الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 علي الامين كاتب وصحفي لبناني

  رئيس تحرير موقع (جنوبية)

مقالات سابقة

 أسئلة تعتمل في صدور اللبنانيين

برسم نصرالله... هل من مجيب؟

 

علي الامين

 

لا يستطيع "حزب الله" الهروب حرفياً او مجازياً إلى الأمام كعادته، في ظل الأزمات والنكبات المتناسلة من جراء أجندته وأدائه ورهاناته، وخصوصاً في هذه الفترة المالية والمعيشية والأمنية الحرجة.

في زمن الإنهيار المريع والسريع للبلاد والعباد، والدخول في نفق الفقر والعوز، بات لزاماً على "حزب الله" الذي نصب نفسه حاكماً على لبنان بالسلاح والدولار، وينفذ سياسة ورغبات الولي الفقيه الإيراني ومحوره، أن يصارح الناس كل الناس، ويجيب على أسئلة صعبة تعتمل في صدورهم لما آلت إليه الأمور، وتحديدا عن سر "قوة قلبه" على أذية اللبنانيين عبر حكومة محكومة به، كان ولا يزال بمقدوره ان يضع حداً ولو متواضعاً للتدهور غير المسبوق إلى السحيق من الخوف على المصير، الذي يتحمل جزءاً كبيراً من مسؤوليته. فهل من مجيب؟!

فالسيناريو المرتقب للانهيار المالي والاقتصادي الذي يعانيه لبنان، لا يحتاج لكثير من الدراسة والتحليل، تراجع مريع لقيمة الليرة اللبنانية قياساً للدولار الأميركي، حيث فقدت حتى نهاية الاسبوع ثمانين في المئة من قيمتها، في المقابل فقدان الدولار من الاسواق الذي يترجم زيادة في اسعار السلع بشكل صادم وعشوائي، ثم العجز المتنامي في القدرة الشرائية لموظفي القطاع العام، وممن تبقى في القطاع الخاص من عاملين لم يتعرضوا للتسريح او لقضم الرواتب المتهاوية اصلاً، او تمّ اغلاق المؤسسات التي عملوا فيها.

اللائحة تطول وتستنزف الدولة والمجتمع، من دون ان تبدي السلطة اي مبادرة جدية تجاه مطالب شعبية ودولية بضرورة تنفيذ خطوات إصلاحية تتصل بملفات فساد وهدر معروفة للجميع، بل لم توجه أيّ رسالة توحي بالثقة بهذه الحكومة، بينما اظهرت الوقائع السياسية والتعيينات المالية والادارية، ان الحكومة ليست الا ظلاًّ لتقاسم نفوذ بين اطراف حلف الممانعة الذي وصل الى ما يشبه القناعة بأن القضاء على الفساد او محاربته، يعني ضرب هذا الحلف وإسقاطه، والا ما معنى ألّا تبادر هذه الحكومة المطيعة والممثلة لهذا الحلف وقراراته، الى القيام بأي خطوة ولو في اتخاذ قرار بمحاسبة مرتكب واحد في طول لبنان وعرضه.

بات "حزب الله" اليوم الحامي لهذه السلطة، والمدافع عنها لا عن الدولة، هو يريد رعاية وادارة شبكة السلطة، ولو على حساب المؤسسات والشعب والأرض، غايته في ذلك تفادي مجابهة الأسئلة الوجودية للدولة اللبنانية اليوم.

لقد سعى "حزب الله" منذ نشأته حتى اليوم، نحو هدف هو مبرر وظيفته ووجوده جعل ايران على حدود اسرائيل، وكان أمينا لهذه الوظيفة التي كان يجري ترويجها وتعميمها حيناً باسم المقاومة الحصرية لـ"الحزب" ضد الاحتلال، وحيناً باسم محور الممانعة الذي تتصدره ايران، من خلال انخراط "حزب الله" في معارك خارج الحدود اللبنانية، ومحاولة ادراج لبنان ضمن هذا المحور بوسائل مكشوفة، قامت على ترسيخ ثنائية الدولة والدويلة، التي انتهت الى ما عليه لبنان اليوم، من عزلة عربية ودولية قاتلة، وباتت الدويلة التي تحصنت بالدولة في سنوات سابقة، هي اليوم المعنية بحماية السلطة لا الدولة، اي الحكومة والرئاسات الثلاث وكل مكملات هذا التحالف السلطوي الذي لم يعد لديه غير الاحتماء بعباءة السيد حسن نصرالله.

من هنا تضيق مساحة الخيارات امام "حزب الله" في مواجهة الأزمة الخانقة للبنانيين، وهي تتراوح بين حدّي تفجير حرب مع اسرائيل والتسليم بشروط الدولة اللبنانية وشروط مساعداتها الخارجية.


اولاً، خيار الحرب: يبقى من الاحتمالات الواردة اذا كانت القيادة الايرانية، قد وصلت الى قناعة ان ما يجري سيؤدي الى فقدانها الوجود الاستراتيجي على الحدود مع اسرائيل، وبالتالي يمكن ان تقوم بالزام "حزب الله" بخوض حرب مع اسرائيل، تدرك القيادة الايرانية انها ستكون انتحارية للحزب والشيعة واللبنانيين على وجه العموم، في ظل الانهيار الذي يعيشه لبنان، وغياب اي حاضنة عربية ودولية للبنان، وعدم قدرة ايران على تمويل هذه الحرب. وهذا هو نفسه ما يجعل اسرائيل غير متحمسة للمبادرة الى حرب، طالما ان الانهيار في لبنان يؤدي الى حد كبير وظيفة الحرب، ويحقق معظم أهدافها.

ثانيا، خيار التسوية: من الواضح أن القيادة الايرانية، تتعامل مع الهجوم الاميركي الأمني والمالي والاقتصادي، عليها وعلى دول محور الممانعة، بالانكفاء التكتيكي وتفادي الصدام العسكري، وكان رد الفعل على اغتيال البنتاغون قائد فيلق القدس قاسم سليماني، مؤشراً الى ان ايران لا تريد المواجهة العسكرية، وهذا ما رسخ لدى المراقبين ان الرهان الايراني هو على نتائج الانتخابات الاميركية، وفوز الحزب الديموقراطي، اعتقاداً منها ان اي رئيس غير الرئيس دونالد ترامب، هو أفضل لإيران، وقد تنجز تسوية معه امتداداً للاتفاق النووي، ولكن ذلك في ما لو تحقق فهو لن يجعل لبنان في منأى عنها وبالتالي لا يمكن في مسار التسوية هذه توقع مسار غير مسار إنهاء الدويلة داخل الدولة في لبنان، وربما مسارات اخرى، بحسب المشهد الذي يمكن ان يكون عليه لبنان، في ظل تداعيات الأزمة الحالية، وما ستؤول اليه اوضاع البلاد والعباد.

لم يخرج أمين عام "حزب الله" ليقول للبنانيين ولأنصاره ما هي وعوده للمرحلة المقبلة، وكيف يمكن للبنان الخروج من المأزق الذي وضعه فيه، هو وحلفاؤه، ما هي مقترحاته لصمود لبنان، وما هي البدائل عن وقف الفساد وتغيير الحكومة، وكيف يمكن تعويض ما يتم تهريبه من عملة صعبة وطحين ومازوت وبنزين وأدوية الى سوريا؟ لم يقل للبنانيين شيئاً عن احتمالات الحرب، ماذا لو بادرت اسرائيل اليها، ما هي خطط الصمود؟

كيف سيتعامل "حزب الله" مع تزايد الفقر والعوز، وردود فعل المواطنين حيالهما؟ هل سيستمر في الاعتداد انه لا يزال محازبوه يتلقون رواتبهم بالدولار؟ وهل سيدير ظهره الى الأزمات بالقول انها ليست من مسؤولياته؟ وهل سيكون القمع والتضييق على الناشطين، والتلويح بسيف العمالة هو الجواب على الأزمة؟

تضيق الخيارات، لكن ما هو متاح اليوم من حلول، لن يكون متاحاً في الغد، وما يمكن عدم التنازل عنه اليوم، لن يستطيع اللبنانيون المحافظة عليه غداً، سياسة الحدّ من الخسائر، هي الأساس في ما يمكن البناء عليه، فالانهيار المالي والاقتصادي في دول محور الممانعة وعلى رأسها ايران، يترجم ميزان القوى في المنطقة، والهزيمة وقعت منذ ان دمرت سوريا وتضعضع العراق، وتم عزل لبنان ببراعة الممانعة، وبالتالي ازاء هذه الوقائع لا يمكن توقع نتائج عكسية لوقائع استراتيجية دامغة.

العودة الى لبنان هي الحل كما كان الخروج على الدولة منذ عقود هو المشكلة، وترف الانتظار غير موجود، ما يمكن - وليس مؤكداً - ان يحول دون انهيار لبنان وتفتته، تشكيل حكومة مستقلين من رجالات تحظى بثقة الدول التي يمكن ان تساعد لبنان، وباحترام وثقة من الرأي العام، وإعادة الاعتبار للسلطة القضائية المستقلة، وبناء الثقة مع المحيط العربي، ووقف كل مشاريع الهدر والفساد، او ان يخرج الأمين العام للحزب ليجيب على الاسئلة التي يطرحها اللبنانيون ويقدم حلولاً تشعرهم انهم فعلاً محكومون من قبل سلطة موثوقة وتستحق ان تحكُم وتُطاع.

(نداء الوطن)

 

 

الإدّعاء" على العلّامة الأمين

عاجز عن إلغاء مدرسة "الاجتهاد"

 

علي الأمين

 

الحدث جلل. الإدعاء، وهو فعلاً "إدعاء" وزعم، على العلامة الجليل السيد علي الأمين بلقاء مسؤولين إسرائيليين يتجاوز المهزلة القضائية، ليصيب "حزب الله" المحرّض والفاعل عبر أدواته القانونية في قصر بعبدا مقتلاً وإفلاساً وفضيحة مدوية بعد خروج فاقع عن الأدبيات الإنسانية والدينية والشرعية، خصوصاً وأن الحزب وحلفاءه يعلمون جيداً أنهم يفبركون إساءة ترتد عليهم ولن تُغير بتاريخ الأمين وعمامته الناصعين.

لم يعد خافياً ان الاتهام بالعمالة صار الوسيلة التي تتم من خلالها محاولة إسكات وتطويع الأصوات المعترضة على سلطة "حزب الله" وامتداداتها في مؤسسات الدولة اللبنانية. آخر هذه المحاولات، وليس آخرها كان الادعاء على المفتي السابق في صور وجبل عامل العلامة السيد علي الأمين بجرم لقاء مسؤولين اسرائيليين.

وهذا الادعاء جاء على خلفية مشاركة السيد الأمين في مؤتمر في البحرين حول الأديان شارك فيه رجال دين وهيئات اجتماعية وثقافية من انحاء العالم من بينهم احد الحاخامات الاسرائيليين، وكان من بين المشاركين في المؤتمر من اللبنانيين السفير اللبناني في البحرين، ومؤسسة مخزومي، ورجال دين مسيحيون ومسلمون.

إعلان السيد الأمين غداة عودته انه لم يكن على علم بمشاركة رجل دين اسرائيلي، لم يمنع من اطلاق "حزب الله" حملة ضد العلامة الأمين عبر ادواته، وصلت الى استدعاء الأمين من قبل الأمن العام حصراً بالطبع من دون ان يتم استدعاء اي مشارك في المؤتمر ولم يصدر اي موقف رسمي لبناني لا تجاه السفير ولا ادانة المؤتمر او الاعتراض اللاحق عليه.

كل ما تقدم يكشف عن "أوضح الواضحات" العلامة الأمين وهو الفقيه الأبرز فقهياً بين علماء الشيعة اللبنانيين، والمعروف بمواقفه الوطنية يتم الادعاء عليه بتهمة التعامل مع العدو الاسرائيلي، فقط لأنه من العلماء الشيعة الذين يعلنون بوضوح التزامهم بخيارهم الوطني والعربي والاسلامي، ويعلنون تمايزهم او اعتراضهم على المشروع الايراني وسياسة "حزب الله" اللبنانية وفي الدول العربية.


محاولة النيل من السيد الأمين بهذه التهمة، هي استهداف لا يمكن فصله عن استهداف العمامة الشيعية، خاصة عندما تصدر عن جهة تحتمي بهذه العمامة، واذا كان البعض لا يدرك مغزى ما يرتكب تجاه قامة مشهود لها بفقهها ومرجعيتها، فهو يمهد شاء أم ابى الى إسقاط عمائم كثيرين من رجال الدين.
يعكس هذا الادّعاء حجم الضيق من اي اختلاف يعكس مدرسة الاجتهاد التي ستبقى راسخة في المذهب الشيعي مهما حاولوا التشويه واختصار المذهب بالولاء لشخص واحد أحد، هو زعيم دولة ايران.

النيل من السيد علي الأمين، بهذه الطريقة، وبعد اسابيع على اطلاق العميل عامر الفاخوري تحت اعين "حزب الله"، وبعد اشهر قليلة على تنفيذ عملية تهريب برعاية رسمية لكارلوس غصن، الذي اجتمع في وقت سابق مع مسؤولين اسرائيليين وعلى رأسهم رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، من دون ان يبدي "حزب الله" اي اعتراض على حمايته غير القانونية والمكلفة للبنان في علاقاته مع اليابان وغيرها، ولم تزعج حزب الله" مشاركة الوزير جبران باسيل في تظاهرة التضامن مع ضحايا شارل ايبدو في باريس، في وقت كان مسؤولون اسرائيليون يسيرون صفاً واحداً وعلى بعد امتار قليلة منه، والأمثلة عديدة في ما يتصل بقيادات وعناصر في التيار الوطني الحر، الذين كان ولاؤهم لسياسة "حزب الله" معبراً لعدم اتهامهم وملاحقتهم، "كن مع "حزب الله" وافعل ما شئت" هذا ما اثبتته الوقائع التي جعلت من ملف العمالة مجالاً للابتزاز والمقايضة، في المقابل مارس "حزب الله" سياسة "انت ضد "حزب الله"... انت عميل".
استهداف المفتي السيد علي الأمين رسالة واضحة الى معارضي خيارات "حزب الله" ورهاناته السياسية، سواء كانوا شيعة او غير شيعة، وهي تعبّر عن حجم الافلاس الذي وصلت اليه السلطة التي باتت وهي تعاني من الافلاس المالي والاقتصادي، تعلن على الملأ وعبر النيابة العامة عن إفلاسها السياسي.

(نداء الوطن) البيروتية  باتفاق مع الكاتب

 

 

"حزب الله"... "والي ولاية"

الإيديولوجيا والمال في لبنان!

علي الامين

 

يكاد ينجح "حزب الله" الى حد بعيد، في المواءمة بين الإيديولوجيا والمال. وصفة سحرية لخلطة عجائبية، وفرت لها مكوناتها السياسية والعسكرية والشعبية، "إكسير الحياة" ولو على حساب "كسر"الدولة واللبنانيين على حساب "جبر" خاطر بيئته ومحازبيه، عبر إدخالهم في جنة والي المال "النظيف" لتحيا ولاية الفقيه!

لم يكن المال هامشأً في صعود الايديولوجية الايرانية ونموذج "حزب الله" تحديداً وكل المؤسسات المالية والاجتماعية والأمنية والعسكرية والدينية التي تأسست وواكبت صعوده في عقد الثمانينات من القرن الماضي، لا يخفى على الذين عاصروا تلك المرحلة، ان الملاءة المالية شكلت عنصراً حيوياً ان لم يكن الأول في تعزيز نفوذ الحزب وترسيخه، مع تراجع بيّن وواضح للقوى اليسارية والوطنية والقومية في البيئة الشيعية لصالح تمدد "حزب الله".

لا شك ان "حركة أمل" التي قاسمت "حزب الله" النفوذ شيعياً، في تلك المرحلة وما تلاها حتى اليوم، استندت الى نظام المصالح الطائفية لتوفير المنافع والوظائف لمحازبيها، فيما الحزب بقي مستنداً الى الموارد المالية الايرانية التي كان يتلقاها بالدولار الاميركي، ومنذ منتصف الثمانينات نجح الدولار (الايراني) باضافة جاذبية مضاعفة لـ"حزب الله" الذي كان مستفيداً من تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية التي شهدت حينذاك وحتى العام 1992انهياراً وصل بالعملة الوطنية من حوالى خمس ليرات لبنانية مقابل الدولار، الى ثلاثة آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد في نهاية العام 1991وهو وفر للحزب ايضاً وبسبب امتلاكه الدولار المتدفق اليه من ايران، قدرة على الانتشار وترسيخ النفوذ والانطلاق في عملية استحواذ على المنابر الدينية الشيعية بشكل متدرج، والى ذلك وفّر وجود العديد من المؤسسات الاجتماعية التي كانت تؤمن لعناصر "حزب الله" وعائلاتهم، موارد مالية وضمانات صحية وتغطية كلفة التعليم وقروضاً ميسرة، عززت الولاء له الذي كان بالنسبة اليهم الدولة الفعلية الراعية لمصالحهم.

ويذكر الذين عاصروا تلك الحقبة في الثمانينات ما شاع من مقولات وتعليقات وانتشر بكثافة لاحقاً مع إنطلاقة "حزب الله" في الثمانينات: "أن للمقاتل أم 16 لميعة (البندقية) والفولفو السريعة والمرأة المطيعة"، وهي دلالة على المميزات لدى المنتسبين للحزب، وان استخدمت من البعض في سياق تهكمي.

التركيز على الجانب المالي ولا سيما الدولار، لا يستهدف التقليل من الشأن المتصل بالايديولوجيا، ولا التهوين من شأن القناعات لدى المنتسبين، ولا بالتأكيد التقليل من دوره في المقاومة اللبنانية ضد اسرائيل، لكن الغاية في الاشارة الى المال كعصب اساسي في صعود هذه الظاهرة الحزبية في لبنان وفي المجتمع الشيعي على وجه الخصوص.

مسار صعود

 

وفي عرض لمسار صعود "حزب الله"، من الملاحظ ان الدعم الايراني المالي وبالدولار الاميركي، هو من هوية الحزب، وحتى لو دخلت اليه موارد مالية من مصادر أخرى فهي تتم امام اعين الايرانيين واشرافهم، سواء تلك التي قدمتها دول عربية، او تلك المتصلة بعمليات مالية خارجية مشروعة وغير مشروعة.

المال هو الرسالة التي كان يحسن الأمين العام للحزب مخاطبة جمهوره بها، ففي خضم الحرب او التهديد بها، كان نصرالله يطمئن الجمهور والقاعدة الحزبية الى انها موجودة وانها لن تتأثر بكل ما يجري من حصار او تهويل على "حزب الله" من جهات خارجية.

ويمكن بقليل من المتابعة للعديد من مواقف حلفاء "حزب الله" ولا سيما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان، الملاحظة ان العنصر المالي كان اساساً في ترسيخ تحالفاته الداخلية، والدعم المالي الذي قدمه لعشرات الاحزاب والمجموعات والشخصيات السياسية وغير السياسية ومنها سرايا المقاومة، الى جانب استثمار نفوذه في الدولة اللبنانية لتمرير مصالحها من توظيف وتلزيمات ومعونات، كل ذلك كان ابرز مصادر قوة "حزب الله" للتمدد والنفوذ خارج الطائفة الشيعية، ولم يكن دوره العسكري والأمني وحده كافياً لجذب الحلفاء، المال هو العصب وهو القوة الناعمة التي اخترقت حصوناً كان من الصعب على "حزب الله" اختراقها بالايديولوجيا وحدها.

في حرب العام 2006 لم تكن نتيجة الحرب انتصاراً للبنان، فحجم الدمار الذي طال الدولة شعباً ومؤسسات لم يكن مسبوقاً، ولكن "حزب الله" استفاد من هذه الحرب بخلاف الدولة اللبنانية، ولعل ابرز وجوه الاستثمار، او الأهم شيعياً، كان المال الذي تدفق بالمليارات لاعادة البناء، وخروج نصرالله نفسه للقول لجمهور الشيعة المنكوبين بعد الحرب، ان بيوتهم وقراهم ومدنهم سيعاد بناؤها افضل مما كانت، وقام "حزب الله" مباشرة بدفع التعويضات للايواء وبشكل سريع بالدولار ايضاً، وهذا ما ساهم في امتصاص النقمة عليه بسبب الحرب، ونجح في تحويل نتائج الحرب السلبية الى قوة دفع شيعية ليس في اتجاه اسرائيل، بل الى الداخل اللبناني، بحيث بدأت بشكل واضح ومستتر عملية السيطرة والتحكم بالدولة اللبنانية، والانتقال لاحقاً الى سوريا والعراق واليمن وغيرها...، وبدأ رواج مقولة الحزب الاقليمي في دلالة على دور الحزب الفاعل خارجياً، وبالتأكيد الفاعلية هنا عربية وتحت مظلة التمدد الايراني في هذه الدول، فيما اسرائيل حققت منذ العام 2006 قفزات استراتيجية أمنياً وعسكرياً واقتصادياً.

هزيمة لبنان وسوريا

المال ثم المال ثم الايديولوجيا والخيارات السياسية والعسكرية والأمنية، بل لم تكن الايديولوجيا لتتمدد وتسيطر، لو لم تكن مشروطة بمنافع مادية، فولاية الفقيه العامة التي تقوم عليها ايديولوجية "حزب الله"، اتيح لها ان تنتشر لدى بعض الشيعة العرب، بعدما كانت هامشية ويرفضها معظم فقهاء الشيعة بل الأكثرية الساحقة في تاريخ المذهب الشيعي، لم تكن لتتمدد لولا دور المال والسلطة الذي مثلته الدولة الايرانية، على رغم ما لهذه الايديولوجية من تعارض جوهري مع الانتماء للدولة الوطنية والولاء لها، فالولاء للدولة الوطنية والاندماج في مجتمعاتها، هو الغالب والشائع في آراء الفقهاء والمفكرين الشيعة، بل لم يخرج من الفقهاء من طرح فكرة الدولة الشيعية باعتبارها غاية او هدفاً لهذه الجماعة.

كل ما تقدم يشير الى اهمية المال ونظام المصالح للفرد او الحزب او الجماعة او الدولة الوطنية وحتى النظام الاقليمي الذي يقوم على منافع مشتركة بين الدول المكونة له، كحال النظام الاقليمي العربي، واذ نجح "حزب الله" الى حدّ ما في ليّ عنق نظام المصالح الوطني والعربي والدولي للبنان، وقبل ذلك لمحازبيه وللجماعة الشيعية الى حدّ معتبر، فان هذه القدرة لم تكن لتتحقق لولا تقاطعها مع مصالح اقليمية ودولية، وبدا ان "حزب الله" يؤدي وظيفة تتناغم مع خيار التفتيت، العربي والوطني، فيما كانت اسرائيل تنمو وتتمدد وتحقق اختراقات استراتيجية عربياً ودولياً، ولم يكن الدخول الروسي والصيني الى المنطقة من دون شرط ضمني هو الدخول عملياً عبر علاقة وثيقة مع اسرائيل.

الهزيمة هي المحصلة مهما قيل عن صواريخ "حزب الله" الدقيقة، الهزيمة اللبنانية والسورية والعربية على وجه العموم، غير ذلك مكابرة وامعان في مزيد من ترسيخ الهزيمة.

اللبنانيون مهزومون في نموذج سلطتهم، في الفساد وفي ضعف الدولة، وضعف العدالة في تطبيق القانون، ان لم نقل غيابها كلما تعلق الأمر بمحاسبة الفاسدين المفسدين.

العودة الى نظام المصالح الوطني والولاء للدولة، والتسليم بأن هذه المصلحة تمثل المقدس اللبناني، وأول ما يعني اللبنانيين اليوم هو الحدّ من الخسائر ولجم الانهيار، واذا كان "حزب الله" لديه ما يقدمه للبنانيين على هذا الصعيد، فهم جاهزون لاتباعه، لكن لن يقبلوا بأقل ما قبل به محازبوه، اي ان يزيل عنهم شبح الفقر، وان يوفر لهم شروط العيش الكريم، وان يضمن لهم سريراً في مستشفى، ومقعداً لأبنائهم في المدرسة والجامعة، وفرصة عمل تتيح الحصول على راتب لا يهتز باهتزاز سعر الصرف لليرة اللبنانية، وان يضمن لهم حداً معقولاً من كرامتهم الانسانية، فالولاء والطاعة لا يتحققان بغير ذلك هذا ما قالته سيرة "حزب الله"، ولا يمكن ان يتحقق له لبنانياً من دون ذلك السبيل.

محصلة الفساد والافساد وإضعاف الدولة، مضافاً اليها قانون "قيصر" ضد النظام السوري، فضح حجم الانهيار للدولة في لبنان وكشف عن حجم المكابرة والادعاءات التي طالما شكلت عنصراً قاتلاً ومدمراً للوطن والمجتمع...قليل من التواضع يحيي لبنان!.

(نداء الوطن)

 

نصرالله يحلُّ «حزب الله»..

حتى إشعارٍ آخر!

علي الأمين

لم يكن لنصرالله ما أراد هذه المرة، جل ما فعله هو القيام بما يشبه الإنقلاب على حزبه.. "حزب الله" وتحويله حتى إشعار آخر إلى حزب الدولار.. بكل طيبة خاطر. اعلان لم تكن إطلالة الأمين العام ل “حزب الله” السيد حسن نصرالله عادية أو استثنائية بالمعنى السياسي، انما مفصلية تحولية بإمتياز، تصنع أصناما لأعداء جدد من “العدة القديمة” وتطلق تسميات جديدة على السلاح والدولار وما بينهما، وتستدرج العروض البائسة لبدائل يائسة، و تشق طريقاً معبّداً بالأهوال إلى الشرق وتسد المنافد إلى الغرب، تحت عناوين تهديدية، اراد من خلالها حشر اللبنانيين في زاوية واحدة لترهيبهم وتخويفهم و المزيد من المتاجرة بدمائهم ولقمة عيشهم، وتخييرهم بين السلاح والجوع، الشعار الذي استوحاه من الأميركيين ليهوّل على اللبنانيين.. ولم يكن له ما أراد هذه المرّة، جلّ ما فعله هو القيام بما يشبه الإنقلاب على حزبه.. “حزب الله” وتحويله حتى إشعار آخر إلى حزب الدولار.. بكل طيبة خاطر. “حزب الله” وتحويله حتى إشعار آخر إلى حزب الدولار ليس لدى السيد حسن نصرالله من يقارعه في لبنان، يبحث في الزوايا عن عدوّّ او عميل (طبعا غير عامر الفاخوري) لكي يسجل انتصاراً الهياً جديداً يضمه الى خزان الانتصارات الذي لا ينضب، رغم الهزائم التي تحيط بلبنان والعرب والايرانيين وتغرقهم بالفقر والذلّ. إقرأ أيضاً: الشماتة بقانون قيصر عيْب… يا «حزب الله» وحده يصارع طواحين الهواء، ويسجل في مفكرته حركة عداد الانتصارات حيث كان وحيث يجب ان يكون. من دون ان نعكر صفوّ الانتصارات ووعودها المتجددة، وبلا مزيد من تعداد للمهازل والمآسي التي يعيشها لبنان في زمن الدولة المقاومة، والحكومة المقاومة، والرؤساء المقاومين، وتعداد كل ما يمتّ للمقاولات والصفقات والفساد، المستقوي على المواطنين، بقوة “الوفاء” و”السلاح” و”المحاصصة”، من دون تعداد وتكرار ما بات معروفاً، لم يعد لسيّد المقاومة من يقاومه في لبنان، فالانتفاضة او بعض المحتجّين لا يعوزهم اكثر من عشرات الدراجات النارية وشعار “شيعة شيعة…” كي يتفرقوا وتذهب ريحهم، واذا اقتضى الأمر، يمكن اخراج او السماح لمئات من المقرّبين او المتحمّسين، لحرق بعض المتاجر في وسط بيروت، او حرق بعض المصارف وتحطيمها، ثم تتويج ذلك بالمطالبة باقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. لم يعد للسيد من يقارعه في لبنان لم يعد للسيد من يقارعه في لبنان، الحكومة حكومته والرؤساء حلفاؤه ورهن اشارته، واكثر..من كانوا خصوما او اعداء من رموز مرحلة قوى ١٤ اذار، يكاد الواحد منهم يرفع قبضته مطلقاً شعار “لبيك يا نصرالله”. ومن لم يصل منهم بعد الى هذا الشعور او الاستعداد، فهو ممن لا يستحق الانتباه له ولا الاستماع الى صراخه المحدود. ليس لدى نصرالله من يقاتله في لبنان، ويوم ٧ ايار “المجيد” لا فرص لتكراره، طالما ان السلطة بقضها وقضيضها رهن اشارة السيّد، يأخذها شرقاً واذا شاء غرباً، الدولة كلها في عباءته، بفسادها ونقائها، بفقرائها واغنيائها، بثوارها وعملائها، بدولارها وليرتها، بحاكم المصرف والمصارف، فماذا بعد؟  الدولة اللبنانية هذا هو حالها، لذا المشكلة مع اميركا، التي اقرّت قانون قيصر لمحاصرة ومعاقبة نظام الأسد ومعاونيه، والحصار في سوريا ليس عملة اميركية، فقد كان نظام الأسد وحلفاؤه، وانتم منه، قد قدم للشعب السوري نماذج مشهودة للحصار، من مثال الغوطتين الشرقية والغربية، ومخيم اليرموك، وداريا، ومضايا والزبداني واحياء حمص وغيرها… فمهما بلغ الحصار الاميركي من الشراسة، فهو لن يصل الى ما ارتكبه النظام ضد شعبه من اعمال الحصار والتجويع والابادة. ليس لدى “حزب الله” من يقارعه او يقاتله في لبنان، لأن القوى الحزبية والسلطوية على وجه العموم، حالهم ليس كحال اهل الكوفة مع الحسين، اي قلوبهم معه وسيوفهم عليه، حال جلّ المؤيدين من اللبنانيين لحزب الله اليوم كحال من اصطفوا مع يزيد بن معاوية.. سيوفهم معه وقلوبهم ضده. ما يجري وان كان هو من آمال وأمنيات السيّد نصرالله، اي حصوله على فرصة قتال “الشيطان الأكبر”، باعتبار ان هذا القتال لم يتح له في السابق بوضوح كما اليوم، فهو قاتل في سوريا من دون ان ينال هذا الشرف، قواته كانت تحظى بغض نظر اميركي واسرائيلي ان لم يكن اكثر، وكذلك الحال في العراق واليمن وغيرهما..اليوم المواجهة مباشرة، طالما ان واشنطن تستهدف معاقبة نظام الأسد وحلفائه، ولبنان الذي يقوده حزب الله لن يرضى ولن يسمح بتمرير هذا القانون على الأرض، ولا سيما عبر لبنان. التطلع الى الصين وايران يتطلع الى الصين وايران- و ليس معلوما لماذا تحاشى ذكر روسيا سلبا او ايجابا في خطاب الأمس- لا بأس بهذه النظرة طالما انه يمنع اذى اميركا، ومنع اذى اميركا او الحدّ منه، يتفوق على مبررات خوض حزب الله عملية ٧ ايار الشهيرة، ويمكن لحكومة حسان دياب ان تتبنى هذا الموقف طالما هو لمصلحة لبنان، وان لم تقم بذلك فيمكن للحزب وحلفائه ان ياتوا بحكومة جديدة تتبنى هذا الخيار، وبالتأكيد فان السيد نصرالله حين طالب بالتوجه نحو الصين، يدرك بما لديه من معلومات ورؤى استراتيجية ان الصين ستهرول لتنفيذ مشاريعها في لبنان، لاسيما اذا ما قرر لبنان مواجهة قانون قيصر، علما ان الشركات الصينية فرّت من ايران بسبب العقوبات الاميركية، لكن ربما “حزب الله” مطمئن لحماسة الصين التي وثقت علاقاتها مع اسرائيل اسوة بسوريا، انها ستفتح لها البوابة اللبنانية ولو كانت عبر المعبر الاسرائيلي، البحري وربما البري ايضاً. في عام ٢٠٠٦ احد ابرز اسباب قدرة “حزب الله” على استثمار الحرب لصالحه داخليا ..كان الدولار والاكوام التي تدفقت اليه …فتأمل .. لبنان أعجز من مواجهة “قيصر” الواقع يقول ان لبنان المتهالك ماليا واقتصاديا وسياسيا، كذلك سوريا المدمرة، اعجز من ان يواجها قانون قيصر، وهذه حقيقة لا يمكن التغطية عليها بالخطب والشعارات، طالما ان كل السوريين واللبنانيين او جلّهم وصلوا الى مرحلة من السوء الذي يجعلهم يقفون صفوفاً اما الصرّافين في السوقين الابيض والاسود، للتخلص كلٌّ من عملته الوطنية، ويا للمفارقة للحصول على الدولار ! لا بل اذا اراد “حزب الله” الاعتّداد بقوته يقول كما قال نصرالله في خطابه امس، “نحن من نأتي بالدولار الى لبنان”، الدولار هو البوصلة وقبلته واشنطن، الانتصار هنا والهزيمة ايضاً.. في عام ٢٠٠٦ احد ابرز اسباب قدرة “حزب الله” على استثمار الحرب لصالحه داخليا ..كان الدولار والاكوام التي تدفقت اليه تلك التي كانت كفيلة في حينه لأن يتمنى كثيرون عودة الحرب رغم مآسيها، هذه من مآثر الدولار، يعرف السيد نصرالله ماذا عليه أن يفعل ليصمد لبنان ويقارع “قيصر” ..انه الدولار الغائب الحاضر كما الشيطان الأكبر ..فتأمل ..

ينشر باتفاق مسبق مع الكاتب (رئيس تحريرجنوبية )

"حزب الله" الراعي

الرسمي للعهد والحكومة!

علي الامين

تضيق الخيارات أمام "حزب الله" بعد حشره في الزاوية الداخلية وانكشاف أمر أسلحته المدمرة عن بُعد بعد تعطيلها عن قُرب، ودخوله في زواريب السياسة والمال والإقتصاد لأسباب محلية وإقليمية باتت "أشهر من نار على علم"، ليتحول إلى الراعي الحصري "الرسمي" للعهد "المستقوي" وحكومته "البتراء".
والأنكى ان "حزب الله" وبلا وازع أو رادع يُغرق اللبنانيين بمن فيهم أبناء بيئته، في فوضى مالية اوصلت الجميع، باستثناء محميته، إلى الدرك الأسفل من الفقر المدقع، ويظلل مجموعات شغب مخاطراً بالإنجرار إلى اشكالات مذهبية وطائفية لا تحمد عقباها.

فقد كانت حكومة الرئيس حسان دياب إيذاناً بانتقال "حزب الله" من السيطرة المقنعة على الدولة الى مرحلة السيطرة الصريحة على ادارة الدولة وتحديد خياراتها من وقوف الحكومة على باب صندوق النقد الدولي، واطلاق سراح العميل عامر الفاخوري، الى ادارة عملية تقاسم الحصص في التعيينات الادارية، وصولاً الى حماية مصالح القوى التي كانت في الحكومة السابقة من الابتلاع الكامل من قبل اركان قوى 8 آذار، او من الاركان الجدد من ادواته او حلفائه كالرئيس حسان دياب.

لم تجد الحكومة الحالية من تحادثه في الخارج من دول عربية او غربية، وأظهر تشكيلها ان هذا الخارج ينظر اليها باعتبارها حكومة "حزب الله"، فلا رسائل متبادلة تشير الى وجود الثقة مع الخارج، الذي بات ينتظر الحكومة المقبلة او ما سيخلص اليه المشهد اللبناني في ظل الأزمة الخانقة التي يعيشها، وما ستنتهي اليه سياسة الحكومة التي تتمنع عن القيام بأي خطوة اصلاحية جدّية تبني من خلالها الثقة مع هذا الخارج الذي احالها الى صندوق النقد الدولي، والثقة مع الداخل التي تظهر الوقائع في الشارع انها حكومة صامدة بقوة سلاح "حزب الله" وسطوته الامنية والعسكرية.

الحكومة والاستسلام

لم يحظ حسان دياب بدعم المجموعات المنتفضة في الشارع، ولم يلق تعيينه ترحيباً في البيئة السنية، بل يعاني من عزلة سياسية على هذا الصعيد، وهو اظهر بشكل عملي ومن خلال التعيينات الادارية والمشاريع الحكومية، انه وفيّ لمن اوصلوه الى سدة الرئاسة الثالثة، وبدا مطواعاً لمتطلبات "حزب الله" السياسية لارضاء حلفائه، وبعيداً كل البعد عن نبض الشارع الذي يطالب بالاصلاح والخروج عن نظام المحاصصة والفساد.

 

هذه الحكومة تكشف يوماً بعد يوم عن عجز مقيم تجاه إظهار ارادة التغيير، بل عن استسلام مقيم لمنظومة السلطة التي باتت محكومة بالمزيد من الشيء نفسه في ادارة الشأن العام، لأنها شديدة الانتباه لمصالحها غير المشروعة، والتي بات الاصلاح مشروطاً بتفكيكها وتقويضها.

العصبية الطائفية وادارة صراعاتها وتناقضاتها شكلت في السنوات الاخيرة إحدى وسائل سيطرة "حزب الله" على السلطة، فقد كانت العلاقة التحالفية تترسخ مع الرئيس ميشال عون، ومع رئيس التيار الوطني الحر وتتعزز، كلما زادا من شدّ العصب المسيحي وتمتينه، وتجييره في سياق يظهر ان سلاح "حزب الله" هو عنصر قوة للمسيحيين، في وقت كانت الدولة تزداد هشاشة وضعفاً فيما الدويلة تنمو وتتمدد.

وفي سياق معادلة المتاريس المذهبية والطائفية، كان من الطبيعي ان أقرب حليفين لـ"حزب الله" اي الرئيس نبيه بري وحركة امل من جهة، وباسيل والتيار العوني من جهة ثانية، كانا الأكثر اصطداماً وتحريضاً متبادلاً، ولم يضر ذلك "حزب الله"، وكلاهما كانا الأكثر كسباً في النفوذ والسيطرة مقابل الولاء للخيارات الاستراتيجية لـ"حزب الله".

انتفاضة 17 تشرين

الانتفاضة في 17 تشرين وامتداداتها تهدد هذه المعادلة السلطوية، لأنها عاجزة بطبيعتها عن ان تكون طائفية او مذهبية، فهي قامت على نبض مناقض للمحاصصة وعلى نقيض مشروع السلطة في ادارة الدولة، وهي غير قابلة بطبيعتها ايضاً للانخراط في نظام المحاصصة، لذا برزت رغم الخيبات، عصيّة على الاستحواذ والتحكم، وتنوّعها بقي عصّياً على التحوّل الى تناقض رغم الجهود التي بذلها "حزب الله" في سبيل القضاء على روح التغيير الديموقراطي التي تعبّر عن تطلعات اللبنانيين في قيام الدولة. يمكن ان يقال الكثير عن الاحتجاجات، ولكن الثابت ان التغيير والخروج من دوامة عجز السلطة وعبثيتها اصبحا رهن ارادة الشارع المتنامية والمتصاعدة.

استحضار الخطاب الطائفي وشعاراته هو تعبير عن العجز ويعكس الارباك لدى السلطة، اذ ليس لدى السلطة في ما تبقى لها من اوراق داخلية، الا السعي لاعادة المتاريس الطائفية والمذهبية، وهو وسيلة تصطدم بعوائق كثيرة. أما الاستعانة بالتصويب على حاكم مصرف لبنان، فلم تعد نافعة، طالما انّ تغييره لم يعد مجدياً لهذه السلطة بقدر استمراره في موقعه، وطالما ان الرئيس نبيه بري يتولى رعايته وتسريب طلبات حليفه اليه.

لم يعد الالتفاف على الأزمة متاحاً بالطرق التي ألفها "حزب الله" في ظروف سابقة، اي بـ 7 ايار جديد، او القيام بحرب ما، ولا الحملات الاعلامية والتخوينية باتت مجدية، فذلك كله لم يعد كافياً لأن يسد رمقاً أو يخفف اوجاعاً مالية واقتصادية تكتسح الجسم اللبناني بأكمله. ليس لدى الحزب ما يقدمه لتهدئة غضب الشارع، غضب بات في بيئته، هو اليوم بخلاف ما كانت عليه الحال غداة حرب تموز 2006، يوم تدفقت الاموال الايرانية والعربية على لبنان، اليوم ما يخرج من اموال اكثر مما يدخل اليه، والمال الايراني وحتى العربي بات عصياً على اللبنانيين ولأسباب مختلفة، سكت الناس في تلك الحرب عن الدمار، لأن "حزب الله" والحكومة عوّضا القسم الكبير من الأضرار والخسائر المادية المباشرة، امّا اليوم فودائع اللبنانيين في البنوك اللبنانية قد نهبتها السلطة عملياً، وان كانت ارقاماً مسجلة لأصحابها في ذمة البنوك، وفرص النهوض المالي والاقتصادي تتلاشى، والفقر والجوع يتسللان الى معظم العائلات اللبنانية، والمؤسسات التجارية تغلق ابوابها، والبطالة تتفاقم والعملة الصعبة تختفي في بلد يعتمد على الاستيراد من الخارج، لا بل يجري تهريبها بوقاحة الى سوريا، في عملية مستمرة لاستنزاف لبنان في سبيل نظام مستعد ان يبيع بلده من اجل ان يبقى على هرم سلطة خاوٍ.

المأزق الذي خلص اليه "حزب الله"، هو انه بات يفتقد الى خصم في لبنان يمكن ان يقنع جمهوره بانه المسؤول عن الأزمة التي وصل اليها لبنان، رياض سلامة والمصارف ليسا كافيين، طالما ان "حزب الله" بات الحاكم الفعلي للدولة، وطالما ان الحكومة حكومته وباسيل حليفه وربيبه، وطالما ان الرئيس بري حليفه، ورئيس الجمهورية هو الرئيس المقاوم، فماذا بعد؟

استعراض فائض القوة في الشارع لا يسد جوعاً ولم يعد ينفع، التغيير بات قدراً وليس مطلباً، في السلطة وفي فك الارتباط مع النظام السوري اذا اراد لبنان التفلت من قانون قيصر.

(نداء الوطن) البيروتية

 

عندما يدس «حزب الله»

1559 في حراك ٦ حزيران

 

علي الأمين

ينتقل “حزب الله” الى مرحلة من التحكم بمفاصل الدولة ومصائر الناس، يُمكن ان تُعد الأخطر ممارسة وأهدافاً. ولعل التلاعب بالأدلة السياسية والمذهبية والفتنوية في مسارح جرائمه المتمادية بحق الحراك لشيطنته والذي بلغ ذروته امس، لم يحقق له نظرية “الجريمة الكاملة” من ساحة الشهداء إلى عين الرمانة وصولا إلى كورنيش المزرعة. السحر انقلب على الساحر أمس، وضبط حزب الله ب”الجرم المشهود” وهو يدس شعار القرار 1559 ونزع سلاحه في صفوف وعقول أدواته التخريبية، التي كانت تخلو منها الساحات، وشن حروب طواحين الهواء الوهمية على المنتفضين لإستخدام مظلومية جوفاء ومحاولة بائسة لإفشال صرخة الجوع والقهر بوجهه ووجه العهد والحكومة تهرباً من مسؤوليتهم. ففي مشهد ٦ حزيران ٢٠٢٠ اعلان ميداني لسقوط “الحجّر السياسي” الذي سعت الحكومة ورعاتها الى فرضه تحت جنح جائحة الكورونا. استكمال عملية ازالة الخيم بقرار من وزارة الداخلية، بعد حرق بعضها في ساحة الشهداء وفي ساحة رياض الصلح، كان مؤشراً على استعجال الحكومة استثمار اجراءات مواجهة الجائحة، لانهاء مشهد ساحات الحراك الشعبي تماما، بعدما كانت نجحت قبل ذلك، احزاب السلطة وعسسها في انهاء بعض الساحات التي رمزت لانتفاضة تشرين، من جل الديب والنبطية وغيرها ومحاولات فشلت نسبيا، في مناطق أخرى في صور وكفررمان وغيرهما. نزل الاف اللبنانيين الى ساحة الشهداء ليكسروا نهائيا الحجر السياسي، وليسقطوا كل القرارات التي تريد لهم البقاء في بيوتهم، بعيدين عن الشارع وساحات التغيير، والغاية التي دفعتهم الى الشارع التأكيد على ان الشعب لا يمكن ان يهدأ، طالما ان شيئا لم يتغير في سلوك السلطة، المحاصصة على حالها والفساد ايضا، ولا مرتكب جرت محاكمته، ولا سياسات حكومية تخفف من وقع الأزمة الطاعنة في حياة اللبنانيين الى حدّ الانهيار الكامل لنظام عيشهم حجم التحريض على دعوات النزول الى وسط بيروت في ٦ حزيران، لم يكن عفوياً، ولا تعبر عنه الصاق تهمة انه تجمع للمطالبة بتنفيذ القرار الدولي رقم ١٥٥٩، رغم ان البعض من مجموعات الحراك المحدودة يتبنى هذه الدعوة ولم يتوقف عن المطالبة بتنفيذه، وهذا ليس مطلبا مستجدا وهو لا يخلّ بالأهداف الثابتة التي لا تزال تجمع كامل طيف انتفاضة تشرين، وهو اسقاط الحكومة وتشكيل حكومة مستقلين والتمهيد لانتخابات نيابية مبكرة وتحرير القضاء واستقلاليته. لم تكن التجمعات الحزبية للثنائي الشيعي على تخوم ساحة الشهداء عفوية، بل شديدة التنظيم، ثمة من يدير ويوجه، وكان انتشار العناصر الحزبية المنظم لنقل الوقائع الى غرفة العمليات التي تدير هذه المجموعات، واضحا لمن يتابع المشهد الميداني، على طول الطرق المؤدية الى وسط بيروت، خصوصا عند تقاطع بشارة الخوري نزولا الى الوسط. لم يكن شعار “شيعة شيعة شيعة” الذي ينطلق من حناجر الذين تجمعو عند تخوم جسر الرينغ، يجد من يعترض عليه من منظمي هذه المجموعات وموجهيها، وهم كانوا قادرين على ضبطهم، طالما كانت تستجيب هذه المجموعات لتوجيهاتها بالتجمع، وفي التقدم وفي التراجع، وفي استدعاء دعم مجموعات وصولا الى ارسال مجموعات للنزول الى ساحة الشهداء كما حصل امس من دون ان يحصل اي صدام. إقرأ أيضاً: علي الأمين يُعلّق حول توقيت التظاهرات المطالبة بنزع السلاح.. ما علاقة صندوق النقد؟ لقد تهاوت فكرة ان الجموع في وسط بيروت هي جموع مطالبة بتنفيذ القرار ١٥٥٩، من حضر شخصياُ لا يلحظ وجود ما يوحي بذلك، ولكن في الحد الادنى كان من الصعب ايجاد شعارات تطال هذا القرار، بل كان من اليسير رؤية المطالبة باسقاط حكومة حسان دياب، والمطالبة باستعادة المال المنهوب، والدعوة الى محاكمة الفاسدين، والأعلام اللبنانية التي كانت وحدها ترفرف مرفوعة فوق هامات الجموع المحتشدة. فشلت عملية وضع الحراك في زاوية القرار ١٥٥٩، فانتقل المحرضون على التجمع الى مكان آخر، الى عين الرمانة في محاولة مكشوفة لخلق توتر طائفي والى كورنيش المزرعة لاستجرار توتر مذهبي، والغاية هي تخريب المشهد الذي شكل امتدادا لمشاهد انتفاضة تشرين. “شيطنة” الحراك مستمرة وستستمر، من خلال محاولات استعادة ما طوته انتفاضة تشرين، عندما رمى اللبنانيون خلف ظهورهم لعبة السلطة الطائفية، وقرروا النزول الى الشارع كمواطنين لبنانيين متحدين في مواجهة سلطة النهب والمصادرة، لذا محاولات استحضار خطوط التماس المذهبية والطائفية، هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق امرين: اولا، القضاء على الانتفاضة التي وحدت اللبنانيين، تلك التي ادرجها امين عام حزب الله في الخانة الاسرائيلية قبل اسابيع، من دون ان يطال في اتهامه ايّا ممن كان يدرجهم في السابق في خانة المتآمرين لاسيما (الحريري وجنبلاط وجعجع) بل حصر التهمة في مجموعات الحراك. ثانيا، حماية حكومة حسان دياب التي سيعني سقوطها فقدان “حزب الله” لأداة سياسية هو من خلقها ويحميها ولا وظيفة لها سوى حمايته، وسقوط هذه الحكومة في نظر الحزب وحلفائه، هو دخول في مرحلة لا يريد الحزب الدخول اليها بعد، اي بدء الاصلاح وضرب نظام المحاصصة والفساد الذي يحميه ويحتمي به. سلاح المقاومة لم يكن هو من جمع المحتجين في ساحة الشهداء، لكن مطلب الدولة وتطبيق القانون كان جوهر التحرك، فيما كشف يوم ٦ حزيران هذا السلاح، في وظيفته الفعلية التي باتت تحول دون التغيير، ويمنع ضبط الحدود، ويدير مجموعات لا وظيفة لها الا استدعاء الفتنة من عين الرمانة الى الطريق الجديدة.

(نداء الوطن)



 

اعتذار يستحضر سيرة "أبو خالد":

من عبد الناصر إلى كمال جنبلاط وأبو عمّار

علي الأمين

 

في مناسبة مرور 48 عاماً على تأسيس "منظمة العمل الشيوعي" في لبنان، قدّم عضو الهيئة التنفيذية وأمين سر "المنظمة" في البقاع حاتم خشن في حفل عشاء أقيم في البقاع (السبت)، اعتذاراً باسم "المنظمة" من كلّ اللبنانيين "عن مغامرة التغيير بواسطة الحرب الأهلية التي نتذكرها كي لا ننسى، فتتكرر"، وتوجه إلى اللبنانيين قائلاً: "سنقف معكم، في وجه كل من يسعى لإشعال نارها الكامنة تحت رماد الطوائف وتنازعها على الحصص".

أن يقوم طرف سياسي لبناني شارك في الحرب الأهلية العام 1975، بتقديم اعتذار من اللبنانيين عن مشاركته في الحرب باعتبارها سبيلاً للتغيير، هو أمر يستحق التوقف عنده، والتأمل في معانيه ودلالاته، بل التقدير لهذه الجرأة الأخلاقية التي نفتقدها في الحياة السياسية، لا سيما في الاصطفاف المرَضي الذي يجعل من كل طرف، أو حتى فرد في لبنان، ينحو نحو تبرئة الذات وإلقاء اللّوم على الآخر لدى الاقتراب من الحرب وسيَرِها المثقلة بالدّم والتّهجير والدّمار، في منحى لا يزال طاغياً في تفكير العديد من الأحزاب وحتى الأفراد الذين شاركوا في الحرب، عبر تظهير مظلومية الذات لتبرير ارتكاباتها أو ما ارتُكب باسمها. وهذا ان دلّ على شيء فهو يدل على أن الحرب لم تنته، ولم يتم تجاوزها بعد الى برّ السلام الوطني والأهلي.


"
الرفيق أبو خالد"

"
منظمة العمل الشيوعي" التي نشأت في العام 1971، كتنظيم يساري ثوري، كانت في مقدّم القوى السياسية والحزبية، المنضوية في اطار "الحركة الوطنية اللبنانية" بقيادة كمال جنبلاط، وكان محسن إبراهيم الأمين العام لـ"المنظمة" منذ تأسيسها، الأمين العام التنفيذي لـ"الحركة الوطنية"، وهو موقع استمر فيه "أبوخالد" الى حين أفولها (1982) الذي كان يعتبر المنظّر السياسي، والمُبلور لمواقفها السياسية، والقادر على إدارة الخلافات والتناقضات بين فرقائها. السطوة السياسية لدى "الرفيق أبو خالد" كما يحب رفاقه واصدقاؤه أن ينادوه، كانت تتأتى من براعة سياسية وتنظيرية يقرّ له بها الخصوم، جعلت الزعيم كمال جنبلاط متمسكاً به، لكفاءته وبراعته في صوغ الموقف السياسي، وفي النيابة عنه في إدارة العلاقة مع أحزاب الحركة الوطنية، وفي علاقاتها السياسية مع بقية القوى اللبنانية وغير اللبنانية.


محسن إبراهيم (1935) الذي نشأ في أحضان "حركة القوميين العرب" التي تأسست مطلع خمسينات القرن الماضي وعلى اثر النكبة الفلسطينية العام 1948، كان واحداً من كوادرها وقد برز وتقدم الصفوف فيها، ونجح خلال فترة وجيزة في أن يبني صلة مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، فهذه "الحركة" التي انفرط عقدها لاحقاً بعد هزيمة العام 1967، كانت تتسم بطابع عربي، لم تكن لها أي خصوصية قطرية، وكان من مؤسسيها في حينه طلاب جامعيون عرب في بيروت، مثل جورج حبش، وديع حداد، احمد الخطيب، صالح شبل وحامد الجبوري وغيرهم...



بين نكبة 48 ونكسة 67 عاشت "حركة القوميين العرب"، وبعد النكسة تفرق العشاق وتأسست من رحم "الحركة" قوى وأحزاب اتخذت طابعاً ماركسياً، كان طغى على معظم القوى التغييرية العربية في ذلك الحين، كسبيل لمواجهة الهزيمة وتحقيق التغيير في الداخل الوطني. فكانت "منظمة العمل الشيوعي" لاحقاً، وفي بداية السبعينات، احد هذه التعابير التي تزاوجت بين منظمة "الاشتراكيين الثوريين" و"لبنان الاشتراكي". في المؤتمر التأسيسي الأول تم انتخاب هيئة قيادية، كان منها حكمت عيد، وضاح شرارة، احمد بيضون، محمد كشلي ومحسن إبراهيم الذي انتخب أميناً عاماً ولا يزال.

بعد فترة وجيزة، وقبل الحرب، ترك الباحثان اللامعان وضاح شرارة وصهره أحمد بيضون "المنظمة"، فيما أكمل أبو خالد قيادة المنظمة، الى جانب نخبة من اليساريين الذين لمَع منهم كثيرون لاحقاً في مجال الفكر والسياسة والصحافة، على سبيل المثال الراحل سمير فرنجية كان واحداً من الذين انتسبوا للمنظمة ولو لفترة وجيزة، الراحل نصير الأسعد وعدنان الزيباوي وغيرهم من الكوادر السياسية التي عملت في فريق الراحل رفيق الحريري وقد أثرت في ماكينته السياسية والتنظيمية عشية انتقاله الى لبنان رئيساً للحكومة في العام 1992.


ينقل أحد أعضاء "المنظمة"، عن أبو خالد أنه لعب دوراً في ترتيب أول لقاء بين الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات في العام 1968. على أن علاقته الوثيقة بعرفات كانت من معالم هوية محسن إبراهيم ولا تزال، فهذه العلاقة جعلت منه في كثير من المحطات في موقع المسؤول الفعلي عن الملف الفلسطيني في لبنان بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت في العام 1982، وعلى خلاف معظم احزاب "الحركة الوطنية"، لم يخف أبو خالد علاقته السياسية والشخصية مع ابو عمار، على رغم ضغط النظام السوري الذي كان يخوض معركة انهاء أي علاقة بين لبنان وحركة فتح وتحديداً زعيمها ياسر عرفات. ربما هذا ما يفسر غياب أبو خالد عن المسرح السياسي الذي رسمته دمشق، وبقي محافظاً على علاقات ثابتة تركزت مع رئيس "الحزب الاشتراكي" وليد جنبلاط، وعدد من الشخصيات السياسية، الى جانب متابعاته للملف الفلسطيني في كل المحطات الأساسية والمهمة، من حرب المخيمات في منتصف الثمانينات الى المواجهات التي تنقلت في محيط المخيمات وصولاً الى اتفاق الطائف ومرحلة تسليم سلاح الميليشيات ومنها الفلسطيني في مطلع التسعينات.


في منزل كمال جنبلاط

لعل البيان الشهير الذي صاغه والأمين العام لـ"الحزب الشيوعي" جورج حاوي في 16 أيلول العام 1982 في منزل كمال جنبلاط في وطى المصيطبة، سيشكل إحدى المحطات الأساسية في سيرة محسن إبراهيم، وهو اعلان "المقاومة الوطنية" ضد الاحتلال الإسرائيلي، ويكتسب هذا الإعلان أهميته، من كونه أول اعلان رسمي يعبر عن مشروع المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال، الذي كان قد احتل أكثر من نصف الأراضي اللبنانية. واستتبع هذا الإعلان دور فاعل على صعيد المقاومة العسكرية التي أدت الى انسحاب إسرائيل من معظم المناطق التي احتلتها في العام 1985، وهي مرحلة شهدت بروز "المقاومة الوطنية"، التي بدأ أفولها لصالح "المقاومة الإسلامية" التي حظيت بحماية ودعم سوريين بخلاف "المقاومة الوطنية" التي تعرضت الى حصار وخنق سوريين بالدرجة الأولى.

محسن إبراهيم الذي ولد في بلدة أنصار في قضاء النبطية، ينتمي الى عائلة دينية معروفة ولها حضورها التاريخي على هذا الصعيد، لكن نشأته الأولى كانت في مدينة صيدا التي أتاحت له أن يكون مطلاً على مناخات اجتماعية وسياسية متنوعة، في الاربعينات والخمسينات، وقد تزوج من احدى فتياتها وهي كريمة مفتي صيدا آنذاك سميرة فأنجبت له ثلاثة أولاد.



قضيتان شغلتا مسار حياة محسن إبراهيم، فالى جانب القضية الفلسطينية التي صارت من معالم شخصيته وتاريخه السياسي، قضية التغيير التي بقيت أساساً في كل مطالعاته السياسية منذ البرنامج الإصلاحي للحركة الوطنية، وما تلاه من مطالعات سياسية واجتماعية كانت تحظى باهتمام النخب السياسية. جاذبية محسن إبراهيم نخبوية، هو ليس قيادياً شعبياً، لكنه يمتلك كاريزما سياسية لدى النخب، بسبب ثقافة سياسية مميزة، وذاكرة قوية، ودينامية عالية في الحركة، تجعله قريباً حتى من خصومه.

لعل رحيل ياسر عرفات كان اكثر ما أثر في ابو خالد، فانكفأ نسبياً بعد ذلك، وتوقف عن تقديم مساهمات سياسية فكرية كان يحرص على ان يقدمها دورياً، لعله كان اللبناني الأقرب الى ابو عمار، فالعلاقة الوثيقة لم تنقطع منذ تعارفا في نهاية الستينات الى يوم رحيله مسموماً في رام الله العام 2003.


في الاعتذار الذي تقدمت به "منظمة العمل الشيوعي" من اللبنانيين، ومهما كان حجم وموقع هذه "المنظمة" اليوم، الا أنه اعتذار يستحضر سيرة أبو خالد ما لها وما عليها، مع بقائه من بين ألمع السياسيين والحزبيين الذين مروا في تاريخ لبنان، والاعتذار من اللبنانيين مثال..  

(نداء الوطن)

 

"قيصر"... يجرّ لبنان

إلى ويلات سوريا!

علي الأمين

 

قدر لبنان ان يعيش "رهين المحبسين" الإيراني والسوري، معطوفاً على رهينة صراعات إقليمية ودولية. غير ان "الإبتلاء التاريخي" بسوريا، لم يمكّن لبنان يوماً من أن يتنعم بطعم الحرية والسيادة والإستقلال منذ أيام الوصاية المباشرة حتى اليوم. وخلاصات ونتائج المسار السوري في لبنان تنضح أكثر من الوقائع المرة بهذا الواقع، فعندما تكون سوريا قوية "تستقوي" وتفرط في استخدام القوة المباشرة وغير المباشرة على لبنان، وعندما تكون ضعيفة "تستضعف" لبنان أكثر فأكثر وتجره معها إلى ويلاتها، وبالتالي تأخذ دول القرار لبنان بجريرتها.

ولعل خير دليل حديث، إقرار "قانون قيصر" الأميركي هذا الشهر، المتعلق بتنفيذ عقوبات ضد النظام السوري والمتعاونين معه مالياً واقتصادياً، من أفراد وشركات ومنظمات حكومية وغير حكومية، فان لبنان سيخضع لمزيد من الضغوط المالية والاقتصادية، إما بسبب ما يمكن ان يصدر من عقوبات على جهات لبنانية بسبب تعاونها مع النظام السوري، او بسبب المزيد من استثمار النظام السوري للنافذة اللبنانية من اجل الحدّ من آثار العقوبات الأميركية عليه.

في كلتا الحالتين سيكون لبنان أمام مرحلة جديدة من التحديات النقدية والاقتصادية، وسط اصرار "حزب الله" على عدم السماح بما يصفه المقربون منه "عملية خنق "حزب الله" وسوريا"، وعلى الأرجح سيكون لبنان امام مشهد جديد من الانهيار المالي، بسبب عدم الاستجابة العملية تجاه "قانون قيصر"، ويرجح المراقبون ان يهبط مجدداً سعر صرف الليرة، بسبب الاختلالات الاقتصادية المعروفة من جهة، وازدياد الطلب على الدولار لأسباب سورية ولبنانية. وعلى الرغم من الزيارتين اللتين قام بهما الى الحدود الشرقية مع سوريا والى مقر قوات "اليونيفيل" على الحدود الجنوبية، فان رئيس الحكومة حسان دياب يعلن على طريقته اقصى حدود الاستعداد اللبناني للالتزام بموجبات القرار الدولي 1701 من جهة، والعمل على ضبط المعابر غير القانونية على الحدود مع سوريا، في رسالة ضمنية الى ان الحكومة اللبنانية لا تستطيع بمفردها ان تقوم بالمهمات الموكلة اليها ضمن القانون الدولي.

 

وعلى رغم ان اللبنانيين يعلمون ان حكومة حسان دياب، تعكس في مكوناتها ميزان القوة الذي يتحكم به "حزب الله"، فان امين عام الحزب يستمر في اسلوب التنصل من مسؤوليته عن تشكيل هذه الحكومة، بالقول ان هذه الحكومة ليست حكومة الحزب، وفي مقابلته الأخيرة مع اذاعة النور التابعة للحزب قبل ايام، قال: "لو كانت هذه الحكومة (اي حكومة حسان دياب) حكومة "حزب الله" لكنا اتخذنا الخيار المشرقي او الشرقي". وهذا الموقف ان دلّ على شيء فهو يدل على أنّ "حزب الله" يريد ان يحكم من دون ان يتحمل المسؤولية، فيقدم حكومة حسان دياب عندما يتطلب الأمر طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي او غيره من دول، ويتقدم هو حين يتصل الأمر في تحقيق سيادة الدولة على اراضيها، وحصر السلاح بيد القوى الأمنية والعسكرية على كل الأراضي اللبنانية والمعابر الحدودية، فيرفض ويمتنع ويحرص على حماية الفوضى الحدودية، ويشترط ضبطها من خلال التنسيق مع النظام السوري كما اكد قبل اسبوعين نصرالله نفسه.

على هذا المنوال ينسج لبنان قماش المرحلة المقبلة، اي المزيد من التسليف الاقليمي باتجاه المحور الايراني، في مقابل المزيد من الاستنزاف الداخلي سياسياً ومالياً واقتصادياً، لا تتقدم المصالح الوطنية والدولتية اللبنانية في حسابات السلطة اللبنانية، على حسابات حزبية وفئوية ضيقة، ولا الحسابات الاقليمية والخارجية التي تجعل من لبنان ورقة في الحسابات الخارجية.الشعب اللبناني دفع كلفة تعزيز المصالح الحزبية والفئوية في الداخل، مزيداً من الفساد وتراجع الدولة، وأجبر على دفع فواتير خارجية لحساب مصالح خارجية سواء كانت لحساب النظام السوري او لتعزيز النفوذ الايراني.

ومع بدء تطبيق "قانون قيصر" يبدو ان لبنان سيظل رهينة الصراع الاميركي الايراني، والحلول التي كان يمكن للدولة اللبنانية ان تحصدها لصالح حماية الكيان، وللجم الانهيار المالي والاقتصادي، وللحدّ من العقوبات، تبدو غير متاحة، طالما أن اوراق التفاوض في الخزنة الايرانية، وما يمكن ان يناله لبنان دولياً، سيكون من فتات المائدة الأميركية - الإيرانية، اذا ما فرشت هذه المائدة، فالأولويات الايرانية في اي عملية تفاوض، تتقدم بالضرورة على الأولويات اللبنانية، والأوراق التي قد تتخلى عنها ايران ستكون على حدود اسرائيل وفي لبنان وسوريا، وهذا ثمن اضافي سيدفعه لبنان، بلا مقابل، طالما ان "حزب الله" لا يزال يعتبر أن اولوية حماية المحور الايراني تتقدم على المصالح الوطنية اللبنانية، من خلال ابقاء لبنان ساحة مفتوحة. ربما كان ذلك ممكناً في زمن مضى، الا انه اليوم بات يهدد وجود الدولة بل الكيان.

(نداء الوطن) البيروتية

 

)حزب الله( يتآمر..

«يتمنع و هو الراغب» بسلامة!

علي الأمين

ليس أبشع على اللبنانيين ان يتحكم بإرادتهم ومصيرهم فصيلاً ك “حزب الله”، تارة يستقوي براعيه الإقليمي و برفع سلاحه “الصاحي” او “منتهي الصلاحية” بوجههم حيثما تدعو الحاجة، وطوراً عبر حلفاء المصالح غير السوية والضيقة المحليين، ممن يطلقون يده وأفكاره ومناوراته العبثية لتصفية حسابات و”تأديب كبار القوم” لتطويعهم، غير آبه بإغراق السفينة اللبنانية ومن عليها، كونه يجيد القفز منها في “الوقت المناسب”.  غير أن ما “يعزي” نسبياً انه ألاعيب “حزب الله” ونواياه المريبة، باتت فاقعة ليس على عموم اللبنانيين فحسب، إنما داخل بيئته الشيعية، بعدما إنكشفت  “إدارته” المفضوحة في ملف الدولار وارتفاع سعره بشكل مشبوه، ومحاولته البائسة لإبعاد نفسه عن دائرة الإتهام، عبر شن حملة “متذاكية” متلطياً وراء الحكومة، على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ل”شيطنته” وتحميله المسؤولية علناً، فيما “تتمسك” به ضمناً أكثر من أي وقت مضى تبعاً لمصالحها المحلية والخارجية. إقرأ أيضاً: «حزب الله» يغطي «سموات» الفساد بـ«قبوات» الإنتخابات! ولكن لا تبدو الحملة المستمرة من قبل الحكومة ورعاتها في “الممانعة”، سوى ادانة لهذا الفريق الذي يتهم حاكم المصرف بالمسؤولية حيال ما يتعرض له لبنان من مآس مالية وتدهور في قيمة العملة الوطنية، والامعان في هذا السلوك، بات يكشف عن هزال السلطة التي يتقاذف اطرافها كرة النار التي اشعلوها هم، وما الترويج الى أن السفيرة الأميركية في بيروت، قد حذرت اطراف هذه السلطة من اقالة سلامة، من قبل اعلام الممانعة، الا محاولة بائسة ويائسة للاقرار بعجز “التيار الوطني الحر” و “حزب الله” ورجلهم رئيس الحكومة، عن الرد على ما يفترض انه تدخل خارجي في شؤون لبنان الداخلية هذا من جهة، والاقرار من قبل “حزب الله”، عشية عيد التحرير في ٢٥ ايار الجاري أن رياض سلامة هو اقوى من كل السلطة التي تحتاج باجراء بسيط اقالته بعد الكشف عن جرائمه المالية بحسب زعمهم وقد يكونوا محقين. الظاهر أن هذه السلطة انطلاقا من سلوكها الجبان تجاه سلامة، كما هو ظاهر على السطح، تقول نحن عاجزون عن اقالة حاكم مصرف لبنان. لكن باطن الأمور لم يعد بحاجة الى كثير من التدقيق لتظهير مشهد الانقسام على انه بين حاكم المصرف وامتداداته المالية والنقدية، وبين السلطة السياسية التي تحاول عبثا التنصل من مسؤولياتها وادّعاء العفاف مما نال لبنان واللبنانيين. هذا الجدل العبثي، ينطوي على اعتقاد، بل تمنّ ان يكون حاكم مصرف لبنان رأس حربة واشنطن في لبنان، وهو اعتقاد واهم وتمنّ في غير محله، ما لا تريده حكومة حسان دياب ومشغلوها، ان يكون لبنان الذي يحكمونه، بات خارج الاهتمام الدولي والاقليمي، ايّ ان الذين يرفضون مساعدة لبنان بسبب سيطرة “حزب الله” عليه، كما يردد اكثر من مسؤول عربي واميركي واوروبي، لن يقلقوا كثيرا فيما لو استكمل الانهيار دورته وتحوّل لبنان الى نموذج أول للدولة الفاشلة في العالم، وبالتالي فان بقاء سلامة او رحيله “حيّاً او ميتاً” لا يغير في واقع الأزمة المستفحلة شيئاً.  فالحل في لبنان، شروطه واضحة، يختصرها الاصلاح، وهو حل يتحمل مسؤوليته الداخل وليس الخارج، اي أن الاصلاح بات يتطلب تغييراً جذرياً في منظومة السلطة، وآلية الحكم، وفي وضع حدّ لكل الخلل الذي يسبب الافساد والفساد، وبعد اكثر من ستة شهور على “انتفاضة ١٧ تشرين”، تتضح الصورة اكثر ان الاصلاح والتغيير هذا بات شرطا وجوديا لبقاء لبنان ولقيام الدولة. كان الأمين العام ل”حزب الله” يردّد في محطات عديدة خلال العشرين عاماً الماضية، ان عروضا دولية قدمت له مقابل نزع سلاح  الحزب، اقله استلام السلطة، وغيرها من المليارات التي ستتدفق لحزبه وللبنان، مقابل نزع سلاحه. ربما كان ذلك حقيقيا يوما ما، ولكن ما نحن فيه اليوم بالتأكيد انه صار وهما، فهذا السلاح لم يعد ثميناً كما كان، بل لم يعد اولوية وبات تفصيلاً خارجياً، طالما انه لم يستخدم لتجاوز الخطوط الحمر، وطالما باتت روسيا الضمانة الاضافية لجعل هذا السلاح يكتفي بوظيفة حماية الاستقرار على الحدود مع اسرائيل، امّا الوظيفة اللبنانية لهذا السلاح كسبيل للاستقواء الداخلي، فهو شأن لبناني، لم يكن أولوية لدى الاميركيين او الاسرائيليين، فكل الاستخدامات الداخلية له، لم تثر اي اهتمام من قبل المجتمع الدولي، فلا  ٧ ايار ٢٠٠٨ حركت الاساطيل الاميركية، ولا الطائرات الاسرائيلية، وهذا أقل اهمية لدى واشنطن من قضية عامر الفاخوري، ولا يرقى الى مستوى الاشتباه بدخول شاحنة اسلحة متطورة ل”حزب الله” عبر الأراضي السورية، ويمكن ملاحظة ان تعطيل الحزب  لانتخاب رئيس جمهورية لعامين ونصف  لم يستفز واشنطن ولم يحرك اسرائيل. ما ينتظر لبنان هو تداعيات خيارات السلطة وقراراتها الحالية والمستقبلية، لا المؤامرات الخارجية ولا المطامع بالثروات التي تفتقد جاذبيتها، ولا بالطبع القلق على أمن اسرائيل، فمعادلة الأمن أو “توازن الرعب” أو “قوة الرّدع” كما يسمي السيد حسن نصرالله، سمح لاسرائيل ان تضم الجولان، وتضم الضفة الغربية، وتعمل باطمئنان على تصفية القضية الفلسطينية، وتستكمل التطبيع مع الدول العربية، كل ذلك يؤكد ان سلاح “حزب الله” لم يكن عائقاً، بل ربما كان مدخلا اسرائيليا لاختراق كل المنطقة العربية، وهو الى حدّ كبير تحوّل بغطاء دولي الى وسيلة من وسائل تحقيق أهداف السيطرة الدولية على المنطقة، وفي أحسن الأحوال موطأ قدم ايرانية، اثبتت في السنوات العشر الأخيرة انها كانت أفضل وسيلة لاضعاف وتدمير الدول التي وطأتها، واضعاف الحصانات العربية امام التطبيع والهرولة تجاه اسرائيل. وتأسيساً على ما تقدم، يتحول السلاح الى عبء على الدولة اللبنانية، لا على ما عداها، اضراره على العدو هامشية بل هو بمثابة سلاح صدئ، وفوائده اللبنانية اليوم يصعب اكتشافها، طالما أن الفساد والأنهيار المالي والاقتصادي، يوفر على اسرائيل وسواها من الأعداء عناء الحرب واكلافها، وطالما ان نصرالله يدرك ان زعامته الشيعية باتت مرتبطة بعدم الانجرار الى اي مواجهة  عسكرية مع اسرائيل، بينما الأضرار فعلية، طالما انه تحول الى سلاح داخلي، “يعلي من يشاء ويسقط من يشاء” في السياسة اللبنانية، وطالما انه شكل ولا يزال مصدر الحماية شبه الوحيد لمعادلة السلطة الفاسدة، ولمنظومة الحكم التي لا تتقن سوى تدمير ما تبقى من دولة. بهذا المعنى يبدو حاكم مصرف لبنان واحدا من هذه المنظومة، التي يدافع “حزب الله” على وجودها، لأنها تبرر وجوده النافر في مسار استعادة الدولة سلطتها ومرجعيتها، اسقاط رياض سلامة او عزله، سيزيد من كشف المنظومة الحاكمة، لأن هذه المنظومة لا تريد ايّ تغيير حقيقي، وايّ حاكم جديد، سيزيد وجوده من عريّ السلطة الحاكمة ويكشف هشاشتها اكثر، لذا “حزب الله” يحمي رياض سلامة ب”أشفار العيون”، طالما أن الغاية بقاء هذه السلطة مسيطرة واستمرار الدولة مشروعا معلقا.

(نداء الوطن)

 

 

 

إطلاق الفاخوري صفقة إيرانية

أميركية «تُتوّج» الحكومة الكاظمية!

علي الأمين

على الرغم من التطورات السياسية والإقتصادية و”الكورونية” التي أعقبت اطلاق سراح العميل عامر الفاخوري الشهير قبل قرابة الشهرين، إلا أن تردادات هذه العملية لا تزال ناشطة في لبنان كما داخل بيئة “حزب الله”، كونه مرت عليه “مرور الكرام” و خارج كل التوقعات.  غير أن النعومة الأمنية و الخطابية المفرطة للحزب حيال هذا التصرف، أو بالأحرى اللاتصرف، فتح واسعا باب التكهنات، إلى أن أتى “ترياق” الجواب الشافي من العراق، من خلال أداء إيران في العراق مع الحكومة الكاظمية الجديدة ذات النفس الأميركي، فضلا عن كلام المرشد الذي يصب مواربة في هذا الإتجاه الغربي.  اذا لم تكن عملية الإفراج عن العميل الفاخوري لتتم من دون ان يكون هناك ضوء اخضر ايراني لهذه العملية، فلمن يتابع السياسة الايرانية منذ صفقات الرهائن التي كانت بيروت مسرحها في عقد الثمانينات من القرن العشرين، يدرك ان الخبرة الايرانية والفهم الاميركي لها، يجعل من قنوات التواصل مفتوحة لتلقي رسائل ود او تصعيد عبر القناة اللبنانية التي تتحكم ايران بها. كما كان الحال في عشرات عمليات الخطف لرهائن غربيين في بيروت، جرى الافراج عنها لاحقا ضمن صفقات استثمرتها ايران ودفع لبنان اثمانا سياسية ودبلوماسية بسببها. إقرأ أيضاً: قضية العميل الفاخوري تضرب عمق «أيديولوجية» حزب الله! عملية الافراج عن الفاخوري تمت ادارتها ايرانياً، وقد يكون صحيحا ان امين عام “حزب الله” لم يكن على علم بالافراج الذي تم عن الفاخوري بحكم قضائي كما قال هو، لكن عدم المعرفة ناتج عن ان ايران دخلت على خط هذه العملية، وكانت حريصة ان تعطي اشارة للاميركيين انها ساهمت في الافراج عن الفاخوري. ولعل الرسالة المستجدة اخيرا ان ايران اعلنت انها مستعدة للافراج عن اميركيين معتقلين لديها دون قيد اوشرط بعدما كانت افرجت عن نزار زكا قبل اقل من عام، وهي العملية التي جرت ايضا عبر لبنان.  مرشد الجمهورية علي خامنئي في توسعه غير المسبوق في توصيف صلح الامام الحسن مع الخليفة معاوية والاشادة به، كان يطلق ايضا المزيد من رسائل الودّ لواشنطن،  وجاء في تغريدة خامنئي: “أعتقد أن الإمام الحسن المجتبى هو أشجع شخص في تاريخ الإسلام. حيث استعد للتضحية بنفسه وباسمه بين أصحابه والمقربين منه، في سبيل المصلحة الحقيقية، فخضع للصلح، حتى يتمكن من صون الإسلام وحماية القرآن وتوجيه الأجيال القادمة في التاريخ في وقتها”. وخامنئي في اشارته الى هذه الواقعة يمهد لمزيد من تبرير التقارب المرتقب مع واشنطن التي كانت اغتالت احد ابرز رموز ايران العسكري_السياسي، قاسم سليماني، في وقت كان يتوقع اتباع ايران ولا سيما في العراق ان تقوم مواجهة كبيرة بين الدولتين اثر هذا الاغتيال، لكن الوقائع اظهرت ان الرد الايراني اقتصر على بعض العمليات المحدودة والتي لا ترقى الى مستوى الرد على سليماني. ما جرى اخيرا مع تولي مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة، ان ايران اقرت بعدم قدرتها على الامساك بمفاصل السلطة العراقية، وتولي الكاظمي وهو رجل المخابرات الاقرب الى واشنطن منه الى ايران، والمنحاز الى ترسيخ دور الجيش والاجهزة الامنية الرسمية وتهميش دور ميليشيات الحشد الشعبي، وصول الكاظمي هو تراجع ايراني في العراق، واستجابة ضمنية للضغوط الاميركية التي اظهرت في اغتيال سليماني ان ثمة شيء اختلف عما سبق. التراجع الايراني نحو سعي لتفاهم مع واشنطن، في ملفات ايرانية تتصل بالعقوبات الاميركية والدولية، يتم من خلال الاستجابة للضغوط الاميركية خارج ايران، طبعا لا تريد ايران ان تستخدم او تقدم راس مال نفوذها، هي تدفع من الفائدة وليس اصل النفوذ حتى الآن، لكن ذلك لا يبدو قابلا للاستمرار اذا ما بقي خارج تفاهمات واتفاقات جدية مع واشنطن، التراجع الايراني في الهلال الشيعي، بات واضحا، وما يطال العراق من تراجع واهتزاز للنفوذ الايراني، فسوريا  مرشحة لان تكون ساحة مواجهة وتصفية او تسويات على حساب النفوذ الايراني. الحاجة الايرانية الى متنفس اميركي باتت واضحة من خلال تراجع النبرة التصعيدية الايرانية، على رغم شراسة العقوبات الاميركية، والرسائل الايرانية الايجابية من العراق الى لبنان، لا ترتقي الى مستوى محرج لايران بعد، وهي كما بدا واضحاً يتم دفعها من حساب اللبنانيين او العراقيين، او السوريين. على ان ذلك كله لا يعني ان لبنان امام مرحلة من التفاهم الايراني الاميركي، بل على العكس من ذلك. فسياسة العقوبات وتصعيدها ضد “حزب الله” مستمرة ومرشحة لمزيد من التصعيد، وهو مستوى من المواجهة لا يخل بما يجري بين طهران وواشنطن، فالموقف الاميركي من “حزب الله” يتجاوز العلاقة مع طهران، فهو حزب ارهابي بنظر واشنطن ويجب ملاحقته ومعاقبته، بخلاف النظرة الى ايران التي تبقى دولة ونظام وشعب، اما “حزب الله” فهو ميليشيا يجب ان تنتهي كمنظمة امنية وعسكرية. قنوات الاتصال تبقى هي المؤشر على ان مسار العلاقة بين واشنطن وطهران يتقدم، عبر المزيد من محاولة ايران عدم التصادم مع واشنطن، وعبر تقديم الهدايا او التنازلات لها، بعدما اظهرت ايران انها استنفدت وسائل التصعيد العسكري في المنطقة وتبحث عن تسوية تحد من الخسائر والإختناق المالي والاقتصادي. “من يعش يرَ”!

(نداء الوطن) البيروتية

 

خطباء المنطقة الخضراء

علي حسين

 

السياسي الفاشل عادة ما ينتقم من جمهور يرفض سماعه.. هكذا يخبرنا خطيب الثورة الفرنسية ميرابو، الذي اتهمه إبراهيم الجعفري ذات أيام بأنه كان مُنافِقًا ،.. لا يزال ساستنا مصرّين على أن يتعلموا من روبسبير لا من غاندي.. لا تفكر في أرواح الناس فهي لا تعادل خطبة ثورية واحدة..

هذا هو الدرس الذي يعطيه روبسبير للطغاة.. لم يكن صدفة أن تعطي البشرية في وقت واحد هتلر وغاندي.. يكتب غاندي: "حيثما توجد خطب وحيثما يتكاثر الخطباء.. فإن البلاد ستذهب في طريق الهلاك حتما"...

تأملوهم جميعا. كل واحد يستخدم لغة "القائد الضرورة" بجمله وتعبيرات وجهه وعصبيته وابتسامته.. يقال إن هتلر كان يلمّع شعره قبل كل خطبة نارية.. هل تعرفون ما اسم اللجنة التي أسسها هتلر لملاحقة خصومه؟ إنها لجنة "السلامة الوطنية". بهذه اللجنة حكم بالموت على الملايين.. وبمساعدة أعضاء اللجنة من الثوريين كانت الناس تعدم في الزنازين وتغيب في أقبية المعتقلات.

كم سياسيًا ومسؤولًا حرق البلاد بسبب لجان المصالحة والمساءلة والاجتثاث؟ كم سياسيًا يريد ترويض الناس بجمل وشعارات عن الوطنية ومخافة الله ؟ كم انتهازيًا يشن كل يوم هجومًا على أدمغة الناس باسم هيبة "الأحزاب المجاهدة"؟

كم زمنًا سنعيش تحت حكم المعقدين نفسيًا والمصرين على أن نعيش معهم دهورًا من الجهل والتخلف؟ إلى متى سنتحمل سياسيي الخطب الرنانة وهلوساتهم؟ كم عمرًا سنضيّع مع أحاجي وحزورات يطلقون عليها ظلمًا صفة خطاب من شاكلة: " لسنا في أزمة قوالب، وهياكل جديدة لا نُريدها سلطة جديدة، لكننا نُريدها أن تكون روحًا تتموَّج إلى بقية المُبادَرات الأخرى.".. لا تصدقوا أن هذه العبارة قالها المرحوم جاك دريدا وهو يفكك الخطاب ، إنها من تفانين فيلسوفنا السابق الجعفري.

كم صدمة ستتحملها قدراتنا، ونحن نجد المسؤول يطالبنا نحن المواطنين بأن نتحمل مسؤوليتنا فيما لم يلتفت إلى أصحاب القرار ليقول لهم: "اتقوا الله في مواطنيكم "!؟.

تعامل عادل عبد المهدي مع احتجاجات تشرين المطالبة بالاصلاح والخدمات والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد ، بان قرر ان يخطب منتصف الليل ، وبدلا من ان يصغي إلى مطالب المحتجين ، سارع بتوجيه عبد الكريم خلف ان يظهر في التلفزيون ، يشتم ويكذب ويبرر القتل ، من اجل ان يواصل رئيس الوزراء خطبه التي كانت يتمنى ان يتربى عليها هذا الشعب .

أيها العراقيون لا تصدّقوا خطباء المنطقة الخضراء ، إنهم يريدون لنا "الخراب" .في لحظة يحلم فيها الناس بدولة حقيقية... دولة مواطنين، لا دولة تنتظر الأوامر من الجارة الارجنتين لكي تشكل الحكومة .

(المدى) البغدادية

 

 

 

دراما العشائر

 

علي حسين

 

في كتابه"مراسل"يخبرنا الصحفي الأميركي الشهير سايمون هيرش أنه بعد حصوله على جائزة بوليتزر عن تحقيقاته الصحفية المثيرة، طلبت منه العديد من الصحف أن يكتب اكثر من موضوع . لكنه رفض، فقد اكتشف أن في إمكانه أن يكتب مقالاً واحداً،

أما أن يكتب أكثر، من أين يأتي بالأفكار، لكنه في مقال أسبوعي واحد باستطاعته القضاء على مستقبل الرئيس نفسه لو اتهمه بعدم الحفاظ على حياة مواطن واحد . في بلاد النهرين أمام الكاتب من أمثال " جنابي " الذي يتوهّم أنه"مؤثر "ويمكن أن يقرأ له أصحاب الكراسي، الكثير من الموضوعات، ولهذا وجدتني اليوم في حيرة، هل أكتب عن بيان العشائر التي طالبت فيه بالقصاص من الدراما العراقية ! أم أكتب عن استمرار الأحزاب"المؤمنة"بحوسمة المناصب ، أم عن تنبؤات " العلامة " باقر جبر الزبيدي من ان هجوم داعش يستهدف تمرير الحكومة ، فالرجل مشهود له بحفظ علوم الأولين والآخرين ، فهو مهندس وتاجر وسياسي ، وفتاح فال ، وأخيراً محلل سياسي ، سيقول البعض ياصاحب العمود الثامن، لماذا تلفّ وتدور ولا تتحدث عن استشهاد عدد من أفراد الحشد الشعبي والقوات الأمنية على يد عصابات داعش، هل أصبح الدم العراقي رخيصاً إلى هذا الحد .

نعم أيها السادة أصبح الدم العراقي رخيصاً بسبب اصرار الساسة على التحكم بمقدرات البلاد ، وايضا بسببنا نحن ، لأننا بعد أيام سننسى هذه الجريمة، مثلما نسينا ما جرى في الموصل وجسر الأئمة وجريمة سبايكر والشعلة، ، فلا تهتمّ عزيزي القارئ، في الوقت الذي سنجد فيه كل اصحاب المعالي والفخامات من الذين نددوا بهذه الجريمة ، سيستخدمونها مادة في مفاوضات الحصول على أكبر عدد من المكاسب ، وسيخلدون إلى النوم العميق بعد أن يوهموا عوائل الشهداء بأن الحكومة لن تنساهم !!

عندما نشاهد ونسمع عن أن معركة بالأسلحة الثقيلة تحدث بين عشيرتين في بغداد أو البصرة أو ميسان ، للسيطرة على مشروع حكومي ، وعندما تقوم عشيرة بتعليق لافتة مكتوب عليها "مطلوب عشائرياً" على موقع إحدى شركات النفط تحت سمع وبصر شيوخ العشائر ، دون ان يقول احد لهذه العشائر .. ياجماعة عيب !! .

عندما بدأنا نقرأ في الصحف وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ونشاهد في الفضائيات عناوين "مطلوب عشائرياً"، و"كوامة عشائرية"، فإننا أيقنّا جيداً أن الخراب قد حلّ، وعندما تصر هذه العشائر على ان " تكاوم " مسلسل تلفزيوني " بدلا من ان تضع حدا لحروب القاذفات والرمانات .

لا ابحث لمبررات عن اخطاء ترتكبها الدرما ، لكن ياسادة ماذا يعني ان يلجأ كل سياسي إلى أهله وعشيرته للدفاع عن ما ارتكبه من خراب بحق الوطن 

(المدى) البغدادية

 

 

إيران تُسدد الضربة

القاضية ولبنان يخرُّ صريعاً

علي الامين

 

ابحث عن إيران. عبارة تختصر ما آل إليه لبنان من انهيار مالي وسياسي وأخلاقي، وتحوّله إلى دولة منقوصة السيادة مستباحة الحدود، يديرها محور الشر الذي تتزعمه إيران عبر ذراعها الأقوى حزب الله، الذي انتهى به شعباً منهكا يتآكله الجوع ويذهب عرق جبينه ومدخراته جراء الاستبداد السلطوي والمالي، ومؤسسات مهترئة ينخرها الفساد والسرقة والمحاصصة والزبائنية حتى العظم، إلى أن وصل إلى انتفاضة استنفرت السلطة الكيدية الفاشلة لتطويقها، والتنصل من مسؤوليتها عبر اختراع خصم ترمي عليه تبعات تقصيرها في كل واجباتها، باستثناء النهب المنظم لمقدرات الدولة.

إذا، وعلى الرغم من فاجعة جائحة كورونا في لبنان، إلا أنها لم تعد القضية الأولى التي تشغل بال اللبنانيين، بل ثمة ما هو أكثر أهمية وأشدّ وطأة على نفوس اللبنانيين وعيشهم، هي الأزمة المعيشية والاقتصادية، بما هي عنوان متصل بالأزمة السياسية التي فجرتها انتفاضة 17 أكتوبر التي أظهرت حجم الغضب الشعبي من السلطة السياسية ومعادلة الحكم التي أفضت إلى لبنان آخر، أي دولة مستلبة ومسلوبة، وسلطة تبني نفوذها وقوتها بنظام مصالح مناقض للشعب، والمؤسسات الدستورية، ويستبيح الحدود والمعابر للتهريب ولإنعاش نظام مافيوي، تحت مظلة حلف الممانعة الذي يشرف عليه ويديره الحرس الثوري في امتداد ما يسمى “الهلال الشيعي”.

الدخول الأميركي الحذر على خط الأزمة، لا يخلّ بسياسة المراقبة الأميركية وعدم الانخراط في المواجهة الداخلية، وهو موقف لا يزال يرتكز على حماية مواقع رئيسية في الدولة اللبنانية

لبنان هو الدولة النموذج في المحور الإيراني كما تُنبئ المسؤوليات التي يوكلها الحرس الثوري الإيراني لدرة تاجه في المنطقة، أي حزب الله، سواء في العراق من خلال المساهمة في معالجة الخلافات بين الفصائل العراقية ولاسيما الحشد الشعبي، وهو ما يفسر القرار الأميركي الأخير، برصد عشرة ملايين دولار أميركي لمن يقدم معلومات عن ممثل حزب الله في العراق محمد كوثراني، أو من خلال الدور المستمر في سوريا الذي يجعل من الحزب أحد أبرز أعمدة النفوذ الإيراني، كلما اقترب الحديث عن التسويات الدولية والإقليمية في سوريا، والتي تجعل إيران أكثر القلقين من أن تدفع ثمن هذه التسوية، وهذا ما يفسر جانبا من الزيارة الوحيدة إلى خارج إيران منذ أشهر، التي قام بها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى دمشق للقاء بشار الأسد، في أعقاب رسائل التوبيخ الروسية للأسد.

لبنان دفع وما زال يدفع فاتورة إيران، هذا باختصار جوهر الأزمة التي يعاني منها البلد من خلال أمرين، الدفع من رصيد علاقاته العربية ومن رصيده العالمي، بعدما تحول إلى مجرد قاعدة نفوذ إيراني، وإلى دولة فاشلة، عاجزة عن إيجاد أي حلول للأزمات المتفاقمة على كل المستويات، ونفوذ بات يتعامل مع لبنان وشعبه باعتباره رهينة للابتزاز عربيا ودوليا هذا أولاً، وثانيا من خلال ترسيخ منظومة حكم أو إدارة يقوم وجودها ويستمر بقوة الفساد والمحاصصة على حساب نظام المصلحة الوطنية اللبنانية، إذ يشكل حزب الله القوة الحامية والمستفيدة من استمرار نظام المحاصصة وضعف القضاء، وتسيب المرافق العامة، ومرافئ الدولة ومعابرها.

هذا البنيان الهشّ اقتصاديا ومؤسساتيا للدولة اللبنانية وصل إلى مأزقه اليوم، وكانت انتفاضة 17 أكتوبر بمثابة إعلان شعبي ووطني شامل وعابر لكل المكونات، برفض استمرار هذه الهشاشة التي تهدد وجود الكيان، وتجعل من اللبناني بلا نظام حماية وطني، ويفتقد أي قدرة على مساءلة الحاكم والسلطة التي أودت به إلى مهالك الفقر، والعوز وعرّته من الكرامة الإنسانية فضلا عن الوطنية.

وقف حزب الله ولا يزال يقف بقوة في مواجهة إرادة التغيير التي يعبر عنها اللبنانيون على وجه العموم، ويستخدم اليوم حكومة الرئيس حسان دياب كوسيلة لتصفية حسابات سياسية داخلية، عبر نقل المواجهة إلى مساحة تتيح له التحكم والسيطرة، من خلال إعادة استنفار العصبيات المذهبية والطائفية من جهة، ومحاولة إظهار أن المشكلة في لبنان ليست في دوره ونفوذه غير الشرعي والدستوري، بل في نظام المحاصصة الطائفي الذي يحول دون قيام دولة ويعطل المحاسبة ويشرع الفساد من جهة أخرى.

وفي جانب آخر وإزاء الانهيار المالي الذي جعل العملة الوطنية في حال من الانهيار غير المسبوق والمشابه لما هو الحال في إيران، أطلق حزب الله عبر حكومة حسان دياب حملة على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، متهما إياه والمصارف بالتسبب بهذا الانهيار وبحجز أموال المودعين في المصارف، ولئن كان ذلك فيه شيء من الصحة، إلا أن الأصح هو أن سلامة ليس إلا موظفا كان ينفذ سياسات رسمتها السلطة، ولم يكن إلا الحاكم بأمر السلطة. وبالتالي فإن المسؤولية هي سياسية بالدرجة الأولى.

على أن اللافت في هذا السياق، كان الدخول الأميركي على خط مواجهة هذه الهجمة، أو محاولة تلبيس حاكم مصرف لبنان مسؤولية الانهيار، فبحسب المعلومات أن السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا، أبلغت في رسالة مباشرة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، أن واشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء استهداف سلامة، ورأت أن ذلك سيدفع واشنطن إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد بعض الشخصيات السياسية، ودائما بحسب المعلومات التي جرى تسريبها من أكثر من مصدر، من بينها مصادر رئيس البرلمان نبيه بري.

وفي السياق نفسه، برزت تلك الرسائل الأمنية من خلال تفجيرات طالت بعض فروع المصارف في صيدا وفي صور في جنوب لبنان، وهي رسائل لا تخلو من توجيه سياسي، ومن ضمن منهج اعتبار أن المعركة هي بين القطاع المصرفي وحاكم مصرف لبنان من جهة، والسلطة اللبنانية من جهة ثانية، وهو افتعال لانقسام غير قائم خاصة مع العلم أن جلّ القطاع المصرفي إما هو ملك لعائلات سياسية لبنانية، أو هو محصلة شراكة مالية – سياسية – سلطوية بحيث لا يمكن الحديث عن قطاع مصرفي خارج السلطة ونظام المحاصصة.

الدخول الأميركي الحذر على خط الأزمة، لا يخلّ بسياسة المراقبة الأميركية وعدم الانخراط في المواجهة الداخلية، وهو موقف لا يزال يرتكز على حماية مواقع رئيسية في الدولة اللبنانية، كالجيش والقوى الأمنية، والأهم النظام الاقتصادي الحر الذي لا يزال مطلباً لبنانياً لم يذهب أحد إلى طرح بديل له، إلا الخيار التخريبي الذي تمثله الفوضى التي تشكل عنصر القوة لحزب الله حتى الآن.

كاتب لبناني

 

 

عندما يُؤّثر اللبنانيون جائحة

 الكورونا على جموح السلطة!

 

علي الأمين

يَعَلقّ اللبنانيون وسط جائحة كورونا و جنوح السلطة وأدواتها الحكومية التي لا يكبحها كابح، على قاعدة “إثنان أحلاهما مرّ”، حتى باتوا يُؤثرون الجائحة الموقتة مهما استطالت لكونها ستحط رحالها ولو بعد حين، مقابل جنوح سلطوي شبق فاقع مستبد مزمن لا قرار له. إقرأ أيضاً: حكومة «نيرون» تحرق شعبها! ومع هذا كله تُغري جائحة الكورونا السلطة بسياسة المزيد من الشيء نفسه، فالمحاصصة لم تزل المحدد للسياسات الحكومية، والمحرك لمشاريع القوانين واقرارها في مجلس النواب، وحتى القوى الأمنية والعسكرية، ترسم خططها الأمنية والعسكرية، استنادا لمعيار المحاصصة وقواعد الحكم لدى السلطة، التي باتت عارية من كل ما يرمز الى الدولة، ومتفانية في ترسيخ النفوذ الحزبي والفئوي على حساب نفوذ الدولة وسلطتها، اذ لم تغير ثورة تشرين في مقاربة ملف الكهرباء، ولم يؤد الانهيار المالي والاقتصادي، في تبديل ذهنية مقاربة مشاريع القوانين، التي تقوم على تقاسمها، بناء على ما يوفر كل منها مكاسب فئوية او حزبية بالدرجة الأولى، كقانون العفو العام، وقبله قانون النفط الذي جرى رسم مواده على مبدأ المنفعة الفئوية والحزبية. ولا امكن تفكيك مافيا استيراد النفط، ولم يجر المسّ بكل المكاسب غير العادلة وغير المشروعة، تلك التي تتمثل بوضع اليد او استثمار الأملاك العامة على امتداد اراضي الجمهورية اللبنانية. هذا غيض من فيض، غاية الاشارة اليه، ان اللبنانيين عموما، امام سياسة المزيد من الشيء نفسه، وهو ما تكشفه الحكومة الحالية يوما بعد يوم، فهي حكومة لم تظهر انها منسجمة مع ما ادعته في بيانها الوزاري، وفي خطاب رئيسها حسان دياب بعد التكليف وخلال التأليف وغداة نيل حكومته الثقة، انها حكومة مستقلين بعيدة عن الحزبية والفئوية والمحاصصة، لكن ذلك كله لم يظهر شيء منه، بل عكسه تماما، حيث برزت كل الموبقات في مقاربة ملف التعيينات، وفي ملف التشكيلات القضائية، وفي عدم الاقتراب من ملفات الفساد، ولا في استنقاذ المؤسسات العامة على اختلافها من براثن الاحزاب ومافياتها التي تتقاسم الفساد بالعدل والقسطاس. هذه المعادلة تستقي قوتها من نظام مصالح اقطاب السلطة واحزابها باسم حقوق الطوائف، وتكتسب قوة استمرارها من خلال ما يوفره “حزب الله” من حماية لها، كما جرى خلال انتفاضة ١٧ تشرين، لقد ادرك حزب الله منذ البداية، ومنذ ان خرج اللبنانيون الى الشارع، ان سقوط الحكومة ومعادلات السلطة، هو الخطر الكبير على دوره ونفوذه وتحكمه، لذا كان الأكثر بطشاً بكل الأصوات الحرة والمنتفضة في وجه السلطة، وعمل ليل نهار على انهاء الانتفاضة وخنقها وتفكيكها، من المواجهة المباشرة عبر مجموعات القمع المنظم تحت شعار “شيعة شيعة..” في وسط بيروت وفي مناطق اخرى في البقاع والجنوب، وعبر اختراق الانتفاضة بمجموعات تتلقى تعليماته بغاية ضرب وحدتها وتشتيت قدراتها، واخيرا وليس آخرا، عبر المزيد من احكام القبضة والسيطرة على السلطة من خلال الاتيان بحكومة تسلم مكوناتها وتتماهى مع حقيقة ان “حزب الله” وامينه العام هو الحاكم والوصي والمرجع في قرارات الحكومة بل الدولة على وجه العموم. على هذا المنوال مشت الحكومة، مسلمة ومستسلمة لهذه المعادلة، بما يعني المزيد من عزلة لبنان وتأزمه، عزلة عربية بالدرجة الأولى، وغربية متنامية، تخرقها اهتمامات تتصل بالأمن الاقليمي واللاجئين، من قبل بعض الجهات الدولية.  جائحة الكورونا وان كانت وفرت للسلطة والحكومة فرصة من الراحة مع انكفاء التحركات الشعبية والمطلبية في الشارع، الا انها ساهمت بكشف المزيد من الهشاشة الاقتصادية والمالية والصحية، بطبيعة الحال، وفاقمت الأزمة المعيشية، ومع ذلك ايضا المزيد من الشيء نفسه، الذي رسخ في الوعي العام، ان السلطة تحاول اعادة انتاج نفسها من دون ان تتوافر لديها اي فرص لانتشال لبنان من بئر هي من حفرته ورمى الدولة بمؤسساتها وشعبها في غياهبه، وبدأت اخيراً كتعبير عن الافلاس السياسي، بخلق عدوّ وهمي خارجي، لتحمله كل تبعات السياسات التي انتهجتها. فبعد ان ترسخت معادلة الاستقرار على الحدود اللبنانية، على قاعدة الهدوء المقدس لاسرائيل، والعمليات الامنية المدروسة في سوريا ضد الميليشيات الايرانية، بات حديث الممانعة هذه الايام، عن هجوم سياسي اطلقته السفيرة الاميركية في بيروت ضد الحكومة، تزامن مع تصريحات للسفيرة الاميركية جددت فيها الموقف الاميركي من سياستها تجاه لبنان، لم يحمل جديدا. لعل اكثر ما يزعج الممانعة واحزابها انها وهي ازاء انكشافها امام جمهورها واللبنانيين عموما، باتت تستجدي اي تسوية مع الخارج، تسوية تحفظ سلطتها ولو كان الطرف الآخر هو “الشيطان الأكبر” لا بل انها تبدو مستاءة الى حدّ الحيرة والارباك، حيال عدم مسارعة احد من الدول “الاستكبارية” سواء كانت عربية او غربية على الشد من أزر خصوم الممانعة واعدائها، فحتى عملية اخراج أو رمي بعض القوى من التمثيل الحكومي، لم تغر أحد من اطراف الخارج، بل تراكض هؤلاء ممن كانوا في جبهة ١٤ اذار، الى نيل الرضى من حزب الممانعة وقائده حسن نصرالله، ولم يسمعوه ما كان يتوقعه ويحبذه من كلام مسيء او مستفز، بل حرصوا على مراضاته، مكتفين بالتصويب على “بي الكل” وصهره وعلى الموظف برتبة رئيس حكومة. ما لا تريده الممانعة بحزبها القائد ومجموعاتها اللبنانية، ان تصدق انها هي الحاكم والمتحكم، وأن أحدا لن ينازعها على سلطانها في هذا البلد، اما محاولة افتعال خصم اسمه حاكم مصرف لبنان، فهو أمر سيؤدي الى أن تفاقم خسائرها، فرياض سلامة مهما قيل في ادارته وسياسته وهو صحيح، ما كان ليتم لولا أنه لم يكن يستجيب لمطالب “حزب الله” ومعاوني الأمين العام في الرئاسات الثلاث في الحكومة السابقة والحالية. التخبط والافلاس والافقار هي عناوين الحكومة وراعيها، والأنكى في مسار سلطة الممانعة، ان يمسي اي صراخ شعبي من آفة الفقر والبطالة والجوع، هو فعل مؤامراتي، وهذا عنوان الافلاس بل قمته ان تتحول تلك الجماهير التي سمتها ابجديات الممانعة بالكادحين والمحرومين والمستضعفين، الى فئات شعبية متآمرة وخائنة، في لحظة رفع الصوت ضد الفاسد والسارق ولحظة الصراخ من شدة العوز، ولحظة المطالبة باسقاط حكم الفاسد.

(نداء الوطن) البيروتية

 

 

الحكومة اللبنانية ترتكب

"مجزرة" مالية تحت جنح الجائحة

علي الامين

 

صحيح أن جائحة كورونا يطفو همها على ما عداها من الأولويات، إلا أن مستقرها يحمل خطاً استغلاليا لها في لبنان ربما خلافاً لكل الكرة الأرضية. فالعهد وحكومته وساسته يتركون الشعب يواجه مصيره على “ما يقدر الله”، ما عدا بعض الإجراءات الشكلية المسيسة، والعبثية والفوضوية التي لا يُركن إليها، وتتفرغ تحت جنح الوباء إلى محاولة خنق انتفاضة اللبنانيين إثر سكونها المؤقت لاضطرار الشباب إلى الانسحاب من الشارع تحت وطأة الفايروس.

السياسيون الذين عرّتهم الانتفاضة وفضحت سرقاتهم لمقدرات الدولة وخزينتها، ظنوا أنه الوقت المناسب لخروجهم من القمقم الذي حشروا أنفسهم فيه تحت صيحات المنتفضين، وأنه آن الأوان للاقتصاص منهم وشفط ودائعهم وبالقانون.. “ما أدراك ما القانون”.

إذاً فإن عملية الانقلاب على انتفاضة 17 أكتوبر مستمرة في لبنان، حيث وفرت جائحة كورونا فرصة لاستكمال هذا الانقلاب من خلال استثمار إجراءات مواجهة هذه الجائحة في المزيد من تفعيل عملية الانقضاض على مطالب التغيير والمحاسبة عبر تعزيز سلطة القضاء من جهة، ولجم الهدر والفساد واستعادة ما تم نهبه من أموال عامة سواء كانت منقولة أو غير منقولة.

بداية الانقلاب تمثلت في الإتيان بحكومة، قيل إنها من مستقلين، لكن الواقع كشف مدى طواعية الحكومة للسلطة الحاكمة والمتحكمة بمفاصل السلطة والقرار، وبدا رئيسها حسان دياب، شديد الحرص على كسب رضا الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، الذي حرص في المقابل، على رمي فتات الرضا في كل إطلالة من إطلالاته المتعددة خلال الشهرين الماضيين، فيما أكدت الحكومة في سلوكها السياسي والإداري، أنها تعمل وتتحرك تحت سقف التوجيه السياسي “للثلاثي غير المرح” بحسب توصيف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، للحلف الذي يديره حزب الله والذي يضم إضافة إليه رئيس الجمهورية ميشال عون وملحقاته ورئيس مجلس النواب نبيه بري وحركته.

يترافق هذا الانقلاب المستمر مع أزمة غير مسبوقة معيشيا واقتصاديا، ترسّخت في عجز المودعين عن سحب ودائعهم من البنوك، وفي انخفاض قيمة العملة الوطنية إلى حدّ النصف مقارنة بما كانت عليه، بحيث كان سعر صرف الليرة اللبنانية خلال النصف الأول من العام الماضي يساوي ما يزيد قليلاً عن ألف وخمسمئة ليرة، ولامس اليوم سعره في السوق غير الرسمي نحو ثلاثة آلاف ليرة لبنانية. وأضف إلى هذا الانخفاض الذي أدى عملياً إلى سرقة نصف قيمة أموال المودعين بالليرة اللبنانية، فقد أدى انخفاض سعر العملة إلى “تشليح” موظفي القطاع العام والخاص إلى حدّ كبير نحو نصف رواتبهم.

لم تكتف الحكومة بالوقوف كشاهد على هذه المجزرة، التي كانت سببت المزيد من إغلاق أبواب المؤسسات الاقتصادية والتجارية الخاصة، وأدت إلى انضمام عشرات الآلاف من المواطنين العاملين، إلى صفوف العاطلين عن العمل، وجاءت جائحة كورونا لتضيف على البلاءات اللبنانية بلاءً من نوع جديد، وإنْ كان في مواصفاته وخصائصه من حيث الانتشار والإيذاء يشبه تلك السياسات السلطوية المتمادية في لبنان، والتي أدت إلى إفقار اللبنانيين وإلى تعطيل الحياة العامة والاقتصادية، وتصديع بنيان الدولة في سبيل تعزيز المافياوية كنموذج للحكم على حساب الدستور والقانون، وبالطبع على حساب الشعب.

لعل أخطر ما يطال لبنان اليوم، إلى جانب سياسة إدارة الظهر التي تمارسها الدول العربية تجاهه، هو ما يمكن أن يوصف بعملية انقضاض من قبل السلطة على أموال المُودعين، وهو سلوك يعكس ذهنية السلطة التي تأبى أن تنحو نحو إصلاح حقيقي، أي الذهاب نحو مكامن الفساد والنهب، لتتجه مجددا نحو الشعب في سبيل المزيد من نهبه ودائما بغاية حماية السلطة.

ما يمكن أن يُسمى انقلاباً أيضاً، يتمثل في سعي السلطة التي يديرها حزب الله إلى رسم معالم صراع سياسي وهميّ، بغاية الانقلاب على الاصطفاف الذي فرضته انتفاضة اللبنانيين، بين سلطة وشعب، فيما السلطة اليوم تفتعل رسم اصطفاف وهمي، بين سلطة سياسية حاكمة يمثلها “الثلاثي غير المرح”، في مقابل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف.

هذا الاصطفاف المصطنع، يجري تحميله أبعاداً دولية، بحيث يتم الترويج على أنه يمثل جبهتي واشنطن وطهران في لبنان، وهو توصيف يفتقد إلى الدقة؛ ذلك أن حاكم مصرف لبنان كما المصارف، لَيْسَا خارج السلطة ونفوذها، فالمصارف تكتسب قوتها ونفوذها من كونها تمثل تحالفاً عميقا بين رجال السلطة ورجال المال، فيما الحاكم ليس إلا مُنفذا لتوجهات الحكومة والسلطة التي طالما كان مستجيباً لمتطلباتها في توفير الاستدانة لها من أموال المصارف التي هي في الأصل أموال المودعين اللبنانيين وغير اللبنانيين في هذه المصارف.

إعادة رسم معادلة الاصطفاف السياسي على هذه القاعدة الوهمية، تستبطن في جوهرها، ضرب الانتفاضة كما بدا واضحاً، واستكمال الانقلاب عليها، واستدراج تسوية مع الأميركيين تتيح استمرار قبضة إيران على المعادلة السلطوية في لبنان.

يبقى أن ما تحاول إيران فعله من خلال حزب الله، هو إعادة إنتاج معادلة السلطة شكلاً، أي المحافظة على نفوذ ولو محدود للقوى السلطوية الطائفية، ولكن من دون المسّ بدور الوصاية والنفوذ الإيرانيين. وهذه محاولة تعني أن خيارات الإصلاح في لبنان غير مطروحة على بساط البحث، فأقصى ما يمكن أن يقدمه حزب الله للبنانيين، هو وعود التخفيف من مستويات النهب للمال العام، والمزيد من الإفقار، على قاعدة أن البقاء في السلطة هو أثمن ما يمتلكه الحزب اليوم، والإفقار هو أحد وسائل السيطرة، بل سبيل لاستمرار النفوذ، وسلطة لا تقوم على قواعد الدستور والقانون والانتماء الوطني، بل على الاستئثار ومصادرة القرار والاستفراد.

من هنا يبدو واقعياً في أهداف السلطة خيار الاقتطاع من الودائع في المصارف، بعدما تمّ تهريب أو سحب 18 مليار دولار تقريبا خلال العام 2019 من الحسابات إلى الخارج، وهي في معظمها لكبار المودعين، أي من الذين أدركوا أن الانهيار المالي حاصل في لبنان، على الرغم من التطمينات الكاذبة التي كان يطلقها حاكم مصرف لبنان عن وضع الليرة المستقر.

الأموال التي أُخرجت من لبنان هي التي تحظى برعاية السلطة وأقطابها وبشراكة منها أيضاً، وما بقي من ودائع في لبنان جرى تجميده، وتحوّل إلى رهينة بيد السلطة التي قررت الاقتطاع منه وهي اليوم تنظم هذه العملية من خلال إكراه الشعب على التسليم بنهبه مجدداً، لصالح وصاية خارجية وإدارة “مافياوية” لا تنتمي في تفكيرها وسلوكها إلى نموذج الدولة، ولا إلى فكرة الدستور والقانون.

     حزب الله

 وحربه الوجودية

علي الامين

 

لا يعيش "حزب الله" أفضل أيامه، حيث يخوض حروبا سياسية وأمنية في الداخل وعسكرية و"تأديبية" في الخارج، يربح جولات ويخسر معارك، ولا يفوز بأي حرب منها. بيد أن “حروب الاستنزاف” التي يخوضها، مجتمعة ومتزامنة، أودت به إلى حرب "وجودية"، يتخبط فيها من أجل البقاء.

شكلت عملية الانتقال من السيطرة الأمنية والعسكرية على السلطة، إلى السيطرة على نظام الدولة ومؤسساتها، التحدي الأبرز الذي يحاول “حزب الله” مواجهته مع وصول الرئيس ميشال عون إلى سدة الرئاسة في العام 2016، وكانت هذه المهمة التي يمكن وصفها بالسعي إلى التحكم بـ"الدولة العميقة" في لبنان، ليست من المهمات أو الوظائف التي اعتادها “حزب الله” منذ تأسيسه، أي الحرفة الأمنية والوظائف العسكرية التي طالما كانت سبيله إلى تحقيق السيطرة والنفوذ على المؤسسات والمجتمع، لكن من دون أن يعير الدولة اهتماما، إلا بما يقتضيه الاهتمام بترسيخ دويلته التي قامت على نقيض الدولة، وتأسست على نموذج "المجتمع النقيض" انطلاقا من نظرة أيديولوجية تعتبر أن "حزب الله" ودويلته هما تأسيس واستكمال لدولة الإمام المهدي التي قامت في إيران، وأزهرت في لبنان وسواه من دول "حظيت" بنِعَمِ النفوذ الإيراني.

الانتقال إلى مرحلة استكمال السيطرة على مفاصل الدولة، هو ما يجعل "حزب الله" اليوم أمام أزمة حقيقية تتصل بمآلات وجوده، فهو إزاء عجز عن الاستمرار في الاعتماد على القوة الأمنية والعسكرية وحدها من جهة، وعاجز عن الاندراج في نظام الدولة التي تفرض عليه بطبيعتها التخلي عن دويلته أو في الحدّ الأدنى التسليم بمرجعيتها في تنظيم شؤون المجتمع والحياة السياسية والاقتصادية وفي العلاقات بين الدول من جهة أخرى.

ساهم انكفاء المشروع الإيراني أو اهتزازه وتصدعه، في فرض هذا التحدي على “حزب الله”، بل أدى تصدع الدولة اللبنانية سياسيا واقتصاديا ومالياً، إلى إرباك الحزب الذي وجد نفسه بعد تطويع القوى السياسية أو معظمها، أمام معضلة جديدة تتمثل في كيفية التعامل مع الانهيارات التي تحيط به في الاقتصاد وفي النقد، وعلى مستوى خطر الانهيار الاجتماعي. كل ذلك لم يدفعه إلى إعادة النظر في أصل المشكلة المتمثلة في دوره المحلي والإقليمي، الذي دفع لبنان ثمنه عربيا ودوليا، بل استمر في عملية قضم المؤسسات الرسمية، وإنهاء الحياة السياسية لصالح ترسيخ سلطته المطلقة، ولكن بطموح عقد تسوية مع الأميركيين تعطي شرعية لدوره، في مقابل إقرار حزب الله بدور واشنطن في لبنان، وهذا ما قاله الأمين العام للحزب، حسن نصرالله، علنا في خطابه إثر الإفراج عن العميل عامر الفاخوري قبل ثلاثة أسابيع، إذ أكد أن “لواشنطن نفوذ قديم في المؤسسات اللبنانية، وهذا النفوذ كان قائماً في زمن الوجود السوري، ولا يزال..”، وهو في هذا الخطاب لم يدعُ إلى مواجهة هذا النفوذ، بل ألمح إلى إمكانية أن تستعاد تجربة التعاون التي كانت قائمة مع سوريا، لكن هذه المرة مع إيران في لبنان.

في ظل أزمة انتشار فايروس كورونا التي تشغل العالم ومنه لبنان، بدا حزب الله في وضع أكثر حرجا، ذلك أنّ فايروس كورونا جاء ليضيف أعباء جديدة يصعب مقاربتها عسكريا وأمنياً، بل تتطلب منه مقاربة مختلفة، تعتمد على قدرة دويلته على مواجهة هذه الجائحة، لكنه رغم ذلك بدا شديد التكتم حيال تداعيات هذه الجائحة، التي كان من أول المتهمين باستقدامها من إيران عبر سرب الطائرات الإيرانية التي قدمت إلى لبنان حاملة الآلاف من اللبنانيين، من بينهم أعداد لا يستهان بها من محازبيه ومن بعض الإيرانيين، وجرى ذلك في ظل تكتم مريب، فيما عمد إلى نقل المصابين بفايروس كورونا إلى أماكن سرية.

وفي حين أعلنت الحكومة السورية عزل منطقة السيدة زينب ومنطقة جرمانا قرب دمشق، بسبب تفشي الكورونا، نقل "حزب الله" أعدادا من المصابين إلى لبنان، من جنسيات لبنانية وإيرانية وعراقية، حيث تم وضعهم في مستشفيات ميدانية بعيدا عن أي إشراف رسمي، لاسيما من قبل وزارة الصحة التي يتولاها الوزير حمد حسن الذي سماه حزب الله لهذه المسؤولية.

يأتي كل ذلك وسط عقوبات مالية ضاغطة على الحزب وعلى راعيته إيران، من قبل واشنطن. وفي ظل أزمة معيشية تفاقمت في لبنان وخاصة لدى البيئة الحاضنة للحزب، حيث ساهم ذلك في المزيد من إثارة المخاوف لدى هذه البيئة، التي اعتادت منه أن يوفر لها أو لجزء منها موارد دعم مالي واقتصادي، تبدو غير متوفرة إن لم تكن مستحيلة في المدى القريب.

بهذا المعنى فإن "حزب الله" الذي كان يستثمر في الأموال الإيرانية وحتى العربية لمواجهة الأزمات في بيئته الحاضنة كما جرى في أعقاب حرب تموز عام 2006، ها هو اليوم يواجه الاهتزازات حتى داخل بنيته الحزبية، التي باتت عرضة لأزمات شتى اجتماعية واقتصادية، من أسبابها تراجع القدرة المالية لدى الحزب ولبنان على وجه العموم.

بين الانكفاء المالي والإرباك السياسي الناتج عن التعامل مع أزمة لبنان المعيشية والاقتصادية والنقدية، يحاول “حزب الله” الموازنة بين منع الانهيار الكامل للدولة بالمحافظة على خيط العلاقة مع واشنطن من جهة، وبين المحافظة على بنيته الأمنية والعسكرية وتجديد دورها من جهة ثانية. فقد صدر موقف لافت عن النائب في البرلمان اللبناني عن الحزب، حسن فضل الله، قبل أيام، انتقد فيه ما سماه التدخل الأميركي لفرض تعيين اسم محدد نائبا لحاكم مصرف لبنان، وبمعزل عن صحة الاتهام أو عدم صحته، فإن هذا الاتهام الذي يصدر للمرة الأولى من قبل الحزب، ينطوي على تصعيد لفظي ضد الدور الأميركي في لبنان، لكن من دون أن يستدعي صداما، باعتبار أنه كان مسبوقا بالاستجابة لضغوط أميركية على لبنان أدت لإطلاق عامر الفاخوري، وبرسالة من نصرالله إلى الأميركيين بالاستعداد لإيجاد تفاهم في إدارة النفوذ بين طهران وواشنطن في لبنان.

علما أن الذراع الإيرانية في لبنان المتمثلة بالحزب أنجزت خطوات على صعيد السيطرة على مؤسسات الدولة في عملية قضم مستمرة منذ سنوات، أدت إلى تعيين الموالين للنفوذ الإيراني في أكثر المواقع القيادية في الحكومة وفي الإدارة العامة وفي المواقع الأمنية وفي معظم المواقع العسكرية، والحديث عن التدخل الأميركي في بعض التعيينات من قبل "حزب الله"، يستبطن أيضا تغطية على استحواذ حزب الله مباشرة على مفاصل الدولة، وكان آخرها إنهاء نفوذ الحريرية السياسية إلى حد كبير داخل الإدارة، التي شكلت استقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة، فصلا نوعيا في هذه العملية التي أدار "حزب الله" عملية تنفيذها بخبث ودهاء.

تبقى مشكلة إضفاء الشرعية الدولية والأميركية على وجه التحديد لهذا النفوذ المتمدد لإيران عبر "حزب الله"، وهو ما لا يبدو متاحا رغم الرسائل الإيجابية التي يوجهها الحزب مباشرة أو بالواسطة، تجاه واشنطن، لكن الموقف الأميركي حتى اليوم، يبدو حاسما لجهة رفضه لهذا النفوذ وعدم الاعتراف به، والإصرار على مواجهته بمزيد من التشديد في العقوبات والحصار على "حزب الله" وإيران.

ولكن التحدي الأكبر يبقى هو القدرة على "الصمود والتصدي" في حربه "الوجودية" التي لن تنتهي هذه المرة على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، في ظل التغييرات الجذرية التي فرضت نفسها على راعيته، كما على كل العالم الذي يتلمس تحولا دراميا على وجه الأرض وكل ما عليها.

 كاتب لبناني

 لبنان في مواجهة

الشراسة "الكورونية" والإيرانية

علي الامين

 

على الرغم من انشغال لبنان بكليته، كما العالم، بجائحة وباء الكورونا وتداعياتها التي تشي بكارثة وشيكة يجهد لمواجهتها علّ القدر الإلهي يلطف به، إلا أن الواجب الوطني السيادي، يفرض عليه التنبه جيدا إلى مشاريع تخريبية تُحاك خارج الإقليم من قبل “محور الشر” المتربص به دولة وشعبا ومؤسسات، ويتناوب على تفتيته تاريخيا وتغيير وجهه العربي ووجهته الليبرالية، عبر أذرعه السياسية والعسكرية.

فقد لبنان العديد من ميزاته، وتضاءل دوره السياسي والاقتصادي والثقافي، وها هو اليوم في أشدّ أزمة اقتصادية ومالية ومعيشية لم يسبق أن شهدها منذ نشأة هذا الكيان الذي لعب دورا حضاريا على مستوى المنطقة العربية، وشكّل حلقة وصل بين الشرق والغرب، وبقي رغم الحرب الأهلية وأهوالها، جامعة العرب ومستشفى العرب وصحافتهم، وجاذب استثماراتهم ومصرفهم، ولم تكن الحريات فيه ترفاً أو سقطة مستعمر فرنسي، بل حاجة وجودية ونتاج نظام اقتصادي وتنوّع ديني وسياسي واجتماعي، ومبرّر وجود هذه الدولة الصغيرة ووسيلة إبداع لبناني متميّز في مجالات شتى.

الحرية ساهمت في تظهير الهوية اللبنانية كمركز تفاعل وحوار ثقافي فكري، وكان لبنان في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، جاذبا لآلاف التجار والصناعيين والممولين العرب، من السوريين الهاربين من نظام التأميم في بلادهم، ومن لاجئين الفلسطينيين، وجدوا في لبنان فرصة لإعادة إطلاق حيويتهم المالية والاقتصادية، بعدما احتلت العصابات الصهيونية أرض فلسطين.

بطبيعة الحال لم تكن الحرب الأهلية في العام 1975، غيمة صيف في سماء صافية، بل ثمة أسباب داخلية تتصل بطبيعة النظام الطائفية وبالهوية الوطنية، وأسباب اقتصادية، وأسباب خارجية لها علاقة بإسرائيل وأخرى متصلة بصراعات إقليمية وجدت في لبنان متنفسا لها.

ليس هنا مجال التوسع في رصد أسباب الحرب الأهلية، بقدر ما هو مجال للتركيز على رسوخ الحريات، التي لم تستطع الحروب الأهلية والاحتلال الإسرائيلي تقويضها، طيلة 25 عاما من الاحتلال.

لا بل لا يمكن إحالة تجارب المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، إلا إلى هذا الحيّز الطبيعي من الحريات، الذي أطلق المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي والتي نجحت في إخراج الاحتلال من لبنان، في تجارب بدأت متنوعة منذ العام 1982 حتى العام 1990، وانحسر التنوع في ذاك التاريخ لصالح مشروع المقاومة الإسلامية التي أوكلت من قبل إيران وسوريا بهذه المهمة حصرا، فيما مُنع اللبنانيون بقوة الوصاية السورية من أن يقوموا بواجب المقاومة من خارج إطار حزب الله.

مرحلة الوصاية السورية على لبنان، شكّلت ما بعد اتفاق الطائف، بداية إلغاء للخصوصية اللبنانية، وبدأ مسار جديد أداره النظام السوري جعل لبنان مساحة غير آمنة لكل من يخالف النظام السوري أو لا يتوافق مع نظامه، وجرت في المرحلة الممتدة بين العام 1990 و2005 محاولة تقويض مستمرة للنموذج اللبناني في بعده الحيوي والخلاق، بحيث رسخت عربيا وعالميا، صورة لبنان الأسدي حتى لا نقول السوري، أي تم جعل دمشق بوابة الدخول إلى لبنان إلى حدّ كبير، لكن لبنان بقي عصيّا على التدجين وظهرت فيه مقاومات سياسية سعت إلى الخلاص من الوصاية السورية، وشكّلت البطريركية المارونية في ظل البطريرك الراحل نصرالله صفير، رأس حربة المواجهة مع النظام السوري في لبنان.

ما تعرّض له لبنان منذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005، كشفته الوقائع التي تلت، والتي أظهرت أن إيران انتقلت من مرحلة العمل تحت الوصاية السورية في لبنان، إلى مرحلة السيطرة شبه الكاملة على لبنان، ولقد أدرك حزب الله، كذراع إيرانية في لبنان، أن عملية السيطرة لا يمكن أن تتم بالقوة العسكرية وحدها، بل لا بد أن يرافق ذلك تقويض لمصادر القوة الطبيعية للبنان، أي استكمال ما قوّضته ماكينة الأسد السورية في لبنان. ذلك أن التنوع في لبنان، اكتسب معناه وحضوره وحيويته الحضارية، من مساحة الحرية التي تمتع بها اللبنانيون، وهي ما وفرت لهم فرص الحضور العربي فيه، وتوق لاستثمارات من دول مختلفة، وكان لبنان لا يزال حتى ذلك العام محافظا، على دوره في جذب العديد من المؤتمرات الاقتصادية والثقافية، وسوى ذلك ساهم الحضور العربي الاقتصادي والثقافي وحتى السياسي، في فرض توازن نسبي في مواجهة شهية السيطرة السورية وما تلاها من عملية الابتلاع الإيراني.

أدرك حزب الله أنه معنيّ بضرب كل مصادر القوة التي يمكن أن تشكّل مصدر خطر مستقبلي على مشروع السيطرة الكاملة على لبنان. كانت الاغتيالات التي طالت شخصيات معارضة له، وسيلة لإحداث الخوف في صفوف الخصوم تمهيدا لتطويعهم، ووفرت مغامرته في العام 2006 ضد إسرائيل، فرصة الانقضاض على الداخل بعد نهاية الحرب التي دمرت لبنان، واستكمل حزب الله سيطرته على الداخل، عبر إطلاق ماكينته العسكرية نحو سوريا في العام 2011، وترافق ذلك مع عملية ترهيب الحضور العربي من خلال بعض عمليات الخطف التي طالت مواطنين عرب وخليجيين، ومع انكفاء الدور العربي شبه الكامل عن لبنان، كان حزب الله يجد في ذلك فرصة للقضم والسيطرة على ما تبقّى خارج تحكمه.

في الخلاصة كان الحزب مدركا أن السيطرة على لبنان، تتطلب القضاء على مصادر قوته، سواء كانت اقتصادية أو ثقافية أو عربية أو مالية، وهذا يعني بالضرورة ضرب مقومات التنوع والحرية أو تقزيمها، بما هي عناصر قوة المجتمع والدولة.

عمدت إيران من خلال حزب الله، إلى تشجيع وحماية قيم الفساد ومنظومته في الدولة، من أجل تقدم مشروع الدويلة التي يمثلها، وعمدت إلى استثمار الشعور الأقلوي، من أجل إحداث خرق نوعي في البيئة المسيحية.

تقزيم لبنان وانتزاع مصادر الحيوية الثقافية والإعلامية، وإضعاف البنية المالية والاقتصادية، وضرب علاقاته مع محيطه العربي، هي أهداف مدروسة وجدية في مشروع النفوذ الإيراني، لأن إيران تدرك أن فرص السيطرة الكاملة على لبنان، لا تتحقق إلا بتحويل لبنان إلى ما يشبه الركام والخراب وهي الحالة الوحيدة التي يمكن لإيران أن تمسك بلبنان، وتتيح لحزب الله أن يطمئن لنفوذه، وتمكن إسرائيل أن تضمن استقرارها طالما أن لبنان والخراب باتا صنوان ولو كانت صواريخ إيران منصوبة باتجاهها، ولكن ما يطمئن إسرائيل أن قواعد هذه الصواريخ الاجتماعية والاقتصادية أوهن من بيت العنكبوت.

 

كاتب لبناني

 

 

لبنان.. عزلة كورونا

وعزلة الأيديولوجيا

علي الامين

لا يمكن التعامل مع فايروس كورونا بوصفه جائحة وبائية توزع شهادات الموت أو تأذن بحياة أطول، إنما أبعد من ذلك ليتحول في معرضه إلى مناسبة غير سعيدة بالطبع، لتعديل دفتر من السلوكيات والأدبيات الجديدة حول العالم. في خضم المواجهة التي يخوضها معظم دول العالم في مواجهة جائحة كورونا، تبرز مؤشرات سياسية واجتماعية ودينية في سياق ما يرتبه عنصر الوقاية من تداعيات الفايروس على البشر.

التجمعات البشرية سواء كانت تظاهرات أو حفلات أو صلاة جامعة في المعابد الدينية أو زيارة المقامات الدينية والمراكز السياحية، وحتى الانتفاضات الشعبية، باتت في قانون المواجهة مع الجائحة المستجدة والقادمة من الصين، شرا مستطيرا وفعلا مدانا.

في لبنان الذي طالما كانت فيه التجمعات مظهرا من مظاهر الحياة، توافقت معظم الجهات الدينية وغير الدينية على نبذ التجمع مهما كانت أسبابه، وباتت الدعوة إلى البقاء في البيوت ديدن الإعلاميين والسياسيين، وحتى المنتفضين على السلطة وسياساتها باتوا يبحثون عن وسائل جديدة للانتفاضة، تقيهم شر التجمع في الساحات والشوارع للتعبير عن رفضهم وغضبهم من السلطة وسياساتها.

الكورونا باتت بداية فعل تغيير اجتماعي، يفتتح مسارا جديدا، لا يُعرف إلى أين سيؤول في بلد اعتاد فيه الساسة ورجال الدين، على إدارة التجمعات ورسم معالم سيرها وصياغة جملتها في النصّ اللبناني العام.

ليس مألوفا في الحياة الاجتماعية اللبنانية، إغلاق المنتجعات السياحية وأماكن اللهو والمطاعم، وليس معتادا إغلاق المساجد كمركز لصلاة الجماعة ولا الأندية الحسينية التي تقوم بوظيفة الاجتماع بمناسبات الموت وحفلات الترويج الحزبي، ولا الكنائس التي تحتضن المصلين وأكاليل الزواج وغيرها من مناسبات دينية.

ثمة اهتزاز في نظام السلطة الذي يشكل البعد الطائفي والديني، وهذا البعد يوفر لأحزاب شتى ولاسيما ذات النفوذ السلطوي مجالا لممارسة فعل التوجيه والقيادة وإصدار التعليمات، لإرساء المزيد من الانضباط والسير في ركب هذه الجهة أو تلك.

تتفاوت المنهجية بين هذه الجهة أو تلك، بقدر التفاوت في طبيعة الأيديولوجيا أو الانتماء، لكن السمة العامة في طبيعة التجمعات التي يجري استثمارها في الحياة اللبنانية، هي أنها تجمعات ذات طابع ديني وطائفي.

على أن الأكثر افتتانا بتجيير المناسبات الدينية وتلك المتصلة بوداع الموتى، هو حزب الله الذي يجمع الكثيرون على أنه رسم لهذه المناسبات معالم جديدة، وأرسى قواعدها المستحدثة كي تتناغم مع أيديولوجيته الإيرانية، وسخّر لتحقيق ذلك أجهزة إعلامية وأيديولوجية، من أجل صناعة مشهد واحد لا يتبدل بين قرية صغيرة أو مدينة كبرى، حتى الشعار واحد والصورة من علي خامنئي إلى حسن نصرالله، بل الحرف المكتوب هو عينه من دون أن تظهر أي خصوصية يمكن أن تعبر عنها منطقة أو حي أو قرية.

تبدل كل شيء في لحظة وصول الفايروس إلى لبنان. ثمة جهاز توقف عن العمل وظيفته تحويل المجتمع إلى كتلة متراصة. مجتمع لا يظهر تنوعه إلى السطح بل يكتمه لحساب الطاعة والولاء. هو جهاز أمني يلتحف بالعباءة الطائفية والدينية ويعمل على وأد الاختلاف لصالح الولاء باسم الأيديولوجيا.

العزلة التي فرضتها جائحة الكورونا، لا تشكل ردة فعل طبيعية وطبية من قبل الأفراد فحسب، بل بدت أبعد من ذلك، وكأنها تستبطن فعلا اجتماعيا يرتكز على ثقافة العزلة التي أسّست لها الأيديولوجيا الإيرانية في الثقافة الدينية الشيعية في لبنان. بالطبع لا علاقة بين الكورونا كفايروس يفتك بالإنسان، والأيديولوجيا الإيرانية كنموذج سياسي اجتماعي رسّخ فكرة العزلة الثقافية والحدود السياسية بين الشيعة اللبنانيين، وكل من يحيط بهم من مواطنين لبنانيين أو من سوريين وغيرهم من عرب.

فايروس كورونا كان دافعا موضوعيا نحو العزلة المنزلية، بينما كانت الأيديولوجيا الإيرانية في تمثلاتها الشيعية اللبنانية وفي خلاصاتها الاجتماعية والسياسية والطائفية، مشروع عزل وانكفاء مفروض على هذه الجماعة اللبنانية، وضرب لكل ما قامت عليه هذه الجماعة ثقافيا وسياسيا منذ تأسست دولة لبنان الكبير، أي أن هذه الجماعة في الزمن الإيراني، تشكلت عناصر وجودها كطائفة على مجرى من الدماء سال في مواجهة بقية اللبنانيين، وعلى مواجهة جموع السوريين ممن رفعوا لواء الثورة، وعلى جموع العرب بما يمثلون من فضاء قومي وانتماء حضاري، شكل الشيعة العرب أحد روافده منذ ظهور الإسلام وانتشاره.

العزلة التي فرضتها جائحة الكورونا على اللبنانيين، قد تسمح بالنجاة من المرض الجسدي، وقد تتيح فرصة للعودة إلى الذات واكتشاف ضعف الجسد وقوته، والتقاط معنى الوجود الإنساني وغايته في هذا العالم وفي هذا الوطن المقهور والمصادر، غير أن العزلة التي فرضها النموذج الإيراني على الجماعة الشيعية في لبنان، هي عزلة ليس عن محيطهم الاجتماعي والحضاري والوطني فقط، بل عزلة عن تاريخهم الذي لا ينفصل عن تاريخ لبنان وسوريا وفلسطين، وعن تاريخ المنطقة العربية.

هذه العزلة في مؤداها الاجتماعي جعلت المجتمع المسيّج بالأيديولوجيا عبارة عن تجمع بشري يفتقد التنوّع، بل ممنوع من التعبير عن تنوعه.

هذا المجتمع هو مجتمع مستسلم ومهزوم، فالمقاومة هي فعل تحرر دائم من كل استبداد وفعل انتماء إلى الشعب والدولة، وإلى محيطه العربي، ويكفي أن تشعر الجماعة الشيعية في لبنان في زمن الأيديولوجيا الإيرانية بأنها غير آمنة في محيطها العربي، ليمدّ بنيامين نتنياهو رجليه ويطمئن إلى مقامه وإلى طول عمر كيانه.

كاتب لبناني

 

 

لبنان.. "كنْ مع

المقاومة وانهب ما شئت "

علي الامين

 

ليس في لبنان دولة ولا مؤسسات دستورية تحكم بقواعد الدستور والقانون، وبالتالي لا مسؤولية على أحد من رموز هذه المؤسسات أو المتولّين المسؤولية التنفيذية أو التشريعية ولا حتى الأمنية والعسكرية. بهذه المقولة التي جرى ترسيخها في الوعي العام اللبناني وحتى العربي والدولي، جرت أكبر عملية تقويض للسيادة اللبنانية من قبل السلطة لصالح الحكم المافياوي والميليشيوي، أفضت إلى تحويل مؤسسات الدولة إلى هياكل يتم من خلالها تجيير السلطة إلى النظام المافياوي، وتحويل الخزينة العامة إلى مصدر لتمويل غير مشروع، لشبكة النفوذ والسيطرة لهذا “النظام” على مقدرات الدولة.

حققت المافيا المسيطرة مكاسب كبرى من خلال ما يشبه نظام الامتياز الذي جعل تجارة النفط والغاز والفيول، على سبيل المثال، المقدر قيمتها بنحو ستة مليارات دولار في يد مجموعة تمثل أركان السلطة الفعلية، وقد أُتيح لها تحقيق أرباح غير مشروعة على حساب الخزينة العامة ومنها مادة الفيول التي شكلت عنوان العجز في مؤسسة كهرباء لبنان، والذي يبلغ اليوم ملياري دولار.

هذا ما جرى أيضا في قطاعات عدة، ومنها سندات الخزينة وما سمي الهندسة المالية التي كانت عبارة عن عملية ربا فاحش أدت إلى أن قام البنك المركزي بدفع نسب فوائد بلغت نحو 40 في المئة استفاد منها رجال أعمال قريبون من السلطة، ومنهم بنوك معروفة بعلاقاتها الوثيقة بأركان السلطة، في قطاعي الكهرباء والاتصالات وفي المرافئ الشرعية وغير الشرعية، وصولا إلى مافيا التهريب عبر الحدود البرية مع سوريا.

هذه نماذج من عمليات غير مشروعة وغير قانونية، أدت إلى زيادة نفوذ المافيا وتراجع دور الدولة وسيادتها، لصالح منظومة تمت إدارتها من قبل مشروع جعل لبنان خارج أي معادلة سلطة ترتبط بمفهوم الدستور والدولة.

من هنا كانت النتيجة إبقاء مقولة أن “ليس في لبنان دولة” هي الهدف الذي يتم من خلاله تغييب المسؤوليات وتغطية مصادرة السلطة وتزييف الوعي، وتفكيكه لصالح مشاريع تنمو وتتمدد بقوة المافيا، باسم الطائفة حينا وباسم المقاومة أحيانا أخرى، وعلى حساب الدولة والهوية الوطنية معظم الأحيان.

باختصار قامت انتفاضة 17 أكتوبر ولا تزال، ضدّ هذا الواقع القاتل للدولة، وفي وجه محاولة القضاء على الهوية الوطنية اللبنانية، وفي سبيل استنقاذ ما تبقى من الدولة ومؤسساتها، وضرب المافيا التي بات وجودها يعني نهاية لبنان. لذا ما فرضته الانتفاضة هو كشف زيف معادلة السلطة التي سيطر عليها حزب الله وبات يديرها منذ سنوات، فعبر الولاء له تتم شرعنة عملية النهب، على قاعدة “كن مع المقاومة وافعل ما شئت” من نهب للمال العام، من دون أن يعني ذلك أن الحزب كان خارج هذه العملية، بل في صلبها والأقدر على استثمارها في البعد المتصل بهدف “لا دولة في لبنان”.

وصل لبنان إلى مفترق طرق بات الاختيار بينها يقرر مسار لبنان الدولة والكيان. ففي الذكرى المئوية الأولى على تأسيس الكيان عام 1920، لم يسبق أن كان لبنان على هذا القدر من الخطر الذي بات يهدد هويته، بل وجوده كما عرفه اللبنانيون طيلة المئة عام الماضية، حتى أثناء الحرب الأهلية والحروب الإسرائيلية، لم تصل بلبنان رغم عنفها وتدميرها إلى هذا الحد الذي وصلت إليه دولة لبنان اليوم.

لبنان اليوم تحكمه مافيا يقوم وجودها على استمرار نفوذها على قطاعات الدولة، وعلى منع سيطرة سلطة الدولة فعليا عليها، ومنها القطاع العسكري أيضا الذي جعل من حزب الله ووجوده العسكري والأمني مرتبطا ارتباطا وثيقا بتغييب الدولة وغيابها، أي أن نظام مصالحه بات مرتبطا بعدم وجود الدولة أو بدوام ضعفها، وعلى هذا قِسْ في ما هو دون المستوى العسكري من قطاعات حيوية اقتصادية ومالية، قطاعات منفصلة ومافياوية ترى في الدولة مجرد هيكل تحتمي بشرعيته، لتنفيذ أكبر عملية نهب للمالية العامة والشعب اللبناني على وجه العموم.

ولأن لبنان في موازناته العامة، لم يكن يخضع لأي عملية ضبط للإنفاق بما يتناسب مع الواردات منذ عقد ونصف على الأقل، فإن عمليات الإنفاق بطرق غير شرعية ولا قانونية، أوصلت الدولة إلى عجز متنام وحجم من الديون لا يُحتمل، هي في مجملها عبارة عن قيمة الفوائد التي تراكمت منذ نحو ثلاثين عاما والتي تبلغ نحو تسعين مليارا.

لبنان أمام مفترق طرق، فهو بات عاجزا عن استقطاب أيّ من الدائنين سواء كانوا لبنانيين أو من خارج لبنان، وهو يرفض حتى الآن الاستعانة بصندوق النقد الدولي كما أعلن بالنيابة عنه حزب الله، وهو في الأساس افتقد ثقة المحيط العربي والدولي الذي بات يرفض تقديم أي مساعدة مالية للبنان، وبعضهم يشترط القيام بإصلاحات بنيوية في الدولة على الصعيد المالي والاقتصادي.

حقيقة إن كل ما يمكن أن يقدم للدولة اللبنانية من مساعدات مالية لم يعد يجدي، سببه المعروف هو حجم الهدر والفساد الذي يتيح ابتلاع أي مساعدات أو قروض مالية من دون أن يغيّر في واقع الدولة شيئا، لذا فإن الربط بين المساعدة والإصلاح يكتسب حجته القوية، من أن لا مفرّ من ضبط الإنفاق ومراقبته وتحديد وجهته، وهو ما لا يتناسب مع منطق المافيا الحاكمة في لبنان. ذلك أن الإصلاح في لبنان اليوم بات يرتبط ارتباطا وثيقا بتحجيم دور المافيا الحاكمة اليوم، إن لم يكن إنهاؤها بالكامل، وهذا ما يدركه رئيس الحكومة حسان دياب، الذي أعلن السبت الماضي تمنّع لبنان عن دفع جزء من مستحقّات الدّين هذا العام التي تبلغ أكثر من مليار دولار في 9 مارس الجاري، فيما المتوجب على لبنان دفعه حتى نهاية العام الجاري هو 4.6 مليار دولار.

عدم دفع مستحقات الدين في موعدها، برّره الرئيس دياب بعدم قدرة لبنان على الإيفاء بالتزاماته وقال إن الدولة ستفاوض أصحاب سندات الدين لجدولته. وهو موقف لا يوحي بالثقة لا للدائنين وقبلهم للشعب اللبناني، ذلك لأن اللبنانيين إنْ كانوا ينتظرون شيئا من حكومتهم الجديدة، فهو أن تباشر خطوات تتيح للشعب أن يمنح الثقة لها، وهي خطوات تتصل بإظهار القدرة والجديّة على تقويض مصادر الفساد والهدر واختلال السيادة، أي أن تظهر الحكومة أنها صاحبة قرار وليست مجرد بوق لسياسات التدمير المستمرة للاقتصاد والدولة، لا بل الكيان نفسه.

من هنا فإن الخطر على الكيان اللبناني ووجوده لم يعد مجرد مقولة، بل بات واقعا يجد مبرراته في كل ما تتمسك به المافيا السلطوية التي تحكم لبنان، والتي تعتبر أن ما تحوزه من مكاسب هو أوْلى من عودة الدولة والقانون والسيادة، وهذا إن كان يبدو غير منطقي وغير مفيد حتى لأطراف المافيا، إلا أن واقع الحال يكشف أن حدة المواجهة التي جعلت لبنان أمام مفترق طرق، أصبحت تفرض اتخاذ قرارات كبرى لا مفر منها، فإما الذهاب نحو دولة متوازنة وسيدة قرارها ومنسجمة مع نظام مصالحها العربي والدولي، أو الذهاب نحو خيار الساحة المفتوحة لاستجلاب صراعات إقليمية ودولية لا تبدو أطرافها التقليدية مهتمة بالتورط. ساحة ليست لديها أي حصانة ضدّ الانزلاق والتدحرج نحو التصدع الاجتماعي والطائفي، في مرحلة من الانهيار الاقتصادي والمالي مضافة إليهما عزلة عربية غير مسبوقة في تاريخ لبنان منذ أن قامت دولته قبل مئة عام.

 

كاتب لبناني

 

"نيران صديقة" في مقتلة إدلب

تدفع نحو جلاء الجيوش

الأجنبية عن سوريا

علي الامين

لم تكن الضربة التي تلقتها الميليشيات التابعة لإيران في سوريا متوقعة (25 قتيلا بين إدلب وحلب)، بل بدت مباغتة لإيران وحزب الله، فبعد سقوط نحو 50 جنديا تركيا في سوريا خلال شهر فبراير الماضي، من ضمنهم استهداف قافلة عسكرية تركية أدى إلى مقتل أكثر من 30 جنديا تركيا، لم يكن حزب الله، ومن خلفه إيران، يتوقعان أن يكون الردّ التركي على مواقع عسكرية تابعة لإيران وميليشياتها، بسبب أن مسؤولية قتل الجنود الأتراك كانت تشير إلى روسيا والنظام السوري، خصوصا أن غارات جوّية هي التي حصدت العدد الأكبر من القتلى الأتراك، فيما إيران وحزب الله لا يستخدمان طائرات حربية كما هو معلوم في سوريا.

الضربة المعنوية التي تلقاها حزب الله بمقتل عشرة من محازبيه في الشمال السوري تتجاوز الضربة العسكرية، فالحزب الذي سارع بعد تلقيه الضربة إلى إيفاد المدير العام للأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم للقاء المسؤولين الأتراك، كشف في خطوته هذه عن ارتباكه ومحاولته الحدّ من الخسائر السياسية والعسكرية. فحسب المعلومات التي يتم تداولها من أوساط قريبة من حزب الله في بيروت، أن “ثمة تواطؤا تعرضت له الميليشيات الإيرانية كان طرفاه روسيا وتركيا في الحدّ الأدنى وربما الجيش السوري النظامي”، إذ أشارت هذه الأوساط إلى أن استهداف المواقع الإيرانية والتابعة لحزب الله، بدا وأنه بدل عن ردّ تركي على القوات الروسية، بحيث بدت القوات الإيرانية وميليشياتها الحلقة الأضعف التي تتيح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعادة ماء الوجه بعد الضربة التي تعرض لها الجيش التركي ليل الخميس، وفي ظل إدراكه للكلفة التي قد يدفعها في حال استهدف القوات الروسية.

الضربة المعنوية أيضا هي لكل ما كان المحور الإيراني يسعى إلى ترميمه في العلاقة مع تنظيم الإخوان المسلمين، إذ ليس خافيا على المتابعين ما يجري في منظومة علاقات المحور الإيراني، هو السعي الإيراني لإعادة ترميم العلاقة مع حزب الله بعد التصدعات التي أحدثها بين الطرفين تورطه في دعم نظام بشار الأسد في مواجهة الثورة السورية، ففي السنوات الأخيرة وتحت عناوين فلسطين والقدس والمقاومة، عمل حزب الله وعبر حركة حماس أولا، على إعادة ترميم علاقاتها مع النظام السوري في الحدّ الأدنى، فضلا عن الدعوات التي تلقتها قيادات من هذه الحركة لزيارة إيران بشكل لافت في السنوات الأخيرة، ومن خلال هذه العلاقة بدأت جهات إيرانية رسمية بزيارة تركيا في سبيل إعادة بناء العلاقة بين إيران وتنظيم الإخوان، مستغلة العلاقات السيّئة لهذا التنظيم مع معظم الدول العربية.

من هنا كانت صدمة حزب الله بعد استهدافه من قبل الجيش التركي، لاسيما أن هذه الضربة ترافقت مع عمليات تهجير لمئات الآلاف من المواطنين السوريين من إدلب ومن ريف حلب، في ظل التمدد العسكري للنظام السوري بدعم من إيران ومن روسيا، وتجدر الإشارة إلى أن هذه المناطق هي أيضا مناطق نزوح للملايين من السوريين الذين فروا من بطش النظام السوري وحلفائه في السنوات الأخيرة وقدم جزء منهم في عمليات شهيرة تم خلالها نقل عشرات الآلاف من المقاتلين من مناطق دمشق وريفها ومناطق الزبداني والقلمون ومن بلدة القصير على الحدود مع لبنان.

لم يكن أمام المشروع الإيراني في المنطقة العربية في السعي لكسر العزلة التي يعيشها على المستوى العربي والإسلامي، إلا ترميم العلاقة مع الإسلام السياسي ومحاولة تغطية تمدده في العالم العربي من خلال ترميم العلاقة مع الإخوان، حيث عمد حزب الله إلى العمل على فتح القنوات مع التنظيم وتعزيزها، وعملت القيادة الإيرانية على استثمار علاقاتها مع تركيا وقطر في سبيل تحقيق هذا الخرق، ورغم الجهود التي بُذلت على هذا الصعيد فإن عودة المياه إلى مجاريها بقيت متقطعة وأسيرة نهر الدماء في سوريا.

كان الجيش السوري عرضة لضربات تركية أدت إلى خسائر بشرية ومادية وعسكرية، إلا أن الضربة القاصمة التي يصعب تعويضها كانت الضربة التركية، ذلك أنّ الترحيب بهذه الضربة من قبل السوريين، خاصة اللاجئين في تركيا، أظهر وجود مسافة بين الشعب السوري من جهة، والوجود الإيراني في سوريا من جهة أخرى.

اللواء عباس إبراهيم، وهو الذي يتولى عادة نقل رسائل من الدولة اللبنانية ومن حزب الله إلى جهات مخابراتية عربية وغربية، توجه إلى تركيا من أجل إيجاد مخارج تحول دون تدهور العلاقة بين حزب الله وتركيا، في لحظة سياسية تلمس من خلالها الحزب أنه وقع في فخّ نُصبَ له بإحكام، فخ لم يكن الروس بعيدون عنه ولم تكن تركيا غير مرحبة به، وأظهر ضعف إيران في المعادلة السورية.

شهدت مدينة القصير الإعلان العسكري عن بدء دخول حزب الله في الحرب السورية، وقد كلف ذلك حزب الله عشرات القتلى الذين وقعوا في أفخاخ من الألغام نصبت على مداخل المدينة وفي أنفاقها، فهل يكون فخ الشمال السوري الذي استدرج حزب الله إليه، الإعلان الرسمي والعسكري لنهاية تورطه، وربما إيران، في حرب سورية جرّت المآسي على الشعب السوري أولا ولبنان ثانيا؟

كاتب لبناني

 

 

"كورونا" النظام تنهش

أجساد الإيرانيين وأصواتهم

علي الأمين

 

يتزامن حلول المصيبة والخيبة في إيران مع مصيبة فايروس “كورونا” الذي ينهش الشعب الإيراني من دون أي جدية في المعالجة، تتماهى مع نظام دكتاتوري ليس أقلّ فتكاً يعيش خيبة الانتخابات على الرغم من الممارسات التعسفية اللاديمقرطية بحق المرشحين والناخبين.

بحسب الأرقام الرسمية بلغت نسبة المقترعين لانتخاب مجلس الشورى في إيران 42 في المئة وهي النسبة الأدنى في تاريخ الانتخابات على اختلافها في هذه الدولة التي قامت على نظام إسلامي ظاهره ديمقراطي، وجوهره يستند إلى سلطة مطلقة لولي الفقيه الذي يتمتع بصلاحيات تتفوّق على أيّ حاكم في أيّ دولة.

لا ريب أن الشكل الديمقراطي يتركز على العملية الانتخابية ذاتها، وهي رغم ذلك عملية مشوبة بمجموعة من الشوائب التي تجعل من نتائجها معروفة قبل إجرائها، وعلى رغم ذلك فإن الهيئات المنتخبة من الشعب كمجلس الشورى ورئيس الجمهورية ومجلس خبراء القيادة الذي ينتخب المرشد، هي هيئات غير متاحة الترشح لأيّ إيراني من دون أن يحظى بموافقة مُسبقة تقوم بها هيئات تابعة للسلطة، وهي من يقرر من يحقّ له الترشح ومن لا يحق له، ويتيح هذا الإجراء أو هذه الصلاحية، مجالا واسعا للسلطة ولاسيما الولي الفقيه، تقرير طبيعة الانتخابات من خلال تحديد المتنافسين مسبقا.

إيران تقعُ أمام خيارات أحلاها مرّ، فهي إمّا أن تذهب نحو عقد صفقة معلنة مع واشنطن لا يستطيع النظام تحمّل تبعاتها الداخلية، وإمّا أن تذهب نحو المواجهة والتسليم بالحصار

فعلى سبيل المثال تم منع مئة نائب في مجلس الشورى من الترشح مجددا للانتخابات التشريعية الأخيرة، وجرى رفض سبعة آلاف طلب ترشح للانتخابات التشريعية، ما أظهر بوضوح نتائج الانتخابات قبل إجرائها، بحيث كان واضحا أن نتائج الانتخابات ستؤول إلى فوز مرشّحي الحرس الثوري بعد استبعاد معظم المرشحين الذين يندرجون في إطار ما يسمى بالإصلاحيين أو المستقلّين، ولكن مع إبقاء جزء منهم في دائرة المنافسة، بما لا يخلّ بالنتيجة التي تريدها السلطة؛ أي فوز مرشحيها بالأكثرية المطلقة.

ومن المفارقات في الديمقراطية الإيرانية أنّ مجلس خبراء القيادة الذي يفترض أن ينتخب المرشد وأن يراقب سلطته ويحقّ له عزله، يخضع كذلك في عملية انتخابه، إلى عملية تصفية للمرشحين من قبل هيئة يعيّنها المرشد، بحيث يفقد هذا المجلس بعد انتخابه عمليا أيّ قدرة على ممارسة صلاحياته لأن أعضاءه خضعوا عمليّا للتعيين من قبل المرشد، وفي هذه الحالة من غير الوارد أن يقوم بمحاسبة المرشد أو إقالته بسبب تلك العملية التي تؤدّي فعليّا إلى تحوّله إلى أداة بيد السلطة أكثر مما هو مراقب لها.

الخصوصية الإيرانية للديمقراطية تفقدها معظم غاياتها، وتؤول بها إلى نموذج من الحكم الثيوقراطي الذي يتيح لطبقة أن تحكم وتتحكّم بالشعب والدولة على وجه العموم، وفي إيران يشكّل الحرس الثوري بقيادة المرشد القوة الفعلية التي يسند إليها حماية السلطة والنظام الذي ينظر إلى الشعب باعتباره غير مؤهل في اختياراته، لذا لا بد من مساعدته على الاختيار من خلال تحديد من يجب عليه انتخابه.

مرشد الدولة الإيرانية علي خامنئي قال في تعليقه على تدنّي نسبة المقترعين، أن فايروس كورونا والحملات الإعلامية المغرضة على إيران، هما سبب تراجع نسبة المقترعين. وعلى مسار إلقاء اللوم على الخارج وما يرسله الغيب، لا يجد مرشد الجمهورية أيّ سبب آخر يعوق اندفاع الشعب الإيراني نحو التغيير السلمي، لاسيما أن إدارة الدولة والسلطة أوصلت الدولة الإيرانية إلى وضع مالي واقتصادي ومعيشي لم يكن يتخيّله أيّ مواطن إيراني، كان اعتبر في سقوط شاه إيران محمد رضا بهلوي قبل 41 سنة نهاية لعهد دكتاتوري وبداية لمرحلة جديدة من الرفاه والحرية في دولة تعتبر من أغنى دول العالم في ثروتها الطبيعية وفي عراقة شعبها، إلى جانب مساحة جغرافية شاسعة تقارب المليون وستمئة ألف كلم مربع، فضلا عن تنوّع ديموغرافي غنيّ، بلغ تعداده نحو 80 مليونا اليوم، فيما كان تجاوز 30 مليونا حين نشوء الجمهورية الإسلامية عام 1979.

إزاء معضلة الحصار الذي تفرضه الإدارة الأميركية على إيران، فإن النظام الإسلامي في إيران لا يمكن أن يستمر في حكم شعبه بتبرير الفقر والأزمات الاقتصادية بهذا الحصار، ذلك أن أيديولوجية النظام طالما أعلنت أن عدوّها الأول هو أميركا، لذا كان شعار “أميركا الشيطان الأكبر” هو الشعار الأكثر انتشارا وتردادا في منابر النظام، وبالتالي من غير المقبول في إيران أن تحيل السلطة سوء الأحوال في البلاد إلى الحصار الأميركي، لأن أقلّ ما تتوقّعه من الشيطان الأكبر هو ان يحاصرك.

لكن السلطة في إيران التي خبرت وسائل متعددة لحماية سلطتها، تدرك أن نجاح الثورات بحسب الإحصاءات منذ مطلع القرن العشرين حتى اليوم، تحقق في دول ليست فقيرة ولا يقع شعبها في معظمه تحت خط الفقر، فالثورة الكوبية على سبيل المثال، نجحت في العام 1960 في دولة كانت أكثر الدول تقدّما في أميركا اللاتينية في ذلك الحين، وكذا الثورة الإيرانية حققت نجاحها ضد سلطة الشاه ودولته التي كانت في حينه أكثر الدول تقدّما في محيطها.

بحسب الأرقام الرسمية بلغت نسبة المقترعين لانتخاب مجلس الشورى في إيران 42 في المئة وهي النسبة الأدنى في تاريخ الانتخابات على اختلافها

النظام الإسلامي في إيران يدرك أن منع ظهور نخبة إيرانية متمايزة عن السلطة الحاكمة هو جوهر السياسة الإيرانية الداخلية، وبالتالي تشكّل “شمّاعة” الخارج والحصار إحدى وسائل القمع لكل تمايز تعبّر عنه مجموعة إيرانية.

هذا السلوك الإيراني للسلطة بات اليوم أمام خيارات وجودية، أكثر من أيّ وقت مضى، ذلك أن النظام في إيران الذي تمدّد خارجها باتجاه دول عربية عديدة، لم يكن ليحقق نجاحاته التوسعية من دون تقاطعات عميقة مع السياسة الأميركية، لكن ما يجري اليوم هو أن إيران تقعُ أمام خيارات أحلاها مرّ، فهي إمّا أن تذهب نحو عقد صفقة معلنة مع واشنطن لا يستطيع النظام تحمّل تبعاتها الداخلية، وإمّا أن تذهب نحو المواجهة والتسليم بالحصار الذي بات يهدد قدرة النظام على تلبية متطلّبات الشعب والدولة ومقتضيات النفوذ الخارجي الذي تتفاعل أزماته في أبرز معقليْن له في العراق ولبنان.

الكارثة في إيران لا تكمن في أن نظامها كان إحدى أدوات التدمير الذي شهدته المنطقة العربية باسم تصدير الثورة حيناً، وباسم تحرير القدس أو المقدسات في أحيانا أخرى فحسب، بل بما حمله النظام الإيراني من مآسٍ على الأمة الإيرانية والتي وهي تتطلع في هذه الأيام في ذكرى انتصار ثورة إيران في فبراير عام 1976، إلى ما حققته الثورة. تبدو الأمة الإيرانية في موقع زاد فيه أعداؤها على أصدقائها، وزاد الفقر فيها فيما ثرواتها أُهدرت من أجل هدف واحد هو حماية النظام لا الشعب ولا الدولة ولا العرب ولا فلسطين ولا القدس ولا وحدة المسلمين الذين تشتتوا وتلاشوا كما لم يشهد تاريخهم من قبل.

 

كاتب لبناني

 

 

الحكومة تعلق في

عنق حزب الله.. أين المفر

علي الامين

 

يدخل لبنان مع حكومة الرئيس حسان دياب فصلا جديدا من فصول الانهيار المالي والاقتصادي والنقدي، فالحكومة التي تشكّلت بخلاف إرادة اللبنانيين الذين طالبوا بحكومة من المستقلين من خارج الطبقة الحاكمة، عبّر تشكيلها عن غلبة خيار تمسك السلطة الفعلية والخفيّة المتمثلة بحزب الله بخيار الحكومة الممثلة للتحالف الذي يديره، وهو خيار يعكس في جوهره عدم التنازل عن المكاسب الحزبية في مفاصل الدولة، ولو أدى ذلك إلى الانهيار.

المجتمع الدولي لم يُبْد ترحيبا بالحكومة الجديدة، والدول العربية، وعلى رأسها دول الخليج، لم تظهر أيّ اهتمام يذكر بمساعدة لبنان، في ظل حكومة تؤول في سياستها العميقة إلى محور طهران ويديرها حزب الله.

ورغم نفي الأمين العام للحزب حسن نصرالله وصف الحكومة بأنها “حكومة حزب الله”، إلاّ أنّ التعامل المحلّي اللبناني والخارجي، لا ينظر إلى هذا النفي نظرة قبول، لإدراك عام بأنه لا يمكن أن تشكّل حكومة في لبنان لا يكون في أساسها مباركة الحزب أو الالتزام بقواعد السياسة التي رسمها منذ سنين في سيرة الحكومات التي نشأت منذ عقد على أقلّ تقدير، وترسّخت مع انتخاب العماد ميشال عون عام 2016.

يعتقد الأمين العام لحزب الله، أنه يمكن الفصل بين السياسة والاقتصاد، فهو حين دعا في خطابه الذي ألقاه يوم الأحد إلى عدم زجّ الخلاف السياسي في أتون الأزمة المالية والاقتصادية، طالبا من السياسيين اللبنانيين إعطاء فرصة للحكومة الجديدة ودعمها أو عدم عرقلتها على الأقلّ، كان يتجاوز في هذه الدعوة إحدى أبرز الحقائق التي شكلت سببا رئيسيا للأزمة القائمة، أي تحوّل لبنان إلى ساحة انطلاق لتدخلات أمنية وسياسية في دول عربية شتى، وكان حزب الله رأس حربة مواجهة مع أطراف عربية طالما كانت دولا مساعدة للبنان، وداعما اقتصاديا وماليا له، وساهمت سياسة الحزب وخياراته العسكرية والأمنية التي تجاوزت الحدّ المعقول في شروط العلاقات الطبيعية بين لبنان والدول العربية، في جعل لبنان بلدا منبوذا ومصدر خطر للعديد من الدول، بل وأسهمت هذه السياسة في إفقاد لبنان ميزة الجاذبية للمستثمرين العرب والأجانب، بعدما استفحلت فيه سلطة الميليشيات وتراجعت سلطة الدولة، التي صارت سلطة تحرّكها وتتحكم بها، وصولا إلى السيطرة العميقة لطهران على خيارات لبنان السياسية وعلاقاته الدولية.

لا يمكن رصد أسباب الأزمة الاقتصادية والنقدية، دون التطرّق إلى هذا السبب السياسي المحوري الذي سبّب الأزمة وعمّقها، لذا فالسياسة في صلب الأزمة وفي جوهرها.

هذا في البعد الخارجي لعلاقات لبنان العربية، أما البعد السياسي الداخلي في الأزمة القائمة، فهو يتمثّل في أن نظام الوصاية أو السيطرة الخفيّة على مفاصل القرار في الدولة اللبنانية، كانت تقوم في خطة حزب الله على أن جوهر العلاقة مع القوى السياسية يقوم على الولاء لخيارات الحزب الإستراتيجية، وفي مقابل هذا الولاء تفتح أمام من يلتزم بشروط الولاء، المنافع والمكاسب من كيس الدولة والخزينة العامة، ذلك أنه لم يضع ولا مرة في مسيرته السياسية شرط النزاهة ونظافة الكف لبناء تحالفاته أو إقامة علاقات سياسية مع أي طرف لبناني.

وأكثر من ذلك يمكن الاستنتاج بأن ثمّة شرطا غير معلن وأساسيّا في أي علاقة تحالفية أو ايجابية لحزب الله مع أيّ طرف سياسي. هذا الشرط الخفيّ والمحوري هو أن العلاقة يجب أن تكون على حساب سلطة الدولة، بما هي سلطة دستور وقانون. هكذا بنى تحالفه مع التيار الوطني الحر، وعلى هذا المنوال أدار صفقات التسوية مع سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع. والشرط الأساس أن يبقى هو خارج سلطة الدولة وفوقها، إما باسم المقاومة، وإما باسم “ربط النزاع” وهي كلمة مموّهة لوقف الاعتراض على خروجه على الدولة، والتي تعني أنّ ما يقوم به من تجاوز للدستور والقانون غير مقبول نظريا، ولكنه لا يجب أن يكون محلّ جدل أو اعتراض داخلي.

هذه السياسات همّشت الدولة وضعضعتها، وأفقدت لبنان جاذبية الاستثمار، وزادت من غضب الدول العربية تجاهه، وأدارت ظهر الكثير من أصدقاء لبنان التقليديين لأزماته، في مقابل استفحال الفساد والإفساد على مستوى إدارة مؤسسات الدولة وقطاعاتها، كل ذلك وغيره مما يندرج في سياق إضعاف مؤسسات الدولة والمجتمع، أدى إلى هذه الأزمة العميقة التي يعاني منها لبنان اليوم، وهي في جوهرها أزمة خيارات سياسية، فحزب الله اختار بدل اللبنانيين الانضمام إلى محور إيران خارجيّا، ودعم خيار السلطة الفاسدة داخليّا، باعتبارها الوسيلة الفضلى للتحكّم وسيطرته غير الموضوعية على المجتمع والدولة، وهي خيارات أوصلت إلى المأزق الحالي.

ليس هذا مستغربا لمن يعرف جوهر وطبيعة الأيديولوجيا الإيرانية، التي لا يستقيم وجودها وسيطرتها من خارج أسس هي من طبيعتها، وهي إضعاف الدولة أولا، والاستثمار في الانقسامات أو الشروخ المجتمعية ثانيا، ولم يكن نفوذ إيران يتحقّق في أيّ منطقة أو دولة من دون أن يتلازم ضعف الدولة والانقسام الطائفي أو المذهبي والديني، وهي وصفات ملائمة للانهيار الاقتصادي والاجتماعي في هذه الدول.

المستهجن ليس كل ما سلف ذكره، بل أن ينتظر حزب الله في لبنان أن يبادر العرب والغرب إلى مساعدة لبنان للخروج من أزمته، بل الأكثر من ذلك أن يتهم نصرالله بعض اللبنانيين في خطابه الأخير بالتحريض على الحكومة التي شكّلها وحلفاؤه، بأنها حكومة حزب الله.

المضحك والمبكي في آن، أن نصرالله يمكن أن يخطر في باله، أن جهات كالمملكة العربية السعودية أو الإدارة الأميركية أو الاتحاد الأوروبي، لا تعلم أن الحكومة الحالية هي من تأليفه وإخراجه، وأن من أخبر هذه الدول هي جهات لبنانية محرّضة. هذا التبسيط أو محاولة التخفّي، لن ينفع كثيرا حكومة حسان دياب، التي تفتقد الحدّ الأدنى من عناصر الخروج من الأزمة بل عناصر لجم الانهيار، وهي الاستقلالية أولا، فهذه الحكومة جرى تعيين كامل وزرائها من قبل حزب الله وحلفائه ويعملون في وزاراتهم ضمن فريق تابع لهذه القوى اليوم ويلتزمون بتوجيهات من قام بتعيينهم.

العنصر الثاني هو الكفاءة وهي ميزة لا تبدو جلية في سيرة معظم الوزراء الذين عيّنوا وهم أقرب إلى شخصيات تفتقد الألمعية أو التميّز. العنصر الثالث هو الجرأة على اتخاذ القرار، وهذا لا تبدو له أي مؤشرات جدية، ولعل معظم الوزراء الذين جرى تعيينهم قبلوا منذ البداية أن يكونوا ممثّلين لمن عيّنهم، ولم يصدر أي موقف من أيّ وزير حتى اليوم، يعطي انطباعا بأنهم مستقلّون يتمتعون بالجرأة وتنضح الكفاءة في سلوكهم.

حكومة حسان دياب، لن تعطي اللبنانيين ما يريدون من أيّ حكومة في هذه المرحلة، ذلك أن لبنان بات في عنق الزجاجة، وهو العنق الذي دفعت السياسات الإيرانية لبنان إليه، وبات من الصعب ترقب أن ينجو لبنان من دون التخلّص من هذه الوضعية التي انتهى إليها. فالنموذج الذي تتبنّاه إيران وعززته في اتفاق الدوحة عام 2008 ورسّخته في التسوية الرئاسية عام 2016، انتهى اليوم إلى فشل مريع في قدرته على الاستمرار، وما الانتفاضة اللبنانية التي لا تزال تتوهج على امتداد لبنان، إلا تأكيد على أن نظام المحاصصة والوصاية الذي يحكم لبنان، لم يعُد مقبولا، وبات تغييره شرط وجود لبنان وليس أقلّ من ذلك.

كاتب لبناني

 

 

إيران تلتقط ذراع حزب

الله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

علي الامين

 

لم تفرُغ إيران بعد من مواجهة تداعيات التطورات الدرامية السريعة المباغتة، التي هبطت على رأس قيادييها في توقيت غير محسوب، وتحت عناوين توهمت أنّها من الخطوط الحمر غير المتوقعة. ولعل أبرزها اغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني.

وعلى الرغم من تخبّطها من لحظة اغتيال سليماني، استدركت إيران سريعا الضربة التي قصمت ظهرها، بعدما أدركت أنها لن تقوى على استيعابها، وكأن شيئاً لم يكن، فلملمت جراحها وحاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه من نفوذها في المنطقة، عبر خارطة طريق جديدة تقوم على حماية ولاية الفقيه وإعادة ترميم ذراعها الأقوى، حزب الله في سوريا ولبنان، لكن على أساس تعديل قواعد الاشتباك السياسي والعسكري مع العدو الأميركي “المفترض”.

سوريّا، لطالما شكلت حماية نظام بشار الأسد لدى إيران أولوية في إستراتيجية نفوذها وتمددها في المنطقة العربية، لذلك كان قرار المشاركة بقوة في قمع الثورة السورية، قرارا استثنائيا في ضخّ حجم كبير من القوات العسكرية والميليشياوية التابعة لإيران ولمنظومة ولاية الفقيه إلى الأراضي السورية من أجل الذود عن نظام الأسد، ولقمع المنتفضين في وجهه. عشرات الآلاف من الجنود والمقاتلين، دخلوا بإشراف وقيادة قائد فيلق القدس آنذاك قاسم سليماني بشكل متدرج منذ العام 2011، وحققوا مع التدخل الروسي الجوي عام 2015 بقاء الأسد حتى اليوم، ودمار سوريا التي باتت دولة منهكة بمؤسساتها، ومشتتة بشعبها المشرد، وشبه دولة يبدو النظام فيها مجرد أداة إقليمية ودولية، إلى حين البتّ بمستقبل “النظام” في هذا البلد من قبل الأطراف الدولية، لاسيما موسكو وواشنطن.

ليس خفيا الأبعاد الدينية والأيديولوجية المقدّسة التي سخّرتها إيران وأذرعها لتبرير تدخلها وأذرعها في سوريا، من “السيدة زينب”، إلى “الحرب المقدّسة”، إلى “شق طريق القدس”، وصولا إلى مقولة راجت عن المرشد علي خامنئي مفادها أن الشهادة في سوريا أعظم من الشهادة في مواجهة إسرائيل. وليس خفّيا اليوم أن الموقف الإيراني من صفقة القرن وما سبقها من خطوات أميركية تجاه الجولان المحتل والقدس، لم يصل في ردّ فعله إلى ما يتجاوز التنديد اللفظي، وهو ما يفضح، كيف أن الدفاع عن نظام الأسد، يتقدّم بل يعلو ولا يُعلى عليه في الإستراتيجية الإيرانية، خصوصا إذا ما قورن بتحدي إسرائيل للعالم العربي والإسلامي، عبر تقويضها كل القرارات الدولية المتصلة بالقدس وبفلسطين التي أنشأت إيران لها فيلقا باسمها، لم يقم بأي عمل عسكري ضد إسرائيل، فيما قاتل بشراسة في سوريا والعراق وغيرهما من أجل حماية أنظمة مستبدة وفاسدة.

الإستراتيجية الإيرانية على حالها لجهة أولوية تعزيز نفوذها في الدول العربية، أمّا إسرائيل فستستمر كذريعة لهذا النفوذ والتمدد، والتي أضافت إليها اليوم وضع حدّ للوجود الأميركي في المنطقة، والنتيجة المرتقبة لهذه السياسة الذرائعية، إضعاف الدول العربية وتعزيز التصدّعات المجتمعية فيها والاستثمار في انقساماتها، والحرص على عدم التصادم مع إسرائيل ومصالحها فعليّا، والسّير، معا، من موقع العداء اللفظي، إلى تقاسم النفوذ على امتداد الدول العربية.

من هنا جاء اغتيال سليماني في بغداد قبل شهر، إيذانا بترتيبات إقليمية ودولية تطوي مرحلة الأذرع العسكرية الإيرانية، لصالح تعزيز منظومة الدول التي بات إعادة تركيبها بعد تفكيكها، أمرا أكثر سهولة ويتيح لواشنطن وموسكو رسم معالم النظام السوري الجديد، الذي سيقوم على تركيب السلطة على صورة النموذج العراقي، أي رئيس جمهورية بصلاحيات محدودة من الطائفة العلوية، ورئيس حكومة بصلاحيات تقريرية من الأكثرية السنية، وحصة إيران في هذه المعادلة ستبقى رهن ما تعطيه روسيا، ومدى تجاوب إيران والتزامها بمقتضيات المصالح الدولية والإسرائيلية، ورهن التفاهم مع العرب، ودائما على قاعدة إنهاء الأذرع العسكرية في سوريا.

على هذه الرؤى والتصوّرات التي يجري بلورتها دوليا، يسير حزب الله في حقل ألغام، ويسعى إلى أن يتجاوز هذه المرحلة، عبر المزيد من فرض وجوده كطرف ضامن في هذه المعادلات الإقليمية في الدائرة اللبنانية، فحزب الله الذي يتآلف مع فكرة خروجه من سوريا، يبحث بدعم إيراني عن تعويض لما دفعه في الحرب السورية، وهو تعويض يتمثّل في الإمساك بالمعادلة اللبنانية، والسيطرة على هذه الدولة ضمن تفاهمات دولية وإقليمية.

هذا التطلّع لدى حزب الله ومن خلفه إيران، يكتسب أهميته في كونه طرفا داخليا لبنانيّا، يستند إلى تأييد ونفوذ جدّي في الطائفة الشيعية، لكن الأهم من ذلك يكمن في أن الحزب سيكون عليه، أن يقدم التزاماته بشأن حفظ الاستقرار لاسيما على حدود لبنان الجنوبية مع إسرائيل، كما كان عليه الحال في السنوات السابقة، وهو أمر ستبقى كلفته محمولة لديه طالما أن السلطة كانت هدفا رئيسا في حروبه، وتتقدّم على كل ما يظهره من شعارات تتنافى مع هذا السعي أو الطموح.

العودة إلى لبنان بالمعنى التعويضي عن كل الدماء التي أسالها في سياق رسم معالم المنطقة العربية، قد يبدو مشروعاً في لعبة المحاصصة والتوازنات في الإقليم، لكن السؤال الذي تبدو الإجابة عليه غير واضحة حتى اليوم، ينطلق من أن التحديات الملحّة والطاغية في لبنان اليوم، لا يمكن مقاربتها على طريقة “7 أيار 2008” ولا بأسلوب “القمصان السود” عام 2011 ولا بطريقة حرب العام 2006، ولا على طريقة متطلبات مواجهة الإرهاب الداعشي أو السنّي أو الوهابي، فتلك عناوين من مخلفات ما قبل سليماني، وقبل اغتيال القيادي عماد مغنية، وما قبل – قبل انكشاف الدور الإيراني الذي باتت أزمته الفعلية مع المجتمعات العربية، أكثر مما هي مع المصالح الروسية أو الأميركية وصولا للإسرائيلية، فإيران في أحسن الأحوال اليوم بالنسبة للشعوب العربية، هي دولة ساعية إلى حماية نفوذها ببناء تفاهمات مع الدول الكبرى في أوطانهم.

من هنا فإن التحدي في لبنان مختلف عمّا ألفه حزب الله، إذ هو تحدّ مالي واقتصادي ويتصل ببناء الدولة وترميمها، ذلك أن الحزب الذي قامت أيديولوجيته على مقولة إن لبنان ساحة وليس وطنا أو دولة تستحق ولاء المواطن لها، عمد منذ تأسيسه على الالتفاف على أي فكرة أو مشروع يدفعان نحو ترسيخ الدولة ومفهوم المواطنة فيه، لذا لن تجد في أدبيات الحزب ولا في اهتماماته النظرية أو الأيديولوجية، أية مساهمة جادة تعكس رؤيته لإدارة الشأن العام أو الاقتصاد، أو النظام السياسي، ولا حتى الدور الإصلاحي الذي يجب أن يضطلع به.

التحديات يواجهها حزب الله اليوم محكومة بعقلية المحافظة على نفوذه أولا وأخيرا، حيث أعلن على لسان أمينه العام حسن نصرالله، أنه سيحمي النظام، ولكن التدقيق في مقولته يفضي إلى أنه سيحمي من النظام بما يتيح له استمرار الارتباط الوثيق بإيران، ويحصّن ما يعتبره خصوصية طائفية كورقة تبرر له حفظ سلاحه بذريعة المقاومة والدفاع عن أهله، ويأخذ بيد النظام بشرط أن يبقى هو المسيطر على المعادلة السياسية الداخلية كما هو الحال الآن، وهو مع النظام طالما أنّ الخوف قائم لدى الأقليات التي ينتظر منها دائما الامتنان، لأنه حماها أو يحميها من الإرهاب السنّي القادم من الشرق، كما يزعم.

أما إذا رفض اللبنانيون هذه المقايضة المصطنعة، فهو سيرفع لواء إلغاء النظام أو الطائفية السياسية، لكنه سيرفعه بنكهة طائفية، أي أنه التنظيم الشيعي المغلق والمسلّح الذي يقول بلا تردّد أنا مع إلغاء الطائفية السياسية في رسالة لا تخلو من التهديد الضمني بأنه سينتقل من حكم لبنان بالقوة العسكرية، بإضافة القوة العددية الطائفية إليها، ودائما بعنوان إلغاء الطائفية السياسية. أي أنّ الشكل الذي سمح ببقائه على مستوى السلطة من تقاسم المواقع والمناصب اليوم، سينتهي ليتطابق الشكل مع المضمون، أي لا حكم إلا لـ”حزب الله”.

يبقى أن الأسئلة الطاغية اليوم هي المتصلة بالاقتصاد ودور لبنان على هذا الصعيد، وبإنقاذ المالية العامة والعملة الوطنية ومواجهة الفساد المستفحل ولجم الانهيار الاجتماعي، وهي تحديات باتت تثقل على مشروع حزب الله الذي لا يزال يتخفّى خلف حكومة حرص على أن يكون فيها 12 وزيرا من أصل 20 يحملون جنسية “الشيطان الأكبر”، وهي رسالة يريد من خلالها حزب الله استعطاف الخارج، لا أكثر ولا أقلّ، بعد أن حسم أمر إدارة الظهر إلى انتفاضة الداخل ومطالب المنتفضين.

 

كاتب لبناني

 

 

بعد سليماني.. واشنطن

تستفرد بإيران وتعزل أذرعها

علي الامين

 

لا يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهتم بتجاوز الحكومة الإيرانية لملف اغتيال قاسم سليماني، فوزير خارجية إيران محمد جواد ظريف أعلن، بوضوح، أن اغتيال واشنطن لسليماني لا يشكل حائلا دون إجراء حوار بين إيران وواشنطن. هذه الهدية الإيرانية رفضها ترامب وقال “شكرا”.

يأتي الموقف الإيراني ليؤكد أن إيران ليست في وارد التصعيد ضد واشنطن، بل يُظهر أن سيف العقوبات الأميركية جعل إيران في موقع حرج، وباتت الآمال الإيرانية باهتزاز الموقف الأميركي وتراجعه غائبة، بل بات الانتظار الرسمي الإيراني إلى حين الانتخابات الرئاسية الأميركية، أمرا محفوفاً بمخاطر جدية، ليس بسبب ترجيح فوز ترامب بولاية ثانية، بل في ظل تساؤلات حول قدرة الدولة الإيرانية على تحمل تبعات الانتظار حتى نهاية هذا العام.

مردُّ التضعضع الإيراني يكمن في التداعيات التي يشهدها النفوذ الإيراني في “دول الهلال” التي تباهت قيادات إيرانية بالتحكم والسيطرة عليها، وكان اغتيال قاسم سليماني مؤشرا على نهاية مرحلة من التناغم الميداني الإيراني – الأميركي في أكثر من ساحة عربية، وبداية مرحلة جديدة بشروط ومعايير مختلفة، الثابت فيها الانتهاء من الأذرع العسكرية التابعة لقيادة الحرس الثوري، التي أسسها سليماني، أو عزّز نفوذها ودورها وولاءها لإيران.

ومع الانتفاضة التي تفجرت في العراق ثم في لبنان، بدا واضحا أن النفوذ الإيراني في أهم قاعدتين لهذا النفوذ، عرضة للانهيار وليس للاهتزاز فحسب. فالأولويات التي برزت لدى الشعبين العراقي واللبناني، باتت مغايرة لكل ما قام النفوذ الإيراني عليه. أي أن سؤال الدولة ومرجعيتها وتقويض الثنائيات المتناسلة من الدولة والدويلة، هي أبرز مطالب المحتجين، فضلا عن الفساد الذي بات هدفا يسعى المحتجون لعزله وتهميشه، كانت أذرع إيران تغذيه وتعيش عليه لسنوات طويلة.

على أن هاتين القاعدتين المهتزتين في العراق ولبنان، تنافسهما الساحة السورية التي تشهد حالة انكفاء إيراني في ظل تمدد روسي بات معنيا بضبط الحدود مع الجولان وإسرائيل، وبتغطية كل الضربات الأميركية أو الإسرائيلية على القواعد الإيرانية في سوريا.

على وقع هذه التطورات تشكلت الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة حسان دياب، وبرعاية حزب الله الذي يتحكم بقواعد سلوكها، لاسيما المتصلة بقضايا استراتيجية، لكن هذه الحكومة التي لم ترض الانتفاضة بسبب المحاصصة التي حكمت تأليفها وبسبب قفزها على مطالب المحتجين، تبدو في وضع لا تُحسد عليه، هذا إذا كانت فعلا معنية بإنقاذ لبنان من مأزقه المالي والاقتصادي ومن الانهيار الذي يطال بناه الاقتصادية، ذلك أن معظم الوزراء، إن لم يكن جميعهم، هم ممثلون لأطراف سياسية وحزبية قامت الانتفاضة ضدهم وضد منهجية الحكم التي أرسوها وأوصلت لبنان إلى ما هو عليه اليوم.

المعضلة التي يواجهها لبنان اليوم، هي حصيلة ما وصلت إليه الدولة في ظل سيطرة حزب الله كامتداد للنفوذ الإيراني. والمفارقة المؤلمة أن كل السياسات التي اعتمدها لبنان لاسيما في علاقاته العربية والدولية كان معيارها ما سماه حزب الله “الدولة المقاومة”، أو تلك الثلاثية المسماة “الجيش والشعب والمقاومة”. والكارثة أن لبنان تحول باسم هذه السياسة وبسببها إلى دولة ينخر مؤسساتها وسلطتها الفساد من جهة، ودولة لم يعد لها من خيار إلا الاستعطاء والتسكع على أعتاب الدول التي طالما كان يسميها حاملو لواء المقاومة والممانعة، دولا متآمرة أو استعمارية، أي تناصبها العداء ولا ترى ضيرا اليوم من استعطائها من جهة أخرى.

لكن الأهم من كل ذلك أن نموذج الدولة المقاومة الذي أداره ورعاه حزب الله في لبنان ولا يزال، جعل من لبنان دولة ذات مؤسسات عاجزة ومجتمع منهك، وسلطة نهب معظم أركانها مال الدولة والناس، ودولة عاجزة أن تلبي بذاتها تمويل استيراد الحدّ الأدنى من مقومات الصمود، القمح والنفط والدواء، هذا الذي خلص إليه مشروع سلطة المقاومة في لبنان، وهو نموذج عاجز عن أن يصمد إزاء أي تحدّ حقيقي، إذ أن مئات آلاف الصواريخ التي طالما تباهى بها الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، عاجزة اليوم عن أن تحصّن لبنان ليس من أي خطر خارجي فحسب، بل هي عاجزة أيضا عن التصدي لاحتلال الفساد والنهب للدولة والمجتمع.

 

كاتب لبناني

 

 

السلطة تستدرج العنف

والصدأ يطال سلاح حزب الله

علي الامين

 

مهما كان الموقف من مسألة الانجرار نحو العنف في لبنان، فإن المسار الذي تتجه إليه الأوضاع اللبنانية من الفوضى في إدارة الحكم والسلطة، يدفع إلى ترجيح دخول لبنان في حالات من العنف والفوضى، بدأت مظاهرها في البروز على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والمعيشي، وقبل ذلك على المستوى السياسي.

لعل أبرز ما يرجح هذا المسار العنفي ويدفع به إلى الأمام، هو تعامل السلطة الحاكمة غير المبالي مع مطلب الانتفاضة بتشكيل حكومة مستقلين، عبر الذهاب نحو مزيد من ترسيخ المحاصصة في الحكومة المزمع تشكيلها برئاسة حسان دياب. وإلى جانب هذا السلوك يشهد لبنان تدهوراً اقتصادياً، عبّر عنه إغلاق مئات المؤسسات الاقتصادية وصرف الآلاف من العمال، كما يشهد تدهورا للعملة الوطنية يترافق مع قيود غير مسبوقة في القطاع المصرفي على سحوبات المودعين، صغارهم وكبارهم، إلا من كان من المحظوظين ومن أزلام السلطة المحظيين، ما جعل المصارف هدفاً لمجموعات من المنتفضين، بسبب تلك الإجراءات التي لم يتقبلها اللبنانيون وعبر بعضهم عن رفضها بالعنف المباشر عبر الإحراق والتكسير لبعض فروع المصارف كما جرى في بيروت قبل أيام.

العنف المرتقب أيضا، يمكن أن تتسبب به البطالة وانعدام فرص العمل والإنتاج، وسط حال من عدم الاهتمام من قبل السلطة تجاه هذا التدهور.

فالتدهور المعيشي غير المسبوق حتى في زمن الحرب، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وغياب أية سياسة إنقاذية، مع إعلان إفلاس مئات المؤسسات الاقتصادية يعني أن الأمن الاجتماعي دخل مرحلة خطرة، وهو ما تعبر عن جانب منه حالة الغضب في الشارع، وهو رغم ما يحتويه من عنف، إلا أنه لم يزل في الخانة الإيجابية، لأنه لم يتحول بعد إلى مظاهر إجرامية، من نهب وقتل وسرقة، ولكنه قابل إلى هذا التحول، طالما أن السلطة تستدرجه من خلال سياستها التي تتمسك بإعادة إنتاج السلوك السياسي نفسه، أي المحاصصة وعدم الانخراط في خيار إنقاذي، بات لا مفر منه إن كانت تريد الحدّ من الانهيار أو لجمه.

الفوضى التي أشرنا إليها في توصيف أداء السلطة، لم تعد خيارا واعياً أو إرادياً، بل هي تعبير حقيقي وموضوعي عن واقعها اليوم. فهذه السلطة التي تتحكم بالدولة استندت منذ سنوات ولاسيما مع انتخاب الرئيس ميشال عون، إلى سلطة حزب الله وسطوته، فهو الذي ضَمن معادلاتها الحكومية، ونظام المحاصصة والفساد فيها، وأدار بشكل مباشر سياساتها الخارجية والداخلية، معتمدا على تفاهمات وتحالفات مع قوى سياسية جوهرها تسليم هذه القوى بدوره الاستراتيجي والعسكري وتبني الحكومة لرؤيته، في مقابل حمايته لنفوذ هذه القوى وصون مكاسبها وهي في غالب الأحيان غير مشروعة.

اليوم يبدو حزب الله واقفا أمام انهيار السلطة والدولة التي شكّلَهَا على صورة دولة سماها “دولة مقاومة”، يحكمها محور المقاومة، يمتلك القدرة فيها على استصدار ما يريد من قرارات ومنع ما يشاء. هذه السلطة التي قامت وتشكلت على صورته، باتت اليوم رغم فائض القوة الذي تمتلكه من خلال حزب الله، عاجزة عن اتخاذ أي قرار رغم أنها قادرة ماديا على اتخاذه. فحزب الله يستطيع أن يشكل الحكومة التي يريد، ويستطيع أن يلزم حلفاءه، بأي حكومة يراها، لكن الواقع يقول إن أي حكومة ستكون مسيئة له أكثر مما هي مفيدة، لأن أي حكومة محاصصة تابعة له، ستكون مرفوضة شعبيا فضلا عن أنها ستكون عاجزة عن القيام بأي خطوة إيجابية تستدرج دعما دوليا، وإذا كانت حكومة مستقلين فعلا، فإن دورها سيكون إنهاء سلطة المحاصصة والمحسوبيات التي يستند عليها نفوذ حزب الله.

الهشاشة التي يظهر فيها حزب الله اليوم، ترتكز على منهج القوة بمفهومها العسكري

ولعل أبرز ما تكشفه تداعيات الوضع اللبناني أن استعراض القوة الذي مارسه حزب الله في الداخل وفي الخارج العربي، كان نفوذا يرتكز في بطشه الأمني والسياسي والعسكري، على مستوى من التناغم مع المصالح الخارجية والدولية.

ومع بداية رفع الغطاء عن دوره ونفوذه العسكري والأمني من خلال العقوبات المالية، وأخيرا من خلال ما مثلته عملية اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني من تأثير على دور الأذرع الإيرانية ومنها حزب الله، فإن هذه القوة التي استعرض بها حزب الله بدت وهمية، ومربكة وعاجزة عن مواجهة أزمة اقتصادية ومالية في بلد كلبنان، وهي التي كانت تقدم نفسها على أنها قوة إقليمية قادرة على إدارة محور المقاومة، إلا أنها انكشفت على أنها تنتمي إلى نموذج حكم يكمن عنصر قوته في الإفساد والفساد وعلى تغييب نموذج يتمتع بمواصفات تنتمي إلى مفهوم الدولة.

الهشاشة التي يظهر فيها حزب الله اليوم، ترتكز على منهج القوة بمفهومها العسكري، فهو أسس لها وبناها منطلقا من ضعف الدولة، بل تحول إضعاف الدولة إلى شرط لقوته ونفوذه، متصورا أن تشغيل الدولة في خدمة مشروعه الحزبي كفيل بتحصينه، وأن ترسيخ ثنائية السلطة يجعل منه قويا على طول الخط، وأن تحويل الديمقراطية إلى مجرد آلية خالية من أي مضمون يحترم التنوع السياسي ويحميه، سيجعل من الديمقراطية الشكلية في خدمة سلطة الاستبداد التي لا يستقيم من دونها.

تنكشف سلطة حزب الله اليوم على الخواء، إذ لم يعد في لبنان من يطالب بنزع سلاحه لأنه فقد قدرته على ابتزاز الداخل والخارج، لا يذكر أحد من المنتفضين نزع هذا السلاح في سلة مطالبه، ولا يبدو أن أحدا هذه الأيام مهتم ببقائه أو عدمه. لقد خرج هذا السلاح من المعادلة، بل لم يعد أحد من اللبنانيين يهتم بمقايضته بثمن سياسي أو بغيره. هذا السلاح دخل في مرحلة الصدأ، بعدما صار لبنان أمام تحديات لا يستطيع السلاح أن يوفر لها أجوبة عملية، في وجوده أو في إنهاء وجوده.

السمة الوطنية لم تعد ملكا لحزب الله ولا لحلفائه، فبعد كل هذا الفساد والإفساد الذي مورس بقوة السلاح أو بالتحالف معه، وأدى إلى انكشاف لبنان وضعف الدولة فيه، وأدى إلى الوقوف على أعتاب الدول لاستجداء المساعدة، كل ذلك كشف أن القوة الفعلية للبنان جرى تقويضها عبر سياسة استباحة الدولة والدستور والقانون، والأهم في محاولة جعل لبنان مجردا من علاقاته العربية، ومستعديا لكل من كان يقرره الراحل قاسم سليماني على أنه عدو. والعنف الذي استخدمه حزب الله لترسيخ وجوده الشرعي وغير الشرعي في المجتمع والدولة، هو ما ينتظره، فالمقاومة التي طالما كانت في زمن حزب الله وسيلة لإلغاء أي مخالف، صارت اليوم واقعا مختلفا في نفوس اللبنانيين الذين صار معظمهم يدركون أن شرط بقاء لبنان هو استعادة الهوية الوطنية التي أفسدتها “سلطة المقاومة” وشوهتها دكتاتورية المقاومات الإيرانية باسم الدين حينا، وباسم المذهبية في معظم الأحيان.

 

كاتب لبناني

 

 

إيران.. الغاية تبرر عمالة قطر

والقرب من عُمان وعصمة سليماني

علي الامين

 

إذا صدّقنا الخطابات الأيديولوجية التي يصدرها قادة الحرس الثوري الإيراني وامتداداته في المنطقة العربية، لقدرنا أن أسوأ علاقة لإيران مع الدول العربية، ستكون مع إمارة قطر وسلطنة عمان. لماذا هاتين الدولتين؟

لأنهما تجاهران بعلاقات رسمية وطيبة مع إسرائيل، ولكونهما تتمتعان بعلاقات تحالف مع “الشيطان الأكبر” ومركز قواعد أميركية محورية في المنطقة العربية.

إيران، وقيادتها، تشيد بهاتين الدولتين كنموذج يجب أن يُحتذى لعلاقة الدول العربية مع إيران، ومن راقب وسائل الإعلام الإيرانية الناطقة باللغة العربية، إثر الإعلان عن وفاة السلطان قابوس بن سعيد، “العالم” على سبيل المثال لا الحصر، لأثاره بلا ريب هذا التبجيل بدور هذه الدولة، ولإنجازات السلطان قابوس رحمه الله، وهي صحيحة بلا ريب، لكن ما يثير الدهشة هو عدم الإشارة من قبل هذه المحطة ولا من ضيوفها العرب “الممانعين” إلى استقباله لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، باعتباره ولو زلة من الزلات السياسية للسلطان الراحل، طالما أن إيران تهاجم خصومها العرب باعتبارهم أدوات لإسرائيل وأميركا.

وهذا هو الأمر نفسه، بالنسبة لإمارة قطر، التي تستضيف القواعد الأميركية على أراضيها وتتشبث بوجودها حتى الرمق الأخير. فإيران التي استقبلت أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني قبل يومين، لم تبد أي ملاحظة أو اعتراض على سياسة قطر تجاه من تفترضهم إيران أعداء لها، بل يكتشف المراقب أن هذا الميل للدور القطري، أساسه العلاقة القطرية مع ما يسميهما قادة إيران “الشيطان الأكبر” و”الشيطان الأصغر” هذا من جهة، وعلاقاتها السيّئة مع جيرانها من دول الخليج العربي ولاسيما السعودية ودولة الإمارات من جهة أخرى.

من هنا فإن معيار الموقف السياسي الإيراني من الدول العربية، ليس قربها من واشنطن أو تل أبيب أو بعدها عنهما، إنما المعيار هو عدم الاعتراض على السياسات الإيرانية التدميرية في العالم العربي باسم السيطرة والنفوذ، وهذا ما تتصدى له بعض الدول العربية التي تناصبها إيران العداء، وليس بسبب علاقاتها مع الولايات المتحدة. إذ ليس خافيا أن واشنطن ومنذ احتلالها العراق، عمدت إلى فتح الأبواب للنفوذ الإيراني في المنطقة العربية بشكل لا لبس فيه، ولم يكن تدفق آلاف المقاتلين بقيادة قاسم سليماني إلى سوريا وعشرات الآلاف من عناصر حزب الله والميليشيات العراقية والأفغانية وغيرهم إلى عاصمة “الأمويين” باسم “نصرة السيدة زينب” ليتحقق من دون غطاء أميركي إن لم يكن بإيعاز من إدارتها. حتى إسرائيل كانت تراقب بغبطة تدفق آلاف المقاتلين الشيعة المنضوين في حزب الله من لبنان لنصرة نظام بشار الأسد باسم شعار “لن تُسبى زينب مرتين”.

هذا ما يفسر مقتلة قاسم سليماني وأبومهدي المهندس بالطريقة التي تمت بها. إذ لم يكن لدى سليماني شك بأنه قد يقتل من قبل الأميركيين وإلا لكان اعتمد طريقة دخول مختلفة إلى العراق، أما إحالة الأمر إلى أنه كان يريد أن يستشهد، كما قال نصرالله، فهي محاولة للتغطية على أسباب الطمأنينة لديه بطريقة دخوله إلى بغداد عبر مطارها المراقب أميركيا، لعدم الكشف عن تاريخ التنسيق بين واشنطن وطهران في العراق.

ولعل الفيديو الذي انتشر بعد مقتل أبومهدي المهندس وهو يتحدث بالفارسية إلى عناصر من الحرس الثوري، يكشف مستوى العلاقة الاستراتيجية مع الأهداف الاستعمارية، ويكشف حقيقة من هو العدو لهذه المنظومة الأيديولوجية التي رسّخها سليماني في العراق. باختصار يخاطب المهندس محدثه في هذا الشريط المصور، أن المطلوب ضرب السعودية فقط، السعودية وليس إسرائيل ولا أميركا.

هذه الحقائق تزداد انكشافا في منظومة أهداف الأيديولوجيا الإيرانية. وما قاله أمين عام حزب الله حسن نصرالله، الأحد الماضي، ليس إلا محاولة لتبييض الدور الإيراني الذي يزداد هشاشة وانكشافا أمام واشنطن، فإظهار سليماني على أنه عنوان الخير للبنان وساعد من دون ابتزاز أو منّ، ترافق مع التزام مباشر من قبله بعدم الرد على القوات الأميركية ولا على إسرائيل، فما ينتظر من رجل كنصرالله يقدم نفسه كرمز للمقاومة في المنطقة، ليس توجيه العراقيين للرد على اغتيال سليماني، وفي العراق فقط، ولا أن يقول إن مسألة خروج أميركا من المنطقة مسألة وقت، فهذا ما يقوله الأميركيون أنفسهم. ما يُنتظر ممن يقدم نفسه بأنه مقاوم هو الرد وليس الكلام، وهذا ما لن يفعله نصرالله إلا إذا كان الهدف لبنانيا أو عربيا، أما أميركا وإسرائيل فهذا ما لا يريده أصلا، طالما أن الهدف هو حماية القيادة في إيران.

المفارقة في خطاب نصرالله التبجيلي بسيرة سليماني اللبنانية، هي أن نصرالله لم يكن منصفا حين لم يذكر كيف حمى سليماني معادلة النفوذ الإيراني التي قامت على استراتيجية إضعاف الدولة وإلحاقها بنفوذ طهران، وإضعافها بكل أشكال انتهاك السيادة وبحماية منظومة الفساد، لكن ما لم يقله نصرالله وهو يشيد بفضائل سليماني على لبنان، أن يشير إلى جرائم كبرى تمت وعلى رأسها اغتيال رفيق الحريري وجريمة 7 أيار وغيرهما من الارتكابات، وأن يشير إلى دور ما لسليماني فيها. مقتضى الإنصاف أن يشير نصرالله إلى بعض خطايا سليماني لا أكثر، حتى لا يظن السامع البسيط، أن سليماني ليس إلا نبيا أو مقدسا وبالتالي فهو لا يخطئ ولا يُساءَل.

 

كاتب لبناني

 

 

إيران«فُقاعة» أميركية

«تفقع» في المنطقة!

علي الأمين *

ليس سرّاً أنّ التمدّد الذي حقّقته ايران وقوى الممانعة للسيطرة على اربعة عواصم عربية، جاء في سياق تناغم اميركي-ايراني في بعضها، ونتيجة غضّ نظر اميركي حيال هذا التمدد في البعض الآخر، اذ لم تشهد الجغرافيا الممتدة على طول ما سمي “الهلال الشيعي”، بالاضافة الى اليمن، اي مواجهة بين واشنطن وطهران منذ الدخول الاميركي الى افغانستان اثر احداث ١١ ايلول الشهيرة في اميركا عام ٢٠١١ وصولا الى نهاية ٢٠١٩. لقد كان التمدد الايراني يتناغم مع مقولة رئيسية راجت على لسان العديد من المسؤولين الاميركيين الذين اشرفوا على احداث انقلاب تاريخي في العراق، ان الارهاب الذي آذى اميركا هو الارهاب الذي مثلته “القاعدة ” بما هي امتداد ل”ثقافة اسلامية” مصدرها المدرسة السنّية او “الوهابية” على وجه التحديد. وهذا تطلب اعادة الاعتبار ل “المدرسة الشيعية” و للمدرسة الشيعية من خلال دعم استلامها السلطة، بتنسيق ايراني اميركي عشية احتلال العراق في العام ٢٠٠٣. حيث قال جون بريمر حاكم العراق آنذاك، ان “الاكثرية الشيعية طالما كانت مضطهدة في العراق تاريخيا، وكان علينا ان نصحح هذا الخلل”. إقرأ أيضاً: إيران.. «عنتريات» ومحاربة الأعداء بالوكالة! في اليمن لم تواجه القوات الاميركية التمدد الايراني في اليمن والذي كان ينشط ويتمدد منذ التسعينيات من القرن الماضي، من خلال بناء نفوذ ثقافي وتربوي وعسكري لاحقاً عبر الحوثيين أو ما سمي “انصار الله”، في الوقت الذي كانت الغارات الجوية الاميركية تطال عشرات المعسكرات التابعة لتنظيم القاعدة طيلة الفترة التي امتدت على سنوات العقد الأول من القرن العشرين، ولم تكن واشنطن لترى في النفوذ الايراني وتمدّده خطراً يجب مواجهته كما كان الحال مع تنظيم القاعدة. في الشأن السوري، ومنذ انطلاقة الثورة السورية عام ٢٠١١ كان دخول مقاتلي “حزب الله” وجنود قائد فيلق القدس قاسم سليماني سلساً، لناحية عدم وجود اي اعتراضى اميركي او اسرائيلي، فعشرات الاف المقاتلين تدفقوا من لبنان والعراق وايران وافغانستان وباكستان، دعما لنظام بشار الأسد، من دون ان يتعرض ايّ من هؤلاء لاستهداف اميركي واسرائيلي خلال قتالهم وقمعهم الثورة السورية على امتداد الجغرافيا السورية. وفي مرحلة لاحقة مع نشوء تنظيم داعش وتمدده في العراق وسوريا ضمن ما سمي دولة الخلافة الاسلامية في سوريا والعراق، كان مقاتلو سليماني والحشد الشعبي العراقي، يقاتلون بحماية الطائرات الاميركية، التي قلبت موازين المواجهة مع تنظيم داعش في العراق ثم في سوريا، وبتناغم واضح وجلّي مع قائد فيلق القدس آنذاك سليماني. اما في لبنان، فلم يكن الأمر شديد الاختلاف وان كان له خصوصية تتمثل في ان واشنطن كانت تأخذ دوما الحسابات الاسرائلية الاستراتيجية في أولى اهتماماتها في الشأن اللبناني، لذا كانت اسرائيل تقارب المسألة اللبنانية من زاوية استراتيجية تتمثل في ضمان الاستقرار على حدودها الشمالية، وظلّ “حزب الله” ودوره افضل الخيارات السيئة، طالما انه يضمن عدم وقوع الفوضى على هذه الحدود، باعتبار ان الخيارات الاخرى غير مضمونة في ظل دولة ضعيفة سعى “حزب الله” دوما الى حماية هذا الضعف وادامته، باعتباره مصدر وجود الدور والفاعلية والحضور لنفوذه ولايران بطبيعة الحال. الخلاصة ان المواجهة الاميركية الايرانية عسكرياً لم تقع على طول هذه المنطقة رغم الخطاب العدائي الذي شغل المنطقة بين الطرفين، فيما التناغم كان غالبا في الميدان بين الطرفين منذ العام ٢٠٠٣ في الحد الأدنى، ما جرى منذ الغى الرئيس الاميركي الاتفاق النووي مع ايران، كان ذلك ايذانا بأن الادارة الاميركية لن تسمح بان تنتقل ايران من دولة اقليمية مؤثرة ومقبول دورها من قبل واشنطن الى دولة نووية. المسألة النووية هي الاساس في المشكلة القائمة بين واشنطن وطهران، اكثر مما هو نفوذ اقليمي ظلّ ولا يزال منضبطا ومتناغما مع متطلبات واشنطن، ولكن ما فاقم المشكلة اخيراً ان ايران وامام مرحلة تقاسم النفوذ وترتيبه اقليمياً ودولياً، عمدت الى تقديم دورها في المتطقة باعتباره مقرر وليس وظيفة دولية اقليمية، وهذا ربما ما جعل صاحب القرار في ايران يتوهم أنه قادر ان يحمي نفوذه ويعززه عبر مقارعة المصالح الاميركية في المنطقة، وربما توهم ان الانتصارات التي حققها على الثوار السوريين او بعض الجماعات العراقية، تؤهله لمقارعة واشنطن وفرض شروطه، متناسيا ان جلّ نفوذه في المنطقة تم بمعزل عن مواجهتها مباشرة ان لم يكن بعونها ولحسابات اميركية في المنطقة.  كما سقط الدور الايراني الموهوم، في فخ السياسات الاسرائيلية التي عمدت الى تضخيم خطر ايران وميليشياتها، على وجودها لمزيد من تحصين دورها بل تمدده الاستراتيجي الذي كان وهم الخطر الايراني جسره باتجاه كل من كانت ايران تهدد وجودهم في العالم العربي. ربما تدرك القيادة الايرانية واذرعتها في المنطقة ومنها لبنان، انها وصلت الى خط النهاية، فالزخم الفعلي لهذه القوى الممانعة على امتداد “الهلال الشيعي”، ربما حقّق بعض الانتصارات في اماكن لم تكن واشنطن طرفا فيها، اليوم واشنطن هي الطرف المباشر من داخل ايران عبر العقوبات الى العراق الذي شهد قتلاً علنياً لقائد التمدد الايراني، وحتى الطائرة المدنية الاوكرانية، واشنطن من كشف ان سقوطها لم يكن نتيجة خطأ من قائدها. المواجهة لم تعد تحتمل انصاف الحلول من لبنان الى ايران، اما المواجهة التي ستؤدي الى ضربة قاتلة للمشروع الايراني او البحث في ما يمكن ان تقدمة واشنطن من دور، لن تكون الميليشيا والسلاح غير الشرعي عنواناً من العناوين التي يمكن ان تستمر في زمن ما بعد سليماني في المدى المتوسط او القصير

·         (نداء الوطن)  البيروتية



 

 

 

إغتيال سليماني

«يكسر ضلع» نصرالله!

علي الأمين

 

صادمة كانت قضية مقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني على محور "الممانعة"، وتحديداً "حزب الله" الذي يستمد "قوته" من إيران.. فهل كسر "إغتيال" سليماني ضلع الأمين العام لحزب الله حس نصرالله؟ تتكشف يوماً بعد يوم العلاقة التاريخية “الحميمية “الإستراتيجية” التي تربط “حزب الله” بالحرس الثوري الإيراني وتحديداُ بفيلق القدس الذي تولى قاسم سليماني مسؤوليته في العام 1998.  إقرأ أيضاً: الرد الإيراني يستعيد «الخط الأحمر» الأميركي! غير أن  ان علاقة سليماني بالحزب  سابقة على هذا التاريخ من خلال امينه العام السيد حسن نصرالله والقيادي الراحل عماد مغنية، ولعل العلاقة الوثيقة والعميقة مع هذين الرجلين هو ما جعل سليماني يضع في منزله صورة نصرالله وأثار خاصة لمغنية، كما ظهر في مقابلة جرت قبل سنوات مع سليماني وعرضتها محطة المنار قبل ثلاثة أيام.لذا كان اقتناع ابنة سليماني وثقتها بأن السيد نصرالله سيأخذ بثأر والدها، هو لمعرفتها بالعلاقة الوجدانية والعميقة بين والدها الراحل ونصرالله، ولادراكها ان نصرالله ربما هو الاجدر بهذا الثأر من أي مسؤول إيراني، بعدما حصرت هذه المهمة المرتجاة به. الثلاثي: نصرالله – سليماني – مغنية يشير بعض العارفين بالعلاقة بين الثلاثي نصرالله وسليماني ومغنية، ان سليماني كان الرجل الذي ساهم في حصر العلاقة بين حزب الله والقيادة الإيرانية به، ولا سيما بالولي الفقيه، بحيث انه لم يعد في لبنان ولا داخل حزب الله قنوات جدية خارج سليماني، والجدير ذكره في هذا السياق، ان مغنية الذي كان وراء وصول نصرالله الى الأمانة العامة في العام 1992، كان سليماني وراء تعزيز دور الأمانة العامة في حزب الله على حساب مجلس الشورى الذي كان يمثل فعليا القيادة لحزب الله، لكن تراجع دوره الى الحدّ الذي يكاد لا يذكر في أي من بيانات حزب الله ولا قراراته. سليماني الذي دفع نحو تعديل نظام الأمانة العامة في حزب الله الذي كان يمنع على شخص الامين العام تولي القيادة اكثر من ولايتين، وعمل على تسويقه لدى المرشد خامنئي. سليماني الذي دفع نحو تعديل نظام الأمانة العامة في حزب الله الذي كان يمنع على شخص الامين العام تولي القيادة اكثر من ولايتين، وعمل على تسويقه لدى المرشد خامنئي منذ ذلك الحين بدأ نفوذ نصرالله يتعزز داخل الحزب، الذي انتقل عمليا من قيادة الشورى التي كانت طاغية في حزب الله في زمن ولايتي الشيخ صبحي الطفيلي والسيد عباس الموسوي بين عامي 1985 و1992 الى قيادة الأمين العام الذي بات صاحب القرار الفعلي عمليا مع نقل العديد من الصلاحيات اليه عبر توسع مؤسسات الأمانة العامة وصلاحياتها المالية والتنفيذية. كسر ضلع نصرالله يعود الى سليماني الجزء الإيراني من هذه العملية، وهو في حزب الله الجزء الأهم على هذا الصعيد، انطلاقا من صلاحيات الولي الفقيه الذي له القرار الأول والأخير، وسليماني كان أفضل من يستطيع اقناع القائد بالتوجهات التنظيمية الجديدة. ومنذ ذلك الحين كان مسار العلاقة بين سليماني يتعزز ويترسخ، وزاد رسوخا بعد اغتيال مغنية في دمشق، ومن أثار هذا الاغتيال كان ان أحدا لم يستطع وراثة موقع مغنية لا في حزب الله ولا في قلب سليماني. حتى مصطفى بدرالدين الذي كان يحظى بشرعية التأسيس لحزب الله لم يستطع ان يكون احد اضلع المثلث الذي كانه مغنية ونصرالله وسليماني. غياب سليماني سيفرض نفسه بالضرورة على حزب الله، ذلك انه كما ان غياب مغنية لم يستطع ان يعوضه بدر الدين في حياته ، فغياب سليماني لن يجد له من يعوضه لما كان له من دور وتراكم خبرات في إدارة الملفات والتنسيق فيما بينها على امتداد الدول العربية، ولقربه من خامنئي ونفوذه الذي وصل الى مرحلة متقدمة وغير متوفرة لغير الولي الفقيه، هذا بحد ذاته كان يتيح لحزب الله ونصرالله تحديدا ان يكون له دور نافذ ليس في الإقليم فحسب بل حتى في ايران، واي شخصية مهما بلغت من خبرة وقوة لن تستطيع ان تملأ الفراغ الذي مثله سليماني. يعلم الكثيرون ان الميزة القتالية والأمنية هي درة تاج حزب الله، لكن الأخير سيجد نفسه محكوما بإعادة ترتيب الأولويات بعد غياب سليماني، والاولوية اللبنانية ستكون ملاذ حزب الله وسيفه المتبقي من هنا فان مرحلة جديدة ستفرض على حزب الله التأقلم معها، وهي بالضرورة مرحلة تتصل ببروز الأسئلة اللبنانية وتقدمها على حساب الامتدادات الإقليمية وتحدياتها، يعلم الكثيرون ان الميزة القتالية والأمنية هي درة تاج حزب الله، لكن الأخير سيجد نفسه محكوما بإعادة ترتيب الأولويات بعد غياب سليماني، والاولوية اللبنانية ستكون ملاذ حزب الله وسيفه المتبقي، لا يعني اليوم  تراجع استثنائي لحزب الله من ملفات الإقليم، لكن ذلك بدأ باغتيال سليماني الرمز لمرحلة بدأت بالانكفاء.

(جنوبية)

 

إيران وحزب الله

وأضعف الإيمان

علي الامين

 

تفادى الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله توجيه أي رسالة تهديد غير اعتيادية لـ”الشيطان الأكبر” كرد على عملية اغتيال قاسم سليماني. ففي الخطاب الذي ألقاه في احتفال أعدّ للمناسبة، بقي نصرالله ضمن الحدود التي اعتاد اعتمادها في خطابه قبل حدث الاغتيال الذي شهدته بغداد فجر الجمعة، وإذ كان أشار إلى تهديد مباشر للجيش الأميركي، فهو إلى كونه تهديدا تقليديا لمن يصفه بجيش عدو، أحال إلى القيادة الإيرانية عملية الرد على اغتيال سليماني.

وفيما تفادى توجيه أي تهديد يمكن أن يُسجّلَ في خانة الموقف المستجد له من الناحية الأمنية أو العسكرية تجاه أميركا أو إسرائيل، أعفى القيادة الإيرانية وعلى رأسها الولي الفقيه وقائد المحور الذي ينتسب له نصرالله، من أي مسؤولية تجاه أي عملية قد يقوم بها أحد أطراف المحور، مشيرا إلى أن إيران تركت لهم حرية تقدير الموقف دون أن تطلب أو تفرض عليهم القيام برد.

الخطاب الذي ألقاه نصرالله، رغم محاولات تحميله من مؤيديه أو بعض خصومه أبعادا إستراتيجية تجاه واشنطن، إلا أن واقع الحال يقول إن نصرالله الذي أجّل كلمة كان سُرِّب للإعلام من قبل حزبه بأنه سيلقيها يوم الجمعة، أي غداة اغتيال سليماني، إلى يومين أي الأحد الماضي، كشف أنه لم يكن لديه ما يقوله أو يفعله كرد يترقبه أنصاره على هذه العملية.

غير أن تفادي نصرالله القيام بأي رد أو خطوة عسكرية ضد ما اعتبره جريمة أميركية، عُوّضَ عن ذلك بالقول إن حذاء سليماني أهم من رأس الرئيس الأميركي وكل المسؤولين الأميركيين، وبذلك أشبع إلى حدّ ما غريزة الانتقام ولو لفظيا. ما يمكن أن يُشار إليه بعد هدوء نصرالله تجاه الرد العسكري، أنه كان يدرك أن المواجهة التي اختارها الأميركيون هي في العراق، وشدد على ذلك في تفسير معنى المكان الذي جرى فيه الاغتيال، لذا كان يطالب الحكومة العراقية والبرلمان بالرد على الاغتيال بإعلان البراءة من الوجود الأميركي وهو ما سماه “أضعف الإيمان”.

العراق ساحة المواجهة التي تدرك إيران أنها أساس في الهلال الشيعي، وبالتالي تسعى إيران لاستثمار اغتيال سليماني بما يزيل الكوابيس التي أطلقتها الانتفاضة العراقية تجاه إيران، إذ أن شعار “إيران برا برا” هو الشعار الذي صدح به المنتفضون في مدن العراق ولاسيما ذات الرمزية الشيعية، ومشهد حرق القنصليات الإيرانية هو العنوان الذي وسم هذه الانتفاضة التي زعزعت النفوذ الإيراني وهددت وجوده. ما تريده إيران هو طي هذه الصفحة وإلغائها من الوجود، وهو أقصى ما تطمح إليه في تحقيقه وتريد لاغتيال سليماني أن يكون وسيلة لقلب المشهد من عراقيين يطالبون بإخراج إيران، إلى مشهد عراقيين يطالبون بإخراج القوات الأميركية.

الرد الإيراني على عملية الاغتيال، يندرج في سياق أن الرد الفعلي سيؤدي إلى حرب لا تريدها إيران، وعدم الرد هو هزيمة معنوية لن يتحملها النظام الإيراني، وبالتالي فإن الحسابات الإيرانية تنطوي على مخاطر لكونها تتصل بهيبة أميركا ومصالحها من جهة، وبحرص إيراني على الاستفادة من الانقسام الأميركي الداخلي وبرغبة إيران في استخدام الرد في منع وصول ترامب إلى الرئاسة مجددا من جهة ثانية.

فيما يشكل تمدد إيران ونفوذها حجر الرحى في الحسابات الإستراتيجية، وبالتالي فإن الرد يجب ألا يخل بهذا المسار الذي تحاول إيران من خلاله أن تفرض في معادلة الصراع القائمة في المنطقة مقولة أن لا وجود في المنطقة إلا لمشروعين، واحد أميركي إسرائيلي والثاني تقوده إيران، وعلى الجميع في المنطقة إما أن يكونوا مع مشروع إيران أو كما سماه مشروع الحرية والسيادة والاستقلال، أو مع المشروع الأميركي.

وهو في ذلك، كما إيران، يمهد لإنهاء مشهد الانتفاضة في العراق وفي لبنان، انطلاقا من أن المعركة الوجودية أمام الخطر الأميركي والإسرائيلي تتطلب إزاحة كل العناوين السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية جانبا، والاصطفاف لمواجهة الهيمنة الأميركية.

هذه حسابات طهران، يبقى أن الدول التي تشكل المحور الإيراني باتت في وضعية يصعب أن تستجيب لهذا المطلب وسط حال من التحلل السياسي والاقتصادي بات فيه الحديث عن وجود دولة سواء في لبنان أو العراق صعبا إلا إذا أضيف على توصيف دولة كلمة معبرة، لتصبح دولة فاشلة.

كاتب لبناني

 

 

تكليف حسان دياب والتفاف

حزب الله على مطلب التغيير

علي الامين

 

لم يستقبل الشارع اللبناني الرئيس المكلف للحكومة المزمعة بالترحاب، فعلى الرغم من الانطباع الأوّلي الذي خلقه هذا الاختيار، بأنه رجل أكاديمي وأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت، إلا أن تسميته واستحضاره من قبل مثلث السلطة الفعلي في لبنان، حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر، فتح شهية المواطنين ولاسيما المنتفضين في الشارع، على رفع صوت الاعتراض ضده، ورفضا لاختياره رئيسا للحكومة.

عرف اللبنانيون حسان دياب في العام 2011 حين اختاره الرئيس نجيب ميقاتي وزيرا للتربية والتعليم العالي، في الحكومة التي سميت حكومة الانقلاب على الأكثرية النيابية التي كان سعد الحريري مرشحها، كما أُطلقَ على هذه الحكومة حكومة القمصان السود، إشارة لاستعراض حزب الله عناصره الحزبية بقمصان سود في بيروت، في سياق الضغط على كتلة وليد جنبلاط النيابية من أجل تغيير موقفها والانخراط في تأييد حكومة ميقاتي. في الخلاصة كان دياب ابن بيروت والأستاذ الجامعي في مؤسسة أميركية وزيرا في حكومة حزب الله، التي كان من أولى مهماتها تغطية انخراط الحزب لضرب الثورة السورية انطلاقا من الأراضي اللبنانية.

لا يحظى دياب بسيرة سياسية يعتدّ بها، ولا حتى بميزة أكاديمية تتجاوز شهادته العليا في هندسة الاتصالات، كما أن الرجل حين كان وزيرا للتربية، كما ينقل عاملون في قطاع التربية والتعليم العالي، قد ذهب بعيدا في الانسحاق أمام الثنائية الشيعية، حيث كان الوزير الفعلي آنذاك في الوزارة هو مندوب أوفده الرئيس نبيه بري (حسين شكرون) ليكون صاحب القرار الفعلي، بحيث أن انسحاق دياب أمام سطوة بري وشريكه حزب الله أدى به إلى تمرير مرسوم يتمثل في التعاقد مع أكثر من سبعة آلاف مدرس في العام 2013، معظمهم من محازبي حركة أمل وحزب الله، من دون أن يكون هناك حاجة لمدرسين. فمن المعروف في لبنان أن لكل ثمانية طلاب مدرس في المدارس الرسمية، وهذا المرسوم كان من أبرز ما أنجزه دياب والذي يندرج في سياق الفساد.

هذا الضعف أمام سلطة الممانعة وحزب الله، هو ما يجعل صفة عدم الوفاء مبررة، ذلك أن دياب الذي اختاره الرئيس ميقاتي لوزارة التربية، كان ميقاتي نفسه ضحية من ضحاياه عندما طرد مندوبا له في وزارة التربية، ومنذ ذلك الحين نشأت قطيعة بين الرجلين، وصلت إلى حد رفض ميقاتي لقاءه أثناء الاستشارات.

هذا غيض من فيض من سيرة الرئيس المكلف حسان دياب، وهو يساعد على فهم معنى اختيار هذه الشخصية لهذا الموقع من قبل الممانعة وقائدها حزب الله، إذ أن أولى نتائج اختياره تنازل حزب الله عن مطلب حكومة تكنوسياسية التي كانت سبب الخلاف مع الرئيس سعد الحريري الذي كان اشترط لترؤس الحكومة أن تكون حكومة مختصين. ورغم أن هذا النقاش حول طبيعة الحكومة المقبلة امتد طيلة أكثر من 50 يوما، إلا أن هذا الشرط اختفى فجأة وخرج الرئيس المكلف ليعلن بثقة أنه سيشكل حكومة من دون محازبين بل متخصصين ومستقلين، ودون أن يظهر أيّ اعتراض من قبل قوى السلطة التي سمّته، علما أن من رفضوا تسميته لاسيما القوات اللبنانية وتيار المستقبل وكتلة اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط، أعلنوا عدم مشاركتهم في الحكومة.

ما يعني أن الحكومة التي سيشكلها الرئيس دياب، تحظى برضا من يوفر له الدعم، فهو لم يأت على حصان الانتفاضة، ولا من قاعدة شعبية مؤيدة، بل بدعم الثلاثي نصرالله وعون وبري، وبالتأكيد ضمن تفاهم مسبق لا يمكن لحزب الله أن يتهاون بشأنه.

ليس خافيا أن المجتمع الدولي ولاسيما واشنطن التي كان مساعد وزير خارجيتها ديفيد هيل وصل إلى بيروت في زيارة مقررة غداة تكليف دياب، قد شدد على ثوابت أساسية أولها أن لبنان محل اهتمام واشنطن وهي مستمرة في دعمه، وثانيا أن مسار تأليف الحكومة وتسمية رئيسها شأن لبناني، وأكد هيل أن واشنطن ستراقب مسار الأمور.

المهم في زيارة هيل ليس ما قاله، بل في ما لم ينبس حكام لبنان به، وهو عدم توجيه أيّ اعتراض على سياسة واشنطن تجاه لبنان، خاصة تلك العقوبات على حزب الله والمتعاونين معه، وحرصت أوساط الممانعة على الترويج أن اتفاقا تم مع واشنطن عبر سلطنة عمان تم من خلاله الاتفاق على تسمية دياب.

هذا كله يأتي في سياق الترويج الإعلامي ومحاولة تبرير التراجعات التي أدّت إلى خروج مفترض لحزب الله من الحكومة كما الوزير جبران باسيل، بعدما كان حزب الله يعتبر أن حكومة تكنوقراط لا يمكن أن تمر في لبنان.

وحسب المعلومات المتداولة فإن محاولات حزب الله التماهي مع المتطلبات الدولية على هذا الصعيد، تأتي في سياق محاولة تفادي المزيد من الخسائر، في بلد تستطيع واشنطن بمجرد إجراء إداري ومالي بسيط أن تدفعه نحو الانهيار المالي والاقتصادي، وبالتالي فإن إظهار حسن النية ومحاولة التقرب من شروط المجتمع الدولي في تشكيل حكومة منسجمة، هو توجه يسعى الحزب من خلاله إلى تشكيل حكومة سينظر اللبنانيون والمجتمع الدولي إلى حقيقة استقلاليتها، لتتقرّر على إثرها خطوات تصعيد أو تهدئة تجاهها.

على أن الانتفاضة في لبنان تبدو غير معنية بما يخيطه أطراف السلطة لحكومة يقدّرون سلفا أنها ستأتي على صورة السلطة القائمة وإن كانت مُقنّعة باختصاصيين، لذا استمرت مظاهر الاحتجاج والاعتراض من دون توقف.

لكن ما برز بعد تسمية دياب هو اعتراض أخذ بعدا مذهبيا، حيث ظهرت في العديد من المناطق ذات الغالبية السنية، حالات احتجاج عبّرت عن رسالة باتجاهين؛ واحدة تجاه الانتفاضة فيها نوع من الخيبة لعدم إصرار المنتفضين على إسقاط كل الرؤساء وليس الحريري فقط، ورسالة ثانية تجاه أطراف السلطة مفادها أن اختيار دياب هو استهانة واستفزاز للسنة ولا يمكن القبول به.

في الخلاصة، اختيار دياب لرئاسة الحكومة وإن كان يعبّر عن تراجع للسلطة عن ثوابت الحكومة السياسية، فإنه اختيار لا يبدو أنه سيلقى ترحيبا دوليا، حيث كان الصدى الأول لاختياره لرئاسة الحكومة، في الصحافة الغربية هو أنه مرشح حزب الله.

وهذا مؤشر على أن لبنان يتجه نحو مسار انحداري بات يصعّب التعامل معه من خارج معادلة السيطرة الإيرانية، ورغم محاولة تخفّي حزب الله خلف الستار، إلا أن حقيقة نفوذه وسيطرته لا يمكن إخفاؤها على مفاصل الدولة، وهذا ما سيعيق عملية الخروج من الأزمة طالما أن إيران لن تسلّم بالتراجع في لبنان.

فصل جديد من المواجهة هذه المرة عنوانه استجلاب الرضا الدولي على سيطرة حزب الله من خلال حكومة مختصين. هذا رهان حزب الله وحليفيه في رئاسة الجمهورية والبرلمان، لكن الوقائع تقول منذ 17 أكتوبر الماضي إن التغيير لا مفرّ منه، أي التغيير الفعلي لا الشكلي وهذا ما لا يستطيعه حزب الله ولا تريده إيران الآن.

كاتب لبناني

 

 

رسائل دولية

يحملها هيل إلى بيروت

 

علي الامين

 

المشهد اللبناني ينذر بالمزيد من التداعيات السياسية والاقتصادية والنقدية وسط إصرار أقطاب السلطة على إنتاج حكومة على قواعد المحاصصة، فيما يستمر الشارع في إظهار إصراره على تغيير جوهري في بنية السلطة، على أن يبدأ التغيير بحكومة تضم مستقلين من خبراء واختصاصيين، وينتهي بالدعوة لانتخابات نيابية مبكرة.

مساء الأحد حتى فجر الاثنين، موعد الاستشارات النيابية، كان وسط بيروت ساحة مواجهة شرسة بين المحتجين والقوى الأمنية، لكن هذه المرة كان لشرطة مجلس النواب دخول في مواجهة عكست محاولة لاستدراج العنف، لاسيما أن ذلك ترافق مع دخول مناصري حركة أمل وحزب الله، بشعار “شيعة شيعة” إلى ساحة الشهداء في وسط بيروت، بطريقة لا يفهم منها إلا استدراج المواجهات من مواطنين يواجهون السلطة إلى مواجهة تستدرج المواجهة المذهبية.

ليس خافيا على معظم المتظاهرين من أبناء انتفاضة 17 أكتوبر، أن هذه الوسيلة المتبقية للسلطة لإعادة الصراع السياسي إلى ما قبل هذه الانتفاضة، فلعبة العصبيات المذهبية المهينة باتت مكشوفة ولم يعد من السهل استدراجهم إليها بسهولة.

يبقى أن الاستشارات النيابية الملزمة لاختيار رئيس الحكومة، قد خلصت لاختيار الرئيس سعد الحريري، وهو اختيار لا يحظى برضا الشارع، ولا يحظى بقبول التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية الذي أُجبرَ على تقبل هذا الاختيار استجابة لنصيحة من حزب الله كما تشير المعلومات، باعتبار أن الحزب يدرك حجم الأزمة التي تواجهه، وتفرض عليه عدم الذهاب نحو خيارات أحادية تزيد من عزلته الخارجية عزلة داخلية وخصومات يحاول تفاديها اليوم، وهذا ما عبر عنه أمينه العام حسن نصرالله، حين أشار إلى أن حزب الله لا يريد حكومة أكثرية رغم امتلاكه وحلفائه الأكثرية النيابية التي تتيح له تشكيل حكومة موالية له.

الاصطفافات السياسية وتجاوز مسألة تكليف رئيس الحكومة من خلال الاستشارات التي جرت الاثنين، لا تعني أن اتفاقا قد تم إنجازه على الصعيد الحكومي، فعملية تأليف الحكومة لم تزل عرضة لتنازع بين وجهتي نظر. الأولى تشكيل حكومة من الخبراء والاختصاصيين يمثلون قوى السلطة وهذه يتبناها الحريري. ووجهة نظر ثانية يتبناها الشارع، هي تشكيل حكومة من خبراء مستقلين عن السلطة، رغم أن موقف حزب الله وموقف التيار الوطني الحر لا يزالان غامضين في ما يحملانه من مواقف تبقى رهن حسابات سياسية تقررها المواقف الخارجية، ولاسيما حزب الله الذي بات شديد السعي لإنجاز اتفاق يحظى بضمانات خارجية لا تجعله عرضة للمزيد من العقوبات والحصار.

هذا الغموض وعملية شد الحبال، لاسيما على صعيد السلطة، تربطهما مصادر مطلعة بالزيارة التي سيقوم بها مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد هيل الأربعاء إلى بيروت.

من المعروف أن ديفيد هيل صاحب علاقات وثيقة مع العديد من اللبنانيين، حين كان سفيرا في بيروت وقبل ذلك دبلوماسيا فيها، وفي السنوات الأخيرة معنيا بترسيم الحدود البرية والبحرية مع لبنان، قبل تولي الدبلوماسي الأميركي ديفيد شينكر هذه المهمة منذ أشهر.

باختصار يُنظر إلى هيل باعتباره الدبلوماسي الهادئ بخلاف شينكر المشاكس كما يوصفان من قبل أوساط السلطة في لبنان، وهذا ما يجعل من مهمة هيل ذات أهمية أولا لكونه متقدما على شينكر في الرتبة الدبلوماسية في الخارجية الأميركية، وثانيا لأنه يحمل رسالة دولية تنطوي على مطالب من الحكومة اللبنانية كشرط لمساعدة لبنان للخروج من الأزمة التي يعانيها.

بحسب أوساط متابعة في بيروت، وعلى صلة بدوائر أميركية، فإن الموقف الأميركي لن يكون متهاونا بشأن رفض مشاركة حزب الله في الحكومة، وكانت قيادات عدة في حزب الله قد أكدت أن حزب الله تلقى رسائل خارجية (يرجح أنها فرنسية) ونفت أن يكون هناك ربط بين تقديم المساعدات الخارجية للبنان وعدم مشاركة حزب الله في الحكومة.

غير أن الأوساط المتابعة نفسها تلفت إلى أن هيل استبق زيارته بإدراج ثلاثة لبنانيين على لائحة العقوبات الأميركية بتهمة التعاون مع حزب الله، من بينهم رجل الأعمال طوني صعب، قيل إنه قريب من الوزير جبران باسيل. وتضيف الأوساط أن في ذلك رسالة إلى باسيل والتيار الوطني الحر، بأن سيف العقوبات بات قريبا منهما، ولكن الأخطر حسب هذه الأوساط هو ما سينقله ديفيد هيل إلى الرئيس نبيه بري، حيث تصف الاجتماع المرتقب بينهما بأنه أهم ما في زيارة هيل، وتعلل هذه الأهمية بأن واشنطن ستسلم بري سلة الشروط الأميركية التي تتصل بحزب الله، ومرتبطة بتلويح أميركي بعقوبات ستطال رجال أعمال مقربين من الرئيس بري. وتجدر الإشارة إلى أن العقوبات الأميركية لم تطل مقربين من بري رغم العلاقة التحالفية بينه وبين حزب الله، وما يحمله هيل هذه المرة هو تحذير قد يؤدي إلى العقوبات على مقربين من بري.

خلاصة المشهد مهما كانت نتيجة الاستشارات لتسمية رئيس الحكومة، أن ما تنتظره أطراف السلطة ولاسيما حزب الله هو ما سيحمله هيل إلى بيروت، والذي لن يكون محملا سوى بسلة شروط لن ترضي حزب الله الذي لن يقبل أن تكون في لبنان سلطة تفوق سلطته، سواء كانت لبنانية أو دولية.

 

كاتب لبناني

 

 

اللبنانيون أمام فرصة

وطنية ودولية:

حان وقت التغيير

 

علي الامين

بعد مرور خمسين يوما على انتفاضة 17 أكتوبر، أطلقت بعض مجموعات الحراك الشعبي في لبنان مبادرة “المقاومة السلمية”. وتضمّن البيان الأول دعوة لإطلاق دينامية التغيير عبر الانتقال من دائرة المطالب المعيشية والاقتصادية التي يرفعها الحراك الشعبي، إلى دائرة التغيير السياسي، وهي دعوة تحمل عنوان “حان وقت السياسة”، انطلاقا من أن رفض السلطة الاستجابة للمطالب المحقة للمحتجين، جعل من الواجب الذهاب نحو تغيير قواعد اللعبة السياسية، التي تتحصن بها السلطة اللبنانية.

إذ ليس خافيا أنه وبعد مرور أكثر من خمسين يوما على الانتفاضة، تتمسك السلطة بخيار إعادة إنتاج قواعد السلطة ذاتها، أي منع إحداث أي تغيير حقيقي في قواعد اللعبة السياسية المغلقة على نخبة سياسية وطائفية تعيد إنتاج نفسها منذ أكثر من ربع قرن، وهي التي أوصلت إدارتها للشأن العام ومؤسسات الدولة، إلى أزمة اقتصادية ومالية، وعاثت في الدولة فسادا لم يعد محتملا من قبل اللبنانيين، وأدى إلى عجز في تلبية الدولة لأدنى احتياجات الشعب، وهذا ما عبّرت عنه رسائل رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، إلى قادة الدول الغربية والعربية، حين استنجد بهم لمساعدة لبنان على تأمين اعتمادات مالية لتوفير متطلبات الأمن الغذائي للبنانيين. وهي أزمة كما بات معروفا ناشئة من تراجع السيولة المالية بالعملة الصعبة، التي أدت إلى فقدان المصرف المركزي القدرة على تلبية حاجة السوق إلى الدولار من أجل استيراد حاجات لبنان ومختلف البضائع من الخارج.

العجز المالي والنقدي والأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تستفحل، لم يدفعا السلطة إلى الاستجابة لمطلب رفعه المحتجون ولا يزالون لتشكيل حكومة إنقاذ من خارج النادي السياسي، أي من شخصيات نزيهة ومستقلة، هدفها وضع وتنفيذ خطة إنقاذ على أن تمهّد لانتخابات نيابية مبكرة بعد ستة أشهر.

لم يقنع السلطة حراك الشارع المستمر بلا توقف ضدها، ولم تفلح الاحتجاجات في دفع السلطة إلى تغيير في سياسة المحاصصة التي لا زالت تتحكم في عملية تأليف الحكومة الجديدة، علما أن أطرافها أنفسهم يحيلون الفساد المستشري وعملية نهب المال العام إلى سلطة المحاصصة هذه، ورغم هذا الإقرار فلا تغيير في مقاربتها لتشكيل الحكومة.

والخلاف الناشئ اليوم بين أطراف السلطة، يرتكز على وجهتي نظر غير متباعدتين، والفارق بينهما في الشكل لا في المضمون المشترك، أي إعادة إنتاج السلطة.

الأولى، يمثّلها حزب الله وحليفاه رئيسا الجمهورية ومجلس النواب، وتقوم على تشكيل حكومة تكنوسياسية، أي حكومة تضم سياسيين واختصاصيين، ويعيّنون من قبل أطراف السلطة نفسها.

والثانية، يمثّلها رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، الذي يدعو إلى تشكيل حكومة تكنوقراط، أي من الاختصاصيين ويسميهم أطراف السلطة أنفسهم.

انطلاقا من هاتين النظرتين، فالثابت أن التغيير المقترح من أطراف السلطة، هو في أفضل الأحوال بالنسبة إلى المحتجين، تغيير شكلي وغايته إعادة إنتاج الحكومات السابقة نفسها. وكان لمشهد اعتذار المرشح لرئاسة الحكومة سمير الخطيب عن الدخول في نادي المتنافسين إلى موقع الرئاسة، إشارة إلى أن السلطة لا تريد المغامرة بالتفريط بالرئيس سعد الحريري، لإدراكها، ولاسيما قلب هذه السلطة ورأسها حزب الله، أن التفريط بسعد الحريري سيجعل الحزب أكثر انكشافا أمام الشارع وأمام المجتمع الدولي، لاسيما وأن تجربة حزب الله مع الحريري منذ التسوية الرئاسية أظهرت، على ما يبدو، أن لا بديل له عن الحريري في رئاسة الحكومة، إلى جانب أن الأخير يبدو الأكثر قدرة على التعامل مع المجتمع الدولي بما يخدم إلى “حدّ مقبول” مصالح حزب الله.

انطلاقا من ذلك فإن الاستشارات المرتقبة التي تأجلت أسبوعا، أي إلى الاثنين المقبل، تتجه لتسمية الحريري، وهذا ما رفضه المنتفضون وعبّروا عنه برفضهم تسمية الخطيب أيضا، والتمسك بمطلب حكومة مستقلين.

في الموقف الدولي لا يبدو أن لبنان، الذي سيكون، الأربعاء، على طاولة المجموعة الدولية لبحث سبل دعمه، في موقع قوي خاصة وأنه لا توجد مؤشرات تدل على أن ثمة خطوات من قبل السلطة اللبنانية، توحي بالثقة. فالثقة الداخلية باتت شرطا دوليا لدعم لبنان، رغم ما يبثّه مسؤولون في حزب الله، من أن “دعم لبنان اقتصاديا وماليا مشروط بتشكيل حكومة جديدة من دون التدخل في مواصفاتها”، فيما تشير المعلومات إلى أن دولا عديدة شاركت في مؤتمر سيدر لدعم لبنان، لن تُقْدم على تقديم العون للبنان طالما بقي لبنان أسير معادلة السلطة القائمة والتي عجزت، وما زالت تعجز، عن استعادة سيادة الدولة من جهة، ولا توحي بالثقة لجهة إدارة عملية الإنقاذ من جهة ثانية.

وإن كان هذا الموقف مزعجا للسلطة القائمة، فإنه يلبي مطلب المحتجين الذين أعلنوا بوضوح أنهم لا يثقون بهذه السلطة للخروج من الأزمة الخانقة.

لذا فإن فرصة التغيير السياسي في لبنان، تتخذ هذه المرة أبعادا جدية، من حيث توفّر العناصر الموضوعية لإحداثه. والعنصر الحيوي يتمثل في توحّد اللبنانيين على أن مطلب التغيير يقوم على أساس وطني، من دون توسل أي عنوان طائفي أو حزبي أو جهوي، ولكن هذا ما يفرض تحديا أمام المنتفضين مفاده أن عملية التغيير الفعلي تتطلب تغييرا لقواعد اللعبة السياسية، أي تقويض نظام المحاصصة بتأمين خيارات بديلة تكون نتاج تفاعل حقيقي بين مكونات الحراك الشعبي، مستفيدين من مناخ دولي يدفع باتجاه قيام سلطة تتسم بثقة الشعب، وبالقدرة على إدارة عملية إنقاذ لبنان بأكبر قدر من الشفافية والإنتاجية.

حان وقت السياسة، وهو تحد يفرض نفسه بقوة على مجموعات الحراك الذي بات، أمام واقع إدارة السلطة ظهرها له، مجبرا على الانتقال إلى مرحلة جديدة من المواجهة، تستفيد من زخم الشارع وحيويته وضغط الأزمات من جهة، ومن الرغبة الدولية في مساعدة لبنان لاستعادة موقعه كدولة تتسم بشروط طبيعية وموضوعية من جهة أخرى، كبديل عن الانهيار الذي تدفع به سياسات الدولة الحالية، والذي شكّل خطرا ليس على لبنان فحسب بل حتى على سواه من الدول.

 

كاتب لبناني

 

 

حزب الله يستجدي الخارج

لحماية سلطة الفساد

علي الامين

 

بعد شهر ونصف على انطلاقة الانتفاضة اللبنانية، تبدو السلطة المستحكمة في لبنان أمام خيار وحيد لإعادة إنتاج السلطة نفسها، هذا الخيار هو الخارج بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، أي القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، وليس الشعب اللبناني الذي يمارس فعل فضح السلطة، وتعريتها من خلال إصراره على مطالب الانتفاضة الواضحة والمُعلنة، تشكيل حكومة إنقاذية من المستقلين تمهّد لانتخابات نيابية مبكّرة.

السلطة هنا هي تلك التي تتركّز اليوم في المثلث الذي يقف على رأسه الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، ويمسك بزاويتيه رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه برّي.

لا يعني تغييب رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري عن هذه السلطة، نفيا لوجوده في السلطة أو تبرئة له منها، إنما للإشارة إلى أنه، كما الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والمسيحي سمير جعجع، خارج التقرير في هذه السلطة التي تتركّز في المثلث أعلاه إن لم يكن في رأسه نصرالله وحده.

قوة الانتفاضة تكمن في عوامل شتى، فإلى جانب لبنانيتها وامتدادها الديموغرافي والجغرافي غير المسبوق وطنيا، وحيويتها في ابتداع أشكال متجددة في المواجهة مع السلطة، فإن قوتها أنها تواجه سلطة مكللة بالفشل والفساد والعجز عن الاستجابة لمطالب الشعب، ليس في الإصلاح السياسي والديمقراطي، بل في أدنى من ذلك بكثير أي في مواجهة الأزمة المالية أو الاقتصادية وحتى المعيشية، فنظام المحاصصة أو بتعريف أدق نظام الفساد، هو أساس قوة السلطة وأطرافها، ومصدر القوة هذا هو ما أوصل الدولة اللبنانية إلى المأزق، وأي مواجهة جدية لهذا المأزق تتطلب تفكيك مصادر الفساد ومكافحتها، أي تفكيك منظومة السلطة، وتغيير قواعد اللعبة السياسية، بما يتيح إمكانية خروج لبنان من الأزمة التي يعاني منها على مختلف المستويات.

للمفارقة، أن حزب الله طالما كان يقاتل خصومه في عملية سيطرته على السلطة، باعتبارهم أدوات للخارج، رغم أنه هو نفسه الذراع الإيرانية التي لا لُبْس في ولائها لمن سماه نصرالله “حسين العصر” أي المرشد علي خامنئي، إلا أن المستجد اليوم أن حزب الله الذي يبحث عن منقذ خارجي، يتفادى عملية الإصلاح ووقف الفساد والهدر في الدولة ويستجدي عونا خارجيا، لأنه يدرك أن وقف الفساد والهدر هو نهاية سلطته التي ترتكز على معادلة واضحة قوامها الولاء لحزب الله مقابل إطلاق يد الفساد لمواليه من الحلفاء والشركاء وحمايتهم.

في ردّه على موقف الرئيس سعد الحريري الذي يشترط لأن يكون رئيس حكومة أن لا تضم في مكوّناتها شخصيات سياسية، قال رئيس المجلس السياسي في حزب الله إبراهيم أمين السيد في موقف لافت، إن “واشنطن لا تمانع أن يكون حزب الله مشاركا في الحكومة” في سياق ما يعتبره اتهاما للحريري بأنه هو من يرفض وجود سياسيين. وإن دلّ على شيء فإن هذا الموقف يشير إلى أن الحريري صادق في استجابته لمطلب المحتجين، سواء في استقالته من الحكومة أو في اشتراطه تشكيل حكومة من التكنوقراط. رغم أن الانتفاضة تتمسك بمطلب حكومة من المستقلين ولا تستثني الحريري نفسه من رئاستها أو المشاركة بها.

حزب الله يتمسك بالحريري كرئيس للحكومة المقبلة، لا احتراما لما يمثّله الحريري من تمثيل سياسي، بل لسببين؛ الأول أن حزب الله يعتبر شخص الحريري الأقدر بين الأطراف اللبنانية على مخاطبة الخارج وإقناعه بدعم لبنان ماليا واقتصاديا. والثاني أن تشكيل حكومة أحادية في الشكل والمضمون لا يلبس فيها حزب الله في داخلها قناع الحكومة المتعددة، سيجعله في موقع مباشر أمام اللبنانيين وأمام الخارج، وهذا ما لا يريد أن يفعله ولا يستطيع التنبؤ بتبعاته.

استجداء الخارج هو حقيقة موقف حزب الله اليوم، فهو لا يزال يراهن على أنّ أحدا ما سيأتي إلى لبنان محمّلا بهدايا الدعم المالي والاقتصادي، كما يأتي “بابا نويل” في عيد الميلاد محمّلا بالهدايا للأطفال. ولا يريد الإقرار بأن ثمّة انتفاضة لبنانية حقيقية لن ترضى بأقل من تغيير قواعد السلطة والحكم في لبنان، وأن اللبنانيين باتوا مقتنعين أن العودة إلى ما قبل 17 أكتوبر، لم تعد واردة. وأن الخارج ولاسيما واشنطن وباريس، التي أخذت على عاتقها تنظيم “مؤتمر سيدر” لدعم لبنان، ليس في وارد القبول بتسيير دعم مالي لسلطة فقدت ثقة الشعب، لجهة نزاهتها وجدارتها في إنقاذ البلاد، وبالتالي فإن التغيير لا يمكن أن يكون شكليا كما يحاول حزب الله الإيحاء بقبوله بتغيير عنوانه أوبالإتيان بحكومة تكنو- سياسية، هي بالفعل إعادة إنتاج للحكومة الحالية، أي لنفس قواعد اللعبة السياسية التي قامت الانتفاضة من أجل إلغائها وتقويضها.

كل ذلك يعكس الإرباك الذي وصلت إليه السلطة، والعجز عن مواكبة التغيير الذي عبّرت عنه الانتفاضة في الإصرار الشعبي على الخروج من دوامة الأزمة التي تمثّلها السلطة نفسها، وهو ما تُرجمَ في التباين الذي فرضه نظام المصالح بين حزب الله ورئيس الجمهورية. فالرئيس عون بات قلقا من أن إصرار حزب الله على ترئيس الحريري ينطوي على مخاطر إضعافه، لاسيما أن الأخير يتمسك باستبعاد صهر الرئيس ووريثه الوزير جبران باسيل، لذا بات المقرّبون منه يتحدثون بوضوح عن ضرورة تشكيل حكومة من دون الحريري، وما يزيد من هذا التباين أن رئيس الجمهورية وفريقه هما من أكثر الخاسرين، وحال الانتظار هذه تزيد من استنزافهما مسيحيا، وتظهرهما في موقع التابعين لحزب الله. في المقابل فإن حزب الله الذي يتمسك بعلاقته وبتحالفه مع رئيس الجمهورية، لما يوفرانه من غطاء مسيحي له ولو أنه تراجع وضعف، يدرك أن الرئيس وصهره لا يستطيعان أن يقدّما له أيّ خدمة خارجية بعدما استهلك كل طاقة الولاء لديهما، وباتا في المشهد اللبناني والدولي ملكيّين أكثر من الملك، لذا فإن من يريدهم حزب الله اليوم هم من يمكن أن يستمع لهم المجتمع الدولي.

ما تقدّم هو الإرباك، لأنه ينطلق من رهان لدى حزب الله أن المعادلات الخارجية والتفاهمات الإقليمية والدولية، كفيلة بأن تعيد الاستقرار للسلطة بين يديه، من دون وعي حقيقة باتت جلية أن لبنان دخل مرحلة جديدة على كل المستويات، وأن الرهان على الخارج لإنقاذه من أزماته لم يعد مجديا، بل إن التغيير أصبح قدرا وليس ترفا؛ التغيير في قواعد اللعبة التي يديرها حزب الله والانتقال إلى قواعد جديدة، يرتكزان بجوهرهما إلى أن دولة القانون والعدل هي الأساس وليست الدويلة.

كاتب لبناني (العرب) لندن

 

 

دولة القانون

 فوق كل الطوائف

علي الأمين

 

انتفاضة لبنان والعراق وآفاق الدولة المدنية

الدولة المدنية هي حلم قابل للتحقق ونافذة لاستعادة الكرامة الإنسانية

، وهي هزيمة حضارية فعلية للأيديولوجيا الإيرانية في أبرز قواعد نفوذها.

 

انعقد مؤتمر “المسيحيون العرب” (23 نوفمبر- باريس) في لحظة تحولات سياسية ودينية وحراك شعبي عربي يعم المنطقة تحت شعارات محقة للتحرر من أنظمة فاسدة وعابثة، تمعن في هتك حرية الفرد والدين والمعتقد.

النهوض العربي في بُعده الجوهري لا يمكن أن ينفصل عن الوجود المسيحي الراسخ والعميق في المنطقة العربية، باعتبار أن الهوية العربية، هوية مؤسِسة ليس في الفكر والثقافة والتاريخ والجغرافيا، بل فعل تكامل مع الهُويات الإنسانية والوطنية والدينية والمناطقية والعائلية في الدول العربية من مشرقها إلى مغربها. والديانة المسيحية التي خرجت إلى العالم وبشّرت برسالة السلام من هذه المنطقة، هي رسالة فعلت وتفاعلت ولا تزال في تشكل الهوية العربية التي تكتسب حضورها ومعناها من تشكل دائم ومستمر، ومؤتمر “المسيحيون العرب” هو مصدر من مصادر الحياة والنمو والحضور لهذه الهوية العربية.

ليس من اليسير مقاربة مسألة النكوص والتراجع في إدارة المجتمعات في الدول العربية، من دون التطرق إلى مسألة فشل مشروع الدولة كإطار لعقد اجتماعي بين السلطة والشعب، يقوم على أساس المواطنة، من دون تمييز بين أفراد المجتمع. ولا شك أن هذا الخلل يفتح في الكثير من الأحيان الباب للأطماع الخارجية سواء كانت غربية أو إقليمية. ومن دون أن نقلل من شأن عوامل سياسية واقتصادية منها دور الحروب الإقليمية والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ولأراض عربية، في تعميق المأزق الوطني وتصدع مشروع الدولة، والتي باتت تهدد العديد من المجتمعات العربية في وحدتها الوطنية. قصدت الإشارة إلى ما بات يعرف منذ عقود بـ”مسألة الأقليات” ولاسيما في المشرق العربي.

إن غياب دولة المواطنة أو اختلالها منذ عقود، كان سببا من أسباب ترسيخ الدكتاتوريات في المنطقة، وفي نشوء أنظمة مصالح تستقوي بالانتماءات العصبية وتعزز دورها ونفوذها الاجتماعي والسياسي وتزيد من تراجع وضعف دولة المواطنة، من جهة، ومسألة الأقليات في المنطقة العربية التي تفاقمت في ظل غياب المساواة بين المواطنين داخل الدولة الواحدة، من جهة ثانية. من دون أن نغيّب دور الأيديولوجيات الدينية التي قامت في مشروعها السياسي على شيطنة المختلف وعلى النقيض من دولة المواطنة.

تعدد الأديان الذي ميّز الفضاء العربي، يؤكد أن سمة التنوع في المجتمع أصيلة في الثقافة العربية والإسلامية، وهو حقيقة ناصعة في تاريخ مجتمعاتنا العربية والإسلامية، تؤكدها تفاصيل العيش المشترك وترسخها التطلعات الصادقة للحرية والاستقلال والارتقاء.

انعقد مؤتمر المسيحيين العرب وسط أصوات تضج بها أوطاننا، ولاسيما لبنان والعراق، أصوات حرة، تنشد الوطن والدولة، انتفاضة تعيد ترتيب أفكارنا وتخترق جدران الوهم والخوف، وهم السجن الطائفي والخوف الأقلّوي. وهي انتفاضة الذات على الذات قبل كل شيء. ما يشهده لبنان والعراق اليوم، هو انتفاضة الدولة في وجه الدويلة، وانتفاضة الهوية الوطنية ضد تضخم الهويات الطائفية وتشوهها. هي قبل ذلك وبعده فعل خلّاق لدولة المواطنة والمساواة بين المواطنين.

بهذا المعنى تقترح انتفاضة العراق كما انتفاضة لبنان، برنامج دولة القانون، وعصب الدولة إذا صحّت المقولة في مقابل عصب الطائفة أو المذهب. نحن مواطنون نحتكم كأفراد في علاقاتنا إلى عقد اجتماعي، يحكم العلاقة بين المواطنين والسلطة. في المشهد اللبناني اليوم نكتشف لبنانيتنا ونختبر قوتها في الميدان، ليست الانتفاضة في عمقها فعل انفصال عن الانتماءات والهويات الدينية، بل هي فعل انعتاق من سجن الخوف الطائفي، الذي لطالما كانت الأحزاب الطائفية والأيديولوجيات الدينية وزعاماتها، ولا تزال، تستثمر هذا الخوف وتعززه في سبيل تعميم السلطة العمياء وتهميش سلطة القانون.

لم ينج الشيعة في لبنان والعراق من سطوة الأقلّوية، وقد كانوا في العقود الأخيرة عرضة لعملية فصل ثقافي وعزل وفكري، ليس عن محيطهم الوطني أو العربي فحسب، بل عن تاريخهم الاجتماعي والسياسي والثقافي الوطني والعربي أيضا. وساهمت الأيديولوجيا التي بشرت بها إيران في خلق سياج أيديولوجي حول الشيعة، جرى مدّه نحو الأقليات المسيحية والإثنية في السنوات الأخيرة، باعتماد مصطلح أطلقه المرشد الإيراني علي خامنئي منذ أشهر وردده أمين عام حزب الله حسن نصرالله مرات عدة، هو مصطلح منطقة غرب آسيا، وهي محاولة لاجتزاء المنطقة العربية وإدخال إيران فيها، وهو في جوهره فعل تهميش للهوية العربية وتقويض النظام الإقليمي العربي، وابتداع فكرة مقابلة مفادها أن غرب آسيا هو مجموعة طوائف وإثنيات لا دول وطنية ولا عربية.

انتفاضتا لبنان العراق، هما في جوهرهما العميق ردّ على هذا الوهم الإيراني، بقدرته على تدجين المجتمعات بمقولة الأقليات، وهما تشكلان أيضا انتفاضة وعي وإدراك لنظام المصالح الوطنية، وهو بالضرورة وعي عميق للانتماء إلى الهوية العربية، ليس باعتبارها هوية صمّاء، بل هوية متفاعلة مع العصر ومع كل الإنجازات، التي حققتها البشرية على مستوى الحرية والديمقراطية واحترام تنوع المجتمعات.

في نموذجي العراق ولبنان، كمساحتي تنوع ديني وثقافي وإثني في فضاء عربي، عمل المشروع الإيراني على تعزيز النزعة الأقلّوية، كمدخل ووسيلة لتبرير نفوذها وسيطرتها. وكان من الطبيعي أن تتفاعل مع كل فعل أيديولوجي تحت مسمى الأصوليات الإسلامية ذات النزعة الإقصائية والمنظمات التي اتخذت منهج الإرهاب أو العنف الأعمى كما هو حال تنظيمات القاعدة وداعش وغيرها من المنظمات التي تضيق بالتنوع الديني والإثني.

لم يكن المشروع الإيراني بعيدا عن دعم وتعزيز ثقافة الإقصاء والعزلة في العراق ولبنان، بل اعتمد في نفوذه وتمدده على ترسيخ التصدع في المجتمعات العربية، من خلال ضرب وتهميش الأسس الفكرية والثقافية للدولة الوطنية والمدنية. كما اعتمد ترسيخ مفهوم الأقلّوية، ولاسيما لدى الشيعة، سياسيا وثقافيا وأيديولوجيا من أجل صناعة الخوف أو تعميقه سواء في العراق أو لبنان وغيرهما، لتبرير دور الحماية الخارجية من قبل دولة تقدم نفسها كدولة إقليمية شيعية.

لم تكتف إيران بتعزيز مفهوم الولاء الأيديولوجي، الذي يتوسل العصبية الدينية المذهبية في تلك الدول، بل ذهبت أبعد من ذلك حين انتقلت إلى استثمار النزعة الأقلّوية في البيئات المسيحية والأقليات الدينية، وقدمت نفسها كطرف يمكن الاعتماد عليه في سياق مواجهة الإرهاب وخطر الأكثرية الإسلامية السنية. ما يقوله جوهر انتفاضتي العراق ولبنان اليوم هو أن المشروع الذي يقوم على صناعة الخوف من الآخر في الدولة والوطن، لم يعد قابلا للاستمرار، وأن دولة المواطنة والمساواة هي المرتجى والملاذ والهدف، وأن النزعات الطائفية والمذهبية ليست إلا وسيلة لتحويل الإنسان إلى مجرد ضحية، فاقد لحقوقه الإنسانية كمواطن وكقيمة، لا يمكن أن يلغيها أي انتماء لهوية دينية أو طائفية أو إثنية.

انتفاضة العراقيين واللبنانيين هي من أجل المواطنية والدولة المدنية، وهي بالضرورة انتفاضة عربية في وجه النفوذ الخارجي وهو في البلدين نفوذ إيراني بالدرجة الأولى.

استعادة الهوية الوطنية وثقافة المواطنة والإعلاء من شأن الدولة المدنية، هو السمة الأبرز والمشتركة بين انتفاضة الشعبين، التي لا تعبر عن موقف حضاري متقدم وعن رقي في مقاربة مسألة الدولة ووحدة الشعب واحترام الإنسان فحسب، بل هي إعلان صارخ بأن التعامل مع الدول العربية باعتبارها مجتمعات منقسمة طائفيا أو دينيا وقبليا، هو تعامل مرفوض وقد انتهى.

هذا المعنى الحقيقي لانتفاضتي لبنان والعراق، وأن الدولة المدنية أصبحت هدفا حقيقيا، بعدما مزقت الأيديولوجيات الدينية والطائفية المجتمع وبددت ثرواته الوطنية وزادت من التبعية للخارج.

الدولة المدنية هي حلم قابل للتحقق ونافذة لاستعادة الكرامة الإنسانية، وهي هزيمة حضارية فعلية للأيديولوجيا الإيرانية في أبرز قواعد نفوذها، هزيمة بدأت اليوم، وستتمظهر معالمها السياسية حكما بعد حين في هذه المجتمعات، بل حتى على امتداد المدن الإيرانية، التي باتت تنشد الخلاص من الأيديولوجيا وتنشد دولة المواطنة أو الدولة المدنية كبديل عن الدولة الدينية.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

 

الانتفاضة بدأت بترويض

"تنين" حزب الله

 

علي الامين

 

الانتفاضة اللبنانية أو الثورة البيضاء، لمّا تزل في بداية الطريق، رغم أنها حققت في أقل من شهر سلسلة إنجازات لا يحلم اللبنانيون بتحقيقها في سنوات. نجحت الانتفاضة في فرض استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، وفي فرض تبني سلسلة إجراءات، التزمت السلطة بها، هي بعض ما رفعه الشعب اللبناني في الشارع من مطالب تتصل بإلغاء الضرائب التي كانت قد أدرجت في موازنة العام 2020.

 حققت الانتفاضة أيضا إقرارا من السلطة بالتورط في الفساد، وتم استدعاء بعض السياسيين للاستماع إليهم في هذا الشأن من قبل المدعي العام المالي، على الرغم مما يحيط بهذه الاستدعاءات من شكوك بخلفيتها، حيث اعتبرها البعض تنطوي على تصفية حسابات سياسية. لا يهم ما دام أن السلطة اضطرت إلى فتح الباب، الذي يدرك المنتفضون أن فتحه كفيل بجعل قضية المحاسبة للسياسيين مفتوحة وستجر لاحقا ملفات مالية مشبوهة، طالما كان التعتيم عليها هو الحقيقة التي تفرض نفسها في مثل هذه الملفات المتصلة بالفساد المالي والسياسي.

هذا غيض من فيض الانتفاضة اللبنانية المستمرة دون توقف، حتى تحقيق المطالب، التي لم تقتصر على استعادة الأموال المنهوبة، بل تجاوزتها إلى الدعوة لإجراء انتخابات نيابية مبكرة. على أن سلة المطالب التي يتنازعها ميل سلطوي لإدراج الانتفاضة في سياق مطلبي، ونزعة في هوية الانتفاضة تنحو لإحداث تغيير سياسي، غايته تغيير نظام المحاصصة وتقويضه، لصالح آلية حكم تحول دون تسييس القضاء وآلية فعلية للفصل بين السلطات، إضافة إلى اعادة الاعتبار للقطاعات الإنتاجية والحدّ من سياسة الاستدانة التي أغرقت البلاد في عجز كان من أسباب انفجار الانتفاضة.

لا يخفى على اللبنانيين وسواهم، أن حزب الله يشكل سند السلطة وحاميها والمدبر لسياساتها، منذ إبرام التسوية الرئاسية قبل ثلاث سنوات، ومخاوف انهيار هذه السلطة التي اهتزت مع الانتفاضة، أثار قلق حزب الله الذي بات منهمكا في إعادة ترميمها، رافضا أي محاولة لتغيير قواعد الحكم التي رسمها وحددها.

في المقابل ثمة انتفاضة غير مسبوقة على هذه السلطة، التي أجمع أطرافها قبل خصومها على أنها أوغلت في الفساد، وزادت مآسي الشعب وأضعفت الدولة. وقد فرض تحدي الشارع على حزب الله التعامل معه بوسائل مختلفة، محورها المراوغة للوصول إلى إعادة إنتاج السلطة عبر حكومة لا تخل بما يعتبره توازنات سياسية لا يمكن القفز فوقها مهما بلغ حجم الاحتجاجات في الشارع.

اشترط الرئيس سعد الحريري لإعادة تكليفه رئيسا للحكومة الجديدة، أن يكون أعضاؤها من التكنوقراط، فيما كان لحزب الله رأي آخر مفاده أن تكون حكومة سياسية مطعمة بالتكنوقراط، في وقت يصر فيه الشارع على أن أي حكومة جديدة يجب أن تكون من شخصيات مستقلة تحظى بثقة الشارع، وهو ما ليس واردا في حسابات حزب الله وسواه من شركائه.

لعبة عض الأصابع لم تزل قائمة في ظل ضغوط اقتصادية ومالية أدت إلى إرباك شعبي وسياسي، من افتقاد السيولة بالعملة الصعبة إلى بروز أزمات فقدان المواد الأساسية من الأسواق، وهو ما اعتبره بعض أطراف الانتفاضة، عملية ضغط على الشارع والمنتفضين من أجل القبول بأي حكومة جديدة ولو كانت لا تتوافق مع مطلب الانتفاضة. ويرى فريق آخر من المنتفضين أن تفجر الأزمات سيشكل رصيدا للانتفاضة في معركتها مع السلطة، وتقوم بالتالي عناصر ضغط إضافية من أجل الاستجابة لمطالب الشعب.

في هذا السياق أيضا، يعمد حزب الله، الذي يدير عملية الاتصالات بين أركان السلطة، إلى استغلال الوقت بانتظار ما يتوقعه من تراجع زخم الشارع، ليتسنى له العمل على إعادة إنتاج السلطة بطريقة تضمن له الاحتفاظ بقرار الحكومة السياسي من خلال شرط الموافقة على كل من يمكن أن يشارك في الحكومة المزمعة.

رهان حزب الله ينطلق من عدة اعتبارات، أولها، أنه حاول ترهيب المنتفضين من أجل فض الاحتجاجات. وعندما فشل، دفع الانتفاضة إلى التمترس خلف الاحتجاجات المطلبية إلى حد كبير وحال دون تبلور إطار سياسي معبر عن هذه الانتفاضة. وساهمت عمليات القمع المعنوي والاتهامات بتلقي المنتفضين أموالا من الخارج، في تعطيل تبلور خطاب يمهد لبرنامج سياسي، يجري القياس على أساسه في مواجهة السلطة، ذلك أن السلطة التي تحكم في لبنان، لا تريد للانتفاضة أن تتجاوز المطالب المعيشية والحقوقية، معولا على أن الوعود كفيلة بإطفائها، وكفيلة باستيعاب أي شخصية نزيهة ومستقيمة في حال شاركت في الحكومة، إذا كان دخولها الحكومة لا يستند إلى مشروع سياسي وبرنامج تغيير لمعادلة الحكم والسلطة في لبنان.

وقد تمكن حزب الله إلى حد ما، بالتحالف مع الرئيس نبيه بري، من منع الاختراق العميق للبيئة الشيعية من قبل الانتفاضة، التي هزت في البداية أركان الثنائية الشيعية، وتمكن نسبيا من إعادة تحصينها بالخوف وبالسطوة الأيديولوجية والأمنية داخل هذه البيئة.

وقد عزز ذلك إصراره على إعادة ترميم السلطة، مستندا إلى أن تشكيل الحكومة بما لا يوافق المنتفضين، هو الأولوية، التي يمكن له من خلالها إعادة تنظيم المواجهة مع الانتفاضة. ولكن ما لا يمكن توقعه، هو كيف ستكون ردة فعل الشارع الذي يصعب خداعه بتغيير شكلي؟ وهل ستلبي حكومة تكنوقراط يمسك حزب الله بقرارها السياسي، متطلبات التعاون الدولي على مستوى تقديم المساعدات للبنان؟

ثمة أسئلة عديدة تواجه سيناريو الالتفاف على مطالب الشارع، دون إحداث تغيير فعلي في السلطة وفي بنية الحكومة، لعل أبرزها هل أن اللبنانيين سيقبلون بالخديعة مجددا أم أن خيار التغيير سيفرض نفسه كبرنامج لا مفر منه للانتفاضة من أجل إحداث التغيير في السلطة؟ وترتبط الإجابة بصعوبة استعادة ثقة الشعب بالسلطة إذا لم يلمس أن تغييرا حقيقيا قد حصل، وهذا ما لا يحتمله حزب الله الذي استثمر طويلا في بناء سلطة مطواعة، في وقت لم يعد يملك فيه مرونة العودة إلى الوراء في زمن الحصار الأميركي، الذي يعاني منه.

 

كاتب لبناني

 

 

سلطة مربكة

أمام ثورة جيل صاعد

علي الامين

 

هل ما تقوم به أطراف السلطة في لبنان اليوم، هو عدم فهم أم رغبة في معاندة الواقع؟

هذا هو السؤال الذي لم تتضح الإجابة عليه بعد منذ انفجار الاحتجاجات في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. فالمشهد اللبناني الذي خرج على شكل انتفاضة أو ثورة منذ نحو عشرين يوما، أطلق جملة مؤشرات سياسية وثقافية واجتماعية، لم يسبق أن تمثلها مشهد احتجاجي أو مظهر سياسي، منذ نشأة لبنان قبل مئة عام إلى اليوم.

لعل السّمة المدنية والامتداد الجغرافي والتنوع الطائفي واللغة الواحدة والصرخة المشتركة، هي أبرز سمات الاحتجاجات المستمرة ضد السلطة السياسية بمختلف مكوناتها، بل الثورة على معادلة السلطة بما هي عنوان لتقاسم النفوذ والثروة الوطنية من قبل أطرافها، التي تعزز نفوذها على مسار تهميش الدولة وانتهاك الدستور والقانون، عبر الإعلاء من شأن الانتماء العصبي الطائفي أو المذهبي والحزبي الفئوي.

وهي ثورة قبل ذلك، بل إن جوهر الثورة اللبنانية اليوم، يكمن في الثورة على الذات، بمعنى أن اللبنانيين ثاروا على كل انتماء يعلو على الانتماء الوطني. كان مشهد الاحتجاجات في طول لبنان وعرضه، تعبيرا عن التقاط اللبنانيين على وجه العموم، حبل الخلاص المشترك والذي مثلته الهوية الوطنية أو تلك المواطنية التي استعادت معناها في تلك الجموع اللبنانية المليونية، التي أعادت الاعتبار لها.

رمت الاحتجاجات خلف ظهرانيها، كل العصبيات التي كانت مفاتيح استلحاقها السياسي، ومصدر نفوذ سلطة استبدت وأفسدت وأهانت عقول اللبنانيين واستهانت بهم. الثورة هنا في هذا الخروج من سجن العصبيات القاتلة إلى رحاب المواطنية، التي تعيد للإنسان مكانته وتفرض على السلطة شروطا جديدة، بل تعيد للعقد الاجتماعي مكانته الحقيقية وتوازنه بين السلطة والشعب.

بهذا المعنى تبدو السلطة في لبنان وفي أكثر التوصيفات رأفة بها أنها مربكة، هي لم تعتد على هذا النمط العابر للطوائف والانتماءات الحزبية، من الاحتجاج، ولم تألف تلك اللغة التي يطلقها المحتجون في وجهها، إذ طالما كانت الطائفية أداة السلطة في لجم الاحتجاجات أو إدارتها. أما اليوم فتلك الوسائل التقليدية تبدو غير مجدية لاستيعاب هذه الانتفاضة.

وفي تفسير آخر فإن السلطة لا تريد أن تنجر إلى مسرح الثورة، ولا إلى لغتها أو منهج التفكير الجديد الذي أطلقته في مقاربة الشأن السياسي والحقوقي. فالتسليم بهذه اللغة الجديدة هو نهايتها، باعتبار أن ذلك سيفكك نظام مصالح قوي وراسخ في بنية السلطة، نظام مصالح طائفي زبائني، كان أساس نفوذ أطراف السلطة ومصدر قوتهم.

تدرك السلطة أنها تنتحر فيما لو انحازت إلى لغة الثورة وهو ما لا يمكن أن تقدم عليه.

استقالة الحكومة اللبنانية، هو نتاج الثورة وتحقيق لمطلب أول رفعه المحتجون، ولكن هذه الاستقالة لم تثمر تهدئة الجموع المنتفضة في طول لبنان وعرضه، بل زادت من التمسك بمطلب ثان لديها، أي تشكيل حكومة مستقلة ومن خارج الطبقة السياسية الحاكمة، تمهد لانتخابات نيابية مبكرة، بعد إقرار قانون انتخابي عادل.

أطراف السلطة بدت مصرة على استدراج الجموع المحتجة إلى الملعب القديم الذي هجرته، أي الملعب الذي يدار بالعصبيات الطائفية. عمدت السلطة بكافة فروعها إلى محاولة استثارة نعرات مذهبية وطائفية من خلال تعظيم دور بعض أطراف السلطة في الثورة أو من خلال التحريض داخل البيئة الشيعية بأن هذه الثورة تستهدفهم وتستكمل المؤامرة الأميركية والصهيونية على الشيعة وعلى المقاومة.

كل تلك الأساليب إلى جانب العنف الميليشياوي، الذي مورس على المعتصمين في صور والنبطية وفي بيروت، بحجة أن المحتجين أهانوا رمزي الثنائية الشيعية حسن نصرالله ونبيه بري، لم تنفع أصحابها، بل زادت من الغضب. لم ينجر المحتجون إلى التحريض المتبادل، لإدراكهم أن السلطة لم يعد لديها ما تقوله، سوى أن المحتجين يشتمون هذا الزعيم أو ذاك.

المطلب شديد الوضوح، وهو تغيير السلطة بعدما أثبتت فشلها وباعتراف أركانها، والتسليم بنتائج الحقيقة المرة والقاتلة التي خلصت إليها السلطة، وبات اللبنانيون يعانون من خناجرها المعيشية والاقتصادية، ومن سموم الفساد الذي يهدد بموت كل ما تبقى من مظاهر الحياة اللبنانية.

كان قيام التيار الوطني الحر بخطوة التجمع الحزبي والشعبي في قصر الرئاسة في بعبدا دعما لرئيس الجمهورية، استمرارا لمحاولة التعامي عن التغيير الذي حققته الثورة في الوعي اللبناني الجمعي.

لم تكن الدعوة الحزبية لإظهار الحضور الشعبي للتيار الوطني الحر، وقبله رئيس الجمهورية، موفقة، بل كانت تعبيرا عن الإرباك لدى الرئيس وتياره، من خلال المعاندة السياسية للمشهد الثوري الجديد، ومحاولة القول إن ثمة ساحة مقابلة لساحات الثورة.

صحيح أن رئيس الجمهورية وصهره الوزير جبران باسيل، حاولا تفادي الاصطدام السياسي بحشود الثورة ومطالبها، إلا أنهما حاولا التنصل من كل موبقات الفساد ورميها على أطراف أخرى شريكة في الحكم، وهو أسلوب يعكس مجددا محاولة إهانة اللبنانيين، الذين يعرفون أن ذلك غير صحيح وهو جريمة أكبر من الفساد نفسه إن صحّ قول الرئيس وصهره، باعتبار أن الشاهد في السلطة على الفساد والساكت عن مواجهته، جريمته أكبر من المرتكب، لأنه سمح له بالارتكاب ولم يعترض عليه على رغم ما يمتلكه من صلاحيات، سواء من موقع رئاسة الجمهورية أو امتلاك التيار الوطني الحر ثلث وزراء الحكومة منفردا، وسيطرته على ثلثي الحكومة مع حلفائه.

لم تفهم السلطة أن الثورة حصلت في وعي اللبنانيين أولا، أو ربما لا تريد الاعتراف بذلك. في كلا الحالين، ثمة إصرار على البقاء في الملعب القديم، الذي يتيح لها، أي السلطة، استخدام وسائل أتقنت استخدامها في إدارة الشأن السياسي، رغم أن الثورة افتتحت ملعبا جديدا، ملعب بقواعد مختلفة وشروط جديدة.

هنا يكمن جوهر الصراع والمواجهة، الذي نقل لبنان من مرحلة اختصاره بمعادلة سياسية طائفية محدودة الخيارات، إلى مرحلة جديدة يفرض إيقاعها جيل جديد من الشباب بات خارج قضبان العصبيات إلى حد بعيد. جيل جديد يفجر مفاجآت كل يوم بقدرته على إحراج السلطة وإثبات عجزها عن مواكبة أسئلته الصادقة والبسيطة والجريئة عن العيش بصفة مواطن في وطن ودولة.

كاتب لبناني

 

 

الثورة اللبنانية تغير

قواعد الاشتباك مع الدولة

علي الامين

أظهر اللبنانيون قدرة غير مسبوقة على تجاوز الخطاب السياسي الذي طالما كانت السلطة تمسك من خلاله الشارع إلى حدّ كبير، ذلك أن معادلة السلطة قامت على خطاب طالما شكّل العصب الطائفي والمذهبي مصدر حضوره وفعاليته. وبدا انقسام السلطة اللبنانية عنوانا دفاعيا في مواجهة المحاسبة ومطالب المواطنين، لكن تحالف هذه السلطة بين أركانها كان هو الحقيقة الموضوعية، فإزاء أي خطر يهدد تركيبة السلطة المشكوّ منها ومن عدم جدارتها حتى من داخلها، ما تلبث أن تتحد حين الشعور بخطر تغيير في قواعدها وشروطها، وفي نظام المخاصصة المافيوي الذي يكاد يختصر دورها في لبنان.

منذ 17 أكتوبر الجاري، انقلبَ اللبنانيون على هذه المعادلة. لقد فرضت الانتفاضة اللبنانية إيقاعا جديدا غير مسبوق في الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية، لا لأنها أخرجت إلى الشارع أكثر من مليون مواطن في أقل التقديرات، ولا تزال حاضرة في الساحات اللبنانية فحسب، بل لكونها أربكت السلطة والطبقة السياسية على وجه العموم، بما حملته من تغيير جذري في اللغة والخطاب السياسيين، فالذين خرجوا هذه المرة ولا يزالون في الشارع، نبذوا اللغة الطائفية والمذهبية، وتحرروا من انتماءاتهم الحزبية والضيقة، وتحدثوا بلغة واحدة لم تألفها أركان السلطة، لذا ارتبكوا فسكت معظمهم، ومن نطق منهم بدا عاجزا عن قراءة ما يجري أو يكابر في التمنع عن فهم حقيقة ما جرى ويجري في المجتمع اللبناني.

الهوية الوطنية اللبنانية نبتت مجددا في اللغة والمشهد والخطاب في الشارع، وانكفأ خطاب الهويات الضيقة تماما. لغة واحدة واعدة ومتقدمة في الوعي أطلقتها ألسُن جيل مفاجئ في قوله من الشباب، بدا متقدما في خطابه وفهمه على العديد من النخب اللبنانية، وهو جيل يؤشر إلى قدرات لبنانية عالية للتفوق على الجدل الطائفي العقيم الذي أنهك لبنان، وأضعف الدولة وقوض الاقتصاد، بما وفّره من حماية استثنائية للفساد، لاسيما في عملية النهب المافيوي للدولة وللمال العام.

هذه الانتفاضة التي شهدها كل لبنان أربكت السلطة كما أسلفنا القول، لأنها أفقدت السلطة سلاحا فتاكا كانت تمتلكه قبل 17 أكتوبر، فها هو وزير الخارجية ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، على سبيل المثال لا الحصر، يفقد فرس الحقوق المسيحية الذي امتطاه، بعدما فقد صلاحيته وكبا أمام فرس الانتفاضة اللبنانية. ولم تعد كلمة الحقوق المسيحية تغري المسيحيين ولا تستنفر فيهم أيّ عصب، وباتت خلال أيام قليلة لغة بائدة أمام حقوق المواطن اللبناني، وأكثر من ذلك لقد خرج اللبنانيون من الملعب الذي رسم معادلته أركان السلطة، وانتقلوا إلى ملعب وطني لبناني تبدو السلطة فيه عاجزة عن استيعاب قواعده الجديدة، التي يجري رسمها بنبض جديد.

بهذا المعنى بدا حزب الله عاجزا، أو لا يريد فهم هذا التحوّل العميق في الوعي اللبناني الذي عبرت عنه الانتفاضة المستمرة، فمنذ أن بدأت هذه الانتفاضة أطلق أمينه العام السيد حسن نصرالله لاءاته؛ لا لإسقاط الحكومة ولا لإسقاط العهد، وتعامل مع ما يجري باعتباره رسالة إيجابية للسلطة، وأنّ على الناس أن يعودوا إلى بيوتهم.

ومع عدم استجابة الناس لتمنيات نصرالله، كان خطابه الثاني ينطوي على رسالة أكثر تشكيكا بـ”الحراك”، فهو وإن اعتبره حراكا عفويا وغير منظم من جهات داخلية أو خارجية، أشار إلى أن الحراك بات مشبوها بسبب ما اعتبره تدخلات خارجية تريد أن تحرِفه عن مساره، كما ألمح إلى الحرب الأهلية وحذر من الفوضى، من دون أن يُبدي أي استعداد لتحقيق مطلب إسقاط الحكومة، في سلطة يعلم الجميع أنه يتحكم بإدارتها إن لم يكن بالوصاية عليها. في وقت رسخ حزب الله رغم الإرباك الذي طاله حيال هذه الانتفاضة، سواء بالتشكيك بها أو باعتبارها مجرد حراك مطلبي، أو بإحالة المشهد إلى أنه مستثمر سياسيا، وكل هذه التوصيفات تخلص إلى أن ما يجري هو استهداف للمقاومة، لذا كان استحضار نصرالله لحركة السفارات التي أشار على طريقته التشكيكية بأنها تدير مساره وتوجهاته، وهو منحى يحرص حزب الله دوما من خلاله على إحالة كل تحدّ سياسي واجتماعي واقتصادي، إلى المؤامرة على المقاومة، أي أن العقلية الأمنية ستبقى هي المعيار المحدد لتعامله مع ما يجري اليوم، وهي العقلية التي تنذر بالمزيد من الأزمات التي ستكشف عقم هذا المنحى الأمني في تفسير التحولات المجتمعية.

ما قاله حسن نصرالله يعكس إخفاقا جديدا في إدارة الأزمة وحتى استشرافها، فهو من جهة عاد إلى عادته القديمة في التهديد والوعيد إذا لم تنصع الحكومة، التي يحميها وتحديدا رئيسها، إلى مراده. ومن جهة ثانية بالويل والثبور وعظائم الأمور على المحتجين، الذين “شيطنهم” أصلا، في حال لم يستعيدوا “رشدهم” ويعودون أدراجهم، وإلا وقعوا في “إثم الخيانة”. من يعش ير.

كاتب لبناني

 

 

الجلجلة الجنوبية

تُسقط الثنائية الشيعية

علي الامين

 

لم تندلع الثورة الجنوبية “الحمراء” المشهودة من عبث أو غوى أو ترف، إنها كظم لغيظ تاريخي من الثنائية الشيعية المستبدة، ولعل أشدها حركة أمل في بعض أوجهها المعيشية والاجتماعية. الجنوبيون المنتفضون على حكامهم يشتركون في الهم مع معظم اللبنانيين المنتشرين في ساحات الحرية، إلا أن لديهم “جلجلتهم الجنوبية” الشيعية التي يرزحون تحتها منذ أكثر من ثلاثين عاما.

يبدو أن حُسن طالع الجنوبيين، الذين لم يهضموا قبل نحو شهر “التزكية المقيتة” لنتائج الانتخابات النيابية الفرعية في مدينة صور، قَيَّضَ لهم أن يردوا صاع سرقة الديمقراطية منه صاعين. الانتخابات لم تجر لانسحاب المرشحتين الوحيدتين في مقابل مرشح الثنائية الشيعية، في معزل عن التفاصيل التي حالت دون إجراء الانتخابات، جل ما أراد أن “يزوره” طرفي الثنائية الشيعية أن أبناء صور هم موالون لهذه الثنائية، إلى درجة أن أحدا لا يترشح في مواجهة مرشحهما “المقاوم” إلى الانتخابات النيابية.

لعل هذه الانتخابات التي لم تجر، كانت ذروة من ذروات الإهانة المستمرة للناس. الإهانة في تقديمهم وهم يعانون من سلطة الاستئثار والفساد، على أنهم يوالونها ولا يختلفون معها، وملزمون ليس فقط بتقبّل الهزيمة الانتخابية، بل ملزمون بأن لا يترشح أحدهم في مواجهة مرشح هذه السلطة، حق الترشح ممنوع فما بالك بحق التنافس الانتخابي.

ليس صدفة أن يتوجه بعض المتظاهرين مع بدء الاحتجاجات الشعبية في بيروت إلى استراحة صور ومن ثم إحراقها، من دون أن تتضح صورة ما حصل. ليس صدفة، لأن في ما جرى ما يشكل رمزية ذات دلالة لا تخفى على أبناء صور والجنوب عموما، فهذه الاستراحة المملوكة للدولة اللبنانية، مستثمرة من قبل مستثمر، شائع منذ أكثر من عشرين عاما أنه واجهة لعقيلة الرئيس نبيه بري، على الرغم من بيان النفي من مكتب بري أنها لا تخص “حرمه”، وهو بحد ذاته إدانة جديدة لكون القاصي والداني يعرف هذه الحقيقة التاريخية، كما وقائع أخرى.

وهي بالتأكيد غيض من فيض ما يتداوله الجنوبيون عن حجم الثروة التي تجمعها “السيدة رندا” من خلال مقاسمة المستثمرين في الجنوب بنسب مالية تتجاوز النصف أو تقل عنه بقليل. هذه الحكايات بات يعرفها اللبنانيون وتحوّل جزء منها إلى نوع من النكات التي تتردد في كل مناطق الجنوب.

خرج المحتجون، كما العديد من المناطق اللبنانية، في مدينة صور قبل يومين، شباب وشابات اندفعوا كما لم يفعل أحد من قبل في زمن سيطرة الثنائية الشيعية، ذلك أن مطالبة السلطة بالحقوق كان من المحرمات، لاسيما إذا كان الوزراء ونواب صور كلهم ينتمون إلى حزبيْ الثنائية الشيعية. خرج الشباب وطالبوا بإسقاط الحكومة بل النظام الحاكم من رأسه إلى قاعدته، الذي كان مفاجئا لهم قبل غيرهم، لكنهم اخترقوا العوائق النفسية والمادية وكسروا حاجز الخوف، فبادر بعض مناصري حركة أمل باستباحتهم أمام أعين القوى الأمنية وبالرصاص الحي وجرى تشتيتهم، لكن هذه المرة كان الإصرار على البقاء أقوى من الانزواء والهروب.

في مدينة النبطية التي تجرأ المحتجون فيها على التعرض لمكتبي نائبي المدينة محمد رعد وهاني قبيسي وقبلهما منزل النائب ياسين جابر، كانوا بذلك يوجهون رسالة شديدة الوضوح بأنكم أنتم من يتحمل مسؤولية ما وصلت إليه الأحوال من بؤس، وما وصلت إليه الدولة من ترهل وتسيب في مؤسساتها.

ليس خافيا أن الثنائية الشيعية هي من تتحكم بالتمثيل النيابي والوزاري الشيعي منذ مدة من الزمن، ودائما باسم التكليف الشرعي كان يساق الناخبين إلى انتخاب مرشحي الثنائية، وإلى الالتفاف حول وزرائها ومسؤوليها والرضوخ إلى كل ما يطلبونه من الناس، لكن ذلك لم يعد على حاله اليوم. الاحتجاجات في البيئة الجنوبية والشيعية تحديدا، أظهرت أن هناك جرأة عبّر عنها المحتجون دون تهيب، وصوبوا على الثنائية الشيعية سهامهم، وطالبوا بحقهم بأن يكونوا مواطنين في دولة، لا مجرد أتباع منبوذين من سلطة الطائفة.

ما يريده المحتجون هو حقوقهم كمواطنين، أسوة ببقية المحتجين والمنتفضين في كل لبنان، حقهم في العمل والتعلم والصحة، وحقهم في الكرامة الإنسانية التي باتوا يفتقدونها بصمتهم عن الظلم الذي يحاصرهم، بالإهانة لهم كمواطنين لهم هذه الحقوق، والاستهانة بهم من خلال نهب الدولة ومقدراتها لحساب الأزلام والمقربين من هذه الثنائية

في خطابه، السبت الماضي، قال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله إن العهد هو بحمايته وكذلك الحكومة التي لن تسقط. لم يتعامل المحتجون الشيعة في البقاع والجنوب، بأن ما يقوله نصرالله هو بمثابة دعوة إلى السكون، بل كان الرد بمزيد من الحشود في صور وفي النبطية والتي زادت وتضاعفت بعد خطاب نصرلله عما كان عليه الحال قبل الخطاب.

لم يوجه المحتجون أي كلمة مسيئة لشخص السيد، بل ردوا على خطابه بالإصرار على إسقاط الحكومة، وهذا ما لا تستسيغه المعادلة السياسية والسلطوية المسيطرة، لكن ما قاله المحتجون وما يشددون عليه، ليس انتزاع السلطة من يد هذه الثنائية التي تحكمهم منذ العام 1992، بل حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية كمواطنين. هذه المطالب هي ما يجتمع عليه المحتجون، والذين وقفوا في وجه سلاح الميليشيا وسطوتها في صور والنبطية وغيرهما، بحيث بدا واضحا أن ما بعد 16 أكتوبر يختلف عما قبله، ثمة جدران تهاوت و”تابوهات” سقطت أمام حق الناس في الحياة بكرامة.

لم تعد قصة الإرهاب والخطر الإسرائيلي واستهداف الطائفة الشيعية أدوات قابلة لإسكات الشيعة وتحويلهم إلى طائفة. لقد قال المحتجون “نحن المواطنون اللبنانيون نختلف ونتنوع لكننا لبنانيون للوطن، له حق علينا ولنا حق عليه ولن نسمح لكم هذه المرة أن تنالوا منه”.

 

كاتب لبناني

 

 

الضجيج

 اللبناني حول سوريا

علي الامين

 

 “إنني ذاهب إلى سوريا”. قالها وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، في خطابه الذي ألقاه في ذكرى 13 أكتوبر 1990. يوم اقتحم الجيش السوري ما سمي آنذاك المنطقة الشرقية من بيروت، وأنهى سلطة العماد ميشال عون آنذاك، الذي لجأ إلى السفارة الفرنسية، وبدأت منذ ذلك الحين، مرحلة الوصاية السورية على لبنان حتى عام 2005.

اختار باسيل هذه المناسبة ليعلن موقفه، رغم أن مثل هذا القرار يتطلب موافقة مجلس الوزراء اللبناني، الذي يبدو أنه بات ناضجا لإعادة فتح قنوات التواصل السياسي مع النظام السوري، فما الذي تغيّر ليُعلن باسيل هذا القرار في المناسبة المذكورة قبل يومين؟

لم تحسم الجامعة العربية قرار إعادة سوريا إلى حضن الجامعة بعد، ففي اجتماع وزراء الخارجية العرب الطارئ قبل أيام في القاهرة، إثر دخول القوات التركية إلى شمال سوريا، دعا باسيل في كلمته إلى عودة سوريا التي فقدت مقعدها منذ سبع سنوات، وفيما أدان التدخل التركي في سوريا، جدد التأكيد على أنه من غير المعقول أن تناقش أوضاع سوريا في غيابها.

بين التدخل التركي في سوريا، والمطالبة من قبل لبنان بعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، تحاول إيران من خلال قاعدتها اللبنانية، خلط الأوراق في سياق تهميش الدور العربي

لم يكن موقف باسيل في الجامعة العربية بشأن سوريا مستساغا لدى العديد من اللبنانيين الذين يعتبرون أن نظام الأسد يقف وراء مأساة شعبه، ويتحمّل مسؤولية ما عاناه لبنان من الوصاية ومخلفاتها. لكن في المقابل يمكن ملاحظة أن الاعتراض من قبل أطراف السلطة لم يسمع، بل لم تصدر أصوات معترضة على هذا الخطاب، باستثناء ما قاله رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي أعلن أن لبنان يلتزم بقرار جامعة الدول العربية في شأن العلاقة مع سوريا، لكنه اعتبر أن باسيل في موقفه من التدخل التركي كان يعبّر عن الموقف اللبناني.

كل المؤشرات تدلّ على أن لبنان ينتقل إلى مرحلة سياسية جديدة عنوانها إعادة فتح قنوات التواصل السياسي مع النظام السوري، ولا يبدو أن الرئيس الحريري في قاطرة تقلّه إلى مكان مغاير، فالرئيس الحريري الذي انتقل من مرحلة قيادة مشروع مواجهة الممانعة بفروعها اللبنانية وعلى رأسها حزب الله، انتقل إلى مرحلة التأقلم مع ميزان القوى الجديد، الذي كان من أبرز نتائجه وصول مرشّح حزب الله العماد ميشال عون إلى سدة الرئاسة، وما تلاه من انتخابات نيابية جرى ترتيبها لتوفر الأكثرية لحزب الله وأتباعه، بحيث أن قائد فيلق القدس أعلن صراحة أنّ لدى حزب الله أكثر من 70 نائبا، إثر الانتخابات النيابية التي جرت العام الماضي.

على أنّ عاملا آخرا يدفع الحريري إلى مجاراة إعلانات باسيل حول العودة إلى سوريا، وذلك من خلال ما يعتقده أن ثمة قراراً عربياً سوف يصدر في هذا الشأن في المدى المتوسط، وهو كرئيس حكومة يطمح لأن يكون له دور في أي عملية نهوض بالوضع الاقتصادي على المستوى اللبناني والسوري، وهذا يتطلّب أن يكون مستعدّا لمثل هذا القرار العربي من جهة، وألاّ يكون في موقع يظهر فيه وكأنه آخر من يعلم.

قد يبدو هذا الكلام مبالغا فيه ولكن هذا واقع الحال لدى السلطة في لبنان اليوم. فالاستعجال نحو بناء علاقات سياسية مع سوريا، لم يعُد أمرا يثير اعتراضات يعتد بها، خصوصا أنّ الأوضاع المالية والاقتصادية السيئة في لبنان باتت الشغل الشاغل للبنانيين، وبات الكثير منهم يريد أن يصدق أن حلّ مشكلة اللجوء السوري في لبنان ستعيد للبنان عافيته، وهذا حسب “المعزوفة الباسيلية” يتطلّب إعادة العلاقات مع سوريا.

ليس خافيا أن بضاعة فتح العلاقة مع نظام الأسد، هي بضاعة لبنانية، لكن التدقيق في منشأ هذه البضاعة ومصدرها الحقيقي، يُظهر أنها بضاعة إيرانية يجري ترويجها بدمغة لبنانية مزوّرة، فإيران التي باتت المتحكّم بالسياسة الخارجية اللبنانية من خلال حزب الله، (جبران باسيل كان في ضيافة أمين عام حزب الله عشية توجهه إلى القاهرة) تدرك أن محاولات إخراجها من سوريا تجري على قدم وساق، وهي التي استثمرت بشخص الرئيس بشار الأسد، باتت معنية بحمايته وتوفير فرص بقائه لأنه الضمانة الوحيدة لإضفاء الشرعية السورية على الوجود الإيراني في هذا البلد، لذا فإن الحركة اللبنانية نحو العلاقة مع سوريا، هي محاولة تعزيز موقع الأسد في أيّ تسوية مقبلة، وحماية ما أمكن من الأوراق الإيرانية.

لم يكن موقف باسيل في الجامعة العربية بشأن سوريا مستساغا لدى العديد من اللبنانيين الذين يعتبرون أن نظام الأسد يقف وراء مأساة شعبه، ويتحمّل مسؤولية ما عاناه لبنان من الوصاية ومخلفاتها

وفي سياق متصل لم يكن الدخول التركي العسكري والمستمر إلى شمال سوريا، مصدر استياء لإيران، رغم المواقف المعلنة والرافضة لأيّ تدخل بمعزل عن موافقة النظام السوري. فإيران تدرك أنّ الدخول التركي الذي يتم تحت المظلة الروسية الأميركية، يعزز من مسار إبعاد المظلة العربية، فبدل أن تكون إيران الهدف الذي يتم التصويب عليه كطرف متدخل في سوريا، تتحوّل تركيا إلى هذا الهدف لاسيما في الدائرة العربية، علما أن العلاقة التركية الإيرانية أكثر من جيدة، حيث تعتبر تركيا من أكثر الدول المعترضة على العقوبات على إيران، ولا تزال تركيا متنفسا لإيران في مواجهة ضغط العقوبات الأميركية.

واقع الحال يقول إن المعادلة الإقليمية والدولية في سوريا تدخل في مفصل جديد، وسيشكّل الدخول التركي إلى شمال شرق سوريا محاولة تثبيت السيطرة الثلاثية التركية والإيرانية والروسية، فيما المظلة الأميركية الروسية المستمرة منذ تفاهم جون كيري – سيرغي لافروف هي الراعي لهذا النفوذ، لكن ذلك لا يقلل من شأن الأسئلة حول مستقبل النفوذ الإيراني وطبيعته، إذ أن إيران التي رضخت لمطالب إسرائيل في سوريا، تحاول من خلال ذلك توجيه رسائل مطمئنة لإسرائيل على الأرض، برز منها أخيرا التزام حزب الله عدم الرد على الطائرات المسيّرة الإسرائيلية التي لم تتوقف عن الطيران فوق لبنان، وكانت مساء السبت تحلق على علو منخفض فوق الضاحية الجنوبية، دون أن يصدر أي موقف أو إشارة من حزب الله.

بين التدخل التركي في سوريا، والمطالبة من قبل لبنان بعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، تحاول إيران من خلال قاعدتها اللبنانية، خلط الأوراق في سياق تهميش الدور العربي، عبر تثبيت أن النافذة المتاحة للعرب للدخول إلى سوريا، هي نافذة النظام السوري. في الوقت الذي تريد إيران من خلال حزب الله، غسل أياديها من جريمة قتل وتهجير الملايين من السوريين، بالقول ها هم العرب أنفسهم عادوا إلى حضن النظام السوري، وهي عودة يتم التحضير لها ببيع أوهام التسوية وسلة الإغراءات الاستثمارية، التي يسيل لها لعاب المسؤولين اللبنانيين من جبران باسيل إلى سعد الحريري.

 

 

قواعد الاشتباك تتغير في العراق:

الحشد الشيعي مقابل الحشد الشعبي

علي الامين

 

الاحتجاجات التي شهدها العراق ولا يزال فاجأت العراقيين أنفسهم في الحجم والمدى الذي اتخذته. لم تكن العاصمة بغداد مسرح الحدث كما جرت العادة في العديد من التحركات المطلبية والمدنية التي كانت بغداد مركزها، ولا تشبه أحداث البصرة التي جرت قبل عام إلا من حيث الدلالة الإيرانية، ففي البصرة أحرقت القنصلية الإيرانية، وفي الاحتجاجات الأخيرة أُحرق العلم الإيراني. ما جرى أخيرا كان مسرحه محافظات عراقية عدة، لكن اللافت أنها تركزت في المناطق ذات الغالبية الشيعية، التي يشار إليها باعتبارها مركز النفوذ الإيراني وقاعدة السلطة التي تحكم العراق فعليا منذ عام 2003.

ما يجب التنويه به في مقاربة هذا الحدث غير المسبوق في تاريخ ما بعد سقوط النظام السابق، وتمدد النفوذ الإيراني في العراق، أن الاحتجاجات هذه المرة تبدو في وجه السلطة بأكملها، إذ لم تبرز أي مواقف متبنية للحراك الشعبي أو تتبنى المشاركة في الاحتجاجات، ورغم محاولة التفاف بعض القوى، ومنها التيار الصدري الذي حاول استلحاق دور له في هذه الاحتجاجات، فقد قال أحد المتظاهرين في بغداد، وهو يعصب جبينه بعلم عراقي، “لا أحد يمثلنا، يأتون بأشخاص يلبسونهم بزات رسمية، ويضعونهم في البرلمان”. وأضاف “لم نعد نريد أحزابا، لا نريد أحدا يتحدث باسمنا”.

المسار الذي أسست له سلسلة تحركات مطلبية ومدنية خلال السنوات الماضية، نجح إلى حد كبير في نقل الحركة الاعتراضية من معادلة المحاصصة السياسية والطائفية إلى معارضة وطنية عراقية

السلطة كلها متهمة هذه المرة، وصرخة المحتجين لم تميز بين طرف وآخر، بل صوبت على الحكومة بكل مكوناتها، ولعل هي المرة الأولى التي تبدو فيها المرجعية الدينية في النجف، في موقع شبه حيادي، علما أنه طالما كانت المرجعية في تعليقاتها التي تطلقها في مناسبات سابقة، تتسم بالانحياز إلى مطالب المحتجين المشروعة وتقف في وجه الحكومة. ففي الخطبة التي ألقاها أحمد الصافي، ممثل السيد علي السيستاني، الجمعة الماضي، غير متحيزة لأي طرف في العراق. فقد قال “نرفض جميع الاعتداءات التي وقعت على المتظاهرين السلميين في عدد من المدن العراقية، ولكننا في الوقت نفسه نرفض الاعتداء على القوات الأمنية”.

موقف المرجعية يعكس حجم القلق من الاحتجاجات الذي بات يهدد بنيان السلطة القائم، في ظل “قلق من أن تشكل الاحتجاجات أداة لتقويض ما هو قائم من دون أن تتضح بدائل واضحة لهذه السلطة التي تقر المرجعية بأنها فشلت في تلبية الحدود الدنيا من حقوق العراقيين”، كما يفسر أحد العاملين في مؤسسات المرجعية موقفها الأخير.

الاحتجاجات اليتيمة، هو الوصف الذي يمكن أن ينطبق على ما جرى في العراق خلال أسبوع، والعنف الذي مورس ضد المحتجين كشف أن التواطؤ كان سمة المواقف الحزبية التي بدت في غربة عن الشارع، أو متواطئة مع سياسة القمع والعنف الذي مورس ضد المتظاهرين بالقتل والقنص والاعتقالات.

لا شك أن إجراءات الحكومة بإقالتها قيادات عسكرية مستقلة لحساب تعيين أفراد من الحشد الشعبي في مواقع قيادية للجيش فجّرت الاحتجاجات، لكن ما هو أعمق من تلك الإجراءات “المستفزة” لأنصار الدولة والجيش، هو عدم قيام حكومة عادل عبدالمهدي بأي خطوة تظهر أن السلطة العراقية جادة في وقف مزاريب الهدر والفساد من جهة، وفي إظهار أنها حكومة مستقلة عن النفوذ الإيراني وساعية إلى توفير شروط الحياة الكريمة في خامس دولة نفطية في العالم، من جهة ثانية.

السلطة كلها متهمة هذه المرة، وصرخة المحتجين لم تميز بين طرف وآخر، بل صوبت على الحكومة بكل مكوناتها، ولعل هي المرة الأولى التي تبدو فيها المرجعية الدينية في النجف، في موقع شبه حيادي

القرارات التي اتخذتها الحكومة العراقية في اليوم الخامس لتهدئة المحتجين، لاسيما ما وعدت به من إغداق بعض الأموال على الفقراء، والوعد بانجاز مشاريع إسكانية وغيرها من الوعود التي سأم العراقيون سماعها طيلة السنوات الماضية، ليس من الحصافة الاعتقاد بأنها ستنفذ، بل هي وسيلة من وسائل التغطية على سلسلة إجراءات ستعمد الحكومة من خلالها إلى القبض على الشارع ومنع تكرار مثل هذه الاحتجاجات مرة أخرى. الوجه الجديد للسلطة هو وجه “الحشد الشعبي”، السلطة الفعلية التي ستزداد رسوخا في سلطة الحكومة، وكما بات معلوما فإن فصائل الحشد الشعبي باتت تشكل الذراع التي تثق إيران بولائها، والأداة الطيعة لتنفيذ المهمات الأمنية والعسكرية وحتى الشعبية. الجيش والقوى النظامية بطبيعتهما ينتميان إلى منظومة الدولة، فيما “الحشد” منظومة مذهبية دينية توالي مراجع خارج الدولة وخارج العراق أيضا.

الاحتجاجات ‏فرضت مسارا جديدا وليس قصيرا، سيكون محفوفا بسلسلة تحديات أبرزها التعامل مع القبضة الأمنية التي ستسم سلوك السلطة في المرحلة المقبلة، فالحشد الشعبي هو الحارس الإيراني الفعلي لمنظومة السلطة. التحدي الثاني يتصل بتمدد المعارضة إلى مساحات سنية وكردية، في الحد الذي يخرج المشهد الاحتجاجي والتغييري من كونه حراكا في بيئة شيعية لا علاقة لبقية العراق بها. التحدي الثالث هو في الاستفادة من التجارب التي مر بها العراق وثورات الربيع العربي، أي أن السلمية والرؤية السياسية الواضحة والبرامج المتدرجة في عملية التغيير، كفيلة بإحداث التحول الإيجابي في عملية التغيير والإصلاح.

كل ذلك مهدت له الاحتجاجات في ما رفعته من شعارات، وفي اعتدادها بعراقيتها لا بعصبياتها الضيقة، هو ما يمكن إدراجه في سياق تبلور المعارضة الوطنية والمدنية العراقية، من خارج الاستقطاب الطائفي وحتى الحزبي، ووضعت إيران وأدواتها العراقية في موقع الخصم، لاسيما أن العراقيين، عموما، يدركون حجم الدور الإيراني في تركيب السلطة العراقية، ودورها الحاسم في تحديد المواقع القيادية داخل الدولة.

هذا المسار، الذي أسست له سلسلة تحركات مطلبية ومدنية خلال السنوات الماضية، نجح إلى حد كبير في نقل الحركة الاعتراضية من معادلة المحاصصة السياسية والطائفية إلى معارضة وطنية عراقية.

 

كاتب لبناني

 

 

حزب الله.. المشاغبات

مقابل العقوبات!

علي الامين

 

شهد لبنان سلسلة تحركات في الشارع الأحد الماضي، احتجاجات شعبية في وسط العاصمة بيروت وأخرى في مناطق لبنانية عدة، فيما جرى إغلاق بعض الطرقات الرئيسية لفترة وجيزة بالإطارات المشتعلة.

التحرك، الذي كان في جزء أساسي منه عفويا، وبقي محدودا من حيث أعداد المشاركين، لا يخفي وجود أبعاد سياسية تمثلت في سلسلة رسائل جرى توجيهها من خلال هذه التحركات في الشارع اللبناني.

لاشك أن الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعيشها لبنان اليوم تفاقمت في الآونة الأخيرة، وزادت من الضغوط على الحياة اليومية للمواطنين، وزادت من انعدام الثقة بين السلطة والشعب.

الجانب الآخر من الأزمة هو ما يمكن ملاحظته في تداعيات العقوبات الأميركية على حزب الله من جهة، وفي الخيبة الدولية، والفرنسية تحديدا حيال عدم قيام السلطة اللبنانية بالإصلاحات المطلوبة من أجل إطلاق برنامج دعم لبنان “سيدر” من جهة ثانية.

ففي الأسبوعين الآخيرين شهد لبنان أزمة تراجع العملة النقدية للدولار في السوق، نتيجة “ظاهرة غير طبيعية” تمثلت في سحب كميات كبيرة من الأسواق للدولار، فيما رفض مصرف لبنان ضخ الدولار في السوق، باعتبار أن ما يجري غير طبيعي ولا يتناسب مع العمليات المالية الطبيعية المعهودة، وهذا ما أدى إلى أن يرتفع سعر صرف الدولار إلى 1700 ليرة لبنانية، فيما بقي مصرف لبنان يتعامل مع البنوك على سعر يزيد قليلا عن 1500 ليرة.

باختصار، ما جرى كان يمثل قيام مافيات مالية محميّة بشراء الدولار بأسعار مغرية من محلات الصرافة وغيرها. وتحدث أكثر من خبير مالي لبناني عن عمليات نقل الدولار الورقي إلى سوريا، فيما رجحت مصادر متابعة قيام حزب الله، ولأسباب مالية سببها الحصار والعقوبات، إلى الاتكاء على السوق السوداء لتوفير العملة الصعبة، لتلبية احتياجات مالية كان يتم توفيرها بطرق بات من الصعب توفيرها اليوم بنفس الطريقة، أي عبر عمليات مالية باتت البنوك اللبنانية شديدة الحذر في الدخول فيها.

لذا صعّد حزب الله من هجومه على حاكم مصرف لبنان، الذي يتولى إدارة سياسة النقد، وفي نفس الوقت هو الذي يتولى عملية الرقابة على المصارف اللبنانية، وهو الجهة المسؤولة أمام وزارة الخزانة الأميركية لجهة التزام المصارف اللبنانية بالعقوبات الأميركية.

العقوبات المالية على حزب الله دفعت الحزب، وتحديدا أمينه العام حسن نصرالله، إلى التوجّه إلى طهران، فحسب ما يجري تناقله داخل أوساط حزب الله أن زيارة نصرالله، التي كانت مسبوقة بتجديده الولاء للمرشد الإيراني السيد علي خامنئي أو “حسين العصر”، جرت في سياق توفير موارد مالية لحزب الله. وتروّج هذه الأوساط أن “نصرالله رفع الصوت عاليا أمام القيادة الإيرانية إلى ضرورة إعطاء أولوية لدعم حزب الله ماليا وعلى مستوى ما يتطلبه الواقع، لاسيما في حال وقع عدوان إسرائيلي على لبنان”.

إلى جانب العقوبات الأميركية التي يُرجح أن تطال في مرحلة مقبلة متعاونين سياسيين مع حزب الله، فإن ما نقله مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى في الخزانة الأميركية، خلال زيارتهم بيروت قبل أسبوع، يبدو أنه أعمق في تأثيراته مما يشاع. ففي المعلومات أن الإدارة الأميركية باتت تدرك أن ثمة شبكة منافع ومصالح كبرى يديرها حزب الله من داخل المؤسسات الرسمية، كما يدير نظام مصالح مافيوي لمجموعة من رجال الأعمال اللبنانيين وغير اللبنانيين تتحكم به منافع مالية مشروعة وغير مشروعة. وحسب المعلومات من مصادر أميركية، فإن لبنان تحول إلى سوق غير شرعي لمنتجات إيرانية لاسيما على صعيد الدواء والحديد الصلب، مستفيدة من سيطرة حزب الله على المرافئ غير الشرعية ونفوذ مباشر وغير مباشر على المرافئ الشرعية.

من هنا تشير المواقف الأميركية إلى أن مسار العقوبات وإن كان يسير بخطوات بطيئة إلا أنه ينطوي، حسب بعض المحللين الاقتصاديين، إلى سياسة طويلة الأمد، تستهدف الفصل بين منظومة حزب الله وأذرعها من جهة، والمؤسسات اللبنانية سواء تلك الرسمية أو الخاصة من جهة أخرى، وهذا مسار دون صعوبات لا يمكن أن يحقق نجاحا كاملا على مستوى الأهداف الأميركية، إلا أن إثارة الخوف والحذر لدى أصحاب المال من ربط نظام مصالحهم بمصالح حزب الله حقق على ما يبدو الكثير من الخطوات.

ذلك ما جعل حزب الله يوجه أكثر من رسالة، بأنه لن يسمح بأن يُخنق اقتصاديا، وإذا كان لا مفر من ذلك فهو لن يكون وحيدا بل كل لبنان سيختنق أيضا.

التحركات في الشارع اللبناني انطوت على توجيه رسائل سياسية، بأن لبنان قابل لأن يعيش فوضى سياسية فيما لو استمر الضغط الاقتصادي والعقوبات المالية على حزب الله أولا. ورسالة أمنية مفادها أن الاستقرار الأمني ليس قدرا، وبالتالي فمن يريد الاستقرار الأمني في لبنان، سواء كان أوروبيا أو أميركيا، يجب أن يتعامل مع حقيقة أن حزب الله هو عنصر الاستقرار. ورسالة تحذيرية للمصارف، التي كان حزب الله يوجهها إعلاميا وعمل على إرسالها من خلال بعض التحركات الميدانية، هي أن حماية لبنان من العقوبات الأميركية تتطلب حماية حزب الله باعتباره مكونا لبنانيا وليس قوة خارجية، وأن سلوك حاكم مصرف لبنان لم يعد مقبولا وبات يتطلب الرد.

 

كاتب لبناني

 

 

حزب الله.. يهون

العميل في حب باسيل

علي الامين

 

أظهرت قضية دخول عامر الفاخوري إلى لبنان برعاية أمنية وسياسية عبر مطار بيروت، أن ثمّة ريبة من تنسيق عالي المستوى من أجل عودة المتهمين بالعمالة لإسرائيل إلى لبنان.

مصدر الريبة لا يخل به، الضجة التي أثيرت مع عودة الفاخوري الذي كان مشرفا على معتقل الخيام الشهير خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي للبنان خلال عقد التسعينات، وهو من الذين صدرت بحقهم أحكاما غيابية من قبل المحاكم اللبنانية عشية الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000.

الاحتجاجات التي عبّر عنها الكثير من اللبنانيين الذين فوجئوا بعلاقات الفاخوري مع مسؤولين لبنانيين رسميين، أتاحت له الدخول عبر مطار بيروت قادما من الولايات المتحدة، ورافقه في خروجه من المطار أحد الضباط الكبار في جهاز المخابرات اللبنانية، وما كان ليكون هذا الدخول مثار ردود فعل، لو كان بقي طيّ الكتمان. فقد عمد بعض حلفاء حزب الله إلى تسريب خبر دخول الفاخوري، لأسباب سياسية داخلية تتصل باستياء هؤلاء من تنامي علاقة حزب الله ووزير الخارجية رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، إلى الحدّ الذي مكّن باسيل من إدخال الفاخوري برضا حزب الله، الذي رغم إحراجه، فإنه لم يقم بأي خطوة جدّية تكشف من كان يقف وراء دخول العميل الفاخوري إلى لبنان، واكتفى بإصدار مواقف مبدئية تتفادى أي مطالبة بمحاسبة المتورطين سياسيا في هذه العملية.

الريبة باتت أكثر من واقع، بل كشفت الوقائع السياسية والإعلامية، أن حزب الله لم يكن غائبا عن مشهد عودة الفاخوري وأكثر من مئتي متهم بالعمالة عادوا إلى لبنان، بواسطة التيار الوطني الحر.

ومنعا للالتباس فإن عودة أكثر من ثلاثة آلاف لبناني فرّوا إلى إسرائيل عشية التحرير عام 2000، هي قضية وطنية بالدرجة الأولى، إذ لا بد من بذل الجهود من أجل عودتهم، في سياق بعيد عن الصفقات الحزبية، وبما تقتضيه المصلحة الوطنية.

لكن ما يشهده هذا الملف هو أنه بات خاضعا لصفقات حزبية، هكذا يمكن تفسير الصمت الذي وقع به حزب الله، فلو كان المتورط في إدخال الفاخوري إلى لبنان خصما سياسيا لحزب الله، لكان الحزب وكبار مسؤوليه يتلونون آيات التخوين بحق من قام بهذه الفعلة، لا بل كان تحرّكَ باتجاه القضاء من أجل محاكمة الجهة السياسية التي عملت على العبث بالملفات الأمنية وقامت بإلغاء برقيات توقيف بعض العملاء، كل ذلك لم يحصل واقتصر التهديف على شخص الفاخوري دون النّيل من الذين أحاطوا به خلال عودته.

مقاربة هذا الملف تتم من زاوية حزبية، لا بل على أسس ترسيخ العلاقة الثنائية بين التيار الوطني الحر وحزب الله، وبتعبير أدق في سياق ترسيخ التحالف المسيحي – الشيعي بحيث لا يلحظ المراقب أيّ تدخل أو مساهمة فعلية من قبل الحكومة أو مجلس النواب في إمساك هذا الملف ومعالجته من زاوية وطنية لا تبدو فيها أنّ ثمة صفقة حزبية ولحسابات سياسية داخلية.

إذ ليس خافيا أن الوزير جبران باسيل إحدى أبرز الشخصيات المسيحية التي باتت تحظى بدعم حزب الله، بات يشكّل نافذة حزب الله اللبنانية على الخارج ونافذة الخارج الدولي والأوروبي على حزب الله، ما أتاح له أن يطلق مواقف هي أقرب ما تكون لرسائل تظهر أن حزب الله معنيّ بالاستقرار وعدم التصادم سواء مع إسرائيل، أو مع المصالح الغربية في لبنان والمنطقة. فباسيل اختار قبل أشهر إحدى محطات التلفزيون التابعة لإيران ولحزب الله (الميادين) ليعلن من خلالها عن حق إسرائيل بالأمن والاستقرار، وهو وإن آثار ردود فعل من قبل حلفاء حزب الله في لبنان، إلا أنّه لم يهزّ ثقة حزب الله به. وفي جولاته الأوروبية والأميركية، يحرص باسيل على تقديم حزب الله باعتباره حاميّا للأقليات، وضمانا لمحافظة لبنان على تنوّعه، وسدّا منيعا في وجه تمدد الجماعات الإسلامية أو تلك المسمّاة إرهابية. وينقل بعض المشاركين في مؤتمر الاغتراب الذي عُقد برعاية باسيل قبل أيام في نيويورك، أنّ وزير الخارجية يركّز في لقاءاته مع المدعوين من المغتربين ومن مسؤولين أميركيين، على أنّ التهديد الذي تتعرّض له الأقليات في المشرق يتطلّب أن تتعاون في ما بينها من أجل حماية التنوع الديني والإثني، وركّز على أنّ النموذج اللبناني وصمود الأقليات فيه، يتطلّب حماية الصيغة الحاكمة ومنع انهيارها.

وكما هو معروف فإن لبنان سيشهد منتصف الشهر المقبل مؤتمراً للجماعات الدينية والإثنية في المشرق العربي في بيروت سيكون برعاية رئيس الجمهورية ميشال عون، وهو على الأرجح سيشكّل إحدى وسائل ترسيخ حلف الأقليات في المنطقة، ويركّز على أهمية إيجاد مؤسسة جامعة تمثّل المكوّنات المشرقية، حسب التعبير الذي درج عليه التيار الوطني الحر في أدبياته السياسية، والذي ينطوي في جوهره على تظهير دور الأقليات التي تعاني من الأكثرية، فيما تتفادى هذه النظرة الإشارة إلى السياسات الدولية والأنظمة الأقلوية التي حكمت وتحكم ولاسيما في سوريا.

يمكن اختصار الحلف القابض على المعادلة اللبنانية، بأنه حلف على رأسه إيران، ويشكّل باسيل الذراع التي تمتد إلى دوائر القرار الدولي، في محاولة لإضفاء بُعد لبناني ومشرقي للنفوذ الإيراني، ويمكن رصد تراجع دور حلفاء حزب الله في الداخل اللبناني بل انكفاء هؤلاء الحلفاء الذين يفتقدون قدرة التسويق التي يقوم بها باسيل بدعم من رئيس الجمهورية لحلفه مع حزب الله لبنانيّا، ولحلف الأقليات إقليميّا، والذي لا يتناقض مع مصالح دولية وإسرائيلية. لذا ترتكز مهمّة باسيل في مشروع حلف الأقليات بالإضافة إلى مهمة بناء زعامة مسيحية على الشكل الآتي:

– دور خارجي لتسويق حزب الله كطرف قابل الانسجام مع المتطلّبات الدولية، لاسيما في موضوع التفاهم العميق مع إسرائيل من جهة، وكطرف حام للأقليات في مواجهة الإرهاب السنّي الذي يهدّد استقرار المجتمعات الغربية من جهة أخرى.

– وجه داخلي يتسم باستعداد حزب الله لمعالجة ملف اللبنانيين في إسرائيل، ومحاولة الترويج لكونه عنصرا إيجابيا في حماية التنوع تحت سقف التحالف بين حزب الله ورئيس الجمهورية.

لذا فانّ صعود دور جبران باسيل في المعادلة اللبنانية، يقوم على دعم حزب الله له من جهة، ومحاولة تثبيت موقع خارجي له، باعتباره إحدى أبرز قنوات التواصل مع حزب الله الموثوقة غربيّا من جهة ثانية.

كاتب لبناني

 

 

الصواريخ الإيرانية على "أرامكو"

تطوي التهدئة وتشرع باب الحرب

علي الامين

حبست السلطة العراقية أنفاسها يوم السبت، إثر انتشار خبر استهداف منشأتين سعوديتين تابعتين لشركة أرامكو، المعلومات التي تسربت من أكثر من طرف عراقي وكويتي، كانت تشير إلى أن طائرات مسيرة انطلقت من العراق استهدفت السعودية، رغم إعلان الحوثيين في اليمن مسؤوليتهم عن هذه العملية.

لكن آخر نتائج التحقيقات حول العملية، كما نقلتها صحيفة “وول ستريت جورنال” على لسان مسؤول أميركي، أن “فريق تحقيق سعوديا – أميركيا مشتركا وجد حطاما لـ19 صاروخ كروز يصل مداها إلى 1000 ميل متوسطة المدى”، مستبعدا مسؤولية الحوثي عن العملية التي تبدو وفق المعلومات الأولية لفريق التحقيق أنها قادمة من العراق أو إيران.

القلق في دوائر الحكومة العراقية، رغم نفي رئيسها عادل عبدالمهدي مسؤولية العراق في هذا الشأن، أشار إلى عملية تحقيق جارية للتثبت مما جرى. القلق في هذه الدوائر هو ما يمكن أن يسببه “العمل العدواني” من تداعيات في داخل العراق.

السعودية لم توجه اتهاما لإيران، لكن وزير الخارجية الأميركي هو من اتهمها بالوقوف وراء استهداف أرامكو. فيما أكدت أوساط رسمية أميركية لمحطات إعلامية منها الـ”سي.أن.أن” أن “دقة الهجمات على المنشآت النفطية السعودية تظهر أن انطلاق الهجمات كان من الشمال الغربي وليس من اليمن”.

هذا ليس الهجوم الأول على السعودية من قبل إيران من الأراضي العراقية. ففي 15 مايو، هاجمت طائرتان دون طيار إيرانيتان متفجّرتان من العراق محطتي ضخ رئيسيتين لخط أنابيب النفط شرق- غرب لشركة أرامكو وسط السعودية، وأشعلتا النار فيهما. وينقل هذا الخط النفط المنتج في حقول النفط السعودية في الشرق إلى ميناء ينبع غرب ساحل البحر الأحمر.

الإسرائيليون يرجحون أيضا أن الهجمات على بقيق السعودية جاءت من داخل العراق، وفق موقع “تيك ديبكا” الإسرائيلي.

هذا الهجوم يعتبر من أكثر الهجمات الإيرانية توسّعا على أهداف نفطية في الخليج منذ أن بدأت الهجمات قبل 5 أشهر، فقد تم توسيع الجبهة الإيرانية ضد العقوبات الأميركية في العراق.

وهو تطور خطير يتلاحق في الخليج مع تطورات يخشى أن تقلب مع الوقت حسابات المملكة العربية السعودية في المواجهة، بعدما تجاوز الخطر الإيراني الخطوط الحمر التي لا تهدد أمن النفط السعودي فحسب، بل العالمي أيضا. فدقة الضربة لمنشآت أرامكو أدت إلى خفض الإنتاج السعودي للنفط إلى النصف.

ومنذ العام 2015 توالت الهجمات على أهداف نفطية واستراتيجية في العمق السعودي آخرها هجمات على معملين لشركة أرامكو بقيق وهجرة خريص، أدت إلى وقف إنتاج النفط في المنطقة.

الموقف الأميركي بقي هادئا نسبيا في رد الفعل الأولي، ورغم الاتصال الذي أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بولي العهد الأمير محمد بن سلمان غداة الهجوم، فقد أكدت واشنطن استعدادها لتعويض أي نقص للنفط في السوق العالمي، من خلال الاحتياطي الأميركي الاستراتيجي من البترول. وأعلن البيت الأبيض أن واشنطن ستواجه أي “هجوم إيراني على المملكة” من دون أن يتضح إن كانت واشنطن تصف ما جرى في أرامكو أخيرا هجوما إيرانيا، لكن مواقف ترامب ووزير خارجيته أوحت بجدية الرد إذا ثبت تورط إيران.

لا شك أن التطورات الأميركية الأخيرة والتي أظهرت اهتمام الرئيس الأميركي بإجراء مفاوضات مع إيران، وترافقت مع إقالة أحد أبرز صقور الإدارة الأميركية جون بولتون من موقع مستشار الأمن القومي، هي التي شجعت القيادة الإيرانية على التصعيد السياسي والعسكري، فطهران باتت أكثر اطمئنانا على ما يبدو لعدم قيام الرئيس الأميركي بضربات عسكرية ضدها، لاسيما بعد سلسلة اختبارات لردود فعله تجاه استفزازات طهران العسكرية.

وفي خطوة تبدو استيعابية دعا الرئيس الإيراني حسن روحاني الأحد الماضي عشية وصوله إلى تركيا، إلى ضرورة قيام هدنة في اليمن، مرفقة بدعوة إلى حوار بين دول المنطقة لمعالجة مشكلاتها.

هذا الموقف الإيراني لن يوقف تداعيات استهداف أرامكو، الذي سيعجل من سلسلة ردود فعل عسكرية، لعل أبرزها ما يمكن أن يدرج ضمن الحرب بالأدوات بين واشنطن وطهران، مع توقع طي ترامب فكرة لقاء روحاني في نيويورك الشهر المقبل حيث قال في تغريدة الأحد إنه “لن يلتقي روحاني بلا أي ثمن”. بل يرجح أن يتوقف أي مسعى للتخفيف من العقوبات على إيران. فإعلان واشنطن عن نتائج التحقيق بأن مصدر الصواريخ إيران أو العراق يستتبع بالضرورة سلسلة إجراءات داخل العراق، ومنها استهداف مقرات لميليشيات تابعة لإيران، في وقت ستوجه واشنطن رسائل أكثر جدية إلى الحكومة العراقية بشأن هذه الميليشيات، علما أن الإدارة الأميركية تنظر باهتمام إلى ما يمكن أن يصدر عن المرجعية الشيعية من مواقف بشأن حصر السلاح في يد الجيش وآليات تنفيذه.

في هذا الوقت يشكل السلوك الإيراني الأخير، فرصة إضافية لإسرائيل، لتصعيد هجماتها في سوريا والعراق، وحتى لبنان الذي بات مع التصعيد الإيراني الأخير، ساحة رد يمكن أن تستثمر إسرائيل اللحظة الدولية والإقليمية، لتنفيذ ما تخطط له لإنهاء وطي ملف الصواريخ الدقيقة لدى حزب الله، بعد الانتخابات البرلمانية المقررة الثلاثاء.

التصعيد الإيراني غير المسبوق في نوعيته، وإذا أثبتت التحقيقات مسؤولية إيران، سيفتح الباب واسعا على جملة تطورات، أولها أن الرد السعودي لن يكون مباشرا. فالقيادة السعودية التي راهنت في السنوات السابقة على إدارة واشنطن لملف المواجهة مع إيران، باتت أمام استحقاق التصعيد الإيراني، أمام خيار الرد الذي لا مفر منه، علما أن دائرة الخيارات واسعة أمام المملكة السعودية، فيما لو قررت ذلك.

أما ترامب فقد لوّح بالحل العسكري في وقت سابق لمعاقبة إيران التي اتهمها بشكل مباشر بتنفيذ العملية، وهو ما أكده وزير الخارجية الأميركي بعد يوم من العملية. بعد أن كشفت التحقيقات إطلاق صواريخ كروز، فإن فرضية الرد العسكري في أكثر من ساحة لا مفر منها، إن استبعد الرد المباشر على إيران كما هو مرجح.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

شنكر في بيروت حاسماً:

ستة أشهر لترسيم

الحدود مع إسرائيل

علي الامين

 

وصل إلى بيروت المبعوث الأميركي الجديد ديفيد شنكر، لمتابعة ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان وإسرائيل، وشنكر الذي خلف ديفيد ساترفيلد في هذه المهمة، وفي منصب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى قبل أسابيع، يحمل إلى المسؤولين اللبنانيين رسالة واضحة وحاسمة، بعدما تحدثت مصادر أميركية قبل نحو شهرين، عن مماطلة لبنانية في شأن الوصول إلى مرحلة الدخول في المفاوضات والاتفاق النهائي على الترسيم، وهذا ما رفضه لبنان، معتبرا أن إسرائيل هي من يعمل على عرقلة الحل.

من المعلوم أن المفاوضات حول ترسيم الحدود، تخضع لأخذ ورد بين لبنان وإسرائيل منذ سنوات، فالوساطة الأميركية المستمرة بين الدولتين لم تكن على نفس الحيوية التي ظهرت خلالها في الأشهر الماضية، وبدا أن السعي الأميركي لإيجاد اتفاق دخل حيّزا فعليا، بحيث تتوقع أوساط بحثية متابعة في واشنطن أن يتم الاتفاق خلال الأشهر المقبلة نهائيا على هذا الملف.

ما يعزز من هذه الفرضية لبنانيا، ما قاله مقربون من رئيس مجلس النواب نبيه بري، عن أن ما تم الوصول إليه هو خط النهاية، “ولم تعد تفصلنا عن الاتفاق النهائي إلا بعض التفاصيل، التي ننتظر من المندوب الأميركي شنكر، معالجتها”.

من المعروف أن الرئيس نبيه بري مكلف من قبل الدولة اللبنانية بإدارة ملف التفاوض هذا، أو بالأحرى هو المكلف فعليا من قبل حزب الله ومن إيران بتولي هذه المهمة. وما ينطق به الرئيس بري في هذا الملف، هو ما يعبّر ليس عن موقف لبنان الرسمي فحسب، بل عن موقف حزب الله الذي لا يمكن أن يدع هذا الملف المتصل بإسرائيل خارج إدارته.

ما أثار انتباه اللبنانيين عشية وصول شنكر إلى بيروت الثلاثاء هو الانقلاب في الموقف اللبناني، الذي كان متشائما حيال التوصل إلى اتفاق قبل أسابيع، إلى موقف متفائل اليوم، فمستشار الرئيس بري علي حمدان، قدّم مطالعة إيجابية ومتفائلة بالوساطة الأميركية، وقال في حديث تلفزيوني إن “لبنان هو من طلب الوساطة الأميركية المرحب بها، بل الرئيس بري نفسه هو من دعا إليها قبل بدئها بسنوات”. وهو موقف يصدر أول مرة عن الرئيس بري بهذا الاعتداد، لاسيما أن ما كان ينقله عنه مقربون هو أنه يريد إعطاء دور أساسي للأمم المتحدة، التي لم ترد على لسان مستشار بري في موقفه الأخير.

ما سرّ هذا الانقلاب من التشاؤم إلى التفاؤل، من حال التذمر من الرعاية الأميركية إلى هذا الترحيب غير المسبوق بدور واشنطن، من القول إن فرص الاتفاق على ترسيم الحدود دونها صعوبات، إلى القول إننا “وصلنا إلى خط النهاية” كما كرّر علي حمدان في لقائه التلفزيوني الذي استبق وصول شنكر بيومين؟

تعتقد أوساط قريبة من وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، أن الأجواء المتفائلة والمستجدة في الموقف اللبناني ناشئة عن أسباب موضوعية فرضتها التطورات الأخيرة التي شهدها لبنان بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة والرد “المدروس” الذي قام به حزب الله على إسرائيل، وتشير هذه الأوساط إلى أبرزها:

أولا أن حزب الله قلق من قيام إسرائيل بضربة عسكرية على حزب الله في هذه المرحلة، وهو ما لا تريده إيران، لأسباب تتصل بحسابات دولية وإقليمية في هذه المرحلة التي تشكل الدبلوماسية عنوانها إيرانيا.

ثانيا يتحسّس حزب الله، ومن خلفه إيران، التصعيد الإسرائيلي الذي بات مطلق اليد دوليا في استهداف مواقع عسكرية للميليشيات الإيرانية والحشد الشعبي في سوريا والعراق، والتي كان آخرها استهداف مواقع لهما على الحدود العراقية السورية، فجر الاثنين.

ثالثا ما اكتشفته إيران وحزب الله عن حجم المعلومات التي تمتلكها إسرائيل عن الصواريخ الدقيقة التي بحوزة حزب الله، لاسيما بعد عملية الطائرتين المسيّرتين في الضاحية الجنوبية، أربك حزب الله ودفعه إلى إعادة حساباته الأمنية والعسكرية، وجعله أكثر تهيّبا من قيام إسرائيل بحرب.

إلى هذه الأسباب التي توردها الأوساط القريبة من وزارة الخارجية الأميركية ثمة من يشير في لبنان إلى أن الخناق بات يضيق على الدولة اللبنانية أيضا، فالأزمة المالية والاقتصادية باتت معالجتها رهن الاحتضان الدولي، والأميركي على وجه التحديد، للبنان. ففي خطوة رافقت وضع جمّال ترست بنك على لائحة العقوبات الأميركية، أوعزت واشنطن لبعض المؤسسات الأميركية الاكتتاب في سندات الخزينة اللبنانية بما قيمته مليار ونصف مليار دولار تقريبا، لدعم العملة الوطنية وقدرة البنك المركزي على تلبية المستحقات المالية. هذا الموقف الأميركي الذي يتضمن “رفع العصا وتقديم الجزرة”، معا، هو ما أجل وضع الخيارات أمام اللبنانيين، إما بالتجاوب مع متطلبات الدولة، وإما بتحمّل تبعات الانجرار وراء سياسة حزب الله، وتحمّل التبعات.

حزب الله لن يستقبل شنكر بالورود، وإن كانت المؤشرات التي أطلقها الرئيس بري قد توحي بذلك، فحزب الله الذي يتحسّس حجم المخاطر عليه بات معنيّا بالتخفيف منها، أو تأجيل مخاطرها إلى حين يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود، بخصوص ما يحاك على مستوى العلاقة الأميركية – الإيرانية، فإذا كان لا بد من حرب فهو من يختار توقيتها، وإذا لم تكن الحرب خياره فسيجهد لمنعها.

إزاء ما تقدم فإن حزب الله سيبدي عبر الرئيس بري تجاوبا مع الطروحات الأميركية، وهو تجاوب ينطوي على رغبة جوهرية تخفف من التصعيد الإسرائيلي من جهة، وتطمح إلى أن تخفف من وطأة العقوبات الأميركية، وتحول دون استخدام العصا الأميركية.

لذا فإن المندوب الأميركي ديفيد شنكر، ينتظر جوابا على سؤال محدد من لبنان، حسب مصادر الخارجية الأميركية، وهو أن هناك سقفا زمنيا هو ستة أشهر، يجب أن يلتزم به لبنان للوصول إلى إنجاز الاتفاق الكامل على عملية ترسيم الحدود مع إسرائيل. علما وأن لبنان كان مصرّا على عدم وضع سقف زمني لعملية التفاوض بجوابه الأخير لساترفيلد قبل شهرين. الأرجح أن لبنان، أو حزب الله، سيوافق على السقف الزمني باعتباره الفرصة المتاحة لشراء الوقت، ووسيلة للجم إسرائيل عن القيام بأي عمل عدواني على لبنان.

 

كاتب لبناني

 

 

نتنياهو يحرج إيران وحزب الله

وترقب تهديدات نصرالله

علي الامين

لم يجد الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، غضاضة في إعلان أنه سيرد على سقوط أي عنصر من حزبه في سوريا، من خلال الأراضي اللبنانية، ففي خطابه الأخير، الذي ألقاه الأحد، من بلدة العين في البقاع هدد بالرد على سقوط عدد من عناصر حزبه إثر غارة إسرائيلية من الأراضي اللبنانية وعلى المناطق الإسرائيلية، ونفى سقوط جنود إيرانيين في هذه الغارة مؤكدا أنه سيرد من الأراضي اللبنانية على الضربة الإسرائيلية في الأراضي السورية.

لم يقل نصرالله الذي لم يرد أصلا على عشرات الضربات الإسرائيلية التي طالت مواقع إيرانية ولحزبه في سوريا خلال السنوات التسع الماضية، إنه سيستكمل طريق القدس من الجولان، ولم يصدر عن النظام السوري، المقاوم كما يصفه نصرالله، أيّ رد أو موقف يمكن أن يُفهم منه دعم سوري لحزب الله للرد على إسرائيل عبر الجولان، بل قال نصرالله بوضوح إنه لن يرد من سوريا على إسرائيل، أو بوصف أدق أعلن التزامه بعدم الرد على إسرائيل من الجغرافيا السورية.

لبنان هو المكان المناسب لإطلاق مثل هذه المواقف، فالدولة اللبنانية في أحسن الظروف، هي رهن إشارة نصرالله، ومسؤولوها هم ناقلو رسائل بين ممثل المحور الإيراني في لبنان، وبين واشنطن، وهذا ما قاله نصرالله بعدما أعلن قراره بالرد العسكري دون أي اعتبار للمؤسسات الرسمية، بأن على الحكومة اللبنانية أن تبلغ الأميركيين بضرورة أن يوقف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خروقات القرار 1701 والطيارات المسيرة في الأجواء اللبنانية.

لكن إسرائيل لم تأخذ كلام نصرالله على محمل الجد، فقامت بعد ساعات قليلة على تهديده بالرد فجر الاثنين بغارة عسكرية جوية على مواقع للجبهة الشعبية-القيادة العامة في منطقة قوسايا في البقاع اللبناني، وهو ما يعني أن إسرائيل إما أنها غير مهتمة بتهديد نصرالله وإما أنها تستدرج حزب الله إلى حرب.

كما هو معلوم وبعد ساعات على استهداف إسرائيل لمراكز إيرانية في عقربا قرب دمشق في سوريا، سقطت طائرة مسيرة في الضاحية الجنوبية، قال حزب الله إنها إسرائيلية، والملفت أن نصرالله أكد سقوطها “بعدما قام مواطنون برميها بالحجارة في الساعة الثانية من فجر الأحد”. وأعلن حزب الله عن تفجير طائرة ثانية بعد ساعة من سقوط الأولى لكن دون أن تتضح الصورة تماما، وفي ظل تساؤلات حول حقيقة ما جرى لاسيما أن الإعلام الإسرائيلي تحدث عن تفجير طائرة إيرانية مسيّرة ولم تكن إسرائيلية، فهل نحن أمام سيناريو ملتبس من قصة الحجارة إلى تفجير الطائرة؟

كانت إسرائيل مباشرة قد أعلنت وعلى غير المألوف، مسؤوليتها عن توجيه الضربة الصاروخية في عقربا قرب دمشق، وأشارت إلى أنها أحبطت عملية إطلاق طائرات إيرانية باتجاه إسرائيل، بإشراف قائد لواء القدس قاسم سليماني. الإعلان أيضا جاء على لسان نتنياهو نفسه الذي أشرف على العملية. إيران من جهتها وعلى لسان أكثر من مسؤول، نفت استهداف أي موقع لها في سوريا، فيما تكفلت الذراع الأهم لها أي حزب الله بالرد الذي اقتصر على طمأنة إسرائيل بأن لا رد من سوريا ولا من مزارع شبعا المحتلة، بل على الأراضي الإسرائيلية مباشرة.

في المبدأ سيرد نصرالله على مقتل عناصر من حزب الله في سوريا عبر الأراضي اللبنانية، وبمعزل عن الدولة اللبنانية، ومع الضربة الثانية في قوسايا التي تلت تهديد نصرالله أصبح من الصعب على حزب الله عدم الرد وبشكل قوي، ولكن بالتنسيق مع إيران التي تخوض معركة تحسين شروط التفاوض مع واشنطن، وهي معركة باتت شبه معلنة مع الوساطة الفرنسية حيث أعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أنه قام بتقديم اقتراحات إيرانية جديدة للرئيس الفرنسي بشأن التفاوض مع واشنطن، وأعلنت الخارجية الإيرانية أنها تلقت دعوة فرنسية للمشاركة في قمة الدول السبع المنعقدة في فرنسا.

وسط هذه الأجواء التي تعكس تطورا في المفاوضات بشأن الملف الإيراني، وفي ظل موقف أميركي صامت حيال ما يتردد عن المبادرة الفرنسية، يصبح خيار الحرب عبر لبنان من الاحتمالات المستبعدة، وإن كان واردا من الناحية الميدانية، لكن إيران لا تريد التورط في مسار عسكري ولو عبر حزب الله، لأنها لا يمكن أن تتحكم بتداعياته في بيئة سياسية إقليمية ودولية مختلفة وغير ملائمة لإيران، قياسا على ما كان عليه الحال استراتيجيا واقتصاديا واجتماعيا في حرب العام 2006 التي كان لبنان منطلقا ومسرحا لها.

يبقى السؤال كيف سيرد حزب الله بعد دمشق والضاحية وقوسايا؟

إثر الغارة الإسرائيلية على دمشق وسقوط طائرتين مسيرتين في الضاحية الجنوبية، أجرى وزير الخارجية الأميركي مارك بومبيو اتصالين؛ واحدا برئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري والآخر بنتنياهو، دعا خلالهما إلى التهدئة ومنع التصعيد بين لبنان وإسرائيل.

الرد من قبل حزب الله في ظل سياسة تحسين أوراق التفاوض، لن يذهب إلى ما يمكن أن يستدرج حربا، وبالتالي من الممكن تكرار عملية شكلية كما حصل قبل ثلاثة أعوام، عندما قامت إسرائيل باغتيال نجل عماد مغنية قرب الجولان، قام حزب الله حينها بعملية استهدفت جرافة إسرائيلية في مزارع شبعا دون أن تقع إصابات إسرائيلية ولم تستدع ردا إسرائيليا، وأمكن تجاوز إحراج الحرب الذي لا تريده إيران ولا إسرائيل. انطلاقا من ذلك ترجح مصادر خبيرة، أن رد حزب الله سيكون بهذا المستوى الذي لا يحرج إسرائيل فيخرجها نحو حرب تفرضها ظروف غير محسوبة.

يبقى أن ما قاله نصرالله يتصل بإحراج إيراني من الاستهدافات التي تطول ميليشياتها في العراق، فالضربات المتكررة منذ أسابيع في العراق، وآخرها قبل يومين في الحدود السورية العراقية في البوكمال باستهداف موكب للحشد الشعبي أدى إلى سقوط قتلى، تدفع إيران إلى فعل شيء، حيث قال نصرالله إنه لن يسمح بنقل هذا المسار إلى لبنان، أي أن تتحول الضربات الإسرائيلية إلى أمر طبيعي كما يجري في العراق وسوريا، وبالتالي فإن رفع وتيرة التهديد وتكليفه للحكومة اللبنانية بمخاطبة الأميركيين للجم الإسرائيليين، ينطوي حسب بعض الخبراء على إعلان حزب الله استعداده لإنجاز تفاهم بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، يقوم على احترام القرارات الدولية لاسيما لجهة وقف الخروقات الإسرائيلية للقرارات الدولية المتصلة بلبنان.

ما يريده نصرالله هو حماية دور حزب الله ونفوذه في لبنان، وهذه الوظيفة التي تضمن لإسرائيل الاستقرار على حدودها، تتطلب في المقابل من الحكومة الإسرائيلية عدم الإخلال بشروط هذا التفاهم المستمر منذ عام 2000 وجرى تثبيته بعد حرب عام 2006. فانتفاضة نصرالله الكلامية في خطابه الأخير جاءت بعدما لمس تطورا في الموقف الإسرائيلي الذي يخلّ بتقاطع المصالح بين إسرائيل وحزب الله، معلنا قبل وصول مساعد وزير الخارجية الأميركي، ديفيد شنكر، مطلع الشهر المقبل إلى بيروت، تقبل حزب الله لدور أميركي يضمن أن لا يتحول لبنان إلى مركز لأهداف إسرائيلية.

 وشنكر كما هو معروف يشرف على ملف ترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان وإسرائيل، والزيارة المقررة ستكون اختبارا أميركيا لمدى جدية لبنان، أو بوصف أدق لمدى جدّية إيران في تسهيل عملية ترسيم الحدود، وبالتالي لمدى تقدم المبادرة الفرنسية بين واشنطن وطهران. لبنان سيبقى ساحة الاختبار الإقليمية والدولية لمدى استجابة طهران لشروط التفاوض الإقليمي مع واشنطن، ودائما تحت سقف المناوشات العسكرية التي لا يرغب نصرالله في خوضها، رغم إعلان قائد الحرس الثوري قبل أيام أن حزب الله وحده كفيل بهزيمة إسرائيل.

 

كاتب لبناني

 

 

مؤتمر لحلف الأقليات

في "بيروت الإيرانية"

علي الأمين

 

يتصل الإغراء الذي تقدمه طهران لتعزيز نفوذها عربيا في ظل الصراع الإقليمي والدولي على النفوذ في المنطقة العربية، بتقديم نفسها كطرف منافس لإسرائيل في بلورة مشروع حلف الأقليات على أرض الواقع. القيادة الإيرانية تراجعت عن شعار كان عنوان دخولها إلى دول العالم ولاسيما الدول العربية والإسلامية، هو مشروع الوحدة الإسلامية مقابل الوحدة العربية، والأمّة الإسلامية مقابل الليبرالية الغربية والاشتراكية، وكان من أبرز شعارات الاختراق الإيراني والأيديولوجي لدى الشعوب العربية والإسلامية “لا شرقية لا غربية جمهورية إسلامية”.

‏المصطلح الجديد الذي بات عنوان تعامل إيران مع المنطقة العربية، هو “دول غرب آسيا”، وهو مصطلح جغرافي ينطوي على تجاوز يمكن أن نفهمه من قبل إيران للهوية العربية والنظام الإقليمي العربي، باعتبار أنها بتجاوزها لهذه الحقيقة الحضارية للعالم العربي، تريد أن تكون شريكا في رسم نظام مصالح المنطقة وهي في صلب جغرافيتها، لكن ما ليس مفهوما هو الانقلاب الأيديولوجي من مفهوم العالم الإسلامي والنظام الإسلامي إلى مصطلح دول غرب آسيا، في توصيفها المستجد لجزء من المنطقة العربية الذي تعتبره مجالا لنفوذها وسيطرتها.

‏إيران التي ساهمت في ضرب المنظومة الإقليمية العربية، وعملت أيديولوجيا وثقافيا لتقويض مفهوم العروبة، استخدمت الهوية الإسلامية، ورسّخت في خطابها الثقافي إلى العرب مقولة التناقض بين العروبة والإسلام، وهو تناقض مفتعل روّج له سواها من الأيديولوجيات الإسلامية في العالم العربي التي تقاطعت معها على هذا المنهج. غير أنّ المفارقة هي أن الهوية القومية الإيرانية بقيت راسخة في مشروع الدولة الإسلامية الإيرانية، بحيث بدأ يتضح اليوم أكثر فأكثر أن الثابت في إيران هو الهوية القومية، التي تقوم الدولة ونظام مصالحها على أسس هذه الهوية، فيما يتحول الدين أو المذهب أو الأيديولوجيا الدينية، إلى أداة لحماية هذا المشروع القومي وليس العكس.

اللقاء المشرقي في بيروت لن يقتصر على ممثلين لأقليات مسيحية في سوريا والعراق والأردن ولبنان، بل سيطال بعض الجماعات الكردية والإيزيديين والشيعة والعلويين وغيرهم من الجماعات التي تندرج ضمن تعريف الأقليات

دلالات رسوخ الهوية القومية في المجتمع والتاريخ الإيراني، برزت من خلال التحول الذي شهدته إيران في العهد الصفوي، حيث أمكن للسلطة الصفوية قبل 500 عام، أي في بداية القرن السادس عشر، تحويل الهوّية المذهبية للشعب الإيراني من المذهب الحنفي إلى المذهب الشيعي الإثني عشري، وقد تم ذلك في فترة وجيزة وبقرار من السلطة الحاكمة.

‏هذا التغيير لم يكن لأسباب تتصل بأرجحية هذا المذهب الإسلامي أو ذاك لدى الصفويين، أو في الحد الأدنى لم يكن هذا السبب هو الأساس في تغيير المذهب، بل ثمة سبب آخر استراتيجي وسياسي دفع الدولة الصفوية إلى مثل هذا القرار، هو التنافس مع الشرعية الإسلامية الجديدة الصاعدة آنذاك، المتمثلة بالسلطنة العثمانية، التي كانت في أوج تمددها. التنافس العثماني الصفوي دفع الصفويين للبحث عن شرعية دينية للنفوذ، ذلك أن السلطنة العثمانية فرضت شرعية الخلافة الإسلامية في مطلع القرن 16، ولم يكن أمام الصفويين إلا البحث عن شرعية دينية مقابلة ومنافسة، فكان هذا التحول نحو المذهب الشيعي. وهو تحول يعزز من مقولة أن الثابت في إيران هو الهوية القومية، أما الدين أو الأيديولوجيا فهي متحرّكة وفي خدمة المشروع القومي في إيران والهوية الفارسية.

على هذا المنوال والمنهج يمكن فهم الأدوات الفكرية والدينية والأيديولوجية التي تستخدمها إيران لاختراق المجتمعات والدول، استخدمت الإسلام كوسيلة لاختراق المجتمعات الإسلامية ذات الغالبية السنية، وروّجت الأيديولوجيا الإسلامية، مستفيدة من هذا الشعار لتبرير تدخلها في كل الدول الإسلامية، وهذا ما كان عليه الحال لنحو ربع قرن من التغلغل الإيراني في المحيط العربي والإسلامي، بدأ منذ قيام النظام الإسلامي، ثم ما لبثت إيران ومع الاحتلال الأميركي للعراق، أن سخّرت الهوية الشيعية في سبيل ترسيخ نفوذها في العراق، فأنشأت ودعمت العشرات من المجموعات الميليشياوية الشيعية في هذا البلد، بل سيطرت إلى حدّ لا يستهان به على المؤسسات والمراكز المذهبية، وعملت على إدارة عملية بناء العديد من المراقد أو توسعتها في سياق تعزيز الهوية الشيعية على حساب الهوية الوطنية العراقية، والهوية العربية.

‏انفجار الثورة السورية عام 2011، كان الاختبار الأبرز للمشروع الإيراني، الذي استشعر خطرا من تحول السلطة في سوريا من حكم الأقلية العلوية إلى حكم الأكثرية السنية، الإسلام السياسي الذي طالما كان أساس الخطاب الإيراني للعرب السنة، انقلبت عليه طهران لا لشيء إلا لأنه يهدد الحكم العلوي حليفها في هذا البلد، وتحوّل الإسلاميون السنة في سوريا إلى إرهابيين في خطاب طهران، بل جيّشت طهران الشيعة من خلال خطاب مذهبي راح يحذّرهم من أن سقوط نظام الأسد هو تهديد لوجودهم، وإذا دقّقنا في رموز القوة الإيرانية الميليشياوية في الدفاع عن نظام الأسد، لوجدنا أن كل الميليشيات العراقية والأفغانية الباكستانية واللبنانية التي جنّدتها إيران للقتال في سوريا، كانت أسماؤها تمثل رموزا شيعية، لا سمة إسلامية جامعة لها؛ فاطميون، زينبيون، أبوالفضل العباس.

بعد المرحلة السورية الغارقة في وحول التفتّت من جهة، والصراع الإقليمي والدولي على النفوذ والسيطرة من جهة ثانية، تبدو إيران في موقع الشريك القوي الذي يحسن تنفيذ متطلبات مشروع الشرق الأوسط الجديد، من ضرب الهوية العربية وتفسخ الهوية الوطنية، كانت إيران تخاطب من خلالهما نظام المصالح الإسرائيلي والغربي على وجه العموم، وكانت في نفس الوقت تدرك أن انخراطها في هذا المشروع يتطلب أن تستخدم في خطابها لغة معادية للولايات المتحدة وإسرائيل، طالما أن الخطاب شيء وواقع التنفيذ شيء آخر، فلا ضير أن تعلن إيران عداءها اللفظي لإسرائيل، طالما هي تنفذ ما لم تستطعه إسرائيل التي في مواجهتها للعالم العربي، طالما كانت تشجع الأقليات الدينية والمذهبية لأن تعبّر عن خصوصيتها في مشاريع سياسية وعسكرية، في سبيل تفجير التناقضات الداخلية في المحيط العربي المعادي لها.

‏إيران تنافس إسرائيل على السيطرة على هذا المشروع، وتعمل على أن تكون الطرف الضامن لحلف الأقليات في المنطقة العربية دوليا، بعدما أمسكت إلى حدّ بعيد بالورقة الشيعية عربيا. اللقاء المشرقي في بيروت الذي يعد له الرئيس ميشال عون لن يقتصر على ممثلين لأقليات مسيحية في سوريا والعراق والأردن ولبنان، بل سيطال بعض الجماعات الكردية والإيزيديين والشيعة والعلويين وغيرهم من الجماعات التي تندرج ضمن تعريف الأقليات.

المصطلح الجديد الذي بات عنوان تعامل إيران مع المنطقة العربية، هو "دول غرب آسيا"، وهو مصطلح جغرافي ينطوي على تجاوز يمكن أن نفهمه من قبل إيران للهوية العربية والنظام الإقليمي العربي

إيران شريكة في هذا المؤتمر الذي سيعقد بعد أسابيع في بيروت، بل الأرجح أنها أحد أهم الداعمين لانعقاده، طالما أن الجهات المنظمة المعلنة، هي حليفة حزب الله، بل تواليه سياسيا.

هذا المؤتمر لا تكمن خطورته في اجتماع هذه المكونات الطائفية والعرقية والدينية التي تتلاقى في بيروت لتبحث شؤونا دينية أو طائفية، بل الخطورة أن انعقاده يأتي في سياق ترسيخ الهوية السياسية لهذه المكونات في ظل تراجع الهوية الوطنية وتصدّع النظام الإقليمي العربي والانتماء العربي.

إيران تتلقّف هذا المسار من خلال تشجيع المنظمين على عقده في لبنان، فالجميع يعلم أن إيران، من خلال حزب الله، قادرة على أن تمنع انعقاده إذا أرادت أو تحول دون مشاركة جهات قادمة من العراق وسوريا وإيران وغيرها.

حلف الأقليات كما يجري تحضيره في بيروت، هو أبرز ما تحتفي به إيران اليوم، وأكثر ما يثلج صدر إسرائيل، وأكثر ما يهدد الهويات الوطنية ويواجه الهوية العربية، ذلك أن المشترك بين هذه الجماعات المدعوة إلى “اللقاء المشرقي” هو تململها من أي توصيف عربي لانتمائها، وشعور بأن بلاء المنطقة هو من الأكثرية العربية والأكثرية الإسلامية، ويأتي هذا المؤتمر للقول إن ثمة هوية مشرقية تمتد من بيروت إلى طهران، هذه الهوية المسيحية مكون أساسي لها، كما الأقليات سواء كانت دينية أو مذهبية إسلامية.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

الفلسطينيون في لبنان:

أيتام على مائدة الممانعة

علي الامين

منذ أكثر من أسبوعين، يشهد لبنان سلسلة تحركات احتجاجية من قبل اللاجئين الفلسطينيين، ضد إجراء قامت به وزارة العمل اللبنانية، ينطوي على تنفيذ قانون إلزام اللاجئ الفلسطيني بالحصول على إجازة عمل. ورغم إعفاء الفلسطينيين من رسوم الإجازة إلا أنّ الاحتجاجات لم تزل مستمرة بدعم من قوى سياسية لبنانية، تطالب بوقف هذا الإجراء، ولعل أبرز ما أظهرته هذه الاحتجاجات أن التظاهرات الفلسطينية خرجت من أسوار المخيمات وانتقلت إلى خارجها ولاسيما مدينة صيدا.

لا أحد من اللبنانيين يشكك بالأوضاع الاجتماعية البائسة داخل المخيمات الفلسطينية، كما أن تنظيم العلاقة اللبنانية الفلسطينية هو حاجة لبنانية كما هو مطلب فلسطيني، خاصة وأن هذه العلاقة ظلت ولا تزال رهينة الحسابات الإقليمية؛ السورية في زمن الوصاية السورية سابقا والإيرانية اليوم، رغم الخطوات المهمة التي تم إنجازها خاصة على صعيد تشكيل لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني بعد الانسحاب السوري من لبنان عام 2005. على أهمية هذه الخطوة المؤسساتية على هذا الصعيد، ما لبثت الوقائع السياسية، أن كشفت أن القرار اللبناني والقرار الفلسطيني في لبنان، هما خارج هذه اللجنة وفي مكان آخر، وتحديدا في جعبة المسيطر، أي إيران وتحت إدارة حزب الله.

في هذا السياق وفي مشهد يحفزُ على القراءة السياسية، استقبل قبل يومين، مسؤول الملف الفلسطيني في حزب الله النائب السابق حسن حب الله، وفد الفصائل الفلسطينية في لبنان وعددا من المنظمات والمجموعات الإسلامية الناشطة في مخيم عين الحلوة، مثل “عصبة الأنصار” و”الحركة الإسلامية المجاهدة”، للبحث في ملفات عدة منها قرار وزير العمل. والأهم في اللقاء، هو أن المجتمعين أشادوا بمواقف حزب الله، وأثنوا على دوره في مواجهة “المشروع الأميركي الصهيوني” فضلا عن موقفه المعارض لإجراءات وزارة العمل اللبنانية.

هذا اللقاء ممنوع على مؤسسات الدولة أن تديره، بمعنى أن الملف الفلسطيني يجب أن يبقى خارج دائرة العلاقات الرسمية بين الدولة اللبنانية والسلطة الوطنية الفلسطينية. وإلاّ ما معنى أن تفشل هيئة الحوار التي طلبت الاجتماع مع هذه الفصائل، فرفضت الأخيرة التجاوب بحجة “وجود وزير العمل في اللقاء”. السؤال الذي يطرح، هل تستطيع هذه الفصائل بما فيها حركة فتح، رفض دعوة حزب الله للقاء؟ بالتأكيد لا تجرؤ، ولم تفعل ذلك وما فعلته، لكنها تملك الجرأة على عدم التجاوب مع مؤسسة رسمية معنية وطالما كانت هيئة الحوار اللبناني الفلسطيني، متهمة من بعض المسؤولين بأنها منحازة للاجئين الفلسطينيين في لبنان.

الكثير من المراقبين واللبنانيين عموما، أثارت انتباههم الاحتجاجات التي شهدتها شوارع مدينة صيدا وبعض المناطق الأخرى قبل أسبوع، لا رفضا أو قبولا لمبدأ حق الاحتجاج الفلسطيني تجاه أي قضية تعنيهم، بل لسبب آخر هو السماح الأمني غير المسبوق للفلسطينيين بالاحتجاج خارج المخيمات، وهذا لا يمكن أن يتم دون غطاء سياسي يقرره حزب الله بالدرجة الأولى، ولاسيما أن الفلسطينيين داخل المخيمات، وخاصة المنظمات التي تخضع لسلطة الرئيس محمود عباس أو المعارضة له، خاضعة إلى حدّ كبير لتوجهات حزب الله في ما يتصل حتى بإدارة أوضاع المخيمات الأمنية والسياسية، فممنوع على الفلسطينيين إنهاء حالات التسيب الأمني داخل المخيمات، ولا التوصل إلى صيغة موحدة ومرجعية فلسطينية واحدة تكون مسؤولة أمام الفلسطينيين وأمام الدولة اللبنانية.

هذا المسار من إدارة “الورقة الفلسطينية” والقائم على استراتيجية إبقاء المخيمات الفلسطينية منصة لتوجيه الرسائل الأمنية، كانت منهجية سورية اعتمدت طيلة المرحلة الممتدة من عام 1985 مع بدء حرب المخيمات إلى عام 2005، تاريخ خروج الجيش السوري من لبنان، حيث ورث حزب الله هذه المنهجية، وصار المرجعية الفعلية لتوازن القوى داخل المخيمات، وضابط الإيقاع الفلسطيني في لبنان.

ما يعزز هذه الحقيقة أن مختلف المنظمات الفلسطينية تتفق على العلاقة الجيدة مع حزب الله، وتتصارع في ما بينها وتقف في وجه الدولة إذا أراد حزب الله ذلك. لذا أن ترفض الفصائل الفلسطينية لقاء وزير العمل، ليس بطولة ذاتية بل استجابة لتعليمات “إلهية”، ولعل المشهد الذي كان فيه المحتجون الفلسطينيون يرفعون فيه أعلام حزب الله هو الأكثر تعبيرا عن الانسحاق الفلسطيني أمام رغبات حزب الله، وهو تشويه للهوية الفلسطينية حيث باتت الفصائل الفلسطينية تلوذ بعلم حزب الله ولا تجد في العلم الفلسطيني ما يغري على رفعه.

المدخل المهم لفهم هذه العلاقة يتصل بقضية محورية عنوانها السلاح داخل المخيمات. لقد ثبت من خلال الوقائع منذ أكثر من ربع قرن، أن الوظيفة الأهم للسلاح الفلسطيني في لبنان هي الاقتتال الفلسطيني، بعدما منع على الفلسطيني ولاسيما من قبل محور الممانعة، أي نشاط عسكري ضد إسرائيل، فالمقاومة هي عنوان للعبة المزايدات الداخلية ولتسجيل المواقف ولتأبيد البؤس في المخيمات الفلسطينية، كوسيلة من وسائل الابتزاز السياسي الداخلي اللبناني والإقليمي من جهة، ولإبقاء المخيمات مصدر تفجير ومنصة رسائل في اتجاه الخارج حين تقتضي الحاجة.

كانت السلطة الفلسطينية قد عرضت رسميا على الحكومة اللبنانية قبل عشر سنوات، وجددت الطلب قبل عامين، تنظيم مسألة السلاح الفلسطيني في لبنان، وأبدى أبومازن نفسه استعداد الجانب الفلسطيني لتسليم السلاح إلى الدولة اللبنانية، لكن المفارقة أن الرفض الفعلي كان لبنانيا، وتحديدا من قبل حزب الله كما أكدت ذلك مصادر رسمية فلسطينية، وليس من غاية وراء هذا الموقف كما تشير المصادر نفسها، سوى إبقاء الملف الفلسطيني رهن الاشتعال الأمني، وغبّ طلب الاستغلال السياسي من قبل الطرف المتحكم بالقرار اللبناني.

المأساة الفلسطينية في خضم الاحتجاجات الأخيرة، هو مشهد القتل المجاني في مخيم عين الحلوة، حيث أدت معارك شهدها المخيم قبل يومين إلى سقوط قتلى، فيما لا يزال السلاح يتدفق إلى المخيمات، علما أن المخيم أشبه بسجن مسور يخضع لحراسة مشددة من قبل القوى الأمنية والعسكرية الرسمية اللبنانية.

المأساة الفلسطينية التي يعبر عنها حال الفصائل الفلسطينية اليوم، أنها تحولت إلى مجرد دمى تحركها “الممانعة” وتخضع لتعليماتها، فيما الحقوق الفلسطينية من لبنان والحقوق اللبنانية على اللاجئين، عناوين محرّمة على المعالجة أو البحث الجدي. المأساة الفلسطينية في لبنان ليست في الحقوق المنتهكة، بل تتمثل في غياب القيادة الفلسطينية في لبنان، والتي جعلت الفلسطينيين كما اللبنانيين كالأيتام على مائدة اللئام، الذين يبحثون دوما عن مشتر جديد للبؤس الفلسطيني.

كاتب لبناني

 

 

التعطيل الحكومي في لبنان

مقدمة لترسيخ "حلف الأقليات"

علي الامين

 

دخل لبنان ولا يزال في مرحلة من التعطيل، وقد طالت مجلس الوزراء الذي لم ينعقد منذ “حادثة البساتين” في 30 يونيو الماضي، وكما بات معروفا، فإن تلك الحادثة نتجت عن تصادم بين موكب الوزير صالح الغريب وبين بعض من أهالي بلدة قبرشمول، ما أدّى إلى إطلاق نار سقط نتيجته قتيلان من مرافقي الوزير الغريب وعدد من الجرحى من الأهالي.

الوزير الغريب الذي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي اللبناني الذي يرأسه طلال أرسلان، كان أيضا عنوان الأزمة التي نشأت خلال تشكيل الحكومة، بسبب الخلاف على ضمه للحكومة، وكان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط قد اعترض على توزيره، في حين أن حزب الله وقف وراء قرار توزيره، علما أن الوزير الغريب يحظى أيضا بدعم رئيس الجمهورية الذي سماه، فلم يكن من جنبلاط إلا أن عاد وقدم تنازله على طبق من فضة لرئيس الجمهورية، وقبل بتوزير الغريب.

الخلاف الذي نشأ بعد هذه الحادثة، هو على إحالتها إلى المجلس العدلي، بين رفض جنبلاط هذه الإحالة وإصرار الوزير السابق طلال أرسلان على إحالتها.

المجلس العدلي هو هيئة قضائية تختصّ بالقضايا التي تمس الأمن الوطني، وتلك الجرائم السياسية، وهي هيئة تتخذ أحكامها، صفة الأحكام المبرمة، التي لا تقبل أي مراجعة أو طعن، كما بقية المحاكم في لبنان.

ويتطلب اعتماد هذه المحكمة في أيّ قضية جريمة، قرارا من مجلس الوزراء. لذا فإن عدم انعقاد جلسات مجلس الوزراء مرتبط بالانقسام حول هذه القضية بين عدة اتجاهات:

أولا، يدعو إلى إحالتها إلى المجلس العدلي، ويتبنى فريق يقوده حزب الله ومن ضمنه رئيس الجمهورية والوزير السابق سليمان فرنجية بالإضافة إلى أرسلان هذا الاتجاه.

وثانيا، يعارض هذه الإحالة بشكل واضح، رئيس الحكومة سعد الحريري، وسمير جعجع بالإضافة إلى جنبلاط، فيما الرئيس بري لم يعلن موقفا حاسما في هذا الشأن على رغم العلاقة التاريخية التي تربطه بجنبلاط، والتي تدفع البعض إلى ترجيح موقف الرفض لضم الحادثة إلى المجلس العدلي، لكن يبقى الرئيس بري رهن حسابات حزب الله، وقد أظهر نصرالله في خلاصة خطابه الأخير تشبثه بموقف إحالة القضية المذكورة إلى المجلس العدلي.

موقف نصرالله، كشف عن أن مسار الخروج من هذه الأزمة، لا يتم إلا من خلال البتّ في هذه القضية في مجلس الوزراء، ما يعني الإحالة إلى المجلس العدلي، لأن الجميع يعلم أن الحزب هو صاحب القرار في الحكومة ويتحكم بنحو ثلثي الأصوات فيها. لكن السؤال الذي يُطرح: ما هي حجة الرافضين للمجلس العدلي؟

هناك عدة أسباب تجعل من الرفض أمرا له ما يبرره:

أولا، أن الإحالة إلى المجلس العدلي تتطلب إجراء تحقيقات أولية يخلص من خلالها المحققون إلى تقديم رواية ما جرى وبناء عليه يتم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء، وهذا لم يحصل بسبب الإصرار من قبل فريق الممانعة على إحالتها مباشرة إلى المجلس العدلي.

ثانيا، ترافقت مع هذه الحادثة وسبقتها، عملية تضييق الخناق السياسي على وليد جنبلاط، من قبل حزب الله والتيار الوطني الحر، ما جعل جنبلاط ينظر إلى المجلس العدلي باعتباره الهيئة القضائية التي ستقوم بإكمال مهمة خنق جنبلاط سياسيا، ولاسيما أن أحكام هذه الهيئة أحكام مبرمة لا تقبل الاستئناف وأيّ شكل من أشكال المراجعة والطعن.

ثالثا، قبل جنبلاط باقتراح ضم هذه الحادثة مع حادثة سبقتها وحصلت قبل عام وأدت إلى مقتل أحد محازبيه في الشويفات من قبل شخص معروف وتابع للحزب الديمقراطي نفسه، ومن المعروف أن المتهم بجريمة الشويفات تم تهريبه من لبنان إلى سوريا. هذا الاقتراح رفضه أرسلان وحلفاؤه.

إزاء هذه التعقيدات والإصرار على جرّ جنبلاط إلى المجلس العدلي، وعلى الرغم من التداعيات التي يحملها هذا الإصرار، ولاسيما أن العدالة يمكن أن تتحقق من باب محاكم أخرى، فإن المخاوف تبقى في محلها ولاسيما لجهة الإصرار على إحكام القبضة على لبنان وإلغاء ما تبقى من هوامش للموقف السياسي، التي يمثل جنبلاط الحصن والحامي لها إلى حدّ بعيد، ولاسيما بعدما انصاعت معظم القوى التي خاصمت حزب الله، في ما يسمى التسوية الرئاسية.

عنوانان يحذر منهما جنبلاط، ويعتبرهما مصدر الأزمة التي تتجاوز “حادثة البساتين” الأول، هو في سعي حزب الله إلى ترسيخ مفهوم حلف الأقليات في الدائرة اللبنانية كنموذج للاحتذاء في المنطقة، لذا فإن رفض جنبلاط هذا المشروع ومواجهته، هو ما يزعج حزب الله.

والعنوان الثاني، هو تدمير منهجي لاتفاق الطائف الذي يشكل العائق أمام سيطرة دستورية وشرعية لحزب الله على لبنان، وهذا يتلاقى مع مشروع رئيس الجمهورية، الذي يسعى مع فريقه إلى فرض أعراف دستورية جديدة، جوهرها يقوم على إنهاء اتفاق الطائف، من زاوية شعار استعادة صلاحيات رئيس الجمهورية.

هذا المسار الذي يشكل سلاح حزب الله أحد وسائل عمله، وقوة الدفع لتحقيقه، هو الذي يتقدم على ما عداه، من تحديات تواجه لبنان اليوم، فبحسب مصادر في تيار المستقبل، إن لبنان أمام مفترق خطير، فإما أن يسرع الخطى من أجل لجم الانهيار المالي، من خلال التفاعل مع الاستحقاقات التي أقرها مؤتمر سيدر، وإما أنه يدخل في المجهول، لذا يضيف المصدر، أن تعامل المسؤولين مع هذه القضية وكأنها غير ملحة، تثير المخاوف من أن يكون لبنان أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء النظام على قواعد وأسس جديدة، بقوة الحرب.

بهذا المعنى يلاقي وزير التربية أكرم شهيب، وهو من القيادات التاريخية في الحزب الاشتراكي، الذي قال لـ”العرب” إن خطر الحرب الأهلية فعلي في لبنان، طالما أن هناك إصرارا على اعتماد أسلوب ومنهج يضرب التوازنات السياسية، ويتمادى في إدارة الظهر للمشكلات التي باتت تهدد وجود لبنان العربي.

وفي هذا السياق، برز أخيرا التهديد الإسرائيلي إلى لبنان من خلال اتهام لبنان بالسماح باستخدام مرافئه، ولاسيما مرفأ بيروت والمطار، لإدخال سلاح لحزب الله، وهذا ما حرص نصرالله على نفيه في خطابه الأخير، علما أن هذه الإشارة الإسرائيلية تعكس حال من وضع لبنان أكثر فأكثر في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، في وقت بات فيه لبنان شبه أعزل من صداقات عربية ودولية، كانت تعينه في كل عدوان يتعرض له، وهذا اليوم يبدو مفتقدا.

وما يثير المخاوف من تحوّل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية، هو محاولة استثمار الاحتجاجات الفلسطينية الأخيرة المستمرة في لبنان اليوم رفضا لإجراءات تضييق على العمالة الفلسطينية، وكان لافتا أن هذه التحركات الفلسطينية كانت تحتمي معظمها برفع رايات حزب الله، وهي دلالة واضحة على أن حزب الله يستطيع أن يستخدم هذا الوجود -فيما لو أراد ذلك- في مواجهة داخلية أو حتى خارجية.

وترافقت هذه التحركات مع اتفاقيات عقدتها حركة حماس قبل أيام مع القيادة الإيرانية، وهي اتفاقيات تندرج في سياق الاستحواذ على الورقة الفلسطينية، وانتزاعها بالكامل من الإطار العربي، ومن المتوقع أن تنشط حركة حماس على خط التعبير عن الموقف الفلسطيني من خلال تنسيق أعلى مع طهران لن يكون منحصرا في غزة فحسب بل في الأردن وسوريا ولبنان أيضا.

 

كاتب لبناني

 

الادعاء القضائي على نواف

الموسوي يفتح باب الصراعات

داخل حزب الله

علي الامين

 

لم تنته ذيول إقالة النائب في حزب الله نواف الموسوي من البرلمان، كما تروج مصادر حزب الله وتسرب للإعلام، أو استقالته كما يصرّ هو في حديثه لأكثر من وسيلة إعلامية.

النائب الموسوي هو عضو في البرلمان اللبناني منذ العام 2009. وكان ضمن مرشحي حزب الله في انتخابات عام 2008 في دائرة الجنوب الأولى (صور) وقد تنقل في مواقع حزبية عدة، منذ أن انتسب إلى الحزب في بدايات التأسيس في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، واتسمت مهماته الحزبية بالطابع الثقافي والإعلامي ثم تولى موقعا شبه ثابت في المجلس السياسي للحزب، وكان يعتبر من المسؤولين الذين يغلب على خطابهم الطابع الأيديولوجي المتشدد.

لم يصدر عن حزب الله بعد مرور عدة أيام على إعلان الموسوي استقالته من مجلس النواب، في رسالة كشف عنها قبل أن يعلنها رئيس المجلس نبيه بري أمام النواب لتصبح نافذة. فمجرد أن أعلن بري عن الاستقالة، أدرك الجميع أن حزب الله موافق على الاستقالة على الأقل، إن لم يكن هو من دفع الموسوي إلى تقديمها، ذلك أن الرئيس بري ما كان ليعلنها لو أن لدى حليفه حزب الله رأيا آخر.

رغم ذلك لم يعلق حزب الله على الاستقالة، ولم تذكر محطة المنار التابعة له أي خبر يرتبط بها، وتعاملت ولا تزال وكأن شيئا لم يكن، على الرغم من أنها شكلت الحدث الأبرز خلال الأسبوع الماضي في معظم المحطات اللبنانية على اختلافها.

استقالة الموسوي، تبقى هي الخبر الصحيح، طالما أن حزب الله لم يصدر عنه أي موقف رسمي علني بشأنها بعد مرور خمسة أيام على إعلانها، وهي كما بات معروفا جرت على إثر نزاع اسري بين الموسوي وطليق ابنته، اقتحم على إثره الموسوي مع مرافقيه أحد مراكز الشرطة، بسبب احتجاز ابنته وطليقها إثر مشادة وقعت بينهما على إحدى الطرقات العامة، وكان الموسوي الذي استفزه تعرض ابنته لاعتداء من طليقها، عمد إلى محاولة إخراج ابنته من الحجز، وأطلق النار تهويلا على طليقها في مركز الشرطة، كما ورد في تقرير أمني رسمي.

كل المعلومات تشير إلى أن المحنة العائلية هذه ليست جديدة، وأن كثيرا من القريبين من الحزبيين وغيرهم يعرفون أن هذه القضية ليست جديدة وإنما تعود إلى فترة زمنية تمتد لأشهر، لكن السؤال الذي يطرح هو كيف أن حزب الله لم يعمل على معالجتها؟ خصوصا وأن والد طليق زوجة الموسوي (الشيخ محمد توفيق المقداد) هو في حزب الله، ويتولى منصب مدير مكتب وكيل ولي الفقيه علي خامنئي الشرعي في بيروت، والمفارقة أن من وظائف هذا المكتب الرئيسة، هي معالجة مثل هذه القضايا المتصلة بالزواج والطلاق والعائلة.

ويستتبع ذلك سؤال آخر، فحزب الله الذي يتسم بطابع أمني، ويفرض على محازبيه ضوابط حزبية ودينية ملزمة باسم ولاية الفقيه، هل كان عاجزا عن معالجة قضية طرفاها من محازبيه أم أنه تقصد إدارة الظهر لها؟

في كلا الحالين ثمة ما يدفع بالأسئلة إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو المكان الذي بات فيه الحديث عن مراكز قوى داخل الحزب وتصفية حسابات داخلية هو أمر بدأ بالظهور، وما يعزز هذه الفرضية، أن الموسوي الذي أعلن استقالته من البرلمان، أكد على بقائه في صفوف حزب الله، وبالتالي ما معنى أن يجري الادعاء في المحكمة العسكرية اللبنانية على الموسوي بجرم إطلاق النار في مركز الشرطة، في الوقت الذي كان يمكن لحزب الله -لو أراد- أن يعمد إلى معاقبة الموسوي، ومنع الادعاء عليه رسميا، خصوصا وأن هذه المحكمة العسكرية، يعرف الجميع دالة حزب الله عليها وعلى العديد من أحكامها. لذا فإن الادعاء في الحدّ الأدنى مغطى من حزب الله إن لم يكن هو من أمر به ونفذته المحكمة.

في موازاة ذلك إذا كان حزب الله عاجزا عن معالجة مثل هذه القضية بين طرفين يعلنان التزامهما بقيادة ولاية الفقيه، بل يبشران بها ويدعوان لها، فهذا ما يجعل الاعتقاد بأن ثمة ما يتجاوز قدرته حتى على إلزام محازبيه، بما يعتبره حكما إلهيا في أي موقف يتخذه في أي شأن، فكيف لو كان الشأن بين ملتزمين بشروط الانتساب إليه؟

لا شك أن الصراعات داخل الأحزاب طبيعية ومشروعة بتلك التي تنتمي إلى مرجعيات فكرية ليبرالية أو ديمقراطية، أما في النماذج الحزبية ذات الطابع الأيديولوجي والديني، ومنها حزب الله الذي يمكن أن نضيف إليه الطابع الأمني والعسكري، فإن الخلاف أو الصراع، هو من الكفر الحزبي، لذا فإن أي حديث عن وجود صراع حول منهج أو فكرة أو قرار ما، هو قول فيه انتقاص وتشويه ومؤامرة، بحسب أدبيات حزب الله وتربيته.

من هنا فإن ما جرى على الرغم من السمة العائلية كما هو ظاهر، فإن حزب الله عبر بطريقة تعامله المتسمة بالصمت وعدم التعليق علنا، عن أمر جلل قد وقع، ليس في أصل المشكلة التي هي واحدة من عشرات، بل في كونها تسربت للإعلام وشاعت بين اللبنانيين.

في انتظار كيف سيتعامل حزب الله مع قضية الموسوي بشكل رسمي وعلني، فإن ذلك لن يخفي ما آلت إليه هذه البنية الأيديولوجية والأمنية، التي انخرطت إلى حدّ كبير في الحياة اللبنانية من موقع أنها “أشرف الناس” وهو الشعار الذي رفعه حزب الله بعد حرب تموز 2006 وجعل منه وسيلة “أخلاقية” لتبرير سلطته ونفوذه وسطوته في السياسة والأمن، وجعل المنتمين إليه في موقع خارج المحاسبة والمساءلة، وهي مقولة تشكل عنوانا فظّا للفرقة الناجية، والتي فتحت الباب واسعا على تنمية شعور الاستعلاء وتحويله إلى ثقافة مجتمعية راسخة في الحزب وبيئته، وأدى ذلك إلى أن يجعل من مجرد الانتساب إلى هذه البيئة أو التحزب لها، معبرا لدخول الجنة في السماء، ووسيلة من وسائل الاستقواء والخروج الشرعي والمبرر على الدولة والقانون.

كانت الموارد المالية والعطاءات التي يوفرها حزب الله مباشرة لمناصريه أو التي يوفرها بشكل غير مباشر من خلال الانتماء إلى خط الحزب باعتباره سلطة تحصن من الملاحقة والمحاسبة، كل هذه الموارد تراجعت، والدولة اللبنانية تراجعت قدراتها المالية أيضا، هذا ما ساهم بكشف الواقع، والسلطة التي صارت بيد حزب الله هي أقصى أحلام الذين ساروا في ركبه بلا أسئلة، لكن الجواب اليوم، أن الواقع غير الأحلام، وأن “أشرف الناس” كبقية الناس، يحبون السلطة ويتنازعون من أجل المال، ويحبون لنفسهم أكثر مما يحبون لغيرهم، لا بل باتت تلك الأماكن التي يسيطر حزب الله عليها منذ عقود، وينشر فيها مراكزه ومساجد وحسينيات، هي من أكثر المناطق التي تشهد تجاوزات للقانون، وتنتشر فيها المخدرات، وتراجع فيها أعداد الذين يلتزمون دينيا، والمساجد تكاد تكون شبه خاوية، إلا بأمر حزبي.

استقالة الموسوي من البرلمان، مهما بلغت الخصوصية فيها، إلا أن في نتائجها السياسية والحزبية ودلالاتها الاجتماعية، ما يعبر عن وجه من وجوه أزمة اجتماعية. لطالما ظن حزب الله أن التعتيم وادعاء النقاء والطهارة وسيلة جيدة من وسائل المعالجة، لكن ما هو واقع اليوم، أن تفاقم المشكلات وتعاظمها، أخلاقيا واجتماعيا، فضلا عن تراجع مريع لنموذجية عناصر حزب الله الأخلاقية لدى الجمهور، جعل من المسؤولية الحزبية مصدرا من مصادر توفير المنافع والسلطة لا الزهد والإيثار.

هذا واقع لا يعني أن حزب الله في وضع يفتقد فيه إلى السلطة والنفوذ، بل العكس هو الصحيح، هو ممسك بزمام السلطة لكنه يقف على أرض تهتز من تحته اجتماعيا واقتصاديا.

 

كاتب لبناني

 

العقوبات الأميركية

تفضح الدولة اللبنانية:

أوهن من بيت العنكبوت

علي الامين

 

في إطلالته التلفزيونية الأخيرة، لم يطلق الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أيّ موقف يوازي في أهميته قرار وزارة الخزانة الأميركية إدراج رئيس كتلة حزب الله النيابية محمد رعد،  ونائب بيروت أمين شرّي، بالإضافة إلى رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا، على لائحة العقوبات الأميركية، وحمل الدولة اللبنانية التي يمسك بمفاصل السلطة فيها مسؤولية الرد على هذه “الإهانة” للشعب اللبناني كما وصفها نائب حزب الله علي فياض. مرد التوقف عند ردة فعل حزب الله على العقوبات، وتحديدا الدفعة الأخيرة، يرتبط بالرسالة التي تنطوي عليها طبيعة اختيار هؤلاء.

بداية أشارت “الخزانة الأميركية” في تبرير قرارها، بتقديم مطالعة سياسية قانونية، تزعم من خلالها أن القرار الأميركي ينطلق من مبدأ حماية الدولة اللبنانية من سياسات حزب الله التي لا تراعي مصالح الشعب اللبناني ولا مؤسسات الدولة.

الخزانة الأميركية حددت جملة اتهامات أدرجتها كوقائع تتطلب إصدار مثل هذا القرار الذي لم يشر في أي بند من بنوده إلى أن هؤلاء يستهدفون مصالح واشنطن أو يشكلون تهديدا لأمنها، بل دائما كانت خلفية القرار تنطلق من مصالح لبنان وشعبه، حسب قول الأميركيين.

إثر صدور القرار الأخير، كان نصرالله، كما غيره من قيادات حزب الله، يلوذ بالدولة والحكومة للرد على واشنطن، وهو موقف يعكس الإرباك الذي يعيشه الحزب على أكثر من مستوى

خلاصة الاتهامات التي بنت عليها واشنطن قرارها، تتصل بثلاث جرائم محورية تزعم أنها ارتكبت من قبل المسؤولين الثلاثة وهي:

1- تهديد مصرفيين لبنانيين ومن بينهم عاملون في مصرف لبنان المركزي، بسبب التزامهم بقوانين العقوبات المالية التي صدرت ضد حزب الله.

2- استغلال سلطة حزب الله لاستخدام المرافئ والمعابر الحدودية من أجل تنظيم عمليات تهريب غير قانونية تؤثر على الاقتصاد اللبناني.

3- اعتماد سياسات تعطي الأولوية لنشاطات خارجية على حساب المصلحة الوطنية واللبنانية.

هذه جوهر الاتهامات الأميركية للمسؤولين الثلاثة في حزب الله. ومهما يكن فإن الإجراء الأميركي اختار ثلاثة مسؤولين في الحزب يجمع في ما بينهم أنهم من الفريق الأكثر انخراطا في المساحة اللبنانية، ليست لهؤلاء أنشطة خارجية ولا حتى عسكرية أو أمنية بالمعنى المتصل بنشاط خارجي، بل هم أقرب إلى الحلقات التي تتصل وتتشابك مع مؤسسات الدولة أو تطوّقها وتخضعها.

فالنائب محمد رعد، إلى جانب كونه رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، فهو نائب في البرلمان اللبناني منذ عام 1992 وهو النائب الوحيد في حزب الله المستمر في موقعه النيابي طيلة هذه المدة، ورغم أنه عضو في مجلس الشورى الذي يشكل نظريا مركز القيادة في حزب الله، إلا أن رعد ليست له سمة عسكرية أو أمنية، ولا يعتبر من أعمدة القرار في حزب الله الذي يتركز في الجهاز الأمني والعسكري وفي الأمانة العامة، وهما اللذان يشكلان حلقة الاتصال بالمرجعية القيادية في إيران.

وظيفة النائب رعد تتركز في البعد السياسي والنيابي اللبناني، حيث يتولى ملف العلاقة بالبرلمان والحكومة، ولعل هذه المواصفات في ظل الإطباق الذي يمارسه حزب الله على الدولة اللبنانية، والذي انتقل به إلى التسلل والنفاذ إلى مفاصل الدولة، تجعل من رعد مرشحا موضوعيا لرئاسة مجلس النواب كخليفة طبيعية للرئيس نبيه بري الذي جاوز عمره الواحد والثمانين عاما، فيما رعد لا يتجاوز عمره اثنين وستين عاما.

القرار الأميركي بهذا المعنى يوجه رسالة قوية لحزب الله مفادها أنه لن يسمح بهذا التسلل إلى مفاصل الدولة، ويضع فيتو على أي محاولة جدية للتقدم خطوة إضافية في سلم المؤسسات اللبنانية ولاسيما مجلس النواب.

أما النائب أمين شري وهو الثاني على لائحة العقوبات الأخيرة، فهو نائب حزب الله في العاصمة بيروت، وهو إلى جانب توليه هذا المقعد النيابي المهم بالنسبة لحزب الله، يمثل حلقة وصل فاعلة مع مؤسسات محورية كبلدية بيروت التي كان عضوا فيها، وبسبب سمته الاقتصادية والتجارية شكل عنصرا فاعلا في تطويع مؤسسات اقتصادية وحتى مصرفية لتوفير الخدمات للحزب. كما أنه يعتبر من الذين يديرون بعض استثمارات حزب الله مباشرة ومن خلال علاقات متينة بناها في العاصمة مع مراكز مالية واقتصادية. وهو الذي اتهم في ثنايا القرار الأميركي بتهديد مصرفيين. ويذكر أن تفجيرا استهدف أحد المصارف اللبنانية الكبرى قبل نحو عامين، إثر رفض هذا المصرف التجاوب مع مطالب لمودعين طالتهم العقوبات الأميركية، وذهبت التحليلات حينها باتجاه مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة لحزب الله عن هذا التفجير.

وفيق صفا مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق، هو الشخصية الأكثر إثارة بين الشخصيات المدرجة على لائحة العقوبات الأميركية. حيث يمكن وصفه بالواجهة الأمنية السياسية التنفيذية لحزب الله، ونافذة الحزب على تقاسم المغانم والصفقات في الدولة اللبنانية، وهو إضافة إلى وظيفته هذه، مكلف بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الرسمية والجيش اللبناني وله دالة على السلطة القضائية، وهذه المهمة المستندة إلى نفوذ حزب الله الأمني والعسكري، جعلته في موقع متقدم في النفوذ، وطالته شبهات عدة تتصل بعمليات غير قانونية على مستوى تهريب البضائع من المعابر المرافئ وغيرها من الشبهات، لكن يبقى أن صفا يمثل حزب الله، وعنصر قوته ونفوذه يتأتيان من هذا التمثيل.

والاستهداف الأميركي له، كما رعد وشري، هو تصويب على أدوات سيطرة حزب الله ونفوذه على المؤسسات الرسمية بما فيها الأمنية والعسكرية، وصفا في مقدمة هذه الماكينة المؤثرة والفاعلة.

أشارت "الخزانة الأميركية" في تبرير قرارها، بتقديم مطالعة سياسية قانونية، تزعم من خلالها أن القرار الأميركي ينطلق من مبدأ حماية الدولة اللبنانية من سياسات حزب الله التي لا تراعي مصالح الشعب اللبناني ولا مؤسسات الدولة

خلاصة القرار الأميركي أن الإدارة الأميركية تسير في خط يتجه نحو مزيد من التضييق على حزب الله ماليا، الذي انتقل نحو فصل جديد، يقترب أكثر فأكثر من الدولة اللبنانية. فالقرار الأميركي الأخير من جهة، كان شديد الوضوح بتحذير الحكومة اللبنانية من التعامل مع حزب الله، ومن جهة ثانية دعا الدول الأوروبية إلى عدم التمييز بين جناحين في حزب الله، سياسي وعسكري، وإلى اعتباره منظمة واحدة يجب التعامل معها كمنظمة إرهابية.

الرسالة التي ينطوي عليها القرار، أنه يمهد لقرار آخر طالما جرى ذكره في الأشهر الماضية، وهو إدراج أسماء مسؤولين لبنانيين قريبين من حزب الله على لائحة العقوبات الأميركية. لذا وإثر صدور القرار الأخير، كان نصرالله، كما غيره من قيادات حزب الله، يلوذ بالدولة والحكومة للرد على واشنطن، وهو موقف يعكس الإرباك الذي يعيشه الحزب على أكثر من مستوى بحيث أن يد الحزب باتت قصيرة وقاصرة. قصيرة في نفوذها خارج الحدود سواء في سوريا أو ضد إسرائيل، وقاصرة عن أن تلبي مطالب معيشية ملحة في بيئتها الحاضنة كما كان الحال قبل سنوات. يد حزب الله الطولى باتت مقتصرة على الدولة اللبنانية التي باتت أوهن من بيت العنكبوت بعدما أفرغت بفعل تعطيل مؤسساتها، وخواء خزينتها، وتسيب حدودها.

كاتب لبناني

 

وليد جنبلاط

ينتظر على ضفة النهر

علي الامين

 

في النظام السياسي اللبناني ثمة حقيقة تاريخية مفادها أن الثنائية المسيحية الدرزية هي النواة الأولى المؤسسة لدولة لبنان الكبير عام 1920، فنظام المتصرفية الذي قام في جبل لبنان عام 1860 كان يرتكز على هذه الثنائية التي تطورت بعد ستين عاما إلى دولة لبنان مع بدء الانتداب الفرنسي، الذي ضم إلى جبل لبنان مناطق جديدة، هي البقاع والشمال والجنوب فضلا عن بيروت، وهي مناطق كان المسلمون، سنة وشيعة، يشكلون غالبية السكان فيها.

منذ قيام الدولة، ظلّ لبنان محكوما بخصوصية شكلت أساس النظام وعنصر قوته، وهي الخصوصية الطائفية التي جرى تغليفها، أو محاولة الخروج منها، بمفهوم العيش المشترك، كمدخل لدولة المواطنة، وسبيلا للخروج من الصيغة الطائفية للحكم نحو إلغائها، ذلك أن الطائفية في الدستور اللبناني هي مادة أُدرجت تحت عنوان المؤقت في دستور 1926 ودستور الاستقلال عام 1946، لكنها ظلت حتى يومنا هذا الثابت الأقوى في الممارسة السياسية.

جاء اتفاق الطائف عام 1989 بعد الحرب، ليعيد التوازن بين المكونات الطائفية، من دون أن يغيب عن بال النواب اللبنانيين الذين اتفقوا على بنوده في ذلك الحين، أن يضعوا مسارا للخروج من هذا النظام يصل بهم إلى التخلص من الطائفية، التي بقيت في ذهن ممارسيها ومتبنيها علّة يجب التخلص منها لكنها بقيت علّة وجود ومنهج سلوك، ومصدر سلطة ونفوذ من داخل لبنان ومن خارجه.

ورغم الحروب التي مرّ بها لبنان ولا يزال، سواء الأهلية منها أو الخارجية، بقيت صيغة النظام الطائفي هي الراسخة، بل تعززت وتجذرت، وهي وإن كانت وسيلة لإضعاف الدولة لحساب “مافيا الطوائف” ولا نقول الطوائف، فإنها وفرت بسبب التنوع في مكونات السلطة هامشا من الحريات والديمقراطية، أتاح لأن يكون لبنان متميزًا في هذا الجانب عن بقية دول المحيط العربي، ووفر هذا الهامش من الديمقراطية دولة غير قابلة للإمساك والسيطرة. قامت إسرائيل باحتلاله، ولكنها لم تستطع السيطرة عليه وخرجت منه مرغمة، وكذا فعل النظام السوري طيلة ثلاثة عقود من الزمن لكنه ما لبث أن خرج جيشه من أراضيه كما لم يتوقع لبناني ولا تمناه.

لم يكن الاحتلال الإسرائيلي ولا الوصاية السورية، يسيطران من خارج آليات النظام الطائفي، بل كان دخولهما إلى لبنان من باب الاختلال الطائفي والنفاذ من خلاله إلى الداخل، وهو ذاته ما كان ينقلب عليهما في لحظة تماسك لبناني للدفاع عن الخصوصية اللبنانية التي كان التدخل الخارجي يسقط حين يفقد القدرة على التقاط مفاصلها أو فهم شروطها وديمومتها.

ما تقدم كان لا بد منه لمقاربة الواقع اللبناني اليوم. نحن إزاء سيطرة حزب الله على لبنان، وهي سيطرة أشبه بالوصاية السورية على لبنان، وهي سيطرة إقليمية تفرض قوتها بالسلاح. صحيح أنها تعتمد على قاعدة طائفية شيعية وهي مكون من مكونات لبنان، لكنها مختلفة عن النماذج الميليشياوية التي أنتجتها الطوائف اللبنانية خلال الحرب، فسلاح حزب الله ليس سلاحا لبنانيا، أي ليس سلاحا في لعبة التوازن بين الطوائف اللبنانية، بل هو سلاح إقليمي وظيفته إقليمية تتجاوز مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وكان تدخله في سوريا عام 2013 كشفا لهذه الوظيفة التي ترتبط بمصالح إيران في المنطقة.

هو كذلك سلاح إقليمي يديره جهاز أمني عسكري وأيديولوجي، وبهذا المعنى فإن حزب الله لا يكتسب نفوذه وقوته من بعد داخلي بقدر ما هو نتاج معادلة إقليمية، أبرز معالمها غياب شبه كامل للنظام الإقليمي العربي، ونفوذ إيراني أمني وعسكري بالدرجة الأولى.

السيطرة والنفوذ الإيرانيان على لبنان يستندان، إلى جانب قوة حزب الله الأمنية والعسكرية، إلى شبكة تحالفات سياسية أمكن للحزب صوغها انطلاقا من السيطرة على مفاصل الدولة، تمت له بالقوة الأمنية والعسكرية، وأتاحت له لاحقا أن يطوّع الانتخابات ونتائجها لصالحه، لكن كل ذلك ما كان ليتم لولا الفراغ الذي أحدثه انكفاء عربي إقليمي أمام التمدد الإيراني.

ولكن سطوة حزب الله في لبنان، لا تلغي أن لبنان بلد صعب التطويع وقابل للانقلاب في أي لحظة على أي سلطة تحاول تهميشه أو مصادرته.

لعل استهداف وليد جنبلاط، من خلال كسر مرجعيته الدرزية، يعبر عن محاولة حزب الله إعادة صوغ المعادلة السياسية في لبنان على أساس يزيد من ضعف جنبلاط، بكسر قواعد اللعبة السابقة وإرساء قواعد جديدة، وهو مسار بدأ منذ 7 مايو 2008 يوم دخل حزب الله بيروت وحاول اقتحام الجبل، وفرض على جنبلاط الخروج أو الانكفاء عن قوى 14 آذار وكان “اتفاق الدوحة” عام 2008 بداية ترجمة غلبة السلاح الإقليمي لحزب الله في المعادلة الداخلية، وتطور هذا الاتجاه في مراحل لاحقة ومع انكفاء الثورة السورية، إلى دفع جنبلاط نحو الانكفاء باتجاه طائفته، وحصر نفوذه الذي كان تجاوز -ولاسيما بعد عام 2005- البعد الدرزي ليتحول إلى القائد الفعلي لقوى 14 آذار.

تراجع جنبلاط وانكفاؤه مرغما أو طوعيا، لم يحصناه من السعي الدؤوب لحصاره وتحجيمه، والمزيد من إضعافه، فصارت منطقة الشوف وعالية عرين الزعيم الدرزي، مسرحا لاختراقات سياسية وأمنية، سواء عبر شخصيات هامشية جرى الدفع بها لإحراجه وإخراجه، كالوزير السابق وئام وهاب، أو عبر الوزير السابق طلال أرسلان الذي يبقى في موقع غير مؤثر لكنه يوفر غطاء مهما لخصوم جنبلاط.

الجديد في محاولة حزب الله محاصرة جنبلاط، هو إعادة العبث بمصالحة الجبل بين الدروز والمسيحيين، ومن خلال إثارة زوبعة من الخلافات في الجبل بين حلفاء حزب الله من جهة ووليد جنبلاط من جهة ثانية. فالخناق الذي ضاق على جنبلاط هذه المرة ربما هو الذي دفعه إلى إعلان ما يشبه الانتفاضة، فهو أدرك أن قرار تهميشه صدر وجار تنفيذه.

وإن كان المنفذون من دائرته الدرزية أو من التيار الوطني الحر، فقد بدأ جنبلاط يخوض معركة وجودية تطال بظنه، منع تغيير قواعد النظام التي رست بعد الطائف. كان جنبلاط أكبر من كونه زعيم الدروز، لذا كان وجوده في السلطة يتجاوز التمثيل الدرزي، هو اليوم أمام خطر انتقاله إلى مجرد مكون في طائفة درزية، لذا يذهب في المواجهة إلى الأقصى بعدما أدرك أن وجوده السياسي صار على المحك، في ظل تحول يستشعر زعيم المختارة أكثر من غيره، أن لبنان الذي قام على ثنائية درزية- مسيحية مؤسسة، هو اليوم أمام مفترق طرق فإمّا التسليم بقواعد السيطرة الإيرانية وأدواتها، أو إعادة استنهاض الدولة اللبنانية من براثن الوصاية، وهذا بالضرورة يفرض خروجا من الدائرة الدرزية إلى دائرة وطنية سيادية، شغرت منذ أن انكفأ جنبلاط وقرر الانحناء أمام العاصفة التي لا زالت تعصف بوجوده وبلبنان.

قالها وليد جنبلاط مرة قبل أكثر من عقد لكاتب هذه السطور إنه ينتظر على ضفة النهر جثة عدوه.. هذه المرة جنبلاط يسابق الانتظار كما لم يفعل من قبل.

كاتب لبناني

 

حزب الله ورقة إيرانية

تفقد جدواها الإقليمية

علي الامين

 

ورقة حزب الله تفقد أهميتها تدريجيا في حسابات الرد الإيراني على الحرب الأميركية الاقتصادية والمالية، ففي هذه الحرب تحتاج طهران إلى كسر الحصار بالمزيد من حماية ما تبقى لها من علاقات دولية وليس المغامرة بها.

حزب الله في لبنان، أو ما تبقى منه في سوريا، ليس الورقة المناسبة لتحقيق الهدف الإيراني المرتجى، ذلك أن أية مواجهة له مع إسرائيل هذه المرة، ستشكل عبئا إضافيا وثقيلا على إيران، من دون أن يوفر لها أية فائدة دولية، بل المرجح أنها ستخسر ما تبقى لها من حدود التعاطف الروسي والصيني، ولكن ما هو أخطر أن هذه الحرب في حال وقعت، ستكون أقرب إلى حرب إبادة إسرائيلية ليس على حزب الله فحسب، بل ستطال البيئة الحاضنة التي تحرص إيران على المحافظة على نفوذها في داخلها، ولا مصلحة لها في إنهائها طالما أن لا فوائد ستُجنى من ذلك في مواجهتها مع واشنطن.

‏ورقة حزب الله تفقد قيمتها الإقليمية وتتراجع، هي مطلوبة طالما لا تخل بالقواعد الإستراتيجية لروسيا الاتحادية في سوريا، ولا بتفاهماتها الإستراتيجية مع إسرائيل، ومن الطبيعي أن أي محاولة مسّ بأمن إسرائيل هي تجاوز بل تعدٍّ على مصالح روسيا نفسها. لذا يدرك مسؤولو حزب الله أن حضوره اليوم لا يتجاوز في قوته فعليا مهمة تقديم أوراق حسن سلوك دولية، بعدما أصبح بين فكي كماشة روسية من جهة، وإسرائيلية من جهة ثانية، فيما المساحة التي يتاح له فيها ممارسة سلطته هي اللعبة السياسية اللبنانية الداخلية بعدما أنجز مهماته السورية، أي ممارسة سطوته الداخلية اللبنانية قدر ما يشاء، وطالما تساهم هذه السطوة في حماية الاستقرار على الحدود الشمالية لإسرائيل.

هذا الواقع هو ما يجعل حزب الله كورقة تصعيد إيرانية في مواجهة إسرائيل، غير ذات فائدة أو معنى، لأنها لن تؤثر هذه المرة في مواجهة تجري بعيدا عن إسرائيل، بل على حدود إيران وفي داخلها وعلى المساحة الدولية، وهي حرب ستجعل إسرائيل رسميا طرفا في مواجهة إيران عسكريا، وإيران في غنى عن ذلك.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليس في عجلة من أمره لإنجاز حل مع إيران بشأن الملفات العالقة بين واشنطن وطهران، وهذا ما قاله مضمون إحدى تغريداته على موقع تويتر قبل أيام. فترامب انتهج منذ بداية انقلابه على الاتفاق النووي بين إيران ودول الخمسة زائدا واحدا، الخيار الاقتصادي كوسيلة لتطويع إيران، وعمد إلى استخدام وسائل العقوبات الاقتصادية والمالية، كمنهج للحرب التي يريدها مع النظام فيها، متفاديا أي محاولة انجرار في مواجهة عسكرية مع دولة يعتقد هو، أن شعبها يتوق إلى علاقات متقدمة مع “الشيطان الأكبر”، كما أنه مقتنع بأن “الحرب الناعمة” إذا صحّ التعبير تؤتي أكلها، وتحقق له تقدما في معركته هذه.

‏لا يخوض ترامب مواجهة تقليدية، إنها أقرب إلى إدارة صفقة تجارية يطمح للفوز بها، وهو وجّه رسائل عديدة إلى القيادة الإيرانية فيها الكثير من الترهيب كما لا تخلو من الترغيب. ترامب تحدث في شروطه للحوار مع إيران في البداية عن 12 شرطا يتوجبُ على طهران تنفيذها، ثم تحدث لاحقا عن اتفاق نووي جديد مع واشنطن، وبين هذا وذاك كان يلمح إلى إمكانية التسليم بدور إقليمي لإيران، لكن ترامب في كل طروحاته كان ينطلق من أن اتفاقا يجب أن ينجز مع النظام الإيراني، هو الكفيل بالاعتراف بدور إيران الإقليمي، لكن ضمن شروط متفق عليها بين الدولتين، تنهي النموذج القائم على تفريخ الميليشيات في المنطقة العربية كوسيلة للتمدد والنفوذ.

‏لبنان بهذا المعنى يشكل فرصة إيرانية حذرة في اتجاه تقديم رسائل إيجابية لواشنطن. اليوم، الثلاثاء، يصل مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد ساترفيلد إلى بيروت لينقل الأجوبة الإسرائيلية للحكومة اللبنانية تجاه نقاط تتصل بإطلاق المفاوضات بين البلدين برعاية أميركية فعليا، وبمشاركة الأمم المتحدة، وليس من المصادفة أن يكون حزب الله هو من أعطى الضوء الأخضر لبدء المفاوضات بشأن ترسيم الحدود مع إسرائيل، وهي بالضرورة رسالة ودّ واختبار إيرانية تجاه واشنطن وتل أبيب، تقدم طهران من خلالها الوجه الدبلوماسي على الوجه العسكري لنفوذها في لبنان. ‏في موازاة ذلك المشهد المتصل بالحدود مع إسرائيل، تنكشف الوصاية الإيرانية على لبنان، بعدما أحكم حزب الله سلطته على الدولة، وهي وصاية عاجزة عن أن توفر شروط الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بل تقف متفرجة على تآكل الدولة ومؤسساتها، وتفاقم أزمة الدين العام، المترافق مع تراجع مريع للاقتصاد المختنق، والذي يستنجد بأنابيب الأوكسجين التي يعدُ بتوفيرها مؤتمر “سيدر” الذي تتولى فرنسا متابعته فضلا عن دول أوروبية وعربية.

‏بهذا المعنى تفقد الترسانة العسكرية التي يمتلكها حزب الله معناها الإيراني، طالما أنها ترسانة محكومة بوظيفة حماية الاستقرار على حدود إسرائيل فقط، وهي مقيدة بأكثر من قيد. والتفلت من أيّ من هذه القيود قاتل لحزب الله وللبنان، فالحرب مع إسرائيل ستعني نهاية له بمباركة دولية، وأي حرب يخوضها ستعني انهيارا اقتصاديا وماليا شاملا في لبنان، لن يكون حزب الله هذه المرة بمنأى عنها، حتى من داخل بيئته التي تقف معه طالما لم يأخذها إلى الكارثة.

بالإضافة إلى كل ذلك فإن ‏العقوبات الأميركية على حزب الله هي نموذج مصغّر للعقوبات على إيران، فهذه العقوبات التي لا يوفر الأميركيون فرصة من أجل تشديدها، تساهم، للمفارقة، إلى حد بعيد في المزيد من انسجام حزب الله مع المتطلبات الدولية والأميركية. إذ كيف يتم، مع تصعيد هذه العقوبات، الوصول إلى موافقة حزب الله الأيديولوجي والمعادي للولايات المتحدة، على أن تكون واشنطن طرفا وسيطا بين لبنان وإسرائيل؟ وأضعف الإيمان أن يرفض حزب الله ذلك لكنه لم يفعلها، وإن عبّر ذلك عن شيء فهو يعبر عن محاولة الحزب ومن خلفه إيران الترويج للقول إننا لسنا في موقع معاد بالمطلق لواشنطن، ويمكن أن نوفر شروطا لعقد اتفاقيات وتفاهمات حتى مع إسرائيل.

يبقى أن حزب الله الذي تراجعت قدراته المالية، لاسيما تلك التي تقلصت بسبب العقوبات الأميركية، أو بسبب تراجع قدرة إيران على توفير الدعم كما كان يجري في سنوات سابقة، بات عاجزا عن مواجهة متطلبات مادية واجتماعية في بنيته الحزبية وفي بيئته الحاضنة، وهي وإن لم تكن إلى الحدّ الذي يهدد نفوذه وسطوته، إلا أنها أفقدته بعضا من وهجه وسطوته المعنوية، وبات أمام واقع اجتماعي واقتصادي مأزوم، يفرض عليه تقديم إجابات تتجاوز الصواريخ والأسلحة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

كاتب لبناني

 

 

اجتماع القدس الثلاثي:

تحديد الدور الإيراني

بضمانة روسية

علي الامين

 

في القدس لقاء تاريخي غير مسبوق جمع مطلع هذا الأسبوع، مستشاري الأمن القومي الأميركي جون بولتون والروسي نيكولاي باتروشيف والإسرائيلي مئير بن شبات بهدف مناقشة قضايا مختلف نقاط الأمن الاستراتيجية في الإقليم.

الحديث في هذا اللقاء، حول خطة أميركية بشأن الحل في سوريا، تتناول تنفيذ القرار الدولي 2254، والتعاون في ملف محاربة الإرهاب وتنظيم الدولة الإسلامية، وتحجيم النفوذ الإيراني، والتخلص من أسلحة الدمار الشامل في سوريا، وتوفير المساعدات الإنسانية، ودعم الدول المجاورة، وتوفير شروط عودة اللاجئين السوريين، وإقرار مبدأ المحاسبة عن الجرائم المرتكبة في سوريا، حسب تسريبات صحافية، أشارت إلى أن الخطة سبق وأن قدمها وزير الخارجية الأميركي للجانب الروسي.

رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، وصف الاجتماع الثلاثي بـ”التاريخي وغير المسبوق”، مشيرا إلى أن هدفه “ضمان الاستقرار في الشرق الأوسط في ظل أوقات مضطربة”. وتابع “ما هو مهمّ في هذا الاجتماع، أن القوتين العظميين تجتمعان في إسرائيل ما يظهر بشكل كبير المكانة الدولية لدولتنا بين الأمم”.

من المبكّر القول إن روسيا ستستجيب للضغوط الأميركية – الإسرائيلية للإطاحة بالوجود الإيراني في سوريا، لكن مجرد مشاركتها في اللقاء الثلاثي وفي القدس تحديدا ملفتة جدّا، علما وأن روسيا منذ تدخلها عسكريا في الأزمة السورية، تعززت بينها وبين إسرائيل العلاقات الثنائية وباتت زيارات بنيامين نتانياهو إلى موسكو متتالية، في ظل استباحة إسرائيل للأجواء السورية لضرب الوجود الإيراني أو النظام السوري.

روسيا لن تستجيب فورا ومن دون ثمن، لكن حضورها اجتماعا كهذا يدلّ أن لها مصالح يمكن أن تتعارض مع الوجود الإيراني في سوريا. فاجتماع القدس الثلاثي لن ينفع العلاقات مع إيران لأنه يناقض سياستها، وبالتالي فإن العلاقات بينهما (طهران – موسكو) ستتأثر حتما، ولأن روسيا القوة الأقوى في المنطقة، ولو ساءت العلاقات، لا مصلحة لإيران بمعاداتها، لاسيما أن إيران التي تئنّ من الحصار الأميركي تعاني أيضا من شبه عزلة إقليمية ودولية، لذا لن تغامر بالتفريط في علاقتها مع روسيا مهما اقتربت الأخيرة من واشنطن وتل أبيب في مقاربتها للأزمة السورية.

وكان الأمين العام لمجلس الأمن القومي الأعلى في إيران، علي شمخاني، قد أكد أنه لا أحد يمكنه أن يجبر إيران على الانسحاب من سوريا، معتبرا المسألة هذا البلد ليست محور بحث ومن الخطوط “الحمر” التي لا يسمح لأحد بالتكلم عنها. وقال في مقابلة مع قناة “آر تي” الروسية إن “موسكو أطلعتنا على أن من طرح عقد اللقاء هو الاحتلال الإسرائيلي، وأنا أرى أنه سيكون لقاء خادعا”.

ليس خافيا أن الموقف الإيراني في سوريا، يستند إلى قوى ميليشياوية تشكل القوة الفعلية التي تضمن نفوذه على الأرض، وعلاقات وثيقة مع النظام السوري تحديدا في بيت الأسد، ذلك أن القيادة الإيرانية وضعت كل أوراقها السياسية في سوريا في سلة بشار الأسد، وشقيقه ماهر، وهي في المقابل شكّلت القوة العسكرية البرية الفاعلة، والتي تكاملت مع القوة الجوية الروسية، في عملية ضرب القوى المعارضة للنظام خلال السنوات الماضية، ولعل إيران أرادت أن توجه رسالة إلى روسيا في الميدان وذات مغزى، عندما نأت بنفسها عن المعارك الجارية في إدلب، وحاولت إظهار أن القوات النظامية السورية والطائرات الروسية، عاجزة أن تحقق انتصارا في إدلب وفي ريف حماة الشمالي من دون انخراط جدي للقوات الإيرانية وميليشياتها، وهذا ما أدى إلى أن بعض قوى المعارضة حققت تقدما ميدانيا في بعض جبهات القتال مع الجيش السوري، فضلا عن تراجع ملحوظ في قرار الدخول إلى إدلب، من أسبابه الرئيسية انكفاء إيران عن الزج بقواتها بشكل فاعل في هذه المعركة.

اجتماع القدس، كما أشرنا، لن يدفع روسيا للاستجابة إلى الضغوط الأميركية أو إلى إغراء التفاهم مع واشنطن في سوريا على قاعدة أبعاد إيران، لكن ذلك لا يعني في المقابل أن الوقائع الميدانية لا تشير إلى محاولات روسية حثيثة في سبيل تعزيز نفوذها في سوريا على الأرض، لأنها تدرك أن قرار الانتقال إلى مرحلة الحل السياسي في سوريا، تحتاج إلى انخراط أميركي لفتح الباب أمام إعادة إعمار سوريا، برفع سيف العقوبات عن سوريا، وتحفيز الدول والصناديق الداعمة من أجل الانخراط في عملية الإعمار، التي تنقل روسيا من مرحلة خطر الغرق في التحول السوري، إلى مرحلة استثمار ما كسبته في الحرب بتعزيز دورها كضامن لمعادلة سورية سياسية محلية وخارجية.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أكد على الطابع “التفاوضي” مع “شركائنا حول اتفاقات بشأن حل بعض المشاكل”، مشيرا إلى تركيا وإيران، وكذلك “مع الدول المعنية الأخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في التسوية السياسية (السورية) وتشكيل لجنة الدستور وإطلاق مهمتها وتحديد قواعد عملها”.

يبقى أن المجتمعين في القدس يدركون أن قوة إيران لا تقتصر على أنها طرف فاعل في الميدان السوري وفي حماية نظام الأسد، الذي لا يزال يشكّل وجوده حاجة متفاوتة بين أطراف اجتماع القدس، وهي حاجة تتصل بالدرجة الأولى بعدم اطمئنان إسرائيل للبدائل عن هذا النظام، الذي بقي ملتزما، ومن ورائه إيران، بعدم نقل الحرب والفوضى إلى حدود إسرائيل، وبالتالي فإن إيران رغم كل الخطب النارية التي تروّج لها ضد إسرائيل، تبقى بالنسبة للأخيرة عنصر استقرار لها، طالما أن أولوية طهران الفعلية هي مواجهة الأكثرية السنيّة ودول عربية، والتحصّن ضدها، وهذا ما يعزز النظرة الإسرائيلية الاستراتيجية، بضرورة حماية الشروخ التي أحدثتها إيران على الحدود الشمالية، فالضمانة لإسرائيل، حسب التجارب، عدو ظاهري في الشكل، متقاطع معها في المضمون الاستراتيجي، أي إضعاف الأكثرية العربية وحماية تشتتها.

لذا أمام هذا التقاطع العميق في نظام المصالح الاستراتيجية بين إيران وإسرائيل يُطرح التساؤل التالي: لماذا هذا الاجتماع الثلاثي في القدس والذي يضع خروج إيران من سوريا في أولوياته؟

الإجابة على هذا التساؤل، يمكن تلخيصها بكون إسرائيل لا تريد دورا إيرانيا متعاظما في المنطقة، بل تريده أن يبقى محدودا ضمن أولويات عربية، وهي ليس في وارد إنهاء الدور الإيراني بل ضبطه بالكامل ضمن الإيقاع الدولي، وأكثر ما يعني إسرائيل من هذا الدور، عدم وجود أسلحة يمكن أن تمسّ بأمنها، لذا فإن اهتمامها تركّز في السنوات الماضية، على الصواريخ الدقيقة وإن كانت انتقلت إلى لبنان أو لم تنتقل، أما في ما يتصل بالحروب الداخلية، فكانت إسرائيل غير مستاءة من الدور الإيراني، إن لم تكن مرحّبة.

لذا فإن وظيفة اجتماع القدس هي تحديد الدور الإيراني وضبطه، وجعل إيران في الحل السوري برتبة أدنى من رتبة موسكو وإسرائيل وواشنطن، والحاجة الأميركية إلى روسيا اليوم لا تهدف إلى دفع موسكو إلى إنهاء الوجود الإيراني في سوريا بل مساعدتها لكي تكون وصيّا وضامنا بالكامل للدور الإيراني في سوريا.

كاتب لبناني

 

 

إطلاق زكا.. المفاوضات مع إسرائيل

ورسائل الود من طهران إلى واشنطن

علي الامين

 

لم يأتِ الإفراج عن نزار زكا الذي كان معتقلا في إيران استجابة لطلب الرئيس اللبناني ميشال عون كما صدر عن القيادة الإيرانية، ولا استجابة لطلب أمين عام حزب الله كما نقلت وكالة أنباء فارس الإيرانية عن مصدر إيراني مسؤول، بل ثمة أسباب أخرى تبقى هي الأهم في الحسابات الإيرانية.

إطلاق نزار زكا المحتجز منذ عام 2015 في طهران، بتهمة التجسس للولايات المتحدة، وصفته الخارجية الأميركية بـ”الخطوة الإيجابية”، وهو جاء في مرحلة شهد التصعيد الأميركي تجاه إيران مرحلة متقدمة على صعيد تشديد العقوبات، في ظل محاولات إيران إحداث خرق دولي أو خارجي، يخفف عنها آثار الحصار الذي تعاني منه على صعيد تصدير النفط ومشتقاته.

وفي حين تظهر مؤشرات إلى أن مسار المواجهة يأخذ بعدا يتفادى فيه الطرفان الأميركي والإيراني الدخول في مواجهة عسكرية، فإن الثابت أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يستعجل إجراء صفقة مع الإيرانيين كما صرح قبل أيام، كما أن المرشد الإيراني أعلن أيضا أنه لا يثق بترامب، إلا أن ذلك لا يعني أن طهران لا تحاول من جهتها إحداث اختراقات على جبهة الشروط الأميركية الاثني عشر، وفتح باب المساومات.

إطلاق زكا كان رسالة إيرانية في هذا الاتجاه، فلطالما غنمت إيران من ملف السجناء أو الرهائن الغربيين. فعقد الثمانينات من القرن الماضي كانت فيه بيروت مسرحا لعمليات خطف رهائن أميركيين وغربيين، نفذتها منظمات تابعة لإيران، واستطاعت إيران أن تقايض مقابل إطلاقهم وتكسب صفقات أسلحة كانت بأمس الحاجة إليها خلال الحرب العراقية الإيرانية في حينها، وفضيحة “إيران غيت” عام 1985 كانت شاهدا صارخا على مدى هذه المفاوضات.

من هنا عملت إيران من خلال إطلاق نزار زكا المواطن اللبناني، الذي خطف أثناء زيارة طهران بدعوة رسمية تلقاها أثناء إقامته في واشنطن، على محاولة استخدام هذه الورقة لصالحها والسعي إلى رفع قيمتها، علما أن الرجل خُطف وسجن بعد وصوله بأيام إلى طهران، وإذا كان من إدانة توجه، فهي لطهران التي كان يمكن أن تطرده، خصوصا أنه وكما أشرنا وصل من خلال دعوة رسمية وجهتها الرئاسة الإيرانية.

تعمل طهران على استخدام ما أمكن لها من أوراق في سوق العلاقة مع واشنطن. فالإدارة الإيرانية لهذه العلاقة تقوم على استخدام أذرعها في هذا السياق، ففي اليمن، يجري استخدام “الحوثيين” لمزيد من توجيه الرسائل الأمنية والعسكرية في اتجاه السعودية، وطهران تعمد إلى تثبيت واقع أن التصعيد مع دول الخليج ولاسيما المملكة العربية السعودية، أمر لن يؤدي في حدود ما إلى مواجهة مع واشنطن، لذا هي تركز على ترسيخ معادلة ضغط مباشر عبر الحوثيين على المملكة، مقابل تقديم ما أمكن من رسائل إيجابية تجاه واشنطن، وهذا ما يفسر عدة خطوات إيجابية قامت بها طهران تجاه واشنطن في موازاة تصعيدها ضد الرياض.

أولا دفع لبنان نحو المفاوضات مع إسرائيل من أجل ترسيم الحدود البرية والبحرية بين الدولتين، وليس هذا فحسب بل موافقة حزب الله على إدارة واشنطن لهذه العملية، بعدما كان الموقف اللبناني، أو حزب الله، رافضا لفكرة التفاوض مع العدو بالمطلق، لكن ما يجري اليوم هو حركة أميركية دبلوماسية بين لبنان وإسرائيل، تحظى بترحيب لبناني غير مسبوق، رغم بعض المواقف الخجولة التي صدرت عن مسؤولين في حزب الله، والتي لم تقارب حد الاعتراض على مبدأ المفاوضات ومسارها الطبيعي مع العدو، ولا طالت الدور الأميركي فيها.

ثانيا عملت القيادة الإيرانية في خطوة لتفادي أي اصطدام بالقوات الأميركية إلى سحب قواتها من مناطق على الحدود السورية– العراقية، وتحديدا في البوكمال، فحسب مصادر كردية سحبت إيران قواتها من هذه المنطقة الخاضعة للرعاية الأميركية، وبمعزل عن حدود هذا الانسحاب الذي حلت محله قوات عراقية وقوى من الحشد الشعبي، إلا أن الخطوة تعكس محاولات إيرانية لتوجيه رسائل إيجابية لواشنطن، وتفادي أي مواجهة مباشرة مع القوات الأميركية في شمال شرق سوريا.

في موازاة هذه الخطوة ينقل مسؤول عراقي، أن إيران أقدمت في العراق على تشجيع الحكومة العراقية على لجم دور الحشد الشعبي، وأسكتت كل المطالبين من أتباعها بانسحاب الجيش الأميركي في العراق، وتم طي فكرة المطالبة بإصدار قانون بهذا الصدد في مجلس النواب، ويمكن ملاحظة أن واشنطن مددت مهلة السماح للعراق باستيراد الطاقة من طهران ثلاثة أشهر، في الأسبوع الماضي.

بين لبنان والعراق سيبقى مشهد التهدئة مع الأميركيين ومع إسرائيل هو الطاغي على السلوك الإيراني، فيما يرجح أن يستمر التصعيد في الخليج من خلال الحوثيين، من دون أن يصل إلى حدّ استفزاز واشنطن. وفي المقلب السوري كما اللبناني يرجح أن تبرز ليونة إيرانية لكن ليس إلى الحد الذي يؤدي إلى خروجها، فإيران تدرك أنها من خلال أذرعها في لبنان وسوريا، ولاسيما حزب الله، توفر شروط استقرار على حدود إسرائيل، لا تريد إسرائيل المغامرة بفقدانه، طالما أن البدائل غير متوفرة.

ولعل أفضل تعبير عن هذه العلاقة ما ذكرته صحيفة “هآرتس″ العبرية، الأحد، نقلا عن المحلل الإسرائيلي عاموس هرائيل الذي قال “المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل حول ترسيم الحدود المائية، ستمنع الحرب القادمة بين البلدين. أما في حال اندلاع الحرب بين لبنان وإسرائيل، فالجيش الإسرائيلي يدرك أن الانتصار على حزب الله، سيكون بمثابة خسارة كبيرة لإسرائيل”!

على هذا النحو تتقاطع المصالح الإيرانية الإسرائيلية، فقوة إيران وحزب الله لا تكمن فقط في مدى الصواريخ، بل في مدى قدرتهما على حماية الاستقرار ومتطلباته على طول الحدود الإسرائيلية الشمالية.

كاتب لبناني

 

 

استقالة العبادي تفضح خطة

إيران للإطباق على حزب الدعوة

علي الامين

أعلن رئيس الوزراء العراقي السابق، حيدر العبادي، رئيس تحالف النصر في البرلمان، قبل أيام، استقالته من جميع مناصبه الحزبية، داعيًا إلى إجراء مراجعة وتجديد في هيكلة حزب الدعوة. ويرأس العبادي “تحالف النصر” الذي يمتلك 42 مقعدًا في البرلمان العراقي من أصل 329 مقعدًا، وهو يرأس كذلك المكتب السياسي لحزب الدعوة الإسلامية الذي يشغل نوري المالكي فيه منصب الأمين العام. وقال العبادي في رسالة موجهة لحزب الدعوة، إنه “على أعتاب عقد مؤتمر الدعوة القادم، أجد نفسي ملزمًا بأن أخاطبكم تأدية لمسؤوليتي الشرعية والوطنية، فـ’الدعوة’ تراث وفكر وعمل وتضحية وأهداف كبرى، وتحتاج إلى نكران الذات، والتضامن والتجديد لتواصل مسيرتها لقيادة التحولات الكبرى ببلدنا”. وأوضح أنه “ليست هناك تجارب سياسية مجتمعية معصومة، والمهم المراجعة والتصحيح، والأهم الإصرار على المواصلة بوعي وتخطيط والتزام وفق قواعد المسؤولية والجهوزية”.

وتابع العبادي “أدعو إلى مراجعة نقدية، وتجديد بالخطاب والهيكلية، وأدعو إلى المواصلة بإرادة جماعية متناغمة، وإلى ضخ دماء جديدة في جميع مفاصل (الدعوة) وبالذات القيادية منها، واستنادًا لذلك، فإني أعلن تنازلي وانسحابي من جميع المواقع القيادية بالحزب وأن أبقى جنديًا لخدمة المسيرة”.

وما إن أقدم العبادي على استقالته تلك، حتى بدأت الأوساط الإعلامية التابعة لأمين عام حزب الدعوة نوري المالكي ولحلفاء إيران بالتشكيك بنوايا ومقاصد الاستقالة ووضعها في موضع المؤامرة، وربطها بما يجري في المنطقة من تجاذب أميركي – إيراني. حتى إن أحد المقربين من المالكي، جعل من الاستقالة “مقدمة لإقالة عادل عبدالمهدي من رئاسة الوزراء وتعيين حيدر العبادي بدلا منه شرط إعلان استقالته من حزب الدعوة، وأن ما جرى من قبله بالتنازل عن مناصبه في الحزب، هو بداية لهذه الخطوة تمهيدا لاستقالته النهائية من الحزب”.

مصدر مقرب من العبادي أكد أنه منذ سنة تقريبا يطرح أمر الاستقالة في الدعوة، كما أن توقيت البيان فيه رسالة لأعضاء قيادة الحزب لخدمة منهاج الدعوة، والعبادي ملتزم به ويدعو الآخرين للالتزام به أيضا. ولو كان العبادي يريد كسبا لأعلن هذا الأمر عندما كان رئيسا للوزراء والكل يعلم مقدار الضغط والمطالب آنذاك لخروج العبادي من الحزب كي تجدد له الولاية الثانية. فهل التمسك بالمنصب أصبح هو الكرامة والتنازل عنه لمصلحة وحدة الدعوة وهيبتها وقوتها صار ذنبا؟

إيران ترى في حزب الدعوة حركة إسلامية تاريخية مهمة يمكن الاستفادة منها وقت الحاجة. وفي المعلومات فإن التوجه الإيراني الجديد يتمثل في إبعاد القيادات الحالية للحزب، وجلب قيادات خلقتها الأذرع الاستخبارية لإيران للسيطرة على الدعوة. أحد أهم هذه الشخصيات هو طارق نجم الشخصية الغامضة، الذي كان بعيدا عن حزب الدعوة لسنوات وبرز مؤخرا فجأة كقيادي، وذلك من خلال ترؤسه لمكتب نوري المالكي عندما كان رئيسا لوزراء العراق. الأجهزة الإيرانية وطدت علاقتها بطارق نجم إلى درجة أن أكثر رؤساء الأجهزة الاستخبارية الإيرانية يمكثون في منزل طارق نجم عند زيارتهم بغداد.

طارق نجم الذي نجح بتوجيه وتخطيط إيرانيين في إبعاد نوري المالكي عن رئاسة الوزراء رغم أنه كان مدير مكتبه، ونجح كذلك في إبعاد حيدر العبادي عن رئاسة الوزراء رغم أنه أظهر نفسه قريبا منه، هو نفسه بحسب مصادر من داخل الدعوة يسعى للسيطرة على الحزب بدعم إيراني لوضع الحزب وقراراته تحت الهيمنة الإيرانية بالكامل. فهو كما تذكر مصادر من داخل الدعوة “في الوقت الذي لا يبرز كثيرا في عمل ونشاطات حزب الدعوة إعلاميا، إلا أنه يتحرك بكل حرص وحماسة للسيطرة على مرافق الحزب وتنظيماته، ويقدم نفسه على أنه قريب من كل قيادات الحزب، إلا أنه في الواقع يعمل على إبعادهم جميعا”. والجدير بالذكر أن موعد انعقاد مؤتمر حزب الدعوة الذي كان يفترض أن ينعقد منتصف شهر يونيو الجاري تم تأجيله أسبوعًا، لانتخاب قيادة جديدة تكون تحت سيطرة المالكي ونجم وجماعة إيران، فخطوة العبادي بالاستقالة من مناصبه أربكت المالكي ونجم، اللذين كانا بصدد الاتحاد للتصدي لمؤامرة أميركية مزعومة للسيطرة على حزب الدعوة والعراق يقودها العبادي، وذلك في تبرير للتنازلات التي تنوي إيران تقديمها لاحقا في العراق، استجابة للمطالب الأميركية.

ففي معلومة وردت من العراق، وتؤكدها مصادر مسؤولة في السلطة، أن القيادة الإيرانية وافقت على 4 شروط من أصل 12 يريدها الأميركيون ومنها إعادة هيكلة الحشد الشعبي، وسحبه من إدارات الدولة، لذلك فإن الإيرانيين يريدون عودة حزب الدعوة للسلطة بقوة في العراق، ولكن تحت سيطرتهم وضمن توجيهاتهم.

وفي معلومات أخرى ورد أنه قبل أكثر من أسبوع أُعلن فجأة أن قيادة الحشد الشعبي تقوم بعملية هيكلة، وأعلن عن بعض خطوات الهيكلة قبل أيام وهدفها تقليل العدد بعدما كان يقوم على مضاعفة عدد “الحشد” قبل فترة.

وليس خفيًّا أن القيادة الإيرانية التي تدرك أن حزب الدعوة الذي يسيطر على مفاصل أساسية في الدولة العراقية، يشكل في المرحلة المقبلة الخيار المناسب للنفاذ من خلاله إلى عمق الدولة العراقية، مع تراجع فرص الاعتماد على الحشد الشعبي، فحسب مصادر عراقية نافذة، فإن “إيران باتت مقتنعة بأن السيطرة من خلال الحشد الشعبي غير مضمونة، بسبب ما يعتري الحشد من سوء التنظيم وتعدد الولاءات فيه، فضلا عن التوجه العام الذي يدفع نحو تقليص دوره بإرادة خارجية وداخلية”.

في مؤتمر حزب الدعوة المزمع عقده في الأسبوع الثالث من الشهر الجاري، تعمل الأجهزة الإيرانية على إعادة بناء هيكل قيادي موال لإيران، وفرس الرهان الإيراني كما يؤكد معارضوه داخل الحزب، هو طارق نجم، لاسيما أن القيادة الإيرانية ما زالت تعتبر أن الحزب هو الجهة الفضلى التي يمكن لها من خلالها أن تحمي نفوذها في العراق، خاصة وأن القوى العراقية على اختلافها داخل السلطة، باتت شديدة الحذر حيال إعلان ولائها لإيران، إما بسبب أن التماهي مع القرار الإيراني بات مكلفا داخليا، أو لكون واشنطن لا تتسامح مع تلك القوى التي تنضوي ضمن المشروع الإيراني.

في المقابل تنفي أوساط حزب الدعوة وجود تدخل أميركي، لكنها تشير إلى أن السفارة الأميركية في العراق تركز اهتمامها على مراقبة ما يجري متسلحة بسيف العقوبات على إيران، وهو سيف لن تنجو منه قوى عراقية كثيرة باتت تدرك أن الورقة الإيرانية تسير نحو المزيد من التراجع في العراق، وهي لم تعد كافية كمصدر حماية بالقدر الذي كانت عليه قبل سنوات وقبل أشهر.

كاتب لبناني

 

 

لبنان: المحاصصة في السلطة

تفضح الاستسلام لحزب الله

علي الامين

فيما كان الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، يعطي الضوء الأخضر للرئاسات اللبنانية للانخراط في مفاوضات مع إسرائيل، من أجل تحديد وترسيم الحدود البرية والبحرية بين الدولتين، أطلق في خطابه الأخير في يوم القدس عدة مواقف تفضي إلى أن الذراع الأقوى لإيران في المنطقة العربية، لن تقف مكتوفة في حال تعرضت إيران لضربة عسكرية أو حرب. واعتبر في موقف وُصفَ بأنه يزيد من احتمالات الحرب بين حزب الله وإسرائيل، أن حزب الله على أتمّ الاستعداد للبدء ببناء مصانع للصواريخ الدقيقة، فيما لو استمرت الولايات المتحدة بطرح مسألة وجود مصانع لهذه الصواريخ في لبنان مع المسؤولين اللبنانيين. صحيح أن نصرالله قبل إطلاق هذه الجملة، قال إن حزب الله ليست لديه مصانع لهذا السلاح في لبنان، لكنه كان يوجه رسالة مضمرة إلى من يعنيهم الأمر في الداخل والخارج، أن إيران هي من يقرر في القضايا السيادية في لبنان، وباعتباره ممثل مرشدها في لبنان فهو من يحدد إعلان الحرب من دون أن يراعي ولو في الشكل أن مثل هذه القضية الخطيرة تقع على عاتق الدولة اللبنانية وحدها دون غيرها.

هذا الخطاب الذي اتسم بنبرة تصعيدية بخلاف المواقف السابقة تجاه إسرائيل وواشنطن، لم يلق أي رد من القيادات الإسرائيلية، ولم يتوقف عنده أي مسؤول أميركي، رغم ما انطوى عليه من نبرة عالية تجاه الطرفين، فلا إسرائيل أعلنت أنها بصدد التراجع عن قرار التفاوض مع لبنان، ولا واشنطن أصدرت أيّ موقف يتصل بأي تهديد بتعديل دورها كوسيط بين البلدين.

وبعد مرور 24 ساعة على هذا الموقف، جرى إطلاق بضعة قذائف هاون على جبل الشيخ من الجهة السورية وهي منطقة خالية من السكان تقع في الجولان المحتل، أي أن إطلاق هذه القذائف لم يكن المقصود منه أي ضرر بشري أو مادي، بقدر ما هو جسّ نبض للموقف الإسرائيلي الذي بقي صامتا حيال مواقف نصرالله الأخيرة، ولكن ذلك لم يمنع إسرائيل من القيام برد عنيف على مواقع سورية وإيرانية في ريف دمشق الجنوبي فجر الأحد، أدى إلى سقوط عشرة ضحايا بين جريح وقتيل بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

ما يثير الانتباه هو الصمت الإسرائيلي تجاه مواقف نصرالله الأخيرة، لاسيما أن إسرائيل وتحديدا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كان أول من أثار مسألة وجود صواريخ دقيقة ومصانع لها في لبنان من على منبر الأمم المتحدة نهاية العام الماضي، وهذا الصمت ربما يشكل إحدى الأوراق التي يجمعها نتنياهو لتشكل ذريعة لخوض الحرب على لبنان في لحظة هو يختارها.

فمسألة الصواريخ الدقيقة على أهميتها كمصدر تهديد لإسرائيل، إلا أنها تشكل في المقابل مصدر تهديد للبنان، وهذا التهديد الأخير لا ينبع من خطورته العسكرية فحسب، بل من كون وجود هذا السلاح بيد حزب الله لا بيد الدولة اللبنانية. أي أن لبنان ليس صاحب القرار في استخدامه أو عدم استخدامه، وإن كان اللبنانيون هم من يتحملون تبعات وقوع أي حرب بين حزب الله وإسرائيل.

وما يثير الريبة أكثر في هذا السياق أن المسؤولين اللبنانيين، وخاصة القوى التي طالما واجهت حزب الله من زاوية أنه يغامر في السيادة اللبنانية، ويصادر قرار الحرب والسلم في الدولة، بقيت صامتة ومن دون أي رد فعل على مواقف نصرالله، فإذا كان رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي من حلفاء نصرالله وليس من عادتهم الاعتراض على مواقفه، فإن الملفت هو صمت رئيس الحكومة ورئيس حزب القوات اللبنانية، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

فرغم ما حمله خطاب نصرالله من تجاوز لصلاحيات المؤسسات الدستورية وللحكومة من تهديدات أطلقها في أكثر من اتجاه، فإن الصمت الرسمي والسياسي من القيادات المذكورة، يدفع إلى التساؤل عن حقيقة موقفها مما قاله نصرالله، وهو في أحسن الأحوال صمت في غير محله إلا إذا كان المقصود منه تثبيت المقولة التي يرددها البعض، أن لبنان أصبح بالكامل في القبضة الإيرانية.

استسلام ما كان يسمى “القوى السيادية” أو ما كان يعرف باسم قوى 14 آذار لاسيما تلك المنضوية في الحكومة أو القاطرة التي يقودها حزب الله، يزيد من المخاطر على الدولة اللبنانية. فلبنان طالما كان من خلال وجود معارضة لسلطة هذا الحزب يجد له من يستمع إلى موقفه العاجز عن لجم حزب الله، فيما اليوم وإزاء الصمت المطبق حيال ما تضمنه كلام نصرالله من تجاوز لدور الدولة ومسؤولياتها على الصعيد الاستراتيجي، سيثبت المقولة التي ترددها القيادات الإسرائيلية عن أن لبنان كله تحت سلطة حزب الله، وأن أي حرب مقبلة لن تميز فيها إسرائيل بين حزب الله والدولة اللبنانية.

المفارقة في لبنان ورغم ما تقدم من مخاطر تحيط به في مرحلة الاستنفار الأميركي-الإيراني، وفي ظل المواقف التي أطلقها نصرالله، هي انهماك الأحزاب اللبنانية في صراعات هامشية تتصل بملفات داخلية، وصراع على السلطة لكن ضمن الدائرة التي رسمها حزب الله لها.

فانهماك حزب القوات اللبنانية بلجم صعود نفوذ التيار الوطني الحر في السلطة وسيطرته على الحصص داخل الحصة المسيحية، يتقدم لدى القوات على كلّ ما عداه، لا بل صار مطلب تحييد حزب الله عن الصراع المسيحي هو جلّ ما يعني القوات اللبنانية كما تظهر الوقائع، فقائدها الدكتور سمير جعجع يبدو متنبها بل متربصا بحركة الوزير جبران باسيل إلى الحدّ الذي بات ما يقوم به حزب الله رغم خطورته أمرا لا يثير لديه أي ردّ فعل كما كان الحال في سنوات ما قبل الانتخابات النيابية الأخيرة.

وكذلك رئيس الحكومة سعد الحريري الذي بات تيار المستقبل الذي يتزعمه مهتما بالمحافظة على بعض المواقع في الدولة، أكثر من اهتمامه بالمخاطر التي تسببها السياسات الإيرانية على الدولة نفسها. وليد جنبلاط حاول التململ كعادته في مواجهة قبضة حزب الله، ولكنه حين أدرك أنه مستفرد من دون عون ولا نصير، فضل السكوت.

خطاب نصرالله الأخير لا تكمن مخاطره في تجاوزه لحدود السيادة، ولا في إظهار حقيقة أن لبنان ورقة إيرانية، بل الخطر الفعلي هو في كشفه هزال الدولة اللبنانية أمام سطوة الحزب، بل أكثر من ذلك، إنه ليس في مكونات الحكومة من هو مستعد ليقول لحزب الله لقد تجاوزت حدّ السلطة ولن نقف مكتوفي الأيدي أمام مغامرة تدمير ما تبقى من لبنان، سواء في حرب تخوضها، أو في سلام موهوم تديره.

كاتب لبناني

 

 

"منع توطين الفلسطينيين في لبنان":

كلمة حق يراد بها باطل

علي الامين

يبدو أن الورقة الفلسطينية في لبنان ستدخل في لعبة المزايدات السياسية التي طالما دفع لبنان والفلسطينيون أثمانا غالية بسببها، ذلك أن القضايا العادلة طالما جرى استغلالها واستثمارها لحسابات لا تتصل بسبل الوصول إلى تحقيقها، بل بقدر ما كانت وسيلة من وسائل الصراع والتقاتل من أجل النفوذ والسلطة.

يحفل تاريخنا العربي الحديث بما بات يفرض علينا اليوم بعد كل الأحداث والتداعيات التي شهدها، بأن نعيد قراءة الأسباب العميقة لهذا الانتكاس الذي تعيشه الدول العربية، ولهذا التصدع الذي أصاب المجتمعات العربية، وجعلها غارقة في دوامة العنف والفوضى، ونهبا للاستغلال السياسي والاقتصادي، وبالمساحات الديموغرافية والجغرافية المشرعة للغزو باسم قضاياها العادلة، فيما تتحول هذه القضايا في يد سماسرة الغزو إلى أوراق للبيع في أسواق الدول الكبرى ومزايداتها المدمرة والقاتلة.

في قضية الوحدة العربية، وفي تجارب المشروع القومي العربي، الكثير من الدروس التي نتعلمها. هذا المشروع الذي قام وحكم في الدول العربية أو هيمن على هذه الدول طيلة نصف قرن وأكثر، إثر نكبة فلسطين في العام 1948، وأخطر ما فيه أنه وهو يرفع قضية تحرير فلسطين كمهمة استراتيجية، كان غارقا في عملية الاستحواذ على السلطة كيفما كان، وساعيا بكل قوة إلى إلغاء التنوع السياسي والاجتماعي، وإلى جعل القمع هوية للسلطة ومضمونها، وسبيلها إلى إثبات وجودها على حساب الحرية وتداول السلطة.

وكانت فلسطين بمأساتها الوسيلة الناجعة لتبرير القمع والعنف السياسي والاجتماعي، ذلك أن ما ارتكب من جرائم باسم القضية الفلسطينية في داخل الدول العربية، كان أكبر ممّا يمكن تخيله، والنماذج لا تحتاج إلى تمحيص وتدقيق، وهي حاضرة في صورة كل زعيم قمع شعبه، وفي كل حزب استحوذ على السلطة باسم فلسطين، من العراق إلى سوريا إلى السودان، فالجزائر ومصر وليبيا وغيرها من الأنظمة التي قامت على جرح فلسطين، وحوّلت دولها إلى أجسام مكدسة ومتهالكة محكومة بالعجز والتخلف، بل نهبا لقوى طامعة ودول مستعمرة تنهش منها، بعدما صارت شعوبها أسيرة انقسامات عصبية، كشفت كم أن المشروع القومي كان فاشلا ليس في تحقيق الوحدة العربية فحسب، بل كيف كان وبالا على الدولة الوطنية أيضا، بل هو مشروع الدولة الذي سيبقى المعيار لأي مشروع نهضة فعلية في العالم العربي.

لم يكن صعود الإسلام السياسي أفضل حالا، بل ينطبق عليه القول الشهير، “إن التاريخ لا يعيد نفسه ولكن إن عاد، فيعود على شكل مهزلة”. لم يهضم الإسلام السياسي التجربة القومية، ولم يقرأ الأسباب العميقة لارتكاسها في عالمنا العربي، لقد اعتقد أن مقولة “الإسلام هو الحل” كفيلة بأن تنقل الشعوب العربية من حال التخلف والهزيمة إلى التحضر والارتقاء، فقد شهد العالم العربي ومنذ انتصار النموذج الإسلامي في إيران في العام 1979 وفي تجلياته العربية، أسوأ مرحلة انهيار حضاري وسياسي وفكري وثقافي.

فالمشروع الإسلامي في تجلياته السياسية، أظهر كم هو خارج عن العصر وفاقد للجاذبية الحضارية، ومشروع خاوٍ إلا من هذا العطش إلى السلطة والتحكم باسم الدين، وربما تفوّق على عتاة المشروع القومي ببراعته في الاستثمار في الجهل، ووصل به الحال إلى أنه فقد ميزة المشروع الإسلامي الذي بشر به على صعيد وحدة المسلمين، ليتحول إلى مشاريع فرق إسلامية تتوسل العصبيات المذهبية والنزعات الفئوية، من أجل السلطة ولا شيء سواها. وانكشفت التيارات الإسلامية بعد عقود قليلة على صعودها، على أنها أحزاب وقوى فاقدة للمشروع الحضاري، وخاوية من أي جاذبية.

وبعد أربعة عقود على نموذج الجمهورية الإسلامية الذي بشرت به إيران، يكتشف الإيرانيون قبل غيرهم في هذا العالم، أن هذا النموذج الذي حكم إيران باسم الإسلام، زاد من فقر الشعب الإيراني، وجعل الدولة الإيرانية في مصاف الدول التي يشكل النفور والعداء لها في محيطها أبرز ملمح في هوية نظامها. وللمفارقة وعلى الرغم من النفور العربي والإسلامي من السياسات الأميركية، فإن العقوبات القاسية التي فرضتها الإدارة الأميركية منذ أكثر من عام على إيران، وجرى التشديد عليها منذ مطلع الشهر الجاري، لم تنتج أيا من مظاهر التضامن أو الاحتجاج الشعبي عربيا وإسلاميا وحتى عالميا، على خلاف ما حصل في قضايا أخرى، ولاسيما بعد الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 وغداته التي شهدت تحركات احتجاجية في معظم الدول العربية والإسلامية وفي أوروبا وفي غيرها من دول العالم.

إيران اليوم فقدت حتى التعاطف أمام العقوبات الأميركية، بل وصل العداء المتغلغل لدى الشعوب العربية إلى موقع لا يكاد ينافسها أحد عليه.

مجددا يحاول حزب الله إعادة استثمار هذه القضية، لكنه لا يدرك أنه جاء في الوقت الذي أمعن في استغلالها إلى الحدود التي بات من الصعب الانجرار وراءه باسم فلسطين، أو باسم خطر توطين الفلسطينيين في لبنان، كما قال أمينه العام قبل أيام، بأن على اللبنانيين والفلسطينيين التحرك في سبيل مواجهة خطر التوطين، بسبب ما يسمى تداعيات “صفقة القرن”.

ولكن هذه الدعوة التي يحملها حزب الله اليوم، تأتي في أعقاب مسلسل من الارتكابات بحق القضية الفلسطينية نفسها، فنهر الدماء الذي سال في سوريا باسم فلسطين كما روّج حزب الله ولا يزال لتبرير قتاله في سوريا ولتدمير مخيمات اللجوء في سوريا ولتهجير السوريين والفلسطينيين في هذا البلد، كان مسبوقا بخطوات مدمرة طالت السلطة الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني.

فحزب الله ومن خلفه إيران استثمرا في الانقسام الفلسطيني منذ تسعينات القرن الماضي، ولم تكن هذه السياسة في مآلاتها اليوم إلا هدايا للكيان الإسرائيلي، وعلى حساب وحدة الشعب الفلسطيني. فالاستثمار في الانقسام لم تكن غايته لا القدس ولا فلسطين، بل كان توظيف الورقة الفلسطينية من أجل تحقيق النفوذ على امتداد المنطقة العربية، بعد المساهمة في إسقاط الدولة فيها، أما إسرائيل فكانت شريكا موضوعيا في المكاسب الإيرانية، بحيث أن الانتصارات الإلهية، كما يسمي حزب الله انتصاره على معارضي نظام بشار الأسد، كانت نتائجها المزيد من التمدد والنفوذ لإسرائيل في المنطقة العربية وفي سوريا التي تطمئنّ لبقاء نظام الأسد واستمراره.

قضية التوطين في لبنان هي ورقة في بازار الحسابات الإيرانية بالمنطقة العربية، التي لن تعير بالا للدولة اللبنانية، ولا للحقوق الفلسطينية التي طالما استثمرتها قوى الممانعة في لبنان منذ زمن الوصاية السورية، كمسألة ابتزاز للدولة اللبنانية، أو منصة لتصدير العنف ولمنع قيام الدولة. فمنذ أن توقف العمل العسكري الفلسطيني ضد الاحتلال عبر لبنان، صارت البندقية الفلسطينية أداة لتصفية الحسابات ولتوجيه رسائل أمنية، ووسيلة لتطويع الفلسطينيين وإدراجهم في الحسابات الإيرانية والسورية بمشيئتهم أو رغما عنهم. رفع شعار منع التوطين اليوم يمثل “كلمة حق يراد بها باطل”.

 

كاتب لبناني

 

 

التصعيد في مياه الخليج

والصفقة "حدود إسرائيل"

علي الامين

 

هل تبدأ الحرب بين واشنطن وطهران؟ هذا السؤال يشغل العالم اليوم من دون أن تتضح الصورة بعد، فالحشود العسكرية الأميركية في الخليج العربي والبوارج الأميركية التي وفدت إلى الخليج والبحر المتوسط، إلى جانب الاحتياطات العسكرية والدبلوماسية الأميركية كلها تنذر بأن خيار الحرب على الطاولة، على رغم المواقف الأميركية التي لا تزال تؤكد أنها لا تريد الحرب مع إيران، إنما تغيير السلوك الإيراني.

والحال نفسه في الجهة المقابلة فالمرشد الإيراني علي خامنئي، أعلن أنه لا يريد الحرب، كذا أعلن وزير الخارجية الإيرانية أن لا نيّة لطهران في خوض مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة. فيما أكد قائد الحرس الثوري اللواء حسين سلامي أن “إيران تخوض حربا شعواء مع أميركا تشمل الاستخبارات والهجمات الإلكترونية والردع العسكري”.

وجاء كلام سلامي خلال مراسم تسلم وتسليم في مواقع مسؤولي استخبارات الحرس الثوري كما نقلت وكالة مهر الإيرانية، وهذا الموقف كما المناسبة، يرجحان المعلومات التي تحدثت عن اختراقات أمنية أميركية في داخل المؤسسات الاستخبارية الإيرانية وعلى مستوى الشبكة العنكبوتية.

ما تقدم هو نذر يسير من التحركات العسكرية والمواقف السياسية التي تتأرجح بين التصعيد نحو الحرب، وبين تسوية لم تتضح بعد معالمها وإمكانية تحققها. خصوصا أن الشروط الأميركية لهذه التسوية ليست أقل من إعلان هزيمة للنظام الأيديولوجي الذي يحكم إيران، وبالتالي فإن رضوخ النظام في إيران لهذه الشروط يبدو مستبعدا وغير وارد في حسابات القيادة الإيرانية، التي استثمرت كل قوتها في تعزيز نفوذها الخارجي، وهي تدرك أن ما تمتلكه من قيمة في الميزان العسكري والسياسي، هو هذا النفوذ سواء في العراق أو اليمن وسوريا ولبنان، فيما تفتقد أي ميزة اقتصادية أو عسكرية أو مالية في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية داخل إيران، وهي أزمة تفاقمت جراء العقوبات الأميركية حسب التقارير الاقتصادية والمواقف التي صدرت عن المسؤولين الإيرانيين.

تمسّك إيران بأوراق قوتها ليس مفاجئا، بل متوقع من أي مراقب لمسار السياسة الإيرانية على امتداد العقود الماضية، وبالتالي فإن استخدامها لهذه الأوراق هو الخيار المناسب لها، طالما أنها قادرة على استخدامها من دون أن يورطها ذلك في مواجهة مباشرة مع القوات الأميركية، وبالتالي فإن الرسائل الأمنية تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال “عمليات تخريب” لسفن في المنطقة الاقتصادية، ومحاولة “تخريب” أحد أنابيب النفط داخل السعودية، هي عمليات نفت طهران مسؤوليتها عنها، رغم التقارير التي صدرت ورجّحت قيامها بها عبر جماعات تابعة لها.

هذا ما دفع المملكة العربية السعودية ودولا خليجية إلى “الموافقة على طلب من الولايات المتحدة لإعادة انتشار قواتها العسكرية في مياه الخليج العربي وعلى أراضي دول خليجية”. وفي موازاة عملية استثمار وتنشيط للأذرع الإيرانية كانت الرسائل التي انطلقت من بغداد، والتي طالت المنطقة الخضراء في بغداد مساء الأحد، من خلال إطلاق صاروخ لم يؤد إلى أضرار مادية أو بشرية، والذي كان مسبوقا باجتماع قبل أسابيع جرى تسريب خبر حصوله من خلال وسائل إعلام بريطانية، ترأسه قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وجمع قيادات لميليشيات من الحشد الشعبي العراقي، وجوهر الاجتماع هو الاستعداد للحرب.

إزاء هذا المشهد الأمني والعسكري وما يحيط به، بات واضحا أن التحديات الأمنية سوف تتجه نحو مزيد من توجيه الرسائل الإيرانية غير المباشرة تجاه دول الخليج والعراق، وهذا ما دعا الرياض إلى الدعوة إلى مؤتمر قمة عربية وخليجية عاجلة على هامش المؤتمر الإسلامي في مكة آخر الشهر الجاري، مترافقا مع مواقف رسمية صدرت عن وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي عادل الجبير أكد فيها من جهة على عدم رغبة المملكة في خوض أي حرب مع إيران، ومن جهة ثانية استعدادها للدفاع عن أراضيها ومصالحها.

في خضم هذه المواجهة، وإزاء هذا التصعيد الذي تشير إليه التطورات الميدانية، تبقى مخاطر وقوع حرب واردة، فاليد على الزناد وأي خطوة غير محسوبة قد تدفع نحو حرب بسبب عدم رغبة أي طرف في التنازل، فواشنطن لن تقف مكتوفة حيال أي رسالة تراها خاطئة، والرئيس دونالد ترامب لن يستطيع تعريض ما يسميه “هيبة أميركا” للخطر، كما أن النظام الإيراني بات يدرك أن أي سكوت على ضربة أميركية مباشرة ستكون له تداعيات داخلية لن يتحمل عواقبها. وفي تغريدته الأحد الماضي إثر ما جرى في المنطقة الخضراء في بغداد قال ترامب “إذا كانت إيران تريد الحرب، فستكون هذه هي النهاية الرسمية لإيران”، وأضاف “لا تهددوا الولايات المتحدة مرة أخرى”، وهي إشارة إلى أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي حيال الرسائل الإيرانية الأمنية غير المباشرة.

هل ستقع الحرب؟ السؤال قد يبدو وكأن الحرب غير قائمة، فحرب العقوبات الأميركية هي الأشد والأقسى على إيران، ومن الواضح أن الإدارة الأميركية تبني استراتيجية المواجهة على هذا الوجه بالدرجة الأولى لتغيير سلوك النظام في إيران.

وتتركز الجهود الأميركية على هذا الخيار الذي يستبطن مواجهات تتخذ أبعادا سياسية وإعلامية وسيبرانية وأمنية، وقد حققت واشنطن في هذا المضمار خطوات عديدة، لعل أبرزها منع إيران من تصدير نفطها، وأحدثت إرباكا في العلاقات الإيرانية الخارجية مع أوروبا التي خيبت ظن القيادة الإيرانية من تقاعس القارة العجوز عن الإيفاء بالتزاماتها حيال الاتفاق النووي.

وفي نفس الوقت بدت طهران عاجزة عن التخلي عن هذا الاتفاق بعدما كانت حددت مهلة ستين يوما من أجل إيفاء شركائها فيه بالتزاماتهم وإلا فإنها ستعمد إلى إعادة تخصيب اليورانيوم بما يتنافى مع شروط الاتفاق. ولعل ما يدفع واشنطن إلى عدم الانتقال إلى المواجهة العسكرية ومحاولة تفاديها، هو التزام أصدقاء إيران، لاسيما روسيا والصين وتركيا والهند، بوقف استيراد النفط الإيراني.

قدرة إيران على الصمود تتركز اليوم في أمرين حسب خبراء في السياسة الإيرانية. الأول في تحمل العقوبات التي تجعلها في موقع شبه منعزل عن السوق التجاري العالمي، وتفرض عليها التعامل بظروف غير مسبوقة مع متطلبات الشعب الإيراني. أما الثاني فهو محاولة إحداث خرق في الشروط الأميركية للتفاوض معها، وهذا من خلال سياسة رفع كلفة وقوع الحرب على الجميع، وفي نفس الوقت تقديم تنازلات إقليمية لواشنطن قد تتصل بـ”صفقة القرن” من دون أن يتم ذلك بشكل علني ولكن فعلي، كما جرت العادة في ملفات عدة بينها وبين واشنطن في أكثر من ملف إقليمي.

يبقى أن الخناق الذي يضيق على إيران، سيفرض بالضرورة الدخول في تسويات طالما أن الحرب ليست مضمونة النتائج بالنسبة لإيران بالدرجة الأولى، وهذه التسويات في نظام المصالح الإيراني ستتركز بالضرورة على أولوية حفظ النظام الإيراني، لذا فإن التقديرات الدبلوماسية تشير إلى أن طهران ستبدأ بالتلويح لواشنطن وتل أبيب بما يضمن أمن إسرائيل بالدرجة الأولى، سواء في سوريا أو لبنان، حيث يمكن ملاحظة الصمت الإسرائيلي حيال ما يجري على ضفتي الخليج، وكيف أن حزب الله بدا فجأة ليّنا في الأسابيع الأخيرة تجاه فكرة التفاوض بين لبنان وإسرائيل على ترسيم الحدود البرية والبحرية بين البلدين، وبدا غير منزعج من الاتصالات السرية التي ترعاها روسيا بين دمشق وتل أبيب، والتي برز منها رأس جبل الجليد، وهي هدية رفات الجندي الإسرائيلي التي قدمتها سوريا لبنيامين نتنياهو عشية الانتخابات وغداة الاعتراف الأميركي بضم الجولان المحتل لإسرائيل.

 

كاتب لبناني

 

 

المناورة الإيرانية

على حافة الهاوية

علي الامين

 

حادثة الفجيرة تؤكد أن سياسة حافة الهاوية الإيرانية تستنفد أوراقها، ومهما بلغت المفاجآت الإيرانية مداها فهي باتت مكشوفة إلى حدّ بعيد، وخيارات التخريب سيف ذو حدين.

أظهرت عمليات التخريب في ميناء الفجيرة النموذج الذي يمكن أن تقوم به إيران للرد على العقوبات الأميركية التي تضيّق الخناق على الاقتصاد الإيراني. لم تعلن إيران مسؤوليتها عن العملية التي طالت أربع سفن تجارية في المرفأ، الذي يعتبر من أكبر المرافئ المعدة للتزود بالوقود في العالم.

برس تي.في” كانت المحطة الأولى التي أعلنت عبر شاشتها الإيرانية الناطقة باللغة الإنكليزية عن انفجارات طالت سبع سفن وليس أربع كما جاء في بيان وزارة الخارجية الإماراتية، ورئيس لجنة الأمن القومي الإيراني كان أول المعلقين على العملية التخريبية، واستنتج من خلالها “أن أمن الخليج هشّ”.

هذه العملية التي لم تكن أضرارها المادية كبيرة ولم تؤد إلى سقوط أي ضحايا، تشير إلى الأدوات التي ستعتمدها طهران في المواجهة التي لا تريدها مواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن، وبالتالي فهي ستعمد إلى القيام بأعمال عسكرية وأمنية تحول دون اتهامها مباشرة من قبل خصومها وأعدائها بالوقوف وراءها، فهي سياسة تهدف من خلالها إيران إلى رفع كلفة المواجهة معها، عبر إظهار أن الخليج العربي الذي تطل عليه وحتى مناطق نفوذها الإقليمي، هي مناطق غير آمنة لواشنطن وحلفها الإقليمي في المنطقة.

جاءت العملية بعد ساعات من ظهور قائد فيلق القدس قاسم سليماني في العراق، من خلال صورة جرى تناقلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي الزيارة الأولى المعلنة بعد أكثر من شهرين على زيارة الرئيس حسن روحاني إلى العراق، وبعد أقل من أسبوع على الزيارة التحذيرية للعراق التي قام بها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى بغداد، والتي أكد خلالها للمسؤولين العراقيين استعداد واشنطن لدعم العراق، طالما لم يتورط في السماح لإيران بخرق الحصار، وباستخدام أراضيه والميليشيات العراقية المؤيدة لإيران من أجل توجيه رسائل أمنية وعسكرية ضد المصالح الأميركية في بلاد الرافدين، وترافقت الزيارة مع معلومات تم تداولها لدى أوساط عراقية في السلطة وتناقلتها بعض وسائل الإعلام، مفادها أن رسالة أميركية واضحة تلقتها السلطة العراقية لنقلها إلى إيران، تقول إن “أي اعتداء تقوم به جهات محسوبة على إيران ضد مصالح واشنطن سيكون الرد الأميركي في إيران مباشرة”. ولكن هذه الرسالة تلاها موقف منسوب للرئيس الأميركي دونالد ترامب ونقلته محطة “سي.أن.أن” بأن واشنطن أودعت رقم هاتف البيت الأبيض لدى سويسرا وهي تنتظر اتصالا من الرئيس الإيراني حسن روحاني.

المواقف الإيرانية كما هو متوقع تلقفت هذه الرسالة لتزيد من استعراض القوة، عبر مواقف صدرت عن قيادات في الحرس الثوري ترفض الحوار، وروجت لهذه الرسالة الأميركية، كمؤشر على أن موقف إيران قوي، وهي التي يتقدم ترامب ليخطب ودها فيما هي تتمنع، ولو كانت راغبة في تتويج هذا الودّ بتفاهم يضمن لها المكاسب على الصعيد الإقليمي.

وقامت إيران حسب ما ورد في تقارير أميركية إعلامية، بتزويد زوارق بحرية وفرقاطات إيرانية بصواريخ باليستية، مع دخول البوارج الأميركية الخليج العربي والبحر المتوسط، كل ذلك كان مترافقا مع مواقف أميركية معلنة تقول إنها لا تريد المواجهة العسكرية مع إيران، ومواقف إيرانية مقابلة تتفادى أي تهديد بالحرب ضد واشنطن، وتنفي وجود أية نية لدى طهران بإغلاق مضيق هرمز.

يعرف قادة إيران أنه لا يمكن الركون إلى تطمينات ترامب بشأن الحوار ورفضه للقتال، فالبوارج الأميركية والقواعد البرية المنتشرة كالفطر حول إيران من دول الخليج والعراق وأفغانستان وباكستان وأذربيجان وغيرها، تقول كلاما آخر لا يدفع طهران إلى الاطمئنان، كما أن الشروط الأميركية المطروحة على طهران لوقف الحصار، هي شروط استسلام في الحسابات الأيديولوجية التي تحكم السلطة في هذا البلد.

وفي المقابل فإن النظام الإيراني وهو يراقب الاستعدادات الأميركية العسكرية، يجد نفسه مكشوفا بسبب ندرة الأصدقاء والحلفاء، بل يدرك أن روسيا والصين تتربصان في محاولة لنيل بعض المكاسب من واشنطن وهي المكاسب التي تلوّح بها واشنطن لهما، علما أنها مما تحوزه إيران على مستوى المنطقة، فسوريا هي هدية لروسيا مشروطة بإبعاد إيران، والصين مرشحة لتلعب دورا استثماريا على امتداد المنطقة مع تراجع الدور الإيراني.

القيادة الإيرانية التي لا تتقن إلا أسلوب المواجهة مع الدول العربية، والعاجزة عن تقديم مشاريع تتجاوز مشاريع الاقتتال وتقسيم المجتمعات المحيطة بها، لن تستطيع التفاعل مع التحديات التي تفرضها واشنطن على دورها الإقليمي واقتصادها الوطني إلا بالمزيد من محاولة التخفي والهروب من المواجهة، علما أن هامش المناورة يضيق فيما واشنطن تحيك عملية الحصار والعقوبات التجارية على إيران، بجعل كل الدول المحيطة بإيران وعلى المستوى الدولي معنية بهذه المواجهة أو بنتائجها ودائما العين على الكعكة الإيرانية.

وتراهن واشنطن في معركة تطويع إيران، على ما اعتمدته سابقا تجاه العراق وأفغانستان، فعندما خاضت واشنطن حربها ضد هذين البلدين، كانت وفرت إلى حدّ بعيد البيئة الحاضنة العربية والدولية لإسقاط نظام البعث في العراق ونظام طالبان في أفغانستان، ومهما قيل عن المواقف المؤيدة لإسقاط النظامين عامي 2002 و2003، فإن الثابت أن إيران اليوم في ظل السياسات التي نفذتها في محيطها ولاسيما على المستوى العربي، وصلت إلى أن أكثر من 80 في المئة من المواطنين العرب يحمّلون طهران مسؤولية أساسية تجاه ما طال الدول العربية في المشرق العربي واليمن والخليج، وهذا واقع لم يصل إليه لا النظام العراقي ولا الأفغاني، وهي نقطة ضعف إيران اليوم ونقطة قوة واشنطن.

حادثة الفجيرة تؤكد أن سياسة حافة الهاوية الإيرانية تستنفد أوراقها، ومهما بلغت المفاجآت الإيرانية مداها فهي باتت مكشوفة إلى حدّ بعيد، وخيارات التخريب سيف ذو حدين، خصوصا أن الدول التي يمكن لإيران أن تتحرك من خلالها بسهولة من خلال أذرعها، هي دول باتت عاجزة عن احتمال تبعات السياسة الإيرانية، إلا إذا كان الانتحار الإيراني هو الخيار المتاح، وهذا خيار كشفت الوقائع أنه ليس إلا وسيلة تهويل طالما نجحت إيران في استخدامه على الهامش في لبنان، حين كانت بمأمن من تداعياته بل في موقع المستثمر لكوارث الآخرين، هذا لم يعد متاحا اليوم طالما أن العالم سيغطي أيّ رد عسكري أميركي أو إسرائيلي في قلب طهران.

ورغم كل ما يقال عن انسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة، إلا أنه يكشف أن القيادة الإيرانية مستعدة لأن تقدم الهدايا لترامب في محاولة لاسترضائه وسط ضجيج الاستعراض الصوتي الإيراني على امتداد المنطقة العربية.

 

كاتب لبناني

 

 

ثلاث مهمات إيرانية عاجلة في العراق:

النفط والجيش وحزب الدعوة

علي الامين

في خطوة لافتة أعلنت شركة النفط الإيرانية افتتاح مكتب لها في العراق بهدف تسهيل التعاون في مجال صناعة النفط ونقل الخدمات الهندسية والفنية إلى العراق، ويأتي هذا الإعلان غداة بدء المرحلة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران والتي عنوانها تصفير صادراتها النفطية.

وفيما تؤكد أوساط عراقية قانونية، أن افتتاح المكتب لا يشكّل بذاته تحدّيا للعقوبات، طالما أن وظيفته استشارية ولا تتعداها إلى تصدير النفط الإيراني إلى العراق، إلا أن جهات عراقية نيابية، بدأت تُبدي قلقها من تداعيات العقوبات الأميركية على إيران، وما يسببه ذلك من نشاط إيراني تصفه هذه الجهات بالخطير، فإيران التي تتمتع بنفوذ لا يستهان به في العراق، بدأت باستثمار هذا النفوذ للحدّ من آثار الحصار الذي تعانيه، عبر تحميل العراق جملة أعباء سياسية واقتصادية، في سياق اعتبار العراق معبرا لتوجيه الرسائل المتنوعة إلى الحكومة الأميركية.

ثمة مجالات عديدة بدأت طهران تستعد لاعتمادها داخل العراق، الأول يتمثل في ملف النفط. كيف يمكن لإيران أن تستخدم هذا الملف لصالحها؟

حسب المعلومات فإن الخطة الإيرانية تتركز على خفض إنتاج النفط العراقي، فالعراق الذي ينتج نحو أربعة ملايين برميل يوميا، ويعمل منذ مدة على رفع مستوى إنتاجه إلى ستة ملايين برميل أي الحصة التي يقول المسؤولون العراقيون إنها حصة بلادهم المقررة من سوق النفط العالمي. ما يثير المخاوف لدى نخبة سياسية عراقية، هو أن إيران التي شككت عبر وزيرها للنفط، بقدرة الرياض وأبوظبي على تعويض النقص العالمي من النفط الإيراني، ستعمل على منع العراق من زيادة صادراته النفطية، بل ستتجه إلى خفض قدرة العراق على التصدير من أربعة ملايين إلى ثلاثة ملايين وربما أقل، حيث يمكن لإيران أن تقوم بهذه الخطوة عبر أذرعها العراقية، لتعطيل مصافي النفط أو عمليات النقل، وغير ذلك من وسائل قد تعتمدها إيران لتظهير كلفة منعها من تصدير نفطها.

‏مجال ثانٍ ليس جديدا، لكنه اتخذ بعدا يتسم بالأولوية والجدية في السياسة الإيرانية داخل العراق، فإيران التي نجحت في تقسيم عدد من الأحزاب الشيعية، وشجعت على تفريخ مجموعات ميليشياوية وحزبية، من التيار الصدري الذي انشقت منه عدة مجموعات بدعم إيراني مثل عصائب أهل الحق وغيرها، وصادرت المجلس الأعلى الذي قاده عمار الحكيم، الذي أسس تيار الحكمة بعدما خرج المجلس عن سلطته بسبب الدعم الإيراني، وعملت على شق المجموعات العربية السنية بحيث نجحت في شق صفوف أحزابها ودعمت مجموعات تابعة لها صارت في البرلمان والحكومة. اليوم تعيد إيران حياكة قيادة جديدة لتنظيم حزب الدعوة العراقي بما يتناسب مع مصالحها.

وفي معلومة دقيقة ورد أن إيران تحاول مجددا السيطرة على حزب الدعوة من خلال أذرعها الاستخبارية. طهران ترى في حزب الدعوة حركة إسلامية تاريخية ومهمة يمكن الاستفادة منها وقت الحاجة. ولكن حزب الدعوة تاريخيا له قراره المستقل ولم يخضع للقرار الإيراني، وذلك بوجود قيادات تاريخية قديمة في الحزب لها رؤية في توجهات حزب الدعوة بعيدا عن التأثيرات الخارجية.

التوجّه الإيراني الجديد يتمثّل في إبعاد القيادات الحالية للحزب وجلب قيادات خلقتها الأذرع الاستخبارية لإيران للسيطرة عليه. وإحدى أهم هذه الشخصيات هو طارق نجم الشخصية الغامضة الذي كان بعيدا عن حزب الدعوة لسنوات، وبرز مؤخرا وبشكل مفاجئ كقيادي في “الدعوة”، وذلك من خلال ترؤسه لمكتب نوري المالكي عندما كان رئيسا لوزراء العراق.

ومع أن أجهزة استخبارية إيرانية تصنّف طارق نجم على أنه صاحب علاقات وطيدة بجهات استخبارية غربية وبريطانية على وجه الخصوص، كما أن عمق علاقاته الشخصية بالأكراد خصوصا مسعود البارزاني يثير أكثر من علامة استفهام حول علاقات ذلك بالإسرائيليين تبعا للعلاقة الحميمة التي تجمع البارزاني بإسرائيل.

ولكن مع ذلك فإن الإيرانيين وطّدوا علاقتهم بطارق نجم، إلى درجة أن أكثر رؤساء الأجهزة الاستخبارية الإيرانية يمكثون في منزل طارق نجم عند زيارتهم لبغداد، وقد أسسوا أجهزة اتصالات دقيقة في منزله للحؤول دون حصول أي عمليات تنصت من خارج الإيرانيين، فيما يتحرك نجم ضمن إطار حماية أمنية تديرها أجهزة إيرانية.

وحسب المعلومات فإن طارق نجم الذي نجح بتوجيه وتخطيط إيرانيين في إبعاد نوري المالكي عن رئاسة الوزراء، رغم أنه كان مدير مكتبه وكذلك نجح في إبعاد حيدر العبادي عن رئاسة الوزراء رغم أنه اظهر نفسه قريبا منه، هو نفسه يسعى للسيطرة على الحزب بدعم وتخطيط إيرانيين لوضع الحزب وقراراته تحت الهيمنة الإيرانية بالكامل.

فهو في الوقت الذي لا يتحمس لعمل حزب الدعوة ونشاطاته، إلا أنه يتحرك بكل حرص وحماس للسيطرة على مرافق الحزب وتنظيماته ويصور نفسه بأنه قريب من كل قيادات الحزب وهو في الواقع يعمل على إبعادهم جميعا، ذلك أن السيطرة الإيرانية على الأحزاب العراقية تقوم على فكرة الإتيان بشخصيات تكتسب حضورها وفعاليتها من الدعم الإيراني وليس من أي شرعية تاريخية أو تأسيسية، بمعنى أن وجودها قائم على الدعم الإيراني فقط لا غير.

مجال ثالث وأساسي في محاولة إيران ترسيخ نفوذها في العراق، وهو مشروع المجلس العسكري، الذي تدفع إيران لتأسيسه عبر أدواتها في العراق، بغاية زعزعة موقع الجيش واختراقه. فالحشد الشعبي الذي تسيطر إيران عليه وتمسك بمفاصله، لم يستطع رغم تشريعه، هزّ موقع الجيش الذي يعود إليه الفضل الأول في تحرير العراق من تنظيم داعش، وهو المؤسسة العراقية التي لم تستطع إيران اختراقها، وقد كانت حصانة الجيش وديمومته أحد أسباب غضب قاسم سليماني وقيادة الحرس الثوري من رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، الذي عمل على منع تسلل الميليشيات إلى مراكز القيادة فيه، ورفض تأسيس مجلس عسكري الغاية منه إدخال المحاصصة الحزبية والطائفية إلى المؤسسة العسكرية.

من هنا فإن ضغط القيادة الإيرانية لإصدار قانون ينشئ المجلس العسكري على رأس قيادة الجيش يهدف إلى تحويله إلى مجلس جنرالات يجري تعيينهم من قبل أطراف السلطة وأحزابها والكتل النيابية، وهذا كفيل بأن تصبح إيران صاحبة قرار فيه، وهو ما ليس قائما اليوم.

ثلاثة مجالات عراقية تحاول إيران اختراقها في مواجهتها مع واشنطن، النفط وحزب الدعوة والجيش، وليس كل ذلك بغاية الحرب مع واشنطن، بل بهدف خلق واقع عراقي محرج لواشنطن، لاسيما أن إيران التي أعادت ترميم علاقتها مع الأكراد، واخترقت البيئة السنية، تحاول الإمساك بالورقة الشيعية من خلال السيطرة على حزب الدعوة، في محاولة لتهميش القيادات التي أظهرت مستوى من الاستقلالية عن النفوذ الإيراني، والغاية الإيرانية إعادة فرض حوار مع واشنطن ولو بواسطة أدواتها العراقية على حساب مصالح العراق.

في هذا الوقت يعاني مقتدى الصدر من إرباك وتشتت في الموقف، برز ذلك بشكل واضح في موقفه الأخير، من خلال هجومه على ملك البحرين ورئيس النظام السوري، في وقت يبدو فيه عاجزا عن اتخاذ موقف عراقي واضح بشأن التطورات الإيرانية الأخيرة.

في المقابل ثمة محاولة جادة تعكس وجود مقاومة عراقية لمشروع إضعاف العراق وإغراقه في وحول الأزمة الإيرانية، ويشكّل رئيس الحكومة السابق حيدر العبادي ورئيس تيار الحكمة عمار الحكيم نواتها التي تلقى دعما من النجف، ومن شخصيات عراقية باتت تدرك أن التماهي مع الموقف الإيراني يعني تدهور أحوال العراق السياسية والأمنية والاقتصادية.

 

كاتب لبناني

 

 

ايران تكشف أوراقها:

سنتفق مع اميركا وإسرائيل

علي الأمين *

 

المواقف التي صدرت عن القيادات الإيرانية، تؤكد أن الغضب الإيراني على العقوبات الأميركية وتحديداً قرار تصفير تصدير نفط ايران، يتركز على السعودية والامارات العربية المتحدة، باعتبار أن هاتين الدولتين تكفلتا بتعويض أي نقص في سوق النفط، يسببه منع ايران من تصدير نفطها.

يعكس الموقف الإيراني الذي عبر عنه أكثر من مسؤول وفي مقدمهم الرئيس حسن روحاني الذي قال أن ايران قد تحل مشكلتها مع الإدارة الأميركية، ولكن لن تنسى الإجراءات السعودية والامارتية. روحاني كان يقولها بالفم ّ الملآن لا تراهنوا على استمرار عدائنا لواشنطن سنتفق معهم ولن يتوقف عداءنا لكم. لم يكن روحاني الوحيد الذي لوّح بالتصعيد ضد الرياض وأبو ظبي، بل عدة مسؤولين في السلطة، من وزير الخارجية جواد ظريف، الى امام جمعة طهران، فيما قلل وزير النفط الإيراني من قدرة السعودية والامارات على تعويض النقص في النفط الذي يسببه منع ايران من بيع نفطها.

الموقف الإيراني يكشف السياسة الإيرانية التي طالما كان عنوان العداء للشيطان الأكبر وإسرائيل، هو ديدن خطاب مسؤوليها واذرعها في المنطقة العربية، لكنها في الواقع كانت شديدة البأس ضد دول المنطقة وشعوبها كما تظهر الوقائع التي اكتوى بنارها اهل العراق وسوريا واليمن ولبنان وغيرهم، وبالتالي فان ما قاله الرئيس الإيراني وردد مضمونه العديد من المسؤولين الإيرانيين، هو أن العدو الفعلي لإيران ليس إسرائيل، ولا الرئيس ترامب وادارته، بل السعوديين والاماراتيين، ولعل من اهم نتائج تصعيد العقوبات الأميركية على طهران واذرعها في المنطقة العربية اليوم، أنه يكشف هذه الحقيقة ويزيل عنها كل ما كان يعتريها من ادران عداء ايران لأميركا او تل أبيب، فالغضب الإيراني وتهديداته، لم وتردد في مدن إسرائيل ولا في القواعد العسكرية الأميركية.

لم يكن لدى العديد من المراقبين ايّ وهم أن ايران سترد على واشنطن، أو أنها ستنفذ تهديداتها الفارغة عن تدمير إسرائيل ببضعة دقائق، علماً أن هذه الفرصة قد تبدو مؤاتية اليوم أكثر من أي يوم سابق، لكن السياسة الإيرانية لم تكن يوما إسرائيل في سلم أولوياتها، بل النفوذ والسيطرة في الدول العربية هو الهدف الذي يجعل القيادة الإيرانية اليوم، تلوح بإمكانية بل بمسعى الاتفاق العلني مع واشنطن تستعيد من خلاله، موقع شرطي الخليج بشكل رسمي، أما فلسطين وطريق القدس التي جرى شقها في مدن عربية، فهي لم تكن سوى وسائل خبيثة لتأبيد الاحتلال الإسرائيلي في القدس والجولان، ولتأمين شروط الأمن والاستقرار لدولة إسرائيل، كما تظهر الوقائع ايضاً.

التنافس على قلب نتنياهو هو مؤدى السياسة الإيرانية التي على رغم الاهانات التي تتلقاها في الجغرافيا السورية من قبل الطائرات الإسرائيلية، الا اننا لم نلمس ايّ تعبير يكشف عن غضب إيراني من هذه الضربات، بينما نلمس كم أن بطش ايران حيال اعدائها في المجتمعات العربية  كان ولايزال شديدا وقاسيا بما لا يقاس ببطش إسرائيل، كما هو الحال في سوريا على سبيل المثال لا الحصر. كما أن السياسة الإيرانية في مآلاتها الأخيرة أظهرت للقاصي والداني أنها شكلت المعبر الإسرائيلي الى قلب المنطقة العربية، ونجحت في تحويل إسرائيل لدى معظم الدول العربية، أنظمة وشعوباً، كيانا مقبولا لديهم أكثر من ايران.

قالها الرئيس الأميركي بوضوح أنه ليس من أهدافه اسقاط النظام الإيراني، بل الاتفاق معه ضمن شروط وضعها على الطاولة، التي سيبقى فيها موقع خالٍ للنظام الإيراني، وايران كما حزب الله يتشبثان بعدم كسر الجرة لا مع الاميركيين ولا الإسرائيليين، وبالتالي عدم المسّ باي من الخطوط الحمراء الأميركية ولا الإسرائيلية، ما يقوله روحاني ويمارسه قاسم سليماني، وقاله أمين عام حزب الله بالفعل لا في القول وطيلة سنوات الثورة السورية، معركتنا ليست مع اميركا ولا إسرائيل انما عدونا “الإرهاب التكفيري” والوهابية، التي يعرف الإسرائيليون والأميركيون أن أعداء الأيديولوجيا الإيرانية اليوم، ليس كما كان رائجا في خطاب المقاومة والممانعة، اي الغرب والدول الكبرى، العدو اليوم هما السعودية والامارات منبت الإرهاب التكفيري والوهابية. 

·         رئيس تحرير موقع (جنوبية) اللبناني

 

أميركا تشدد الحصار على

حزب الله وتطوّق لبنان

علي الامين

زيارة وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو إلى لبنان لا يزال يتردد صداها في أروقة الساسة اللبنانيين، فالوزير الأميركي الذي قدم إلى بيروت قبل أكثر من أسبوعين، وجّه رسائل واضحة تتصل بحزب الله الذي سيطر إلى حدّ كبير على القرار في الدولة اللبنانية، وهي رسالة حملت تحذيرا من أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتهاون بشأن استصدار قرارات عقابية ستطال جهات لبنانية تنسق مع الحزب، فيما ستواصل واشنطن استصدار قرارات تتصل بما تعتبره تنفيذاً لقانون وضع حزب الله على لائحة “المنظمات الإجرامية”.

يدرك الوزير الأميركي أن لبنان الخاضع لنفوذ إيران من خلال ذراعها حزب الله، يقع تحت ضغط أزمة اقتصادية ومالية خانقة، بل إنه في “مرحلة الانهيار” كما نقل زوار رئيس الحكومة سعد الحريري عنه هذا التوصيف، إضافة إلى أن قرارات “مؤتمر سيدر” الذي عقد في فرنسا قبل أكثر من عام، هي مشروطة بسلسلة إجراءات على الحكومة اللبنانية تنفيذها للحدّ من العجز في الموازنة العامة، وإغلاق مزاريب الهدر والفساد، وهو ما يجعل الحكومة اللبنانية أمام تحديات تتصل بإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ولاسيما القضاء الذي يعوّل عليه لجهة وقف الفساد أو مكافحته، من خلال القيام بدوره كاملا.

وعلى إثر مغادرة بومبيو لبنان، توجّه وفد نيابي إلى واشنطن، للقاء دوائر الكونغرس المعنية ومسؤولين في الخزانة الأميركية، من أجل توضيح الموقف اللبناني، وإجراء مباحثات غايتها التخفيف من الإجراءات الأميركية، في موازاة تعهد لبنان الالتزام بالقوانين التي يتطلبها التعامل مع المؤسسات الأميركية، ولاسيما في شأن الأموال وانتقالها ضمن الآليات البنكية، وما يمكن الإشارة إليه في هذا السياق أيضا أن الوفد اللبناني سمع من مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط، كلاما واضحا، حيال إنهاء مشكلة الحدود مع إسرائيل، خاصة وأن قضية الحدود ترتبط أيضا بملف آبار النفط والغاز المختلف على حدودها في البحر.

احتمال حصول حرب بين حزب الله وإسرائيل سيبقى واردا، ويمكن أن يتحوّل إلى قرار، خاصة إذا ما حاولت واشنطن نزع ورقة الحدود اللبنانية مع إسرائيل من يد طهران

وفي سياق العقوبات الأميركية، أقدمت وزارة الخزانة الأميركية على إدراج شركة شمس للصيرفة وصاحبها فؤاد شمس، متهمة إياه بالقيام بعمليات تبييض أموال ونقل أموال مخدرات إلى حزب الله، وهو ما نفاه شمس. لكن صدور هذا القرار يعكس استمرار وتيرة العقوبات وتشديدها، فيما يجري التداول في بيروت عن قرارات تطال مسؤولين قريبين من بعض القيادات السياسية في حزب الله، إضافة إلى ما يتم إدراجه من شركات وشخصيات على لوائح العقوبات، بسبب ما تعتقده واشنطن أنه تورط من هؤلاء في عمليات مالية استفاد منها حزب الله.

وفي المعلومات المتداولة أنه سيتم تنفيذ عقوبات على بعض من يعتقد أنهم تورطوا في سحب أموال عراقية كانت أُودعت في زمن النظام السابق أي قبل العام 2003 في بنوك لبنانية معروفة ضمن صفقة شارك فيها أكثر من طرف، ويُعتقد أن المبلغ الذي جرى سحبه من ثلاثة بنوك وبتغطية شبه رسمية بلغ نحو ثلاثة مليارات دولار أميركي، جرى تقاسمها بين أربع جهات بما فيها بعض الأسماء التي كانت أودعت هذا المبلغ بحسابات رقمية وغير اسمية. وبالتأكيد فإن الجهات العراقية الرسمية ليس لديها علم بهذه الصفقة.

الملفات التي يجري إعدادها من أجل استصدار عقوبات أميركية، ترافقت مع تطمينات أميركية نقلها سفير لبنان في واشنطن، أن لا عقوبات أميركية على الرئيس نبيه بري، بعد أن تداولت وسائل إعلام عربية ولبنانية معلومات عن عقوبات مرتقبة على رئيس مجلس النواب الذي هو رئيس حركة أمل أيضا، وهذا ما نقله أعضاء الوفد اللبناني الذي عاد من واشنطن، من أنه لم يسمع أي إشارة أميركية على هذا الصعيد. على أن ذلك لا يعني عدم صدور قرارات تستهدف بعض الأفراد والمؤسسات التي تعتقد واشنطن أنها متورطة في دعم حزب الله من خلال عمليات تصفها بغير القانونية، وما ينقله أحد أعضاء الوفد اللبناني الذي زار واشنطن أن المسؤولين الأميركيين الذين التقوهم سواء في الكونغرس أو في وزارة الخارجية وفي وزارة الخزانة، يريدون من لبنان أن ينتقل من وضعية الساحة المفتوحة والمشرعة، إلى دولة مؤسسات تُحكم من خلالها الدولة السيطرة بالقانون على كل ما يجري ضمن أراضيها، وقد وجّه المسؤولون في وزارة الخارجية تنبيها لجهة انفلات الحدود مع سوريا، والتي تحوّلت إلى مناطق يجري عبرها تنفيذ عمليات تهريب تطال كلّ ما هو ممنوع بين لبنان وسوريا.

القرارات الأميركية تلقي بثقلها على السلطة السياسية، وسيف العقوبات الذي تلوح به واشنطن بات يشكل مصدر قلق للعديد من الجهات الرسمية، فسياسة تشديد القبضة الأميركية على لبنان والتي تبدو واشنطن مستمرة باعتمادها، باتت تلقي بثقلها على حزب الله، الذي أصبح بدوره يتلمّس آثار هذه السياسة في تراجع قدراته المالية، سواء بسبب هذه القبضة أو نتيجة العقوبات الأميركية على إيران، فضلا عن الأزمة العميقة التي يعاني منها لبنان اقتصاديا وماليا والتي زاد من انكشافها سطوة إيران عليه، وما يمكن أن نسميه انكفاء الدول العربية ولاسيما الخليجية من لبنان إلى حدّ كبير إذا ما قيس الحضور العربي بما كان عليه قبل عقد من الزمن.

رسالة بومبيو حملت تحذيرا من أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتهاون بشأن استصدار قرارات عقابية ستطال جهات لبنانية تنسق مع حزب الله

لبنان الذي يعاني من الانهيار المالي والاقتصادي هو أمام سلسلة تحديات وجودية على هذا الصعيد، والأرجح أن الحكومة التي تستسهلّ الحدّ من العجز عبر فرض الضرائب غير المباشرة، وتتفادى إجراء إصلاحات جدية ستطال بالضرورة قضية السيادة، هي أمام خطر انفجار اجتماعي بعدما “بشّر” وزير الخارجية جبران باسيل موظفي الدولة بعملية خفض الرواتب في سياق مواجهة الانهيار.

في موازاة ذلك فإن احتمال حصول حرب بين حزب الله وإسرائيل سيبقى واردا، ويمكن أن يتحوّل إلى قرار، خاصة إذا ما حاولت واشنطن نزع ورقة الحدود اللبنانية مع إسرائيل من يد طهران، وإذا ما كانت الأخيرة تجد في ذلك خطرا وجوديا على نفوذها في لبنان، سواء باسم الأمم المتحدة أو من خلال الدفع نحو مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل وقبرص باسم ترسيم الحدود المائية.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

لماذا يحرص محور الممانعة وحلفاؤه على توفير فرص

نجاح نتنياهو

علي الأمين

 

كل المؤشرات تدل أن ما يسمّى بمحور الممانعة والمقاومة وحلفائه، يوفر كل الشروط الملائمة لنجاح رئيس الحكومة الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو في انتخابات البرلمان، كي يعود مجددا على رأس ائتلاف حزبي إلى سدة رئاسة الحكومة. فما الذي يدفع هذا المحور إلى أن يعمل على إنجاح نتنياهو؟ وكما هو معلوم، فإن هذا الحلف يضم إيران وأذرعها ولاسيما حزب الله إلى جانب نظام الأسد، فيما تبدو حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، تتناغمان مع هذا المحور بشكل كبير، أما روسيا فيصفها إعلام هذا المحور بالحليف.

لقد شكلت صفقة تسليم رفات الجندي الإسرائيلي، زخاريا باومل، المفقود منذ معركة السلطان يعقوب التي جرت على الأراضي اللبنانية عام 1982، بين الجيش السوري والجيش الإسرائيلي، العنوان الأبرز في هذا الاتجاه. فقد حرص الوسيط الروسي بين نظام الأسد وإسرائيل، على الإعلان عن النجاح في العثور على الرفات بالتعاون مع الجيش السوري، وذلك قبل أيام من موعد الانتخابات الإسرائيلية، بل وتقصّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استقبال نتنياهو في موسكو من أجل تظهير الهدية التي قدّمها للإسرائيليين عبر نتنياهو أمام العالم.

ورغم محاولة بعض المسؤولين في النظام السوري الإعلان عن أن النظام ليست له علاقة بهذه العملية، فإن نتنياهو وأجهزة الاستخبارات والإعلام الإسرائيلية، كانا يروجان لعمل أمني استخباري إسرائيلي دقيق، مكّن الجيش الإسرائيلي من الوصول إلى رفات الجندي الإسرائيلي بعد 37 عاما من اختفائه، وهي رواية تصب في سياق دعم الحملة الانتخابية لنتنياهو وتزيد من عدد المؤيدين له في الكيان الإسرائيلي.

إسرائيل في تعاملها مع الأزمة السورية حرصت على توفير كل الشروط اللازمة لتعميق الشروخ المذهبية والطائفية، فهي عندما غطت دخول حزب الله اللبناني إلى سوريا دون القيام بأي خطوة رادعة له، كانت بذلك تكتب آخر بند من بنود بوليصة تأمين حدودها الجنوبية

لم يصرّح أي مسؤول من حزب الله، بل لم يبد مسؤولو هذا الحزب ولا إيران، تعليقا على هذه الهدية المقدمة من قبل الأسد إلى العدو، فقد ساد الصمت في أوساط هذا المحور الذي يقيم إعلامه الدنيا ولا يقعدها، إذا ما أسفرت “القرعة” عن مقابلة أحد الرياضيين العرب لنظيره الإسرائيلي في إحدى المباريات العالمية، أما بالنسبة لما قام به الأسد عبر الحليف الروسي، فلم يظهر على مسؤولي محور المقاومة ما يشير إلى غضب أو استياء، وتعامل إعلام هذا المحور بطريقة باردة تكشف زيف الكرامة التي طالما تغنى بها هذا المحور وجلد بسوطها كل خصومه.

ورد الفعل البارد هذا لدى إعلام الممانعة وصمت مسؤولي حزب الله وإيران يكشفان أن هذه العملية لم تكن مفاجئة، بل ثمة تنسيق بين أطراف المحور لإنجازها، أو في الحدّ الأدنى ثمة علم مسبق بحصولها، ذلك أن الثقة التي طالما عبر عنها قادة حزب الله وإيران تجاه الرئيس الأسد، تحول دون الشك في أن العملية تمت بمعزل عن أطراف محور المقاومة، أو أن الأسد أخفى عن حلفائه الذين بذلوا الدماء والمال من أجل بقائه ما ينوي القيام به في شأن اتصاله بالعدو الإسرائيلي.

ما يعزز هذه الفرضية أو الجزم بهذه الحقيقة، هو أن لا إيران ولا حزب الله قاما بخطوة مباشرة أو غير مباشرة، يمكن أن يفهم منها الاعتراض أو الرفض، فلم يصدر عن محور المقاومة ما يزعج نتنياهو، أو يقلل من شأن استثمار الموقف الأميركي في الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، وقبلها القدس، ولا كل ما يقوله بنيامين نتنياهو عن ضم المستوطنات في الضفة الغربية لإسرائيل، ولا حتى الرد على تصاريحه المستفزة بشأن المحافظة على الانقسام الفلسطيني، وحرصه على حماية وجود حماس في غزة، التي قال إنه لن يسلمها لأبي مازن رئيس السلطة الفلسطينية الشرعية.

كل المواقف تشير إلى أن محور المقاومة وحليفه الروسي يلتزمان الصمت لا بل يساهمان في تظهير نتنياهو أنه “الملك” ليس على فلسطين المحتلة فحسب، بل القادر على لجم محور الممانعة والمقاومة ومنعه من القيام بأي خطوة تظهره في موقع التحدي، أو المبادر في مواجهة خطط نتنياهو في ضم الأراضي وفرزها، وفي رسم الخطوط الحمر التي يلتزم بها المحور المذكور، بل فاق في التزامه السلطة الفلسطينية المقيدة أصلا باتفاقات مع إسرائيل بأشواط.

تجري الانتخابات الإسرائيلية اليوم الثلاثاء، لكن أمين عام حزب الله حسن نصرالله اختار يوم الأربعاء ليطلّ على الجمهور، بعد مرور أكثر من أسبوع على فضيحة تسليم الرفات لإسرائيل، وهي إشارة لا تخلو من دلالة أن نصرالله- حسب ادعاء إعلامه- “يتابع الجمهور الإسرائيلي خطابه ويتأثر بمواقفه وبمصداقيته” لا يريد أن يقول شيئا قد يُفهم منه محاولة تأثير في خيار الناخب الإسرائيلي، وهذا ما يؤكد مجددا أن محور إيران لا يريد لنتنياهو أن يفشل في هذه الانتخابات.

وكما أن روسيا أظهرت، إلى جانب الإدارة الأميركية، كل الدعم لنتنياهو، فإن إيران وحزب الله والنظام السوري، تسير على نفس النهج الذي رسمه دونالد ترامب وبوتين، في دعم خيار وصول نتنياهو إلى سدة الحكم.ولكن يبقى السؤال ما الذي يجعل محور الممانعة والمقاومة ملتزما بالتوجيهات الروسية في السعي لدعم نتنياهو؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى الكثير من الغوص في التحليلات، فقضية بقاء الأسد على رأس النظام هي أولوية إيرانية، وقد قالت وزارة الخارجية الروسية غداة تسليم “الرفات” إلى إسرائيل، إن بقاء الأسد على رأس السلطة هو خارج النقاش، وكان المسؤولون الإسرائيليون قد أكدوا في أكثر من مناسبة أن إسرائيل ساهمت في دعم بقاء الأسد، وحاول بعضهم في سياق تأكيد هذا الموقف، القول إن هناك ندما إسرائيليا على حماية الأسد.

كما أن إسرائيل في تعاملها مع الأزمة السورية حرصت على توفير كل الشروط اللازمة لتعميق الشروخ المذهبية والطائفية، فهي عندما غطت دخول حزب الله اللبناني إلى سوريا دون القيام بأي خطوة رادعة له، كانت بذلك تكتب آخر بند من بنود بوليصة تأمين حدودها الجنوبية على مدى عقود قادمة، فهي وفرت أمنها الاستراتيجي من خلال إحداث شرخ مذهبي جعل من البيئة الشيعية في لبنان، وجنوبه على وجه التحديد ينظر إلى الخطر القادم من جهة سوريا متقدما بأشواط على خطر إسرائيل، والعكس بالعكس في ما يتصل بالمجتمع السوري الذي أصابه من حزب الله وإيران ما لم تقم به إسرائيل ضده من أذى وقتل وتهجير وتهديد وجودي.

نتنياهو الذي نفذ هذه الخطة كان يدرك أن فكرة تحالف الأقليات في المقلب اللبناني والسوري، تتطلب لنجاحها وبقائها وجود الأسد، فيما كان الرئيس اللبناني ميشال عون في زيارته قبل أسبوعين إلى موسكو، لا يجد ما يشكر عليه بوتين سوى مواقفه “المدافعة عن الأقليات المسيحية في المشرق”، وهذه هي العبارة الساحرة التي تجعل إسرائيل، كما الأسد كما حزب الله، وبمعزل عن الشعارات المتقابلة، يتقاطعون على مصلحة تهميش الأكثرية وتشتيتها، باعتبارها تشكّل الخطر الفعلي على الاحتلالات من أي جهة أتت على امتداد الدول العربية، وعلى إسرائيل وإيران في المشرق العربي.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

بومبيو وفتنة حزب الله

علي الامين

 

حزب الله أن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في زيارته إلى لبنان قبل أيام، حمل “مشروع فتنة” بين اللبنانيين، وقد انشغلت المؤسسات الإعلامية التابعة للحزب بالترويج لهذه المقولة قبل وصوله واستمرت بعد مغادرته، لا بل وُجهت معظم مقدمات نشرات الأخبار التلفزيونية اللبنانية الحليفة، للإضاءة على هذه العبارة وترديدها إثر مغادرة بومبيو بيروت بعد جولة شملت الكويت وإسرائيل، ثم بدأت نشراتها الإخبارية لاحقا، بالإعلان عن ظهور الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله على شاشة “المنار” مساء الثلاثاء للرد على المؤامرة الأميركية على لبنان، وتفنيد ما قاله بومبيو خلال لقاءاته اللبنانية.

وسائل الإعلام اللبنانية باتت خاضعة في معظمها لتوجيهات “العلاقات الإعلامية في حزب الله” في ظاهرة تشبه، بل تتفوق على تلك المرحلة التي عاشها لبنان في زمن الوصاية السورية، حين كانت وسائل الإعلام تخضع لنظام توجيه ورقابة، لاسيما في القضايا التي تتصل بمصالح نظام الوصاية على لبنان، ومتطلباته الإقليمية والمحلية.

لذا فإن المشهد السياسي والإعلامي في لبنان كان يردد ما يُمْلى عليه، ليغرق في موجة شعارات واستعراضات بطولية للتغطية على حقيقة أشدّ وأقسى، هو الواقع اللبناني البائس ماليا واقتصاديا، بفعل سوء الإدارة وفساد السلطة، وغياب منطق الدولة، لصالح الاستعراض السياسي المفتعل عن إفشال السلطة اللبنانية مؤامرة الفتنة المزعومة التي حملها بومبيو إلى اللبنانيين.

يعرف الجميع ومنهم حزب الله، أن لا وجود لأي ميليشيا في لبنان تمتلك السلاح سواه، ولكي لا نكتفي بمقولة إن اللبنانيين سئموا الحروب وذاقوا أهوالها وكوارثها، فإن مقتضى الفتنة أن تكون هناك قوى ميليشياوية تتلقى السلاح والدعم المالي لإحداث الفتنة، وهو غير موجود، لا بل إن الحكومة الأميركية تقصر دعمها في لبنان على مؤسسات الدولة ولاسيما الأمنية والعسكرية، بخلاف إيران التي تقصر دعمها على حزب الله كمشروع أيديولوجي أمني غايته السيطرة على الدولة وإضعافها.

أما خصوم إيران من الدول العربية، فليس من أولوياتهم لبنان، بحيث يمكن أن يلمس المراقب أن غاية الحضور العربي في لبنان، لا تتجاوز الوجود الدبلوماسي والاجتماعي، في ظل تراجع وانكفاء غير عفوي لتلك الدول، لم يشهده لبنان منذ تأسيسه.

المشهد السياسي والإعلامي في لبنان يردد ما يُمْلى عليه ليغرق في موجة شعارات للتغطية على حقيقة الواقع اللبناني البائس ماليا واقتصاديا، لصالح الاستعراض المفتعل عن إفشال السلطة اللبنانية مؤامرة الفتنة المزعومة التي حملها بومبيو إلى اللبنانيين

لم يحمل الوزير الأميركي إلى اللبنانيين غير ما سمعوه من واشنطن قبل زيارته من رسائل شديدة الوضوح. ما قاله يعني استمرار العقوبات وتصعيدها على حزب الله، ودعم خيار الدولة في لبنان، في إشارة ضمنية إلى أن لبنان معني بأن يعيد ترتيب العلاقة مع حزب الله بما يضمن التزامه بمصالح الدولة اللبنانية لا إيران، ويدرك الوزير الأميركي أن ليس في مقدرة مؤسسات الدولة مواجهة سطوة حزب الله وسلاحه، فضلا عن أن مسؤولي الدولة يسلمون إلى حدّ كبير بأن لبنان بات فعليا ضمن المحور الإيراني، ولكن بومبيو الذي تحدث بمنطق الدولة تجاه لبنان، كان يقوم بتبليغ مباشر للموقف الأميركي الرسمي، وبالتالي فهو يريد أن يمهد في هذه الزيارة لحزمة عقوبات على حزب الله وبعض المتعاونين معه من سياسيين لبنانيين، مدركا أنها لن تغير من واقع الحال السياسي اللبناني.

بومبيو الذي حمل لرئيس الوزراء الإسرائيلي “بشارة” الاعتراف الأميركي بضم الجولان السوري المحتل لإسرائيل، أراد التغطية على هذا القرار برفع الصوت في لبنان، لاسيما أن حزب الله الذي دخل إلى سوريا محاربا ولا يزال، زاعما بأنه يواجه المشروع الأميركي الصهيوني، يُنتظر منه أن يرد على الخطوة الأميركية في الجولان، ولكن يكشف الموقف الأميركي في القدس قبل أشهر وفي الجولان اليوم، أنه اختار التوقيت المناسب للاعتراف بالقدس وضمّ الجولان، أي التوقيت الذي أعلنت فيه إيران انتصارها في سوريا، وأحكم حزب الله فيه السيطرة الكاملة على لبنان، هذه ليست مفارقة بل تكشف إلى حدّ بعيد، أن إستراتيجية إيران كما إستراتيجية إسرائيل المتصادمتين في الشكل، متقاطعتان في نظام الأولويات الإستراتيجية التي تقوم على تقاسم كل منهما ما أمكن من كعكة السيطرة والنفوذ على الدول العربية.

وللتوضيح، فقد قال رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت الأحد الماضي، إن إيران معنية بفوز بنيامين نتنياهو بالانتخابات الإسرائيلية، التي ستجرى في التاسع من أبريل المقبل. وأضاف أولمرت “لا يوجد أمر تريده إيران، أكثر من بقاء نتنياهو في رئاسة الحكومة”.

غادر الوزير الأميركي لبنان، تاركا القرار لرئيسه دونالد ترامب بشأن العقوبات التي ستتوالى على حزب الله، ولكن ليس لغاية القضاء عليه، بل لمزيد تطويعه بما يتناسب مع الإستراتيجية التي تتطلب المحافظة على الستاتيكو القائم على حدود إسرائيل، وبما لا يخل بالأطماع الإسرائيلية، وخطوات تهويد كامل فلسطين.

لا يخل بهذه الإستراتيجية بل يعززها أن يستمر التلويح بسيف “المقاومة” ضد إسرائيل من لبنان وغزة، لكن ليستخدم هذا السيف في المزيد من قتل روح المقاومة سواء في غزة أو في لبنان وسوريا، وهذا ما تنفذه عمليا حركة حماس ويقوم به حزب الله. الأولى من خلال ممارسة القمع علة أهل غزة الباحثين عن لقمة عيش، والثاني بات وجوده الفاعل متلازما مع إضعاف لبنان وانكفائه، إذ بات يمثل نموذجا للدولة الفاشلة المهددة في هويتها ووجودها، إثر فقدانها لدورها الطليعي عربيا وعالميا كمركز تفاعل حضاري وعنوانا للتنوع السياسي والثقافي.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

حزب الله.. الرد على جولة

ساترفيلد بإعلان الحرب

على السنيورة

علي الامين

مساعد وزير الخارجية الأميركية دايفيد ساترفيلد غادر بيروت، بعد إنجاز مهمة اتسمت بتحذير الحكومة اللبنانية من معاونة حزب الله على الالتفاف على العقوبات الأميركية، حيث جدّد خلال لقاءاته بالمسؤولين اللبنانيين على أن واشنطن تراقب نشاط حزب الله في الحكومة، وهي لن تتهاون في شأن العقوبات التي قال إنها ستتصاعد في المرحلة المقبلة ضد الحزب، ورغم تأكيده على أن العقوبات هي حصرا على حزب الله، وليس هدف واشنطن الإضرار بالدولة اللبنانية بل بترسيخ وجودها، فقد قال إن ذلك يتطلب عدم السماح لحزب الله باستغلال وجوده داخل المؤسسات الشرعية للالتفاف على العقوبات.

زيارة ساترفيلد إلى بيروت تمهد لزيارة مرتقبة لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى بيروت في سياق جولة شرق أوسطية يُتوقع حصولها منتصف الشهر الحالي، وهي الزيارة التي يرجح أن يحمل فيها الزائر الأميركي المزيد من التحذيرات للحكومة اللبنانية من السياسة التي تعتبرها واشنطن عنصر تغطية لدور حزب الله الأمني والعسكري في لبنان وخارجه، ولعل أهم مقدمات الرسائل الأميركية تجاه المسؤولين اللبنانيين ذات الدلالة، هي أن ساترفيلد تقصّد على ما تشير المعلومات عدم زيارة رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وهما الحليفان الأقرب إلى حزب الله رغم العلاقة الباردة المثقلة بالريبة المتبادلة بينهما، أي عون وبري.

المسؤول الأميركي على غير عادة الزائرين الأميركيين الرسميين إلى لبنان، لم يطلب لقاء رئيس الجمهورية ولا رئيس مجلس النواب، ورغم أن المصادر الرسمية أشارت في شأن الرئيس بري إلى أنه كان في زيارة رسمية إلى الأردن خلال زيارة ساترفيلد، إلا أنّ وجود الأخير في بيروت استمر إلى ما بعد عودة بري من الأردن، ورغم ذلك لم يجر أيّ لقاء بين الرجلين.

عدم اللقاء لم يكن عفويا ولم تمنع حصوله عوائق لوجستية، بل لم يجر المسؤول الأميركي أي اتصال لتأمين موعد للقاء أي من الرئيسين، واكتفى بلقاء رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، إلى جانب لقاءات غير رسمية مع جهات سياسية مما كان يسمى قوى 14 آذار.

وفي قراءة سياسية لهذه الخطوة غير المسبوقة في زيارات المسؤولين السياسيين الأميركيين إلى لبنان طيلة السنوات الماضية، فإن استثناء ساترفيلد لرئيسي الجمهورية والنواب من جولته، يندرج في إطار الرسائل الجدية التي باتت واشنطن حريصة أن تصل إلى المسؤولين اللبنانيين بقوة.

فواشنطن التي طالما حذرت الحكومة اللبنانية من تصاعد نفوذ حزب الله الأمني والعسكري، لم تقم بخطوات عقابية محرجة للدولة اللبنانية، بل ركزت في عقوباتها على استهداف حزب الله مباشرة.

وفي الإشارة الأخيرة ما يدل على أن واشنطن ترفع من سقف التحذيرات، وتلوّح بأن تنفيذ قانون العقوبات الصادر عن الكونغرس ضد حزب الله، سينتقل إلى مرحلة تنفيذ عقوبات على حلفاء حزب الله، لذا فإن الرئيسين عون وبري هما من أقرب الحلفاء لحزب الله كما يؤكد حسن نصرالله نفسه، الذي طالما أشاد بدور الرئيس ميشال عون كداعم لدور الحزب الأمني والعسكري، وطالما تغنى بالتحالف الوثيق مع الرئيس نبيه بري وحركة أمل التي يرأسها.

مهّد ساترفيلد على طريقته لزيارة وزير الخارجية الأميركي، وأعلن بوضوح أنّ مسار العقوبات على إيران وحزب الله مستمر وسيتصاعد في المرحلة المقبلة، ومن المرجح أن يلتقي بومبيو رئيسي الجمهورية ومجلس النواب في جولته، لكنها هذه المرة فهي مسبوقة بالرسالة التي وجهها مساعده، بأن موضوع دور حزب الله ونفوذه، ليس أمراً قابلا للتغاضي من قبل الإدارة الأميركية، بل سيكون عنوانا رئيسا للسياسة الأميركية في لبنان والمنطقة.

هذه الرسائل الأميركية إلى لبنان وحزب الله، لم يقابلها الحزب بخطاب تصعيدي أو تهديدي ضدّ الأميركيين والإسرائيليين، كما كان الحال في سنوات سابقة، إذ يمكن أن يلاحظ اللبنانيون أن لا تظاهرات احتجاجية تجري أمام السفارة الأميركية، طالما كان حزب الله ينظمها عند صدور أي قرار أميركي يتصل به أو بقضايا إقليمية تهمه، ولا شعارات في بيروت اليوم تدعو إلى “الموت لأميركا”، ولا أفلام مصورة لحرق العلم الأميركي، ولا أي مظهر احتجاجي على ما قامت به بريطانيا بإدراج جناح حزب الله السياسي، كما تسميه، على لائحة الإرهاب، بعد أن كانت أدرجت مع الدول الأوروبية جناحه العسكري على لائحة الإرهاب.

عدم حصول أي احتجاجات في الشارع أو مهرجانات منددة بالقرارات الأميركية أو البريطانية، أمر يجب التوقف عنده، وهو لا يتناغم مع الطريقة التي كان يعتمدها حزب الله في مواجهة مثل هذه الخطوات.

كما لم يذهب أمين عام حزب الله بعد كل هذه الرسائل الشديدة إلى التهديد والوعيد، كان شديد الهدوء حيال النوايا العدوانية من قبل واشنطن وبريطانيا، واكتفى بالقول “إننا أقوياء ومظلومون”، وحضّر جمهور الحزب لعقوبات جديدة وقال إن “أياما صعبة ستمر علينا” وأن دولاً أخرى ستدرج حزب الله على لائحة الإرهاب والعقوبات.

ولكن نصرالله الذي يعاني من تزايد الضغوط الدولية على حزبه، وبات شديد الحذر في توجيه التهديد لـ“الشيطان الأكبر” ولـ“المستكبرين” في العالم وحتى لإسرائيل التي تحتل مزارع شبعا اللبنانية، صبّ جام غضبه على “الفساد في لبنان”، في خطوة غير مسبوقة أيضا تشبه “التهذيب” غير المعهود حيال تهديدات “الاستكبار العالمي” وعقوباته.

أولا، حزب الله منذ نشأته حتى اليوم لم يضع في برنامجه أولوية بناء الدولة أو ترميمها، وطالما كان يعتبر أن تحرير الأرض والمقاومة ضد المحتل وضد التكفيريين هي مهمته، لكنه اليوم يقول إنه يريد أن يطهر البلد من الفساد والمفسدين، وهي مقولة لا يمكن أن تقنع اللبنانيين، فحزب الله لم يكن يوما خارج دائرة الفساد والإفساد، فهو مشروع قام ويقوم على ثنائية الدولة – الدويلة.

ضعف الدولة كان ولا يزال شرط نفوذه وتمدده، وطالما أنه كذلك فإن الفساد في الدولة وضعفها، سيظل هدفا واجب التحقق لاستمراره كذراع إيرانية في لبنان والمنطقة.

ثانياً، الرسالة التي أطلقها لإظهار اهتمامه بمحاربة الفساد، جرى توجيهها لأشد خصومه السياسيين رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، الذي كانت حكومته وراء تأسيس المحكمة الخاصة باغتيال رفيق الحريري، ووراء صدور القرار 1701، والذي بقي متمسكا بموقفه حيال سلاح حزب الله والعديد من القضايا التي تتصل بسيادة الدولة واستقلاليتها.

استهداف السنيورة من قبل حزب الله في ملف الفساد، هو رسالة مفادها أن الكيدية السياسية هي التي تحرك حزب الله، إذا سلمنا بنواياه الإصلاحية، وهي محاولة لتقويض أي مشروع جدي للإصلاح من خلال الدفع بالسجال اللبناني في هذا الشأن نحو متاهات طائفية ومذهبية، ولو كانت النوايا صادقة لكان حزب الله بدأ بفتح ملف مفسدين من مؤيديه أو من حلفائه وهم كثر، فبذلك كان الجميع سيصدق أنه جاد، أما أن يختار أشد خصومه السياسيين ليتهمه بالفساد فهذا ما لا يمكن أن يكون اختياراً غايته الإصلاح.

الجدل حول الفساد والإصلاح يراد له أن يملأ الإرجاء اللبنانية، ولكن من دون مكافحة حقيقية أو معالجة جديّة له، فغاية الجدل أن حزب الله الذي يقف عاجزاً ومربكاً حيال العقوبات الأميركية والغربية، يريد أن يستعرض قوته في الداخل اللبناني، فيداوي ضعفه تجاه الخارج بمزيد من الاستقواء في الداخل، شأن الأنظمة الأمنية والدكتاتورية التي يعرفها الجميع.

 

كاتب لبناني

 

 

الولايات المتحدة تشدّد الحصار

على إيران ونظام الأسد في سوريا

علي الامين

لم تكن زيارة رئيس النظام السوري الأولى إلى طهران منذ انطلاق الثورة السورية، سوى إعلان صريح عن نهاية فرصة عودة سوريا بصورتها الأسدية غير المنقحة إلى الجامعة العربية.

تحاشى الأسد القيام بهذه الزيارة طيلة تلك السنوات، رغم الدعم الكبير الذي تلقاه من طهران في مواجهة الثورة، ورغم القطيعة شبه الكاملة مع المنظومة العربية، فضلا عن قيامه بعدة زيارات إلى موسكو التي بدت بالنسبة إليه، الدولة الكبرى التي لا تشكل زيارتها تحديا أو استفزازا للعديد من الدول الكبرى ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية، بل أملا بإمكانية إعادة الاعتبار الدولي والإقليمي إلى النظام الذي تورط بقتل مئات الآلاف من السوريين وتهجير الملايين فضلا عن تدمير معظم المدن والحواضر السورية.

وصل الأسد إلى طهران في خطوة تعكس الإعلان عن نهاية فرص تحسين الشروط الإقليمية والدولية للنظام، فالدول العربية تراجعت خطوة إلى الوراء، سحبت دولة الإمارات العربية المتحدة القائم بأعمال سفارتها في دمشق، بعد أن تراجعت عن خطوة تعيين سفير جديد فيها، ومصر التي كانت وزارة الخارجية فيها تنشط لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية، انكفأت عن هذه الدعوة، ولم تقم البحرين بما كان متوقعا منها بفتح سفارتها في دمشق.

باختصار ثمة ما خفف من الاندفاعة العربية تجاه سوريا، بل فرملها وهي رسائل أميركية واضحة لجهة عدم إضفاء أيّ شرعية إقليمية أو دولية على نظام الأسد، طالما لم يجر الانتقال إلى مرحلة التغيير في صيغة النظام ودستور البلاد استنادا إلى مقررات جنيف، والأهم هو أن نظام الأسد لم يقدم شيئا حيال التخلص من النفوذ الإيراني، ولم يقم بأيّ خطوة يشتم منها أنه في وارد الخروج من الحضن الإيراني.

ما تنقله أوساط سورية معارضة للنظام في هذا السياق، أن زيارة الأسد لطهران، تتصل بجانب آخر، له علاقة بالتنافس الروسي- الإيراني، وهذا التنافس الذي لم يخرج إلى حدود التناقض بين مصالح الدولتين في سوريا حتى اليوم، إلا أن ذلك لا يقلل من شأن أن الدولتين تعملان كل بمفردها على تعزيز نفوذها داخل الدولة السورية والجيش، إلى حد أن ذلك ساهم في حدوث صدامات في أكثر من مكان، بين الجزء الذي تشرف عليه روسيا عبر اللواء سهيل الحسن، والفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد الذي يوصف بأنه حصة إيران في المؤسسة العسكرية.

وتضيف هذه المصادر نقلا عن مصادر روسية، أن الجيش السوري غير قادر على الدخول إلى منطقة شرق الفرات، فيما تفسر قوى معنية الموقف الروسي، باعتبار أن موسكو غير متحمسة لخوض معركة في شرق الفرات لأن نتيجتها ستكون لصالح سيطرة الميليشيات الإيرانية والقوى التابعة لها، على حساب سيطرة النظام وقواته التي تصفها المصادر بالهشة.

الموقف الروسي يبقى أقرب إلى الموقف التركي حيال عدم الدخول في مواجهة في هذه المنطقة التي تتداخل فيها مصالح إقليمية ودولية تطال الأكراد والمنطقة الآمنة، والحضور الأميركي الذي لا يزال في هذه المنطقة استراتيجيا رغم إعلان الرئيس الأميركي الانسحاب من سوريا.

جاءت زيارة الأسد إلى طهران في ظل خطوات إحكام الحصار الأميركي، ومع رسوخ قناعة لدى طهران من أن مسار التصعيد الأميركي لن يتوقف، وسيمتد هذه المرة إلى نظام الأسد

ومن ضمن المعلومات التي تؤكد أن خطة أميركية يجري تنفيذها على صعيد التضييق على النظام السوري، أن الإدارة الأميركية ألزمت قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا، بوقف تزويد النظام بالمشتقات النفطية، وهي خطوة تهدف إلى تضييق الخناق على النظام، ومنعه من إعادة ترميم علاقاته مع البيئة السورية الحاضنة له، وما يؤكد هذا التوجه، هو ما أكدته مصادر سورية معارضة في القاهرة بأن الحكومة المصرية تلقت طلبا من الإدارة الأميركية مفاده منع البواخر الإيرانية المتجهة إلى السواحل السورية من العبور عبر قناة السويس.

جاءت زيارة الأسد إلى طهران في ظل خطوات إحكام الحصار الأميركي، ومع رسوخ قناعة لدى طهران من أن مسار التصعيد الأميركي لن يتوقف، وسيمتد هذه المرة إلى نظام الأسد، وبالتالي فإن التغيير في سوريا وإعادة إعمارها، باتا محكومين بشرطين لازمين. الأول يتصل بإنهاء النفوذ الإيراني أو تقليصه نوعيا. والثاني الانتقال من النظام الدكتاتوري إلى نظام بديل يتيح مشاركة قوى ومكونات سورية معارضة ومستقلة.

كلا الشرطين قاتلان للنفوذ الإيراني ونظام الأسد، فالأول لن يحتمل مشروع خروجه من سوريا، والثاني عاجز عن البقاء في السلطة في حال وافق على إجراء أي تعديل ولو بسيط في بنية النظام.

لذا تفيد المؤشرات في سوريا اليوم، بأن الأزمة مستمرة والحلول ليست قريبة، هذا ما تكشفه الإجراءات الأميركية الآنفة، وهذا ما يؤكده عجز طهران وحتى روسيا عن خوض غمار إعادة الإعمار وترسيخ وجود النظام، بمعزل عن حاضنة دولية وعربية، وقد أكد الرئيس الروسي قبل أيام على ضرورة وجودها وقال إن روسيا تعمل على قيامها.

يدرك الرئيس السوري أن فرص بقائه تكمن في استمرار الأزمة، طالما أن الحلول ليست بيده ولا بيد حلفائه فقط، وهو يدرك بعمق أكثر أن بقاءه في السلطة واستمرار دعم حلفائه له، يتطلبان أيضا بقاء الأزمة لأنها الوحيدة التي تجعل روسيا وإيران متمسكتين به، وأي انتقال لتسوية دولية سيكون هو كبش فدائها، سواء طاله مباشرة أو من خلال تغيير النظام أو تعديله.

الخطر الذي يهدد إيران في سوريا، يجعل من طهران أكثر تمسكا بالأسد، كما يجعل الأسد أكثر اطمئنانا لإيران، طالما أنهما عنوان الأزمة في الاستراتيجية الأميركية وطالما أن روسيا ليست في هذه الوضعية، بل هي التي لديها خيارات عدة يمكن أن تعتمدها طالما أن الدول المؤثرة تسلم بدور موسكو المرجعي في سوريا.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

حزب الله: الحرب

السورية لم تكن نزهة

علي الامين

 

لم تكن الحرب السورية التي خاضها حزب الله نزهة، ولم تكن بطبيعة الحال انتصارا له ولإيران كما يروج له قادته ومناصروه، وهي أيضا ليست كما يحلو للبعض أن يقول إنها جعلت حزب الله أكثر قوة في مواجهة إسرائيل، كما يردد إعلام “الممانعة والمقاومة” الذي روّج لمقولة إن حزب الله ذاهب إلى سوريا لمواجهة إسرائيل، بل للتصدي للولايات المتحدة نفسها وكل الغرب المتآمر.

هذه الحرب التي سبّبت مقتلا لمئات آلاف السوريين وتهجيرا للملايين منهم وتدميرا لمئات الآلاف من البيوت والمؤسسات، لم تكن كما قال عنها أمين عام حزب الله مرات عدة إن طريق القدس تشق من حلب وحمص والرقة.. أي من المدن السورية، بل هي فعل تدمير لمشروع التغيير في النظام الأمني والدكتاتوري، نحو حكم نابع من الشعب ومن إرادة السوريين. انتصار حزب الله أو المهمة التي أنجزها في سوريا، خلصت إلى سيطرة منظومة دولية إقليمية باتت تتحكم بسوريا اليوم، وحزب الله فيها ليس إلا بيدقا من بيادقها.

ثمة دمار لا يقل عن ذلك، أحدثه القرار الإيراني بإدخال حزب الله إلى سوريا، فالحرب ليست نزهة حين تكون في مواجهة عدوّ لا لبس فيه، فكيف إذا كانت ضد عدوّ ملتبس، ذلك أن مقاتلي حزب الله الذين تمّ جرهم في البداية للقتال في سوريا، وبذل جهد كبير لإقناعهم بأن هذه الحرب مقدسة، وتمّ استصدار فتاوى دينية وسياسية غبّ الطلب تؤكد أن الموت أمام الساعين لتغيير نظام الأسد وإسقاطه هو أشرف من الموت في مواجهة العدو الإسرائيلي، فهذا التوجه نحو الدفاع عن نظام الأسد، ولو على حساب ملايين السوريين الذين انتفضوا في وجهه، لم تكن تداعياته سطحية على بيئة حزب الله ولن تكون في المستقبل قابلة للتحكم والسيطرة، والأرجح أن ثمة انهيارات يشهدها في منظومة القيم السياسية والاجتماعية والدينية، بدأت آثارها تصيب بنية الاجتماع السياسي والديني الذي صار منتهكا بقيم القوة والاستقواء والنفوذ، التي كشفت عن خلل وتباين شاسع بين المحازبين، الذين باتوا ينظرون إلى حزب الله باعتباره سلطة جاثمة على صدورهم، فيما هم يشاهدون كيف نما نفوذ تجار الحرب والسلطة وكيف تغلغل الفساد بأبعاده المتعددة إلى هذا المحيط الأيديولوجي والسياسي والأمني والعسكري.

استخدم حزب الله في سبيل تعزيز نفوذه السياسي في لبنان، وسيلة الإفساد من أجل جذب المؤيدين والمناصرين والأتباع لاسيما على مستوى السلطة. طالب الآخرين بالولاء مقابل إغراء الفساد، أي “كن معنا وأفعل ما شئت في المال العام ونحن من يحميك”. وسيلة الإفساد كمعبر للسيطرة والتحكم لا يمكن ضبطها، فهي منهج سيتسلل إلى داخل بنية حزب الله وإلى نظام علاقته مع بيئته وجمهوره القديم والمستجد، وهكذا كانت الحرب السورية مجالا لترسيخ منظومة الفساد ومراكز القوى داخل حزب الله.

في الحرب السورية أعلن حزب الله أولوية القتال في هذا البلد، وتطلب ذلك استحضار كل ما يشد العصب المذهبي وتصوير ما يجري في سوريا على أنه استهداف من قبل السنّة المتطرفين للشيعة، هكذا خاطب قاعدته، فكان الشعار الشهير ولا يزال في هذه الحرب “لن تُسبى زينب مرتين” وهو الشعار الذي تمّ تعميمه بوسائل إعلانية وتعبوية طالت كل مكان فيه مجموعة من السكان الشيعة، ولم يكن من شعار يوازي هذا الشعار أو يلامسه في خطاب حزب الله لجمهوره والجماعة الشيعية في لبنان، وبات كل من يتصدى لهذا الشعار في نظر حزب الله خارج الملة.

من أبرز نتائج هذا الانخراط في الحرب السورية، هو ترسيخ الهوية المذهبية وأولوياتها على حساب أي مشروع جامع سواء كان وطنيا عربيا أو إسلاميا. إسرائيل ليست مصدر القلق الوجودي، وشعارات التحرر من الاستبداد موصولة بما يقوله المرشد علي خامنئي أو وكيله العام في لبنان حسن نصرالله، وما يقوله هؤلاء في الخطاب الأيديولوجي وفي تمثلاته في “البيئة الحاضنة”، أن الخطر هو الإسلام غير الشيعي، أو النظام السعودي، وحتى الولايات المتحدة لم تعد عدوا في التعبئة الحزبية، وما يقال مثلا ضد الإدارة الأميركية من أوصاف واتهامات هو أقل بكثير مما يقال ضد النظام السعودي، والجرأة على أي نظام عربي هي أكثر بكثير من الجرأة على إسرائيل ولا نقول واشنطن.

حزب الله أراد أن يحمي نفسه دولياً، فالتزم بالخطوط الحمراء منذ بداية التدخل في سوريا واليمن والعراق، كما التزم بعدم المسّ بإسرائيل وعدم التعرض للمصالح الأميركية والغربية، وهذا سلوك تفهمه القاعدة الحزبية رغم محاولات التذكير بالعداء لإسرائيل وأميركا. ورغم الضربات التي تلقاها حزب الله في سوريا من قبل إسرائيل طيلة السنوات الماضية، لم يبادر إلى أي فعل عسكري للرد على الاعتداءات عليه. قاتل الثوار السوريين بشراسة، لكنه كان شديد الحذر من أن يقوم بأي فعل عسكري ضد أي مؤسسة غربية أو أميركية أو صهيونية.

الصواريخ والطائرات الإيرانية المسيرة استخدمت من قبل الحوثيين ضد السعودية والإمارات العربية، لكنها لم تستخدم ضد من احتل القدس التي أنشأت إيران فيلقا باسمها، ولم يطلق رصاصة من أجل تحريرها أو ضد تهويدها، فيما جنوده ينشطون في العراق وسوريا واليمن.

التداعيات هي أن حزب الله نجح إلى حدّ كبير في تحويل الصراع في المنطقة وفي مخيلة محازبيه إلى صراع داخلي بين مكوناتها، فأصبح انخراطه في هذه الحرب عامل إغراء لتل أبيب، في كونه يُظهر أهمية وجود إيران كعنصر لاجم لأي حيوية في المنطقة العربية معادية للاحتلال الإسرائيلي، بينما الأهم من ذلك، أن حزب الله اليوم، بإرادته أو رغما عنه، تحوّل إلى حاجز دفاعي عن إسرائيل، عندما صار العمق العربي، والسوري على وجه التحديد، مصدر خطر على الحزب بعد الشرخ العميق مع هذا العمق الذي سببه تدخله في هذا البلد.

الفساد ينخر بيئة حزب الله وبنيته، فهذه الحرب غيّرت نظام الأولويات، ولم تعد هناك قضية يناضل من أجلها، فلكونه حزبا أيديولوجيا هو بحاجة لأن يقدم نفسه كقوة مناضلة من أجل هدف سامٍ، فهو لم يألف في سلوكه السياسي إلا الحرب، ولم يتقن استخدام خطاب السلم ولا رسم برامجه. لم يكن الولاء للوطن والدولة في تاريخه قائما، فهو لم ينظم وجوده في لبنان إلا على ثابتة ضعف الدولة، فجعل منها قوة بقائه واستمراره. أولوياته الإيرانية جعلته اليوم ينكشف على انتظار التوجيهات من ولي الفقيه من جهة، وفي نفس الوقت العجز عن تلبية متطلبات لبنانية لمنع الانفجار الداخلي.

ظاهرة الفساد تنخر بيئة حزب الله، فعناصره تتورط في عمليات التهريب عبر الحدود فتشكل منهم مافيات تسيطر على جزء كبير من إنتاج الكهرباء عن طريق المولدات الخاصة، وتحولت موارد المجالس البلدية إلى مصدر لتوزيع مكاسب لبعض مراكز القوى داخل حزب الله.

انتشار مظاهر الفساد تسبب بتراجع الالتزام الديني بين أفراد الحزب، مع سيطرة ذهنية الانتفاع بالطرق الملتوية وغير المشروعة، وما يرافق ذلك من أزمات اجتماعية غير مسبوقة لدى قاعدة حزب الله والبيئة الحاضنة له، كل ذلك يجعل الحزب أمام مخاطر جدية لا مجال للتخفيف من تداعياتها على نفوذه وتماسكه، فهو غير مستعد لحرب يدرك أنها هذه المرة ستكون وجودية، خصوصا مع عجزه عن الانضواء في صيغة وطنية لبنانية لأنه يدرك أن ذلك خطر أيضا على هويته، التي لم تكن إلا هوية أيديولوجية أمنية عسكرية، وهو في النهاية عاجز عن أن يكون حزبا سياسيا كبقية الأحزاب في لبنان.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

تهديدات ومخاطر في لبنان

تدفع حزب الله للاعتدال والاعتذار

علي الامين

 

نالت الحكومة اللبنانية ثقة مجلس النواب، والأهم هذه المرة أن حزب الله منحها الثقة، وهو الذي طالما كان يشارك في الحكومات، بل ويتحكم بقراراتها الإستراتيجية، لكنه كان لا يمنحها الثقة ويكتفي بعدم التصويت، باستثناء حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي قامت في أعقاب ما يشبه عملية انقلاب قاده حزب الله ضد حكومة الرئيس سعد الحريري، التي أسقطها لحظة دخول الحريري البيت الأبيض في العام 2010.

لقد نالت حكومة الحريري الثقة من قبل 111 نائبا من أصل 128 وهو عدد من الأصوات غير مسبوق في تاريخ الحكومات اللبنانية منذ العام 2005 أي منذ خروج الجيش السوري من لبنان، والفارق في هذا الامتياز للحكومة الحالية، أن تيار المستقبل وحزب الله لم يكونا في ضفتين متقابلتين، ففي السابق حين يمنح تيار المستقبل الثقة للحكومة، فإن حزب الله يمتنع عن التصويت رغم مشاركته. وكذلك تيار المستقبل يحجب الثقة حين يمنح حزب الله الثقة للحكومة كما جرى في جلسة نيل الثقة لحكومة الرئيس ميقاتي المشار إليها.

الحكومة الحالية ولدت بعد تسعة أشهر من موعد الانتخابات النيابية، وتأخير تشكيل الحكومة كل هذه المدة، كما بات معروفا كان نتاج حسابات إقليمية ودولية بالدرجة الأولى لم تنفع هذه المرة، باعتبار أن حزب الله لطالما كان يقدّم عملية التشكيل كهدية لمساومة إيرانية مع أطراف دولية أو إقليمية، هذا ما جرى في كل الحكومات السابقة التي كانت تنتهي بتدخل إيراني بناء على طلب أوروبي أو أميركي، وهذا ما رواه رئيس الحكومة السابق تمام سلام في سياق حديثه، وأكد فيه أن قرارا إيرانيا أفرج عن الحكومة التي ترأسها في العام 2014، بعد نحو عام من تعطيل ولادتها.

إلى جانب الاعتبارات الخارجية، ثمة أسباب داخلية شكلت غطاء لعملية التعطيل، باعتبار أن موازين القوى الداخلية والتي جرى ترجمتها في الحكومة اليوم، أثبتت بوضوح سيطرة حزب الله على الحكومة، فالخلافات الداخلية على الحصص برزت وتفاعلت بسبب عدم حسم الحزب لقرار تشكيلها، وحينما قرر الإفراج عنها تشكلت الحكومة بما يضمن له التحكم بقرارها، خاصة في ما يتصل بالشؤون التي تضمن حرية انتقاله عبر الحدود، والمحافظة على قوته الأمنية والعسكرية داخل لبنان، وإشرافه على القرارات الأمنية والعسكرية الرسمية.

بهذا المعنى فإن حزب الله منح الثقة لحكومة يتحكم بقراراتها ويدير توازناتها، وفي الوقت نفسه يدرك أن أعضاءها باتوا عاجزين عن توفير الغطاء له، ولذلك يمارس اليوم السياسة في الداخل اللبناني، بمنطق أن اللبنانيين شكّلوا مؤسساتهم الدستورية وأن حزب الله شريك مثل بقية القوى اللبنانية في المؤسسات الدستورية، ولذا يبدو حريصا على هذا الخطاب الإعلامي والسياسي، إذ يمكن ملاحظة موجة من الكلام الهادئ تجاه الداخل، بالتركيز على أنه شريك بين شركاء متساوين، ولكنه خطاب يتسم بالخداع، ذلك أنه طالما لا يقترب الذين يُفترض أنهم شركاؤه في الوطن من دوره الأمني والعسكري ومن استخدام سطوة سلاحه في الداخل، فهو لن يتعرّض لهم ولن يمارس فعل التهديد والوعيد.

من هنا يمكن فهم كيف قدّم حزب الله اعتذاره على ما قاله نائبه في البرلمان نواف الموسوي بشأن التهوين من وطنية الرئيس السابق بشير الجميل، وفي قوله إن الرئيس الحالي ميشال عون وصل إلى سدّة الرئاسة ببندقية حزب الله. فما قاله الموسوي ليس جديدا وهو يتردد كثيرا في أوساط حزب الله وغيره، لكن اعتذار حزب الله هو الجديد، ذلك أن الموسوي خرج عن سياق اللهجة التي يريد حزب الله اعتمادها، وليس على المنطق الذي يمارسه حزب الله في سلوكه السياسي، فطالما أن اللعبة السياسية اللبنانية أمكن تطويعها وأمكن السيطرة على مفاصل السلطة الرسمية ومؤسساتها، فما هي الحاجة لاستفزاز الذين قبلوا بمعادلة حزب الله وشروطه هذه؟

الطبع يغلب التطبع هذا إذا كان هناك رغبة بالتطبع بآليات عمل النظام اللبناني وبشروط الدولة، فحزب الله كما يعتقد كثيرون، لا يؤمن بشروط الدولة ولا بسيادتها، ولا بقواعد الحكم التي تقوم على قاعدة المواطنة والسيادة، وهذا ناشئ عن بنية أيديولوجية لا تعترف بولاء يتقدم على ولاء الولي الفقيه الحاكم للدولة الإسلامية في إيران، وبالتالي فهو يمارس السياسة في سياق خدمة مشروع إيران أو ما يسميه “محور المقاومة” الذي تقوده إيران.

وهذه السياسة الإيرانية التي تتعرّض لمواجهة دولية تقودها واشنطن، تبدو شديدة الحذر في لبنان، والتخوّف من قيام حرب إسرائيلية تستهدف مراكز نفوذ إيران في سوريا ولبنان أمر أشار إليه وزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، في مؤتمر ميونيخ قبل يومين، حين حذّر من أن التدخلات الإسرائيلية والأميركية في سوريا قد تفجّر حربا كبيرة، وهذا التخوّف المرتبط بتحذير إيراني أيضا، يفسر إلى حد كبير سعي حزب الله في لبنان إلى التهدئة، ولكن ليس على قاعدة الانضواء في مشروع الدولة، بل في محاولة للتحصن بالمؤسسات الدستورية اللبنانية، وعدم إثارة أي توترات مع أي طرف داخلي لبناني، خصوصا أن حزب الله يدرك المدى الذي وصل إليه الوضع المالي والاقتصادي للدولة اللبنانية، تبعا للظروف الاجتماعية التي يعيشها اللبنانيون بسبب إضعاف الدولة ومؤسساتها، وصل إلى حافة الانفجار ويشكّل وقودا لأي مواجهة داخلية يمكن أن تنفجر ولو من باب سياسي، فمحاصرة أي انفجار داخلي هي أولوية حزب الله، لأنه يدرك أن الانفجار الاجتماعي سيكون في وجهه باعتباره صاحب السهم الأكبر والحاسم في السلطة. فالإفلاس الذي تقف على حافته خزينة الدولة يعرفه الجميع، وهو ما يجعل حزب الله مهتما بأمرين. أولهما بذل جهد كبير في إلقاء تبعة الفساد والعجز على غيره من القوى السياسية، ومحاولة تبرئة نفسه من خلال مخاطبة اللبنانيين بالقول إنه حاول أن يقدّم عروضا إيرانية تساعد لبنان ولكن تمّ صدّه، وهو كلام دعائي الهدف منه التنصّل من مسؤولياته حيال ما وصلت إليه الدولة. والأمر الثاني هو توجيه رسائل إلى المجتمع الدولي بأنه سيعمل على تسهيل تطبيق مقررات مؤتمر سيدر، الذي يتناول دعم الاقتصاد اللبناني بمشاريع بنى تحتية وإصلاحية في الدولة اللبنانية.

هاتان الخطوتان تساهمان من جهة في تظهير ميل حزب الله إلى أن يكون مساعدا في عملية منع الانهيار المالي والاقتصادي، ومن جهة ثانية هي خطوة تتناغم مع حال الضعف والحصار الذي يعاني منه حزب الله إقليميا ودوليا، فهو يدرك، كما تدرك إيران، أن أيّ حرب تستهدفهما في سوريا أو في لبنان ستكون نتائجها كارثية على دورهما وعلى لبنان بطبيعة الحال، وبالتالي فإنّ سلوك التهدئة والحديث عن المشاركة واللغة الاعتذارية، ما هي إلا مقدمة إما لحرب لا يريدها حزب الله اليوم، وإما تمهيد لابتلاع ما بقي من لبنان فيما لو نجت إيران بتسوية يكون لبنان فيها من حصتها المهدورة في سوريا.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

حزب الله: وحده

لا شريك له في لبنان

علي الأمين

 

ربما لم يقصد النائب محمد رعد من كلامه أنّ لحزب الله موقفا مغايراً عما قاله زميله النائب نواف الموسوي بشأن الرئيس بشير الجميل، فرعد قال بالحرف: "...تجاوز الحدود المرسومة للغتنا المعهودة في التخطاب والتعبير عن الموقف". وبالتالي فإن المشكلة برأي حزب الله في كلام الموسوي تكمن في الشكل وليس في المضمون.

ولأنّ القضية هي في الشكل فهذا أيضا ليس جديداً على صعيد اللغة نفسها، التي سبق أن اعتمدها بعض نواب حزب الله في جلسات نيابية مشابهة خلال السنوات السابقة، من دون أن يعتبر ذلك خروجاً على اللغة الحزباللاهية في ذلك الحين.. وربما يذكر كثيرون ما صدر عن لسان النائب علي عمار او حتى السيد نواف الموسوي، محل الانتقاد اليوم من قبل قيادته في الكتلة النيابية.

لذا فما قاله النائب رعد لا يندرج ضمن اطار أخلاقي أو في سياق الاعتراض على خروج زميله عن ثوابت وطنية لا يقبل حزب الله بتجاوزها، بل هو اعتراض على اعتماد أسلوب ليس من حاجة لاعتماده.

فرعد، ومن خلفه قيادة الحزب، لا يجد ما يبرر افتعال معارك ثانوية وهامشية، طالما أن حزب الله يسيطر على الاطار السياسي والاستراتيجي للبلد، وطالما أن القوى التي كانت تواجه حزب الله، ولا سيما ما يسمى القوى السيادية، قد دانت له ولم تعد تنازعه على سلاحه ولا على امتداداته الإقليمية والدولية، بل لا تخفي الوّد واللطف تجاهه.. لكن السيد النائب الموسوي لا يرضى وتأخذه الغيرة على العرض الوطني والسيادي، او “تأخذه العزة …” لينطبق عليه قول الشاعر: “..يرضى القتيل وليس يرضى القاتل”.

وحزب الله لديه من القوة المادية الأمنية والعسكرية والمالية والإعلامية، ما يغنيه عن القول في كثير من الأحيان، اذ لا شك أن البيانات التي تصدر عن حزب الله أو مسؤوليه، تبقى عدديا أقل من البيانات التي تصدر عن حزب التوحيد العربي او على لسان رئيسه وئام وهاب، فهو ليس بحاجة لأن يعبر عن موقفه بالكلام، بل لديه من الوسائل المعلنة والمكتومة، من التي يعرفها الجميع، ما يكفيه شرّ التورط في السجال والنقاش.

الأهم من ذلك كله أنّ المنطق الذي ينطوي عليه كلام الموسوي، واعتذار النائب رعد عن “لغة التخاطب”، يشيران الى أنّ كل ما لدى اللبنانيين هو من حزب الله. وبالطبع فإنّ الأنفاس التي يعدّونها هي بفضل إنجازاته، وتشكيل الحكومة وقبلها الانتخابات النيابية، وحتى الانتخابات الرئاسية، لا بدّ أنها من بركات البندقية التي يحملها. ذلك أن حزب الله الذي قال بوضوح عبر امينه العام أن “كل ما لدينا هو من ايران”، ينتظر من اللبنانيين أن يقولوا ومن دون تردد أو خجل، إن كل ما لديهم هو من حزب الله.
هذه هي المنهجية التي يتبعها حزب الله حيال لبنان.

ورغم أناشيد نوابه وقادته عن ان أحدا لا يستطيع في لبنان أن يلغي الآخر، كما أنشد النائب علي عمار في مجلس النواب يوم أمس، فإن هذا الحزب نفسه يدرك أن فكرة الشراكة نقيض لوجوده، لذا فأي شراكة يدّعيها مع أحد هي في جوهرها تُحكم من قبله في نهاية المطاف. هكذا يتعامل مع من يدعي انهم شركاء، لذا قال إنّ بندقية المقاومة هي التي جاءت بميشال عون إلى بعبدا، وبندقية المقاومة ليست الا بندقية حزب الله التي لا يشاركه بها أحد. ولن يمرّ وقت طويل قبل أن نسمع أحد نواب الحزب أو مسؤوليه يقول إنه لولا حزب الله ما كان سعد الحريري رئيسا للحكومة، ولا نبيه بري كان يمكن أن يكون رئيسا لمجلس النواب، ولا وليد جنبلاط أو سمير جعجع وكل من يحاول اختبار الشراكة الحقيقية مع حزب الله.

حزب الله وحده لا شريك له حين يتصل الأمر بالسيادة والأمن بادعاء انه هو من حمى اللبنانيين ويحميهم من الشيطان الرجيم.

 موقع (جنوبية)

 

نظام المصالح الوطنية

العراقية والقلق الإيراني

علي الامين

لم تزل أزمة عدم اكتمال الحكومة العراقية تفرض نفسها على المشهد السياسي العراقي بأبعاده المحلية والخارجية، فرئيس الحكومة عادل عبدالمهدي لم تزل أمامه عقدة وزارة الداخلية كما الدفاع كعقدتين لا تزالان ترمزان إلى حجم التأثير الخارجي على المعادلة الداخلية وتوازناتها.

في لقاء بعيد عن الأضواء بين زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وقائد فيلق القدس قاسم سليماني، في بيروت، جرى اتفاق بين الطرفين على إيجاد تسوية بشأن تعيين وزير للداخلية يوافق عليه التيار الصدري بعد استبعاد فالح الفياض المرشح الأقرب لإيران بين الأسماء المتداولة لتولي المنصب.

في المقابل يعمل التيار الصدري على دعم مشروع إقرار قانون يدعو إلى خروج القوات الأجنبية من العراق.

هذا الاتفاق الذي تم تداوله في أوساط عراقية رسمية وحزبية، لم يحظ بكثير من الثقة بإمكان تحققه، والسبب أن الطرفين، سليماني والصدر، يدركان أن خروج القوات الأميركية من العراق غير وارد ليس في الحسابات الأميركية فحسب، بل حتى في الحسابات العراقية والإيرانية، فالصدر الذي يريد أن يحافظ على عنوان أنه ينتمي إلى تيار يدعو إلى خروج القوات الأجنبية من العراق، يدرك كما أقرانه من الأحزاب السياسية، أن الوجود الأميركي لا يزال يشكّل عنصر استقرار في مواجهة مخاطر خارجية وإرهابية تهدد العراق، فيما تعتبر قيادات إيرانية معنية بالشأن العراقي، أن الوجود الأميركي في العراق لا يشكّل مصدر خطر على إيران، بل يوفّر أدوات ضغط إيرانية على واشنطن قد لا تكون متوفرة فيما لو قرّرت واشنطن الانسحاب من بلاد الرافدين.

في هذا السياق أكد الرئيس العراقي برهم صالح خلال افتتاحه مؤتمر الرافدين في بغداد الاثنين أن الوجود الأميركي في العراق تحكمه الاتفاقيات القائمة بين حكومتي البلدين، وأن العراق لا يمكن أن يوافق على ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استخدام الوجود الأميركي في العراق لتفعيل تنفيذ العقوبات ومراقبتها. واعتبر الرئيس العراقي أن التعاون الإقليمي هو السبيل الوحيد لخروج العراق من الأزمات والحروب المستمرة على أرضه منذ عام 2003.

في لقاء مع زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم اعتبر أن مسألة الوجود الأميركي في العراق، لم تزل حاجة لاستقرار العراق، ولفت في لقائنا معه إلى أن بعض القيادات الإيرانية تريد من العراقيين فقط إعلاء الصوت وليسوا جادّين في هذا الشأن، بل هي للاستخدام السياسي في التنازع القائم بين طهران وواشنطن.

التطوّرات السياسية والأمنية، رغم العقدة الحكومية والأزمات التي يواجهها العراق، تشير إلى تطور مهمّ في المشهد السياسي العراقي، عبّرت عنه الانتخابات النيابية التي أظهرت في نتائجها نزوعا شعبيا وسياسيا للخروج من الخطاب المذهبي والطائفي، ولعل طبيعة الكتل السياسية التي أنتجتها التحالفات الانتخابية، تظهر كيف بات من الصعب الحديث عن تحالفات ذات طابع مذهبي أو طائفي، ولم يعُد الحديث ممكنا عن كتلة شيعية صافية ولا سنيّة ولا حتى كردية. وهذا ما اعتبره عمار الحكيم عنصرا مهما في محاولة إخراج العراق من الدرك السياسي الذي وصل إليه.

الوطنية العراقية تفرض نفسها، فبعد مخاض مواجهة الإرهاب وتداعياته، يمكن لزائر بغداد أن يلحظ نزوعا لدى الشارع إلى نبذ اللغة المذهبية والطائفية، وهو ما تلمسه القوى السياسية التي استنفدت خطاب العصبية الذي بات لا ينتج إلا مزيدا من التشظّي والفساد، وبات المواطن العراقي أمام واقع يدرك أن هذا الخطاب لن ينتج إلا المزيد من الكوارث والارتهان للخارج. ثمّة وطنية عراقية تؤشر إلى نهوض ومحاولة لتلمس خيار جديد يعيد حماية نظام المصالح الوطني والثروة الوطنية السائبة.

يقول أكثر من مسؤول عراقي ومن بينهم عمار الحكيم، إن الحشد الشعبي يجب أن يعاد النظر فيه لصالح تعزيز مركزية الأمن ومرجعية السلطة في الدولة العراقية، ويشير هؤلاء إلى أن أكثر من سبعين في المئة من ميزانية الحشد الشعبي تذهب بشكل غير مشروع لتمويل الميليشيات التي تديرها إيران في سوريا، ويذهب جزء آخر إلى اليمن ولبنان، يؤكد الحكيم أن هناك أكثر من مئة ألف راتب وهمي “فضائي” تذهب لدعم ما يسمّى المجهود الحربي خارج العراق. الرواتب هذه تؤخذ من الخزينة وليس هناك ما يثبت أنها تصرف لعناصر عراقية.

هذه الفضيحة هي نموذج لما يعانيه العراقيون اليوم على صعيد إدارة الدولة ومصادر الثروة فيها، وهو ربما ما يجعل الكثير من العراقيين ينظرون إلى السياسة الإيرانية باعتبارها سياسة تذهب نحو استغلال الثروة العراقية لصالح مشاريع تتصل بنفوذها، بخلاف ما يمكن أن يبدو من أن إيران قدّمت مساعدات أو موّلت نفوذها في اليمن ولبنان وسوريا، العراقيون يعتقدون أن بلدهم يُنهب من داخله ومن خارجه، وهو ما يبدو أنه المعطى الموضوعي الذي يجعل من العراقيين أكثر قُربا اليوم من الروح الوطنية التي تقوم على حماية نظام المصالح الذي يشكّل أحد أبرز قواعد الخطاب الذي ينبع من الشارع، ويتجه صعودا ليطغى على الخطاب السياسي لدى النخبة السياسية الحاكمة.

الخطاب السياسي الذي ينمو في العراق اليوم، يقوم على أساس المصلحة، وهي التي تجعل من العمل على فتح صفحة جديدة مع المحيط العربي لاسيما مع السعودية، مطلبا واضحا وملحّا، ويشير رئيس الحكومة السابق حيدر العبادي إلى أن ثمّة رغبة عراقية عامة ولدى الفئات الشعبي