الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

علي الامين كاتب وصحفي لبناني

  رئيس تحرير موقع (جنوبية) يكتب عمودا اسبوعيا في جريدة العرب اللندنية

مقالات سابقة

موقف السيستاني يقوض

ثنائية 'الدولة- الميليشيا' الإيرانية

علي الأمين

شكل موقف المرجع الديني السيد علي السيستاني خطوة مهمة على صعيد رفع الغطاء عن ثنائية الدولة والميليشيا في العراق، فقد دعا السيستاني خلال استقباله الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق يان كوبيش قبل أيام، إلى تنفيذ قانون الحشد الشعبي في العراق، أي حصر السلاح في سلطة الدولة. وفي خطوة مكملة لهذا الموقف، طلب السيستاني عدم ترشح أيّ من أعضاء الحشد في الانتخابات النيابية المزمعة خلال العام المقبل في العراق.

هي خطوة إستراتيجية ومهمة في سياق إعادة بناء الدولة العراقية، تكتسب أهميتها انطلاقا من محاولة بعض الميليشيات العراقية التي يتشكل الحشد الشعبي منها ومن سواها من أفراد وجماعات حزبية، خلق بنية عسكرية أمنية وسياسية، لها خصوصيتها المذهبية والطائفية مستقلة عن قرار الحكومة، وتتبع في ولائها لمرجعية دينية وفي الجوهر للتوجهات الإيرانية، أسوة بظاهرة الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان. موقف السيستاني قطع الطريق على هذا الطموح، لا سيما أن ما اقتضته ظروف نشأة الحشد الشعبي، انتهت مع دحر تنظيم داعش من العراق، علما أن الحرس الثوري الإيراني الذي يمسك بمفاصل أساسية في الحشد الشعبي، استثمر فتوى السيستاني التي شرعت نشوء هذا الحشد، وعمل على فرض ثنائية الجيش-الحشد التي باتت تنذر بتحويل الحشد إلى مشروع منفصل في أهدافه عن المشروع الوطني العراقي، وضمن حسابات إيرانية تتصل بمشروعها على مستوى المنطقة العربية.

“احتكار العنف المشروع″ هو أول مفهوم للدولة، وهو ما يتناقض مع كل مشاريع السيطرة والنفوذ الإيرانيين في المنطقة العربية، وهو تناقض يمس الدولة بل أصل وجودها، فالثنائيات التي يروج لها المشروع الإيراني في لبنان واليمن والعراق وحتى في سوريا، هي مشاريع تهدف إلى منع وجود سلطة الدولة بالمعنى المتعارف عليه في كل دول العالم، وهذه الثنائيات التي تستبطن إيجاد قوة عسكرية وأمنية سياسية، توالي إيران، تستهدف المزيد من إضعاف الدولة عبر تعزيز الفساد في مؤسساتها، وإفقادها صفة الرعاية للمواطنين، وتظهيرها باعتبارها عنوانا للفشل وللنهب، فيما تطلق يد أتباعها في نهب قدراتها واستثمارها في سياق المشروع الإيراني، أي إظهار أهمية وجود كيان مواز للدولة، عبر الإيغال في سلوك إضعاف الدولة وتقديمها باعتبارها منجزا فاشلا وعاجزا.

إفشال مشروع الدولة هو الحصيلة التي يخلص إليها أي متابع لسياق المشروع الإيراني في الدول العربية، وهذا لا يختلف بين دولة يشكل فيها الشيعة أقلية أو كانوا في دولة أخرى يشكلون الأكثرية

لذا عملية إفشال الدولة الوطنية في مناطق تسعى إيران لتحقيق نفوذ لها فيها، هي هدف استراتيجي، فالقيادة الإيرانية التي يشكل الحرس الثوري النموذج شبه الوحيد الذي تقدمه إيران للشعوب العربية، هو النموذج الذي لا يعد ولا يعمل إلا على إبقاء الصراع محتدما على الأراضي العربية، عبر المحافظة أو خلق الثنائية بين جهة موالية (الميليشيا) وأخرى مسيطر عليها (سلطة الدولة) أو متحكم بسلوكها دون تحمل تبعات أفعالها.

ليس من مشروع آخر تقترحه إيران على العرب، إلا الغرق في صراعات أهلية أو التسليم بمعادلات سلطة منافية للدولة ولوحدة الشعب. ودائما ثمة قيمة أخلاقية عالية أو شعار أيديولوجي يشكل المدخل لتحقيق أهداف السيطرة والنفوذ، المقاومة، مواجهة الاستكبار الغربي والصهيوني، حماية الشيعة، هي عناوين أيديولوجية فضفاضة استخدمها الحرس الثوري في سياق تفجير المجتمعات العربية من داخلها للتحكم وللنفاذ ولتحقيق النفوذ والسيطرة.

إفشال مشروع الدولة هو الحصيلة التي يخلص إليها أي متابع لسياق المشروع الإيراني في الدول العربية، وهذا لا يختلف بين دولة يشكل فيها الشيعة أقلية أو كانوا في دولة أخرى يشكلون الأكثرية. تختلف العناوين ولكن الغاية واحدة، ففي ملاحظة الدور الإيراني في العراق على سبيل المثال، يمكن القول إنه أتيح للدور الإيراني في العراق لا سيما مع الانسحاب الأميركي عام 2010 أن تعمل طهران على الدفع بمشروع الدولة في العراق، خاصة وأن الذين أمسكوا بالسلطة كانوا من المؤيدين لها، ولعل رئيس الحكومة السابق نوري المالكي هو أكثر رئيس حكومة كان ولا يزال من الذين لا يشك بتأييدهم للسياسة الإيرانية، ولكن كان الأكثر فسادا وفي عهده شهد العراق أكبر عملية نهب لموارده، بل في عهده تم ترسيخ السلطة على قاعدة تدمير شروط الدولة أو ما تبقى منها. المالكي هو من تحميه إيران من كل الملاحقات عن التورط بالفساد وسوء الإدارة والحكم.

النموذج الذي تريده إيران في المنطقة العربية، ولدى الشيعة على وجه الخصوص في العراق هو نموذج المالكي، لكن مع حرص خبيث على تظهير مسؤوليها ولا سيما رموزها في الميدان كالجنرال قاسم سليماني، على أنهم أتقياء أنقياء لا يلوثهم الفساد بل نماذج للاستقامة والإخلاص والنزاهة والورع والإيمان، وهذا إن كان ينجح في الشكل أو في صناعة الصورة للجمهور إلا أن خلف هذه الصورة ما يصنف في خانة الجرائم الكبرى أو جرائم الدول، فالسياسة الإيرانية في العراق أدارت عملية فساد كبرى، وتم استخدام المال العام العراقي في تمويل مشاريع إيران في المنطقة، لذا كان التشجيع على الفساد عنصرا ضروريا لتغطية الأموال التي نهبت في سبيل دعم إيران عبر سرقة النفط، أو تمويل حزب الله في لبنان، وتمويل النظام السوري في السنوات الأولى من الثورة السورية. فيما لم يسع العراق الذي حكمه محور المقاومة أو الممانعة بقيادة إيران، لتقديم نموذج إيجابي لدولة فيها الحد الأدنى من الخدمات والإدارة، رغم الثروات التي يمتلكها.

لبنان ليس مختلفا عما سبق من النموذج العراقي، هو بالنسبة للمشروع الإيراني قاعدة انطلاق أمني وعسكري في كل الاتجاهات. قاعدة يتطلب قيامها بمتطلبات المشروع الإيراني ترسيخ ثنائية الدولة- الدويلة. ليس في حوزة حزب الله أو المشروع الإيراني ليقدمه للبنان إلا هذه الثنائية، التي استنزفت اللبنانيين وجعلتهم أسرى معادلة إما الحرب الأهلية وإما التسليم بسطوة السلاح غير الشرعي، وبالتالي التسليم بالاستنزاف الذي يطال الدولة في علاقاتها الخارجية وفي أوضاعها المالية، وفي تدهور الأوضاع الاقتصادية، بل حتى في تقويض الهوية اللبنانية التي طالما كانت تعبر عن قدرة لبنان على أن يشكل مساحة تفاعل سياسي وحضاري، وعنصر استقطاب بسبب الحرية التي كان يتيحها، والتي باتت أثرا بعد عين بعدما فقد لبنان جاذبية التنوع لحساب الهوية السياسية الأحادية التي تسللت تحت عنوان الممانعة والمقاومة، ولكن هذه المرة بالنكهة والأسلوب الإيرانيين.

العراق من خلال موقف السيستاني الرافض لتشريع الثنائيات الأمنية والعسكرية خارج سلطة الدولة ومرجعيتها، يوجه الضربة العميقة للمشروع الأيديولوجي الإيراني في المنطقة العربية من خلال التأكيد على مرجعية الدولة، وهو موقف يكتسب أهميته لكونه يصدر من أعلى مرجعية دينية شيعية في المنطقة العربية وفي العراق تحديدا وخارج إيران، مرجعية تعيد الاعتبار للدولة وللهوية الوطنية، وهذا موقف لن تقتصر آثاره على العراق فحسب بل سيجد صداه عربيا، طالما أنّ خيار ولاية الفقيه الذي تبشر إيران به كان وبالا على المنطقة العربية عموما وعلى الشيعة على وجه الخصوص.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

انتصار محور

المقاومة وفاجعة العرب

علي الأمين

 

تصدير الثورة الإسلامية في إيران إلى العرب بعد نحو أربعة عقود خلاصته: شرخ مذهبي غير مسبوق، سلب غربي وروسي لثروات المنطقة وارتهان غير معهود لهذا الخارج، تخلّف ثقافي وفكري ساهم في تلميع الديكتاتوريات، غياب أيّ مشروع نهضوي جامع سواء كان عربياً أو إسلامياً جامعاً للمنطقة، تراجع العداء لإسرائيل في موازاة بروز همجية الحروب الأهلية والمذهبية، طغيان العصبيات المذهبية والدينية وانكفاء العقل النقدي والسجال الفكري والسياسي. خواء المقترح الثوري الإيراني حيال الإجابة على سؤال الدولة في محيط إيران والرؤية الواضحة للعلاقة معها، وتلطيه خلف مصطلح المقاومة الفضفاض. شعار لا شرقية ولا غربية دولة إسلامية، انتهى لعكسه تماماً وانتهى لسقوط مقولة الدولة الإسلامية حتى من أدبيات الثورة الإيرانية تجاه الخارج.

المقاومة التي تعلن إيران انتصارها في العراق وسوريا هذه الأيام، هي الهزيمة الفعلية والحضارية هزيمة المشروع النهضوي بكل أبعاده الوطنية أو القومية أو الإسلامية، لحساب التقاتل الأهلي والمذهبي. الخلاصة كارثية، فإذا كان عنوان انهيار المشروع القومي العربي هي هزيمة العام 1967، واحتلال أراضٍ عربية جديدة، فإنّ تصدير الثورة الإسلامية الذي اعتمدته إيران لمواجهة الاستكبار العالمي في المنطقة العربية، كانت خلاصته تدمير الدول العربية وتصدع المجتمعات الوطنية، ونهب الثروات الوطنية.

ربما سيخرج من يقول أنّ السبب المؤامرات الغربية… وهذا صحيح لكن أنتم قلتم أنّكم ستواجهون هذه المؤامرات التي سبقكم أصحاب المشروع القومي العربي في تحميلها أسباب فشلهم وانكفائهم… المؤامرة ليست فكرة جديدة ولا حدث مفاجىء بل تصدير الثورة الإسلامية كان بهدف مواجهة المؤامرة.. فهل يعقل أن نعود ونحيل الفشل إلى المؤامرة الكونية؟

المؤامرة هي في الفشل وفي الخواء الحضاري في الاستعلاء والاستكبار في ادعاء امتلاك الحقيقة، في الاستهانة بالأوطان والدولة، في الإعلاء من شأن الإيديولوجيا المدمرة، في إسلامكم (ولا أقول الاسلام) الذي بشرتم به وروجتم له فلم ينتج وحدة بل انقساماً، لم ينتج رحابة بل عصبيات متقابلة، لم ينتج مبدعين بل أنتج انتحاريين.

إسلامكم هذا لم ينتج نموذجاً يحتذى في الحكم في الإدارة في الأخلاق في التنمية في السماحة في الإقتصاد في الدستور…تجارة الدين كانت أشّد على الناس وأقسى من تجار السياسة باسم القومية العربية التي بشرتم بسقوطها وقلتم الإسلام هو الحل.. هذا إسلامكم الذي حلّ الدول وقسم الشعوب وفخخ المجتمعات وحول المذاهب إلى أحزاب تقاتل بسيف الله.

هنيئاً لمحور إيران انتصاراته فوق ركام العرب دولاً ومجتمعات. انتصرت المقاومة ومحورها بربكم إذاً كيف يمكن أن يكون انتصار مشروع اسرائيل أو “الاستكبار العالمي” في منطقتنا العربية؟ هل يمكن أن يكون أكثر من حصيلة هذا الركام العربي.

مع (جنوبية) باتفاق مسبق

شكراً لقائد الحرس

الثوري الايراني

علي الأمين

 

ربما أراد قائد الحرس الثوري أن يذكرنا ببعض ما نسيناه او تنسيناه بشان سلاح حزب الله ودوره، فاقتضى منه التوضيح في موقف لا يحتمل الالتباس. هذا الالتباس الذي بدا ان المسؤولين اللبنانيين يراهنون في البناء عليه.

الكلمة الفصل جاءت من قائد الحرس الثوري الايراني اللواء محمد علي جعفري، لتطوي وهماً نال من البعض، وهمُ امكان تحقيق سياسة النأي بالنفس، التي اعتقد بعض المسؤولين اللبنانيين انه يمكن انتزاعها ولو شكلياً من مسؤولي حزب الله، في سبيل حفظ ماء وجه رئيس الجمهورية او رئيس الحكومة، ليجدوا في ما انتزعوه وسيلة للرد على مضمون بيان جامعة الدول العربية، وسبيلا لعودة الحكومة بشكل محترم الى عهدها السابق قبل استقالة الرئيس سعد الحريري.

كلام قائد الحرس الثوري، يؤكد المؤكد، لقد أعلن اليوم (الخميس) “ان نزع سلاح حزب الله غير قابل للتفاوض، وانهم سيلعبون دوراً ناشطاً في سوريا من اجل وقف اطلاق النار”. هذا الاعلان تكمن اهميته اليوم هو أنه يسقط تماما جبل الأوهام الذي ناضل رئيس الجمهورية منذ وصوله لرئاسة البلاد في جعل سلاح حزب الله عنصر قوة للدولة اللبنانية، وهو لم يقصر في الذود عنه بتصديه لكل من يحاول انتقاده او اعتباره عنصرا جوهريا في ابقاء الدولة معلقة، ورهن حسابات اقليمية لا علاقة للبنان بها، حتى أنه يسجل لرئيس الجمهورية ميشال عون براعته في طي اي حديث او بحث عن الاستراتيجية الدفاعية من التداول اللبناني، متيحاً بذلك غطاءً سياسياُ غير مسبوق من قبل رئيس للجمهورية، لسلاح حزب الله، على رغم تجاوزه لوظيفة مقاومة الاحتلال ونسيانه لشعار تحرير مزارع شبعا. جبل الأوهام هذا، تداعى بكلمة واحدة من الجعفري عندما قرر هو وظيفة حزب الله وهي وظيفة لم تعد لبنانية فحسب، بل اقليمية ايضاَ وبقرار ايراني فقط.

 الجعفري ليس معنيا بكل هذا “النضال الرئاسي” من أجل المقاومة وسلاحها، بل غير آبه بما يقوله رئيس دولة لبنان عن النأي بالنفس والسيادة والاستقلال، لا بل غير معني حتى بمراعاة لبنانية حزب الله، هو من يقرر وعلى الآخرين ان يسمعوا ويطيعوا. مجددا الحرس الثوري أكد المؤكد، وهذا ما يعرفه كل اللبنانيين، لكن حاول بعضهم تزلفا او خوفا او لمصلحة وطنية ارتآها، ان يضفي على دور حزب الله الاقليمي وظيفة لبنانية، ليبرر بقاءه متفلتا من اي قيد رسمي او وطني لبناني، وليحفظ ماء وجه للدولة او للسيادة، او الوطنية لبنانية، لكن كل ذلك لم يقابله القائد الايراني، الا بمزيد من اعتبار لبنان مقاطعة من مقاطعات دولته، او مستعمرة من مستعمراتها التي هو من يقرر وظيفتها ودورها، من خلال تحديده العلني والآمر لمهمات حزب الله ودوره في لبنان والاقليم.

لعل على اللبنانيين ان يشكروا قائد الحرس الثوري على ما قاله، لأن البعض منهم كاد ان يصدق ان وظيفة حزب الله الامنية والعسكرية على امتداد الاقليم، هي من أجل تحرير مزارع شبعا اللبنانية، أو أن هذا السلاح تتحكم فيه المصالح اللبنانية، لا سيما بعدما وصل العماد ميشال عون الى سدة رئاسة الجمهورية، الذي يشكل مصدر ثقة لرجال حزب الله، وهم مصدر ثقة لديه، لما يكنّونه من ولاءٍ للبنان الوطن والدولة التي يرأسها.

شكراً للواء جعفري الذي اعفانا من مماحكات لبنانية كثيرة، وقالها بوضوح لكل اللبنانيين، نحن في الحرس الثوري من يقرر في حربكم وسلمكم، وليس عليكم الا الحمد والشكر.

مجددا ومجددا قائد الحرس الثوري أكد المؤكد ونحن نشكره على التذكير حتى لا ننسى كما نسي او تناسى بعضنا.

مع (موقع جنوبية) باتفاق مسبق

 

 

حين تفقد القمصان السود هيبتها

ويصير السلاح عبئا على صاحبه

علي الأمين

حين قدّم الرئيس سعد الحريري استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية من الرياض، انتشر فيديو مصور لأحد المنشدين القريبين من حزب الله، وهو يقوم بكيّ قميص أسود، في إشارة إلى أنّ القمصان السود عائدة إلى المشهد اللبناني لتقلب الموازين لصالح حزب الله، في إشارة إلى ما حصل في العالم قبل سنوات عندما قام حزب الله بتسريب خبر عن انتشار أصحاب القمصان السود في أحد شوارع بيروت، وكانت هذه الخطوة كفيلة بحسم موقف النائب وليد جنبلاط لعدم تسمية الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة.

القمصان السود كان تعبيرا رمزيا يحرص حزب الله عبر أنصاره على التلويح به، حين يجد أن ثمة من يعترض من القوى السياسية الوازنة على قرار من قراراته الداخلية، وهو كان يلبي حاجته لبث الخوف لدى بعض الفئات من اللبنانيين، وكان الوجه السحري أو القناع الذي يتخفى خلفه التهديد باستعمال السلاح.

أهمية هذه الواقعة المتمثلة بالتلويح بالقمصان السود اليوم، تكمن في أن فائض القوة كان سبيل حزب الله لفعل ما يريد في ترتيب المعادلة السياسية في الداخل اللبناني، إسقاط الحكومات وتشكيلها، إلغاء نتائج الانتخابات أو تجويفها من مضمونها السياسي، فرض سلاحه على الجميع ولا سيما مؤسسات الدولة، وكان يتحقق له هذا الأمر منذ أن قام بعملية 7 مايو 2008 والتي كانت درسا أراد حزب الله أن يلقنه لجميع اللبنانيين من خلال انتشاره العلني بالسلاح واقتحامه بيروت وصيدا وغيرهما عسكريا، للقول إنكم أمام خيار إما القبول بما أمليه عليكم أو أرغمكم بالقوة على ذلك. وفعلا تحققت له منذ ذلك التاريخ السيطرة والنفوذ ليس على الأرض عسكريا وأمنيا، بل أمسك بمعظم أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية بطرق منظورة وأخرى غير منظورة.

لقد تغيرت قواعد اللعبة اليوم. فائض القوة الذي تعاظم لحزب الله داخليا لم يعد يقرر الوجهة السياسية في البلد، فحزب الله القابض على مفاصل السلطة، والحاكم بأمره في امتداد الجغرافيا اللبنانية، والمتفوق عسكريا وأمنيا على كل القوى السياسية والرسمية في لبنان، يدرك اليوم أن هذه القوة ليست من يحسم الخيار داخل لبنان، كما كان الحال خلال العقد الأخير من الزمن. لم تعد القمصان السود مفيدة ولا سطوة السلاح تقدم شيئا بل باتت أضرارها عليه أكثر من سواه، فحزب الله لن يتجرأ على القيام بذلك، لإدراكه أن مشكلته اليوم لن يحلها التهويل الداخلي، لأن التحدي اليوم خارجي ويتربص بأيّ خطوة قد يقوم بها في الداخل ليمارس عليه ضغط العقوبات الاقتصادية والمالية وغيرها من أوراق الضغط التي يملكها هذا الخارج العربي والدولي.

بيان وزراء الخارجية العرب الذي صدر الأحد من القاهرة وضع الإطار الذي من خلاله سيتم التعامل مع لبنان عربيا في المرحلة المقبلة. البيان اعتبر حزب الله منظمة إرهابية، وشدد على رفض الممارسات الإيرانية في المنطقة العربية، وتفادى اتخاذ أي إجراء ضد لبنان، ولكنه أبقى السيف مسلطا عليه من خلال الاستعداد لحمل الملف إلى مجلس الأمن. عملية تضييق الخناق مرشحة إلى المزيد فيما لو أصر حزب الله على سلوكه وفي استخدام لبنان منصة لعمليات خارجية في أكثر من دولة عربية.

لا شكّ أنّ الصاروخ الباليستي الذي تمّ إطلاقه من اليمن باتجاه الرياض وتمّ إسقاطه، كان الخطأ الإيراني الاستراتيجي الذي أتاح للدول العربية ولا سيما السعودية أن تطلق عملية مواجهة سياسية عربية ودولية ضد إيران وحزب الله المتهمين بإطلاقه، ذلك أنّ إيران من خلال إطلاق هذا الصاروخ استنفرت الأميركيين والأوروبيين الذين اعتبروا هذه الخطوة تجاوزا للخطوط الحمر، ما رفع من وتيرة الحديث عن فرض عقوبات على إيران على خلفية تصنيعها للصواريخ الباليستية، فيما الدول العربية ولا سيما في الخليج، وجدت في إطلاق الصاروخ على الرياض تهديدا للأمن الوطني والخليجي من قبل إيران، وهذا ما أتاح للرياض أن ترفع من سقف المواجهة مع النفوذ الإيراني وحزب الله من دون أن يواجهها أي معوق دولي.

يبقى أنّ السؤال الفعلي والمطروح في لبنان هو كيف سيتعامل حزب الله مع هذه التطورات الجديدة وكيف سيتعامل مع شروط المواجهة الجديدة.

القمصان السود كان تعبيرا رمزيا يحرص حزب الله عبر أنصاره على التلويح به، حين يجد أن ثمة من يعترض من القوى السياسية الوازنة على قرار من قراراته الداخلية

شروط لن تغير في عناصرها ووجهتها الموازين الداخلية. حزب الله مطالب بأن يتبنى فعليا النأي بالنفس بالانسحاب من الإقليم العربي، وبالبدء في البحث في مستقبل سلاحه. كرة الثلج ستكبر وفائض القوة بات قيدا بعدما كان ميزة يستقوي من خلالها على أقرانه اللبنانيين، الجميع لبنانيا أو معظمهم سلّم بقوته واستسلم له ولكنهم يعتمدون التقية. يدرك حزب الله هذه الحقيقة كما يدرك أنه غير قادر على تغيير المعادلة من الداخل اللبناني، ذلك أن إجماعا عربيا ودوليا بدأ بالتبلور هو رفض ومواجهة أي ميليشيا أو حزب إقليمي، ولا مجال لأن ينجو من اصطدام مع أكثر من طرف إقليمي أو دولي إلا بالعودة إلى لبنان.

حزب الله الذي استخدمته إيران في طول المنطقة العربية وعرضها، أمام عدة خيارات هي:

أولا إما محاولة الالتفاف على الضغوط وتشديد الخناق، عبر إعلان شكلي بالتزامه النأي بالنفس وتقديم مصلحة لبنان على المصالح الإيرانية، من دون أن يلتزم فعليا بهذا النهج، وهذا بالتأكيد خيار سيكون عبارة عن عملية شراء وقت من دون أي أفق موضوعي في ظل المواقف العربية الأخيرة والمراقبة الدولية الشديدة عليه ولا سيما في واشنطن وباريس، فضلا عن الأمم المتحدة.

ثانيا القبول الفعلي بالانسحاب من الإقليم، وبالتالي محاولة مقايضة انسحابه بتأمين شرعية لبنانية لسلاحه ودائما بذريعة مواجهة العدو الصهيوني وتحرير مزارع شبعا، وهذا خيار ربما سيخفف عنه جزءا من الضغوط الدولية لكن سيفرض عليه في المقابل ضغطا لبنانيا داخليا يتمثل في أنّ لبنان سيكون عرضة للمطالبة بتنفيذ القرارين 1559 و1701 الدوليين واللذين يتضمنان نزع السلاح من القوى غير الرسمية.

ثالثا الذهاب نحو المواجهة ورفض كل القرارات العربية والدولية، وهذه خطوة انتحارية له وللبنان، وهي ستكون أشبه بالصاروخ الإيراني الذي انطلق نحو الرياض، أي خطأ استراتيجي سوف يؤلب العالم عليه وليس المحيط العربي فحسب. لذا فالأرجح أنه لن يغامر بنظام المصالح الضخم الذي أمسك به في لبنان، من داخل الدولة وفي مؤسساتها وفي البلديات، فإغراء السلطة ومنافعها وفرا لحزب الله النفوذ والشعبية، وليست الأيديولوجيا الدينية أو المذهبية إلا عنصرا محدودا في تكون شعبيته، وبالتالي فإن نظام المصالح هذا كفيل بأن يجعله منحازا لعدم المغامرة به، علما أن مغامرته في سوريا ما كانت لتتم لو لم يكن مدركا أنّ الدول الكبرى وإسرائيل غير معنية بتدخله، بل ربما شجعته على التدخل والمغامرة في سوريا.

الخيارات الثلاثة هي ما سيقرر تشكيل حكومة جديدة أو بقاء أزمة الحكم في لبنان، علما أنّ قواعد جديدة فرضتها الجامعة العربية بقرارها الأخير، فإدراج حزب الله كمنظمة إرهابية في الجامعة العربية، هو بداية نهاية لنموذج مثله حزب الله في منطقة باتت عاجزة عن تحمل نموذج عسكري عابر للحدود ومهدد لمصالح الدول وأمنها الوطني، خصوصا أنّ شعار قتال إسرائيل وتحرير فلسطين انكشف على واقع أن فلسطين لم تكن إلا ذريعة، فيما المعركة الحقيقية كانت في مكان آخر في اليمن والعراق وسوريا والخليج، بينما ظلت إسرائيل جنة الأمان رغم وجود مئات الآلاف من الصواريخ الباليستية وغير الباليستية الإيرانية في لبنان وسوريا، يقال إنّها موجهة ضد إسرائيل ولكن واقع الحال يقول غير ذلك، هذا ما يقوله الميدان السوري والعراقي وهذا ما قاله الصاروخ الذي كاد يسقط في الرياض.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

إطلالة الحريري..

تحديد شروط التسوية الجديدة

علي الأمين

زلزال استقالة الرئيس سعد الحريري من رئاسة الحكومة اللبنانية لم تنته ترداداته اللبنانية بعد، فهذه الخطوة التي أثارت جدلا والتباسات بسبب المكان الذي أعلنت منه الاستقالة، أي المملكة العربية السعودية، إلا أنها رغم كل ذلك فرضت على لبنان أسئلة جوهرية لطالما ساهمت القوى السياسية -مختارة أو مرغمة- في تفاديها، وكان حزب الله دائماً هو من يدير عملية تهميشها وتجاوزها بالمواربة أو بالقوة، وهي أسئلة تتصل بدور لبنان العربي وبالعلاقة الأكثر التباساً بين الدولة اللبنانية ودويلة حزب الله، وهذا ما أعاد الرئيس الحريري طرحه في المقابلة التلفزيونية التي جرت معه مساء الأحد، حين قام بعملية شرح هادئ وموفق لنص استقالته النارية والمفاجئة في الرابع من الشهر الجاري.

في إطلالته التلفزيونية الهادئة والموضوعية، نزع الحريري من يد الأطراف السياسية الحليفة لحزب الله، أوراقاً عدة استثمرتها هذه الأطراف عبر الترويج لمقولة أن الرئيس الحريري أجبر على الاستقالة، وجرى تصويره بأنه مسير بل محتجز، ووصل الأمر برئيس الجمهورية العماد ميشال عون إلى القول بأنه معتقل، كما نقل عنه دبلوماسيون غربيون إثر لقائه قبل أيام مع أعضاء السلك الدبلوماسي.

ولا يخفى على المراقبين أن هذه المنهجية التي اعتمدها الرئيس عون كان جرى التوافق عليها مع حزب الله، والتي تقوم في جوهرها على إهمال المضمون السياسي لخطاب الاستقالة، عبر التركيز على وضعية الرئيس الحريري لجهة أنه محتجز وغير حر، وبالتالي اعتبار الاستقالة كأنها لم تكن. بحيث شهدنا في لبنان وبشكل مصطنع إلى حد كبير حفلة غرام غير مسبوقة بشخصية الحريري من قبل فريق حزب الله وحلفائه، من نفس الجهات التي طالما اتهمت هذا الرجل بأنه متآمر وأداة من أدوات المشروع السعودي الصهيوني الغربي، وما إلى ذلك من أوصاف يخجل المرء من إيرادها أمام أعين القراء.

ولكن هذا لا يجب أن يجعلنا نغيب أن حتى المقربين من الرئيس الحريري وخاصة قيادة تيار المستقبل بدت مرتبكة في التعامل مع هذه الاستقالة، وهو ما كشف إلى حد كبير أن تيار المستقبل نفسه كان ينكشف عن وجود تيارات في داخله، لا سيما من خلال انجرار بعض أركانه في سياق التشكيك بالاستقالة وصحتها فضلا عن الإيحاء بأنّه محتجز، وبدا أنّ جزءا من هذا التيار قد انساق إلى حملة الشائعات التي أفقدت هذا التيار في الأيام الأولى التوازن، وبرز ذلك من خلال وقوعه في فخ تغييب المضمون السياسي للاستقالة لصالح التشكيك بأنّه مسير وليس مخيراً في المملكة العربية السعودية.

خرج الحريري عبر الشاشة وطمأن الجميع بأنه سيعود خلال أيام إلى لبنان، وعلى طريقته التي تتسم بالعفوية والمسؤولية أعاد تسييل خطاب الاستقالة بكلمات واضحة وبسيطة ولا تحتمل التأويل، والأهم أنّها موضوعية ومقنعة، فهو كان لبنانيا ووطنيا حين أكد أن المصلحة اللبنانية هي أساس كل اتفاق، وأشاد برئيس الجمهورية، ولفت إلى أنه مطالب لبنانياً أولاً بأن لا يضر بمصالح الدولة والشعب، متسائلاً ماذا يفيد لبنان تورط حزب الله في معارك خارجية ولا سيما في اليمن؟ ولفت إلى أنّ النأي بالنفس الذي قامت عليه التسوية الرئاسية لم يحترم ويجب أن يحترم، لأن لا مصلحة لبنانية في ذلك بل هي أضرار تنال من لبنان بسبب خرق حزب الله هذه السياسة، ووضع الحريري باختصار شرط المشاركة في الحكومة بالتزام حزب الله بهذه السياسة.

خطاب الحريري كان لينا في التعبير وفي الهدوء ولكن شديد الصلابة في المضمون، خطاب تكمن قوته في أنه يقوم على قواعد الدولة، وعلى احترام نظام مصالحها. وكذا كان خطابا بعيدا عن التهويل لكنّه لا يستهين بالتحديات، خطابا لم تمسسه المذهبية ولا الطائفية ولا الحزبية، بل كان مسكوناً بهموم لبنانية تعني كل اللبنانيين.

الاستقالة أو الصدمة الإيجابية كما وصفها الحريري نفسه، حققت جملة أهداف قبل أن تستكمل خطواتها لا سيما خطوة العودة إلى لبنان ولقائه رئيس الجمهورية، فهي رغم الضوضاء التي تلت إعلان الاستقالة، جعلت كل القوى السياسية أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها بعد اليوم، وهي كيف سيتعامل لبنان مع دور حزب الله في اليمن، بعدما صار من شبه المؤكد أن خروجه من سوريا والعراق صار واقعا، وهذه المرة من لسان الأمين العام لحزب الله الذي قالها في خطابه الأخير قبل أيام أن خروج مقاتليه من سوريا صار قيد البحث بعدما أنجز مهمته، علما أن الإدارة الروسية الأميركية للملف السوري باتت تفرض على حزب الله في الأشهر المقبلة الخروج الآمن بدل الخروج مرغما، وبالتالي فإن اللبنانيين مطالبون في المرحلة المقبلة ليس من السعودية فحسب بل من المجتمع الدولي الذي سيدفع باتجاه إعادة حزب الله إلى داخل الحدود، لا سيما وأنّ الوقوف في وجه هذا المسار سيكون مكلفاً إلى حدّ كبير على اللبنانيين ومن بينهم حزب الله.

فرض الحريري باستقالته الزلزال على خصومه، على حزب الله وحلفائه بما فيهم محور الممانعة الممتد إلى إيران، إعادة الاعتبار للتوازن الداخلي، إذ ليس خافيا أنّ حزب الله وخلال سنة من التسوية الرئاسية التي أتت بالعماد ميشال عون رئيسا وبالحريري رئيسا للحكومة، أخلّ بهذا التوازن بشكل مستفز وصارخ، وتجاوز كل الاعتبارات الداخلية وبعلاقات لبنان الخارجية وبسياسة النأي بالنفس، حيث عمل على فرض شروطه في إدارة الحياة السياسية وفي فرض العلاقة مع بشار الأسد على الحكومة، وفي ممارسة سطوته على القيادات السياسية إمّا بتطويعها مستفيداً من سطوة سلاحه، أو بعزلها وتهميشها بإدارة عملية الفساد وتوزيع الغنائم، بترسيخ دور سلاحه بحيث قال رئيس الجمهورية في الذكرى السنوية الأولى لوصوله إلى سدة الرئاسة، إنّ سلاح حزب الله مرتبط وجوده بأزمة الشرق الأوسط. وهذا وحده دليل كاف على المدى الذي وصلت إليه سطوة سلاح حزب الله في البلد.

استقالة الحريري أعطت لبنان فرصة، بأن أعادت ترتيب جدول الأعمال السياسي على قواعد الدولة، أمّا الدويلة فهي خيار لم يعد مجديا، وهي قوة إن لم تدمج نفسها في مشروع الدولة فهي مرشحة لتدمير نفسها وتدمير البلد. فاستقالة الحريري وما ترتب عليها وضعت الدويلة في الزاوية وأمام خيارات مصيرية، فإمّا الانتحار أو التكيف مع متطلبات الدولة والالتزام بشروطها وفي مرحلة أولى كف يد حزب الله الخارجية.

هذا ما حققته الاستقالة حتى الآن والأسلحة التي استخدمت في هذا السياق ليست إلا الخفيفة، فالمعادلة التي ستفرض نفسها في الأيام المقبلة هي التالية؛ كلما كان لبنان دولة فوق دويلة حزب الله فلن يتعرض للأذى وكلما تفوقت الدويلة التي يمثلها حزب الله على الدولة وأضرت بالدول العربية والخليجية على وجه التحديد، فإنّ لبنان كله سيكون عرضة للخطر.

هذه المعادلة فهمتها إيران كما فهمها حزب الله، والحريري في مقابلته التلفزيونية مد يد الحوار لحزب الله على قاعدة لبنان أولاً وهذا ما لا يستطيع أحد من اللبنانيين إلا أن يشجعه على الموقف أولا والحوار ثانيا ودائما نظام المصالح الوطنية هو المظلة والقاعدة.

سعد الحريري أحدث زلزالاً لبنانياً في استقالته، وعودته بالشروط التي قدمها كفيلة بأن تنقذ لبنان من مسار لا نهاية له إلا الجدار.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

استقالة الحريري: إعلان لبنان

ساحة مواجهة مع إيران

علي الأمين

بيان استقالة وأكثر لرئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري تلاه من العاصمة السعودية الرياض. بيان فاجأ المقربين من أركان تيار المستقبل الذي يقوده، قبل أن يفاجئ أمين عام حزب الله حسن نصرالله، وقبل أن يصدم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي أصابه الشك بأن يكون الحريري قد تعرض لعملية ضغط وإكراه في إعلان الاستقالة حسب ما روّجت مصادره، ملمحا إلى أن مكان إعلان الاستقالة يرجّحُ هذا الانطباع. المفاجأة طالت أيضاً اللبنانيين الذين كانوا سمعوا الحريري في مطالعة قبل 24 ساعة من إعلان استقالته، انطوت على دفاع عن الحكومة وإنجازاتها إلى حد أنه وصف من يستهين بانجازات الحكومة بأنه يمارس القرصنة السياسية.

هي استقالة وأكثر، المفاجأة حقيقة وليست مفتعلة، لا لأن ما ورد في بيان الاستقالة صُوب نحو سلاح حزب الله والنفوذ الإيراني في المنطقة العربية، بل لأن الحريري بدا للبنانيين ومنذ التسوية الرئاسية التي جاءت بمرشح حزب الله العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية وبالحريري نفسه رئيسا للحكومة، مسلماً بشروط سطوة حزب الله التي أطلقت يده في سوريا وفي الإقليم، وأتاحت لبقية القوى اللبنانية الاهتمام بالشؤون المحلية والبلدية التي لا تقترب من الشؤون الاستراتيجية. هذه التسوية التي دافع عنها الحريري نجح حزب الله بالالتفاف عليها وفي ترسيخ مفهوم خاص لتحييد لبنان يقوم على أنّ اللبنانيين عليهم أن يشكروه، ليلا نهارا، على دوره الاستراتيجي في حفظ الأمن في لبنان، مقابل أن تكون له حرية التنقل المسلح بين الدول العربية كما يشاء، ليس هذا فقط بل يجب على اللبنانيين أن يسلّموا بأن اختراقه للحدود وتجاوزه واستجابته لمتطلبات التمدّد الإيراني، هي علة الأمن في لبنان.

وإلى ما تقدم أظهرت السنة الأولى من ولاية رئيس الجمهورية، أن الحريري الذي قطع نصف المسافة باتجاه الخصم على أن يلاقيه رئيس الجمهورية في المنتصف، وجد نفسه وحيدا، فلا رئيس الجمهورية حاد عن حزب الله قيد أنملة، ولا الأخير أتاح فرصة تعطي الأمل بإمكانية إعادة حزب الله النظر في أولوياته الإقليمية والإيرانية لحساب أولوية الانتماء إلى الدولة اللبنانية، بل ذهب الحزب بعيدا في استثمار التطورات الإقليمية لحساب ترسيخ شروط محور الممانعة على لبنان لا سيما في محاولة فرض النظام السوري على الدولة اللبنانية متجاوزاً كل الاعتبارات العربية على هذا الصعيد.

الخناق الإقليمي والدولي بدأ يضيق على إيران، لكن الثابت أن هذه العملية في رأس اهتمامات السياسة الأميركية في المنطقة ولدى السعودية، وهي لا تتخذ في الوقت الحاضر وجهة أمنية عسكرية بل المزيد من تضييق الحصار عبر زيادة كلفة العلاقة مع حزب الله

وأكثر من ذلك لم يُبدِ حزب الله اهتماماً بما تسببه تدخلاته الإقليمية في سوريا واليمن والعراق وغيرها من أعباء على لبنان، كانت العقوبات الأميركية على نظامه المصرفي واحدة، فيما ساءت علاقة لبنان أيضاً مع معظم دول الخليج، كما حوّل حزب الله لبنان إلى مساحة جغرافية تتمتع بحدود من الأمن، لكن هو الأمن الذي يحتاجه باعتبار أنّ لبنان قاعدة انطلاق له نحو الدول العربية، لذا فالأمن الذي يمنّ حزب الله زوراً اللبنانيين به يومياً، لم يوفر للبنان أيّ شروط ايجابية للتنمية أو للحد من الترّدي الاقتصادي والمالي، بل تفاقمت الأزمات وتراجعت الثقة العربية والدولية بلبنان، وكل ذلك يجري فيما حزب الله يعلن يوميا أنه منتصر ويحقق انتصارات في طول الدول العربية وعرضها، وكل ذلك كان يترافق مع زيادة نفوذ الدويلة التي يمثلها الحزب وتراجع نفوذ الدولة اللبنانية ودورها داخليا وخارجيا.

هو بيان استقالة وأكثر، فالرئيس الحريري لم يعلن استقالته فحسب، بل أعلن إطلاق المواجهة مع النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، لذا فإن البيان يتخذ أهمية لأن الاستقالة وما تضمّنته هي تجاوز موقع رئيس الحكومة إلى إعلان تغيير في قواعد الاشتباك بين الحريري وما يمثّل محلياً وعلى المستوى الإقليمي، وبين حزب الله ومن يمثّل على المستوى الإيراني. فالبيان لم يخلُ من اللمسات السعودية، فالحريري كان بحسب كل مواقفه السابقة على إعلان الاستقالة، مراهناً على التسوية اللبنانية وعلى تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، ولكن هذا التحييد رسم معالمه اللبنانية حزب الله فهو تحييد لبقية اللبنانيين لكن أطلق يده في الإقليم، لذلك فإن هذه الوقائع هي التي جعلت القيادة السعودية تغيّر من رؤيتها للتسوية اللبنانية، لا سيما بعدما اكتشفت أن ما قدّمته من دعم نسبي لها، بات يصب في صالح استراتيجية حزب الله الذي استفاد من الغطاء الشرعي للحكومة اللبنانية لتغطية السلاح، الذي انفلت على امتداد المنطقة ولم يوفّر المملكة السعودية التي كانت هدفا دائما في خطابات أمين عام حزب الله وقياداته، من دون أن يظهر أي رد فعل سلبي على مواقف نصرالله من قبل رئيس الجمهورية.

في الخطاب الأخير الذي تلا استقالة الحريري، بدا نصرالله هادئا لم يهاجم السعودية، وبدا حذرا في إطلاق أي موقف سلبي ضد المملكة أو أي مسؤول فيها، هذا الهدوء ليس مسبوقاً في إطلالات نصرالله السابقة. الاستقالة أربكته وفاجأته، حاول أن يحيلها إلى أسباب تتصل بالسعودية ولم يتناول مضمون الاستقالة السياسي ودعا إلى التريث، لكن يمكن قراءة أن هذا الهدوء ينطوي على قلق رغم محاولته تطمين جمهوره بأن لا حرب قادمة على حزب الله لا من إسرائيل ولا من السعودية ولا من التحالف الدولي، لكنه كان يدرك في المقابل أن صيغة تحييد لبنان التي رسمها بأنامل إيرانية باتت في مهب الريح، فالموقف الذي أطلقه الحريري من الرياض كان شديد الوضوح، ومفاده أنّ هذا الحياد انتهى فالمعركة مفتوحة مع النفوذ الإيراني، وأي تسوية لا تضع حلا لسلاح حزب الله في لبنان والمنطقة العربية، غير واردة وغير مقبولة، بل إن المواجهة باتت على طول المنطقة العربية مع النفوذ الإيراني.

في قراءة هذا الموقف أيضا لا بد من الإشارة إلى أن الاستقالة رغم أنها كانت مفاجئة، إلا أنها تندرج ضمن سلسلة حلقات بدأت من قمة الرياض التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأكثر من خمسين زعيم دولة عربية وإسلامية وكان عنوانها الأبرز مواجهة تمدد إيران، ومع اقتراب نهاية سيطرة داعش في سوريا والعراق، تبدأ عملية فتح الملف الإيراني في المنطقة، وكانت مقدّمات ذلك تشديد العقوبات الأميركية على إيران ولا سيما حزب الله، والذي ترافق مع مواقف لمسؤولين أميركيين في الكونغرس وفي الإدارة وصولا إلى الرئيس ترامب مفادها أنّ عقاب حزب الله قد حان.

ولا يخفى على المتابعين أن الخناق الإقليمي والدولي بدأ يضيق على إيران، لكن الثابت أن هذه العملية في رأس اهتمامات السياسة الأميركية في المنطقة ولدى السعودية، وهي لا تتخذ في الوقت الحاضر وجهة أمنية عسكرية بل المزيد من تضييق الحصار عبر زيادة كلفة العلاقة مع حزب الله.

استقالة الحريري إعلان براءة من حزب الله عبر قوله إن لبنان لم يعد قادرا على تحمّل المعادلة التي تعطل الدولة، وهي استقالة تكشف أن المواجهة مع حزب الله انتقلت إلى فصل جديد لم يعد يحتمل أنصاف الحلول، فإما لبنان بلد تحت سيطرة حزب الله من دون قفازات، وإما العودة إلى شروط الدولة التي لن تقبل التعايش مع سلاح حزب الله ولا أدواره الإقليمية.

وليس خافيا أنّ ما سمّاه نصر الله جنونا سعوديا في توصيفه لاستقالة الحريري خلال لقاء جمعه مع قادة ما يسمّى سرايا المقاومة مساء السبت، يكشف الخطوات التي يمكن أن تطال لبنان من بوابة المواجهة مع حزب الله، خطوات لن تكون أدواتها سياسية فحسب، بل أمنية وعسكرية واقتصادية ومالية. ثمة تنسيق أميركي سعودي في هذا الصدد وهو ما يقلق حزب الله، إذ لم يسبق أن تطابقت السياسة السعودية والأميركية حيال حزب الله كما هي اليوم، وهذا ما يؤكده أكثر من مصدر متابع، فالثابت أنّ النفوذ الإيراني وذراعه حزب الله هما الملف الجديد الذي سيفتح لحظة طيّ صفحة وجود تنظيم داعش العلني في سوريا والعراق. استقالة الحريري حلقة من سلسلة حلقات بدأت من قمة الرياض الأميركية الإسلامية، أما الحلقات المقبلة فلن تنتهي إلا بكلفة توازي حجم التغيير الذي سيطال المنطقة.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

قراءة في مشهد حي السلم:

صرخة الأبناء ضد تخلّي الأب

علي الأمين

 

مشهد حيّ السلم في الضاحية بما تضمنه من ردود فعل غاضبة لمواطنين شيعة ينتمون الى بيئة حزب الله، جاء رداً على إزالة أبنية مخالفة من قبل اتحاد بلديات الضاحية وبلدية الشويفات وبقرار من وزارة الداخلية وبغطاء سياسي من قبل حزب الله، اعتراضات وغضب أصحاب الأبنية المتعدية على الملك العام، المشهد بصوره المتعددة من التعريض إلى الاعتذارات لاقى اهتماماً واسعاً داخل بيئة حزب الله ومن خارجه.

المشهد غير مسبوق في حي السلم في جرأته أو تجرئه على حزب الله والسيد نصرالله، مشهد من البيئة الحاضنة التي أظهرت ولاتزال بنوتها للأب أي السيد نصرالله، ولم يكن مضمون الاحتجاج والشتيمة، ليخرج أصحابه عن هذا العقد الضمني بين حزب الله والمكون الشيعي، الذي يقوم على تعزيز أبوة حزب الله للطائفة المدبر لمصالحها والمدافع عنها.
هذا النوع من العقود الذي رسخه حزب الله في البيئة الشيعية، وفي الضاحية الجنوبية على وجه الخصوص، لا يزال قائماً ومستمراً ويرسخه أنّ الوعي الشيعي العام في لبنان، يضع حزب الله بموقع الأب، منتقدو حزب الله في حي السلم، كانوا يخاطبون السيد حسن نصرالله بصفته الأب، ولكن الأب الذي يعتقدون أنّه خان أبناءه. عقد الأبّوة هذا، هو أحد أبرز أسباب تعطيل الحيوية داخل الطائفة الشيعية، لأنّه ينطوي على تخوين أي حيوية اجتماعية وسياسية لا تحظى ببركة الأب، ومنذ أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن، ساهم هذا العقد بعزل الطائفة الشيعية عن الدولة بما هي قانون ومؤسسات ناظمة لحياة المواطنين، وكلما تعمق هذا العقد الضمني بين الأب (حزب الله) وأبنائه (الشيعة)، كان يترسخ لدى البيئة الشيعية هذه، أنّ الدولة ليست هي الملاذ، هي كائن غريب عنهم بل خطر عليهم، ولأنّها غريب فحزب الله يحمي بيئته منها. ولعلّ أكثر المقولات انتشاراً لدى محازبي الحزب ومناصريه حين مواجهة أيّ ازمة اجتماعية او اقتصادية (شو علاقة حزب الله روحو شوفو الدولة).
هذه العلاقة والعقد الضمني وغير الموثق، تحول إلى سلوك اجتماعي، مفاده أنّ المكون الشيعي له خصوصيته، تلك الخصوصية التي تمنعه من الامتزاج مع المكونات اللبنانية الأخرى. وقد عزز حزب الله في مسيرته من هذه الوجهة، أي عزز من التخارج بين المكون الاجتماعي والدولة، فالدولة هي دائماً الآخر وليس النحن بل ليست من نسيجنا، وهي مصدر الشرور ومكمن الخطر.
السيدة التي كانت تتحدث بوجع في حي السلم عن حزب الله والضاحية والسيد نصرالله، كانت تضع اصبعها على الجرح، أي على إخلال حزب الله بأبوته ” ما في بيت ما في جريح، قلت أنّك ستحمينا من الدولة، قدمنا لك التضحيات وسكتنا مقابل دور افترضته لنا…نحن بشهر صفر ان شاء الله البلا ينزل عليكم لأنكم البلا انتم جبتم وجع راس للضاحية.. ما تعدينا عحدا حطينا صورة السيد وميشال عون”.
كانت السيدة تقول مخاطبة السيد نصرالله أو حزب الله، نحن نخرج من الدولة ونُخرج الدولة منا وخضعنا لقانون خاص أنت تضبطه ولكن مقابل أن تمارس دور الأب. كل ما طلبته منّا قدمناه لك في المقابل، قبلنا راضين أو مكرهين هذا النمط من العيش في الضاحية بأنّك أنت الأب وأنت من يقرر في شروط الحياة الأمنية والسياسية وغيرها…ولكنّك أخليت بالعهد
ما تقدم يمكن إدراجه في سياق قراءة الحدث من الداخل، أو مؤدى منطق الحدث الجواني في بيئة حزب الله من خلال العقد الضمني بين البيئة الشيعية وحزب الله.

 

أمّا النظرة من الخارج فيمكن ملاحظة، أولاً،ان ما جرى في حي السلم هو أول مشهد خطير من مشاهد عجز حزب الله أمام الادعاءات والوعود التي يقدمها لبسطاء الطائفة الشيعية وفقرائها، أي أنّه لا يستطيع فعلاً أن يكون الأب الراعي، وليس قادراً أن يعطي بقدر ما قدم له الأبناء، هو دخل في نظام دولة يعطيه حصة من بين حصص موزعة، لا أكثر.
ثانياً، وفي أحد صور مشهد حي السلم، أنّه وجّه رسالة عميقة لبيئة الضاحية والشيعة عموماً رسالة تقول ليس لكم إلاّ الدولة، ودعوة للخروج من مقولة نحن والدولة، إلى معادلة نحن جزء من كيان الدولة، نحن الدولة والدولة نحن، بمعنى الانتقال من هوية شيعية معلقة بين الكيان اللبناني والكيان المشرع على مجهول، إلى مواطنين لبنانيين شيعة.
ثالثاً، يكشف ما جرى في حي السلم وجه من وجوه استغلال الفقر وضعف الناس، بدفعهم أكثر الى الاصطدام بالدولة “الغريبة والظالمة ومصدر الغدر” وما إلى ذلك من تعبئة إيديولوجية روّج لها حزب الله لتأسيس مجتمعه الخاص و”النقيض” في مقابل منحهم حماية وهمية، هي في الحقيقة عزلة، وهي الثمن المباشر لأبوة رضوا فيها، اي الانفصال عن الوطن والدولة.

فالدولة في الوعي الذي رسخه حزب الله في بيئته ولا يزال، هي شيء منفصل، كأن نتحدث عن دولة في زيمبابوي وليس في لبنان. فحزب الله الذي أسس لمنهج الخروج على الدولة ومارسه، يدرك أنّ هذا الخروج تطلب في المقابل ترسيخ هذه الفكرة في السلوك الاجتماعي في بيئته الشيعية الحاضنة، عبر الإعلاء من الخصوصية التي توصل إلى العزلة عن بقية المكونات، لذا كان انفعال تلك المرأة التي خاطبت السيد حسن نصرالله صادقاً، رغم اعتذارها لاحقاً، الصدق هنا ليس في ما يمكن أن يصفه البعض بوقاحة المتعدي على الأملاك العامة، بل يكمن في أنّ هذه المرأة التي تربت ونشأت على خطاب أنّ الدولة هي الغريب، كانت صادقة في إشارتها إلى إخلال الأب بمسؤولياته تجاه أبنائه. وأساس فكرة الأبوة وعقدها بين حزب الله وبيئته الشيعية، تقوم على أنّ الابن هو قاصر وعاجز وغير مدرك، وعلى الأب أن يتكفل بأموره. مهمة الأب ان يحمي الأولاد من كل آخر، وعلى رأسهم الدولة.
رابعاً، شرخ صغير أصاب زجاج الأبوة الشفاف وينذر بتفسخه، خاصة أنّ حزب الله (الأب) الذي أغدق الوعود على بيئته (الأبناءبمسلسل “الانتصارات الذي لا ينتهي، وقدم له الأبناء قرابين لهذه الانتصارات، ينكشف على ضعف في تلبية احتياجات الأبناء أو بعض حقوقهم، فحتى وهو يعتّد أمام جمهوره كيف يحلق في سماء الإقليم، يقف عاجزاً أمام أيّ تغيير إيجابي ينقذ أبناءه من “تعدي” الدولة، أبناؤه الذين علمهم أنّ الدولة خطر عليكم ومصدر بؤسكم وأنا والدكم الذي من حضنه تبدأ الحياة الكريمة وبخروجكم منه لا كرامة لكم.

هذه الملاحظات غير معنية بما يمكن أن يبادر إليه حزب الله من معالجات لن تتجاوز فكرة الاعتذارات وتقديم التعويضات للمتضررين، والأرجح أنّه سيعمد إلى إعادة قراءة عملية إزالة التعديات وكيفية مقاربتها من جديد، بل لن يتوانى عن القيام بما يؤكد لبيئته أنّه أقوى من الدولة “الغريبة” وأنّ سلطته تبقى هي الأساس مادامت متنزلة من الله وأنبيائه وأئمته.
من صور الاعتراضات على حزب الله في حي السلم وصولاً إلى الشتم غير المقبول، وما تلاه من اعتذارات بالصوت والصورة، صور متصلة ومتناغمة لا تكمل المشهد البائس إلا باستحضار نائب الضاحية علي عمار عبر شرحه العرفاني لتجليات عملية هبوطه مقبلا حذاء الأب الأكبر السيد حسن نصرالله.

مع ( جنوبية) باتفاق مسبق

 

الدولة والدويلة

كمشروع إيراني للعرب:

لبنان نموذجا وغزة اختبارا

علي الأمين

يقترح حزب الله على اللبنانيين أن يتدبروا أمورهم بعد تسليمهم مرغمين أو طائعين، بأنّه المقرر في شؤونهم الإستراتيجية، سواء في علاقات لبنان الخارجية، أو بالتسليم بأنّهم ضمن المحور الإيراني، وباستعدادهم لتقبل تقاطر رؤسائهم ووزرائهم إلى رئيس النظام السوري بشار الأسد في المرحلة المقبلة، فضلا عن تسليمهم بحق حزب الله أن يقرر وحده الحرب أو السلم مع إسرائيل، وقبل ذلك وبعده، يجب أن يسلموا أو يستسلموا لواقع أنّ الدولة اللبنانية هي صيغة نظام مشروطة ببقاء الدويلة التي تحيا على حساب الدولة، فيجب أن يسلم اللبنانيون أنّه خارج أيّ مساءلة أو محاسبة، فلا سلطة تعلو على سلطاته، لا سياسيا ولا قضائيا ولا عسكريا ولا أمنيا.

حزب الله يبتدع صيغة جديدة لا تستقيم في أي دولة ولا في أي نموذج للحكم. صيغة حكم يقوم جوهرها على عدم تحمل المسؤولية تجاه الدولة، وللتخفيف من أعبائها تجاه الشعب، أو تجاه الالتزامات الخارجية سواء كـانت اقتصادية أو سياسية، له الغنم، وعلى بقية اللبنانيين الغرم.

لهذا كان حزب الله بخلاف ما يعتقده بعض اللبنانيين أو غيرهم، غير راغب في تعديل صيغة النظام اللبناني بما يوفر له أو لطائفته حصصا إضافية في نظام المحاصصة الطائفية، وهو ليس من الغباء ليذهب نحو استلام السلطة بالشكل والمضمون، هو يريد السلطة لكن لا يريد تحمل المسؤولية، لذا كان وفيا لمدرسة الوصاية السورية التي عاشها لبنان بين العامين 1990 و2005 أي السيطرة على قرار السلطة من دون أن يخل شكلا بوجود مؤسسات ورؤساء ومسؤولين يتقدمون الواجهة، لكنهم بالفعل يلتزمون بمتطلبات سلطة الوصاية، والتي من أدوارها توزيع الحصص وإدارة الخلاف حول المكاسب والمناصب بين قوى السلطة الشكلية في لبنان.

يستخدم حزب الله القوة العسكرية والأمنية وسطوة السلاح، لفرض وصايته على لبنان، وربما قد يقبل اللبنانيون منه أن يحكم هو نفسه لبنان بمعنى أن تكون له كل مواقع السلطة، لكنه لن يقبل بذلك لأنه يرفض أن يتحمل أعباء الحكم بل هو يريد منافعه ولا يريد أن يتعرض لأي مساءلة دستورية أو قانونية أي أنه لا يريد تحمل مسؤولية حكم الدولة.

فمثلا هو يريد أن يقاتل في أي مكان في العالم، ويريد أن يستثمر موقعه في لبنان من أجل ذلك ودائما، من دون أن يكون مسؤولا عن تبعات خطواته، يتجاوز الدستور ونظام العلاقات بين الدول، ويفعل ما يشاء على هذا الصعيد، وهو يدرك أن الجميع سواء في لبنان أو في الخارج الإقليمي والدولي سيقدر أن الحكومة اللبنانية عاجزة عن لجمه أو محاسبته، فيما هذه الحكومة نفسها توفر الغطاء الفعلي له من خلال إظهار عجزها عن ذلك في الحد الأدنى.

ينطلق حزب الله من إستراتيجية إبقاء الدولة معلقة في لبنان، أي من ثابت يقوم على أن مشروع الدولة القوية هو خطر وجودي عليه، حتى لو كـان هو من يحكمها، وهو بالتالي يكشف المنهج الذي تسعى إيران إلى تعميمه في مناطق نفوذها، سواء في اليمن بين الدولة وأنصار الله، أو في العراق بين الحكومة والحشد الشعبي، وحتى في قطاع غزة الذي شهدنا فيه ملامح هذه الثنائية.

هذه الثنائيات التي تجمع بين منطق الدولة ولا منطق الدويلة، هو المشروع الذي تعدُ القيادة الإيرانية به شعوب المنطقة، وهو مشروع أقل ما يقال فيه أنه يوفر نفوذا إيرانيا بكلفة سياسية ومالية وعسكرية إيرانية مقبولة، ويجعل في الوقت نفسه الدول أمام استنزاف مستمر اقتصاديا واجتمـاعيا، فضـلا عن أنه عبـارة عـن مشروع قنابل عنقودية تتفجر عند أي خطوة نحو توحيد الشعب وتثبيت سيادة الدولة بكل ما يعنيه مفهوم السيادة للدولة من التزام بالعقد الاجتماعي بين الشعب والسلطة.

حزب الله يقترح على اللبنانيين هذه الصيغة بالقوة، ويدرك اللبنانيون عموما أن هذه الصيغة والتي وَرثت الوصاية السورية، باتت أكثر خطرا على لبنان، فهي في الحد الأدنى تساهم في المزيد من تصدع المؤسسات الدستورية والقانونية، وتجعل لبنان في مهب الصراعات الإقليمية والدولية، وهي صيغة تنطوي على أكثر من الفساد في إدارة شؤون الإدارة العامة ومؤسسات الدولة، إلى الإفساد الذي تقوم عليه معادلة الوصاية الجديدة، وجوهر الإفساد يقوم على معادلة مفادها أنّ رموز السلطة في لبنان يتحاصصون مع حزب الله وبإشرافه تمارس عملية نهب المال العام، في مقابل سكوتهم على كل انتهاكاته للسيادة ولعملية تخريب علاقات لبنان الخارجية.

في كل المواقف التي تصدر عن سياسيين أو متخصصين في المجـال المالي والاقتصادي، تسود فكرة مفادها أن لبنان يتجه نحو المزيد من الأزمات على هذا الصعيد، بسبب غياب السياسات المسؤولة من قبل السلطة، وهذه النتيجة تعود في أول أسباب تشكلها إلى غياب المرجعية التي تستطيع أن تقول للبنانيين أنا المسؤول عن إدارة شؤون الدولة، لا بل يستخدم محترفو استثمار السلطة لمصالحهم الحزبية أو الفئوية من المسؤولين، وبلا خجل، مقولة أنهم غير قادرين بسبب المعادلة التي يفرضها حزب الله وطبيعة وجوده، فيما هم أنفسهم لا يتوقفون عن ممارسة مواهبهم في الاستجابة السريعة لما يقترحه عليهم هذا الحزب نفسه في الدخول في لعبة المحاصصة والفساد.

جانب آخر لا بد من الإشارة إليه، يتصل بإغراء آخر وخطير يوفره الانخراط في عملية استنفار العصبيات المذهبية والطائفية، ذلك أنّ السلطة التي تستبيح الدستور والقانون كما المال العام، باتت تحترف في لبنان مواجهة غضب المواطنين من عملية إفقارهم وإهانتهم، بدفعهم للغرق في أفخاخ هذه العصبيات، ليفجروا غضبهم من السلطة في اتجاه يعزز من نفوذها، أي عبر نقل المواجهة من شعب ضد سلطة ظالمة، إلى صراع عصبيات في ما بينها غايته أن يغطي كل الخطايا التي ترتكبها السلطة بمختلف فرقائها.

إيران توغل في عملية إعادة تفكيك الدول العربية، وهو تفكيك يتلاءم ويوفر كل شروط السيطرة الخارجية على المنطقة، وهي إذ تدغدغ الأحلام المذهبية والطائفية والإثنية، فإنها تقترح على الدول الطامعة بالمنطقة العربية سواء كانت غربية أو شرقية أو حتى على إسرائيل، أنّها الشريك الملائم والموضوعي في عملية تقاسم النفوذ طوائف ومذاهب وإثنيات، فيما الدولة الوطنية والنظام الإقليمي العربي هما الهدف، والدفاع عنهما هو صلب أي مشروع مواجهة.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

ترامب يطلق استراتيجية المواجهة

مع إيران في لحظة عريها العربي

علي الأمين

مرحلة جديدة افتتحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الغاضب من سلفه باراك أوباما والساعي إلى تقويض ما أمكنه من اتفاقيات أبرمها الأخير وإدارته مع إيران. لم يستطع الرئيس الأميركي الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، ولم يبرمه أيضا وأعاده إلى الكونغرس في خطوة تعكس انزعاجا شخصيا حيال هذه الاتفاقية وتفلت من الضغوط الداخلية الداعية إلى توقيعها، وفي جانب آخر دعوة غير مباشرة إلى الكونغرس للمبادرة من أجل فتح أبواب التعديل أو ما تصفه وزارة الخارجية الأميركية تطوير الاتفاقية لتصل إلى ضم ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية إلى صلب الاتفاق النووي، وهو ما كان مدار حديث بين وزيري الخارجية الأميركي والإيراني، ريكس تيلرسون ومحمد جواد ظريف، قبل ساعات من إعلان ترامب استراتيجيته تجاه إيران السبت الماضي.

ترامب تخفف من اتخاذ قرارات مباشرة من البيت الأبيض تجاه الاتفاق النووي ولم يصدر قرار إدراج الحرس الثوري على لائحة الإرهاب، وأحال أمر العقوبات المالية إلى الخزانة الأميركية التي أعلنت فرض إجراءات عقابية مالية على الحرس الثوري بعد إدراجه على لائحة المنظمات الإرهابية.

وهذه الخطوة تدشن مرحلة جديدة في العلاقة الأميركية-الإيرانية، تتسم باستراتيجية أميركية غايتها محاصرة نفوذ إيران في المنطقة العربية وتحجيم دورها، والضغط الاقتصادي من خلال التصويب المالي والأمني على منظمة الحرس الثوري الجهاز الأقوى في إيران بل الحاكم الفعلي أيديولوجيا وعسكريا واقتصاديا. فالحرس الثوري يتحكم بسلطات لا تقاربها أي سلطة في البلاد، إلى حد أن البعض من المتابعين للشأن الإيراني يعتبر ولي الفقيه ليس إلا الرجل الذي يلائم تطلعات الحرس وسلطته، والذي يستجيب لتوسع هذه السلطة وتمددها في السياسة والاقتصاد فضلا عن الأمن والوظيفة العسكرية، بحيث أن الجيش الإيراني، كما رئاسة الجمهورية ومجلس الشورى، كلها مؤسسات لا يبرز حضورها ولا نفوذها إلا تحت سقف سلطة الحرس الثوري الذي يحكم إيران اليوم فعليا.

 

الاستراتيجية الأميركية التي تهدف إلى محاصرة نفوذ إيران في المنطقة العربية، تبدأ حسب خطة ترامب من السعي إلى تعديل الاتفاق النووي إذا لم يكن من الممكن الانسحاب منه، وتعمد إلى مواجهة تستند إلى العقوبات المباشرة للحرس الثوري ولأذرعه الميليشيوية وفي مقدمتها حزب الله، إذ تستعد واشنطن لإصدار قانون جديد مشدد يهدف إلى التضييق على النشاط المالي لحزب الله ومؤسساته لن تنجو منه الدولة اللبنانية بطبيعة الحال، فضلا عن الجهات الحليفة لحزب الله في هذا البلد أو القريبة منه، وهذا مؤشر على أن الاستراتيجية الأميركية ليست في وارد التورط مجددا في مواجهات عسكرية في المنطقة بعد تجربة احتلال العراق، من دون أن تلغي احتمالات حصول حروب بالواسطة أو استخدام التفاهمات مع روسيا في المنطقة لتحقيق الأهداف التي باتت أهدافا مشتركة لمعظم الحكومات العربية والإدارة الأميركية.

ويمكن القول بأسف إن مشكلة إيران لم تعد مع بعض الحكومات، بل ثمة شرخ بنيوي على مستوى الشعوب العربية وإيران أمكن لواشنطن أن تدخل في هذا المضمار الذي يجعل من سياسة العداء لإيران سياسة تحظى بتأييد واسع على مستوى المجتمعات العربية رغم العداء الذي تحمله الشعوب العربية لأميركا، لكنه بات بعد التورط الإيراني في سوريا وفي العراق وفي غيرهما أقل بكثير من العداء لإيران، بل بات العداء العربي للسياسة الإيرانية ولدورها في المنطقة العربية، مدخلا مثاليا لإسرائيل إلى المنطقة وللدور الأميركي الذي بات يحظى بشرعية بل بات طلبا ملحا إذا كان البديل إيران.

الدور الروسي أيضا ورغم الارتكابات التي قام بها في سوريا، بات مطلبا سوريا شعبيا إذا كان بديلا عن الدور الإيراني، ولهذا تدرك روسيا أن إيران التي ساعدت في تمدد روسيا في المنطقة العربية وأن واشنطن باركت هذا النفوذ والدور المتنامي في سوريا، إلا أن استقرار النفوذ الروسي ودوامه يتطلب غطاء عربيا ليبقى ويستمر، بهذا المعنى يمكن فهم العلاقة الروسية السعودية حيث سعت روسيا، من خلال الزيارة الأخيرة للملك سلمان بن عبدالعزيز بوفد تاريخي، إلى الإشارة إلى مسلميها وأنها على علاقة متينة مع رموز المسلمين السنة، وأن الصورة الدموية التي وصلت إليهم من سوريا لا تعكس الحقيقة الكاملة، إذ ليس خافيا أن روسيا مهتمة باستقرار العلاقة الإيجابية مع البيئات الإسلامية في الدولة الروسية والجمهوريات المحيطة بها وهي بيئات سنية في غالبيتها. تدرك القيادة الروسية أن مدخلها الاستراتيجي إلى العالم العربي والإسلامي هو السعودية وليس إيران.

من هنا يمكن القول إن تشكل النظام الإقليمي العربي اليوم يقوم على مواجهة النفوذ الإيراني وتمدده في القضايا المحورية، وتأتي التطورات الفلسطينية على صعيد المصالحة بين حركتي فتح وحماس، لتظهر بوضوح تراجع الدور الإيراني بحيث لم يسبق أن شهد تطور استراتيجي على الصعيد الفلسطيني منذ ربع قرن على الأقل مثل هذه الهامشية الإيرانية بل الغياب عن مثل هذا الحدث الفلسطيني، وكشف هذا التطور الفلسطيني غيابا لا يقل أهمية هو الغياب السوري، فيما ستكون الأيام المقبلة بما تحمله من نتائج هذا الاتفاق مدخلا لتطور سياسي واستراتيجي لا يقل أهمية على صعيد العلاقات العربية الإسرائيلية ودائما كنتيجة موضوعية لمخلفات الدور الإيراني في المنطقة العربية.

الاستراتيجية الأميركية ستزيد الحصار على الدور الإيراني لكن ماذا لدى القيادة الإيرانية وأذرعها في المنطقة العربية لتقدمه في المرحلة المقبلة؟ مع انحسار الإرهاب بمعناه الجغرافي تبدو فرص استثمار إيران في تمدده تتراجع، والأزمة الكردية التي انفجرت على حدودها من جهة العراق، تحولت إلى عنصر تهديد لها لا سيما أن إيران التي كررت أنها موجودة على حدود إسرائيل من خلال حزب الله، فإن إسرائيل تقول، بطريقة غير مباشرة، إنها موجودة على حدود إيران من خلال كردستان، خاصة بعدما أعلنت أنها مؤيدة للاستفتاء على استقلال هذا الإقليم، وأبدت استعدادها لمد المزيد من يد العون له.

ترامب يطلق استراتيجية المواجهة مع إيران وأذرعها في أسوأ مرحلة من مراحل العداء لإيران على امتداد المنطقة العربية، مرحلة ستدفع إيران إلى المزيد من التنازلات للدول العظمى على حساب علاقاتها مع المنطقة العربية.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

شيعية لبنانية مقابل شيعة

المحاصصة والمغامرة

علي الأمين

 

لقاء الدولة والمواطنة تناول المعضلة الشيعية التي صنعتها ظاهرة حزب الله ومغامراته الإقليمية في لبنان وهي لا تختصر أزمات لبنان، لكنها طاغية اليوم في لحظة تداعي الدولة ومؤسساتها لذا ليس من الانصاف والوطنية تغييبها.

لقاء “الدولة والمواطنة أكّد في ندائه على أنّ المهمة الوطنية الملحة اليوم هي منع انهيار الدولة ومؤسساتها وسلطاتها عبر العودة إلى الدستور وتطبيق القانون، ولجم المحاصصة في نهب المال العام.
وهذا لن يتحقق من دون السعي إلى مواجهة مع سلطات الفساد واستباحة القانون. الصمت أو الكلام عبر الهواتف الذكية لا يكفي لمواجهة كل هذا الكم الهائل من القرارات والسياسات التي تفرغ الدولة من مضمونها ودورها وتستبيح القضاء بالتعيينات الحزبية، وتتقاسم الأجهزة الأمنية، وتزيد من الفقر بسياسات زبائنية لا تعد إلاّ بمزيد من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.

لقاء الدولة والمواطنة كان صرخة جامعة من البقاع ومن الجنوب ومن بيروت وضاحيتها الجنوبية لتلاقي صرخات أخرى في الفضاء اللبناني تدعو إلى انقاذ الدولة التي هي لكل اللبنانيين، إعلان تحرك وبدء العمل بدل الاكتفاء بالكلام، أما الخصوصية المناطقية أو الشيعية التي لم يغيبها النداء، فهي للقول أننا ونحن ذاهبون في اتجاه الدولة نرفض كل محاولات حصرنا في هوية شيعية، ذلك أنّه طالما استخدم العنوان الشيعي وباسم الشيعة زوراً في جر البلد إلى حروب عبثية إقليمية، وطالما تخلّت قوى في المجتمع سياسية أو مدنية، ومن خارج السلطة، عن التصدي لتوريط لبنان والشيعة على وجه الخصوص، في حرب غير شرعية ولا اهداف وطنية لها. ولا نريد أن نقول جبنت أو تواطأت. أيضاً الإشارة للخصوصية الشيعية، جاء ليذكر ونحن على مشارف الانتخابات النيابية بسؤال لماذا تفوز القوى الميليشيوية أو المسلحة الشيعية بالانتخابات النيابية منذ ربع قرن اي منذ انتخابات 92 ومن دون حدوث ولو خرق واحد في بعلبك_الهرمل او في الجنوب؟

كل ذلك فرض على لقاء الدولة والمواطنة أن يضيء على هذه المعضلة لا بغاية طائفية بل بغاية الدعوة للخروج منها إلى دولة نتساوى كلبنانيين تحت سقف دستورها وقانونها، دولة ترفض أن تكون فيها طائفة اختصاصها الحروب على حساب الوطن والدولة طائفة لا نريد أن تحمل مسؤولية من يتجاوز باسمها واسم مقدساتها حروباً على امتداد المنطقة، فيما أبناؤها يتوسلون بلا نتيجة الماء والكهرباء والوظيفة والمدرسة والجامعة والعيش الكريم ممن ينهب الدولة ويستبيحها باسمهم وباسم اللبنانيين عموماً.

ربع قرن في مجلس النواب ثم الحكومة ثم يقولون لك مستعدون أن نكون حيث يجب أن نكون ولكن هيهات أن يكون الواجب وقف الفساد واستباحة القانون وإنقاذ الوطن والدولة في لبنان، من لا يعنيه الدستور والقانون وتطبيقهما في بلده لا يمكن أن يكون حريصا عليه في بلاد الآخرين.

(جنوبية) باتفاق مسبق مع الكاتب

 

عملية داعش.. إعادة إنتاج

التنظيم في المسرح السوري

علي الأمين

قبل أيام قليلة سقط نحو 24 عنصرا من حزب الله في البادية السورية في هجوم مباغت شنه تنظيم داعش، وإضافة إلى هذا العدد سقط نحو مئة عنصر من الجيش السوري فضلا عن عشرات العناصر الإيرانية والعراقية، وبحسب المعلومات المسربة من عناصر حزب الله فإن العملية تمت فجرا حيث استغل عناصر داعش الضباب المخيم في الصحراء وشنوا هجوما على عدة مجمعات للجيش السوري وحلفائه وأعملوا قتلا بعدما فجروا أكثر من عربة انتحارية كانت مقدمة للهجوم المباغت.

هذه العملية العسكرية تظهر من ناحية الشكل أنّ تنظيم داعش لا يزال قادرا على المبادرة، لا سيما أنّ المعلومات تشير إلى أنّ الذين شنوا الهجوم وأبادوا عناصر الجيش السوري وحلفائه، كانت أعدادهم بالمئات وليسوا مجرد مجموعة تعد بالعشرات أو أقل من ذلك. وهذا ما جعل المراقبين يطرحون تساؤلات حول ما يقال عن نهاية هذا التنظيم في سوريا في ظل انكفاء التنظيم والحديث عن نهاية سيطرته الجغرافية كاملة في سوريا، بعدما انتهت سيطرته بشكل شبه كامل على الأراضي العراقية.

العملية الأخيرة التي نفذها تنظيم داعش في البادية السورية وفي منطقة السخنة في ريف حمص، تمت بعد الصفقة الشهيرة التي أنجزها تنظيم حزب الله مع التنظيم، وأدت إلى إخراج مئات من عناصر الأخير من مناطق حدودية لبنانية باتجاه الحدود العراقية السورية وإلى منطقة دير الزور قبل شهر، وأثارت هذه العملية ولا تزال تساؤلات حول العلاقة التي تربط الطرفين لا سيما أنّ الجيش اللبناني كان على وشك تحقيق انتصار كامل على داعش في لبنان، وساهمت الصفقة المذكورة في طي الكثير من المعلومات الكفيلة بكشف خبايا دور هذا التنظيم في لبنان والجهات المشغلة له، خصوصا أنّ العديد من القوى والمراقبين يؤكدون أنّ الوظيفة الأساسية لهذا التنظيم منذ نشأته في سوريا حتى اليوم كانت إنهاء المكونات المدنية للمعارضة السورية ولا سيما الجيش السوري الحر والتنسيقيات من جهة، ومحاولة شيطنة الثورة السورية وتبييض صفحة النظام السوري وتبرير التدخلات الإيرانية والروسية لإنقاذ النظام الذي كان على وشك السقوط لولا التدخل الروسي كما قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، من جهة أخرى.

في مثل هذه الأيام وقبل عامين بدأ التدخل العسكري الروسي، حيث كان نظام الأسد وحلفاؤه يسيطرون على نحو 15 بالمئة من الأراضي السورية، وساهم إطلاق يد الروس والإيرانيين من دون أيّ اعتراض دولي يعتد به، في تبرير أضخم عملية تدمير وإبادة للعديد من المدن ومناطق المعارضة السورية، ترافقت مع عملية تهجير جديدة لكل البيئات السورية الحاضنة للمعارضة، بدءا من حلب وريف دمشق في داريا، وعشرات المراكز السكنية وتمّ تجميع معظمهم في إدلب.

السيطرة الروسية الجوية والتمدد الإيراني البري حظيا بغطاء أميركي، كانت بدايته في تفاهم أميركي-روسي أنجز في نهاية عهد الرئيس السابق باراك أوباما، ولم ينقلب عليه الرئيس الأميركي الجديد الذي بدا مباركا له، لا سيما أن اتفاقية هامبورغ بشأن مناطق منخفضة التوتر بين واشنطن وموسكو جاءت لتبني على الاتفاق السابق ولا تلغيه.

الهدف من كل هذه الترتيبات هو القضاء على الإرهاب في سوريا، والإرهاب كان يستثني النظام السوري من التعريف الدولي له، رغم أنّ كل التقارير الدولية تؤكد أنّ الإجرام الذي استخدمه النظام السوري ضد شعبه لم ينجح داعش ولا جبهة النصرة في ملامسته، فضلا عن أن هذه التقارير نفسها تؤكد أن النظام السوري استخدم السلاح الكيماوي في أكثر من منطقة ضد المدنيين خاصة في الغوطة الشرقية المحاذية لدمشق وفي خان شيخون مطلع هذا العام، لكن كل هذه الجرائم لم تغير من الموقف الدولي والإقليمي، فالهدف إنهاء الإرهاب وليس مسبباته في سوريا، وترافق هذا الهدف مع العديد من المعلومات والمؤشرات التي أظهرت أنّ تنظيم داعش الذي أخذ على عاتقه منذ ثلاث سنوات ضرب المعارضة السورية وعدم الاصطدام بمقاتلي النظام ولا بحلفائه الإيرانيين وميليشياتهم، لم يكن بعيدا عن الإدارة الإيرانية والسورية له.

لا شك أنّ مقاتلي هذا التنظيم خرجوا من بيئات تشعر بالمظلومية ولكن لا يمكن النظر إلى قيادات هذا التنظيم باعتبارها خارج عملية التنسيق مع أكثر من جهة إقليمية ودولية، فهذا التنظيم بنى علاقات تجارية في الحد الأدنى مع تركيا ومع النظام السوري، سواء على مستوى بيع النفط الخام أو على مستوى إطلاق سراح الآلاف من المسجونين في سوريا أو في العراق في عهد نوري المالكي، انتقلوا مباشرة من السجون إلى صفوف تنظيم داعش، ونجح النظام السوري والقيادة الإيرانية إلى حد بعيد في استثمار هذا التنظيم باعتباره الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تخلق شيطانا جديدا يجعل الدول الغربية تعيد النظر في النظام السوري عبر إعادة الاعتبار لدوره في سوريا، انطلاقا من أن الشيطان الداعشي هو الأشد خطرا من شياطين الأسد، ولو كان الأسد وحلفاؤه قد حصدوا مئات الآلاف من أرواح السوريين من دون أن يرف لهم جفن.

الأرجح حسب المعلومات المتداولة من أكثر من مصدر، أن سوريا اليوم أمام معطى جديد أو متجدد لإعادة رسم دور هذا التنظيم، وهذا التنظيم الذي بات أكثر من أي وقت مضى بين خيار الانحسار النهائي من الجغرافيا السورية والعراقية، وبين صراع أجهزة استخبارية إقليمية ودولية في داخله وعبر مفاتيحه القيادية، هذه المفاتيح سواء في العراق أو سوريا، تتقاسمها عدة جهات إقليمية ودولية.

صفقة حزب الله الأخيرة مع هذا التنظيم أظهرت أن الخيوط مع هذا التنظيم متصلة خصوصا بعدما أصر حزب الله على نقل مقاتليه أحياء وبسلاحهم إلى العراق، رغم احتجاج الحكومة العراقية ورفضها لهذا السلوك، والاستثمار في هذا التنظيم ليس جديدا فإيران والنظام السوري كانا من أوائل من موّل وسلّح مقاتلي تنظيم القاعدة خلال الاحتلال الأميركي للعراق، وهذا ما تؤكده التقارير الأمنية العراقية والأميركية، وكان رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي أول من صرح به رسميا وقام بتقديم شكوى ضد سوريا في هذا الشأن.

العملية الأخيرة التي استهدفت تجمعات للجيش السوري والميليشيات الإيرانية لا يمكن حسب الخبراء أن تتم بهذا الشكل من دون أن تكون هناك معونة ما توفرت لهذا التنظيم. فالعملية اقتضت انتقال عناصر التنظيم إلى مسافة تتجاوز سبعين كلم على الأقل للوصول إلى الهدف، وانتقال أعداد تجاوزت مئة عنصر في الحد الأدنى يصعب أن يتم من دون أن تكشفه الطائرات الروسية التي يفترض أنها منهمكة في ملاحقة هذا التنظيم ومقاتليه.

وبالتالي فإن هذه العملية التي انتهت ولم يلها أي رد فعل كأن تتم ملاحقة من نفذها جوا أو برا تزيد من فرضية أن جهة ما دولية أو إقليمية ساعدت على تنفيذها.

قبل عامين قال جون كيري وزير الخارجية الأميركي السابق، إننا لا نستهدف حزب الله في سوريا لأنّه لا يهدد المصالح الأميركية، في المقابل قال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله الأحد الماضي في رده على سقوط نحو 25 من مقاتليه إنه لن يتوانى عن إرسال جنوده إلى سوريا لمواجهة داعش في سوريا وفي أيّ مكان، وسيقدم أرواح مقاتليه في سبيل تحقيق هذا الهدف، وهذا ما يلبي حاجات دولية بالدرجة الأولى.

فخلاصة ست سنوات من الأزمة السورية هو أنّ السيطرة الأميركية والروسية هي الخيمة التي يبدو أن اللاعبين الصغار محكومون بمواجهة بعضهم البعض من دون التجرؤ على المس بجندي أميركي أو إسرائيلي.

القتل يجب أن يقتصر على السوريين وخصومهم سواء كان المسمى داعش أو حزب الله أو نظام الأسد أو من القومية الكردية، على الرغم من الإدعاءات الإسلاموية الفارغة بمواجهة الغرب والمشروع الصهيوني التي باتت لشدة تكرارها المقيت عبارات فارغة إلا من دم السوريين.

كاتب لبناني

(العرب) لندن 

 

الأيديولوجيا الإيرانية تضحي

بالدم لتفتيت المجتمعات العربية

علي الأمين

يتخذ استغلال العصبيات الدينية أوجها منفرة ومدمرة للدول والمجتمعات في العالم العربي، وفي لبنان يبرز حزب الله كعنوان أول لهذا الاتجاه منذ عقود، ومع الأزمة السورية برز هذا الاتجاه بشكل فج ومأساوي، عبر الذرائع التي قدمها للتورط في الحرب السورية والتي تقوم على استثمار العصبية المذهبية والطائفية لتجاوز قواعد الدولة وشروطها، ولتبرير الانخراط الفئوي في حرب في دول أخرى كسوريا والعراق واليمن وغيرها، باستثناء نصرة الروهينغا الذين لا يندرجون ضمن مهمات نصرة المستضعفين في برنامج حزب الله ولا إيران. حيث بات مسؤولو هذا الحزب يكررون من على منابره وأخيرا في مناسبة ذكرى عاشوراء، أن الدفاع عن مقام السيدة زينب الموجود في دمشق منذ مئات السنين، معركة مفتوحة في اليمن والعراق والبحرين، ووصف الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله هذا القتال بأنّه بالنسبة إليه ولأتباعه واجب شرعي (21 سبتمبر 2017)، أي أن الواجب الشرعي إذا سلمنا بصحته يتقدم على العقد الاجتماعي الذي يربط اللبنانيين في ما بينهم وبين السلطة والقائم على مرجعية الدولة.

إزاء هذا الشعار المدمر للاجتماع الوطني، وللعلاقات بين الدول والشعوب، فإنّ الخيار الذي يقترحه حزب الله هو تهديد الكيانات الوطنية ورسم قواعد جديدة للسلطة لا تقوم على مشروع الدولة، بل على كيانات عابرة للحدود ومفتتة للدول بتفخيخ المجتمعات، وتفجيرها بالعصبية التي تجعل من الخوف عنصر السيطرة والتحكم بها، وتنشأ الحدود على هذا الخوف الذي هو زاد الحروب الأهلية ومصدر الدكتاتوريات وعنصر قوتها.

لم يخف نصرالله اعتداده قبل أشهر حين قال متباهيا إنّ الذين يندفعون من اللبنانيين الشيعة إلى القتال معه في سوريا هم أكثر بكثير من الذين اندفعوا في السابق إلى القتال معه ضد إسرائيل، وهذه بذاتها تشير إلى كيفية تحول العصبية المذهبية والدينية إلى وسيلة لتجاوز كل قواعد الاجتماع الوطني ودستور الدولة وقوانينها. وهذا جوهر المشروع الإيراني الذي لا يقدم للبيئات الشيعية في العالم العربي سوى الخوف من الشريك في الوطن واستعداده لأن يحول أرواحهم إلى عنصر دفاع في مواجهة الآخر سواء كان مسلما سنيا أو عربيا، فهذا الخوف والاستثمار فيه بمزيد من تصعيد العصبية المذهبية، هو ما أتاح لإيران النفاذ والنفوذ ليس من أجل مشروع أفضل أو صيغ تتفوق في منافعها على الناس من صيغة الدولة الوطنية، بل لمزيد من تدمير الدول وإضعافها بما يوفر القدرة على السيطرة عليها.

ما لدى المشروع الإيراني في المنطقة هو القتال. مقولة مواجهة إسرائيل والغرب أصبحت أكثر من كذبة، ذلك أنّ إيران مستعدة لإرسال جنودها لقتال السوريين حتى الموت وليست في وارد أن تتورط في الرد على أي عدوان إسرائيلي فيما تدعي قياداتها وأذرعها في المنطقة أنها تقاتل إسرائيل والمشروع الغربي. قتل عشرات الآلاف من السوريين هو أسهل لدى القيادات الإيرانية من قتل إسرائيلي بسلاح إيراني أو عبر جندي من جنود الحرس الثوري. تفتيت المجتمعات العربية وضرب استقرار دولها نقطة التقاطع بين اطمئنان إسرائيل لمشاريعها من جهة، وضمان النفوذ الإيراني في محيطها العربي.

لقد تهاوت كل الشعارات الإيرانية التي أطلقتها الثورة الإسلامية الإيرانية منذ نحو أربعة عقود، من مشروع الوحدة الإسلامية الذي خلص إلى أن يكون مشروع حرب بين المسلمين، وسقط مشروع الاستقلال عن الغرب والشرق لتتحول إيران عمليا إلى عنصر من عناصر تدمير المكون العربي الوطني والقومي لحساب تمدد نفوذها ونفوذ الدول الكبرى في الجغرافيا العربية وعلى مستوى الأنظمة والثروات. وسقط مشروع النموذج الإسلامي للحكم بعد فشل إيران في إيجاد قبول من التنظيمات الإسلامية السنية التي لا ترى في نظام ولاية الفقيه مشروعا إسلاميا جامعا، بل مشروعا عاجزا حتى عن تقبل المواطنين الإيرانيين من السنة باعتبارهم متساويين في الحقوق والواجبات مع بقية الإيرانيين. وسقط مشروع تقديم نموذج إسلامي جاذب للمسلم وغير المسلم في إيران، التي تعاني من فشل مقولة الاستقلال عن الغرب والشرق، بل ليس من مصدر للثروة الإيرانية يعتد به سوى النفط الذي تتوسل إيران كل السبل من أجل بيعه للغرب لسد الرمق.

المشروع الإيراني أمام مأزق وجودي اليوم، إذ لا يحمل إلا الدمار والانقسامات بعد سقوط كل الشعارات، فالوقائع كفيلة بإظهار موقع السياسة الإيرانية ودور ميليشياتها وأذرعها في المنطقة، لا هي قادرة على القبول بشروط الدولة الوطنية، ولا هي مطمئنة لمسار التفتيت الذي بات يلامس حدودها ومكوناتها، ولعل الدعوة إلى الاستفتاء من أجل انفصال كردستان في العراق مؤشر على ذلك. فإزاء سقوط كل الشعارات التي أشرنا إليها آنفا فإن هذا المسار يفرض نفسه بعدما غالت في استغلال العصبيات المذهبية والطائفية في المجتمعات العربية والإسلامية، والتي لم تنتج إلا قوى وميليشيات مذهبية وطائفية، فإن نجاح هذا المشروع التدميري ينذر بمزيد من الانهيارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المنطقة العربية، والمزيد من الاستغراق في العصبية كما هو حاصل في لبنان عبر حزب الله، فهو اليوم يشكل تعبيرا عن العجز عن إيجاد بدائل قابلة للحياة ولبناء الدولة وتحصينها، فمن يراقب حرص حزب الله في لبنان على تضخيم البعد المذهبي في طريقة إحياء ذكرى عاشوراء مثلا، يلمس أن السلوك التحشيدي والأمني يعبر عن خوف وعجز، كما يرسل بطريقة إحيائه للذكرى لجمهوره بأنّه لا يزال عرضة للخطر وهذه الذكرى ليست إلا للتحشيد والقتال ليتحول قتلة أهل البيت في كربلاء في الوعي العام إلى كل من هو ضد المشروع الإيراني.

وهذا وجه النهاية للأيديولوجيا التي لم تقدم للحياة ما هو جدير بشعوب المنطقة وتاريخها، فهذه الأيديولوجيا ليس لديها سوى الخوف وحرفة صناعته وتزيين الاستبداد وهذا لا يدوم.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

حزب الله من مزارع

شبعا إلى الإرهاب..

صعود الميليشيا وتصدع الدولة

علي الأمين

لم تفض معركة القضاء على ما تبقى من مقاتلي تنظيمي داعش وجبهة النصرة على الحدود اللبنانية-السورية إلى مرحلة الانتقال إلى تثبيت قواعد الدولة والسلطة الشرعية، وعلى الرغم من أنّ الجيش اللبناني أنجز مهمة عسكرية ناجحة في مواجهة تنظيم داعش، إلا أن الصفقة التي عقدها حزب الله مع هذا التنظيم أظهرت بكل ما أحاط بها من شبهات والتباسات، أنّ الحزب لم يصل إلى مرحلة تتيح له التسليم بقواعد وشروط الدولة التي هو شريك بل مقرر فيها إلى حد كبير.

قد لا يكون هذا الكلام مفاجئا وقد لا يثير أسئلة، فحزب الله منذ أن تأسس لم يكن في خططه ما يلحظ إمكانية أن ينخرط في الهوية الوطنية اللبنانية ولا في شروط الدولة حتى لو كانت هذه الدولة هي دولته أي صاحب القرار والسلطة الكاملة بها، هو لا يريد من السلطة إلا مغانمها أما المسؤولية فعلى ما عداه، ويأتي هذا الاستنتاج انطلاقا من مسيرة حزب الله منذ نشأته حتى اليوم، هو دوما كان مشروعا مرتبطا ارتباطا وثيقا بإيران، وهنا لا نتحدث عن ارتباط بين كيانين مختلفين بقدر ما نشير إلى أنّ حزب الله هو من الجسم الأيديولوجي الإيراني المتمثل بولاية الفقيه، ولعل تسميته بذراع إيرانية في لبنان والمنطقة هي التسمية الأدق لوظيفته الأمنية والعسكرية أولا والسياسية ثانيا.

تصديع الهوية الوطنية وعدم السعي لبلورة مضمون وطني لقيام الدولة اللبنانية، باعتبار ذلك هدفا وغاية لأي قوة سياسية أو اجتماعية لبنانية، هما أهم ما يمتلكه حزب الله في مقاربته لأي تحد وطني، ومساهمته في بلورة الهوية الوطنية لم تكن يوما أولوية فحتى في مساهمته في تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي بدعم إيراني وسوري، لم يسع إلى تثمير هذا الإنجاز في المجرى اللبناني، بل عمد إلى وضع حدود بين وجوده السياسي والعسكري والأمني وبين الدولة أيَّا كان على رأس هذه الدولة. فهو في طبيعته وفي المهمات الموكلة إليه، يتنافى وجوده مع الدولة، طالما أنّه يعتبر انتماءه للأيديولوجية الإيرانية يتقدم على كل انتماء آخر سواء كان وطنيا أو قوميا، وبالتالي هو يمارس مهماته على هذا الأساس الذي يفرض عليه عدم التقيد بشروط الانتماء الوطني ومتطلبات الدولة والسيادة كما هي حال الدول في العالم ومنها إيران التي لا يمكن أن تقبل بثنائية السلطة، فلا سلطة في المؤسسات الإيرانية فوق سلطة ولاية الفقيه على الدولة، بينما في لبنان يرفض حزب الله أن تكون هناك سلطة واحدة في الدولة حتى لو كانت له هو نفسه.

فمنذ نشأ ينبذ هذا المنطق الدستوري الثابت في الدولة عموما، وينحو في أحسن الأحوال إلى ابتداع ثنائية السلطة، أي التحكم بمفاصل الدولة من داخلها والسيطرة عليها من خارجها، بما يتيح له التحكم بقراراتها من دون أن يتحمل تبعات هذه القرارات باعتباره في الشكل ليس هو المسؤول عن هذه الدولة أمام الشعب ولا أمام المجتمع الدولي.

هي لعبة مدمرة للدولة لكن حزب الله متمسك بها واحترف استثمارها خصوصا أنّه نجح في بناء نظام مصالح مستقل عن الدولة لكن على حسابها، ولا يبالي إن ساهمت سياساته بالمزيد من تصدع الدولة ومؤسساتها، ومن تعميق التشققات في المجتمع، لكن من دون أن يسمح بانهيار الدولة باعتبار أنّ انهيارها الكامل يفقد لعبته شـروط البقـاء والقوة، في الـوقت نفسه.

قوة الدولة في لبنان تعني نهاية وظيفة حزب الله أما ضعفها واهتراء مؤسساتها فهما مصدر الحياة لنموذج حزب الله في البقاء وفي استمرار الدور والوظيفة

ويذكر الكثيرون كيف أنّ حزب الله واستجابة لمتطلبات سورية-إيرانية ساهم في ما يسمى إشكالية مزارع شبعا المحتلة من إسرائيل على إثر انسحاب الأخيرة من لبنان في العام 2000، فبعد أن طلبت منظمة الأمم المتحدة أن يقدم لبنان إثباتا أنّ هذه المزارع هي لبنانية وليست سورية لكي تنسحب منها إسرائيل واعتبـارها من المناطق المندرجة بين لبنان وإسرائيل، من خلال إقرار سوريا أن هذه الأرض لبنانية أو أن تقول إنّها أراض سورية، إلا أن النظام السوري رفض تقديم أيّ شيء، انطلاقا من إبقاء هذه المزارع ذريعة لاستمرار نشاط حزب الله العسكري في لبنان على حساب المؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية، وحزب الله لم يتوقف عن رفع شعار تحرير مزارع شبعا من دون أن يبذل أيّ جهد فعلي في هذا الشأن.

مزارع شبعا ظلت ذريعة ولكن هذه الذريعة لم تعد ترد منذ سنوات وتحديدا منذ بدأ حزب الله التورط في الأزمة السورية، ليتم تحويلها نحو التكفيريين والإرهاب، ونسي مزارع شبعا واحتلالها والدعوات إلى تحريرها.

حزب الله أثبت أنّه لا يحمل أي مشروع لبناء دولة ولو على قياسه، فحتى عندما دنت كل الأطراف السياسية من سلطانه كما هو الحـال اليوم، لا يزال متمسكا بمسار التشكيك بالهوية الوطنية وبالدولة وبالدستور، وزادت قدرته على افتعال الأزمات الداخلية في المشهد السياسي وعلى تفكيك أيّ مشهد وطني وحدوي مستفيدا من سطوته من جهة، ومن امتلاكه أدوات داخلية في السياسة والأمن من جهة أخرى، يقدر من خلالها على إبقاء المشهد اللبناني متصدعا بغاية وحيدة مفادها أنّ اللبنانيين منقسمون ولا يحسنون الاتفاق على بناء الدولة، وأنّ الدولة ضعيفة كما مؤسساتها وجيشها، وبالتالي لا بد لها من راع كما كان النظام السوري في زمن الوصاية وها هو حزب الله اليوم يقوم بمهمة الوصاية “تقربا إلى الله تعالى”.

هكذا لم يعد الانتهاء من الإرهاب الذي كان على الحدود نهاية لمآسي لبنان وفرصة لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، التي تعاني من أزمات مالية واقتصادية وتعاني من تفشي سوء الإدارة العامة واستشراء الفساد. فعودة الدولة هي الشرط الوحيد لإمكـانية مواجهة مثل هذه الأزمات، لكن حزب الله يلقي المسؤولية في ما آلت إليه الدولة إلى الداخل وسوء السلطة ويعتبر أنّه هو من يحمي لبنان فيما الآخرون منهمكون بالفساد، وهذا غير صحيح بطبيعة الحال فهو غارق في الفساد أيضا، لكن لو افترضنا أنه ليس متورطا مباشرة في الفساد، فهو بالتأكيد متورط في الإفساد. فالمعادلة السياسية التي فرضها حزب الله في لبنان تقوم على أنّ أطـراف السلطة في الداخل يجب أن يسكتوا على كـل تجـاوزاته القانونية والدستورية وهو يتغاضى عن تجاوزاتهم في الشأن الداخلي الاقتصادي والمالي وفي الإدارة العامة، وهذه المعادلة تضمن للحزب استمرار الوهن والضعف في الدولة، وفي المقابل تضمن له حرية الحركة داخل الحدود وخارجها من دون اعتراض جدي لبناني.

الإرهاب والتخويف منه هما الذريعة وهما السـلاح الذي يحـاول حزب الله أن يمدد من خلاله وضعيته غير الطبيعية والوسيلة التي يريد من الغرب أن تحفظ له دوره في لبنان وخارجه، وكما الخارج هو أيضا يـريد تطويع المجتمع اللبناني من خلال أنّه يتصدى للإرهاب، محاولا التغطية على كل ما ارتكبه بحق الشعب السوري من جهة، والتغطية على كل سلوكه الذي يجعل من الدولة اللبنانية دولة مارقة من جهة ثانية.

الفساد خطير ولكن الإفساد أخطر لأنّ المفسد يقوم بعمله وهو شديد الاقتناع بمصلحة ما يقوم به. فقوة الدولة في لبنان تعني نهاية وظيفة حزب الله أما ضعفها واهتراء مؤسساتها فهما مصدر الحياة لنموذج حزب الله في البقاء وفي استمرار الدور والوظيفة.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

العداء لإسرائيل لم يعد قابلا

للتوظيف في المشروع الإيراني

علي الأمين

تطرح الضربات العسكرية الجوية داخل الأراضي السورية بين فترة وأخرى السؤال الإسرائيلي، لا سيما أن الطرح الأيديولوجي الذي يتضمنه الخطاب الإيراني بامتداداته في المنطقة، يحيل كل مواجهاته في المنطقة إلى شعار مواجهة المشروع الأميركي الصهيوني، فعلى طول خط المواجهات من اليمن إلى العراق فسوريا ولبنان، يطرح المنتمون إلى المحور الإيراني هذه المقولة، فيما يتولى فيلق القدس الذي يقوده قاسم سليماني إدارة هذه المواجهات العسكرية بأشكال مختلفة.

قبل أيام أغارت الطائرات الإسرائيلية مجددا على مركز أبحاث سوري في محافظة حماه تردد أنّه يقع تحت إدارة حزب الله، فيما تحدّث النظام السوري الذي اعترف بحصول الضربة عن مقتل جنديين سوريين، وتضمن البيان إشارة إلى أنّ عملية إطلاق الصواريخ تمت من الأجواء اللبنانية، علما أن المكان المستهدف كما ذكرت وكالات الأنباء يبعد 70 كلم عن مطار حميميم حيث أقيمت أكبر قاعدة روسية جوية في سوريا.

الرد الوحيد على الغارة جاء من النظام السوري وكان أشبه بإعلان رسمي يؤكد حصول الضربة من دون أن يتضمن أي تهديد بالرد على إسرائيل، فيما لم يصدر عن حزب الله فضلا عن الجانب الإيراني أي تعليق أو ردة فعل، بينما بقي التساؤل مطروحا حول إمكانية قيام إسرائيل بتوجيه ضربات في الأراضي السورية من دون التنسيق مع روسيا، خصوصاً أنّ روسيا هي الطرف الذي يسيطر على الأجواء السورية، ويمتلك العشرات من المنصات لصواريخ س400 على الأراضي السورية لم تتحرك ولو مرة واحدة خلال العشرات من الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

لا يخفى على المتابعين أن الصحافة الإسرائيلية تتحدث منذ سنوات وتحديدا منذ نهاية حرب 2006 في لبنان، عن حرب جديدة تستعد لها إسرائيل ضد حزب الله، وفي موازاة التصعيد الإعلامي الإسرائيلي والذي قابله تحذير مستمر من حزب الله، كانت الحدود تشهد أكبر فترة من الهدوء شهدتها الحدود اللبنانية مع إسرائيل منذ نشأة الكيان الصهيوني.

مؤدى الوقائع الميدانية رغم الضجيج الإعلامي والتهديدات خلال السنوات العشر الماضية سواء لجهة الاستعدادات العسكرية والمناورات التي تجريها إسرائيل، أو حديث حزب الله عن الآلاف من الصواريخ الموجهة لإسرائيل، أنه ثمة مصالح مؤمنة للطرفين أي حزب الله وإسرائيل، جعلت حزب الله على سبيل المثال يضخ أكثر من عشرة آلاف مقاتل على الأقل في الحرب السورية منذ عام 2013 من دون أن يظهر أي تخوف من إمكانية قيام إسرائيل باستغلال مثل هذه الخطوة العسكرية لتوجيه ضربة له، وهذا مؤشر على أن المطلوب إسرائيليا هو حماية الاستقرار على حدودها الشمالية، وحزب الله أظهر حرصا شديدا على منع أي خرق أمني لهذا الهدوء، وهذا ما تشهد عليه الوقائع في السنوات الخمس الماضية على طول الحدود اللبنانية مع إسرائيل بخلاف بعض الأخطاء التي كانت تحصل قبل ذلك من إطلاق صواريخ مجهولة المصدر باتجاه إسرائيل من دون أن تؤدي إلى أضرار لا يتبناها حزب الله كما حصل أكثر من مرة بين 2007 و2011.

ما الذي يجعل إسرائيل مهتمة بتوجيه ضربات إلى بعض المراكز العسكرية السورية أو بعض القوافل العسكرية المحملة بالسلاح المتجهة من سوريا إلى لبنان؟ ربما يجدر بنا أن نسأل لماذا تمنعت إسرائيل عن توجيه أي ضربة عسكرية للمئات من المقاتلين من حزب الله الذين ينتقلون بعتادهم وسلاحهم بشكل شبه يومي بين لبنان وسوريا منذ خمسة أعوام، فيما تقتصر الضربات العسكرية الإسرائيلية على بعض القوافل القادمة من سوريا إلى لبنان والمحملة بالسلاح؟

لم يقم حزب الله خلال تدفق مقاتليه إلى سوريا بأي خطوة عسكرية تظهر أنه قلق من أي استهداف له من الجو، أي أنه كان شديد الاطمئنان إلى أن إسرائيل لن توجه أي ضربة لمواقعه العسكرية المنتشرة على امتداد الأراضي السورية، فيما هي لا تتساهل في ما تعتبره نقل سلاح استراتيجي إلى الأراضي اللبنانية أو إلى مناطق قريبة من الجولان المحتل في سوريا. فالأخيرة كيان قائم على الخوف منذ تأسيسه، فأي متغير في محيطه يخيفه وهو لا يطمئن حتى لضمانات حلفائه ويريد أن يبعد أي خطر محتمل عن أن يشكل تهديدا له في يوم من الأيام.

إسرائيل لم تعد ورقة قابلة للاستثمار بحيث أن الكلام ضد إسرائيل يتضح أكثر فأكثر أنه كلام شعارات استخدمه المحور الإيراني لإحداث اختراقات في العالم العربي، ولم يعد خافيا أن ما تبذله إيران من مال وسلاح ومقاتلين لا يمس إسرائيل بأذى، فضلا عن أنّ اهتمام هذا المحور في مكان آخر. فالانقسام الذي رسخته إيران في المنطقة جعل إسرائيل موضوعا ثانويا بحكم الوقائع التي فرضت إعادة رسم مناطق النفوذ في المنطقة، فإيران منهمكة بحفظ مصالح الشيعة والعلويين والأقليات وليس في برنامجها قتال إسرائيل إذا ما نظرنا إلى طبيعة الجبهات السياسية الإقليمية والدولية في المنطقة.

الحلف الروسي الإيراني ليس من أولوياته ولا في برنامجه المس بأمن إسرائيل، موضوع إسرائيل فقد وهجه وما يدلل على ذلك أيضا أنّ انتصارات المحور الإيراني كما يكرر قادته ورموزه الإيرانيون وبعض الشيعة العرب، يترافق مع ارتياح إسرائيلي يعبر عن نفسه بالمزيد من إغلاق آفاق التسوية مع الفلسطينيين، فضلا عن أن الضربات الإسرائيلية التي تستهدف بعض قطاعات حزب الله بين الحين والآخر في سوريا لم تدفع إيران ولا حزب الله إلى رد فعل عسكري انطلاقا من أن كل القتال الإيراني في المنطقة العربية كما يكرر قادته هدفه الكيان الصهيوني، بل يبدو الموقف الإيراني الصامت تجاه الضربات الإسرائيلية أشبه بموقف المستغرب ولسان حاله يقول ما بالها إسرائيل تزج نفسها بما لا يعنيها.

فالمعركة اليوم هي بين نفوذ الشيعة ونفوذ السنة، وبين المكون العربي والمكون الكردي، وبين الإرهاب الإسلامي والإسلام المحمدي الأصيل، كما تسمي القيادة الإيرانية الأيديولوجيا التي تتبناها على مستوى ولاية الفقيه والمشروع الإيراني في المنطقة العربية.

النظام السوري وإيران، يدركان أنّ إسرائيل لو قامت بضربة عسكرية لحزب الله أو أي ذراع إيرانية في المنطقة فلن تتعامل المكونات في الدول العربية باعتبار أن هذه الضربة لها علاقة بفلسطين أو بحرب عربية إسرائيلية، لذا فإنّ إيران وحزب الله سيكونان حريصين على عدم جر إسرائيل لحرب ضدهما في المنطقة العربية، في المقابل فإن إسرائيل شديدة الامتنان إلى قدرة حزب الله على المحافظة على الاستقرار على طول حدودها.

إسرائيل تدرك أنّ نظام المصالح الإيراني في العراق وفي الخليج وفي سوريا وإلى امتداد الهلال الشيعي هو الغاية في حسابات أولويات الأمن القومي الإيراني وليس خوض حرب أو مواجهة مع إسرائيل، وتدرك أنّ الخطر الحقيقي بالمعنى الاستراتيجي على وجودها كامن في البنية العربية وفي الجسم العربي غير المعتل أيا كان الذي يتحكم به أو يسيطر على أنظمته.

تقاطع المصالح بين إيران وإسرائيل يكمن في اعتلال النظام الإقليمي العربي وهذا ما يشكل ضمانة لإسرائيل وحاجة لتمدد النفوذ الإيراني الذي يحتاج إلى المساومة مع الغرب بأشلاء الدول العربية لحظة رسم النظام الإقليمي الجديد الذي ينطلق من أنّ إسرائيل هي الثابت أما الدول العربية فهي المتحول.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

معنى صفقة حزب الله

داعش سياسي وليس إنسانيا

علي الأمين

الصفقة التي أنجزها حزب الله مع تنظيم داعش لإخراج ستمئة مقاتل ومدني من هذا التنظيم من لبنان إلى الرقة السورية، بدت مفاجئة للكثيرين، لا لكونها صفقة بدت الدولة اللبنانية خارجها فعلياً، أو لأنّها أنجزت لصالح هذا التنظيم في جرود القاع على الحدود مع سوريا الذي كان محاصراً من قبل الجيش اللبناني من جهة والجيش السوري من جهة ثانية، إذ كل الخبراء العسكريين يؤكدون استحالة نجاة هؤلاء المقاتلين إلا بالاستسلام أو بصفقة تكشف هزيمتهم، لا بخروج آمن مقابل كشفهم عن مكان دفن العسكريين اللبنانيين الذين قتلوا ودفنوا من قبل هذا التنظيم قبل سنتين. المفاجأة هي الصفقة الفضيحة التي أدارها حزب الله بالتنسيق مع نظام بشار الأسد لاستنقاذ مقاتلي داعش، على الرغم من أن حزب الله لطالما كان يشيطن كل من يحاول الإعلاء من الشأن الإنساني خلال مواجهات المرحلة السابقة أي منذ انفجار الثورة السورية.

الحس الإنساني غير المسبوق على مدار البيانات التي أصدرها حزب الله بشأن الأزمة السورية، لم يسبق أن كان واردا، فقط حين تم إيقاف قافلة داعش على مقربة من الحدود العراقية من قبل الأميركيين ومنعها من التقدم قبل أيام، صدر عن حزب الله بيان يحذر من مجزرة قد ترتكب بحق قافلة مقاتلي داعش وعائلاتهم.

لم تستفز حزب الله براميل الأسد ولا حصاره مدينة مضايا وتجويعها، ولا تدمير مدينة القصير وتهجير أهلها، ولا الصواريخ الروسية التي دمرت المستشفيات وقتلت المدنيين في حلب وغيرها، فقط احتمال أن تقصف الطائرات الأميركية قافلة داعش فجّر الحس الإنساني لدى حزب الله فحذّر من وقوع مجزرة.

لكن هل كان حزب الله يعتقد أنّ القافلة التي انطلقت من جرود القاع اللبنانية إلى الحدود العراقية عبر الأراضي السورية، أي ستقطع مسافة توازي 500 كيلومتر، لن تتعرض لأي عوائق أميركية؟ وهل الاعتراض الأميركي للقافلة غير متوقع أم أنّ الأميركيين أخلوا باتفاق هم طرف فيه؟

لم يقل حزب الله ذلك ولا الأميركيون تحدثوا عن اتفاق جرى معهم، لذا فإن الاعتراض الأميركي غير مستغرب ويفترض أن يكون حزب الله مدركا أن القوات الأميركية ستعرقل الاتفاق لأي سبب كان، من هنا يمكن أن نسأل لماذا قام حزب الله بهذه الصفقة رغم توقعه لاحتمال مثل هذا الذي جرى في البادية السورية من قبل الطائرات الأميركية؟

ليس خافياً أن المرحلة التي يجري رسم خطوطها ومعالمها في المنطقة اليوم، هي مرحلة ما بعد نهاية تنظيم داعش، حيث مختلف القوى الإقليمية والدولية تتحضر لهذه المرحلة. المحور الإيراني ينشط على هذا الخط بشكل يعيد فيه ترتيب الأعداء والخصوم والأصدقاء والحلفاء، خصوصا أن إيران التي استنفدت ورقتها المذهبية إلى الحد الأقصى، باتت اليوم مع توقع نهاية تنظيم داعش تدرك أنّ هذه الورقة ستتراجع قوتها لا سيما مع بروز مواقف عراقية ذات ثقل شيعي تحاول رسم معالم سياسة وطنية عراقية غير تابعة لإيران ومنفتحة على محيطها العربي، وكانت زيارة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى المملكة العربية السعودية ولقاؤه ولي العهد محمد بن سلمان رسالة عملية في هذا الاتجاه، وإلى جانب هذه الخطوة برزت مؤشرات عدة تصب في هذا المنحى وتتم تحت الغطاء الأميركي.

وكما العراق فإنّ المعادلة السورية بعد داعش تتجه نحو ترسيخ شراكات إقليمية ودولية بإشراف روسي أميركي سيفرض اصطفافات جديدة، وكان المشهد القطري في تداعيات الأزمة الخليجية أعاد تنشيط العلاقة الثلاثية بين تركيا وقطر وإيران.

الصفقة تأتي كتأسيس للمرحلة الجديدة من الصراع في المنطقة، وحزب الله باعتباره امتداداً للبنية الإيرانية في المنطقة العربية، يقع عليه دور تنفيذ السياسات الإيرانية في سوريا ولبنان، وعلى صعيد دوره في ترميم العلاقات مع تنظيمات إسلامية.

المحور الإيراني يدرك أن شرخا عميقا قد طال علاقاته مع التنظيمات الإسلامية السنية، وهو اليوم انخرط في إعادة ترميم ما يمكن ترميمه من علاقات معها، مستفيدا من البوابة القَطرية والعلاقة مع تركيا، فبحسب المعلومات فإن إيران أعطت توجيهات لأذرعها في المنطقة العربية لإعادة الاعتبار لخطاب المواجهة مع واشنطن، وردم الهوة مع تنظيمات إسلامية كجماعة الإخوان المسلمين. وفي هذا السياق حققت إيران تقدماً على صعيد العلاقة مع حركة حماس عبر حزب الله، وأتاحت لهذا التنظيم وقياداته مساحة من الحركة والاستقرار في لبنان إثر نشوب الأزمة الخليجية مع قطر.

إيران تريد من خلال رفع شعار التنافس والتزاحم مع واشنطن في المنطقة، ردم الهوة المذهبية التي تسببت بها على قاعدة جذب هذه الجماعات الإسلامية السنية إليها، ودائماً على إيقاع استمرار الحرب والتوتر بأوجه جديدة لا يحمل في طياته أيّ مشروع استقرار بقوم على أساس الدولة الوطنية، فإستراتيجية إزالة الحدود لحساب الفوضى مستمرة إيرانيا لكن هذه المرة بأدوات جديدة.

إعادة خلط الأوراق بما يوفر لإيران دوراً مرجعياً في المنطقة يتطلب بعد نهاية تنظيم داعش أن تحيّد إيران عنها خطر العداء في البيئة السنية والذي نشأ بشكل واضح، على سبيل المثال لا الحصر، مع انخراط إيران في الدفاع عن نظام الأسد في مواجهة معظم السوريين، كما في دورها في العراق الذي زاد من عداء السنة لدورها الإقصائي لهم من معادلة السلطة. هذا ما تحاول إيران استثماره مستفيدة من فراغات في السياسة العربية، لكنها وهي تطمح إلى هذا الدور تريد من خلال توجيه رسائل ايجابية عبر تنظيم داعش أو جبهة النصرة أن تشير إلى أنّها طرف قابل لأن ينجز تفاهمات علنية مع هذه الجماعات، وفي نفس الوقت تختبر مدى قدرتها على إعادة اختراق الوعي الإسلامي العام من خلال القول إنّ النظام الإسلامي في إيران يمكن أن يكون سندا للعديد من التنظيمات الإسلامية السنية الملاحقة إما عربيا وإما دوليا.

لا يمكن النظر إلى الصفقة بين حزب الله وداعش في لبنان من خارج هذه الزاوية الأساسية في ما تنطوي عليه من أهداف، بالطبع لم تكن إيران في سوريا في مواجهة مع تنظيم داعش بل إن المواجهة الفعلية كانت دائماً مع التنظيمات المعتدلة في المعارضة السورية، لكنها استخدمت عنوان التكفيريين والإرهابيين في سياق شيطنة الثورة السورية وعززت من حضور التنظيمات الإرهابية التي طالما كانت أقل خطراً عليها من أيّ مشروع سوري وطني أو عربي معارض.

بدأت اليوم مرحلة صوغ مشروع يقوم على تجميع الإسلاميين في المنطقة العربية تحت المظلة الإيرانية، وهو طموح دونه صعاب كثيرة منها أنّ السياسة الإيرانية في المنطقة العربية تحتاج لإعادة ترميمها وبناء الثقة مع محيطها العربي إلى ثورة إيرانية جديدة تغيّر صورة إيران لدى الشعوب العربية قبل صورتها لدى السلطات والأنظمة.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

فجر الجرود.. قلق حزب الله

من تعاظم قوة الجيش اللبناني

علي الأمين

الجيش اللبناني هدف واضح وصريح للمحور الإيراني منذ أن رفض التنسيق مع الجيش السوري وحزب الله في عملية فجر الجرود التي أطلقها منذ أكثر من أسبوع ضد تنظيم داعش في جرود القاع قرب الحدود السورية من جهة الشرق.

إعلان الجيش اللبناني رسميا عدم التنسيق، ترافق مع إعلان حزب الله أنه سيقاتل إلى جانب الجيش السوري في هذه المعركة من داخل المناطق السورية. وهي إشارة إلى إصرار حزب الله على الدخول في هذه المواجهة بغاية واضحة وهي منع الجيش اللبناني من تحقيق انتصار يمكن أن يستثمره في نزع ذرائع بقاء سلاح حزب الله متفلتا من أيّ قيود في لبنان، وإلى هذه الغاية ثمة سبب آخر أعلن عنه الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، قبل أيام، وهو أن هناك معادلة جديدة يريد فرضها على اللبنانيين كبديل عن المعادلة الثلاثية التي أطلقها حزب الله منذ سنوات أي الجيش والشعب والمقاومة، بمعادلة رباعية بإضافة الجيش السوري، قاصداً القول إنّ جيش النظام السوري هو طرف في معادلة الأمن التي فرضها المحور الإيراني على سوريا ولبنان.

معركة جرود القاع أو فجر الجرود، أقلقت حزب الله بسبب أن الجيش اللبناني أظهر كفاءة عسكرية عالية وحقق تقدماً ميدانياً مهماً في الأيام الأولى، حيث نجح في تحرير مئة كيلومتر مربع من أصل 120 تسيطر عليه مجموعات داعش، هذا التقدم للجيش المحرز بقدرة ذاتية، خلق مناخا وطنيا جامعا حول الجيش، وهذا ما زاد في قلق الحزب الذي لم يكن يقدر أن معركة الجيش سوف تثمر سياسيا خلال أيام وتفرض مناخا وطنيا غير مسبوق في التفافه حول الجيش اللبناني وعمليته ضد تنظيم داعش.

بدأ حزب الله هجوما سياسيا مضادا، تمثل في دعوته أو محاولة فرضه التنسيق الرسمي اللبناني والعلني مع الجيش السوري، والربط بين معرفة مصير الجنود العسكريين المخطوفين من داعش قبل 3 سنوات بعملية التنسيق هذه.

هذه الدعوة لم تجد آذاناً صاغية، ولكن أمكن لحزب الله، وهو يرى أن عناصر تنظيم داعش بدأت بالانهيار، وراحت تسلم نفسها له متفادية التسليم للجيش اللبناني، أن يوجه رسالة مفادها أن عدم التنسيق مع الجيش السوري يمكن أن يؤدي إلى أنّ الأخير لن يعطي أيّ معلومات عن العسكريين المخطوفين، متناسيا مسؤوليته الوطنية عن هذا الملف، حيث تعامل مع أسرى داعش باعتبارهم أسرى لدى الجيش السوري وليس لدى طرف لبناني، وهذا ربما ما فرض على الجيش اللبناني أن يقبل التسوية التي أعدها حزب الله مع داعش بأن يوقف الجيش المعركة مقابل كشف مصير 11 جندياً لبنانياً تبين لاحقا أنّهم قتلوا من قبل داعش، مقابل أن ينسحب جنود داعش باتجاه مناطق سورية.

أي مراقب لاحظ أن العلاقة هي بين حزب الله والجيش السوري من جهة، وتنظيم داعش من جهة ثانية سلسة، بل إن حزب الله أنجز التفاهمات من دون أن يسمح للجيش اللبناني بالمقايضة بأسرى داعش لديه بأي معلومة يمكن الحصول عليها من داعش، بل كان حزب الله والجيش السوري عائقين أمام استكمال الجيش المعركة للقضاء على فلول داعش إما باستسلامهم أو بقتلهم.

وكما أشرنا سابقا، فإن الجيش هو الهدف، حيث سار حزب الله على طريق منع الجيش من تحقيق انتصار كامل، وكل ما قام به حزب الله خلال معركة فجر الجرود هو إنقاذ هذا التنظيم الإرهابي من أن يقع أي عنصر من أفراده في يد الجيش اللبناني، وإلا ما معنى أن يسلم هؤلاء أنفسهم لحزب الله ويرفضون تسليم أنفسهم للجيش اللبناني؟

هل حزب الله أكثر رأفة بهم من الجيش؟ بل ما تكشفه الوقائع أكثر من ذلك بكثير. حزب الله هو الطرف الموثوق في اللحظات الحرجة، والقادر على ترتيب اتفاقيات تمنع القضاء على التنظيم الإرهابي وعناصره. بل إن حزب الله الذي كان يمنع الدولة اللبنانية من التفاوض مع داعش قبل سنوات من أجل استعادة جنودها المخطوفين، هو نفسه من فرض على الدولة اللبنانية إطلاق عناصر من جبهة النصرة في سجونها مقابل أن تطلق هذه الجبهة أسرى حزب الله الخمسة قبل أقل من شهر. فيما يقول حزب الله اليوم، ومن خلال شبكة من مناصريه في سياق استهدافهم للجيش، إنّ حزب الله أعاد أسراه أحياء من جبهة النصرة، فيما أعادهم الجيش رفاتا وبمساعدة حزب الله.

هذه الوقاحة هي السياسة التي يعتمدها حزب الله في تطويع الدولة اللبنانية لتسير في ركابه، ولتسويق فكرة أن الجيش كما كل المؤسسات يجب أن تبقى في وضعية العاجز وأنّ حزب الله هو الذي يحميها.

يعلم اللبنانيون أنّ العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله يجب أن تبقى بنظر الأخير مشروطة بأن تكون الدولة مهانة وعاجزة، لكن معركة فجر الجرود هي معركة فضحت سلوكيات حزب الله تجاه الدولة. وهي سلوكيات ما كانت لتنكشف لولا إصرار الجيش على خوض المواجهة مع داعش من دون حزب الله أو جيش النظام السوري.

كاتب لبناني

علي الأمين

(العرب) اللندنية

 

لبنان: حرب معلنة ضد داعش

وحرب خفية أشد وأقوى

علي الأمين

أطلق الجيش اللبناني عملية فجر الجرود لتحرير جرود القاع وعرسال من تنظيم الدولة الإسلامية داعش، وهذه العملية العسكرية التي أثارت عشية حصولها التباسات لجهة كونها أتت في سياق الضغط السياسي والميداني الذي قام به حزب الله لفرض توقيت المعركة على الجيش اللبناني، من خلال فرضه توقيت المواجهة في جرود عرسال مع جبهة النصرة في مواجهة رأى فيها العديد من المراقبين أنها استعراضية، وكشفت إلى حد بعيد أن حزب الله كان يهدف من خلال هذه المواجهة مع مئة وعشرين عنصرا من جبهة النصرة إلى فرض إيقاع سياسي في لبنان عنوانه تشريع سلاحه من جهة، وفرض التنسيق بين النظام السوري والحكومة اللبنانية في ظل التحولات التي يشهدها الميدان السوري إقليميا ودوليا من جهة أخرى.

ساهمت معركة حزب الله مع جبهة النصرة في تعجيل الجيش اللبناني بإطلاق عمليته العسكرية، لا سيما أن حزب الله عمد بطريقة غير مباشرة إلى إحراج الجيش اللبناني عبر القول إنه نجح في إخراج جبهة النصرة من لبنان بالتعاون مع الجيش السوري، فيما الجيش اللبناني لم ينجز عملية القضاء على تنظيم داعش والتي تتطلب، بنظر حزب الله، تنسيقا معه ومع الجيش السوري.

الجيش اللبناني الذي أدرك، من جهته، أنه بات في موقع حرج، عمد إلى تحضير الهجوم على مناطق تواجد هذا التنظيم في المناطق المذكورة، ومنذ البداية عمد إلى إعلان أنه لا ينسق مع الجيش السوري ولا حزب الله في هذه العملية، وسينجز المهمة كاملة من دون أن يحدد مدة زمنية لذلك.

الجيش اللبناني الذي أخذ غطاء كاملا لتنفيذ العملية العسكرية من الحكومة اللبنانية، حظي بالتفاف شعبي واسع وغير مسبوق من اللبنانيين لتنفيذ هذه المهمة، وساهم سلوك حزب الله الذي سعى إلى استثمار عمليته ضد جبهة النصرة في الداخل اللبناني، ولا سيما على صعيد تبييض صفحة نظام الأسد، في صنع اندفاعة لبنانية واسعة ومقابلة تعلن عن الالتفاف حول الجيش، وعن دعم لخيار الجيش في قيامه بالمهمة من دون أي تنسيق مع الجيش السوري وحزب الله.

لا بل إن الجيش اللبناني أظهر في حرصه على القيام بهذه الخطوة منفردا أنه، وبخلاف الجيش السوري الذي يستعين بحزب الله، (أي الجيش اللبناني) قادر على تنفيذ العملية بمفرده.

تسليم عناصر تنظيم داعش أنفسهم لحزب الله، وليس للجيش اللبناني، جعل الكثيرين يتساءلون عن دلالة هذه الخطوة ومعانيها

على أن حزب الله الذي أعلن رسميا أنه لا يلزم الجيش بالتنسيق معه، قال عبر أمينه العام حسن نصرالله إنه سيهاجم تنظيم داعش مع الجيش السوري من الجانب السوري، في موقف يعبر في مضمونه عن إصرار على دخوله في المعركة بغاية بات يعرفها الجميع، أي التأكيد على دوره في تحرير أراض لبنانية من جماعات مسلحة سورية، كان هو في نظر الكثير من اللبنانيين سببا في دخولها إلى لبنان لا سيما بعد تورطه في القتال السوري منذ نحو خمس سنوات على الأقل.

معركة الجيش اللبناني تكتسب اليوم أهمية تتجاوز البعد العسكري ذا الأهمية البالغة، باعتبارها أوّل معركة يخوضها الجيش مع هذا التنظيم، فهي إلى ذلك تبدو ملحمة عسكرية ووطنية تريد منها قيادة الجيش أن تؤكد للبنانيين قدرتها على حماية الحدود والدولة.

وهي ملحمة تهدف إلى نسف كل المقولات التي يحامي عنها حزب الله وحلفاؤه منذ عقود، ومفادها أن الجيش اللبناني عاجز وغير قادر على حماية لبنان، وهي مقدمة للقول للبنانيين أن لا غنى لكم عن سلاح حزب الله.

في اليوم الأول من عملية فجر الجرود نجح الجيش اللبناني في التقدم في المنطقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش، ونجح في السيطـرة على معظـم التلال في المنطقة، وأسقط أكثر من عشـرين مقاتلا من عناصر هذا التنظيم.

وفي اليوم الأول من العملية، وللمفارقة، عمد نحو خمسة مسؤولين عن مجموعات هذا التنظيم إلى تسليـم أنفسهم طوعيا لحـزب الله كما أظهرت الصور التي وزعها الإعلام الحربي لحزب الله، فيما حـاول الحـزب بكل وسائـل التـرويج ومن خلال أشرطة الفيديو المصورة القول إنّه أيضا يقاتل وليس الجيش اللبناني وحده في الساحـة، بل سعى أيضا إلى ترويج وبطرق غير مباشرة فكرة مفادها أنّه ينسق مع الجيش وهو ما ظل الجيش ينفيه حتى اليوم.

تسليم عناصر تنظيم داعش أنفسهم لحزب الله، وليس للجيش اللبناني، جعل الكثيرين يتساءلون عن دلالة هذه الخطوة ومعانيها.

الجيش اللبناني وفي اليوم الثالث لإطلاق العملية أصدر بيانا نعى فيه ثلاثة من جنوده الذين قتلوا نتيجة انفجار لغم أرضي في مركبة عسكرية كانوا فيها، ولكن هذه الخسارة التي يؤكد مصدر عسكري أنها من ضمن الخسائر المحتملة حتى الآن في العملية، رسخت لدى القيادة العسكرية خيار التقدم على طريقة القضم، لا سيما أنّ الجيش لا يريد أن يتكبد خسائر بشرية كبرى إذا كان قادرا على تحقيق نفس النتيجة العسكرية بالقضاء على وجود داعش على الأراضي اللبنانية بوقت أطول.

في البعد السياسي يدرك جميع اللبنانيين، من دون أن يعلنوا ذلك جهارا، أنّ ثمّة معركة معنوية وسياسية يخوضها الجيش اللبناني سواء على جبهة الداخل اللبناني أو في جبهة الخارج الإقليمي والدولي.

معركة إثبات الوجود والقدرة والكفاءة بأنه يمتلك كل المقومات التي تجعله قادرا على حماية الحدود اللبنانية، وهو إلى جانب قدراته التسليحية يتميز بأنه المؤسسة اللبنانية الـوحيدة التي تحظى بالتفـاف وطني وإجماع لبناني حوله لا يقاربه أيّ إجماع آخر.

ومعركة الجرود في هذا السياق تكتسب أهمية تتجاوز البعد العسكري الميداني إلى البعد السياسي والوطني، فالجيش بانتصاره المرتقب على تنظيم داعش رغم كل المحاذير التي تحيط بهذه المعركة، فإنه بإنجازها سيكون عرضة لتحديات أكبر ستجعله أمام مخاطر إضافية على مستوى بروزه كقوة عسكرية لا تشكيك في كفاءتها ووطنيتها.

مخاطر سيقابلها التفاف لبناني أكبر بعدما فقد الكثير من اللبنانيين ثقتهم بالحكومة والسلطات السياسية الحاكمة عموما.

كاتب لبناني

 (العرب) اللندنية

 

بدأت الحرب على

الشيعة المعارضين…

حزب الله خائف من الكلمة

علي الأمين

إستدعى الأمن العام الأسير المحرّر من سجون إسرائيل، بعد 10 سنوات أسر، أحمد اسماعيل، بسبب كتاباته الاعتراضية على قوى الممانعة عبر حسابه الفيسبوكي. هذا ما قاله أحمد اسماعيل. أما بيان المستدعي، أي الأمن العام اللبناني، فتفتّقت عبقرية معدّه عن أنّ الاستدعاء تمّ على خلفية “تحقيقات بشأن شبكة تجسس اسرائيلية”.

لكن ما قاله المناضل الصديق أحمد إنّ غضب المحقق وحنقه كان سببهما غيرته على الوزير السابق وئام وهاب، فيما لم تتجاوز مدّة السؤال عن شخص يمكن أن يكون له علاقة بإسرائيل، يعرفه أحمد اسماعيل أشقاءه من بعيد، لم تتجاوز الدقيقتين، وبقية الساعات الأربع أو الخمس كانت تعريضاً بآرائه ومواقفه السياسية المزعجة للممانعة

ما قاله أحمد عمّا جرى داخل التحقيق في مبنى الأمن العام، وهو مؤسسة رسمية، لا نريد أن ننقله ونترك له أن يفصّل فيه. لكن ما يعنينا، نحن الذين نتشارك وإياه الكثير من الآراء والمواقف، من دون أن نتطابق، هو صيانة الحرية في لبنان، وحماية حقنا في التعبير عن آرائنا ومواقفنا كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.

لذا ما جرى مع الصديق المناضل احمد هو رسالة لكل من لا يزال يؤمن بأنّ في لبنان مساحة من الحرية، وأنّ لبنان يدخل عصر تكميم الافواه، تكميم أفواه من يعترض على محور الممانعة، ومن يعترض على تشبيحات أدواتها ورموزها، ومن يواجه الإسفاف والتهديد والتحريض على كل من يعترض على كل سلطات تسعى إلى تدمير حقّنا في أن يكون لنا دولة ودستور وقانون ومؤسسات وجيش واحد أحد وتحمي حق المواطنين.

ما جرى مع أحمد اسماعيل هو البداية والآتي أشدّ. فالعقل الذي يدير البلد اليوم يريدنا أن ننحني ونصلي كل يوم لأنّه تركنا على قيد الحياة ويمنّ علينا بأنّ الهواء الذي نتنفسه كان عملة نادرة لولا وجوده.

أن يُسأل مواطن ويدان لأنّه ينتقد وئام وهاب ويعرّض به وينتقد حزب الله وإيران، لهو جوهر ما يراد للبنان أن يصل اليه… تخيلوا هذه المهزلة!

يبقى أنّ أحمد اسماعيل مواطن لبناني، قبل أن يكون مناضلاً دفع عشر سنوات من عمره في السجون الاسرائيلية. هذا لا يعطيه، برأيه ولا برأينا، أيّ ميزة أمام القانون. هو رجل يبحث ويناضل من أجل تطبيق القانون ولا يريد أن يمنّن شعبه ودولته بأنّه كان أسيراً لدى الاحتلال، بل السؤال هو لأولئك الذين باسم المقاومة وقتال اسرائيل سمحوا لأنفسهم باستباحة الدستور والقانون والمال العام والسيادة والبشر، هؤلاء انفسهم من أزعجهم أحمد اسماعيل وضاقوا به وبصوته الصارخ وموقفه الصادق والصلب.

معركة أحمد اسماعيل مع المعتدين على حقوقه تختصر معركة اللبنانيين الذين لايزالون يؤمنون بأنّ الحرية شرط وجودهم وأنّها ليست منّة من أحد. لذا فإنّ معركة الحريات تفرض نفسها اليوم بقوة، في وجه سياسة كم الأفواه، التي نعلم ويعلم ذلك الذي يظن أنه قادر على كم افواهنا، أنّه نجح في كم افواه البعض بالقمع والتهديد، لكنّ أحمد لا .

لم يكن أحمد أوّل من استُدعيَ. هناك كثر تم استدعاؤهم من قبل اجهزة القمع وتم ابتزازهم وتهديدهم بأرزاقهم وحيواتهم ولا نلومهم على عدم إعلاء صوتهم اليوم. لكن هذا والله لن ينفع في مواجهة الإفلاس بعينه. إفلاس منطق الممانعة ونهاية يؤكد التاريخ حتميتها

أحمد اسماعيل، أيّها المناضل الصلب، نتعلم منك معنى أن نكون مواطنين احراراً بلا زيادة ولا نقصان.

(جنوبية) باتفاق مسبق

 

الحرية عنصر تكويني للبنان

يتربص بسطوة حزب الله

علي الأمين

كل الأرقام والمؤشرات المالية والاقتصادية تشير إلى أنّ لبنان لا يزال يسارع للوصول إلى الهاوية. الدين العام وصل إلى مئة وثمـانية عشر مليار دولار، فيما عجز المـوازنة السنوي يتجاوز الستين بالمئة، في موازنة لا تتجاوز السبعة عشر مليار دولار.

الموارد المالية تتراجع فيما الضرائب التي يجري رفع منسوبها لا تكفي لسد العجز، بل تزيد من مخاطر الانهيار المالي في البلد، ولا يمكن مهما حاول رئيس الوزراء سعد الحريري، عبر حكومة الوحدة الوطنية، أن يروّج لنظرية فصل الاقتصاد عن السياسة، فإنّ المؤشرات تدحض كل هذه النظرية التي تظهر أنّ مسار الاقتصاد والتنمية انحداري، ولا يبدو أنّ إمكانية لجمه متاحة في ظلّ الإصرار على تغيير هوية لبنان ودوره التاريخي في محيطه، وعلى مستوى المنطقة العربية والعالم.

الإشارة إلى هذا الجانب الاقتصادي والمالي تأتي وسط عجز متنام للسلطة السياسية، سواء تلك اللصيقة بحزب الله والمشروع الإيراني أو البعيدة عنه، عـن القيام بأيّ إجراء يعطي الثقة في إمكانية الخروج من النفق الذي صارت البلاد فيه، ذلـك أن ثمة خطابا طاغيا في الحكومة وعلى مستوى السلطات يتعامى عن الوقائع التي يعيشهـا لبنان اقتصاديا وماليا، ويعتمد وسيلة النعامة التي تضع رأسها في الرمال حين مواجهة أيّ خطر.

فيما يذهب البعض منهم إلى تعليق الفشل والعجز على مشجب اللاجئين السوريين، عبر محاولة رخيصة لتحميل اللاجئين فشل السلطة السياسية في مواجهة الأزمة، وتحميلهم مسؤولية العجز المالي، لتغطية عملية النهب المنظم الذي جعل المال العام هدفا للمحاصصة وللصفقات المشبوهة التي تشكل مصدرا من مصادر مراكمة الثروات غير المشروعة من جهة، ووسيلة من وسائل ترسيخ الزبائنية السيـاسية التي تفـرض على المـواطن حصرية تحصيل بعض حقـوقه من باب الولاء السياسي أو المذهبي والطائفي لا من باب حقوقه، كمواطن من جهة أخرى.

هذه الزبائنية والصفقات المشبـوهة ليست جديدة كما يعلم القارئ، هي موجودة دائما، لكنها في لبنان تنامت بشكل غير مسبوق، فعلى سبيل المثال تمت في السنوات العشر الماضية أكبر عملية نهب للأملاك العامة من الأراضي بقوة نفوذ السلطات الحـزبية المشاركـة في الحكومـة، وساهم نفوذ السلاح غير الشرعي في التغطية على هذه العمليات بشكل مباشر أو من خلال إضعـاف وتهميش سلطـة القانون في مواجهة المحميين والمستقوين بالسلاح غير الشرعي.

العجز لا يولد الثقة ولا يشعر صاحبه بأنّه يسير على أرض ثابتة، فعلى الرغم من الاستعراض السياسي والعسكري والإعلامي اليومي لحزب الله وحلفائه بأنّهم يستطيعون الإمساك بمفاصل الدولة ويتحكمون بخياراتها السياسية الخارجية والداخلية الأمنية والسياسية، فإنّ ذلك لم يوفر الشعور بالثقة والقوة، بل ثمّة ما يجعل هذه القوى – وعلى رأسها حزب الله- قلقة من الأرض التي يدّعون السيطرة عليها.

فلبنان يتداعى تحت نير هذا الانتصار المزعوم، والدولة تسير إلى المزيد من الهشاشة وعدم القدرة على بعث الثقة في نفوس المواطنين، فيما سلطة حزب الله لا تحمل إلى اللبنانيين إلا الوعود بحروب متتالية لا مجال لنهايات لها.

ولعلّ التهديدات التي باتت تطلق بشكل متنام تجاه كل المواقف المعترضة على حزب الله وتورطاته الخارجية وعلى استقوائه على الدولة، هي ما يوفره حزب الله وحلفاؤه من قوت يومي للحياة السياسية اللبنانية.

هكذا يلمس اللبنانيون اليوم محاولات حثيثة لتطويع التنوع اللبناني في بوتقته، وعلى قاعدة أنّ حزب الله هو المقدس وما عداه مدنس إن كان مغايرا ومختلفا ومن “المؤلفة قلوبهم” إذا كانوا يحسنون ترداد ما يقوله قادة هذا الحزب ورموز المحور الإيراني الممتد على طول الهلال الممتد من طهران إلى بيروت.

سطوة حزب الله يمارسها هذه الأيام باليد الناعمة التي نجحت إلى حد بعيد في تطويع معظم وسائل الإعلام اللبنانية، ويمكن لأي متابع لوسائل الإعلام هذه أن يلاحظ كيف أنه أمكن لهذا الحزب تطويعها إلى حد كبير، كما أطلق حزب الله العنان لبعض المحيطين به لإطلاق التهديد بالقتل لكل من يناوئ مشروع حزب الله من دون أن تتحرك السلطات القضائية، بل تحركت أجهـزة السلطة القضـائية عنـدما قـامت إحدى المغرّدات بتوجيه نقد قاس لوزير الخارجية جبران باسيل. على هـذا المنوال يجري تطويع الرأي العام، وبهذا الأسلوب يحاول حزب الله وحلفاؤه تسيير البلد وإدارته.

هذا النمط من إدارة البلد هو ابن تجربة السلطات العسكرية والأمنية التي لا تملك في رصيدها أيّ ثقافة للحكم خارج القوة والفرض والقمع، وهذا قد ينجح إلى حد ما وفي ظرف محدد ولكنّه غير قابل للاستمرار في بلد كلبنان.

فلبنان كما يقول تاريخه منذ تأسس هذا البلد، أن أي سلطة مهما بلغت من القوة والبطش لا تستطيع تطويع التنوع الذي قام عليه لبنان، ولا مساحة الحرية التي ظلت عصيّة على كل السلطات والاحتلالات لهذا البلد، وهذه الميزة ليست طارئة على لبنان بل هي عميقة وتأسيسية لهذا الوطن ولهذه الدولة، وهي لذلك مرتبطة ارتباطا وثيقا بطبيعته الاقتصادية والاجتماعية، وأيّ إخلال بشروط الديمقراطية والحريات ينعكس بالضرورة على الاقتصاد.

لبنان يلفظ أيّ محاولة لإلحاقه بالنماذج التوتاليتارية، وفي تكوينه لا يمكن أن يكون منفصلا عـن محيطه العربي، فالانتماء العربي ليس انتماء ظاهريا أو شكليا للبنان، بل هو عنوان وجود واستمرار ومعنى له، وكلما حاولت السلطات المتعاقبة جرّه إلى مكان آخر كان لبنان يرفض بطبيعته هذا التطويع والفرض بالانفجار في وجه من يحاول ذلك.

بهذا المعنى لبنان يقلق حزب الله اليوم، ويجعله غير واثـق من قدرته على الإمساك به، البلد يفاجئ الجميع في قدرته على التفلّت من نير العبودية، يطلق حركة مقاومة لكل سلطة تسعى إلى تغيير عناصر وجوده وتنوعه الفعلي، لبنان بلا حريات وبلا اعتراض وبلا حيويات سياسية وثقافية يموت، ولأنه عصي على الموت فهو يتعب بل يقضي على كـل من يحاول مصادرته أو جعلـه على صـورته الخاصة، الاقتصـاد يرفض هذا النمـط من الاستقواء والتنمية أيضا، والحياة اللبنانية ترفض التنميط لذا تعلن كلها أنّها عصية على الاستحواذ والحياة.

لبنان وطن أكبر من خطاب أيديولوجي تعبوي، وأعمق من فكرة طارئة تظن أنّها تحكـم وتسيطـر، وعصي على أي احتـلال ولو كـان من داخلـه، الحـرية ليست فيـه موجـة عابرة بل موجـة كفيلـة بـأن تطيـح بكل طاغية سواء كان فكرة أو محورا أو رجلا.

كاتب لبناني

 جريدة (العرب) اللندنية

شعارات إيرانية كُشفَ زيفها

من 'الأقصى' إلى 'وحدة الأمة'

علي الأمين

لم يسبق أن كانت القيادة الإيرانية وامتدادات فيلق القدس التابع للحرس الثوري شديدة “التهذيب” حيال الإجراءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى، كما شهدنا خلال الأسابيع القليلة الماضية، والحديث عن “التهذيب” هنا يفرضه منطق الأيديولوجيا الإيرانية التي طالما بررت تمددها ودعمها لمجموعات تابعة لها في معظم الدول العربية، في سياق ما تسميه تحرير القدس أو إنهاء إسرائيل من الوجود إلى الإدعاء بالقدرة على تدمير إسرائيل خلال سبع دقائق ونصف الدقيقة، فالقضية الفلسطينية هي الذريعة التي بها نجحت قيادة ولاية الفقيه في اختراق المجتمعات العربية ودولها، وأظهرت قدرة على العرقلة والتدمير من دون أن تستطيع هذه “القيادة الإلهية” أن تقدم نموذجا سياسيا ودنيويا يظهر مدى قدرتها على تقديم مثال حي وجذاب لإطار إنساني أو إلهي أو دستوري يفضح النماذج السياسية القائمة في الدول العربية.

الأيديولوجيا الإيرانية قدمت أسوأ النماذج على صعيد الاجتماع السياسي في المنطقة العربية، ليس بسبب الدمار الذي رافق سيطرتها الجزئية أو الكلية في بعض الدول العربية، بل في تلازم هذه السيطرة مع الانقسام داخل هذه الدول وتفتت مجتمعاتها وبرز المثال الإيراني عربيا متفوقا على كل أعداء المنطقة في أدلجة الانقسام باسم الدين أو المذهب وترسيخه.

رفعت هذه الأيديولوجيا شعار وحدة المسلمين كسبيل لنهوض الأمة العربية والإسلامية من كبوتها، وطريقا للتخلص من النفوذ الغربي في المنطقة، لكنّها فعليا كانت في العقد الأخير أكثر من تفوق في الاستثمار في تفتت الأمة وانقسامها، وأكثر من نأى عن مواجهة من يفترض أنّهم أعداء هذه الأمة بحسب ما روجت القيادات الإيرانية منذ نحو أربعة عقود، فأكبر صفقة أنجزتها إيران مع الغرب، أي المشروع النووي الإيراني، تمّ بقوة طاقة مشاركتها عمليا في تدمير العديد من الدول العربية، وهنا لسنا في إطار تبرئة النظام العربي من مسؤولياته على هذا الصعيد، لكن ما لا يجب أن يغيب عن بال المراقب وهو يقيم السياسة الإيرانية في المنطقة العربية، أنّها كانت من الأساس تصف الأنظمة العربية على أنّها أنظمة لا تمثل شعوبها، بل خانت دولها والأمة، وهذا خطاب مستمر ولا يزال منذ عقود.

وبالتالي لأن الأيديولوجيا الإيرانية تنطلق في مشروعها في المنطقة العربية من هذا الأساس وتضيف إليه أنّها تفضح تآمر العرب على فلسطين، فإن الحصيلة الأولية التي يمكن تلمسها لهذا المشروع على امتداد نفوذه هو أن فيلق القدس كان شديد الاحترام للمصالح الأميركية والإسرائيلية. لم يطلق يوما رصاصة واحدة في وجه إسرائيل، كما كان ولا يزال يفعل حيال العديد من القوى التي تهدد نفوذ إيران وأذرعها في العراق أو سوريا، بل إنّ السياسة الإيرانية الإسلامية أو القومية تتناغم مع أيّ اقتراح يعيد بلورة المجتمعات على أساس مذهبي أو طائفي، إذ تتهاوى كل الشعارات عن وحدة المسلمين أمام أطماع السيطرة والنفوذ، أو في سبيل المصالح المباشرة للسلطة الإيرانية، ودائما على حساب وحدة المجتمعات الوطنية أو وحدة المسلمين.

في المقلب اللبناني وهو البلد الوحيد الذي يمكن أن نقول إنّ إيران من خلال حزب الله تسيطر على مفاصل الدولة فيه، لم يتح لحزب الله أن يتعامل مع هذه الدولة باعتبارها وطنا ودولة يحق له أن يكون موجودا بكل ما تقتضيه شروط الدولة الطبيعية.

فحزب الله طالما ميّز نفسه عن بقية اللبنانيين باعتباره قوة مقاومة تواجه الخطر الإسرائيلي، وتروج دائما للقضاء على الكيان الصهيوني وتحرير القدس، هو دخل إلى سوريا وفي إحدى الذرائع التي روج لها لتبرير قمع الثورة السورية ، أنّه يريد أن يواجه المشروع الأميركي الصهيوني في هذا البلد، فكانت الحصيلة أنّ المحترم في سوريا من قبل إيران هو المشروع الأميركي الصهيوني، وهذا ما أكده اتفاق الجنوب السوري الذي طرد إيران وأتباعها من جنوب سوريا من دون أيّ اعتراض إيراني، رغم أن وظيفة هذا الاتفاق ضمان أمن إسرائيل، وهذا ما تؤكده القواعد الأميركية التي تقام في سوريا من دون أن تتلقى أي تهديد إيراني أو من قبل حزب الله. ما أنجزته إيران في سوريا قمع المعارضين السوريين أما العدو الإسرائيلي بحسب التنظير الإيراني فلا رصاصة وجهت لجندي إسرائيلي أو أميركي.

بحجّة مقاتلة إسرائيل احتفظ حزب الله بالسلاح في لبنان، لكنّه استقوى على اللبنانيين والسوريين، وبحجّة القدس دخلت إيران إلى العديد من الدول العربية، لكن حينما قامت إسرائيل بتهديد المسجد الأقصى بإجراءات عدوانية، كان حزب الله كما إيران منهمكا في حرب أخرى عنوانها قتال الإرهابيين في جرود عرسال اللبنانية والقيام بحملة تطويع للبنانيين باعتباره ينوب عن جيشهم في مواجهة هذا الخطر الذي كان هو أحد مسبباته، وأول من استثمر هذا الوجود لمصالح إيرانية ولحماية سلاحه الذي لا ينافس إلا سلاح الشرعية اللبنانية ولا يهدد فعليا إلا قيام دولة لبنانية ذات سيادة.

أوراق التوت تتساقط عن عورة المشروع الإيراني لتكشف أنه مشروع رفع شعار المقاومة والغاية هي السلطة والتحكم باللبنانيين والسوريين وعدم المس بالمصالح الإسرائيلية والغربية في هذين البلدين، رفع شعار وحدة المسلمين وأفضل من استثمر في الشروخ المذهبية التي قسمت المنطقة وقزمتها فيما حزب الله يعلن عن انتصار وراء انتصار. تتدمر المنطقة وحزب الله منتصر، وإيران تبتهج بانتصارها، تُحاصَرُ القدس فلا نسمع أيّ تهديد إيراني شبيه بما دفع حزب الله قبل خمس سنوات إلى الزج بالآلاف من مقاتليه في سوريا لأنّه اعتبر أنّ مقامات شيعية مهددة في سوريا، أولى القبلتين لم تهز وجدان حزب الله، وإذا أحسنا الظن بنوايا حزب الله وإجراءاته فإنّ القدس ليست على وزن دمشق، ولا المسجد الأقصى بأهمية مقام السيدة زينب في دمشق، وإذا أسأنا الظن فليست الشعارات الدينية إلا وسيلة يجري استخدامها وقت الحاجة.

كاتب لبناني

جريدة (العرب) اللندنية

جرود عرسال.. آخر حلقات

إحكام السيطرة الإيرانية على لبنان

علي الأمين

 

المئات من عناصر تنظيمي جبهة النصرة وداعش يتمركزون في مناطق على الحدود اللبنانية-السورية في ما يعرف من الجانب اللبناني جرود عرسال، ومن الجـانب السوري تلال القلمون الغربي. التنظيمان متواجدان منذ سنوات، حصلت في الأصل مواجهات عسكرية بينهما حيث يتمركز تنظيم داعش في المناطق الشمالية من هذه الجرود، فيما جبهة النصرة (جبهة فتح الشام) في الجزء الجنوبي، كما يتواجد في هذه الجرود فصيل تابع للجيش السوري الحر.

حزب الله قرر أخيرا أن ينهي هذا الوجود العسكري بالتعاون مع الجيش السوري، بدأ حملة عسكرية مسبوقة بحملة إعلامية واسعة في الداخل اللبناني، ساهمت في تصعيد العداء ضد اللاجئين السوريين، حيث صدرت مواقف من حلفائه فيما تكفل الإعلام الممانع بلصق المآسي اللبنانية باللاجئ السوري. هذه الحملة العسكرية والتي شملت مناطق جرود عرسال وهي منطقة وعرة تمتد على مساحة أربعمئة كيلومتر مربع يتحكم حزب الله وجيش النظام في سوريا بالسيطرة شبه الكاملة عليها، فيما المسلحون داخلها هم في حالة حصار.

ويؤكد المراقبون أنّ حزب الله كان قادرا منذ العام 2015 على إنهاء وجود هذه المجموعات من الناحية العسكرية، إذ يجب الإشارة إلى أن هؤلاء المقاتلين في معظمهم هم من أبناء بلدات وقرى القلمون تلك التي كان حزب الله سيطر عليها في ذلك العام بشكل شبه كامل، فيما شكّل وجود هذين التنظيمين الإرهابيين أحد أهم أسلحة حزب الله التي استخدمها في مواجهة اللبنانيين الذين رفضوا تدخله في الأزمة السورية، بالقول لهم إنه هو من يحميهم من الإرهاب وأن هذه التنظيمات الإرهابية المتواجدة في جرود عرسال متأهبة للدخول إلى لبنان لولا أن حزب الله يحول دون ذلك.

اتفاق الجنوب السوري الذي قام بين روسيا والولايات المتحدة وبالتنسيق مع الأردن وإسرائيل، قضى بأن لا يكون للإيرانيين وميليشياتهم أي تواجد في عمق يصل إلى 40 كلم بعيدا عن حدود الجولان المحتل وعن الحدود الأردنية. طهران لم تنبس ببنت شفة التزمت وسحبت قواتها بصمت لإدراكها أنّ مثل هذا الاتفاق بين الدولتين الكبيرتين لا يمكن أن تواجهه، فالأفضل هو الرضوخ والتعويض في مكان آخر، علما أنّ النظام السوري اعتبره اتفاقاً ملائما له.

الحملة العسكرية في جرود عرسال اللبنانية، هي خطوة إيرانية بالدرجة الأولى، وعلى خلفية اتفاق الجنوب السوري المذكور، ولإحكام النفوذ على المثلث الشرقي الممتد من دمشق- حمص- لبنان وعرسال تقع في وسطه، وعلى ما يمكن استنتاجه فإنّ المحور الإيراني ربما وجد أنّ بقاء شماعة المجموعات الإرهابية لم يعد ذا أهمية إزاء إحكام السيطرة الكاملة للمحور الإيراني.

من هنا فإنّ أبعاد معركة جرود عرسال لها وجهان. وجه أول يتصل بإحكام السيطرة الإيرانية المباشرة وغير المباشرة في الجانب السوري. والوجه الثاني استكمال حلقات السيطرة الأخيرة على لبنان، وهنا تمكن الاستفاضة في الإضاءة على الخطة التي اعتمدها حزب الله على هذا الصعيد.

الاستسلام الرسمي لسلوك حزب الله يكشف أن لبنان فقد القدرة حتى على مقاومة مصادرة سيادته ولو في الموقف. فقدان هذه المقاومة هو تسليم بأن لبنان صار من الناحية الرسمية ضمن المحور الإيراني أو منطقة النفوذ الإيراني

إذ يعرف الجميع، وفي مقدمتهم اللبنانيون، أنّ حزب الله ضرب بعرض الحائط كل الاعتراضات اللبنانية الرسمية والشعبية التي طالبته بالخروج من سوريا منذ أن أعلن رسميا ما سمّاه “الواجب المقدس” كعنوان لحربه التي انطلقت من لبنان ضدّ كل فصائل المعارضة السورية، بل ضدّ كل من يعارض النظام السوري، وإن برر تدخله بالقول إنه يريد الدفاع عن المقامات الشيعية في سوريا في البداية.

استهزأت قيادات حزب الله في ذلك الحين بكل المواقف والمناشدات اللبنانية التي تطالبه بالخروج من سوريا، هذا الاستهزاء ترافق مع عملية تطويع للقوى السياسية اللبنانية عبّر عنه بالدرجة الأولى عدم انتخاب رئيس للجمهورية وإلزام اللبنانيين بانتخاب مرشحه أو استمرار الفراغ، وفعلا نجح حزب الله في فرض مرشحه العماد ميشال عون بعد فـراغ في هذا المنصب استمر لأكثر من عامين ونصف، وتمّ تشكيل حكومة على قاعدة تسوية سياسية رضخ فيها معارضوه لشروطه (ما لي لي وما لكم لي ولكم) أي أنّ حزب الله له مطلق الصلاحية عمليا في ما يعتبره مهمات أمن قومي خارجي ومنها سلاحه وتدخله في سوريا، أمّا القضايا الداخلية المتصلة بالسياسات الاقتصادية والمالية وما إلى ذلك فهي بالشراكة بين حزب الله وبقية اللبنانيين.

الجديد في الحلقة الأخيرة من إحكام السيطرة على لبنان، أن المشروع الإيراني المتمثل بحزب الله بدأ من خلال عملية جرود عرسال العسكرية، إظهار أنّ اللبنانيين ولا سيما شركائه في السلطة الداخلية في لبنان هم لا يشيحون بوجوههم عن تدخله في سوريا، بل هم في موقع الملتفين حول دوره في مواجهة تنظيم إرهابي موجود على الأراضي اللبنانية، رغم أنّ الجميع يعلم أنّ وجود هؤلاء هو بسبب دخول حزب الله إلى بلدات القلمون، فيما البعض من هذه التنظيمات كانت بوعي عناصرها أو بغير وعيها تنفذ أجندات المشروع الإيراني.

تكشف عملية عرسال العسكرية والتي تزامنت أيضاً مع زيارة مقررة لرئيس الحكومة سعد الحريري إلى واشنطن، حيث من المقرر أن يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب (اليوم الثلاثاء) وكما هو معلن في بيروت أن الحريري سيحمل للرئيس الأميركي مطالب لبنانية تتصل بعدم تصعيد العقوبات المالية على حزب الله لأنّها باتت تؤثر على كل اللبنانيين، كما سيطالب بدعم المؤسسة العسكرية، لكن الأهم في هذه الزيارة أنّ الحريري يحمل في طيات زيارته، ما يندرج في سياق التأكيد على أن لبنان يحارب الإرهاب في جرود عرسال.

علما أنّ الجيش اللبناني الذي لم يشارك إلى جانب حزب الله والجيش السوري في المعارك الجارية، إلا أن الحكومة اللبنانية والجيش يتعاملان مع معركة حزب الله وكأنّها حرب مشروعة من دون أن يظهر لبنان الرسمي أيّ موقف يبدو فيه مستاء مما يجري على الأقل من زاوية أنّ حربا تجري على أرضه ويجب أن يكون هو صاحب القرار في الحرب وفي خططها وإدارتها.

الاستسلام الرسمي لسلوك حزب الله يكشف إلى حد بعيد أن لبنان فقد القدرة حتى على مقاومة مصادرة سيادته ولو في الموقف. فقدان هذه المقاومة هو ما يمكن أن نسميه في الجانب الرسمي الاستسلام لمجريات التحكم والسيطرة، لا بل التسليم بأنّ لبنان صار من الناحية الرسمية ضمن المحور الإيراني أو منطقة النفوذ الإيراني التي جاءت معركة عرسال الجارية لتمثل الحلقة الأخيرة التي ستجعل حزب الله ومن خلفه إيران يستعد ليخاطب اللبنانيين وشركائه في السلطة كما فعل غداة تحرير الشريط الحدودي من الاحتلال الإسرائيلي في العام 2000، حيث ادعى حزب الله أنّه هو من حرر الشريط المحتل طامسا كل النضالات وآلاف الشهداء اللبنانيين والفلسطينيين الذين سقطوا خلال عملية التحرير التي بدأت منذ العام 1982.

سيخرج زعيم حزب الله بعد عملية عرسال وسيقول للبنانيين أنا من حرركم من إسرائيل ومن الإرهاب… والأمر لي.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

إسرائيل شريكة في خفض

التوتر جنوب سوريا وإيران غربا

علي الأمين

التفاهمات الأميركية الروسية في المنطقة الجنوبية الغربية لسوريا، تعيد الاعتبار للتعاون الروسي- الأميركي في هذا البلد، وهذا الاتفاق الذي يندرج ضمن صفقة المناطق المنخفضة التوتر في سوريا، أظهر أن أولوية الأمن الإقليمي تتقدم على ما عداها من عناوين التغيير السياسي في سوريا، رغم تأكيد وزير الخارجية الأميركية تيلرسون غداة إنجاز الاتفاق خلال لقاء الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في قمة العشرين في هامبورغ، أنّه لا يرى وجودا لبشار الأسد وعائلته في مستقبل النظام في سوريا، على أنّ ما اعتبره بعض المراقبين في الاتفاق الروسي الأميركي بمشاركة أردنية، أنه يعيد الاعتبار إلى نظام الأسد لا يعبر بدقة عن التوجه لدى إدارة ترامب تجاه مقاربة الأزمة السورية، فالإدارة الأميركية لا تبدو مهتمة في المدى المنظور بكيفية إعادة الاعتبار إلى النظام السوري سواء في ظل الأسد أو في ظل نظام سياسي جديد يبسط سلطته على كامل الأراضي السورية.

ذهب مستشار الأمن القومي الأميركي إلى وصف الاتفاق هذا بأنه أولوية أميركية، فيما قال الرئيس الروسي إن إسرائيل شريك في الاتفاق إلى جانب الأردن.

ما تشي به المعلومات المتداولة، أنّ الاهتمام الأميركي منصب على استمرار عملية إنهاء تنظيم داعش في الأراضي السورية، وتعزيز دور قوات سوريا الديمقراطية الكردية، وفي الجنوب السوري على ضمان الاستقرار على الحدود الأردنية والحدود مع الجولان المحتل، لذا ركز الاتفاق الآنف الذكر على حفظ الاستقرار المتلازم مع محاربة جيوب تنظيم داعش في هذه المنطقة مع إبعاد النفوذ الإيراني عبر الميليشيات عن الحدود مع إسرائيل والأردن بضمانة روسية.

الاتفاق في جنوب سوريا جدد التأكيد على أنّ المظلة الأميركية والروسية باتت المقرر في المعادلة السورية إلى حدّ كبير، وتجربة الجنوب السوري أظهرت من خلال الصمت الإيراني والترحيب التركي إلى جانب الصمت العربي تسليماً بهذا الاتفاق، فيما تبدو إسرائيل الأكثر اطمئناناً بعدما نجحت في استدراج هذه المظلة الروسية الأميركية لضمان أمنها الحدودي بعدما تدهورت أحوال النظام السوري وسطوته، الذي لم يعد يشكل مصدر ثقة في قدرته على توفير الاستقرار على حدود الجولان كما كان الحال قبل اندلاع الثورة السورية ومنذ العام 1974 على وجه الدقة.

الاتفاق الروسي الأميركي يجعل إيران أكثر اهتماماً بالمزيد من إمساك مفاصل السلطة في لبنان وبتعزيز السيطرة الميدانية لحزب الله وميليشيات إيران في سوريا

الاتفاق الأميركي الروسي، الذي اعترضت فصائل سورية معارضة على مضامينه ولا سيما في ما ينطوي عليه من تأجيل حسم ملف الانتقال السياسي، وترسيخ الاستقرار في مناطق الجنوب على أسس تعزز، بنظرها، نظام مصالح مناطقي قد يزيد من نزعات الانفصال داخل سوريا، بالإضافة إلى مطالبتها بأن يكون اتفاق وقف النار شاملا كلّ الأراضي السورية، في المقابل لا تبدو إيران التي لم تعلن موقفاً سلبياً من الاتفاق، مطمئنة إلى مجرياته، ولا سيما استثناءها من المباحثات، بل إن التأكيد على استبعاد قواتها وميليشياتها من هذه المناطق لا يطمئنها علما أن إيران لم تبد اعتراضا لا على الاتفاق ولا على مشاركة إسرائيل كطرف فيه كما أكد الرئيس الروسي، من هنا يمكن فهم أن الاستعداد الإيراني، من خلال ذراعها الأبرز في سوريا ولبنان أي حزب الله، لملاقاة هذا الاتفاق بالمزيد من السيطرة على مفاصل القرار اللبناني، وفتح ملف النازحين السوريين في لبنان، شكّل إلى حدّ بعيد وسيلة من وسائل الدخول إلى المعادلة التي ترسم في المناطق الجنوبية الغربية السورية وفي خطوة استباقية على ما يمكن أن يحمله من مفاجآت، ويتمّ ذلك من خلال تفجير ملف اللاجئين السوريين في لبنان بما يحول دون إظهار المواقف المعارضة داخل السلطة اللبنانية لتدخل حزب الله في الأزمة السورية، فالعزف على وتر شيطنة اللجوء السوري غايته الأساسية إنهاء ما تبقى من جيوب معارضة للسياسة الإيرانية وللنظام السوري في لبنان.

تورط الجيش اللبناني في اقتحام بعض مخيمات اللاجئين السوريين ولا سيما في ما تردد عن موت بعض المعتقلين من قبل الجيش تحت التعذيب، وما أحاط بهذه العملية من تجاوزات طالت شظاياها مؤسسة الجيش وسط حال من الصمت الرسمي حيالها، يأتي كمقدمة لاستعدادات عسكرية معلنة لخوض حزب الله معركة إنهاء نفوذ تنظيمات إرهابية متواجدة على حدود منطقة عرسال من الجانب السوري.

وليس خافياً على المتابعين أنّ هذه الجيوب الإرهابية بقيت موجودة لسنوات رغم حصارها، ولا يمكن النظر إلى استمرارها في هذه المناطق بمعزل عن أهداف سياسية وأمنية يحتاجها حزب الله لأسباب شتى، قد يكون منها تبرير قتاله واستخدام هذا الوجود كوسيلة قابلة للاستخدام الداخلي اللبناني وفي إظهار دوره في مواجهة الإرهاب دوليا.

وهذا ما يطرح سؤال هل أن حزب الله وصل إلى المرحلة التي تتطلب إنهاء هذه الجيوب الإرهابية على حدود عرسال السورية؟

سيف المجموعات الإرهابية يبقى مسلطاً وقابلاً للاستثمار سواء في اتجاه الشعب اللبناني أو الشعب السوري، إذ يمكن لأي عمل أمني إرهابي يتم لصقه بهذه المجموعات سواء المتواجدة في لبنان أو على حدوده أو في المناطق الممتدة من الحدود اللبنانية إلى ريف دمشق الغربي، وبالتالي عملية تفجير ملف اللاجئين السوريين في لبنان والحديث عن عملية عسكرية ضد جيوب التنظيمات الإرهابية، أن يساهم في تأكيد الدور الإيراني ضد الإرهاب من جهة، ويحاول أن يفرض مساراً لإدارة عملية استخدام اللاجئين بما يخدم سلطة نظام الأسد والنفوذ الإيراني في مناطق سوريا الغربية من جهة ثانية، من دون حلّ هذه القضية، بحيث تطمح إيران التي شجعت على عمليات مقايضة ديموغرافية في القلمون السوري كما حصل في كفريا والفوعة والزبداني ومضايا، إلى خلق ظروف أمنية واجتماعية في مخيمات اللجوء السوري في لبنان، تدفع إما إلى عودة اللاجئين مرغمين إلى سوريا، أو إلى تهجيرهم مجددا إلى مناطق خارج لبنان.

وقبل ذلك فإن النظام السوري ليس بوارد أو قادر على إعادتهم وما يثبت ذلك وجود نحو ستة ملايين لاجئ داخل سوريا لم يسع النظام إلى إعادتهم.

علما أن جزءا كبيرا منهم هم في مناطق نفوذه هذا كله، دون أن نشير إلى السياسة التي اعتمدها وهي تهجير كل من يعاديه من بيئات حاضنة للمعارضة بما يحول دون عودتها بعدما دمر أماكن سكناها بشكل كامل.

من هنا فإن الاتفاق الروسي الأميركي يجعل إيران أكثر اهتماماً بالمزيد من إمساك مفاصل السلطة في لبنان وبتعزيز السيطرة الميدانية لحزب الله وميليشيات إيران في سوريا، سواء عبر عمليات تفريغ مناطق النفوذ خاصة تلك المحاذية للحدود مع لبنان مع السماح بعودة جزئية للاجئين بما لا يهدد هذا النفوذ أو يخل به.

ولكن هذه السياسة تبقى غير قابلة إلا للمزيد من عدم الاستقرار طالما أنّ البيئة السورية ولا سيما تلك التي شارك حزب الله في قتالها إلى جانب النظام السوري أو وحيداً، لن تسلم بسلطته التي باتت ضرورية لصمود نظام الأسد.

فالنظام الذي يتداعى رغم الفرص الدولية التي تعطى له، غير قادر على الصمود في أيّ بقعة من دون الوجود الإيراني وهذا بحد ذاته عنصر استمرار للحرب وللاستنزاف الذي ثبت قواعده الاتفاق الروسي الأميركي بعنوان خفض التوتر على الحدود السورية مع الأردن وإسرائيل، وهذا لا يعني لجم الاستنزاف بعيدا عن هذه الحدود وعلى امتداد الداخل السوري حيث يترسخ النفوذ الإيراني ونظام الأسد.

كاتب لبناني

(جريدة العرب) لندن

 

 

لهذه الأسباب حزب الله

 لا يريد الإنتخابات النيابية

 

علي الأمين

 

لا شكّ أنّ حزب الله استشعر قلقاً بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو قلق مشروع في إيران، فكيف لأبرز ذراع لها في لبنان والمنطقة. الرئيس الأميركي الجديد وكلّ فريقه في الإدارة لا يبدون أيّ ودّ تجاه إيران، كما كان حال الرئيس السابق باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري. التوجه الأميركي يتخذ بعداً تصعيدياً ضد النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، ترامب وضع العراق كساحة مواجهة مع النفوذ الإيراني، إيران لوحت بصواريخ حزب الله ضد اسرائيل واستتبعته بعقد مؤتمر عن فلسطين في طهران.

حزب الله يتلمس بطبيعة الحال الوجهة الأميركية الجديدة، كما البهجة الإسرائيلية بالرئيس ترامب، وهو نفسه غالباً ما يكرر عبر وسائل إعلامه الحديث عن التقارب العربي مع اسرائيل على قاعدة الضد مع إيران، وهذا ما عبّر عنه أمينه العام السيد حسن نصرالله في خطابيه الأخيرين عبر التصعيد اللفظي ضد إسرائيل وعلى طريقته بوسيلة تحذير إسرائيل من التورط في مغامرة ضد لبنان أو حزب الله، بأنّه –أي حزب الله- سيستهدف مفاعل ديمونا ومخازن الأمونيا في حيفا وفي البحر.

يدرك نصرالله وهو يرفع من نبرة التحذير أو التهديد ضد إسرائيل بعد المذبحة السورية، أنّ جمهور الشيعة في لبنان من مؤيديه، لا يريدون أن يعودوا إلى نغمة الحرب مع اسرائيل. هم الذين يدركون أنّ مروحة الأعداء تكاد تحاصرهم بالكامل، بعدما فعل تدخل حزب الله في سوريا فعله في النفوس وباتت ورقة الإستقرار على الحدود مع إسرائيل هي الورقة الذهبية والوحيدة التي يملكها حزب الله، ويقايض فيها جمهوره بالولاء. وبالتالي يمكن فهم لماذا عمدت وسائل إعلام الممانعة وشبكات التواصل الخاصة بحزب الله، إلى تفسير كلام نصرالله بأنّه تصعيد لمنع الحرب، وليس لإشعالها. كما ترددت بشكل لافت مقولة أنّ تحذير نصرالله هو الذي لجم اسرائيل من تنفيذ عدوانها على لبنان.

وفي كلا الحالين سواء ذهبنا إلى تبني فرضية أنّ إيران تريد أن تستخدم حزب الله ضد اسرائيل للتخفيف من الإندفاعة الأميركية ضدها، أو تبنينا مقولة أنّ تصعيد حزب الله اللفظي هدفه لجم ضربة اسرائيلية مقررة ضد لبنان وحزب الله، فهذا يعني أنّ حزب الله الذي أعاد ترتيب المعادلة الداخلية بما يتناسب مع متطلباته الإقليمية ليس في وارد زعزعتها أو الإنشغال فيها خلال وقت حرج إقليمياً.

لا يمكن تخيل معادلة ملائمة لحزب الله أفضل من المعادلة القائمة: الجميع يريد رضاه، رئيس الجمهورية لا يتأخر في تلبية ما يريده من مواقف إقليمية، النائب وليد جنبلاط لا يريد العودة إلى زمن المواجهة مع "الدويلة"، القوات اللبنانية لا ترغب في خضم التحالف مع الرئيس عون، إلاّ أنّ تكسب ودّ حزب الله، أما تيار المستقبل فهو مضطر أن يطلق مواقف مبدئية ولفظية ضد السلاح غير الشرعي وضد شتيمة العرب، ولا يريد أن يوقف الحوار مع حزب الله، إمّا عبر عن ذلك نائب أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم.

عملياً لا مزعجات في المعادلة النيابية ولا الوزارية ولا الرئاسية بالنسبة إلى حزب الله، فيما الإنتخابات النيابية كفيلة بأنّ تدخله في دوامة وحسابات هو حالياً في غنى عنها. حلفاء حزب الله من السنّة والمسيحيين والدروز الذين ينتظرون موسم القطاف في الإنتخابات النيابية، لن يستطيع حزب الله تلبية ما يتوقعونه منه، لا لبخل بل لعجز، ولشعور بخطر أن يكون فوزهم وبالاً عليه وليس مكسباً له. فرضوخ جنبلاط والحريري والقيادات المسيحية لمعادلة حكم حزب الله اليوم، هو أفضل بكثير مما يمكن أن تحدثه الإنتخابات النيابية من فرز جديد لا يتحكم حزب الله بمفاصله ولا بتداعياته. فالمسألة ليست في قدرة حزب الله على تطويع الأكثرية النيابية وكسبها في الإنتخابات المقبلة، بل في ثورة الخاسرين التي لن تنفجر إلا في وجهه سواء كانوا حلفاء له أو خصوماً. ويجب الإشارة إلى أنّ الأكثرية النيابية التي مثلتها قوى 14 آذار في انتخابات 2009 ، لم تعنِ شيئاً في ميزان القوى الذي يرجحه حزب الله، بسطوة السلاح سواء كانت الأكثرية النيابية معه أو ضده.

من هنا يجب الإنتباه إلى موقف حزب الله من الإنتخابات النيابية، فالحزب متوجس من أيّ تغييرٍ في المعادلة النيابية المسيحية وفي الوقت نفسه لا يريد إزعاج رئيس الجمهورية، الذي يعطي الحزب في مقابل أن يقبض الثمن في الإنتخابات النيابية. الكل يعطي حزب الله اليوم ما يريده في السياسة، من سليمان فرنجية إلى عبد الرحيم مراد وطلال أرسلان ووئام وهّاب وأسامة سعد، وغيرهم من المسيحيين "المشرقيين" و"أشاوس" الممانعة، وأيضاً الكل من سعد الحريري إلى وليد جنبلاط وسمير جعجع، وغيرهم من رموز السياديين يعطون طائعين أو مرغمين، فيما يكتفون في تصفية الحسابات داخل طوائفهم بحثاً عن انتصار عجزوا عنه خارجها...

أفضل من المعادلة القائمة لن يحقق حزب الله لأنّها مثالية له وأفضل المتاح.  والإنتخابات النيابية تحت سطوة السلاح وبغياب مشروع سياسي وطني معارض لحزب الله تصبح عبئاً على "الحزب"، في مرحلة إقليمية حساسة. لذا فالإنتخابات ستفرض انهماكاً تنظيمياً هو بغنى عنه، ونسبة من المساءلة، في الحدّ الأدنى عبر سؤاله عن المنافع الإلهية التي ينتظرها بعض المرشحين من دعم، والناخبين من عطايا، درج عليها حزب الله في كل موسم انتخابي.

 

 

 

إيران تلوح بحزب الله للجم

ترامب وتطويق انكسارات اليمن

علي الأمين

فجأة ومن دون سابق إنذار عادت نغمة التصعيد المتبادل على ضفتي الحدود بين لبنان وإسرائيل. التصعيد اللفظي والاستعراضي يقابله استمرار الهدوء والاستقرار في أكثر منطقتين آمنتين في الشرق الأوسط منذ نحو أحد عشر عاما، نقصد جنوب لبنان ومنطقة الجليل الإسرائيلية، فهل المنطقة أمام مشهد تفجيري جديد طرفاه إيران عبر ذراعها حزب الله من جهة، وإسرائيل من جهة ثانية على الأرض اللبنانية وداخل الحدود الإسرائيلية؟

نقطة البداية في هذا المشهد التصعيدي بدأت منذ بداية الشهر الجاري، منذ أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب مواقف عدّة تجاه إيران، أوحت بوجود سياسة أميركية جديدة عنوانها الحدّ من النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، قال الرئيس الأميركي الجديد إنّه يريد الحدّ من النفوذ الإيراني في العراق، ووجّه أكثر من رسالة واضحة حيال التجارب الصاروخية الباليستية، وأعاد إيران إلى مربع العقوبات الأميركية الأول، ووجه رسالة مباشرة من على شواطئ اليمن بعد العملية الانتحارية التي استهدفت فرقاطة سعودية. كل هذه التطورات واستعراض أوراق القوة الأميركية، كان لا بد للقيادة الإيرانية أن ترد في المقابل باستعراض أوراق قوتها، وحزب الله الذي يمسك بالحدود اللبنانية مع إسرائيل، هو الأكثر قدرة على تلبية النداء الإيراني للرد على التهديدات الأميركية، ومن دون أن تتحمل إيران أيّ مسؤولية مباشرة.

على أنّ حزب الله الذي يدرك حساسية اللعبة الدولية، منذ أن غضت واشنطن النظر عن انخراطه في الحرب السورية دعما لنظام بشار الأسد، حرص على أن تكون رسائله الصوتية ضد إسرائيل ولا تقترب من أيّ موقف يمكن أن يشتم منه أيّ تهديد للمصالح الأميركية المباشرة في لبنان والمنطقة، لذا عندما نشرت وكالة رويترز الإخبارية قبل أيام نقلا عن مصدر في حزب الله أنّ الأخير يوجه تحذيرات لترامب، سارع حزب الله إلى نفي الخبر معتبرا أنّ لا أساس له من الصحة ببيان صدر عن العلاقات الإعلامية في حزب الله.

التهديدات التي أطلقها الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، كانت مدروسة أيضا تجاه إسرائيل، فهي مسبوقة دائماً بـ“إذا قامت إسرائيل بعدوان على لبنان فإنّ حزب الله سيرد”، ويكمل أنّ لدى حزب الله مفاجآت للجيش الإسرائيلي، مؤكدا أنّ معلومات إسرائيل عن إمكانيات حزب الله التسليحية والقتالية ضعيفة. لكن نصرالله وهو يستعرض في خطابه ضد إسرإئيل، كان يوجه سهامه إلى المنظومة العربية، وتحديدا المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، في مواقف كشفت عن انقلاب على ما قيل عن تفاهم لبناني عبرت عنه محطة انتخاب العماد ميشال عون رئيسا ومحطة تشكيل الحكومة، وتأكيد الأطراف اللبنانية، على اختلافها، على ضرورة إعادة تنشيط العلاقة مع الدول العربية ولا سيما الدولتين المذكورتين. من هنا جاء تصعيد حزب الله ضد إسرائيل وضد الدول العربية، مع فارق استمرار الهدوء وعدم القيام بأي خطوة عسكرية ضد إسرائيل، في مقابل ضخ مستمر للمقاتلين سواء باتجاه سوريا أو غيرها من الدول العربية كما هو الحال في اليمن والعراق.

حزب الله الذي يدرك حساسية اللعبة الدولية، حرص على أن تكون رسائله الصوتية ضد إسرائيل ولا تقترب من أي موقف يمكن أن يشتم منه أي تهديد للمصالح الأميركية المباشرة في لبنان والمنطقة

الكلفة القتالية ضد إسرائيل هي وجودية لحزب الله، فإسرائيل ردت على مفاجآت نصرالله التي لوّح بها في خطابه، بموقف من أفيجدور ليبرمان وزير الأمن الإسرائيلي قال فيه، إنّ كلّ مقومات الدولة اللبنانية ستكون هدفا لإسرائيل ولم يذكر حزب الله، وهي إشارة إلى أنّ هذه الحرب ستزيد من أعداء حزب الله أكثر ممّا ستجد تعاطفا معه. فالكل يعلم أنّ الدولة اللبنانية في أسوأ أوضاعها المالية والاقتصادية، فيما حزب الله بات يدرك أنّ التعاطف اللبناني أو العربي لن يكون متوفرا كما حصل في حرب العام 2006، لذا فإنّ بعض المراقبين يقرأون في مواقف الحزب التصعيدية الأخيرة محاولة للجم أيّ حرب إسرائيلية محتملة ضده بتشجيع من ترامب، فيما يضيف بعض المراقبين أنّ تصعيد حزب الله هو محاولة إيرانية للتذكير بأنّ لإيران دورا محوريا في حماية الاستقرار على الحدود الشمالية لإسرائيل سواء مع لبنان أو مع سوريا، وأنّ إيران تنبه إلى أنّها في حال تعرضت مصالحها ونفوذها في المنطقة العربية لأي تهديد أميركي فهي يمكن أن تذهب إلى خطوة انتحارية على الحدود الإسرائيلية.

في هذا السياق لا يمكن المرور على موقف السلطة اللبنانية من دون الإشارة إلى موقف لبنان الرسمي. حيث برز موقفان واحد عبر عنه رئيس الجمهورية المنهمك في ترتيب وضعية انتخابية برلمانية تتيح له أن يحصد حزبه التمثيل المسيحي الكاسح، وهي وضعية لا يمكن أن تتحقق له من دون رعاية حزب الله سياسيا ولوجستيا، فكان واضحا في القول إنّه إلى جانب سلاح المقاومة وضرورة بقائه في المعادلة اللبنانية لأن الجيش عاجز عن مواجهة أيّ عدوان اسرائيلي.

الموقف الآخر كان من الحكومة اللبنانية التي انتقدت مواقف نصرالله من الدول العربية واعتبرها الرئيس سعد الحريري تخريبية لمصالح لبنان وعلاقاته الأخوية مع دول الجوار، فيما جدد التأكيد سواء على طاولة الحكومة أو في خطابه من على منبر 14 فبراير، أي في ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أنّ قضية السلاح غير الشرعي لم تنته كقضية محورية يسعى إلى إنهائها في سبيل دعم خيار السلاح الشرعي من قبل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية.

لم تذهب المواجهة الداخلية نحو مسارات الانقسام السياسي الحاد، فحزب الله اكتفى بتوجيه رسائل باتجاه الخارج، وأظهر اهتماما بعدم الانجرار إلى مواجهات داخلية، واختفى خلف موقف رئيس الجمهورية الذي بدأ بتلقي الرسائل الدولية والأميركية المعترضة على مواقفه التي تتناقض مع مقتضيات القرار الدولي رقم 1701 والتي لا تقرّ بوجود سلاح غير سلاح الشرعية اللبنانية والقوة الدولية المنتشرة منذ العام 2006 في منطقة الجنوب وإلى جانب الحدود مع إسرائيل.

يبقى أنّ المخاوف وتداعيات التصعيد الكلامي لم تكن لصالح الدولة اللبنانية، التي يفترض أنّها مع العهد الجديد، تحاول أن تستعيد بعض النشاط الاقتصادي من خلال تحفيز السياحة والاستثمار وجذب المساعدات العربية والدولية، لكن يبدو أنّ الحسابات الإيرانية تتقدم على كل الحسابات اللبنانية وعلى نظام مصالح اللبنانيين عموما، فإيران لن تقبل بأن يتم تهديد نفوذها دوليا في المنطقة العربية، وصراخ حزب الله لا يمكن إلاّ أن يكون نتيجة تحسسه لخطر تنطوي عليه مواقف الإدارة الأميركية تجاه إيران، وهو إن كان يدرك أهمية دوره اليوم كحام للحدود اللبنانية مع إسرائيل ضد أيّ محاولة مقاومة فلسطينية أو عربية أو إسلامية ضد احتلال فلسطين، فيستخدم هذه الورقة في مواجهة التطور الأميركي تجاه الحرب في اليمن، فالحياد العملي الذي اعتمدته إدارة الرئيس باراك أوباما تجاه الانقلاب الحوثي في اليمن، تبدو إدارة ترامب حاسمة أكثر من الإدارة السابقة في إنهاء الأزمة اليمنية انطلاقا من مواجهة النفوذ الإيراني في هذا البلد، ولعلّ تعزيز حضور البوارج الأميركية في مياه الخليج، هو الرسالة الأكثر وضوحا، مع ما يقابلها من تراجع استعراضات الحرس الثوري والبحرية الإيرانية التي لمست أنّ الأميركيين جادّون بتوجيه ضربة لإيران هذه المرة.

الأصوات الإيرانية المرتفعة ضد إسرائيل هذه الأيام، لم تكن هي ذاتها قبل عام، ما يؤكد أنّ التلويح بورقة حزب الله، وعقد مؤتمر دعم فلسطين هذه الأيام في طهران، والتهديد بضرب مفاعل ديمونا الإسرائيلي، ليست إلاّ محاولات خطابية مرفقة بكيل الاتهامات للنظام العربي، ولكن من دون أي استعداد لتوجيه أي رصاصة باتجاه العدو الإسرائيلي.

إيران التي غامرت بالعرب في سبيل كسب ودّ الغرب، تحاول اليوم ألا تخسر ودّ الغرب أيضا، وما أصوات نصرالله في لبنان والرئيس الإيراني حسن روحاني في الكويت وعُمان، إلاّ محاولة للحدّ من خسائرها الدولية بعدما صارت عدوا لمعظم الدول العربية، فيما الدول الكبرى غير راغبة في إعطائها المكافأة التي طمحت إليها بعد إنجازها التاريخي في المشاركة الفعالة بتدمير الدول والمجتمعات العربية فداء لغير العرب ولغير المسلمين.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

من لحود إلى عون:

فخامة السلاح

 

علي الأمين

 

درجت مقولة الرئيس المسيحي القوي عشية انتخاب العماد ميشال عون التي امتدت لأكثر من عامين وربما سنوات، ربما شهد لبنان بعد اتفاق الطائف نموذجاً للرئيس القوي تمثل في الرئيس المقاوم اميل لحود... ربما الأمر يحتاج إلى بعض التفسير في تحديد معنى هذه القوة ومصدرها بل حقيقتها.

مقولة الرئيس القوي التي يعتّد بها بعض المسيحيين من خلال قولهم أنّ رئيس الجمهورية ميشال عون يشكل المثال لها، تبدو وهمية أكثر منها واقعية ولا تعكس في الواقع إلاّ الأوهام التي يعيشها هذا البعض. ربما التوصيف الأقرب لمقولة الرئيس القوي تكمن في ما خبره اللبنانيون في تجربة الرئيس السابق اميل لحود، فالرئيس لحود كان في زمن الوصاية السورية، يتميز عن سلفه الرئيس إلياس الهراوي المعلن للولاء الصريح للوصاية السورية، أنّه كان يردد امام زواره أنّه لا يأتمر بأمرة الوصي السوري، ولكن بعض عارفيه الذين صدّقوه، فسروا مقولته على الشكل التالي، صحيح أنّه لم يكن يتلقى اوامر مباشرة لكنه كان يعرف ماذا يريد الوصيّ، وأين هي الخطوط الحمراء التي عليه أن لا يتجاوزها، ويعلم ماذا يمكن أن يرضي غرور سلطة الوصاية فيسير به من دون إذن مباشر.

ربما الرئيس الجنرال ميشال عون الذي لا يطيق سلفه لحود، ولم نشهد أيّ لقاء بين الرجلين، على رغم تطابق المواقف السياسية بينهما، فإنّ مرد هذه العلاقة المقطوعة لا يعود إلاّ إلى هذا التطابق ربما في المواقف، مع اختلاف بين الرجلين هو أنّ فخامة الرئيس لحود كان تحت الوصاية السورية، فيما فخامة رئيسنا الحالي هو تحت وصاية حزب الله وبالتالي الإيرانية.

نظرية الرئيس لحود التي خاطب فيها المسيحيين حين وصوله إلى الرئاسة الأولى، مفادها انسوا موضوع الوصاية وانسوا السيادة، ولنكن نحن وكلاء الوصي السوري، فلماذا نترك هذه “الفضيلة” للمسلمين ونزيد من إحباطنا؟ وفي ذلك الحين خرجت أصوات عديدة روجت لهذه الفكرة ككريم بقرادوني وإيلي الفرزلي وميشال المر وغيرهم.

تجربة رئيس جمهوريتنا الحالي لا تختلف من حيث الجوهر، بل ربما هي استنساخ لتجربة الرئيس لحود، ولكن مع اختلاف كما سلف، في هوية الوصاية الجديدة، التي انتقلت من وصاية الأسد إلى وصاية نصرالله كوكيل شرعي لبناني للقيادة الإيرانية ولولي الفقيه. رغم أنّ السيد حسن نصرالله قالها بصريح العبارة “إنّ كل ما لدينا من إيران” في إشارة إلى ما لدى حزب الله من إمكانيات مادية وغير مادية، فهو نفسه من قال أنّنا في حزب الله لا نتلقى أوامر من الولي الفقيه فيما يخص لبنان، وهو أيضاً في مقولته هذه يردد ما قاله الرئيس لحود في شان الوصاية السورية، فالسيد نصرالله الذي يقود حزباً ذي علاقة عضوية بمنظومة ولاية الفقيه والحرس الثوري، يكتسب أهميته لدى القيادة الايرانية في كونه الأقدر على فهم متطلبات  الاستراتيجية الإيرانية في الدائرة اللبنانية. وبالتالي لا يحتاج إلى تلقي الأوامر الكفوء في تقديرها من دون أن تصل إليه بشكل مباشر.

المدرسة هي ذاتها، رئيس الجمهورية ميشال عون يدرك ما يغضب نصرالله وما يرضيه، فما دام فخامة الرئيس لا يجد في سلاح حزب الله ما يخلّ بالسيادة الوطنية، بل أكّد على أنّه حاجة لبنانية كما ردد أخيراً عشية وأثناء زيارة القاهرة قبل أيام، لذا فهو سيبقى الرئيس القوي، القوة هنا ليست محصلة تمسكه بالدستور وبالسيادة وبمؤسسات الدولة، ولا بتمثيله المسيحي، القوة هذه هي نتاج انسجام مع الوصاية الجديدة على لبنان أو قُل قوة الصدق في تمثيل هذه الوصاية وحسن التعبير عن مصالحها.

لا شكّ أنّ نظرية استثمار سلاح حزب الله التي روج لها بعض السياسيين المسيحيين، هي أقرب إلى  وهم غرق فيه الكثير من المسيحيين، وفي ظنّهم أنّهم بارعون في استثمار سلاح حزب الله ومقولة المقاومة والحرب على الإرهاب، من أجل تعزيز الدور المسيحي في لبنان، بينما الحقيقة التي يرغب بعض المسيحيين التعامي عنها ولا يريدون أن يصدقوها، هي أنّهم لاعبون صغاراً في منظومة حزب الله وتحت وصايته، ولا نقول “الشيعية السياسية” ذلك أنّ الشيعية السياسية المتمثلة في حزب الله كما يصف البعض، أبرز ملامح هويتها أنّها ليست طالعة من الهوية اللبنانية قدر انتمائها وولائها لمنظومة لا تعير للدول والأوطان أهمية وجودية في عقيدتها الإيديولوجية وبرنامجها السياسي.

السلاح غير الشرعي هو الحقيقة الثابتة في المعادلة الحاكمة في لبنان، والصوت المعترض على هذا السلاح هم السياديون الحقيقيون الذين يريدونه تحت سلطة الحكومة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، وسوى ذلك سيبقى هذا السلاح عنصر استقواء داخلي وعنصر تورط خارجي لحسابات إيرانية، هذه الحقيقة التي يجري التعمية عليها هذه الأيام تحت ضغط الحسابات الانتخابية والاستقواء الطائفي، ستكون وبالاً على أصحابها ولو توهموا أنّهم يستثمرون سطوة السلاح لتعزيز حضورهم، لكنهم يدركون أنّهم يشاركون في تشريع قوة مسلحة أسوة بالحشد الشعبي في العراق وميليشيا الحوثيين في اليمن، ودائما على ركام الدولة وجثة الدستور، والقانون، وقبل ذلك وحدة الشعب اللبناني وسيادته.

مع موقع ( جنوبية) باتفاق مسبق

 

منصة بيروت: الأسد يهدي

روسيا 'معارضة' تأتمر منه

علي الأمين

بدأت مرحلة الاستثمار في المعارضة السورية من قبل إيران وذراعها الأبرز في المنطقة حزب الله، وبدأ تحضير بيروت لعلها تصير منصة للمعارضة السورية. فالجمعة الماضي عقد في بيروت مؤتمر غبّ الطلب، ضمّ شخصيات مقربة أو تابعة لنظام بشار الأسد في الخارج، أو ممن يطلقون على أنفسهم “معارضة الداخل”.

وجاءت “ولادة” المنصة الجديدة، خلال عقد 40 من الشخصيات المؤيدة لنظام الأسد، في العاصمة اللبنانية بيروت، اجتماعا تحت عنوان “جميعا نبني لسوريا”، وذلك بحضور ممثلين عن 15 هيئة دبلوماسية، من بينهم السفير الروسي في لبنان، ألكسندر زاسبكين، إضافة إلى دبلوماسيين معنيين بالملف السوري في سفارات إيران والصين واليابان والدنمارك وألمانيا والسويد وكازاخستان والاتحاد الأوروبي وإسبانيا، مع غياب تام لأي تمثيل دبلوماسي عربي وأميركي وتركي.

كما أسلفنا عُقد المؤتمر دون إعلان مسبق، وجرى تحت رعاية أمنية من قبل حزب الله، الذي تولى بشكل غير مباشر عملية انتقال المعارضين من دمشق إلى بيروت، فضلا عن حماية مقر الاجتماع في فندق الريفييرا في بيروت. وبسرعة فائقة وغير مسبوقة بأيّ نقاش علني، تمّ المؤتمر خلال ساعات قليلة، ومن دون أيّ جدل أو سجال عادة ما يواكب أيّ مؤتمر. فكيف إذا كان تحت عنوان “المعارضة السورية”. كل شيء كان مجهزا بالكامل، لا وجود لأيّ تباين في الآراء، ولا لاجتهادات مختلفة بين المؤتمرين، وهذا أبرز مؤشر إلى أنّ الجهد المبذول لعقد المؤتمر بهذه الطريقة هو حصيلة عمل أمني مخابراتي ولغاية سياسية، تتمثل في ترتيبات أقرب ما تكون إلى ترتيبات أمنية في محضر سياسي.

على أنّ هذه المنصة وبما ضمته من شخصيات، تفرض تساؤلا يتعلق بأسباب عدم عقد المؤتمر في دمشق لا سيما أن غالبية الحضور جاؤوا من سوريا. أمّا الذين لم يأتوا من الأراضي السورية فهم كانوا عقدوا اجتماعات مع ممثلين للنظام السوري. فيما الرسالة الأهم التي حرصت على إعلانها أطراف منصة بيروت ما قاله الأمين العام لما يسمّى “حزب الشعب” السوري، نواف الملحم، وهو أنّ “مقام رئاسة الجمهورية السورية لا يجوز البت فيه في المحافل الدولية، بل يبقى محكوما دوما بإرادة السوريين، المتجسدة بانتخابات حرّة ونزيهة ومراقبة دوليا”. كما أكّد الملحم على “ضرورة صياغة دستور جديد من قبل هيئة منتخبة أو هيئة منبثقة عن هيئة منتخبة”. وشددت المبادئ أيضا على “مواجهة الإرهاب”. فيما أعلن لؤي حسين أحد أبرز الداعين للمؤتمر والمعروف بعلاقته الجيدة مع السلطات السورية في دمشق، بصراحة أنّ حرب المعارضة مع النظام انتهت وأنّ الحرب في سوريا هي مع الإرهاب لا سيما تنظيمي داعش والقاعدة.

وكنا أشرنا في مقالة سابقة هنا قبل أشهر، إلى أنّ إيران تفتقد لحاضنة سورية، يُشكل الرئيس بشار الأسد ضمانة بقائها، فيما تفتقد إلى أيّ حاضنة حتى داخل البيئة العلوية التي تميل إلى الخيار الروسي كمصدر حماية. ولا وجود شيعيا معتبرا في سوريا، كما أنّ الأقليات الدينية والقومية في سوريا ليست مصدر اطمئنان للنفوذ الإيراني، فيما راحت روسيا اليوم، بعدما أعادت تموضعها، تفتح قنوات اتصال مع المعارضة السورية المعتدلة، الطرف الذي يشكل غطاء دوليا للوجود الإيراني في سوريا. فروسيا التي استثمرت في القوة الإيرانية وميليشياتها خلال معاركها السورية، ليست في وارد إحداث قطيعة معها اليوم، وهذا مفهوم بالمعنى الاستراتيجي المتصل بعدم اتضاح صورة الموقف الأميركي تجاه سوريا والمنطقة عموما بشكل كامل. فإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي صوبت نحو إيران بشكل صريح، لم تظهر أيّ ليونة تجاه الموقف الروسي، بل كان اتصال الرئيس الأميركي الجديد بالرئيس الأوكراني في بداية عهده رسالة لا يمكن لروسيا أن تطمئن لها. بهذا المعنى فإن روسيا تستجمع كل الأوراق الكبيرة كعلاقتها بتركيا، والصغيرة كمنصة بيروت، في سبيل الجاهزية للحوار مع واشنطن أو لجمها.

والمتابعون في بيروت يلاحظون كيف يحاول حزب الله ومن ورائه إيران، استباق الهجوم الأميركي، بإطلاق مواقف جديدة غير مسبوقة من قبل حزب الله تتصل بعودة اللاجئين السوريين إلى مناطق قام حزب الله بتهجيرهم منها. إذ أطلق أمين عام حزب الله دعوة لعودة النازحين في لبنان إلى سوريا. وأكّد في موقف أضفى عليه بعدا إنسانيا حين قال في خطاب متلفز الأحد إن “الوضع المناسب هو أن يعود أغلب النازحين إلى مدنهم وقراهم وبيوتهم وألا يبقوا نازحين فالكرامة الإنسانية والمسؤولية الإسلامية تقتضيان ذلك”. واستكمل هذا البعد الإنساني، برسالة سياسية حين خاطب السلطة في لبنان قائلا “على الحكومة اللبنانية وضع المكابرة جانبا ولتتناقش مع الحكومة السورية لمعالجة أزمة النازحين ووضع خطة واحدة لأنّ لبنان لا يمكنه حل المشكلة لوحده”. معلنا “أنّنا كحزب الله لدينا علاقات مع الدولة السورية لذا نحن حاضرون لخدمة الحكومة اللبنانية لمساعدتها للتواصل مع النظام السوري حول النازحين”.

الخطوة الإيرانية عبر حزب الله تستبق خطر الاندفاعة الأميركية التي وضعت عنوان إخراج الميليشيات غير السورية من سوريا، وسمّت الإدارة الأميركية حزب الله بالاسم، مع الإشارة إلى أنّ الورقة الروسية – التركية المشتركة تجاه سوريا تبنت هذا التوجه قبل الموقف الأميركي، حيث اعتبر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أنّ “منع إيران من المشاركة في محاربة داعش غير بناء”، وشدّد على أنّه يجب على واشنطن الاعتراف بأنّ حزب الله المدعوم من إيران يحارب ضد داعش في سوريا. من هنا يمكن القول إنّ الموقف الروسي يبقى مترددا على هذا الصعيد ودائما بانتظار أن تفصح الإدارة الأميركية عن وجهها بالكامل.

تزامنا مع مؤتمر منصة بيروت استضافت بيروت الخميس الماضي في فندق ريفييرا، اجتماعا بين معارضين سوريين وموالين للبحث في “مبادرة للسلام”، هدفها إعادة ألف عائلة لاجئة في لبنان إلى سوريا بضمانة روسية، كخطوة اختبارية، وذلك بحضور مستشارين في السفارات الروسية والألمانية والبلغارية لدى لبنان، إلى جانب ممثلين عن المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة وممثلين عن مبادرات سلمية، وفي غياب ممثل عن الدولة اللبنانية.

فتح ملف اللجوء السوري هذا، والاستثمار الإيراني في المعارضة السورية، يأتيان أيضا في سياق ترتيب ميداني يطمح حزب الله من خلاله إلى بناء تفاهمات على الأرض السورية، بشراكة داخلية مع النظام من جهة ومعارضي غبّ الطلب من جهة ثانية، وبغطاء روسي دولي، يحاول من خلاله تأمين شروط انسحاب آمن مع ضمان عودة واسعة للاجئين السوريين في لبنان إلى مدنهم وبلداتهم، ودائما ضمن صيغة يبقى نظام الأسد شريكا فيها وحزب الله كذلك.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

التصعيد الأميركي الإيراني:

اليونيفيل عادت

"رهينة" حزب الله

 

علي الأمين

 

منذ زمن طويل لم نعد نسمع عن مواجهات بين قوات اليونيفيل والأهالي. تلك المواجهات التي كانت تجري في أعقاب صدور القرار 1701 خلال حرب العام 2006. ففي العام نفسه وخلال العامين التاليين لهذه الحرب، حصلت حوادث عدّة في مناطق انتشار القوة الدولية في جنوب نهر الليطاني بسبب خلافات معلنة حول تنفيذ القرار 1701. وكان مصطلح "الأهالي" هو الإسم السري لمجموعات تابعة لحزب الله تقوم بعرقلة مهمات اليونيفيل عبر استنفار مواطنين عاديين من نساء واطفال وشيوخ لمنع جنود اليونيفل من دخول أماكن لا يريد الحزب لها أن تدخلها. وكان حزب الله يشيع بين الناس في ذلك الحين أنّ هذه القوات الدولية تنقل المعلومات عن أماكن السكن ومراكز حزبية إلى اسرائيل، إلى درجة ظهرت أصوات عدّة في ذلك الحين تطالب بخروج جنود الأمم المتحدة من لبنان.

ذكرتنا حادثة وقعت بين بلدتي مجدل زون والمنصوري في القطاع الغربي (قضاء صور)، الجمعة بين دورية جنود دوليين من التابعية السلوفانية مؤلفة من ثلاث مركبات وقعت في كمين "الأهالي" بحسب رواية مصادر من اليونيفيل تزامنت مع مواجهة مماثلة بين دورية إيطالية والأهالي في بلدة المنصوري. وفي رواية مقابلة فإنّ الدورية دخلت إلى إحدى أراضي مجدل زون، من دون أن يكون برفقتها دورية للجيش اللبناني، ما أثار ريبة بعض الأهالي فتصدّوا لها "حيث تجمع مجموعة من الرجال وتجمهروا في وجه الدورية الدولية التي أصيبت بالذعر، ففروا بإتجاه المنصوري، لكن اصطدمت ملالة اليونيفل أثناء فرارهم بثلاث سيارات مدنية ما تسبب بأضرار أدّت إلى توتر اضافي بينهم وبين الاهالي. كما صودف وجود دورية للكتيبة الإيطالية في المنصوري فحصل إشكال بين الأهالي وبين أفرادها".

ما وقع طرح تساؤلات حول أبعاد هذه الحادثة، فيما أشارت الأمم المتحدة بطريقة صريحة إلى أنّ ما جرى غير مبرر بالنسبة إليها. وبالتالي، بحسب الجهة الدولية، ثمّة من افتعل المشكلة مع دوريتي اليونيفيل. ورغم أنّ هاتين الحادثتين لم تؤديا إلى وقوع خسائر بشرية واقتصرت الأضرار على الماديات، إلاّ أنّ ما جرى يفرض نفسه اليوم وسط حال التصعيد الأميركي الإيراني الذي تشهده العلاقة بين الدولتين. أصدرت قيادة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL ـ يونيفيل) بياناً (الجمعة) قال أنّه "تمّ صباحاً اعتراض دوريتين تابعتين لليونيفيل في محيط منطقة المنصوري – مجدل زون (القطاع الغربي) من قبل  مجموعات من الرجال العدائيين الذين حاولوا إلحاق الأذى بجنود حفظ السلام...". وأوضح البيان أنّ "جنود حفظ السلام مارسوا أقصى درجات ضبط النفس وإضطرت آليات دورية اليونيفيل إلى دفع بعض السيارات المدنية التي استخدمت كحواجز جانبية من أجل الخروج بأمان من المكان".

 هذه الحادثة، التي حرص عدد من القيمين على اعتبارها عفوية، وغير مقصودة، كان يمكن أن تمرّ مروراً عابراً لولا ما تضمنه بيان اليونيفيل عن "رجال عدائيين تعرضوا للدوريتين وفي نفس الوقت". وهذا ما يجعل من احتمال عودة التوتر بين اليونيفيل وما يسمى الأهالي إلى سابق عهده، لا سيما أنّ مظاهر التصعيد الإيراني-الأميركي تتخذ اشكالاً من التحدي لاشكّ سيكون جنوب لبنان أحد ساحات توجيه الرسائل ضمنها. فالاستقرار القائم في الجنوب، الذي ينعم به سكان الجليل كما أهالي الجنوب، يشكل حزب الله أحد أعمدته وعنصراً أساسياً في استمرار هذا الاستقرار.

 

يمكن أن تكون الحادثتان عفويتين ويمكن أن تكونا مدبرتين، لكن مهما كان الأمر فهما تصلحان لأن تكونا رسالتين إلى من يعنيهما الأمر بأنّ أيّ مواجهة بين أميركا وإيران لن يكون لبنان بمنأى عنها ولا القوة الدولية فضلاً عن العدو الإسرائيلي

التلويح بورقة الجنوب أو بالأحرى قلب المعادلة القائمة، يبقى رهن ما يمكن أن تتجه إليه العلاقة الأميركية-الإيرانية. علماً أنّ أيّ انفجار على جبهة الجنوب سيكون أقرب إلى عملية انتحارية أو عملية استشهادية، بحسب وصف حزب الله للعمليات الإنتحارية التي تستند غلى فتوى ولي الفقيه.

التصعيد "الترامبي" اتجاه إيران ظهر في الجنوب. واليونيفيل عادت "رهينة" حزب الله. والأيام الآتية قبل دعوة الهيئات الناخبة في بيروت ستكون مفصلية. إمّا الفوضى في لبنان، أو الاستقرار الرمادي الصعب

(البلد) البيروتية

 

 


قانون الإنتخاب:

ولكم في الثنائية

الشيعية "أسوة حسنة"

 

 

علي الأمين

من الواضح أنّ الخلاف على قانون الإنتخاب ليس حول أيّ قانون يمكن أن يكون متلائماً مع الدستور ويوفر صحة التمثيل، وإلاّ كان أقطاب الحكومة راحوا وسلّموا بالمشروع الذي أعدته لجنة فؤاد بطرس في العام 2006 والتي تمّ تكليفها من هؤلاء المختلفين اليوم أنفسهم، وهي كانت قد أعدّت مشروع قانون انتخاب جمع بين النظامين الأكثري والنسبي، مع أرجحية للنظام الأكثري تُساوي ثلثي النواب تقريباً، وهذه اللجنة كما هو معروف تشكلت بقرار من مجلس الوزراء، من خبراء دستوريين وقانونين وضالعين في الشأن الانتخابي وغير مرشحين للإنتخابات النيابية كفؤاد بطرس ويحيى المحمصاني وعبد السلام شعيب وزياد بارود وغيرهم.

عدم العودة إلى مشروع لجنة فؤاد بطرس وتبنيه هو الحقيقة الواقعة غير المبررة، رغم الجهود التي بذلتها سواء في تلقيها أكثر من 80 اقتراحاً من القوى السياسية والحزبية، فضلاً عن عشرات اللقاءات التي أجرتها مع ممثلي الأحزاب والطوائف والمجتمع المدني، وتكلفت خزينة الدولة، موازنة رواتب وما إلى ذلك من مصروفات طبيعية لأيّ عمل إداري، ورغم كل الجهود العلمية والحيادية التي بذلتها اللجنة تمّ رمي مشروعها في سلّة المهملات كما أظهرت انتخابات 2009 وكما هو جار اليوم في الجدل حول قانون الانتخاب.

ومن الواضح أيضاً أنّ الخلاف القائم اليوم بين أقطاب السلطة ليس على مشروع سياسي كما كان الحال في زمن 8 آذار و14 آذار. الجميع متفق بين القوى السياسية، ولا أقول الطوائف، على المحافظة على التركيبة السياسية القائمة ومتفق على إيجاد صيغة قانون انتخاب لا يَخِّلُّ بهذه المحاصصة، وهذا ربما ما نقل المعركة من صراع بين أحزاب طائفية أو مذهبية على صيغة قانون الإنتخاب والإنتخابات النيابية عموماً من صراع طائفي أو مذهبي إلى صراع من أجل احتكار تمثيل الطوائف، وبالتالي فالتواطؤ بين أقطاب السلطة هو ليس في عمقه على المنافسة بين تيار المستقبل وحزب الله أو بين التيار الوطني الحر ووليد جنبلاط، ولا بطبيعة الحال بين حسن نصرالله وسمير جعجع، ولا نبيه بري وسامي الجميل، المعركة هي بهدف السيطرة على الطوائف واحتكار تمثيلها، وعلى مثال ونموذج الثنائية الشيعية.

 فعندما يقرر حزب الله وحركة أمل أمراً سياسياً أو يتفقان على صفقة ما يجب أن يقال أنّ هذا ما قررته الطائفة الشيعية، أي أنّ الثنائية الشيعية تعني الشيعة من دون أيّ نقصان، هذا النموذج هو ما تحذو حذوه الثنائية المسيحية أي يجب أن يرتقي أو ربما يهبط معنى الثنائية المسيحية إلى أنّ ما تقرره ثنائية القوات – التيار، يجب أن يعني أنّ المسيحيين قرروا. هذه الغاية نفسها التي يسعى إليها وليد جنبلاط من خلال تثبيتها في معادلة أيّ قانون انتخاب مقبل. يبقى أنّ تيار المستقبل وسعد الحريري الساعي للحد من الخسائر داخل الطائفة السنية لا يطمح إلى أكثر من أن يتمكن قدر الإمكان من المحافظة على القوة النيابية المتماسكة التي تؤهله إلى أن يكون ممثل شرعي للطائفة السنية، رغم إدراكه أنّه سيخسر من حجم تمثيله السابق ولكن ما يطمئنه قليلاً هو أنّ منافسيه هم أفراد ولا يشكلون قوة منسجمة بل ربما متناحرة فيما بينها كما هو حال الرئيس نجيب ميقاتي والوزير السابق أشرف ريفي على سبيل المثال لا الحصر.

لذا المعركة الإنتخابية تهدف إلى غاية مشتركة بين أقطاب السلطة هي مع غياب أيّ عنوان سياسي اجتماعي أو اقتصادي، تتركز الجهود والتواطؤ الضمني على عملية مصادرة تمثيل الطوائف وقرارها مع تفاوت في القدرات بين طامح وآخر على تحقيق الغاية، لكن عملية حصر النقاش بالصوت الشيعي أو السني أو المسيحي والدرزي، هو أقصر الطرق من أجل منع انفلات القواعد الانتخابية في كل طائفة عن راعي القطيع، وهو أفضل وسيلة للجم أيّ محاولة للخروج من القطيع الطائفي.

هكذا تتحول الثنائية الشيعية التي احتكرت التمثيل الشيعي الى حد بعيد بالاستقواء وبالمال وبالتعبئة المذهبية النموذج الذي يحتذى من بقية القوى السياسية ويشكل عنوان مشروع قانون الانتخاب الجاري اعداده: ولكم في الثنائية الشيعية اسوة حسنة!

رب قائل ان في ذلك مجافاة للحقيقة والواقع، ولكن الوقائع تقول ان اشد المعترضين على "دويلة حزب الله" وسلاحه خلال السنوات الماضية باتوا لا يجدون اليوم في الدويلة الا راعيا لهم او نموذجا واجب الاحتذاء من الجميع بانتظار فرصة حمل السلاح التي لم يعط حزب الله الاذن بعد لاطلاقها في المجتمع اللبناني.

(البلد) البيروتية

 

التوافق = قانون محاصصة

يعـيد إنـتـاج الـسلـطـة

 

علي الامين

اعادة انتاج السلطة الحاكمة نفسها اليوم. هذه هي الغاية التي تسعى اليها كل القوى الممثلة في الحكومة اليوم، في سياق البحث عن صيغة توافقية لقانون الانتخاب. وكل ما يقال عن الاصلاح وما الى ذلك من اناشيد الوطنية ورفض الطائفية الطالعة من افواه الغارقين في اللعبة المذهبية والطائفية والمستثمرين فيها الى حدّ القدرة على ادعاء انهم ضدها. كحال احد الوزراء الذي يغرد بوقاحة لا يجاريه فيها احد ان اعتماد النظام النسبي كفيل بوقف الفساد، وكأنه يريد ان بيرر الفساد بالطائفية وليس بقلة الاخلاق وسرقة المتنفذين للمال العام، وعدم محاسبة المتورطين في الفساد بذريعة الطائفية فيما الزبائنية والاستزلام صارا ديدن السلطة.

ليس من متوهم في الجدل الدائر حول قانون الانتخاب أنّ غايته تحقيق الديمقراطية والتمثيل الصحيح، او تأمين شروط حرية الناخب اوالترشح أو المساواة بين المواطنين في كل ما يتعلق بالقانون الانتخابي، الذي تكاد تختزل كل بنوده اليوم ببند من عشرات، وهو النظام الانتخابي، اي النسبي او الأكثري او المختلط. طبيعة السجال الانتخابي اليوم داخل الحكومة يدور حول كيفية ارضاء القوى داخل السلطة، في مقابل تفادي النقاش بالمحرمات التي تنتهك الشروط البديهية حول اي انتخابات سواء كانت بلدية او نيابية او نقابية.

غياب المساواة بين الناخبين وغيابها بين المرشحين هما الطريق المؤدي الى انتخابات مطعون بديمقراطيتها. اذ لا يمكن لمن يملك السلاح ويستخدم سطوته وكل ما يتعلق بنفوذ هذا السلاح في معركة انتخابية ضد منافس اعزل من هذه العناصر ان يكون منافسا شريفاً، ولا حتى مرشحا مقبولا من الناحية القانونية والدستورية، فكيف اذا اضفنا الى هذه العناصر انحياز السلطات الرسمية لاصحاب سطوة السلاح كما يعرف اي مواطن موجود في لبنان.

لسان حال صاحب السلطة الفعلية في لبنان: انشغلوا بحصص طوائفكم واحزابكم واتركوا القانون والدستور جانبا، بل احسنوا استخدامه بما يفيد تقاسم الحصص فيما بينكم، لكن اياكم ان تنشغلوا بأمور هي من شؤون الكبار وانتم اصغر من ان تلوكها السنتكم. نصيحة تستجيب لها بقية اطراف السلطة في لبنان، الذين اتفقوا على ان المطلوب اعادة توزيع الحصص بين اطراف اللعبة ورمي الفتات لمن هم خارج هذا النادي ممن يطمحون الى دخوله. ليس حال قانون الانتخاب افضل من محاصصة النفط.بل لا شك ان هناك شركاء اساسيين وهناك شركاء درجة ثانية، والانتخابات النيابية ليست اكثر من استحقاق تغيب عنه السياسة وتتركز في جوهرها نزعة المحاصصة التي بات اصحابها غير مهتمين حتى بوضع ابعاد سياسية او اصلاحية او ما شابه من قضايا عادة ما تكون عنوان اي معركة انتخابية.

النظام المختلط بين النسبي والاكثري هو ما خلصت اليه هذه القوى حتى اليوم، لكن بعقلية المحاصصة وخدعة التوافق التي باتت تحمل كل معاني مصادرة حقوق الناس وتجاوز القانون وانتهاك الدستور. فتش خلف كلمة توافق التي تستخدم اليوم، فلن تجد الا ما هو انتهاك للقانون وللحقوق العامة وستجد وراء بعضها انتهاكا للدستور. التوافق حول الحكومة مثلا هو ان تصير الحكومة ممثلة للكتل البرلمانية فتصير الحكومة سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية وسلطة رقابة على نفسها. قانون النفط يحتاج الى توافق ولا معنى لهذا التوافق غير تقاسم حصص النفط، وقس على ذلك في معظم صفقات الفساد الكبرى التي لا تتم الا بحماية التوافق، قناع المحاصصة.

تجدر الاشارة الى اولئك الذين يدّعون ان قانون الانتخاب العادل هو المدخل الفعلي لاعادة بناء السلطة والنظام، ويضيف هؤلاء ان مقتضى العدالة هو تطبيق النظام النسبي، هم بذلك يطلقون قنابل دخانية للتغطية على ما ينتهك العملية الديمقراطية فعليا. فلا النسبي ولا الاكثري يعني المواطن الناخب او المرشح، بل ان هذين النظامين والمختلط معهما يعنيان فقط اطراف السلطة وفي سبيل هدف تنظيم القسمة او بتعبير ادق "المحاصصة" بينهم. لاسيما ان اطراف السلطة متفقون فيما بينهم على استخدام وسائل الضغط غير المشروع على الناخب، وهذا الضغط بالسلاح او بالمال او بالتعبئة المذهبية والطائفية، هو ما يجب ان يزال عبر قانون حازم للانتخابات قبل البحث بالنظام النسبي او الاكثري او المختلط.  

(البلد) البيروتية

 

"أستانة": تموضع

روسيا يكشف ايران

 

علي الأمين

نجحت روسيا في تعزيز حضورها كطرف راع للتسوية بين المعارضة السورية ونظام الأسد. هذا ابرز ما يمكن استخلاصه من مؤتمر أستانة الذي انهى اعماله امس وخلص الى بيان ختامي صدر عن الدول الراعية اي تركيا وايران وروسيا، والأصح عن روسيا التي تقود هذه العملية من المفاوضات لتثبيت الهدنة بين فصائل المعارضة المسلحة ونظام الاسد.

لم تحدد روسيا اهدافاً لمؤتمر أستانة تتجاوز قضية تثبيت الهدنة، تلك التي صاغتها مع الحكومة التركية نهاية الشهر المنصرم، بعد معركة حلب وخروج الفصائل المسلحة من المدينة بشكل كامل. عدم تحميل المؤتمر اهدافا تصل الى الانخراط في مشروع تسوية سياسية، يحول دونه اسباب تتصل بمرجعية جنيف والامم المتحدة، لكن الأهم هو عدم مباغتة الادارة الاميركية بخطوات من هذا القبيل، لا سيما ان الموقف التقليدي للادارة الاميركية والثابت حتى الآن هو رفضها ان تكون روسيا مرجعية الحل السياسي في سورية.

لا شك ان الادارة الاميركية الجديدة لن تخرج عن استراتيجيات حددتها الادارة السابقة على الأقل في المدى المنظور.

 وفي انتظار انتهاء ما يسمى بمرحلة الصمت التي تعقب عملية تنصيب الرئيس المنتخب في الولايات المتحدة الاميركية، تستمر الادارة الاميركية في التصدّي لما يسمّى التنظيمات الارهابية في العراق وغيره، علماً ان ليس هناك من توقعات تدفع نحو خيار اميركي مختلف نوعيا عمّا كان معتمدا في عهد ادارة اوباما تجاه الازمة السورية.

 وربما الكلام الصادر عن القناة العاشرة الاسرائيلية في الساعات الماضية، ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب صرف النظر في الوقت الحاضر عن قرار نقل السفارة الاميركية من تل أبيب الى القدس، يوحي بأن العديد من المواقف التي اطلقها ترامب في حملته الانتخابية سيصطدم بمؤسسات صناعة القرار الاميركي الممتدة من الكونغرس الى البنتاغون والمخابرات، من دون ان يعني ذلك بطبيعة الحال ان ترامب لن تكون له بصماته البارزة على هذه القرارات.

هذا الانطباع الأولي عن عدم توقع سياسات اميركية مختلفة في الحجم والنوع تجاه سورية، لا يعني ان الدول الاقليمية وروسيا ليست في حالة ترقب لما سيصدر عن الرئيس الاميركي الجديد. فهو الذي حدد التطرف الاسلامي كهدف للابادة من قبل ادارته، كما انه وجه اكثر من رسالة سلبية لايران، وتشير الى ان ترامب لم يكن راضيا عن السلوك الاميركي الذي قاده اوباما تجاه ايران. والى ذلك هناك العلاقة مع روسيا التي تبقى في وعي الناخب الاميركي دولة غير صديقة بل خصما لا يمكن ان تكون العلاقة معه ودية. من هنا يبدو الحذر الروسي والايراني من الادارة الجديدة يتخذ سياسات تتسم بتجميع الاوراق في سورية، ولكن هذه المرة بطريقة تدفع نحو توقع مزيد من التباين الروسي-الايراني وليس التطابق في النظرة والحسابات

هكذا كان مؤتمر آستانة كترجمة اعادة التموضع الروسي، بما يحول دون غرق روسيا في الوحول السورية من جهة، وخطوة لاستثمار الزخم العسكري الروسي الذي حال  دون سقوط النظام السوري من جهة ثانية،  كما صرح وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف قبل ايام.

فإذا كانت ايران غارقة في حرب ايديولوجية او اهلية هي رأس حربة احدى جبهتيها، وعاجزة عن لعب دور توفيقي او تسووي بسبب طبيعة انخراطها العسكري والايديولوجي، فموسكو لم تكن يوما امام وهم الانخراط في الانقسام الصفوي-العثماني او الفارسي -العربي او السنّي-الشيعي، ولا في وارد الانشغال بمواجهة مع اسرائيل، لذا تبدو قيادة الكرملين لديها من القدرة على الوصل والقطع في علاقاتها بما لا يتوفر لدى اي فريق اقليمي او حتى دولي.

خرج مؤتمر أستانة ببيان صادر عن دول ثلاث، ونكرر هو بيان روسي بالدرجة الاولى، يثبت موقع روسيا كطرف ثالث بين متصارعين اثنين، اقليميا وسوريا، والاهم ان البيان اظهر ان النظام السوري هو طرف في صراع مثله مثل الفصائل المقاتلة ولا يكتسب شرعية التحدث باسم الدولة السورية. وفي ذلك محاولة رسم للاطار العام الذي سيتيح لروسيا ان تدير الصراع السياسي وحتى المواجهات العسكرية من موقع يخفف عنها احتمالات الاستنزاف العسكري ويتيح لطرفي الصراع المزيد من الاستنزاف السياسي والعسكري في لعبة عض اصابع باشراف روسي ومراقبة اميركية متحفزة مع الادارة الجديدة.

 

 

عمر العاصي:

الانتحاري الملتبس

علي الأمين

ربما يجب علينا الانتظار لكي تتضح تفاصيل العملية الانتحارية التي كان يزمع عمر العاصي القيام بها في احد مقاهي شارع الحمرا، الرواية الرسمية التي تحتاج الى مزيد من التفاصيل لكي تتضح الصورة، اشارت الى انه تمّ القبض على العاصي قبل ان ينجح في تفجير حزام ناسف في مقهى الكوستا في ليل امس الاول (السبت). ومثل هذا التفجير لو كان وقع كما قيل لحصد عددا كبيرا من الابرياء الذين يرتادون هذا المقهى ومن المارة في ليلة تشهد كالعادة نهاية كل اسبوع، اكتظاظا من قبل رواد هذا الشارع

ومهما كانت التساؤلات حول العملية والهدف وكيفية القاء القبض على الانتحاري، فان الذي يجب التأكيد عليه هو الاشادة بالانجاز الذي حال من دون سقوط اناس ابرياء. فالجهد الأمني يقتضي الشكر والاشادة بالذين نجحوا في انجازه  ايّا كان الجهاز الرسمي الذي انجزه

على ان ونحن نحيّد الجانب الأمني التقني الذي افشل العملية الانتحارية، لا بد من السؤال هل ان لبنان يشكل هدفا لتنظيم الدولة الاسلامية "داعش"؟ ربما الاجابة عليه تتفاوت بين التأكيد والنفي. لقد اعلنت مصادر امنية رسمية تحقق مع المتهم عمر العاصي انه ينتمي الى هذا التنظيم، وقد تلقى اوامر تنفيذ عمليته من خارج لبنان ومن قيادة التنظيم في الرقة السورية تحديداً، وهو كما بات معروفا من ابناء مدينة صيدا التي سبق ان خرج منها ايضاً من نفذ عملية انتحارية في السفارة الايرانية هو معين ابو ظهر في تشرين الثاني من العام 2013

ولعل المشترك بين الانتحاريين انهما كانا من انصار الشيخ احمد الاسير. وكان العاصي كما تردد قد اصيب في المعركة التي جرت بين جماعة الاسير وحزب الله من جهة ثانية في احداث تعمير عين الحلوة منتصف العام 2013. وهذا يفرض تساؤلا حول الاسباب التي تدفع عمر العاصي العامل في مهنة التمريض باحد مستشفيات صيدا، ان يقوم بهذه الخطوة التي تنم في جانب منها عن خلل ما في شخصية العاصي، الذي يفترض انه يدرك انه لو نجح في تنفيذ عمليته انه سيتسبب بقتل مواطنين ابرياء، تجاوزه لهذا المحذور هو الخلل الشخصي، او البعد الانتحاري في كل شخص ينفذ عملية تستهدف الآمنين. والى جانب الخلل هذا لا يمكن ان نغيب عوامل تدفع مثل هذا الشاب ابن الخمسة وعشرين عاماً الى الخيار الانتحاري، هو كما تناقلت شبكات التواصل الاجتماعي صورة له وهو يتعالج من الاصابة في احدى المستشفيات اثر احداث التعمير في العام 2012، ما يعني انه نجا في تلك المرحلة، فيما ما تبع هذه المرحلة ومن ضمنها احداث عبرا، وما رافقها وتلاها يبدو انها دفعت الشاب الى الخيار الاكثر تطرفا وتشددا تنظيم داعش.

يبقى ان المواطنين ينتظرون ما يزيل بعض الشكوك المحيطة بالروايات المتداولة حول فشل العملية، اسئلة بديهية تتمثل بكيفية كشف العملية وبالتالي منع الانتحاري من تفجير نفسه؟ كما أنّ دخول الانتحاري وبقائه لمدة دقائق في مقهى الكوستا يبقى محل تساؤل لا سيما انه طلب الحصول على فنجان قهوة؟ واذا كان مراقبا كما تردد فلماذا سُمح له بالدخول الى المقهى ولم يتم القاء القبض عليه قبل الدخول او في مكان، لا وجود فيه لجموع من المواطنين كما كان حال المقهى حين القبض عليه من قبل الاجهزة الامنية؟ 

يبقى ان ثمة تساؤل هل نحن امام عملية امنية استخبارية؟ بمعنى ان الجهة التي جندت طلبت من عمر العاصي تنفيذ العملية وزودته بالحزام الناسف، هي جهة استخدمت هذا الاسلوب لاسباب تتصل بغاية كشف مدى استعداده لتنفيذ عملية ارهابية ومن هم اقرانه الذين يشابهونه بهذا الاستعداد؟ يبقى ان هذا التحليل الذي ينافي الرواية الرسمية المتداولة والناقصة حتى الآن، هو تحليل يتم تداوله في اوساط شعبية غير مقتنعة بالرواية الرسمية، ويمكن ملاحظة ان الشكوك لا يستهان بها حيال ما احاط بهذه العملية.

ويبقى ان كانت عملية القبض على الانتحاري استخبارية لها اهدافها او كانت عملية نوعية للاجهزة الامنية، ففي كلا الحالين نحن امام مظاهر انتحارية لبنانية يجدر متابعتها وتحليلها كملمح اجتماعي وسياسي وليس امنيا فحسب، فالعلاج الامني الذي يبشرنا به الرئيس الاميركي الجديد دونالد ترامب للقضاء على الارهاب لا يبشر طالما ان النظرة الامنية هي التي تختزل وسائل المعالجة.   

(البلد) البيروتية

 

 

هكذا يستخف نصرالله

وبري بالشيعة اللبنانيين

علي الامين

خمسة واربعون عاما والمجلس الشيعي بلا انتخابات لهيئتية الشرعية والتنفيذية، ولا يجرؤ نواب الشيعة وتحديدا في حزب الله وحركة امل للدعوة الى انتخابات، الطرفان يشكلان مصدر التمديد الذي اقر اليوم (الخميس) من خارج جدول اعمال الجلسة التشريعية. هذه الخطوة غير المبررة تنم عن سلوك لا يولي للقوانين ولا للانتخابات اي اهتمام فلماذا هذا السلوك؟

 في خطوة غير مبررة وتثير الشكوك بالثنائية الشيعية وبرئاسة المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى الفاقدة للشرعية القانونية، عمد نواب الثنائية الشيعية الى تقديم اقتراح من خارج جدول اعمال الجلسة التشريعية للتمديد للمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، وفيما اقر مجلس النواب هذا الاقتراح باعتباره يخصّ الطائفة الشيعية واغلبية نواب الشيعة موافقون على اقراره.

الخطوة فجّة وفاجرة فالمجلس الشيعي كما هو في قانون تأسيسه من ضمن مؤسسات الدولة اللبنانية، ويتقاضى رئيسه وبقية العاملين فيه رواتب وتعويضات من الخزينة العامة، وهو لذلك لا يمكن ان يكون لعبة بيد بعض السياسيين. لم تجر انتخابات لهيئتيه الشرعية والمدنية منذ العام 1975 اي منذ 42 عاما، علما ان الانتخابات يجب ان تتم كل ست سنوات.

الخطوة فيها من الفجور والاستباحة واكثر، فان يتم تجاوز القانون بالتمديد من دون مبرر لا سيما اننا اليوم بين انتخابات بلدية جرت قبل اشهر وانتخابات نيابية ستجري بعد اشهر، فما الذي يحول دون اجراء انتخابات في المجلس الشيعي، ولماذا تصر ثنائية بري-نصرالله على عدم اجراء الانتخابات، هل هو خوف مما ستظهره نتائج الانتخابات، هل لأنها ستكشف عن خيارات داخل الطائفة الشيعية خارج سيطرة امل او حزب الله؟ هل لان انتخابات المجلس الشيعي ستفتح افاقا امام تنظيم شؤون الاوقاف المتقاسمة اليوم لحسابات سياسية وشخصية وحزبية؟ هل لأن الدعوة للانتخابات التي تشكل قاعدة الناخبين فيها ما يتجاوز ال40 الف ناخب من النخب المهنية والتعليمية والجمعيات يمكن ان تكون الانتخابات فرصة لتفاعل فيما بينها؟

هل يعلم ابناء الطائفة الشيعية وسواهم ان المجلس الشيعي اليوم لا يعقد اي اجتماعات لهيئتيه الشرعية والتنفيذية من دون مسوغ؟ هل يعلم هؤلاء انه ليس في لبنان مكان يمكن ان يجمع وجوه الطائفة الشيعية المتنوعة؟ الوقاحة تجاوزت كل الحدود في التمديد للمجلس الشيعي اليوم، فنصرالله وبري صاحبا هذا القرار لا يعنيهما ان تستعيد مؤسسة المجلس الشيعي دورها الجامع بل يصران على بقائها مؤسسة ضعيفة غير فاعلة ولا منتجة، اما المغانم فيمكن تقاسمها كما يرتئيان ويشتهيان من دون حسيب ولا رقيب مادام مجلس النواب جاهز لاصدرار قوانين تشرع ما لا يجوز تشريعه.

يبقى ان نقول ازاء هذا التمديد الهمايوني، ومع توقف المجلس الشيعي مرغما عن الاجتماعات الدورية، ومع تقاسم حزب الله وامل منافعه ومواقع القرار فيه، نقترح تعديل اسم المجلس الشيعي وتحويله الى هيئة مشتركة تحت اسم مجلس امل وحزب الله. اما ان يبقى هذا المجلس خارج اي احترام لقوانينه، لا سيما في عدم اجراء الانتخابات الدورية بلا مبرر، وعدم اجراء اي محاسبة واجبة من خلال هذه الانتخابات وغيرها، فهذا فيه استهانة بكل شيعي لبناني طالما ان هذه المؤسسة تدّعي تمثيله في شؤون معينة بحسب قانون تأسيسها وبتمويل من الخزينة العامة في لبنان.  

(البلد) البيروتية

 

سورية :

 ايران في القبضة الروسية

علي الأمين

ماذا يمكن ان يحقق دخول النظام السوري وحلفائه الى ما تبقى من مناطق بيد الفصائل المسلحة في حلب؟ لن يشكل ذلك بطبيعة الحال انتصاراً لنظام بات وجوده قائماً على دعم روسيا وايران المباشر ، لكن يدرك الكثيرون ان هذا ليس كافيا لكي يستعيد نظام الاسد قدرته على حكم سوريا، النظام السوري سقط أمام شعبه منذ سنين، وكل السوريين يدركون انه غير قادر على حكم سوريا الموحدة، ربما قدرته تكمن في ان يكون الغطاء لعمليات التدمير المتنقلة من مدينة الى اخرى في سوريا بالقوة الروسية والقوة الايرانية وتوابعها الميليشيوية.

كل ذلك لن ينهي الأزمة السورية، ستبرز اشكال جديدة تفسر عجز نظام الاسد على الحكم، فيما الصمت الدولي والاقليمي حيال ما ارتكب في سوريا ضد معارضي النظام والمدنيين من قتل وابادة وتهجير، سيوفر طاقة اضافية للتطرف الاجتماعي والسياسي، فازاء تواطؤ المجتمع الدولي ضد حق التغيير السلمي والسياسي في سوريا، دفع وسيدفع حتما الخيارات السورية المعارضة نحو الاقصى في مواجهة ليس نظام الاسد وحلفائه الروس والايرانيين فحسب، بل في مواجهة دول كبرى واقليمية من اميركا الى اوروبا ايضاً. على ان الأشد خطراً من كل ذلك هو الكراهية التي تتغلغل في النفوس منذ سنوات، اذ شكل مشهد حلب الاخير مفصلا مهما في فصول ترسيخ الكراهية المذهبية لا سيما في ظل الانخراط الايراني في المقتلة السورية.

الثابت حتى اليوم ان ما ينمو في سورية ومحيطها وفي امتداداتها مستوى غير مسبوق من الشروخ المذهبية، يشكل الاختباء خلف مقولة الارهاب ومحاربة التكفير عنصراً غير كافياً لاخفاء هول ما جرى في البنية الاجتماعية والسياسية على مستوى المنطقة، ربما هذا ما يجعل من القوة الايرانية بامتداداتها المذهبية في سورية ولبنان والعراق، لا تتهيب من خطورة الايغال في الأزمة السورية، وفي اعتماد العنف المسلح والقتال كسبيل لحماية دور ايران في هذا البلد، مهما بلغت تكاليف هذا الدور على مستوى تدمير البنى الاجتماعية او على مستوى خسائرها البشرية والمادية، ذلك ان الدور الايراني  لم يعد امامه الاّ المزيد من الغرق في وحول الازمة او الانسحاب واعلان الهزيمة، والاخير غير وارد في ظل ادراك عميق ان الدور الايراني في سوريا هو اكثر الادوار العارية من حاضنة اجتماعية بخلاف ما هو الحال بالنسبة اليها في لبنان والعراق.

الاصرار على مواجهة التكفير في سورية بالطريقة التي نراها في حلب وفي دعم نظام الاستبداد، لن يتيح أمام ايران سوى المزيد من الشراسة في مواجهة الاعداء في البيئة السنية، في مقابل طواعيتها حيال الشروط الدولية ومتطلباتها، وهذا لا يحتاج الى كثير من التمحيص والتدقيق، فايران المتمسكة بنفوذها في سورية وهي تعلم حجم الرفض السوري الشعبي لهذا النفوذ، مجبرة على الاستعانة بالكبار سواء روسيا او الادارة الاميركية، وفي المحصلة المزيد من مراعاة المصالح الاسرائيلية.

من المبكر الحديث عن نهاية الأزمة السورية، ومن المبكر جدا التكلم عن انتصارات، لكن صار متأخرا وقت الحديث عن امكانية ايجاد تسويات على قواعد بقاء النفوذ الايراني في سورية، هذا النفوذ صار مرتبطاً الى حدّ كبير باستمرار الحرب ودوامها، خصوصا أن التفاهمات الاستراتيجية بين روسيا وواشنطن تقوم على قاعدة حماية امن اسرائيل وعدم المسّ بامن النفط، وهذا ما يفسر اطلاق اليد الروسية في سوريا. وبالتالي عدم الاستعجال الدولي لانجاز تسوية في سورية.

ربما معركة حلب فرضتها حاجة روسية وايرانية وحاجة لنظام الاسد بتسجيل نصر وكل لحسابات خاصة وداخلية، لكن هذا الانتصار لن ينقل الازمة الى طريق الحل او تثبيت السيطرة للنظام، بل الى مرحلة جديدة من الكرّ والفر، فيما ايران التي ادخلت روسيا الى سوريا باتت ازاء المعادلات على الارض وعلى مستوى السياسة الدولية، محكومة بالانصياع للحسابات الروسية. فايران امام خيارات صعبة فالاصطدام مع الدور الروسي يجعلها في  مواجهة مع الجميع دون استثناء، وبالتالي ستحترم كل ما يحافظ على علاقتها مع موسكو تفاديا للخسارة الكبرى على مستوى سوريا والمنطقة ولو ادى ذلك الى كسب المزيد من العداء في المجتمعات العربية والاسلامية.

(البلد ) البيروتية

 

 

 

انتصار الأسد: تبييض الجريمة

بتسعير الحرب المذهبية

علي الأمين

مهما كانت النتيجة في شرق مدينة حلب، فالثابت أنّ العالم وقف، ولا يزال، متفرجا على أكبر عملية قتل وتدمير طالت مدينة في هذا القرن. يجري تبييض الجريمة بعنوان الإرهاب. هكذا يتحول قتل الأطفال وتشريد أبناء المدينة وتدميرها الممنهج إلى أمرٍ عادي لا يهتز له العالم، فقط بذريعة محاربة الإرهاب.

الانتصار الذي بدأ النظام السوري يتحدث عنه ليس سوى انتصار للجريمة وللاستبداد، وهو أيضا انتصار للمقتلة التي نفذت ضد هذه المدينة بالتعاون بين روسيا وإيران ونظام بشار الأسد، وما بينهما من ميليشيات. والأهم هو التغطية الدولية التي جعلت من جريمة الحرب هذه مجرد قتال عسكري بين جيش وعصابات إرهابية، متعامية عن حجم الإجرام الذي ارتكب بحقّ الشعب السوري طيلة السنوات الماضية، وعن مطالبته بحقوقه الدنيا كشعب وكمواطنين في دولتهم.

التدمير ليس لسوريا فقط، ولا لمدنها ولا لأريافها ولا لنسيجها الاجتماعي فحسب، بل التدمير الأكثر أهمية وأكثر عمقا هو الذي يحاول النظام السوري وحلفاؤه تحقيقه، يطال حق الحياة بحرية. إذ لا يتيح هؤلاء ولا المجتمع الدولي من ورائهم أي مجال لإحداث تغيير سياسي يتيح المجال لإعادة الأمل في بناء سوريا. المطلوب هو تدمير إرادة السوريين وجعل البلد بما تبقى من أهله في حال من الطواعية لكلّ ما يمكن أن يكبّل به من اتفاقيات دولية وإقليمية.

هذا هو الانتصار، ذلك أنّ النظام السوري لو كان يعبّر ولو بحدود بسيطة عن نظام المصالح الوطني السوري، لكان أدرك منذ البداية أنّ الانتصار الحقيقي هو في المحافظة على مقومات الدولة البشرية والمادية، بتقديم بعض التنازلات الحقوقية والسياسية لشعبه، لكن هذا النظام الذي طالما صادر الحريات باسم القضايا الكبرى سواء فلسطين، أو شعار حماية الدولة وحدودها وسيادتها، أثبت أنـّه مستعد لتدمير كل البلد والتنازل عن السيادة، وتقديم كل شيء على مذبح البقاء في السلطة. هذا ما تظهره الوقائع حتى اليوم، القرار الرسمي السوري أصبح في يد روسيا وإيران، فيما الملايين من المهجّرين السوريين ومئات الآلاف من القتلى هم مجرد أرقام تجري عملية تبييض الجريمة التي ارتكبت بحقهم تحت أنظار العالم وبرعاية الأمم المتحدة.

الانتصار الذي حققه بشار الأسد هو انتصارٌ لروسيا وإيران، وسيتعيّن على الأسد أن يلتزم أكثر بمقتضيات السياسة التي سيفرضها المنتصران. وما سيزيد من مأزق الأسد وحلفاؤه هو العجز عن توفير الاستقرار لسلطته ونظامه، وما سيزيد من تفاقم الأمور هو أنّ الحرب أخذت أبعادا مذهبية يصعب تجاوزها لا سيما مع بقاء حكم الأقلية العلوية، وهي التي تستمد قوتها من قوة شيعية تمثلها إيران.

هذا الواقع بذاته كفيل بجعل الأزمة مستمرة، وكفيل بجعل حالة الاعتراض متنامية وستأخذ أشكالا مختلفة بعد سقوط حلب. بالتأكيد لن تكون الحرب النظامية، لكنّ أشكالا مختلفة من نمط حرب العصابات أو المزيد من الاغتيالات والتفجيرات ستكون وسيلة من وسائل مواجهة فصائل المعارضة لنظام الأسد.

وإذ تؤكد مصادر غربية أنّ ظاهرة تمدد نفوذ القوى الإسلامية المتشددة ستبرز أكثر فأكثر كلّما بدا أنّ المجتمع الدولي سيحامي عن فكرة بقاء الأسد في السلطة، وسيقدم مشروع المواجهة العسكرية ضد الإرهاب على التسوية السياسية والتأسيس لنظام ديمقراطي، وبالتالي فإنّ الشرخ سيتنامى بين النظام ومعارضيه، وستشكل السمة المذهبية اختصارا للمواجهة في الداخل السوري.

قبل نحو ثلاث سنوات كان الرئيس الأميركي باراك أوباما، وبعد سقوط الموصل بيد تنظيم داعش، من أوائل الذين أعلنوا أنّ عملية الخلاص من داعش لها بعدان أمني وسياسي ولا يمكن الفصل بينهما، مشيرا إلى أنّ مواجهة هذا التنظيم تتطلب تسوية سياسية داخلية في العراق تكون السبيل لتوفير البديل عن داعش في البيئات التي نجح هذا التنظيم في استغلال حالة القهر داخلها.

لم يقل أوباما في حينها إنّ ذلك يتطلب جهدا دوليا وأميركيا يتجاوز التحليل إلى الممارسة. من هنا تبدو سوريا مثالا لما يمكن أن يصبح عليه الحال في المستقبل كلما تمسكت إيران وروسيا ببقاء النظام. فهذا بحد ذاته سيكون عنصر تفجير دائم في المشهد السوري، وعنصر استثمار دولي وإقليمي، بحيث سيدرك الجميع أنّ الحرب ستستمـر وأنّ الاستنـزاف سيستمر، في غياب أيّ تسـوية سياسية تنطـوي على تغيير سياسي ملموس ومقنع للسوريين. فالحرب على الإرهاب ليست شعارا في نموذج تطبيقاته في العراق وسوريا، ولكنه يشكل مدخلا لبناء استقرار سياسي في هاتين الدولتين، خصوصا وأنّ التطبيقات على الأرض لا تـزال تظهـر أنّ القهـر السياسي مستمر لفئات واسعة من المجتمع، ولم تزل وسائل الحرب المذهبية والطائفية، هي الأداة التي تتحلـق حولها فصائل الحرب، فيمـا يغيب عمليا أيّ مشروع سياسي وطني جامع وقادر على معالجة أسباب القهر تلك التي شكلت، ولا تزال، أرضا خصبة لنشوء جماعات الإرهاب والتطرف.

تسقط حلب الشرقية بالمعنى العسكري لكن عبر سحق كل ما يتصل بقيم الإنسان وحق الحياة وحق التعبير والاعتراض وحق التغيير الديمقراطي. يتمّ ذلك من دون أن يشكل ذلك تحديا للمجتمع الدولي، بل يكافأ نظام الأسد وحلفائه بالمزيد من تشجيعه على ممارسة أبشع الجرائم.

فما فعله هؤلاء طيلة أكثر من خمس سنوات يتناساه العالم اليوم، بل يشجع أكثر على المزيد من التورط في الإجرام والتهجير. أوَ ليس هذا ما رأيناه في سوريا، فكلما أوغل الأسد في القتل والتدمير كلما صار العالم مقرّا بأهمية بقائه ووجوده على رأس النظام.

هذا العالم لم يزل على عهده في بلادنا. هو عالم يحترم من يقتل أكثر من شعوب المنطقة. كانت إسرائيل في زمن مضى، أمّا اليوم فثمة من تفوق بدرجات عليها في القتل والتدمير ويستحق أن يبقى ما دام يحسن قتل الشعوب وقمعها.

كاتب لبناني

علي الأمين

(العرب) لندن

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا