمل لم يكن يستطيع إدراكه حتى بعد انتهائه منه، لأن مغزاه التاريخي الحق لا يمكن أن يظهر إلا بعد عدة قرون. وإن مسألة كهذه قد تتركنا مشدوهين بحجة أنها ذات طابع ميتافيزيقي، ولكن لكي نعطي للأحداث تفسيرا متكاملا يتفق مع مضمونها كله يجب ألا نحبس تصورنا لها في ضوء العلاقات الناتجة عن الأسباب، بل ينبغي أن نتصور الأحداث في غايتها التي انتهت إليها في التاريخ".

"
لماذا حال تيمورلنك دون قيام بايزيد بنشر الإسلام في قلب أوربا..؟ والجواب لكي تتابع أوروبا المسيحية جهدها الحضاري الذي لم يكن العالم الإسلامي بقادر عليه منذ القرن الرابع عشر، حيث كان في نهاية رمقه. إن سيف تيمورلنك هو الذي شق الطريق أمام الحضارة الغربية الوليدة وسط أخطار الغروب التي كانت تخيم على العالم الإسلامي".

معركة أسوار فيينا

في يوم الثاني عشر من أيلول/ سبتمبر من عام 1683م، وفي عصر السلطان محمد خان الرابع، وجه الوزير العثماني الأعظم رسالة حفظتها الوثائق العثمانية إلى أهل فيينا التي كان يحاصرها بجيش عرمرم قوامه ربع مليون جندي، جاء في الرسالة:
"
إنني وبعزة الله وكرامة الرسول وولد القمرين الذي له كل الرفعة والفخر. أنا قائد جيش السلطان العثماني الأعظم. ملك ملوك الأرض. أقول لكم ولقائد النبلاء في فيينا الجنرال ستارهمبرغ. لتعلموا أنني وبأمر من سيدي الأكثر احتراما وتقديرا، الأقوى، والأعظم والذي لا يقهر. والذي جئتكم بجيشه اللجب حتى مدينتكم فيينا هذه من أجل ضمها إلى مملكته. إن استسلمتم له فبإمكانكم أن تنسحبوا بكل أشيائكم صغيرها وكبيرها. ومن يرغب في البقاء هنا صينت ممتلكاته. أما إن عصيتم وامتنعتم عن التسليم اقتحمنا عليكم مدينتكم وقطعنا كل صغير وكبير بحد السيف".
لكن انعطافا نوعيا حصل في تاريخ القارة الأوربية كسر نهائيا المخطط التوسعي العثماني، حيث اندفع الملك البولوني يوحنا الثالث سوبيسكي بقيادة شخصية، وبجيش نجدة بلغ خمسة وستين ألف جندي قدموا لفك الحصار عن مدينة فيينا قلب أوروبا، مما أدى إلى فشل الحملة واندحار الجيش العرمرم، وأعدم الوزير الأعظم في بلغراد، عاصمة الصرب الحالية، في 25 كانون الأول/ ديسمبر من العام 1683م.
يرى خالص جلبي أن مسلسل التراجع العثماني استمر بعد فشل حملة فيينا في القرنين التاليين حتى دخلت الدولة العثمانية "العناية المركزة التاريخية"، حيث سميت بـالرجل المريض، قبل أن يموت هذا الرجل المريض.
في هذه المحطة من تاريخ المسلمين يبرز أيضا دور العامل الداخلي. ويرى خالص جلبي أن الدور الذي لعبه كمال أتاتورك كان تافها، فهو لم يقتل أو يلغ الخلافة العثمانية، وإمبراطوريات عريقة هيهات أن تسقط بأمثال أتاتورك، إن أتاتورك لم يفعل أكثر من إعلان الموت والسير في خشوع في جنازة الدفن الأخيرة.

كانت حملة العثمانيين على فيينا عسكرية في الوقت الذي كان فيه التفوق الغربي تفوقا حضاريا، وفي نفس العام الذي مات فيه السلطان محمد خان الرابع (1687م)، كان إسحق نيوتن يكتب كتابه "الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية"، الذي لم يكن سوى القفزة النوعية في تاريخ العقل الإنساني، وكان المدخل الجديد لفهم عالم جديد. وهو التحول الذي لم يتفطن له المسلمون الأتراك حسب استقراء الكتاب.

معركة سفح الأهرام عام 1798

يذكر المؤرخ الجبرتي أن الإنجليز سبقوا الفرنسيين إلى الساحل المصري وحذروا الشعب المصري قبل وصول الحملة بعشرة أيام، إلا أن المماليك لم يهتمو بشيء من ذلك ولم يكترثو به، اعتمادا على قوتهم وزعمهم أنه إذا جاءت جميع الإفرنج لا يقفون في مقابلتهم وأنهم يدوسونهم بخيولهم!
"
أما موقف الجماهير والعلماء الذين يقودونهم والفرق الصوفية فقد كان يشي بطبيعة العقلية المسلمة في تلك الأيام. لقد كانوا يقرأون صحيح البخاري ويعيدون كلمة يا لطيف آلاف المرات ليدفعوا عن أنفسهم الجنود الفرنساوية"، كما يقول المؤلف.
في الوقت الذي اكتشف فيه الفريق العلمي الفرنسي حجر رشيد وأعاد الحياة إلى اللغة الهيروغليفية، كان المماليك مستلقين على ظهورهم، يدخنون الأراجيل في أشعة الشمس المصرية الدافئة!
يرى جلبي أن حملة نابليون كانت تؤدي دور الصفعة لعالم خرج عن خط التاريخ ليستيقظ من جديد، ولكنه أضاع الفرصة كما أضاع الأتراك فرصة خريف القرن السابع عشر.

ولادة إسرائيل

يصل خالص جلبي في نهاية تطوافه التاريخي إلى محطة "ولادة إسرائيل" التي تشبعت الثقافة العربية بأن الصراع معها هو القضية الجوهرية، لكن جلبي يرى الحاجة إلى إعادة ترتيب علاقات الأشياء. فولادة إسرائيل جاءت من رحم التردي العربي، ولو خسف الله الأرض بإسرائيل لما زال المرض العربي. وهناك دول عربية تخلصت من الاستعمار ولكنها تعيد سيرة الاستعمار على شكل أبشع.
إن من الضروري التأسيس لفهم لماذا ولدت إسرائيل، وكيف تحدث مثل هذه الأشياء في التاريخ؟ يرى خالص جلبي أن هذا التأسيس ضروري لوضع اليد على تشخيص مجد واقتراح علاج ناجع لمشاكلنا

موقع عربي 21   

 

 

الموت جوعًا في 2016



أحمد أبو رتيمة


أطلق برنامج الأغذية العالمي تحذيراته من حدوث مجاعة في اليمن، وقال إن هناك عشر محافظات يمنية تعاني من انعدام الأمن الغذائي وإن هناك أكثر من سبعة ملايين مواطن يمني لا يجدون ما يكفي من الغذاء. اليمن ليس حالةً استثنائيةً في هذا الصدد، فبحسب إحصائيات برنامج الأغذية العالمي هناك أكثر من ثمانمئة مليون إنسان لا يجدون طعامًا كافيًا، هذه الإحصائية تتوزع على جنوب وغرب آسيا ومنطقة أفريقيا، ويتسبب سوء التغذية في وفاة حوالي 3.1 مليون طفل دون سن الخامسة كل عام.
بحسب برنامج الأغذية العالمي، هناك أكثر من سبعة ملايين مواطن يمني لا يجدون ما يكفي من الغذاء

أن يموت الملايين جوعًا في القرن الحادي والعشرين مفارقة مؤلمة تستحق التوقف مليًا عندها، فالإنسان الذي تذللت الأرض لسلطانه وأخرجت له أثقالها من الثروات والكنوز فشل في توزيع هذه الثروات بالعدل والقسط بما يضمن الحد المقبول من العيش الآدمي الكريم على هذه الأرض.
ليس ثمة ندرة في الموارد، هناك في العالم ما يكفي من الغذاء لكل إنسان ليحصل على التغذية التي يحتاجها من أجل حياة صحية ومنتجة وفق حسابات برنامج الأغذية، وفي الوقت الذي يموت فيه فريق من الناس جوعًا يموت فريق آخر تخمةً وشبعًا، المشكلة ذات طابع أخلاقي تتعلق بسلوك الهيمنة والاستعلاء الذي يمارسه الأقوياء على الضعفاء والرغبة في الاستئثار بالثروات بما ينتج توزيعًا مخلًا في العالم. الاعتبارات الأخلاقية غير حاضرة في حسابات المتنفذين سواء كانوا دولًا عظمى أو أنظمةً محليةً استبداديةً أو شركات ربحيةً جشعةً، لذلك من الطبيعي ألا تمثل مأساة الجوعى عبر العالم مشكلةً مؤرقةً تدفع الأقوياء إلى الاجتماع وبحث سبل حلها.
في كتاب يحمل اسم "صناعة الجوع.. خرافة الندرة" صدر في بداية الثمانينيات، وهو كتاب يظهر توجهه من عنوانه يرى مؤلفاه فرانسيس مور لابيه وجوزيف كولينز أن العديدين يعتقدون خطأ بأن العدالة لو صارت لهـا الأولـويـة فسوف تتم التضحية بالإنتاج، ولكن العكس هو الصحيح، فالعالم فيه ما يكفي من الغذاء لكل فرد، فهو ينتج يوميًا رطلين من الحبوب أي أكثر من ثلاثة آلاف سعر حراري وبروتين وفير لكل رجل وامرأة وطفل على الأرض وهذا التقدير أكثر مما يستهلكه شخص في أوروبا الغربية، فإذا وضعنا في الاعتبار ملاحظة الفروق بين الإنتاج الحالي والإنتاج الممكن، فإنه في كل من أفريقيا وأمريكا اللاتينية لا يزرع سوى أقل من 25% من الأراضي التي يمكن زراعتها، وأن العقبات أمام تحرير الطاقة الإنتاجية ليست في معظم الحالات فيزيائيةً بل اجتماعية فحيثما تكون هناك سيطرة غير عادلة وغير ديمقراطية على الموارد الإنتاجية فإن تطورها يعاق.
ويرى الكتاب أنه في معظم البلدان التي يجوع فيها الناس يسيطر كبار الملاك على معظم الأرض، وقد أظهرت دراسة عن 83 بلدًا أن 3% من ملاك الأرض فقط يسيطرون على نحو 79% من كل الأرض المزروعة، لكن هؤلاء الملاك الكبار هم الأقل إنتاجيةً، فالأرض التي تحتكرها قلة تعاني حتمًا من قلة الاستخدام.

 

مآسي العالم من مجاعات وحروب وأمراض هي تعبير عن خلل في العلاقات الدولية التي تقدس أطماعها وأنانياتها

يذهب الكتاب أبعد من ذلك فهو يكشف بالأمثلة والحقائق كيف أن الدول العظمى تستعمل الغذاء كسلاح سياسي، فقد قطعت المعونة عن تشيلي فجأةً عندما انتخبت حكومة تهدد مصالح الشركات الأمريكية الكبرى، وفي عام 1974 نقلت الواشنطن بوست وثيقةً حكوميةً غير منشورة فيها تعارض الولايات المتحدة توسيع برنامج الغذاء العالمي لإعانة مناطق المجاعات وتنص الوثيقة على أن الولايات المتحدة لم تكن قادرةً في السنوات الأخيرة على التأثير بصورة ملموسة في السياسات أو الإجراءات الخاصة بتوزيع المعونات على جهات معينة، بما يعني بشكل واضح أن الولايات المتحدة غير مستعدة لتقديم أي معونة غذائية لا تستطيع تشكيلها وفقًا لأهدافها.
هذه الدراسات والأبحاث تثبت بلغة الأرقام حقيقةً مبدئيةً بأن الأرض لم تبخل يومًا بخيراتها على أهلها، لكن الناس أنفسهم يظلمون، وكل مآسي العالم من مجاعات وحروب وأمراض هي تعبير عن خلل في العلاقات الدولية التي تقدس أطماعها وأنانياتها ولا تقيم اعتبارًا لقيم العدالة والكرامة وحقوق الإنسان، إن من التناقض المريع أن الإنسان الذي غزا الفضاء لا يزال عاجزًا عن إقامة العدل في الأرض، وأن العبقرية التي اخترعت الأدوية التي تحمي الإنسان من الميكروبات والجراثيم عجزت عن حماية الإنسان من ظلم أخيه الإنسان.
لقد بدأ الإنسان مسيرته الحضارية قبل أكثر من خمسة آلاف عام ولم يكن شيئًا مذكورًا، كان يكافح ضد الحيوانات المفترسة في الغابة ويغلق على نفسه باب الكهف مخافة الوحوش، ويعجز عن مواجهة البرد والمرض والجوع، ثم شهد مساره الحضاري قفزات مذهلةً في تسخير الطبيعة لسلطانه فابتكر كل وسائل الراحة وتيسير المعيشة وطوى مشارق الأرض ومغاربها وامتلك من القوة ما يمكنه من تدمير الأرض عن بكرة أبيها، لكن هذا الكائن ذاته لا يزال عاجزًا عن تحقيق صيغة اجتماعية للتعايش بعدل وسلام يكون الناس فيها سواءً لا يبغي أحدهم على أحد. هل هو عجز فعلًا أم أنه الظلم والإفساد والاستكبار في الأرض! وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً.

صحفي وكاتب من فلسطين

 

داء الاغترار بالقوة

أحمد أبو رتيمة

 

نشوة القوة مسكرة لأصحابها وحجاب لعقولهم، تحرضهم على الطغيان والاستكبار والمشي في الأرض مرحا: "كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى"، القوي المستكبر يرى الناس في عينيه مثل الذر لا يبالي أن يسحقهم في طريق نزواته واستعلائه.

حين يعيش الإنسان بنفسية القوة لا يستمع لنداء العقل ظنا منه أن العقل حيلة الضعفاء بينما منطقه الوحيد إذ يمتلك القوة هو البطش وإكراه الناس على إرادته: "قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز"؛ هذه الآية نموذجية في تحليل سيكولوجية الاغترار بالقوة، فالنبي يخاطبهم بالعقل والحوار بينما هم لا يفكرون إلا بمنطق القوة، فما دام النبي ضعيفا فليس من حقه أن يتكلم معهم، إذ الحق في نظرهم هو القوة، القوي هو الذي يملك حق تحديد المعايير الأخلاقية وتقرير الصواب و الخطأ، تماما مثل واقع السياسة الدولية اليوم التي تعكس موازين القوى وليس المبادئ والحقوق، فالخمسة الكبار الذين يملكون حق النقض الفيتو ميزتهم الوحيدة أنهم المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، وكما قال من أظنه جودت سعيد لو انتصر هتلر لما وجد صيغة أسوأ من صيغة الفيتو لفرض سلطانه على الأرض. الفيتو يعني ببساطة أن القوة هي الحق، وأن إرادة كل شعوب الأرض مجتمعة لا اعتبار لها إذا تناقضت مع مصالح القوى الكبرى، إنه منطق: "وإنا لنراك فينا ضعيفا"، أخرج ما لديك من أوراق قوة حتى نقرر إن كان من المناسب أن نتحدث معك أو أن نحاربك..

مرض الاستكبار في الأرض قديم قدم الوجود الإنساني، فالقوة هي التي تمنح الإنسان الشعور التألهي، أنه يملك ميزات إضافية ترفعه عن مصاف الناس العاديين. يتلخص تاريخ الصراعات في تصادم الإرادات وسعي كل فريق لسحق إرادة خصمه وأن تكون الكلمة الأخيرة له بما يعني ادعاء ضمنيا للألوهية، فالله تعالى وحده الذي يملك الإرادة الحقيقية المتغلبة والمشيئة التي لا راد لها، وحين يضيق الإنسان بمعارضة إرادته ويسعى لسحق هذه المعارضة فهو بذلك يسعى أن يثبت أنه لن تكون على الأرض إلا مشيئته

ولو فككنا كل الخطابات السياسية على كافة المستويات لوجدنا القاسم المشترك بينها أن كل فريق يحاول كسر إرادة أعدائه، لماذا تحارب أمريكا هنا عسكريا وتحاصر هناك اقتصاديا، وتغزو بلدا ثالثا بالبرامج الثقافية والمساعدات الإنسانية؟ أليس الهدف المباشر هو أن يخضع العالم كله لإرادتها، وألا تكون هناك أية قوة تخرج عن طوعها؟ إن السبب النفسي يبدو أعمق من السبب الاقتصادي في تفسير الصراعات البشرية، لو قلنا إن الدول تسعى لتقوية اقتصادها عبر الحروب فإن السؤال يظل قائما: لماذا تريد الدول تقوية اقتصادها؟ إن القوة الاقتصادية ليست هدفا بل وسيلة للهيمنة السياسية وفرض الأجندة وإعلاء القيم، وحين تنجح دولة في الوصول إلى مستويات قياسية من الرفاهية لمواطنيها فإنها لا تغلق الأبواب على نفسها بل تبحث عن دور سياسي تمد به نفوذها وتحقق كبرياءها.

لم تكن خشية فرعون من دعوة موسى هو أن يصلي بنو إسرائيل ويصوموا لإلههم الذي في السماءـ بل كان يخشى أن يزاحمه موسى في نفوذه السياسي: "وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ"، هذه المقولة التي جاءت على لسان ملأ فرعون تلخص المنطلق النفسي الذي يرسم سياسات الدول الكبرى في كل زمان، فهي معركة البحث عن النفوذ والكبرياء تستعمل فيها الأدوات العسكرية والاقتصادية والإعلامية من أجل إشباع شعور عميق في نفوس الأفراد والأمم بالعلو والتلذذ بفرض الإرادة على الآخرين.

 
التوحيد في حقيقته دعوة للعدل والمساواة الإنسانية، التوحيد يعني أن تتحرر من شعور الاستكبار على الضعفاء أو الاستضعاف أمام السادة والكبراء وأن تعتقد أن الناس كلهم عباد لإله واحد، فترضى لنفسك ذات المعيار الذي تريده لغيرك، وتؤمن بتساوي الحقوق الإنسانية، لا تسعى لسحق إرادة غيرك لأنك تؤمن أنه إنسان مثلك، ولا تتعالى على غيرك لأنك عبد ضعيف مثله، التوحيد يعني أن يسود التعاون والاعتراف لا التصادم والإلغاء علاقات الأفراد والشعوب والأمم.

التوحيد دعوة لميلاد عالم الحق لا عالم القوة، عالم يكون الناس فيه أقوياء بمبادئهم الأخلاقية لا بعربدتهم وبطشهم، لأن قوة المبدأ الأخلاقي أثر من قوة الله الحق الذي وضع الميزان بما يعنيه من قوانين أخلاقية دقيقة، بينما قوة العربدة والبطش عبادة للأصنام، فالاعتقاد بأن القوة المادية تملك الضر والنفع والموت والحياة والنصر هو شرك بغير الله: "وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَة لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّا"، "وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَة لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ".

في مثال قوم عاد في القرآن الكريم: "فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة".

هو ذات الاغترار الذي يصيب كل الأمم، فروسيا اليوم تعربد في سوريا ومن قبل في أوكرانيا وجورجيا وهي تقول: "من أشد منا قوة".. يجيب القرآن على كل الذين يعبدون صنم القوة: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة"، وهو جواب علمي وليس غيبيا، فالاغترار بالقوة موقف غير عقلاني يقوم على تضخم الشعور بالذات والغفلة عن القراءة الموضوعية لمعطيات الواقع ومسار التاريخ وحدود القدرات البشرية، القوي في ساعة سكرته يظن أن لا حدود لقدراته وأن نهاية التاريخ قد كتبت عند أوج مجده وسلطانه، هنا يعادل القرآن هذا الإفراط في تقدير حدود الذات بالتذكير بالقوة المطلقة المحيطة التي كانت هي علة زوال الحضارات وفناء الأمم عبر التاريخ

إن أعظم برهان على أن هناك دائما ما هو أقوى من كل الحضارات القوية هو قصص التاريخ التي تنبئنا أنه لم يكتب لأي من هذه الحضارات الخلود وأن الأيام كفيلة بتجلية عوامل التحلل والتفكيك وتنشيطها وصولا إلى الأجل المحتوم: "فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين"، إن الله هو أشد قوة تعني أن سنن الله وقوانينه أشد قوة، فالله لا يعمل دائما بطريقة مباشرة إنما يرينا آياته من خلال سننه وقوانينه التي ضبط بها مسار الحياة والوجود

كل دولة مهما علا سلطانها وعظم بطشها تحتوي عناصر ضعف تقتضي العقلانية إدراكها والتواضع بإزائها، قد تمتلك دولة قدرات عسكرية فتاكة وصواريخ نووية كما هو حال روسيا التي تتباهى خيلاء في الأرض وتظن أن لن يقدر عليها أحد لكنها في ذات الوقت تحتوي على ضعف اقتصادي يجعلها في حاجة إلى غيرها مما يبطل دعوى تفردها بالهيمنة والسلطان، وقد تمتلك دولة كل أدوات القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية، لكنها لا تستطيع توفير الأمن لمواطنيها، فيسلط الله عليها بظلمها عبادا مستضعفين لا تأبه لهم يسلبونها أمنها ويكسرون كبرياءها، وقد تستكبر دولة على جيرانها وتنصر كل جبار عنيد كما تفعل إيران بنصرها للطغاة المستبدين لكنها مهترئة من الداخل لم تقم في شعبها العدل والنماء فتظل محرضات الانفجار قائمة من الداخل تنتقص من اكتمال قوتها وتبطل دعوى استكبارها، وقد تشيد دولة أعظم العمران لكنها تقف عاجزة أمام إعصار أو زلزال أو بركان

وهكذا فإن تذكير الآية بقوة الله هي دعوة إلى العقلانية والتواضع وإدراك حدود الذات، فإن من وراء كل قوة مهما علت في الأرض قوة كلية محيطة تتمثل في القانون الكلي للوجود الذي أوجده الله بتجلياته الطبيعية و السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولن تخلو أي قوة من عناصر ضعف كامنة إما غالبها أصحابها بالعدل الذي يحقق الأمن ويزيل أسباب التوتر ويكسب الأمم قوة روحية تؤثر بها في الناس وتكسب قلوبهم، وإما غفلت وعميت وتجبرت في الأرض حتى يأتيها الله من حيث لا تحتسب فيقصم كبرياءها ويرتد بغيها على نفسها: "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين".

 مع (عربي 21) بالاتفاق مع الكاتب

 

حديث في فضائل أوروبا

احمد ابو رتيمة

 

خروج عشرات آلاف المواطنين النمساويين بشكل عفوي لاستقبال اللاجئين السوريين وتوزيع الطعام والمساعدات عليهم هو مشهد مفعم بدلالاته الإنسانية. ليس ثمة مؤامرة ولا حسابات سياسية بل هو تعبير شعبي تلقائي عن الخير الكامن في الفطرة الإنسانية، وهو شاهد للمجتمعات الأوروبية على تمكنها من ارتقاء درجة أعلى في سلم القيم الإنسانية.

في التعامل مع الأمم يلزمنا التحاكم إلى معيار منصف حتى لا نشطط في أحكامنا، يلزمنا التحرر من سجن الصور التاريخية، الأمم ليس بالضرورة أن تظل رهينة لماضيها مكبلة بأغلاله، ألمانيا اليوم ليست هي هتلر، وأوروبا ليست هي الحروب الصليبية، ولو كان محكوما على الأمم والشعوب أن تواصل طريق أسلافها لما كان للتوبة والمراجعة والنهوض بعد الكبوة معنى، ولظل الإنسان راسفا في قيود الجبرية والحتمية التاريخية، لكن قصة التاريخ تمنحنا الأمل بإمكانية الانعتاق من كل خطايا الماضي والبدء بكتابة صفحة جديدة أكثر إشراقا..  

يقتضي المعيار المنصف أيضا ألا نتعامل مع العالم بأنه كتلة واحدة صلبة وفق ثنائية ملاك أو شيطان، العالم غني بتعدده بما تعجز الرؤى الأحادية والأحكام الاختزالية عن تفكيكه، لا تقل إن العالم متآمر، بل قل لي أي عالم تقصد، هل تقصد روسيا أم أمريكا أم أوروبا، وداخل أوروبا ذاتها: هل تقصد بريطانيا أم فرنسا وألمانيا أم الدول الإسكندنافية؟ هل تقصد المنظومة الرأسمالية الغربية التي تقدس مصالحها ولا تعبأ في سبيل ذلك بأن تدوس على الأخلاق وبأن تتحالف مع المجرمين والقتلة، أم تقصد القيم الإنسانية التي أنضجها الوعي الجمعي والتي تقدس الحريات وتحترم حق الإنسان في الكرامة والعدالة؟ حين تحدثني عن الغرب أخبرني إن كنت تقصد كونداليزا رايس صاحبة شركة النفط أم تقصد راشيل كوري التي تصدت بجسدها النحيل لآلة الموت الصهيونية دفاعا عن بيوت الفلسطينيين في رفح؟ 

وإن من ألد أعداء المعيار المنصف اللجوء إلى المقارنات التي تميع وضوح الحقائق وتقتل جوهرها، فإذا ذكرت لأوروبا استقبالها للاجئين السوريين جادلوك بقولهم: ولماذا لم تذكر استقبال اللاجئين في الأردن ولبنان وتركيا؟ 

أولا ما جدوى هذه المقارنات؟ إن الفضيلة قائمة بذاتها بغض النظر عن فضائل الآخرين، كما أن الجريمة قائمة بذاتها لا يقلل من بشاعتها مقارنتها بجرائم أكبر، وإن حديث الساعة الآن هو استقبال اللاجئين في أوروبا، هل تجدون مثلا أن القرآن كان يبخس من حسنات أهل الكتاب بمقارنتها بحسنات المؤمنين! القرآن يسلط الضوء على أي حسنة لأي فريق ويعززها ويبدأ بها قبل ذكر السيئات: "وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَار يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ"، "وما يفعلوا من خير فلن يكفروه". إن أردت أن تذكر لأي فريق حسناته فافعل، المهم ألا يكون ذلك بقصد التهوين من حسنات الآخرين.

ثانيا إن فضل الشعوب الأردنية واللبنانية في استضافة اللاجئين السوريين غير قابل للإنكار، لكنه يظل كرما شعبيا عفويا، وإن كانت هناك تسهيلات من الحكومات فهي تأتي في إطار الإجراءات التي يمليها ضغط المرحلة وهي تسهيلات مقدرة، لكن في أوروبا فنحن نتحدث عن منظومة متكاملة أنضجتها التجربة التاريخية، تبدأ من قيم المجتمع وتنتهي بقوانين ملزمة للسلطات التنفيذية تعطي أي إنسان مضطهد في العالم الحق في اللجوء والإقامة الكريمة ومنافسة أهل البلد الأصليين في وظائفهم وجامعاتهم ومراكزهم بل والتفوق عليهم.

إن هذه القيم ينبغي أن تكون موضع إشادة وتقدير وغبطة وأن نعترف لأوروبا بالسبق فيها وأن نتواضع أمامهم ونتتلمذ على أيديهم إن أردنا أن نصل إلى ما وصلوا إليه ثم نتجاوزه، هذا هو الوجه المشرق لأوروبا، أوروبا ليست تاريخا استعماريا وساسة رسميين وحسب، بل أوروبا هي المكان الذي نضجت فيه التجربة البشرية حول ضرورة احترام حقوق الناس وتوفير الملاذ الآمن للمضطهدين والخائفين بغض النظر عن أديانهم وأجناسهم.. 

كما أن من أعداء المعيار المنصف افتراض الظنون غير المستندة إلى دليل علمي في محاولة لنفي أي قيمة إيجابية غربية، وتحميل ما يبدو إيجابيا على محامل أخرى تفترض المؤامرة وخبث النية، لا يهم أن تفترض أن الغرب يقصد من استقبال اللاجئين الاستفادة من العقول العربية الجبارة ومعالجة مشكلة مزعومة بنقص الكثافة السكانية، أو أن تفترض أنه يريد تنصير هؤلاء اللاجئين عبر توجيههم إلى الكنائس مع أن الغرب ذاته لم يعد مسيحيا فقد طلق الكنيسة ثلاثا ولم تعد تهمه الهوية الدينية كثيرا، أو أن تفترض أنها مؤامرة لتفريغ سوريا من شعبها وإبقائها لبشار الأسد، حتى وإن كلفهم الأمر أن يدفعوا للاجئين معاشات وتأمينات اجتماعية ويؤمنوا لهم سكنا من ضرائب مواطنيهم، لا يهم أن تفترض أي افتراض فليس ثمة من يطالبك بالدليل والإثبات، المهم أن تخلص النتيجة النهائية إلى أن الأخلاق والإنسانية إنتاج حصري للمسلمين ليس لغيرهم منها نصيب، وأن كل الأمم الأخرى متآمرون وشريرون ليسوا على شيء.. 

شيوع هذا النمط من التفسيرات غير المستندة لأي منطق ولأي منهجية علمية يكشف عن انعدام الرؤية في فهمنا للعالم المحيط بنا، فنلقي الأحكام جزافا، ولو اجتمع وزراء الخارجية الأوروبيون وقرروا بشكل قاطع منع اللاجئين من دخول ديارهم لوجدت ذات الذين يشككون في دوافع السماح بالهجرة اليوم يقولون انظروا أين ديمقراطيتهم، إنهم لا يحترمون حقوق الإنسان، وهو ما يعني أن الحكم موجود مسبقا، وسواء فعل الغرب الشيء أو عكسه فهو مدان في جميع الأحوال. هذا التناقض في الحكم على الأشياء يذكر بتناقض الذين قال القرآن فيهم: "ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي"، إذ بنفس منطق الآية: ولو منعوا الهجرة لقالوا لولا سمحوا بها، أمؤامرة أم ليست بمؤامرة!

من مخالفات المعيار المنصف أيضا أن نحمل الدول الأوروبية مسئولية إسقاط بشار الأسد دون مراعاة حدود قدراتها، ودون اعتراف بمسئولية العرب أولا عن هذه المهمة. لست خبيرا في السياسة الدولية لكني أرى خطا عاما يقول إن من يملك موازين القوى الفاعلة في الساحة الدولية هما أمريكا وروسيا لا أوروبا، وحين ثارت الشعوب العربية على حكامها فهي لم تكن تراهن على تدخل خارجي لإسقاط هؤلاء الحكام، بل كانوا يراهنون على قوتهم الشعبية الذاتية، فهل يعقل أن نحمل العالم مسئولية عجزنا وفشلنا العربي! حين أسمع من يقول لماذا لا تسقط أوروبا بشار الأسد أقول له: أعطني آلية تنفيذية تستطيع أوروبا بها إسقاط نظام شرس تدعمه دول كبرى مثل إيران وروسيا وأمريكا أيضا بطريقة غير مباشرة.

لست منبهرا بأوروبا، ويمكنني إبداء كثير من الملاحظات عليها في مواطن أخرى، لكن ما أردت قوله هو أننا بحاجة إلى ميزان أخلاقي نحاكم العالم إليه، وألا نستصحب كل عقدنا التاريخية والاجتماعية ومشكلاتنا السياسية لنفي أي قيمة غربية إيجابية. من أراد أن يدين الغرب فليدنه في مواضع الإدانة، أما حين نرى منهم احتراما لحق الإنسان في اللجوء والأمن وصيانة حريته وكرامته فهنا لا يسعنا إلا أن نعترف لهم بالفضل ونقدر حسن صنيعهم، وقد أمرنا القرآن بالعدل حتى مع أعدائنا: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".

 مع (صحيفة عربي 21 )

 

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

المرجعية الإسلامية والإرث الإنساني

احمد ابو رتيمة

 

تحاورت ذات مرة مع صديق حول الرفاهية التي تعيشها بعض القيادات الإسلامية والتي لا تتناسب مع مستوى الفقر والبطالة الذي تعاني منه نسبة كبيرة من أفراد الشعب، فأجابني بأن هذه الرفاهية من حر مال أصحابها، وبأن الله تعالى لم يحرم الملكية الخاصة، وأنه ما من بأس بأن يبني الغني برجا مشيدا من مائة طابق بجوار مقبرة ينام فيها فقير، لأن الله فضل بعض الناس على بعض في الرزق، وإلغاء الطبقات فكرة اشتراكية لا علاقة للنظام الاقتصادي الإسلامي بها، فلا يجوز أن تحاكم الإسلاميين إلى معيار من خارج قناعاتهم.

هل حقا هناك نظام اقتصادي إسلامي مغلق، أم أن الإسلام هو العدل، وكل صيغة يبتدعها البشر تحقق عدلا أكثر هي أقرب إلى روح الدين، والقرآن يعطينا مبادئ عامة لتحقيق العدل مثل كسر احتكار الأغنياء للملكية: "كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم"، وتحريم كنز الأموال دون عملية إنتاجية: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم". 

وإذا كان القرآن يطرح هذه المعاني الروحية فإن مهمة البشر أن يستلهموا روح العدل الكامنة في النصوص ويصوغوها في أفكار اجتماعية وقوالب قانونية عبر ابتكار النظم التي تمنع تغول الأغنياء وسيطرتهم على الثروات، فكل تجربة بشرية حققت تقدما في هذا الاتجاه كانت أقرب إلى روح الدين، وحين ننقد تجربة الاشتراكية مثلا فلأن بإمكاننا الإضافة إليها وتطويرها بعد تفكيكها بما يحقق عدلا أكثر وليس رفضا لمبدأ الاستفادة من الأفكار والمذاهب الإنسانية.

يفتح القرآن الآفاق واسعة أمام الإبداع الإنساني عبر دعوة البشر للبحث عما هو أهدى وأقرب رشدا: "قل فأتوا بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين".

بالإضافة إلى الدلالة التعجيزية التي يتوقف عندها كثيرون في هذه الآية، فإنها تتضمن أيضا قيمة عملية، فلو افترضنا جدلا أنه قد جاء كتاب أهدى من القرآن فإن القرآن يأمرنا باتباع الكتاب الجديد، إن هذه الآية تحاكم القرآن إلى معيار من خارجه، وهو مدى قدرة أي كتاب على تحقيق عدل وهدى ورشد أكثر في حياة الناس، فإذا تجاوزنا حرفية الآية فإن الروح التي تنطوي عليها هي أن القرآن يدعونا إلى البحث المتجدد عن كل ما يحقق عدلا وصلاحا أكثر.

إذا كان القرآن بمعانيه الحرفية ومواضيعه المحددة يمثل أقصى العدل والهدى في ظروف تنزله التاريخية والاجتماعية، فإن الظروف التاريخية والاجتماعية التي تنزل القرآن لمعالجتها لم تكن هي الأفضل والأقرب إلى العدل عبر تاريخ الإنسان، لذلك إذا جاء زمان آخر وارتقى مستوى الوعي الجمعي وتراكمت التجربة البشرية بما يحقق مقدارا أكبر من العدل لم يكن الناس يعرفونه زمن تنزل القرآن فإننا هنا نحتاج مقاربة جديدة تخرج من الأحكام الفقهية التفصيلية وتستفيد من مراكمة التجربة البشرية وآفاق العدل الجديدة التي بلغها الإنسان لتوسيع إدراكنا لمعنى العدل قبل إسقاط المبادئ القرآنية الكلية على الواقع.

كان نظام الرق مستشريا زمن تنزل القرآن، وكان من المركزية في النظام الاجتماعي العالمي بما جعل إلغاءه مرة واحدة مستحيلا، لذلك لا نجد في القرآن الكريم نصا واضحا قطعيا يحرم الرق. صحيح أننا نجد أحكاما قرآنية تضيق مداخل الرق وتوسع مخارجه، لكن القرآن لم يسعه إلا التعامل مع هذا النظام حتى إننا نجد بعض تشبيهات القرآن متأثرة بذلك الواقع الاجتماعي: "ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون"، وما أنهى نظام الرق هو التجربة البشرية ومراكمة الوعي وتطور الحضارة وليس نصوص القرآن.

عملا بمعيار "أهدى منهما أتبعه": هل الأهدى هو تحرير الرقيق كإحسان فردي مع بقاء النظام، أم إلغاء النظام جذريا من حياة البشر! هنا جاءنا ما هو أهدى ليس بكتاب جديد نزل من السماء بعد القرآن، بل بكتاب التاريخ الإنساني الذي يتوصل في عواقبه إلى الحق والعدل: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق"، إذا فالقرآن أبقى الباب مفتوحا على مصراعيه للتفكير البشري حتى ليتجاوز الأحكام القرآنية ذاتها لما هو أهدى وأقرب رشدا.. 

في مثال آخر كانت الشعوب زمن تنزل القرآن تُحكم بالملك الفرد، ولم يكن الفكر الإنساني قد أنضج آليات الحكم الجماعي. صحيح أن القرآن في ذلك الوقت المبكر تضمن آية الشورى، لكن المناخ المعرفي والسياسي السائد أبقى الغلبة للحكم الفردي، ونشأ نزاع بين الفقهاء إن كانت الشورى معلمة أو ملزمة، وهو نزاع متأثر بالعصر أكثر من تأثره بفحوى النص، وحكم الخلفاء بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وفق النظام السائد آنذاك، وكانت ضمانة العدل هي التقوى الفردية لشخص الخليفة، فإذا تقلب قلب الخليفة فإن الناس لم يكونوا يمتلكون من الآليات الدستورية والمعرفة السياسية ما يلزمون به الخليفة بالعدل، إن قصارى ما كان بمقدورهم فعله هو أن يناصحوا الخليفة ويعظوه، فإن لم يستمع لنصحهم كانوا يصبرون على ظلمه، فذلك أهون من فتنة الخروج عليه. 

الآن نضج الوعي السياسي وجاء كتاب التاريخ بما هو أهدى فصار الحاكم مجرد موظف في مؤسسة الحكم الجماعي محدد الصلاحيات يمكن أن يحاسَبَ وأن يُقال من قبل السلطات الأخرى، ولم يعد الآمر الناهي الذي لا معقب لحكمه، فهل يصح أن يأتي من يقول إن نظامنا السياسي الإسلامي قائم على حكم شخص الخليفة كما كان الحال عليه زمن عمر بن الخطاب، وإن ما يحدث في أنظمة سياسية أخرى في العالم من حولنا هي تجارب غير إسلامية لا شأن لنا بها!

إن فردية الحكم في عصر الإسلام الأول ليست سنة نستن بها، بل كانت نتاجا طبيعيا لمستوى الوعي في ذلك الزمان، أما ما هو جدير بالاستنان فهو عدل الخلفاء، وقد تحول العدل في هذا الزمان إلى آليات جماعية وقوانين ملزمة يحاسَب من يخرج عنها وإن كان الرجل الأول في الدولة، أليس هذا أهدى سبيلا وأولى بالاتباع من أن يبقى العدل رهينة لمزاج فرد واحد يمكن أن يتقلب حتى لو كان هذا الفرد عمر بن الخطاب!

ذات المعنى يقال في النظام الاقتصادي، فإذا كانت مشكلة الفجوة الطبقية غير ناضجة التصور في عقول البشر في الأزمنة الغابرة، وإذا كان البشر يتصورون أن أقصى معاني الإحسان هو أن يلقي الغني بفتات مائدته إلى الفقير دون معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي سمحت للغني بمراكمة ثروته وحرمت الفقير من الحد الأدنى من حياة كريمة، ثم نضجت المفاهيم الإنسانية فصاروا يرون في الفجوة الطبقية مؤشرا غير أخلاقي تعاب به المجتمعات ويناضل المناضلون في سبيل تقليصها ورفع الحد الأدنى لدخل الفقراء وإلزام الأغنياء بمسؤوليات اجتماعية فرضا بالقانون، فإن الجدير بالمسلمين في هذه الحالة أن يكونوا أول من يساهم في انتصار هذه القضية أخلاقيا مهتدين بالمبادئ القرآنية العامة مثل تحريم الاكتناز والحث على تدويل الأموال بين الأغنياء والفقراء، لا أن يستندوا إلى نصوص منزوعة من سياقاتها أو إلى صيغ تاريخية لوقف التقدم البشري وتبرير واقع الفساد بغطاء شرعي.

الاقتصار على النصوص وحدها دون دراسة الأنظمة البشرية التي قطعت شوطا في اتجاه تقريب الناس من العدل ينتج فسادا مغلفا بغلاف ديني، والفساد ليس مقتصرا على السرقة الفجة، بل إن كثيرا من الأساليب التي يعتمد عليها الأغنياء في تضخيم ثرواتهم هي أساليب لا تمثل مخالفة قانونية ظاهرة ولكنها تستفيد من البيئة الاجتماعية ومن العلاقات العامة والاحتكار والاستغلال والتخلي عن المسئوليات الاجتماعية. 

وأيا كانت التبريرات فإن الفطرة الإنسانية السوية تشمئز من مشهد فقير متسول لا يجد بيتا ينام فيه بجوار برج عاجي يسكنه ثري مهما سيقت تبريرات بأن هذا الغني قد بنى برجه من حر ماله وبذكائه الخارق وجهده الذاتي بينما ذلك الفقير قد صار فقيرا بكسله.

إن حكم الفطرة والصورة النهائية أصدق من كل التبريرات النظرية، وليس صحيحا أن الغني صار غنيا بجهده وحسب وأن الفقير قرر بمحض إرادته ألا يجد خبزا ومبيتا لنفسه ولأولاده بل هي سلسلة طويلة من اختلال الفرص واعوجاج المعايير الاجتماعية والفساد غير المعلن هي التي أنتجت الصورة النهائية البشعة.. 

لقد أدى اقتصار كثير من الإسلاميين على استلهام نماذج تاريخية دون تفكيك الواقع المعاصر واستيعاب آخر ما توصل إليه البشر من حكمة وهداية إلى تحالف بعض القيادات الإسلامية مع الطبقة الرأسمالية وانخراطهم في أنشطة تجارية تغيب عنها الرقابة والشفافية ويتم فيها استغلال مواقع المسئولية حتى لو كان استغلالا معنويا في تعزيز فرص الأرباح، مما أدى إلى تكون طبقة من الرأسماليين داخل الحركات الإسلامية. 

لكن الأخطر أن هذا الانحراف الخطير يغلف دينيا، فبعد بناء البرج يكتب على واجهته: "هذا من فضل ربي"، ويكتب عليه أيضا: "لئن شكرتم لأزيدنكم"، وإن حدثت صاحبه عن التفاوت المختل بين مستواه ومستوى الفقراء المعدومين الذين لا يجدون طعاما ولا مأوى قال لك قاطعا الطريق أمام أي نقاش: " ورَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ" مع أن الآية تتحدث فقط عن تفاوت طبيعي داخل المجتمعات، ولا يوجد ما يمنع من سعي البشر إلى تقليص الفجوات وتعزيز مساواة الفرص وحسن توزيع الثروات فيظل التفاوت الطبيعي موجودا لكن بحد أدنى أكثر أخلاقية وعدلا.. 

الانفصال عن الواقع والاكتفاء بالنصوص وبتطبيقاتها التاريخية يحرم أصحابه من أداء رسالة الشهادة على العصر، وفي الوقت الذي يشغل أقوام أنفسهم بالبحث في بطون الكتب عن شواهد انتقائية تمنح الشرعية لحياة البذخ واختلال العدالة التي تهواها أنفسهم فإننا نجد بلادا غير إسلامية تقدم أروع نماذج النزاهة والشفافية والعدالة دون نصوص ولا فقهاء.

 

 

العامل الذاتي في

هلاك الأمم وفناء الحضارات

احمد ابو رتيمة

 

يفرد القرآن مساحة واسعة لقصص الذين خلوا من قبلنا ولتذكيرنا بتدبر عاقبة أمرهم وتحذيرنا من اتباع سننهم: 

"قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ"، "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ"، "وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ"، "وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ"، "فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ"، "وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"، "كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ"، "فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ"، "كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ"، "وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا"، "فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"، "وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ"، "وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ"، "وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وبالليل أفلا تعقلون"، "ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ منْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ".

تأتي قيمة هذا الحضور القوي لمشاهد الأمم الغابرة في تنبيهنا على وحدة القانون التاريخي، فالقرآن لم يكن ليذكر لنا قصصهم إلا لما تحتويه من عبرة، والعبرة تعني أن هناك قابليات نفسية مشتركة بيننا وبين تلك الأمم السابقة، فالأمراض التي وقعوا فيها كامنة فينا نحن أيضا، فيمكن من حيث المبدأ أن نكرر ذات الأخطاء فنلقى ذات المصير، ومن هنا فقط تأتي قيمة التحذير والإلحاح علينا في القرآن بتدبر عاقبة أمرهم ودراسة سننهم.

لا يمل القرآن وهو يعقب على قصص الأمم بتذكيرنا بوحدة القانون التاريخي: "كذلك قال الذين من قبلهم"، "سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً"، "وما هي من الظالمين ببعيد"، "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب"، "أكفاركم خير من أولئكم"، "تشابهت قلوبهم"، وهكذا فإن التاريخ يخضع لقوانين تشبه قوانين الكيمياء والأحياء، فتوفُّر ذات المقدمات بين مثالين يقود إلى ذات النتائج "العواقب" بشكل حتمي لا يعرف التبدل ولا التحول، فلا مكان للصدفة والعشوائية والاستثنائية والمحاباة الخاصة في سنن التاريخ.

ربما أبرز ما يتميز به الطرح القرآني في التعامل مع التاريخ هو أن القرآن يبرز المسئولية الذاتية للأمم عن مصائرها، فالأمم وفق التصور القرآني لا تهلك بسبب قسوة ظروف الطبيعة ولا بسبب غزو عدو خارجي، إنما بفعل التحلل الذاتي نتيجة انتشار أمراض الظلم والإفساد والترف والبطر والاستكبار وطمس القلوب والعقول، هذا التفسير مريح للنفس لأنه يحررها من الشعور بالعبثية واللا معنى تجاه الأحداث المفاجئة، ويجعلها قادرة على فهم خط ناظم يحكم الأحداث، كما أن هذا التفسير يمنح أصحابه قوة لأن فهم القوانين الحاكمة للتاريخ يعطي الأمم سلطانا بالإمساك بزمام الأمور وتعديل مصائرها بالمراجعة الذاتية كما حدث مع قوم يونس الذين آمنوا "فمتعناهم حتى حين"، و هذا التفسير يخلق أيضاً في الأمم الجدية ويعلي من رقابتها الأخلاقية لأنها تعلم أنها تؤتى من الداخل لا من الخارج، وأن أي تجاوز أخلاقي فإنما هو بذرة تؤسس لهلاكها، وأن مسألة بقائها أو فنائها ليست مرتهنةً بالمعادلة الدولية أو التحالفات الخارجية بقدر ما هي مرتهنة بقوة المناعة الداخلية وشعور أهلها بالعدل والمساواة والأمن.

في سورة سبأ التي تحمل اسم حضارة اليمن هناك إبراز واضح لمسئولية الأمم الذاتية عن مصائرها، فهذه القصة تظهر التحول من حالة الرغد والأمن إلى حالة الفقر والتمزق بسبب ما أحدثوه في أنفسهم وفق القانون الاجتماعي: "ذلك أن الله لم يك مغيراً نعمةً أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

يقول الله تعالى:
" لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ () فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ () ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ() وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ() فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ()".

دعونا نصوغ مراحل حضارة سبأ بطريقة رياضية لنستخلص قانونا تاريخيا عاما:

 الحالة الحضارية: الرخاء الاقتصادي وسهولة التواصل وأمان الطرق.
ثمن المحافظة على الحالة الحضارية وتنميتها: الشكر وما يقتضيه من إدراك النعمة والحرص على عدم إضاعتها.
التحول الحادث في النفوس: الإعراض وبطر النعمة وظلم النفس وتمني السيئة بالمباعدة بين الأسفار.
عاقبة التحول: الفقر والتفرق بعد الاجتماع وتمزق وحدتهم.

بهذه المعادلة الرياضية نستطيع أن نلقي إضاءة عامة على مجمل قصص الحضارات دون إسقاط التفاصيل التاريخية والعوامل المتراكبة، لكن كل تفاصيل الأسماء والأحداث التي نقرأها في كتب التاريخ لا بد أن تقود في المشهد النهائي إلى خلاصة مبسطة تمثل قانوناً مطردا.

ما يذكره القرآن في قصص الأمم ليس عوامل غيبية غير قابلة لإخضاعها للتفكيك الاجتماعي والسنن المادية، بل هي قوانين علمية منطقية؛ مثلاً في المشهد الذي بين أيدينا فإن إعراض سبأ وكفرها ليس موقفا إيديولوجيا لا علاقة للغة العلم به، إنما يحمل أبعادا اجتماعيةً ونفسية مما يجعل العلاقة بين هذه الأمراض وبين نتائجها المتمثلة في فناء الحضارة علاقة علمية وليست مجرد إيمان غيبي.

الإعراض والكفر هو انتكاسة نفسية واجتماعية مناقضة للشكر، والإعراض شعور سلبي قوامه الجهل والغفلة والسخط والتذمر وفقدان الرضا والتوافق الداخلي، هذه الحالة السلبية حين تشيع بين الناس في مجتمع من المجتمعات فإنه يصير عاجزاً عن المحافظة على قوته الدافعة الإيجابية فتتراجع قدرته على المحافظة على إنجازات الحضارة وتنميتها فتنقلب أحواله من الرغد الاقتصادي إلى الفقر، وشيوع مشاعر التذمر والسخط ستمس حتماً بوحدة النسيج الاجتماعي فتمزقه كل ممزق، في المقابل فإن الشكر هو حالة إيجابية تغمر النفس فتفيض على أصحابها قوةً روحيةً ونشاطاً إيجابياً ورغبةً في العمل والتنمية، والإنسان الشكور هو إنسان متوافق مع ذاته، وبالتالي فهو متوافق مع المجتمع مما يشكل النواة الأقوى لمجتمع متماسك.

إذاً حين يطالب الله الأمم بالشكر ليزيدها من نعمه ولئلا يغير ما أنعم عليهم فهو لا يطلب شيئا لنفسه إنما ينبهنا لقوانين الحياة: "ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه"، فالشكر يعني اكتساب قوة روحية ونشاط إيجابي يكون دافعاً للعمل والإنجاز، الشكر قوة والكفر ارتكاسة ومقت تضر بصاحبها وحده: "إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم".

أما دعاء قوم سبأ أن يباعد الله بين أسفارهم فهو وإن بدا للوهلة الأولى غير مفهوم إلا أنه طبيعي في حالة ارتكاس الإنسان، وأمثلته في القرآن حاضرة مثل طلب بني إسرائيل من موسى أن يخرج لهم من الأرض من عدسها وبصلها وفومها وقثائها بديلاً عن المن والسلوى، ومثل قوله: "ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير"، هذه الحالة تعني السأم من أوضاع الراحة ومبادرة الإنسان باستجلاب الشقاء لنفسه، وهذا ما يمثل النزعة الانتحارية أو إرادة الموت في داخل النفس البشرية: "وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً".. سأم الإنسان من أحوال الراحة يبرز مسئوليته الذاتية عن مصيره، إن الإنسان في تحد ليس مع الظروف الخارجية وحدها، بل الأهم من ذلك هو في تحد مع قوى الموت والضمور التي تدعوه من داخله لتقتل فيه إرادة الحياة وبهجتها، ويقاس نجاح الإنسان بمدى انتصار إرادة الحياة في داخله على إرادة الموت، وهو ما يساعده الإيمان في تحقيقه، فالإيمان نظرة إيجابية للحياة لا تعرف اليأس ولا القنوط ولا الملل، إنما تعرف الشكر والرضا والعمل.

لكن في محاولة إسقاط الأمثلة القرآنية على واقع اليوم سيبرز أمامنا سؤال عن مدى ملائمة هذه الأمثلة لعصر العلم والتجربة، فإذا كان القرآن يخبرنا عن إرسال سيل العرم على سبأ وعن إهلاك الأقوام السابقة بالريح والصيحة والخسف والإغراق فهل ننتظر أن يهلك الله الأمم والحكام الظالمين اليوم بإحدى هذه الوسائل، وما نصيب هذا الكلام من الواقعية والعلمية؟!

والجواب أني أبرزت في شرح مثال قوم سبأ جانباً من المضامين العلمية التي تظهر علاقة عضوية قابلة للقيام بين المقدمات والنتائج ، والقرآن عموما في ذكره لقصص الأقوام السابقة يركز على القانون التجريدي أكثر من تركيزه على التفاصيل الظرفية، وهو ما يتضح في الآيات الكثيرة التي صدرت بها المقال بأن علة الهلاك الرئيسة هي الظلم بغض النظر عن كيفية هذا الهلاك، أما التدخل الإلهي المباشر في إهلاك الأقوام الظالمة فقد كان معهوداً في مراحل الطفولة البشرية قبل أن يرى الإنسان من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس ما يعطيه سلطاناً للفهم والعمل والتغيير بيده، وهو التحول الذي انطوت عليه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إذ إن انتصاره على قومه المكذبين لم يكن بالمعجزات بل وفق سنن التدافع الاجتماعي الطبيعي والتحول التدريجي: "ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعضهم"، "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم"، هنا تشير الآيات بوضوح إلى أن الله لا يريد التدخل في التدافع بين الناس بمعجزات، بل يترك العمل لعباده، وفي النهاية ستنتصر سنن الله التي لا تتبدل ولا تتحول عبر الزمان، وإذا كان هلاك الظالمين في العصور الخالية عبر إرسال سيل العرم آيةً فقد نسخها الله بآية خير منها وهي هلاك الظالمين عبر التحلل الذاتي والتفكك الاجتماعي، فهذه آية أعظم على دقة وعدالة الناموس الضابط لهذا الكون: "قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ".

إن علة هلاك الظالمين ذاتية، فالظلم بطبيعته يقود إلى تفكك النسيج المجتمعي وإلى مراكمة مشاعر الكراهية والعداء وإلى فقدان الأمن والطمأنينة، وكما أن فقه هذا المنهج القرآني يضفي علينا سكينةً ويقيناً بحتمية انكسار قوى الظلم والاستبداد فإنه في المقابل ينبغي أن يعلي من حذرنا كيلا لا نتبع سنن الذين خلوا من قبلنا فنقع في ذات أمراضهم من ظلم وترف وبطر معيشة وكفر نعمة فيصيبنا مثلما أصابهم.

"وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ".

 

 

 

جدلية السياسة والثقافة

 

أحمد أبو رتيمة

 

هل الظروف السياسية هي التي تشكل ثقافة المجتمع، أم أن الحالة السياسية ليست سوى إفراز طبيعي للثقافة الحاكمة في المجتمع؟

هل إسرائيل هي سبب مشكلاتنا الداخلية؟ أم أن انهيار جهاز المناعة العربي الداخلي هو الذي أتى بإسرائيل إلى بلادنا؟

العامل الداخلي هو أساس تفسير الظواهر الإنسانية، ذلك أن الله تعالى منح الإنسان قوةً حتى لا يكون لأحد سلطان عليه إلا إذا تخلى هو ذاته عن قوته وقبل باستعباد الآخرين له، إن أحداً لا يستطيع امتطاء ظهرك إلا إذا وجده محنياً يقول مارتن لوثر كينغ، والقرآن يعمق هذا المفهوم فيبرز دائماً دور العامل الداخلي فيما يصيب الجماعات البشرية من انتكاسات، ففي غزوة أحد يحيل سبب مصاب المسلمين إلى أنفسهم: "قل هو من عند أنفسكم"، حتى الشيطان رمز الشر في الوجود لا يستطيع أن يضل أحداً إلا إذا كانت فيه القابلية الداخلية للغواية: "وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي"، "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين"، وهذا مقتضى العدل الإلهي ألا يعاقب الناس بعدو خارجي إلا إذا أحدثوا خللاً داخلياً: "ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمةً أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون".

هذه ليست مجرد معان دينية غيبية، بل هي تلخيص للقوانين التي تحكم حركة النفس والمجتمع والحضارة والتاريخ، فالشيطان رمز للشر والتآمر الخارجي، لكن مخططاته لا تنجح إلا حين يكون هناك تجاوب داخلي معها وقابلية لاحتضانها، إن المجتمعات المحصنة تبطل كل المؤامرات الخارجية، ذلك أن ارتفاع مستوى الشفافية الأخلاقية والوعي السياسي داخل المجتمع يحصن المجتمع ضد أي اختراق ويعزل أي مخطط غريب ويحرمه من الغطاء الذي يبحث عنه. 

المؤامرات الخارجية موجودة، لكن العنصر الحاسم في إنجاحها أو إفشالها هو الموقف الداخلي منها: "وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً"، والتقوى يشمل معناها فيما يشمل الحذر واتخاذ الأساليب السياسية الفاعلة لإفشال المخططات المضادة.

تصوروا مثلاً أن يخطط الموساد لتفجير الأوضاع الداخلية في دولة مثل السويد هل سينجح في ذلك؟ ربما ينجح في شراء ضمائر بعض المواطنين السويديين ويوعز إليهم مهمات تخريبيةً، لكن حتى لو نفذوا هذه الأفعال التخريبية فستظل مساحة تحركهم محدودةً بسبب الوعي الوطني الذي يعزلهم ويجعل أي أفعال لهم تبدو غريبةً مستنكرةً، لكن لن تنجر البلاد إلى انفجار شامل إلا في حال وجود بذور كامنة في المجتمع تنتظر الظروف الملائمة.

المؤامرة الخارجية لا تصنع الانقسام الداخلي، لكنها تكشف الاستعداد الكامن له وتجلي ما في النفوس ليخرج إلى العلن.

إن الدماء والحروب والانقسام والكراهية التي تتجلى اليوم في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها ليست سوى إعلان رسمي عما كان مختبئاً تحت السطح طوال العقود الماضية، لا نبرئ التدخلات الخارجية ولا نستبعدها لكنهم يستفيدون من قابليتنا ويستثمرون في أوضاعنا الداخلية الهشة، إن إسرائيل ذاتها لم تكن لتقوم لولا أنها جاءت في ظل أوضاع عربية متردية فاستثمرتها في إقامة دولتها، وإلا كيف استطاعت دولة صغيرة غريبة أن تصمد لأكثر من ستين عاماً وسط بحر من الأعداء! 

حين دعوت إلى تعزيز ثقافة الحوار واحترام التعدد الفكري والسياسي ونشر مفاهيم الشراكة والتعايش بدل الإقصاء من أجل توفير بيئة اجتماعية صحيحة تتصدى للممارسات القمعية للأجهزة الأمنية في الساحة الفلسطينية قال فريق من الناس إن هذا تسطيح للمشكلة لأن هذه الأجهزة ذات ارتباطات خارجية، وإن المشكلة ليست مجرد حب وتفاهم بين الناس، وأنا أعترف أنها حجة منطقية، وأن الواقع السياسي معقد ومتداخل العوامل المؤثرة فيه ، لكن السياسة ليست سوى إفراز للمجتمع، وحين تتعزز في نفوس القطاع الشعبي الأكبر قناعة بأن الآخر هو شريك وطني وأن محاربة إنسان من أجل رأيه جريمة أخلاقية فلن تستطيع أي قوة سياسية مهما كانت ارتباطاتها الخارجية أن تتجاوز هذا الوعي المجتمعي، وستضطر لمسايرة المجتمع حتى لو بهدف منافقته، لأن الجاسوس ذاته لا يستطيع أن يعمل إلا في بيئة مجتمعية مساعدة، وحين تجفف المستنقع فلن يجد البعوض ما يتغذى به.

إذا كان عنصر الأمن يمارس قمعه بقرار سياسي فوقي، فإن البيئة الثقافية التي يأتي منها ودائرة العائلة والأصدقاء له تتفهم فعله مما يعني أن هذا الجندي لا يستطيع ممارسة دوره إلا بمظلة اجتماعية، ماذا لو نبذته العائلة والمجتمع هل سيظل قادراً على ممارسة ذات الدور بنفس الأريحية؟
تتجلى جدلية الثقافي والسياسي في ظاهرة الارتباط بالاحتلال، فالاحتلال يوظف إمكانياته الأمنية والسياسية والمالية في توريط ضعاف النفوس وابتزازهم للعمل معه، لكن لا يمكن إسقاط اعتبار الواقع الاجتماعي من العوامل المؤثرة في اتخاذ العميل قرار الارتباط بالاحتلال، فالأوضاع الاقتصادية القاسية التي يعاني منها المجتمع ممزوجةً بمشاعر الإحباط واليأس دافع رئيس للتورط في مستنقع العمالة، وهذه الأوضاع بدورها نتيجة لاختلال العدالة الاجتماعية ولفساد الإدارة، والناس تتحمل حياة الفقر والكفاف بشرط أن يتساوى الجميع في تقاسمها، لكن حين تزداد الفجوة الطبقية داخل المجتمع فتتنعم طبقة بالرفاهية على حساب أكثرية تعاني من الحرمان والقهر فإن كثيرين من أبناء الطبقة المسحوقة سيشعرون بالظلم وسينظرون إلى الوطن بأنه شركة خاصة ينعم بامتيازاتها علية القوم وليس لهم فيه مكان محترم وسيتأثر شعورهم الوطني سلباً مما يمثل بيئةً ملائمةً للعدو يستغل فيها هذه المشاعر السلبية ويوجهها لتحقيق أهدافه الخبيثة.

إن الاكتفاء بتحليل الأحداث السياسية دون نفاذ عميق إلى المكونات المجتمعية والثقافية التي تحتضن المستوى السياسي وتفرز مواقفه، يشبه أمر الطبيب الذي يكتفي بإعطاء الكمادات لتخفيض الحرارة دون أن يعطي دواءً لقتل الفيروس الذي ينشط في الخفاء.

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

 

نظام العسكرية..من أسوأ ما اخترع الإنسان

 

أحمد ابو رتيمة

 

نظام العسكرية يعني ألا تكون إنسانا، أن تكون بلا إرادة بلا قرار بلا كرامة، أن تتحول إلى آلة صماء وظيفتها الطاعة العمياء وتنفيذ الأوامر، أن تمنح حريتك للقائد يتصرف فيها كما يشاء، في العسكرية يتساوى أن تقتل مسالما ذا رأي أو أن تقتل معتديا غازيا؛ لأنك في جميع الأحوال ممنوع أن تتساءل عن حكمة أوامر القائد، إنما نفذ فقط ولا تناقش.

يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد: "من أكبر مصائب الأمم وأهم معائب الإنسانية نظام الجندية الجبرية العمومية، حتى ربما يصح أن يقال إن مخترع هذه الجندية لو كان هو الشيطان فقد انتقم من آدم في أولاده أعظم ما يمكنه أن ينتقم، الجندية تفسد أخلاق الأمة فتعلمها الشراسة والطاعة العمياء والاتكال، وتميت النشاط وفكرة الاستقلال، وتكلف الأمة الإنفاق الذي لا يطاق، وكل ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشؤوم". 

برر الإنسان اختراع نظام الجندية بالحاجة إلى وجود جيش قوي يحمي البلاد ويتصدى لأعداء الوطن، فلا بد داخل هذا الجيش من وحدة الكلمة وضبط الصف، لكن الدواء إذا أفرط في استعماله ربما قتل المريض، وهذا ما يحدث مع نظام الجندية الذي يفترض أنه مفيد في معالجة حالات استثنائية أوقات الحروب والأخطار لا تمثل أصل العلاقات الإنسانية، لكن هذه المعاني تطرفت، فتضخم نظام الجندية ليتفشى في مفاصل الحياة كلها، وليصبح أصل العلاقة بين الحاكم والمحكوم الانضباط والطاعة العمياء وتجريم حرية الرأي، والحجة حاضرة دائما بسحق أعداء الوطن وحماية مصالحه العليا.

من الصعب على من يتربى في الأجواء العسكرية أن يكون قادرا على إدارة حياة طبيعية قوامها الحوار والتفاهم؛ لأن الشخصية وحدة واحدة، فلا يستطيع صاحبها الفصل بين علاقته بجنوده في معسكر التدريب أو علاقته بأبنائه في البيت، كلها علاقات قائمة على صرامة الأوامر ووحدانية الرأي.

الشخصية العسكرية بطبيعتها غير مؤهلة لقيادة الحياة المدنية، فالأخيرة تقتضي سعة الصدر وحق الفهم والتساؤل وثقافة الحوار وقبول الآراء الأخرى والتداول السلمي للسلطة والمراجعة والمحاسبة، وكل هذه المعاني غير حاضرة في المؤسسة العسكرية، لذلك في المجتمعات الراشدة تكون المؤسسة العسكرية مقودة لا قائدة، منفذة لا مقررة، لا تتجاوز سقفها ولا تتغول خارج جدرانها، وهي خاضعة للرقابة والتدقيق، إن الفرق بين أن يحكم العسكر أو أن يحكم الشعب هو تماما مثل أن يحكم الديناصور بعضلاته أو أن يحكم الإنسان بعقله.

تدفع الشعوب أثمانا باهظة بتضخم مؤسسة الجيش وتحولها إلى صنم كبير تقدم على مذبحه قرابين خيرات البلاد لتسليحه ونفقاته، وفي ظل تخصيص النفقات الهائلة لميزانية الجيش من جهة وتقديس هذا الجيش من جهة أخرى، كونه حامي حمى الديار، وابتعاده عن آليات المحاسبة الشعبية، وانعزاله على نفسه يصبح من الصعب منع تكون طبقة من المتنفذين أصحاب المصالح التجارية داخل مؤسسة الجيش، ويتضخم نفوذ هذه الطبقة ليغزو الوطن كله وتتحكم في مفاصله، كل هذا يتم وسط غياب الرقابة والمساءلة، فمن ذا الذي يجرؤ على التشكيك في وطنية الجيش الذي يعد العدة لسحق أعداء الوطن إلا خائن مأجور!  

فكرة الصنم تتلخص في توقف وظيفة الفكرة التي كانت مبرر وجودها وبقاء صورتها، وهذا ما يحدث مع نظام العسكرية؛ إذ إن الحروب بين الجيوش النظامية في تراجع من العالم مع إفساح المجال للحروب غير المباشرة والمواجهات الاقتصادية والسياسية، ورغم ما يقتضيه هذا من تخفيض حجم الجيش، إلا أن المؤسسة العسكرية لا تزال تحافظ على كيان متضخم وتستنزف ميزانيات الشعوب فيما لو وجه إلى مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لكان خيرا وأفضل، لكن الطبقة المتنفذة داخل الجيش تقاتل في سبيل المحافظة على مصالحها الشخصية وامتيازاتها وترفض أي تقليص لحجم نفوذها أو احتواء يخضعها لسلطان المساءلة الشعبية.

لقد تحول الجيش إلى صنم كبير تقدم إليه قرابين الأموال والطاعة، ويمنع قيام حياة تعددية مدنية طبيعية، رغم أن العائد من وجوده محدود فجوهر الصراعات الإنسانية لم يعد عسكريا، بل صار من الممكن الانتصار، وتبوأ موقعا محترما بين الأمم بوسائل القوة الناعمة متمثلة في الثقافة والاقتصاد والسياسة.

عدم أهلية الشخصية العسكرية لقيادة الحياة المدنية لا يلغيه بطولة الجيش وانتصاراته، إن مهارة الطبيب في جراحته لا يعطيه الحق في وضع مخطط هندسي لإنشاء مدينة، من أكبر مشكلات مجتمعاتنا العربية الخلط بين التضحية والكفاءة، ما يجعل من بلادنا بلاد الأصنام بجدارة، فيكفي أن تسجل لأحدهم بطولة حربية حتى نعطيه صلاحية مطلقة، ليفعل ما يشاء ونرفعه عن المساءلة والمحاسبة، فإذا انتقده أحد هاجمناه بالقول: من أنت حتى تزاود على أصحاب البطولة والشرف! إنك لم تفعل مثلهم فلا يحق لك الحديث عنهم! 

البطولة تعني البطولة وحسب، ولا تعني كفاءة الإدارة وعصمة آراء صاحبها وقراراته، لذلك فإن إثبات الجدارة في المواجهة العسكرية لا يمنح صاحبه تفويضا مفتوحا للتحكم في الشعب بعد ذلك واستعباده، لقد تفطن الشعب الإنجليزي لهذه الحكمة حين عزل ونسون تشرشل وهو في أوج انتصاراته، لأن الناس قد علموا أن انتصاره في زمن الحرب لا يقتضي كفاءته في زمن السلم بالضرورة.

من الضروري قصقصة أجنحة العسكر وضمان عدم تجاوزه لوظيفته المحددة في قتال العدو الخارجي، لأن العسكري إذا انتهى من حرب الأعداء الخارجيين وجد في صدره فراغا فسعى لإشغاله بمعارك داخلية، إن العسكري يريد أن ينتصر دائما، ومفهوم الانتصار في عقله لا يكون إلا بسحق العدو، فإن لم يكن العدو موجودا سعى لخلقه ليشعر بنشوة سحقه كما في فيلم البريء المصري الذي يغسل فيه القائد أدمغة جنوده بمحاربة أعداء الوطن، بينما لا يوجد أعداء سوى مجموعة من المعتقلين أصحاب الرأي والفكر. 

لقد كادت الشعوب العربية ذات يوم قريب أن تسجد لمقاتلي منظمة حزب الله انبهارا ببطولاتهم وانتصاراتهم على إسرائيل، لكن لما وضعت الحرب مع إسرائيل أوزارها رأينا ذات المقاتلين الأبطال يقتلون ويفسدون في حرب طائفية منتنة، لقد انتابت الحيرة كثيرين منا للوهلة الأولى وكذبنا الأخبار، إذ كيف يعقل أن ذلك المقاتل البطل الذي أرغم أنف إسرائيل في التراب هو ذاته الذي يقاتل اليوم إلى جوار نظام مجرم مستبد بحق شعبه! لكن الغرابة تزول إذا عرفنا أن العقلية العسكرية واحدة لا تتجزأ، وأن البطولة لا تعني أكثر من البطولة، وقد كانت كراهيتنا لإسرائيل حجابا لنا عن رؤية الحقيقة كاملة، فلما حيدت إسرائيل رأينا المرض بكل تجلياته.

مشكلة حزب الله ذاتها تنطبق على الجماعات المسلحة عموما، لذلك فإن التحدي الحقيقي في سوريا ليس في انتصار المعارضة المسلحة على بشار، بل في مدى قدرتها على تأسيس حياة مدنية تصون الحريات وحقوق الإنسان في مرحلة ما بعد الأسد، إن نظام العسكرية كله عبء على الإنسانية سواء تمثل في الجيوش الرسمية أو في الجماعات المسلحة، ومشكلتنا لا تحل باستبدال عسكر بعسكر، بل بتحرير الفكر الإنساني من هذه المنظومة بأسرها وتأسيس حياة يحكمها العقل لا العضلات، الحرية لا العبودية.

إن بقاء هيمنة المؤسسة العسكرية يعني أن عصر الإنسان لم يولد بعد، وأن رسالة الأنبياء، المتمثلة في أن يقوم الناس بالقسط، وأن يجتمعوا على كلمة سواء، دون إكراه واستعباد واتخاذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، لا تزال في انتظار التحقيق.

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

داعش والتفسيرالخاطئ لنصوص القرآن

أحمد أبو رتيمة

يدفع العالم عموماً والشرق الأوسط خصوصاً ثمناً باهظاً لانتشار الفكر المتطرف والذي تمثل أخيراً في ظهور تنظيم داعش الذي سجلت عليه انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان تمثلت في حوادث قطع الرءوس والذبح بالسكاكين وإحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة بالنار، و تنطلق هذه المجموعة في أفعالها من فلسفة استحلال قتل كل من يختلف معها فكرياً وسياسياً واتهامه بأنه كافر أو مرتد.

لا يمكن إغفال البيئة السياسية والاقتصادية التي أنبتت هذا الفكر المتطرف، فقد كان انفجاراً عنيفاً لمشاعر القهر واليأس المتراكمة طوال العقود الماضية بفعل ممارسات الأنظمة الدكتاتورية التي تصادر حرية الرأي والتعبير وتجهض كل محاولة سلمية للإصلاح، لذلك فإن المشكلة في جوهرها سياسية، وحين تتعزز الديمقراطية والتنمية في المجتمعات فإن البيئة ستكون معقمةً ضد إنبات شجرة العنف الخبيثة.   

لكن تغليف داعش لممارساتها بثوب ديني وتبرير أفعالها بنصوص مقدسة لدى المسلمين يجعل الحاجة ملحةً لمواجهة الأسس الفلسفية والفكرية التي يقوم عليها هذا الفكر المتطرف والتي دفعت فريقاً من الناس للاعتقاد بأن المشكلة دينية.

في القرآن الكريم هناك آيات تدعو إلى القتال، لكن هذه الآيات تأتي في سياق محدد، وما يفعله الفكر المتطرف في التعامل مع هذه الآيات أنه ينزعها من سياقها الصحيح فتنتج نسخة شاذة من التدين العنيف. 

القرآن يؤكد أن طبيعة رسالته هي "رحمة للعالمين" فيقول في سورة 21 آية 107 : "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين"، ويؤكد أن العلاقة بين المؤمنين وبين الأمم المختلفة معهم دينياً هي علاقة سلام وبر: " (سورة 60 آية 8 )   "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ".

في ضوء هذه المبادئ العامة نفهم الآيات الأخرى التي تشرع القتال، فالقتال لا يكون ضد المختلف دينياً وفكرياً بل ضد من يعتدي ويبدأ بالقتال ويخرج الناس من ديارهم: " إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ" (سورة 60 آية 9).

القتال في القرآن هو ضد الظلم وليس ضد الكفر: " وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصير " (سورة 4 آية 75) .

يوضح السياق التاريخي لنزول أول آية تشرع القتال للمؤمنين أن القتال موجه ضد الظلم وليس ضد الكفر، لقد كانت أول آية تنزل على النبي محمد تتعلق بالقتال بعد تعرض المؤمنين للاضطهاد والتعذيب والطرد من موطنهم مكة: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير" (سورة22 آية 39 )   .

كثيراً ما تستشهد الجماعات المتطرفة في تبرير قتلها العشوائي بآية: " قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ"  (سورة 9 آية 14) لكن لو رجعنا إلى الآية التي تسبق هذه الآية مباشرةً لفهمنا الظروف الخاصة التي شرعت فيها هذه الآية القتال: "ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين."

( سورة9 آية 13 ) ، إن الآية تقول وهم بدءوكم أول مرة أي أنه لا يمكن تطبيقها إلا في ظروف قتال وحين يكون هناك علاقات سلام بين الناس فإن الشروط الأولية للقتال لا تكون متحققةً.

كل الآيات التي يذكر فيها القتال في القرآن تأتي في سياق تحرير المؤمنين من الخوف والتخاذل، أي أن القتال هو عكس التخاذل وليس عكس السلام، وبذلك تكون علة القتال في القرآن هو الشجاعة في حماية المبادئ وليس إشعال الحروب، على سبيل المثال هذه الآية: "وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين." (سورة 3 آية 146 )  

 لذلك فإن مفهوم القتال يتحول إلى المعنى المجازي فيمكن أن نقول عن بطل إنه قاتل في سبيل الحرية رغم أنه لم يستعمل السلاح في حياته مطلقاً لكنه لم يضعف ولم يتراجع في تمسكه بمبادئه.

لقد وضع القرآن قاعدةً أساسيةً تضبط ممارسة القتال وهي ألا يكون إلا ضد المعتدين الذين يبدءون بالقتال: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (سورة 2 آية 190 ).

يبين القرآن أن المؤمن بطبيعته سلامي يكره الحرب والقتال: " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم " (سورة 2 آية 216) وحين يكره الإنسان القتال فهذا يعني أنه لن يتوسع في ممارسته ولن يجد لذةً في القتل بل إنه سيمارسه في أضيق الحدود حين يكون مضطراً إليه للدفاع عن نفسه.

يمكن تسجيل مئات الشواهد التي تفند الأسس الفكرية التي تنطلق منها داعش في ممارساتها الإرهابية، لكن ما يساعد على انتشار تلك التفسيرات الخاطئة والمجتزأة للنصوص المقدسة هو بيئة الاستبداد والظلم والكراهية التي تنشأ فيها تلك الجماعات مما يجعل فريقاً من الشباب يميلون إلى التأويلات المتطرفة، لذلك فإن المدخل إلى حل مشكلة التطرف لا يكون إلا بمعالجة البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية عبر فتح أبواب الأمل للشباب في مستقبل أفضل واستعادة ثقتهم بإمكانية المساهمة في بناء أوطانهم بالطرق السلمية والتخلص من الأنظمة الاستبدادية التي تصادر حقهم في الحرية والكرامة.. 

مقالتي في موقع ريتيلونا الإيطالي..

المقالة هنا باللغة العربية

وفي الرابط باللغة الإنجليزية على الموقع الإيطالي:

 

http://italia.reteluna.it/it/isis-and-the-wrong-interpretation-of-quran-PtNc.html

 

 

الذين آمنوا

 بالسلاح وكفروا بالإنسان

احمد ابو رتيمة

 

"إن الإنسان بإقناعه يعطيك روحه وماله ولكن بإكراهه والتغلب عليه لا يعطيك إلا النفاق".

لطالما كرر هذه الكلمة داعية اللا عنف السوري جودت سعيد، لكن ما يظهر حتى الآن أن هذه الكلمة لم تصب أرضاً طيبةً تحتضن بذورها فتنبت شجرةً طيبةً أصلها ثابت وفرعها في السماء.

لا يزال الصوت الغالب فينا هو صوت القوة والسلاح، ولا يزال أكثر الناس من مختلف الطوائف والمذاهب يؤمنون أن ما لم يؤخذ بالقوة يؤخذ بمزيد من القوة، وأنه لا مانع من أن يحل الدمار والخراب الشامل في سبيل أن تنتصب في المشهد الأخير فوق كل هذا الركام راية عصبية تحيي وهماً تاريخياً اندثر أصحابه تحت التراب ولم تعد قضيتهم تعني الأحياء في شيء..

يتساءل أولو الألباب وهم يرون مشاهد القتل والدماء والدمار المرعبة في وطننا العربي أي حماقة تلك التي تدفع دولاً محوريةً إلى النفخ الطائفي وإشعال الحرائق الذي لن يجلب على المنطقة إلا الدمار الشامل، ولن يكون مشعلو هذه الحرائق بمنأىً عن النيران التي يوقدونها بل ستلتهمهم في حرب جنونية لن تتوقف عند الحدود المرسومة لها.

هؤلاء الذين ينفقون مليارات لإيقاظ فتنة طائفية كانت نائمةً في بطون الكتب، ولإحياء أوهام امبراطورية ولدعم الانقلاب على إرادة الشعوب ويحملون في رقابهم أوزار مئات آلاف النفوس التي أزهقت لم يصنعوا شيئاً سوى تغذية بذور الكراهية وتعزيز الحواجز بينهم وبين الشعوب، ولن يمكنهم بعد الآن التعايش مع هذه الشعوب إلا في أجواء الخوف: "أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين"، ذلك أنهم رهنوا بقاء سلطانهم إلى ما يمتلكونه من قوة وسلاح فسيظلون في رعب دائم من أن تدور عليهم الدوائر وتتغير موازين القوى و تميل الكفة لصالح هذه الشعوب ويؤتون من حيث لم يحتسبوا، ولن يسعهم بعد الآن توطيد سلطانهم واستقرارهم إلا بإبقاء هاجس الخوف مستيقظاً في نفوسهم وبإبقاء نزيف أموالهم مستمراً لتأمين مصالحهم ومحاربة الأخطار التي لن تنتهي لأنهم أقاموا مع الشعوب علاقة كراهية واستعداء، ولو أنها كانت علاقة حب وثقة لأمنوا جانب هذه الشعوب وما خافوا دولة الأيام.

لا أتحدث هنا بمنطق الأخلاق وحده، بل بمنطق المصلحة السياسية أيضاً، ماذا لو وجهت دول مثل إيران والسعودية تلك المليارات التي أنفقوها في تغذية الجماعات المتطرفة ودعم الانقلابات ومساندة الأنظمة المعزولة عن شعوبها وإحياء معارك التاريخ الغابرة التي حصدت مزيداً من النفوس وأهدرت الثروات وبددت الطاقات، ماذا عليهم بدل هذا لو أنهم دعموا إقامة دول مدنية تؤمن بحقوق الإنسان وكرامته وتستثمر في كسب قلوب الناس وعقولهم، وتمد جسور الثقة والحوار معهم، وتنشغل عن الحرب والتآمر بالتنمية الاقتصادية والعدالة والحرية، كم كانت منطقتنا ستربح عدلاً ورخاءً وسلاماً، وكم من الملايين كانوا سيدخلون بدافع الحب الذاتي في دين هذه الدول أفواجاً دون إكراه وحرب وسلاح!!    

 لكن صوت العقل لا يزال غائباً في بلادنا، فنظن أن الاستثمار لا يكون إلا في الدم والسلاح وحكم الشعوب بالإكراه، إننا لا نزال نقتل الأحياء من أجل إعادة إحياء الأموات، و لا نزال نشعل الحروب من أجل أوهام امبراطورية وخلافة وولاية فقيه، ولا نزال نقتل الإنسان قرباناً إلى أصنام سميناها نحن وآباؤنا ما أنزل الله بها من سلطان..

أتطلع إلي اليمن المفكك الحزين فيجول في خاطري ماذا لو استفادت إيران من ضعف الدولة المركزية في هذا البلد لكن بشكل أكثر إنسانيةً فدعمت الشعب اليمني ببناء المستشفيات والمدارس وأنشأت مراكز للحوار الثقافي فغزت القلوب بالحب واستعبدت الإنسان بالإحسان!

إن احتلال الشعوب بالحب والإقناع خير وأبقى من احتلالها بالقوة والإكراه، فالقوة تفنى وتزول لكن الحب يصنع لك مؤمنين جدداً فتصير قضيتك قضيتهم الذاتية التي ينافحون عنها منطلقين من إيمانهم بها دون انتظار تكليف أو تمويل من أحد فتزداد انتشاراً في الأرض وبتكلفة أقل ويكسب الجميع الأمن والسلام ولا يقتل أحد أحداً، إنها وصفة سهلة لقوم يعقلون.. 

يا حسرةً علينا كيف نفكر وكم نجني من شقاوات وعداوات بسوء تقديرنا..

إن المراهنة على السلاح ودعم الطغاة والانقلابات العسكرية تؤشر على أننا لم نؤمن بالإنسان بعد وأننا اتخذنا من القوة والسلاح إلهاً معبوداً من دون الله.. 

الذين لا يؤمنون بالإنسان لا يؤمنون بالله بالضرورة لأن الإيمان بالله يقتضي أن تؤمن بأن النفخة الإلهية في روح الإنسان هي التي تنتصر، وأن هذا الإنسان المكرم يحكم بالحب لا بالسلاح، وأنه لا سبيل إلى الشعوب بالقوة والإكراه: "لا إكراه في الدين"..

كل ما تدفعه الأمة اليوم من ثمن باهظ نتيجة طبيعية لكفرنا بالإنسان وإيماننا بالسلاح، ولن تعرف أوطاننا سلاماً ولا أمناً لأي فريق إلا حين نؤمن بالحب والحوار ونكفر بالمذهبيات والطوائف المقيتة ونتيقن أننا نسير في طريق مسدود لن يكون فيها إلا الارتطام بالجدار وتحطم الرءوس..

إن كان هناك من يظن أن هذا الكلام مثاليات حالمة فما عليه إلا أن يواصل تجريب طريق العنف والقوة ويرى بنفسه إلى أين سيقودنا..

 

المصدر موقع عربي 21 

 

المقال مرسل من قبل الكاتب لـ (البلاد)

 

 

العماية التاريخية

احمد ابو رتيمة

 

كم يشدني القرآن بعمق نفاذه إلى القوانين الاجتماعية وسبر أغوارها وكم نحن بائسون بالغفلة عن عمق المعاني القرآنية وهجرانه..

يتناول القرآن مرض العماية الاجتماعية التي تصيب الأقوام التي تعطل تجددها الروحي والفكري حتى إن هذه الأقوام تغفل عن النذر والآيات الصارخة التي تحذرها من العواقب الأليمة لمسارها الخاطئ وتواصل غفلتها وعمايتها حتى يبغتها العذاب فجأةً فلا يستطيعون ردها وإذا هم منها يركضون..

إن الأمم في حالة العماية لا تتفطن إلى العذاب الأليم الذي تسير باتجاهه حتى حين يقترب منها العذاب فتستعصي على أي يقظة وانتباه..

تأملوا كيف يصور القرآن غفلة أحد الأقوام: "فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم".. إن العذاب على بعد ساعات منهم لكن الحجاب السميك الذي أحاطوا به قلوبهم عطل عقولهم: "وجعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه"، "ومن بيننا وبينك حجاب"..

هذا قانون نفسي اجتماعي مطرد وليست قصةً من قصص الأقوام الغابرة يتلوها علينا القرآن للتسلية أو لترف المعرفة..

"ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون"..

ربما نسخت هذه الآيات الإلهية فلم تعد الأمم تهلك بالريح والصيحة، لكن جوهر القانون لا يزال حياً فاعلاً، فالأمم الغافلة تتبع سنن الأقوام الهالكة عبر تجاهلها نذر الأزمات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية التي تقول لها إن في انتظاركم عاقبةً أليمةً إن لم تبادروا إلى اليقظة والمراجعة والتوبة وتصحيح المسار..

إن حال من تداهمه الأزمات المجتمعية ثم يعرض عن ندائها ويوهم نفسه بأن الأمور مستتبة تماماً مثل حال قوم عاد وهم يرون غيمة العذاب فيخدعون أنفسهم بأنها رياح تحمل الخير والمطر..

سبحان الله.. تشابهت قلوبهم..

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

جدلية الثقافة والنص

أحمد أبو رتيمة

النصوص وحدها لن تحل مشكلات البشرية مهما امتلأت هذه النصوص بالحق والحكمة والعدل والخير.

المواثيق الدولية لحقوق الإنسان زاخرة بالمبادئ الأخلاقية الراقية التي تضمن للشعوب حياةً كريمةً آمنةً، لكن المحصلة العملية هي عالم تمزقه النزاعات والحروب ويموت الناس جوعاً وفقراً ومرضاً!

لا يجد الناس صعوبةً في أن يصوغوا المبادئ البراقة وأن يعللوا أي فعل بمبررات أخلاقية، لكن ما يحكم أفعالهم بعد ذلك هو طبائع نفوسهم وقراراتهم الداخلية وليس النصوص النظرية.

وما ينطبق على الدساتير البشرية ينطبق حتى على النصوص الإلهية، فالنص الإلهي لا يغير الإنسان بمعجزة، بل إن الإنسان يمتلك قابليةً عجيبةً لتحريف الكلام الإلهي عن مواضعه ليشرعن إفساده وظلمه وإجرامه ويطلق العنان لرغبات نفسه لكن بجريمة مضاعفة: جريمة الظلم ذاته، وجريمة الكذب على الله بالزعم بأنه هو الذي أمره بالظلم والفساد: " قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون".

في سياق معالجته لأمراض التدين البشري يفرد القرآن مساحةً واسعةً لمشكلة "تحريف الكلم عن مواضعه"، وتحريف الكلم عن مواضعه ليس المقصود به التفسير الشائع عند كثيرين بأن اليهود والنصارى كانوا يبدلون كلمات وأحرف كتبهم، بل إن التحريف كما قال ابن عباس: "هو فساد التأويل ولا يعمد قوم على تغيير كتابهم"!، وهذا المرض ليس خاصاً باليهود والنصارى وحدهم، بل هي مشكلة ثقافية عامة تقع فيها كل الأمم، وبهذا المعنى فإن المسلمين أيضاً وقعوا في مشكلة تحريف الكلم من بعد مواضعه في علاقتهم بالقرآن الكريم فأساءوا تأويل كثير من النصوص لتتوافق مع ثقافتهم، وكثير من النصوص يتلوها المؤمنون للتبرك بها لكنها مغيبة من حياتهم وغير فاعلة اجتماعياً لأن سلطان الثقافة أقوى من سلطان النص.

يؤكد القرآن بشكل لا لبس فيه أن مشكلة الأمم لم تكن يوماً في قلة النصوص التي تدعو إلى الهدى والنور بل في مواقف هذه الأمم من كتبهم، والقرآن يثني على التوراة والإنجيل فيقول في سورة المائدة: "إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ"، ويدعو النصارى إلى الاحتكام إلى الإنجيل: "وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ"، كذلك يدعو اليهود للاحتكام إلى التوراة: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون"، والملاحظ في هذه الآيات أنها دعوة لليهود والنصارى المعاصرين للنبي محمد عليه السلام بأن يحتكموا إلى شرائعهم، أي أن القرآن يقر بشرعية كتبهم حتى بعد نزول القرآن، كما يلاحظ أن مشكلة اليهود لم تكن في تحريف كتابهم إذ كيف يدعوهم القرآن للاحتكام إلى كتاب محرف!! بل هي مشكلة نفسية تمثلت في الإعراض والتولي عن الحق، أي أن المشكلة هي في الموقف من الكتاب المقدس وليس في الكتاب المقدس ذاته.

ومما يؤكد هذا الفهم آية سورة المائدة: " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"، هذه الآية فيها إقرار واضح بحقيقة تعدد الشرائع والأمم، وفيها أمر إلهي لعباده بأن يتجاوزوا حقيقة اختلاف الأمم والشرائع وأن يتسابقوا في فعل الخيرات.

إن أي كتاب سماوي لن يخلو من المبادئ الأخلاقية الأساسية، فالتوراة والإنجيل والقرآن كلها تشترك في تحريم الكذب والغدر والإفساد في الأرض والقتل ودعوة البشر إلى الاستقامة الأخلاقية والإحسان وفعل الخيرات، لكن كثيراً من أتباع هذه الشرائع هم أبعد ما يكونون عن الاستقامة والصلاح، وهو ما يؤكد من جديد أن النصوص مهما بلغت قداستها فهي لن تحمل الإنسان قهراً على الاستقامة ما لم يكن لديه استعداد داخلي، والقرآن يقول: " إن نشأ ننزل عليهم آيةً فظلت أعناقهم لها خاضعين" أي أن الله كان قادراً على إجبار الناس على الاستقامة تماماً كما جعل حاجاتهم العضوية جبريةً لا يملكون مقاومتها، لكن مقصد الكتب السماوية اختبار الناس وليس إجبارهم.

إن مشكلة البشر ليست في قلة النصوص التي تدعو إلى العدل والخير بل في قابلياتهم النفسية والثقافية التي تتعطل فتقيم الأكنة وتصم الآذان وتعمي الأعين عن أعظم الهدايات وقالوا ما نفقه كثيراً مما تقول وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب، والقرآن ذاته لا يزيد الظالمين إلا خساراً لأنهم قد اتخذوا القرار المسبق بأنهم لن ينتفعوا بهداه!

إن المعلم يبث إشارات راداره فلا يلتقطها إلا من أصغى السمع وهو شهيد وضبط جهاز استقباله الداخلي، أما الآخرون فلن تعني لهم هذه الإشارات شيئاً بل ستزيدهم عمىً وصمماً.

يتعمق القرآن في النفس البشرية فيتحدث عن الذين ينظرون وهم لا يبصرون وعن الذين يستمعون وهم لا يعقلون: " وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ* وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ " لقد تعطلت راداراتهم فلم تعد تستقبل موجات الهداية المبثوثة في الأثير!

من يملك الاستعداد القلبي للهداية فسيكفيه القليل من النصوص، وقد كان المؤمنون الأوائل يؤتون الإيمان قبل القرآن، أي أن المعاني التي تتنزل في القرآن قد تحققت فيهم مسبقاً حتى قبل نزول الآيات، أما من عطل جهاز الاستقبال الداخلي وجعل على قلبه أكنةً فلن تكفيه كل الآيات للإيمان: "وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها".

إن غاندي على سبيل المثال لم يعتكف عشرات السنين ليطالع ما كتبه الفلاسفة والكتب السماوية حول أهمية تحقيق السلام بين البشر، بل كان حبه الداخلي للسلام بين البشر محركه الأول، وفي المقابل تجد من يقضون أعمارهم في قراءة آلاف الكتب لكنها قراءة باردة غير محركة لا ينتج عنها عمل نافع للناس.

ولأن الله تعالى يعلم أن الجدل في النصوص لا يحل مشكلات الناس فهو قد حذر من الذين يبحثون عن متشابهات الكتاب ويتركون المحكمات: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب"،، إن الآيات المحكمات هي المعاني المستقرة الثابتة التي لا يختلف فيها الناس، فالعدل والإحسان وفعل الخيرات هذه آيات محكمات يتبعها من صدقت نيته في الهداية، أما الذين في قلوبهم زيغ فهم يظهرون حرصاً على الدين لكنهم بعيدون عن رسالته حين ينشغلون بالجدال في النصوص المجتزأة ويتركون الآيات المحكمات، فهؤلاء كاذبون لا يريدون هدايةً إنما يريدون الضلال والإضلال.

إن الدعوة إلى التعارف والسلام والإحسان والتوقف عن القتل وسفك الدماء من الآيات المحكمات، فهل نترك هذا الهدف العظيم وننشغل في آيات متشابهات تتناول سياقات استثنائيةً لا يمكن أن تكون أصلاً في الدين والحياة إلا لمن تعمد البحث عن الزيغ وأولئك هم الكاذبون! 

المقالة منشورة في (إيلاف) ومرسلة من قبل كاتبها

 صفحة الكاتب على فيسبوك: https://www.facebook.com/aburtema

 

 

 

مصطلح التقوى في القرآن

احمد ابو رتيمة

مصطلح "التقوى" القرآني مثله مثل المصطلحات القرآنية عموماً هو مصطلح مركب يحمل دلالةً ثنائيةً بما يناسب طبيعة رسالة القرآن ثنائية الأبعاد التي جاءت لتصلح عالمي الروح والمادة..

الدلالة الروحية واضحة لكل مؤمن، والمعنى المباشر لها هو أن يتقي العبد ربه أي يخافه ويحذر من إغضابه لكن ما هو ليس بنفس الدرجة من الوضوح الدلالة المادية للكلمة والتي تعني المعنى اللغوي المباشر للتقوى أي الحذر بمعناه المادي والحرص على الالتزام بالقوانين الاجتماعية والنفسية مخافة الاصطدام بالعواقب الأليمة مثل اتقاء الإنسان حفرةً بمعنى الابتعاد عنها مخافة الوقوع منها، فهذا المعنى المادي للكلمة يحتمله مصطلح التقوى القرآني مما يعطي هذا المصطلح إثراءً وينقله من محدودية الدائرة الروحية لتصبح التقوى حالةً نفسيةً واجتماعيةً ملازمةً للأفراد والأمم، والفرق بين من يتقي ومن لا يتقي هو بالضبط الفرق بين أمة حضارية وأمة همجية..

التقوى في القرآن ليست مجرد أمر إلهي بل هي غاية، وكونها غايةً في ذاتها وليست مجرد أمر مثل أن الصيام والصلاة أوامر تجعل من حقيقة التقوى حالةً نفسيةً واجتماعيةً عامةً ملازمةً لأصحابها: "لعلكم تتقون"

لاحظوا مثلاً هذه الآيات كأمثلة لتبيان حقيقة ثنائية أبعاد مصطلح التقوى:

"الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ" السياق الذي جاءت فيه كلمة "يتقون" في هذه الآية يحتمل المعنى المادي مضافاً للمعنى الروحي المعروف فهم لا يتقون أي أنهم يتعاملون مع عهودهم باستهتار ويعيشون في هذه الحياة بحالة انفراطية فهم لا يحسبون حساب عواقب الأحداث وهذا عمل مادي لأن العاقل من يدرس عواقب أفعاله قبل أن يقدم عليها أي أن العقلاء هم الذين يتقون!

"إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً" هنا الدلالة المادية لكلمة التقوى واضحة جداً، فالتقوى هنا ليس مقصوداً بها المعنى التعبدي الذي نعرفه، بل مراعاة موازين القوى المادية والالتفاف على الاصطدام المادي والسياسي بالقوى المهيمنة، فهو فعل سياسي بحت، أي أن التقوى تحتمل فيما تحتمل المعنى السياسي فنحن بحاجة للتقوى في السياسة بمعنى ألا نقدم على مغامرات مجنونة لا تراعي اختلاف موازين القوى فنقع في عواقب سوء تقديراتنا، التقوى تعني فهم الواقع والحذر من سوء التقدير..

"وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً" هنا يمتزج المعنيان الروحي والمادي، فالتقوى بمعناها الروحي تمثل الالتجاء إلى الله والحذر من عصيانه، لكن السياق يحتمل أيضاً في ذات الوقت المعنى المادي خاصةً أنه مرتبط بالنتيجة الشرطية "لا يضركم كيدهم شيئاً" وبالمعنى المادي فإن أخذ الإنسان الأسباب وحذره من الأخطاء السياسية والعسكرية يجنبه مكائد عدوه..

يكرر القرآن كثيراً في سياق حديثه عن نجاة الأمم: "الذين آمنوا وكانوا يتقون" وفي ضوء هذه النظرة الجديدة نستطيع أن نقرأ هذه الآيات قراءةً أعمق وأشمل فالإيمان والتقوى هي حالة عامة في هذه الحياة تشمل كل الميادين الروحية والعقلية والسياسية والحضارية، ونحن بحاجة إلى أمة تتقي روحياً وفكرياً بفهم سنن الله في النفس والاجتماع والتاريخ والعمل بمقتضياتها والحذر من مخالفة فهم هذه القوانين حتى لا ندفع أثمان أخطائنا السياسية والحضارية..

والحمد لله رب العالمين

 

صفحتي الشخصية على فيسبوك: https://www.facebook.com/aburtema

 

 

سلطان الأسماء

أحمد أبو رتيمة

 

يبرز القرآن المشهد الأول في تاريخ الإنسان عبر منح هذا الكائن الجديد سلطاناً لم يكن للملائكة: "وعلم آدم الأسماء كلها"، وقد كانت هذه الميزة تحديداً هي سر تفضيل الإنسان على الملائكة فأمرهم الله بالسجود لآدم، فأي سر عظيم تحمله الأسماء حتى تستحق أن يكون هذا الكائن الضعيف المحدود موضع احتفاء وتكريم حتى من الملائكة!

يقول الفيلسوف نيتشه إن التسمية سلطة!

الأسماء هي مفتاح المعرفة ومفتاح فهم الطبيعة وتسخيرها، فالإنسان يلجأ للتسمية حتى يحدد مفاهيم الأشياء ويضع لها عناوين واضحةً تيسر تعامله معها..

تصوروا لو لم يسم الإنسان الشجرة شجرةً مثلاً وأراد أحدنا أن يقول لصاحبه "شجرة" ماذا كان سيفعل؟ سيضطر لأن يأخذ بيده ويقطع المسافات الشاسعة ثم يشير إلى الشجرة حتى يفهم مقصده، لكن وجود اسم مميز للأشياء يختزل الجهد والمشقة عبر تكوين صورة ذهنية مشتركة في عقول الناس يتم استدعاؤها عبر الأسماء فيسهل التواصل والتعارف بين البشر.

جاء في كتاب "بنو الإنسان" لبيتر فارب:  "يصبح الوجود الإنساني غير محتمل لو أن كل واحد من الأجسام والأحداث التي نصادفها اعتبر شيئاً فريداً بذاته، فمثلاً لو نظرنا إلى غابة ورأينا أشجار الحور والبلوط والسنديان والصنوبر كأشياء فريدة في ذات كل منها بدلاً من جمعها في صنف "أشجار" فإن عملياتنا العقلية تصاب بالشلل، والمفاهيم تعفينا من التعلم المستمر عن كل شيء أو جسم أو حادثة جديدة"

تتمثل قيمة الاسم في القدرة على التعميم واكتشاف القواسم المشتركة، لو لم تكن الأسماء موجودةً لكان الإنسان عاجزاً عن اكتشاف وجه الشبه بين الجمل والقطة، ولكان عليه أن يلف الكون زاويةً زاويةً ليتعرف على كل مخلوق بهويته وسمته الخاص لأنه لا يستطيع أن يستفيد من تجاربه المختزنة في التعامل مع الأشياء الجديدة التي يراها كل يوم في حياته.

في مقابل التعميم فإن الاسم يفيد التخصيص أيضاً، وكلما تعمق المرء في المعرفة كلما امتلك القدرة والسيطرة على اكتشاف الفروق الدقيقة ومنح الأسماء المميزة لما يبدو للوهلة الأولى شيئاً واحداً، لاحظوا الفرق مثلاً بين تشخيص إنسان عامي لحالة مرضية وبين تشخيص طبيب لذات الحالة، إن الإنسان العامي لا يمتلك إلا معرفةً محدودةً في تخصص الطب لذلك فإنه قد يفسر عشرات الأمراض المختلفة بأنها أنفلونزا، لكن الطبيب المتعمق في تخصصه يملك القدرة على ملاحظة الفروق الدقيقة التي لا يلاحظها العامي وبالتالي إعطاء عشرات الأسماء التخصصية للمشكلة، إن الطبيب يملك معرفةً أكثر، وبالتالي فهو يملك سلطاناً أكثر على الأسماء.. إن الأسماء ليست سوى حقيقة العلم والمعرفة، فمقياس المعرفة الدقيق هو في مدى قدرة الإنسان على منح الأسماء سواءً للتعميم أو للتخصيص، وكلاهما جهد فكري، فالتعميم يقتضي القدرة على ملاحظة مئات أو آلاف الأحداث المختلفة واكتشاف ملامح عامة تجمع بينها، ومن ثم منحها اسماً مشتركاً وهو ما يسمى أيضاً بمنهج الاستقراء ، والتخصيص يتطلب الغوص فيما يبدو شيئاً واحداً والقدرة على اكتشاف التعدد والفروق الدقيقة بداخله وهو معنىً قريب من مفهوم منهج الاستنباط.

الأسماء لا تقوم بدور فني وحسب في توصيف الأشياء، بل إنها تقوم بدور فكري أيضاً، إن منح الأسماء لمكونات الطبيعة يبدو مشابهاً لخلق هذه المكونات من العدم، ومن هنا نفهم كيف كانت الأسماء سر تكريم آدم، والسياق القرآني الذي يتحدث عن تعليم آدم الأسماء يمهد لقصة الخلق بالحديث عن تسخير ما في الأرض جميعاً للإنسان، وكأن تسخير الطبيعة للإنسان تمر عبر مفتاح علم الأسماء!

إن الإنسان لا يستطيع السيطرة على مكونات الطبيعة وتسخيرها ما لم يكن قادراً على تصورها وتحديدها واستخراجها من حالة الخفاء والهلامية الملتبسة بها في الطبيعة، ماذا لو لم يعرف البشر اسم "الزمان" لتحديد انقضاء الوقت ومرور الليل والنهار!! تخيلوا أننا نعيش على هذه الأرض ولا نعرف أن هناك شيئاً اسمه الزمان!! كيف ستكون نظرتنا لأعمارنا ولانقضاء السنوات، سنكون عاجزين عن تصور انقضاء السنوات والأيام وسنعيش خبط عشواء، سيكبر الأطفال ويصيرون شباباً ثم شيوخاً ويموتون بعد ذلك ونحن عاجزون عن تحديد مفهوم العمر، إن الاسم يتجاوز مجرد وظيفته الفنية ليمارس سلطاناً حقيقياً يمكننا من السيطرة على الطبيعة عبر فهمها والقدرة على اكتشاف قوانينها.

غياب الاسم يضعف قدرة الإنسان على فرض سلطانه، وهذه الفكرة العبقرية تنبه إليها مالك بن نبي في حديثه عن ابن خلدون، فهو يرى أن الذي أعاق انطلاق إبداع ابن خلدون ووصوله لصياغة قانون الدورة التاريخية هو محدودية مصطلحات عصره التي وقفت به عند ناتج معين من منتجات الحضارة وهي الدولة وليس الحضارة نفسها. يقول بن نبي: "وهكذا لم نجد فيما ترك ابن خلدون غير نظرية عن تطور الدولة في حين أنه كان من الأجدى لو أن نظريته رسمت لنا تطور الحضارة حيث كنا نستطيع أن نجد فيها ثروةً من نوع آخر غير ذلك الذي أثرانا به فعلاً، إذ لم تكن عبقرية ابن خلدون بعاجزة عن أن ترسم لنا ذلك التطور في صورة منهج قائم بذاته"

إن الذي أعجز ابن خلدون ليست محدودية عبقريته، بل محدودية الأسماء التي عرفها عصره، فاسم "الحضارة" أكثر تعميماً من اسم " الدولة" ولو عرفه ابن خلدون لدخل به أبواباً أوسع من الاكتشاف والمعرفة.  

اللغة ذاتها ليست سوى ترميز لحقائق الحياة عبر اختزالها في أسماء محددة، واللغة كما بات معروفاً ليست وسيلة تواصل وحسب بل إنها هي التي تحدد طريقة التفكير وتتحكم في تداعي المعاني، وحين تنشأ لغة في البادية فإنها ستمنح الصحراء عشرات الأسماء لأنها قادرة على التمييز بين تفاصيلها الصغيرة، أما حين تنشأ لغة في بلاد الأسكيمو فستمنح بدورها الجليد عشرات الأسماء، وهكذا فإن اللغة مؤشر على معارف القوم الذين ابتدعوها.

يقول عدنان إبراهيم إن علم الأسماء هو الشرط الأول لبدء أي معرفة إنسانية، إذ إن المعرفة هي التمييز الدقيق بين الأشياء، ولها مسلكان التحليل والتركيب، تحليل الوحدة إلى أجزائها وهذا لا يكون إلا عبر منح الأجزاء الصغيرة أسماءً، وتركيب الأجزاء في وحدة وهذا أيضاً لا يكون إلا عبر منح اسم جديد للوحدة الجامعة بين الأجزاء.

لا غرابة أن تكون القدرة على التسمية مؤشراً دقيقاً على المستوى الحضاري للشعوب والأمم، ولو تأملنا في حضارتنا المعاصرة على سبيل المثال لوجدنا أن الغرب يسبقنا في ابتكار مصطلحات لم يكن الإنسان يعرفها من قبل، وما ذلك إلا لأنهم هضموا المعرفة الإنسانية السابقة فصاروا قادرين على التجاوز والإبداع عبر اكتشاف مصطلحات جديدة تختزل حقائق الحياة والمعرفة.

 

·         كاتب فلسطيني

 

(المقالة منشورة في صحيفة إيلاف (مرسل من قبل الكاتب لـ البلاد)

 

مذبحة باكستان وعودة إلى آيات القتال..

أحمد أبو رتيمة

 

من جديد يقف العالم مصدوماً أمام مشهد دموي مروع يكاد يتحول من كثرة تكراره إلى مشهد اعتيادي، وأمام الصدمة الإنسانية التي يخلفها قتل الأطفال والأبرياء يتساءل من تبقى في قلبه شيء من معنى الرحمة والسلام أي عقيدة تصنع هؤلاء القتلة الذين لا يتورعون عن إزهاق نفوس البشر وسفك الدماء بأي حجة واهية ثم يضيفون إلى جريمتهم جريمةً أبشع حين يكذبون على الله فيزعمون أن الله أمرهم بهذا! 

لا بد من التقرير بدايةً أن حقيقة المشكلة في عالمنا العربي والإسلامي ليست دينيةً بل هي مشكلة سياسية اجتماعية تتمثل في مخزون الاستبداد والظلم وردة الفعل الهوجاء الخاطئة عليه، وما استحضار النصوص سوى تسويغ لواقع اجتماعي سياسي تماماً مثل الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش التي مورست بمباركة الرب إله المحبة! فالثقافة تمارس وعياً انتقائياً تجاه النصوص فتعزز كل نص تشتبه تأييده لمواقفها وتسقط النصوص التي تتناقض مع اتجاهاتها، ولو كانت الأجواء السياسية في بلادنا مشجعةً على السلام والمحبة لراجت النصوص التي تبشر بالسلام والمحبة والتي هي أكثر حضوراً من الآيات التي تتحدث عن القتال، إذاً فالحكم الغالب هو للثقافة وللاعتبارات الاجتماعية والسياسية وليس للنصوص النظرية.

إن القتل الذي تمارسه القاعدة ينطلق من نفس القاعدة النفسية التي يقتل بها الأسد و القذافي و السيسي، وإذا كانت القاعدة تبرر جرائمها بمبررات دينية فإن علمانية القتلة الآخرين يعني أن ثمة سبباً آخر لا علاقة له بتدين أو بعلمانية وهو التربة الخبيثة التي لا يخرج نباتها إلا نكداً..

لكن كون المشكلة سياسيةً لا دينيةً لا يعفينا من مواجهة صريحة مع القواعد التأصيلية التي يستند إليها التيار المتطرف فإن كنا عاجزين في هذه المرحلة عن وقف جنون القتل فليس أقل من أن نحرم القتلة من الشرعية التي يسعون لاكتسابها بتبرير جرائمهم بنصوص دينية، وهنا يبرز أمامنا مفهومان قرآنيان حدث حولهما تدليس خطير ومثلت إساءة فهمهما نقطة انطلاق لأشد الأفكار تطرفاً والتي وصلت في نسختها القصوى إلى الدعوة إلى حرب شاملة ضد كل مختلف سياسياً وفكرياً مع معتنقي هذه الأفكار، هذان المفهومان هما: الجهاد والقتال..

أما الجهاد فإذا رجعنا إلى أصله اللغوي فهو يعني بذل أقصى الجهد، أي أن معركته الأساسية هي داخل النفس قبل أن تكون خارجها، فكل عمل يقتضي مغالبةً لهوى النفس وانتصاراً عليها جهاد، وبذلك عدَّ القرآن المحاججة الفكرية جهاداً كبيراً لما تتطلبه من صبر وطول نفس على التكذيب والسخرية والإيذاء: "وجاهدهم به جهاداً كبيراً" أي جاهدهم بالقرآن.

فإذا انتقل الجهاد من ميدانه الأول وهو داخل النفس إلى الميدان الخارجي فإنه لا يفقد بوصلته بأن هدفه النهائي يتعلق بتزكية الذات عبر الانتصار للحق وخوض معارك أخلاقية ضد الظلم والطغيان والإفساد، فالجهاد في الإسلام لا يمكن أن يتحول يوماً إلى ترف أو قتل عشوائي، بل هو صيغة عملية للانتقال من الدور التاريخي الذي أدته المسيحية عبر دعوتها للروحانية والرهبانية إلى المبادرة والفعل الخارجي الذي يتطلب تدافعاً بين الأمم والشعوب وواقعيةً لا تتسع لها الرهبانية المجردة.

أما مفهوم القتال فهو أكثر التباساً لأن دلالته اللغوية فيها ارتباط مباشر بالميدان الحربي، لكن هذا الالتباس سرعان ما يزول إذا تأملنا السياق الذي جاءت فيه آيات القتال، فأول آية نزلت في القتال هي: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير" وهي آية يتضح فيها أن القتال شرع لتنظيم أوضاع كانت سابقةً لنزوله ولم يكن تشريعاً تأسيسياً موجداً لحالة جديدة، والحديث عن الإذن للمظلومين بالدفاع عن أنفسهم يدل أن السلوك الأمثل الذي كان مطلوباً منهم هو الصبر على الأذى: "ولنصبرن على ما آذيتمونا" لكن رسالة الانطلاق وتأسيس دستور حياة مدنية متكاملة التي جاء الإسلام بالدعوة إليها يتطلب مغادرة مواقع الصبر السلبي والاشتباك مع القوى الظالمة المتنفذة.

هذه أول آية نزولاً في قضية القتال، أما أول آية ترتيباً في سورة البقرة فهي: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين* واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين* فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم"، وقد تعمدت إيراد هذه الآيات المتتاليات لأن هناك من يستدل بآية "واقتلوهم حيث ثقفتموهم" منتزعةً من سياقها ولو كلف نفسه بقراءة الآية التي تسبقها لعلم أنها آية مقيدة وليست مطلقةً فهي تتحدث عن ظروف قتال كان الفريق الآخر هو البادئ به وهناك محدد أخلاقي واضح بعدم الاعتداء لأن الله لا يحب المعتدين.

هذه الآية "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم" ليست مقيدةً للآية التي تليها مباشرةً وحسب بل هي مقيدة لكل آيات القتال في القرآن، والقرآن فيه العام والخاص والمطلق والمقيد، ولا يتصور عاقل ذو فطرة سليمة أن الله يقرر في آية حكماً أخلاقياً ثم ينقض هذا الحكم في آية أخرى إنما يقيد العام بالخاص.     

هناك قاعدة بدهية جداً يسهل ملاحظتها في القرآن الكريم، ورغم بساطتها إلا أنها تنسف كل مزاعم مدرسة العنف والقتل، هذه الملاحظة تتمثل في أننا لو تأملنا كل آيات القتال في القرآن لوجدنا أن القتال يأتي دائماً عكس القعود والجبن وليس عكس السلام، أي أن علة فرض القتال هي دعوة الناس إلى التحرر من الجبن والخوف من الموت على الصعيد النفسي، ودعوتهم إلى كسر إرادة العدو على الصعيد الخارجي، فلو تحقق هذان الهدفان المتمثلان في تحرر المرء من الجبن وهزيمة القوى التي تمارس الظلم والاستضعاف بأي وسيلة أخلاقية فقد تحقق هدف القتال حتى وإن تم ذلك بوسائل سلمية خالصة، والبشر قد تعارفوا على الاستعمال المجازي لكلمة "القتال" فكثيراً ما نسمع عن الذين يقاتلون في سبيل الكرامة والحرية والسلام مثل غاندي ومانديلا دون أن تنصرف أذهاننا إلى أنهم يمسكون أسلحةً ويقتلون أعداءهم إنما يتبادر إلى مخيلاتنا أنهم يصرون على مبادئهم ويتحملون الأذى والسخرية والاضطهاد ويكتسبون كل يوم أنصاراً جدداً بقوتهم الأخلاقية.

للمثال وليس للحصر تأملوا هذه الآيات:

*"كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم".. هل يتصور عاقل أن الإنسان يكره القتال لأنه سيخلصه من عدوه أم إنه يكرهه لما يمثله له من مفارقة للقعود والسلامة! إذاً هي دعوة للناس لمغادرة ألحفتهم الدافئة والاشتباك في ميدان الحياة والانتصار على أنفسهم التي تدعوهم لإيثار راحة الأجساد على مطالب المعالي.

بالعكس فإن هذه الآية تمثل شهادةً ضمنيةً لجيل المؤمنين الذين تنزلت عليهم، فهي تنبئ في ثناياها عن ميولهم السلامية التي كرهتهم في القتال رغم كل الثناء الذي أعطته الثقافة القبلية العربية لقيم القتال والسيف والثأر، فأن يخرج جيل من تلك الجزيرة الملتهبة بأشعار الحماسة والبطولة يكره القتال فهذا مؤشر سلام داخلي وهو موقف متقدم بمعايير ذلك الزمان..

*"ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون* وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم".. يتضح من هاتين الآيتين أن الجبن عن المواجهة لن يطيل عمر الإنسان وأن الشجاعة والإقدام لن تقصر الأجل فهي دعوة إلى الشجاعة لا إلى سفك الدماء.

*"وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين"..من جديد تتأكد فكرة أن القتال في القرآن هو عكس الوهن والضعف والاستكانة وأنه شرع ليحرر الإنسان منها..

*"فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً".. هذه الآية مثل سابقاتها تبين أن القتال عملية أخلاقية وليس عمليةً فنيةً تتعلق بإفناء العدو، فلا يحقق مقصد القتال أن تستأجر شركةً أمنيةً على غرار بلاك ووتر لتحقيق أهدافك باحترافية، إنما يتعلق المقصد الأساسي من القتال بدافعية المقاتل أن يكون متجرداً من أهواء الدنيا مقاتلاً في سبيل الله، وسبيل الله هو كل قضية حق وعدل وحرية وسلام في هذه الحياة. ومن الملاحظ في هذه الآية تقديمه للشهادة على الانتصار، وهذا لا يستقيم إلا في المقياس الأخلاقي الذي يجعل خسارة الحياة في سبيل المبدأ مقدماً على الانتصار على العدو.   

*"وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً".. هذه الآية تبرز الهدف الخارجي للقتال، وهو هدف إنساني يتجاوز التعصبات القومية والأهداف الدينية الخاصة، فليس هدف القتال إجبار الناس على الإيمان إذ "لا إكراه في الدين"، إنما الهدف الواضح هو الانتصار للمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فالقتال هو جبهة أخلاقية عالمية لمواجهة كل قوى الظلم والاستبداد والاستكبار التي تستقوي على المستضعفين.

إن فهم السياق الذي جاءت فيه عموم آيات القتال في القرآن وفهم المعاكس الذي جاءت هذه الآيات لتنقضه ضروري للتفريق بين الروح والشكل، بين الثابت والمتغير، فالثابت في كل هذه الآيات هو أن تصنع إنساناً متحرراً من الوهن والضعف والاستكانة يدافع العدو حتى يثخن في الأرض وتكون كلمة الله هي العليا، أما الشكل فهو متغير ما دامت العلة متحققةً، فإن اختلفت الظروف التاريخية ولم يعد القتال بمعناه الحرفي المباشر حاضراً بنفس المركزية التي كان حاضراً بها زمن تنزل القرآن سواءً في المعارك الداخلية بين المستبد وشعبه أو في المعارك الخارجية بين الدول بحثنا عن وسائل تناسب هذه التغيرات وتحقق فاعليةً أكبر بتكلفة أقل متمثلةً في وسائل سلمية واقتصادية وثقافية وإعلامية حسب طبيعة المعركة التي يفرضها الزمان والمكان.

ما دام هدف القتال حسب التصور القرآني متعلقاً بتحرير نفوس المؤمنين من الوهن والضعف والاستكانة، وتحقيق الانتصار الخارجي عبر كسر شوكة العدو الذي يمارس الظلم والاستضعاف فإن القرآن يكسر مركزية المواجهة العسكرية كونها ليست هدفاً في ذاتها، وهذا ما يتضح في آية الفتح: "وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيراً".. في هذه الآية يمتن الله تعالى على المؤمنين ليس فقط في أنه منع عدوهم من إيذائهم بل أيضاً بأنه كف أيديهم عن أعدائهم بعد أن أظفرهم عليهم، والنفس المشبعة بحب القتال لا تفهم أين المنة في أن تتمكن من عدوك ثم لا تشبع رغبتك بقتله وسفك دمه، لكن الروح السلامية السائدة في القرآن جعلت المنة ليست في انتصار فريق وهزيمة فريق آخر، بل في إلغاء المواجهة العسكرية نفسها..

إن كليات القرآن ومبادئه العامة تعطي مركزيةً لعمارة الأرض وإقامة العدل فيها وتجرم الإفساد فيها وسفك الدماء: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"، "ادفع بالتي هي أحسن"، وقد كان تخوف الملائكة الأول من استخلاف الإنسان: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، والقرآن يقول مراراً: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها"، ويتحدث عن فريق يفسد في الأرض وهو يظن نفسه مصلحاً ليعلي فينا مشعر الحساسية: "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون* ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"، بل إن القرآن يعطي المؤمنين درساً تربوياً مكثفاً في السلام عبر التصالح مع كل المخلوقات بتحريم الصيد أثناء الإحرام وفرض كفارة على من يخالف هذا التعليم، والقرآن يغرس فينا حب الطبيعة فيخبرنا أن الجبال والأشجار والطير يسبحن بحمد الله مما يعني أن الإنسان مطالب بصداقة هذا الكون لا بمعاداته، فمن أين يفهم عاقل تشبع بروح العدل والإحسان والإصلاح والسلام التي تبثها مئات الآيات أن يخوض معركةً عبثيةً دون ضوابط من أخلاق تؤدي بالضرورة إلى الإفساد في الأرض والتناقض مع أبسط بدهيات الدين! إن من يفعل ذلك هو بالضرورة إنسان قد انتكست فطرته وتشوه سلامه الداخلي فهو يريد أن يصدر ناره المشتعلة في صدره ليحرق بها الأنام ثم يكذب على الله تعالى الذي يأمر بالعدل والإحسان فيزعم أنه أمره بهذا ليضفي شرعيةً على باطله وإفساده.

إن من يصنع السلام بين الأنام لا بد أن يحقق سلامه الداخلي أولاً فيفيض على الناس من الحب الذي يملؤ قلبه، أما من امتلأ قلبه بالكراهية والانتقام فهو مريض يستحق الشفقة ولن تكفي كل نصوص الكتب وأقوال الحكماء في إقناعه بالسلام لأنه لم يذقه في حياته، ومن لم يذق لم يعرف.

 

كاتب فلسطيني

 

المقالة لإيلاف تنشر بموافقة الكاتب

 

 

هل الفلسطينيون لا يخافون الموت؟!

 

أحمد أبو رتيمة *

 

يميل كل شعب إلى تمجيد ذاته وإبراز فضائله وتبيان أوجه الاستثنائية التي يختص بها عن غيره وقد يصل الاعتقاد بأفضلية الذات إلى حالة من النرجسية المرضية التي تخيل لأصحابها أنهم استثناء من القوانين التي تحكم غيرهم من الأمم والأقوام، فلا يقبلون محاكمتهم إلى السنن البشرية الطبيعية، ويظنون أن لهم خصوصيتهم وأن قضيتهم يجب أن تناقش في إطار مختلف عن كل ما سبقها من أمثلة تاريخية، وأن ما يصيب الشعوب الأخرى من ضعف وتراجع لن يصيبهم وأن الفشل والهزيمة لن يعرف إليهم سبيلاً!

رغبة الأمم والشعوب في إبراز استثنائيتها ينقضه التوجه العام في القرآن الذي يؤكد دائماً على عموم القوانين التاريخية والاجتماعية والنفسية وتكرارها وأنه لا محاباة ولا أفضلية لشعب على آخر: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءً يجز به"، "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين"، "بل أنتم بشر ممن خلق". إن القرآن يبطل زعم الاستثنائية التي تطرب لها الشعوب وترضي بها غرورها!!

تستوقفني بعض التعليقات التي يكتبها فلسطينيون في سياق الإطراء على الذات يقولون فيها إن الشعب الفلسطيني لا يهاب الموت، وإنه يقابل أصوات القصف بسخرية، وإن الأمهات يستقبلن أخبار مقتل أولادهن بالفرح والزغاريد، فهل يعني هذا أننا شعب قد انتزعت منه الخصائص الإنسانية الفطرية من خوف وقلق وحب للحياة الهادئة المطمئنة وهل ماتت فينا مشاعر الأمومة والأبوة والأخوة، وهو ما لم يحدث مع أقرب الناس إلى الله تعالى وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي بكى عمه حمزة وبكى ولده إبراهيم، وخاطبه القرآن بخصائصه الفطرية الطبيعية: "لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً"!..

حين نعطي لأنفسنا ميزات استثنائيةً عن الآخرين فنحن بذلك نسلم بحق كل شعب أن يفعل ذلك، ولن يعدم كل شعب صناعة رواية خاصة به تثبت أن له من الفضل ما ليس لغيره فالعراقي والمصري والسوري والتونسي يستطيع كل واحد منهم أن يقول بلسان الحال: "نحن شعب مالوش حل وصنعنا ما لم يصنعه غيرنا".

نعم إن الشعب الفلسطيني لم يعد يبالي بأخبار الموت، وصار يقابل يقابل أصوات القصف الإسرائيلي بالسخرية لكن مرد هذا ليس إلى اختلاف جيني عن البشر بل هي السنة الإلهية في قدرة أي شعب على التكيف مع ظروفه الصعبة حتى يظل قادراً على أداء رسالته، لذلك فإن كل شعب يصوغ شخصيته بما يناسب ظروفه الطبيعية والسياسية وهذه الحقيقة ليست حكراً على المسلمين وحدهم بل هي سنة عامة فالشعوب الأوروبية مثلاً استطاعت في ظل الحربين العالميتين المدمرتين التعايش مع واقعها المأساوي فسكن الناس في الملاجئ وتعلموا فيها لأن الإنسان لا يملك إلا أن يواصل مسيرة حياته لذلك فهو مضطر للتعايش مع أي ظرف، ودائماً ما يخرج من مكنونه ما يؤهله للانتصار في صراع البقاء.

أذكر قبل سنوات أن أصدقاء سوريين كانوا يسألونني مستغربين كيف تعيشون في غزة في أجواء القصف والحرب؟ فكنت أبتسم وأقول لهم هي حياة طبيعية تماماً. وما حدث الآن هو أننا نحن الذين صرنا نستغرب كيف يعيش الشعب السوري مع كل هذا القدر من القتل والتدمير على أرضه!! الأمر لا علاقة له بمعجزة بل هي السنن النفسية والاجتماعية التي أوجدها الحكيم لينتصر الإنسان على تحديات الحياة..

إن مواجهة الشعب الفلسطيني للقصف بالابتسام والسخرية وتسمية موجات القصف ب" الحفلة" لا يعني أن هرمونات الخوف الطبيعية قد نزعت منا، إنما يعني أن هناك إطاراً اجتماعياً جديداً قد تشكل وأعيد فيه تحديد معايير ما هو مخيف ومقلق وما هو ليس كذلك للتكيف مع مستوى التوتر المعاش منذ سنوات طويلة، فالإنسان حين يعيش في مجتمع هادئ جداً فإنه يستثار من صوت رصاصة واحدة لكن حين يستمع كل يوم إلى أصوات الرصاص فإنه سيفترض أنه لن يصيبه على الأرجح بحكم تأقلمه مع هذه الحالة لذلك فهي قضية تعوّد لا قضية شجاعة، ولبرهان ذلك لو أن أحد الذين يعايشون القصف حتى لم يعودوا يهتموا بأصوات القذائف والصواريخ قد كشف له الحجاب فعلم أن القصف القادم سيدمر بيته أو سيقتل عزيزاً عليه هل ستكون ردة فعله على أي صوت انفجار قادم هي اللامبالاة أيضاً!! إننا حين نسخر من أصوات القصف فلأنه قد غلب على ظن كل واحد منا أنه لن يكون ضحية القصف القادم، ولو أن أي شعب يعيش الآن في هدوء وسلام قد تبدلت ظروفه وتعرض لحرب مدمرة اضطر للتعايش معها لسنوات طويلة فإنه سيكتسب مناعةً طبيعيةً يتكيف بها مع أحواله الجديدة..

لسنا استثناءً من الأمم بل نحن بشر ممن خلق.

·         كاتب فلسطيني من غزة

 

تصادم الإرادات ومفهوم التوحيد

أحمد أبو رتيمة

 

لو بحثنا في أي صراع في هذه الحياة لوجدنا مرده إلى تصادم الإرادات!

حقيقة الحرب هي تصادم إرادتين فيسعى كل فريق إلى قتل إرادة الفريق الآخر لتنتصر إرادته وحده، بينما مفهوم السلام هو التوصل إلى إرادة مشتركة.

لماذا يتعارك طفلان شقيقان؟ لأن هناك لعبةً واحدةً يريد كل واحد منهما أن يمتلكها وحده فيسعى لإزاحة منافسه، أما لو كانت هناك لعبة لكل منهما ولا يتطلع أحدهما للعبة الآخر فلن يكون هناك عراك بينهما!

لماذا يتصارع الرجال ويتباغضون ويتحاسدون ويتقاتلون في السعي للاستئثار بالنساء؟؟ لأن أنثى واحدةً تكون مهوى أكثر من رجل فلا يجد سبيلاً إليها إلا بإزاحة منافسيه من طريقه، لكن لو كان لكل رجل في الدنيا أنثى واحدة يقنع بها ولا يشعر برغبة تجاه غيرها فسيحل السلام بين الرجال ولن تكون هناك أي كراهيات وبغضاء وشحناء!!

لماذا تتصارع الأحزاب داخل الدولة الواحدة؟ لأن كل حزب يسعى إلى الاستئثار بالسلطة دون أن يكون له شريك من الأحزاب الأخرى، ولأن للآخرين إرادتهم المماثلة فإن كل فريق لا يرى من سبيل أمامه إلا بإفناء إرادة الخصم حتى يكون الأمر كله له وحتى لا يكون هناك معقب لحكمه، وفي الدول المتقدمة يحدث السلام حين تتوصل مختلف الأطراف إلى إرادة موحدة تتمثل في الاحتكام إلى صندوق الاقتراع والتسليم بنتيجته.

لماذا تنشأ الحروب بين الدول؟ لأن كل دولة تسعى للاستئثار بثروات وأراض وامتيازات على حساب الدولة الأخرى فترفع كل دولة في حربها شعار كسر إرادة العدو، ولو توافقت كل الدول على ما لها وما عليها ولم تعد عينا أحدها على أراضي وممتلكات وثروات الآخرين لحل السلام بين البشر.

إن الصراع ينتهي في الوقت الذي لا يعود فيه الإنسان عبداً للملكية فتسمو روحه عن جاذبية الأشياء وتصبح تابعاً له لا متبوعاً، لذلك تعس عبد الدينار لأن الدينار هو الذي يتملكه فيخضعه لسلطانه ويسلبه روحه!

إذاً خلف كل صراع وكراهية وبغضاء في هذا الوجود صغر أم كبر إرادتان متناقضتان، ولا يكون السلام إلا بتوحيد الإرادة..

توحيد الإرادة يعني توحيد الله، فالله هو صاحب الإرادة العليا وهو الذي لا معقب لحكمه ولا شريك له ولا راد لأمره، والتسليم له بالإرادة والمشيئة يعني التحرر من حب الملكية والاستئثار وتحطيم مركزية الأنا فلا يسعى الموحد حقاً إلى التعالي على خلق الله والاستئثار بمزايا خاصة دون البشر إنما يقبل بكلمة السواء أن يكون له ما لغيره من البشر.

الشرك ليس سوى تناقض الإرادات، والتوحيد هو حالة من السلام والطمأنينة القلبية تنتج عن التحرر من الغايات المشتتة وتوحيد الهم والجهد والغاية في اتجاه الإرادة العليا في هذا الوجود..

الشرك هو صراع وتمزق داخلي: "إن الشرك لظلم عظيم" لأن الشرك يعني تناقض الغايات داخل النفس البشرية الواحدة، وقد ضرب القرآن مثلاً لرجل فيه شركاء متشاكسون ورجل سلماً لرجل، فمفهوم الشرك يلخصه مثال الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون، فيأمره أحدهم أن يذهب شرقاً ويأمره الآخر أن يذهب غرباً، وإرضاء كليهما مستحيل لذلك فإن الشرك هو جحيم في الدنيا قبل الآخرة، أما توحيد الإرادة في اتجاه واحد: "رجلاً سلماً لرجل" فهو الذي سيضفي على القلب طمأنينةً وراحةً وتوافقاً داخلياً..

المشرك تتنازعه إرادات متناقضة، فهو يريد أن يرضي آلهته المتعددة في وقت واحد: يريد أن يرضي إله الشهوة وإله الشهرة وإله المال وإله السلطان الذي يخافه وإله المجتمع الذي يتستر منه، والسبيل إلى التوفيق بين هذه الإرادات مستحيل، فهو إن أرضى إله المجتمع كبت في داخله شهوته، وإن أرضى إله شهوته خسر إله ماله، وإن أرضى جميع هذه الآلهة التي يشركها مع الله أسخط إلهه الحق الذي ينبعث صوته من داخل فطرته فيقض راحته ويظل شعور التناقض ملازماً له يحرمه من الطمأنينة والسلام.

أما التوحيد فهو يعني أن يوجه الإنسان كل همه وغاياته وحبه وخشيته في اتجاه غاية عليا توافق فطرته فيضفي ذلك عليه شعوراً بالطمأنينة والسكينة والتوافق الداخلي، لأنه لم يعد يعاني من اضطراب الوجهات وتعدد الآلهة، لم يعد لديه ما يخفيه لأن ظاهره قد توحد مع باطنه، وكل الغايات والرغبات قد انصهرت في غاية واحدة كبرى.

إن التوحيد ليس إلا حالة من السلام والتوافق الداخلي نتيجة توحد الإرادة، والشرك هو الاضطراب والقلق والتناقض والجحيم: "إنه من يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق"..

إن الكون كله مفطور على حقيقة التوحيد: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"، وكل مشكلات الحياة إن بحثنا في سبب جامع لها فإننا سنجد أنه يتلخص في تناقض الإرادات، بينما السلام لا يكون إلا بتوحيد الإرادة، وحتى في داخل النفس البشرية الواحدة فإن شعورنا بالقلق والاضطراب لا يكون إلا بسبب تناقض الوجهات والغايات وحين تتوحد إرادتنا الداخلية سنمنح السلام والتوافق، وإذا كانت الإرادة الكبرى في هذه الحياة لله تعالى فإن السلام لا يكون إلا حين تصبح إرادتنا تبعاً لإرادته لا نداً ولا منافساً لها.

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

النصوص التنبؤية والجبرية السياسية!

 

أحمد أبورتيمة

 

في أي سياق نفهم النصوص الدينية التي تخبرنا عن أحداث ستقع في المستقبل مثل فتح القسطنطينية و روما، وقتال اليهود واختبائهم خلف الحجر والشجر؟

بدايةً من الضروري الانتباه إلى أن القرآن الكريم وهو النواة الصلبة والنبع الصافي الذي لم يصل إليه أدنى تحريف يكاد يكون خالياً من مثل هذه النصوص التنبؤية، وهذا الخلو طبيعي بالنظر إلى طبيعة رسالة الدين المتمثلة في هداية الناس وشفاء ما في الصدور وتحقيق التقوى والصلاح في حياتهم، فالدين لم يأت ليقدم للناس نبوءات تفصيليةً حول أحداث المستقبل والنبي ذاته يقول: "ما أدري ما يفعل بي ولا بكم" ويقول: " لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء"..

أما السنة ففيها مرويات كثيرة تتنبأ بأحداث تفصيلية ستقع في المستقبل، والمساحة التي أعطتها ثقافة المسلمين لهذه النصوص أخلَّت بالنسبة الطبيعية التي نجدها في القرآن، وحرفت طبيعة الدين من كونه رسالةً روحيةً إصلاحية وحولته إلى تنبؤات مستقبلية وما هذه برسالة الدين، وبالتأكيد فإن هذه الأحاديث قد خلطت بين الصحيح والضعيف..

لكن إذا تجاوزنا مشكلة السند في هذه الأحاديث وتعاملنا مع ما نظنه صحيحاً منها فكيف نتعامل مع هذه الأحاديث في واقعنا وكيف نحول دون سوء فهمها واستعمالها؟؟

ما تفيده هذه الأحاديث هو أن أحداثاً ستقع في وقت ما في ظروف ما بكيفية ما، لكنها لا تأمرنا بفعل محدد غير الأوامر والنواهي العامة في القرآن والسنة، أي أن مضمون هذه الأحاديث لا يبنى عليه فعل محدد، وأن علينا أن نواصل السلوك الطبيعي دون أن تمثل هذه النصوص سلطاناً جبرياً علينا.

لكن المشكلة الخطيرة هي في الأفكار غير المعلنة التي تنشط في الخفاء فتترك أثراً في سلوكنا يشبه حالة الجبرية التي يقاد فيها الإنسان مأسوراً بالأفكار الخفية التي تشكل طريقة تفكيره، فمع أن هذه النصوص التنبؤية لا تأمرنا بأي فعل خاص ولا تطلب منا التدخل لتحقيقها إلا أنه يحدث الخلط بين هذه النصوص المطلقة من التقييد بزمان محدد وبين واقعنا السياسي الراهن فيتشكل تصور في العقول أن مسار الأحداث لن يحتمل إلا شكلاً واحداً يقودنا إلى تحقق هذه النبوءة، وهذا التصور يفصل صاحبه عن الواقع الموضوعي ويدفعه إلى إسقاط كثير من المعطيات، وفي المقابل تضخيم تفاصيل صغيرة ليست ذات قيمة في المشهد السياسي ظناً منه أن هذا هو الوقت الراهن لتحقق النبوءة. وهنا أذكر تعليق فريق من أصحاب هذا التفكير على القصف الكيماوي للغوطة بدمشق وما أعقبه من تهديدات أمريكية بضرب النظام السوري، فاستحضروا النصوص النبوية التي تتحدث عن معركة عظيمة في الغوطة مع الروم، ووضعوا سيناريوهات لحرب عالمية ثالثة وحددوا كيف ستبدأ وكيف ستنتهي، ليس استناداً إلى المعطيات الواقعية بطبيعة الحال إنما استناداً لتوظيف النصوص التنبؤية بمعزل عن شروط الواقع، لكن شيئاً من هذه التوقعات لم يحدث، وانقشع الغبار عن أن التهديدات بالحرب لم تكن إلا للضغط السياسي!

هذا مثال ليس نادراً بل يتكرر باستمرار وأصحاب هذا التفكير يفتنون في كل عام مرةً أو مرتين، فكلما لاح طرف خيط فيه شبهة ربط بنبوءة سارعوا إلى التقاطه وبناء تقديراتهم السياسية وسلوكهم العملي على أساسه، وهذا التوظيف للنصوص التنبؤية يعطي لها سلطان جبر في قيادة تفكيرنا وأفعالنا مما يضر بفهمنا السياسي وقراءتنا الموضوعية للواقع، فنعيش في عالم متوهم ننسجه في عقولنا بدل أن نعيش ظروف الواقع ونفهم متطلباته، وفي هذه الحالة يصبح غير المتدينين أكثر ذكاءً وبراعةً سياسيةً لأنهم قد تحرروا من هذا الإصر والأغلال الذي وضعه المتدينون على عقولهم، فهم يفهمون الواقع متحررين من أي أحكام مسبقة تجبرهم على تطويع الأحداث لموافقتها، هم يقرءون الواقع فيستنتجون من المقدمات الراهنة نتائج محتملةً أما أصحاب الفكر التنبؤي فيضعون النتائج الحتمية في عقولهم ثم يلوون أعناق الأحداث لتناسب تلك النتائج المسبقة مما يعني أنهم لم يعودوا يعيشون الواقع، وفي هذه الحالة يصبح التدين فتنةً للذين كفروا لأنهم سيقولون هذا هو الدين يفصلكم عن الواقع ويبعدكم عن القراءة السياسية العقلانية بينما عقولنا متحررة ونحن واقعيون فلماذا نضطر إلى دين سيقيد تفكيرنا ويخلق جبريةً على أفعالنا!

الدين لم يقل لنا أن نرهن عقولنا لتنبؤات مستقبلية فليست هذه هي وظيفة الدين، ولنا في رسول الله أسوة حسنة فهو كان يعيش واقعه السياسي ويحلل معطياته ويبني قراراته على أساس تلك المعطيات ولم يكن ينتظر نزول جبريل عليه السلام ليوجهه في السلوك السياسي، بل إن هناك مثالاً بالغ الدلالة في السيرة النبوية يبطل جبرية النصوص التنبؤية وهو موقفه في صلح الحديبية وكان قد أخبر صحابته بأن الله تعالى بشره بدخول مكة وطواف البيت: "لقد صدق اللّه رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللّه آمنين" فلم يشك الصحابة في أن هذه الرؤيا ستتحقق العام، لكن لما تم توقيع صلح الحديبية كان من شروطه أن يرجعوا إلى المدينة دون أن يعتمروا وأن يعودوا في العام القادم، فوقع في نفوس بعض الصحابة رضي اللّه عنهم من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب النبي: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: "بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟" قال: لا، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "فإنك آتيه ومطوف به".

هذا المثال نموذجي لأنه متكامل الأركان قد حضر فيه النص التنبؤي من جهة ومقتضيات الفعل السياسي الواقعي من جهة أخرى.

النبوءة القرآنية تبشر الصحابة وهم في المدينة قد أبعدوا قسراً عن وطنهم أنهم سيدخلون المسجد الحرام، ولما شارف الصحابة فعلاً على الوصول إلى مكة وصاروا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق البشارة تطلبت مقتضيات السياسة الواقعية فعلاً آخر وهو توقيع اتفاق مصالحة مع قريش كان من مقتضياته ألا يدخل المسلمون هذا العام المسجد الحرام حتى لا تقول العرب إنهم دخلوها عنوةً على قريش وأن يعودوا في العام القادم، هنا حدث لبس في فهم المسلمين يشبه ما يحدث في عصرنا هذا أيضاً وهو التناقض بين مضمون البشارة القرآنية وبين الواقع السياسي الراهن، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أزال هذا اللبس ببساطة، فالبشارة القرآنية حتمية الوقوع لكن ليس بالضرورة في الوقت والكيفية التي نظن أنها ستحدث فيها، وكل ما تفيده البشارة هو الطمأنينة العامة لكنها لا تفصلنا عن مقتضيات الواقع السياسي ولا تجبرنا على فعل محدد، والنبي عليه السلام تصرف بمقتضى الواقع السياسي لا بمقتضى البشارة القرآنية التي منحته الطمأنينة بحسن العاقبة.

هذا هو المنهج الذي ينبغي أن نتمثله في سلوكنا السياسي، أن نحرر عقولنا من جبرية النصوص، وأن نتصرف وفق مقتضيات الواقع ونبني سلوكنا العملي وفق الفهم الموضوعي للحالة الراهنة، أما ما صح من الأحاديث التنبؤية فهو سيحدث يوماً ما بكيفية ما، وعلم ذلك عند ربي، ومعرفة حدوثه لا يقتضي منا فعلاً خاصاً ، لأن الله لم يكلفنا باستقدام هذه الأحداث، بل كلفنا بما نراه في واقعنا.

من أبرز تجليات مشكلة الجبرية في فهم النصوص التنبؤية الموقف من الأحاديث التي تخبر عن قتال المسلمين لليهود واختباء اليهود خلف الشجر والحجر، والظن أن هذه النبوءة ستتحقق بالضرورة في هذه المرحلة التاريخية وفي هذه الجولة من جولات الصراع، مما يؤدي إلى رفض أي تناول سياسي لمشكلة الاحتلال في فلسطين، والزهد في مناقشة الحلول السياسية الممكنة، ليس بدافع فهم الواقع، إنما بتوجيه الأفكار الخفية في اللا شعور والتي أنشأت خيالاً عاماً حول توقع صيرورة الأحداث، والنبوءة لم تخبرنا عن موعد تحققها، فما يدرينا ربما تنتهي هذه الجولة بحل سياسي، وتعود الكرة بعد ألف أو ألفي سنة خاصةً، فتتحقق النبوءة في ذلك الوقت، فما دمنا غير متأكدين فإن التعامل ينبغي أن يكون واقعياً، وأفعالنا ينبغي أن تستند إلى فهم مقتضيات الواقع ومراعاة موازين القوى، وكل ما نبأ به النبي سيتحقق يوماً ما بطريقة ما لكننا لسنا مكلفين بأكثر من الاستجابة العقلانية لتحديات الواقع والغيب لله وحده..

صفحتي على الفيسبوك: www.facebook.com/ahmedaburtema

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gifabu-rtema@hotmail.com

 

 

 

جدلية العلمي والإلهي...

"فاليوم ننجيك ببدنك" مثالاً..

أحمد أبورتيمة

يقول أصحاب مدرسة الإعجاز العلمي إن من معجزات القرآن أن الله تعالى نجى بدن فرعون: "فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آيةً"، وهو ما يصدقه العلم الحديث إذ إن مومياء فرعون لا يزال محفوظاً في متحف القاهرة حتى اليوم، لكن العلم يقول أيضاً إن هناك عشرات المومياءات الأخرى المحفوظة حتى اليوم ، وإن سر بقائها هو معرفة قدماء المصريين أسرار التحنيط. .

هل نحن حقاً أمام تفسيرين متناقضتين؟ وهل بقي جسد فرعون بمعجزة أم أن من حفظ جسد فرعون هم قدماء المصريين تماماً كما حفظوا مومياءات الملوك الآخرين عبر وسائل التحنيط التي عرفوها؟؟ 

بدايةً أنبه إلى أني لا أمتلك معلومات تاريخيةً ولا تفاصيل علميةً إنما قصدي تقديم إطار للتفسير بغض النظر عن التفاصيل التي يتكفل العلم بتوفيرها..

القضية لا تتعلق بتناقض بين روايتي الدين والعلم، والالتباس ناشئ فقط عن اختلاف زاوية المعالجة، فالقرآن يتناول المسائل بما يناسب رسالته الروحية لذلك فهو يسقط كل التفاصيل المعرفية غير الضرورية لتحقيق رسالته، عكس العلم الذي يهتم بتفاصيل الإجابة عن أسئلة ماذا وكيف...

القرآن يخبرنا أن الله نجى بدن فرعون، وهذا الإخبار لا يأتي في سياق وصف منجزات الحضارة الفرعونية فذلك تخصص العلم، بل يأتي في سياق استخلاص العبرة من مصائر الظالمين، لذلك يعلل القرآن سبب إنجائه: " لتكون لمن خلفك آيةً"، فمن زاوية نظر الدين فالآثار التاريخية ليست للمتعة السياحية والاندهاش، بل هي للتفكر في مصائر الأمم الغابرة واستقاء العبرة، ولهذا السبب أيضاً فإن القرآن ينسب إبقاء جسد فرعون سليماً إلى الله: " ننجيك"، ونسبة الفعل إلى الله ينظر الماديون إليها بأنها فرضية غير ضرورية لكنها في القرآن تناسب مقاصده لأنها تبين حقيقةً إيمانيةً بأن الله هو الفاعل والمحيط من وراء كل أحداث التاريخ والكون..

في ذات الوقت الذي يسقط فيه القرآن التفاصيل العلمية فهو لا يناقضها، فلا يوجد في ذكر نجاة فرعون موسى ما ينفي أنه نجى آخرين، لكن القرآن اكتفى بذكر مثل لحالة نموذجية لبيان عاقبة الظالمين..

القرآن أيضاً لا يذكر الآلية التي نجا الله بها بدن فرعون "كيف"، وليس في السياق القرآني ما يبين إن كانت عبر معجزة استثنائية أم عبر قوانين طبيعية يمكن فهمها بالبحث العلمي، وهنا تبرز إشكالية العقلية المعجزاتية التي لا تستطيع أن تفهم فعل الله إلا بالخروج عن سنن الطبيعة، وهي مشكلة كبيرة ندفع تكلفتها الباهظة بالانفصال عن الواقع والبحث العلمي لأننا لا نرى في القرآن سوى محتوىً غيبي دون قدرة على تفكيك مكوناته  وإخضاعه للسنن العلمية، مع أن الله يوجهنا في مئات الآيات بأن السنن الطبيعية هي آيات الله: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم"، بل إن أفعال الإنسان ما هي إلا تعبير عن إرادة الله وعمله في هذا الكون: "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"، "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون" مع أن وسائل المواصلات الحديثة مثل السيارة والطائرة هي من اختراع الإنسان إلا أنها من خلق الله فهو الذي هدى الإنسان إلى صناعتها..

في ظل هذه الرؤية القرآنية فإنه لا معنى للفصل بين العلمي والإلهي، فالله حاضر في كل الأحداث الكونية، وفعل الله لا يتضح عبر المعجزات الاستثنائية فقط بل عبر السنن الطبيعية، وكما أهلك الله قوم نوح وعاد وثمود في الماضي فإنه أهلك أيضاً في زماننا الحاضر الطغاة من أمثال شاه إيران وصدام وتشاوشيسكو وهتلر والقذافي، لذلك فإن قولنا إن أمريكا أسقطت صدام لا يتعارض مع القول بأن الله أسقط صدام، فالقول الأول تفسير للكيفية الواقعية وهذا هو اهتمام العلم، أما القول الثاني فهو حديث في الغايات الكلية للوجود وهذا هو اهتمام الدين..

الأمر متروك للعلم فإن أثبت العلم أن بقاء جسد فرعون مرده إلى التحنيط فلن يكون في هذا أي تعارض مع فعل الله، فالله تعالى هو الذي علم الفراعنة أسرار التحنيط: "علم الإنسان ما لم يعلم"، وما الذي يمنع أن فرعون بعد غرقه تم استخراج بدنه من البحر وتحنيطه كما كانت التقاليد سائدةً في التعامل مع الملوك آنذاك، وأن هذا التحنيط هو الذي حفظه من التحلل، وفي جميع الأحوال فإن الله هو الفاعل الأول تماماً كما أن الله هو الذي يهلك الظالمين في زماننا ليس بإرسال صاعقة من السماء، إنما عبر القوانين الطبيعية التي أودعها والتي تقضي بتداول الأيام وتدافع الناس وصعود أمم وموت أخرى..

والله أعلم..

abu-rtema@hotmail.com

 

 

عالم بلا حروب

احمد ابو رتيمة

 

"عالم بلا حروب" ليست فكرةً طوباويةً بل هي قابلة للتحقق وإن تطلبت نضالاً مريراً ومعركةً طويلةً ولنا مثال في العبودية كيف كانت مكوناً راسخاً في الحياة الاجتماعية البشرية قروناً طويلةً حتى إن القرآن ذاته لم يستطع تجاوز قوة تغلغلها فلم يرد في القرآن آية صريحة تحرم الاسترقاق ثم جاء اليوم الذي اختفت فيه العبودية بفعل التطور التاريخي..

ما دام هذا المثال ساطعاً أمامنا فلماذا لا نتفاءل بأنه سيأتي أيضاً اليوم الذي تختفي فيه الحروب من حياة البشر ليس بالضرورة بدافع أخلاقي-الفكرة الطوباوية أن نظن أن الناس سيصبحون كلهم طيبين أخياراً- بل بدافع سياسي حين تنمو قناعة لدى كل أمم الأرض بأن الحروب لن تحل لأحد مشكلاته ولن يخرج منها أحد منتصراً وأن كل ما ستفعله الحروب هو المزيد من المآسي والدموع والدماء وأن هناك صيغاً للتنافس بأدوات اقتصادية وإعلامية وسياسية...

هذا الهدف يستحق على الأقل أن نقاتل في سبيله والمفاجأة أن أكثر أمة مؤهلة للدعوة للسلام ووقف الحروب على هذه الأرض هي أمة الإسلام وذلك لما يتضمنه القرآن من روح سلامية عميقة حتى وهي تتناول القتال فإنها تقدمه في صورة خيار اضطراري دفاعي ولا تقدمه بأنه مقصود ومطلوب لذاته مما يعطينا الجرأة على تجاوز مربع ردود الفعل في تبرير حقنا بالقتال إلى مربع أكثر تقدماً وهو دعوة البشرية جمعاء إلى صيغة سلامية تحيد فيها القوة العسكرية ويتوقف فيها البشر عن سفك الدماء ويلجأوا لميادين أخرى للتنافس فيما بينهم..

فهل من مدكر..

صفحتي على الفيسبوك:  https://www.facebook.com/

 

 

الدين لا يزاحم العلم ولا يناقضه

احمد ابو رتيمة

 

الدين لا يزاحم العلم في ميدانه لكنه لا يناقضه في نتائجه..

الدين يهتم بميدان مختلف تماماً عن ميدان اهتمام العلم..

مثلاً يتحدث القرآن عن نزول الغيث فيقول: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَار" إن القرآن يتناول السحاب والأمطار من الزاوية التي تناسب وظيفته الروحية فهو مهتم بإبراز جانب الفضل الإلهي في هذه الظاهرة لكنه لا يقدم لنا آليات علميةً محددةً عن كيفية تكون السحاب ونزول الأمطار فهو لا يتحدث عن المنخفضات الجوية ولا عن الشحنات الموجبة والسالبة فهذه متروكة للبحث العلمي..

الدين يجيب عن سؤال "لماذا" والعلم يجيب عن سؤال "كيف"..

مهما تعمق العلم في بحوثه التجريبية فهو لن يتناقض مع التناول الديني للظواهر.. ببساطة لأنه لا يزاحم العلم أصلاً في ميدانه وهو يبحث في ميدان آخر مختلف تماماً..

كل ما تقوله الآية أن الله هو الذي ينزل الغيث رحمةً بعباده أما كيف فهذا متروك للعلم ..

صحيح أن العلم يمنحنا أدوات معرفيةً لمقاربة المقصد الديني: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" لكن جوهر الدين مستقل عن ميدان العلم لأن الدين يهتم بالتزكية الروحية للإنسان وبتحقيق الغائية في حياته وإكسابه الطمأنينة والتوازن النفسي أما العلم فهو عملية تقنية تهدف إلى تحسين مستوى حياة الإنسان على الأرض..

الخطأ المنهجي الذي يقع فيه كثير من المسلمين هو أنهم يخلطون بين ميدان القرآن وميدان العلم فهم يسعون للتوفيق التلفيقي بين الآيات القرآنية والحقائق العلمية عبر ما يسمى بالإعجاز العلمي ومشكلة هذه المحاولات التوفيقية-التي ستنجح أحياناً بلا شك- أنها تحرف اتجاه اهتمامات القرآن وتسعى لاستنطاقه إجابات لم يأت أصلاً ليجيب عنها فالقرآن ذاته قال عن نفسه أنه كتاب هداية وشفاء لما في الصدور ودعانا للبحث عن الإجابات العلمية خارجه وليس في ثناياه فقال لنا: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق"، وقال: " وكم من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون".. إن القرآن ذاته يقول لنا: ابحثوا في الأرض وفي الآفاق وفي الأنفس حتى تجدوا آيات الله ولا يقول لنا إنه كتاب احتوى حقائق تفصيليةً في الفيزياء والأحياء..

إن أقصى ما يحتمله القرآن هو أنه لن يتناقض بحال من الأحوال مع التفاسير العلمية مهما ذهبت بعيداً لذا فإن الخلط بين الأمرين خطير فالقرآن لا يضع تابو على التفكير العلمي ولا يضع حدوداً يحرم على العلماء اقتحامها فلينطلق العلماء إلى آخر مدىً يسعهم: "إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان" وليبحثوا في كيفية خلق الله فالعلم ذو طبيعة وصفية أي أنه يصف الظواهر الموجودة فعلاً أما الدين فهو الذي يقدم الإطار الكلي الذي يربط الإنسان بالمطلق ويريه الصورة النهائية ويضفي عليه السكينة والطمأنينة..

 

مزيد من خواطري في صفحتي على الفيسبوك:

 

https://www.facebook.com/ahmedaburtema

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

رحلة إبراهيم إلى الله

احمد ابو رتيمة

 

إن رحلة إبراهيم عليه السلام في البحث عن الله تمثل تجربةً فكريةً روحيةً متكاملة الأركان، وهي دليل بأن طريق الفكر والتساؤل التي يصدق فيها الإنسان في طلب الحق ستصل به إلى الإيمان يقيناً، فلا خشية على الإيمان من التساؤل والبحث وإخضاع المسلمات للتحقق والتأكد والشك الموصل إلى اليقين..

لقد رأى إبراهيم كوكباً فقال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين، وإبراهيم في هذا الموقف يتبع منهجاً علمياً تجريبياً، فهو وضع فرضيةً واختبرها لتفسير حقائق الواقع حتى ثبت بطلانها، ففرضية أن الكوكب هو الرب ظلت ساريةً حتى أفل الكوكب، والرب المفترض لا ينبغي له أن يأفل لأن أفوله يعني غياب الرقابة وفساد الكون، فسقطت هذه الفرضية علمياً، ثم لما رأى القمر بازغاً وضع فرضيةً علميةً أخرى: "قال هذا ربي"، فلما أفل سقطت هذه الفرضية بدورها لكن إبراهيم يدرك ابتداءً بفطرته وعقله أنه لا بد من رب، وأن سقوط فرضية كون الكوكب أو القمر رباً لا ينفي مبدأ وجوده لذلك دعا هذا الإله الذي يبحث عنه: "قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ"، ثم لما رأى الشمس بازغةً وضع فرضيةً ثالثةً: "قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ"

وهو أيضاً منطق علمي، فالرب ينبغي أن يكون أكبر من كل شيء، وما دامت الشمس أكبر من الكوكب ومن القمر، فهذا يعني أن نخضعها للتحقق إن كانت تختلف عن سابقيها اللذين ثبت بطلانهما حين أفلا، فلما أفلت الشمس بدورها علم إبراهيم أن الإله أكبر من ظواهر الطبيعة التي تنتابها مظاهر الأفول والمحدودية والقصور لذلك أعلن براءته الفطرية من الشرك بكل شيء دون ذلك الإله الأكبر المتعالي المطلق.

إن رحلة إبراهيم في الوصول إلى الله قامت على حرية التفكير والتساؤل إلى آخر مدىً وكان يضع كل الفرضيات تحت مجهر الفحص والتدقيق باحثاً عن الحق، فالحق هو ما يثبته البرهان والمنهج العلمي، والباطل هو ما يبطله التساؤل والتفكير، وحين آمن إبراهيم بالله تعالى فإن إيمانه كان ثمرة اتباع المنهج العلمي فقد آمن بالإله الذي توافرت فيه كل صفات الكمال والتعالي والقدرة: "الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين"، ومحاججة إبراهيم لقومه كانت قائمةً على التفكير العقلي فبطلان عبادة الأصنام راجع لأسباب علمية إذ إنها تفتقد للشروط التي تؤهلها لتكون آلهة: "قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون".

 

المزيد من خواطري تجدونها في صفحتي على الفيسبوك:

https://www.facebook.com/ahmedaburtema

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

هل تجدي المقاومة السلمية في غزة؟

الجزء الثاني

 

أحمد أبورتيمة*

 

تمتاز المقاومة السلمية أيضاً بأنها متحررة من القيود المفروضة على المقاومة العسكرية، فالمقاومة السلمية لا تخضع لاتفاقات التهدئة مع الاحتلال، وهي أنشطة غير مركزية، فلا تملك إسرائيل ولا الوسيط المصري محاسبة فصيل معروف عليها، إذ إن أي تجمع شبابي قادر على أخذ زمام المبادرة والإبداع في هذا الميدان، وإذا كان إطلاق صاروخ واحد في فترات التهدئة كافياً لإعطاء دولة الاحتلال مبرراً لإغلاق المعابر وقصف القطاع، فإنها تجد صعوبةً أكثر في التعامل مع المقاومة السلمية التي لا تمثل أي جريمة أو مخالفة في الأعراف الإنسانية السائدة مهما كان السياق السياسي، ومن الصعب على إسرائيل أن تبرر إغلاق المعابر بمسيرات وأنشطة سلمية مهما كانت هذه الأنشطة مزعجةً لها، أما ما يشاع بأن المسيرات السلمية دعوة للموت المجاني فهي إشاعة تخدم ما يريده الاحتلال، لأن الهدف الحقيقي لإطلاق النار على هذه المسيرات وتعمد الاحتلال إسقاط جرحى كل مرة هو هزيمة الوعي الفلسطيني بأهمية هذه الوسائل السلمية وإجهاض الفكرة في مهدها قبل أن تقوى وتتطور بما يمثل تهديداً حقيقياً له، ولو لم تكن هذه الوسائل مزعجةً للاحتلال لتركها تقوى ولما عبئ بها.

لا يعني دفاعي عن المقاومة السلمية تبنياً كاملاً للمسيرات التي تجري كل جمعة شرق غزة، فلدي ملاحظات عليها تتمثل في عدم تأييد وصول الشباب إلى السياج الحدودي وتعريض أنفسهم للموت، لأن الهدف -في هذه المرحلة على الأقل- هو تقوية هذه الفعاليات وتحقيق أهداف إعلامية وجماهيرية، وحشد المشاركين المحليين والمتضامنين الدوليين مع هذه الأنشطة عبر خلق عنوان مستقطب لهم، وهي أهداف يمكن تحقيقها بالمحافظة على بعد مناسب عن السياج دون مخاطرة، لكن ملاحظاتي فنية تهدف إلى تطوير الأفكار، وهي تختلف عمن يعترض على المبدأ ذاته ولا يؤمن بجدوى أي شكل من أشكال المقاومة السلمية، ويدعو إلى الاكتفاء بالانتظار السلبي للمواجهات المسلحة القادمة..

إذا كانت دولة الاحتلال صاحبة التفوق العسكري بلا منازع والتي ترجح موازين القوى لصالحها لا تجد في كل ما تملكه من قدرات عسكرية وأمنية بديلاً عن النشاط الإعلامي والسياسي الذي تهدف من خلاله إلى منح نفسها مبررات أخلاقيةً وإلى حشد التأييد الدولي لأنها تعلم وهي في موقع القوة أن كل القدرات التي تملكها حتى لو كانت نوويةً لا تغني عن الحاجة إلى شرعية التأييد العالمي.. إذا كان هذا حال الفريق المتفوق عسكرياً فما بال قوم يظنون أن امتلاكنا أدوات عسكرية ستظل متواضعةً بميزان القوة المادية يغنيهم عن الحاجة لأدوات النضال الشعبي التي تحشد التضامن الإنساني وتعزز أخلاقيتنا؟

أقصى ما تحققه المقاومة العسكرية للفلسطينيين هو أنها تخلق توازن ردع مع الاحتلال، وتحقق مكاسب سياسيةً، لكن حين يكون الحديث عن معركة طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق أهدافنا الوطنية، فهذا لن يكون إلا بمنظومة متكاملة تشمل الجهود الشعبية والإعلامية والسياسية والاقتصادية، ونحن أحوج من دولة الاحتلال لكسب المعركة الإعلامية لصالحنا، وهو ما لا يتحقق عبر الصراع العسكري إنما عبر المحافظة على الطابع الشعبي لمقاومتنا ضد الاحتلال..

هناك تصور مبسط لمفهوم المقاومة السلمية يقوم على أنها مسيرات تقابل الصواريخ والرصاص الإسرائيلي بإلقاء الورود، وهذه الصورة المختزلة ساهمت في تزهيد الفلسطينيين فيها، لكن المقاومة السلمية أكبر من هذا التبسيط بكثير، فهي منظومة متكاملة ومتراكمة من الجهود الشعبية والاقتصادية والإعلامية والقانونية الإبداعية التي تهدف في محصلتها إلى تحشيد التضامن الإنساني العالمي مع قضيتنا والضغط على دولة الاحتلال وتعريتها أخلاقياً واستنزاف رصيدها السياسي والإعلامي، فكل جهد يصب في اتجاه استقطاب الدعم العالمي ومحاصرة الاحتلال بالأدوات المدنية يدخل في تعريف المقاومة السلمية، ومن أمثلتها حملة المقاطعة الدولية التي يشتكي منها قادة الاحتلال، حتى إن نتنياهو دعا وزراءه للبحث في سبل التصدي للمنظمات الناشطة في مجال المقاطعة.

الحديث عن العمل بصمت دون ضجيج التظاهرات والأنشطة السلمية طرح ساذج لا يدرك أن حقيقة المعركة بيننا وبين عدونا أنها معركة على الوعي، وأن مقياس نجاح أي وسيلة نضالية ليس في قدرتها على إراقة دماء أكثر، بل مدى قدرتها على خلق وعي ذاتي وعالمي مناصر لحقوقنا، وتشكيل الوعي لن يكون إلا بمنظومة مكثفة من الجهود الجماهيرية والإعلامية المتنوعة المحلية والدولية.. 

كاتب فلسطيني من غزة

abu-rtema@hotmail.com

 

 

هل تجدي المقاومة السلمية في غزة؟

الجزء الأول

أحمد أبورتيمة

 

قاد الأداء الجيد للمقاومة العسكرية في قطاع غزة  خاصةً حين يقارن بأحوال الضفة الغربية إلى خلق قناعة لدى تيار شعبي كبير بأن كل أشكال المقاومة الأخرى غير مجدية ولون من العبث والموت المجاني، ورأينا من ينظر إلى كل من يفكر في وسائل أخرى في مقاومة الاحتلال بنظرة استعلائية منطلقاً من اعتقاده بأن المقاومين الحقيقيين يعملون في صمت ولا يظهرون في الإعلام وأنهم منشغلون في هذه الأثناء بتطوير السلاح وحفر الأنفاق، وأن السيف أصدق أنباءً من الكتب وأن ألفي قذيفة من كلام لا تساوي قذيفةً من حديد..

الإيمان بجدوى المقاومة العسكرية وحدها وفقدان الثقة بالوسائل الأخرى دفع باتجاه عسكرة المجتمع، وتمثلت هذه العسكرة في توقف الإبداع النضالي المتعدد الهادف إلى مراكمة الإنجازات الوطنية والضغط على الاحتلال، وجمد الفكر في صندوق صغير يتمثل في التجهيزات العسكرية، كما أنه خلق حالةً من السلبية العامة في نفوس الجماهير، لأن العمل العسكري بطبيعته نخبوي لا يشترك في الإعداد والتنفيذ له سوى دوائر ضيقة ويحاط بالسرية والكتمان، وفلسفة المقاومة العسكرية تعني التواري عن الأنظار والاستعداد في الخفاء للجولة القادمة، والتواري عن الأنظار يبعد الجماهير عن التماس المباشر مع قضيتها، ويشغلها بقضاياها المعيشية وحين لا تكون حاضرةً أمامها أمثلة للاشتباك الدائم مع العدو فسيتراجع من دائرة وعيها الاهتمام الوطني،  وهو ما تحققه الوسائل الجماهيرية التي تتطلب إبرازاً دائماً للقضية في الإعلام واستقطاباً للتفاعل الوطني والعالمي بها..

من ناحية أخلاقية فإن غياب مشهد الاشتباك الجماهيري الدائم مع العدو وتراجع الاستحضار اليومي في الإعلام لصورة العدو المجرم القاتل يضر بنفسية المقاتل ذاته، فيبعده عن حقيقة المقاتل انطلاقاً من الهم المسيطر عليه برفع الظلم عن شعبه، ويقربه من صورة المقاتل المحترف لأجل القتال، وهذه الحقيقة النفسية تنبه إليها خالد بن الوليد رضي الله عنه حين أمسك المصحف وبكى وهو يقول: "شغلنا عنك الجهاد"، والمعنى المستبطن هو أن العسكرة تؤدي بالضرورة إلى تراجع الجوانب الإنسانية، وحين يكون الحديث عن قضية عادلة مثل قضية فلسطين فنحن لسنا معنيين بالمقاتل المحترف بل بالمقاتل الإنسان.

سيرد كثيرون سريعاً أنه لا ينقص المقاتلين تعبئة أخلاقية وأن كل عوامل الاستفزاز حاضرة أمامهم، لكن المشاهد التقليدية متمثلةً في الأخبار اليومية عن انتهاكات الاحتلال بحق الأقصى والأسرى وأخبار الشهداء تصبح روتينيةً مع الوقت، والذي يجدد نفسية المقاتل الإنسان ويحميه من خطر المقاتل المحترف هو وجود حالة متجددة من الاشتباك الجماهيري مع الاحتلال تعزز الشعور في نفسه بأنها معركة بين شعب متشبث بحقوقه وبين عدو يحمل مشروعاً استيطانياً إحلالياً..

هذا البعد الأخلاقي الذي تحققه المقاومة السلمية ضروري أيضاً لكسب معركتنا الإعلامية على مستوى العالم، ولاستقطاب مناصرين من شتى أنحاء العالم والذين سيمثلون بدورهم حالة ضغط سياسي على صناع القرار في بلدانهم، والاقتصار على المقاومة العسكرية وحدها يصور المواجهة بأنها بين جيشين متكافئين، وفي هذه الحالة حتى لو انتصرنا فسيكون انتصاراً عسكرياً منزوعاً من أبعاده الإنسانية الأخلاقية، وسيكون من حق إسرائيل استعمال أقصى ما لديها من ترسانة عسكرية للرد عليه، هذا عدا أن الانتصار العسكري وحده لا يعطي شرعيةً أخلاقيةً ما لم نكن مستندين إلى رواية قادرة على إقناع الناس بأننا أصحاب قضية أخلاقية وأننا نواجه عدواً خارجاً عن القانون، وترسيخ هذه الرواية لا يكون إلا عبر جهود تراكمية من وسائل المقاومة السلمية التي تستعمل الأدوات الإعلامية والشعبية والقانونية والاقتصادية في تشديد الحصار على عدونا وتسجيل نقاط لصالح قضيتنا..

المقاومة السلمية تتميز بأنها تخلق إيجابيةً أكثر في نفوس الشعب لأنها تقوم على مشاركة قطاعات واسعة من الناس في أنشطتها كما أنها تبقي القضية حاضرةً إعلامياً وتزعج الاحتلال وتنسف روايته حول مواجهة مجموعةً من المقاتلين، وإسرائيل تملك القدرة على مواجهتنا في الميدان العسكري فهو عنصر قوتها، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا مكابر، لكنها لا تملك القدرة على هزيمتنا في الميدان الأخلاقي كونها تقوم على رواية ضعيفة متهاوية بينما نستند نحن إلى أساس أخلاقي متين.

المقاومة السلمية هي التي تملك القدرة على ملء الأوقات المهدرة بين جولات التصعيد العسكرية، فعسكرة الصراع مع الاحتلال غيرت طبيعة المواجهة من كونها انتفاضةً يوميةً مستنزفةً لهدوء الاحتلال واستقراره وطاردةً للمهاجرين منه ومضطرةً له للبقاء في حالة استنفار أمني، ووضع سياسي واقتصادي غير طبيعي، غيرتها إلى موجات تصعيد قصيرة تعقبها فترات هدوء كبيرة بانتظار الموجة القادمة، وفي هذه الفترات يلتقط الاحتلال أنفاسه، ويستثمر الوقت في تمرير مخططاته الاستيطانية في القدس والضفة وفرض وقائع جديدة دون أن تملك المقاومة العسكرية أريحية الرد كونها تخضع في حركتها لحسابات كثيرة، كما يستفيد الاحتلال من فترات التهدئة في استقطاب الاستثمار وتنشيط السياحة واستئناف الحياة الطبيعية، لكن وجود برنامج دائم لأنشطة جماهيرية وإعلامية إبداعية بشكل متصاعد على غرار بلعين ونعلين هو الذي يحرم إسرائيل من فوائد فترات الهدوء العسكري وسيضطرها للانجرار إلى معركة الاستنزاف الطويل التي يتفوق الفلسطينيون فيها كونهم متجذرين في أرضهم ومتشبثين بحقوقهم ويستندون إلى دافع أخلاقي أقوى.

يتبع في الجزء الثاني....

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

مفهوم "التضحية" وتوظيفه في المكان الخطأ..

أحمد أبورتيمة

 

من بذور الأفكار الخطيرة المتسللة إلى وعينا الجمعي فكرة التضحية مؤشراً على صحة المسار، فكلما كانت هناك دماء وضحايا أكثر، منحنا ذلك شعوراً مطمئناً أننا نسير في الاتجاه الصحيح..

هذه الفكرة تخلط بين مفهومي الإخلاص والصواب، فتضحية إنسان في سبيل فكرة هو مؤشر فقط على قوة إيمانه بها، لكنها ليس ضماناً على صواب الفكرة بالضرورة فهناك ملايين من مختلف المذاهب تسابقوا إلى الموت دفاعاً عن مذاهبهم دون أن يعني هذا صحة أفكارهم، وحتى لو افترضنا صحة المبدأ فإنه قد يكون بالإمكان حين نفكر بعقولنا وننظر من زوايا أخرى أن ننصر مبادئنا بتكلفة أقل دمويةً تحقق ذات الأهداف، فما الحاجة حينئذ للتكلفة الأكبر وقد علمنا أن العبرة بجني العنب لا بمقاتلة الناطور!.

خطورة فكرة التضحية أنها تغلق أبواب مراجعة السلوك السياسي وتمنعنا من البحث في اختصار التكلفة وتخلق فجوةً بيننا وبين فهم الواقع بموضوعية، لأنه قد استقر في وعينا الباطن أن الذي يقدم دماءً أكثر فهو على الحق مهما طالت الطريق وعظمت التضحيات، فما الداعي إذاً للمراجعة وإعادة تقييم الوسائل، وما دام الآخرون الذين يتحدثون عن الواقعية السياسية لا يضحون مثلنا فليس لهم الحق في إسداء النصائح، وقد قال لي أحدهم إنه لا يؤمن بأهل الأقوال، إنما يؤمن بأهل الأفعال الذين يبيتون في الخنادق، قلت له: ألا يحتاج المجاهد في الخنادق إلى رؤية سياسية واضحة حتى يعلم إلى أين هو سائر وحتى يكون لجهاده معنىً، وما قيمة أن نقاتل دون وضوح المسار، وما جدوى البندقية دون سياسي؟؟

نجد أثر هذه الفكرة واضحاً اليوم في سوريا ومصر وعندنا في فلسطين، فنحن نعزي أنفسنا أن كل الخسائر والكوارث التي تصب فوق رءوس الشعب السوري تدخل في باب الابتلاء والتمحيص وتمايز الطيب عن الخبيث وكفى!! هذه الإجابة الجاهزة المختصرة لن تحل المشكلة وستسقط كثيراً من التفاصيل المهمة مما سيفقد الثورة أي مراجعات وقراءة لتقديرات الموقف بلغة عقلانية واقعية..

من حيث المبدأ من قال إن الله يشترط حتى ينصرنا أن تجري دماؤنا أنهاراً في الشوارع!.. هذه الفكرة تظهر الإله في صورة وحشية ينتظر القرابين البشرية حتى يرضى، ويظهر عمق هذه الثقافة فينا في المثل الذي نردده حول تقديم القرابين على مذبح الحرية "قرابين-مذبح!" ما كل هذا القدر من الدموية!..

نعم هناك مفاهيم دينية مثل الابتلاء والجهاد والقتال وشراء الله لأنفس المؤمنين، لكنها مفاهيم ينبغي أن توضع في موضعها الصحيح، فغاية هذه المفاهيم أن تمحص نفوس المؤمنين وتظهر مدى استعدادهم المبدئي للعطاء في سبيل الله، والله تعالى قد سن الابتلاء ليختبر صدق إيمان الناس، ولا يعني مفهوم الابتلاء أن من يظهر قدرات انتحاريةً أكثر ويقتحم مغامرات مجنونةً غير محسوبة فهو الأصدق إيماناً، فكثيراً ما يكون الضحايا تعبيراً عن أزمة تفكير وعجز عن الفهم الصحيح للواقع واستعصاء اجتماعي كما هو الحال في أوروبا حين قدمت عشرات الملايين من أبنائها ضحايا في الحربين العالميتين في مغامرات مجنونة لم يكن لها أي معنى..

إن المؤمن الذي يبيع نفسه لله فهو إنما يعلن بذلك أنه مستعد لدفع أي ثمن في سبيل الله إذا اقتضت الضرورة، ولا يعني أن الموت صار ترفاً مقصوداً لذاته، فحتى لو كان الموت سيؤدي بنا إلى الجنة فهو ليس مطلوباً لذاته، لأن الله خلقنا لأداء رسالة لا لنسعى للتخلص من الحياة بأي ثمن، وحين تضيق الدنيا في وجوه المؤمنين وتسد الأبواب ولا يجدون بديلاً عن بذل أرواحهم في سبيل التمكين لمبادئهم تظهر قيمة الشهادة، لكن ما دام الأمر يحتمل خروجاً من الصندوق، وبحثاً في الأفكار الممكنة، وإبصار مخارج سياسية تخفض تكلفة الانتصار، فالأولى التوجه نحو الحلول السياسية وفق إمكانات الواقع، وقد امتن الله على المؤمنين بتجنيبهم المواجهة العسكرية إذ لم يكن القتال يوماً هدفاً في ذاته: "وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيراً" ..

لا يأمر الله تعالى المؤمنين أن يبيعوا أروحهم في فراغ، وإسقاط هذه المعاني لا يكون إلا بفقه الواقع و القراءة السياسية، ومعرفة إن كان هذا البذل سيحقق أهدافه أم أنه موت وحسب..لا يكفي أن نموت لنذهب إلى الجنة بل يجب مراعاة جدوى العمل والعائد من ورائه والتقديرات السياسية.. إن قيم الشهادة والجهاد تتطلب إسقاطاً على واقع صحيح تتحقق فيه الشروط التي تجعله عملاً مثمراً لا عبثياً دموياً وحسب..

من الضروري أن نفصل بين المبادئ الروحية القرآنية وبين أخطاء البشر وأفكارهم المميتة، فنحن لا نناقش في معاني الشهادة والجهاد والابتلاء، إنما ندرس السلوك السياسي البشري، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يخوض مغامرات عسكريةً دون فهم السياق السياسي، ولو كان الأمر تضحيةً وحسب لتصلب على موقفه ولما قبل بتسوية سياسية مع قريش تمثلت في عقد صلح الحديبية، ولما قال عليه السلام: "والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها".

ما يحكم إن كان البذل في موقعه الصحيح أم أنه عبثية ناتجة عن جمود فكري وقصور سياسي هو أن نسأل أنفسنا هذا السؤال في كل مرة: هل كان بالإمكان تجنب هذه المعركة وتحقيق ذات الأهداف بخسائر أقل، أم أنه لم يكن بالإمكان أحسن مما كان.. هل ما يحدث اليوم في البلاد العربية تضحيات في مكانها الصحيح أم أنها دماء بلا معنى.. وهل من أفق سياسي نراه أمامنا؟...

إن من الخطر الشديد أن نبني تصورنا الحضاري على فكرة الدماء والأشلاء بل إن هذا هو الجنون بعينه..

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

نقطة البدء..من الواقع أم التراث؟؟..

أحمد أبورتيمة

المدخل الصحيح لرؤية حضارية لأمتنا ليس العودة إلى التراث بل قراءة الواقع قراءةً دقيقةً وتحليل كل مكوناته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحضارية، لكن هذا لا يكفي فنحن لا نفهم الواقع المعاصر لننصهر فيه إذاً ماذا أضفنا إلى الحياة؟؟ بل نقرأ الواقع لنستوعبه ونفهمه ثم نتجاوزه نحو الأفضل دون أن نصير جزءً من العلاقات المختلة القائمة فيه..

هناك كليات ومبادئ عامة في الدين مثل العدل والرحمة والشورى وإصلاح الأرض وعمارتها، هذه مبادئ عامة وليست صيغاً تطبيقيةً، فنحن نفهم طبيعة العلاقات الدولية ثم ننزل مبدأ العدل القرآني ونفهم كيف يمكن أن نطبقه بأكبر كمية ممكنة في ظل العلاقات الدولية والمعادلة الاجتماعية والسياسية المعاصرة ونبني صيغةً عمليةً، أما التطبيقات السياسية زمن النبي عليه الصلاة والسلام فهي لا تزال مصدر تشريع لنا، لكن قبل أن نطبقها في واقعنا فإن علينا أن نحررها من خصوصية ظروف الزمان الذي كانت فيه ونستنبط منها المعاني المجردة التي لا ينال منها اختلاف الظروف التاريخية والثقافية، ونستلهم الروح الكامنة فيها، فمثلاً حين نقرأ في سيرة النبي رسالته إلى هرقل عظيم الروم، فهذا لا يعني أن نرسل ذات الرسالة بحرفيتها إلى أوباما عظيم أمريكا! فمن يحكم أمريكا اليوم ليس شخص أوباما بل منظومة معقدة من الشركات والمؤسسات، و المعنى المستفاد هو أن نفهم الظروف السياسية والأعراف الدبلوماسية في العلاقات بين الدول وأن نتواصل مع الشعوب من العناوين الصحيحة.

وهذا المعيار ينطبق حتى على تعاملنا مع القرآن الكريم، فمثلاً هناك عشرات الآيات التي تتناول القتال في القرآن لكن هذا لا يعني-حسب فهمي- أن ننزل هذه الآيات على واقعنا ونحن مغمضو الأعين دون أن نفهم اختلاف المتغيرات، والنظرة إلى القتال في هذا الزمان والشروط السياسية المستقرة في الأعراف الدولية لممارسته، بل نقرأ الواقع فإن كانت الظروف السياسية ألغت مركزية القتال في العلاقات الدولية، فهذا لا يعني أن آيات القتال فقدت صلاحيتها التاريخية إنما تبقى الروح والمعنى المجرد فيها، فالقتال ترميز للاشتباك بين الناس والذهاب إلى الحد الأقصى من المواجهة في سبيل ما تؤمن به، والتحرر من عقدة الخوف من الموت، ولم تكن غاية القتال يوماً سفك الدماء أو الإفناء المادي لأشخاص المحاربين، والمعنى الحرفي للقتال هو الحالة القصوى التي تبلغها هذه المعاني، لكن إذا كانت الظروف السياسية وتطور الفكر الاجتماعي للبشر قد غيب الشكل التقليدي للقتال، فإن معنى آيات القتال في مجتمع سلمي تتحقق بألا نداهن في سبيل مبادئنا وأن نواصل النضال السلمي في سبيلها وأن نتحلى بالشجاعة في سبيل الحق، وهي معان روحية مجردة تصلح في أي زمان وأي ظروف.

لقد غير العالم اليوم أدواته لكن الحقائق النفسية للبشر لم تتغير، فنزعة العلو والهيمنة التي كان الأقدمون يعبرون عنها بالغزو العسكري لا تزال حاضرةً تعبر عنها أمريكا بأدوات اقتصادية وسياسية و استخبارية مع بقاء روح الهيمنة والعلو في الأرض، في ضوء هذا الواقع فالمسلمون وهم أصحاب رسالة حضارية مطالبون بأن يغيروا وسائلهم أيضاً مع بقاء الأهداف العليا للدين المتمثلة في أن يقوم الناس بالقسط وألا يتخذ البشر بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، وهذا هو الفرق بين المشروع القرآني والمشروع الامبراطوري فنحن نغير وسائلنا في سبيل تحقيق الأهداف الإنسانية العليا للقرآن وهي الرحمة للعالمين والعدل والقسط، وحين نمتلك كياناً سياسياً قوياً فهذا لا يعني أن نستبدل هيمنةً بهيمنة، وأن نطرد أمريكا من مجلس الأمن لتحل دولة المسلمين محلها وأن نمتلك حق الفيتو مثلهم لنعاكس إرادة الشعوب بهذا الحق الباطل! بل إن مهمتنا الحضارية هي تغيير هذه المعادلة، والتأسيس لمبدأ جديد في الأمم المتحدة يحقق الأهداف الكلية للقرآن بإقامة العدل في الأرض ومحاربة الإفساد فنطالب بألا تتدخل الدول القوية في شئون الدول الضعيفة، وأن تكون هناك صيغة إلزامية تجبر المجتمع الدولي على التدخل العسكري في الدول التي يحدث فيها انتهاك لحقوق الإنسان كما هو الحال في سوريا اليوم التي عجزت المعادلة الدولية الراهنة عن وقف الفظائع المرتكبة فيها بسبب خضوع السياسة الدولية لمنطق المصالح لا لمنطق العدل، وهنا تكون إضافتنا بأن نطالب بإلغاء امتيازات الدول الكبرى في مجلس الأمن وتعزيز دور الأمم المتحدة التي يكون فيها حق التصويت متساوياً لكل الدول دون استحواذ من الدول الكبرى..

المدخل الصحيح لمشروعنا الحضاري هو فهم العالم المعاصر وتحليل مكوناته ثم بعد ذلك تقديم إضافتنا الأخلاقية الروحية وتطبيق كليات الدين على هذا الواقع، لا أن تكون إضافتنا استنساخ تطبيقات تاريخيةً دون وعي بالزمان ولا بالمكان..

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

داعش تخرج أسوأ ما فينا

أحمد أبورتيمة

 

النبي محمد صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، وهو الذي قال عن يوسف عليه السلام: رحم الله أخي يوسف لو كنت مكانة لأجبت الداعي، وفي صلح الحديبية حين اشترط سهيل بن عمرو شطب بسم الله الرحمن الرحيم ووضع باسمك اللهم وشطب محمد رسول الله ووضع محمد بن عبد الله لم يتصلب النبي عند رأيه إنما أبدى مرونةً سياسيةً من أجل إتمام الصلح، وتظهر ميول النبي السلامية في قوله: "يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ أَكَلَتْهُمْ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ"، وفي غزوة الأحزاب هم النبي بمصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا عن قتال المسلمين لكن الأنصار هم الذين رفضوا هذا الاتفاق فأجابهم النبي لأنهم أصحاب المدينة وثمارها..

ماذا لو كان أحدنا مكان النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المواقف، ماذا كان سيفعل؟؟

ربما كان سيقول إن ما فعله يوسف هو البطولة، فلنمت بكرامتنا في السجن ولا نتنازل مهما كان هذا التنازل شكلياً، وربما كان سيقول: كيف يشترط هؤلاء الكفار أن نشطب "بسم الله الرحمن الرحيم" ونضع صيغةً يوافقوننا عليها، الأمر يتعلق بعقيدتنا وهي خط أحمر، هذه ثوابت لا يمكن المساس بها، لن نقبل الدنية، ولن نوقع معهم اتفاقاً ولتبقى الحرب بيننا وبينهم ولنقدم الشهداء والتضحيات فهذه مسألة كرامة ومبدأ! وربما كان سيفعل مثلما فعل الأنصار في مسألة ثمار المدينة وقال إنهم لن يروا منى إلا ما يسوءهم وسنقاتلهم حتى آخر رجل فينا..

إن الثقافة العربية لا تشجع حديث الواقعية السياسية، وتعطي كلمات مثل الكرامة والمبادئ والبطولة أولويةً على لغة المصالح والمرونة والالتقاء في منتصف الطريق، ومهما كلفتنا هذه الكلمات من دماء وحروب فإنه يعز على النفس العربية القبلية أن يقال إنها قبلت الدنية وكسرت كلمتها، وترى أن تقديم مئات آلاف القتلى وإدامة الحروب لأربعين سنةً أهون من أن يكسر كبرياؤها..

على خلاف هذه الثقافة العنترية فإننا نرى في شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم الرفق واليسر والواقعية السياسية والالتفاف عن العوائق بدل الاصطدام بها فهو لم يكن هاوياً للخطابات العنترية الفارغة التي تكلف الناس الخسائر الباهظة بدعوى الكرامة والثبات على المبدأ وعدم المساومة ويظل أصحابها على تصلبهم يرفضون إبداء أي مرونة مهما تعاضدت الوقائع على استعصاء المسار وكلفة الثمن ويغمضون أعينهم عن قراءة الواقع وفهم موازين قواه ويفضلون الاصطدام بالجدار حتى تتفتت رءوسهم فضلاً عن أن يتراجعوا قليلاً ويبحثوا عن طريق أقل كلفة..

هذه الثقافة المستشرية فينا ليست من الدين في شيء حتى وإن مارسناها مع من نعتبرهم أعداءً وطواغيت وظلمةً وكفاراً بل هي جهل وعناد وكبر ما نحن ببالغيه، فالعاقل لا يهمه أن يقال عنه شجاع لا يتنازل عن كلمته، ولا يعاند الواقع بل يتفهم الواقع بموضوعية وهدوء ويراجع مساره..

حين تسير في طريق ثم تكتشف أنه ينتهي بجدار صلب فإن الإصرار على الاصطدام بهذا الجدار لا يكون سوى غباء ومقتضى العقل أن يفكر الإنسان ويتراجع ويقبل بحلول وسط حتى يقلل الخسائر قدر المستطاع..

لقد أنتجت لنا هذه الثقافة ظاهرة داعش التي لا تؤمن بأي منطق سياسي ولا تلتفت للواقع لتحلل مكوناته، كل ما تؤمن به هو القتال حتى النهاية وإشعال كل الجبهات، واستعداء الجميع حتى لو انتهى الأمر إلى الانتحار والدمار الشامل ولم يبق حجر على حجر، وداعش ليست سوى التجلي النموذجي لثقافة مريضة عبئت بها نفوسنا، فهي ليست جماعةً معزولةً عن الوسط الثقافي المشبع بفكر البطولة والمفاصلة والثنائية الحادة، بل هي تعبر عن أسوأ ما في ثقافتنا العربية القبلية..  

لقد جربنا هذه الثقافة البطولية العنترية فلم نجن منها سوى الاصطدام بالحائط والفشل والانتحار، وبتنا في أمس الحاجة لتعزيز ثقافة التسامح والواقعية السياسية حتى لا نحمل أمتنا وشعوبنا المزيد من النتائج الكارثية بحجة أننا على الحق وأنهم على الباطل..

abu-rtema@hotmail.com

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

11-1

 

مأساة اليرموك

وضرورة التفكير خارج الإطار

 

أحمد أبورتيمة *

كلما رأيت الأحوال المروعة للاجئين الفلسطينيين في سوريا تذكرت مشهد سورة البقرة عن الذين خرجوا وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم...

 لا أدري على وجه الدقة ما هو الرابط بين القصتين لكن ربما هو أن الخوف من الموت والإحجام عن مواجهته لن ينجي الأمم منه بل سيلحقهم الموت ولو كانوا في مضاجعهم...

اللاجئون الفلسطينيون في سوريا منذ أكثر من عامين يذوقون مختلف أصناف الموت تارةً بالرصاص، وتارةً بالتشرد في مصر، وتارةً بالغرق في البحر في طريق الفرار إلى أوروبا، وأخيراً هم الآن يموتون جوعاً في مخيم اليرموك كما لم يحدث منذ تهجيرهم قبل خمسة وستين عاماً...

هل كان اللاجئون مجبرين على كل هذا؟؟ ألم يكن هناك خيار أقل قسوةً كان يمكن أن يلجئوا إليه فيختصروا هذه المآسي؟؟

ماذا لو توجه اللاجئون منذ البداية إلى حدود فلسطين على الجولان واعتصموا مطالبين بالعودة إلى ديارهم التي أخرجوا منها عام ١٩٤٨ بدل أن ينتقلوا من لجوء إلى لجوء؟؟؟

 إن كانت الحالة الراهنة لا تحتمل الحديث بمنطق المكاسب فدعونا نتحدث بمنطق الخسائر الأقل والخسائر الأكثر..

هل كانت إسرائيل ستتعامل معهم بأقسى مما يتعامل معهم النظام السوري والنظام المصري؟؟

 حتى لو لم ينجح تجمعهم في حل المشكلة جذرياً كما يسارع المحبطون المثبطون إلى القول كانوا على الأقل سيعيدون قضيتهم إلى مربعها الأول ويذكرون العالم بأن مشكلتهم هي أنهم هجروا من ديارهم وأن الحل هو في العودة إلى الوطن لا في إتباع اللجوء بلجوء آخر..

كانوا على الأقل سيحدثون ضغطاً سياسياً على الكيان ومن ورائه أمريكا..

كانوا على الأقل سيلقون بالكرة المشتعلة في العواصم العربية في ملعب الكيان ليصيبه شيء من اللهيب بدل أن يظل المكان الوحيد الآمن وسط غابة مشتعلة..

من غير المعقول أن إسرائيل باتت الدولة الأكثر أمناً رغم أنها محاطة بالأعداء من كل جانب!

حتى لو لم يأت اعتصام اللاجئين الفلسطينيين على حدود وطنهم المحتل بفائدة فإنهم لن يخسروا شيئاً وسيقتصدون كثيراً من الموت والذل الذي يتجرعونه الآن..

لماذا نزهد في الحلول القريبة المباشرة ونضيع تيهاً في الأرض كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول..

كل ما ينقصنا يا قوم خطوة إقدام وتفكير خارج الإطار..

مشكلتنا قبل أن تكون سياسيةً هي مشكلة في طريقة التفكير وفي غياب ثقافة المبادرة والإقدام!!

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

*لاجئ فلسطيني من غزة

 

 

إقامة العدل قبل إقامة الحدود...

أحمد أبورتيمة

الظن بأن تطبيق الشريعة هو إقامة الحدود من رجم وجلد وقطع الأيدي وحسب هو اختزال مخل لمفهوم الشريعة وهو فتنة للناس.. 

فالحدود هي السياج الأخير الذي يحمي بناء الشريعة فهل أقمنا البناء أولاً حتى نقيم السياج حوله!!

قبل أن نقطع يد السارق الصغير مطالبون بأن نكبل يد السارق الكبير عبر محاربة تكديس الثروات بأيدي أثرياء المجتمع حتى لا يكون المال دولةً بين الأغنياء منا و قبل أن نقيم الحدود لا بد من إطار من العدالة وضمانات بأن يكون الناس سواسيةً أمام القانون لا محاباة لابن وزير أو ابن رئيس ونحقق فصل السلطات حتى يضمن الناس نزاهة تطبيق القانون ونحقق الحرية السياسية والإعلامية حتى نرفع الإكراه عن الناس فلا يقولون شيئاً أو يفعلونه تحت سلطة الإجبار..

وقبل أن نجلد الزاني علينا أن نقيم نظاماً اجتماعياً ينشر العفة ويضيق أبواب الفتنة عبر نشر ثقافة التيسير بين الناس فيصير بإمكان أي شاب أن يتزوج بسهولة وإقامة إعلام منافس يعزز قيم الفضيلة بدل الإعلام الذي يحض الناس حضاً على الفاحشة ثم حين يشعر الناس بالعدل والأمن والاكتفاء ويتيسر لهم الحلال تكون البيئة مهيئةً لإقامة الحدود ولن يكون في إقامتها فتنة للناس..

هذه المقدمات التي نتحدث عنها قبل إقامة الحدود هي أيضاً جزء من الشريعة فالشريعة لا تعني الحدود وحسب إنما الشريعة في معناها الواسع هي العدل فحيثما كان العدل كان شرع الله ومهمة الأنبياء هي إقامة القسط بين الناس: "ليقوم الناس بالقسط"، ويوسف عليه السلام دخل الحكم بمشروع اقتصادي فكان برنامجه هو حل مشكلة المجاعة وتوزيع الطعام بين الناس بالعدل..

والله أعلم

abu-rtema@hotmail.com

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

ثلاث آيات

 من سورة آل عمران...

أحمد أبورتيمة

 

ثلاث آيات متتاليات في سورة آل عمران استرعت انتباهي يمكن أن نفهم في ضوئها قانوناً تاريخياً عاماً:

" ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون*  ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون*  وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين* "

كيف لبشر أن يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله بهذا الشكل الفج الصارخ!!

إن صاحب الرسالة رجل متنكر لذاته قد سيطر على قلبه هم الرسالة وتبليغها للناس فهو غافل عن أي أمجاد شخصية ولا يسعى لمكانة بين الناس ولا يريد منها جزاءً ولا شكوراً.. لقد تفانى عن شخصه لأن الروح التي قذفت في قلبه اختلطت بدمه ولحمه فعاش حياته للمبدأ المجرد المتعالي عن الشخصنة والمكانة الدنيوية.. إن المعنى الحقيقي لتوحيد الله هو التجرد من كل حظوظ النفس والتركيز في وجهة واحدة والتفاني فيها والغفلة عما سواها.. وهذا المعنى ليس خاصاً بالأنبياء وحدهم بل يسري على كل أصحاب الرسالات الذين يأمرون الناس بالقسط..

أما الانحراف فإن مبدأه حين يكون الخلط بين الدعوة المجردة وبين الأشخاص الذين يحملونها فيظنون أن حملهم للدعوة المقدسة يمنح قداسةً لأشخاصهم ووسائلهم فتصير قداسة الدعوة ساريةً على أصحابها وأفكارهم واجتهاداتهم في إيصال هذه الدعوة فيصير القائد مقدساً ومن ينتقده ينظر إليه بأنه ينتقد الدين ذاته وتصير الجماعة التي أنشئت لحمل هذه الدعوة بدورها مقدسةً فأعداء الجماعة هم أعداء الدين بالضرورة والعمل في سبيل الجماعة هو معادل موضوعي للعمل في سبيل الله والاستجابة لأوامر الجماعة هي استجابة لله وللرسول..

خطورة هذا الخلط أن كثيرين يقعون فيه وهم لا يشعرون أن استبدال مركزية الجماعة بمركزية الدعوة المجردة مهما كانت الجماعة قريبةً من مبادئ الدعوة المجردة يفقدهم البوصلة ويحول الوسيلة التي أريد بها بلوغ الغاية إلى غاية في ذاتها، والجماعة مهما جاهدت واجتهدت فإنها لن تصل إلى حالة التطابق الكامل مع الدعوة المجردة فلن تكون معادلاً موضوعياً دقيقاً للدعوة الإلهية الخالصة، وتطاول العهد وطول الأمد يزيد الفتق بين الجماعة والدعوة المجردة ولا يرتقه لدخول عوامل الهوى والفتور وضعف الروح، لذلك فإن الضامن للوقاية من الانحراف هو إبقاء التركيز على الدعوة المجردة وإضعاف مركزية التنظيم والإبقاء عليه في حدود الوسيلة المرنة القابلة للمراجعة والتبديل والتطوير وعدم إضفاء قداسة عليه تدخله في حالة الصنمية، حالة: " كونوا عباداً للتنظيم من دون الله"...

إن هذه التعبيرات صادمة ولا شك وسيسارع كثيرون للاعتراض؛ هل نحن كفار؟؟ لا أحد يقول للناس كونوا عباداً للتنظيم من دون الله؟؟ لكن الرجوع إلى أصول المعاني القرآنية كاف لتهدئة انفعالاتنا وللتحلي بالمنهج العلمي، فالقرآن حين وصف أهل الكتاب بأنهم " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله" فإنهم لم يكونوا يركعون ويسجدون للأحبار والرهبان، كل ما في الأمر أنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فالطاعة العمياء دون تبصر هي شكل من أشكال عبادة غير الله لأن الطاعة المطلقة شأن يختص الله به وحده دون عباده، ثم إن المعاني القرآنية عموماً هي معان كمية لا حدية أي أنها تبدأ ببذرة تنمو وتزيد لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يستغفر الله أن يشرك به شيئاً لا يعلمه، ولا أحد يتصور أن يكون الشكل الصارخ المباشر للشرك موجود في حياة النبي معاذ الله بل ولا في حياة من هو أدنى منه إيماناً إنما كان النبي يستعيذ من البذور الخفية التي إن لم يجاهدها صاحبها فإنها تزيد، وبهذا الفهم نتعامل مع المصطلحات القرآنية عموماً فليس بالضرورة أن يطلب الدعاة من الناس بشكل صارخ أن يتخذوهم أرباباً من دون الله فهذه لا يقولها حتى طغاة الأرض ومستكبروها، والقرآن لا يثير قضايا نظريةً لا يلمسها الناس في حياتهم بل يهتم بمعالجة الأمراض النفسية والاجتماعية والتاريخية المعايشة للبشر، وبذرة "كونوا عباداً لي من دون الله" موجودة في نفوسنا تتطلب مجاهدةً شاقةً فهي تبدأ أن يمنح صاحب الرسالة لنفسه خصائص إلهيةً فيجعل شخصه أو تنظيمه مطابقاً للدعوة الإلهية ويسعى لإعلاء اسمه الخاص أو إعلاء اسم تنظيمه وزيادة رصيد سمعته ومحوريته في حياة الناس ويستجلب طاعة الناس له وكل هذا سيؤدي بالضرورة إلى تراجع التركيز على الغاية المجردة لأنه ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه،

منهج الأنبياء الذي تبينه الآيات هو الغفلة عن الذات الفردية والتنظيمية والاستغراق في الغاية العليا: " ولكن كونوا ربانيين" فالنبي في هذه الآيات ليس له أي حظوظ ولا يسعى لأي مكاسب خاصة به أو بقبيلته فهو مجرد وسيلة لتعريف الناس بربهم، وانتصار الحق والعدل هو انتصار شخصي له، وليس العكس أن يكون انتصار شخصه انتصاراً للحق والعدل فهذه هي الربوبية من دون الله..

في الآية الثانية: "ولا يأمركم أن تتخذوا النبيين والملائكة أرباباً".. لماذا النبيين والملائكة تحديداً؟؟ إن الناس لا تقدس الأفراد العاديين ولا تقدس القادة المجرمين فالخطر الخفي هو في تقديس الرجال الصالحين والقادة الأبطال فهؤلاء على حق وقاموا بأفعال يمجدها الناس ويذكرونها بخير لكن الخطورة هي في توقف حالة التجدد الروحي والفكري عند الأمم وتحول إعجابها بالبطولة والتضحية إلى حالة الصنمية واتخاذ الأبطال أرباباً، ففلسفة الحياة هي الحركة الدائبة والتجدد الدائم سعياً إلى الله، وفي أي مرحلة يبدع فيها الأبطال والصالحون ويصنعون الأمجاد بإنجازاتهم التاريخية فإن ابتلاء الله للناس حينها يكون بتجاوز هذه الحالة إلى ما بعدها ومواصلة التقدم لأنهم لم يصلوا بعد إلى الله الذي إليه المنتهى: " يا أيها الذين آمنوا آمنوا"، أما العكوف على ما بلغوه من إنجازات والاكتفاء بإنجازات الأبطال والمصلحين والركون إليها والتغني بها بدل العمل وتقديسها فهذا يعني أن هؤلاء الأبطال أو المصلحين وأفعالهم وأفكارهم صارت هي المنتهى أي أننا اتخذناهم أرباباً من دون الله..

إن الملائكة والنبيين فتنة لأتباعهم لأنهم مرسلون من الله فيميل الناس إلى منحهم القداسة لكن القرآن يطالبنا بيقظة روحية وفكرية دائمة حتى نستطيع التفريق بين الوسيلة والمنتهى، فالملائكة والنبيون هم وسائل للتواصل مع الغاية وكونهم وسائل فهذا يعني ألا نقدسهم لذواتهم بل نحبهم بما تفضل الله به عليهم والفرق دقيق بين المحبة والتقديس، وما ينطبق على النبيين والملائكة الذين يمثلون حالة الطهر والنقاء الكامل ينطبق أيضاً من باب أولى على أي داعية أو مجدد أو مفكر أو قائد أو جماعة مهما عظم عطاؤهم فنحن نحبهم لكن علينا أن نتجاوزهم وألا نستغرق في العكوف على إنجازاتهم حتى ننسى استحقاقات العمل والمواصلة...

إن طول الأمد بالقائد أو الجماعة يدفع شعوراً إلى التسلل إلى نفوسنا وهو المطابقة وإلغاء الفرق بين الوسيلة والغاية فننسى الأهداف الروحية الكبرى ونجعل من رعاية التنظيم وحمايته وتسمينه هدفاً قائماً لذاته، لكن مراد الله من التاريخ هو الحركة الدائمة وليس السكون والاستقرار على أوضاع معينة فكيف نضمن استمرار ديناميكية الحركة الحضارية ولا ندخل في حالة الصنمية والجمود الفكري، إن هناك مؤشراً دقيقاً على مدى اليقظة الروحية وهو التحرر من مركزية الأنا الفردية أو التنظيمية، فإذا كنا نقول إن المصلحة الشخصية أو التنظيمية ليست هي الهدف، فإن أمارة صدق قولنا ألا نجد حرجاً في التعاون مع أي صيغة أخرى خارج حدود التنظيم ما دامت تحقق ذات الأهداف، وألا نجد حرجاً في تجاوز الصيغة التنظيمية الحالية حين يتبين لنا أن هناك وسائل أكثر فاعليةً، وأن نتحرر من شعور الكبرياء والحسد تجاه الأفكار الجديدة التي تتجاوز أطرنا التنظيمية لكنها تخدم ذات الهدف، فإذا كان الهدف مثلاً تحرير الوطن فإن تصديق ذلك أن نتعاون مع أي جهد يخدم الوطن من أي مصدر كان، وإذا كان الهدف هو الوطن لا التنظيم فإن أبناء التنظيم لن يترددوا لحظةً واحدةً في تجاوز قالبهم التنظيمي حين تتبين لهم صيغ أكثر كفاءةً في تحقيق الأهداف، وهذا المؤشر نفهمه من الآية الثالثة: "وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه"، فالنبي لا يسعى لبناء مجد شخصي ولا يهمه علو اسمه، كل ما يهمه روح الدعوة لذلك فإنه لن يشعر بحرج إذا تجاوز التاريخ شريعته وجاءت رسالة جديدة مصدقة لما معه، فسيسارع إلى الإيمان بها ونصرتها، وهذا ما سيفعله أي صاحب رسالة صادق فهو لن يصاب بمرض بني إسرائيل الذين كذبوا رسالة محمد حسداً من عند أنفسهم لأنهم كانوا ينتظرون أن يأتي النبي منهم، إنما سيكون صاحب الرسالة الصادق مهتماً بروح الرسالة وحسب، ولن يضخم من مركزية تنظيم أو جماعة بل سيكون على استعداد دائم للتجديد والمرونة وتجاوز الصيغ الحالية إلى صيغ أكثر فاعليةً وحيويةً

إن دينامية الأفكار وقدرتنا على التجدد الدائم لإيجاد صيغ جديدة أكثر فاعليةً وأكثر استشعاراً لتطورات الواقع هو مؤشر تحررنا من مركزية الأنا ومن تقديس الأشخاص والتنظيمات ودخولنا مرحلة الروح حيث الإيمان المتجدد لا الراكد..

والله أعلم

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gifabu-rtema@hotmail.com

 

 

 

 مقالات سابقة

هل جعل الإسلام  حدوداً لحرية التفكير؟؟

الجزء الثالث

أحمد أبورتيمة

 

حين يقال إن الفلسفة تقود إلى الإلحاد وإن الفكر يؤدي بصاحبه إلى الكفر وإن كثرة العلم تسبب الجنون فهذه دعوة صريحة لإغلاق العقول ولتقديس الجهل، هل حقاً يمكن أن يؤدي الفكر في مرحلة من مراحله إلى الكفر، وكيف يدعونا الله في مئات الآيات إلى التفكر والتدبر والتعقل، وكيف يعتمد منهج البرهان والمحاورة العقلية طريقاً لإقناع عباده بالدين وهي ذاتها التي قد تقود إلى الكفر به، أو يعقل أن ذات الطريق التي تقود إلى هدف قد تقود إلى نقيضه؟؟ ما لكم كيف تحكمون؟؟

إن العقل والفكر لا يمكن أن يضل بالإنسان في أي مرحلة، فالعقل هو الطريق المقدس الذي يقودنا إلى الحق، وكل محاججة القرآن قوامها العقل، ومشكلة الذين لا يؤمنون تتلخص في أنهم لا يعقلون: "وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون".. إذاً كيف نفهم أن بعض الفلاسفة والمفكرين انتهى بهم الحال إلى الكفر والزندقة؟؟

إن ما يدفع الإنسان إلى الكفر والزندقة هو هوىً خفي في نفسه وليس طريق العلم والفكر، فلنحذر ولنحسن التفريق بينهما، فطريق العلم هي طريق الهدى أما طريق الكفر والإلحاد فهي طريق الهوى والظن المتناقضة مع أسس التفكير الصحيح: "إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى".. الذين يضلون على علم فإنما يحدث لهم ذلك لأنهم لم يعودوا متجردين لطلب الحق وليس لأن تساؤلات فكريةً قادتهم إلى الضلال: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم.."

إذا تأملنا دائرة المحرمات في الدين فإننا نجد أنها تتناول ميداناً مناقضاً لطريق العلم، وهو ميدان المخالفات الأخلاقية، ولا علاقة له من قريب أو بعيد برغبة الإنسان الفطرية في التفكير والتساؤل: "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ".. لو تأملنا هذه الأصناف المجملة لمفهوم الحرام لوجدنا أنها جميعاً تتعلق بمخالفات للفطرة الإنسانية السوية، فهي محرمة في كافة الشرائع والنحل، وليست تابو يوضع على حركة العقل: الفواحش، والإثم والبغي، والكذب، كلها أمور تشمئز منها أي فطرة سوية، كيف يمكن لتحريم الفاحشة أو لتحريم ظلم الناس أن يكون قيداً على حرية التفكير؟؟ العكس هو الصحيح ففي المحرمين الرابع والخامس نجد أن المشكلة هي في مخالفة منهج العلم: الإشراك بالله ما لم ينزل به سلطاناً يعني مجانبة طريق العلم القائم على سلطان البرهان، وأن يقول الإنسان على الله ما لا يعلم هو أيضاً مجانبة لطريق العلم التي تطالبه بألا يأتي بدعوى إلا وعليها دليل يقيني..

إن تحريم الفواحش والإثم والبغي والقول بغير علم هو عامل إضافي يطلق حرية الإنسان الفكرية على نقيض ما يزعم القائلون بتقييد حرية الفكر، لأن تجنب هذه المخالفات الأخلاقية هو الذي ينقي قلب الإنسان ويجعله مهيئاً للتفكر واختراق الآفاق، من يفعل الفواحش مثلاً يكون قلبه مشتتاً عاجزاً عن الصفاء والتركيز فأنى لهذا أن يكون حراً في تفكيره وقد امتلأ عقله بالخيالات المريضة والتصورات الفاسدة!، بينما من صفا قلبه وخلا عقله من المشاغل فهو الذي ينطلق في الآفاق ويتذوق متعة التفكر والعلم..

لم يحدث في القرآن الكريم أن الله تعالى زجر أحداً على تساؤله مهما كان هذا التساؤل فقد سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، ومن قبل تساءل عن الكوكب والقمر والشمس في رحلة البحث عن الله والقرآن يخلد هذه التجربة الإبراهيمية لتكون مثلاً لنا حتى نبني إيماننا على اليقين الذي يأتي بعد التساؤل الحر وليس ذلك التسليم الأعمى: " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه"!! وأسئلة إبراهيم عليه السلام تمثل ذروة ما يمكن أن يخطر في بال الإنسان وأن يصل تفكيره مما يدلل على أن الإيمان يبنى على حرية فكرية كاملة لا على تقليد واتباع أعمى: "قل هذه سبيل أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن"..

إن القرآن يستفز العقل الإنساني إلى آخر مدىً مستطاع ليطلق طاقاته: "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان".. القرآن لا يقول لنا: الزموا حدودكم أيها البشر، بل إنه يستفزنا للمحاولة: "فانفذوا"، وما دام معكم سلطان من علم فستنفذون..

أما الشبهة التقليدية التي تثار لتبرير القول بتقييد حرية التفكير فهي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله". ويستشهد فريق من الناس بهذا الحديث لإبطال القول بحرية التفكير!

حتى هذا الاستثناء الضيق للتفكر لا يعد قيداً على حرية التفكير، لأن النهي قائم على حجة عقلية وهي أن الذات الإلهية فوق قدرة البشر على التصور فهو ليس كمثله شيء ولا تدركه الأبصار، والبشر ليس لديهم الأدوات التي يمكنهم من خلالها تصور الذات الإلهية، والإنسان بطبيعته يعجز عن تخيل أي شيء إلا بتوفر العناصر الأولية له، فلو حاول أحدنا مثلاً تخيل لون جديد غير الألوان المعروفة في الطبيعة واعتصر عقله فإنه لن يستطيع أن يتخيل لوناً جديداً إلا بخلط الألوان المعروفة وذلك لعجزه عن تخيل شيء جديد من العدم، ولو طلب من أحدنا أن يتخيل كائناً خرافياً فإنه سيحاول رسم مخلوق جديد خليط من الكائنات التي سبق أن رآها لكنه في أي حال لن يتمكن من تخيل كائن جديد كل الجدة، فإذا كان الخيال البشري عاجزاً عن تصور أي شيء خارج حدود مشاهداته فكيف يمكن أن ينجح في رسم صورة ذهنية للذات الإلهية وهي التي تعلو على وصف الواصفين!!

إذاً فهذه الدائرة الضيقة التي ينهانا النبي عن التفكر فيها ليست دليلاً ذا قيمة على تقييد التفكير لأنه ليس نهياً استبدادياً بل معلل بعلة علمية: "فإنكم لن تقدروا قدره"، والتفكير ليس عمليةً ترفيةً أو خيالاً فارغاً بل عملية علمية يسعى الإنسان من خلالها إلى فهم حقائق الوجود..

قد يقول قائل ما هو مبرر حرية التفكير وهذا كتاب الله بين أيدينا فيه تبيان لكل شيء، وقد فصل الله لنا فيه ديننا ودنيانا، إذاً ما الذي سيضيفه التفكير إلى عقولنا وعندنا الدين الكامل والحق المبين؟؟ هذا ما سنرد عليه إن شاء الله في الجزء القادم...

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

هل جعل الإسلام حدوداً

لحرية التفكير؟ الجزء الثاني

أحمد أبورتيمة

من الأقوال المتداولة بين المسلمين أن الدين يؤخذ بالنقل لا بالعقل، ويحاجج فريق من المسلمين بهذه المقولة للتدليل على أن الإسلام يقيد حرية التفكير، فهل حقاً أن وجود النقل في الدين يعد قيداً على حرية التفكير؟؟

إن كان المقصود بالنقل الشعائر التعبدية وأننا نصلي المغرب ثلاثاً دون أن نفهم لماذا لم تكن أربعاً فهذا كلام يرد عليه بالعقل أيضاً دون أن يتناقض ذلك مع مبدأ حرية التفكير المطلقة لأن الشعائر جعلت في الدين بقصد تحقيق التعبد لله وإسلام الأمر إليه وليس بقصد التحليل العقلي لمكونات الشعيرة ذاتها فنحن لا نصلي في المقام الأول لنمارس رياضةً بدنيةً حتى يهدينا تفكيرنا مثلاً إلى أن الركوع  مرتين  أفضل  للعمود الفقري من الركوع مرةً واحدةً أو إن الصيام حتى أذان العشاء أفضل صحياً من الصيام حتى المغرب أو كما في المثل الشهير الذي نبرر به تعطيل عقولنا بأن الدين لو كان يؤخذ بالعقل لكان المسح على باطن الخف أولى من المسح على ظاهره..

إن هذه التفاصيل ليست ميدان حرية التفكير أصلاً، والشعائر تؤخذ كلها جملةً واحدةً لتحقيق غاية روحية تتمثل في إثبات صدق إيمان العبد بربه والتسليم له بالعلم والإحاطة والحكمة والرحمة والالتزام بهذه الشعائر لم يكن إلا على أساس عقلي من الإيمان بالله ورسله وكتبه، فمن آمن بأن هذا الكتاب هو من عند الله وأن الرسول قد أرسله الله فإن مقتضى هذا الإيمان التصديق بما جاء به الكتاب والرسول دون أن يكون هذا التصديق لاغياً بحال من الأحوال لحرية الإنسان الفكرية لأن من لم يقتنع بعقله بأن هذا الدين هو من عند الله فلا حاجة لله في صلاته وصيامه فأساس الإيمان هو الاقتناع، ولا إكراه في الدين..

ثم إن العبد حين يؤدي الشعائر التي افترضها الله عليه فإنه يفعل ذلك ليروي ظمأه الروحي ولينال طمأنينة القلب وراحة النفس، فالعلاقة بيننا وبين الله قائمة على الحب لا على الإكراه، والصلاة والصيام حق لنا قبل أن تكون واجباً علينا فنحن نحمد الله أن دلنا على دواء لعلل نفوسنا وعرفنا بالطريق التي تحقق طمأنينة قلوبنا، إن الله لا يحب لعباده أن يؤمنوا به خاضعين كارهين بل أن يأتوا إليه محبين مختارين: "إن نشأ ننزل عليهم آية فظلت أعناقهم لها خاضعين"، ولتعزيز الطابع الاختياري لعلاقة العبد بربه أحاط الله فرائضه بسياج من النوافل لا يؤثم تاركها لكن الحكمة منها أنها تعزز علاقة الحب في نفوس المؤمنين تجاه خالقهم، فإلى جانب الصلوات الخمس المفروضة هناك سنن رواتب وقيام ليل وغيرها، وشهر رمضان يتبعه ست من شوال، ومقدار الزكاة المعلوم يتجاوزه أكثر المؤمنين بالصدقات، وهذه السنن التي يتسابق المؤمنون إليها رغم أنها ليست مفروضةً عليهم تؤكد الطبيعة الروحية للشعائر الدينية، فهي تلبية لحاجة داخلية وليست إذعاناً لسلطة خارجية..

الطبيعة الروحية للشعائر الدينية تنفي أي تعارض بين هذه الشعائر وبين مبدأ حرية التفكير، فهما ميدانان مختلفان تماماً، الشعيرة الدينية لا تحرم على صاحبها التفكير والتساؤل، بل إن هذه الشعائر هي التي تمنح الإنسان الأساس الروحي الذي ينطلق منه للتفكير الحر، فالصلاة مثلاً تحقق للإنسان صفاءً روحياً وتركيزاً ذهنياً وتخلصه من التشتت مما يساعده على جمع أفكاره في اتجاه واحد واختراق آفاق أوسع، والصوم يصفي النفس ويزكيها فيضفي ذلك عليها هدوءً في التفكير، والزكاة تشعرنا بالرضا النفسي وبالراحة الأخلاقية، وهكذا فإن العلاقة بين الشعائر الروحية وبين حرية التفكير هي أن الأولى تعزز الثانية وتمنحها الأساس الذي يطلقها ويحلق بها في أوسع الآفاق..

من جهة أخرى فنحن نضيق الدين كثيراً حين نصوره شعائر وحسب، فالمساحة الأكبر في الدين هي لمبادئ كبرى لا تقيدها النصوص مثل العدل والإحسان والرحمة وعمل الصالحات وفعل الخيرات وإعمار الأرض وإصلاحها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومجاهدة النفس، وتحقيق هذه المعاني الكبرى التي هي المقصد الأكبر للدين ليست مقيدةً بنصوص وهي لا تتحقق إلا بحرية فكرية كاملة من أجل توليد أفكار إبداعية تعمل على زيادة الخير والعدل وتقليل الفساد والظلم في الأرض، فالآليات الحديثة التي اهتدى البشر إليها لتحقيق كمية أكبر من العدل مثل المجالس النيابية وتداول السلطة واستقلال القضاء وحرية الصحافة والإعلام ليس منصوصاً عليها تحديداً في ديننا بل هي ثمرة حرية فكرية وتساؤل ألح على أصحابها وهم يتفكرون كيف يتحقق العدل بين الناس، لكنها مع ذلك من الدين ما دامت تحقق العدل وتحارب الفساد في الأرض: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"، "ليقوم الناس بالقسط"، وحول هذا المعنى ينسب إلى ابن تيمية قوله بأنه حيثما كان العدل فثم شرع الله وإن لم يأت به نص صريح...

كيف السبيل لمعرفة الحق والعدل والمعروف والمنكر وللاهتداء إلى خير السبل لتحقيقها في واقع البشر إلا بحرية تفكير نحلل بها واقع الإنسانية ونضع أيدينا على مواطن القصور فيه ونجتهد في تفكيرنا حتى نبدع واقعاً أفضل يحقق غايات الدين الكبرى من عدل وإحسان وبر ورحمة وخير وصلاح.

إن المعاني الدينية مثل المعروف والخير والعدل تدرك بالفطرة الإنسانية، فكل ما عرفته الفطرة السوية فهو معروف وكل ما أنكرته فهو منكر، وتجليات هذه المعاني لا نهائية في واقع البشر فلا تحدها النصوص، والقرآن حين يأمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعمل الصالحات وفعل الخيرات، وإقامة العدل فإنه يطلق أفكارنا إلى آخر مدىً، فكل فكرة يمكن أن يهتدي إليها عقل إنسان تؤدي إلى نفع الإنسانية "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"، وشفاء المرضى، والقضاء على مشكلات الفقر والبطالة والمرض والحروب فهي تدخل في دائرة "عملوا الصالحات"، "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".

إن الدين يعالج الأساس الأخلاقي في نفوسنا، لكنه لا يحجر على إبداع عقولنا في كيفية تحقيق مقاصد الخير والعدل، فإن كان من قيد يضعه الدين فهو ألا نفكر في الشر والإفساد في الأرض، وهذه لا علاقة لها بحرية التفكير الحقيقية لأن التفكير مقدس وهو مجرد من الأهواء والظنون..

وللحديث بقية....

abu-rtema@hotmail.com

 

 

هل عمل مانديلا لآخرته؟؟

أحمد أبورتيمة

سأل سائل قد عمل مانديلا لدنياه فماذا عمل لآخرته؟!..

لسنا معنيين بإقحام أنفسنا في محاكمة مصير أحد في العالم الآخر بعد الموت سواءً كان هذا الواحد مسلماً أو غير مسلم فنحن لسنا متأكدين أيضاً كيف سيحاسبنا الله فذلك عالم غيب لم نزره بعد والجدل في تفاصيل مصائر الناس فيه رجم بالغيب وتأل على الله وهو لا يفيد في حياتنا ولا يبنى عليه عمل..

لكن ما يعنينا هو أن نفهم المعايير العامة التي يحاسب الله الناس بها فتطمئن قلوبنا إلى رحمة الله تعالى وعدله المطلق وحكمته فيزيد إيماننا ونستطيع تقديم خطاب ديني إنساني قادر على إقناع العالمين بعدالته وسمو مبادئه..

أما أنه عمل لدنياه فهذا خلط شائن لأن مفهوم العمل للدنيا يعني أن يعمل الإنسان لشهواته وأهوائه وأن تستغرقه أنانياته الخاصة ويقضي حياته لاهثاً وراء المتع والملذات غير عابئ بمثل عليا ولا بقيم أخلاقية، لكن الجهاد في سبيل الحق والعدل والحرية ليس عملاً للدنيا لأن الله هو الحق العدل وحيثما كان العدل والحق كان شرع الله..

ليس لدي رؤية محددة مع الأسف لكن لدي إشارات كافية في كتاب الله ليطمئن قلبي إليها، منها مثلاً قول الله تعالى عن أهل الكتاب: "وما يفعلوا من خير فلن يكفروه"، وقوله تعالى: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"

في الآية الأخيرة فإن شروط الخلاص الأخروي تتمثل في ركنين رئيسين هما: الإيمان بالله واليوم الآخر، والعمل الصالح، أما الإيمان بالله واليوم الآخر فهو فطري موجود في الأمم والشعوب والثقافات المختلفة وهو يتجاوز خصوصيتنا التشريعية كمسلمين لأن الآية لم تذكر من ضمن الشروط أن يكون من أمة محمد-صلى الله عليه وسلم- وفي آية أخرى: "لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً"، ففي كل الأمم هناك من يؤمن بالله وباليوم الآخر بفطرته وببقية ما في ثقافة مجتمعه من رسالات الأنبياء، أما العمل الصالح فهي كلمة واسعة تشمل كل أوجه البر والخير في هذه الحياة وهل هناك عمل صالح أعظم من أن تحرر شعباً كاملاً من الظلم والاستعلاء وأن تخلص الناس من اتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله عبر التفريق العنصري، فهذا من أعظم الأعمال الصالحة بل إن هذا هو جوهر كلمة التوحيد، والله عز وجل لا يريد من عباده أعمالاً تعود عليه بالنفع الخاص بل إن الأعمال الصالحة هي التي ترجع على الناس أنفسهم بالخير وكلما كان العمل الصالح أكثر نفعاً للبشرية كلما كان خيراً وأبقى: "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"..

ما هي الأعمال الصالحة التي يعملها فريق من المسلمين القاعدين ويتعالون على الخلق بها ويظنون أن الله سيحابيهم على بقية خلقه ويدخلهم الجنة وحدهم بسبب هذه الأعمال، بينما يكب الآخرين في النار دون أن ينفعهم فعل خير ولا عمل صالح؟؟

ثم إننا حين نقول إن هؤلاء يعملون لدنياهم وليس لآخرتهم هل يعني هذا أن أكثر المسلمين متفانون في طلب الآخرة قد طلقوا الدنيا ثلاثاً ونبذوها وراء ظهورهم؟؟

ما أكثر ما نعمل لدنيانا وما أقل ما نعمل لآخرتنا وهذا حال أكثر الخلق بمن فيهم المسلمون وقليل هم الذين يعملون للآخرة فهل يحق لنا وهذه حالنا أن نتهم من يفنون سنوات أعمارهم في سبيل الحق والحرية والعدل أنهم يعملون للدنيا؟ إن الحرية والعدل والحق لا تنتمي لهذه الدنيا بحال من الأحوال بل هي أشواق روحية لما بعد هذه الحياة الدنيا..

تنطلق هذه الأسئلة وما أكثرها من أفكار لا شعورية تحكمنا وهي أن رحمة الله خاصة بالمسلمين في الآخرة وأن كل من هم خارج دائرتنا الأيديولوجية هالكون سيكبون على وجوههم في النار، وهو ذات المرض الذي أصاب من سبقنا من أهل الكتاب حين قالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ثم يقول القرآن: "كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم تشابهت قلوبهم" فمن هم هؤلاء الذين لا يعلمون الذين يقولون نفس أقوال اليهود والنصارى بأن رحمة الله وجنته خاصة بهم وليست لأحد من الخلق دونهم: "قل فلم يعذبكم بذنوبكم" "بل أنتم بشر ممن خلق"

أظن أن رحمة الله تعالى أوسع كثيراً مما نظن نحن المسلمين وأن الله هو رب العالمين فسيعامل خلقه كلهم بمعيار واحد قوامه العدل والقسط والرحمة والحكمة فلنشغل أنفسنا بنشر الحق والعدل والخير في هذا العالم بدل أن نحشر أنوفنا فيما لا علم لنا به..

والله أعلم..

abu-rtema@hotmail.com

 

 

هل جعل الإسلام

حدوداً لحرية التفكير؟ "1"

أحمد أبورتيمة

من أخطر الدعاوى التي يدعيها فريق من المسلمين ويردون بها على أي مناقشة فكرية قولهم إننا مسلمون وليس في الإسلام حرية تفكير على إطلاقها بل هناك ضوابط ينبغي التوقف عندها!!.. مشكلة هذا القول لا تتوقف عند دلالته الحرفية بل تتعداها إلى النتائج المترتبة على طريقة استعماله الذي يقود إلى آثار فكرية وحضارية خطيرة إذ إنه تحت دعوى الضوابط يمكن أن تجهض أي عملية فكرية ويمكن لأي واحد أن ينصب نفسه قاضياً فيحاكم الناس إلى فهمه ويتهم من يتجاوز هذا الفهم بأنه تخطى حدود الدين ذاته، وبذلك فإن القول بضوابط الحرية الفكرية ما هو إلا تعبير جذاب عن تقويض حرية الفكر من جذورها...

مشكلة الذين يقولون بحدود حرية التفكير أن الإسلام في نظرهم هو فهمهم ومبلغهم من العلم لذلك فإن الحدود التي يقصدونها عملياً لا تعني ألا تتجاوز دين الله بل أيضاً ألا تتجاوز آراءهم وأفهامهم البشرية لأن هذه الآراء هي الميزان الذي يحاكمون الناس إليه فلا يحق لأحد أن يرى ما لا يرونه وإلا عدّوه خارجاً عن الدين وعدواً لله ولرسوله وللمؤمنين.. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن آراءهم متفاوتة فهذا يعني أنه صار بوسع أي أحد أن يمارس الإرهاب الفكري ضد كل صاحب رأي بحجة تجاوزه لحدود الإسلام وهو يقصد بالإسلام فهمه طبعاً فنحن أمام نسخ متعددة من الإسلام بقدر تعدد آرائنا وكل رأي من هذه الآراء هو الإسلام الذي يحرم الخروج عنه ويحق محاكمة من يخرج عنه وربما استباحة دمه!!

القول بضوابط حرية التفكير يعني أن الله يقيد عقولنا ويحرم علينا التساؤل وبذلك فإنه لا يسعنا ما وسع سقراط وأرسطو من التفكير الحر لأن الفكر الحر يتعارض مع الإسلام كما يزعمون فإذا قال أحد الناس:  أريد أن أفكر بحريتي فإنهم يقولون له إن الإسلام ليس مكانك الصحيح وإن لم يكن مسلماً فكأنهم يقولون له لا تدخل الإسلام إلا إذا تخليت عن حريتك الفكرية، وبذلك صرنا فتنةً للذين كفروا نصد عن سبيل الله وننفر الناس من دين الله لأن الحرية مقدسة في نفوس أحرار العالم ومن غير المتوقع حين نضعهم بين خيارين إما الفكر الحر وإما الفكر المقيد أن يختاروا الثاني..

هل حقاً أن الدين يقيد حرية التفكير أم أننا نحن المسلمين من وضعنا على عقولنا الإصر والأغلال وأسأنا فهم ديننا وقيدنا أنفسنا بما لم ينزل به الله سلطاناً!!

أولاً إن الحديث عن حدود لحرية التفكير يلغي أي قيمة لحرية التفكير من أساسه فالتفكير بطبيعته عشوائي ومنطلق في كافة الاتجاهات والأسئلة تقفز إلى عقل الإنسان فجأةً دون استئذان وتلح عليه ويستحيل أن تقول لإنسان فكر بحرية لكن في اتجاه واحد ولا تفكر في الاتجاه الآخر.. إن أي حد يوضع أمام حرية التفكير ينسف مبدأ الحرية من أساسه ويصبح كأنه لم يكن فالقول بأن هناك حرية فكر ولكن بحدود قول متناقض فإما أن نقول هناك حرية تفكير لا تتجزأ وإما أن نقول إنه لا حرية للتفكير ولا سبيل بينهما...

ثانياً إن الدين يقيم بناءه على أساس حرية الفكر الكاملة وتقديم الإجابات الشافية على كل الأسئلة التي يمكن أن تخطر في قلوب البشر ويقدس البرهان كمعيار للحق فلا دعوى إلا ببرهان، والقرآن يخضع أي مسألة لمعيار البرهان وحده وحتى القضية الوجودية الكبرى وهي قضية الألوهية فإن القرآن يثبتها بالبرهان ويفتح باب المحاورة الفكرية أمام المشركين ليدلوا بما عندهم من أدلة وبراهين على صدق دعواهم بوجود إله غير الله: " ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه" فمنطلق ذم القرآن لهؤلاء المشركين هو مجانبتهم لأسس المنهج العلمي واتباعهم الظن وتقديم دعوى بغير دليل، وليس لأنهم أطلقوا العنان لتفكيرهم فالظن والهوى مخالف لأسس التفكير العلمي وليس صفةً له... وهذا الأسلوب القرآني في مطالبة المخالفين بالالتزام بأسس الحوار الفكري حاضر بقوة حتى يسهل ملاحظة أنه سمة رئيسة من سمات المنهج القرآني.. تأملوا مثلاً: " قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"، "قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون "،    "قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون" " ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ"

إن مطالبة القرآن للمخالفين بالالتزام بالمنهج العلمي المتمثل في ضرورة الاعتماد على البرهان ليس قيداً على حرية التفكير بل إن الالتزام بالبرهان وحده هو الذي يحرر المجادلة الفكرية من آفات الهوى والظن ويحقق الحرية الفكرية الحقيقية...

القرآن هو كتاب هداية إلى الناس من خالقهم ومع كونه علوي المصدر وقدرته على اعتماد أسلوب الأمر وحده إلا أنه يتخذ من طريقة الإقناع العقلي عماده وليس سلطة الإجبار الفوقي...تأملوا هذه الآية:" أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة".. إن الله تعالى يستعمل المنطق البشري البسيط للرد على دعوى قيلت بحقه بغير علم مع أنه كان قادراً على النفي وحسب دون اضطرار إلى الاستغراق في كل هذا التبيان والإقناع العقلي، ولكنه يبث فينا روح اعتماد العقل أساساً لمعرفة الحق.. والقرآن لا يتخلى عن منهج المحاججة العقلية حتى في أقصى الحالات التي يسيء فيها الناس الأدب مع خالقهم فحتى حين اتهم اليهود الله تعالى بأن يده مغلولة كان المنطق العقلي حاضراً في الرد: " بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"... إننا نحن البشر لو أسيء الأدب إلينا أو اعتدي على حقنا فإننا ننسى أي لغة للمنطق والعقل ونرد الشتيمة بأضعافها ونعد الحديث بالعقل في مواجهة الشتيمة علامة ضعف واستسلام لكن رسوخ منهج القرآن في احترام لغة العقل والحجة يبلغ حداً أنه لا يتخلى عنه حتى في مواجهة أولئك الذين يسيئون الأدب ويتخلون عن المنهج العلمي في مخاطبة الله تعالى..

يتبع....

abu-rtema@hotmail.com

 

 

أدلجةالمعرفة وتسييسها

أحمد أبو رتيمة

تمارس الجماعات والأنظمة أسلوب التحشيد الجماهيري والتعبئة الإيديولوجية والتوعية الانتقائية بهدف توظيف المعرفة لتحقيق أهداف سياسية فتستحضر من الحقائق ما يؤكد رؤيتها الإيديولوجية والسياسية بينما تسقط أو تخفي المعرفة التي لا تخدم هذه الأهداف.. هذا الأسلوب تتورط فيه أيضاً أنظمة ديمقراطية حيث تسخر أدواتها الإعلامية في صياغة الوعي الجماهيري في الاتجاه الذي تريده فتضخم التركيز مثلاً على جرائم أحد الأنظمة الدكتاتورية لتبرير اتخاذ موقف سياسي ضده بينما تتغاضى عن جرائم لا تقل وحشيةً يرتكبها نظام آخر لأن مصلحتها السياسية تقتضي السكوت عليه...

أسلوب استحضار النصوص والشواهد بشكل انتقائي لا يتضمن إيذاءً مباشراً للشعوب التي يمارس عليها لأنه يستند إلى الإقناع الفكري والتأثير العاطفي وغالباً ما يقدم حقائق صادقةً لكنه مع ذلك أسلوب غير إنساني لأنه يفرض على الشعوب وصايةً فكريةً ويحول بينها وبين المعرفة الشاملة و يحرمها من رؤية الصورة الكاملة بكل أجزائها ولا يقدم لها فرصاً متكافئةً تتيح لها اختيار الرأي الذي ترتئيه مبنياً على معطيات كافية بل ترسم لها مسارات محددةً يتحتم عليها السير فيها في ضوء عدم القدرة على رؤية مسارات أخرى..

أسلوب التضخيم الإعلامي الانتقائي هو سحر بالمصطلح القرآني فحقيقة السحر الذي كان يمارسه فرعون ليثبت به دعائم عرشه كان الاعتماد على قوة الإيحاء والتأثير في وعي الجماهير: " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى"... السحر هو التأثير على وعي الناس لإخضاع إرادتهم واسترهابهم: " وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم".. وهذا الدور تحديداً هو ما تقوم به ماكنات الإعلام الأمريكية ضد شعبها كما فصل في ذلك المفكر الأمريكي نوعام تشومسكي في كتابه "السيطرة على الإعلام" فهذا الإعلام يستعبد الناس ليس بالشكل المباشر المستفز لكرامتهم والمحرض لهم على الثورة إنما بتشكيل وعيهم في الاتجاه الذي تريده النخبة الحاكمة فتوهمهم أنهم أحرار يختارون رأيهم بأنفسهم لكنهم لا يتفطنون إلى أن المصادر التي تشكل وعيهم تنتقيها لهم شبكات مصالح وأن هذه المصادر لا تتيح لهم حرية الفكر إلا في اتجاهات مرسومة... 

توظيف المعرفة في التحشيد السياسي  والتعبئة الأيديولوجية هو ضرب من الوصاية على الناس لأنه يفترض أنهم أقل وعياً وأنه لا يوثق باختياراتهم في الحياة فوجب أن يكون هناك من يقرر لهم طريقهم كما أن هذا التسييس للمعرفة يعطي إشارةً على اهتزاز الثقة بالأساس الأخلاقي الذي نستند إليه فنحن نريد للناس أن يظلوا بين جدران مغلقة لأننا نخشى إن خرجوا إلى ضوء الشمس الساطع وحصلوا على معلومات أخرى أن يهتز إيمانهم وانتماؤهم وأن تدفعهم هذه المعرفة الجديدة إلى اعتناق موقف سياسي مناقض لمصالحنا..

من حيث المبدأ فإن التوظيف السياسي للمعرفة واستحضارها بانتقائية هو خيانة لأمانة العلم ولكلمة الحق لأن العالم لا يهمه شيء سوى الاهتداء إلى الحقيقة سواءً كان ذلك في مختبر الأحياء والفيزياء أو في حقول العلوم الإنسانية مثل النفس والاجتماع والتاريخ وغيرها.. إن العالم الحق يستعصي على الأدلجة والاحتواء وليس من وظيفته حين تتبين له حقيقة علمية أن يراعي الفريق الذي ستنفعه هذه الحقيقة والفريق الذي ستضره وأن يتنبأ كيف سيتم توظيف هذه الحقيقة.. وظيفته تتمثل في تبيان هذه الحقيقة المجردة: " لتبيننه للناس ولا تكتمونه" فمن حرف هذه الحقيقة عن مواضعها وطوعها لهواه من بعد ذلك فإنما إثمه على الذين يبدلونه..

تحدث الله عن مرض إنساني أصاب بني إسرائيل وهو مرض عام يصيب أي قوم آخرين وهو الاستحضار الانتقائي للعلم وأدلجته وتسييسه بما يخدم الأهواء: " تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًاً "..

ضرر أدلجة العلم ليس روحياً وحسب بل له ضرر سياسي أيضاً لأنه يحكم على أبناء المجتمع بالبقاء رهن طريقة واحدة في التفكير وبرؤية جزء من الحقيقة فقط وبذلك تحرم المجتمعات نفسها من الرؤية الشاملة التي يبنى عليها قرارات صحيحة وتظل هذه المجتمعات مخادعةً لنفسها تعيش على الوهم المريح فالمعرفة الانتقائية تعني استحضار الشواهد على فضائل الذات وميزاتها وفي المقابل استحضار كل الشواهد التي تعزز شيطنة الأعداء ويؤدي هذا بالضرورة إلى الغفلة عن أخطاء الذات مما يعني تفاقمها كما سيؤدي إلى بخس الأعداء أشياءهم والتهوين من عناصر قوتهم مما سيحرمنا من تقدير قوتهم والاستعداد الكافي لهم، وهذا التفكير الرغائبي الذي يشبه ما يسميه القرآن اتباعاً للأهواء: " وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ" يصرفنا عن الدراسة الموضوعية للواقع وينتج مواقف عاطفيةً لا تستند إلى معطيات صحيحة..

كتبت ذات مرة عن إيجابيات المجتمع الإسرائيلي مثل العدالة الداخلية، والتداول السلمي للسلطة والتقدم العلمي فرد أحد الإخوة أن الحديث عن محاسن لإسرائيل ليس مثمراً وأنه لا يخدم فكرة التحشيد ضدها، لكن رأيي كان هو أن المعرفة مطلوبة لذاتها والحشد يجب أن ينطلق من رؤية صحيحة متكاملة حتى لا تستغرقنا العواطف ونحرم أنفسنا من القراءة الصحيحة للواقع فتصدمنا النتائج، والتحشيد المبني على العاطفة خطر على العقل والحكمة ونحن نريد أمةً مفكرةً قائدةً لا أمةً مقادةً، والمعرفة يتكامل بعضها ببعض ويصحح بعضها بعضاً فالمشكلة ليست في أن نعرف إيجابيات أعدائنا بل في ألا نرى الصورة كاملةً وأن نتوقف عند معلومة مجتزأة وألا نواصل سعينا الدائب للحقيقة المقدسة...

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

مفهوم الابتلاء وأخطاؤنا البشرية..

أحمد أبو رتيمة

 

الابتلاء هو الاختبار، وكما يعرفه المفكر خالص جلبي فهو يعني إدخال الفكرة إلى مختبر الممارسة العملية، فالذي يدعي أنه لا يخاف من الموت مثلاً ابتلاؤه في تعرضه لخطر الموت ليرى صدق ادعائه من كذبه، وهكذا فإن لكل دعوى ابتلاءً من جنسها: "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون"، بهذا المفهوم فإن الابتلاء شرط ضروري لنجاح العمل، فهو يأتي في سياق إيجابي للتأكد من صدق الدعاوى، ولولا الابتلاء لكثر الزيف والخبث ولسهل على أي أحد أي ادعاء..  

الابتلاء ليس عاملاً خارجياً بل هو من جنس الدعوى، وهو ليس تبريراً للفشل واستسلاماً له بحجة الابتلاء، فهذا خلط خطير بين الإلهي والبشري يؤدي بنا إلى أن نبرر إخفاقاتنا بإرادة الله بدل أن نراجع أنفسنا ونحاسبها!!

الابتلاء لا يحتم علينا البقاء في حياة الفقر أو المرض أو السجن، لأن أي حالة نكون فيها من فقر أو غنى، عافية أو مرض، سجن أو حرية، فهي ابتلاء، الابتلاء لا يقتصر على جانب الشر وحده بل إن الخير أيضاً ابتلاء: " ونبلوكم بالشر والخير فتنة"، ومثل سليمان عليه السلام في القرآن يوضح لنا اتساع مفهوم الابتلاء، فبعد أن آتاه الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده اعتبره ابتلاءً قال: " ليبلوني أأشكر أم أكفر".

اتساع مفهوم الابتلاء وتنوع صوره يحرره من الارتباط بالجبرية التي تعيق العمل وترهن أصحابها في حالة لازمة من الفقر والجهل والفشل، فإذا كان الابتلاء ملازماً للمرء في جميع أحواله حتى لو ملك الدنيا كلها فإلى أي أساس يستند الفاشل في زعمه بأن ابتلاء الله هو سبب فشله!!

أصيب المسلمون في غزوة أحد ورسول الله بين ظهرانيهم فلم يقل لهم القرآن إنه ابتلاء- رغم أنه كان ابتلاءً بالتأكيد في أحد وجوهه- بل قال لهم: " قل هو من عند أنفسكم" فالجانب المتعلق بنا نحن البشر هو البحث عن أخطائنا وتصويبها، أما الابتلاء والأجر فهو متعلق بعمل الله عز وجل يدبره بحكمته دون أن يفرض علينا مساراً جبرياً في الحياة.

الحالة النموذجية للابتلاء لا تكون في بقاء الإنسان على حالة واحدة من السجن أو الفقر أو المرض، لأن البقاء على حالة واحدة يجعل صاحبها يألفها ويتعامل معها بأنها أحد مكونات حياته فيتوقف إيمانه عن التجدد ولا يظل هذا الابتلاء صالحاً لقياس مستواه الإيماني... مثال ذلك أن يظل الإنسان سجيناً طول عمره فهو في أول عهده بالسجون سيكون حياً في تفاعله مع هذا الابتلاء وسيزكي السجن نفسه لكن طول إلفه بالسجن ربما يميت هذا التفاعل في قلبه فلا يعود السجن مثيراً للرصيد الإيماني الكامن في نفسه وستتحول معايشته للسجن إلى تقليد جامد فتموت من قلبه معاني الصبر ومجاهدة النفس، لقد حدثني أحد السجناء أن مفهوم الشهوة في السجن هو أن ينظر السجين إلى صورة مذيعة الأخبار في التلفزيون!! الشاهد هو أن الإنسان الذي يطول إلفه مع المعاناة يتعايش معها ويمارس اختياراته في الحدود التي تتيحها له ظروف الحياة الجديدة ولا يظل في حيويته الإيمانية، فحقيقة جدلية الإنسان هو التذبذب الدائم مما يجعل الحاجة ملحةً دائماً لابتلاء من نوع جديد، وما ينطبق على السجن ينطبق على كل أصناف الابتلاءات الأخرى فالفقير يتعايش مع فقره والمريض يتعايش مع مرضه والمقاتل يتعايش مع أجواء الحروب والدماء إذا طال عهدهم بها: "طال عليهم الأمد فقست قلوبهم" فلا تعود الظروف المعيشية القاسية مقياساً للحالة الإيمانية لصاحبها لأن الإيمان يتحقق بالاختيار الحر وليس بالتعود الإجباري..

يضرب لنا القرآن مثل يوسف عليه السلام في الابتلاء، فحياته تنوعت بين صنوف الابتلاء المختلفة من إلقائه في الجب إلى فتنة امرأة العزيز إلى فتنة اتهامه زوراً ثم فتنة دخول السجن ثم فتنة الملك المختلفة تماماً عما سبقها، ومع كل ابتلاء جديد كانت هناك استجابة متجددة، وبذلك يظل الإيمان في حالة تجدد لا يجمد في حالة واحدة...

 الابتلاء يعني أن يستجيب البشر استجابةً حيةً مبدعةً لظروفهم المستجدة، أما الفشل فيعني أن هناك خللاً بشرياً يتطلب المراجعة والتصويب.

إن أحدنا لم يطلع على الغيب حتى يزعم بأن الله لم يكتب له النجاح فيتوقف عن المراجعة والسعي، وإذا كنا نقول إن الفشل كان بتقدير الله فإننا حين نراجع الأسباب ونعيد المحاولة وننجح فسيكون ذلك بتقدير الله فنحن نفر من قدر الله إلى قدر الله وما دام النجاح والفشل والعافية والمرض والغنى والفقر كلها أقدار إلهية فهذا  يلغي اعتذارنا بقدر الله عن أي نتيجة تصيبنا لأن نقيضها هو قدر الله أيضاً فلا بد من إطلاق الجهد الإنساني وتصويب المسار في ضوء الأسباب البشرية..

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

صنمية التنظيم وقصور الإبداع النضالي

أحمد أبورتيمة


 



عبر التاريخ كان قيام الأحزاب مبرراً في تحقيق أهداف وطنية أو دينية، فالحزب وسيلة وليس هدفاً قائماً لذاته، لكن ما يحدث مع مرور الوقت هو أن الوسيلة تتحول إلى غاية فيكون تضخم الحزب والعكوف عليه واكتسابه مركزية القضية التي منحته مبرر وجوده، وحينها يكون انحراف البوصلة عن الأهداف الكبرى، والانشغال بالمحافظة على جسم التنظيم وتسمينه وحمايته من الأخطار.

حين يحدث هذا الانحراف تتبدل الأولويات فيصبح العمل الوطني خاضعاً لمقاييس التنظيم وليس العكس، وربما تأثرت الأنشطة الوطنية في ضوء الحسابات التنظيمية التي تفقد أصحابها كثيراً من المرونة، وتقيد انطلاقتهم الحرة، فما كان مسموحاً به خارج دائرة التنظيم ومحققاً للأهداف الوطنية بفاعلية يتحفظ التنظيم عن القيام به حين ترد شبهة تأثر مصالحه التنظيمية بهذا النشاط الوطني، وفي هذه الحالة فإن العمل الوطني سيفقد تركيزه وزخمه لأنه لم تعد هناك غاية واحدة تتركز عليها الجهود وتنصب إليها الأنظار بل غايات متفرقة وشركاء متشاكسون فتتشتت الجهود وتضعف قوة الانطلاقة في ظل توزيع الاهتمام بين التنظيم والوطن..

إذا كان متفهماً ضرورة وجود التنظيم ليكتسب العمل الوطني قوةً وليكون هناك إطار ناظم للجهود الفردية وللتنسيق بين القوى المبعثرة فإن محافظة التنظيم على مبرر وجوده مرهونة ببقاء فاعليته الوطنية وعدم تضخمه إلى الحد الذي يكسبه مركزيةً تشغل أبناءه عن القضية الأساسية، وحين يعطى التنظيم المركزية على حساب الوطن فإنه يتحول إلى صنم!...

فكرة الصنم تعني باختصار الجمود الفكري والتوقف عن التجديد والإبداع وتحول الوسائل إلى غايات، فالمشركون قالوا: "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"، أي أن الأصنام المعبودة من دون الله كانت في بادئ أمرها لغاية خيرة وهي التقرب من عبادة الله ثم صارت معبودةً ومقصودةً لذاتها، ونفس الفكرة في جدلية الوطن والتنظيم، فالتنظيمات تنشأ ابتداءً لخدمة الوطن، لكن المبالغة في الحفاظ على التنظيم والانشغال عن الوطن يعني أن أبناء التنظيم يقولون بلسان الحال: ما نعبد التنظيم إلا ليقربنا إلى الوطن زلفى!!

إذا أردنا أن يظل التنظيم فاعلاً في اتجاه تحقيق الأهداف الوطنية فلا بد من امتلاك مؤشر حساس يحذرنا من أي بادرة انحراف حتى لا يحدث الخلط القاتل بين موقع الوطن وموقع التنظيم،

هذا المؤشر يقول إن التنظيم مهما كانت وطنيته وتضحيات أبنائه فهو في النهاية ليس الوطن بل وسيلة إليه مما يعني أن يخضع للمراجعة في ضوء مدى نجاحه في الاقتراب من الأهداف الوطنية، وحين تتراجع المفردات الوطنية وتتقدم الأجندة التنظيمية في خطاب أي تنظيم فهذا مؤشر على أننا نسير في طريق الانحراف، وأن التنظيم لم يعد فاعلاً في اتجاه الغاية التي أنشئ من أجلها، وأنه قد فقد المرونة التي تمكنه من الالتفاف على المعيقات واستمرار المسير في الوجهة الصحيحة وأصيب بحالة جمود معطلة..

في الحالة الفلسطينية لا تخطئ العين حالة الجمود القاتل الذي أصاب العمل التنظيمي عموماً مما يطرح تساؤلاً إن كانت التنظيمات الفلسطينية لا تزال فاعلةً وطنياً أم أنها استنفدت دورها التاريخي وصارت عبئاً على القضية التي أنشئت من أجلها فوجب التفكير خارج الإطار..

في اعتقادي أن الفصائل الفلسطينية لم تعد مؤهلةً في شكلها الحالي لتحقيق اختراق وطني، ولإبداع وسائل نضالية جديدة تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية وتشكل ضغطاً حقيقياً على الاحتلال، فالعمل التنظيمي منذ سنوات يكرر نفسه دون تطوير يكافئ تطوير الاحتلال لوسائله العدوانية، والمحافظة على سلامة التنظيم صارت تستنزف حيزاً كبيراً من طاقة أبنائه وقياداته، والخطاب الإعلامي للتنظيمات أقرب إلى الشعارات منه إلى البرامج العملية، وفي ضوء هذا الواقع أستشرف أن يأتي الاختراق النضالي من خارج عباءة العمل التنظيمي التقليدي، لأن الاختراق وتجاوز مربع الجمود يحتاج إلى روح جديدة لم تعد موجودةً داخل أسوار التنظيم..

شهدنا في السنوات الأخيرة محاولات لتجاوز واقع الركود التنظيمي من هذه المحاولات مسيرات العودة، وتظاهرات بلعين ونعلين، وقرية مجدل شمس، وحملات المقاطعة الدولية للاحتلال، وأخيراً ائتلاف شباب الانتفاضة، ومثل هذه المحاولات التي يقوم بها شبان فلسطينيون من خارج الأطر التقليدية تسعى لاستلهام روح الثورات العربية وإعادة الحيوية لنضالنا الوطني، والتنبيه إلى بوصلة الوطن التي زاغت عنها الأبصار.

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

الفوائد المعجلة للإيمان

أحمد أبورتيمة

 

يظن فريق من الناس أن جزاء الإيمان مؤجل إلى الآخرة، وأن حياة المؤمن في هذه الدنيا محكومة بالمتاعب والابتلاءات الدائمة وحرمان النفس من الملذات، وقد أدى هذا التصور الخاطئ إلى فتنة كثير من الناس وتفضيلهم الانغماس في الملذات والشهوات العاجلة عن جزاء مؤجل لا يرونه قريباً..

إن هذا التصور يتناقض مع ما يقرره القرآن من أن الحياة الطيبة في هذه الدنيا هي من نصيب المؤمنين:  "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" بينما من يعرض عن ذكر الله فإن له معيشةَ ضنكاً في الدنيا قبل الآخرة، إن جنة المؤمن تبدأ منذ اللحظة التي يلامس فيها الإيمان شغاف قلبه، وما جنة الآخرة إلا امتداد للجنة التي صنعها في قلبه في هذه الدنيا..

هدية الإيمان تكمن فيه ذاته فلو لم يكن للإيمان جزاءً أخروياً لكان جديراً أن يتبعه الناس في هذه الدنيا لما يمنحهم إياه من شعور بالسعادة والطمأنينة.

يذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن الذي يجد حلاوة الإيمان يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار، ودلالة هذا الحديث واضحة في أن لذة الإيمان في الدنيا تبلغ بالإنسان حد أنه يرى العذاب النفسي للكفر في ذات درجة عذاب النار، فالإنسان لا يؤمن ابتغاء جنة الآخرة وحسب بل يؤمن لأنه لا يستطيع أن يعيش في هذه الحياة إلا بالإيمان..

 المؤمن هو القادر على استكشاف الوجه الإيجابي للحياة لأنه يرى نعم الله سابغةً عليه ظاهرةً وباطنةً حتى في المحنة يستطيع أن يرى وجه المنحة فهو بذلك يحتفظ بنظرة تفاؤلية تجاه الحياة..

إن ما يراها الناس أشياءً عاديةً روتينيةً مملةً بفعل إلفهم وطول معايشتهم لها يراها المؤمن نعمةً متجددةً فيمتلئ قلبه رضاً وشكراً تجاهها فيتعزز التفاؤل في نفسه ويقبل على هذه الحياة بإيجابية ونشاط..

لا يوجد أشياء عادية من منظور الإيمان، أبسط الأشياء وأكثرها إلفاً مثل لقمة الطعام وشربة الماء والنوم في أمان، والعافية في الأهل والبدن والمال، كل يوم تستيقظ فيه فتجد نفسك لا تزال حياً محاطاً بهذه النعم يمثل هبةً إلهيةً إضافيةً تستحق تجديد الشكر والامتنان، هي نعم متجددة وليست لمرة واحدة فقط، ، وبذلك يظل المؤمن في حالة متجددة من الشعور بالسعادة،

 إن غير المؤمن يتمتع ويأكل كما تأكل الأنعام ثم ينام ملء جفونه دون أن يتفكر في أن هناك من الناس من افتقدوا هذه النعم اليسيرة فلا يشعر بقيمة هذه النعمة ويتعامل معها بأنها روتين فلا يجد فيها داعياً للشكر والامتنان فتصير الحياة بكل مباهجها وجمالها مصدراً للضجر والملل في نفسه، أما المؤمن فهو قادر على ملاحظة أبسط الأشياء والتفكر في أهميتها فيتضاعف استمتاعه حتى بلقمة الطعام وشربة الماء والنوم الآمن ويرى حياته دائمةً متجددةً  فيتحرر من حالة الروتين والبلادة التي أصيب بها من "طال عليهم الأمد فقست قلوبهم".

مصدر سعادة الإنسان ليس وجود النعمة بل شعوره بوجودها وموقفه منها، فهناك من يمتلك قصوراً فاخرةً وبساتين عامرةً وأرصدةً ماليةً ضخمةً لكنه مع ذلك دائم الشكوى والتذمر والتأفف، أما الذي يشكر النعمة مهما كانت متواضعةً في أعين الناس ويتفكر في قيمتها فهو الذي تتضاعف سعادته، لذلك فإن القرآن يدعونا إلى تذكر نعم الله: "اذكروا نعمة الله عليكم" لما في التذكر من تعزيز للمعاني الإيجابية في نفوسنا..

لا تقتصر فائدة الإيمان على الناحية الشعورية وحدها بل إن الإيمان هو الذي يضع أقدام الإنسان على طريق الفكر والعلم والإبداع، المؤمن الحق هو الذي يتمتع بيقظة فكرية دائمة لأنه قد تحرر من إلف الأشياء فهو لا يرى الأشياء من حوله عاديةً طبيعيةً إنما يرى كل شيء بأنه محدث من الله بعد أن لم يكن لذلك فالمؤمن دائماً يطرح سؤال ماذا لو؟؟ ماذا لو لم تكن الجبال أوتاداً وماذا لو لم تكن الأرض مهاداً وماذا لو كان الليل سرمداً إلى يوم القيامة أو لو كان النهار سرمداً إلى يوم القيامة، بل ماذا لو كان هناك أكثر من إله في السماء والأرض؟ ماذا لو لم يخلقنا الله أزواجاً ذكراً وأنثى؟ ماذا لو كانت كل الشعوب تتكلم بلسان واحد ولم يكن هناك اختلاف في الألسنة واللغات؟؟..

إن القدرة على طرح سؤال "ماذا لو؟" هو الذي يحررنا من أسر المألوفية ويطلق عنان الخيال ويحرك الفكر من جموده..

لقد وصف الله الناس بدون إيمان بأنهم عن آيات الله معرضون وغافلون: "وكم من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون".. هذا الإعراض والغفلة هو البلادة العقلية والجمود الفكري، فغير المؤمن هو الذي عطل حاسة النقد الفكري وأمات روح التساؤل في نفسه، فلم يعد قادراً على استكشاف أسرار الحياة وملاحظة قوانينها.

إن إلف الأشياء يقتل روح التساءل في الإنسان ويصيبه بالبلادة: "قد مس آباءنا السراء والضراء".. أي لا يوجد في الأحداث من حولنا ما يستدعي التساؤل والتفكر فهذه هي وتيرة الحياة المملة..

الإيمان ليس سوى السعادة الروحية واليقظة الفكرية في هذه الحياة، بالطبع قصدت الإيمان الحي وليس ذلك النوع الطقوسي البارد.. 

abu-rtema@hotmail.com

 

 

لماذا القلب وليس العقل؟؟

أحمد أبورتيمة

القرآن لا يستعمل مصطلح "العقل" كجهاز مسئول عن وظيفة التفكير في جسم الإنسان، ويستعمل عوضاً عنه مصطلح القلب: "القلوب التي في الصدور"، فما هي أبعاد اعتبار القلب جهاز الفكر في الإنسان؟؟

القلب في القرآن يأتي بوظيفة ثنائية الأبعاد فهو من ناحية جهاز الإدراك: "لهم قلوب لا يفقهون بها"، ومن ناحية أخرى جهاز للشعور: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"، القلب ذاته هو الذي يدرك ويفقه ويخشع ويطمئن فهو مزيج بين الإدراك والشعور..

في استعمالنا البشري جرت العادة على التفريق بين العقل والعاطفة واعتبارهما متناقضين، فالعقل محله الدماغ في الرأس، بينما العاطفة محلها القلب، وقد أدى هذا التفريق إلى انفصال خطير في الحياة، فالعلم شأن العقل ولا علاقة له بالعواطف والأحاسيس، فأنتج هذا الانفصام أستاذاً جامعياً حائزاً على أعلى الدرجات العلمية لكنه لا يتحلى بأي مسئولية أخلاقية، وربما يستغل ذكاءه في القتل والشر، بينما هناك عجوز ليست على قدر من العلم تتمتع بشعور أخلاقي عال وطيبة قلب، ومع ذلك فليس لها أي حظ من التكريم في المجتمع.

لقد أدت مركزية العقل وليس القلب إلى كوارث وحروب في تاريخ البشرية حيث صار الذكاء والعلوم الأكاديمية هي مقياس الأفضلية ولم تعد هناك قيمة للشعور القلبي النبيل!! أرأيتم كم هي بذور الأفكار خطيرةً!!

هذا الفصل المتعسف بين العقل والعاطفة لا يستقيم مع حقيقة الإنسان ذاته، فالإنسان مزيج مركب من الإدراك والشعور، ولا وجود لإنسان أكاديمي مجرد منفصل عن عواطفه ومشاعره، والعلم الذي ليس له أثر إنساني لا قيمة له، لذا فإن العلم حتى يكون مثمراً فإنه يجب أن يرتبط بشعور أخلاقي من صاحبه تجاه الناس ورغبةً في خدمتهم، وهنا نفهم وصف القرآن ليعقوب: "وإنه لذو علم لما علمناه"! كأن الذي لا يترك علمه أثراً في حياته ليس بذي علم أصلاً، والعلم المعتبر في القرآن هو الذي يقود إلى الخشية أي إلى نتيجة شعورية "إنما يخشى الله من عباده العلماء"..  

استعمال القرآن للقلب بدل العقل يأتي موافقاً لطبيعة الإنسان "ثنائية القطب" -حسب تعبير بيجوبتش-، حيث لا يمكن أن ينفصل فكره عن شعوره، فلا بد من مصطلح يجمع الأبعاد المتعددة في مزيج واحد، والجدير ذكره أن الطبيعة الثنائية هي سمة عامة للمصطلحات القرآنية، فلو تأملنا مصطلحات مثل "الإيمان- العلم- التقوى" لوجدنا كلاً منها يحمل أبعاداً ثنائيةً، فالإيمان مثلاً بالإضافة للبعد الروحي المعروف يحمل بعداً فكرياً: "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير"، "حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم"، في الآية الأخيرة تبرز أحد خصائص المنافقين وهي بلادة الفهم، وهي مشكلة فكرية محضة..

استعمال القرآن لمصطلح القلب كجهاز للمعرفة يجعل هذه المعرفة نابضةً بالحياة، فالإنسان لا يتفاعل مع الحقائق إلا حين يعايشها ويشعر بها، وهذا ما يبين لنا سر المفهوم الإسلامي بأن الإيمان يزيد وينقص، فالمعرفة الأكاديمية لا تزيد أو تنقص فلا يستقيم مثلاً أن يقول إنسان لقد زاد إيماني بأن 1+1=2 ، فهذه معرفة في درجة واحدة وحسب..

أما المعرفة التي تزيد وتنقص فهي المعرفة القلبية الممتزجة بالشعور، ولعل هذا ما دفع إبراهيم عليه السلام أن يسأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى مع إيمانه المسبق بذلك فربما أراد إبراهيم برؤية إحياء الموتى أمامه أن ينتقل من التصديق العقلي إلى التصديق القلبي: "قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي"..

كان والد الفيلسوف محمد إقبال رحمه الله يقول له: اقرأ القرآن كأنما يتنزل عليك.. وهي نصيحة لنا جميعاً أن يكون لكل واحد منا تجربته الشعورية الخاصة به مع القرآن فتتجدد نفوسنا ونحن نتدبر آيات الله ونتفاعل معها بقلوبنا ولا نقتصر على العلوم التفسيرية ذات المنطق البارد..

إن منظومتنا الثقافية تنتج مع الأسف معارف أكاديميةً ومحفوظات آليةً ولا تشجع الإنسان على أن يحقق إنسانيته ويروي ظمأه الروحي بأن تكون له تجربته الشعورية الخاصة به وأن يتفاعل مع حقائق هذا الوجود بقلب شاعري فيقبل على الحياة محباً مبدعاً بعد أن رأى كل ما فيها جديداً ورائعاً ومدهشاً..

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

الاستعصاء التاريخي

أحمد أبورتيمة

يعني الاستعصاء أن تصل الأمم والأقوام إلى حالة جمود فكري وموت روحي تتوقف فيها عن تجديد نفسها وتعجز عن الاستمرار في العطاء الحضاري فتفقد مبرر وجودها التاريخي وتنكمش على نفسها وتتجمد في مربع من الزمن تعكف على أصنام من التقاليد والموروثات لا تبرحها.. في هذه الحالة تنعدم أي إمكانية للإصلاح وتحارب كل دعوة للعقل وتتعطل آليات المراجعة والتصويب "النفس اللوامة" فتصم الآذان وتستغشى الثياب في مواجهة كل فكرة جديدة ويقتل الآمرون من الناس بالقسط فتصبح هذه الأمم عبئاً ثقيلاً على الحضارة البشرية.

مؤشر حياة الأمم هو مدى قدرتها على التجدد الدائم ومدى فاعلية آليات النفس اللوامة فيها للتأشير الدائم على المسار الصحيح وقدرتها على التعامل مع التحديات المستجدة بأفكار إبداعية والتحرر من أسر الأفكار التقليدية حين تعجز هذه الأفكار عن أداء دورها الوظيفي وتصبح الحاجة ملحةً لصيغ اجتماعية وثقافية أكثر فاعلية...

في القرآن يحمل مصطلح "الكفر' أبعاداً اجتماعيةً وحضاريةً عميقةً تتجاوز المعنى الغيبي الضيق الذي حصرناه فيه، فالقرآن حين يتحدث عن عدم إيمان الأمم فإنه يشرح حالة الاستعصاء الفكري التي أصابت تلك الأقوام حتى أنها سدت كل منافذ الفهم ولم تعد مهيئةً لقبول أي أفكار جديدة، تتحدث مئات الآيات عن هذه الحالة: "لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا "، " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون"، " قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون"، "إنا جعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً".. إذاً فمشكلة عدم الإيمان ليس مردها إلى التباس فكري يزال بمزيد من الإيضاح والأدلة بل هي حالة متعمدة من سد منافذ الفهم وقرار مسبق بالمعاندة فماذا ستغني كل الأدلة والبراهين والآيات: " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين" ...

لقد كانت المواجهة بين الأنبياء وأقوامهم في جوهرها مواجهةً بين التجديد والتقليد أو بين العقل والجمود، فالأقوام تواجه أنبياءها بحجة: " إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون" فيرد الأنبياء عليهم بالعقل: "أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم"، " أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون".. لقد كان منطق الأقوام قائماً على أن قدم الأفكار ووراثتها عن الآباء ومألوفيتها يعطيها قداسةً وصلاحيةً مطلقةً بينما تلخص منطق الأنبياء في أن الأفكار يجب أن تناقش في ذاتها فالأفكار السائدة ليس بالضرورة أن تكون حقاً لمجرد أنها هي المألوفة والمتوارثة والأفكار الجديدة قد تكون هي الحق فوجب الحكم عليها بالعقل لا بالقدم أو الجدة.. لقد كان الأنبياء هم حملة لواء التجديد في مواجهة الجمود وإغلاق العقول...

لو طبقنا هذه المعاني في واقعنا فإن في كل مجتمع منظومةً سائدةً من الأفكار والتقاليد.. هذه المنظومة تمثل "ما وجدنا عليه آباءنا"، والأفكار الاجتماعية لها صلاحية تتوقف على قدرتها على الإجابة على التحديات المستجدة وتحقيق العدل والحكمة فإن فقدت هذه القدرة ماتت وأصبحت الحاجة ملحةً لإبداع أفكار جديدة، فإن آثر المجتمع التمسك بالأفكار القديمة بدافع الحنين إلى الماضي والرغبة في الاستقرار وافتقاد الشجاعة للتحرر من إرث الآباء فهو مجتمع ميت لأنه عطل آلية المراجعة لمنظومته الفكرية فلم يعد قادراً على الانطلاق نحو المستقبل والمساهمة الحضارية ودخل حالة الصنمية التي تعني موت الروح وبقاء الشكل..

لكن الله عز وجل الذي وضع الميزان ليقوم الناس بالقسط لا يترك الناس يضلون الطريق دون أن يبين لهم لذلك أوجد مؤشرات ومشعرات تحذرنا من الاتجاه الخاطئ حتى نرجع إلى الطريق الصحيح مثلما أن هناك أعراضاً للمرض تظهر على الجسم لتنبه المريض للمسارعة إلى الدواء..

هذه المؤشرات يسميها القرآن آيات ونذراً، وهي ليس شرطاً أن تكون معجزات فكل ما ينزل بالناس من أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية هي تجليات لخلل في البناء الفكري تستدعي المراجعة: " ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون".. إن الله لا يعذب الناس في هذه الدنيا انتقاماً بل لتحقيق غاية خيرة تتمثل في رجوعهم إلى الطريق الصحيح..

إن الأزمات المتنوعة التي تحل بالمجتمعات هي بمثابة محرض للعقل للاستيقاظ من سباته ولمراجعة المنظومة الفكرية القائمة والبحث عن مواطن الخلل فيها، وهذه الوظيفة الإيجابية للأزمات تستفيد منها المجتمعات الحية فتخرج بعد الأزمة أقوى، لكن المجتمعات الميتة مصابة بالعماية والجمود القاتل فتتعطل أي قدرة على الاستفادة والتصحيح وتصاب بالبلادة المطلقة فلا تعتبر من كل المؤشرات والتحذيرات: "وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها" وتصر على التمسك بذات المنهج الذي أنتج الأزمات وبدل المراجعة فإنها تبرر وتفترض المؤامرة: "وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ "..

لا ينزل العذاب على المجتمعات دفعةً واحدةً بل بالتدرج لعلهم يرجعون فإن لم يستفيدوا تطلب الأمر جرعةً أخرى، حتى إذا استنفدت كل محاولات الإصلاح تبين أن هذا المجتمع قد وصل إلى الاستعصاء الكامل والعماية الكاملة ودخل في موت تاريخي: " إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن"، " ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً" في هذه الحالة تتدخل حكمة الله لإهلاكه بعد أن فقد أي مبرر للبقاء واستنفدت كل محاولات إصلاحه، وقد يأتي هلاكه عن طريق التحلل الذاتي بفعل الظلم وتزايد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية أو بفعل حرب خارجية وفق سنة التدافع..

 إن هذا الإنسان عجيب في عناده وتكذيبه للآيات والنذر وتصل اللاعقلانية به أنه يرى العذاب أمامه فلا يدفعه ذلك إلى الإيمان ويواصل عمايته وتبريره: " فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم".. إن عماية قوم عاد دفعتهم حتى اللحظة الأخيرة إلى تعليل نذر العذاب بأنها ظواهر طبيعية ستجلب لهم الخير "التفكير الرغائبي الأهوائي"! وما أشبه منطق قوم عاد بمنطق الأقوام الظالمة اليوم التي تعصف بها نذر العذاب من أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية طاحنة ثم تخدع نفسها بأن الأمور طبيعية وليس ثمة أي مشكلة!! إنه الاستعصاء الفكري الرهيب...

أما السؤال الصادم فهو: هل مجتمعاتنا العربية حية أم دخلت مرحلة العماية التاريخية؟؟؟

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

Abu-rtema@hotmail.com

 

 

تحول مفهوم القوة

أحمد أبورتيمة

 

شاهدت تقريراً مخيفاً عن الأسلحة التي تمتلكها الولايات المتحدة وقدراتها التدميرية الهائلة، من هذه الأسلحة طائرة b2 سبيريت التي تعد أغلى طائرة على الإطلاق فتبلغ تكلفة الطائرة الواحدة منها مليارين ومائتي مليون دولار، وقد صممت كقاذفة للصواريخ النووية ويمكنها التخفي عن الرادار..

أمريكا حريصة على أن تظل هي الدولة الأقوى عسكرياً حتى تكون لها الكبرياء والعلو في الأرض، وهذه الترسانة المخيفة من الأسلحة هي أصنام هذا العصر فالدول تتخذ من ترسانة الأسلحة آلهةً يقدمون لها القرابين بتخصيص ميزانيات ضخمة للتسليح لعلهم ينصرون.. وبهذه الأصنام تستعبد الشعوب فيخاف الناس من الأقوياء ويتخذونهم أولياء لعلهم ينصرون ويحذرون من إغضابهم لاعتقادهم بأن هؤلاء الأقوياء يملكون لهم الضر والنفع والموت والحياة..

أمام هذه المعادلة فإن التفكير التقليدي يقول: يجب أن نمتلك السلاح حتى نهزم أمريكا، وهي معادلة تبدو صعبةً وشائكةً جداً، لكن ماذا لو فكرنا خارج الإطار فبدل أن نسعى لامتلاك هذه الأسلحة حيدنا تأثيرها وفرغناها من فاعليتها حتى لا تغني عن أصحابها شيئاً فنحطم بذلك أصنام العصر كما فعل أبونا إبراهيم بأصنام عصره، ونحقق معنى التوحيد: "فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب"..

استعمال القوة العسكرية ليس عمليةً فنيةً بسيطةً تتوقف على إصدار أمر من قائد عسكري أو الضغط على زر تقني إنما هناك شبكة مصالح اقتصادية وسياسية ومنظومة علاقات اجتماعية وثقافية هي الأساس وقبل أن تفكر أي دولة في استعمال السلاح فإنها تراعي كل هذه العوامل، فالجانب الفني من استعمال السلاح ليس سوى الثمرة الأخيرة، فلو أحسنا التعامل مع المقدمات فخلقنا معادلةً سياسيةً واقتصاديةً واجتماعيةً فإننا لن نكون مضطرين للاقتراب من حافة الهاوية أصلاً فضلاً عن السقوط فيها..

تقوم الدول على شبكة علاقات اقتصادية وثقافية وسياسية، ولا يمكن أن تمارس دولة مسئولة الحروب ترفاً دون مراعاة مصالحها، فالحرب تنشأ نتيجة تصور الدولة المعتدية بأن هذه الحرب ستعود عليها بالفائدة، وأن رد العدو على اعتدائها لن يتسبب في إلحاق أضرار استراتيجية بمصالحها، فلو تغير الوعي لدى صناع قرار الحرب بأنها ستلحق الضرر الفادح بمصالحهم فلن يقدموا عليها حتى لو امتلكوا أسلحةً نوويةً ليس انطلاقاً من دوافع أخلاقية بطبيعة الحال إنما حرصاً على مصلحتهم التي تشابكت وتلاقت مع مصلحة العدو..  

أضرب مثالاً تبسيطياً لإيضاح المعنى: لنفترض أن هناك شعباً أعزل لا يملك قوةً عسكريةً لرد العدوان عن نفسه وهذا الشعب معاد لأمريكا التي تمتلك قنبلةً نوويةً يمكنها أن تمحو هذا الشعب عن الوجود بضربة واحدة، لكن هذا الشعب استعاض عن القوة العسكرية بتحقيق ريادة علمية وصناعية كبيرة فأغرقت منتجاته الأسواق العالمية، واستطاع تكوين شبكة مصالح واسعة متغلغلة في كثير من دول العالم بما فيها أمريكا، واستطاع أن يحدث إضافةً نوعيةً للإنتاج العالمي، هل تملك أمريكا شن اعتداء عسكري على هذا البلد الأعزل؟؟

فنياً تستطيع فعل ذلك، لكن إذا راعينا شبكة المصالح الاقتصادية والمعادلة الدولية فإن أمريكا لن تجرؤ على ذلك، لأن مصلحتها هي ذاتها ستتضرر، كما أن شبكة العلاقات التي استطاع هذا البلد نسجها مع دول العالم ستوفر غطاء حماية له، لأن أي اعتداء عليه سيلحق الضرر الفادح بمصالح الدول المرتبطة اقتصادياً به، وبذلك فإن انفتاح العالم وتشابك العلاقات الاقتصادية خدم السلام العالمي، وخيار الحرب يتراجع في العالم، فلم نعد نرى حروباً بين الدول المتقدمة لأن مصالحها تشابكت وتداخلت، وأي توتر فضلاً عن المواجهة العسكرية الفعلية سيهوي بمؤشرات البورصة وسيلحق الضرر بالاقتصاد في هذه الدول..

في واقعنا المعاصر أمثلة كثيرة لدول شقت طريقها نحو التقدم بالتنمية الاقتصادية دون الحاجة إلى جيوش وأسلحة مثل ألمانيا واليابان وماليزيا وتركيا، ويكفي أن نشير إلى ما ذكره كتاب اليابان تقول لأمريكا لا من أن التكنولوجيا النووية لأمريكا متوقفة على الميكرو شيبس الذي تنتجه اليابان!!

لقد تحول السلاح إلى صنم لا يضر ولا ينفع، فقد امتلكت باكستان سلاحاً نووياً لكنه لم يغن عنها شيئاً ولا تزال تئن تحت وطأة الفقر والجهل والتخلف، أما الاتحاد السوفييتي فقد انهار وهو يملك من السلاح ما يمكنه من تدمير الكرة الأرضية عدة مرات "فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب". لذلك فإن المدخل للحاق بالدول المتقدمة ومنافستها هو التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وليس تكديس الأسلحة أو بناء ترسانة نووية كما تفعل بعض الدول الإسلامية، وحين ننجح في إحداث نهضة ثقافية واجتماعية واقتصادية وبناء أنظمة سياسية مسئولة في بلادنا العربية فإننا سنمتلك عناصر قوة تجبر العالم على احترامنا..

هذه ليست دعوةً إلى التخلي عن القوة حتى لا يحاججني أحد بقوله تعالى "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل" بل للتنبه إلى أن مفهوم القوة قد تغير، فصار بإمكان الأدوات الاقتصادية والسياسية والإعلامية أن تصنعه ما لا تصنعه أصنام الأسلحة المتكدسة..   

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

abu-rtema@hotmail.com

 

 

إشكالية الفهم القانوني للدين

أحمد أبورتيمة

القانون هو مجموعة من الضوابط والعقوبات والالتزامات تمثل الحد الأدنى لإدارة علاقات الناس، لكن الحياة أوسع من القانون، والأساس هو تشجيع اختيارات الناس الحرة وخلق التنافس بينهم لتحقيق أكبر قدر من الخير والعدل، أما المجتمعات التي تلتزم بحرفية القانون وتميت روحه فهي مجتمعات لا حياة فيها، هي أشبه بمعسكر تجنيد تقوم العلاقة فيه على الانضباط وتنفيذ الأوامر..

القانون وحده حسب تعبير عفراء جلبي يشبه مدينةً تدخلها فلا ترى فيها إلا قسم الشرطة والسجون، ولا تقابل فيها إلا القضاة والمحامين. بينما يغيب عنها الفن والعلوم والاختراعات، والعلاقات الإنسانية والجماليات والأدب!!.

القانون حدي بينما الحق والخير والعدل كميات قابلة للزيادة لذا فإن صاحب العقلية القانونية يسجن نفسه في صندوق ضيق، ويعيش حياته وفق مبدأ الواجبات وحدها بدل أن يفيض قلبه بالخير والعدل التلقائي.. 

***********

من آثار العقلية القانونية ما نجده في فهمنا للدين حيث اختزلنا الفقه في أحكام حدية من قبيل: "فرض- حرام" ، "يجوز - لا يجوز"، وغاب عنا أن الدين أوسع من هذا بكثير، وأن هناك مقاصد كبرى لا يمكن ضغطها في فتاوى تفصيلية، هذه العقلية القانونية أثبتت عجزها في تحقيق رسالة الدين النفسية والاجتماعية والحضارية، ذلك أن الحدية التي تتسم بها تتناقض مع طبيعة القرآن ذاته وتتناقض مع طبيعة الحياة كذلك، فالقرآن يترك لنا في معظمه مساحات مفتوحة للارتقاء الروحي والأخلاقي دون أن يسجننا في اختيارات ضيقة صارمة: " فاتقوا الله ما استطعتم"، "هو أقرب للتقوى"، "أقسط عند الله"، "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" " وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم"،... هذه الآيات تعني أن ميدان الخير والحق والعدل غير محدود بل يقبل التنافس والزيادة، والبشر كذلك متفاوتون بطبيعة الحال تختلف طاقاتهم الاستيعابية اختلافاً شاسعاً: "فسالت أودية بقدرها"، فلو كان الدين واجبات ومحرمات وحسب لما كان هناك فرق بين أبي بكر الصديق وبين أدنى رجال هذه الأمة ممن يقيم الفروض ويمتنع عن المحرمات، لكن الذي حقق الفضل لأبي بكر هي دائرة التنافس المفتوح التي تركها القرآن لتحقيق الاختيار الإنساني دون إلزام...

*************

إذا رأيت مظلوماً يعتدى عليه فإن عفويتك تأمرك ببساطة أن تهب لنجدته لا أن تبحث عن تأصيل الحكم الشرعي ثم تقرر ماذا تفعل!

 لمسنا معضلة الفقه القانوني في الثورات الشعبية فالذين صنعوا هذه الثورات لم يكونوا أصحاب الفقه التقليدي الذين سجنوا أنفسهم في فتاوى صدرت قبل مئات السنين في ظروف سياسية واجتماعية مختلفة تماماً بل كانوا الأفراد العفويين الذين يعيشون واقعهم والذين فهموا الدين ببساطته وإنسانيته فهبوا تلبيةً لنداء الفطرة والحق والعدل، هؤلاء أقرب إلى الدين من المتدينين الرسميين وإن لم يوح مظهرهم ولباسهم بذلك..

الدين استجابة حية لمشكلات الواقع وليس مؤسسةً وطقوساً رسميةً وفتاوى محنطة.. سمعت أحدهم يسأل قبل عيد الفطر مدعياً حرصه على معرفة الحكم الشرعي إن كان يجب على الجنين زكاة علماً بأن المبلغ الذي سيزيد عليه ليخرج من دائرة الشك لا يتعدى الدولارين وأياً كان الحكم الذي يظنه ديناً فإن زيادة المبلغ بمقدار دولارين أو ثلاثة سيكون خيراً له وأزكى وأقرب لأهداف الدين! هكذا مسخت العقلية الفقهية فطرتنا السليمة وأماتت فينا حرارة الإيمان وتلقائية الاستجابة لدوافع الخير والعدل وحولتنا إلى مومياءات محنطة مجردة من الشعور الحي..

لا ينقص المسلمين فتاوى فدائرة الأحكام الحدية في القرآن محصورة جداً لا تتجاوز عشرات الآيات من أصل أكثر من ستة آلاف آية أما الثقل الأكبر في القرآن فهو توجيهات أخلاقية وروحية عامة تفتح باب التنافس والاختيار لذا فإن الأصل في حياة الإنسان هو الانطلاق الحر وفق مبادئ الدين العامة وحيثما كان العدل فثم شرع الله وكلما زاد العدل أكثر كلما اقتربنا من شرع الله أكثر، والتدين الحقيقي هو الذي يأتي استجابةً حيةً لمخالطة الواقع وليس الذي يقدم أنماطاً وإجابات مسبقةً صنعت في واقع آخر.

************

لعل أحد مشكلات الحركة الإسلامية هو غلبة الفقه القانوني على تفكيرها مما يؤثر على فاعلية أدائها السياسي والاجتماعي ويساهم في إبعادها عن دائرة التأثير على المجتمع، فكثير من الإسلاميين يبذلون طاقتهم الفكرية في البحث عن تأصيل شرعي للسلوك السياسي ويطرحون أسئلة من قبيل: هل تجوز المشاركة البرلمانية؟ هل يجوز الاستعانة بغير المسلمين ضد الحكام الظالمين؟، ما هو الحكم الشرعي للثورة على الحاكم؟؟ وبينما تستغرق هذه التساؤلات منهم الجهد والوقت الكثير يكون الآخرون قد تجاوزوهم بمراحل، وحين يعثر الإسلاميون على إجابات شرعية لهذه التساؤلات فإنهم يظنون أنهم قد حققوا اختراقاً فكرياً بينما الواقع يقول إنهم لم يبدءوا بعد، لأن العثور على إجابات لهذه التساؤلات بالإيجاب لا يعني حتمية الإقدام على هذه الخطوات إنما يعني الجواز فقط دون أن يغني ذلك عن دراسة الواقع السياسي والاجتماعي والموازنة بين المصالح والمفاسد لاتخاذ القرار، إن الفتوى تقول لك يجوز أو لا يجوز، لكن تعقيدات الواقع السياسي أكبر من هذه الإجابات التبسيطية بكثير، وهكذا فحين يحصر الإسلاميون تفكيرهم في دائرة ضيقة فإنهم يبتعدون كثيراً عن الواقع ويؤثر انشغالهم بالبحث عن التأصيل الشرعي على كفاءتهم السياسية لأنهم قد فرضوا قيوداً تحد من انطلاقتهم، والمدخل للواقع ينبغي أن يكون مدخلاً سياسياً يفهم الواقع بكل تفاصيله وتعقيداته ويستخرج فتوى سياسية بناءً على معطيات هذا الواقع، فالمسألة ليست ببساطة يجوز أو لا يجوز، إنما هي دراسة شاملة لعوامل كثيرة متراكبة ومعقدة.. 

******************

العقلية الفقهية القانونية تبعد الناس عن روح الدين وتفتح الباب للتحايل اللا أخلاقي، وهذا ما نجده مثلاً في بعض المصارف التي تسمي نفسها إسلاميةً فهي لا تتعامل بظاهر الربا وتقدم لك فتاوى لإقناعك بجواز معاملاتها لكنها لا تتوانى عن الجشع والاستغلال والتحايل، وكأن الدين حرم شكل الربا، ولم يحرم التحايل والجشع والاستغلال!! هذا الواقع هو من الآثار الواضحة للعقلية القانونية التي تظن أن الدين أحكام معلبة وفتاوى جاهزة دون أن يكون للدين بعد ذلك كلمة إذا ما تم الالتفاف على روحه والابتعاد عن مقاصده الكبرى..

***************

أدرك الإمام مالك بن أنس رحمه الله هو ومن سبقه من الفقهاء أن الدين أكبر من دائرة الأحكام، وأن الناس بحاجة إلى التربية أكثر من الفتوى فقال: «لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من، ولا أدركت أحدًا أقتدي به يقول في شيء: «هذا حلال وهذا حرام»، ما كانوا يتجرأون على ذلك، وإنما كان يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسناً، ونتقي هذا ولا نرى هذا،"

إن تحويل الدين إلى مجموعة من الأحكام الفقهية يفرغه من دوره الحيوي ويعزله عن حياة الناس ويجعله شيئاً ثانوياً تكميلياً لا يفتقده الناس في صميم انشغالاتهم بالحياة، ذلك أن الحياة بصخبها وتماوجها  أكبر من مجموعة أحكام معلبة، والناس حين لا ترى في رسالة الدين ملامسةً لمشكلاتهم الواقعية فإنهم سيعدونه ترفاً فكرياً وطقوسياً يلجأون إليه  في المناسبات ويتركونه في غمرة انشغالاتهم وحينها سينتج الانفصال الخطير القائم الآن بأن هذا دين وهذه دنيا وذلك لأن الدين بالشكل الذي نطرحه لا يعمل إلا في مساحة محدودة ومن ثم فهو لا يقدم إجابات مقنعةً لأسئلة الحضارة والعلم والمجتمع...

********************

حصر الدين في الأحكام الفقهية يقعدنا عن التزاماتنا الأخلاقية الإنسانية لأن الإنسان الذي ينتجه هذا الفقه الممسوخ سيتعامل مع الحياة بأنها واجبات وحسب ولن يتجاوز هذه الواجبات فستنطفئ فيه الروح الحية المتفاعلة.. إن مثل هذا الإنسان تماماً كمثل الطالب الذي ينسى أن هدفه هو تحصيل العلم فيصير همه مقتصراً على تأدية الواجبات التي يفرضها عليه معلمه وإن واتته فرصة لزيادة كسبه العلمي وتطوير مهاراته خارج دائرة الواجبات المدرسية فسيتقاعس عنها وكذلك الإنسان الذي ينتجه الفقه التقليدي فسيتعامل مع الحياة بأنها واجبات وحسب فإن أدى هذه الواجبات فلن يشعر بالتزامات أخلاقية تجاه مشكلات الظلم والفقر واختلال موازين العدالة التي يرزح تحت الناس في مشارق الأرض ومغاربها...

********************

إن الذي جاء بالفتاة الأمريكية ريشيل كوري إلى رفح لتناصر الفلسطينيين الذين يختلفون معها في الدين والجعرافيا واللغة والقومية ولتتصدى لجرافات الاحتلال وتقدم حياتها ثمناً لهذا الموقف الأخلاقي لم يكن فتوى سمعتها من أحد رجال الدين إنما أخرجها إحساسها الفطري بالالتزام الأخلاقي تجاه المظلومين في العالم، وربما يكون تحررها من هذه الفتاوى المنمطة عنصراً إيجابياً في تحفيز شعورها الأخلاقي الإنساني..ما أردت قوله من ضرب هذا المثل هو أن الإنسان بعفويته وفطرته يكون أقرب لتحقيق رسالة الدين في نصرة الحق والعدل من ذلك الذي تسجنه الأنماط الجاهزة والأحكام الفقهية الحدية، ولعل هذا يفسر لنا لماذا لم تولد ظاهرة ريشيل كوري في بلاد المسلمين فلا نجد نشطاء مسلمين يذهبون إلى بلاد غير إسلامية لمناصرة أهلها في الحق، وذلك لأن عقلية الواجبات والمحرمات التي رسخها الفقه التقليدي في نفوسنا أطفأ التفاعل المباشر مع قضايا المظلومين في العالم فصار أحدنا يظن أنه بتأدية الفروض قد أعفى نفسه من المسئوليات الأخلاقية في هذا العالم..   

الفقه القانوني فقه غائب عن العصر الذي نعيشه وهو قد خذلنا عن تقديم خطاب حضاري إنساني قادر على تحقيق غايات الدين الكبرى المتمثلة في الرحمة للعالمين وليقوم الناس بالقسط!! 

abu-rtema@hotmail.com

 

 

خواطر مضطربة بين يدي الضربة الأمريكية لسوريا

احمد ابو رتيمة

 

أعجز العجز أن نتخاصم بين مؤيد ومعارض ونتعصب لآرائنا ونحن نعلم أننا لا نملك أكثر من الجدل حول هذه الآراء دون أن تكون لآرائنا أي تأثير في مسار الأحداث وأننا لا نزيد عن كوننا أحجار شطرنج في المعادلة الدولية يحركها الأقوياء.. المشكلة ليست في أن رأيي أو رأيك هو الصواب.. المشكلة أن آراءنا في جميع الأحوال ليس لها قيمة فنحن في موقع المفعول به لا في موقع الفاعل...

**********

ليست المشكلة في قدوم أمريكا إلى المنطقة إنما في تربة بيئتنا التي أنبتت شجرةً خبيثةً وفرت الغطاء لهذا التدخل..حدث هذا في العراق ويحدث اليوم في سوريا وربما يحدث غداً في دول أخرى بعد أن فقدنا أي مناعة أو حصانة.. علينا أن نناقش الأسباب لا النتائج.. ما يحدث اليوم هو نتيجة طبيعية بعد أن دمرت مقومات الأمة وسحقت كرامة الشعوب.. لا تتباكوا على قطف ثمرة كان لا بد أن تقطف إن لم يكن على يد أمريكا فعلى يد قوة دولية أخرى..ازرعوا بذوراً جديدةً حتى تنبت شجرةً طيبةً أصلها ثابت وفرعها في السماء..

*************

لسنا غافلين عن الأهداف الخبيثة للسياسة الأمريكية ولسنا سذجاً إلى حد الاعتقاد بأن تدخل أمريكا جاء بدوافع إنسانية رأفةً بالمظلومين بل ونعلم أن التدخل الأمريكي يستهدف استنزاف سوريا وتفتيت وحدتها وسيستهدف مقاتلي الثورة كما سيستهدف النظام لكن حالة الاستعصاء الرهيب للحالة السورية منذ أكثر من عامين ونصف ووتيرة القتل والدمار المجنونة التي لا تهدأ لم تبق لنا سعةً من الخيارات وصار أي حراك يكسر حالة الاستعصاء الراهنة هو مفيد لمجرد أنه سيخرجنا من هذا الروتين القاتل الذي يبدو بلا نهاية..

لا نراهن على أمريكا إنما نراهن على أن هناك تدافعاً سيغير موازين القوى على الأرض وسيلحلحنا من مواقع الروتين القاتل التي لم نغادرها منذ عامين ونصف..

************

في جميع الأحوال إذا كان صدري سيتسع لوجهات نظر ترفض التدخل الأمريكي فإنني سأقبل أي مبررات باستثناء أن يكون مبرر الرفض هو التباكي على صنم القومية الزائفة..تباً لعروبة تقدس الأوثان وتقتل الإنسان..

*************

إلى عباد صنم القومية العربية الزائفة لقد مللنا من شعاراتكم الزائفة.. لن نأسى على المجرم بشار حتى لو كان هلاكه على يد الشيطان.. تتباكون على قومية عربية زائفة وتتجاهلون إزهاق أرواح عشرات آلاف الأبرياء.. تباً للوطن.. تباً للعروبة.. تباً للمذاهب والإيديولوجيات والشعارات المتصنمة كلها إن لم تقدس روح الإنسان.. أي تناقض هذا الذي تعيشونه حين لا ترون قتل الأطفال والنساء بأيدي بشار وترون فقط أن صنماً عربياً آخر سيحطم على يد الشيطان...أي حل دولي لن يكون أكثر سوءً من الواقع الحالي.. لماذا نصر على البقاء في شر أكيد مخافة وقوع شر محتمل إن وقع فلن يكون أسوأ من حمام الدم الحالي...لا تطرحوا أفكاراً عبثيةً إن كان عندكم قدرة على إسقاط بشار قبل قدوم أمريكا الشريرة فتفضلوا وسارعوا إلى هذا الحل وإلا فاصمتوا...

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

الكتابة والاستكتاب...

أحمد أبورتيمة...


كثيراً ما يقترح علي أصدقائي أن أكتب في موضوع محدد فأشكرهم على هذه الثقة التي يمنحوني إياها وأشعر بالرضا لأن طلبهم يدل على أنني أعبر بكتاباتي عما يختلج في صدورهم لكنني في ذات الوقت أشعر بالحرج لأنني غالباً لا أستطيع أن أكون عند ظنهم بي فألبي طلبهم مع سهولته الظاهرية..
ذلك أن الفكرة هي كائن حي فلا بد قبل ولادتها أن تمر بتفاعل وتلاقح في نفس صاحبها وأن يعيش تجربةً شعوريةً حتى تخرج إلى النور قويةً نابضةً بالحياة والأفكار الكبيرة تولد من القلب وليس من العقل كما يقال لذا فإن قوة الفكرة تكمن في أن تنبع من إحساس صاحبها الذاتي وليس في أن تطلب منه من جهة خارجية لذا حين يطلب مني أصدقائي الكتابة في موضوع ما أقول لهم أنتم الأقدر على الكتابة في هذه الفكرة لأن شعوركم بأنها تستحق الكتابة يعني أنها تفاعلت في قلوبكم إلى الحالة الحرجة ونضج شعوركم بها حتى صارت جاهزةً للولادة فإن أطلقتم العنان لأقلامكم فستخرج قويةً حيةً متدفقةً..
ليس بالضرورة أن يكون اعتذاري عن الكتابة هو أنني لا أتفق مع الأفكار المقترحة فربما أتفق معها عقلياً والفرق بين العقل والقلب هو أن الأول منطق بارد أما الثاني فهو طاقة حية متدفقة لذا علينا أن نعيد النظر في طبيعة رسالة الكاتب فالكاتب المؤثر لا يمكن أن يكون موظفاً تسيره حسابات الجهة المشغلة إنما هو شاعر بمعنىً من المعاني لا يكتب إلا بما يحس به ويعايشه في تجربة شعورية.. 
إن كثيراً من الأفكار راودتني بما يكفي لأكتب مئات المقالات التي لم أكتبها لكنها كانت ستكون مواضيع تقليدية روتينية تشبه الخطابات الرسمية ولا تضيف شيئاً جديداً لأنها لم تنبع من قلب صاحبها فلن تصل إلى قلوب القراء لذا فإن اقتناعك بفكرة لا يكفي وحده مبرراً للكتابة بها ما لم تلامس إحساسك وتعايشها..

 

 

 

حيوية العلم وبساطته..

أحمد أبورتيمة



التعليم الحي هو الذي يبدأ من تساؤلات الواقع ويهدف إلى إيجاد حلول لمشكلاته، ويكتسب فيه الإنسان خبراته من خلال مخالطة الحياة والتأمل في ظواهرها واستحضار أمثلتها لا أن يغلق الأبواب على نفسه وينكب على دراسات نظرية معزولة عن الواقع، فهو يتخذ من الحياة معملاً للتدريب، وبذلك تنشأ شخصية المتعلم متوافقةً واقعيةً تتشرب ما تتعلمه وتجد تطبيقاً مباشراً له في الحياة..
في طفولتنا تلقينا في المدارس تعليماً نظرياً مفصولاً عن الواقع فنشأنا ونحن ندرس بهدف أن ننجح في الامتحان ونتجاوز إلى المرحلة الدراسية التالية دون رغبة ذاتية في العلم ودون أن نستشعر علاقةً حيويةً لما تلقناه بحياتنا القريبة..
آية العلم الحي هو أنك تستشعر ملامسته لشغاف قلبك وأنه أجاب على تساؤلات ملحة تعتمل في صدرك فيورث هذا الاستشعار طمأنينةً قلبيةً وإحساساً بالتكامل والتوافق النفسي..

التعليم النظري يعزز حالة الانفصام النفسي بين العلم والواقع، ويفرغ العلم من وظيفته الحيوية فيصبح طلاسم وألغازاً ذا وظيفة ديكورية لنيل مكانة اجتماعية وحسب دون أن يكون له تماس مباشر بحياتنا وهذا ما نراه في غياب النقاش الفكري الحيوي المستند إلى حقائق المنطق البسيطة في مجتمعاتنا، فالعلم حسب ظننا يجب أن يكون معقداً حتى ينال صفة العلم، والعالم أو المثقف عندنا هو ذلك الذي يقول كلاماً غير مفهوم ويكثر من التحدث بمصطلحات فلسفية تستعصي على فهم العامة، لقد قال لي أحدهم ذات مرة إن فلاناً بحر من العلم، قلت له وكيف عرفت ذلك: قال إنه يتحدث بلغة فلسفية صعبة لا أفهم منها شيئاً!! إن العالم عندنا هو من يلوي لسانه بمصطلحات غامضة ولكنة أجنبية وليس ذلك الذي يشرح الحقائق ببساطة ويملك القدرة على إقناعنا ويحمل رسالةً إصلاحيةً تلامس قضايا المجتمع..

كان عالم الفيزياء الشهير آينشتاين يكره الكهانة العلمية والتلفع بالغموض، والادعاء، والتعاظم، وكان يقول إن الحقيقة بسيطة، يتحدث عنه في ذلك العالم المصري مصطفى محمود..
إن العلم بصورته المشوهة في بلادنا لا يشجع الناس على الإقبال عليه فهو يفتقد إلى جاذبية العلم وروحه لأنه منفصل عن الواقع مما سيدفع الناس إلى تفضيل الالتفات إلى هموم حياتهم اليومية عن الانشغال بعلوم نظرية لم تلامس حلاوتها شغاف قلوبهم، والسبيل إلى نهضة علمية حقيقية لا يكون عبر ديكور الاهتمام بالعلم وإقامة الاحتفاليات به وتقديسه كصنم لا حياة فيه إنما بتبسيط لغة العلم وردم الفجوة بينه وبين الواقع وتوثيق الصلة بين مؤسسات التعليم ومناهجه وبين قضايا المجتمع حتى يشعر المقبل على العلم بعلاقة حيوية مباشرة بين ما يتعلمه وبين مشكلاته الحياتية ويكون دافعه للعلم هو اقتناعه بأنه سيجد الحلول للمشكلات التي تؤرقه في هذا العلم وأنه بعد تلقي هذا العلم سيصبح أكثر كفاءةً وأكثر إنتاجيةً..
مثلاً فإن المزارع حتى يقتنع بالعلم فلا بد أن يكون لهذا العلم تماس مباشر مع حقل تخصصه فيدخل إلى معهد زراعي ويتلقى تدريبات تتعلق بميدان عمله وكيف يضاعف الإنتاج الزراعي ويكافح الآفات التي تلحق بعمله الخسائر أما أن يدخل هذا المزارع إلى كلية زراعية لأربع سنوات ويستنزف جزء كبير من طاقته الذهنية في دراسة متطلبات الجامعة ومتطلبات الكلية وأساسيات نظرية بعيدة عن التماس المباشر لحقله فإن هذا الواقع سيزهده في العلم..
مثال آخر حين يتعلم أحدهم لغةً أجنبيةً فلو كان هذا الشخص يمتلك ذاكرةً خارقةً وأمسك بمعجم ألفاظ هذه اللغة وحفظها جميعاً عن ظهر قلب فإنه لن يتقن هذه اللغة وستظل معرفته نظريةً تتمثل في حفظ كلمات معجمية دون أن يستطيع توظيفها واقعياً، وإتقان اللغة لا يكون إلا بممارستها والتعرف على كلماتها من خلال سياق حي فهذا أثبت للمعرفة، وهنا نستحضر تنزل القرآن في ثلاث وعشرين سنةً من خلال معالجة الأحداث والإجابة على التساؤلات الواقعية أولاً بأول بدلاً أن ينزل مجموعةً من المبادئ الأخلاقية النظرية جملةً واحدةً كما طلبت قريش وتعليل القرآن لذلك بتشرب هذه المعاني وتثبتها في القلب: "وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملةً واحدةً كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً"..

الفرق بين الكلمة المعجمية والكلمة الواردة في سياق هو أن الكلمة حين تنتزع من سياقها باردة لا حياة فيها لكن حين تتعرف على ذات الكلمة من خلال سياق واقعي فسوف تتشرب هذه الكلمة وتستقر في ذاكرتك ويثبت بها فؤادك..

https://mail.google.com/mail/u/0/images/cleardot.gif

 

 

فلسفة العيد كما أفهمها

أحمد أبورتيمة

 

الدرس الأهم الذي أفهمه من العيد هو أن الإنسان يتعبد ربه حتى باللهو واللعب، وفي هذا دلالة عميقة، فأن تكون الفرحة عبادة كما أن الصلاة والصوم والتعب عبادة في مواضع أخرى فهذا هو مفهوم التوحيد والوسطية.

التوحيد يعني أن يتحرر الإنسان من الخضوع لأي شيء من دون الله سواءً كان هذا الشيء مادياً أو معنوياً. فلا يخضع لحجر أو شجر أو بشر، وكذلك لا يخضع للهيئات والأحوال فتكون هي الغاية من دون الله لأن الخضوع للشيء هو عبادة له وهو بداية الإشراك مع الله..

ربما يكون واضحاً كيف يخضع الإنسان لهواه الظاهر من مال أو شهوة أو سلطان، ولكن كيف نفهم خضوع الإنسان للهوى الخفي فتتحول صور العبادة التي افترضها الله عليه من كونها عبادةً وقربى إلى كونها اتباعاً للهوى؟