الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

علي الامين كاتب وصحفي لبناني

  رئيس تحرير موقع (جنوبية) يكتب عمودا اسبوعيا في جريدة العرب اللندنية 

العداء لإسرائيل لم يعد قابلا

للتوظيف في المشروع الإيراني

علي الأمين

تطرح الضربات العسكرية الجوية داخل الأراضي السورية بين فترة وأخرى السؤال الإسرائيلي، لا سيما أن الطرح الأيديولوجي الذي يتضمنه الخطاب الإيراني بامتداداته في المنطقة، يحيل كل مواجهاته في المنطقة إلى شعار مواجهة المشروع الأميركي الصهيوني، فعلى طول خط المواجهات من اليمن إلى العراق فسوريا ولبنان، يطرح المنتمون إلى المحور الإيراني هذه المقولة، فيما يتولى فيلق القدس الذي يقوده قاسم سليماني إدارة هذه المواجهات العسكرية بأشكال مختلفة.

قبل أيام أغارت الطائرات الإسرائيلية مجددا على مركز أبحاث سوري في محافظة حماه تردد أنّه يقع تحت إدارة حزب الله، فيما تحدّث النظام السوري الذي اعترف بحصول الضربة عن مقتل جنديين سوريين، وتضمن البيان إشارة إلى أنّ عملية إطلاق الصواريخ تمت من الأجواء اللبنانية، علما أن المكان المستهدف كما ذكرت وكالات الأنباء يبعد 70 كلم عن مطار حميميم حيث أقيمت أكبر قاعدة روسية جوية في سوريا.

الرد الوحيد على الغارة جاء من النظام السوري وكان أشبه بإعلان رسمي يؤكد حصول الضربة من دون أن يتضمن أي تهديد بالرد على إسرائيل، فيما لم يصدر عن حزب الله فضلا عن الجانب الإيراني أي تعليق أو ردة فعل، بينما بقي التساؤل مطروحا حول إمكانية قيام إسرائيل بتوجيه ضربات في الأراضي السورية من دون التنسيق مع روسيا، خصوصاً أنّ روسيا هي الطرف الذي يسيطر على الأجواء السورية، ويمتلك العشرات من المنصات لصواريخ س400 على الأراضي السورية لم تتحرك ولو مرة واحدة خلال العشرات من الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

لا يخفى على المتابعين أن الصحافة الإسرائيلية تتحدث منذ سنوات وتحديدا منذ نهاية حرب 2006 في لبنان، عن حرب جديدة تستعد لها إسرائيل ضد حزب الله، وفي موازاة التصعيد الإعلامي الإسرائيلي والذي قابله تحذير مستمر من حزب الله، كانت الحدود تشهد أكبر فترة من الهدوء شهدتها الحدود اللبنانية مع إسرائيل منذ نشأة الكيان الصهيوني.

مؤدى الوقائع الميدانية رغم الضجيج الإعلامي والتهديدات خلال السنوات العشر الماضية سواء لجهة الاستعدادات العسكرية والمناورات التي تجريها إسرائيل، أو حديث حزب الله عن الآلاف من الصواريخ الموجهة لإسرائيل، أنه ثمة مصالح مؤمنة للطرفين أي حزب الله وإسرائيل، جعلت حزب الله على سبيل المثال يضخ أكثر من عشرة آلاف مقاتل على الأقل في الحرب السورية منذ عام 2013 من دون أن يظهر أي تخوف من إمكانية قيام إسرائيل باستغلال مثل هذه الخطوة العسكرية لتوجيه ضربة له، وهذا مؤشر على أن المطلوب إسرائيليا هو حماية الاستقرار على حدودها الشمالية، وحزب الله أظهر حرصا شديدا على منع أي خرق أمني لهذا الهدوء، وهذا ما تشهد عليه الوقائع في السنوات الخمس الماضية على طول الحدود اللبنانية مع إسرائيل بخلاف بعض الأخطاء التي كانت تحصل قبل ذلك من إطلاق صواريخ مجهولة المصدر باتجاه إسرائيل من دون أن تؤدي إلى أضرار لا يتبناها حزب الله كما حصل أكثر من مرة بين 2007 و2011.

ما الذي يجعل إسرائيل مهتمة بتوجيه ضربات إلى بعض المراكز العسكرية السورية أو بعض القوافل العسكرية المحملة بالسلاح المتجهة من سوريا إلى لبنان؟ ربما يجدر بنا أن نسأل لماذا تمنعت إسرائيل عن توجيه أي ضربة عسكرية للمئات من المقاتلين من حزب الله الذين ينتقلون بعتادهم وسلاحهم بشكل شبه يومي بين لبنان وسوريا منذ خمسة أعوام، فيما تقتصر الضربات العسكرية الإسرائيلية على بعض القوافل القادمة من سوريا إلى لبنان والمحملة بالسلاح؟

لم يقم حزب الله خلال تدفق مقاتليه إلى سوريا بأي خطوة عسكرية تظهر أنه قلق من أي استهداف له من الجو، أي أنه كان شديد الاطمئنان إلى أن إسرائيل لن توجه أي ضربة لمواقعه العسكرية المنتشرة على امتداد الأراضي السورية، فيما هي لا تتساهل في ما تعتبره نقل سلاح استراتيجي إلى الأراضي اللبنانية أو إلى مناطق قريبة من الجولان المحتل في سوريا. فالأخيرة كيان قائم على الخوف منذ تأسيسه، فأي متغير في محيطه يخيفه وهو لا يطمئن حتى لضمانات حلفائه ويريد أن يبعد أي خطر محتمل عن أن يشكل تهديدا له في يوم من الأيام.

إسرائيل لم تعد ورقة قابلة للاستثمار بحيث أن الكلام ضد إسرائيل يتضح أكثر فأكثر أنه كلام شعارات استخدمه المحور الإيراني لإحداث اختراقات في العالم العربي، ولم يعد خافيا أن ما تبذله إيران من مال وسلاح ومقاتلين لا يمس إسرائيل بأذى، فضلا عن أنّ اهتمام هذا المحور في مكان آخر. فالانقسام الذي رسخته إيران في المنطقة جعل إسرائيل موضوعا ثانويا بحكم الوقائع التي فرضت إعادة رسم مناطق النفوذ في المنطقة، فإيران منهمكة بحفظ مصالح الشيعة والعلويين والأقليات وليس في برنامجها قتال إسرائيل إذا ما نظرنا إلى طبيعة الجبهات السياسية الإقليمية والدولية في المنطقة.

الحلف الروسي الإيراني ليس من أولوياته ولا في برنامجه المس بأمن إسرائيل، موضوع إسرائيل فقد وهجه وما يدلل على ذلك أيضا أنّ انتصارات المحور الإيراني كما يكرر قادته ورموزه الإيرانيون وبعض الشيعة العرب، يترافق مع ارتياح إسرائيلي يعبر عن نفسه بالمزيد من إغلاق آفاق التسوية مع الفلسطينيين، فضلا عن أن الضربات الإسرائيلية التي تستهدف بعض قطاعات حزب الله بين الحين والآخر في سوريا لم تدفع إيران ولا حزب الله إلى رد فعل عسكري انطلاقا من أن كل القتال الإيراني في المنطقة العربية كما يكرر قادته هدفه الكيان الصهيوني، بل يبدو الموقف الإيراني الصامت تجاه الضربات الإسرائيلية أشبه بموقف المستغرب ولسان حاله يقول ما بالها إسرائيل تزج نفسها بما لا يعنيها.

فالمعركة اليوم هي بين نفوذ الشيعة ونفوذ السنة، وبين المكون العربي والمكون الكردي، وبين الإرهاب الإسلامي والإسلام المحمدي الأصيل، كما تسمي القيادة الإيرانية الأيديولوجيا التي تتبناها على مستوى ولاية الفقيه والمشروع الإيراني في المنطقة العربية.

النظام السوري وإيران، يدركان أنّ إسرائيل لو قامت بضربة عسكرية لحزب الله أو أي ذراع إيرانية في المنطقة فلن تتعامل المكونات في الدول العربية باعتبار أن هذه الضربة لها علاقة بفلسطين أو بحرب عربية إسرائيلية، لذا فإنّ إيران وحزب الله سيكونان حريصين على عدم جر إسرائيل لحرب ضدهما في المنطقة العربية، في المقابل فإن إسرائيل شديدة الامتنان إلى قدرة حزب الله على المحافظة على الاستقرار على طول حدودها.

إسرائيل تدرك أنّ نظام المصالح الإيراني في العراق وفي الخليج وفي سوريا وإلى امتداد الهلال الشيعي هو الغاية في حسابات أولويات الأمن القومي الإيراني وليس خوض حرب أو مواجهة مع إسرائيل، وتدرك أنّ الخطر الحقيقي بالمعنى الاستراتيجي على وجودها كامن في البنية العربية وفي الجسم العربي غير المعتل أيا كان الذي يتحكم به أو يسيطر على أنظمته.

تقاطع المصالح بين إيران وإسرائيل يكمن في اعتلال النظام الإقليمي العربي وهذا ما يشكل ضمانة لإسرائيل وحاجة لتمدد النفوذ الإيراني الذي يحتاج إلى المساومة مع الغرب بأشلاء الدول العربية لحظة رسم النظام الإقليمي الجديد الذي ينطلق من أنّ إسرائيل هي الثابت أما الدول العربية فهي المتحول.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

معنى صفقة حزب الله

داعش سياسي وليس إنسانيا

علي الأمين

الصفقة التي أنجزها حزب الله مع تنظيم داعش لإخراج ستمئة مقاتل ومدني من هذا التنظيم من لبنان إلى الرقة السورية، بدت مفاجئة للكثيرين، لا لكونها صفقة بدت الدولة اللبنانية خارجها فعلياً، أو لأنّها أنجزت لصالح هذا التنظيم في جرود القاع على الحدود مع سوريا الذي كان محاصراً من قبل الجيش اللبناني من جهة والجيش السوري من جهة ثانية، إذ كل الخبراء العسكريين يؤكدون استحالة نجاة هؤلاء المقاتلين إلا بالاستسلام أو بصفقة تكشف هزيمتهم، لا بخروج آمن مقابل كشفهم عن مكان دفن العسكريين اللبنانيين الذين قتلوا ودفنوا من قبل هذا التنظيم قبل سنتين. المفاجأة هي الصفقة الفضيحة التي أدارها حزب الله بالتنسيق مع نظام بشار الأسد لاستنقاذ مقاتلي داعش، على الرغم من أن حزب الله لطالما كان يشيطن كل من يحاول الإعلاء من الشأن الإنساني خلال مواجهات المرحلة السابقة أي منذ انفجار الثورة السورية.

الحس الإنساني غير المسبوق على مدار البيانات التي أصدرها حزب الله بشأن الأزمة السورية، لم يسبق أن كان واردا، فقط حين تم إيقاف قافلة داعش على مقربة من الحدود العراقية من قبل الأميركيين ومنعها من التقدم قبل أيام، صدر عن حزب الله بيان يحذر من مجزرة قد ترتكب بحق قافلة مقاتلي داعش وعائلاتهم.

لم تستفز حزب الله براميل الأسد ولا حصاره مدينة مضايا وتجويعها، ولا تدمير مدينة القصير وتهجير أهلها، ولا الصواريخ الروسية التي دمرت المستشفيات وقتلت المدنيين في حلب وغيرها، فقط احتمال أن تقصف الطائرات الأميركية قافلة داعش فجّر الحس الإنساني لدى حزب الله فحذّر من وقوع مجزرة.

لكن هل كان حزب الله يعتقد أنّ القافلة التي انطلقت من جرود القاع اللبنانية إلى الحدود العراقية عبر الأراضي السورية، أي ستقطع مسافة توازي 500 كيلومتر، لن تتعرض لأي عوائق أميركية؟ وهل الاعتراض الأميركي للقافلة غير متوقع أم أنّ الأميركيين أخلوا باتفاق هم طرف فيه؟

لم يقل حزب الله ذلك ولا الأميركيون تحدثوا عن اتفاق جرى معهم، لذا فإن الاعتراض الأميركي غير مستغرب ويفترض أن يكون حزب الله مدركا أن القوات الأميركية ستعرقل الاتفاق لأي سبب كان، من هنا يمكن أن نسأل لماذا قام حزب الله بهذه الصفقة رغم توقعه لاحتمال مثل هذا الذي جرى في البادية السورية من قبل الطائرات الأميركية؟

ليس خافياً أن المرحلة التي يجري رسم خطوطها ومعالمها في المنطقة اليوم، هي مرحلة ما بعد نهاية تنظيم داعش، حيث مختلف القوى الإقليمية والدولية تتحضر لهذه المرحلة. المحور الإيراني ينشط على هذا الخط بشكل يعيد فيه ترتيب الأعداء والخصوم والأصدقاء والحلفاء، خصوصا أن إيران التي استنفدت ورقتها المذهبية إلى الحد الأقصى، باتت اليوم مع توقع نهاية تنظيم داعش تدرك أنّ هذه الورقة ستتراجع قوتها لا سيما مع بروز مواقف عراقية ذات ثقل شيعي تحاول رسم معالم سياسة وطنية عراقية غير تابعة لإيران ومنفتحة على محيطها العربي، وكانت زيارة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى المملكة العربية السعودية ولقاؤه ولي العهد محمد بن سلمان رسالة عملية في هذا الاتجاه، وإلى جانب هذه الخطوة برزت مؤشرات عدة تصب في هذا المنحى وتتم تحت الغطاء الأميركي.

وكما العراق فإنّ المعادلة السورية بعد داعش تتجه نحو ترسيخ شراكات إقليمية ودولية بإشراف روسي أميركي سيفرض اصطفافات جديدة، وكان المشهد القطري في تداعيات الأزمة الخليجية أعاد تنشيط العلاقة الثلاثية بين تركيا وقطر وإيران.

الصفقة تأتي كتأسيس للمرحلة الجديدة من الصراع في المنطقة، وحزب الله باعتباره امتداداً للبنية الإيرانية في المنطقة العربية، يقع عليه دور تنفيذ السياسات الإيرانية في سوريا ولبنان، وعلى صعيد دوره في ترميم العلاقات مع تنظيمات إسلامية.

المحور الإيراني يدرك أن شرخا عميقا قد طال علاقاته مع التنظيمات الإسلامية السنية، وهو اليوم انخرط في إعادة ترميم ما يمكن ترميمه من علاقات معها، مستفيدا من البوابة القَطرية والعلاقة مع تركيا، فبحسب المعلومات فإن إيران أعطت توجيهات لأذرعها في المنطقة العربية لإعادة الاعتبار لخطاب المواجهة مع واشنطن، وردم الهوة مع تنظيمات إسلامية كجماعة الإخوان المسلمين. وفي هذا السياق حققت إيران تقدماً على صعيد العلاقة مع حركة حماس عبر حزب الله، وأتاحت لهذا التنظيم وقياداته مساحة من الحركة والاستقرار في لبنان إثر نشوب الأزمة الخليجية مع قطر.

إيران تريد من خلال رفع شعار التنافس والتزاحم مع واشنطن في المنطقة، ردم الهوة المذهبية التي تسببت بها على قاعدة جذب هذه الجماعات الإسلامية السنية إليها، ودائماً على إيقاع استمرار الحرب والتوتر بأوجه جديدة لا يحمل في طياته أيّ مشروع استقرار بقوم على أساس الدولة الوطنية، فإستراتيجية إزالة الحدود لحساب الفوضى مستمرة إيرانيا لكن هذه المرة بأدوات جديدة.

إعادة خلط الأوراق بما يوفر لإيران دوراً مرجعياً في المنطقة يتطلب بعد نهاية تنظيم داعش أن تحيّد إيران عنها خطر العداء في البيئة السنية والذي نشأ بشكل واضح، على سبيل المثال لا الحصر، مع انخراط إيران في الدفاع عن نظام الأسد في مواجهة معظم السوريين، كما في دورها في العراق الذي زاد من عداء السنة لدورها الإقصائي لهم من معادلة السلطة. هذا ما تحاول إيران استثماره مستفيدة من فراغات في السياسة العربية، لكنها وهي تطمح إلى هذا الدور تريد من خلال توجيه رسائل ايجابية عبر تنظيم داعش أو جبهة النصرة أن تشير إلى أنّها طرف قابل لأن ينجز تفاهمات علنية مع هذه الجماعات، وفي نفس الوقت تختبر مدى قدرتها على إعادة اختراق الوعي الإسلامي العام من خلال القول إنّ النظام الإسلامي في إيران يمكن أن يكون سندا للعديد من التنظيمات الإسلامية السنية الملاحقة إما عربيا وإما دوليا.

لا يمكن النظر إلى الصفقة بين حزب الله وداعش في لبنان من خارج هذه الزاوية الأساسية في ما تنطوي عليه من أهداف، بالطبع لم تكن إيران في سوريا في مواجهة مع تنظيم داعش بل إن المواجهة الفعلية كانت دائماً مع التنظيمات المعتدلة في المعارضة السورية، لكنها استخدمت عنوان التكفيريين والإرهابيين في سياق شيطنة الثورة السورية وعززت من حضور التنظيمات الإرهابية التي طالما كانت أقل خطراً عليها من أيّ مشروع سوري وطني أو عربي معارض.

بدأت اليوم مرحلة صوغ مشروع يقوم على تجميع الإسلاميين في المنطقة العربية تحت المظلة الإيرانية، وهو طموح دونه صعاب كثيرة منها أنّ السياسة الإيرانية في المنطقة العربية تحتاج لإعادة ترميمها وبناء الثقة مع محيطها العربي إلى ثورة إيرانية جديدة تغيّر صورة إيران لدى الشعوب العربية قبل صورتها لدى السلطات والأنظمة.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

فجر الجرود.. قلق حزب الله

من تعاظم قوة الجيش اللبناني

علي الأمين

الجيش اللبناني هدف واضح وصريح للمحور الإيراني منذ أن رفض التنسيق مع الجيش السوري وحزب الله في عملية فجر الجرود التي أطلقها منذ أكثر من أسبوع ضد تنظيم داعش في جرود القاع قرب الحدود السورية من جهة الشرق.

إعلان الجيش اللبناني رسميا عدم التنسيق، ترافق مع إعلان حزب الله أنه سيقاتل إلى جانب الجيش السوري في هذه المعركة من داخل المناطق السورية. وهي إشارة إلى إصرار حزب الله على الدخول في هذه المواجهة بغاية واضحة وهي منع الجيش اللبناني من تحقيق انتصار يمكن أن يستثمره في نزع ذرائع بقاء سلاح حزب الله متفلتا من أيّ قيود في لبنان، وإلى هذه الغاية ثمة سبب آخر أعلن عنه الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، قبل أيام، وهو أن هناك معادلة جديدة يريد فرضها على اللبنانيين كبديل عن المعادلة الثلاثية التي أطلقها حزب الله منذ سنوات أي الجيش والشعب والمقاومة، بمعادلة رباعية بإضافة الجيش السوري، قاصداً القول إنّ جيش النظام السوري هو طرف في معادلة الأمن التي فرضها المحور الإيراني على سوريا ولبنان.

معركة جرود القاع أو فجر الجرود، أقلقت حزب الله بسبب أن الجيش اللبناني أظهر كفاءة عسكرية عالية وحقق تقدماً ميدانياً مهماً في الأيام الأولى، حيث نجح في تحرير مئة كيلومتر مربع من أصل 120 تسيطر عليه مجموعات داعش، هذا التقدم للجيش المحرز بقدرة ذاتية، خلق مناخا وطنيا جامعا حول الجيش، وهذا ما زاد في قلق الحزب الذي لم يكن يقدر أن معركة الجيش سوف تثمر سياسيا خلال أيام وتفرض مناخا وطنيا غير مسبوق في التفافه حول الجيش اللبناني وعمليته ضد تنظيم داعش.

بدأ حزب الله هجوما سياسيا مضادا، تمثل في دعوته أو محاولة فرضه التنسيق الرسمي اللبناني والعلني مع الجيش السوري، والربط بين معرفة مصير الجنود العسكريين المخطوفين من داعش قبل 3 سنوات بعملية التنسيق هذه.

هذه الدعوة لم تجد آذاناً صاغية، ولكن أمكن لحزب الله، وهو يرى أن عناصر تنظيم داعش بدأت بالانهيار، وراحت تسلم نفسها له متفادية التسليم للجيش اللبناني، أن يوجه رسالة مفادها أن عدم التنسيق مع الجيش السوري يمكن أن يؤدي إلى أنّ الأخير لن يعطي أيّ معلومات عن العسكريين المخطوفين، متناسيا مسؤوليته الوطنية عن هذا الملف، حيث تعامل مع أسرى داعش باعتبارهم أسرى لدى الجيش السوري وليس لدى طرف لبناني، وهذا ربما ما فرض على الجيش اللبناني أن يقبل التسوية التي أعدها حزب الله مع داعش بأن يوقف الجيش المعركة مقابل كشف مصير 11 جندياً لبنانياً تبين لاحقا أنّهم قتلوا من قبل داعش، مقابل أن ينسحب جنود داعش باتجاه مناطق سورية.

أي مراقب لاحظ أن العلاقة هي بين حزب الله والجيش السوري من جهة، وتنظيم داعش من جهة ثانية سلسة، بل إن حزب الله أنجز التفاهمات من دون أن يسمح للجيش اللبناني بالمقايضة بأسرى داعش لديه بأي معلومة يمكن الحصول عليها من داعش، بل كان حزب الله والجيش السوري عائقين أمام استكمال الجيش المعركة للقضاء على فلول داعش إما باستسلامهم أو بقتلهم.

وكما أشرنا سابقا، فإن الجيش هو الهدف، حيث سار حزب الله على طريق منع الجيش من تحقيق انتصار كامل، وكل ما قام به حزب الله خلال معركة فجر الجرود هو إنقاذ هذا التنظيم الإرهابي من أن يقع أي عنصر من أفراده في يد الجيش اللبناني، وإلا ما معنى أن يسلم هؤلاء أنفسهم لحزب الله ويرفضون تسليم أنفسهم للجيش اللبناني؟

هل حزب الله أكثر رأفة بهم من الجيش؟ بل ما تكشفه الوقائع أكثر من ذلك بكثير. حزب الله هو الطرف الموثوق في اللحظات الحرجة، والقادر على ترتيب اتفاقيات تمنع القضاء على التنظيم الإرهابي وعناصره. بل إن حزب الله الذي كان يمنع الدولة اللبنانية من التفاوض مع داعش قبل سنوات من أجل استعادة جنودها المخطوفين، هو نفسه من فرض على الدولة اللبنانية إطلاق عناصر من جبهة النصرة في سجونها مقابل أن تطلق هذه الجبهة أسرى حزب الله الخمسة قبل أقل من شهر. فيما يقول حزب الله اليوم، ومن خلال شبكة من مناصريه في سياق استهدافهم للجيش، إنّ حزب الله أعاد أسراه أحياء من جبهة النصرة، فيما أعادهم الجيش رفاتا وبمساعدة حزب الله.

هذه الوقاحة هي السياسة التي يعتمدها حزب الله في تطويع الدولة اللبنانية لتسير في ركابه، ولتسويق فكرة أن الجيش كما كل المؤسسات يجب أن تبقى في وضعية العاجز وأنّ حزب الله هو الذي يحميها.

يعلم اللبنانيون أنّ العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله يجب أن تبقى بنظر الأخير مشروطة بأن تكون الدولة مهانة وعاجزة، لكن معركة فجر الجرود هي معركة فضحت سلوكيات حزب الله تجاه الدولة. وهي سلوكيات ما كانت لتنكشف لولا إصرار الجيش على خوض المواجهة مع داعش من دون حزب الله أو جيش النظام السوري.

كاتب لبناني

علي الأمين

(العرب) اللندنية

 

لبنان: حرب معلنة ضد داعش

وحرب خفية أشد وأقوى

علي الأمين

أطلق الجيش اللبناني عملية فجر الجرود لتحرير جرود القاع وعرسال من تنظيم الدولة الإسلامية داعش، وهذه العملية العسكرية التي أثارت عشية حصولها التباسات لجهة كونها أتت في سياق الضغط السياسي والميداني الذي قام به حزب الله لفرض توقيت المعركة على الجيش اللبناني، من خلال فرضه توقيت المواجهة في جرود عرسال مع جبهة النصرة في مواجهة رأى فيها العديد من المراقبين أنها استعراضية، وكشفت إلى حد بعيد أن حزب الله كان يهدف من خلال هذه المواجهة مع مئة وعشرين عنصرا من جبهة النصرة إلى فرض إيقاع سياسي في لبنان عنوانه تشريع سلاحه من جهة، وفرض التنسيق بين النظام السوري والحكومة اللبنانية في ظل التحولات التي يشهدها الميدان السوري إقليميا ودوليا من جهة أخرى.

ساهمت معركة حزب الله مع جبهة النصرة في تعجيل الجيش اللبناني بإطلاق عمليته العسكرية، لا سيما أن حزب الله عمد بطريقة غير مباشرة إلى إحراج الجيش اللبناني عبر القول إنه نجح في إخراج جبهة النصرة من لبنان بالتعاون مع الجيش السوري، فيما الجيش اللبناني لم ينجز عملية القضاء على تنظيم داعش والتي تتطلب، بنظر حزب الله، تنسيقا معه ومع الجيش السوري.

الجيش اللبناني الذي أدرك، من جهته، أنه بات في موقع حرج، عمد إلى تحضير الهجوم على مناطق تواجد هذا التنظيم في المناطق المذكورة، ومنذ البداية عمد إلى إعلان أنه لا ينسق مع الجيش السوري ولا حزب الله في هذه العملية، وسينجز المهمة كاملة من دون أن يحدد مدة زمنية لذلك.

الجيش اللبناني الذي أخذ غطاء كاملا لتنفيذ العملية العسكرية من الحكومة اللبنانية، حظي بالتفاف شعبي واسع وغير مسبوق من اللبنانيين لتنفيذ هذه المهمة، وساهم سلوك حزب الله الذي سعى إلى استثمار عمليته ضد جبهة النصرة في الداخل اللبناني، ولا سيما على صعيد تبييض صفحة نظام الأسد، في صنع اندفاعة لبنانية واسعة ومقابلة تعلن عن الالتفاف حول الجيش، وعن دعم لخيار الجيش في قيامه بالمهمة من دون أي تنسيق مع الجيش السوري وحزب الله.

لا بل إن الجيش اللبناني أظهر في حرصه على القيام بهذه الخطوة منفردا أنه، وبخلاف الجيش السوري الذي يستعين بحزب الله، (أي الجيش اللبناني) قادر على تنفيذ العملية بمفرده.

تسليم عناصر تنظيم داعش أنفسهم لحزب الله، وليس للجيش اللبناني، جعل الكثيرين يتساءلون عن دلالة هذه الخطوة ومعانيها

على أن حزب الله الذي أعلن رسميا أنه لا يلزم الجيش بالتنسيق معه، قال عبر أمينه العام حسن نصرالله إنه سيهاجم تنظيم داعش مع الجيش السوري من الجانب السوري، في موقف يعبر في مضمونه عن إصرار على دخوله في المعركة بغاية بات يعرفها الجميع، أي التأكيد على دوره في تحرير أراض لبنانية من جماعات مسلحة سورية، كان هو في نظر الكثير من اللبنانيين سببا في دخولها إلى لبنان لا سيما بعد تورطه في القتال السوري منذ نحو خمس سنوات على الأقل.

معركة الجيش اللبناني تكتسب اليوم أهمية تتجاوز البعد العسكري ذا الأهمية البالغة، باعتبارها أوّل معركة يخوضها الجيش مع هذا التنظيم، فهي إلى ذلك تبدو ملحمة عسكرية ووطنية تريد منها قيادة الجيش أن تؤكد للبنانيين قدرتها على حماية الحدود والدولة.

وهي ملحمة تهدف إلى نسف كل المقولات التي يحامي عنها حزب الله وحلفاؤه منذ عقود، ومفادها أن الجيش اللبناني عاجز وغير قادر على حماية لبنان، وهي مقدمة للقول للبنانيين أن لا غنى لكم عن سلاح حزب الله.

في اليوم الأول من عملية فجر الجرود نجح الجيش اللبناني في التقدم في المنطقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش، ونجح في السيطـرة على معظـم التلال في المنطقة، وأسقط أكثر من عشـرين مقاتلا من عناصر هذا التنظيم.

وفي اليوم الأول من العملية، وللمفارقة، عمد نحو خمسة مسؤولين عن مجموعات هذا التنظيم إلى تسليـم أنفسهم طوعيا لحـزب الله كما أظهرت الصور التي وزعها الإعلام الحربي لحزب الله، فيما حـاول الحـزب بكل وسائـل التـرويج ومن خلال أشرطة الفيديو المصورة القول إنّه أيضا يقاتل وليس الجيش اللبناني وحده في الساحـة، بل سعى أيضا إلى ترويج وبطرق غير مباشرة فكرة مفادها أنّه ينسق مع الجيش وهو ما ظل الجيش ينفيه حتى اليوم.

تسليم عناصر تنظيم داعش أنفسهم لحزب الله، وليس للجيش اللبناني، جعل الكثيرين يتساءلون عن دلالة هذه الخطوة ومعانيها.

الجيش اللبناني وفي اليوم الثالث لإطلاق العملية أصدر بيانا نعى فيه ثلاثة من جنوده الذين قتلوا نتيجة انفجار لغم أرضي في مركبة عسكرية كانوا فيها، ولكن هذه الخسارة التي يؤكد مصدر عسكري أنها من ضمن الخسائر المحتملة حتى الآن في العملية، رسخت لدى القيادة العسكرية خيار التقدم على طريقة القضم، لا سيما أنّ الجيش لا يريد أن يتكبد خسائر بشرية كبرى إذا كان قادرا على تحقيق نفس النتيجة العسكرية بالقضاء على وجود داعش على الأراضي اللبنانية بوقت أطول.

في البعد السياسي يدرك جميع اللبنانيين، من دون أن يعلنوا ذلك جهارا، أنّ ثمّة معركة معنوية وسياسية يخوضها الجيش اللبناني سواء على جبهة الداخل اللبناني أو في جبهة الخارج الإقليمي والدولي.

معركة إثبات الوجود والقدرة والكفاءة بأنه يمتلك كل المقومات التي تجعله قادرا على حماية الحدود اللبنانية، وهو إلى جانب قدراته التسليحية يتميز بأنه المؤسسة اللبنانية الـوحيدة التي تحظى بالتفـاف وطني وإجماع لبناني حوله لا يقاربه أيّ إجماع آخر.

ومعركة الجرود في هذا السياق تكتسب أهمية تتجاوز البعد العسكري الميداني إلى البعد السياسي والوطني، فالجيش بانتصاره المرتقب على تنظيم داعش رغم كل المحاذير التي تحيط بهذه المعركة، فإنه بإنجازها سيكون عرضة لتحديات أكبر ستجعله أمام مخاطر إضافية على مستوى بروزه كقوة عسكرية لا تشكيك في كفاءتها ووطنيتها.

مخاطر سيقابلها التفاف لبناني أكبر بعدما فقد الكثير من اللبنانيين ثقتهم بالحكومة والسلطات السياسية الحاكمة عموما.

كاتب لبناني

 (العرب) اللندنية

 

بدأت الحرب على

الشيعة المعارضين…

حزب الله خائف من الكلمة

علي الأمين

إستدعى الأمن العام الأسير المحرّر من سجون إسرائيل، بعد 10 سنوات أسر، أحمد اسماعيل، بسبب كتاباته الاعتراضية على قوى الممانعة عبر حسابه الفيسبوكي. هذا ما قاله أحمد اسماعيل. أما بيان المستدعي، أي الأمن العام اللبناني، فتفتّقت عبقرية معدّه عن أنّ الاستدعاء تمّ على خلفية “تحقيقات بشأن شبكة تجسس اسرائيلية”.

لكن ما قاله المناضل الصديق أحمد إنّ غضب المحقق وحنقه كان سببهما غيرته على الوزير السابق وئام وهاب، فيما لم تتجاوز مدّة السؤال عن شخص يمكن أن يكون له علاقة بإسرائيل، يعرفه أحمد اسماعيل أشقاءه من بعيد، لم تتجاوز الدقيقتين، وبقية الساعات الأربع أو الخمس كانت تعريضاً بآرائه ومواقفه السياسية المزعجة للممانعة

ما قاله أحمد عمّا جرى داخل التحقيق في مبنى الأمن العام، وهو مؤسسة رسمية، لا نريد أن ننقله ونترك له أن يفصّل فيه. لكن ما يعنينا، نحن الذين نتشارك وإياه الكثير من الآراء والمواقف، من دون أن نتطابق، هو صيانة الحرية في لبنان، وحماية حقنا في التعبير عن آرائنا ومواقفنا كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.

لذا ما جرى مع الصديق المناضل احمد هو رسالة لكل من لا يزال يؤمن بأنّ في لبنان مساحة من الحرية، وأنّ لبنان يدخل عصر تكميم الافواه، تكميم أفواه من يعترض على محور الممانعة، ومن يعترض على تشبيحات أدواتها ورموزها، ومن يواجه الإسفاف والتهديد والتحريض على كل من يعترض على كل سلطات تسعى إلى تدمير حقّنا في أن يكون لنا دولة ودستور وقانون ومؤسسات وجيش واحد أحد وتحمي حق المواطنين.

ما جرى مع أحمد اسماعيل هو البداية والآتي أشدّ. فالعقل الذي يدير البلد اليوم يريدنا أن ننحني ونصلي كل يوم لأنّه تركنا على قيد الحياة ويمنّ علينا بأنّ الهواء الذي نتنفسه كان عملة نادرة لولا وجوده.

أن يُسأل مواطن ويدان لأنّه ينتقد وئام وهاب ويعرّض به وينتقد حزب الله وإيران، لهو جوهر ما يراد للبنان أن يصل اليه… تخيلوا هذه المهزلة!

يبقى أنّ أحمد اسماعيل مواطن لبناني، قبل أن يكون مناضلاً دفع عشر سنوات من عمره في السجون الاسرائيلية. هذا لا يعطيه، برأيه ولا برأينا، أيّ ميزة أمام القانون. هو رجل يبحث ويناضل من أجل تطبيق القانون ولا يريد أن يمنّن شعبه ودولته بأنّه كان أسيراً لدى الاحتلال، بل السؤال هو لأولئك الذين باسم المقاومة وقتال اسرائيل سمحوا لأنفسهم باستباحة الدستور والقانون والمال العام والسيادة والبشر، هؤلاء انفسهم من أزعجهم أحمد اسماعيل وضاقوا به وبصوته الصارخ وموقفه الصادق والصلب.

معركة أحمد اسماعيل مع المعتدين على حقوقه تختصر معركة اللبنانيين الذين لايزالون يؤمنون بأنّ الحرية شرط وجودهم وأنّها ليست منّة من أحد. لذا فإنّ معركة الحريات تفرض نفسها اليوم بقوة، في وجه سياسة كم الأفواه، التي نعلم ويعلم ذلك الذي يظن أنه قادر على كم افواهنا، أنّه نجح في كم افواه البعض بالقمع والتهديد، لكنّ أحمد لا .

لم يكن أحمد أوّل من استُدعيَ. هناك كثر تم استدعاؤهم من قبل اجهزة القمع وتم ابتزازهم وتهديدهم بأرزاقهم وحيواتهم ولا نلومهم على عدم إعلاء صوتهم اليوم. لكن هذا والله لن ينفع في مواجهة الإفلاس بعينه. إفلاس منطق الممانعة ونهاية يؤكد التاريخ حتميتها

أحمد اسماعيل، أيّها المناضل الصلب، نتعلم منك معنى أن نكون مواطنين احراراً بلا زيادة ولا نقصان.

(جنوبية) باتفاق مسبق

 

الحرية عنصر تكويني للبنان

يتربص بسطوة حزب الله

علي الأمين

كل الأرقام والمؤشرات المالية والاقتصادية تشير إلى أنّ لبنان لا يزال يسارع للوصول إلى الهاوية. الدين العام وصل إلى مئة وثمـانية عشر مليار دولار، فيما عجز المـوازنة السنوي يتجاوز الستين بالمئة، في موازنة لا تتجاوز السبعة عشر مليار دولار.

الموارد المالية تتراجع فيما الضرائب التي يجري رفع منسوبها لا تكفي لسد العجز، بل تزيد من مخاطر الانهيار المالي في البلد، ولا يمكن مهما حاول رئيس الوزراء سعد الحريري، عبر حكومة الوحدة الوطنية، أن يروّج لنظرية فصل الاقتصاد عن السياسة، فإنّ المؤشرات تدحض كل هذه النظرية التي تظهر أنّ مسار الاقتصاد والتنمية انحداري، ولا يبدو أنّ إمكانية لجمه متاحة في ظلّ الإصرار على تغيير هوية لبنان ودوره التاريخي في محيطه، وعلى مستوى المنطقة العربية والعالم.

الإشارة إلى هذا الجانب الاقتصادي والمالي تأتي وسط عجز متنام للسلطة السياسية، سواء تلك اللصيقة بحزب الله والمشروع الإيراني أو البعيدة عنه، عـن القيام بأيّ إجراء يعطي الثقة في إمكانية الخروج من النفق الذي صارت البلاد فيه، ذلـك أن ثمة خطابا طاغيا في الحكومة وعلى مستوى السلطات يتعامى عن الوقائع التي يعيشهـا لبنان اقتصاديا وماليا، ويعتمد وسيلة النعامة التي تضع رأسها في الرمال حين مواجهة أيّ خطر.

فيما يذهب البعض منهم إلى تعليق الفشل والعجز على مشجب اللاجئين السوريين، عبر محاولة رخيصة لتحميل اللاجئين فشل السلطة السياسية في مواجهة الأزمة، وتحميلهم مسؤولية العجز المالي، لتغطية عملية النهب المنظم الذي جعل المال العام هدفا للمحاصصة وللصفقات المشبوهة التي تشكل مصدرا من مصادر مراكمة الثروات غير المشروعة من جهة، ووسيلة من وسائل ترسيخ الزبائنية السيـاسية التي تفـرض على المـواطن حصرية تحصيل بعض حقـوقه من باب الولاء السياسي أو المذهبي والطائفي لا من باب حقوقه، كمواطن من جهة أخرى.

هذه الزبائنية والصفقات المشبـوهة ليست جديدة كما يعلم القارئ، هي موجودة دائما، لكنها في لبنان تنامت بشكل غير مسبوق، فعلى سبيل المثال تمت في السنوات العشر الماضية أكبر عملية نهب للأملاك العامة من الأراضي بقوة نفوذ السلطات الحـزبية المشاركـة في الحكومـة، وساهم نفوذ السلاح غير الشرعي في التغطية على هذه العمليات بشكل مباشر أو من خلال إضعـاف وتهميش سلطـة القانون في مواجهة المحميين والمستقوين بالسلاح غير الشرعي.

العجز لا يولد الثقة ولا يشعر صاحبه بأنّه يسير على أرض ثابتة، فعلى الرغم من الاستعراض السياسي والعسكري والإعلامي اليومي لحزب الله وحلفائه بأنّهم يستطيعون الإمساك بمفاصل الدولة ويتحكمون بخياراتها السياسية الخارجية والداخلية الأمنية والسياسية، فإنّ ذلك لم يوفر الشعور بالثقة والقوة، بل ثمّة ما يجعل هذه القوى – وعلى رأسها حزب الله- قلقة من الأرض التي يدّعون السيطرة عليها.

فلبنان يتداعى تحت نير هذا الانتصار المزعوم، والدولة تسير إلى المزيد من الهشاشة وعدم القدرة على بعث الثقة في نفوس المواطنين، فيما سلطة حزب الله لا تحمل إلى اللبنانيين إلا الوعود بحروب متتالية لا مجال لنهايات لها.

ولعلّ التهديدات التي باتت تطلق بشكل متنام تجاه كل المواقف المعترضة على حزب الله وتورطاته الخارجية وعلى استقوائه على الدولة، هي ما يوفره حزب الله وحلفاؤه من قوت يومي للحياة السياسية اللبنانية.

هكذا يلمس اللبنانيون اليوم محاولات حثيثة لتطويع التنوع اللبناني في بوتقته، وعلى قاعدة أنّ حزب الله هو المقدس وما عداه مدنس إن كان مغايرا ومختلفا ومن “المؤلفة قلوبهم” إذا كانوا يحسنون ترداد ما يقوله قادة هذا الحزب ورموز المحور الإيراني الممتد على طول الهلال الممتد من طهران إلى بيروت.

سطوة حزب الله يمارسها هذه الأيام باليد الناعمة التي نجحت إلى حد بعيد في تطويع معظم وسائل الإعلام اللبنانية، ويمكن لأي متابع لوسائل الإعلام هذه أن يلاحظ كيف أنه أمكن لهذا الحزب تطويعها إلى حد كبير، كما أطلق حزب الله العنان لبعض المحيطين به لإطلاق التهديد بالقتل لكل من يناوئ مشروع حزب الله من دون أن تتحرك السلطات القضائية، بل تحركت أجهـزة السلطة القضـائية عنـدما قـامت إحدى المغرّدات بتوجيه نقد قاس لوزير الخارجية جبران باسيل. على هـذا المنوال يجري تطويع الرأي العام، وبهذا الأسلوب يحاول حزب الله وحلفاؤه تسيير البلد وإدارته.

هذا النمط من إدارة البلد هو ابن تجربة السلطات العسكرية والأمنية التي لا تملك في رصيدها أيّ ثقافة للحكم خارج القوة والفرض والقمع، وهذا قد ينجح إلى حد ما وفي ظرف محدد ولكنّه غير قابل للاستمرار في بلد كلبنان.

فلبنان كما يقول تاريخه منذ تأسس هذا البلد، أن أي سلطة مهما بلغت من القوة والبطش لا تستطيع تطويع التنوع الذي قام عليه لبنان، ولا مساحة الحرية التي ظلت عصيّة على كل السلطات والاحتلالات لهذا البلد، وهذه الميزة ليست طارئة على لبنان بل هي عميقة وتأسيسية لهذا الوطن ولهذه الدولة، وهي لذلك مرتبطة ارتباطا وثيقا بطبيعته الاقتصادية والاجتماعية، وأيّ إخلال بشروط الديمقراطية والحريات ينعكس بالضرورة على الاقتصاد.

لبنان يلفظ أيّ محاولة لإلحاقه بالنماذج التوتاليتارية، وفي تكوينه لا يمكن أن يكون منفصلا عـن محيطه العربي، فالانتماء العربي ليس انتماء ظاهريا أو شكليا للبنان، بل هو عنوان وجود واستمرار ومعنى له، وكلما حاولت السلطات المتعاقبة جرّه إلى مكان آخر كان لبنان يرفض بطبيعته هذا التطويع والفرض بالانفجار في وجه من يحاول ذلك.

بهذا المعنى لبنان يقلق حزب الله اليوم، ويجعله غير واثـق من قدرته على الإمساك به، البلد يفاجئ الجميع في قدرته على التفلّت من نير العبودية، يطلق حركة مقاومة لكل سلطة تسعى إلى تغيير عناصر وجوده وتنوعه الفعلي، لبنان بلا حريات وبلا اعتراض وبلا حيويات سياسية وثقافية يموت، ولأنه عصي على الموت فهو يتعب بل يقضي على كـل من يحاول مصادرته أو جعلـه على صـورته الخاصة، الاقتصـاد يرفض هذا النمـط من الاستقواء والتنمية أيضا، والحياة اللبنانية ترفض التنميط لذا تعلن كلها أنّها عصية على الاستحواذ والحياة.

لبنان وطن أكبر من خطاب أيديولوجي تعبوي، وأعمق من فكرة طارئة تظن أنّها تحكـم وتسيطـر، وعصي على أي احتـلال ولو كـان من داخلـه، الحـرية ليست فيـه موجـة عابرة بل موجـة كفيلـة بـأن تطيـح بكل طاغية سواء كان فكرة أو محورا أو رجلا.

كاتب لبناني

 جريدة (العرب) اللندنية

شعارات إيرانية كُشفَ زيفها

من 'الأقصى' إلى 'وحدة الأمة'

علي الأمين

لم يسبق أن كانت القيادة الإيرانية وامتدادات فيلق القدس التابع للحرس الثوري شديدة “التهذيب” حيال الإجراءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى، كما شهدنا خلال الأسابيع القليلة الماضية، والحديث عن “التهذيب” هنا يفرضه منطق الأيديولوجيا الإيرانية التي طالما بررت تمددها ودعمها لمجموعات تابعة لها في معظم الدول العربية، في سياق ما تسميه تحرير القدس أو إنهاء إسرائيل من الوجود إلى الإدعاء بالقدرة على تدمير إسرائيل خلال سبع دقائق ونصف الدقيقة، فالقضية الفلسطينية هي الذريعة التي بها نجحت قيادة ولاية الفقيه في اختراق المجتمعات العربية ودولها، وأظهرت قدرة على العرقلة والتدمير من دون أن تستطيع هذه “القيادة الإلهية” أن تقدم نموذجا سياسيا ودنيويا يظهر مدى قدرتها على تقديم مثال حي وجذاب لإطار إنساني أو إلهي أو دستوري يفضح النماذج السياسية القائمة في الدول العربية.

الأيديولوجيا الإيرانية قدمت أسوأ النماذج على صعيد الاجتماع السياسي في المنطقة العربية، ليس بسبب الدمار الذي رافق سيطرتها الجزئية أو الكلية في بعض الدول العربية، بل في تلازم هذه السيطرة مع الانقسام داخل هذه الدول وتفتت مجتمعاتها وبرز المثال الإيراني عربيا متفوقا على كل أعداء المنطقة في أدلجة الانقسام باسم الدين أو المذهب وترسيخه.

رفعت هذه الأيديولوجيا شعار وحدة المسلمين كسبيل لنهوض الأمة العربية والإسلامية من كبوتها، وطريقا للتخلص من النفوذ الغربي في المنطقة، لكنّها فعليا كانت في العقد الأخير أكثر من تفوق في الاستثمار في تفتت الأمة وانقسامها، وأكثر من نأى عن مواجهة من يفترض أنّهم أعداء هذه الأمة بحسب ما روجت القيادات الإيرانية منذ نحو أربعة عقود، فأكبر صفقة أنجزتها إيران مع الغرب، أي المشروع النووي الإيراني، تمّ بقوة طاقة مشاركتها عمليا في تدمير العديد من الدول العربية، وهنا لسنا في إطار تبرئة النظام العربي من مسؤولياته على هذا الصعيد، لكن ما لا يجب أن يغيب عن بال المراقب وهو يقيم السياسة الإيرانية في المنطقة العربية، أنّها كانت من الأساس تصف الأنظمة العربية على أنّها أنظمة لا تمثل شعوبها، بل خانت دولها والأمة، وهذا خطاب مستمر ولا يزال منذ عقود.

وبالتالي لأن الأيديولوجيا الإيرانية تنطلق في مشروعها في المنطقة العربية من هذا الأساس وتضيف إليه أنّها تفضح تآمر العرب على فلسطين، فإن الحصيلة الأولية التي يمكن تلمسها لهذا المشروع على امتداد نفوذه هو أن فيلق القدس كان شديد الاحترام للمصالح الأميركية والإسرائيلية. لم يطلق يوما رصاصة واحدة في وجه إسرائيل، كما كان ولا يزال يفعل حيال العديد من القوى التي تهدد نفوذ إيران وأذرعها في العراق أو سوريا، بل إنّ السياسة الإيرانية الإسلامية أو القومية تتناغم مع أيّ اقتراح يعيد بلورة المجتمعات على أساس مذهبي أو طائفي، إذ تتهاوى كل الشعارات عن وحدة المسلمين أمام أطماع السيطرة والنفوذ، أو في سبيل المصالح المباشرة للسلطة الإيرانية، ودائما على حساب وحدة المجتمعات الوطنية أو وحدة المسلمين.

في المقلب اللبناني وهو البلد الوحيد الذي يمكن أن نقول إنّ إيران من خلال حزب الله تسيطر على مفاصل الدولة فيه، لم يتح لحزب الله أن يتعامل مع هذه الدولة باعتبارها وطنا ودولة يحق له أن يكون موجودا بكل ما تقتضيه شروط الدولة الطبيعية.

فحزب الله طالما ميّز نفسه عن بقية اللبنانيين باعتباره قوة مقاومة تواجه الخطر الإسرائيلي، وتروج دائما للقضاء على الكيان الصهيوني وتحرير القدس، هو دخل إلى سوريا وفي إحدى الذرائع التي روج لها لتبرير قمع الثورة السورية ، أنّه يريد أن يواجه المشروع الأميركي الصهيوني في هذا البلد، فكانت الحصيلة أنّ المحترم في سوريا من قبل إيران هو المشروع الأميركي الصهيوني، وهذا ما أكده اتفاق الجنوب السوري الذي طرد إيران وأتباعها من جنوب سوريا من دون أيّ اعتراض إيراني، رغم أن وظيفة هذا الاتفاق ضمان أمن إسرائيل، وهذا ما تؤكده القواعد الأميركية التي تقام في سوريا من دون أن تتلقى أي تهديد إيراني أو من قبل حزب الله. ما أنجزته إيران في سوريا قمع المعارضين السوريين أما العدو الإسرائيلي بحسب التنظير الإيراني فلا رصاصة وجهت لجندي إسرائيلي أو أميركي.

بحجّة مقاتلة إسرائيل احتفظ حزب الله بالسلاح في لبنان، لكنّه استقوى على اللبنانيين والسوريين، وبحجّة القدس دخلت إيران إلى العديد من الدول العربية، لكن حينما قامت إسرائيل بتهديد المسجد الأقصى بإجراءات عدوانية، كان حزب الله كما إيران منهمكا في حرب أخرى عنوانها قتال الإرهابيين في جرود عرسال اللبنانية والقيام بحملة تطويع للبنانيين باعتباره ينوب عن جيشهم في مواجهة هذا الخطر الذي كان هو أحد مسبباته، وأول من استثمر هذا الوجود لمصالح إيرانية ولحماية سلاحه الذي لا ينافس إلا سلاح الشرعية اللبنانية ولا يهدد فعليا إلا قيام دولة لبنانية ذات سيادة.

أوراق التوت تتساقط عن عورة المشروع الإيراني لتكشف أنه مشروع رفع شعار المقاومة والغاية هي السلطة والتحكم باللبنانيين والسوريين وعدم المس بالمصالح الإسرائيلية والغربية في هذين البلدين، رفع شعار وحدة المسلمين وأفضل من استثمر في الشروخ المذهبية التي قسمت المنطقة وقزمتها فيما حزب الله يعلن عن انتصار وراء انتصار. تتدمر المنطقة وحزب الله منتصر، وإيران تبتهج بانتصارها، تُحاصَرُ القدس فلا نسمع أيّ تهديد إيراني شبيه بما دفع حزب الله قبل خمس سنوات إلى الزج بالآلاف من مقاتليه في سوريا لأنّه اعتبر أنّ مقامات شيعية مهددة في سوريا، أولى القبلتين لم تهز وجدان حزب الله، وإذا أحسنا الظن بنوايا حزب الله وإجراءاته فإنّ القدس ليست على وزن دمشق، ولا المسجد الأقصى بأهمية مقام السيدة زينب في دمشق، وإذا أسأنا الظن فليست الشعارات الدينية إلا وسيلة يجري استخدامها وقت الحاجة.

كاتب لبناني

جريدة (العرب) اللندنية

جرود عرسال.. آخر حلقات

إحكام السيطرة الإيرانية على لبنان

علي الأمين

 

المئات من عناصر تنظيمي جبهة النصرة وداعش يتمركزون في مناطق على الحدود اللبنانية-السورية في ما يعرف من الجانب اللبناني جرود عرسال، ومن الجـانب السوري تلال القلمون الغربي. التنظيمان متواجدان منذ سنوات، حصلت في الأصل مواجهات عسكرية بينهما حيث يتمركز تنظيم داعش في المناطق الشمالية من هذه الجرود، فيما جبهة النصرة (جبهة فتح الشام) في الجزء الجنوبي، كما يتواجد في هذه الجرود فصيل تابع للجيش السوري الحر.

حزب الله قرر أخيرا أن ينهي هذا الوجود العسكري بالتعاون مع الجيش السوري، بدأ حملة عسكرية مسبوقة بحملة إعلامية واسعة في الداخل اللبناني، ساهمت في تصعيد العداء ضد اللاجئين السوريين، حيث صدرت مواقف من حلفائه فيما تكفل الإعلام الممانع بلصق المآسي اللبنانية باللاجئ السوري. هذه الحملة العسكرية والتي شملت مناطق جرود عرسال وهي منطقة وعرة تمتد على مساحة أربعمئة كيلومتر مربع يتحكم حزب الله وجيش النظام في سوريا بالسيطرة شبه الكاملة عليها، فيما المسلحون داخلها هم في حالة حصار.

ويؤكد المراقبون أنّ حزب الله كان قادرا منذ العام 2015 على إنهاء وجود هذه المجموعات من الناحية العسكرية، إذ يجب الإشارة إلى أن هؤلاء المقاتلين في معظمهم هم من أبناء بلدات وقرى القلمون تلك التي كان حزب الله سيطر عليها في ذلك العام بشكل شبه كامل، فيما شكّل وجود هذين التنظيمين الإرهابيين أحد أهم أسلحة حزب الله التي استخدمها في مواجهة اللبنانيين الذين رفضوا تدخله في الأزمة السورية، بالقول لهم إنه هو من يحميهم من الإرهاب وأن هذه التنظيمات الإرهابية المتواجدة في جرود عرسال متأهبة للدخول إلى لبنان لولا أن حزب الله يحول دون ذلك.

اتفاق الجنوب السوري الذي قام بين روسيا والولايات المتحدة وبالتنسيق مع الأردن وإسرائيل، قضى بأن لا يكون للإيرانيين وميليشياتهم أي تواجد في عمق يصل إلى 40 كلم بعيدا عن حدود الجولان المحتل وعن الحدود الأردنية. طهران لم تنبس ببنت شفة التزمت وسحبت قواتها بصمت لإدراكها أنّ مثل هذا الاتفاق بين الدولتين الكبيرتين لا يمكن أن تواجهه، فالأفضل هو الرضوخ والتعويض في مكان آخر، علما أنّ النظام السوري اعتبره اتفاقاً ملائما له.

الحملة العسكرية في جرود عرسال اللبنانية، هي خطوة إيرانية بالدرجة الأولى، وعلى خلفية اتفاق الجنوب السوري المذكور، ولإحكام النفوذ على المثلث الشرقي الممتد من دمشق- حمص- لبنان وعرسال تقع في وسطه، وعلى ما يمكن استنتاجه فإنّ المحور الإيراني ربما وجد أنّ بقاء شماعة المجموعات الإرهابية لم يعد ذا أهمية إزاء إحكام السيطرة الكاملة للمحور الإيراني.

من هنا فإنّ أبعاد معركة جرود عرسال لها وجهان. وجه أول يتصل بإحكام السيطرة الإيرانية المباشرة وغير المباشرة في الجانب السوري. والوجه الثاني استكمال حلقات السيطرة الأخيرة على لبنان، وهنا تمكن الاستفاضة في الإضاءة على الخطة التي اعتمدها حزب الله على هذا الصعيد.

الاستسلام الرسمي لسلوك حزب الله يكشف أن لبنان فقد القدرة حتى على مقاومة مصادرة سيادته ولو في الموقف. فقدان هذه المقاومة هو تسليم بأن لبنان صار من الناحية الرسمية ضمن المحور الإيراني أو منطقة النفوذ الإيراني

إذ يعرف الجميع، وفي مقدمتهم اللبنانيون، أنّ حزب الله ضرب بعرض الحائط كل الاعتراضات اللبنانية الرسمية والشعبية التي طالبته بالخروج من سوريا منذ أن أعلن رسميا ما سمّاه “الواجب المقدس” كعنوان لحربه التي انطلقت من لبنان ضدّ كل فصائل المعارضة السورية، بل ضدّ كل من يعارض النظام السوري، وإن برر تدخله بالقول إنه يريد الدفاع عن المقامات الشيعية في سوريا في البداية.

استهزأت قيادات حزب الله في ذلك الحين بكل المواقف والمناشدات اللبنانية التي تطالبه بالخروج من سوريا، هذا الاستهزاء ترافق مع عملية تطويع للقوى السياسية اللبنانية عبّر عنه بالدرجة الأولى عدم انتخاب رئيس للجمهورية وإلزام اللبنانيين بانتخاب مرشحه أو استمرار الفراغ، وفعلا نجح حزب الله في فرض مرشحه العماد ميشال عون بعد فـراغ في هذا المنصب استمر لأكثر من عامين ونصف، وتمّ تشكيل حكومة على قاعدة تسوية سياسية رضخ فيها معارضوه لشروطه (ما لي لي وما لكم لي ولكم) أي أنّ حزب الله له مطلق الصلاحية عمليا في ما يعتبره مهمات أمن قومي خارجي ومنها سلاحه وتدخله في سوريا، أمّا القضايا الداخلية المتصلة بالسياسات الاقتصادية والمالية وما إلى ذلك فهي بالشراكة بين حزب الله وبقية اللبنانيين.

الجديد في الحلقة الأخيرة من إحكام السيطرة على لبنان، أن المشروع الإيراني المتمثل بحزب الله بدأ من خلال عملية جرود عرسال العسكرية، إظهار أنّ اللبنانيين ولا سيما شركائه في السلطة الداخلية في لبنان هم لا يشيحون بوجوههم عن تدخله في سوريا، بل هم في موقع الملتفين حول دوره في مواجهة تنظيم إرهابي موجود على الأراضي اللبنانية، رغم أنّ الجميع يعلم أنّ وجود هؤلاء هو بسبب دخول حزب الله إلى بلدات القلمون، فيما البعض من هذه التنظيمات كانت بوعي عناصرها أو بغير وعيها تنفذ أجندات المشروع الإيراني.

تكشف عملية عرسال العسكرية والتي تزامنت أيضاً مع زيارة مقررة لرئيس الحكومة سعد الحريري إلى واشنطن، حيث من المقرر أن يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب (اليوم الثلاثاء) وكما هو معلن في بيروت أن الحريري سيحمل للرئيس الأميركي مطالب لبنانية تتصل بعدم تصعيد العقوبات المالية على حزب الله لأنّها باتت تؤثر على كل اللبنانيين، كما سيطالب بدعم المؤسسة العسكرية، لكن الأهم في هذه الزيارة أنّ الحريري يحمل في طيات زيارته، ما يندرج في سياق التأكيد على أن لبنان يحارب الإرهاب في جرود عرسال.

علما أنّ الجيش اللبناني الذي لم يشارك إلى جانب حزب الله والجيش السوري في المعارك الجارية، إلا أن الحكومة اللبنانية والجيش يتعاملان مع معركة حزب الله وكأنّها حرب مشروعة من دون أن يظهر لبنان الرسمي أيّ موقف يبدو فيه مستاء مما يجري على الأقل من زاوية أنّ حربا تجري على أرضه ويجب أن يكون هو صاحب القرار في الحرب وفي خططها وإدارتها.

الاستسلام الرسمي لسلوك حزب الله يكشف إلى حد بعيد أن لبنان فقد القدرة حتى على مقاومة مصادرة سيادته ولو في الموقف. فقدان هذه المقاومة هو ما يمكن أن نسميه في الجانب الرسمي الاستسلام لمجريات التحكم والسيطرة، لا بل التسليم بأنّ لبنان صار من الناحية الرسمية ضمن المحور الإيراني أو منطقة النفوذ الإيراني التي جاءت معركة عرسال الجارية لتمثل الحلقة الأخيرة التي ستجعل حزب الله ومن خلفه إيران يستعد ليخاطب اللبنانيين وشركائه في السلطة كما فعل غداة تحرير الشريط الحدودي من الاحتلال الإسرائيلي في العام 2000، حيث ادعى حزب الله أنّه هو من حرر الشريط المحتل طامسا كل النضالات وآلاف الشهداء اللبنانيين والفلسطينيين الذين سقطوا خلال عملية التحرير التي بدأت منذ العام 1982.

سيخرج زعيم حزب الله بعد عملية عرسال وسيقول للبنانيين أنا من حرركم من إسرائيل ومن الإرهاب… والأمر لي.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

إسرائيل شريكة في خفض

التوتر جنوب سوريا وإيران غربا

علي الأمين

التفاهمات الأميركية الروسية في المنطقة الجنوبية الغربية لسوريا، تعيد الاعتبار للتعاون الروسي- الأميركي في هذا البلد، وهذا الاتفاق الذي يندرج ضمن صفقة المناطق المنخفضة التوتر في سوريا، أظهر أن أولوية الأمن الإقليمي تتقدم على ما عداها من عناوين التغيير السياسي في سوريا، رغم تأكيد وزير الخارجية الأميركية تيلرسون غداة إنجاز الاتفاق خلال لقاء الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في قمة العشرين في هامبورغ، أنّه لا يرى وجودا لبشار الأسد وعائلته في مستقبل النظام في سوريا، على أنّ ما اعتبره بعض المراقبين في الاتفاق الروسي الأميركي بمشاركة أردنية، أنه يعيد الاعتبار إلى نظام الأسد لا يعبر بدقة عن التوجه لدى إدارة ترامب تجاه مقاربة الأزمة السورية، فالإدارة الأميركية لا تبدو مهتمة في المدى المنظور بكيفية إعادة الاعتبار إلى النظام السوري سواء في ظل الأسد أو في ظل نظام سياسي جديد يبسط سلطته على كامل الأراضي السورية.

ذهب مستشار الأمن القومي الأميركي إلى وصف الاتفاق هذا بأنه أولوية أميركية، فيما قال الرئيس الروسي إن إسرائيل شريك في الاتفاق إلى جانب الأردن.

ما تشي به المعلومات المتداولة، أنّ الاهتمام الأميركي منصب على استمرار عملية إنهاء تنظيم داعش في الأراضي السورية، وتعزيز دور قوات سوريا الديمقراطية الكردية، وفي الجنوب السوري على ضمان الاستقرار على الحدود الأردنية والحدود مع الجولان المحتل، لذا ركز الاتفاق الآنف الذكر على حفظ الاستقرار المتلازم مع محاربة جيوب تنظيم داعش في هذه المنطقة مع إبعاد النفوذ الإيراني عبر الميليشيات عن الحدود مع إسرائيل والأردن بضمانة روسية.

الاتفاق في جنوب سوريا جدد التأكيد على أنّ المظلة الأميركية والروسية باتت المقرر في المعادلة السورية إلى حدّ كبير، وتجربة الجنوب السوري أظهرت من خلال الصمت الإيراني والترحيب التركي إلى جانب الصمت العربي تسليماً بهذا الاتفاق، فيما تبدو إسرائيل الأكثر اطمئناناً بعدما نجحت في استدراج هذه المظلة الروسية الأميركية لضمان أمنها الحدودي بعدما تدهورت أحوال النظام السوري وسطوته، الذي لم يعد يشكل مصدر ثقة في قدرته على توفير الاستقرار على حدود الجولان كما كان الحال قبل اندلاع الثورة السورية ومنذ العام 1974 على وجه الدقة.

الاتفاق الروسي الأميركي يجعل إيران أكثر اهتماماً بالمزيد من إمساك مفاصل السلطة في لبنان وبتعزيز السيطرة الميدانية لحزب الله وميليشيات إيران في سوريا

الاتفاق الأميركي الروسي، الذي اعترضت فصائل سورية معارضة على مضامينه ولا سيما في ما ينطوي عليه من تأجيل حسم ملف الانتقال السياسي، وترسيخ الاستقرار في مناطق الجنوب على أسس تعزز، بنظرها، نظام مصالح مناطقي قد يزيد من نزعات الانفصال داخل سوريا، بالإضافة إلى مطالبتها بأن يكون اتفاق وقف النار شاملا كلّ الأراضي السورية، في المقابل لا تبدو إيران التي لم تعلن موقفاً سلبياً من الاتفاق، مطمئنة إلى مجرياته، ولا سيما استثناءها من المباحثات، بل إن التأكيد على استبعاد قواتها وميليشياتها من هذه المناطق لا يطمئنها علما أن إيران لم تبد اعتراضا لا على الاتفاق ولا على مشاركة إسرائيل كطرف فيه كما أكد الرئيس الروسي، من هنا يمكن فهم أن الاستعداد الإيراني، من خلال ذراعها الأبرز في سوريا ولبنان أي حزب الله، لملاقاة هذا الاتفاق بالمزيد من السيطرة على مفاصل القرار اللبناني، وفتح ملف النازحين السوريين في لبنان، شكّل إلى حدّ بعيد وسيلة من وسائل الدخول إلى المعادلة التي ترسم في المناطق الجنوبية الغربية السورية وفي خطوة استباقية على ما يمكن أن يحمله من مفاجآت، ويتمّ ذلك من خلال تفجير ملف اللاجئين السوريين في لبنان بما يحول دون إظهار المواقف المعارضة داخل السلطة اللبنانية لتدخل حزب الله في الأزمة السورية، فالعزف على وتر شيطنة اللجوء السوري غايته الأساسية إنهاء ما تبقى من جيوب معارضة للسياسة الإيرانية وللنظام السوري في لبنان.

تورط الجيش اللبناني في اقتحام بعض مخيمات اللاجئين السوريين ولا سيما في ما تردد عن موت بعض المعتقلين من قبل الجيش تحت التعذيب، وما أحاط بهذه العملية من تجاوزات طالت شظاياها مؤسسة الجيش وسط حال من الصمت الرسمي حيالها، يأتي كمقدمة لاستعدادات عسكرية معلنة لخوض حزب الله معركة إنهاء نفوذ تنظيمات إرهابية متواجدة على حدود منطقة عرسال من الجانب السوري.

وليس خافياً على المتابعين أنّ هذه الجيوب الإرهابية بقيت موجودة لسنوات رغم حصارها، ولا يمكن النظر إلى استمرارها في هذه المناطق بمعزل عن أهداف سياسية وأمنية يحتاجها حزب الله لأسباب شتى، قد يكون منها تبرير قتاله واستخدام هذا الوجود كوسيلة قابلة للاستخدام الداخلي اللبناني وفي إظهار دوره في مواجهة الإرهاب دوليا.

وهذا ما يطرح سؤال هل أن حزب الله وصل إلى المرحلة التي تتطلب إنهاء هذه الجيوب الإرهابية على حدود عرسال السورية؟

سيف المجموعات الإرهابية يبقى مسلطاً وقابلاً للاستثمار سواء في اتجاه الشعب اللبناني أو الشعب السوري، إذ يمكن لأي عمل أمني إرهابي يتم لصقه بهذه المجموعات سواء المتواجدة في لبنان أو على حدوده أو في المناطق الممتدة من الحدود اللبنانية إلى ريف دمشق الغربي، وبالتالي عملية تفجير ملف اللاجئين السوريين في لبنان والحديث عن عملية عسكرية ضد جيوب التنظيمات الإرهابية، أن يساهم في تأكيد الدور الإيراني ضد الإرهاب من جهة، ويحاول أن يفرض مساراً لإدارة عملية استخدام اللاجئين بما يخدم سلطة نظام الأسد والنفوذ الإيراني في مناطق سوريا الغربية من جهة ثانية، من دون حلّ هذه القضية، بحيث تطمح إيران التي شجعت على عمليات مقايضة ديموغرافية في القلمون السوري كما حصل في كفريا والفوعة والزبداني ومضايا، إلى خلق ظروف أمنية واجتماعية في مخيمات اللجوء السوري في لبنان، تدفع إما إلى عودة اللاجئين مرغمين إلى سوريا، أو إلى تهجيرهم مجددا إلى مناطق خارج لبنان.

وقبل ذلك فإن النظام السوري ليس بوارد أو قادر على إعادتهم وما يثبت ذلك وجود نحو ستة ملايين لاجئ داخل سوريا لم يسع النظام إلى إعادتهم.

علما أن جزءا كبيرا منهم هم في مناطق نفوذه هذا كله، دون أن نشير إلى السياسة التي اعتمدها وهي تهجير كل من يعاديه من بيئات حاضنة للمعارضة بما يحول دون عودتها بعدما دمر أماكن سكناها بشكل كامل.

من هنا فإن الاتفاق الروسي الأميركي يجعل إيران أكثر اهتماماً بالمزيد من إمساك مفاصل السلطة في لبنان وبتعزيز السيطرة الميدانية لحزب الله وميليشيات إيران في سوريا، سواء عبر عمليات تفريغ مناطق النفوذ خاصة تلك المحاذية للحدود مع لبنان مع السماح بعودة جزئية للاجئين بما لا يهدد هذا النفوذ أو يخل به.

ولكن هذه السياسة تبقى غير قابلة إلا للمزيد من عدم الاستقرار طالما أنّ البيئة السورية ولا سيما تلك التي شارك حزب الله في قتالها إلى جانب النظام السوري أو وحيداً، لن تسلم بسلطته التي باتت ضرورية لصمود نظام الأسد.

فالنظام الذي يتداعى رغم الفرص الدولية التي تعطى له، غير قادر على الصمود في أيّ بقعة من دون الوجود الإيراني وهذا بحد ذاته عنصر استمرار للحرب وللاستنزاف الذي ثبت قواعده الاتفاق الروسي الأميركي بعنوان خفض التوتر على الحدود السورية مع الأردن وإسرائيل، وهذا لا يعني لجم الاستنزاف بعيدا عن هذه الحدود وعلى امتداد الداخل السوري حيث يترسخ النفوذ الإيراني ونظام الأسد.

كاتب لبناني

(جريدة العرب) لندن

 

 

لهذه الأسباب حزب الله

 لا يريد الإنتخابات النيابية

 

علي الأمين

 

لا شكّ أنّ حزب الله استشعر قلقاً بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو قلق مشروع في إيران، فكيف لأبرز ذراع لها في لبنان والمنطقة. الرئيس الأميركي الجديد وكلّ فريقه في الإدارة لا يبدون أيّ ودّ تجاه إيران، كما كان حال الرئيس السابق باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري. التوجه الأميركي يتخذ بعداً تصعيدياً ضد النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، ترامب وضع العراق كساحة مواجهة مع النفوذ الإيراني، إيران لوحت بصواريخ حزب الله ضد اسرائيل واستتبعته بعقد مؤتمر عن فلسطين في طهران.

حزب الله يتلمس بطبيعة الحال الوجهة الأميركية الجديدة، كما البهجة الإسرائيلية بالرئيس ترامب، وهو نفسه غالباً ما يكرر عبر وسائل إعلامه الحديث عن التقارب العربي مع اسرائيل على قاعدة الضد مع إيران، وهذا ما عبّر عنه أمينه العام السيد حسن نصرالله في خطابيه الأخيرين عبر التصعيد اللفظي ضد إسرائيل وعلى طريقته بوسيلة تحذير إسرائيل من التورط في مغامرة ضد لبنان أو حزب الله، بأنّه –أي حزب الله- سيستهدف مفاعل ديمونا ومخازن الأمونيا في حيفا وفي البحر.

يدرك نصرالله وهو يرفع من نبرة التحذير أو التهديد ضد إسرائيل بعد المذبحة السورية، أنّ جمهور الشيعة في لبنان من مؤيديه، لا يريدون أن يعودوا إلى نغمة الحرب مع اسرائيل. هم الذين يدركون أنّ مروحة الأعداء تكاد تحاصرهم بالكامل، بعدما فعل تدخل حزب الله في سوريا فعله في النفوس وباتت ورقة الإستقرار على الحدود مع إسرائيل هي الورقة الذهبية والوحيدة التي يملكها حزب الله، ويقايض فيها جمهوره بالولاء. وبالتالي يمكن فهم لماذا عمدت وسائل إعلام الممانعة وشبكات التواصل الخاصة بحزب الله، إلى تفسير كلام نصرالله بأنّه تصعيد لمنع الحرب، وليس لإشعالها. كما ترددت بشكل لافت مقولة أنّ تحذير نصرالله هو الذي لجم اسرائيل من تنفيذ عدوانها على لبنان.

وفي كلا الحالين سواء ذهبنا إلى تبني فرضية أنّ إيران تريد أن تستخدم حزب الله ضد اسرائيل للتخفيف من الإندفاعة الأميركية ضدها، أو تبنينا مقولة أنّ تصعيد حزب الله اللفظي هدفه لجم ضربة اسرائيلية مقررة ضد لبنان وحزب الله، فهذا يعني أنّ حزب الله الذي أعاد ترتيب المعادلة الداخلية بما يتناسب مع متطلباته الإقليمية ليس في وارد زعزعتها أو الإنشغال فيها خلال وقت حرج إقليمياً.

لا يمكن تخيل معادلة ملائمة لحزب الله أفضل من المعادلة القائمة: الجميع يريد رضاه، رئيس الجمهورية لا يتأخر في تلبية ما يريده من مواقف إقليمية، النائب وليد جنبلاط لا يريد العودة إلى زمن المواجهة مع "الدويلة"، القوات اللبنانية لا ترغب في خضم التحالف مع الرئيس عون، إلاّ أنّ تكسب ودّ حزب الله، أما تيار المستقبل فهو مضطر أن يطلق مواقف مبدئية ولفظية ضد السلاح غير الشرعي وضد شتيمة العرب، ولا يريد أن يوقف الحوار مع حزب الله، إمّا عبر عن ذلك نائب أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم.

عملياً لا مزعجات في المعادلة النيابية ولا الوزارية ولا الرئاسية بالنسبة إلى حزب الله، فيما الإنتخابات النيابية كفيلة بأنّ تدخله في دوامة وحسابات هو حالياً في غنى عنها. حلفاء حزب الله من السنّة والمسيحيين والدروز الذين ينتظرون موسم القطاف في الإنتخابات النيابية، لن يستطيع حزب الله تلبية ما يتوقعونه منه، لا لبخل بل لعجز، ولشعور بخطر أن يكون فوزهم وبالاً عليه وليس مكسباً له. فرضوخ جنبلاط والحريري والقيادات المسيحية لمعادلة حكم حزب الله اليوم، هو أفضل بكثير مما يمكن أن تحدثه الإنتخابات النيابية من فرز جديد لا يتحكم حزب الله بمفاصله ولا بتداعياته. فالمسألة ليست في قدرة حزب الله على تطويع الأكثرية النيابية وكسبها في الإنتخابات المقبلة، بل في ثورة الخاسرين التي لن تنفجر إلا في وجهه سواء كانوا حلفاء له أو خصوماً. ويجب الإشارة إلى أنّ الأكثرية النيابية التي مثلتها قوى 14 آذار في انتخابات 2009 ، لم تعنِ شيئاً في ميزان القوى الذي يرجحه حزب الله، بسطوة السلاح سواء كانت الأكثرية النيابية معه أو ضده.

من هنا يجب الإنتباه إلى موقف حزب الله من الإنتخابات النيابية، فالحزب متوجس من أيّ تغييرٍ في المعادلة النيابية المسيحية وفي الوقت نفسه لا يريد إزعاج رئيس الجمهورية، الذي يعطي الحزب في مقابل أن يقبض الثمن في الإنتخابات النيابية. الكل يعطي حزب الله اليوم ما يريده في السياسة، من سليمان فرنجية إلى عبد الرحيم مراد وطلال أرسلان ووئام وهّاب وأسامة سعد، وغيرهم من المسيحيين "المشرقيين" و"أشاوس" الممانعة، وأيضاً الكل من سعد الحريري إلى وليد جنبلاط وسمير جعجع، وغيرهم من رموز السياديين يعطون طائعين أو مرغمين، فيما يكتفون في تصفية الحسابات داخل طوائفهم بحثاً عن انتصار عجزوا عنه خارجها...

أفضل من المعادلة القائمة لن يحقق حزب الله لأنّها مثالية له وأفضل المتاح.  والإنتخابات النيابية تحت سطوة السلاح وبغياب مشروع سياسي وطني معارض لحزب الله تصبح عبئاً على "الحزب"، في مرحلة إقليمية حساسة. لذا فالإنتخابات ستفرض انهماكاً تنظيمياً هو بغنى عنه، ونسبة من المساءلة، في الحدّ الأدنى عبر سؤاله عن المنافع الإلهية التي ينتظرها بعض المرشحين من دعم، والناخبين من عطايا، درج عليها حزب الله في كل موسم انتخابي.

 

 

 

إيران تلوح بحزب الله للجم

ترامب وتطويق انكسارات اليمن

علي الأمين

فجأة ومن دون سابق إنذار عادت نغمة التصعيد المتبادل على ضفتي الحدود بين لبنان وإسرائيل. التصعيد اللفظي والاستعراضي يقابله استمرار الهدوء والاستقرار في أكثر منطقتين آمنتين في الشرق الأوسط منذ نحو أحد عشر عاما، نقصد جنوب لبنان ومنطقة الجليل الإسرائيلية، فهل المنطقة أمام مشهد تفجيري جديد طرفاه إيران عبر ذراعها حزب الله من جهة، وإسرائيل من جهة ثانية على الأرض اللبنانية وداخل الحدود الإسرائيلية؟

نقطة البداية في هذا المشهد التصعيدي بدأت منذ بداية الشهر الجاري، منذ أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب مواقف عدّة تجاه إيران، أوحت بوجود سياسة أميركية جديدة عنوانها الحدّ من النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، قال الرئيس الأميركي الجديد إنّه يريد الحدّ من النفوذ الإيراني في العراق، ووجّه أكثر من رسالة واضحة حيال التجارب الصاروخية الباليستية، وأعاد إيران إلى مربع العقوبات الأميركية الأول، ووجه رسالة مباشرة من على شواطئ اليمن بعد العملية الانتحارية التي استهدفت فرقاطة سعودية. كل هذه التطورات واستعراض أوراق القوة الأميركية، كان لا بد للقيادة الإيرانية أن ترد في المقابل باستعراض أوراق قوتها، وحزب الله الذي يمسك بالحدود اللبنانية مع إسرائيل، هو الأكثر قدرة على تلبية النداء الإيراني للرد على التهديدات الأميركية، ومن دون أن تتحمل إيران أيّ مسؤولية مباشرة.

على أنّ حزب الله الذي يدرك حساسية اللعبة الدولية، منذ أن غضت واشنطن النظر عن انخراطه في الحرب السورية دعما لنظام بشار الأسد، حرص على أن تكون رسائله الصوتية ضد إسرائيل ولا تقترب من أيّ موقف يمكن أن يشتم منه أيّ تهديد للمصالح الأميركية المباشرة في لبنان والمنطقة، لذا عندما نشرت وكالة رويترز الإخبارية قبل أيام نقلا عن مصدر في حزب الله أنّ الأخير يوجه تحذيرات لترامب، سارع حزب الله إلى نفي الخبر معتبرا أنّ لا أساس له من الصحة ببيان صدر عن العلاقات الإعلامية في حزب الله.

التهديدات التي أطلقها الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، كانت مدروسة أيضا تجاه إسرائيل، فهي مسبوقة دائماً بـ“إذا قامت إسرائيل بعدوان على لبنان فإنّ حزب الله سيرد”، ويكمل أنّ لدى حزب الله مفاجآت للجيش الإسرائيلي، مؤكدا أنّ معلومات إسرائيل عن إمكانيات حزب الله التسليحية والقتالية ضعيفة. لكن نصرالله وهو يستعرض في خطابه ضد إسرإئيل، كان يوجه سهامه إلى المنظومة العربية، وتحديدا المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، في مواقف كشفت عن انقلاب على ما قيل عن تفاهم لبناني عبرت عنه محطة انتخاب العماد ميشال عون رئيسا ومحطة تشكيل الحكومة، وتأكيد الأطراف اللبنانية، على اختلافها، على ضرورة إعادة تنشيط العلاقة مع الدول العربية ولا سيما الدولتين المذكورتين. من هنا جاء تصعيد حزب الله ضد إسرائيل وضد الدول العربية، مع فارق استمرار الهدوء وعدم القيام بأي خطوة عسكرية ضد إسرائيل، في مقابل ضخ مستمر للمقاتلين سواء باتجاه سوريا أو غيرها من الدول العربية كما هو الحال في اليمن والعراق.

حزب الله الذي يدرك حساسية اللعبة الدولية، حرص على أن تكون رسائله الصوتية ضد إسرائيل ولا تقترب من أي موقف يمكن أن يشتم منه أي تهديد للمصالح الأميركية المباشرة في لبنان والمنطقة

الكلفة القتالية ضد إسرائيل هي وجودية لحزب الله، فإسرائيل ردت على مفاجآت نصرالله التي لوّح بها في خطابه، بموقف من أفيجدور ليبرمان وزير الأمن الإسرائيلي قال فيه، إنّ كلّ مقومات الدولة اللبنانية ستكون هدفا لإسرائيل ولم يذكر حزب الله، وهي إشارة إلى أنّ هذه الحرب ستزيد من أعداء حزب الله أكثر ممّا ستجد تعاطفا معه. فالكل يعلم أنّ الدولة اللبنانية في أسوأ أوضاعها المالية والاقتصادية، فيما حزب الله بات يدرك أنّ التعاطف اللبناني أو العربي لن يكون متوفرا كما حصل في حرب العام 2006، لذا فإنّ بعض المراقبين يقرأون في مواقف الحزب التصعيدية الأخيرة محاولة للجم أيّ حرب إسرائيلية محتملة ضده بتشجيع من ترامب، فيما يضيف بعض المراقبين أنّ تصعيد حزب الله هو محاولة إيرانية للتذكير بأنّ لإيران دورا محوريا في حماية الاستقرار على الحدود الشمالية لإسرائيل سواء مع لبنان أو مع سوريا، وأنّ إيران تنبه إلى أنّها في حال تعرضت مصالحها ونفوذها في المنطقة العربية لأي تهديد أميركي فهي يمكن أن تذهب إلى خطوة انتحارية على الحدود الإسرائيلية.

في هذا السياق لا يمكن المرور على موقف السلطة اللبنانية من دون الإشارة إلى موقف لبنان الرسمي. حيث برز موقفان واحد عبر عنه رئيس الجمهورية المنهمك في ترتيب وضعية انتخابية برلمانية تتيح له أن يحصد حزبه التمثيل المسيحي الكاسح، وهي وضعية لا يمكن أن تتحقق له من دون رعاية حزب الله سياسيا ولوجستيا، فكان واضحا في القول إنّه إلى جانب سلاح المقاومة وضرورة بقائه في المعادلة اللبنانية لأن الجيش عاجز عن مواجهة أيّ عدوان اسرائيلي.

الموقف الآخر كان من الحكومة اللبنانية التي انتقدت مواقف نصرالله من الدول العربية واعتبرها الرئيس سعد الحريري تخريبية لمصالح لبنان وعلاقاته الأخوية مع دول الجوار، فيما جدد التأكيد سواء على طاولة الحكومة أو في خطابه من على منبر 14 فبراير، أي في ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أنّ قضية السلاح غير الشرعي لم تنته كقضية محورية يسعى إلى إنهائها في سبيل دعم خيار السلاح الشرعي من قبل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية.

لم تذهب المواجهة الداخلية نحو مسارات الانقسام السياسي الحاد، فحزب الله اكتفى بتوجيه رسائل باتجاه الخارج، وأظهر اهتماما بعدم الانجرار إلى مواجهات داخلية، واختفى خلف موقف رئيس الجمهورية الذي بدأ بتلقي الرسائل الدولية والأميركية المعترضة على مواقفه التي تتناقض مع مقتضيات القرار الدولي رقم 1701 والتي لا تقرّ بوجود سلاح غير سلاح الشرعية اللبنانية والقوة الدولية المنتشرة منذ العام 2006 في منطقة الجنوب وإلى جانب الحدود مع إسرائيل.

يبقى أنّ المخاوف وتداعيات التصعيد الكلامي لم تكن لصالح الدولة اللبنانية، التي يفترض أنّها مع العهد الجديد، تحاول أن تستعيد بعض النشاط الاقتصادي من خلال تحفيز السياحة والاستثمار وجذب المساعدات العربية والدولية، لكن يبدو أنّ الحسابات الإيرانية تتقدم على كل الحسابات اللبنانية وعلى نظام مصالح اللبنانيين عموما، فإيران لن تقبل بأن يتم تهديد نفوذها دوليا في المنطقة العربية، وصراخ حزب الله لا يمكن إلاّ أن يكون نتيجة تحسسه لخطر تنطوي عليه مواقف الإدارة الأميركية تجاه إيران، وهو إن كان يدرك أهمية دوره اليوم كحام للحدود اللبنانية مع إسرائيل ضد أيّ محاولة مقاومة فلسطينية أو عربية أو إسلامية ضد احتلال فلسطين، فيستخدم هذه الورقة في مواجهة التطور الأميركي تجاه الحرب في اليمن، فالحياد العملي الذي اعتمدته إدارة الرئيس باراك أوباما تجاه الانقلاب الحوثي في اليمن، تبدو إدارة ترامب حاسمة أكثر من الإدارة السابقة في إنهاء الأزمة اليمنية انطلاقا من مواجهة النفوذ الإيراني في هذا البلد، ولعلّ تعزيز حضور البوارج الأميركية في مياه الخليج، هو الرسالة الأكثر وضوحا، مع ما يقابلها من تراجع استعراضات الحرس الثوري والبحرية الإيرانية التي لمست أنّ الأميركيين جادّون بتوجيه ضربة لإيران هذه المرة.

الأصوات الإيرانية المرتفعة ضد إسرائيل هذه الأيام، لم تكن هي ذاتها قبل عام، ما يؤكد أنّ التلويح بورقة حزب الله، وعقد مؤتمر دعم فلسطين هذه الأيام في طهران، والتهديد بضرب مفاعل ديمونا الإسرائيلي، ليست إلاّ محاولات خطابية مرفقة بكيل الاتهامات للنظام العربي، ولكن من دون أي استعداد لتوجيه أي رصاصة باتجاه العدو الإسرائيلي.

إيران التي غامرت بالعرب في سبيل كسب ودّ الغرب، تحاول اليوم ألا تخسر ودّ الغرب أيضا، وما أصوات نصرالله في لبنان والرئيس الإيراني حسن روحاني في الكويت وعُمان، إلاّ محاولة للحدّ من خسائرها الدولية بعدما صارت عدوا لمعظم الدول العربية، فيما الدول الكبرى غير راغبة في إعطائها المكافأة التي طمحت إليها بعد إنجازها التاريخي في المشاركة الفعالة بتدمير الدول والمجتمعات العربية فداء لغير العرب ولغير المسلمين.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

من لحود إلى عون:

فخامة السلاح

 

علي الأمين

 

درجت مقولة الرئيس المسيحي القوي عشية انتخاب العماد ميشال عون التي امتدت لأكثر من عامين وربما سنوات، ربما شهد لبنان بعد اتفاق الطائف نموذجاً للرئيس القوي تمثل في الرئيس المقاوم اميل لحود... ربما الأمر يحتاج إلى بعض التفسير في تحديد معنى هذه القوة ومصدرها بل حقيقتها.

مقولة الرئيس القوي التي يعتّد بها بعض المسيحيين من خلال قولهم أنّ رئيس الجمهورية ميشال عون يشكل المثال لها، تبدو وهمية أكثر منها واقعية ولا تعكس في الواقع إلاّ الأوهام التي يعيشها هذا البعض. ربما التوصيف الأقرب لمقولة الرئيس القوي تكمن في ما خبره اللبنانيون في تجربة الرئيس السابق اميل لحود، فالرئيس لحود كان في زمن الوصاية السورية، يتميز عن سلفه الرئيس إلياس الهراوي المعلن للولاء الصريح للوصاية السورية، أنّه كان يردد امام زواره أنّه لا يأتمر بأمرة الوصي السوري، ولكن بعض عارفيه الذين صدّقوه، فسروا مقولته على الشكل التالي، صحيح أنّه لم يكن يتلقى اوامر مباشرة لكنه كان يعرف ماذا يريد الوصيّ، وأين هي الخطوط الحمراء التي عليه أن لا يتجاوزها، ويعلم ماذا يمكن أن يرضي غرور سلطة الوصاية فيسير به من دون إذن مباشر.

ربما الرئيس الجنرال ميشال عون الذي لا يطيق سلفه لحود، ولم نشهد أيّ لقاء بين الرجلين، على رغم تطابق المواقف السياسية بينهما، فإنّ مرد هذه العلاقة المقطوعة لا يعود إلاّ إلى هذا التطابق ربما في المواقف، مع اختلاف بين الرجلين هو أنّ فخامة الرئيس لحود كان تحت الوصاية السورية، فيما فخامة رئيسنا الحالي هو تحت وصاية حزب الله وبالتالي الإيرانية.

نظرية الرئيس لحود التي خاطب فيها المسيحيين حين وصوله إلى الرئاسة الأولى، مفادها انسوا موضوع الوصاية وانسوا السيادة، ولنكن نحن وكلاء الوصي السوري، فلماذا نترك هذه “الفضيلة” للمسلمين ونزيد من إحباطنا؟ وفي ذلك الحين خرجت أصوات عديدة روجت لهذه الفكرة ككريم بقرادوني وإيلي الفرزلي وميشال المر وغيرهم.

تجربة رئيس جمهوريتنا الحالي لا تختلف من حيث الجوهر، بل ربما هي استنساخ لتجربة الرئيس لحود، ولكن مع اختلاف كما سلف، في هوية الوصاية الجديدة، التي انتقلت من وصاية الأسد إلى وصاية نصرالله كوكيل شرعي لبناني للقيادة الإيرانية ولولي الفقيه. رغم أنّ السيد حسن نصرالله قالها بصريح العبارة “إنّ كل ما لدينا من إيران” في إشارة إلى ما لدى حزب الله من إمكانيات مادية وغير مادية، فهو نفسه من قال أنّنا في حزب الله لا نتلقى أوامر من الولي الفقيه فيما يخص لبنان، وهو أيضاً في مقولته هذه يردد ما قاله الرئيس لحود في شان الوصاية السورية، فالسيد نصرالله الذي يقود حزباً ذي علاقة عضوية بمنظومة ولاية الفقيه والحرس الثوري، يكتسب أهميته لدى القيادة الايرانية في كونه الأقدر على فهم متطلبات  الاستراتيجية الإيرانية في الدائرة اللبنانية. وبالتالي لا يحتاج إلى تلقي الأوامر الكفوء في تقديرها من دون أن تصل إليه بشكل مباشر.

المدرسة هي ذاتها، رئيس الجمهورية ميشال عون يدرك ما يغضب نصرالله وما يرضيه، فما دام فخامة الرئيس لا يجد في سلاح حزب الله ما يخلّ بالسيادة الوطنية، بل أكّد على أنّه حاجة لبنانية كما ردد أخيراً عشية وأثناء زيارة القاهرة قبل أيام، لذا فهو سيبقى الرئيس القوي، القوة هنا ليست محصلة تمسكه بالدستور وبالسيادة وبمؤسسات الدولة، ولا بتمثيله المسيحي، القوة هذه هي نتاج انسجام مع الوصاية الجديدة على لبنان أو قُل قوة الصدق في تمثيل هذه الوصاية وحسن التعبير عن مصالحها.

لا شكّ أنّ نظرية استثمار سلاح حزب الله التي روج لها بعض السياسيين المسيحيين، هي أقرب إلى  وهم غرق فيه الكثير من المسيحيين، وفي ظنّهم أنّهم بارعون في استثمار سلاح حزب الله ومقولة المقاومة والحرب على الإرهاب، من أجل تعزيز الدور المسيحي في لبنان، بينما الحقيقة التي يرغب بعض المسيحيين التعامي عنها ولا يريدون أن يصدقوها، هي أنّهم لاعبون صغاراً في منظومة حزب الله وتحت وصايته، ولا نقول “الشيعية السياسية” ذلك أنّ الشيعية السياسية المتمثلة في حزب الله كما يصف البعض، أبرز ملامح هويتها أنّها ليست طالعة من الهوية اللبنانية قدر انتمائها وولائها لمنظومة لا تعير للدول والأوطان أهمية وجودية في عقيدتها الإيديولوجية وبرنامجها السياسي.

السلاح غير الشرعي هو الحقيقة الثابتة في المعادلة الحاكمة في لبنان، والصوت المعترض على هذا السلاح هم السياديون الحقيقيون الذين يريدونه تحت سلطة الحكومة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، وسوى ذلك سيبقى هذا السلاح عنصر استقواء داخلي وعنصر تورط خارجي لحسابات إيرانية، هذه الحقيقة التي يجري التعمية عليها هذه الأيام تحت ضغط الحسابات الانتخابية والاستقواء الطائفي، ستكون وبالاً على أصحابها ولو توهموا أنّهم يستثمرون سطوة السلاح لتعزيز حضورهم، لكنهم يدركون أنّهم يشاركون في تشريع قوة مسلحة أسوة بالحشد الشعبي في العراق وميليشيا الحوثيين في اليمن، ودائما على ركام الدولة وجثة الدستور، والقانون، وقبل ذلك وحدة الشعب اللبناني وسيادته.

مع موقع ( جنوبية) باتفاق مسبق

 

منصة بيروت: الأسد يهدي

روسيا 'معارضة' تأتمر منه

علي الأمين

بدأت مرحلة الاستثمار في المعارضة السورية من قبل إيران وذراعها الأبرز في المنطقة حزب الله، وبدأ تحضير بيروت لعلها تصير منصة للمعارضة السورية. فالجمعة الماضي عقد في بيروت مؤتمر غبّ الطلب، ضمّ شخصيات مقربة أو تابعة لنظام بشار الأسد في الخارج، أو ممن يطلقون على أنفسهم “معارضة الداخل”.

وجاءت “ولادة” المنصة الجديدة، خلال عقد 40 من الشخصيات المؤيدة لنظام الأسد، في العاصمة اللبنانية بيروت، اجتماعا تحت عنوان “جميعا نبني لسوريا”، وذلك بحضور ممثلين عن 15 هيئة دبلوماسية، من بينهم السفير الروسي في لبنان، ألكسندر زاسبكين، إضافة إلى دبلوماسيين معنيين بالملف السوري في سفارات إيران والصين واليابان والدنمارك وألمانيا والسويد وكازاخستان والاتحاد الأوروبي وإسبانيا، مع غياب تام لأي تمثيل دبلوماسي عربي وأميركي وتركي.

كما أسلفنا عُقد المؤتمر دون إعلان مسبق، وجرى تحت رعاية أمنية من قبل حزب الله، الذي تولى بشكل غير مباشر عملية انتقال المعارضين من دمشق إلى بيروت، فضلا عن حماية مقر الاجتماع في فندق الريفييرا في بيروت. وبسرعة فائقة وغير مسبوقة بأيّ نقاش علني، تمّ المؤتمر خلال ساعات قليلة، ومن دون أيّ جدل أو سجال عادة ما يواكب أيّ مؤتمر. فكيف إذا كان تحت عنوان “المعارضة السورية”. كل شيء كان مجهزا بالكامل، لا وجود لأيّ تباين في الآراء، ولا لاجتهادات مختلفة بين المؤتمرين، وهذا أبرز مؤشر إلى أنّ الجهد المبذول لعقد المؤتمر بهذه الطريقة هو حصيلة عمل أمني مخابراتي ولغاية سياسية، تتمثل في ترتيبات أقرب ما تكون إلى ترتيبات أمنية في محضر سياسي.

على أنّ هذه المنصة وبما ضمته من شخصيات، تفرض تساؤلا يتعلق بأسباب عدم عقد المؤتمر في دمشق لا سيما أن غالبية الحضور جاؤوا من سوريا. أمّا الذين لم يأتوا من الأراضي السورية فهم كانوا عقدوا اجتماعات مع ممثلين للنظام السوري. فيما الرسالة الأهم التي حرصت على إعلانها أطراف منصة بيروت ما قاله الأمين العام لما يسمّى “حزب الشعب” السوري، نواف الملحم، وهو أنّ “مقام رئاسة الجمهورية السورية لا يجوز البت فيه في المحافل الدولية، بل يبقى محكوما دوما بإرادة السوريين، المتجسدة بانتخابات حرّة ونزيهة ومراقبة دوليا”. كما أكّد الملحم على “ضرورة صياغة دستور جديد من قبل هيئة منتخبة أو هيئة منبثقة عن هيئة منتخبة”. وشددت المبادئ أيضا على “مواجهة الإرهاب”. فيما أعلن لؤي حسين أحد أبرز الداعين للمؤتمر والمعروف بعلاقته الجيدة مع السلطات السورية في دمشق، بصراحة أنّ حرب المعارضة مع النظام انتهت وأنّ الحرب في سوريا هي مع الإرهاب لا سيما تنظيمي داعش والقاعدة.

وكنا أشرنا في مقالة سابقة هنا قبل أشهر، إلى أنّ إيران تفتقد لحاضنة سورية، يُشكل الرئيس بشار الأسد ضمانة بقائها، فيما تفتقد إلى أيّ حاضنة حتى داخل البيئة العلوية التي تميل إلى الخيار الروسي كمصدر حماية. ولا وجود شيعيا معتبرا في سوريا، كما أنّ الأقليات الدينية والقومية في سوريا ليست مصدر اطمئنان للنفوذ الإيراني، فيما راحت روسيا اليوم، بعدما أعادت تموضعها، تفتح قنوات اتصال مع المعارضة السورية المعتدلة، الطرف الذي يشكل غطاء دوليا للوجود الإيراني في سوريا. فروسيا التي استثمرت في القوة الإيرانية وميليشياتها خلال معاركها السورية، ليست في وارد إحداث قطيعة معها اليوم، وهذا مفهوم بالمعنى الاستراتيجي المتصل بعدم اتضاح صورة الموقف الأميركي تجاه سوريا والمنطقة عموما بشكل كامل. فإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي صوبت نحو إيران بشكل صريح، لم تظهر أيّ ليونة تجاه الموقف الروسي، بل كان اتصال الرئيس الأميركي الجديد بالرئيس الأوكراني في بداية عهده رسالة لا يمكن لروسيا أن تطمئن لها. بهذا المعنى فإن روسيا تستجمع كل الأوراق الكبيرة كعلاقتها بتركيا، والصغيرة كمنصة بيروت، في سبيل الجاهزية للحوار مع واشنطن أو لجمها.

والمتابعون في بيروت يلاحظون كيف يحاول حزب الله ومن ورائه إيران، استباق الهجوم الأميركي، بإطلاق مواقف جديدة غير مسبوقة من قبل حزب الله تتصل بعودة اللاجئين السوريين إلى مناطق قام حزب الله بتهجيرهم منها. إذ أطلق أمين عام حزب الله دعوة لعودة النازحين في لبنان إلى سوريا. وأكّد في موقف أضفى عليه بعدا إنسانيا حين قال في خطاب متلفز الأحد إن “الوضع المناسب هو أن يعود أغلب النازحين إلى مدنهم وقراهم وبيوتهم وألا يبقوا نازحين فالكرامة الإنسانية والمسؤولية الإسلامية تقتضيان ذلك”. واستكمل هذا البعد الإنساني، برسالة سياسية حين خاطب السلطة في لبنان قائلا “على الحكومة اللبنانية وضع المكابرة جانبا ولتتناقش مع الحكومة السورية لمعالجة أزمة النازحين ووضع خطة واحدة لأنّ لبنان لا يمكنه حل المشكلة لوحده”. معلنا “أنّنا كحزب الله لدينا علاقات مع الدولة السورية لذا نحن حاضرون لخدمة الحكومة اللبنانية لمساعدتها للتواصل مع النظام السوري حول النازحين”.

الخطوة الإيرانية عبر حزب الله تستبق خطر الاندفاعة الأميركية التي وضعت عنوان إخراج الميليشيات غير السورية من سوريا، وسمّت الإدارة الأميركية حزب الله بالاسم، مع الإشارة إلى أنّ الورقة الروسية – التركية المشتركة تجاه سوريا تبنت هذا التوجه قبل الموقف الأميركي، حيث اعتبر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أنّ “منع إيران من المشاركة في محاربة داعش غير بناء”، وشدّد على أنّه يجب على واشنطن الاعتراف بأنّ حزب الله المدعوم من إيران يحارب ضد داعش في سوريا. من هنا يمكن القول إنّ الموقف الروسي يبقى مترددا على هذا الصعيد ودائما بانتظار أن تفصح الإدارة الأميركية عن وجهها بالكامل.

تزامنا مع مؤتمر منصة بيروت استضافت بيروت الخميس الماضي في فندق ريفييرا، اجتماعا بين معارضين سوريين وموالين للبحث في “مبادرة للسلام”، هدفها إعادة ألف عائلة لاجئة في لبنان إلى سوريا بضمانة روسية، كخطوة اختبارية، وذلك بحضور مستشارين في السفارات الروسية والألمانية والبلغارية لدى لبنان، إلى جانب ممثلين عن المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة وممثلين عن مبادرات سلمية، وفي غياب ممثل عن الدولة اللبنانية.

فتح ملف اللجوء السوري هذا، والاستثمار الإيراني في المعارضة السورية، يأتيان أيضا في سياق ترتيب ميداني يطمح حزب الله من خلاله إلى بناء تفاهمات على الأرض السورية، بشراكة داخلية مع النظام من جهة ومعارضي غبّ الطلب من جهة ثانية، وبغطاء روسي دولي، يحاول من خلاله تأمين شروط انسحاب آمن مع ضمان عودة واسعة للاجئين السوريين في لبنان إلى مدنهم وبلداتهم، ودائما ضمن صيغة يبقى نظام الأسد شريكا فيها وحزب الله كذلك.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

التصعيد الأميركي الإيراني:

اليونيفيل عادت

"رهينة" حزب الله

 

علي الأمين

 

منذ زمن طويل لم نعد نسمع عن مواجهات بين قوات اليونيفيل والأهالي. تلك المواجهات التي كانت تجري في أعقاب صدور القرار 1701 خلال حرب العام 2006. ففي العام نفسه وخلال العامين التاليين لهذه الحرب، حصلت حوادث عدّة في مناطق انتشار القوة الدولية في جنوب نهر الليطاني بسبب خلافات معلنة حول تنفيذ القرار 1701. وكان مصطلح "الأهالي" هو الإسم السري لمجموعات تابعة لحزب الله تقوم بعرقلة مهمات اليونيفيل عبر استنفار مواطنين عاديين من نساء واطفال وشيوخ لمنع جنود اليونيفل من دخول أماكن لا يريد الحزب لها أن تدخلها. وكان حزب الله يشيع بين الناس في ذلك الحين أنّ هذه القوات الدولية تنقل المعلومات عن أماكن السكن ومراكز حزبية إلى اسرائيل، إلى درجة ظهرت أصوات عدّة في ذلك الحين تطالب بخروج جنود الأمم المتحدة من لبنان.

ذكرتنا حادثة وقعت بين بلدتي مجدل زون والمنصوري في القطاع الغربي (قضاء صور)، الجمعة بين دورية جنود دوليين من التابعية السلوفانية مؤلفة من ثلاث مركبات وقعت في كمين "الأهالي" بحسب رواية مصادر من اليونيفيل تزامنت مع مواجهة مماثلة بين دورية إيطالية والأهالي في بلدة المنصوري. وفي رواية مقابلة فإنّ الدورية دخلت إلى إحدى أراضي مجدل زون، من دون أن يكون برفقتها دورية للجيش اللبناني، ما أثار ريبة بعض الأهالي فتصدّوا لها "حيث تجمع مجموعة من الرجال وتجمهروا في وجه الدورية الدولية التي أصيبت بالذعر، ففروا بإتجاه المنصوري، لكن اصطدمت ملالة اليونيفل أثناء فرارهم بثلاث سيارات مدنية ما تسبب بأضرار أدّت إلى توتر اضافي بينهم وبين الاهالي. كما صودف وجود دورية للكتيبة الإيطالية في المنصوري فحصل إشكال بين الأهالي وبين أفرادها".

ما وقع طرح تساؤلات حول أبعاد هذه الحادثة، فيما أشارت الأمم المتحدة بطريقة صريحة إلى أنّ ما جرى غير مبرر بالنسبة إليها. وبالتالي، بحسب الجهة الدولية، ثمّة من افتعل المشكلة مع دوريتي اليونيفيل. ورغم أنّ هاتين الحادثتين لم تؤديا إلى وقوع خسائر بشرية واقتصرت الأضرار على الماديات، إلاّ أنّ ما جرى يفرض نفسه اليوم وسط حال التصعيد الأميركي الإيراني الذي تشهده العلاقة بين الدولتين. أصدرت قيادة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL ـ يونيفيل) بياناً (الجمعة) قال أنّه "تمّ صباحاً اعتراض دوريتين تابعتين لليونيفيل في محيط منطقة المنصوري – مجدل زون (القطاع الغربي) من قبل  مجموعات من الرجال العدائيين الذين حاولوا إلحاق الأذى بجنود حفظ السلام...". وأوضح البيان أنّ "جنود حفظ السلام مارسوا أقصى درجات ضبط النفس وإضطرت آليات دورية اليونيفيل إلى دفع بعض السيارات المدنية التي استخدمت كحواجز جانبية من أجل الخروج بأمان من المكان".

 هذه الحادثة، التي حرص عدد من القيمين على اعتبارها عفوية، وغير مقصودة، كان يمكن أن تمرّ مروراً عابراً لولا ما تضمنه بيان اليونيفيل عن "رجال عدائيين تعرضوا للدوريتين وفي نفس الوقت". وهذا ما يجعل من احتمال عودة التوتر بين اليونيفيل وما يسمى الأهالي إلى سابق عهده، لا سيما أنّ مظاهر التصعيد الإيراني-الأميركي تتخذ اشكالاً من التحدي لاشكّ سيكون جنوب لبنان أحد ساحات توجيه الرسائل ضمنها. فالاستقرار القائم في الجنوب، الذي ينعم به سكان الجليل كما أهالي الجنوب، يشكل حزب الله أحد أعمدته وعنصراً أساسياً في استمرار هذا الاستقرار.

 

يمكن أن تكون الحادثتان عفويتين ويمكن أن تكونا مدبرتين، لكن مهما كان الأمر فهما تصلحان لأن تكونا رسالتين إلى من يعنيهما الأمر بأنّ أيّ مواجهة بين أميركا وإيران لن يكون لبنان بمنأى عنها ولا القوة الدولية فضلاً عن العدو الإسرائيلي

التلويح بورقة الجنوب أو بالأحرى قلب المعادلة القائمة، يبقى رهن ما يمكن أن تتجه إليه العلاقة الأميركية-الإيرانية. علماً أنّ أيّ انفجار على جبهة الجنوب سيكون أقرب إلى عملية انتحارية أو عملية استشهادية، بحسب وصف حزب الله للعمليات الإنتحارية التي تستند غلى فتوى ولي الفقيه.

التصعيد "الترامبي" اتجاه إيران ظهر في الجنوب. واليونيفيل عادت "رهينة" حزب الله. والأيام الآتية قبل دعوة الهيئات الناخبة في بيروت ستكون مفصلية. إمّا الفوضى في لبنان، أو الاستقرار الرمادي الصعب

(البلد) البيروتية

 

 


قانون الإنتخاب:

ولكم في الثنائية

الشيعية "أسوة حسنة"

 

 

علي الأمين

من الواضح أنّ الخلاف على قانون الإنتخاب ليس حول أيّ قانون يمكن أن يكون متلائماً مع الدستور ويوفر صحة التمثيل، وإلاّ كان أقطاب الحكومة راحوا وسلّموا بالمشروع الذي أعدته لجنة فؤاد بطرس في العام 2006 والتي تمّ تكليفها من هؤلاء المختلفين اليوم أنفسهم، وهي كانت قد أعدّت مشروع قانون انتخاب جمع بين النظامين الأكثري والنسبي، مع أرجحية للنظام الأكثري تُساوي ثلثي النواب تقريباً، وهذه اللجنة كما هو معروف تشكلت بقرار من مجلس الوزراء، من خبراء دستوريين وقانونين وضالعين في الشأن الانتخابي وغير مرشحين للإنتخابات النيابية كفؤاد بطرس ويحيى المحمصاني وعبد السلام شعيب وزياد بارود وغيرهم.

عدم العودة إلى مشروع لجنة فؤاد بطرس وتبنيه هو الحقيقة الواقعة غير المبررة، رغم الجهود التي بذلتها سواء في تلقيها أكثر من 80 اقتراحاً من القوى السياسية والحزبية، فضلاً عن عشرات اللقاءات التي أجرتها مع ممثلي الأحزاب والطوائف والمجتمع المدني، وتكلفت خزينة الدولة، موازنة رواتب وما إلى ذلك من مصروفات طبيعية لأيّ عمل إداري، ورغم كل الجهود العلمية والحيادية التي بذلتها اللجنة تمّ رمي مشروعها في سلّة المهملات كما أظهرت انتخابات 2009 وكما هو جار اليوم في الجدل حول قانون الانتخاب.

ومن الواضح أيضاً أنّ الخلاف القائم اليوم بين أقطاب السلطة ليس على مشروع سياسي كما كان الحال في زمن 8 آذار و14 آذار. الجميع متفق بين القوى السياسية، ولا أقول الطوائف، على المحافظة على التركيبة السياسية القائمة ومتفق على إيجاد صيغة قانون انتخاب لا يَخِّلُّ بهذه المحاصصة، وهذا ربما ما نقل المعركة من صراع بين أحزاب طائفية أو مذهبية على صيغة قانون الإنتخاب والإنتخابات النيابية عموماً من صراع طائفي أو مذهبي إلى صراع من أجل احتكار تمثيل الطوائف، وبالتالي فالتواطؤ بين أقطاب السلطة هو ليس في عمقه على المنافسة بين تيار المستقبل وحزب الله أو بين التيار الوطني الحر ووليد جنبلاط، ولا بطبيعة الحال بين حسن نصرالله وسمير جعجع، ولا نبيه بري وسامي الجميل، المعركة هي بهدف السيطرة على الطوائف واحتكار تمثيلها، وعلى مثال ونموذج الثنائية الشيعية.

 فعندما يقرر حزب الله وحركة أمل أمراً سياسياً أو يتفقان على صفقة ما يجب أن يقال أنّ هذا ما قررته الطائفة الشيعية، أي أنّ الثنائية الشيعية تعني الشيعة من دون أيّ نقصان، هذا النموذج هو ما تحذو حذوه الثنائية المسيحية أي يجب أن يرتقي أو ربما يهبط معنى الثنائية المسيحية إلى أنّ ما تقرره ثنائية القوات – التيار، يجب أن يعني أنّ المسيحيين قرروا. هذه الغاية نفسها التي يسعى إليها وليد جنبلاط من خلال تثبيتها في معادلة أيّ قانون انتخاب مقبل. يبقى أنّ تيار المستقبل وسعد الحريري الساعي للحد من الخسائر داخل الطائفة السنية لا يطمح إلى أكثر من أن يتمكن قدر الإمكان من المحافظة على القوة النيابية المتماسكة التي تؤهله إلى أن يكون ممثل شرعي للطائفة السنية، رغم إدراكه أنّه سيخسر من حجم تمثيله السابق ولكن ما يطمئنه قليلاً هو أنّ منافسيه هم أفراد ولا يشكلون قوة منسجمة بل ربما متناحرة فيما بينها كما هو حال الرئيس نجيب ميقاتي والوزير السابق أشرف ريفي على سبيل المثال لا الحصر.

لذا المعركة الإنتخابية تهدف إلى غاية مشتركة بين أقطاب السلطة هي مع غياب أيّ عنوان سياسي اجتماعي أو اقتصادي، تتركز الجهود والتواطؤ الضمني على عملية مصادرة تمثيل الطوائف وقرارها مع تفاوت في القدرات بين طامح وآخر على تحقيق الغاية، لكن عملية حصر النقاش بالصوت الشيعي أو السني أو المسيحي والدرزي، هو أقصر الطرق من أجل منع انفلات القواعد الانتخابية في كل طائفة عن راعي القطيع، وهو أفضل وسيلة للجم أيّ محاولة للخروج من القطيع الطائفي.

هكذا تتحول الثنائية الشيعية التي احتكرت التمثيل الشيعي الى حد بعيد بالاستقواء وبالمال وبالتعبئة المذهبية النموذج الذي يحتذى من بقية القوى السياسية ويشكل عنوان مشروع قانون الانتخاب الجاري اعداده: ولكم في الثنائية الشيعية اسوة حسنة!

رب قائل ان في ذلك مجافاة للحقيقة والواقع، ولكن الوقائع تقول ان اشد المعترضين على "دويلة حزب الله" وسلاحه خلال السنوات الماضية باتوا لا يجدون اليوم في الدويلة الا راعيا لهم او نموذجا واجب الاحتذاء من الجميع بانتظار فرصة حمل السلاح التي لم يعط حزب الله الاذن بعد لاطلاقها في المجتمع اللبناني.

(البلد) البيروتية

 

التوافق = قانون محاصصة

يعـيد إنـتـاج الـسلـطـة

 

علي الامين

اعادة انتاج السلطة الحاكمة نفسها اليوم. هذه هي الغاية التي تسعى اليها كل القوى الممثلة في الحكومة اليوم، في سياق البحث عن صيغة توافقية لقانون الانتخاب. وكل ما يقال عن الاصلاح وما الى ذلك من اناشيد الوطنية ورفض الطائفية الطالعة من افواه الغارقين في اللعبة المذهبية والطائفية والمستثمرين فيها الى حدّ القدرة على ادعاء انهم ضدها. كحال احد الوزراء الذي يغرد بوقاحة لا يجاريه فيها احد ان اعتماد النظام النسبي كفيل بوقف الفساد، وكأنه يريد ان بيرر الفساد بالطائفية وليس بقلة الاخلاق وسرقة المتنفذين للمال العام، وعدم محاسبة المتورطين في الفساد بذريعة الطائفية فيما الزبائنية والاستزلام صارا ديدن السلطة.

ليس من متوهم في الجدل الدائر حول قانون الانتخاب أنّ غايته تحقيق الديمقراطية والتمثيل الصحيح، او تأمين شروط حرية الناخب اوالترشح أو المساواة بين المواطنين في كل ما يتعلق بالقانون الانتخابي، الذي تكاد تختزل كل بنوده اليوم ببند من عشرات، وهو النظام الانتخابي، اي النسبي او الأكثري او المختلط. طبيعة السجال الانتخابي اليوم داخل الحكومة يدور حول كيفية ارضاء القوى داخل السلطة، في مقابل تفادي النقاش بالمحرمات التي تنتهك الشروط البديهية حول اي انتخابات سواء كانت بلدية او نيابية او نقابية.

غياب المساواة بين الناخبين وغيابها بين المرشحين هما الطريق المؤدي الى انتخابات مطعون بديمقراطيتها. اذ لا يمكن لمن يملك السلاح ويستخدم سطوته وكل ما يتعلق بنفوذ هذا السلاح في معركة انتخابية ضد منافس اعزل من هذه العناصر ان يكون منافسا شريفاً، ولا حتى مرشحا مقبولا من الناحية القانونية والدستورية، فكيف اذا اضفنا الى هذه العناصر انحياز السلطات الرسمية لاصحاب سطوة السلاح كما يعرف اي مواطن موجود في لبنان.

لسان حال صاحب السلطة الفعلية في لبنان: انشغلوا بحصص طوائفكم واحزابكم واتركوا القانون والدستور جانبا، بل احسنوا استخدامه بما يفيد تقاسم الحصص فيما بينكم، لكن اياكم ان تنشغلوا بأمور هي من شؤون الكبار وانتم اصغر من ان تلوكها السنتكم. نصيحة تستجيب لها بقية اطراف السلطة في لبنان، الذين اتفقوا على ان المطلوب اعادة توزيع الحصص بين اطراف اللعبة ورمي الفتات لمن هم خارج هذا النادي ممن يطمحون الى دخوله. ليس حال قانون الانتخاب افضل من محاصصة النفط.بل لا شك ان هناك شركاء اساسيين وهناك شركاء درجة ثانية، والانتخابات النيابية ليست اكثر من استحقاق تغيب عنه السياسة وتتركز في جوهرها نزعة المحاصصة التي بات اصحابها غير مهتمين حتى بوضع ابعاد سياسية او اصلاحية او ما شابه من قضايا عادة ما تكون عنوان اي معركة انتخابية.

النظام المختلط بين النسبي والاكثري هو ما خلصت اليه هذه القوى حتى اليوم، لكن بعقلية المحاصصة وخدعة التوافق التي باتت تحمل كل معاني مصادرة حقوق الناس وتجاوز القانون وانتهاك الدستور. فتش خلف كلمة توافق التي تستخدم اليوم، فلن تجد الا ما هو انتهاك للقانون وللحقوق العامة وستجد وراء بعضها انتهاكا للدستور. التوافق حول الحكومة مثلا هو ان تصير الحكومة ممثلة للكتل البرلمانية فتصير الحكومة سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية وسلطة رقابة على نفسها. قانون النفط يحتاج الى توافق ولا معنى لهذا التوافق غير تقاسم حصص النفط، وقس على ذلك في معظم صفقات الفساد الكبرى التي لا تتم الا بحماية التوافق، قناع المحاصصة.

تجدر الاشارة الى اولئك الذين يدّعون ان قانون الانتخاب العادل هو المدخل الفعلي لاعادة بناء السلطة والنظام، ويضيف هؤلاء ان مقتضى العدالة هو تطبيق النظام النسبي، هم بذلك يطلقون قنابل دخانية للتغطية على ما ينتهك العملية الديمقراطية فعليا. فلا النسبي ولا الاكثري يعني المواطن الناخب او المرشح، بل ان هذين النظامين والمختلط معهما يعنيان فقط اطراف السلطة وفي سبيل هدف تنظيم القسمة او بتعبير ادق "المحاصصة" بينهم. لاسيما ان اطراف السلطة متفقون فيما بينهم على استخدام وسائل الضغط غير المشروع على الناخب، وهذا الضغط بالسلاح او بالمال او بالتعبئة المذهبية والطائفية، هو ما يجب ان يزال عبر قانون حازم للانتخابات قبل البحث بالنظام النسبي او الاكثري او المختلط.  

(البلد) البيروتية

 

"أستانة": تموضع

روسيا يكشف ايران

 

علي الأمين

نجحت روسيا في تعزيز حضورها كطرف راع للتسوية بين المعارضة السورية ونظام الأسد. هذا ابرز ما يمكن استخلاصه من مؤتمر أستانة الذي انهى اعماله امس وخلص الى بيان ختامي صدر عن الدول الراعية اي تركيا وايران وروسيا، والأصح عن روسيا التي تقود هذه العملية من المفاوضات لتثبيت الهدنة بين فصائل المعارضة المسلحة ونظام الاسد.

لم تحدد روسيا اهدافاً لمؤتمر أستانة تتجاوز قضية تثبيت الهدنة، تلك التي صاغتها مع الحكومة التركية نهاية الشهر المنصرم، بعد معركة حلب وخروج الفصائل المسلحة من المدينة بشكل كامل. عدم تحميل المؤتمر اهدافا تصل الى الانخراط في مشروع تسوية سياسية، يحول دونه اسباب تتصل بمرجعية جنيف والامم المتحدة، لكن الأهم هو عدم مباغتة الادارة الاميركية بخطوات من هذا القبيل، لا سيما ان الموقف التقليدي للادارة الاميركية والثابت حتى الآن هو رفضها ان تكون روسيا مرجعية الحل السياسي في سورية.

لا شك ان الادارة الاميركية الجديدة لن تخرج عن استراتيجيات حددتها الادارة السابقة على الأقل في المدى المنظور.

 وفي انتظار انتهاء ما يسمى بمرحلة الصمت التي تعقب عملية تنصيب الرئيس المنتخب في الولايات المتحدة الاميركية، تستمر الادارة الاميركية في التصدّي لما يسمّى التنظيمات الارهابية في العراق وغيره، علماً ان ليس هناك من توقعات تدفع نحو خيار اميركي مختلف نوعيا عمّا كان معتمدا في عهد ادارة اوباما تجاه الازمة السورية.

 وربما الكلام الصادر عن القناة العاشرة الاسرائيلية في الساعات الماضية، ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب صرف النظر في الوقت الحاضر عن قرار نقل السفارة الاميركية من تل أبيب الى القدس، يوحي بأن العديد من المواقف التي اطلقها ترامب في حملته الانتخابية سيصطدم بمؤسسات صناعة القرار الاميركي الممتدة من الكونغرس الى البنتاغون والمخابرات، من دون ان يعني ذلك بطبيعة الحال ان ترامب لن تكون له بصماته البارزة على هذه القرارات.

هذا الانطباع الأولي عن عدم توقع سياسات اميركية مختلفة في الحجم والنوع تجاه سورية، لا يعني ان الدول الاقليمية وروسيا ليست في حالة ترقب لما سيصدر عن الرئيس الاميركي الجديد. فهو الذي حدد التطرف الاسلامي كهدف للابادة من قبل ادارته، كما انه وجه اكثر من رسالة سلبية لايران، وتشير الى ان ترامب لم يكن راضيا عن السلوك الاميركي الذي قاده اوباما تجاه ايران. والى ذلك هناك العلاقة مع روسيا التي تبقى في وعي الناخب الاميركي دولة غير صديقة بل خصما لا يمكن ان تكون العلاقة معه ودية. من هنا يبدو الحذر الروسي والايراني من الادارة الجديدة يتخذ سياسات تتسم بتجميع الاوراق في سورية، ولكن هذه المرة بطريقة تدفع نحو توقع مزيد من التباين الروسي-الايراني وليس التطابق في النظرة والحسابات

هكذا كان مؤتمر آستانة كترجمة اعادة التموضع الروسي، بما يحول دون غرق روسيا في الوحول السورية من جهة، وخطوة لاستثمار الزخم العسكري الروسي الذي حال  دون سقوط النظام السوري من جهة ثانية،  كما صرح وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف قبل ايام.

فإذا كانت ايران غارقة في حرب ايديولوجية او اهلية هي رأس حربة احدى جبهتيها، وعاجزة عن لعب دور توفيقي او تسووي بسبب طبيعة انخراطها العسكري والايديولوجي، فموسكو لم تكن يوما امام وهم الانخراط في الانقسام الصفوي-العثماني او الفارسي -العربي او السنّي-الشيعي، ولا في وارد الانشغال بمواجهة مع اسرائيل، لذا تبدو قيادة الكرملين لديها من القدرة على الوصل والقطع في علاقاتها بما لا يتوفر لدى اي فريق اقليمي او حتى دولي.

خرج مؤتمر أستانة ببيان صادر عن دول ثلاث، ونكرر هو بيان روسي بالدرجة الاولى، يثبت موقع روسيا كطرف ثالث بين متصارعين اثنين، اقليميا وسوريا، والاهم ان البيان اظهر ان النظام السوري هو طرف في صراع مثله مثل الفصائل المقاتلة ولا يكتسب شرعية التحدث باسم الدولة السورية. وفي ذلك محاولة رسم للاطار العام الذي سيتيح لروسيا ان تدير الصراع السياسي وحتى المواجهات العسكرية من موقع يخفف عنها احتمالات الاستنزاف العسكري ويتيح لطرفي الصراع المزيد من الاستنزاف السياسي والعسكري في لعبة عض اصابع باشراف روسي ومراقبة اميركية متحفزة مع الادارة الجديدة.

 

 

عمر العاصي:

الانتحاري الملتبس

علي الأمين

ربما يجب علينا الانتظار لكي تتضح تفاصيل العملية الانتحارية التي كان يزمع عمر العاصي القيام بها في احد مقاهي شارع الحمرا، الرواية الرسمية التي تحتاج الى مزيد من التفاصيل لكي تتضح الصورة، اشارت الى انه تمّ القبض على العاصي قبل ان ينجح في تفجير حزام ناسف في مقهى الكوستا في ليل امس الاول (السبت). ومثل هذا التفجير لو كان وقع كما قيل لحصد عددا كبيرا من الابرياء الذين يرتادون هذا المقهى ومن المارة في ليلة تشهد كالعادة نهاية كل اسبوع، اكتظاظا من قبل رواد هذا الشارع

ومهما كانت التساؤلات حول العملية والهدف وكيفية القاء القبض على الانتحاري، فان الذي يجب التأكيد عليه هو الاشادة بالانجاز الذي حال من دون سقوط اناس ابرياء. فالجهد الأمني يقتضي الشكر والاشادة بالذين نجحوا في انجازه  ايّا كان الجهاز الرسمي الذي انجزه

على ان ونحن نحيّد الجانب الأمني التقني الذي افشل العملية الانتحارية، لا بد من السؤال هل ان لبنان يشكل هدفا لتنظيم الدولة الاسلامية "داعش"؟ ربما الاجابة عليه تتفاوت بين التأكيد والنفي. لقد اعلنت مصادر امنية رسمية تحقق مع المتهم عمر العاصي انه ينتمي الى هذا التنظيم، وقد تلقى اوامر تنفيذ عمليته من خارج لبنان ومن قيادة التنظيم في الرقة السورية تحديداً، وهو كما بات معروفا من ابناء مدينة صيدا التي سبق ان خرج منها ايضاً من نفذ عملية انتحارية في السفارة الايرانية هو معين ابو ظهر في تشرين الثاني من العام 2013

ولعل المشترك بين الانتحاريين انهما كانا من انصار الشيخ احمد الاسير. وكان العاصي كما تردد قد اصيب في المعركة التي جرت بين جماعة الاسير وحزب الله من جهة ثانية في احداث تعمير عين الحلوة منتصف العام 2013. وهذا يفرض تساؤلا حول الاسباب التي تدفع عمر العاصي العامل في مهنة التمريض باحد مستشفيات صيدا، ان يقوم بهذه الخطوة التي تنم في جانب منها عن خلل ما في شخصية العاصي، الذي يفترض انه يدرك انه لو نجح في تنفيذ عمليته انه سيتسبب بقتل مواطنين ابرياء، تجاوزه لهذا المحذور هو الخلل الشخصي، او البعد الانتحاري في كل شخص ينفذ عملية تستهدف الآمنين. والى جانب الخلل هذا لا يمكن ان نغيب عوامل تدفع مثل هذا الشاب ابن الخمسة وعشرين عاماً الى الخيار الانتحاري، هو كما تناقلت شبكات التواصل الاجتماعي صورة له وهو يتعالج من الاصابة في احدى المستشفيات اثر احداث التعمير في العام 2012، ما يعني انه نجا في تلك المرحلة، فيما ما تبع هذه المرحلة ومن ضمنها احداث عبرا، وما رافقها وتلاها يبدو انها دفعت الشاب الى الخيار الاكثر تطرفا وتشددا تنظيم داعش.

يبقى ان المواطنين ينتظرون ما يزيل بعض الشكوك المحيطة بالروايات المتداولة حول فشل العملية، اسئلة بديهية تتمثل بكيفية كشف العملية وبالتالي منع الانتحاري من تفجير نفسه؟ كما أنّ دخول الانتحاري وبقائه لمدة دقائق في مقهى الكوستا يبقى محل تساؤل لا سيما انه طلب الحصول على فنجان قهوة؟ واذا كان مراقبا كما تردد فلماذا سُمح له بالدخول الى المقهى ولم يتم القاء القبض عليه قبل الدخول او في مكان، لا وجود فيه لجموع من المواطنين كما كان حال المقهى حين القبض عليه من قبل الاجهزة الامنية؟ 

يبقى ان ثمة تساؤل هل نحن امام عملية امنية استخبارية؟ بمعنى ان الجهة التي جندت طلبت من عمر العاصي تنفيذ العملية وزودته بالحزام الناسف، هي جهة استخدمت هذا الاسلوب لاسباب تتصل بغاية كشف مدى استعداده لتنفيذ عملية ارهابية ومن هم اقرانه الذين يشابهونه بهذا الاستعداد؟ يبقى ان هذا التحليل الذي ينافي الرواية الرسمية المتداولة والناقصة حتى الآن، هو تحليل يتم تداوله في اوساط شعبية غير مقتنعة بالرواية الرسمية، ويمكن ملاحظة ان الشكوك لا يستهان بها حيال ما احاط بهذه العملية.

ويبقى ان كانت عملية القبض على الانتحاري استخبارية لها اهدافها او كانت عملية نوعية للاجهزة الامنية، ففي كلا الحالين نحن امام مظاهر انتحارية لبنانية يجدر متابعتها وتحليلها كملمح اجتماعي وسياسي وليس امنيا فحسب، فالعلاج الامني الذي يبشرنا به الرئيس الاميركي الجديد دونالد ترامب للقضاء على الارهاب لا يبشر طالما ان النظرة الامنية هي التي تختزل وسائل المعالجة.   

(البلد) البيروتية

 

 

هكذا يستخف نصرالله

وبري بالشيعة اللبنانيين

علي الامين

خمسة واربعون عاما والمجلس الشيعي بلا انتخابات لهيئتية الشرعية والتنفيذية، ولا يجرؤ نواب الشيعة وتحديدا في حزب الله وحركة امل للدعوة الى انتخابات، الطرفان يشكلان مصدر التمديد الذي اقر اليوم (الخميس) من خارج جدول اعمال الجلسة التشريعية. هذه الخطوة غير المبررة تنم عن سلوك لا يولي للقوانين ولا للانتخابات اي اهتمام فلماذا هذا السلوك؟

 في خطوة غير مبررة وتثير الشكوك بالثنائية الشيعية وبرئاسة المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى الفاقدة للشرعية القانونية، عمد نواب الثنائية الشيعية الى تقديم اقتراح من خارج جدول اعمال الجلسة التشريعية للتمديد للمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، وفيما اقر مجلس النواب هذا الاقتراح باعتباره يخصّ الطائفة الشيعية واغلبية نواب الشيعة موافقون على اقراره.

الخطوة فجّة وفاجرة فالمجلس الشيعي كما هو في قانون تأسيسه من ضمن مؤسسات الدولة اللبنانية، ويتقاضى رئيسه وبقية العاملين فيه رواتب وتعويضات من الخزينة العامة، وهو لذلك لا يمكن ان يكون لعبة بيد بعض السياسيين. لم تجر انتخابات لهيئتيه الشرعية والمدنية منذ العام 1975 اي منذ 42 عاما، علما ان الانتخابات يجب ان تتم كل ست سنوات.

الخطوة فيها من الفجور والاستباحة واكثر، فان يتم تجاوز القانون بالتمديد من دون مبرر لا سيما اننا اليوم بين انتخابات بلدية جرت قبل اشهر وانتخابات نيابية ستجري بعد اشهر، فما الذي يحول دون اجراء انتخابات في المجلس الشيعي، ولماذا تصر ثنائية بري-نصرالله على عدم اجراء الانتخابات، هل هو خوف مما ستظهره نتائج الانتخابات، هل لأنها ستكشف عن خيارات داخل الطائفة الشيعية خارج سيطرة امل او حزب الله؟ هل لان انتخابات المجلس الشيعي ستفتح افاقا امام تنظيم شؤون الاوقاف المتقاسمة اليوم لحسابات سياسية وشخصية وحزبية؟ هل لأن الدعوة للانتخابات التي تشكل قاعدة الناخبين فيها ما يتجاوز ال40 الف ناخب من النخب المهنية والتعليمية والجمعيات يمكن ان تكون الانتخابات فرصة لتفاعل فيما بينها؟

هل يعلم ابناء الطائفة الشيعية وسواهم ان المجلس الشيعي اليوم لا يعقد اي اجتماعات لهيئتيه الشرعية والتنفيذية من دون مسوغ؟ هل يعلم هؤلاء انه ليس في لبنان مكان يمكن ان يجمع وجوه الطائفة الشيعية المتنوعة؟ الوقاحة تجاوزت كل الحدود في التمديد للمجلس الشيعي اليوم، فنصرالله وبري صاحبا هذا القرار لا يعنيهما ان تستعيد مؤسسة المجلس الشيعي دورها الجامع بل يصران على بقائها مؤسسة ضعيفة غير فاعلة ولا منتجة، اما المغانم فيمكن تقاسمها كما يرتئيان ويشتهيان من دون حسيب ولا رقيب مادام مجلس النواب جاهز لاصدرار قوانين تشرع ما لا يجوز تشريعه.

يبقى ان نقول ازاء هذا التمديد الهمايوني، ومع توقف المجلس الشيعي مرغما عن الاجتماعات الدورية، ومع تقاسم حزب الله وامل منافعه ومواقع القرار فيه، نقترح تعديل اسم المجلس الشيعي وتحويله الى هيئة مشتركة تحت اسم مجلس امل وحزب الله. اما ان يبقى هذا المجلس خارج اي احترام لقوانينه، لا سيما في عدم اجراء الانتخابات الدورية بلا مبرر، وعدم اجراء اي محاسبة واجبة من خلال هذه الانتخابات وغيرها، فهذا فيه استهانة بكل شيعي لبناني طالما ان هذه المؤسسة تدّعي تمثيله في شؤون معينة بحسب قانون تأسيسها وبتمويل من الخزينة العامة في لبنان.  

(البلد) البيروتية

 

سورية :

 ايران في القبضة الروسية

علي الأمين

ماذا يمكن ان يحقق دخول النظام السوري وحلفائه الى ما تبقى من مناطق بيد الفصائل المسلحة في حلب؟ لن يشكل ذلك بطبيعة الحال انتصاراً لنظام بات وجوده قائماً على دعم روسيا وايران المباشر ، لكن يدرك الكثيرون ان هذا ليس كافيا لكي يستعيد نظام الاسد قدرته على حكم سوريا، النظام السوري سقط أمام شعبه منذ سنين، وكل السوريين يدركون انه غير قادر على حكم سوريا الموحدة، ربما قدرته تكمن في ان يكون الغطاء لعمليات التدمير المتنقلة من مدينة الى اخرى في سوريا بالقوة الروسية والقوة الايرانية وتوابعها الميليشيوية.

كل ذلك لن ينهي الأزمة السورية، ستبرز اشكال جديدة تفسر عجز نظام الاسد على الحكم، فيما الصمت الدولي والاقليمي حيال ما ارتكب في سوريا ضد معارضي النظام والمدنيين من قتل وابادة وتهجير، سيوفر طاقة اضافية للتطرف الاجتماعي والسياسي، فازاء تواطؤ المجتمع الدولي ضد حق التغيير السلمي والسياسي في سوريا، دفع وسيدفع حتما الخيارات السورية المعارضة نحو الاقصى في مواجهة ليس نظام الاسد وحلفائه الروس والايرانيين فحسب، بل في مواجهة دول كبرى واقليمية من اميركا الى اوروبا ايضاً. على ان الأشد خطراً من كل ذلك هو الكراهية التي تتغلغل في النفوس منذ سنوات، اذ شكل مشهد حلب الاخير مفصلا مهما في فصول ترسيخ الكراهية المذهبية لا سيما في ظل الانخراط الايراني في المقتلة السورية.

الثابت حتى اليوم ان ما ينمو في سورية ومحيطها وفي امتداداتها مستوى غير مسبوق من الشروخ المذهبية، يشكل الاختباء خلف مقولة الارهاب ومحاربة التكفير عنصراً غير كافياً لاخفاء هول ما جرى في البنية الاجتماعية والسياسية على مستوى المنطقة، ربما هذا ما يجعل من القوة الايرانية بامتداداتها المذهبية في سورية ولبنان والعراق، لا تتهيب من خطورة الايغال في الأزمة السورية، وفي اعتماد العنف المسلح والقتال كسبيل لحماية دور ايران في هذا البلد، مهما بلغت تكاليف هذا الدور على مستوى تدمير البنى الاجتماعية او على مستوى خسائرها البشرية والمادية، ذلك ان الدور الايراني  لم يعد امامه الاّ المزيد من الغرق في وحول الازمة او الانسحاب واعلان الهزيمة، والاخير غير وارد في ظل ادراك عميق ان الدور الايراني في سوريا هو اكثر الادوار العارية من حاضنة اجتماعية بخلاف ما هو الحال بالنسبة اليها في لبنان والعراق.

الاصرار على مواجهة التكفير في سورية بالطريقة التي نراها في حلب وفي دعم نظام الاستبداد، لن يتيح أمام ايران سوى المزيد من الشراسة في مواجهة الاعداء في البيئة السنية، في مقابل طواعيتها حيال الشروط الدولية ومتطلباتها، وهذا لا يحتاج الى كثير من التمحيص والتدقيق، فايران المتمسكة بنفوذها في سورية وهي تعلم حجم الرفض السوري الشعبي لهذا النفوذ، مجبرة على الاستعانة بالكبار سواء روسيا او الادارة الاميركية، وفي المحصلة المزيد من مراعاة المصالح الاسرائيلية.

من المبكر الحديث عن نهاية الأزمة السورية، ومن المبكر جدا التكلم عن انتصارات، لكن صار متأخرا وقت الحديث عن امكانية ايجاد تسويات على قواعد بقاء النفوذ الايراني في سورية، هذا النفوذ صار مرتبطاً الى حدّ كبير باستمرار الحرب ودوامها، خصوصا أن التفاهمات الاستراتيجية بين روسيا وواشنطن تقوم على قاعدة حماية امن اسرائيل وعدم المسّ بامن النفط، وهذا ما يفسر اطلاق اليد الروسية في سوريا. وبالتالي عدم الاستعجال الدولي لانجاز تسوية في سورية.

ربما معركة حلب فرضتها حاجة روسية وايرانية وحاجة لنظام الاسد بتسجيل نصر وكل لحسابات خاصة وداخلية، لكن هذا الانتصار لن ينقل الازمة الى طريق الحل او تثبيت السيطرة للنظام، بل الى مرحلة جديدة من الكرّ والفر، فيما ايران التي ادخلت روسيا الى سوريا باتت ازاء المعادلات على الارض وعلى مستوى السياسة الدولية، محكومة بالانصياع للحسابات الروسية. فايران امام خيارات صعبة فالاصطدام مع الدور الروسي يجعلها في  مواجهة مع الجميع دون استثناء، وبالتالي ستحترم كل ما يحافظ على علاقتها مع موسكو تفاديا للخسارة الكبرى على مستوى سوريا والمنطقة ولو ادى ذلك الى كسب المزيد من العداء في المجتمعات العربية والاسلامية.

(البلد ) البيروتية

 

 

 

انتصار الأسد: تبييض الجريمة

بتسعير الحرب المذهبية

علي الأمين

مهما كانت النتيجة في شرق مدينة حلب، فالثابت أنّ العالم وقف، ولا يزال، متفرجا على أكبر عملية قتل وتدمير طالت مدينة في هذا القرن. يجري تبييض الجريمة بعنوان الإرهاب. هكذا يتحول قتل الأطفال وتشريد أبناء المدينة وتدميرها الممنهج إلى أمرٍ عادي لا يهتز له العالم، فقط بذريعة محاربة الإرهاب.

الانتصار الذي بدأ النظام السوري يتحدث عنه ليس سوى انتصار للجريمة وللاستبداد، وهو أيضا انتصار للمقتلة التي نفذت ضد هذه المدينة بالتعاون بين روسيا وإيران ونظام بشار الأسد، وما بينهما من ميليشيات. والأهم هو التغطية الدولية التي جعلت من جريمة الحرب هذه مجرد قتال عسكري بين جيش وعصابات إرهابية، متعامية عن حجم الإجرام الذي ارتكب بحقّ الشعب السوري طيلة السنوات الماضية، وعن مطالبته بحقوقه الدنيا كشعب وكمواطنين في دولتهم.

التدمير ليس لسوريا فقط، ولا لمدنها ولا لأريافها ولا لنسيجها الاجتماعي فحسب، بل التدمير الأكثر أهمية وأكثر عمقا هو الذي يحاول النظام السوري وحلفاؤه تحقيقه، يطال حق الحياة بحرية. إذ لا يتيح هؤلاء ولا المجتمع الدولي من ورائهم أي مجال لإحداث تغيير سياسي يتيح المجال لإعادة الأمل في بناء سوريا. المطلوب هو تدمير إرادة السوريين وجعل البلد بما تبقى من أهله في حال من الطواعية لكلّ ما يمكن أن يكبّل به من اتفاقيات دولية وإقليمية.

هذا هو الانتصار، ذلك أنّ النظام السوري لو كان يعبّر ولو بحدود بسيطة عن نظام المصالح الوطني السوري، لكان أدرك منذ البداية أنّ الانتصار الحقيقي هو في المحافظة على مقومات الدولة البشرية والمادية، بتقديم بعض التنازلات الحقوقية والسياسية لشعبه، لكن هذا النظام الذي طالما صادر الحريات باسم القضايا الكبرى سواء فلسطين، أو شعار حماية الدولة وحدودها وسيادتها، أثبت أنـّه مستعد لتدمير كل البلد والتنازل عن السيادة، وتقديم كل شيء على مذبح البقاء في السلطة. هذا ما تظهره الوقائع حتى اليوم، القرار الرسمي السوري أصبح في يد روسيا وإيران، فيما الملايين من المهجّرين السوريين ومئات الآلاف من القتلى هم مجرد أرقام تجري عملية تبييض الجريمة التي ارتكبت بحقهم تحت أنظار العالم وبرعاية الأمم المتحدة.

الانتصار الذي حققه بشار الأسد هو انتصارٌ لروسيا وإيران، وسيتعيّن على الأسد أن يلتزم أكثر بمقتضيات السياسة التي سيفرضها المنتصران. وما سيزيد من مأزق الأسد وحلفاؤه هو العجز عن توفير الاستقرار لسلطته ونظامه، وما سيزيد من تفاقم الأمور هو أنّ الحرب أخذت أبعادا مذهبية يصعب تجاوزها لا سيما مع بقاء حكم الأقلية العلوية، وهي التي تستمد قوتها من قوة شيعية تمثلها إيران.

هذا الواقع بذاته كفيل بجعل الأزمة مستمرة، وكفيل بجعل حالة الاعتراض متنامية وستأخذ أشكالا مختلفة بعد سقوط حلب. بالتأكيد لن تكون الحرب النظامية، لكنّ أشكالا مختلفة من نمط حرب العصابات أو المزيد من الاغتيالات والتفجيرات ستكون وسيلة من وسائل مواجهة فصائل المعارضة لنظام الأسد.

وإذ تؤكد مصادر غربية أنّ ظاهرة تمدد نفوذ القوى الإسلامية المتشددة ستبرز أكثر فأكثر كلّما بدا أنّ المجتمع الدولي سيحامي عن فكرة بقاء الأسد في السلطة، وسيقدم مشروع المواجهة العسكرية ضد الإرهاب على التسوية السياسية والتأسيس لنظام ديمقراطي، وبالتالي فإنّ الشرخ سيتنامى بين النظام ومعارضيه، وستشكل السمة المذهبية اختصارا للمواجهة في الداخل السوري.

قبل نحو ثلاث سنوات كان الرئيس الأميركي باراك أوباما، وبعد سقوط الموصل بيد تنظيم داعش، من أوائل الذين أعلنوا أنّ عملية الخلاص من داعش لها بعدان أمني وسياسي ولا يمكن الفصل بينهما، مشيرا إلى أنّ مواجهة هذا التنظيم تتطلب تسوية سياسية داخلية في العراق تكون السبيل لتوفير البديل عن داعش في البيئات التي نجح هذا التنظيم في استغلال حالة القهر داخلها.

لم يقل أوباما في حينها إنّ ذلك يتطلب جهدا دوليا وأميركيا يتجاوز التحليل إلى الممارسة. من هنا تبدو سوريا مثالا لما يمكن أن يصبح عليه الحال في المستقبل كلما تمسكت إيران وروسيا ببقاء النظام. فهذا بحد ذاته سيكون عنصر تفجير دائم في المشهد السوري، وعنصر استثمار دولي وإقليمي، بحيث سيدرك الجميع أنّ الحرب ستستمـر وأنّ الاستنـزاف سيستمر، في غياب أيّ تسـوية سياسية تنطـوي على تغيير سياسي ملموس ومقنع للسوريين. فالحرب على الإرهاب ليست شعارا في نموذج تطبيقاته في العراق وسوريا، ولكنه يشكل مدخلا لبناء استقرار سياسي في هاتين الدولتين، خصوصا وأنّ التطبيقات على الأرض لا تـزال تظهـر أنّ القهـر السياسي مستمر لفئات واسعة من المجتمع، ولم تزل وسائل الحرب المذهبية والطائفية، هي الأداة التي تتحلـق حولها فصائل الحرب، فيمـا يغيب عمليا أيّ مشروع سياسي وطني جامع وقادر على معالجة أسباب القهر تلك التي شكلت، ولا تزال، أرضا خصبة لنشوء جماعات الإرهاب والتطرف.

تسقط حلب الشرقية بالمعنى العسكري لكن عبر سحق كل ما يتصل بقيم الإنسان وحق الحياة وحق التعبير والاعتراض وحق التغيير الديمقراطي. يتمّ ذلك من دون أن يشكل ذلك تحديا للمجتمع الدولي، بل يكافأ نظام الأسد وحلفائه بالمزيد من تشجيعه على ممارسة أبشع الجرائم.

فما فعله هؤلاء طيلة أكثر من خمس سنوات يتناساه العالم اليوم، بل يشجع أكثر على المزيد من التورط في الإجرام والتهجير. أوَ ليس هذا ما رأيناه في سوريا، فكلما أوغل الأسد في القتل والتدمير كلما صار العالم مقرّا بأهمية بقائه ووجوده على رأس النظام.

هذا العالم لم يزل على عهده في بلادنا. هو عالم يحترم من يقتل أكثر من شعوب المنطقة. كانت إسرائيل في زمن مضى، أمّا اليوم فثمة من تفوق بدرجات عليها في القتل والتدمير ويستحق أن يبقى ما دام يحسن قتل الشعوب وقمعها.

كاتب لبناني

علي الأمين

(العرب) لندن

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا