الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 علي الامين كاتب وصحفي لبناني

  رئيس تحرير موقع (جنوبية) يكتب عمودا اسبوعيا في جريدة العرب اللندنية

 

مقالات سابقة

 

حزب الله عدوّ إسرائيل وحليفها

الموضوعي في أمنها وخراب المنطقة

علي الامين

 

العاصفة نورما التي تضرب لبنان، نقلت اهتمامات اللبنانيين نحو متابعة تفاصيل مرور العاصفة وسيرها بين المناطق اللبنانية وعلى طول الساحل اللبناني الغربي، وتفتقت العقول عن عشرات النكات التي تعكس أريحية اللبنانيين، الذين راحوا يتسقّطون أحوال المناخ على أحوال السياسة في طرائف تتناول المشهد السياسي البائس من باب العاصفة.

ليس الطقس استثنائياً، ولا الأمطار غير مسبوقة، ولا العاصفة هي الأولى التي يشهدها لبنان، لكن ما يفسر تعامل اللبنانيين الملفت على وسائل التواصل الاجتماعي مع مجريات المشهد المناخي، هو الملل من تكرار الشيء نفسه في دوائر الحياة السياسية التي صارت مأسورة لسطوة سلاح من خارج الدولة من جهة، وألعاب سياسية مملة تمثلها مواقف استعراضية فارغة لقوى سياسية ومسؤولي أحزاب من جهة أخرى، وهي تبدو تعويضا عن الغياب الفعلي عن مركز القرار المصادر أصلا، فيما يتحول الزجل السياسي الذي يقع على هامش الفعل السياسي الذي تكمن مقاليده خارج المسرح السياسي، إلى محاولة بائسة وخبيثة في آن، لتظهير أن المشكلة في لبنان تقبع في القعر الطائفي أو في ما يسمى المحاصصة السياسية، وهي عناوين تكتسب حضورها الشكلي، باعتبارها المساحة أو الملعب المسيج إقليميا ودولياً، الذي يجب أن يتقيد اللاعبون بحدوده من دون تخطي حدوده المرسومة.

يحق للبنانيين أن يتنافسوا على حصص ومكاسب تسمى حصص الطوائف أو المسيطرين عليها. منابر السياسة والإعلام مسخرة للتناطح حول هذه الحصص وعلى المواقع في الدولة، ومن يريد أن يدخل النادي السياسي في لبنان، يجب أن يبدأ من أنه يدخل إلى الملعب من باب الدفاع عن حقوق طائفته وكرامتها، وأن يثبت قدراته على أنه يستنفر غرائز مذهبية وطائفية أفضل من قرينه سواء في طائفته أو في المقلب الآخر، وربما في المقالب الأخرى. هذا متاح للجميع ومن دون عوائق، بل بمحفزات يمكن مشاهدتها عبر كل المنابر الإعلامية التي باتت مستسلمة لمشهد الزجل السياسي الذي يرسخ دور السياسة كما هو في لبنان اليوم على الهامش، فيما تأبى الاقتراب من مركز السلطة القابع فوق الدولة وخارج المؤسسات.

هكذا يعاد إنتاج المزيد من الشيء نفسه في لبنان، ولكن بمهزلة غياب الدولة أو هزالها تتحول الثقافة السياسية إلى مجرد عناوين هامشية في مقاصد الدولة، إلى عصبيات طائفية ومذهبية تجري حمايتها، وحصر تعبيراتها في بناء ثقافة الخوف من الآخر. هذا الخوف تجري عملية تغذيته كي يتحول إلى متنفس لجمهور يشعر بانتهاك كرامته، بل ومصادرة أدنى حقوقه. جمهور يدفع من قوته ودمه أثمانا عالية لغياب الدولة أو تغييبها، وبالتالي فإن الغضب الذي يعتمل في داخل المواطن الفرد أو المجتمع، لا يترجم إلى فعل سياسي وطني، بل يجري تطويقه بإثارة النعرات الطائفية وبالترهيب والتخويف، ليترك للمواطنين منفذاً واحداً لن يحاسبهم أحد على الخروج منه، هو منفذ رمي المسؤولية على الآخر أي الطائفة الأخرى والمذهب الآخر. عبّر في هذا المجال كما شئت وكيفما تشتهي، واغضب ضد المختلف طائفيا ولكن إياك أن تقترب من السلطة الفعلية، ومن يدير هذه اللعبة الخبيثة ويشرف على تفاصيلها.

على رئيس الجمهورية وهو يقوم بدوره الدستوري كرئيس للدولة والشعب، أن لا يمارس صلاحياته التي تتصل بالدستور باعتباره حامي هذا الدستور والقائم على تطبيقه، وما يجب أن يتناوله في ممارسة دوره، هو عدم الاقتراب من القضايا السيادية التي تتصل بأولويات قيام الدولة، ولا يخفى على القارئ أن الرئيس لا يصل منصبه، إنْ لم يكن يدرك هذه الحقائق التي عليه الالتزام بعدم الاقتراب منها كسيادة الدولة وحق احتكار العنف المشروع بيد الدولة. والمفارقة أن ما لا يحاسب عليه هو أن يخرج، صباح – مساء، ليطالب بتحسين شروط طائفته في السلطة، هذا متاح بل يجري التحفيز على الغرق فيه، طالما أن الموضوع الفعلي والأساسي، أي الدولة، لا يقاربه ولا يمسه من خلفه أو أمامه.

وليس رئيس الحكومة أفضل حالاً، فليقاتل كما يشاء من أجل منصب إضافي لطائفته في هذا الموقع أو ذاك، وليستصرخ من يشاء من أهل السنة في سبيل حقيبة وزارية أو بناء مسجد أو حماية مفسد أو غير مفسد في الإدارة باسم طائفته، ولكن إياك أن تتحدث باسم اللبنانيين، أو أن تمارس صلاحياتك الدستورية باعتبارك رئيس حكومة لبنان، فذلك أمر فيه خروج على شروط اللعبة السياسية التي رسمت لك. وهكذا دواليك في مواقع السلطة الشكلية المتمثلة في الدولة اللبنانية ومؤسساتها، إنه مسرح هامشي ومحكوم بأن يبقى في حيز التنازع الطائفي، وأن لا ينتقل إلى خطاب الدولة كصاحبة الشرعية في مواجهة كل نقيض لها وغير شرعي.

لا يمكن لإيران أن تقاتل عدوين؛ واحد في الدول العربية وآخر هو إسرائيل، وطالما أن العداء الذي تورطت به عربياً، بات من الصعب طيه في مدى قريب، فإن الحرب مع إسرائيل باسم فلسطين أو القدس وما إلى ذلك من شعارات استخدمتها وتستخدمها اليوم بنسب متدنية، باتت غير ممكنة، بل غير واردة

ما يجعل هذه المعادلة قوية وصامدة رغم الكوارث الاقتصادية والمالية التي تسببها للمؤسسات والشعب، هو الحماية الإقليمية والدولية لها، لا بل الرعاية الإسرائيلية غير المباشرة لنموذج الدولة الفاشلة القائم على حدودها. ما تريده إسرائيل بالدرجة الأولى في لبنان أمكن لها تحقيقه من خلال جعل معيار الموقف من لبنان، هو من يحولُ دون تحول حدودها معه إلى منطقة مشتعلة بالحرب أو منطلقا لعمليات عسكرية ضد احتلالها لفلسطين، ومن يستطيع أن يوفر هذه الوظيفة يصبح موضوعيا ضرورة إسرائيلية طالما أن البدائل الأخرى غير متوفرة.

هذه الوضعية القائمة اليوم والمستندة إلى معادلة “حماية أمن الجليل”، ذلك الشعار الذي كان عنوان أول اجتياح إسرائيلي للبنان في العام 1978 في مواجهة العمليات الفدائية، أمكن لإسرائيل تحقيقها اليوم، بحيث تحقق الاستقرار على هذه الحدود، ولو كان في ظل خطب نارية ممانعة، ستبقى ضرورية طالما أن وظيفتها الفعلية منع قيام أي عملية عسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي انطلاقا من جنوب لبنان.

يوفر ما تقدم ولضمان استمرار الاستقرار على الحدود، تعزيز المعادلة التي تحمي هذا الاستقرار، وهذه المعادلة تتطلب إطلاق يد حزب الله في الداخل، وتنفيس الاحتقان إنْ وجد في اتجاهات معاكسة، أي أن هذه القوة التي يمثلها حزب الله عسكريا، يجب أن تعبر عن قوتها وفائض حضورها وانهماكها في المقلب اللبناني والمقلب العربي، وهذه أكبر هدية يمكن أن تقدم لإسرائيل، فهي إن كان لديها قلق من الذراع الإيرانية في لبنان في زمن ما، فمع إيغال هذه الذراع بالدماء العربية، وفي تهميش الدولة اللبنانية وفي استثمارها المذهبي والطائفي في لبنان، فإن النتيجة الطبيعية هي المزيد من الربط إلى حدّ الحلف الموضوعي والجدلي بين استقرار حدود إسرائيل في لبنان من جهة، وضمان بقاء حزب الله منهمكا في العبث في لبنان والساحات العربية من جهة أخرى.

لا يمكن لإيران أن تقاتل عدوين؛ واحد في الدول العربية وآخر هو إسرائيل، وطالما أن العداء الذي تورطت به عربياً، بات من الصعب طيه في مدى قريب، فإن الحرب مع إسرائيل باسم فلسطين أو القدس وما إلى ذلك من شعارات استخدمتها وتستخدمها اليوم بنسب متدنية، باتت غير ممكنة، بل غير واردة.

الخلاصة أن الدمار الذي طال العديد من الدول العربية، وأدى إلى تشقق المجتمعات في تلك الدول، كان لإيران دور محوري في الوصول إلى حصيلته، ولا يعني ذلك أن إيران وذراعها حزب الله في أحسن أحوالهما، بل يجب الانتباه إلى أن حزب الله فقد كل علاقة مع أي مشروع يقوم على نهضة عربية ووطنية لبنانية، ومن يدقق ويتعمق في خطابه وفي بنيته الأيديولوجية سيكتشف الهزال الذي وصل إليه، بكونه حزبا قصارى ما يسعى إليه النطق باسم الشيعة، وما ينجّيه ويجعله يبدو متماسكا وقوياً ليس إلا كونه لم يزل حاجة لاستمرار الاستقرار على حدود إسرائيل الشمالية.

لبنان سيبقى أقل أهمية من استقرار حدود إسرائيل، والعاصفة نورما التي ينهمك اللبنانيون في تتبع بعض أضرارها والتهكم من خلالها على المشهد السياسي البائس في ساحتهم، لن تجعلهم أكثر من مجرد شهود على مدى استعداد الغرب والعرب على جعلهم رهينة لحسابات إيرانية وإسرائيلية حوّلت لبنان إلى نموذج للدولة التي يُراد للعالم العربي أن تكون مثاله، من العراق إلى اليمن فسوريا.. والبقية تأتي إن لم تعتبر.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

حين يدفع لبنان ثمن التورط

في سوريا وضريبة عودة حزب الله

علي الامين

لم يحمل عام 2018 إلى اللبنانيين فرص الخروج من أزماته، ولا يبدو في مطلع العام الجديد أن ثمة إرادة لبنانية على مستوى الحكم لمواجهة المآزق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل والنقدية أيضا حيث باتت تهدد بانهيار أسعار صرف الليرة اللبنانية.

وعلى الرغم من إجراء الانتخابات النيابية عام 2018 بعد تأجيل دام نحو خمس سنوات، فإن لبنان لا يزال بعد مرور نحو ثمانية أشهر على إجرائها عاجزا عن تشكيل الحكومة، وعلى الرغم من انعقاد مؤتمر سيدر في باريس، والذي أقر نحو اثني عشر مليار دولار أميركي لدعم لبنان، هي عبارة عن قروض ميسرة، فإن المخاطر باتت تهدد بتقويض نتائج المؤتمر بسبب إدارة الظهر لهذه الخطوة، عبر التمادي في عدم تطبيق الشروط الإصلاحية التي التزم بها لبنان أمام المؤتمر.

وعلى الرغم من حمل لبنان لملف النازحين أو اللاجئين السوريين إلى المنابر الدولية والدول الكبرى، فإن الأداء السياسي الرسمي بقي غير ذي مصداقية تجاه هذا الملف، بسبب عدم قدرة الحكومة اللبنانية على إظهار الجدية حيال مواجهة هذا الملف والمشكلات المرتبطة سواء تلك المتصلة بسياسة النأي بالنفس، أو تأمين الظروف الميدانية والعملية لعودة النازحين إلى ديارهم، وتحديدا تلك التي يسيطر عليها حزب الله على امتداد الحدود في المقلب السوري.

على أن جانبا مهما بدا متقدما في العام 2018، يتمثل في التهديدات الإسرائيلية للبنان، مع تصاعد حال التوتر الذي كانت قمته الأنفاق التي تم كشفها، وأقر تقرير الأمم المتحدة بوجودها، من دون أن يعلق حزب الله على هذا الكشف، ولا سيما أن المواقف الإسرائيلية ذهبت بعيدا في استثماره دبلوماسيا وسياسيا، فيما رفع لبنان الرسمي رسالة إلى الأمم المتحدة مشيرا إلى الخروقات الإسرائيلية المستمرة للقرار الدولي رقم 1701.

على أن اللافت في هذا السياق أن حزب الله الذي طالما استثمر السياسات الإسرائيلية من أجل ترسيخ سلطته على الدولة اللبنانية، ظلّ صامتا هذا العام حيال ما كان يردده دون توقف ودون أي فعل ميداني لتغييره، أي احتلال مزارع شبعا، فحزب الله مستمر في صمته حيال المطالبة بتحرير المزارع وغيرها من الأراضي، لكن من دون القيام بأي تهديد لهذا الاحتلال من جهة، وفي المقابل طمأنة إسرائيل عمليا عبر استمرار وجوده في سوريا، الذي جعل من الحكومة اللبنانية في موضع هشّ وضعيف، يكشف يوميا عن مكامن العجز لديها حيال ما يرسمه حزب الله لها من حدود التحرك، ويعطي إسرائيل أوراق قوة تظهر أنها تواجه قوة عسكرية وأمنية وليس لبنان الدولة.

في الشكل يبدو أن انقساما سياسيا هو ما يمنع تشكيل الحكومة على سبيل المثال لا الحصر، لكن الواقع هو غير ذلك تماما، فصناعة الانقسام وافتعاله من أسس السيطرة والتحكم بالدولة من قبل السلطة الفعلية التي يمثلها حزب الله

ولئن بقي لبنان في موقع الضعيف بسبب الإصرار على تظهير هشاشة الدولة، فإن ذلك وفّر حجما كبيرا من التلاعب بمصير اللبنانيين واجتماعهم السياسي، فالدولة اللبنانية التي يفترض أن يحكمها الدستور والقوانين التي اجتمع عليها اللبنانيون في اتفاق الطائف، لكن ما تشهده الحياة الدستورية والسياسية، يكشف أن ثمة قواعد جديدة تُفرض بالقوة وبالرغم عن إرادة اللبنانيين، هي ما يحكمهم من دون أيّ أفق إيجابي، بل تدميري للدولة.

في الشكل يبدو أن انقساما سياسيا هو ما يمنع تشكيل الحكومة على سبيل المثال لا الحصر، لكن الواقع هو غير ذلك تماما، فصناعة الانقسام وافتعاله، من أسس السيطرة والتحكم بالدولة من قبل السلطة الفعلية التي يمثلها حزب الله، ذلك أن المعادلة التي طالما سعى حزب الله إلى ترسيخها، تقوم على أن الدولة ضعيفة وغير قابلة لأن تكون دولة طبيعية كبقية الدول، وأن وجوده غير الطبيعي كقوة أمنية عسكرية من خارج الدولة، هو وجود ضروري وطبيعي ليخفف من تداعيات ضعف الدولة، وهو لذلك لا يريد للدولة أن تستعيد حضورها فتنتفي مبررات وجوده، ولا يريد نهايتها لأنها تفقده الغطاء الذي يحتاجه في الداخل والخارج.

على هذا المنوال من السلوك المستنزف للدولة، استطاع حزب الله أن يخترق الدولة، ويتحكم بمفاصل السلطة، بحيث يصعب أن نتخيل في لبنان إمكانية صدور أي قرار مهم من دون أن يكون حزب الله هو من أصدره باسم السلطة، سواء تلك القرارات المتصلة بالأمن أو السياسة وحتى الاقتصاد والمال، فحق الفيتو يمتلكه وحده ويترك التفاصيل للآخرين كي يتصارعوا عليها أو يتفقوا حولها.

في المقابل لم يترك حزب الله المعارضة، بل عمد في المقابل في سياق منع قيام معارضة حقيقية إلى الإصرار على تثبيت عرف تشكيل حكومة وحدة وطنية ليضمن مشاركة معظم القوى السياسية الفاعلة في الحكومة، وطالما أنه هو صاحب القرار الفعلي، فمن المناسب تعطيل القوى السياسية من خلال هذه المشاركة، وتحميلها مسؤولية القرارات التي يصدرها هو وإن كانت باسم الحكومة.

 وهو بذلك يعطل فرص قيام معارضة، وفي نفس الوقت يتحكم بقوة السلاح والمال في بقية القوى التي تقدم نفسها على أنها معارضة، هي معارضة لكل شيء إلا لحزب الله، ففي التحركات الأخيرة في الشارع التي خرجت اعتراضا على الأوضاع السيئة اقتصاديا وماليا، كان حزب الله حريصا أن يدسّ بين صفوفها من أتباعه ليقدم نفسه قوة معارضة لسياسة الحكومة والسلطة عموما.

غاية حزب الله من الوجود في الحكومة، بل السيطرة على الحكومة، والوجود في المعارضة، بل السيطرة على المعارضة أو على إمكانية السيطرة على إمكانية قيام معارضة، هو في جوهره منع قيام سلطة لبنانية رسمية، وفي نفس القوة منع قيام معارضة وبالنتيجة منع استعادة الدولة لعافيتها، وهذه هي الأرضية الملائمة لأن ينمو ويتمدد في النفوذ والسيطرة والتحكم.

عام 2019 هو محطة جديدة في هذا المسار الذي يبدو فيه لبنان انطلاقا مما تقدم، فريسة يجري التعامل معها من قبل إيران وذراعها حزب الله، في أن يكون التعويض عن الخسارة التي يمكن أن تطالهما في سوريا في ظل الإصرار الدولي والإقليمي على إضعاف نفوذ إيران فيها إن لم يكن إخراجها، فلبنان مرشح بالفعل لأن يكون التعويض، ولأن يدفع الثمن مرتين، مرة بخروج حزب الله إلى سوريا والثانية بعودته القاتلة منها إلى لبنان.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

ثنائية الدولة-الدويلة

أمام الحقيقة اللبنانية القاتلة

علي الامين

يدخل لبنان من معضلة إلى أخرى، فالحكومة لم تتشكل منذ سبعة أشهر بسبب عقد وعراقيل تتصل بالحصص والمحاصصة الحزبية والسياسية داخل الحكومة في الشكل، وعراقيل ذات أبعاد سياسية محلية وإقليمية في المضمون.

لبنان الذي يبدو أن الصراعات الطائفية والحزبية هي جوهر الصراع القائم فيه، يغيب عن بعض المراقبين ما يمكن أن يسمى العلة الفعلية للحكم والسلطة.

هناك سلطة ظاهرة وشكلية تعبر عنها المؤسسات الدستورية والسياسية لكنها ليست سلطة فعلية، كتلك التي يمكن أن نسميها سلطة خفية هي من يدير ويتحكم ويوزع المغانم والأعباء ويحدد الخطوط الحمراء والصفراء والخضراء التي على أساسها تمارس الحياة السياسية، وهي الخطوط التي تسمح بتجاوز الدستور وتهميشه، كما شهد لبنان ذلك منذ الوصاية السورية التي أدارت عملية تطبيق الدستور بما تقتضي مصالحها وأتاحت فرض أعرافها، كما وفرت شروط خرق الدستور والقانون، إلى مرحلة انتقال الوصاية للطرف الإقليمي الإيراني ممثلا بحزب الله.

من مظاهر خرق الدستور قوانين الانتخابات التي جرت صياغتها بما يخالف الدستور، من حيث اعتماد دوائر انتخابية متفاوتة بين منطقة وأخرى، بما يتناسب دوما مع مصالح السلطة الخفية والفعلية، ففي نفس القانون جرى اعتماد دوائر صغرى في منطقة ودوائر كبرى في مناطق أخرى.

في مجلس الوزراء جرى ترجمة المشاركة في الحكم التي أقرها اتفاق الطائف، إلى صيغة تقاسم الحصص والمنافع وتحويل المؤسسات الوزارية والأمنية والعسكرية إلى ملكيات سياسية لهذا الطرف أو ذاك بما يحول دون وحدة السلطة ودون التوازن بين المؤسسات الدستورية، في سياق النظام البرلماني الذي يقوم النظام اللبناني على أساسه؛ إلى غير ذلك من التمديد غير الدستوري لرئيس الجمهورية، وتشكيل الحكومات بما يلغي وجود حكومة ومعارضة، ونقل الصراع إلى داخل مجلس الوزراء بما يحول دون محاسبة الحكومة في البرلمان بحيث تحرص السلطة الخفية على عدم قيام المؤسسات الدستورية بواجبها، في سبيل الإبقاء على سهولة تحكمها بميزان القوى الذي تديره بعيدا عن الدستور.

هذه المظاهر من إدارة السلطة بقوة السلطة الخفية، أطلقت العنان لكل التجاوزات التي كان معيار حمايتها، هو التسليم بغطاء السلطة الخفية وليس بمرجعية الدستور والقانون، فطالما أن هذا الطرف السياسي أو ذاك لا يخل بشروط سلطة حزب الله، الذي يمثل ويعبر عن السلطة الخفية هذه، فلن يتعرض لأي مساءلة أو محاسبة مهما بلغ تجاوز هذا الطرف أو ذاك للقانون، ومهما تورط بالفساد، بل يصبح ديدن السلطة الخفية هو توريط الجميع بملفات الفساد لكي تتحول إلى وسيلة سيطرة على مرتكبها وتحكم بمساراته السياسية ومواقفه، فيصبح أكثر طواعية، بل يتحول في بعض الأحيان إلى قوة إرشاد للسلطة الخفية من أجل المزيد من إضعاف الدولة وإظهار هشاشتها، باعتبار أن ذلك يشكل غطاء للسلطة الخفية وللدويلة التي قامت واستمرت بقوة شعار غياب الدولة.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق. وبات من الصعب الاستمرار بهذه السياسة المدمرة للدولة وللاقتصاد، التي جعلت خزينة الدولة أمام عجز دائم ومتراكم وصل بالمديونية العامة إلى رقم يتجاوز المئة مليار دولار. وإزاء غياب أي فرصة جدية أو ممكنة، في ظل معادلة ثنائية السلطة الخفية والسلطة الشكلية، للحدّ من النزيف المستمر في مالية الدولة واقتصادها، فإن الانهيار هو الجواب الفعلي لما ينتظره لبنان في المقبل من الأشهر القريبة.

هذه الحقيقة الواقعية عن المخاطر الكبرى التي يعيشها لبنان، هو ما يردده كل المسؤولين ويعرفه حزب الله من دون الحاجة إلى إقناعه. أضحى يعرف من أسرار الدولة وحقيقة أوضاعها ما لا يعرفه حتى الراسخون في الدولة العميقة، فهو كان من أبرز الساعين إلى تعليق الدولة وتهميشها، لأسباب تتصل بدوره ونفوذه وحسابات إقليمية شاءت إيران أن تستثمرها انطلاقا من لبنان.

واقع الحال اللبناني اليوم يكشف عن إرباك لدى السلطة الخفية، فالسلطة الشكلية سلمت مقاليدها لها منذ سنوات، وتتعامل مع الحكم باعتباره فرصة لجني المنافع من دون تحمل أي مسؤولية، وإلى المحاصصة من دون النظر إلى الأثقال التي تقع على كاهل الدولة وخزينتها الفارغة إلا من تراكم سندات الدّين.

 السلطة الخفية المتمثلة بحزب الله، تدرك أنها باتت أمام مفترق ومفصل تاريخي، فإما أن تذهب بعيدا في لعبة سقوط الدولة، وبالتالي ستكون أمام تحدي الكشف عن مشروعها البديل عن ثنائية الدولة-الدويلة بعدما انتهت مدة صلاحية هذه الثنائية، وإما التسليم بشرط الانضواء الكامل بمشروع الدولة وعلى قاعدة لبنان أولا، لا إيران ولا طهران ولا اليمن ولا غيرها من الدول والعواصم التي طالما استثمر حزب الله كأداة إيرانية، مشاريع كانت تداعياتها وبالا على لبنان الدولة والكيان.

ما يجري في لبنان اليوم، سواء الأزمة الحكومية، أو على صعيد استفحال الفساد أو ضعف الدولة، وإزاء التحركات التي بدأت تظهر في الشارع، كتعبير عن اختناق فئة كبيرة من اللبنانيين من الناحية الاقتصادية وإزاء ازدياد البطالة والفقر، ولا سيما في البيئة الحاضنة لحزب الله، كل ذلك وغيره من التصدعات الاجتماعية والاقتصادية، مرشح لأن يزيد من إرباك السلطة الخفية.

المرتقب في لبنان، هو المزيد من مظاهر الاحتجاج والخروج على القانون. والتحركات الجارية في الشارع، التي تفتقد إلى قيادة في ظل عملية تطويع معقدة لكل النقابات والأحزاب والقوى التي تقدم نفسها على أنها معارضة لسياسة السلطة، مرشحة لأن تتحول إلى قوة احتجاج غير محسوبة النتائج، فيما بدأ حزب الله الذي نجح بأن يتغطى كسلطة خفية وراء السلطة الشكلية، أمام مرمى هذه التحركات التي وإن كانت تتناوله بخجل.

إلا أن الملاحظ في هذه التحركات، التي تدين كل أطراف السلطة، هي أنها تستعد لأن ترفع صوتها وتصوب سهامها هذه المرة بوضوح على حزب الله، طالما أن الأخير لا يزال يتوهم أنه قادر على لجم الشارع وقمعه باسم السلاح ومقاومة الاحتلال التي صارت في برنامج حزب الله وأولوياته الإقليمية ماضيا لا حاضر له.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

ليس لدى حزب الله

ما يقدمه إلى اللبنانيين إلا التعطيل

علي الامين

 

وصف رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون الأوضاع في لبنان بأنها كارثية وتهدد بالانهيار، وكان رئيس الجمهورية يشير إلى الواقع السيء والمعروف في لبنان أمام زوّاره، ليثير انتباه الجميع إلى الأزمة الحكومية التي طالت واتسعت بسبب مواقف القوى السياسية، وتمسكها بمطالب تبدو شكلية إذا ما قيست بأضرار تأخير تشكيل الحكومة.

ولا ينفك المسؤولون في السلطة في لبنان، عن التنبيه إلى المخاطر المالية والاقتصادية والاجتماعية الداهمة، بسبب إدارة الظهر للأزمات ولسبل مواجهتها، وإلى البدء بتطبيق الخطط الإصلاحية التي أقرها مؤتمر سيدر لدعم لبنان في باريس بضمانة تتجاوز 11 مليار دولار. ورغم المواقف المتطابقة بين مختلف القوى اللبنانية في النظر إلى أوضاع لبنان المالية، فإن لبنان يبقى عاجزا عن تشكيل حكومة رغم مرور نحو سبعة أشهر على تكليف الرئيس سعد الحريري بتأليفها.

وكما بات معروفا فإن العجز عن تشكيل الحكومة، أو تعطيل هذه العملية، ناشئ عن قرار إقليمي نفذه حزب الله من خلال ربط عملية تأليف الحكومة بتمثيل ما يسمى نواب سنة 8 آذار، وهذا أمر خرج كأرنب من كمّ الساحر لحظة إنجاز التشكيلة الحكومية وقبل ساعات من توقيع مراسيمها.

التعطيل سمة إقليمية في هذه المرحلة، فالعراق أيضا في نفس المأزق، حيث تعمدُ إيران إلى محاولة استثمار كامل قدراتها التعطيلية من أجل استدراج أطراف إقليمية ودولية إلى طاولة حوار تتصل بالعقوبات الدولية على إيران.

في لعبة التصعيد والتعطيل، أي التصعيد المتبادل بين طهران من جهة ونظام العقوبات الأميركية عليها من جهة ثانية، دخلت إسرائيل بقوة على خط استثمار العقوبات في سبيل المزيد من تحسين شروط نفوذها الإقليمي، وكانت تدرك أن إيران أو أذرعها ليست في وارد خوض حرب معها، انطلاقا من اعتبارات تتصل بأولويات النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، ولأسباب روسية بدرجة ثانية، ولأن القيادة الإيرانية اليوم ليست في وضعية تتيح لها الدخول في أي حرب لأسباب اقتصادية وإستراتيجية بدرجة ثالثة.

لذا دخلت إسرائيل على خط أزمة لبنان، ولوحت بضربة عسكرية لمواقع تزعم أنها مراكز صناعة صواريخ داخل لبنان تابعة لحزب الله، فيما رفضت واشنطن فكرة الضربة العسكرية ومنعتها، ورفضت طلبا إسرائيليّا بفرض عقوبات على لبنان، حيث نقلت واشنطن عبر دبلوماسيتها في لبنان إلى رئيس الجمهورية، رسالة بهذا المضمون.

وفي موازاة الرسائل الأميركية إلى لبنان، فإن روسيا أيضا مهتمة بالعلاقة الإيرانية الإسرائيلية، وفي المعلومات أن روسيا نقلت رسائل إسرائيلية إلى طهران، تتضمن تحذيرا لإيران وحزب الله من تحويل لبنان إلى ساحة تعويض لما ستخسر إيران في سوريا، وتضيف المعلومات أن روسيا نقلت رسائل طمأنة إيرانية بأن لا نوايا عدوانية لديها على إسرائيل، وأرفقت هذه الرسائل بخرائط لأنفاق محفورة بين لبنان وإسرائيل، وفي حين تعتبر إسرائيل أن المطلوب معالجته هي الصواريخ طويلة المدى الموجودة لدى حزب الله، إلا أن إسرائيل بدأت عملية استعراض سياسي ودولي لقضية الأنفاق في محاولة لإظهار أنها هي عرضة لتهديد حزب الله، مع العلم أن حزب الله لم يعد يطالب حتى بتحرير مزارع شبعا اللبنانية، كما كان الحال في خطابه قبل اندلاع الثورة السورية.

انتقال الزخم الإيراني إلى لبنان لم يعد مجرد فكرة، بل بات خيارا في ظل سياسة الانكفاء المحتملة أو المرجحة من سوريا التي تفرضها اعتبارات روسية وأميركية فضلا عن عوامل إقليمية أخرى، لبنان يجب أن يكون سندا لإيران في سوريا، لذا فإن سياسة الانتقال نحو السيطرة الإيرانية الكاملة على لبنان، انطلقت من خلال آلية تعطيل عملية تشكيل الحكومة، والتي أراد حزب الله باعتباره الذراع الإيرانية في لبنان والمنطقة، أن يقول لمن يعنيهم الأمر داخليا وخارجيا، أنا من يقرر في لبنان، ولا حكومة من دون موافقتي وشروطي.

وما يحول دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية في لبنان هو أن لبنان تحول إلى ساحة تزاحم دولي وإقليمي، ففي لبنان قوات دولية يتجاوز عددها 11 ألف جنديا، معظمهم من الجنسيات الأوروبية، كما هناك المئات من الجنود البريطانيين على الحدود الشرقية والشمالية مع سوريا، فضلا عن التواجد الأميركي عبر التعاون العسكري والتسليح مع الجيش اللبناني. في مقابل ذلك بدأت بعض الدول العربية وفي مقدمها المملكة العربية السعودية بتقديم نفسها دولة تحمل مشروعا لدعم لبنان سياسيا واقتصاديا، حيث أكدت مصادر دبلوماسية سعودية أن الرياض مهتمة بمساعدة لبنان على مواجهة أزمته، وهي لن تقف مكتوفة إزاء المخاطر التي تواجهه، وأكدت هذه المصادر أن تاريخ العلاقة السعودية – اللبنانية يكشف المدى الذي وفرته الرياض لدعم لبنان خلال كل مراحل الأزمات التي مر بها في السلم والحرب.

الأزمات التي تتراكم في لبنان على مختلف المستويات، تدفع حزب الله نحو وقف أي محاولة جديّة لمعالجتها، ذلك أنه يحاول من خلال كونه المسيطر أمنيا وعسكريا ومتحكما بالعملية السياسية، فرض قواعد جديدة للحياة السياسية قائمة على أن لبنان لا يمكن أن تستقيم أحواله من غير الاعتراف الدولي والإقليمي بشرعية نفوذه، وطالما أن العقوبات الأميركية مستمرة على إيران وأذرعها فإن لبنان لن يكون بمنأى عنها. لذا فإن ما ينتظر اللبنانيون في الأشهر المقبلة هو المزيد من الغرق في الأزمات التي باتت تعكس مأزق النفوذ الإيراني الذي ليس لديه ما يحمله للبنان إلا المزيد منها.

 

كاتب لبناني

 

لبنان داخل أنفاق حزب الله

علي الأمين

 

كشفت الأنفاق التي تحدث رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أمام دبلوماسيين أجانب عن وجودها على الحدود مع لبنان، عن تهيب حزب الله من الإقرار بأنه هو من يقف وراء حفرها، فتقرير قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفل) أكد وجود هذه الأنفاق والتي حمّل لبنان مسؤولية وجودها، واعتبرها خرقا للقرار الدولي 1701 الذي يفرض وجود القوة الدولية والجيش اللبناني وحدهما في منطقة الحدود الجنوبية، أو ما يسمى منطقة “جنوب الليطاني”.

لم يصدر حزب الله أي موقف حتى الآن، لم يؤكد ولم ينف مسؤوليته، فيما بدت إسرائيل منهمكة بحملة دبلوماسية لتظهير أنها دولة يجري الاعتداء عليها، من دون أن تولي أي اهتمام برد عسكري، بل أظهرت المواقف الرسمية الإسرائيلية أنها غير معنية برد فعل عسكري في لبنان نتيجة وجود هذه الأنفاق وشقها من قبل حزب الله. والأخير تحصّن بالصمت وتفادى الاعتراف بوجودها، فضلا عن الإقرار بوقوفه وراء حفرها عند الحدود اللبنانية باتجاه إسرائيل.

في جولة قمنا بها على المناطق الحدودية الجنوبية، لاحظنا أن الصمت هو سيد الموقف، فلا مواقف تصعيدية ولا اعتداد بوجود هذه الأنفاق، بل ثمة مؤشرات تدل على محاولة التنصل من المسؤولية ولا سيما مسؤولية حزب الله.

الرسالة الواضحة التي يبثها الحزب في هذه المناطق هي عدم التعليق على ما يجري، وفي أسوأ الظروف، القول برسائله الضمنية أن هذه الأنفاق هي لمهربي المخدرات، أو هي من مخلفات مرحلة المقاومة الفلسطينية في عقد السبعينات من القرن الماضي.

تنصل حزب الله أو عدم اعتداده بهذه الأنفاق، يؤكد مجددا أنه لا يريد الذهاب بعيدا في تقديم نفسه كطرف ساع لشق طريق القدس عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل هو في قمة الحرص على عدم الانتقال من الخطاب المنبري والشعبوي المقاوم، إلى التورط في مقاومة عسكرية فعلية ضد إسرائيل.

في الأنفاق التي قامت في غزّة سواء في اتجاه الأراضي المصرية، أو نحوالأراضي الفلسطينية المحتلة، لم تتنصل جماعات المقاومة الفلسطينية من تحمل المسؤولية بل كانت شديدة الاعتداد بما أنجزته على هذا الصعيد.

حزب الله يبدو اليوم في حالة مغايرة تماما، فهو شديد الفخر بما أنجزه باسم فلسطين ضد المعارضات المسلحة في سوريا، لا بل كان يرى في معارك تدمير المدن السورية وتهجير سكانها إحدى وسائل شقّ طريق تحرير القدس، وهذا ما عبر عنه صراحة حسن نصرالله، الأمين العام لحزب الله، بقوله إن طريق القدس تمر من حلب ومن حمص ومن القلمون، ولكن عندما يتصل الأمر بحقيقة المواجهة مع إسرائيل، كما جرى قبل أيام، نجده يتمترس بوزارة الخارجية اللبنانية ويلوذ بالصمت، ويتعامل مع حدث الأنفاق وكأنه تهمة، وليس أمرا يجب الافتخار به كما كان الحال وهو يقوم “بتحرير” حمص أو داريا أو الزبداني أو القلمون.

لم ينفك حزب الله عن القول إن الدولة اللبنانية ضعيفة وعاجزة ليبرر وجود سلاحه، بل اتهم كل من تحدث عن ضرورة التنسيق مع المجتمع الدولي والتمسك بالقرارات الدولية وتطبيقها في لبنان، باعتباره متواطئا مع إسرائيل.

هذا الخطاب الذي اعتمده لتعزيز وجوده المسلح، واستخدمه في حربه السورية عبر القول إنه هو من يحمي لبنان من الإرهاب، ليبرر تجاوز الحدود الدولية ضاربا عرض الحائط بكل سياسات الحكومة للنأي بالنفس عن الأزمة السورية.

كل هذه الانتهاكات والجرأة على مواجهة الثورة السورية، يقابلها هذا الصمت المطبق حيال الأنفاق، بل الصمت حيال ما كان يعتبره، دوما، مؤامرات دولية على المقاومة، وهو في الوقت الذي يحتمي بالدولة اللبنانية، تبدو مؤسسات الدولة آخر من يعلم بما يقوم به، لا بل يستمر في رفضه في أن تكون هذه المؤسسات هي المرجعية الأساسية في ما يتعلق بمتطلبات السيادة اللبنانية.

إسرائيل تبدو في وضعية من يريد فضح الدولة اللبنانية وحزب الله على حد سواء.

الدولة اللبنانية بوصفها عاجزة عن تحمل مسؤولية السيادة على أراضيها، وحزب الله بوصفه قوة مسلحة تتصرف بمعزل عن أي شرعية وتنتهك القرارات الدولية من دون أن تتجرأ على تبني هذا الخرق، علما أنها تجرأت ولم تخف تدخلها العسكري والأمني العلني في أكثر من دولة عربية.

أنفاق حزب الله، في النهاية، كشفت النفق الذي أدخل فيه لبنان على كل المستويات، فلا هو جاد في ما يدعيه لجهة مقاومة الاحتلال وتحرير القدس، ولا هو قادر على إعادة الاعتبار للدولة التي طالما اتهمها بالضعف والوهن، لكنه ظل مصرا على فعل ما تطلبه المصالح الإيرانية التي زادت من انكشاف الدولة والمجتمع على المزيد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمالية.

مأزق الدولة في لبنان تقابله قهقهات إسرائيلية صادرة عن بنيامين نتنياهو، وهو يراقب كيف أدخل حزب الله لبنان في نفق لا يستطيع الخروج منه، ولا البقاء فيه.

كاتب لبناني

 

خواء انتصارات حزب الله

أو الهزيمة النكراء

علي الأمين

 

لم تزل عملية تشكيل الحكومة عالقة في مأزق التعطيل، أو أسيرة الأرانب التي يخبئها حزب الله في أكمامه ليخرجها حين تقتضي ضروراته، فكلما برزت أي مؤشرات لخروج التشكيلة الحكومية من عنق الزجاجة، يُخرج أرنبا، كما أخرج أزمة توزير أحد نواب سنة 8 آذار، وهو الاسم المتداول لمجموعة من النواب السنة، وهذه عبارة عن نواب منتمين إلى كتل سياسية جرى تمثيلها في الحكومة المفترضة، ثم ما لبثت عشية تشكيل الحكومة أن أعلنت عن نفسها كمجموعة نيابية حتى من دون أن تكلف نفسها عناء تشكيل كتلة نيابية، وتكفل أمين عام حزب الله حسن نصرالله بدعمها حتى تحقق ما تريد. وهذا الموقف كان بمثابة إعلان عن تأجيل تشكيل الحكومة ومنع خروجها إلى النور.

لم يعد خافيا أن غاية التعطيل الحكومي، خارجية بالدرجة الأولى والأخيرة، ولأهداف إيرانية، لا سيما أن الحكومة المفترضة التي أفشل حزب الله خروجها إلى النور، هي حكومة يمتلك فيها هو وحلفاؤه وأتباعه الأكثرية أي 17 من أصل 30 وزيرا، ورغم ذلك فهو لا يريد تشكيل الحكومة. فالسياسة التي تقف وراء هذا السلوك باتت مكشوفة ومكررة، كما قال رئيس الحكومة السابق، تمام سلام، إن حكومته التي بقيت نحو عام حتى أمكن تشكيلها، كان تاريخ الحل السحري لإعلانها وصول الأميركيين والإيرانيين إلى الاتفاق النووي في العام 2015، وهذا الاتفاق هو الذي جعل إيران تفرج عن التشكيلة الحكومية بحسب سلام.

من هنا فإن إيران تستنفر أوراقها في المنطقة العربية ومنها الورقة اللبنانية، فالمطلوب أن يرفع أحد المسؤولين الغربيين سماعة هاتفه ويطلب من القيادة الإيرانية، السعي لإقناع حزب الله بتسهيل عملية تأليف الحكومة اللبنانية، وهذا ما لا يبدو متاحا اليوم، ذلك أن الأطراف التي تريد منها طهران أن تدق أبوابها في هذا السبيل، ليست مهتمة على ما يبدو بأن تقايض طهران في هذه المرحلة. إذ تشكل العقوبات الأميركية لديها الأولوية التي لا يجب أن يخل بتنفيذها أي شيء آخر، خصوصا أن الثمن الذي تريده طهران يتصل حكما بتخفيف أو تقليص هذه العقوبات.

الأمر عينه يجري في العراق الذي أدارت فيه واشنطن ظهرها لكل محاولات إيران لاستدراجها من أجل المقايضة في لعبة الأسماء التي يمكن أن تتولى هذا المنصب الوزاري أو ذاك، ما يزعج إيران أن واشنطن غير مبالية بمن سيأتي وزيرا للداخلية أو للدفاع في العراق، فواشنطن على ما يبدو، خلصت إلى أنها لن تُستدرج إلى التفاوض مع إيران في مسائل تفصيلية، طالما كان هذا التفاوض يوفر مكسبا لإيران، وبالتالي الإدارة الأميركية ترفع شروطها الـ11 بوجه طهران، وعلى إيران أن توافق عليها أولا، ثم بعد ذلك يتم التفاوض لا على تعديلها، بل على كيفية تنفيذها. وهي المطالب التي لا تفصل بين الملف النووي والسياسة الخارجية الإيرانية، بل تتعامل معهما كملف واحد من دون تجزئة.

باختصار واشنطن غير مهتمة بالعروض الإيرانية، ولا يبدو أنها تخضع لابتزاز على هذا الصعيد، فإدارة الرئيس دونالد ترامب تركز بوضوح على تغيير سلوك إيران، وبالتالي تبدو محاولات الأخيرة لاستدراج واشنطن إلى تفاوض الضرورة في ملفات جزئية، غير قابلة للتحقق، وهذا ما يجعل طهران أمام مأزق العجز عن تسييل نفوذها الإقليمي للتملص من العقاب الأميركي، وهذا ما يفسر إلى حدّ بعيد عدم قدرة روسيا وإيران على تسييل ما وصفتاه بانتصار حلفهما في سوريا إلى نتيجة سياسية، فها هي لقاءات أستانة لم تستطع أن تترجم التفوق الروسي والإيراني إلى حلّ سياسي، طالما أن واشنطن وأوروبا فضلا عن الدول العربية لم تعط أي شرعية لهذا المؤتمر، فيما أعلن مندوب الأمم المتحدة في سوريا ستافان دي ميستورا فشله، وهي إشارة إلى أن طهران أو موسكو لن يفيدهما ما حققتاه عسكريا، طالما بقي الموقف الدولي مصرا على مقررات جنيف كمرجعية للحل، والأهم أن لا طهران ولا موسكو قادرتان على إعادة ترميم البنيان السوري من دون دعم واشنطن.

قوة حزب الله لم تعد ميزة له، بل تحولت إلى نقيصة، وهي قوة مرشحة للانهيار والتلاشي، بعدما تلاشت كل مقومات مشروع قيامها كقوة غايتها تحرير فلسطين، وقيام الحكم الإسلامي، وصارت وظيفتها الوحيدة السلطة بمفهومها الأعمى

وفي لبنان صورة مصغرة عن كل ذلك، فحزب الله (الذراع الإيرانية) هو الأقوى عسكريا وأمنيا ويسيطر بالقوة على الجغرافيا اللبنانية وعلى مفاصل السلطة وعلى الدولة إلى الحدّ الذي يريده هو، وليس الحدّ الذي يستطيعه، ولكن فائض القوة هذا هو نفسه يجعله مربكا، بل عاجزا عن أن يدير الدولة بالكامل، فيسعى دوما إلى تطويع جميع القوى، ودفعها بالإغراء أو الإكراه إلى تنفيذ ما يريده من سياسات، لا بهدف الشراكة في حكم البلد، كما يقول قادته دوما، بل بهدف أخذه لمكاسب السلطة وإحالة مسؤوليات السلطة على الآخرين ممن يسميهم شركاء، والدليل على ذلك أنه بكلمة من أمين عام حزب الله تتعطل عملية تشكيل الحكومة، وبكلمة منه تسير عجلة التشكيل.

يجلس حزب الله على كرسي الانتظار في لبنان اليوم. انتظار مسار العقوبات الأميركية على طهران والعقوبات الموازية عليه، ويترقب كيف سيستقر مسار التسوية في سوريا، وماذا سيجري في اليمن، فيما هو عاجز عن أن يكون فاعلا في هذه المسارات التي باتت في مقلب الحلول وإن لم تكن داهمة، لكن مسار الأزمات المستعصية والحروب المتناسلة استنزف خياراته وباتت المنطقة العربية المدمرة أمام مرحلة جديدة، فوظيفة حزب الله انتهت، أي الوظيفة القتالية والتدميرية، لقد أنجز مهمته التدميرية وبات اليوم أمام ركام في سوريا وركام سياسي واجتماعي وحضاري في لبنان وحيث يتواجد.

ليس لدى حزب الله ما يؤهله لأن يساهم في بناء دولة، هو يتقن فن تدمير الدول، وأنجز ما يتقنه، لذا تبرز قوة حزب الله في التعطيل، في القدرة على التدمير لا في القدرة على البناء، في خلق الأزمات لا في إيجاد الحلول، في تجزئة المجتمع وإفراغه من الحيوية والإبداع، لا في بناء نموذج جاذب لغير العصبيات المذهبية والطائفية، هو يتنفس ويحيا في الأزمات ويختنق في مسار الحلول، لذا هو مربك في تفوقه العسكري على الجميع في لبنان، باعتبار أن التفوق والانتصار ولو بقوة السلاح يفرض مسؤوليات على المنتصر هو عاجز عن تحملها، تلك المسؤوليات التي تتصل ببناء الدولة في الاقتصاد وفي الاجتماع وفي السياسة وما إلى ذلك من عناوين مرتبطة بالدولة وليس بالميليشيا أو المنظمة الأمنية العسكرية أو حتى الجهادية.

التعطيل للحكومة اللبنانية والابتزاز بالواسطة للمجتمع الدولي وصلا إلى نهايتهما، فحزب الله الذي أثار الفوضى وتورط بها في كل الجغرافيا العربية، هو نفسه من كان شديد الانضباط حيال المسّ بأمن إسرائيل، حيث صارت الحدود الجنوبية للبنان مع فلسطين منطقة الاستقرار النموذجي في الشرق الأوسط، وبات عاجزا حتى عن الحديث عن شق طريق القدس الذي طالما مرره ولا يزال في الحرب السورية، وتحول من طرف طالما قاتل وخوّن حتى منظمات فلسطينية لأنها بنظره تهاونت في قضية تحرير فلسطين، إلى طرف شديد الانضباط والالتزام تجاه أمن حدود فلسطين المحتلة، وقصارى ما يقوله زعيمه هو إذا اعتدت علينا إسرائيل سنرد عليها، ونجح في طي كل ما كان يقوله في السابق عن إنهاء إسرائيل وعن تحرير فلسطين، بل حتى عن تحرير مزارع شبعا.

قوة حزب الله لم تعد ميزة له، بل تحولت إلى نقيصة، وهي قوة مرشحة للانهيار والتلاشي، بعدما تلاشت كل مقومات مشروع قيامها كقوة غايتها تحرير فلسطين، وقيام الحكم الإسلامي، وصارت وظيفتها الوحيدة السلطة بمفهومها الأعمى، وبات الحزب عاجزا عن تحديد من هو عدوه أو صديقه وحليفه، بل عاجزا عن قول ماذا يريد، فضلا عن معرفته.

قصارى ما يستطيعه حزب الله اليوم أن يبحث عن انتصار ولو بالوهم كما هو الحال في لبنان، انتصار على الدولة المتهاوية وانتصار بالواسطة عبر وئام وهاب، ولم يعد لدى الحزب ما يقوله لمحازبيه سوى أننا قادرون على صناعة مجموعة نواب 8 آذار، والإعلاء من شأن وئام وهاب في وجه وليد جنبلاط أو سعد الحريري. إنها النهايات التي تلي وهم انتصار الدويلة على الدولة، وزمن الانكشاف على الواقع اللبناني العاري بانتصار حزب الله، بكل ما ينطوي عليه هذا الانتصار من خواء أو هزيمة سياسية وحضارية نكراء.

 

كاتب لبناني

 

النفوذ الإيراني في

آخر صوره البائسة

علي الأمين

 

لطالما شكّل الخطاب الأيديولوجي الوسيلة التي أتاحت لإيران التغلغل في الدول العربية، فالتعبئة الأيديولوجية المدعمة بمنظومات أمنية وعسكرية وبعدّة دينية ومذهبية، سمحت للمنظومة الإيرانية بالتمدّد والنفوذ والسيطرة، وهو نفوذ تميّز بالقدرة على التحكّم بقرارات السلطات الرسمية. فأنشأ وعلى امتداد زمني طويل نسبياً منظمات وأذرع له في هذه الدول وربط نظام مصالحها السياسي بإيران، ووفّر الخطاب الأيديولوجي مجالا رحباً لنموّ اذرع النفوذ بعيدا عن الانتماء أو الهوية الوطنية، بما يحول دون أي تفلّت من القرار الإيراني في حال تضارب نظام المصالح الوطني مع نظام المصلحة الإيرانية.

هذا النمط من السيطرة، اتخذ حيناً وسيلة إنشاء وتمويل مقاومات في لبنان وفلسطين المحتلة، في موازاة ضرب أي مشروع مقاومة وطني قائم، بما يضمن تحويل “المقاومة” إلى ورقة إيرانية تتحكم بها طهران، وحيث لا تنفع ورقة المقاومة كشعار أيديولوجي، تمّ استثمار الخطاب المذهبي كمجال خصب يمكن النفاذ من خلاله والسيطرة على فئات من المجتمع. وهذا ما برز ولا يزال في العراق واليمن وحتى سوريا، حيث عمدت إيران إلى التغلغل في هذه الدول، مستثمرة في الشروخ المجتمعية وقدّمت نفسها باعتبارها الحصن الحصين للأقليات، كما أظهرت كفاءة أمنية واستخبارية في اختراق البيئات السنيّة، التي تحوّلت مع ظهور تنظيم داعش كما هو الحال في العراق، في حال من العراء السياسي جعل من بعضها أكثر قابلية لبناء علاقات منفعة وحماية، في ظل تدهور وتصدع البنيان الوطني.

المنهج الإيراني الذي اعتمد منذ الثورة الإسلامية أي قبل نحو أربعة عقود، لا يبدو أنه قابل لأن يتعقلن في منهج السيطرة والنفوذ هو يسير في اتجاه واحد؛ الاتجاه الأيديولوجي الذي لا ينطوي على خيارات تتصل ببناء نموذج للدولة، ولا يحتمل بطبيعته هذه، وحدة المجتمع في إطار وطني وتحت سلطة الدولة، لذا هو قلق ويبدي توتراً عالياً حيال أي مشهد سياسي وطني يقوم على أسس وحدة الشعب وقوة الدولة، وهذا إن أضاء على البعد الأيديولوجي في مواجهة مشروع الدولة، فهو يكشف أيضاً مدى العجز أو عدم الرغبة في التغلغل نحو الدولة العميقة وآليات عملها، إذ ليس خفيا أن الإدارة الأميركية التي احتلت العراق وسحبت جنودها منه، ثم عادت إليه بعد انهيار الدولة أمام زحف تنظيم داعش، لا تبني نفوذها في العراق على قاعدة ميليشياوية، بل تبني إستراتيجية نفوذها في مؤسسات الدولة؛ الجيش والقوى الأمنية ونُظم الإدارة والتعليم، وقبل ذلك في عملية بناء هيكل السلطات داخل الدولة.

من هنا فإن منهجية النفوذ الإيراني، تقوم على السير بعقلية أيديولوجية وفي اتجاه واحد، لا تستطيع النظر إلى المجتمعات العربية ودولها، إلا باعتبارها جماعات وليست شعوبا، وعاجزة عن بناء أي علاقات بين دولة ودولة، فبنظرة شاملة على ما بذلته إيران في سبيل نفوذها من عشرات مليارات الدولارات في سبيل تمدّدها، نجد أن السياسة الإيرانية وإن تورطت في تدمير وإضعاف الكيانات الوطنية التي استهدفتها في محيطها العربي، فهي حصدت مستوى من العداء مع فئات واسعة من المجتمعات العربية باتت تنظر إليها كعدوّ، وليس خافيا ما قدّمته إيران من مال ودماء في سبيل بقاء نظام بشار الأسد حاكما في سوريا، وهو لا يمكن مقارنته بما قدّمته واشنطن من أكلاف مادية محدودة. فإيران قدّمت الكثير من أجل بقائها في سوريا، ومهما علا اليوم الخطاب الأيديولوجي الإيراني، فإن الحصيلة في سوريا مرشحة أن تكون لا شيء إلا العداء من قبل السوريين ضدها وعدم الوفاء لمن قالت إنها تقاتل من أجلهم، فضلا عن صرخات الشعب الإيراني التي لا توحي بأي حماسة جديّة لهذه الحرب التي خاضتها السلطة في سوريا ولا تزال.

المنظومة الأيديولوجية الإيرانية محكومة بالمواجهة التي ستكون داخل إيران لا خارجها، طالما أن الحروب الخارجية استنفدت طاقات إيران من دون أن تستطيع حتى حماية اتفاقها النووي مع واشنطن

الحصيلة الإستراتيجية أن الجهد الإيراني في هذا البلد، بات مصيره في أيد روسية – أميركية بالدرجة الأولى، وتركية – إسرائيلية في درجة ثانية، وإذا كان للشعب السوري دور في مستقبل هذا البلد (وهو بظني سيقرر مستقبله) فان أسوأ ما حصدته إيران من وجدان هذا الشعب، هو العداء الذي فاق في مستواه عداءه لمن كان، ولا يزال، عدوّ سوريا والعرب.

أما العراق فلا وجود لنفوذ إيراني خارج استمرار الدولة الضعيفة والعاجزة، لذا فإن الإصرار على بقاء الحشد الشعبي كمنافس للقوى المسلحة الرسمية، ينطوي على سياسة إبقاء العراق دولة معلقة، وكلما جنح الوضع العراقي نحو ترسيخ سلطة الدولة، كلما بدت إيران عاجزة عن التأقلم مع مشروع الدولة. ففي حين تبني واشنطن نفوذها على علاقات مع الدولة ومؤسساتها تبدو طهران منهمكة بالبحث عن الأشخاص الموالين لها، وهذا بحدّ ذاته سلوك يكشف أن الثقة الإيرانية بأي دولة عراقية مهما كان نظامها، هو أمر غير وارد، لكون الاستثمار الإيراني تركّز على نقيض الدولة ووحدة المجتمع، أي على الميليشيات والأفراد.

وينطبق هذا النموذج على لبنان ذلك أن قوة إيران في لبنان، تقوم على القوة المسيطرة على الدولة من خارجها، أي من خلال النفوذ العسكري والأمني الذي يترجمه حزب الله على مؤسسات الدولة، الدستورية والقضائية والأمنية والعسكرية، وهذا نفوذ منفّر لمعظم اللبنانيين لأنه لا يقدّم للبنانيين أي أجوبة على أسئلة الانهيار المالي والاقتصادي الداهمة، ويزيد من قلق انهيار الدولة، فهو يعمل من خارجها وإن كان يغرف من أصولها ومواردها بشكل شرعي وغير شرعي، والخسارة الإستراتيجية التي طالت النفوذ الإيراني في لبنان، ولا سيما بعد التورّط الدموي في الأزمة السورية، أنه افتقد المضمون الإنساني والأخلاقي الذي كان عنصرا أساسيا يستند إليه في أي مواجهة مع إسرائيل، كما حصل في العام 2006 وقبلها، إلا أنه اليوم يدرك أن المضمون الإنساني والأخلاقي لم يعد قابلا للتوظيف في أي حرب محتملة مع إسرائيل، فبعد سقوط أكثر من نصف مليون سوري، افتقد حزب الله أي إمكانية تعاطف عربي شعبي أو أوروبي وغربي عموما، علماً أن إسرائيل لن تفوّت فرصة استعادة ما تعتبره ديْناً معنويا على هذا الصعيد “الأخلاقي والإنساني” انتزعه حزب الله منها في مواجهات سابقة، وهي لن تفوّت فرصة استعادته في لحظة عراء سياسي غير مسبوقة لحزب الله على المستوى العربي، ولكن ذلك سيبقى مشروطاً بأن يقوم حزب الله بخطوة عسكرية أو أمنية ضد إسرائيل أو حتى في مزارع شبعا اللبنانية المحتلة من قبل إسرائيل.

لذا يمكن رؤية كيف صار حزب الله الذي أُطلقت يده في سوريا، عاجز حتى عن العمل من أجل تحرير مزارع شبعا اللبنانية، التي تكاد تغيب بالكامل عن خطابه السياسي، بل تحول بمشيئته أو رغما عنه، إلى قوة حماية لحدود إسرائيل التي خاضت كل حروبها ومفاوضاتها مع لبنان خلال العقود الأربعة الماضية في سبيل حماية “أمن الجليل”، وإن كانت ثمة جهة واحدة وقادرة على حماية الاستقرار في المقلب الآخر من الحدود، فهو حزب الله اليوم.

الوظيفة الثانية التي لا تزعج إسرائيل بل تتمناها هي وظيفة الاستقواء على الدولة اللبنانية، وهي الوظيفة التي استطاع حزب الله القيام بها وإدارتها. من هنا يمكن القول إن ورقة إشعال الحرب في جنوب لبنان أو في جنوب سوريا مع إسرائيل، لم تعد ورقة إيرانية يمكن استخدامها كما جرى في العام 2006، ويكفي أن ينظر جنود حزب الله إلى الجبهة الخلفية التي كانت في العام 2006 ليدركوا كم أن ورقة الحرب أصبحت في يد العدو الإسرائيلي وحده، الذي لن يتوقف عن ابتزاز الآخرين بها وأولهم إيران.

تحوّلت العقوبات الأميركية على إيران إلى عقوبات مؤذية لها، فأوراق الضغط الإيرانية على واشنطن تلاشت معظمها، وطالما أن واشنطن تضع النفوذ الإيراني وتمدّده في المنطقة العربية أساساً لأي عودة إلى طاولة المفاوضات مع طهران، فإن المنظومة الأيديولوجية الإيرانية التي تسير في اتجاه واحد، باتت محكومة بالمواجهة التي يبدو أنها ستكون داخل إيران لا خارجها هذه المرة، وتحت أنظار أصدقائها وأعدائها معاً، طالما أن الحروب الخارجية قد استنفدت طاقات إيران وأذرعها من دون أن تستطيع حتى حماية اتفاقها النووي مع واشنطن.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

النفوذ الإقليمي في

سوريا والانكفاء العربي

علي الامين

 

لا شك أن المنظمات الإرهابية كانت من أهم وسائل نفوذ وتمدد قوى إقليمية ودولية في المنطقة العربية، وهي إلى جانب كونها منظمات معروفة المنشأ والتوجه، فإن التنظيم البارز أي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” كان الأبرز بعد تنظيم القاعدة في شق الطرق أمام هذا النفوذ الخارجي، وتنظيم داعش شكل، إلى حدّ بعيد، أداة أمكن استخدامها من قبل السلطات المحلية لمواجهة انتفاضات شعبية سعت إلى تغيير أنظمة القهر والاستبداد كما كان الحال ولا يزال في سوريا، ولقمع المطالب الشعبية المحقة في مواجهة الفساد والتمييز والتهميش كما جرى في العراق.

وفي نظرة سريعة نلاحظ أن الحرب على الإرهاب كما استثمرتها دول إقليمية برعاية وإشراف غربي، أميركي وروسي، كشفت عن تنامي نفوذ الدول الإقليمية في المنطقة العربية، فضلاً عن الدولية، في مقابل تراجع كبير وفاضح للنظام الإقليمي العربي، حيث تبدو جامعة الدول العربية الغائب الأكبر عن المسرح الذي يفترض أن تكون فيه الفاعل.

ما يثير القلق السوري والعربي عموماً اليوم، ليس بقاء نظام الرئيس السوري بشار الأسد أو نهايته، وهو بطبيعة الحال انتهى لكونه فقد كل قدراته في إدارة الدولة وسلطاتها، وباتت وظيفته الأخيرة هي البقاء بالقوة في انتظار ما سترسو عليه بورصة المشهد الإقليمي والدولي في سوريا، وما سيرسو عليه الصراع على المكاسب في هذا البلد. قد تكون هذه الصورة راسخة في أذهان الكثيرين على مستوى الشعب السوري، بل على امتداد شعوب الدول العربية، لكن ما يثير القلق كما أسلفنا، هو ما يتصل بمستقبل الكيان السوري، ومدى انعكاس المطامح الإقليمية والدولية، في المحاولات المستمرة لاستثمار طبيعة المكونات المجتمعية السورية وتنوعها في رسم جغرافية النفوذ الإقليمي.

روسيا التي تقدم نفسها باعتبارها الطرف المنتصر على الإرهاب والراعي لمشروع سوريا الجديدة، ولو بعد أن ساهمت في تدميرها، تتقاطع في هذه المهمة مع إيران، وإن من باب الطرف المقرر والمدرك أن النفوذ الإيراني الميداني في هذا البلد هو أمر ضروري وملح، طالما أن أيّ بديل آخر غير متوفر بشروط توفير المرجعية الروسية على هذا البلد، وتأمين مستلزمات السيطرة المادية والمعنوية، فلا الإدارة الأميركية في وارد طمأنة روسيا إلى مستقبلها في سوريا، ولا هي مطمئنة إلى قوتها الذاتية التي باتت أمام مخاطر الاستنزاف وكلفة بقاء الجنود الروس غير المحددة والمستمرة دون تحديد أي موعد لوقف الحرب أو إعلان نهايتها.

فيما الولايات المتحدة تستمر في تثبيت قواعدها العسكرية في الشرق وعلى الحدود العراقية، وتشير الوقائع الميدانية إلى أنّ سيطرتها على مناطق الثروة النفطية في سوريا دائمة، فيما تتأرجح علاقاتها مع التنظيمات الكردية في الشمال السوري، بين التبني الكامل لها وبين مراعاة بعض الحسابات التركية ومصالحها.

تركيا التي نجحت في الالتفاف على الكماشة الأميركية والروسية، بالانسجام مع متطلبات النفوذ الروسي في سوريا، وبإيجاد قنوات تفاهم مع واشنطن حول شروطها في شمال سوريا، وباستثمار حاجة إيران لها في مرحلة العقوبات الأميركية، حققت فرصاً جديدة لعدم خروجها من سوريا

لا تبدو إيران في وارد الخروج من سوريا، فهي التي دفعت الكثير من المال والدماء في سبيل الذود عن نظام بشار الأسد، ولمنع الثورة السورية من تحقيق التغيير، لذا فإن العقوبات الأميركية المتشددة لن تدفع إيران إلى الخروج من سوريا، فالاستراتيجية الإيرانية تقوم في هذا البلد على فرض وقائع عسكرية وديمغرافية تجعل من وجودها في هذا البلد مستنداً إلى قواعد سياسية واجتماعية يصعب تغييرها، أو ترفع من كلفة إخراجها من هذا البلد.

فالقيادة الإيرانية التي وفرت كل الشروط التي طلبتها إسرائيل في سوريا وبرعاية روسية، لا سيما تلك المتصلة بأمن إسرائيل وأنجزت معها تفاهماً سلساً في الجنوب السوري بإشراف روسي وغطاء أميركي، بدأت بالتفرغ لمهمة أخرى كانت بدأتها وتعمل اليوم على استكمالها، وهي المهمة التي تقوم على بناء علاقات وثيقة تقوم على نظام مصالح مادية وأمنية مع بيئات اجتماعية سورية متنوعة.

وتركز إيران نشاطها على نسج ما أمكن من علاقات مع الأقليات سواء منها المسيحية على تنوعها أو الأكراد وغيرهم من المجموعات الإثنية التي ساهم تنظيم داعش في إثارة مخاوفها الوجودية، وعززها سلوك متبع في السياسات الدولية والإقليمية يولي اهتماما خاصاً لموضوع الأقليات لأسباب سياسية بالدرجة الأولى. كما عمدت إيران إلى إنشاء ميليشيات سورية في العديد من مناطق سيطرتها، وقد أمكن لها الوصول إلى عدد من العشائر الذين انخرطوا في أطر ميليشياوية تمولها وتسلحها إيران.

في المقابل فإن تركيا التي نجحت في الالتفاف على الكماشة الأميركية والروسية، بالانسجام مع متطلبات النفوذ الروسي في سوريا، وبإيجاد قنوات تفاهم مع واشنطن حول شروطها في شمال سوريا، وباستثمار حاجة إيران لها في مرحلة العقوبات الأميركية، حققت فرصاً جديدة لعدم خروجها من سوريا، وهذه النقاط الاستراتيجية التي حققتها أنقرة داخل سوريا، انتقلت من طموح “الدولة السلطانية” إلى الدولة الإقليمية الملتزمة بقواعد السيطرة الأميركية والروسية في هذا البلد العربي.

على أن ما يجب التنبه له هو أنّ التخلي العربي عن هذا البلد أتاح للقوى الإقليمية الطامحة لتثبيت نفوذها وشرعنته في سوريا، ونقصد تحديدا تركيا وإيران وإسرائيل، أن تتمادى في هذا السلوك، أي أنّ الدور العربي غائب حتى من باب وضع الخارطة السورية بكل ما فيها أمام المسؤولية العربية، وإشعار المجتمع السوري بكل مكوناته أن ثمة قوى عربية محورية معنية بما يجري في سوريا وليست غائبة عنه، إذ لا يمكن تقبل أن تكون قوة تركيا أو إيران وحتى إسرائيل متقدمة بأشواط على القوة العربية سواء كانت النظام الإقليمي العربي أو أي دولة عربية.

الحاضنة العربية لسوريا هي حاجة سورية بالتأكيد، لكنها بالضرورة حاجة عربية جامعة تفترضها أبجدية الأمن الإقليمي العربي، وأخطر ما تتعرض له سوريا اليوم هو إعادة رسم خارطة نفوذ ديمغرافي، يقوم على أن ثمة خطرا إرهابيا اسمه تنظيم داعش خرج من بطن الأكثرية في سوريا، وأن الأقليات لن تجد حضنا لها إلا من خلال إعادة صوغ وجودها على قاعدة أنها مكونات في خطر وتحتاج إلى حماية وتبنّ خارجي، وهذا واقع خطير طالما أن الشعب السوري بكل مكوناته شاهد على مأساة التخلي العربي عنه وتركه نهباً للذئاب الإقليمية والدولية.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

هل بدأت نهاية

وظيفة لبنان "الرهينة"

علي الأمين

 

لم يجد الأمين العام لحزب الله وسيلة للتضامن مع إيران ولنصرتها في مواجهة العقوبات الأميركية سوى الدخول على خط عملية تعطيل تشكيل الحكومة اللبنانية، ذلك أنه كما بات معروفا فقد رفع لواء تمثيل نواب سنّة 8 آذار، وهم النواب الذين كان لحزب الله دور محوري في دخولهم إلى المجلس النيابي، وهم ينتمون إلى كتل نيابية جرى تمثيلها في الحكومة، لكنهم عادوا وطالبوا بتمثيل خاص رغم انتماء معظمهم إلى كتل نيابية متنوعة، وهم يرفضون الانضواء في كتلة نيابية واحدة.

طرح هذه القضية وتحويلها إلى معضلة وعقبة أمام تشكيل الحكومة، يعكسان في جانب منهما النموذج الذي يعتمده حزب الله حين يريد التعطيل في الحياة السياسية اللبنانية، ووقف عمل المؤسسات الدستورية، ومدى قدرته على ترهيب القوى السياسية، وتحويل انتهاكاته وشروطه غير الواقعية، إلى وسيلة اختبار وسطوة على الدستور والقانون وعلى الحياة العامة.

ربما لا يزال يذكر الكثيرون عندما أعلن قائد فيلق القدس قاسم سليماني أن حزب الله وحلفاءه فازوا بأكثرية مقاعد مجلس النواب، وأن هؤلاء فازوا بـ74 مقعدا من أصل 128 وهذا رقم صحيح إلى حد بعيد، وقد جرت ترجمته في الحكومة بـ18 مقعدا وزاريا من أصل 30 في الصيغة النهائية للحكومة قبل أن يسحب حزب الله من كمّه ما سمي بالعقدة السنية، أي أن الحزب كان أمام حكومة هو من رسم معالمها وهو من يمتلك قرار الأكثرية فيها، بل كان قادرا على التأثير والتحكم بجزء من بقية الوزراء الـ12 فيما لو احتاج إلى تأييدهم في أمر حيوي له، والتجارب الماضية تؤكد ذلك لا سيما كتلة اللقاء الديمقراطي التي وقفت إلى جانب حزب الله مرغمة حين قرّر إقالة رئيس الحكومة سعد الحريري قبل 7 سنوات وألف في حينه حكومة جديدة برئاسة نجيب ميقاتي.

رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي وقف مع الرئيس المكلف في رفضه لهذا التوزير، عاد وابتعد مسافة عن موقفه

خلاصة القول إن حزب الله عطل تشكيل حكومة هو يملك أكثريتها، ولا يمكن إدراج كلام حسن نصرالله في خطابه الأخير، السبت، عن التواضع وعن ندمه على أسلوب التواضع مع الآخرين الذي اعتمده في تشكيل الحكومة، إلا في إطار محاولة ذر الرماد في العيون. كيف نفسّر هذا التواضع طالما أنه وحلفاءه يسيطرون على 18 مقعدا وزارياً، لا بل هو من فرض وزراء ومنع وصول آخرين، من دون أن يجرؤ أحد على مخالفته أو الاعتراض على توجيهاته، وكان تبنيه توزير أحد النواب السنة المؤيدين له، القشة التي قصمت ظهر البعير، والتي أظهرت بما لا يدع مجالاً للشك أن حزب الله ليس مهتما بتشكيل حكومة جديدة، لا سيما أن هذه الحكومة هي من ينتظر المجتمع الدولي والمشاركين في مؤتمر سيدر لدعم لبنان، أن تباشر إجراء إصلاحات مالية واقتصادية، من أجل بدء عملية إنقاذ لبنان من الهاوية المالية والاقتصادية التي سقط فيها ولا يزال دون توقف.

من المفترض أن يعقد رئيس الحكومة المكلف مؤتمراً صحفيا، اليوم الثلاثاء، للإجابة على واقع الأزمة التي تعيشها عملية تأليف الحكومة، وعلى الشروط التي وضعها حزب الله ويحدد موقفه من كل ذلك، في حين تظهر مؤشرات أنه من غير الوارد الاستجابة لمطلب توزير سنة حزب الله، كما كان أعلن في وقت سابق، معتبراً أن خيار الاعتذار عن التكليف هو أفضل لديه من توزير أحدهم.

ولا يخفى على المراقبين أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي وقف مع الرئيس المكلف في رفضه لهذا التوزير، عاد وابتعد مسافة عن موقفه، فيما قال صهره الوزير جبران باسيل، إن هذه القضية تعني الفريقين السني والشيعي وهي إشارة تعكس عدم الرغبة في الظهور بموقف مناقض لحزب الله من جهة، ومحاولة للعب دور توفيقي من جهة ثانية.

كل المؤشرات تدل على أن حزب الله رغم امتلاكه الأكثرية في الحكومة ليس مطمئناً لتشكيلها، ولا مرتاحا لعدم تشكيلها، خصوصا أن حليفه رئيس الجمهورية كان ولا يزال يعوّل على هذه الحكومة من أجل البدء بتنفيذ ما يعتقده ضروريا ليستقيم دوره كرئيس، كما يدرك حزب الله أن تشكيل الحكومة يمكن أن يؤجل انهيارا ماليا واقتصاديا لن يكون هو وجمهوره بمنأى عن تداعياته.

لعل الارتباك هو جانب لا يمكن إهماله في موقف حزب الله بعدم تسيير تأليف الحكومة إذا لم نقل تعطيلها. وفي هذا السياق يدرك حزب الله أكثر من أي جهة لبنانية أخرى مدى جدية أو عدم جدية العقوبات الأميركية تجاه إيران وتجاهه هو، ولكن ما يكشفه سلوك الحزب ومواقفه في الآونة الأخيرة أنه متحسب لهذه العقوبات، إلى الحدّ الذي لا يبالي بأن يكون في حكومة هو صاحب القرار فيها، بل يسعى إلى تقويضها ومنع قيامها، رغم إدراكه أنه ليس قادراً على تحمل مسؤولية تشكيل حكومة قادر على تأليفها ولكنه عاجز عن تحمل مسؤولياتها وتبعات توجيهها. فالتحديات التي تواجه حزب الله في لبنان اليوم، لم تعد نابعة من قوى سياسية لبنانية باتت أكثر طواعية له، بل من اعتبارات دولية وعربية باتت ترى أن لبنان صار قاعدة للنفوذ الإيراني، وبالتالي ليس هناك ضرورة لدفع كلفة صمود الدولة فيه، وهذه الرسالة وصل مضمونها إلى رئيسي الجمهورية والحكومة من جهات أميركية وأوروبية فضلا عن حكومات عربية، وخلاصتها أن اللبنانيين لم يعد لديهم ما يكفي من ترف الانتظار، وعلى السلطات الدستورية أن تقرر هل لبنان قرر أن يكون محمية إيرانية، أم يريد أن يكون دولة مستقلة عن النفوذ الإيراني؟

يدرك حزب الله أكثر من أي جهة لبنانية أخرى مدى جدية أو عدم جدية العقوبات الأميركية تجاه إيران وتجاهه هو

وبناء على الإجابة سيقرر المجتمع الدولي لا سيما الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية كيف سيتعاملان مع لبنان في المرحلة المقبلة، ولعل الرسالة الأوروبية الأشد التي وصلت إلى المسؤولين اللبنانيين، أن عملية ابتزاز الاتحاد الأوروبي بقضية بقاء اللاجئين السوريين في لبنان مقابل المحافظة على الوضع القائم انتهت، خاصة بعدما كشفت الأجهزة الأوروبية اعتماد لبنان كمنطلق لنشاطات أمنية إيرانية معادية في دول أوروبية عدة.

السيناريو الأسوأ هو ما يمكن أن يشهده لبنان من عمليات سحب ودائع مصرفية من بنوكه ونقلها إلى بنوك خارج لبنان، وهذه لا تحتاج إلى أكثر من إشارات أميركية أو عربية، هي كفيلة بأن تحدث أزمة مالية في لبنان وانهيارا اقتصاديا لا يزال يلجمه موقف دولي لا يريد للبنان أن ينهار، لكن إذا باتت كلفة استقرار لبنان أعلى من انهياره في الحسابات الدولية، فحينها سيكون لبنان أمام مسلسل من الانهيارات لن تقف عند حدود الاقتصاد أو النقد، بل ستتجاوزها إلى ما هو أمني وعسكري.

تعطيل الحكومة هو تعبير سياسي عن تمنّع حزب الله ومن خلفه إيران، عن الدخول في خطة إنقاذ دولة لبنان، هذه الخطة التي يتبناها المجتمع الدولي ليس لدى حزب الله ولا إيران بديل منها وهي الحل الوحيد على الطاولة، من هنا فإن أمين عام حزب الله في خطابه الأخير وفي محاولة للهروب من هذا التحدي، رمى في وجه اللبنانيين معادلة مقابلة؛ إما أن تدافعوا عن هذا الواقع السيء الذي تعيشونه أو فلنغير النظام، وهي رسالة مفادها تشريع نفوذ حزب الله وسطوته وترجمته في نصوص دستورية جديدة، وهو اقتراح يعكس أيضا الإرباك الذي يعيشه حزب الله اليوم، وعجزه عن تبني أي من الخيارات القاتلة بالنسبة لطبيعة وجوده الأمني والعسكري ولدوره الإقليمي، سواء كان خياره التجاوب مع متطلبات المنظومة الدولية أو مواجهتها، وفي الحالتين فإن الخيار قاتل، أما المواجهة فستكون وبالا عليه وعلى كل اللبنانيين الذين نجح في تحويلهم إلى متراس أو رهينة لديه.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

حزب الله ووظيفة

صناعة "الدولة العاجزة"

علي الأمين

 

يشكل عنوان استثمار التباينات المتصلة بتفسير الدستور السلاح الأمضى لحزب الله للسيطرة على العملية الدستورية والسياسية في لبنان. لا شك أن ثمة تباينات وتفسيرات مختلفة لبعض بنود الدستور موجودة في أي دستور في أي دولة، وهذا التباين لحظته مختلف الدساتير حين أحالت التفسير إلى جهة محددة، كالمجلس الدستوري في فرنسا أو المحكمة الدستورية في الولايات المتحدة الأميركية، وفي لبنان أعطيَ مجلس النواب هذا الحق.

لم يحصل رغم كل الجدل حول تطبيق الدستور أو مخالفته، أن دُعي مجلس النواب إلى الفصل في أي خلاف دستوري، لقد شكّل النفوذ السياسي والأمني في زمن الوصاية السورية وفي زمن الوصاية الإيرانية اليوم، العنصر الحاسم في فرض التفسير الذي يشاؤه صاحب النفوذ، وهذا ما حصل عنوة في عدم انتخاب رئيس الجمهورية لمدة عامين وخمسة أشهر، قبل انتخاب العماد ميشال عون رئيساً في خريف العام 2016، كما فرض حزب الله بمعونة رئيس الجمهورية وتياره، فكرة حصر التمثيل الوزاري لكل طائفة بالقوى المسيطرة على الطائفة، والتي هي وحدها من يضفي عليها الشرعية في تولّي منصب وزاري، والفرض جاء بأن تعيين أي وزير من دون أن يكون له هذه الشرعية المستحدثة، يعني ذلك أن الحكومة تفقد ميثاقيتها.

هذه أمثلة وغيض من فيض التجاوزات التي عطّلت الدستور، عبر تظهيره كدستور هشّ قابل للتجاوز، واستسهال تطويعه لصالح الطرف المتحكم من خارج المؤسسات وعبر القوة الميليشياوية.

بطبيعة الحال ليس الدستور اللبناني دستورا مثاليا، لكن بالتأكيد ليس المسيطرون على الحياة السياسية بالطرق غير الشرعية هم من المؤهلين لإنتاج دستور يتمتع بالحدّ الأدنى من الشروط القانونية أو تلك المتصلة بمفهوم الدولة ووحدة الشعب، ولا بمفهوم الوطنية اللبنانية والسيادة الوطنية. من هنا فإن الدستور اللبناني الذي جرى الاتفاق عليه في الطائف، وقع في أيدي أطراف سياسية تبتهج بانتهاكه، وتتفنن في فرض قواعد الحكم ونسبها إليه.

يكفي أن نقول إنه لا وجود في الدستور ولا في دستور أيُّ بلد، ثنائية السلطة كما هو الحال في لبنان، فرئيس الجمهورية الذي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة في الدولة، ليس له أي صفة ولو شكلية على سلطة سلاح حزب الله الذي تفوق على نفوذ الدولة وأجهزتها، وفي الحدّ الأدنى هو مزاحم ومنافس لها من دون أي صفة قانونية.

حزب الله التنظيم الأيديولوجي الشيعي يدرك أن أي انتقال من حال العجز إلى حال الفاعلية والحضور للدولة، سيكون على حساب نفوذه، وبالتالي فهو ينحاز إلى كل ما يوفر له شروط البقاء العسكري والأمني

كما أن حزب الله، ومن خلفه إيران، يريدان فرض هذه المعطيات الميدانية المنافية للدولة وسيادتها في لبنان، حيث يسعى الحزب من خلال سطوته الأمنية إلى جعل الفرقاء السياسيين يسلّمون بهذا الواقع تمهيدا لجعله عُرفاً يقبل به اللبنانيون ويسكتون عنه طيلة سنوات وربما عقود، ولا يخفى على أيّ متابع للسياسات المتبعة في لبنان، كيف أن حزب الله يسعى إلى فرض أعراف جديدة في الحياة السياسية، يحاول من خلالها المحافظة على كينونته الأيديولوجية بكل ما تتضمنه من استقلال أمني وعسكري وارتباط ولائي وتنظيمي بالحرس الثوري الإيراني، وفي نفس الوقت يتصدر زيفا الوطنية اللبنانية من خلال لعب دور الوصيّ على الحياة السياسية اللبنانية، فلا حكومة من دون إذنه، ولا انتخاب أو دستور إلا بإيعاز أو بأمر مباشر منه، ولا توافق إلا تحت شروطه ومطالبه، وهذا ما يعيشه لبنان الذي جرى هتك دستوره وقوانينه، ولكن حزب الله نجح في أن يلبس في بعض الأحيان قناعا ليتخفى به، وليظهر للآخرين من خلال الأقنعة السياسية التي يتحكم بها كم هي مستعدة لمخالفة الدستور وتجاوزه، فيما هو لم يصل إلى هذا الحدّ، وهذا إن انطلى على البعض، فهو واضح ومكشوف لدى معظم اللبنانيين.

يستثمر حزب الله كما أشرنا في البداية، في التباينات التي تتصل بتفسير الدستور، ليس في سبيل تجاوزها، بل عبر تضخيمها، وليس في سبيل معالجتها بل عبر البناء على قواعد الخلاف وترسيخه، في سبيل إنتاج عجز الدولة. هذه العجز الذي أسس له منذ قررت إيران استمرار وجوده كتنظيم عسكري أمني تابع لها في لبنان، ذلك أن عجز الدولة هو الهدف الاستراتيجي الذي تجري مأسسته من قبل هذا الحزب في لبنان، كما يقوم دوره الداخلي على حماية هذا العجز، لتبرير بقائه ونفوذه وسيطرته على مقومات الدولة من دون أي مسؤولية.

مأسسة العجز تبدأ من ترسيخ فكرة أن لا حكومة في لبنان إلا حكومة جامعة لكل القوى الممثلة في مجلس النواب، لكن وظيفة الجمع هنا ليست المشاركة في اتخاذ القرارات، لأن هذه الحكومة الجامعة لا يمكن أن تتألف إذا لم يكن حزب الله هو صاحب القرار إذا ما أراد أن يصدر قرارا ما عن الحكومة، من خلال ضمان سيطرته الفعلية على ثلثيها، وهو بالضرورة في هذه الحال يمنع صدور أي قرار عن الحكومة لا يناسبه. بالإضافة إلى ذلك تتحول الحكومة من خلال طبيعة تكوينها إلى برلمان مصغر، فلا معارضة برلمانية ولا سلطة تنفيذية قادرة على العمل بشكل منسجم بين مكوناتها، وهذا يوصل إلى الخيار السهل أي المحاصصة والزبائنية، وهما تعبيران صارخان عن عجز الدولة.

في السعي إلى تأليف الحكومة المستمر من دون نتيجة فعلية منذ خمسة أشهر، تعبير آخر عن صناعة العجز، بل ومأسسته في الدولة اللبنانية.

حزب الله التنظيم الأيديولوجي الشيعي يدرك أن أي انتقال من حال العجز إلى حال الفاعلية والحضور للدولة، سيكون على حساب نفوذه، وبالتالي فهو ينحاز إلى كل ما يوفر له شروط البقاء العسكري والأمني، وهو منذ الانتخابات النيابية عمل على تثبيت وترسيخ فكرة نواب تنتخبهم طوائفهم من جهة، واستثمر النظام النسبي لاختراق الطوائف غير الشيعية ليمكن له الدخول إليها بأقنعة سياسية من جهة أخرى، وغاية ذلك تفعيل سياسة التعطيل، وإنتاج المزيد من عجز الدولة، إذ أن مشكلة اللبنانيين مع حزب الله هي أنه لا يجد وسيلة لإقناعهم بطبيعة وجوده غير الدستورية وغير اللبنانية وغير المفيدة للبنان، إلا بالمزيد من تخريب دولتهم لا لتنتهي وتتلاشى، بل إلى الحدود التي يبقى وجودها مفيداً لإدراجها في متطلبات مشروع إيران الإقليمي.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

 

التسوية الرئاسية لم تحصن

لبنان بل تنذر بانهياره

علي الامين

 

ليس الخلاف على تشكيل الحكومة في لبنان هو بسبب تنازع على حصرية السلاح بيد الدولة أو عدم حصريته، ولا يتصل أيضا بمدى تطبيق سياسة النأي بالنفس تجاه الأزمات الإقليمية في العالم العربي أو عدم تطبيقها، ولا الخلاف هو على مطلب انسحاب مقاتلي حزب الله من الأراضي السورية أو عدم انسحابهم، فالحكومة التي ينهمك أطراف السلطة بحجز مقاعدهم في قاطرتها لم تقلع بعد، وعملية التأليف لم تزل عرضة لمطالب متنافرة في الحصص بين أطراف سياسية عدة، ورغم تصريحات التفاؤل التي أطلقت خلال الأشهر الخمسة الماضية من عمر التأليف، إلا أن عربة الحكومة لا تزال متوقفة من دون أي موعد نهائي، إمّا للتأليف وإما لاعتذار رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري عن استمراره في محاولات التأليف.

الانقسام والخلاف لم يعد متصلا بقضايا من قبيل ما رفعت قوى 14 آذار (التي كانت وتلاشت) من شعارات السيادة والاستقلال ووضع سلاح حزب الله تحت سلطة الدولة، أو ما كانت تعلنه قوى 8 آذار التي يختصرها فعليا حزب الله عن بقاء سلاح المقاومة ومنع المساس به حتى قيام الدولة العادلة والقوية، كما كان يردد مسؤولو حزب الله، رغم إدراك الجميع أن لا قيام لدولة قوية عادلة، مع بقاء ثنائية السلاح الشرعي وغير الشرعي، وثنائية الدولة والدويلة.

لم تعد تلك القضايا هي ما يعيق تشكيل الحكومات، أو يؤخر تأليفها كما كان يحصل في السنوات السابقة ومنذ عام 2005، حيث كانت الجهود تنصب حينذاك، على إيجاد التسوية الملائمة لجميع الأطراف في صيغة البيان الحكومي، أما اليوم فلا الرئيس الحريري يطالب بحلّ لسلاح حزب الله ولا رئيس الهيئة التنفيذية في حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، يطالب بانسحاب حزب الله من سوريا أو تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بهذا الشأن، رغم ذلك لم ينعكس هذا التنازل السيادي من قبل من كانوا ضمن الفريق السيادي في السلطة، أو ما كان يسمى قوى 14 آذار، تسهيلا لعملية إدارة شؤون الدولة وتأليف الحكومة.

يعلم الجميع أن ما سمي “التسوية” التي جاءت بالعماد ميشال عون رئيسا للجمهورية قبل عامين، تضمنت وضع الملفات الخلافية ذات البعد الإقليمي جانبا، أي سلاح حزب الله ومشاركته في الحرب السورية. وتم ذلك على قاعدة أن الخلاف حولها هو ما كان يعطل تسيير شؤون المواطنين، ولكن رغم تحييد هذه القضايا السيادية، بقي الحال على ما هو عليه، لجهة العجز عن تشكيل الحكومة، بل حتى في تسيير شؤون الدولة بالحد الأدنى من الحرص والكفاءة والمسؤولية، ومع تهميش العناوين السيادية برزت شراهة عالية لدى القوى السياسية في السلطة للاستحواذ على ما طالت أيديهم من المال العام.

فعندما يتم تهميش الحياة السياسية في عناوينها الوطنية، أو يتم التواطؤ على تحييدها، كما حصل في لبنان مع وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، تصاب الحياة السياسية بخلل جوهري، وتختل لصالح مسارات مختلفة في الصراع، يختصرها التنازع على الحصص سواء في الحكومة أو في ظاهرة التوظيفات غير القانونية وغير المبررة في القطاع العام، لتصبح المنافسة حول من يستطيع أن يدخل عددا أكبر من محازبيه أو أتباعه إلى الوظيفة العامة، ودائما مع تغييب معيار الكفاءة وعبر الإطاحة بمعيار المساواة بين المواطنين، وبتعزيز معيار المحسوبية في القطاع العام، الذي بات مثقلا بعشرات الآلاف من الموظفين غير المنتجين ومترعا بالفساد، ومكللا بالعجز عن القيام بدوره.

إذا كان البعض في لبنان اعتبر، واهما أو بفعل الاستسلام، أن ثمة إمكانية لبناء الدولة في ظل تغييب مفاهيم وشروط أساسية لقيام أيّ دولة وتقدمها، فإنه لا بدّ أنه أدرك اليوم أن ذلك ليس صحيحا بل مدمّرا لما تبقى من الدولة

ليس هذا فحسب، فمع غياب الحياة السياسية أو تغييبها، تنهمك القوى السياسية بالبحث عن مغانم عبر الصراع على الصفقات في قطاع الكهرباء أو النفط، وصولا إلى النفايات التي لا تزال تشكل مثالا صارخا في تقاسم منافعه عبر التلزيمات المشبوهة، وبابتداع مشاريع وهمية أو غير قابلة للتنفيذ، بل مشاريع هدفها أن تفاقم الأزمة، من أجل أن يبقى ملف النفايات مصدرا من مصادر نهب الخزينة العامة.

حتى الجامعة اللبنانية، وهي الجامعة العامة، باتت عرضة للانتهاك بما يخلُّ بمستواها الأكاديمي، وتحولت من جامعة تخضع إلى حدّ بعيد لسلطة أكاديمية، إلى مجال لتقاسم النفوذ بين أقطاب السلطة، فالتعيينات في الجامعة فضلا عن الدخول إلى فضائها الأكاديمي، يقرره معيار المحاصصة لا الكفاءة ولا السيرة العلمية أو الأكاديمية، وهو ما جعلها تفقد دورها الأكاديمي والوطني لحساب تقاسم الكليات والفروع بين القوى الحزبية السلطوية والطائفية.

هذا غيض من فيض الحياة السياسية اللبنانية، التي صارت أسيرة منطق المحاصصة وتقاسم المنافع، بعد تغييب كامل للقضايا الوطنية الكبرى التي تتصل بمفهوم الدولة والهوية الوطنية ووحدة الشعب.

فعندما يجري تهميش السيادة وتهشيمها، ويتمّ الإقرار بذلك وتقبله من قبل أطراف السلطة، وعندما تصبح الدعوة إلى تولي القوى العسكرية والأمنية الرسمية حماية الدولة خيانة وطنية، وعندما تتمّ عملية نهب المال العام من قبل أطراف السلطة وبشكل منظم ومدروس ومقصود، وعندما يصبح شرط المواطنة ليس الالتزام بموجبات القانون، بل الاستزلام لأطراف السلطة وعلى حساب القانون هو معيار المواطنة، فإن كل ذلك وغيره سيجعل الدولة في وضعية مختلة ومنتهكة ومسلوبة الإرادة.

وإذا كان البعض في لبنان اعتبر، واهما أو بفعل الاستسلام، أن ثمة إمكانية لبناء الدولة في ظل تغييب مفاهيم وشروط أساسية لقيام أيّ دولة وتقدمها، فإنه لا بدّ أنه أدرك اليوم أن ذلك ليس صحيحا بل مدمّرا لما تبقى من الدولة.

فالدولة لا تستمر ولن تصمد إذا بقيت أسيرة الثنائيات الدولة- الدويلة، أو السلاح الشرعي- السلاح غير الشرعي، بل في أسر ثنائية الولاء للوطن والدولة- الولاء للخارج، في بلد تسمح سلطته بأن يحكمها من يعتبر أن ولاءه لدولة خارجية (كما هو حال حزب الله) يتقدم على انتمائه وولائه لدولته ووطنه، فتلك هي الكارثة التي لا مجال لتفاديها وهذا ما يعانيه لبنان اليوم.

من دون العودة إلى الثوابت الأساسية للدولة ومقتضيات الانتماء للوطن، ومن دون قيام حياة سياسية على شرط السيادة والاستقلال ووحدة الشعب، فإن العجز لن يقتصر على عدم القدرة على تشكيل حكومة فحسب، بل سيكون كفيلا بالانهيار السياسي والاجتماعي فضلا عن الانهيار المالي والاقتصادي الذي بات وشيكا كما يقرّ أهل السلطة في لبنان أنفسهم قبل المواطنين الذين يعلمون ويشعرون كيف يضيق عليهم الخناق.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

الوصاية الإيرانية

وهشاشة الدولة في لبنان

علي الامين

 

لبنان الذي يتداعى كدولة ودور عربي، تحول فيه قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى نجوم بقوة الهوية الأمنية التي رفع حزب الله من شأنها ليس في مواجهة المخاطر الخارجية، بل في مواجهة نموذج التعدد والتنوع اللبناني بمفهومه الثقافي والسياسي.

في اليومين الماضيين اكتشف أحد الناشطين اللبنانيين، الذي قام بمبادرة إجراء فحوص مخبرية لمياه الشفة التي يستخدمها المواطنون في الضاحية الجنوبية لبيروت، أن هذه المياه فيها تلوث عال من البراز البشري.

هذا في بلد يقال إنّه عائم على المياه، وفيه مصادر مائية متنوعة كانت تميزه عن دول المحيط، لكن واقع الحال يقول إن لبنان لم يعد كذلك، لا لنقص في مصادر المياه الجوفية والسطحية، بل بسبب يتمثل في غياب الرقابة، أو غياب الدولة التي باتت في عهدة مجموعة من المافيات لا تبالي بمطالب الناس وحقوقهم البديهية، باعتبار أن المواطنين باتوا مستلبين بشعارات المذهب والطائفة التي زادت في تهميش الهوية الوطنية إلى حد غير مسبوق، وجعلت السلطة قادرة على التمادي في سلوكها المدمر للإدارة العامة، ما دامت مطمئنة إلى أن المواطن لن يهتز أو يعترض إلا إذا مُسّت جماعته الطائفية بسوء، أو تعرّضت هويته الضيقة لما يستفز عصبيتها الجاهلية.

لذا ليست مشكلة المياه ما يعانيه اللبنانيون، فهي مثال لحال كل ما يتصل بمسؤوليات الدولة ومؤسساتها، وهذا ما يجري أيضا في قطاع إنتاج الطاقة الكهربائية وتوزيعها، فأم الفضائح تكمن في هذا القطاع الذي يشكل مزرابا للهدر والفساد، وعنوانا للذهنية التي تدير القطاع العام، حيث تعاني مؤسسة كهرباء لبنان من عجز سنوي يتجاوز المليار ونصف مليار دولار، فيما لا تتجاوز ساعات التغذية إثنتي عشرة ساعة في اليوم الواحد، بينما نشأ في موازاة المؤسسة الرسمية قطاع خاص يمتلك آلاف المولدات الكهربائية بحماية أطراف السلطة ويحقق أرباحا عالية من دون أن يدفع أي ضريبة للدولة.

هذان النموذجان بما يمثلان من مستوى انهيار الدولة، يتصلان بشكل مباشر بالتحول الذي يشهده لبنان، وهو تحول لا يمكن فصله عن المشروع الذي يريد أن يجعل من المكون الوطني اللبناني مكونا هامشيا، لحساب مكونات يجري ترسيخها وتثبيتها من خلال عناوين التهديد والحماية، وهذا ما يتم باسم السيطرة الإيرانية عبر نقل لبنان إلى مرحلة جديدة تتيح لها الاستمرار والبقاء، بجعل الوطن الصغير منزوع الهوية الوطنية، عبر الإعلاء من شأن الهويات المذهبية والطائفية، وهذا يتم من خلال المزيد من تحفيز المشاعر الطائفية وإيهام كل من الطوائف والمذاهب بأنها قادرة على بناء نفوذ وسيطرة ونظام غلبة.

فرئيس الجمهورية، وتياره الوطني الحر، تقوم منهجيتهما على إعطاء حزب الله وإيران كل ما يريدان من غطاء لبناني في الأمن وفي السياسة الخارجية، مقابل إطلاق يد التيار الحر وكتلته المسيحية في السيطرة على أكبر قدر من المكاسب الداخلية، وهذا ما يدفع بعض العصبيات المذهبية والطائفية المقابلة، وتحت ذريعة لجم شهية التيار الوطني الحر، إلى الاستعانة بحزب الله لدرء مخاطر اجتياح الرئيس وتياره لما يعتقدانه حقوقا مكتسبة لهذه الطائفة أو تلك، هذه المعادلة هي التي تجعل حزب الله والنفوذ الإيراني في موقع الحكم والوصي على بقية الطوائف، لا بل تتيح لحزب الله أن يتخفف من أعباء الاتهامات بإضعاف الدولة ويلقيها على بقية القوى، مستفيدا من مشهد التنازع الذي يغذيه ويحفظ لنفسه موقع المصلح فيما بينها عندما يرى إلى ذلك حاجة لديه.

المشروع الذي تبشر به إيران في لبنان والمنطقة، لا يبدو قابلا للاستمرار، فهو يوفر الخسائر الوطنية والعامة، ولا يتيح الاطمئنان لما يبدو مكاسب خاصة أو طائفية

يساهم بترسيخ التنازع بين القوى المحلية غياب أي جهد عربي أو دولي يُعتدُ به في مواجهة إبقاء الدولة معلقة، وغياب أي محاولة للحد من تحويل لبنان إلى قاعدة إيرانية لتنفيذ مهمات أمنية وعسكرية في أكثر من منطقة عربية. وطالما أنّ إيران ملتزمة بعدم المساس بالأمن الإسرائيلي، فلا مانع دوليا من استمرار سيطرة حزب الله وتحكمه في لبنان، بل لا موانع فعلية من إطلاق الأذرع الإيرانية في أكثر من منطقة عربية، ولا مانع على ما يبدو من إسقاط مشروع الدولة في لبنان لحساب تعزيز الهشاشة، عبر تثبيت أن لبنان مسرح لعصبيات مذهبية وطائفية تتصارع ضمن الخطوط الحمر التي يرسمها النفوذ الإيراني ويسعى إلى تعميمها في أكثر من دولة عربية.

الصحافة اللبنانية التي تتلاشى مع تلاشي مشروع الدولة، تنحسر لحساب منابر إعلامية غايتها حماية المعادلة المسيطرة. إغلاق الصحف وتهديد الصحافيين يتمان في سياق تثبيت أنّ الصحافة والإعلام يجب أن يكونا في خدمة معادلة النفوذ القائمة، إذ لم تعد في لبنان مساحة إعلامية مستقلة عن المعادلة الحاكمة، وإن بدت بعض المنابر الإعلامية تحاول مواجهة الخطوط الحمر التي وضعها حزب الله، فإنّ القضاء -وغيره من الأجهزة الأمنية- كفيل بلجمها أو محاصرتها.

يبقى أن المشروع الذي تبشر به إيران في لبنان والمنطقة، لا يبدو قابلا للاستمرار، فهو يوفر الخسائر الوطنية والعامة، ولا يتيح الاطمئنان لما يبدو مكاسب خاصة أو طائفية، فالمؤشرات تنذر بالمزيد من الانهيارات الاجتماعية والاقتصادية، من دون أن تحمل أي إيجابية أو حلم سيتحقق في المستقبل. هذا لا يعني أنّ غياب الحلم هو ما يمكن أن يعيق استمرار النفوذ والسيطرة والتحكم في لبنان، بل غياب البدائل التي يتطلب وجودها قيام انتفاضة لبنانية من أجل حماية الدولة، فالعجز عن تشكيل حكومة اليوم وبعد خمسة أشهر من استقالة الحكومة، هو مؤشر على حاجة إيران إلى تظهير أنّ المشكلة في الدولة والمجتمع، علما أنّ حزب الله بما يتمتع به من نفوذ قادر على تشكيل الحكومة خلال ساعات، بسبب قدرته على الضغط على كل الأطراف والخصوم قبل الحلفاء.

حزب الله نجح بالتهديد في منع قيام لقاء لشخصيات لبنانية دعا إليه لقاء سيدة الجبل، في أحد فنادق بيروت، تحت عنوان مواجهة الاحتلال الإيراني للبنان، وفي ذلك إشارة إلى أن لبنان وفي عزّ الحرب الأهلية لم تكن فيه أي سلطة مهما بلغت قادرة على أن تمنع قيام أي نشاط سياسي أو ثقافي مهما كان شعاره، اليوم في لبنان يمكن أن تقوم بأيّ نشاط ضد أية دولة ومن أجل أية قضية، لكن يمنع القيام بنشاط ضد السياسة الإيرانية أو ضد السلاح غير الشرعي.

لبنان الذي ظل عصيا على الاحتلال الإسرائيلي وتمرد على وصاية النظام السوري يدخل مرحلة جديدة ليست أقل خطرا من الوصاية السورية والاحتلال الإسرائيلي، وإن كانت أكثر تعقيدا، لكن واقع الحال يقول إن لبنان يفقد مكونات وجوده وقدرته على الحياة، وليس أمامه الآن إلا أن يدافع عن حقه في البقاء وفي الوجود.

أخطر ما يتعرض له لبنان في ظل الوصاية الإيرانية هو تعميم الهشاشة في كل شيء، على مستوى الدولة والانتماء الوطني والحرية، والمنبر الثقافي الذي طالما كان لبنان مصدراً له في المنطقة.

وظني أنه لن يتنازل مهما كانت شراسة الوصاية الجديدة التي لا تحمل في طياتها إلا التخريب فيما قدر اللبناني أن يبني.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

انتخابات "الجهاد الإسلامي"

.. إدارة إيرانية كاملة

علي الأمين

 

زياد نخالة أمينا عاما لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، خلفا لرمضان عبدالله شلح الذي يعاني من غيبوبة، ومن وضع صحي متدهور، بحسب مصادر فلسطينية مطلعة ومتابعة. انتخب نخالة وهو من القيادات العسكرية المقيمة خارج فلسطين، في دمشق تحديدا، ويذكر أن عملية الانتخابات تمت في ظل تشكيك في شروطها الديمقراطية، وسط اتهامات من قبل بعض المنتمين إلى حركة الجهاد بأن نتائج الانتخابات هي تعبير عن الإطباق الإيراني الكامل على الحركة.

جدير بالذكر أنّ مؤسس حركة الجهاد فتحي الشقاقي قضى نتيجة عملية اغتيال نفذها جهاز الموساد الإسرائيلي في جزيرة مالطا أثناء عودته من ليبيا عام 1995 والتي كانت آنذاك تحت الحصار الدولي. في سنواته الأخيرة كان الشقاقي حسب مصدر قريب من “الحركة” في حالة صدام مع إيران التي كانت تدعم ماليا هذا التنظيم، وكان الشقاقي يواجه قبل استشهاده محاولة إيرانية لشق حركة الجهاد وتشكيل مجموعة منها باسم حزب الله فلسطين، ويضيف المصدر أنّ الضغط على الشقاقي في ذلك الحين كان عبر تشكيل لوبي إيراني داخل الحركة لابتزازه، لذا كان ردّ الشقاقي عبر توثيق وتعميق العلاقة مع السودان لا سيما القيادي الإسلامي الراحل حسن الترابي، وحتى مع ليبيا، التي استشهد أثناء العودة من رحلة إليها، وهي رحلة كانت بغرض الحفاظ على العلاقات مع معمر القذافي، وبغاية فتح نافذة على العرب وعدم إبقاء بيض حركة الجهاد في السلة الإيرانية.

بعد استشهاد الشقاقي تمّ انتخاب الأمين العام رمضان عبدالله شلّح في العام 1995خلفا له، ويعود لشلح بحسب المصدر وضع “الحركة” تحت العباءة الإيرانية، قال مقولته الشهيرة “إذا اقترب منهم تيسير الخطيب خطوة (أحد القيادات المقربة من إيران بالحركة آنذاك) سأقترب منهم مئة” فقطع العلاقة مع ليبيا التي كان الشقاقي متحمسا لها، وكذلك فعل مع السودان وأبقى أوراق الحركة بالكامل في قبضة الإيرانيين الذين سيطروا تماما على الحركة أو ما تبقى منها بعد انهيارها مؤسساتيا وتنظيميا.

هيمن رجال إيران وتحكموا مباشرة بقناة فلسطين اليوم، الناطقة باسم الحركة التي تنقل مباشرة ودائما، خطب أمين عام حزب الله حسن نصرالله بما يعكس موقفا متبنيا لكل خيارات الحزب، لا سيما تلك المتصلة بتدخله العسكري في سوريا من جهة، والتدخل في البلاد العربية الأخرى من جهة ثانية، فيما لا تبث هذه المحطة خطب الشيخ رائد صلاح على سبيل المثال، لا سيما تلك التي يدافع فيها عن المسجد الأقصى. كما نجح الإيرانيون في خلق قناة اتصال مباشرة مع الجناح العسكري لحركة الجهاد في الداخل، عبر زياد نخالة، والمسؤول العسكري أكرم العجوري، وهو الأمر الذي كان يرفضه الشقاقي حتى اليوم الأخير في حياته.

مع دخول رمضان شلح في غيبوبة منذ شهور سعى الإيرانيون بحسب المعلومات، لتنصيب زياد نخالة أمينا عاما، وأرادوا مخرجا شكليا لتحقيق ذلك واصطدموا بثلاثة معوقات. أولا المطالبة المستمرة بعقد مؤتمر عام للحركة يناقش كل المرحلة الماضية، منذ انعقاد المؤتمر العام الأول والأخير في ظل قيادة فتحي الشقاقي عام 1992، ورفض رمضان شلح بعد ذلك عقد أي مؤتمر، وحتى قام بحل مجلس الشورى المركزي المنتخب من قبل مجالس الشورى المنتخبة في الداخل.

ثاني المعوقات، طموح محمد الهندي للقيادة وهو أحد مؤسسي الحركة ورغبته في خلافة شلّح، واعتباره أن نخالة غير جدير بالمنصب. أما ثالثها فهو المطالب الإصلاحية التي يمثلها الشيخ نافذ عزام في غزة، وهو أحد المؤسسين الأوائل وأقربهم إلى الشقاقي.

تمّ تجاوز النقطة الأولى، أي فكرة المؤتمر والحديث عن الظروف وصعوبة عقد المؤتمر لدواع أمنية ولوجستية، علما أن شلّح كان قد قال قبل سنوات وحسب مصادر فلسطينية قريبة من الجهاد إنّ عقد مؤتمر وانتخابات في التنظيم، سيؤدي إلى تفجير وانقسام الحركة، كما يحدث في دول العالم الثالث. وتمت الاستعاضة عن المؤتمر قبل أيام، بإجراء انتخابات شكلية في سوريا ولبنان، وعدم إجراء انتخابات في الضفة الغربية والسجون الإسرائيلية، لكن بقيت عقدة الانتخابات في غزة، حيث يتركز التنظيم مع صعوبة كبحها أو إجراء انتخابات معلبة.

تم منع إجراء انتخابات لمنصب أمين عام حركة الجهاد، واختارت إيران زياد نخالة وأكرم العجوري لقيادة حركة الجهاد، مع أنه بشكل فعلي، لم تجر انتخابات في الضفة الغربية، ولا في السجون كما تفعل حماس

الهندي اعتبر نفسه مؤهلا لخلافة شلّح، لكنه واجه انتقادات بسبب علاقته الحميمة مع حركة حماس، وقيل له إنّ القرار الإيراني حاسم لجهة اختيار نخالة، ولن يتم السماح بإجراء انتخابات على منصب الأمين العام من الأساس، فوافق على مجاراة التيار والقبول بالأمر الواقع، مقابل السماح له بالترشح عن الخارج وليس الداخل، مع توفير بعض المكاسب الشخصية والتنظيمية له، منها الحديث عن تعيينه نائبا للأمين العام وتكليفه بعض المهام السياسية التشريفية.

مع حل معضلة الهندي بقيت عقدة الشيخ عزام الذي أصر على الترشح لمنصب الأمين العام حتى ليلة الانتخابات، وتحدث عن أجندة إصلاحية للحركة ومراجعة للمرحلة السابقة، مع تشديده على الاستئثار والفساد خاصة في بنية الحركة في غزّة تحت قيادة الهندي، واقترابه من حماس وقيادتها.

عزام رفض كل الوساطات، وأصر على الترشح لمنصب الأمين العام في مواجهة نخالة، فتدخل الجناح العسكري للحركة بأوامر من الخارج للضغط عليه، بحجة أن انتخاب أمين عام من الداخل سيزيد من الأعباء عليه وسيعسر حمايته أمنيا وسيكون هدفا سهلا للاحتلال الإسرائيلي، لكن هذه الذريعة كان الرد عليها أن قائد حركة حماس ومسؤول مكتبها السياسي يعيشان في غزة.

في مجريات الانتخابات وإدارتها، تمّ تكليف أنور طه مسؤول قناة “فلسطين اليوم” بقيادة اللجنة الانتخابية، وهي القناة الممولة والمدارة إيرانيا، ولأن طه أيضا مرشح للانتخابات، ما وضع علامات استفهام من داخل الحركة على نزاهة واستقلالية العملية الانتخابية في سوريا ولبنان.

وبحسب المصادر نفسها فقد تمّ إجراء انتخابات صورية للمكتب السياسي بعد حسم منصب الأمين العام. وتنقل المصادر التي واكبت الانتخابات أنه شارك فيها موظفون وحتى مرافقون في لبنان وسوريا، فيما تم منع قادة من الرعيل الأول مثل المحامي إبراهيم أبومر وطلعت العمصي (الضبع) من المشاركة في الانتخابات خشية الترشح وبعثرة الأوراق، لذا وبحسب المصادر نفسها فقد تمّ ترتيب الإعلان عن فوز نخالة بمنصب الأمين العام بالتزكية، وترتيب الفائزين في الخارج حسب ما هو مخطط مسبقا، وعقدت التحالفات بحيث يأتي أكرم العجوري أولا، ثم محمد الهندي ثانيا، وأنور طه ثالثا، وعبدالعزيز المينياوي رابعا، وهم من فازوا بالمراتب الأربع المخصصة للمكتب السياسي بالخارج رغم أنهم جميعا من غزة.

أمّا الضفة الغربية فلم تجر فيها انتخابات ولم يتواجد أي ممثل عنها في المكتب السياسي، علما أنّ الناطق باسم الجهاد داوود شهاب قال وهو يعلن عن النتائج في غزة، إن الانتخابات أجريت في “الضفة” والسجون وحتى مناطق 48، وهو ما فضح “الكذبة كلها” حسب المصادر المتابعة لما يجري داخل حركة الجهاد.

بقيت عقدة الانتخابات في غزة مع صعوبة تمريرها كما حصل في لبنان وسوريا، فتمّ التحالف ضد عزام باعتباره الصوت المعارض لتحالف الخارج، وتجرأ على الترشح لمنافسة نخالة، وتمّ ترتيب أوراق وتقديم إغراءات مالية لشطبه ولاستبعاده من المكتب السياسي، إلاّ أنّ ذلك لم يكتب له النجاح، ورغم أنه لم ينل المرتبة الأولى إلا أنه فاز بعضوية المكتب السياسي مع داعمين له.

الخلاصة أنه تم منع إجراء انتخابات لمنصب أمين عام حركة الجهاد، واختارت إيران زياد نخالة وأكرم العجوري لقيادة حركة الجهاد، مع أنه بشكل فعلي، لم تجر انتخابات في الضفة الغربية، ولا في السجون كما تفعل حماس، حيث قيل إن الهندي سيتولى المسؤولية عنهما تحت إشراف النخالة والعجوري، والانتخابات جرت فعليا في غزة، مع محاولات غير ناجحة لمعاقبة المعارضين وإخراجهم من الهيئات القيادية.

 

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

كيف سيرد الحرس

الثوري على هجوم الأحواز

علي الأمين

 

الهجوم العسكري الذي استهدف عرضا عسكريا للحرس الثوري في منطقة الأحواز، وأدى إلى مقتل 25 شخصا بينهم 12 جنديا وطفلا واحدا، وإصابة 25 على الأقل. لا يزال الغموض يطال الجهة التي قامت به، فقد كان تنظيم داعش أول من أعلن مسؤوليته، وكذلك أصدرت إحدى المنظمات العربية الداعية لتحرير الأحواز بيانا تبنت فيه العملية، فيما لمح بعض المراقبين أن الهجوم قد يكون من تدبير أطراف داخل السلطة، وغير ذلك من اتهامات طالت هذه الدولة أو تلك، كما ذهبت المواقف الرسمية الإيرانية، ومنها موقف رئيس الجمهورية حسن روحاني، الذي قال إن الولايات المتحدة “البلطجية” والدول الخليجية التي تساندها واشنطن سهلت وقوع الهجوم. وزعم روحاني أن دولة خليجية قدمت الأموال والسلاح والدعم للمهاجمين.

يمكن القول إن العملية العسكرية كشفت عن أول هجوم من نوعه داخل إيران، تم بهذه الطريقة التي تعكس قدرة المهاجمين على تنفيذ عملية بهذا الحجم وبهذه العلنية، وإن كان بعض المراقبين لا يرون بصمات تنظيم داعش على هذه العملية لجهة كونها لم تكن عملية تفجير انتحاري، فإن اللافت أن السلطات الإيرانية لم تكشف عن هوية المهاجمين الأربعة الذين نفذوا الهجوم وسقطوا جميعا قتلى في العملية، واحد منهم بقي على قيد الحياة جريحا، لكن ما لبث أن فارق الحياة أثناء وجوده في المستشفى، حسب ما ورد في وكالة فارس الإيرانية.

إيران التي أكدت من خلال مسؤوليها أنها سترد على الهجوم، تحاشت تسمية أي جهة محددة كطرف مسؤول عن الهجوم ولم تقدم أي دليل على تورط دول أجنبية، وقالت وكالة إيرنا الإيرانية إن طهران استدعت مبعوثيْ المملكة المتحدة وهولندا والدنمارك، واتهمت دولهم بإيواء جماعات إيرانية معارضة. كما لم يسم المرشد علي خامنئي “الدول الإقليمية” التي قال إنها تقف وراء الهجوم المسلح.

الرد الإيراني سيطال من لم تذكرهم بالاسم على الأرجح. الطرف الأكثر تداولا على ألسنة المسؤولين الإيرانيين، هي واشنطن، سماها الرئيس روحاني من دون أن يسمي دولة أخرى وإن قال دول الخليج التي تدعمها واشنطن هي من موّل وسلح. التركيز على اتهام واشنطن ينطوي على محاولة تحييدها كهدف عسكري وأمني، لا على استهداف مصالحها ووجودها العسكري أمام أعين الإيرانيين وفي مدى أسلحة الحرس الثوري الخفيفة كما هو الحال في العراق أو سوريا.

لو كانت إيران سترد على واشنطن عسكريّا لما سمعنا التصريحات الإيرانية الرسمية بهذا الشكل، بل كنّا سمعنا تفجيرا يستهدف موكبا عسكريًا أو قاعدة أميركية، أو غير ذلك من المصالح الأميركية في المنطقة.

البلطجة الأميركية” كما سماها روحاني، لن يُردَّ عليها إيرانيا إلا بالكلام، ذلك أنّ طهران تدرك أن الإدارة الأميركية الحالية لن تتساهل مع أي مسّ إيراني بمصالح واشنطن في الشرق الأوسط، كما كان حال الإدارة السابقة، لذا حتى تكرار عملية احتجاز بحارة أميركيين من البحرية الأميركية ليس واردا اليوم كما فعل الحرس الثوري خلال عهد الرئيس السابق باراك أوباما، في عملية استعراضية قبل أربع سنوات مع زورق أميركي دخل المياه الإقليمية الإيرانية. القيادة الإيرانية تدرك أن الرد على واشنطن هو ما ينتظره الرئيس دونالد ترامب وإدارته التي تصر على تغيير سلوك إيران كما لم تفعل أي إدارة سابقة.

لو كانت إيران سترد على واشنطن عسكريّا لما سمعنا التصريحات الإيرانية الرسمية بهذا الشكل، بل كنّا سمعنا تفجيرا يستهدف موكبا عسكريًا أو قاعدة أميركية، أو غير ذلك من المصالح الأميركية في المنطقة

حتى لو ثبت لدى إيران أن بصمات واشنطن صارخة في هذا الهجوم، فإن الردّ لن يطال القوات الأميركية ولا مصالحها، فالقيادة الإيرانية لم تخرج على سياسة العداء الصوتي لواشنطن، مقابل الالتزام الدقيق بعدم المس بالخطوط الحمراء التي تضعها واشنطن. الشراسة الإيرانية تتركز دائما على الدول العربية، وهذا ما برز بوضوح في السنوات الأخيرة، فالشيطان الأكبر الفعلي لم يعد واشنطن في حسابات قيادات الحرس الثوري، والنزعة الأيديولوجية التي يتسم بها المشروع الإيراني تتركّز على إغراق المنطقة العربية في حروب ونزاعات داخلية، أو في الحدّ الأدنى استسهال التورط فيها من دون أيّ تهيب لسقوط الآلاف من الأبرياء، في مقابل سلوك ينم عن احترام مبالغ فيه للمصالح الإسرائيلية والأميركية، كما هو الحال في سوريا والعراق منذ سنوات وحتى اليوم.

الرد الإيراني على الهجوم “الإرهابي” في الأحواز سيكون ضد من لم تسمّهم طهران بالاسم الصريح. في الدرجة الأولى سيوفر هذا الهجوم مبررا لتشديد القبضة الداخلية ولمزيد من تهميش منطقة الأحواز. طهران تهمش تلك المنطقة منذ سنوات طويلة ويزيد هذا التهميش من الشعور بالقهر لدى أبنائها، خاصة وأنهم يعلمون أنهم يعيشون حيث الثروة النفطية الإيرانية، والقيادة الإيرانية لا تريد الاعتراف بأن سياساتها تجاه الأحواز هي ما يجعل مواطني هذه المنطقة مستعدون للموت في سبيل قتل بعض الجنود الإيرانيين، والأرجح أن عدم كشف هوية منفذي الهجوم من قبل السلطات الإيرانية غايته عدم الإضاءة على الأسباب الداخلية في قراءة الهجوم العسكري.

إيران المقبلة على حزمة جديدة من العقوبات الأميركية تمنعها من تصدير النفط بالدرجة الأولى، ستحاول تسعير المواجهة في الحيز العربي، لكنها تدرك أنّ ما كان مباحًا لها أميركيا في سنوات سابقة لم يعد مباحا اليوم، فضلا عن أنّ “فيلق القدس″ الذي فلق الدول العربية بفالق المذهبية والأيديولوجيا، من دون أن يمس احتلال القدس أو سياسة تهويدها، قد استنزف الاقتصاد الإيراني بعدما ساهم، باعتزاز، في استنزاف الدول العربية القريبة والمحيطة، وهو أنجز المهمة التي لا تمس مصالح واشنطن وإسرائيل، أي المساهمة الفعالة في تدمير دول عربية وفي الاستثمار في تصدعاتها المجتمعية.

الرد الإيراني سيكون بسبب السلوك الحسن و”المهذب” من قبل مسؤوليها تجاه مصالح واشنطن الحيوية، وسيكون حيث لا يمكن لواشنطن أن تعتبره موجها ضدها، أي في مزيد من تشديد القبضة على الداخل الإيراني من جهة، واستخدام أذرعها لتنفيذ هجوم يطال مفاصل عسكرية أو أمنية في دول خليجية من جهة أخرى، وغالبا ما سيكون العمل العسكري -لو حصل- ملتبسا أو قابلاً للتأويل بحيث يتيح الإمكانية لتوجيه الاتهام في أكثر من اتجاه، وداعش تنظيم جاهز وقابل لأن يكون حصان طروادة، كما أظهر سلوكه منذ نشأ وإلى يومنا هذا.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

المرجعية أسقطت العبادي

وسقطت في فخ سليماني

علي الأمين

 

انتقل فصل تسمية الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي إلى مرحلة جديدة، بعدما أعلنت المرجعية في النجف الأشرف أنها “لا تؤيد رئيس الوزراء القادم إذا اختير من السياسيين الذين كانوا في السلطة في السنوات الماضية”.

انطلاقا من هذا الموقف يمكن اعتبار أن فرص إعادة تسمية رئيس الحكومة الحالي حيدر العبادي لتولي المنصب الحكومي الأول لولاية ثانية باتت مستبعدة تماما، رغم أن الأخير لم يتهم بملفات فساد، وتجمع الأطراف العراقية وعلى رأسها “المرجعية” أنه نجح في إدارة المواجهة في معركة القضاء على تنظيم داعش، وفي الحدّ من تداعيات المرحلة التي حكم فيها رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، والتي تسببت بسقوط أكثر من ثلث الأراضي العراقية بيد هذا التنظيم، وهو نجاح تميزت به مرحلة حكم العبادي لا سيما أنها تلت مرحلة استثنائية من الفساد، الذي أفرغ خزينة الدولة من كل ما فيها نتيجة السياسات التي اعتمدها المالكي في إدارة شؤون الدولة وأدت إلى ما يشبه الانهيار.

صحيح أن إنجاز حيدر العبادي في تحرير الأرض، لم يكن بمعزل عن مشاركة أطراف أخرى، في خوض المواجهة ضد التنظيم الإرهابي الذي سيطر وتمدد واخترق البنية الأمنية والعسكرية العراقية، لكنه نجح في إدارة عملية بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية، وانتشلها من الدرك الذي وصلت إليه قبل توليه السلطة، وساهم في وضعها إلى حدّ كبير على سكة الدولة، بعدما كانت الميليشيات قد اخترقتها وتقاسمت النفوذ فيها، ولم تستثن هذه المحاصصة القوات المسلحة وهو ما أدّى إلى انهيار الجيش في الموصل بمواجهة تنظيم داعش قبل أربع سنوات.

التخلص من حيدر العبادي الذي انتصر على داعش ووحد العراق وأعاد بناء الجيش، قرار اتخذته إيران وعملت على تنفيذه بوسائل مختلفة، منها الضغط على أحد أعضاء المحكمة الدستورية من أجل إيجاد فتوى دستورية تتيح لأعضاء الكتل البرلمانية عدم التقيّد بقرار الكتلة لجهة تسمية رئيس الحكومة، وكان المقصود من ذلك تصديع “كتلة النصر” التي يقودها العبادي، ومن جهة ثانية عبر إطلاق حملة إعلامية تتهم العبادي بأنه رجل الأميركيين في العراق، واتهامه بأنه تهاون في مواجهة المعترضين على الفساد في البصرة وخاصة في خطوتهم إحراق القنصلية الإيرانية في المدينة.

ليس جديدا هذا السلوك الإيراني في مواجهة أي شخصية أو تيار في العراق يسعى إلى محاولة الحد من النفوذ الخارجي على مؤسسات الدولة، إذ إن قاعدة الدخول إلى النادي السياسي في العراق منذ نهاية نظام حكم البعث، لا سيما لدى المكون الشيعي، هي رضا قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وهذه القاعدة التي بدت أنها اهتزت خلال الانتخابات النيابية الأخيرة من خلال بروز تيارات متنوعة داخل المكون الشيعي، عملت إيران بقوة لإعادة استيعاب ما جرى وإعادة الجميع إلى الحظيرة السياسية التابعة لها التي تستطيع من خلالها التحكم والسيطرة.

قاعدة الدخول إلى النادي السياسي في العراق منذ نهاية نظام حكم البعث، لا سيما لدى المكون الشيعي، هي رضا قائد فيلق القدس قاسم سليماني

هذا السلوك الإيراني تجاه العراق والذي يقوم على التدخل في العملية السياسية العراقية لا يشكل استفزازا للأميركيين. ذلك أن القيادة الإيرانية تقدم نفسها في العراق للطرف الأميركي، باعتبارها هي من يستطيع أن يوفر متطلبات الوجود الأميركي ومصالحه في العراق من دون إزعاج، في مقابل أن تتيح واشنطن لإيران إدارة التفاصيل السياسية في بغداد، ومن هذه التفاصيل تحديد أسماء رئيس الحكومة والوزراء وغيرهم، أي أن طهران تعرض على واشنطن معادلة خذوا ما تريدون من العراق، لكن عبرنا وليس عبر العراقيين مباشرة. هذا السلوك لا يبدو أن واشنطن ترفضه، لذا لم نلاحظ أي استياء من المسؤولين الأميركيين حيال أي تغيير في أسماء المسؤولين سواء كانوا قريبين من إيران أو بعيدين عنها، طالما أن سليماني لا يخل بقواعد المصالح الأميركية في العراق.

هذه المعادلة التي ساهمت في تمدد الفساد في إدارة المؤسسات العراقية، تتعرض اليوم إلى اهتزازات، خصوصا أن الاحتجاجات الشعبية والمطلبية باتت أكثر من أي وقت مضى تصوب على دور إيران كطرف حاكم في العراق، بل الحاكم الأول في هذا البلد، وقد شجعت إيران أنصارها على ممارسة كل وسائل النهب للمال العام، ولم يعترض مندوبوها على سلوك الفساد لأي مسؤول عراقي من الموالين لطهران، بل إن العقاب الإيراني يطال من يخلّ بولائه لها، لا من ينهب ويفسد الدولة العراقية ومؤسساتها ونموذج المالكي هو الأشهر وليس الوحيد من الذين حمت إيران وجودهم وحالت دون محاكمتهم رغم تورطهم في ملفات فساد، وهذا يدل على أن الاستراتيجية الإيرانية في العراق ترتكز على بقاء الدولة ضعيفة وطبقتها الحاكمة مرتبط وجودها بالحماية الإيرانية.

بقيت المراهنة العراقية في اللحظات الصعبة على دور المرجعية في النجف لأن تكون حام وداعم لمشروع الدولة، الذي لا يستقيم من دون دعم نخبة عراقية وطنية من خارج الولاءات الخارجية، ولا سيما إيران، باعتبارها الأكثر تدخلا وتحكما في العملية السياسية، وفي هذا السياق يوجه بعض السياسيين العراقيين من المعارضين للنفوذ الإيراني ملاحظات على دورها السياسي، ومنها أن المرجعية التي يمثلها علي السيستاني التي ترفض لقاء السياسيين العراقيين، وهذا موقف قد يكون فيه حكمة لعدم التورط في مواقف سياسية لا تريد المرجعية أن تدخل في ما لا تعتبره من اختصاصها، إلا أن هذه الحكمة تفقد مبرراتها عندما تلتقي المرجعية بمسؤولين إيرانيين، أمنيين وغير أمنيين، لمناقشتهم في قضايا عراقية داخلية، وهذا ما أعلن جهارا قبل عشرة أيام من قبل الموقع الرسمي للمرجعية عن لقاء مع مندوب إيراني.

فلقاء مسؤولين إيرانيين ومقاطعة مسؤولين عراقيين أليس احتقارا للعراقيين؟ كما يتساءل أحد السياسيين العراقيين ويضيف “علما أن المسؤولين الإيرانيين الأمنيين الذين يلتقون المرجعية هم معروفون بأنهم يتدخلون في تفاصيل عمل الدولة العراقية من دون أن يستمعوا أو يستفهموا من مسؤوليها”.

ويغمز المسؤول العراقي من قناة المرجعية أن “العتبات المقدسة في العراق التي يديرها محيطون بالمرجعية والتي تدر مليارات الدولارات يتم تمويلها من الدولة العراقية، من دون أن يُسمح لوزارة المالية أو للأوقاف مثلا التدقيق بإيرادات العتبات ومصاريفها،

جذب “المرجعية” نحو مجاراة الموقف الإيراني في العراق، برز من خلال معاقبة كل من حاول الخروج على وصاية الدولة الجارة لحساب تعزيز مشروع الدولة ومؤسساتها، ومن هنا فإن ما أراده سليماني من المرجعية لاستكمال عملية القبض على السلطة في العراق، هو استبعاد كل من كان رئيسا للحكومة وليس كل من كان متورطا بالفساد، فعادل عبدالمهدي الذي تردد أنه مرشح يحظى برضا المرجعية، هو الملقب بـ”عادل الزوية” بسبب فضيحة سرقة مصرف الرافدين في منطقة الزوية في بغداد والتي قام بها حرسه عام 2007 وتسببت بمجزرة قتل خلالها أحد عشر فردا من حراس المصرف وشرطة بغداد، هو نفسه من الذين تحوم حولهم شبهات الفساد في الوزارات “الدسمة” التي تقلدها في عهد حكومات المالكي وأهمها وزارتي المالية والنفط.

أما النائب فالح الفياض الذي أقاله العبادي من رئاسة الأمن الوطني والحشد الشعبي والذي تتبناه إيران كمرشح محتمل لرئاسة الحكومة، فميزته الوحيدة أنه تابع لإيران وصديق للنظام السوري.

وكذلك هادي العامري وزير النقل السابق وزعيم “منظمة بدر” التي تتزعم الحشد الشعبي المدعوم من إيران، فإن فساده كوزير نقل أيام حكم المالكي وسوء استغلاله للسلطة لا يزال شاهدا على إنجازاته، ومنها فضيحة أمر مطار بغداد لطائرة الركاب اللبنانية في مارس 2014 بالعودة إلى بيروت لنقل نجل العامري الذي تأخر عن موعد إقلاع الطائرة في العاصمة اللبنانية، وقد ترافق هذا الحادث مع ذهول عالمي كشف حجم الفساد في المرافق التابعة لوزارته، واستهانته بمشاعر ومصالح العراقيين واللبنانيين معا.

فهل تنطبق شروط المرجعية التي تريد “وجوها جديدة” على ترشيح الوزراء والمسؤولين السابقين عادل عبدالمهدي وفالح الفياض وهادي العامري، أم أن تلك الشروط لا تنطبق إلا على رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي لأنه بات رمزا لتحرير العراق واستقلال قراره السياسي؟

 

كاتب لبنان (العرب) لندن

 

أحداث البصرة في ذمّة

الصدر... وسليماني يتهيأ للرد

علي الامين

أحداث البصرة التي شهدها العراق مؤخرا، أطلقت العنان لسؤال مركزي برز بوضوح في كل السجالات والتعليقات التي رافقت هذه الأحداث وتلتها، سواء كانت المواقف والتعليقات متطابقة أو متعارضة، والسؤال هل بدأ العراقيون، لا سيما المكون الشيعي، يعبّر عن رفضه للنفوذ الإيراني في العراق؟

لا شك أنّ البارز في أحداث البصرة، كان مشهد الاعتراض الشعبي على سوء الخدمات على أبسط المستويات أي الماء والكهرباء بالدرجة الأولى، فهذه المدينة التي تسكنها غالبية شيعية، هي الثالثة بعد العاصمة بغداد ومدينة الموصل من حيث الحجم وتعداد السكان، وهي الأولى من حيث الأهمية الاقتصادية، فهي تحتضن ميناء تصدير النفط العراقي، وهي المدينة العراقية الوحيدة المطلة على الخليج العربي، وتعتبر المصدر الأول للنفط وللموارد المالية للخزينة العراقية.

لهذا السبب، ولكونها كانت المدينة الأهم في العراق من حيث التنظيم المدني وتوفر الخدمات فيها، منذ تأسس العراق الحديث، ولأنّها المعبر الأساسي للنفط العراقي نحو الخارج، ومقر للعديد من الشركات النفطية والصناعية المرتبطة، تميزت هذه المدينة بكونها من المدن العراقية التي تتميز بنوع من الرفاهية مقارنة ببقية المدن العراقية.

تركز انفجار الاحتجاجات في البصرة بدرجة أساسية على عناوين إيران في المدينة، فضلا عن المحافظة الغائبة إلاّ عن الفساد والتي تمثل سلطة الدولة وتتحمل مسؤولية عدم التجاوب مع مطالب المواطنين المحقة، فحرق القنصلية الإيرانية ليس هو الحدث البارز فحسب في مسلسل الأحداث الذي سقط فيه خلال أيام أكثر من خمسة عشر قتيلا وعشرات الجرحى من المحتجين، بل حرق مقرات الميليشيات الشيعية لا سيما تلك المعروف ارتباطها الوثيق بإيران كمنظمة “بدر” و”عصائب أهل الحق” و”الدعوة” جناح نوري المالكي وغيرها من المقرات، كشف إلى حدّ بعيد أنّ موجة الغضب في البصرة تركّزت ضدّ مظاهر النفوذ الإيراني بالدرجة الأولى.

محاولة إيران التملص من مسؤولياتها حيال الدرك الذي وصل إليه العراق، لم تعد تقنع العراقيين، وهو ما أظهرته ردة فعل المحتجّين في البصرة من سوء الخدمات وانعدامها

ودفع هذا الماكينة الإعلامية التابعة لمحور إيران إلى ربط الأحداث بتدخّلات خارجية، فأحالت أحداث حرق القنصلية والمقرّات الحزبية إلى تحريض دول معادية على إيران، أي السعودية والإمارات، وصولا إلى الولايات المتحدة الأميركية، ولم يغب عن لائحة الاتهامات كل من يندرج في إطار ما تسمّيه القوى التابعة لإيران، القوى الصهيونية والتكفيرية.

سواء كانت التدخلات الخارجية صحيحة أو غير صحيحة، فإنّ العراقيين عموما، وأهل البصرة على وجه الخصوص، يدركون أنّ المآسي التي يعيشونها، والإهمال الذي يُقابل مطالبهم المحقّة به، ليست إلا نتاج سلطة عراقية كانت إيران الطرف الداعم لتولّيها، إذ لا يمكن الحديث في العراق عن حكومة تشكلت منذ الغزو الأميركي في عام 2003 حتى اليوم، لم تكن برضا الولايات المتحدة وإيران، فطهران هي الطرف الذي يقرر أو يوافق على اسم رئيس الحكومة والوزراء الشيعة، وبعد ذلك توافق واشنطن أو تعترض، فالمعادلة التي جمعت الأميركيين والإيرانيين في مقاربة قضية السلطة في العراق، تقوم على قاعدة أنّ طهران هي من يسمي المسؤولين العراقيين في الحكومة ولا سيما الشيعة منهم، مقابل التزام القيادة الإيرانية بضمان عدم المس بمتطلبات واشنطن وبرامجها.

من هنا، فإنّ محاولة إيران التملص من مسؤولياتها حيال الدرك الذي وصل إليه العراق، لم تعد تقنع العراقيين، وهو ما أظهرته ردة فعل المحتجّين في البصرة من سوء الخدمات وانعدامها، التي استحضرت إيران كطرف مسؤول عن أزماتهم.

وفي هذا السياق تؤكد مصادر متابعة من داخل العراق أنّ الغضب الإيراني غير المعلن يتركز على اتهام السيد مقتدى الصدر بأنّه هو الذي أوعز لمناصريه في البصرة باستهداف المراكز الإيرانية، خصوصا أنّ مقرات ومكاتب التيار الصدري لم تتعرض لأيّ اعتداء أو إحراق في البصرة، فضلا أن الأحداث جاءت بعد تطور لافت لم يعلن عنه، تمثل في رفض الأمين العام لحزب الله لقاء مقتدى الصدر خلال وجوده في بيروت قبل نحو عشرة أيام، لا سيما أنّ الصدر كان يأمل إيجاد صلة وصل مع القيادة الإيرانية من خارج نافذة قائد فيلق القدس قاسم سليماني وفريقه في العراق، بسبب توتر العلاقة معه، وثبت لدى الصدر أنّ الإيرانيين لا يريدون بناء علاقة متوازنة تراعي الخصوصية الوطنية العراقية. وغادر بيروت إلى بغداد الأسبوع الماضي، لتنطلق الأحداث في البصرة غداة وصوله.

الصفعة التي تلقتها السياسة الإيرانية في العراق، ساهمت أيضا في إطلاق حملة شعواء على رئيس الحكومة حيدر العبادي، وبحسب المعلومات، فإنّ القيادة الإيرانية تعتبر أنّ العبادي تساهل في مواجهة الاحتجاجات.

من هنا، فإنّ غضب إيران لن يمر من دون عقاب. ويبدو في الظاهر أنّ العبادي هو من يستحق العقاب الإيراني بإخراجه من السباق الرئاسي، لكن ما هو مسكوت عنه في العلن هو الهدف الحقيقي، أي مقتدى الصدر. لكن ما يجعل الصدر محصّنا هو أنّ القيادة الإيرانية لم تجد آذانا صاغية لهذا التوجه لدى مرجعية النجف، التي لم تعط أي إشارة يمكن أن يستفاد منها إيرانيا للنيل من الصدر.

وبعد انقشاع المشهد الميداني برز بوضوح أنّ إيران لم تكن هذه المرة طرفا قادرا على التواري مقابل أصوات والمحتجين العراقيين، بل انكشفت كطرف لا يمكن تفاديه حين المطالبة بأبسط الحقوق، وهذا إنّ دلّ على شيء فهو يدلّ على أنّ إيران لن تكون بمنأى عن الاحتجاجات التي ستخرج مستقبلا من المدن الشيعية في العراق، وذلك لقناعة باتت راسخة لدى معظم العراقيين بأنّ أيّ نهوض بالدولة العراقية لا يمكن أن يكون بمنأى عن تراجع النفوذ الإيراني في هذا البلد.

في المقابل فإنّ الكتل البرلمانية العراقية ولا سيما الشيعية، لم تستطع بعد استيعاب ما جرى، فهي تدرك أنّ المواجهة مع إيران ليست مضمونة النتائج، بل إنّ لدى إيران من الأوراق حتى مع الأميركيين من أجل مقايضة نفوذها بتقديم تنازلات لواشنطن، لكن ما يمكن أن نسميه حالة الرهاب من إيران لدى النخبة الشيعية العراقية، تراجع لصالح بروز مساحة أوسع لتحرك هذه النخبة في الحيّز الوطني.

من هنا، فإن تشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان دخل في مرحلة جديدة عنوانها إعادة خلط الأوراق الذي دفع الصدر عبر كتلة سائرون إلى العمل على جذب قوى جديدة للحلف الذي عقده مع كتلة النصر التي يرأسها العبادي، والإغراء الذي يقدمه الصدر لهؤلاء بشرط استبعاد نوري المالكي هو فتح الباب أمام إعادة الاتفاق على خيار جديد بالنسبة لتشكيل الحكومة ورئاستها بالتوافق. ومنها قائمة الفتح التي يرأسها هادي العامري.

يبقى أنّ مقتدى الصدر الذي نالت قائمته في الانتخابات النيابية المرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية، يشكل اليوم التحدي الأبرز لإيران داخل البيئة الشيعية، ذلك أنّ الصدر هو الأقدر على تحريك الشارع، وهو بتحالفه مع العبادي والحكيم أصبح يمتلك شرعية شعبية عراقية صافية ليس لإيران أي دور فيها، بخلاف بقية القيادات التي برزت أسماؤها خلال وجودها في إيران أو بسبب علاقتها القوية مع القيادة الإيرانية في العراق.

يدرك الصدر، بغريزته السياسية، أنّ مصدر قوته يكمن في عدم الاقتراب من إيران، لكن ليس إلى الحدود التي تجعله طريدا لسليماني بعدما كان طريدا لحاكم العراق الأميركي بول بريمر قبل عشر سنوات.

(العرب) اللندنية

كاتب لبناني

 

 

التمرد على الاصطفاف

الطائفي في العراق يقلق سليماني

علي الأمين

 

مشروع قيام الدولة على الأسس والقواعد الدستورية والقانونية، هو المشروع الذي ينطلق من أساس ثابت هو حصرية حق استخدام العنف من قبل الدولة، هذا التعريف الأولّي والبديهي للدولة هو ما تعرض للانتهاك في الدول التي شكّلت هدفا للنفوذ الإيراني في المنطقة، وهي حقيقة باتت جلية بل فاضحة، بحيث صارت بوابة تعريف منهجية التدخل الإيراني في الدول العربية.

فثنائية الدولة – الدويلة التي تأسست في برامج التغلغل الأيديولوجي الإيراني في الدول العربية، جرى تنفيذها في أكثر من بلد، لتطويع الدولة أو شلها في سبيل المزيد من إحكام السيطرة على مفاصل القرارات ولا سيما تلك السيادية. العراق ولبنان وسوريا واليمن هي أمثلة صارخة على هذا الصعيد، ذلك أن الأيديولوجيا الإيرانية لم تستثمر في الانقسام الداخلي الطائفي أو المذهبي فحسب، بل ساهمت في بناء وتشكيل منظومات أيديولوجية وأمنية عسكرية في تلك الدول تتنافى في طبيعة وجودها مع وحدة المجتمع أو الدولة وسيادتها، وعملت على مأسستها ودفعت نحو تشريعها سياسيا أو دستوريا من دون التخلّي عن سيطرتها والتحكم بها وربطها بالمنظومة الأيديولوجية الإيرانية.

بين لبنان والعراق واليمن وحتى سوريا ثمة ما يثبت هذه الحقيقة، التي شكلت ولا تزال أمثلة على كيفية العمل على مأسسة الانقسام وترسيخه بالأيديولوجيا، ومن خلال الربط المباشر بنظام مصالح مالي عسكري وأمني. ثنائية دويلة حزب الله- الدولة، في لبنان، وثنائية دويلة الحوثيين- الدولة، في اليمن، وفي سوريا رغم العائق الذي مثّله غياب الحاضنة الشيعية للنفوذ الإيراني فقد عملت أدوات النفوذ الإيراني على الاستعانة بميليشيات شيعية من دول عدة لتغطية الفراغ الذي مثله غياب الحاضنة الشعبية، من دون أن تهمل خلال سنوات الأزمة السورية الأخيرة بناء منظومات من السيطرة والنفوذ تستند إلى جماعات سورية وفرت إيران لها الحماية والدعم، وهي في معظم الأحوال تبقى في سوريا عرضة للتفكك والتراجع، لذا يبقى عنصر القوة للنفوذ الإيراني في المجتمع السوري من خارج الأيديولوجيا، بل بمحاولة ترسيخ نظام مصالح مالي اقتصادي وأمني مع النظام من جهة، ومع جماعات قريبة من النظام من جهة ثانية.

في العراق الذي شكّل ساحة مفتوحة لإيران منذ الاحتلال الأميركي له في العام 2003، بدت إيران شديدة الانهماك بالتغلغل في المجتمع العراقي، وفي بناء منظومات للسيطرة والنفوذ المباشر، ومنذ ذلك الحين تحوّلت إلى طرف فاعل ومؤثر في الحياة السياسية والاقتصادية في العراق، وشريك في إدارة العملية السياسية والدستورية لا يمكن تفاديه، لكن إيران التي خاضت حرباً ضروساً مع العراق طيلة ثماني سنوات، عملت منذ الغزو الأميركي للعراق على منع قيام دولة عراقية قوية وموحدة، بل عمدت إلى إدارة أكبر عملية تخريب للدولة من خلال توليد وحماية منظومة الفساد الذي قام بالدرجة الأولى على مقايضة الولاء لإيران بإطلاق اليد في كل منابع الثورة العراقية.

في ظل هذه الصورة يعيش العراق اليوم فرصة استعادة الحيوية السياسية. هذه الحيوية تتأتى من محاولات الخروج على السطوة الإيرانية على العملية السياسية. لقد شكّلت الانتخابات النيابية منطلقا للحديث عن ملامح هذه الحيوية، لعل ما يختصرها أو يفسرها، هو تراجع أو تصدع الاصطفاف المذهبي لدى كل المكوّنات العراقية (السنيّة والشيعيّة والكرديّة) في البرلمان، ذلك أن الكتل البرلمانية وتحالفاتها اليوم لا تقوم اليوم على أساس مذهبي، ولعل الصراع داخل هذه المكوّنات نفسها هو البارز اليوم، ولا سيما داخل المكوّن الشيعي، وهو صراع طبيعي نتيجة الفشل السياسي في إدارة شؤون الدولة، الذي قام على نهج المحاصصة تحت سقف الطائفية، وكانت إيران لها الدور الفاعل في محطات سابقة على الدفع باتجاه تعزيز هذا النهج في الانتخابات البرلمانية السابقة ولا سيما لدى المكوّن الشيعي. اليوم ثمّة ما يشبه الانقلاب على هذا النهج من خلال ما نلاحظه من خروج على منطق التحالف بين الكتل على أساس طائفي، فتسمية رئيس الوزراء العراقي اليوم على سبيل المثال لم تعُد قائمة على تجميع الكتل الشيعيّة وفرض اختيار الرئيس انطلاقا من هذا الاصطفاف الذي طالما كان للدور الإيراني الأثر الأول فيه، وبالتالي التحكّم بالمسارات السياسية التي تنتج عن هذا الاختيار.

من المبكّر الحديث عن تغيير حقيقي في العراق، فإيران التي تمتلك قوة نفوذ متغلغلة في مفاصل الدولة والمجتمع، لا تزال قادرة على التحكم والسيطرة على العديد من النخب السياسية والدينية في هذا البلد، لكن ثمّة مؤشرات واضحة أن هذه القدرة تتراجع أمام بروز ملامح لوطنية عراقية ليست معادية لإيران لكن مستقلة عنها، ولعل ما قام به رئيس الوزراء حيدر العبادي عبر إقالته لفالح الفياض من مسؤولياته في الحشد الشعبي ومن موقعه كمستشار أمني يكشف عن قدرة أو خيار لم يكن قائما في تحدّي النفوذ الإيراني، لا سيما أن إقالة الفياض استدعت ردا علنيا من وزارة الخارجية الإيرانية عبّرت فيه عن استيائها من هذا القرار، وفي موازاة هذا القرار الذي برره رئيس الحكومة باعتباره إجراء قام به بسبب تدخل الفياض في الشؤون السياسية، كان تحويل أحد القضاة الدستوريين إلى التحقيق بسبب لقائه بقائد فيلق القدس، قاسم سليماني، الذي كان يبحث عن إيجاد مخرج دستوري يتصل بتسمية الكتلة الأكبر في البرلمان. ولعل الانزعاج الإيراني من هذا السلوك، هو ما دفع إلى إعلان ترشيح فالح الفياض لرئاسة الحكومة.

وكما يبذل سليماني جهودا على صعيد القوى السياسية لضمان وصول رئيس حكومة موال لإيران، فإنّ جهدا موازيا يتم من خلال الضغط على المرجعية الدينية في العراق من أجل إصدار موقف من المرجع السيد علي السيستاني يُشتمّ منه أو يدعو فيه بشكل صريح إلى عدم تشتت الكتل الشيعية، بل إلى اجتماعها لتسمية رئيس الحكومة، وهو جهد لم يؤدّ إلى النتيجة التي يشتهيها سليماني حتى الآن، والأرجح كما تقول مصادر على اتصال بمحيط المرجعية، أن مرجعية النجف ليست في وارد التورّط في أن تتحمّل مسؤولية اختيار رئيس الحكومة، وهي لن تُستدرجَ للانخراط في عناوين سياسية هي من مسؤولية النواب قبل غيرهم.

بعملية انتخاب رئيس البرلمان ثم رئيس الجمهورية ثم تسمية رئيس الحكومة، أيّا كانت نتيجة الانتخاب أو الاختيار، فإنّ العراق في المرحلة المقبلة يخطو خطوة إيجابية نحو إعادة الاعتبار لمفهوم المعارضة والموالاة، حيث لن تشهد المرحلة المقبلة كتلا مذهبية أو إثنية صافية، بل ثمّة اصطفافات جديدة تؤسس لخيارات سياسية وطنية، يفرضها طابع التحالفات والصراعات السياسية اليوم، فترجمة الخروج على السطوة الإيرانية والخارجية لا يمكن ملاحظته أو ترجمته إلا من خلال كتل سياسية برلمانية فاعلة وعابرة للطوائف والمكوّنات، وهذا ما يحدّ من التحكم الخارجي بها من جهة، ويسمح، من جهة ثانية، بإمكانية تشكيل سلطة ومعارضة في بلد تمّ تشويهه اجتماعيا واقتصاديا ومواطنيا باسم حماية الطوائف، وتصديع الدولة بالثنائيات الإيرانية القاتلة.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

عن الممانعة التي

تحتفي بانتصارها

علي الامين

 

يمكن ملاحظة أنّ قوى الممانعة لم تعد تكتفي بالاعتداد بالقوة الروسية العسكرية في مواجهة خصوم الرئيس بشار الأسد، فمنذ بدأت روسيا بالتدخل العسكري الجوي في الأزمة السورية مع استعراضها بشكل حيّ لكل أنواع سلاحها التدميري في سوريا، واكب عمليات التدمير هذه تقديم المدائح من قبل قوى الممانعة وجمهورها للقوة الروسية وإطلاق ألقاب من قبيل تسمية أبوعلي بوتين على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومحاولة تقديم روسيا باعتبارها قاهرة الإمبريالية الأميركية، والحليف في مواجهة الأطماع الإسرائيلية والغربية للمنطقة العربية، وإلى غير ذلك من التحليلات والشعارات التي تضفي على روسيا بعدا تحرريّا من السطوة الأميركية على المنطقة ولا سيما في سوريا.

كان هذا قبل مرحلة تنفيذ العمليات العسكرية الأخيرة في الجنوب السوري والتي أفضت إلى سيطرة النظام على الحدود مع الجولان المحتل، والتزام إيران بإبعاد ميليشياتها عن هذه الحدود مسافة تزيد على الثمانين كيلومتر.

لم تحدث الإجراءات الروسية، لا سيما تلك المتصلة بضمان أمن إسرائيل، أيّ صدمة فلا قرار إبعاد إيران عن حدود الجولان، ولا التنسيق الروسي-الإسرائيلي الذي تعزز وترسخ من دون أن يهزه أيّ خطاب عن طرق القدس التي جرى ويجري شقّها في سوريا بحسب تعبير أمين عام حزب الله.

الذي استجد اليوم أنّ قوى الممانعة ومنابرها الإعلامية على وجه العموم تروّج لانتصارها في سوريا، وتثني على دور روسيا في تحقيقه في مواجهة المشروع الصهيوني والأميركي التكفيري والإرهابي، باعتبار أنّ التكفير والإرهاب هما صناعة أميركية وإسرائيلية.

ما كشفته وقائع الجنوب السوري أخيرا، أنّ الأمن الإسرائيلي هو الأولوية التي يجب أن لا تمس، لكن ما يثير “الحيرة” هو أنّ وجدان قوى الممانعة لم ينفعل حيال وقوف روسيا حائلا أمام شق “طريق القدس” التي باسمها تمّ تبرير تدمير سوريا، لا بل لم نعد نسمع باسم فيلق القدس ولا قائده في ما يتصل بموقفه حيال الاتفاقات الإسرائيلية الروسية حول ضمانات أمن إسرائيل وحدودها.

بالتأكيد ليست إيران ولا ميليشياتها في وارد المس بأمن إسرائيل كما يقول خصومها، ولكن ما يلمسه المتابع لخطاب انتصار قوى الممانعة، كما تردد هي نفسها في سوريا، أنّه يتقاطع إن لم يكن متطابقا مع المكاسب الإسرائيلية.

إسرائيل نجحت في تحقيق وتثبيت جملة مكاسب بفضل القوى التي ادعت أنّها تقاتلها في سوريا. أولها، تثبيت الأمن على حدودها وفرض انكفاء إيراني عنها، تثبيت أنّ الأمن الإسرائيلي هو الحقيقة التي يعترف بها الجميع والتي كشفت الوقائع أنّ الحدود مع إسرائيل كانت مستقرة، فيما كانت كل المناطق السورية مشتعلة خلال السنوات السبع الماضية.

التهافت في خطاب الممانعة وصل إلى اعتبار أنّ أهم ما أنجزه التدخل الروسي بعد الحفاظ على نظام الأسد في سوريا، هو في قدرة موسكو على كسب ثقة تل أبيب على حساب واشنطن

ثانيا، ضمان إسرائيل الموقف الروسي والأميركي إلى جانبها لجهة شروطها الأمنية، وهذا ما كان ليتحقق لولا التعاون الروسي الإسرائيلي في سوريا ولولا الدخول الدموي الإيراني إلى بلاد الشام، الذي كان يدرك أنّ الجمع بين عداء الشعب السوري والمس بأمن إسرائيل غير ممكن، وبالتالي كانت إيران ملتزمة أكثر مما يجب تجاه مصالح إسرائيل ومنخرطة بشكل غير مبرر في ضرب إرادة السوريين المنتفضة على استبداد النظام في سوريا.

ثالثا، “الممانعة” بمختلف أفرعها ومنابرها وهي تنتصر في سوريا، حققت لإسرائيل أهم الاتفاقيات الضامنة لمصالحها سواء بالاتفاق في الجنوب السوري واتفاق حماس وإسرائيل في غزة، وإنجاز نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس.

وفي هذا السياق يقابل هذه الإنجازات الإسرائيلية مع تهميش دور السلطة الفلسطينية، التغني بالانتصارات التي حققها محور المقاومة.

الانتصار وصل إلى حد أنّ حماسة الجماعات الإيرانية وميليشياتها المقاتلة، تتركز على خوض المواجهات ليس مع الجنود الإسرائيليين في لبنان وسوريا، ولا على الجنود الأميركيين في العراق وفي سوريا، بل يستبسلون من أجل القتال ودعم الجماعات التي توفر المزيد من تدمير المجتمعات العربية ودولها، وها هو أمين عام حزب الله مستعد أن يلتقي ويدعم بشكل مباشر الحوثيين في اليمن لكنه يتفادى القيام بأي خطوة عملية يشتمّ منها أنّه يدعم مجموعات داخل فلسطين المحتلة من أجل تحريرها، بل العكس تماما هو شديد الانضباط حيال عدم تعكير مزاج المسؤولين، الإسرائيليين.

رابعا وأخيرا، اللعبة التي يرغبها ويريدها الإسرائيليون وبات حزب الله كرمز للممانعة يحسن إتقانها، هي التهويل ولعبة التقارير الإعلامية المتبادلة التي تتضمن خططا وهمية عن حرب قادمة بين الطرفين، إسرائيل تريدها لابتزاز الغرب في سبيل دعمها ومراعاة أطماعها، وحزب الله يتوسلها ويبتهج بها من أجل استخدام هذه التقارير لتبرير كل مشاريعه التي تتركز في التحكم والسيطرة على السلطة في لبنان من جهة، وتنفيذ ما تطلبه إيران في سوريا وغيرها من الدول العربية باسم العداء لإسرائيل من جهة ثانية.

التهافت في خطاب الممانعة وصل إلى اعتبار أنّ أهم ما أنجزه التدخل الروسي بعد الحفاظ على نظام الأسد في سوريا، هو في قدرة موسكو على كسب ثقة تل أبيب على حساب واشنطن، وأن هذا الإنجاز الذي يفترض أن يكون إدانة وفضيحة للدور الروسي في سوريا بناء على مبادئ الممانعة وأدبياتها، ها هو يتحوّل إلى انتصار لمحور المقاومة والممانعة.

رغم أنّ الكارثة السورية المستمرة كبيرة وغالية على السوريين أولا والعرب ثانيا، لكن يسجل لهذه الكارثة أنّها كشفت وفضحت هشاشة الأيديولوجيا الإيرانية وخطابها المستعرب تجاه إسرائيل، بل فضحت كيف أنّ مصالح الدول الإقليمية وعلى رأسها إيران في المحصلة النهائية لا يضيرها تدمير محيطها العربي بسلاح الدفاع عن قضاياه، والحصيلة أن موسكو وإسرائيل وواشنطن هي المنتصرة الفعلية في المشرق العربي، فيما قوى الممانعة التي تنتشي ببقاء الأسد، فإن انتصارها هو في الحقيقة انتصار على الشعوب وعلى النظام الإقليمي العربي وانتصار الخواء الأيديولوجي الذي لا يقوم إلاّ على دمار المجتمع والدولة.

بهذا المعنى فإن الإنجاز الأهم الذي يمكن أن يشكّل مدخلا لاستعادة الوعي والحضور والفاعلية في بلداننا العربية، وبالتالي إعادة ترميم وتفعيل النظام الإقليمي العربي، هو المزيد من انكشاف الخطاب الأيديولوجي الذي رفع شعارات تحرير الشعوب وتحرير القدس ومواجهة الاستكبار والغرب، الذي ينكشف اليوم أكثر فأكثر بأنه نموذج للاستبداد وأكثر قابلية لعقد الصفقات مع إسرائيل، والأكثر احتفاء بالسيطرة الخارجية على حساب المصالح الوطنية والعربية، والأكثر استثمارا للجهل في سبيل تأييد التخلف والتبعية.

الممانعة مصنع الأيديولوجيات الفارغة، التي تحسن وتتقن عبرها فعل التدمير الذي تحتفي به اليوم كنصر مؤزر.

 

(العرب) لندن

 

العقوبات الأميركية تفضح

هشاشة "الممانعة" ودولها

علي الأمين

 

انخفاض سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار الأميركي، ليس حدثا اقتصاديا ناتجا عن أزمة اقتصادية أو مالية تسببت فيها سياسات خاطئة اعتمدتها السلطات التركية على هذا الصعيد، بل حدث أميركي بامتياز، اعتمدته واشنطن في سياستها التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في محاولاته تطويع العديد من دول العالم، فالرئيس الأميركي القادم من عالم المال والصفقات التجارية يحرصُ في تعامله مع دول العالم الحليفة للولايات المتحدة أو غير الحليفة بمنهج يختلف عن الإدارات السابقة، على المزيد من استخدام عنصر المال والاقتصاد كقوة ضغط بديلة عن القوة العسكرية التي طالما كانت واشنطن تضعها في مقدمة وسائل ضغطها على من تعتبره مصدر خطر أو منافسا لها في العالم.

هذا ما بدأ في اعتماده مع الصين عندما تحدث ترامب عن إعادة التوازن إلى الميزان التجاري المختل لصالح بكين، وعمل على فرض إجراءات ضريبية للحد من الصادرات إلى واشنطن، وإن كان هذا الأسلوب مبررا مع الصين باعتبارها دولة غير حليفة إن لم تكن منافسا في رتبة خصم أو عدو لواشنطن، فإن المفاجأة كانت الإجراءات التي اعتمدها ترامب بفرض ضرائب على صادرات الصلب وغيره من المواد الخام القادمة من كندا وأوروبا، وهو ما أحدث هزة في علاقات واشنطن مع حلفائها الأوروبيين وفي القارة الأميركية، لا سيما المكسيك تلك التي بدأ ببناء جدار فاصل على طول الحدود البرية معها.

إذا كانت هذه جوانب من سياسة واشنطن المالية والاقتصادية تجاه حلفائها، فكيف يمكن أن تكون هذه السياسة تجاه من تعتبرهم أعداءها، ومن ذلك العقوبات التي بدأتها واشنطن على إيران بعد إلغائها الاتفاق النووي الذي كان الرئيس السابق باراك أوباما قد أقره مع القيادة الإيرانية واعتبره الإنجاز الأهم لإدارته في السياسة الخارجية. ترامب رمى كل ذلك وبدأ تنفيذ خطوات عقابية ضد طهران.

الظاهر حتى الآن أن حجم تأثير هذه العقوبات ليس محدودا، بل ينطوي على قدرات أثرت بشكل كبير على الأوضاع المالية والاقتصادية داخل إيران، ولئن كان تراجع العملة الإيرانية أمام العملات الأجنبية سابقا على قرار العقوبات الأميركية، فإن الإجراءات الأميركية فاقمت الأزمات الإيرانية وكشفت إلى حد بعيد هشاشة الاقتصاد الإيراني والتي بينت إلى حد بعيد اعتماد اقتصاد إيران على تصدير النفط كمورد أساسي لتمويل موازنة الدولة.

العقوبات الأميركية فضحت هشاشة الممانعة وكشفت غياب المناعة السياسية والاقتصادية، لا بل أظهرت الخواء الحضاري بعدما جرى تدمير الدول من داخلها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بذريعة الدفاع عنها في مواجهة أعدائها

سياسة ترامب المالية والاقتصادية تجاه إيران وتركيا تعكس مظهرا جديدا من قوة الضغط الأميركية التي بدأت واشنطن اعتمادها كبديل عن التدخل العسكري المباشر، فواشنطن في عهد ترامب تستخدم نفوذها المالي والاقتصادي لتطويع الدول سياسيا، ولكن إذا كان الظاهر من نتائج هذه السياسة اليوم يلبي طموحات واشنطن من خلال إظهار قدرتها على التأثير الكبير على اقتصادات هذه الدول، فإن مخاطر هذه السياسة تكمن في تهديد نظام التجارة العالمي الذي نظّرت له واشنطن وهي التي حاربت بشراسة نظم الحماية الجمركية، وفتحت الأسواق في سياق نظام العولمة الذي أسست له مع نهاية الحرب الباردة وإعلان فشل النظم الاشتراكية قبل أكثر من ربع قرن.

التساؤلات حول نتائج الإجراءات الأميركية التي تتسم ببعد انغلاقي لا سيما فيما يتصل بإجراءات حماية المنتجات الأميركية داخل الأراضي الأميركية، وتتسم ببعد عقابي لا سيما في استخدام واشنطن إجراءات ضريبية وجمركية تتنافى مع فلسفتها الاقتصادية والمالية التي طالما كانت أداتها في النفاذ إلى اقتصادات الدول ولا سيما في العالم الثالث، وتحديدا تلك التي كانت تعتمد الاقتصاد الموجه أو النظام الاشتراكي.

أي نظام عالمي سوف يتبلور في المستقبل، وأي قواعد عالمية سوف تتحكم بالعلاقات التجارية، وهل سيتجه العالم نحو استعادة أنظمة الحماية الجمركية بعدما بدأت إدارة ترامب في اعتمادها؟

في العودة إلى البعد المتصل بالعقوبات الأميركية على إيران والتي تستند إلى قرارات عقابية معلنة، بخلاف الإجراءات الأميركية ضد تركيا والتي لا تندرج في إطار عقابي رسمي بل عملي، لا سيما في ما يتصل بفرض رسوم جمركية على صادرات الصلب والألومنيوم التركية إلى الولايات المتحدة الأميركية، وبمعزل عن عنوان هذه الإجراءات فإن الثابت أن واشنطن تمارس فعل ضغط واحتواء لإيران وتركيا معا، وهي سياسة تريد واشنطن من خلالها فرض شروطها على الدولتين لا سيما على صعيد دوريهما الخارجي.

وفي موازاة ذلك تسعى واشنطن إلى توجيه رسائل غير مباشرة إلى بقية الدول من خلال إظهار كلفة مواجهة سياسة واشنطن خاصة في المنطقة العربية، فطالما أن تركيا وإيران، وهما الدولتان الإقليميتان الأكثر قوة وتأثيرا في محيطهما العربي والإسلامي، عاجزتان عن وقف تداعيات الإجراءات الأميركية على الداخل التركي والإيراني، فذلك يطرح تحديا على بقية الدول الأقل قوة في هذا المحيط، عن مدى قدرتها على مواجهة أي سياسة عقوبات يمكن أن تفرضها عليها واشنطن مستقبلا؟

وفي هذا السياق يبدو لبنان إزاء ما يعانيه من تصدع في بنيته الاقتصادية والمالية رهينة العقوبات المالية الأميركية بسبب ضعف الدولة اللبنانية وهشاشة اقتصادها، أمام خيارات صعبة، بل يمكن القول إن الحكومة اللبنانية عاجزة عن القيام بأي خطوة جدية تعيد الثقة بالدولة وسياساتها الاقتصادية.

سيف العقوبات الأميركية مسلط ويكتسب قوته ليس بسبب قدرات واشنطن المالية والعسكرية فحسب، بل من هشاشة المشاريع المضادة التي بدت مشاريع تدمير للمنطقة العربية بحجة تحريرها من سطوة السياسات الدولية، فيما هي عمليا دفعت بالدول العربية، ومنها لبنان، إلى أن تكون فاقدة لأي مناعة تجاه أي إجراء عقابي دولي أو أميركي. العقوبات الأميركية فضحت هشاشة الممانعة وكشفت غياب المناعة السياسية والاقتصادية، لا بل أظهرت الخواء الحضاري بعدما جرى تدمير الدول من داخلها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بذريعة الدفاع عنها في مواجهة أعدائها.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

ترهل الدولة في لبنان

وحل الرعاية الدولية

علي الامين

تتراكم الأزمات المالية والاقتصادية في لبنان من دون أن تظهر أي مؤشرات إيجابية على وجود عزم لدى أطراف السلطة على مواجهتها، بل ثمّة إصرار على اتباع المنهج الذي أوقع البلاد في حفرة العجز عن الإيفاء بالحد الأدنى من التزاماتها تجاه المواطنين، ولم تشكل نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة قبل ثلاثة أشهر أيّ حافز لاعتماد نمط جديد في إدارة الشأن العام غير التمسك بالمحاصصة التي يعيث فيها الفساد، بل أن من الوهم الاعتقاد بإمكانية إحداث خرق إيجابي في دوامة الفساد من خلال أدوات الفساد نفسها، أو بتعبير أدق، المعادلة السياسية التي رعت سياسة استنزاف الخزينة والاقتصاد، لا يمكن لها أن تنتج ما يخالف هذه السياسة، لا سيما وأنّ الانتخابات النيابية جرى إقرار قانونها وإدارتها بتواطؤ بين أطراف السلطة لتضمن نتائج تلاءم حسابات هذه الأطراف، لذا لم تكن الانتخابات إلا وسيلة مدروسة لإعادة إنتاج الشيء نفسه بتعديلات طفيفة لا تغير من واقع الحال شيئا.

ولأنّ لبنان يعاني من حال استنزاف بات ينذر بانهيارات مالية واقتصادية فضلا عن الجانب الاجتماعي الذي جعل بعض أطراف السلطة تعمد إلى اقتراح تشريع زراعة حشيشة الكيف لأسباب طبية، وهو اقتراح يعكس في جوهره محاولة للهروب من مواجهة غياب أيّ خطط اقتصادية أو إنمائية بما تفترضه هذه الخطط من حسم جملة أولويات لا بد من توفرها، لا سيما في أن تحسم الدولة اللبنانية خيارها لجهة سيطرة سلطاتها الرسمية على كامل الأراضي اللبنانية ومنع ازدواجية السلطة بين الدولة والميليشيا لصالح الدولة.

إذ ليس خافياً أنّ نهوض الاقتصاد وحيويته يتطلبان في الحدّ الأدنى جاذبية استثمارية هي غير متوفرة في ظلّ غياب المرجعية المسؤولة في لبنان، فضلاً عن غياب مقومات الاستثمار على صعيد توفير الاطمئنان الأمني والسياسي، وبقية الشروط الطبيعية من حرية انتقال الأموال بلا عوائق، فيما لبنان هو عرضة لعقوبات مالية أميركية تطال نظامه المصرفي بسبب ما تعتقده وزارة الخزانة الأميركية من استفادة حزب الله من هذا النظام للقيام بعمليات مالية غير مشروعة.

الترهل في مؤسسات الدولة وصل إلى حد العجز عن وقف السرقات المكشوفة. عجز تسلل إلى القضاء الذي بات في قبضة السلطة السياسية أو في حالة عجز عن القيام بمسؤولياته في تطبيق العدالة

تراكم الأزمات يقابله، إلى جانب استشراء الفساد، عجز عن تشكيل الحكومة وانفجار فضائح الفساد نتيجة الصراع بين أقطاب السلطة، وتشكل فضيحة الكهرباء في لبنان عنصراً محورياً في كشف مدى تورط بعض أطراف السلطة بملف الفساد. وليس خافيا على اللبنانيين أن قطاع الكهرباء في لبنان يخضع لعملية محاصصة في عملية مركبة لا تستمر إلاّ باستمرار أزمة مؤسسة كهرباء لبنان وهي المؤسسة العامة التي يُوكل إليها إنتاج الطاقة وتوزيعها. لكن المستجد هو أن قطاعا جديدا نشأ في السنوات الأخيرة وهو قطاع المولدات الخاصة والذي يقدّر حجم الأعمال الذي يشغله بقيمة ملياري دولار، وهذا القطاع تسيطر عليه بعض القوى السياسية التي تقوم باستثماره وجني الأرباح منه، وهي نفسها من يعطل عملية عودة مؤسسات كهرباء لبنان إلى طبيعتها كمصدر حصري لتأمين الطاقة للبنانيين، باعتبار أن أطرافاً في السلطة هم أنفسهم من يستثمر في هذا القطاع الخاص. الجديد ما كشفته بعض المصادر عن فساد وصل إلى حد سرقة مادتي الفيول والديزل التي تتولى الدولة تغطيتهما مالياً لمؤسسة كهرباء لبنان، هذه السرقة تتم منذ زمن على حساب وقف جزء من المعامل المنتجة للطاقة كما هو حاصل في معمل الزهراني في جنوب لبنان، مع إيقاف ثلاث مجموعات فيه بشكل غير قانوني من أجل بيع مادة الديزل الفائضة عنه لأصحاب المولدات الخاصة بأسعار مخفضة.

الترهل في مؤسسات الدولة وصل إلى حد العجز عن وقف السرقات المكشوفة. عجز تسلل إلى القضاء الذي بات في قبضة السلطة السياسية أو في حالة عجز عن القيام بمسؤولياته في تطبيق العدالة. هذا المستوى الذي وصلت إليه إدارة شؤون الدولة في لبنان بات يفرض حدوداً من التغيير لا تقل عن إحداث انقلاب على طريقة تعامل السلطة مع الإدارة العامة، فإذا كان لبنان في سنوات سابقة يستطيع أن يغطي عمليات الفساد من خلال المساعدات الخارجية التي كانت ترده من دول خليجية وأوروبية، فإن غياب هذه الموارد أو شحها، أفقد لبنان موارد مالية واقتصادية أساسية، ومع غياب أي استثمارات خارجية باتت الضغوط على الخزينة العامة غير مسبوقة، فيما زادت شهية بعض القوى السياسية على بناء أنظمة مصالح تقوم على حساب المال العام بشكل غير مشروع في معظم الأحيان.

التغيير في لبنان لم يعد مسألة جدلية، بل بات حاجة وجودية للدولة، فإما إحداث تغيير يحدّ من استنزاف الخزينة العامة والاقتصاد، وإما أنّ الهيكل مرشح في وقت غير بعيد للسقوط فوق رؤوس الجميع.

وفي ظلّ السيطرة الخارجية على القرار الاستراتيجي من خلال حزب الله، فإن لبنان ليس أمامه للخروج من معادلة المحاصصة إلا نوع من الرعاية الدولية، ورغم إدراك أنّ مثل هذه الرعاية غير متوفرة فضلا أنها لا تشكّل مطلبا لبنانيا، إلا أن لبنان يبدو أنه يتجه إلى مزيد من الحاجة للدعم الخارجي سواء في الجانب المالي أو على مستوى دعم مشاريع البنية التحتية، فيما القدرة الذاتية على استثمار الدعم باتت رهينة سلطة سياسية عاجزة عن ضخّه في شرايين الدولة، وهو ما سيدفع بالضرورة سواء توفر الدعم أم لم يتوفر (والاحتمال الأخير هو المرجح) إلى توقع أن يشهد لبنان فوضى لن يكفي سلاح حزب الله للجمها بعدما صارت معالمها ومؤشراتها ظاهرة للعيان في أكثر من منطقة في لبنان، ولا سيما في منطقة نفوذ الحزب في البقاع، الذي لن تشكّل وعود تشريع زراعة نبتة الحشيش فيه لاجما لما يعتمل في داخله من اعتراض وغضب.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

الفتنة وحرب

 تطويع الجنوب السوري

علي الأمين

 

عندما دخل الجيش السوري إلى مناطق الجنوب السوري خلال الأسابيع الماضية، كان ينجز عملية الدخول بعدما اتفقت القوى الدولية والإقليمية المؤثرة ضمن اتفاق خفض التوتر الشهير في الجنوب السوري، على انتشار الجيش النظامي وإنهاء دور قوى المعارضة السورية المسلحة، وكانت على رأس هذه القوى الدولية واشنطن وموسكو وتل أبيب.

وقد أدّى هذا الاتفاق الذي عكس توجها صريحا لواشنطن بإنهاء دور قوى المعارضة السورية، إلى تمكين الجيش السوري بإشراف موسكو من الدخول إلى درعا وغيرها من المناطق في سهل حوران والأرياف، وحتى القنيطرة على حدود الجولان، وتمّ ذلك إما بخوض معارك عنيفة كما حصل في درعا وأريافها، وإما عبر اتفاقات أدّت إلى تقديم الروس ضمانات لمن بقي من المقاتلين لم تحترم، وإما بخروج المقاتلين إلى مناطق الشمال السوري ولا سيما إلى مدينة إدلب.

دخل الجيش السوري والذي يتوزع على فرق عدة تسيطر روسيا على جزء أساسي منها، فيما تتحكم طهران بجزء آخر منه إلى جانب الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، وواكبت هذه الفرق مجموعات ميليشيوية تعد بالعشرات وتعتمد على دعم مالي من إيران ومن النظام، والأهم أنّها تقوم في مجملها بمهمات السلب والنهب والعمليات القذرة التي يأبى الجيش النظامي القيام بها.

بعد دخول الجيش السوري إلى درعا وإلى غيرها من البلدات والقرى التي كانت تحت سيطرة المعارضة منذ بدء الثورة وحتى الأمس القريب، قامت تلك الميليشيات بتنفيذ عمليات نهب واسعة وتنفيذ جرائم ضد المدنيين، بعدما كانت قوى المعارضة قد سلمت سلاحها إلى الجيش السوري بإشراف روسي، ويروي بعض أبناء درعا تفاصيل عن عمليات مريعة تعرضوا لها من قبل الميليشيات.

 إذ أكد هؤلاء أنّ النظام كان قد تقصّد إطلاق يد الميليشيات التابعة له في السويداء لارتكاب عمليات خطف وقتل ونهب العشرات من الحواضر والقرى في درعا وريفها، وبحسب هذه المصادر فإنّ ما فعلته هذه الميليشيات أنّها نقلت أثاث البيوت وكل ما وقعت عليه قواتها من المقتنيات، إلى مدينة السويداء، وعمدت إلى عرضه وبيعه بشكل علني في أسواق المدينة بطريقة علنية ومستفزة لأبناء درعا وأريافها ومنهم من كان قد نزح منذ سنوات إلى هذه المدينة.

إطلاق يد ميليشيات درزية لتنفيذ مثل هذه العمليات القذرة في درعا وريفها وفي سهل حوران، لم يكن عفويا، بل تقصد النظام وداعموه ذلك كل في سياق حساباته. فالنظام السوري الذي تفنن في لعبة إثارة المخاوف لدى الأقليات والعمل على خلق وتعميق الشروخ الطائفية والمذهبية، كان يعاني من السيطرة والتحكم على الدروز في منطقة السويداء، وكان من داخل الطائفة الدرزية من نجح في منع النظام من إلزام الشباب الدروز بالانخراط في الجيش السوري، وظلّ الشباب الدرزيّ، على وجه العموم، نائيا بنفسه عن الانخراط في الحروب التي تم خوضها ضد المعارضة السورية على امتداد الأرض السورية.

لكن ذلك لا يمنع من القول إنّ بعض الفئات الدرزية التي راهنت على النظام، عملت على استقطاب المقاتلين من خلال إيجاد أطر ميليشيوية وعسكرية لعب جزء منها دورا في استفزاز محيطه من خلال استغلال سقوط مناطق الجنوب في يد النظام، عبر تنفيذ عمليات انتقامية أراد النظام أن تنفذها مجموعات درزية بغاية إثارة الفتنة، واستثمارها لإعادة تقديم نفسه كحام للأكثرية السنية في درعا والجنوب السوري وحام أيضا للدروز في السويداء.

تعميق الشرخ بين السويداء ذات الغالبية الدرزية وبين محيطها السني، أمر كفيل بجعل البيئة الاجتماعية في الجنوب السوري في حالة هلع من شريكها في الوطن، ومدفوعة  نحو مصدر حماية لا يبدو أنه متوفر سوى لدى إسرائيل وروسيا

ويجب الإشارة هنا إلى أنّ الطبيعة العشائرية في درعا ومحيطها تجعلها بخلاف مدن سورية أخرى أكثر التصاقا بقيم عشائرية وقبلية وبالثأر. ومن جانب آخر لم تكن روسيا عاجزة عن ضبط الميليشيات القادمة من السويداء نحو درعا، بل لم تمنعها وغضت الطرف عن ارتكاباتها، ولعل دعوة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط روسيا إلى حماية أبناء السويداء، انطوت خاصة مع تكراره لهذه الدعوة، على أنّ روسيا تتحمل مسؤولية على هذا الصعيد، لأن جنبلاط يدرك أنّ الدروز في السويداء هم عرضة لتنازع إيراني-إسرائيلي. فإيران نجحت في استقطاب بعض الميليشيات الدرزية، وإسرائيل تريد ضمن الاتفاق مع روسيا إبعاد النفوذ الإيراني عن حدودها، وهي تستثمر إلى حدّ بعيد علاقاتها مع بعض دروز إسرائيل في تقديم نفسها كطرف قادر على حماية الدروز في سوريا أيضا.

الغاية الروسية والإسرائيلية ضمنا في الجنوب السوري هي إبعاد النفوذ الإيراني، وإنهاء كل ما يمكن أن يربط إيران بأهل السويداء، وجعل العلاقة مع إيران مكلفة لهم.

من هنا تأتي الجريمة التي ارتكبها تنظيم داعش في قرى جبل العرب وفي محيط السويداء، لتلبي مصالح إسرائيلية وروسية في الدرجة الأولى، وللنظام الذي يريد أن يفرض وجوده اجتماعيا كطرف لا يمكن أن يضمن الناس بالحدّ الأدنى من أمنهم وأمانهم بمعزل عنه.

تنظيم داعش نفذ جريمته بقتل نحو ثلاثمئة مدني وعسكري من بينهم النساء والأطفال الدروز في جريمة بشعة، يؤكد بعض أبناء درعا أنّ بعض الذين شاركوا في تنفيذ هذه الجريمة، هم من الضباط والجنود في الجيش السوري ومن الذين يقاتلون في صفوفه في مناطق سورية خارج الجنوب السوري، ويضيف هؤلاء أنّ بعض أهالي هؤلاء تعرضوا لاعتداءات من بعض أتباع النظام في السويداء، وهم نفذوا جريمتهم هذه بعلم مسبق من النظام السوري وحتى من القوات الروسية، وتنظيم داعش لم يكن إلا الستارة التي لا بد منها لإلصاق الجريمة بتنظيم يمكن أن تلصق به كل الجرائم.

جريمة السويداء البشعة هي أعقد من أن تكون نتاج تنظيم داعش، يسميها البعض عملية ثأر وانتقام ضد ما ارتكب في درعا وريفها، دفع ثمنها مدنيون أبرياء بالدرجة الأولى، وهي في نفس الوقت عملية مدروسة ومقررة منذ أن دفع النظام السوري وحلفاؤه بميليشيات من السويداء لارتكاب جرائم ضد “الدرعاويين”، مدركا أنّه سيدير عملية انتقامية بطريقة غير مباشرة ضد السويداء، فيما إسرائيل من جانبها وبتنسيق ضمني مع روسيا، تستهدف من خلال ما جرى إنهاء العلاقة بين بعض الدروز وإيران.

تعميق الشرخ بين السويداء ذات الغالبية الدرزية وبين محيطها السني، أمر كفيل بجعل البيئة الاجتماعية في الجنوب السوري والتي انطلقت منها الثورة في حالة هلع من شريكها في الوطن، ومدفوعة بحكم غريزة البقاء والحماية، نحو مصدر حماية لا يبدو أنّه متوفر سوى لدى إسرائيل وروسيا، وما بينهما النظام الذي حظي انتشاره في الجنوب برعاية روسية - إسرائيلية شرطها، الذي لم يكتمل بعد، التطهر من إيران والتي بدورها لن توفر ما لديها من قوة ونفوذ في سوريا في سبيل حماية وجودها ودورها ومصالحها.

جريمة السويداء وما سبقها من جرائم في الجنوب السوري هي أدوات المواجهة المتاحة تحت سقف التفاهم الأميركي الروسي حول سوريا.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

الحكومة اللبنانية ورقة

إيرانية في سلة المهملات

علي الأمين

 

منذ الانتخابات النيابية في 6 مايو هذا العام بدأت الاستعدادات لتشكيل الحكومة اللبنانية، فجرى تكليف الرئيس سعد الحريري برئاسة الحكومة على أن يشكلها بالتشاور مع رئيس الجمهورية كما يقرّ الدستور، لكن الحكومة بعد مرور أقل من 3 أشهر على الانتخابات لم يتم تشكيلها وبقيت معلقة من دون أن تتضح فرص الاتفاق عليها في المدى القريب، لا سيما أن الظاهر من العقدة هو اختلاف القوى السياسية على حصص كل فريق فيها، حيث يجري التداول بثلاث عقد هي محل خلاف، هي ما يسمّى العقدة الدرزية والعقدة المسيحية والعقدة السنية.

المتابعون لمراحل تشكيل الحكومات في لبنان خلال العقد الأخير، أي مع مرحلة تعاظم النفوذ الإيراني في لبنان وسيطرة حزب الله على معظم مفاصل الدولة، أقروا بأن لبنان بات يشهد أزمة مع كل الحكومات التي تشكلت خلال هذه المدة، ولم تكن تُحل هذه العقد إلا بعد تدخلات خارجية كانت نتيجتها تقديم إيران من خلال حزب الله عملية الإفراج عن الحكومة، كورقة ترضية في لعبة المساومات الإقليمية والدولية.

ثمة تشابه بين أزمة تشكيل الحكومة في العراق وأزمتها في لبنان. الجوهر الظاهر للعقد هو الخلاف على الحصص ومشاورات مستمرة لا تصل إلى نتيجة، الانتخابات النيابية جرت في توقيت واحد أي مطلع مايو، ونجح حلفاء إيران أو القريبين منها في تحقيق الفوز وحصد الأكثرية، ولم يخف قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، مشاعر الانتصار عندما أعلن أن حزب الله حقق الفوز في 74 مقعدا من أصل 128 في لبنان، وهو بذلك كان يصرّح بطريقة مباشرة عمّا يعتقده من حلف سياسي يضم حزب رئيس الجمهورية وحزب رئيس البرلمان وغيرهما من النواب هم من المنضوين في الحلف السياسي الذي يقوده حزب الله وبالتالي إيران.

مقتضى الحال، وفي الشكل على الأقل، أن حزب الله في لبنان قادر على فرض تشكيل الحكومة، إذا ما كان تشكيل الحكومة حاجة ملحة في حساباته السياسية، والتي يشكل البعد الإقليمي العنصر الحيوي في حساباته على هذا الصعيد، لكن من الواضح أنه لا يصب جهوده في هذا المنحى، بل يساهم في فتح البازار الحكومي مدركا، كما الآخرين، أنه هو من يملك صفارة إعلان نهاية البازار أو تمديد الوقت إلى ما يشاء، طالما أن لا مادة في الدستور تحدد وقتا لا يجوز تخطيه في تشكيل الحكومات. وكما أظهرت الحكومات السابقة بأن حزب الله هو كذلك، فإن بقاء لبنان بلا رئيس للجمهورية لمدة عامين ونصف أي منذ منتصف العام 2014 حتى نهاية 2016 هو وقائع تثبتُ أن عملية تعطيل الحكم في البلاد والقدرة على إدارتها هما بيد حزب الله. ولكن ماذا تريد إيران من خلال عدم البتّ في تشكيل الحكومة في لبنان وفي العراق كذلك، وما هي الأهداف التي تتوخاها من تأخير إعلانها بعد حلّ العقد؟

إيران أعلنت أنها تسيطر على أربع عواصم عربية في تصريحات معروفة لدى الجميع، لكن هذه السيطرة باتت عرضة لاهتزازات ومخاطر جدية، تبدأ من اليمن ولا تنتهي في دمشق أو بغداد، فتراجع دور الحوثيين في اليمن وتقدم القوى الشرعية بدعم من التحالف العربي، واكبتهما تحولات في سوريا ليست لصالح إيران على الأقل، فالتفاهم الروسي الأميركي بمشاركة إسرائيلية فاعلة جعل إيران في موقع متراجع في المعادلة السورية لم تتضح معالمه المستقبلية بعد، لكن بات معروفا أن الكلمة الأولى والأخيرة في سوريا هي روسية وشرط استمرار ذلك هو تراجع الدور الإيراني.

ليس هذا حال إيران في دمشق وصنعاء، بل يتعداه إلى بغداد وبيروت وإن كان النفوذ الإيراني في العاصمتين الأخيرتين مازال متماسكا، لكنه عرضة لتراجع مستمر، بعدما اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرار المواجهة مع النفوذ الإيراني سعيا إلى تحجيمه، منذ أن أعلن عن إلغاء الاتفاق النووي مع إيران من جانب واشنطن، ونجح إلى حد بعيد في تجويفه دوليا، إثر رفع سيف العقوبات على الشركات التي تقيم أي علاقات تجارية مع طهران. المشهد العراقي والذي نجحت إيران في التحكم بمفاصله المؤثرة، يبقى عرضة لتحولات كبيرة في أي لحظة تبدو فيها إيران أمام انتكاسات استراتيجية في عواصم عربية أخرى، ولبنان ليس أفضل حالا من العراق على هذا الصعيد، وإن كانت طهران تملك من الأوراق ما يتيح لها مقايضة إسرائيل على استمرار نفوذها بمزيد من حفظ الاستقرار على الحدود ومنع حصول أي فوضى على هذه الحدود.

تشكيل الحكومة اللبنانية يندرج في السياقات الإقليمية التي تسعى إيران إلى تعديل مساراتها، لكنها تدرك أن ورقة الإفراج عن الحكومة اللبنانية لم تعد ثمينة، فلا واشنطن راغبة في مكافأة حزب الله على سياسة التعطيل، ولا الدول الأوروبية قادرة على أن تدخل كلاعب بشروط فاعلة بين واشنطن وطهران، ولا الدول العربية في وارد شراء هذه الورقة التي أثبتت سابقا أنها ساهمت في تعزيز النفوذ الإيراني في بيروت.

البحث عن مشتر هو ما يعطّل تشكيل الحكومة اللبنانية، لكن لا يبدو أن ما تعرضه إيران يغري الأطراف الإقليمية أو الدولية في الشراء، فيما اللبنانيون الغارقون في أزمات تلامس وجود للدولة يدركون أنهم في قفص حزب الله، وهذا القفص لم يعد الخروج منه ممكنا لمن هم في داخله، لذا يراقبون كيف تسير أحوال “القفص السوري” إذ لم يعد الخروج من القفص هو المبتغى بل إعادة ترتيب شروط العيش فيه بما يحول دون الاختناق أو الموت السريع.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

لعبة المساومة الإيرانية

الإسرائيلية عبر سوريا

علي الأمين

 

إنهاء ما تبقى من قوى معارضة سورية مسلحة وغير مسلحة في الجنوب السوري هو ما يجري اليوم استكماله في درعا وريفها، وصولاً إلى القنيطرة ومحيطها، بعدما وصلت قوات النظام السوري إلى الحدود مع الأردن وسيطرت بدعم من القوات الروسية والميليشيات الإيرانية على معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها جماعات المعارضة المسلحة وصولاً إلى المعابر الحدودية مع الأردن التي صارت تحت سلطة النظام.

ورافق هذه العمليات العسكرية نقل الآلاف من المقاتلين وعائلاتهم إلى إدلب، في ظلّ أكبر عملية نهب طالت بيوت ومتاجر السوريين في المناطق التي دخلها الجيش السوري والميليشيات الحليفة، لا سيما في مدينة درعا التي شهدت انطلاقة الثورة السورية قبل سبع سنوات.

الاتفاق على إنهاء المعارضة في الجنوب وفي جنوب غرب سوريا، يبدو أنّه الاتفاق الأكثر ثباتاً، فالعمليات العسكرية التي انطلقت منذ نحو شهر، كان الغطاء الأميركي – الروسي عجلة انطلاقتها، والتأييد الإسرائيلي عنوان نجاحها الميداني، بحيث أكدت المواقف الرسمية الإسرائيلية بلا تردد أنّها تؤيد عودة النظام السوري إلى هذه المناطق، على قاعدة إعادة الاعتبار لاتفاق الهدنة أو فض الاشتباك والذي جرى توقيعه عام 1974؛ إذ لم يعد خافيا أن العمليات العسكرية وسلاسة سيطرة النظام وحلفائه الروس والميليشيات الإيرانية، ما كانت لتتم لولا الغطاء الإسرائيلي لها.

الشروط الإسرائيلية لإعطاء الضوء الأخضر للعمليات العسكرية هذه باتت واضحة، فإلى جانب الالتزام بشروطها الأمنية تجاه ابتعاد القوات الإيرانية لنحو 80 كلم عن حدود الجولان المحتل، كان التزام القوات السورية الرسمية بحماية الاستقرار على هذه الحدود بضمانة روسية، وعلى قاعدة إطلاق يد نظام الأسد في “تأديب” شعبه في مقابل الالتزام الكامل بمقتضيات الأمن الإسرائيلي على الحدود مع سوريا.

وفي إشارة عسكرية واضحة إلى الغطاء الإسرائيلي لعمليات النظام العسكرية في الجنوب السوري، وإلى مدى التزام قوات النظام السوري والميليشيات الحليفة بالشروط الإسرائيلية، فإنّ أيّ موقف إسرائيلي لم يشر إلى قلق لدى قادة إسرائيل من استمرار هذه العمليات وتطورها في المناطق الجنوبية، فيما قامت الطائرات الإسرائيلية قبل يومين (الأحد) بقصف مطار النيرب في الشمال السوري (حلب). هذه الضربة الإسرائيلية إن دلّت على شيء فهي تدل على أنّ إسرائيل راضية عن مسار العمليات العسكرية التي يقوم بها النظام وحلفاؤه في الجنوب، والدليل أنّ طائراتها التي وجهت ضربات عسكرية في مطار يقع في حلب، لم تقم بتوجيه أي ضربة عسكرية في الجنوب، يُشتمُّ منها أي اعتراض إسرائيلي على العمليات العسكرية في الجنوب.

في موازاة كل ذلك تدور الأسئلة حول طبيعة التفاهمات التي جرت في الجنوب السوري، والتي تتم على أساسها العودة الميدانية إلى ما كان عليه الحال ما قبل الثورة السورية، وإذا كان ثمّة تفاهم أميركي وروسي وإسرائيلي على هذه الخطوة التي ينفذها النظام السوري وحلفاؤه من الميليشيات الإيرانية، فإن الاطمئنان الإسرائيلي لتنفيذ هذه العمليات، وصولاً إلى السماح للطائرات السورية الحربية بالاقتراب من حدودها إلى مسافة خمسة كيلومترات، يشير إلى أنّ إسرائيل مطمئنة إلى حدّ كبير لتنفيذ شروطها الأمنية والاستراتيجية في سوريا، وإلا لم تكن لتسمح بتنفيذ خطة سيطرة النظام من دون أي عرقلة، بل وفرت كل شروط النجاح لها، عندما اقتصرت تحذيراتها إعلاميا على عدم المس بالمدنيين السوريين ولا سيما في المناطق القريبة من حدودها.

أكبر عملية نهب طالت بيوت ومتاجر السوريين

الأرجح أنّ إيران وافقت على الشروط الإسرائيلية المتصلة بمناطق الجنوب السوري، فقد التزمت بوقف أيّ نشاط عسكري لمجموعات سورية أو موالية لها بذريعة تحرير الجولان كما كان عليه الحال قبل سنوات، إذ لم يعد يسمع في سوريا عن أيّ نشاط ولو إعلامي لمجموعات أو هيئات تنشط تحت عنوان تحرير الجولان، وأعلنت إيران بلسان مستشار مرشد الثورة، علي ولايتي، بعد لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أيام أنّ “إيران مستعدة لسحب مستشاريها العسكريين من سوريا فيما لو طلبت الحكومة السورية ذلك”. ولكن يبقى السؤال حول مستقبل الوجود الإيراني العسكري في سوريا قائما، والدور الذي يمكن أن يجعل من وجوده المباشر أو غير المباشر حاجة دولية أو إسرائيلية.

حاول ولايتي وهو يبدي استعداد طهران للخروج العسكري من سوريا، أن يقدم إغراء لبوتين من خلال إبداء إيران استعدادها لعقد صفقات تجارية وعسكرية مع روسيا تفوق قيمتها الخمسين مليار دولار، وهو إغراء سيعزز العلاقة مع موسكو في مرحلة تحتاج إليها إيران لمواجهة العقوبات الأميركية المتنامية ضدها. ويعكس فيما لو تم إقراره دخول إيران مجددا في متاهة الاستنزاف والابتزاز الروسي والصيني، لا سيما لجهة فرض اتفاقات عليها بشروط قاسية.

يبقى أنّ إيران التي استثمرت في تعزيز وجودها الأمني والعسكري على حدود إسرائيل سواء في غزة أو جنوب لبنان أو جنوب سوريا، تمتلك ورقة تتيح لها المساومة مع الإسرائيليين، وهذه الورقة لن توفرها إيران في سياق الدفاع عن وجودها ونفوذها الذي بات أمام مرحلة حصار جديدة، وفي هذا السياق تشير معلومات دبلوماسية من بيروت إلى أن اتصالات غير مباشرة جرت بين الإيرانيين والإسرائيليين، فإلى جانب الاتصالات التي تقوم بها روسيا بين الطرفين فيما يتصل بالشأن السوري، تحدثت هذه المصادر عن اتصالات تمت بوساطة أردنية ومن خلال وفدين رسميين في أحد فنادق عمّان حيث تمركز كل وفد في أحد الطوابق وقام الوسيط الأردني بدور نقل الرسائل بين الطرفين. هذه اللقاءات تمت عشية انطلاق العمليات العسكرية الأخيرة في الجنوب السوري مع تصعيد العقوبات الأميركية ضد إيران، من دون أن تتضح نتائج هذه اللقاءات، لكن بحسب المصادر نفسها فإن الملفات العالقة بين إيران وإسرائيل عديدة ولدى الإيرانيين أوراق كثيرة يمكن أن يقدموها للإسرائيليين، لا سيما وأن دفع الأثمان يتم من كيس اللبنانيين أو السوريين والفلسطينيين.

الغياب العربي ;غياب المعارضة السورية عن هذه التطورات التي تطال الثورة السورية ووجود المعارضة سياسيا وعسكريا، يفتح الباب واسعاً أمام خلق تفاهمات إقليمية ودولية في الجغرافيا السورية بما لا يتناسب مع أدنى حقوق الشعب السوري، وأدنى شروط النظام الإقليمي العربي، وهو ما يفتح المجال أمام معادلة طالما استثمرتها إسرائيل لحساب مصالحها، ونجحت إيران في استغلالها لمقارعة خصومها، وهي معادلة حماية الفوضى وإدارتها في المنطقة العربية، فكلا الطرفين يعتمد استراتيجية العداء اللفظي في مخاطبة الآخر، فيما يوغل في تدمير المنطقة العربية وجعلها منطقة ضعيفة ومنكوبة.

سوريا مثال الثابت فيه تدمير الدولة وإضعافها بتشريد شعبها ودفع من تبقى للاستسلام، وهذا وحده كفيل بتوفير القدرة لدى إسرائيل وإيران على بقاء نفوذهما لا سيما إذا كانت الحاجة مستمرة لاستثمار ذريعة العداء المتبادل من أجل استكمال تعزيز نفوذهما السياسي والأمني على امتداد المنطقة العربية، وهذا ما سيكشف صحته من عدمها حدود التفاهم الأميركي الروسي في سوريا في ظل صمت عربي مريب وغياب أي موقف سياسي للمعارضة السورية بمختلف فصائلها.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

"الممانعة" وأناشيد الانتصار

فوق جماجم السوريين

علي الأمين

 

 

الانتصار الأهم الذي تروّج له قوى الممانعة في سوريا، هو بقاء الرئيس بشار الأسد على رأس النظام، ثم الانتصار على ما تسميه الإرهاب، وهو في جلّه توصيف لكل من قام على نظام الأسد من الثوار أو المنشقين على الجيش السوري، فضلا عن المنظمات المصنفة إرهابية في الأمم المتحدة، وهي منظمات كشفت الأيام وستكشف كيف نشأت ونمت، بل كيف أنّ هذه المنظمات كانت في الحد الأدنى أداة طيعة لدى نظام الأسد وحلفائه ولبّت مطالبه، لا سيما في قهر المعارضة السورية في العديد من المناطق التي كانت تحت سيطرة هذه المعارضة. ومهما بلغ إرهاب هذه المنظمات فلن يستطيع أن يتفوق على إرهاب النظام السوري ولا يمكن أن يتفوق عليه بأعداد القتلى المدنيين الذين قتلهم وشردهم.

الانتصار هنا يعني بقاء الأسد ونظامه، بقوة التدخل الروسي الدموي ضد الشعب السوري من حلب إلى ضواحي دمشق وعلى امتداد الجغرافيا السورية. صفّق الممانعون لبقاء الأسد ولاستمراره في ارتكاب القتل، وسمّوا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين افتخارا “أبوعلي بوتين” وغضوا النظر عن الاتفاقات العميقة بين روسيا وإسرائيل، لم يسمّوا الغارات الجوية الإسرائيلية على بعض المواقع الإيرانية أو تلك التابعة لميليشياتها، تواطؤا روسيّا مع إسرائيل. لم تستفزهم التفاهمات الإسرائيلية الروسية بشأن تنظيم حركة الطيران الحربي الروسي والإسرائيلي في الأجواء السورية، بل أكملت سمفونية الممانعة نشيدها الممجوج والرخيص، عن شق طريق القدس من حلب وحمص وداريا وتدمر، وإلى آخر المدن والقصبات السورية.

الانتصار يعني بقاء الأسد على رأس النظام، وتهجير نحو عشرة ملايين سوري وقتل نحو مليون سوري وتدمير المدن بسلاح الممانعة وبراميلها وصواريخها سواء تلك التي ينتشي بإطلاقها الطيارون الروس، أو تلك التي قيل إنّها مرصودة للقدس، لكنها كشفت عن عورتها الدموية وحقيقتها القاتلة للسوريين، لم نشهد مثل هذا الكرم الإيراني إلا على السوريين، لم تتساقط صواريخهم على مستعمرة إسرائيلية، لم تنهمر الدماء الإسرائيلية حتى في الأناشيد الإيرانية.

الانتصار هنا يعني الانتصار لهذا النموذج الذي ابتدع البراميل كما لم يستطع أحد أن يسبقه إليها، واستخدم السلاح الكيمياوي، ولو كان امتلك سلاحا نوويا لما تهاون في استخدامه ضد شعبه، لا ضد إسرائيل. هو النموذج الذي بات معروفاً إلى الحد الذي تحول مثالا لقدرة نظام حاكم على الإيغال في القتل والتعذيب في السجون، وفي قهر الإنسان إلى الحدّ الذي نجح فيه النظام في تخريج أعداد من المعتقلين من الذين أتيح لهم الخروج إلى الضوء أن يكونوا أشباه البشر، لكن في بنيتهم النفسية والعقلية، مجرد كائنات مسكونة بالانفصام أو التشتت فيما لم ينج أحد من علّة دائمة في الجسد تكبر أو تصغر.

المنتصر هو الممانعة بنموذجها الذي يمثله مصطلح “سوريا الأسد”، هذا الشعار الذي غرس في وجدان السوريين أنيابا طيلة عقود ولا يزال ينهش من أرواحهم دون توقف، هذا النموذج هو الذي انتصر كما تردد قوى الممانعة وتحتفي، انتصرت قيم الممانعة وأخلاقها ومنهجها في حكم الشعوب، انتصر نموذج الأسد الذي لم يوفر أيا من رسائل الود الاستراتيجي لإسرائيل، ليست الأخيرة معنية بطبيعة الحال بغير مصالحها الاستراتيجية، واهتماماتها في سوريا تتصل بأمنها وأمنها فقط، ومن يستطيع أن يقتل مئات الآلاف من شعبه، من السهولة عليه بمكان أن يقدم لإسرائيل ما تشاء في سبيل أن لا تشغله عن مهمة استكمال الإطباق على ما تبقى من الشعب السوري، أمّا دعاة طريق القدس تلك التي باسمها ارتكبت أفظع الجرائم والنكبات، هؤلاء المدّعون، فهاهم يطأطئون رؤوسهم أمام مصالح العدو، ويبيعون نصف الشعب السوري مقابل بقاء الأسد، ويشاركون في تهجير الملايين، ودائما باسم طريق القدس.

لقد وصلت الممانعة إلى ما تشتهي وانتصرت حين بقي الأسد، وهو أهم انتصار حققته قوة “الممانعة” بأن بقي الأسد وأغلقت طريق القدس. الطريق نحو أولى القبلتين مغلقة بسبب التصليحات في أركان العرش السوري، ومن يمد يده على الجولان ستقطع يده بسلاح الممانعة، الضمانة الروسية أكثر من حاجة إسرائيل إلى ضمان أمنها، والأكثر من ذلك الضمانات الخفية تلك التي باتت واضحة أمام الجميع وبلا خجل، الممانعة التي استباحت الدم السوري لا تتجرأ اليوم ولو إعلاميا على الرد على كل الإجراءات الإسرائيلية المتصلة بشروطها الأمنية على امتداد عشرات الكيلومترات من حدودها الشمالية، لا بل يجري التنسيق الضمني على الأقل عبر روسيا ودول أخرى لتقديم الضمانات بعدم المسّ بالمصالح الإسرائيلية. لسان حال الممانعة يقول صواريخنا ضد المدن السورية وضد معارضي الأسد سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، أما أنتم أيّها الإسرائيليون فلستم إلا ذريعة نستخدمها لكي نكمل مهمة لا تمسكم ولا تضركم.

انتصر نموذج الممانعة، وانتصرت أخلاقها ومثالها الاستبدادي، انتصرت صواريخها ضد طلاب الحرية والحق في الحياة الكريمة، انتصر مشروعها التدميري، وأمثولة حق القضاء على الملايين من أجل بقاء الرئيس. أما فلسطين وحكايات تحريرها وإنقاذ القدس من الاحتلال، فهي حكاية انطلت على البعض، أمّا اليوم وبعد ما ارتكبته “الممانعة” في حق السوريين فإنني أجزم أنّ أفضل هدية تلقتها إسرائيل هي تلك النكبة السورية، التي تعدّت النكبة الفلسطينية إلى الحدّ الذي بتّ تسمع الكثير من السوريين يتمنون لو أنّ نظامهم وسجونه الذي ذاقوا منهما الموت والدمار كانا كحال الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وسجونه التي أسر فيها ثوار فلسطين. الهدية الأسدية لبنيامين نتنياهو ليست الجولان فحسب، بل نموذج الممانعة بهويتيه الأسدية والسليمانية.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

روسيا التي قدمت لإسرائيل

ما لم تستطع واشنطن تقديمه لها

علي الأمين

 

تشكل القمة الروسية-الأميركية المرتقبة في 12 يوليو الجاري في هلسنكي، محطة هامة على طريق رسم معالم العلاقة الأميركية الروسية سواء في ما يتصل بالأزمة الروسية-الأوكرانية، أو على مستوى العلاقة الثنائية بعد الاتهامات الأميركية بتدخل روسيا في الانتخابات الأميركية، إلى جانب البحث في مستقبل الأزمة السورية التي تشهد هذه الأيام تطورات مهمة على صعيد استكمال النظام السوري وحلفائه الروس والميليشيات الإيرانية عملية السيطرة على مناطق نفوذ المعارضة السورية في الجنوب السوري، وهو تطور يمكن إدراجه في سياق التفاهمات الإسرائيلية-الروسية التي لا تزال تؤسس لقواعد الأمن الإسرائيلي على طول الحدود مع الجولان، بما يضمن التزام إيران وميليشياتها بعدم الاقتراب مسافة أربعين كلم من هذه الحدود، فيما قبلت إسرائيل بانتشار الجيش السوري ضمن شروط فض الاشتباك إثر حرب 1973، التي تلزم الجيش السوري بالانتشار ضمن شروط تحدد عدد القوات السورية ونوعية السلاح الذي سيستخدمه.

ويمكن القول إن روسيا تشكل هذه المرة الضمانة التي دفعت إسرائيل إلى السماح بإطلاق الحملة العسكرية ضد المعارضة الروسية، فيما رفعت واشنطن الغطاء عن قوى المعارضة المسلحة في هذه المناطق، عندما أعلنت في رسالة للمعارضة أنها لن تتدخل دفاعا عنها في حال تعرضت لأي هجوم من النظام السوري وحلفائه.

المسار السوري هذا يمهد إلى حد بعيد لفهم طبيعة الموقف الأميركي المرتقب خلال القمة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، فالمظلّة الأميركية-الروسية في سوريا لم تزل قائمة، بل تبدو الثابت في المعادلة السورية اليوم، ذلك أنّ السقف الإستراتيجي في مجريات معركة الجنوب السوري، يؤكد أن الأمن الإسرائيلي هو المعيار في رسم المعادلة الميدانية في هذه المنطقة، حيث نجحت روسيا حتى اليوم في إقناع إيران وميليشياتها باحترام متطلبات الأمن الإسرائيلي، وهذا ما جعل تل أبيب تقنع واشنطن بأهمية إعادة رسم المعادلة العسكرية في الجنوب السوري، رغم الدور الإيراني الذي ضمنت إسرائيل وروسيا التزامه بقواعد اللعبة المرسومة بالحبر الإسرائيلي.

لا يمكن فهم الموقف الأميركي في الجنوب السوري، ورفعها الغطاء عن قوى المعارضة المسلحة التي طالما دعمتها، إلا من خلال العرض المغري الذي قدمته روسيا نيابة عن طهران بالتزام الأخيرة شروطا إسرائيلية لم تستطع قوى المعارضة، أو لم ترد، الالتزام بها، وفي اعتقاد الكثيرين أنّ حدود العرض المغري لا تتوقف عند حدود الالتزام بشروط ميدانية عسكرية وأمنية فرضتها إسرائيل على الجيش السوري، بل تتجاوزها إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير أي عدم الإخلال بمتطلبات ضم الجولان نهائيا إلى الدولة العبرية بضمانة روسية، وما يؤكد هذه الالتزامات تجاه إسرائيل من قبل النظام السوري وحلفائه، حجم الغطاء الأميركي للعملية العسكرية الجارية ضد المعارضة، والرضا الإسرائيلي على مجريات هذه العملية رغم أنّها تشكل انقلابا على ما عرف بمنطقة خفض الاشتباك في الجنوب السوري والتي أقرها الرئيسان الأميركي والروسي، وكانت إسرائيل والأردن طرفين ضامنين ومشاركين في تثبيتها.

ما ينتظره بوتين من صديقه رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو هو دور فاعل في تليين موقف دونالد ترامب حيال ملفات تتصل بإنهاء العقوبات أو خفضها ضد روسيا

التحول في الجنوب هو تحوّل إسرائيلي في الدرجة الأولى، يستجيب لمصالح إسرائيلية ويدفع السوريون ثمنه من خلال القضاء على الثورة السورية التي انطلقت من درعا، ومن خلال عمليات النزوح التي سببها القصف الجوي الروسي للمدن والحواضر في الجنوب، بحيث تجاوز عدد النازحين مئتي ألف رفض الأردن استقبالهم لعدم قدرة هذه الدولة على استقبال أعداد إضافية، ولكن الأهم أن إسرائيل التي أعطت الضوء الأخضر لإطلاق هذه العملية العسكرية، بدأت بإصدار بيانات متتالية عن تقديم المساعدات للنازحين السوريين الذين لجؤوا إلى مناطق قريبة من حدود الجولان، بل أكدت أيضا أنّ مستشفياتها تستقبل مصابين جراء عمليات القصف التي طالت المدنيين في أكثر من منطقة في الجنوب، وبدأ الإعلام الإسرائيلي يتحدث، بثقة، عن تبدل في نظرة اللاجئين تجاه إسرائيل بسبب المساعدات التي قدمتها لهم.

في المحصلة الإستراتيجية وإزاء الإصرار على كسر إرادة التغيير السياسي في سوريا، من خلال توفير كل الشروط العسكرية للقضاء على فصائل المعارضة لا سيما على الحدود الأردنية والإسرائيلية، وتأمين شروط سيطرة جيش النظام على هذه المناطق، فإن ما يمكن ترقبه في المرحلة المقبلة إلى جانب الرعاية الروسية لهذه السيطرة، هو التخفيف من حدة العداء تجاه إسرائيل، فالنظام لديه من الخبرة تجاه منع أي عمل عسكري ضد إسرائيل من الأراضي السورية، والمجتمع السوري في هذه المناطق بات بطبيعة الظروف العسكرية والأمنية يجد في العدو الإسرائيلي طرفا أقل عداوة إذا ما قيست عدوانيته بعدوانية النظام وحلفائه الروس والإيرانيين.

هذه الهدية الثمينة التي تقدم لإسرائيل من قبل ما يسمى محور الممانعة، لم تكن إسرائيل لتنجح في تحقيقها مطلقا، غير أن دموية النظام وسلوكه الإبادي تجاه الشعب السوري، وتهجيره للمئات من الآلاف، كما انخراط إيران وميليشياتها في هذا المنهج والسلوك وبذهنية مذهبية، سمح إلى حد بعيد بجعل العدو الأول للسوريين ليست إسرائيل التي تحتل الجولان، بل الذي يحصد من أرواحهم وممتلكاتهم كما لم تفعل إسرائيل ضدهم.

في هلسنكي سيحضر الرئيسان الأميركي والروسي، وستكون إسرائيل ثالثتهما، باعتبار أن إسرائيل لعبت دورا فاعلا في الترويج للخطوات الروسية في سوريا، والرئيس الروسي الذي يدرك أنه قدم لإسرائيل في سنوات قليلة ما لم تقدمه واشنطن لها في عقود، من حماية إستراتيجية ومن قنوات آمنة تجاه المجتمع السوري، ومن قدرة على تطويع السياسة الإيرانية في المجالين اللبناني والسوري بما يضمن الأمن الإسرائيلي لعقود قادمة، ينتظر في المقابل المكافأة الإسرائيلية من جعبة واشنطن، إذ لم يحصل أن شهدت العلاقة الروسية-الإسرائيلية تطورا في علاقات التعاون كما حصل في السنوات الأخيرة، بحيث لم يصدر أي موقف من أيّ مسؤول إسرائيلي يوحي بقلق ما من الدور الروسي، بل إن كل المواقف كانت تؤكد على أنّ روسيا باتت دولة تحظى باحترام كبير لدى الحكومة الإسرائيلية.

احترام وعلاقة باتا ينافسان العلاقة التحالفية بين واشنطن وتل أبيب. ما ينتظره بوتين من صديقه رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو هو دور فاعل في تليين موقف دونالد ترامب حيال ملفات تتصل بإنهاء العقوبات أو خفضها ضد روسيا، فضلا عن تلطيف التدخل الأميركي في المجال الحيوي الروسي.

كاتب لبناني

جريدة(العرب) لندن

 

حين تفرض إسرائيل

نهاية مهمة ميليشيات

إيران في سوريا

علي الامين *

الانتقال إلى لبنان لم يعد خيارا لمقاتلي حزب الله على امتداد الأراضي السورية، الثابت في مجريات الملف السوري اليوم، هو انسحاب الميليشيات الأجنبية من الأراضي السورية، وبوادر هذه العودة لم تعد خافية، ويمكن ملاحظة سلسلة مؤشرات تدفع نحو ترسيخ هذا المسار الذي بدأ تنفيذه من قبل حزب الله استجابة لما أعلنته روسيا وعلى لسان أكثر من مسؤول، فيما كانت الضربة العسكرية الجوية الإسرائيلية، بحسب ما نقلت محطة “سي أن أن” الأميركية عن مسؤول أميركي التي طالت تجمعا لعناصر ميليشيات عراقية قرب التنف قبل أسبوع على الحدود مع العراق، رسالة ذات دلالة خاصة أنها جرت في ظل غياب أي رد فعل أو تهديد برد على هذه الضربة التي ذهب ضحيتها عشرات العناصر.

الضربة الإسرائيلية التي لم تؤكد إسرائيل أو تنفي مسؤوليتها عنها جاءت في ظلّ صمت روسي يصب في اتجاه أن الاتفاق الروسي – الإسرائيلي في سوريا بات الثابت الأقوى في المعادلة الإقليمية والدولية، ويؤكد أن الذراع الإسرائيلية في سوريا لا تقتصر ضرباتها على مناطق سورية محددة، بل يمكن أن تطال أيضا منافذ عبور الميليشيات العراقية على سوريا.

يدرك حزب الله، كما إيران بطبيعة الحال، أنّ أسس الاتفاق الروسي – الإسرائيلي تقوم على ضمان أمن إسرائيل على قاعدة إطلاق يدها في استهداف ما تراه خطرا على أمنها على امتداد الأراضي السورية.

وإضافة إلى ذلك أمكن إلزام جنود إيران وميليشياتها بعدم الاقتراب من الحدود مع الجولان المحتل إلى مسافة تتجاوز الثلاثين كلم، وهذا ما التزمت به إيران في مقابل انتشار الجيش السوري على هذه الحدود، ورحبت به إسرائيل باعتباره خيارا مثاليا لها فهي اختبرته طيلة أربعة عقود أي منذ ما بعد حرب 1973 وحتى بدايات الثورة السورية.

 ضمان الأمن الإسرائيلي، روسيّا وسوريّا، أفقد حزب الله وإيران ورقة استثمار أمني وسياسي طالما طمحت إيران إلى إمساكها أسوة بالحدود الجنوبية اللبنانية مع إسرائيل، لكنّ انتزاع هذه الورقة بتسليم إيراني يكشف إلى حد بعيد قوّة هذا الاتفاق في الجنوب السوري، حيث بدا واضحا أنّ معركة درعا التي يخوضها اليوم النظام السوري بدعم روسي وبغطاء إسرائيلي وبمباركة أميركية وتعاون أردني، أنّ إيران ليست طرفا فيها، بل هي طرف يستجيب بسلاسة لمتطلبات إبعادها عن هذه المنطقة بالكامل.

بدأ الخروج من سوريا لكن ليس بعد تحرير القدس ولا بعد إسقاط المشاريع الصهيونية في فلسطين أو في سوريا، بل بعد إتمام عملية تدمير سوريا وهي وظيفة لم يشأ الإسرائيليون ولا أي طرف دولي تنفيذها، فيما بدت إيران لاعبا أساسيا في عملية التدمير وحظيت إزاء هذه المهمة بغطاء دولي غير مسبوق، بحيث أمكن نقل عشرات الآلاف من المقاتلين العراقيين واللبنانيين والباكستانيين والأفغان إلى سوريا من دون أن تطلق طلقة إسرائيلية واحدة على هؤلاء طيلة السنوات الماضية، ولكن عندما ظنت إسرائيل أن أمنها مهدد أو عرضة لتهديد ما، حينها تغيرت المعادلة وصارت الحسابات مختلة ليس إسرائيليا فحسب، بل حتى دوليا.

الخيارات الإيرانية تضيق في سوريا فهي أمام خيارين؛ إما الالتزام بالشروط الأمنية الإسرائيلية، وإما ستجد نفسها أمام خطر الخروج الكامل من سوريا، وفي كلتا الحالين فإنّ مرحلة عودة مقاتلي حزب الله بدأت رغم إعلان الحزب بما يشبه المكابرة أنّه لا يريد الخروج من هذا البلد.

الوظيفة الأمنية والعسكرية التي شاءها أو لم يعارضها المجتمع الدولي لإيران وميليشياتها كما أشرنا آنفا انتهت أو هي على شفير النهاية، وهذا سيطرح مجددا سؤالا حول وظيفة البقاء في الأراضي السورية، وهي وظيفة من الصعب إيجادها بعدما انتهى مشروع تنظيم داعش وتمّ القضاء قبل ذلك على المعارضة المسلحة، وبالتالي فإن طريق العودة إلى لبنان والعراق وغيرهما هي الطريق المفتوحة أمام الميليشيات المدعومة من إيران، ولا طريق آخر يمكن أن يحظى بغطاء دولي وإقليمي، فيما لم تعد شماعة القضية الفلسطينية قابلة للاستثمار في الأراضي السورية في ظلّ الاتفاق الروسي – الإسرائيلي.

العودة إلى لبنان بدأت من قبل حزب الله، بدأت بعدما ضاقت الخيارات واتضحت نهاية الوظيفة الأمنية والعسكرية، وبعدما تكشّفت للجميع قوّة الغطاء الروسي – الأميركي – الإسرائيلي في الجنوب السوري وعجز إيران عن مواجهته، بل حتى الاعتراض على مضمونه الذي يرسّخ المصالح الأمنية الإسرائيلية في سوريا كما لم تعهده إسرائيل منذ نشأتها.

ما ينتظر حزب الله لبنانيا هو أخطر ما واجهه في تاريخه، فهو أمام خيارين؛ إما البحث عن وظيفة عسكرية جديدة تحظى بعدم اعتراض دولي وهي غير متوفرة، وإما الانخراط في الحياة السياسية اللبنانية ضمن شروط الدولة، والشرط الأخير لن يكون شرطا هينا بل هو بتقدير العديد من المراقبين الخطر الوجودي على حزب الله، ذلك أنّ حزب الله منذ نشأته في العام 1982 لم يعتد أن يكون دوره المحوري خارج الوظيفة العسكرية والأمنية، بل يمكن القول إن الحرب كانت دائما مصدر بقائه واستمراره وعنصر الحياة له. أما مشروع الدولة بمعناه السيادي فلم يكن يوما قائما في أدبياته، فهو لطالما رسخ في وعي محازبيه ومناصريه فكرة الولاء لولي الفقيه وأسس بوعي عميق ومؤسساتي لفكرة أنه وبيئته الحاضنة يمكن أن يستمرا حضورا ونفوذا بمعزل عن الدولة.

العودة إلى لبنان لم تعد خيارا بل هي حقيقة بدأت تفرض أسئلة جديدة على قيادة حزب الله، في لحظة إطباق إسرائيلي على المدى الاستراتيجي اللبناني والسوري، ولم تعد واشنطن وحدها الضامن للمصالح الإسرائيلية بل موسكو باتت الضامن الأهم والأقوى في هذه الجغرافيا، وهذا أبرز ما حققه انتصار إيران في سوريا وما يعنيه التوافق الدولي والإقليمي على إنهاء المعارضة السورية المسلحة خلال السنوات الأخيرة.

في المقابل فإنّ أقصى ما هو مطروح اليوم على حزب الله هو وظيفة قد تجد لها من يدافع عنها دوليا، وهي في قدرة إيران وحزب الله على تمديد مهمة حزب الله في حماية الاستقرار على الحدود مع إسرائيل، لكن ذلك لا يشمل بطبيعة الحال الحدود مع سوريا، إذ ترفض روسيا وواشنطن أن يخضع طرفا الحدود لسلطات ميليشياوية من خارج سلطة الجيشين النظاميين اللذين سيقومان بمهامهما بإشراف روسي من الجانب السوري، وأميركي من الجانب اللبناني.

في المحصلة النهائية ثمة واقع لبناني يكشف عن استنزاف اقتصادي يطال الدولة، ومخاطر مالية غير مسبوقة في المالية العامة، وفي ارتفاع سقف البطالة وفي غياب أيّ خطط تنموية تبشر بالخروج من هذا الحال.

وما هو مطروح على لبنان دوليا هو إما العودة إلى شروط الدولة والالتزام بموجبات القرارات الدولية المتصلة بنزع السلاح غير الشرعي ومعالجته ضمن خطة جدية وإن استلزمت بعض الوقت، وإما تحمّل اللبنانيين مسؤولية الخيارات التي تتخذها السلطة التي يشكل حزب الله عمادها اليوم، ما يعني توقع المزيد من التدهور المالي والاقتصادي والمزيد من الفوضى التي يدفع اللبنانيون وحدهم ثمن التساهل حيال عدم مواجهتها.

المرحلة المقبلة عنوانها العودة من سوريا، وهي عودة تنذر بمخاطر كبيرة طالما أنّ حزب الله ومن خلفه إيران لم يحسما بعد خيار الدخول في منظومة الدولة، إيران بإقرارها بأنّ لبنان دولة عربية أولا، وحزب الله من خلال إقراره بأنّ لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه والولاء للدولة فيه هو فوق أيّ ولاء آخر.

 

·         كاتب لبناني (العرب) لندن

 

 

إيران والكماشة الأميركية

الروسية من سوريا إلى لبنان

علي الأمين

 

فيما الاتصالات الروسية الإسرائيلية لا تزال ناشطة لترتيب أرضية الاتفاق في الجنوب السوري، برز مؤشر جديد يتصل بالحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، إذ كشف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي عن اقتراح أميركي لترتيب مفاوضات بين لبنان وإسرائيل على الحدود بينهما. الجديد في هذه الاتصالات ليس مبدأ التفاوض مع إسرائيل حول الحدود البحرية التي نشب نزاع بين البلدين منذ سنوات وتصاعد إعلاميا مع بدء استعداد لبنان لتلزيم عملية استخراج النفط من البحر وخاصة البلوكات الواقعة على الحدود، والتي هي محل نزاع مع إسرائيل، لكن الجديد أنّ إسرائيل اقترحت أن يتم ترسيم كامل الحدود البرية والبحرية ومن ضمنها تلك المتصلة بمزارع شبعا، التي بقيت معلقة بعد انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000 وظلّت تحت سلطة الاحتلال التي اشترطت للانسحاب منها أن يتفق لبنان وسوريا على هوية هذه المزارع، فإذا كانت سورية فهي ترتبط بالقرار 242، وإذا كانت لبنانية فهي تقع ضمن مندرجات القرار 425 التي ادعت إسرائيل تنفيذه.

لم يقم لبنان ولا الحكومة السورية بحسم هذا الجدل حول هوية المزارع طيلة السنوات الماضية، وبقي مصير هذه المزارع معلقا لغايات تتصل بمصالح إستراتيجية تتصل بوجود سلاح حزب الله، فسوريا كما إيران كانت لهما مصلحة في إبقاء هوية المزارع معلقة، لغاية تبرير عدم تنفيذ كامل القرارات الدولية المتعلقة بنزع السلاح غير الشرعي والمقصود حسب القرارين 1559 و1701 سلاح حزب الله.

اليوم ثمّة اتصالات جارية وعلى مستوى عال لحل مشكلة ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل انطلاقا من مزارع شبعا، وتشير مصادر دبلوماسية غربية في بيروت إلى أنّ إسرائيل وجهت رسائل إلى لبنان عبر أكثر من جهة بأنها مستعدة لعملية ترسيم الحدود وحل نقاط الخلاف مع لبنان، إذ تؤكد هذه المصادر أن تل أبيب تعمل على خطين غير متعارضين واحد عبر واشنطن وآخر عبر موسكو. فالأخيرة مهتمة بالمشاركة الفعلية باستخراج الغاز من البحر وبالتالي رعاية اتفاق بين إسرائيل ولبنان لترسيم الحدود البحرية بينهما، وخط ثان عبر واشنطن الذي يقوم فريق من وزارة الخارجية الأميركية منذ أشهر باتصالات بين الدولتين عنوانها ترتيب اتفاق حول ترسيم الحدود.

إعلان رئيس مجلس النواب اللبناني الأخير حول الربط بين الحدود البرية والبحرية، أُرفق بشرط أن تجري المفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة، وما يمكن ملاحظته في هذا التزامن بين ما يجري في مناطق الجنوب السوري وما يتحرك دبلوماسيا على الحدود الجنوبية للبنان، هو أن ثمة مساع إسرائيلية لعدم الفصل في عقد التفاهمات بإشراف روسي مع لبنان وسوريا، فكما أنّ إسرائيل تطمح إلى العودة إلى تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان قائما مع سوريا بعد حرب عام 1973 والذي أتاح لها السيطرة الهادئة على الجولان، فإن روسيا في المقابل تطمح إلى تثبيت هذا الاتفاق من خلال عودة الجيش السوري لإمساك المناطق السورية المحاذية للجولان، ومن دون أي وجود إيراني، وهذه نقطة تقاطع روسية إسرائيلية، وتستجيب لمسار إعادة تأهيل النظام السوري إقليميا ودوليا.

الخيارات تضيق أمام إيران وحزب الله، وهي تتركز اليوم بين خيار الهروب إلى الأمام عبر فتح مواجهة عسكرية مع إسرائيل، يدرك الجميع أنها لن تكون محصورة في سوريا بل ستشمل لبنان

في المقابل تبدو إيران في موقع لا تحسد عليه، كما أنّ حزب الله يتحسس مخاطر وتداعيات خطوة الانسحاب من سوريا على سيطرته وتحكمه بإدارة ملف الحدود مع إسرائيل، لذا هو يدرك أنّه بات أمام خيارات حاسمة ستفرض عليه في المستقبل القريب. فالتحصن في لبنان كإستراتيجية معتمدة من قبله اليوم، باتت مشروطة بالمحافظة على قدر مهم من الثقة مع الجانب الروسي، فإسرائيل التي نجحت إلى حدّ بعيد في بناء الثقة مع روسيا في الشأن السوري المتصل بأمنها، تبدو اليوم أكثر اطمئنانا على هذا الصعيد لمستقبل ترسيم الحدود مع لبنان، لا سيما أنّ التقاطع الروسي الأميركي يرتكز في ملف حدود إسرائيل وأمنها، على المطلب الإسرائيلي، وهذا ما يجعل لبنان أمام خطر أن يبقى خارج أي حماية دولية فيما لو بدا الموقف اللبناني غير مهتم بترتيب ملف حدوده مع إسرائيل، وغير متجاوب مع العرض الإسرائيلي الذي يبدو قويا طالما أنه يبدي استعدادا لحسم هذا الخلاف الحدودي مع لبنان وانطلاقا من مزارع شبعا بعد حسم هويتها بين لبنان وسوريا.

لا يمكن النظر إلى هذا الحراك الممتد على طول الحدود الشمالية لإسرائيل، على أنه مشهد مكرر، بل تتقاطع مصادر سياسية لبنانية وأخرى دبلوماسية غربية، على أن الاتفاق في الجنوب السوري الذي يُصاغ اليوم بإشراف روسيا، لن يكون منفصلا عن الاتفاق على ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، وبالتالي هو ليس منفصلا عن تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا أولا وفي لبنان تاليا. وإيران لن تقبل بأن يتم الاستفراد بها في هذين البلدين بسهولة، لذا لا يمكن الحديث عن الوصول إلى ما يؤشر على أن الطموحات الإسرائيلية بشأن الترتيبات الأمنية على حدودها الشمالية تسير بخطى ثابتة وراسخة، وإن كان الإطار العام قد جرى رسمه دوليا وبرعاية أميركية-روسية، فأمين عام حزب الله، حسن نصرالله، الذي يتحسس مخاطر انسحاب حزبه والميليشيات الإيرانية من سوريا بعدما دفع الغالي والنفيس من أجل بقاء النظام السوري، أعلن في خطابه الأخير بمناسبة يوم القدس، أن أحدا لا يستطيع فرض الانسحاب عليه من سوريا إلا الرئيس بشار الأسد، وهذا الموقف جاء إثر مناوشات وقعت بين حزب الله والقوات الروسية في مناطق سورية في القلمون القريبة من الحدود مع لبنان، وفي ظل مسار روسي يتضح يوما بعد يوم، يدعو إلى سحب الميليشيات الإيرانية من سوريا.

الخيارات تضيق أمام إيران وحزب الله، وهي تتركز اليوم بين خيار الهروب إلى الأمام عبر فتح مواجهة عسكرية مع إسرائيل، يدرك الجميع أنها لن تكون محصورة في سوريا بل ستشمل لبنان، أو خيار تقديم التنازلات بما يضمن تنفيذ معظم الشروط الإسرائيلية وهذا أيضا دونه مصاعب على حزب الله وإيران فيما لو سلما بضرورة الالتزام بموجبات إستراتيجية تتصل بالإقرار الرسمي بأمن إسرائيل على حدودها الشمالية.

الرئيس نبيه بري الذي نجح في فترات سابقة في أن ينقل على طريقته وجهة النظر الإيرانية في لبنان إلى من يعنيهم الأمر دوليا، حرص على أن يؤكد قبل أيام وفي موقف غير مسبوق، أن انسحاب حزب الله وإيران من سوريا لن يتم قبل تحرير سوريا، وهو موقف قرأه بعض المراقبين على أنّه يعكس حالة الضيق الإيراني من الضغوط الدولية والإقليمية في سوريا، لكن من جانب آخر فإنّ بري الذي يحمل رسالة إيرانية في هذا الموقف ولحزب الله بطبيعة الحال، يسعى إلى عدم الربط بين أي اتفاق بين جنوب سوريا وجنوب لبنان، حتى لو أدى ذلك إلى إبقاء ملف الحدود مع إسرائيل معلقا مع مشروع استخراج الغاز الذي علّق الرئيس بري عليه الآمال لمستقبل لبنان الاقتصادي.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

إيران وبداية الانكفاء

من العواصم العربية الأربع

علي الأمين

 

الرسائل التي تصل طهران من عدة اتجاهات لم تعد خافية على أحد، فصانع القرار الإيراني بات يدرك أنّ العواصم العربية الأربع التي احتفى قبل سنوات بالسيطرة عليها، لم تعد هي نفسها التي سيطر عليها وأمسك بقراراتها وسياسات حكوماتها إلى حدّ بعيد، بل لم يعد هلال الممانعة أو الهلال الشيعي كما يحب البعض أن يسميه، هلالا مضيئا بالأنوار السليمانية (نسبة لقاسم سليماني) فالمشهد على نتيجته الكارثية عربيا، يكشف كيف أن المدن العربية المثخنة أو المدمرة من صنعاء إلى بغداد إلى دمشق وبيروت، باتت، وبتفاوت في ما بينها، تحاول التفلت من الموت الذي يحاول أن يخنق ما تبقّى من الحياة فيها.

كما لا يخفى على صانع القرار في إيران أن ما حققه في تلك الحواضر العربية، ليس إلا سيطرة على مدن صارت هياكل مصدّعة تعيش في غربة عن تاريخها، وتعيش حالا من الانقطاع عن بنيان الدولة وتنزف أبناءها ورموز الحياة فيها، كل ذلك بسبب الجراح التي أثخنت جسد الاجتماع العربي الإسلامي، وبسبب الاستهانة بحرمة المجتمعات، والاستثمار في الدمار الذي بات الخروج منه يتجاوز القدرات المالية والاقتصادية المستنزفة، إلى بناء الإنسان الذي جرى تطويعه وجرّه مكرها نحو متاهات المذهبية والطائفية وكل ما ينتمي ويتناسل من مقولة “شعب الله المختار” و”الفرقة الناجية”.

لم يكن النفوذ الإيراني في مناطق سيطرته في الدول العربية، يختلف في جوهره عن أيّ مفهوم استعماري، بل تفوّق في ما يمتلكه من أدوات على سواه من الدول الاستعمارية، تجاوز نموذج الاستعمار القديم والحديث، في الاستثمار المدمر في بنية المجتمعات العربية، بحيث لم يكن الدخول الإيراني وتمدد نفوذه قائمين على أسس تعزيز مشروع نهضوي، ولم يقم بنيان نفوذه على قواعد سياسية تنتمي إلى منهج التحرر أو تعزيز مشروع الدولة، بل خاض في غمار العبث بوحدة المجتمع، وعزّز نفوذ العصبيات المذهبية، بدل الحدّ من سمومها.

لعل الأمثلة التي يكشفها واقعنا العربي ولا سيما في تلك العواصم العربية التي تباهت القيادة الإيرانية بالسيطرة عليها، لا تتحمل طهران وحدها المسؤولية عما آلت إليها أحوالها، وليس النظام الإقليمي العربي بريئا مما وصلت إليه، كما لا نبرئ المجتمع الدولي ولا سيما الإدارة الأميركية وروسيا من مسؤوليتهما على هذا الصعيد. لكن المسؤولية الإيرانية لها خصوصيتها، بسبب ما ارتكبته بعض أدواتها تجاه هذه الدول سواء في العراق أو سوريا وغيرهما، من أعمال في التدمير الذي أعفى العديد من الدول الاستعمارية من المسؤولية الكاملة عن الجريمة. فالسياسات الإيرانية لم تكن في جوهرها متعارضة مع غايات تدمير الدول، إذ ليست الشعارات كطريق القدس والمقاومة إلاّ عناوين براقة عمليا لمشاريع تدمير ممنهج لدول ومجتمعات عربية، فالحصيلة الاستراتيجية للمشروع الإيراني في المنطقة العربية، هي المزيد من تهشيم النظام الإقليمي العربي، وتصديع المجتمعات العربية، وتقديم المنطقة العربية على طبق من ذهب للدول الكبرى التي تأتي في مقدمها روسيا والولايات المتحدة.

يدرك صاحب القرار الإيراني أنه بات اليوم بعد كل “إنجازاته” بين فكّي كماشة موسكو وواشنطن، أي أنّ خيارات إيران في المنطقة العربية تقلصت حين قررت هاتان العاصمتان الحد من الدور الإيراني.

ففي اليمن وعلى الرغم من وجود قوة التحالف العربي والإسلامي الذي تقوده المملكة العربية السعودية دعما للشرعية اليمنية منذ أكثر من ثلاث سنوات، إلا أن تراجع أنصار الحوثيين وانكفاءهم بدآ منذ أن أعلنت واشنطن في رسالة قوية ضد طهران إلغاء الاتفاق النووي، الذي كان توقيعه في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، مؤشرا على المزيد من تمدد حلفاء إيران في اليمن وفي سوريا وقبلهما العراق ولبنان. الرسالة الأميركية هذه أطلقت مرحلة جديدة من تحجيم النفوذ الإيراني، وهو تحجيم لا يعكس رغبة الدول الكبرى في إنهائه، بل في تهذيبه وتحديده بما لا يخلُّ بمنظومة السيطرة الدولية على المنطقة، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال ما قالته رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي قبل يومين لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع بدء انهيار القوات الحوثية في أكثر من منطقة يمنية، بأنّ الحل في اليمن هو حل سياسي وليس عسكريا، ويأتي الموقف البريطاني، بعدما تناقلت وسائل الإعلام الغربية عن جهات رسمية في الاتحاد الأوروبي رسائل إيرانية تفيد باستعداد إيران لتقديم تنازلات في اليمن في سياق حماية الاتفاق النووي بينها وبين الأوروبيين.

وليس هذا فحسب، فقد استجابت إيران لشروط إسرائيلية بالابتعاد عن حدود سوريا الجنوبية بطلب روسي، وتراجعت عشرات الكيلومترات عن هذه الحدود، بعدما كانت شعارات الحرب الإيرانية في سوريا تتركز على مواجهة المشاريع الصهيونية، وعلى منطق شق الطريق نحو القدس، فيما الواقع يقول إن السلاسة الإيرانية لم تظهر في كل سوريا إلا في اتجاه المصالح الإسرائيلية التي صارت بمثابة المقدس الذي لا يمسه الأذى، لا من قريب ولا من بعيد.

الاتفاقات الروسية – الإسرائيلية في سوريا أثبتت أنّها تتفوق على الحسابات الإيرانية، ومهما قيل عن العلاقات الروسية – الإيرانية، فإنّ الوقائع العسكرية أظهرت ومنذ سنوات أن ما تقوم به إسرائيل في سوريا يحظى بقبول إن لم نقل بمباركة روسية تترجم حقيقة العلاقة بين إسرائيل وروسيا، والتي لا يمكن لإيران ولا لأي دولة أخرى أن تهزها. فيما روسيا التي استنجد بها قاسم سليماني قبل ثلاث سنوات عسكريا في سوريا، صارت هي اليوم من يطلب من إيران ويضغط من أجل المزيد من الانكفاء عن الجغرافيا السورية.

أمّا في العراق فإن الانتخابات النيابية بما حملته من نتائج، أظهرت أن البنية الشيعية في هذا البلد لم تعد رهن الحسابات الإيرانية، ولم يعد قائد فيلق القدس قاسم سليماني الرجل الذي يستطيع أن يلزم أطراف المكون الشيعي بما تقتضيه مصالح فيلق القدس، وها هو الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي نال أنصاره المرتبة الأولى في الانتخابات، يرفع من نبرته تجاه التدخل الإيراني، كما أن كتلة رئيس الحكومة حيدر العبادي ليست في وارد الانقلاب على الإدارة الإيرانية في العراق، لكنها وجدت في فوز الصدر فرصة لتشكيل تحالف نيابي عراقي يضع شروطا على انضمام القوى الموالية لإيران، بخلاف ما كان عليه الحال في الانتخابات السابقة، أي أن إيران ومناصريها هم من يحددون المسار والآخرون يتبعون. الفرصة العراقية اليوم تكمن في أن ثمة إمكانية واقعية لتشكيل أكثرية نيابية بقيادة عراقية غير معادية لإيران، لكنها بالتأكيد ليست تابعة لها. المشهد السياسي العراقي يتجه بخطى ثابتة وواضحة المعالم نحو مسار جديد أبرز ملامحه تراجع النفوذ الإيراني الذي لا يزال فاعلا وقويا، لكنه يسير نحو المزيد من التراجع والضعف.

أما بيروت العاصمة التي يشكل فيها حزب الله درة التاج الإيراني في المنطقة العربية، فإنها تبدو خارج الاهتمام لجهة أي محاولة لتغيير موازين القوى الداخلية بما يخالف سيطرة حزب الله، هذا ما تؤكده الانتخابات النيابية الأخيرة حيث بدت هذه الانتخابات خارج أي اهتمام عربي أو دولي، إذ لم تُبذل أي جهود خارجية لإعاقة تمدد حزب الله في البرلمان وفي مفاصل السلطة، كما كان الحال في الانتخابات السابقة، وذلك لإدراك الدول الإقليمية المعادية لإيران أن ميزان القوى في لبنان لا يقوم على نتائج الانتخابات النيابية، فانتصار قوى 14 آذار في العام 2009 لم يكن له أيّ معنى في ميزان السلطة الذي يقرره السلاح قبل أيّ شيء آخر.

المتجدد هو أن لبنان يجب أن يبقى تحت مظلة الاستقرار وإن برعاية حزب الله، على أن الجديد هو أن مرحلة عودة حزب الله من سوريا نحو لبنان بدأت، وهي مرحلة تتطلب بحسب مصادر دبلوماسية غربية “المزيد من تأقلم حزب الله مع شروط الدولة” ومع الإدراك أن هذا التأقلم صعب وبعيد المنال، فثمة مراهنات على إصدار المزيد من القرارات العقابية ضد حزب الله لا سيما مع توسعة مرتقبة في الأشهر المقبلة لهذه العقوبات لتطال الدولة اللبنانية. هذه الدولة التي باتت في السنوات الأخيرة عرضة للمزيد من التدهور والانكفاء على مختلف الصعد السياسية والإدارية والاقتصادية، والمرشحة إلى المزيد من الهشاشة طالما بقيت أسيرة الدويلة وامتداداتها الإقليمية. النموذج الإيراني في السيطرة والنفوذ في لبنان، لا يبشر اليوم بغير التدهور العام والمزيد من العقوبات الدولية التي باتت السبيل الوحيد لإنقاذ لبنان من التفتت والهشاشة والانهيار.

العواصم العربية الأربع لم تزل في حال لا تحسد عليه، حصيلة النفوذ الإيراني فيها لم تحمل ما يبرر الاطمئنان لدى أبنائها بمستقبل أفضل، بل كانت شاهدة على تقهقر هذه العواصم وتصدعها. القيادة الإيرانية اليوم باتت أمام المأزق الذي ساهمت في صناعته في هذه العواصم، وهو مأزق يبدو الخروج منه يقتضي التسليم بشروط الدول الكبرى التي قررت على ما يبدو تحجيم دور إيران.

 

كاتب لبناني

 المصدر : جريدة (العرب) لندن

 

ثنائية الدولة-الدويلة

ومعضلة الفساد في لبنان

علي الامين

ليس خافيا أنّ الانتخابات النيابية في لبنان لم تحمل تغييرا نوعيا على مستوى التمثيل النيابي، فالأطراف الممثلة في البرلمان هي ذاتها تلك التي كانت في البرلمان السابق، والتغييرات التي جاءت ببعض النواب المعروفين بولائهم للنظام السوري في الظاهر ولحزب الله في الجوهر، لا تغير في واقع الحال شيئا، ذلك أن السلطة في لبنان لا تتأتى من حجم القوى الحاكمة داخل البرلمان، بل من مصدر آخر من خارج البرلمان ومؤسسات السلطة.

في لبنان لا يعني إذا كانت لديك كتلة نيابية تبلغ ضعف كتلة حزب الله، فأنت لديك حصة في القرار تتناسب مع حجمك النيابي، فحزب الله على سبيل المثال ليس لديه أكثر من خمسة عشر نائبا، ولكن لا أحد يشك أن هذا الحزب هو صاحب القرار الأول على مستوى الحكومة ومجلس النواب.

تتأتى القوة من خارج مؤسسات الدولة لأنّ الأخيرة هي الإطار الضعيف إذا ما قورنت بقوة الدويلة، القوة هنا إكراهية وليست ديمقراطية، أمنية وعسكرية، وليست نتاج توازنات سياسية ناشئة عن انتخابات ديمقراطية، أو بسبب توافقات سياسية طوعية، القوة هنا تفرضها سلطة الإكراه على الدولة ومؤسساتها من خارجهما وفي سياق لا يتصل بالنماذج المعهودة في الدول الطبيعية سواء كانت ديمقراطية أو دكتاتورية، ذلك أنّ من شروط استمرار هذا النموذج من السلطة في لبنان، هو ضرورة وجود تمثيل في الشكل لمختلف القوى الممثلة في البرلمان، لكنه تمثيل شكلي لا يتيح لصاحبه أن يكون شريكا فعليا في إدارة الشأن العام، بل تقتصر الشراكة هنا على ما هو دون القضايا السيادية الكبرى، سواء تلك المتعلقة بالأمن أو السياسة الخارجية أو بالحروب.

الشراكة هي فقط في الملفات ما دون السيادية أي تلك التي تتصل بتقاسم الحصص من وظائف عامة أو تقديم بعض الخدمات، أو الشراكة على مستوى الفساد، وهذا الأخير يشكل عنصر قوة وحماية لسلطة الدويلة على الدولة، ذلك أنّ الفساد هو مصدر طاقة ومبرر وجود لسلطة الدويلة.

من هنا فإنّ ثنائية الدولة-الدويلة لا يمكن أن تستمر وتتمدد خارج ترسيخ الفساد، ذلك أن أول شرط موضوعي وعلمي لمكافحة ظاهرة الفساد المتضخمة في أي دولة، هو وجود سلطة تمتلك حق الإكراه، وتتحمل المسؤولية أمام المواطنين ويمكن محاسبتها بناء على المسؤولية التي تتحملها.

في لبنان هذا الأمر شبه غائب إن لم نقل غائب تماما، فلا الحكومة اللبنانية كمؤسسة دستورية تتولى السلطة التنفيذية، قادرة على احتكار سلطة العنف، بل هي عاجزة عن القول إنها هي من يتحمل مسؤولية إدارة الشأن العسكري والأمني على أراضي الدولة.

هذا الواقع هو المدخل والذريعة للتنصل من المسؤوليات الملقاة على عاتقها كمؤسسة دستورية حاكمة، إذ يتيح هذا الواقع فتح ثغرات كبرى على مستوى السلطة، فغياب المسؤولية والمحاسبة، إلى جانب العجز المرعي بخبث، يطلقان وحش الفساد من قمقمه، ودائما بتشجيع وتحفيز وشراكة من سلطة الدويلة التي تريد القول للبنانيين إنّ دولتكم هذه غير مؤهلة للحكم.

ما يثير التساؤل والاستغراب أن يطلق حزب الله وعلى لسان أمينه العام حملة على الفساد في الدولة، حملة “بشر” بها خلال الانتخابات النيابية الأخيرة.

مصدر التساؤل والغرابة أنّ في تاريخ حزب الله في السلطة التنفيذية أو التشريعية، كان عقد التحالفات وإعداد التفاهمات مع قوى سياسية مختلفة في لبنان، يتمان على قاعدة “غضوا البصر عن سلاحي وافعلوا ما تشاؤون في بقية شؤون الدولة”، وما يؤكد هذا المسار هو أنّ حزب الله لم يخض معركة ضد الفساد، هو طالما تحدث ولا يزال عن ملفات فساد بالمليارات من الدولارات تورط بها مسؤولون في الدولة، لكن لم يقم مرة واحدة بمتابعة ملف لوّح به على هذا الصعيد حتى النهاية، بل طالما كانت هذه الملفات وسيلة ابتزاز لخصومه في سبيل استمرارهم في السكوت على مشروع الدويلة وسطوتها.

لا يعني هذا الكلام أنّ حزب الله غير متورط في ملفات فساد، بل القصد من الإشارة أنه استخدم هذا السلاح حينما أخذت الحكومة اللبنانية قرارا بقطع أحد فروع شبكة اتصاله الخاص، فيما لم يقم بأي خطوة حينما كانت تمر أمامه إن لم يكن بإشرافه صفقات الفساد في الحكومة.

اللبنانيون ينتظرون المنهجية التي سيتبعها حزب الله في مكافحة الفساد الذي أرهق اللبنانيين على مستوى الاقتصاد وفي المالية العامة وفي الصفقات المشبوهة التي أرهقت الدولة، وزادت المديونية العامة، بل كيف سيتم وقف عمليات التهريب التي جعلت حدود لبنان مفتوحة لعمليات التهريب التي تتم تحت أعين حزب الله والأجهزة الأمنية التي سلمت بأنّها ليست صاحبة القرار الأول على أراضي الدولة اللبنانية أو في المعابر الحدودية غير الشرعية، وأكثر من ذلك فإنّ حزب الله نسج معظم تحالفاته في السلطة وفي الانتخابات النيابية مع أطراف وقوى يعرف اللبنانيون أن معظمها عليها شبهة فساد إن لم تكن غارقة في صفقات مشبوهة.

التمنيات اللبنانية بنجاح حزب الله في حملته ضد الفساد، مردها أن اليأس بات يسيطر على المجتمع من قدرة السلطة بتركيبتها القائمة، على الحدّ من تفشي الفساد، لكن التمنيات تبقى شيئا والواقع شيء آخر. الواقع يقول إنّ الإصلاح ومكافحة الفساد يقومان على قاعدة أساسية اسمها الدولة، دولة لا تقبل بوجود سلطة فوقها مهما كانت مبررات وجودها.

كاتب لبناني

 جريدة (العرب) لندن

 

الأمن الإسرائيلي وترسيخ

سلطة حزب الله في لبنان

علي الامين

يشكل عنوان الاستقرار على الحدود الشمالية لإسرائيل، مفتاح فهم السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان وسوريا، فالكيان الإسرائيلي يشهد اليوم طفرة اقتصادية ونموا غير مسبوق في تاريخ الدولة العبرية، إذ بلغ مستوى النمو حوالي 8 بالمئة، فيما يشهد قطاع السياحة نشاطا متناميا في الوقت الذي تعاني الدول العربية على العموم ولا سيما تلك المحيطة بالدولة العبرية من كوارث أو أزمات سياسية واقتصادية وتنموية ليست خافية على أحد.

ويكفي أن نشير إلى  الحرب التي عانت وتعاني منها سوريا وكل ما طال هذه الدولة من تهجير وقتل وتدمير، فضلا عن الإرهاب الذي طال لبنان ومصر والأردن مع ما سببت الأزمة السورية من تداعيات على هذه الدول وغيرها. وفي المقابل فإنّ إسرائيل كانت تحقق تقدما سياسيا في محيطها، وتتلقى دعما أميركيا تُرجم بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وفرضت الحكومة الإسرائيلية علنا وفعليا رؤيتها لقضية السلام مع الفلسطينيين من خلال القضاء على شروط وقواعد التسوية في ظل صمت دولي لهذا المسار إن لم نقل قبولا أو دعما له.

لم تتعرض إسرائيل خلال سنوات الأزمة السورية لأي تهديد أمني أو استراتيجي، فيما كانت المواقع العسكرية السورية والإيرانية، فضلا عن أهداف تابعة لحزب الله في سوريا عرضة لضربات إسرائيلية منذ سنوات ولا تزال مستمرة، من دون أن تلاقي هذه الضربات أي رد جدي، بل ثمّة تنسيق غير خفي بين الحكومة الإسرائيلية والقوات الروسية على هذا الصعيد، يقوم على أنّ ما تراه إسرائيل تهديدا لأمنها يمكن أن تبادر إلى استهدافه وبالتنسيق مع القوات الروسية تفاديا لأي اصطدام غير محسوب بين الطرفين.

لبنان ليس خارج هذه المعادلة، فها هي إسرائيل ترسخ معادلة الأمن على حدودها، وتثبت شروطها الإستراتيجية التي تقوم على أنّها مطلقة اليد في تنفيذ ما تشاء تجاه القدس والفلسطينيين

كل الدول المحيطة بإسرائيل كانت ولا تزال عرضة للتوتر والحروب وللإرهاب، فيما بقيت الدولة العبرية بمنأى عن كل ذلك، انفجرت على كل الأراضي السورية صراعات ومواجهات وبقيت الحدود مع الجولان المحتل مناطق آمنة ومستقرة، لم توفر قذائف النظام السوري وحلفائه من إيران أو الميليشيات التابعة لها، أيّ مدينة أو بلدة في سوريا، ولم توفر عشرات الآلاف من المدنيين، لكنها في المقابل كانت شديدة الانضباط والهدوء تجاه كل الضربات الإسرائيلية التي طالتها.

هذا ما هو أمام إسرائيل اليوم؛ عدو ملتزم بحماية حدودها، لا يمكن أن يقع في خطأ السماح بدخول مجموعات فدائية إلى إسرائيل، ولا يمكن أن يطلق أي صاروخ فعلي نحو العمق الإسرائيلي، ويكتفي بإطلاق التهديدات اللفظية التي باتت من شروط حماية الوضع القائم والذي تتفهمه إسرائيل باعتباره عنصرا أساسيا للمحافظة على المعادلة القائمة التي تناسب حكام الدولة العبرية اليوم.

على هذا الأساس من الحسابات الإسرائيلية يمكن فهم الخطوات المستقبلية التي يمكن لإسرائيل أن تعتمدها أو تنأى بنفسها عنها في المقلب الآخر من حدودها الشمالية، فما دامت إيران وحزب الله ملتزمين بشروط الاستقرار على حدودها كما تراه إسرائيل نفسها، فإنّ ذلك سيكون بوليصة تأمين لكلا الطرفين من أيّ خطر إسرائيلي على وجودهما ونفوذهما سواء في لبنان أو في سوريا، على أنّ ذلك لا يمنع من أنّ التفسير الإسرائيلي للنفوذ الإيراني يرتبط بألا يشكل أي احتمال خطر على الأمن الإسرائيلي، إذ لا يضير إسرائيل أن تقاتل إيران وميليشياتها دفاعا عن نظام بشار الأسد بكل أنواع الأسلحة المشروعة وغير المشروعة، ولا أن يسيطر حزب الله على الدولة اللبنانية بمفاصلها الأمنية والعسكرية والسياسية.

ما يهم إسرائيل هو التزام الطرفين بقواعد وشروط الأمن الإسرائيلي على الحدود، وحماية الاستقرار على ضفتيها، وهذا ما يفسر أنّ إسرائيل التي افترضت وجود خطر محتمل من بعض القواعد الإيرانية في سوريا، قد قامت بتوجيه عدة ضربات صاروخية تدميرية لهذه القواعد، وهي ضربات ستستمر فيما لو استمرت إيران في تعزيز وجودها العسكري في مناطق تعتبرها إسرائيل مدى حيويا لأمنها الاستراتيجي، أما إيران التي لا تقع في سلم أولوياتها مواجهة إسرائيل، فهي لن تقوم بأي رد فعل عسكري يتناسب مع الضربات التي تتلقاها قواتها أو ميليشياتها في سوريا، فالقيادة الإيرانية منهمكة اليوم في حروب أخرى وأولويات تتصل بالخارطة العربية من جهة، وبحماية الاتفاق النووي الذي من أول شروط بقائه المحافظة على حد معقول من علاقاتها مع أوروبا وروسيا من جهة أخرى، وهذا لا يتم إن ردت إيران على أيّ ضربة إسرائيلية في سوريا، طالما أنّ الدول الأوروبية ترى في هذه الضربات حقا مشروعا لحفظ أمنها.

إسرائيل كانت تحقق تقدما سياسيا في محيطها، وتتلقى دعما أميركيا تُرجم بنقل السفارة الأميركية إلى القدس

وهكذا فإن لبنان ليس خارج هذه المعادلة، فها هي إسرائيل ترسخ معادلة الأمن على حدودها، وتثبت شروطها الإستراتيجية التي تقوم على أنّها مطلقة اليد في تنفيذ ما تشاء تجاه القدس والفلسطينيين، فيما تبقى صواريخ حزب الله في مخابئها من دون أي استعداد للانطلاق، فيما طريق القدس تبقى بعيدة.

ويبقى أنّ لبنان يستعد لعودة مقاتلي حزب الله من سوريا استجابة لدعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لانسحاب كافة الميليشيات من الأراضي السورية، وهي دعوة مستجابة في أغلب الظن من قبل حزب الله إن لم يكن في القريب العاجل فإنها ستتم في المدى المنظور، وعودة هؤلاء إلى لبنان لن تكون في سياق استكمال تحرير القدس، بل لحماية نفوذ ودور حزب الله الذي سيترسخ، في جوهره، على قاعدة فصل لبنان عن محيطه العربي، وهذه القوة لن تكون وظيفتها العسكرية الدفاع عن لبنان في مواجهة المؤامرات العربية، بل هي وظيفة ستشكل في المدى المستقبلي أحد مبررات استمرار السلاح في يد حزب الله.

وإسرائيل التي تدرك أنّ ضمانات أمنها لا تقررها فقط القرارات الدولية أو التفاهمات، تدرك أنّ أمنها يترسخ من خلال الشروخ التي طالت البنية العربية في دوائرها اللبنانية والسورية، كما تدرك أنّ أولوية حزب الله اليوم هي السيطرة على لبنان، والطريق الطويل لتحقيق السيطرة الكاملة مشروط باحترام الأمن الإسرائيلي.

غاية حزب الله لم تعد تحرير القدس ولا محاربة الدول الاستعمارية، ولا إنشاء الجمهورية الإسلامية في لبنان أو في سوريا والعراق، وإنما حماية النفوذ الإيراني هي الغاية وذلك طريقه واضح لا لبس فيه وهو الطريق الذي يؤدي إلى السيطرة والتأثير في مراكز القرار في الدولة، وفي لبنان ها هي الطريق التي يشقها حزب الله السيطرة والاحتماء بالدولة اللبنانية ومؤسساتها، والأهم من ذلك تذكير إسرائيل ومن يعنيهم الأمر أنه مصدر حماية الاستقرار في جنوب لبنان وشمال إسرائيل وللقول هذا ما لا يستطيعه أحد غيري.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

مأساة لبنان: هذا ما يعنيه

الانفصال عن نظام المصالح العربي

علي الامين

لم تقدّم الانتخابات النيابية في لبنان دفعا إيجابيا وطنيا، إذ لم تُظهر النتائج المتوقعة لهذه الانتخابات أفقا لمسار حلول تخرج لبنان من عنق الزجاجة.

الاختناق بمعناه السياسي والاقتصادي لا يزال حاكما على عنق الدولة، ويفاقم من الأزمات التي باتت تشكّل خطرا وجوديّا على لبنان الذي لم يعد بيئة جاذبة لا اقتصاديّا ولا سياسيّا ولا حتى إعلاميّا.

ثمّة تحوّل في الهوية اللبنانية جاءت العملية الانتخابية لترسخه إلى حد بعيد، هذا التحوّل يتركّز في الانتقال من الهوية اللبنانية العربية، التي من سماتها التعدّد والتنوّع السياسي والاجتماعي، إلى هوية منقطعة أو معادية لمحيطها تتسم بنزعة أحادية لاغية لكل تنوّع سياسي وإن أبقت على تنوّع شكلي لا أثر له في الحياة السياسية ولا معنى سياسيا له في علاقات لبنان مع امتداده العربي.

النزعة الأحادية والسلطة الاحتكارية التي تسيطر على الدولة والحياة العامة فيها، هما ما يناقض الهوية اللبنانية وخصوصياتها التي طالما كانت عنصر حيوية سياسية واجتماعية ومنبع الحرية ومنبرا للإعلام المتنوع ومصدرا للحيوية الاقتصادية وجاذبا لاستثمارات في أكثر من اتجاه.

الأزمات التي كشفت عنها الانتخابات النيابية التي جرت منذ عشرة أيام تقريبا، أكدت أن لبنان لم يعد ذلك البلد القادر على مواجهة الحصار الذي يواجهه، بل بات أكثر استسلاما للقبضة التي تمسك بخناق الدولة والوطن، وفيما يواجه اللبنانيون أزمات المؤسسات الوطنية المتراكمة، لا يجدون خيارا للخروج منها إلا بالمزيد من الغرق فيها.

فأمام مأزق غياب الدولة أو ضعفها، تتمدد الدويلة وتترسخ كثابت في الحياة السياسية، وأمام مأزق انحسار الحيوية الاقتصادية والاجتماعية يزداد الخضوع لمنطق الأحادية والوصاية، وتتراجع فرص الخروج من معادلة مصادرة الحيز العام لصالح المزيد من تثبيت السطوة الحزبية والميليشياوية. ويتم ذلك من خلال الاستسلام للوصاية بما هي إلغاء أو قرار إعدام للبنان الذي لا يمكن أن يبقى ويستمر من دون علاقة مميزة مع محيطه العربي، والخليجي على وجه التحديد.

الوظيفة اللبنانية العربية هي عنصر وجودي للدولة والوطن، وليست ترفا ولا هواية لبنانية أو عربية، هي حقيقة سياسية وثقافية واقتصادية، وهي حقيقة قومية لا يمكن تجاوزها أو التنكر لها.

التنكر لهذه العناصر الحيوية لبقاء لبنان ولدوره، هو ما يجري اليوم، أي أن ما يشبه عملية انتحار أو قتل يتعرض لها لبنان، بسبب هذا الاستسلام الذي يعبّر عن نفسه من خلال الانجرار نحو مسار تغيير الهوية اللبنانية، وهو تغيير يحاكي إلى حد بعيد فكرة الانفصال والعزلة أي الفكرة اليهودية بالنسخة الإسرائيلية، فالكيان الإسرائيلي هو النموذج الذي قام ولا يزال على فكرة المحيط العدوّ، هو كيان قام على استراتيجية العداء والقطيعة مع المحيط، وعلى ثقافة الخوف والتخويف من كل ما حوله، وفي نفس الوقت الاستثمار الدائم لهذا العداء والخوف لاستدراج دعم دولي له، والقيام بوظيفة استعمارية طالما كانت متلازمة مع وجود إسرائيل في المنطقة العربية.

النزعة الأحادية والسلطة الاحتكارية التي تسيطر على الدولة والحياة العامة فيها، هما ما يناقض الهوية اللبنانية وخصوصياتها التي طالما كانت عنصر حيوية سياسية واجتماعية ومنبع الحرية

ما يجري اليوم في لبنان هو محاولة استنساخ النموذج الإسرائيلي بوعي أو من دون وعي لا فرق، أي النموذج الذي يتميز وتتركز وظيفته على الانقطاع عن محيطه وترسيخ الشروخ معه، ويقوم على تعزيز ثقافة الخوف والكراهية لكل مختلف، ذلك أن الخطاب السياسي السلطوي المتمدد والمهيمن في لبنان اليوم سياسيّا وإعلاميّا يصوّب على هدف أساسي هو أن العدو الفعلي ومصدر الخطر الحقيقي هي الدول العربية، أي تلك الدول التي لا تتآلف أو تعادي السياسة الإيرانية، كما أنّ ثمة عملا دؤوبا لفرض هذه الرؤية وهذا المنطق حتى على من يفترض أنه يخالف هذه الرؤية، من خلال تدجينه وتهذيب حال المعارضة أو الاعتراض لديه تجاه ما يمس جوهر وجود لبنان وفكرته.

إلى هذا الحد يمكن القول إن استنساخ التجربة الإسرائيلية في رسم هوية لبنان الجديدة، هوية معادية لما حولها خائفة منه ومخيفة له، نموذج منقطع عن محيطه ومرتم في نفس الوقت في أحضان دول من خارج المنطقة، يلبي وظيفة إقليمية ودولية، ومتعارض أو معاد لنظام المصالح العربية.

لعل أخطر ما أفرزته الانتخابات النيابية هو هذا النزوع نحو ترسيخ ثقافة العداء والخوف الذي تسلل إلى سلوك الدولة التي باتت متهاونة حيال شروط وجودها القومي، ومعنية في المقابل بمحاكاة المصالح الدولية والإقليمية الإيرانية، ليس هذا حال اللبنانيين جميعا، لكن التسليم أو الاستسلام اللبناني لهذه المعادلة هو ما يجعل من تقدم النموذج الإسرائيلي في جوهر تكوينه النفسي والسياسي والثقافي والاستعلائي حقيقة لا يمكن تمويهها، وربط وجود ما تبقى من لبنان بوظيفة حماية الاستقرار مع إسرائيل من جهة، ووظيفة الاستثمار في بناء الشروخ مع المحيط العربي وترسيخ حال الخوف والعداء معه من جهة ثانية. وفوق كل ذلك توفير أو مراعاة المصالح الدولية الأوروبية والأميركية أو الروسية بشكل يثير الريبة والتساؤل عن معنى ودلالة الخطاب الذي طالما رفعته قوى الممانعة في مواجهة الاستعمار والاحتلال.

الممانعة التي باتت تسيطر على مفاصل الدولة في لبنان، هي بالضرورة عاجزة عن معاندة مسار التاريخ، لكنها ستكون حكما أمام كارثة إخفاقها في تحقيق ما تبتغيه، هذه الكارثة يعيش لبنان مقدماتها فلا الغرب ولا إيران ولا إسرائيل بطبيعة الحال قادرة على جعل لبنان دولة قابلة للاستمرار خارج نظام مصالحها القومي، والوقائع هي أكبر برهان، إذ كلما ابتعد لبنان عن محيطه العربي كلما بدا أنه دولة غير قابلة للاستمرار، ففي ظل الانتصارات الإيرانية في لبنان، تراجع لبنان سياسيا واقتصاديا وخسرت الدولة وظائف عربية طالما كانت مصدر قوة ووجود.

النموذج الذي يراد للبنان أن يكونه، هو نموذج يقوم على نزعة إلغائية وأحادية نابذة للتنوع المعبّر عن حقيقته الفعلية بحرية، نزعة معادية للبنان كمنبر حر للإعلام في محيطه العربي، وهو نموذج غير حاضن أو جاذب لاستثمارات عربية، ونموذج مهادن ومتآلف مع الغرب وإسرائيل بشرط الاصطدام مع العرب.

(العرب) اللندنية

 

تغيير رأس النظام السوري

أو المزيد من الاستنزاف الروسي

علي الأمين

 

الضربة الثلاثية رسالة إلى روسيا وإيران

الضربة الثلاثية ليست أكثر من رسالة وجهتها الدول الكبرى الثلاث إلى النظام السوري بسبب استخدام الأسلحة الكيميائية في مدينة دوما في ضاحية دمشق، استهداف مراكز عسكرية وبحثية عدة طالتها الصواريخ الأميركية والفرنسية والبريطانية في الأراضي السورية تزعم الدول الثلاث أنّها مراكز لها علاقة بتصنيع السلاح الكيمائي ونقله واستخدامه. لم تسقط أيّ ضحية مدنية أو عسكرية سورية، ذلك ما يؤكد أنّ الضربات كانت متوقعة من قبل النظام وحلفائه في الزمان والمكان.

كما يرجّح أنّ الدول الثلاث لا تريد أن توقع ضحايا ولا أن تحدث دمارا في مواقع حيوية للنظام وحلفائه، لا سيما بعد أن شكّل الفيتو الروسي في مجلس الأمن ضد أيّ محاولة لإصدار قرار، مصدر إحراج دولي وتحدّ لم يكن من الممكن السكوت أو الاستسلام له، خاصة وأنّ استخدام هذا السلاح المحرّم دوليا، صار ينتشر في ظل ما يصفه أكثر من طرف بعدم قدرة مجلس الأمن الدولي على اتخاذ قرارات، ومن ذلك أن اعتبرت لندن أنّ السكوت على ما جرى في سوريا على هذا الصعيد، شجع على استخدام السلاح الكيميائي داخل بريطانيا من قبل المخابرات الروسية ضد أحد عملائها السابقين على حدّ زعم حكومة صاحبة الجلالة.

رغم هذا التصوّر الذي جرى خلاله اتخاذ قرار من ثلاث دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، ومهما قيل بشأن الحسابات الدولية المتصلة بضرورة القيام بخطوة تمنع النظام السوري من استخدام السلاح المحرّم دولياً ضد شعبه، فإن الضربة الثلاثية تنطوي على أهداف أخرى. أهداف لا تصل إلى حد الحديث عن خطة استراتيجية متكاملة لسوريا التي آلت إلى النفوذ الروسي الذي يظلل نفوذا إيرانيا وتركيا، ولا هي ضربة محدودة وانتهت. إنّها رسالة كما وصفتها العواصم الدولية الثلاث، ولأنها رسالة فهي تنطوي على انتظار جواب ليس من النظام السوري الذي تعلم هذه الدول أنّه فقد منذ سنوات أي مساحة من استقلالية القرار، بل الرسالة هي إلى روسيا بالدرجة الأولى وإيران بدرجة ثانية.

الرئيس السوفييتي الأخير ميخائيل غورباتشوف، اعتبر أنّ الضربة الثلاثية على سوريا، ليست إلا تمرينا قبل الضربة الفعلية القادمة على هذا البلد، ولعلّ آخر رؤساء الإمبراطورية السوفييتية، وآخر زعماء المنظومة الاشتراكية مع انتهاء الحرب الباردة، يدرك أنّ تحرك السفن الأميركية نحو شرق المتوسط بشكل غير مسبوق منذ حرب العراق في العام 2003 لا يمكن إلا أن يكون تمهيدا لعمل عسكري كبير.

عامل الثقة في الدور الروسي اهتز من قبل الإدارة الأميركية والحكومتين الفـرنسية والبريطانية، واقتضى هذا الاهتزاز بداية تحوّل في الموقف من الأزمة السورية

في المقابل أكدت مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن، نيكي هيلي، أنّ الجنود الأميركيين في سوريا لن يغادروا سوريا، وهو موقف جاء بعد الضربة الثلاثية في خطوة تعكس تطوّرا استراتيجيا أميركيا، بعدما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن قبل أسبوعين أنه سيسحب جنوده من سوريا، ويأتي هذا الموقف في ظل غياب أي رد عسكري على الضربة الثلاثية في سوريا، حيث اكتفى النظام السوري كعادته حيال أي ضربات تأتيه من خارج الحدود، بالاحتفال بالنصر بإفشاله الضربة الثلاثية، وهو أسلوب معتاد منذ سنوات طويلة سواء كان الأمر متعلقا بضربات إسرائيلية أو أميركية، ورغم عدم حصول أي رد فإنّ المندوبة الأميركية في مجلس الأمن “بشّرت” الحكومة الروسية بحزمة عقوبات جديدة ستطال شركات روسية تعتقد واشنطن أنّها على صلة بتزويد سوريا بتقنيات أو مواد لها علاقة بالسلاح الكيميائي.

الخطة الأميركية غير واضحة المعالم حتى اليوم، فهي تستند في البداية إلى معالم تحالف دولي تشكل بريطانيا وفرنسا ركنيْه الأساسيين، ويحظى بغطاء عربي تشكل المملكة العربية السعودية أساسه، فيما أعلنت إسرائيل أنّها قدمت معلومات استخبارية عن سوريا إلى منفذي الضربة الثلاثية، وهو مؤشر آخر على ملامح التعاون بين هذه الأطراف في الشأن الروسي.

ويشكل عنوان النفوذ الإيراني الهدف الأول لهذه الدول، حيث بدأ بوضوح تزايد الحديث عن إخراج إيران وميليشياتها من سوريا كشرط لا بد منه لحل الأزمة في هذا البلد، وهذا الموقف الذي ستبرز ملامحه أكثر فأكثر في المرحلة المقبلة، ويعكس في جوهره انقلابا في الاستراتيجية الأميركية تجاه الأزمة السورية، والتي أسس لها الرئيس الأميركي السـابق باراك أوباما، من خلال فتح الطريق أمام التدخل الروسي العسكري في هذا البلد، في خطوة كانت الغاية منها التزام روسيا بتوفير شروط الحل في سوريا مع مراعاة مصالح الدول الكبرى في هذا البلد، وضمن حل ينسجم مع قرارات الأمم المتحدة ولا سيما مؤتمر جنيف لحل الأزمة السورية.

الجديد أنّ عامل الثقة في الدور الروسي اهتز من قبل الإدارة الأميركية والحكومتين الفـرنسية والبريطانية، واقتضى هذا الاهتزاز بداية تحوّل في الموقف من الأزمة السورية، يقوم على أولوية محاصرة النفوذ الإيراني، ما يجعل روسيا أمـام خيار الذهاب في حماية الدور الإيراني في سوريا، أو القيام بخطوات تظهر أن موسكو مستعدة للعب دور جدّي في تحجيم هذا الدور أو إلغائه، وسياسة العصا والجزرة هي ما يمكن أن نلمسه بوضوح في السياسة الأميركية تجاه روسيا، وهي سياسة ستبدو فيها الإدارة الأميركية وحلفائها أكثر تشددا تجاه إيران، وفي نفس الـوقت مراقبة ردود الفعل الروسية على هذه الخطوات، والامتحان الأهم هو الخطوة المرتقبة أميركيا بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران الشهر المقبل.

القوة الأميركية العسكرية في المنطقة تمهّد لمواجهة مع إيران ليست واضحة معالمها الكاملة بعد، لكن مع نهاية الحرب على تنظيم داعش في العراق وسوريا ثمة مواجهة حامية؛ إيران في صلبها والجغرافيا العربية مسرحها والاقتصاد والعقوبات ليسا السلاح الوحيد الذي ستستخدمه واشنطن في مواجهة الدور الإيراني في المنطقة، بل حتى الصواريخ الأميركية باتت جاهزة وقابلة للانطلاق بعدما تراجع الاستعراض الإيراني الصاروخي الذي طالما كان مصدر اعتداد إيران الوحيد عسكريا.

باختصار روسيا أمام خيارات صعبة هذه المرة؛ إمّا استمرار الاستنزاف الروسي وتصعيده في سوريا مرفقا بعقوبات أميركية جديدة، وإما ابتداع سياسة جديدة تحرج الغرب والعرب وهي تغيير رأس النظام السوري.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

موقف دولي يتنشق

"السارين" في دوما

علي الامين

الصواريخ التي استهدفت مطار التيفور العسكري السوري في حمص فجر أمس الاثنين هي إسرائيلية وليست أميركية، ولم تأت ردا على استخدام الأسلحة الكيماوية في مدينة دوما السورية في غوطة دمشق السورية، فالنظام السوري الذي استخدم هذا السلاح كما أشارت العديد من التقارير المحلية والدولية، وسببت ضربات قواته العسكرية سقوط المئات من القتلى والجرحى في هذه المدينة نتيجة استخدام غاز السارين، يبدو مطمئناً إلى ردود الفعل الأميركية والدولية التي لم تصل في اعتراضها على استخدام هذه الأسلحة إلى حد القيام بخطوات عسكرية رادعة، وهذا ما أظهرته الوقائع منذ العام 2012 إلى اليوم، حيث اقتصرت ردود الفعل على ضربات عسكرية محدودة لمواقع سورية في أحسن الأحوال ومواقف منددة باستخدام هذا السلاح.

وصف “الحيوان” الذي أطلقه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على الرئيس بشار الأسد بعد واقعة دوما الأخيرة، هو أفضل ما يمكن أن ينتظره النظام السوري من الموقف الأميركي، على الرغم من الإشارات الأميركية التي صدرت عن إمكانية قيام واشنطن بخطوة عسكرية ردّا على استخدام السلاح الكيماوي، لكن في ظل التوجهات الأميركية للانسحاب من سوريا كما أعلن دونالد ترامب عنها فإن أحدا من المراقبين لا يتوقع أي خطوة أميركية رادعة للنظام السوري وحلفائه في سوريا.

الطائرات الإسرائيلية التي قصفت صواريخها مطار التيفور، تطور في سياق آخر لا علاقة له بما يجري في دوما، فهذا المطار الذي تتواجد فيه مواقع للجيش السوري، تؤكد العديد من التقارير أن إيران تستخدمه كقاعدة لإطلاق الصواريخ والطائرات من دون طيار. وفيما أكد ناشطون سوريون أن الطائرات الإسرائيلية شوهدت تطلق دفعة من الصواريخ من فوق الأراضي اللبنانية، فقد تحدثت تقارير رسمية سورية عن سقوط عدد من القتلى والجرحى من الجيش السوري في مطار التيفور.

الموقف الأميركي يضع عنوان الانسحاب من سوريا كاستراتيجية للقوات الأميركية، تاركاً للدول المتواجدة عسكرياً على الأراضي السورية مهمة إيجاد الحلول، خصوصاً أنّ الرئيس ترامب أكد أن المهمة الأميركية تنتهي مع القضاء على تنظيم داعش في هذا البلد، وعلى الرغم من محاولات التشكيك بهذا الانسحاب من داخل الإدارة الأميركية، إلا أن الثابت هو عدم وجود أي استراتيجية أميركية تجاه سوريا تقوم على الضغط لفرض حلول أو للجم أدوار عسكرية لروسيا وإيران، وكانت معارك الغوطة الشرقية بما شهدته من وقائع تدميرية ولا تزال، مؤشرا على أنّ الموقف الأميركي غير معني بمواجهة هذا السلوك الدموي والعسكري، ولا يرى خطراً على مصالحه في إعادة سيطرة النظام السوري على ما تبقى من مناطق نفوذ المعارضة في محيط دمشق.

شكل الفيتو الروسي في مجلس الأمن الدولي، الحصن المنيع ضد أي قرار دولي يمكن أن يُلجم النظام السوري عن ارتكاب جرائمه

على هذه القاعدة في الموقف الأميركي، فإنّ المشهد السوري ذاهب إلى المزيد من إطلاق يد النظام وحلفائه دوليا في سحق المعارضة السورية، إذ لا يبدو أن هناك أيّ عائق يحول دون تنفيذ هذه السياسة لا سيما في المناطق التي تقع ضمن سيطرة النظام وحليفيه الروسي والإيراني، وجل ما يمكن أن تقوم به واشنطن هو الرد الشكلي عسكرياً على استخدام النظام للسلاح الكيماوي، ذلك أن المعارك الجارية في الغوطة الشرقية بكل ما انطوت عليه من جرائم ضد المدنيين لم تحدث أيّ تغيير في السلوك الأميركي والدولي. جل ما أثار حفيظة الإدارة الأميركية هو استخدام سلاح محرم دوليا، لن تكون نتائجه أكثر من تسجيل اعتراض عسكري محدود يندرج في تسجيل الموقف، وهو موقف له حساباته الدولية بالدرجة الأولى لا السورية.

وفي المقابل شكل الفيتو الروسي في مجلس الأمن الدولي، الحصن المنيع ضد أي قرار دولي يمكن أن يُلجم النظام السوري عن ارتكاب جرائمه، وهذا يؤكد إلى حدّ بعيد أنّ روسيا وإيران معنيتان مباشرة بالخطوات التي ينفذها النظام، وتدركان في نفس الوقت حدود المصالح الأميركية التي تتجنبان المساس بها، وهذا ما لمستاه حين اقتربتا قبل أشهر من مناطق شرق الفرات حيث كان رد الفعل الأميركي عنيفا، عندما أسقط في ليلة واحدة مئات القتلى من الجنود الروس وقبل ذلك بأسابيع أسقط عشرات العناصر من الميليشيات الإيرانية والعراقية حين حاولت الاقتراب من مناطق النفوذ الأميركي في تلك المنطقة.

المفجع في المشهد السوري هو الغياب العربي، ففيما يشكل استخدام السلاح الكيماوي مجال جدل ونقاش دولي، ثمة صمت عربي يعكس حالا من الاستسلام أو العجز إن لم يكن التواطؤ، لا سيما أن سوريا تشهد عملية تدمير ممنهج للبنية الاقتصادية والعمرانية، والأهم عملية تغيير ديمغرافي لم تعد خافية على أحد. في المقابل تجري عملية رسم دقيق لمعالم النفوذ الإيراني والإسرائيلي بإشراف روسي، ولعل الضربات الإسرائيلية الأخيرة على المطار في ريف حمص، تظهر إلى حد بعيد حدود الاهتمامات التي تتجاوز الاعتبارات الإنسانية أو السياسية المتصلة بالشعب السوري.

خلاصة الموقف الأميركي والدولي تشير إلى أن التطورات السورية السياسية والعسكرية والإنسانية في محيط دمشق، لن تشكل استفزازا لواشنطن، مهما كان الصوت عاليا للرئيس الأميركي ضد جرائم الأسد وحلفائه، فيما مجلس الأمن الدولي سيكون عاجزا عن إصدار أيّ موقف لا تقبل به روسيا، علما أن أيّ تطور عسكري ينتج عن تدخل أميركي هو ليس في حسابات واشنطن ولا ترغب الدول الأوروبية فيه، لا سيما أن إسرائيل التي تبدو مطمئنة إلى حدّ بعيد للإدارة الروسية للاستقرار على الحدود السورية الإسرائيلية، إلى جانب الاستقرار على الحدود مع لبنان، ليست في وارد المغامرة بهذا الاستقرار، وعلما أيضا أنّ التطورات السورية أتاحت لها القدرة على توجيه ضربات عسكرية لكل ما تعتبره تهديدا لأمنها في سوريا من دون أن تشكل هذه الضربات أي استفزاز أو رد فعل من الجانب السوري أو الروسي.

فعلى الرغم من سقوط الطائرة الإسرائيلية قبل أشهر بمضادات سورية، فإن الثابت أن إسرائيل تبدو غير مقيدة في الرد على ما تعتبره يهدد أمنها في سوريا، فيما تبدو القوى المقابلة لها ملتزمة إلى حد بعيد بشروط الأمن الإسرائيلي. هذا ما تقوله وقائع الميدان التي أظهرت بوضوح أن الموقف الدولي سيبقى عاجزا أو متفرجا أمام المجازر التي يرتكبها الأسد وحلفاؤه ضد المدنيين، وشديد الحسم والقوة عندما يتصل الأمر بأمن إسرائيل أو بمناطق نفوذ واشنطن في الشمال السوري أو في جنوبه.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

الانسحاب الأميركي وعملية

تدوير الحرب في سوريا بعد داعش

علي الامين

 

التسوية السياسية في سوريا تطوي صفحاتها الأخيرة، بعدما أظهرت القوى الإقليمية والدولية موقفا ضد التغيير السياسي في هذا البلد، لصالح مشروع تقاسم النفوذ على الأرض السورية، بانتظار التوصل إلى خارطة سياسية واستراتيجية، تلبي مصالح خارجية، وبعد ذلك قد يشكل مستقبل النظام السياسي عنوانا للبحث ومجالا لإسقاط الحسابات والمصالح الإقليمية على معادلة السلطة والحكم.

معركة الغوطة الأخيرة أفضت إلى إخراج الفصائل المسلحة المعارضة إلى الشمال السوري باتفاقات فرضتها روسيا، ووافقت تركيا عليها عمليا، ولم تحرك الجامعة العربية ساكنا حيال التدمير الممنهج للجغرافيا والديمغرافيا السورية، فيما بدت واشنطن مراقبا عن بعد، بل أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطوة مفاجئة الاستعداد للانسحاب من سوريا، بعدما شاعت التحليلات التي عززتها المواقف الرسمية الأميركية إلى أنّ واشنطن رسخت وجوداً عسكريا لها في سوريا إلى أجل بعيد.

المشهد الإقليمي والدولي في سوريا، مستقر لجهة رسم خارطة النفوذ بمرجعية روسية تظلل الدور الإيراني، وتدير التباين الإيراني الإسرائيلي بما يوفر الهدوء في الجنوب السوري، وتقدم هذه المرجعية نفسها باعتبارها الطرف الذي يقرر في المعادلة السورية، في محاولة لفتح الباب واسعا لإجراء حوار مع واشنطن لا تبدو الأخيرة مهتمة بإجرائه، كما توحي الإجراءات الأميركية والموقف الأخير للرئيس ترامب الذي وإن انطوى على إعلان انسحاب من سوريا، إلا أنه يتضمن رسالة تهديد بأن واشنطن غير معنية وعلى الدول المنخرطة في الأزمة السورية أن تنجز الحلول في هذا البلد.

ليس خافيا أن الدول هذه التي أشار إليها ترامب، وفي مقدمتها روسيا، وإيران ثانيا وتركيا ثالثا، وعلى الرغم من تفاهم الحد الأدنى في ما بينها، تدرك أن أي اتفاق بينها يتطلب دورا أميركيا محوريا في المعادلة السورية، ذلك أن روسيا كما إيران، لا تخوضان مواجهة تثبيت نفوذ في سوريا فحسب، بل تسعى كل منهما إلى استخدام الورقة السورية على طاولة المفاوضات مع واشنطن.

فإيران تدرك أن ملفها النووي، الذي بات على رأس اهتمامات إدارة ترامب وفريقه المعادي لها، لا يعطي لنفوذها السوري أي معنى استراتيجي إن لم يكن له فعل تغيير في الموقف الأميركي والدولي من هذا الملف الذي بات شائكا ومعقدا بعدما أعلنت واشنطن الحرب عليه. أما روسيا التي تمسك بأوراق قوة في المعادلة السورية بقرار إقليمي ودولي، فتبدو مستعجلة لتسييل هذه الأوراق في علاقاتها الدولية، فيما المشهد الدولي ولا سيما الأميركي والأوروبي يبدو تصعيديا تجاه روسيا مع بدء طرد الدبلوماسيين الروس من أكثر من دولة أوروبية على خلفية محاولة قتل الجاسوس الروسي في بريطانيا قبل نحو أسبوعين.

الخلاصة أن المكاسب التي حصلتها روسيا في سوريا، لا تبدو أنها تسيل لعاب الأميركيين ولا الأوروبيين، بما يوفر لموسكو فرص فرض مطالبها سواء في محيطها الأوروبي أو على مستوى الحد من العقوبات التي باتت تثقل على الاقتصاد الروسي.

تستضيف تركيا الرئيس الإيراني في اليومين المقبلين، تمهيدا لقمة ثلاثية يفترض أن تجمع قادة روسيا وإيران وروسيا، سيشكل الملف السوري عنوانا رئيسيا لها، ومؤتمر سوتشي أحد ملفاتها. تركيا التي دخلت لعبة مقايضات على حساب المعارضة السورية، باتت حذرة حيال أمنها وهو ما يفرض على قيادتها تقديم المصالح التركية على ما عداها، بينما تبدو الفصائل السورية المعارضة عاجزة عن تحقيق أي تقدم عسكري أو سياسي، لتبدو تركيا أمام مزيد من التسليم بتراجع دور المعارضة وحصر دورها في الحدود الشمالية لسوريا التي تلبي المصالح التركية في ما يتصل بالشأن الكردي.

يبقى أنّ واشنطن التي تعلن عن نيتها الخروج من سوريا، تتجه إلى ترك الكرة في الملعب السوري، وهذه الكرة الملتهبة بالأزمات، تراهن واشنطن على أنها ستحرق تلك الدول التي تسيطر على قطع الجبنة السورية.

مؤشرات الأزمة السورية تسيطر على المشهد، فالحلول بعيدة ولا أحد متفائل بحل في المدى المنظور، وهذا ما يطرح التساؤلات حول مصالح روسيا وإيران وتركيا من بقاء سوريا ملعبا تتقاذف كرة النار فيه هذه الدول، ذلك أنه مع انتهاء داعش ثمة وقائع سياسية وديمغرافية ستفرض نفسها في المرحلة المقبلة، تتصل بوحدة سوريا أو تقسيمها، بإعادة البناء وقاعدة التفاهم التي يمكن أن تجمع هذا المثلث لا سيما في ما يتصل بموقع تركيا بين حلف الناتو وروسيا. وهي أسئلة لا يمكن تقديم إجابات عليها، بل قد تبدو الرمال السورية لها وجوه متعددة تحركها، ليس داعش وجهها الأبرز، بل يبدو التلويح الأميركي بالانسحاب وجها جديدا من وجوه الرمال المتحركة، بما يؤكد أن الأميركيين يصرون على السير باستراتيجية الاستنزاف ليس للدول الثلاث الباحثة عن صيغ قابلة لإدارة الصراع بأقل الأكلاف الممكنة، بل ثمّة إصرار أميركي على مراقبة عملية تدوير عناصر الحرب ومكوناتها الخارجية في سوريا لإنتاج أشكال جديدة من الحروب.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

هذه حدود التغيير الذي

تحمله الانتخابات اللبنانية؟

علي الامين

ليست الانتخابات النيابية المقررة في 6 مايو المقبل قابلة لأن تشكل نتائجها فرصة للتغيير في موازين القوى القائمة في لبنان اليوم، فهذه الانتخابات تجري تحت سقف السياسة، أي انتخابات بلا عناوين سياسية تفرض تحالفات منسجمة بين قوى يجمعها مشروع سياسي أو قضية وطنية تحول دون الخروج على قواعد وشروط سياسية في التحالفات الانتخابية بين مختلف القوى السياسية المتنافسة.

التوافق السياسي الذي خلص قبل أكثر من عام إلى انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بعد عامين من الفراغ الرئاسي، أظهر بشكل واضح أرجحية في معادلة السلطة لصالح حزب الله، وجاء قانون الانتخاب ليعكس هذه الأرجحية من خلال قانون انتخاب وفّر القدرة لحزب الله على أن يكون الأقدر على التأثير في مجريات العملية الانتخابية مستفيدا من النظام النسبي كأداة تتيح له اختراق البيئات المعارضة له، بأكثر مما تتيح لخصمه هذه القدرة وذلك بسبب سطوة سلاحه داخل بيئته وعلى بقية القوى السياسية من الخصوم.

من هنا، يكشف قانون الانتخاب المعتمد النتائج مسبقا لقانون الانتخاب، إن لم يكن على مستوى ستين في المئة من أسماء الفائزين، فبالتأكيد يكشف عن ثمانين في المئة من حجم القوى التي ستمثل في البرلمان، وهي ممثلة اليوم، فيما قصارى ما يمكن أن يتحقق من تغيير من حيث النوع هو ضمن نسبة لا تتجاوز العشرة في المئة من ضمنها بعض المستقلين أو ممثلين في المجتمع المدني.

لذا تبدو الانتخابات رغم تطويق الناخبين بقانون انتخاب يمنع قيام ائتلافات سياسية انتخابية، بحيث يفرض التنافس إلى حدّ كبير بين متحالفين سياسيا، أكثر مما يفرض تنافسا بين متخاصمين، لذا فإن الانتخابات التي باتت نتائجها شبه محسومة من حيث النتائج المتوقعة، فإنّ الكثير من المراقبين ينتظرون قـراءة مؤشراتها أكثر من نتائج الفوز والخسارة، بمعنى هل أنّ اللبنانيين أظهروا ميلا نحو الخروج من الانقسام السياسي الذي يتحكم بالسلطة سواء بوسيلة الانقسام أو عبر التوافق، وإلى أيّ مدى ثمّة قدرة لممثلي المجتمع المدني على إثبات حضور انتخابي، ويبقى أنّ منطقة بعلبك الهرمل التي تشكل القاعدة الراسخة انتخابيا لحزب الله منذ 26 عاما، هي التي تتركز الأنظار عليها، لا سيما مع تصاعد وتيرة الاعتراضات داخل البيئة الشيعية في هذه المنطقة نتيجة الإهمال التنموي، وتزايد حالات الفقر وازدياد حال فوضى السلاح، والبطالة، وهي عوامل ستشكّل عنصرا مؤثرا على رغم قدرة حزب الله على السيطرة والتحكم بالناخبين الشيعة إلى حد كبير، يمنع خسارته لكن لا يضمن فوزه بكامل المقاعد الشيعية، علما أنّ ثمّة تحالفا قام بين ممثلي هذا الاعتراض في البيئة الشيعية من شخصيات سياسية واجتماعية معروفة ومؤثرة وبين القوات اللبنانية وتيار المستقبل من جهة ثانية، باعتبارهما تيارين مؤثرين داخل البيئتين السنية والمسيحية في هذه المنطقة ولهما أربعة مرشحين، مسيحيان وسنيان في مقابل ستة مقاعد شيعية.

الانتخابات النيابية في لبنان ليست السبيل لتغيير في معادلة سيطرة حزب الله على الدولة، فثمة ما هو أقوى من أيّ نتيجة انتخابية من الناحية السياسية، هي سطوة السلاح وتأثيره الحاسم في المعادلة الداخلية

باستثناء منطقة بعلبك الهرمل لا يبدو أنّ الدوائر ذات الغالبية الشيعية يمكن أن تشهد تغييرا، كما أنّ التغييرات المرتقبة في الدوائر الأخرى مهما بلغت فهي لن تغيّر من واقع المعادلة السياسية القائمة في لبنان، وكما أشرنا سابقا أنّ القانون انطوى على هدف أساسي يتجاوز كل الأهداف الأخرى ويتقدّم عليها، إذ أنّ معدّيه ولا سيما حزب الله أرادوا أن تجري الانتخابات بلا عناوين سياسية، أي بما يضمن استمرار المعادلة السياسية الحاكمة والتي تحظى بقبول دولي وإقليمي إلى حدّ بعيد.

ويجب التذكير أنّ الانتخابات النيابية التي هزم فيها تحالف حزب الله عام 2009 وفاز تحالف قوى 14 آذار، لم تكلف حزب الله لتعديل النتيجة السياسية لهذه الانتخابات أكثر من التلويح بسلاحه لفرض ما يريد من شروط على مستوى تشكيل الحكومة، وتطويع التفسيرات الدستورية لصالحه من خلال إشهار سلاحه ملوّحا بالثلث المعطل الذي عطل البلاد إلى فترة طويلة وهي المدة التي تجاوزت فترة حكم الرئيس ميشال سليمان وما تلاها من فراغ دستوري وصولا إلى نهاية العام 2016 تاريخ انتخاب ميشال عون.

بهـذا المعنى الانتخابات النيابية في لبنان ليست السبيل لتغيير في معادلة سيطرة حزب الله على الدولة، فثمة ما هو أقوى من أيّ نتيجة انتخابية من الناحية السياسية، هي سطوة السلاح وتأثيره الحاسم في المعادلة الداخلية، لذا يمكن ملاحظـة أنّ القوى الخارجية ليست مهتمة بهذه الانتخابات كما كان الحال في الانتخابات السابقة، فيما شكلـت الأزمـة السـورية مساحة الصراع الفعلية التي يدرك الجميـع أنّ ما سيرسو عليه الصـراع السوري من ميزان القوى سيقرر إلى حدّ بعيد المسار اللبناني، وسيحدد ميزان السلطة في لبنان، فإذا ما كان النظـام وحلفاءه هـم المنتصرون فإنّ لبنان سيكون هدية لحـزب الله وإيران أما إذا كان المنتصر فريقا آخر فهو سيقرر إلى حدّ بعيد وجهة السلطـة وموازينها في لبنان على المستوى الاستراتيجي.

وفيما تظهر الوقائع أنّ الأزمة السورية انتقلت من مواجهة بين النظام والمعارضة، إلى نوع من المواجهة الدولية والإقليمية، أو عملية تقاسم نفوذ تركي وإيراني وروسي وأميركي، تتضمن نوعا من الضمانات الروسية لإسرائيل في منطقة الجنوب السوري، يبقى أنّ المجتمع الدولي ولا سيما الاتحاد الأوروبي، يولي اهتماما للمحافظة على استقرار لبنان أمنيا، انطلاقا من وجود نحو مليون ونصف مليون لاجئ يحرص الأوروبيون على بقائهم في لبنان وعدم اضطرارهم إلى التدفق إلى أوروبا في حال حصلت تطـورات أمنية في لبنـان، وإلى جانب هؤلاء هناك أكثر من خمسة آلاف جندي أوروبي ضمن قوات اليونيفل الموجودة في الجنوب اللبناني لا تريد أوروبا أن يكونوا عرضة لأي استهداف إما بسبب حرب إسرائيلية مع حزب الله، وإما بسبب فوضى قد تنشـأ في الجنوب اللبناني لأسباب تتصل بأي عامل أمني أو سياسي آخر.

نتائج الانتخابات النيابية لن تحمل تغييرا جديدا في المعادلات الحاكمة من الخارج أو تلك المتصلة بمكوّنات السلطة، ولن تغير في سيطرة الدويلة وتحكمها ولا بحجم النفوذ الإيراني، هي انتخابات ربما تذكر بأنّ لبنان لم يزل فيه هامشا من الحياة الديمقراطية وإن وصفها البعض بأنّها اقرب إلى الفلكلور الانتخابي منها إلى انتخابات تضمن التنافس السياسي وتفتح أبوابا على حيـاة سياسية ضمن شروط الدولة لا الدويلة.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

لماذا التغطية الدولية

على جريمة الغوطة الشرقية؟

علي الامين

ما يجري في الغوطة الشرقية عملية إبادة واضحة لإحدى أكبر ضواحي مدينة دمشق، فهذه المدينة التي تضم نحو أربعمئة ألف مواطن سوري، تتعرض لعملية تدمير ممنهج، تمهيداً لأكبر عملية تغيير ديموغرافي تشهدها العاصمة وريفها، بعد داريا ومخيم اليرموك، وغيرها من المدن والبلدات الممتدة بين ريفي دمشق الغربي، وصولا إلى ريف حمص، مرورا بكل المدن والبلدات السورية المحاذية والقريبة من الحدود اللبنانية الشرقية والشمالية.

تجري عملية التغيير الديموغرافي من خلال تنفيذ عملية عسكرية يشارك فيها الطيران الحربي الروسي والسوري جوّا، عبر غارات جوية تستهدف الأحياء والأبنية السكنية، ومن خلال قتل أكبر عدد ممكن من المدنيين، فيما تنفذ القوات البرية وعلى رأسها الفرقة الرابعة في الجيش السوري، بالإضافة إلى ميليشيات تابعة لإيران العمليات القتالية البرية، وإطلاق الآلاف من القذائف المدفعية والصواريخ على الغوطة من دون توقف، على الرغم من صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2401 بشأن الهدنة في سوريا، فإن شيئاً لم يتغيّر على الأرض، استمرت العمليات العسكرية من قبل النظام وحلفائه، على نفس الوتيرة، ومن دون تهيّب أي موقف صدر أو يمكن أن يصدر عن أي دولة أو مؤسسات دولية إنسانية، فيما ذكرت تقارير دولية أنّ النظام السوري استخدم ويستخدم غاز الكلور حتى بعد صدور قرار الهدنة.

الموقف الفرنسي المندّد والمهدّد، لم يلق أيّ صدى لدى النظام وحلفائه، أما الموقف الأميركي الذي لا يزال يلـمح إلى استخدام القوة ضد النظام السوري بسبب استخدامه الأسلحة الكيماوية، فهو لم يغيّر من وتيرة العنف الدموي للآلة السورية العسكرية ولا للطائرات الروسية التي تستخدم مقذوفاتها لتدمير الغوطة بحجة ضرب الجماعات الإرهابية، فيما تعمل إيران وميليشياتها على استكمال عملية القضم والذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تدمير الغوطة كخطوة إستراتيجية لإحكام النفوذ على ما بقي خارج السيطرة في دمشق وريفها، والأهم هو توفير شروط أكبر عملية تهجير لضرب وتقويض ما تبقى من حاضنة الثورة السورية التي لم يجد النظام السوري وحلفاؤه وسيلة لإنهائها إلاّ بالقضاء على حواضنها الشعبية الواسعة.

ما يثير القلق والريبة في ما يجري اليوم في الغوطة الشرقية، هو الصمت الدولي الذي وإن كانت الإدانة هي لغة بعض التصريحات والمواقف ومضمونها، إلاّ أنّها تنطوي على محاولة التبرؤ من الجريمة، أكثر من أي سعي جدّي لوقفها، فالجريمة الكبرى في الغوطة تتم من دون استعجال، كأنما القاتل مطمئن إلى أنّ أحداً ليس في وارد وقفه عن ارتكاب جريمته، بل ثمّة ما يوحي بتغطية دولية لهذه الجريمة، لغايات ومصالح إستراتيجية. فالتغيير الديموغرافي المؤسس على تدمير ممنهج لحواضر سوريا يبدو أنه يلبّي مصالح الدول المؤثرة في الساحة السورية والدولية، من هنا فإن اطمئنان النظام السوري وحلفائه لردود الفعل الدولية الصوتية، يجعله أكثر انخراطاً في عملية التدمير والتغيير الديموغرافي، وهذا ما يترافق أيضا مع غياب شبه كامل لأي موقف عربي تجاه ما يجري من جرائم ترتكب في الغوطة، وهو صمت يعكس إما حالة عجز كامل للدول العربية عن التخفيف من المأساة في الغوطة، وإما تقبّل لكل ما يطال الغوطة ومن ورائها سوريا من جرائم إنسانية وسياسية لن تكون الدول العربية بمنأى عن تداعياتها.

كما أنّ إسرائيل التي تدرك مصالحها الإستراتيجية والأمنية على وجه الخصوص، تعلم أن ما يجري من جرائم ديموغرافية على مقربة منها في الجنوب السوري، هو الهدية الإستراتيجية التي تقدم لها من قبل روسيا وإيران والنظام السوري، ذلك أنّ إسرائيل تدرك أنّ إيران التي تلوح بصواريخها من سوريا ولبنان، ليست هي الخطر الوجودي عليها، ومع الشرخ المذهبي والاجتماعي الذي أحدثه الدخول الإيراني العسكري إلى سوريا، فإنّ تداعياته على المجتمع السوري وعلى الفسيفساء اللبنانية، ستشكّل عنصر أمان إستراتيجي على المدى الطويل، وهي مصادر الخطر التي تدعي إسرائيل وجوده فيهما، إذ من الناحية الإستراتيجية أصبح العداء بين إيران وأنصارها من جهة، والبيئة العربية السنية من جهة ثانية، يتجاوز أي عداء آخر لكلا الطرفين ولا سيما العداء لإسرائيل.

لقد ساهمت الحرب السورية عموماً والحرب على الغوطة اليوم، في ترسيخ العداء السوري لإيران في البعد الاجتماعي في الحد الأدنى، باعتبار أنّ الثابت في سوريا هو الشعب السوري أما نظام الأسد فسيتغير إن لم يكن اليوم فبعد سنوات، من هنا سيبقى عنصر الانقسام والعداء بين مكوّنين؛ شيعي تديره إيران عبر حزب الله في لبنان وعلى حدوده مع إسرائيل، وآخر طبيعي هو العمق الشعبي السوري الممتد إلى حدود الجولان المحتلّ من قبل إسرائيل، هذا الانقسام والعداء المعمد بدماء عشرات الآلاف، هو بوليصة التأمين الأهم لإسرائيل للعشرات من السنين القادمة، ذلك أن ما رسخته الأزمة السورية لدى المكوّن الشيعي في لبنان في ظل الوصاية الإيرانية عليه، هو الخطر القادم من العمق العربي السني، وفي المقابل ثمّة وعي ترسخ لدى الملايين من السوريين أن إيران وبأدواتها المذهبية العربية هي من أوغل في دم السوريين.

الغوطة جريمة ترتكب بأيد سورية وإيرانية وروسية، لكنّها جريمة تجري تغطيتها دوليا، ليس لهدف يتصل بحماية نظام الأسد، بل لهدف آخر تدمير البنية المجتمعية حول إسرائيل بمزيد من إحداث الشروخ في داخلها من جهة، ولترسيخ معادلات تقوم على جعل العداء لإسرائيل عداء لفظيا، لكنه في الواقع يلعب دور حرس الحدود لإسرائيل لعقود قادمة.

 

كاتب لبناني

(العرب) اللبنانية

 

 

لماذا أترشح؟

 وكيف أنسحب

علي الأمين

 

أترشح إلى الانتخابات النيابية في دائرة الجنوب الثالثة، بنت جبيل – مرجعيون – حاصبيا – النبطية، لأنّ العملية الانتخابية ليست حملات ولاء ولا بيعة لحزب أو شخص أو عقيدة أو إيديولوجيا خاصة، وليست سبيلاً للوصاية على المجتمع، بل لأنّها منافسة حقيقية على اساس الولاء للوطن فقط.

أترشح من أجل أن تكون الانتخابات وفق ما يتوقعه الناس والمجتمع من المرشح والنائب، لا ما يتوقعه الزعيم السياسي من الناس.

اترشح عن المقعد الشيعي في بنت جبيل من أجل بث الحراك والدينامية في المجتمع، بعد أن عمدت الأحادية الحزبية الممثلة بالثنائي حزب الله وحركة أمل، على تعطيل طاقة المجتمع الجنوبي، ومنعه من تشكيل تضامنات اجتماعية وثقافية تسهم في تعميم النقاش العام حول القضايا الملحة وفي بناء الرأي العام، بل كادت هذه القوى تحرّم النقاش العام وتمنعه وتحتكر الساحات العامة وتحوّل الرأي العام إلى ما يشبه التلقين والتعليمات، أكثر من بناء قنوات تواصل وحوار مع مكوّنات المجتمع لاستطلاع همومه وهواجسه وآماله ومصالحه.

أترشح كلبناني يعتز بوطنه وبانتمائه إلى جبل عامل، ومن أجل استعادة روح التعددية في المجتمع، التي تبث الحيوية واختلاف الرأي وتعدد الميول والاتجاهات، فلا يتلون مجتمع أو طائفة بلون خاص، أو أيديولوجيا خاصة، أو معتقد واحد، أو موقف سياسي خاص، لأنّ ذلك شكل من اشكال الاستبداد والطغيان المبطن.

أترشح لكي نثبت ونعترف أن لكل قوّة الحق في ان تعبر عن رأيها ومواقفها، لكن ليس لأحد الحق ان يحصر موقف المجتمع وقناعاته بفكرة واحدة او موقف واحد.

اترشح لأنني على قناعة بأن الجنوب يحتاج إلى كسر الاحتكار الذي مارسته الأحادية الشيعية على التمثيل النيابي والسياسي طيلة 26 عاماً، محاولةً إسكات التنوع الجنوبي وطمسه لصالح سطوة السلاح والميليشيوية التي باتت تسيطر وتتحكم ليس بمؤسسات الدولة الإدارية والتربوية والأمنية وحتى القضائية فحسب، بل أطلقت يد المتنفذين وعززت الفساد المتمثل بالزبائنية والمحسوبية، وساهمت في خلال 26 عاماً بتغطية أكبر عملية مصادرة للأملاك العامة والمشاعات البرية والبحرية لم يشهدها الجنوب قبل ذلك.

أترشح من أجل التأكيد على هوية الاعتراض الجنوبي، في رفض أيّ سلطة مصادرة للمجتمع والناس باسم العناوين الكبرى، ذلك أنّ التجارب علمتنا أنّ المفسدين في الأرض لا يحققون مبتغاهم إلاّ إذا تسلحوا بشعارات براقة وعناوين كبرى، كالشعار الدارج في الجنوب اليوم، “كن مع المقاومة وافعل ماشئت”. والشواهد كثيرة من كارثة تلوث الليطاني وتراجع المدرسة الرسمية وتقويضها، سرقة المشاعات، فساد المستشفيات، تمدد البطالة، غياب المشاريع الانتاجية ومنع انشائها، انهيار القطاع الزراعي، والسلسلة طويلة ليس المجال تفصيلها الآن.

أترشح من أجل التأكيد على أنّ كسر احتكار التمثيل النيابي ليس هدفاً انتخابياً لقوى الاعتراض الجنوبي المتنوعة فحسب، بل هدفاً سياسياً يكتسب اليوم أهمية قصوى، بسبب ما يوفره النظام النسبي في قانون الانتخاب من فرصة لتحقيقه….
أترشح لأنّ أولوية اجتماع قوى الاعتراض تبقى هدفاً يجب عدم التهاون بشأنه، ولا محاولة تقويضه عبر شعارات تضيع الهدف، أي إحداث الخرق، الذي ستكون آثاره الايجابية على الجميع جنوبا في معزل عن الهوية الحزبية أو السياسية التي يحملها من حقق الخرق.

 أترشح مع رفاق درب النضال، الأسير المحرر من سجون اسرائيل المناضل أحمد اسماعيل والمناضل المقاوم طويلاً ضد اسرائيل خلال احتلالها جنوب لبنان، عماد قميحة، وغايتنا تشكيل لائحة واحدة للاعتراض الجنوبي المتنوع في وجه لائحة الأحادية الحزبية المتكررة منذ 26 عاماً.

نترشح ونحن نمد يد العون لكل القوى والشخصيات المعترضة للوصول إلى لائحة اعتراض واحدة، مدركين أنّ جهوداً بذلت على هذا الصعيد ولم تحقق المبتغى ولكن الفرصة متاحة بعد، لذا فإنّنا لن نبخل في بذل أيّ مسعى على هذا الطريق، وفيما نحن مصممون على السير قدماً في ترشيحاتنا، فإننا جاهزون لأن نجعل منها جسر عبور لهدف اسمى هو لائحة توحيد الاعتراض. لا مانع أن نضحي ونسحب ترشيحاتنا، إذا كانت عائقاً أمام قيام لائحة تجمع كل الاعتراض الجنوبي، أيا كانت مصادره ومنابعه.

اخيراً وليس آخراً، أترشح لأن الترشح ليس نزهة ولا استعراضاً، بل هو مسؤولية أمام المجتمع وامام الوطن… ليس لدينا أوهام، لكن لدينا ثقة بأهلنا الجنوبيين الذين يريدون منّا أن نكون أقوياء، أقوياء في إرادة التغيير لحماية التنوع، في استنهاض طاقات المجتمع، وفي بناء الوطن الذي يستحق أن يكون حاضناً لكل أبنائه ناهضاً بهم، وناهضين به.

مع موقع (جنوبية)

 

الانتخابات النيابية في لبنان:

الدويلة ليست قدرا

علي الامين

يُغلق باب الترشحات إلى الانتخابات النيابية في لبنان منتصف ليلة الثلاثاء ويرجح أن يتجاوز عدد المرشحين 500 مرشح يتنافسون على 128 مقعدا، هو عدد مقاعد مجلس النواب.

ما يميّز هذه الانتخابات أنها تأتي بعد تمديدين للبرلمان الذي انتخب عام 2009، أي بعد تسع سنوات على آخر انتخابات نيابية، علما وأن ولاية البرلمان هي أربع سنوات، كما أن ما يميز انتخابات هذا العام، والتي يفترض أن تجري في السادس من مايو المقبل، أنها تجري بلا خطاب سياسي، أي أن التحالفات التي يفرضها اعتماد النظام النسبي لأول مرة في تاريخ الانتخابات اللبنانية وطبيعة تقسيم الدوائر الانتخابية، تجعلان الصراع والتنافس مقتصرين في معظم الدوائر على تنافس داخل الطوائف، باستثناء الطائفة الشيعية التي يحكم طرفا الثنائية الشيعية (حزب الله – حركة أمل) على النتيجة التي يريدانها، أي الفوز بمعظم المقاعد الشيعية في البرلمان بالإضافة إلى القدرة على إحداث بعض الخروقات ولا سيما في الطائفة السنّية.

كما أنّ هذا القانون انطلاقا من طبيعة الدوائر والنظام المعتمد، لا يحتاج المراقب للكثير من الجهد ليخلص إلى أن نتائجه تصب في صالح تحالف الثنائي الشيعي، وحزب الله على وجه التحديد، ذلك أن حزب الله كان المقرر الأول في فرض هذا القانون، على الرغم من أن الشائع هو أن رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية جبران باسيل هو الذي روّج له ونجح في فرضه، لكن الواقع يقول إن حزب الله هو المستفيد الأول من هذا القانون. لكن لماذا هو المستفيد؟

يجب الانتباه بداية إلى أن حزب الله هو القوة المسلحة الوحيدة في لبنان من خارج مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، بل يمكن القول إنه يمتلك سطوة على كل الأجهزة الأمنية والعسكرية الرسمية، وهذا السلاح ليس عنصرا مهملا في أي عملية انتخابية وأي قانون انتخابي، إذا ما تحدثنا عن داخل البيئة الشيعية، فسطوة السلاح قائمة وذلك بذريعة المقاومة، فلحزب الله وحده القدرة على وضع خصومه في خانة أعداء المقاومة، وهذا الاتهام بحد ذاته وفي ظل غياب فعلي لدور الدولة كعنصر حماية للمجتمع خصوصا في البيئة الشيعية، يجعل من الاعتراض على سياسة حزب الله أو مواجهته انتخابيا أمرا مكلفا لأي جهة أو شخصية تسعى لمواجهة الحزب انتخابيا، لإدراك هؤلاء أو من يفكر بمنافسته داخل الطائفة الشيعية أنه سيصبح عرضة لكل الاحتمالات السيئة ومنها الاتهام بالعمالة سواء للعدو الإسرائيلي أو لدولة عربية أو غربية، وهذا بحد ذاته يشكل عنصر تهديد ليس للمرشح فقط، بل للناخب أيضا الذي يدرك أن كلفة التمايز عن حزب الله أو التعبير عن تأييد خصومه سيعني تعرضه لتهديدات تبدأ من التهديد في أرزاقه، إلى محاصرته ومنعه من نيل أبسط حقوقه في مؤسسات الدولة.

وثمة أمثلة عديدة لأفراد أو جهات داخل البيئة الشيعية، تظهر كيف أن حزب الله لا يتسامح مع أي معارضة تواجهه داخل الطائفة الشيعية، لا سيما في قدرته على تركيب ملفات أمنية ضد خصومه واتهامهم بالعمالة للعدو. وهذا ما حصل مع الشيخ حسن مشيمش المعارض لحزب الله، وهو رجل دين أودع السجن لأربع سنوات بتهمة العمالة للعدو وهي تهمة باطلة، وقدرة حزب الله هنا تتميز بأنه قادر على تركيب الملفات من خلال مؤسسات رسمية من دون أن يظهر في الصورة، لكن الجميع يدرك أنه هو من يحرك ويدير أجهزة الدولة المعنية لصالحه. كما يمكن الإشارة إلى شخصيات أخرى تعرضت لاعتداءات في مناطق نفوذ حزب الله، فقط لكونها على خلاف سياسي معه مثل العلامة السيد علي الأمين الذي تم طرده من مدينة صور وإقالته من وظيفة الإفتاء فقط لكونه معارضا لسياسة حزب الله على وجه التحديد. وشيء من هذا القبيل جرى مع أحمد كامل الأسعد، لا بل تم قتل أحد مناصريه، وهاشم السلمان قبل ثلاث سنوات حين كان مع عدد من مناصري الأسعد يحاولون الاحتجاج أمام السفارة الإيرانية بسبب الحرب السورية، فكان جزاؤهم قتل هاشم السلمان برصاص مجموعة من البلطجية الذين انهالوا بالضرب وبإطلاق النار على المحتجين، وهذه القضية التي لم تصل إلى القضاء ولا جرى التحقيق فيها، ودائما بقوة حزب الله وسطوته على الدولة.

النتائج التي حصّلها حزب الله مسبقا من خلال القانون الحالي للانتخابات النيابية، ليست محسومة، والانتخابات مهما بلغت قدرة حزب الله على التحكم بنتائجها نتيجة سطوة السلاح على المجتمع وعلى مؤسسات الدولة، ستبقى عرضة للمفاجآت

من هذا المنطلق، أي من السلاح وسطوته على المجتمع والدولة، نجح حزب الله في جعل حالات الاعتراض في البيئة الشيعية مكتومة، بسبب كلفة الاعتراض بل التمايز. ثمة من قد يسأل أو ليس التمايز موجودا بين حزب الله وحركة أمل؟ يمكن الإجابة بالنفي ذلك أن تحالف الثنائية الشيعية والتي صارت أحادية، هو الثابت الوحيد في الحياة السياسية اللبنانية منذ عام 1992 حتى اليوم، وقوة هذا التحالف ليست ناشئة من عناصر محلية بل هي نتاج الوصاية السورية التي فرضته في انتخابات عام 1992 وحتى عام 2005، وعند خروج الجيش السوري من لبنان تولت إيران تثبيته، وتحول إلى أحادية شيعية ثبتت مرجعية حزب الله وقبلت حركة أمل برئاسة نبيه بري بالوضعية الجديدة أي أن تكون ملتزمة بمتطلبات الاستراتيجية الإيرانية، في مقابل المحافظة على وجودها في المعادلة السياسية وضمان حصتها في معادلة المحاصصة الداخلية. أي أن لسان حال حركة أمل ورئيسها “نواليكم في الاستراتيجيات الإيرانية مقابل المحافظة على حصصنا اللبنانية الداخلية”.

هذه السطوة لحزب الله على الطائفة الشيعية، تتيح له الفوز بأي انتخابات نيابية تجري في مناطق ذات غالبية شيعية، ليس بسبب ما لديه من جمهور المؤيدين فحسب، بل لأن منطق الأمور يقول إن المنافسة بين مسلح وأعزل من السلاح، ستكون نتائجها لحامل السلاح، وهذا العنصر الأهم والحاسم، وكذلك كان الحال على المستوى الوطني، إذ لم يشكل فوز قوى 14 آذار في الانتخابات النيابية عام 2009 أي تأثير على حزب الله، فوجود السلاح بحوزته كان كفيلا بإنهاء أي معنى للفوز الانتخابي لمنافسيه، والسلاح هو الذي قلب المعادلة لصالح حامل السلاح أي حزب الله.

إذا كان الحال كذلك، فلماذا يهتم حزب الله بقانون الانتخاب اليوم؟

الاهتمام بتفاصيل قانون الانتخاب وطبيعته له سببان يجعلان الحزب متحمسا لهذا القانون، الأول أن هذا القانون الذي يعتمد النظام النسبي يتيح لحزب الله اليوم اختراق الطوائف اللبنانية الأخرى، إذ يطمح حزب الله في أن يكون لديه حلفاء أو أتباع من الطوائف الأخرى والقانون الحالي يتيح له هذه القدرة، فيما تفتقدها الأطراف اللبنانية الأخرى في الدائرة الشيعية لأسباب عدة لكن أبرزها وجوهرها سطوة سلاحه.

أما السبب الثاني فيتصل ببعد سياسي، ذلك أن هذا القانون ساعد حزب الله على جعل الانتخابات عبارة عن تنافس انتخابي ويفرض تحالفات انتخابية غير سياسية في معظم الدوائر، وهذا ما جعل أمين عام حزب الله يقول إن الانتخابات المزمعة ليست فيها تحالفات سياسية وأن المتفقين سياسيا يمكن أن يكونوا متنافسين في الانتخابات بسبب طبيعة القانون.

النتائج التي حصّلها حزب الله مسبقا من خلال القانون الحالي للانتخابات النيابية، ليست محسومة، والانتخابات مهما بلغت قدرة حزب الله على التحكم بنتائجها نتيجة سطوة السلاح على المجتمع وعلى مؤسسات الدولة، ستبقى عرضة للمفاجآت، ذلك أن مجرد إجراء الانتخابات هو أمر ضـروري وإيجابي، ولو كـانت شروط المنافسة الشريفة غير متوفرة، ولو كانت قدرة التزوير متاحة لمن يمتلك السطوة والقوة والتحكم بالمؤسسات، لكن ثمة استحقاق يجعل التفاؤل لدى اللبنانيين مقتصرا على قدرة الانتخابات على الإتيان ببضعة نواب لبنانيين قادرين على التقاط نبض الشعب اللبناني والتعبير عنه بحرية، وهذا كاف طالما أن معيار الأقلية والأكثرية في مجلس النواب لا معنى له في ظل سطوة السلاح، لكن ثمة صوت لبناني يجب أن يظل صادحا بمشروع الدولة حتى لا تصبح الدويلة قدرا.

(العرب) اللندنية

 

جريمة دولية في الغوطة

بتنفيذ إيراني روسي

علي الامين

وحشية النظام ضد شعبه سر بقائه

لم يكن صدور القرار الدولي رقم 2401 القرار الذي ينص على وقف النار الفوري في الغوطة الشرقية، مع الحق بإطلاق النار على الإرهابيين وحصارهم وتجويعهم، سوى قرار مخادع، بل فارغ من مضمون وقف العمليات العسكرية، أو بتعبير أدق الإبادة التي تطال كتلة بشرية يقارب عددها النصف مليون مواطن سوري يقيمون في هذه الضاحية الشرقية لدمشق.

وقف إطلاق النار الملتبس هذا هو لمدة شهر، علما أن مجموعات النظام العسكرية وحلفائه، لم يجدوا ضيرا من استخدام غاز الكلور ضد السكان غداة إصدار هذا القرار الأممي، وهو إجراء يعكس المدى الذي بلغه هذا النظام مع حليفيه، إيران وروسيا، في الاستعداد للإبادة مدركين أن قتل المدنيين السوريين لا يقضّ مضاجع الحكومات والدول العربية والغربية، ففي جعبة هذا الحلف مئات الآلاف من الضحايا خلال السنوات السبع الماضية، فمنذ استخدم النظام السوري الأسلحة الكيماوية في الغوطة الشرقية في العام 2013 من دون أن ينال أي عقاب دولي، أدرك هذا النظام وحلفاؤه، أن لا خطوط حمراءَ دولية لارتكاب المجازر ولا لتهجير السكان بعد تدمير المدن والحواضر.

وظيفة القتل والتطهير والإبادة والتهجير، هي الوظيفة التي يجب أن يستكمل مهماتها نظام الحكم الطائفي في سوريا. العلمانية التي ادعاها حزب البعث الحاكم في سوريا لم تكن سوى الغطاء لحكم الأقلية العلوية، ولتنفيذ أكبر مجزرة عرفها العرب ضد شعب من شعوبه، ولعل سوريا اليوم تدفع ثمن إصرار بعض الدول على جعل المأساة السورية تتفوق في مضمونها على كل ما طال الشعب الفلسطيني من مأساة الاحتلال واللجوء وإلغاء الهوية، ذلك أنّ الصمت الدولي حيال نهر الدم السوري الجاري منذ سبع سنوات، يعبر عن سياسة تطلق العنان للوحش الذي يختزنه النظام من أجل القيام بأقصى ما يمكنه من عمليات إجرام منظم. وفي المقابل جعل الشعب السوري الباحث عن حدّ معقول من الحرية وحق المشاركة في تقرير سياسات الدولة، عاريا من أي حماية دولية، بل دفعه نحو التخلي عن هويته الإنسانية، إمّا بالرضوخ لوحشية النظـام، وإما بالانجرار نحو الجنون الذي يريده النظام ليغطي ولو البعض مما ارتكبه ويرتكبه بحق الشعب، وعلى وقع هذه المعادلة الخبيثة، يصبح المبضع الإقليمي والدولي الأداة الطيعة في عملية تقاسم النفوذ على جثث السوريين ودمائهم.

وحشية النظام ضد شعبه هي سر بقائه ومصدر حمايته الإقليمية والدولية، وهي وظيفته التي ينفذها لتطهير سوريا من شعبها، إما بالقتل وإما بالتدمير والتهجير، هذا ما يجري منذ سبع سنوات من دون أن يشعر النظام أن هذه الوظيفة تهدد بقاءه، بل هي جوهر وجوده واستمراره، ذلك أن ما جرى في سوريا خلال السنوات القليلة الماضية التي تلت انتفاضة الشعب السوري ضد استبداد النظام ومن أجل إصلاحه، هو عملية إقليمية ودولية لتدمير المجتمع السوري، وقد تولى ما يسمى “حلف الممـانعة” القيام بهذه المهمة التي استخدم من خلالها كل ما لديه من أيديولوجيات مذهبية وطـائفية للانخراط في هـذه المهمة. إذ يمكن ملاحظة كيف أن النفوذ الإيراني وحتى الروسي من خلال تثبيتهما لقواعد عسكرية وسيطرتهما على مناطق سورية واسعة، كان شرطه تهجير السكان بجعل الحياة والبقاء مستحيلين بسبب المجازر وعمليات القتل.

فمناطق النفوذ الإيراني اليوم في سوريا هي التي تعرض سكانها للقتل والتهجير ولا سيما في المثلث الممتد من دمشق وضواحيها، وامتدادا نحو حمص وريفها وعلى كامل المناطق الممتدة بين دمشق والحدود اللبنانية الشرقية والشمالية، فضلا عن مناطق الجنوب السوري، وصولا إلى درعا.

العلمانية التي ادعاها حزب البعث الحاكم في سوريا لم تكن سوى الغطاء لحكم الأقلية العلوية، ولتنفيذ أكبر مجزرة عرفها العرب ضد شعب من شعوبه

الغوطة هي ما تبقى من مناطق خارج النفوذ الإيراني والروسي والنظام في دمشق ومحيطها، لذا فإن استباحتها من قبل الميليشيات الإيرانية وقوات النظام وبغطاء جوي روسي، هو قرار لا عودة عنه، والنزعة التدميرية التي يتم اعتمادها تؤكد أنّ الإستراتيجية المعتمدة من النظام وحلفائه، تهدف إلى إنهاء فرص استمرار العيش في هذه المناطق، وتهجير أكبر عدد ممكن من السكان الذين شكلوا حاضنة للثورة ضد النظام أسوة بداريا واليرموك، فسياسة التهجير والتغيير الديموغرافي مستمرة، وهي سياسة لا تلقى اعتراضا دوليا، بما يؤكد أن أداة القتل والتطهير المذهبي تحظى بنوع من عدم الاعتراض إن لم نقل السكوت على جريمة يتبرع الأسد وإيران وروسيا بتنفيذها، باعتبارها من المهمات القذرة التي لا تريد الدول المؤثرة أن تلوث أيديها مباشرة بهذه المهمة.

على أن قمة الإفلاس والقذارة لدى أطراف محور الممانعة، هي محاولة تغطية جريمة الغوطة بشعارات العداء لإسرائيل، وكأن إسرائيل متضررة من تهجير الشعب السوري وقتله وإبادته. إذ لا يخفى على أي مواطن سوري أنّه كلما أوغل محور الممانعة في القتل والتدمير والتهجير داخل سوريا، هو بالضرورة يقوم بمهمة إستراتيجية لطي صفحة العداء لإسرائيل. فالشعب السوري الذي ناله ما ناله من مأساة باسم الممانعة وباسم العداء لإسرائيل وأميركا، والذي تُغيرُ الطائرات الروسية على رؤوس أطفاله، وتتساقط القذائف الإيرانية على مدنه وقراه باسم شق طريق القدس، هو شاهد على كيفية قتل وتدمير نظام الأسد البلد باسم العداء لإسرائيل. كل ذلك لا يمكن ألا تكون له نتائج إستراتيجية على مستقبل العداء لإسرائيل. ما فعلته الممانعة هو باختصار فتح الطريق لإسرائيل إلى ما سمي يوما قلب العروبة النابض أي سوريا.

الغوطة التي تستباح وتدمر هي مجرد تفصيل في مسار، والقرار الدولي يكشف استمرار سياسة القتل والتدمير والتهجير لصالح نظام الاستبداد والممانعة. قرار تدمير الغوطة لن يتوقف، ما دامت النتائج السياسية والإستراتيجية تصب في السلة الإيرانية، والسيطرة الروسية وفي ضمان استقرار إسرائيل على المدى الطويل، وطالما أنّ الولايات المتحدة مطمئنة إلى أن هذه الأطراف، بالإضافة إلى تركيا، لن تستطيع ضمان حصتها من دون شرعية أميركية، يبقى الضحية والمغيّب في الآن نفسه عن هذا المشهد، هو الشعب السوري. مغيب عن رسم مستقبل سوريا، وإن كان الحاضر والشاهد والضحية في جريمة القتل اليومي لسوريا ومستقبلها.

(العرب) اللندنية

 

مظاهر صدمة مسيحية

من التغول الإيراني في لبنان

علي الأمين

المواجهة التي انفلتت نحو الشارع بين حليفي حزب الله التيار الوطني الحر وحركة أمل، كشفت عن حقيقة عدم الانسجام وعدم التناغم بين حلفاء الأمس، منذ انضم التيار الوطني الحر قبل اثني عشر عاماً بالتمام والكمال إلى ما يسمى حلف 8 آذار أو حلف الممانعة والمقاومة الذي يقوده حزب الله منذ خروج الجيش السوري من لبنان في العام 2005.

ما سمي “تفاهم مار مخايل” الذي قام بين حزب الله والتيار الوطني الحر بقيـادة العماد ميشال عون وبين حزب الله بقيادة حسن نصرالله في شهر فبراير من عام 2006، كان يقوم في جوهره على بعد سيـاسي يتمثل في مقايضة تسليم التيار الوطني الحر بالخيارات الاستراتيجية التي تعني حزب الله محليا وإقليميا، وجوهرها المحافظة على سلاحه مقابل دعم حزب الله وصول العماد ميشال عون إلى موقع رئاسة الجمهورية.

كما قام التفاهم على بعد يتصل بخيار مسيحي قاده العماد ميشال عون، يقوم على مفهوم حلف الأقليات، كمصدر أمان للمسيحيين إذ قاد عون مشروع بناء تحالف مسيحي في المشرق مع إيران معتقدا أنها مصدر الحماية للوجود المسيحي في الشرق، وهذا من شأنه أن يؤشر على أنّ مصدر الخطر هو الأكثرية السنية في العـالم العربي، لذا أدار التفاهم بين عون وحزب الله الظهر للبنية العربية ويمم وجهه تجاه إيران.

ربما اعتقد الرئيس ميشال عون والفريق الذي يمثله بعد أن وصل إلى رئاسة الجمهورية أنه شريك في هذا المحور الذي تقوده إيران عبر حزب الله في لبنان، لكن التطورات التي شهدها الأسبوع الماضي في لبنان كشفت عن أبعاد العلاقة وحجمها بين التيار الوطني الحر وحزب الله. فالمواجهة التي فجرها رئيس هذا التيار وصهر رئيس الجمهورية الوزير جبران باسيل مع حليف حزب الله الرئيس نبيه بري وحركة أمل، أظهرت بما لا يدع مجالا للشك، أنّ العلاقة بين طرفي الثنائي الشيعي تنتمي إلى نظام مصالح راسخ ومتماسك، فيما العلاقة بين حزب الله والتيار الوطني الحر لا ترقى إلى مصاف هذا النظام، بل هي أدنى منه وقابلة للانفراط أو التراجع والتفكك.

حزب الله منذ بداية الصدام بين حليفيه اصطف بوضوح إلى جانب الرئيس نبيه بري، من دون أن يتخلى عن دور المصلح بينهما، لكنه قالها بوضوح أولويتنا العلاقة مع الرئيس برّي، ورغم المظاهر الميليشيوية والغوغائية التي عبّر عنها مناصرو الرئيس بري في الشارع وفي قلب مناطق ذات غالبية مسيحية، فإن حزب الله لم يظهر أي موقف معترض على هذا السلوك المنفر والذي تجاوز في حدوده أشواطا على ما كان باسيل قد قاله في الرئيس بري.

الصدمة المسيحية لم يخفف منها التوصل إلى حل يسحب الفتيل من الشارع، فما صدر عن باسيل في مقابلة مع مجلة ماغازين الناطقة باللغة الفرنسية، كان يعبر عن هذه الصدمة عندما قال إن بعض الخيارات الداخلية التي يعتمدها حزب الله تضر بمصلحة لبنان، وكان يشير في هذه العبارة إلى أن حزب الله ليس جاهزا أو راغبا في دعم خيار الدولة في الداخل عندما يصطدم بخيارات حلفاء له متورطين في الفساد، وكان يشير، بطريقة غير مباشرة، إلى علاقة حزب الله بالرئيس بري الذي يعتقد أنصار التيار الوطني الحر وقادته أنه عائق أمام خيار الدولة.

الصدمة المسيحية لم تزل في بدايتها والانتخابات النيابية التي ستجرى في مايو المقبل هي الفتيل الذي ينذر بانفجار يحاول الوزير جبران باسيل أن يكون في وجه خصومه الذين يراهنون على أنه سيكون الخاسر

الصدمة المسيحية داخل التيار الوطني الحر وفي البنية التي راهنت على التحالف مع حزب الله كسبيل لإعادة الاعتبار للدولة وللدور المسيحي فيها، لم تتأت من التغول الخارجي الذي مثله حزب الله. فالعماد ميشال عون وما يمثل مسيحيا، كان في مقدمة المدافعين عن دور حزب الله في الدفاع عن نظام الأسد، ولعب الوزير جبران باسيل الدور المطلوب منه على صعيد الذود عن دور حزب الله وعن سلاحه، وغطى من موقعه كوزير للخارجية كل ما تتطلبه مصالح هذا الحزب سواء في جامعة الدول العربية أو في الأمم المتحدة، وحتى على مستوى الاتحاد الأوروبي وغير ذلك، الصدمة هنا أحدثها الدخول الفج والميليشيوي إلى عقر دار المناطق المسيحية من قبل مناصري الرئيس نبيه بري، لقد كشفت في الوعي المسيحي عن حجم من التغول “الشيعي السياسي” في الداخل، وترافق ذلك مع واقع أن التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر، انتهت مقتضياته، خاصة بعد أن دخل الرئيس سعد الحريري في التسوية، ومع ضعف الثنائية الإيرانية السعودية في البلد لصالح الأحادية الإيرانية. وأظهرت هذه الوقائع أيضا أن حزب الله نجح في فرض وقائع منذ عام 2006 إلى اليوم، جعلت سلاحه خارج السجال داخل السلطة، واستثمر الغطاء المسيحي ليعزز من نفوذه الخاص داخل بنية الدولة، وبات الغطاء الذي وفره التيار الوطني الحر أقل أهمية مما كان عليه سابقا، لا سيما مع تحول حزب الله إلى مرجعية بقوة الأمر الواقع.

من هنا يتسلل إلى وعي التيار حدث فيه بعض الذهول، يتمثل في أن ما يسميه بعض اللبنانيين من شيعية سياسية، تفرض نفسها على الأرض بمعطيات من خارج الدولة، تتسبب بخلل ليس في التوازنات السياسية فحسب بل في التوازنات الطائفية، وهذا إن كان مقبولا قبل وصول العماد عون إلى الرئاسة، فإنه يزيد من الصدمة استمراره بعد وصول حليف حزب الله إلى الرئاسة الأولى، فالخوف المسيحي كان مركزا على الشارع السني طيلة السنوات العشر الماضية، إلا أنّ بعض القريبين من التيار الوطني الحر بدأوا يشيرون إلى أنّ الثنائي الشيعي الذي أخذ لبنان في مغامرات خارج البلد عبر حزب الله، يفرض مقولة إما أنا وإما الفراغ في الحياة السياسية الداخلية، أي تسير الدولة كما أشاء أو يتوقف كل شيء.

وفي هذا السياق وإزاء الصدمة التي يعبر عنها بعض قياديي التيار الوطني الحر في الغرف المغلقة حول موقعهم في الدولة، وبحث دور حزب الله في إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة في ظلّ رئاسة ميشال عون، ثمة إعادة حسابات يبررها الخوف من نتائج ما يسمونه التغول السياسي الشيعي، لا سيما أن ثمة ما يقوله حزب الله بشكل مباشر أو غير مباشر لقادة هذا التيار، ومفاده أن ما قام به الحزب لإيصال عون إلى الرئاسة هو مقابل كل ما فعله الأخير من تأمين غطاء مسيحي كان يحتاجه حزب الله، أما تحديات بناء الدولة فهي شأن آخر ولها تعقيداتها وحساباتها التي لا تلزم هذا الحزب بالوقوف خلف عون بالضرورة.

ثمّة شعور مسيحي يترسخ في وعيهم العميق، أن ما قاموا به لترجيح كفة المشروع الإيراني على المشروع العربي برافعته السعودية، لم يوفر الأمان للمسيحيين وأظهرت الوقائع أن ثمة غوغائية عدوانية تحكم الشارع الشيعي وعبرت عن نفسها بنوع من انتفاخ وتوهم بقدرات خارقة في مواجهة المسيحيين والتيار الوطني الحر على وجه الخصوص، ويضيف أحد قادة التيار أن العقدة الشيعية باتت ظاهرة غير قابلة للتفكك، فالنزول إلى الشارع بهذه الطريقة الغوغائية، إهانة للشيعة، وهذا سلوك لا يليق بطائفة ولا يرمز إلى رئيس مجلس النواب ومصدر التشريع الذي يجب أن يمثل الحكمة.

الإشكالية التي يدركها التيار الوطني الحر وعلى رأسه الوزير جبران باسيل، تتمثل في أن أخذ الشارع المسيحي للوقوف خلف مشروع إيران، كان يفترض أن يقابله حزب الله بعد انتصاراته التي أعلنها في سوريا والتي حققها في لبنان، بخطوات جدية تشعر المسيحيين على وجه الخصوص، بأن الطريق إلى دولة المؤسسات باتت سالكة أو قليلة المطبات والمعوقات، ذلك أن الثمن الذي قدمه المسيحيون على طريق كسر المشروع العربي والسعودي في لبنان، يتطلب في المقابل القول للمسيحيين واللبنانيين عموما إن الدولة يجب أن تستعيد دورها طالما أن الجميع قد سلم، طوعا أو رغما عنه، بمصالح حزب الله وإيران الاستراتيجية في لبنان ومحيطه.

الصدمة المسيحية لم تزل في بدايتها والانتخابات النيابية التي ستجرى في مايو المقبل هي الفتيل الذي ينذر بانفجار يحاول الوزير جبران باسيل أن يكون في وجه خصومه الذين يراهنون على أنه سيكون الخاسر طالما أن وصول العماد ميشال عون إلى الرئاسة لم يغير ولن يغير في مسار الدولة المتجهة نحو التصدع والانهيار.

كاتب لبناني

 (العرب) لندن

إسرائيل تضرب حماس في لبنان بعد عودتها إلى الحضن الإيراني

علي الأمين

أثارت العملية الأمنية التي تعرض لها أحد الناشطين في حركة حماس، محمد عمران حمدان، ونجا منها في الجزء الشمالي من مدينة صيدا (البستان الكبير)، تساؤلات حول مغزى هذه العملية التي استهدفت المذكور من خلال عبوة ناسفة انفجرت أثناء فتح باب سيارته وقد كانت موضوعة في بابها، وقدّر خبيرُ عسكري لبناني زنتها بخمسمئة غرام من مادة التي ان تي.

وتركزت التساؤلاتُ حول الجهة المنفذة للعملية والغاية من وراء التفجير، لا سيما بعدما طوى لبنان بشكل شبه نهائي ملف تنظيم داعش وأخواته من الحركات الإرهابية.

حركة حماس وحزب الله أشارا إلى إسرائيل كطرف يقف وراء التفجير. نائب المسؤول السياسي لحركة حماس جهاد طه قال إن “محمد حمدان هو أحد أعضاء الحركة ويعمل في مكتب مسؤولها السياسي في لبنان أحمد عبدالهادي”، محمّلا “العدو الإسرائيلي المسؤولية في استهداف حمدان”. فيما اعتبر حزب الله في بيان أصدره إثر العملية “أن التفجير يحمل دلالات واضحة لأصابع العدو الإسرائيلي وعملائه لإثارة البلبلة ونشر الذعر على بوابة صيدا الجنوب والمقاومة”، وقال إن “التفجير يهدف إلى إحداث بلبلة بين الفصائل الفلسطينية والجوار اللبناني”.

توجيه الاتهام لإسرائيل لم يقابله أي بيان رسمي لبناني يشير إلى اتهام جهة معيّنة، لا سيما أن التحقيقات لم تستكمل، علما أن بعض وسائل الإعلام المقرّبة من حزب الله ألمحت إلى احتمال أن يكون هذا التفجير يرتبط بتداعيات أحداث سابقة جرت في عين الحلوة بين مجموعات فلسطينية منها ما يرتبط بتنظيم داعش، رغم أن هذه المجموعات باتت شبه منحلة بعدما غادر معظم رموزها المخيم إلى خارج لبنان.

وتجدر الإشارة إلى أن المحلة التي جرى فيها التفجير كانت شهدت في العام 2006 عملية أمنية استهدفت اثنين من مسؤولي حركة الجهاد الإسلامي وأدّى التفجير إلى مقتلهما، فيما استطاعت الأجهزة الأمنية اللبنانية لاحقا إلقاء القبض على منفذ التفجير الذي تبيّن أنه مكلّف من جهاز الموساد الإسرائيلي لتنفيذها، وهو لبناني الجنسية.

كما لا بد من الإشارة إلى أن أي مسؤول في حركة حماس لم يتعرض في لبنان لاستهداف أمني، أو لعملية شبيهة بما طال محمد حمدان أخيرا، فحركة حماس، كما هو معلوم، كانت تتخذ من دمشق مقرّا لقيادتها ولأجهزتها خارج فلسطين إلى حين انفجار الثورة السورية في العام 2011 الذي دفع قيادة حماس إلى مغادرة سوريا والانتقال إلى قطر، فيما ظل نشاط الحركة في الساحة اللبنانية قبل الثورة السورية وبعدها، نشاطا إعلاميا وسياسيا ولم يكن لهذه الحركة أي نشاط عسكري إلا بشكل جزئي داخل مخيم عين الحلوة من خلال احتضانها لبعض المجموعات الإسلامية التي كانت تحتمي سياسيا وأمنيا بمظلة حركة حماس.

على أن تغيّرات حصلت في الشهور الأخيرة، إذ شهدت العلاقة بين حركة حماس وإيران تطوّرا في الآونة الأخيرة، بعدما كانت العلاقة بينهما فاترة نتيجة الموقف من الثورة السورية التي شكّلت شرخاً في العلاقة بين حماس وحزب الله أيضا، لكن هذا الشرخ ما لبث أن جرى ردمه من خلال الزيارات التي قامت بها قيادات الحركة إلى طهران في السنوات القليلة الماضية، والتي تزامنت مع تردّي علاقات الحركة مع الدول العربية ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والتطوّر النوعي في العلاقة مع حزب الله ومن خلفه طهران، جاء بعد ما سمي الأزمة القطرية خلال العام الماضي، فثمة ما يمكن استعادته اليوم لفهم التطور الذي تحقق في العلاقة بين تنظيمي حماس وحزب الله.

في منتصف يونيو 2017 وصل إلى بيروت ما يقارب المئة من قادة ونشطاء حركة حماس من العاصمة القطرية الدوحة. ونقلت وسائل الإعلام آنذاك أن ضغوطا أميركية وإسرائيلية مورست على الحكومة اللبنانية لعدم استقبال خمسة قياديين أمنيين لحماس منخرطين في العمل العسكري في الضفة الغربية.

ومن بين هؤلاء المسؤول عن النشاط العسكري في الضفة الغربية صالح العاروري الذي التقى في شهر أكتوبر الماضي الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله بشكل علني.

وكان دخول هؤلاء القادة إلى لبنان، قد أحدث جدلا داخليا تزامن مع ضغوط دولية، لم تستطع الحكومة اللبنانية اتخاذ أي إجراء يظهر أنها غير راضية عـن دخولهم إلى لبنان، وساهم بالضرورة تنظيم حزب الله لعملية دخولهم عبر مطار بيروت، بعدم رفع الصوت الرسمي حيال هذه القضية، وكانت إسرائيل، في حينها، قد وجّهت رسائل علنية من أنها لن تسمح بحصول هذا الانتقال.

اتهام حزب الله وحركة حماس لإسرائيل بتنفيذ العملية سواء كان مستندا إلى معلومات مؤكدة أو لم يكن، إلا أنه من الاحتمالات المرجحة، لا سيما إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التهديدات الإسرائيلية والرسائل التي تلقاها لبنان بعد انتقال كوادر حمـاس من قطر إلى لبنـان، ولـم يتضح بعد أن المستهدف (وهو من غير الأسماء المعروفة إعلاميا ولم يصدر أي بيان يشير إلى ما يشغله من مسؤولية داخل حماس) من القادمين من قطر أو من المقيمين في لبنان.

لكن بمعزل عن كل هذه التفاصيل، ثمة ما يؤشر إلى أن إسرائيل أطلقت نشاطا أمنيا عدوانيا في اتجاه حركة حماس في لبنان، وهذا ما يمكن أن يشكّل رسالة مزدوجة إلى حماس نفسها بأنها لن تكون في مأمن في لبنان كما كانت في مراحل سابقة، ورسالة إلى الحكومة اللبنانية بأن لبنان يتحمّل مسؤولية استضافة قادة حماس وما يمكن أن يسبب ذلك من تداعيات أمنية في الوضع اللبناني.

أما حزب الله الـذي يدرك أن محاولة الاغتيال جرت في منطقة خارج نفوذه الأمني المباشر، فإن العملية الأخيرة ستشكل عنصرا محفزا لأن يقنع حزب الله قادة حماس في لبنان بأن يكونوا تحت مظلته الأمنية وإشرافه، خصوصا أن حماس كانت تحاول في السنوات السابقة أن تنشط في لبنان من خارج مناطق نفوذ حزب الله، حيث نقلت قبل سنوات مقر قيادتها اللبنانية من داخل الضاحية الجنوبية إلى مدينة بيروت.

في المرحلة المقبلة وبعد العملية الأمنية الأخيرة يرجّح أن تشهد العلاقة بين حركة حماس والمحور الإيراني عموما، وحزب الله على وجه الخصوص، تطوّرا نحو المزيد من التحالف والتعاون، وهو تطوّر بدأ يوم الأحد الماضي بمقاطعة حركة حماس لاجتماع المجلس المركزي الفلسطيني في رام الله وتعزّز مع محاولة اغتيال محمد عمر حمدان على الطرف الشمالي من مدينة صيدا اللبنانية.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

الاستثمار الإيراني

في 'لبنان الرهينة'

علي الأمين

 

ظل لبنان منذ قيام النظام الإسلامي في إيران، محل اهتمام وتركيز من قبل قيادة هذا النظام ولا سيما عبر الحرس الثوري الإيراني الذي أقام قاعدة عسكرية له في البقاع اللبناني في العام 1982 إثر اجتياح إسرائيل لبنان وبعد طرد منظمة التحرير الفلسطينية منه، وتم ذلك تحت إشراف الجيش السوري الذي كان متواجدا في هذه المنطقة، بحيث كان انتقال عناصر الحرس الثوري وسلاحه يتم عبر الأراضي السورية إلى لبنان ذهابا وإيابا.

في ذلك العام تم تأسيس حزب الله من قبل جهاز الحرس الثوري، الذي عمل على تدريب وتجهيز عناصره بالسلاح والعتاد وبإشراف مباشر من قبله، وترافق مع ذلك بناء جهاز تنظيمي أمني عسكري من دون أن يكون له أي جهاز سياسي، واستمر على هذه الحال حتى 16 فبراير من العام 1985 حين أعلن حزب الله عن وجوده من بيروت عبر ما سمي آنذاك بـ“الرسالة المفتوحة”. حتى ذلك الحين بقي الجانب السياسي هامشيا، فحزب الله ظل في أدبياته حزبا ساعيا إلى تحرير القدس وإلى قيام الجمهورية الإسلامية على صورة النموذج الإيراني المتمثل بولاية الفقيه.

في ذلك الحين كان حزب الله مرفوضا، إلى حد بعيد، من القوى السياسية اللبنانية اليسارية واليمينية، اصطدم عسكريا مع أحزاب قومية وماركسية، وقامت معارك شرسة بينه وبين حركة أمل، على امتداد الديمغرافيا الشيعية، على أن الغطاء السياسي والأمني السوري والدعم المالي الإيراني وفوضى الحرب الأهلية التي كانت قائمة في لبنان أتاحت لحزب الله أن يثبت حضورا مؤثرا في لبنان لكنه ظل بعيدا عن الحياة السياسية، مع استمراره كقوة عسكرية أمنية نجحت في أن تحقق الدور المطلوب إيرانيا على هذا الصعيد.

لبنان في مرحلة الثمانينات كان ساحة مفتوحة، ومنصة لتوجيه رسائل خارجية عبره من دون أن يتحمل المرسل أي تبعات سياسية، الدولة غائبة أو مغيبة، إسرائيل تحتل جزءا من لبنان، فكان لبنان في ذلك الحين فرصة ذهبية للضغط الإيراني على الدول الأوروبية وأميركا من خلال إطلاق عمليات خطف الرهائن في بيروت، حيث بدأت منذ العام 1983 عمليات خطف لرهائن غربيين أتاحت حينها لإيران استعادة مليارات الدولارات المجمدة في أوروبا، من خلال خطف عشرات من الدبلوماسيين والأكاديميين وغيرهم من جنسيات أوروبية وأميركية في فترات متفاوتة خلال عقد الثمانينات، ووفرت هذه الصفقات شراء السلاح الغربي لإيران خلال حربها مع العراق، كما وفرت للنظام السوري مزيدا من الاعتراف بدوره كضابط لإيقاع المواجهة الإيرانية الغربية، ذلك أن الإفراج عن الرهائن كان يتم عبر القناة السورية التي أرادتها إيران والدول الغربية معا.

 

هذه الوظيفة الإيرانية في لبنان لم تتغير في المضمون، الوظيفة الأمنية والعسكرية هي الأساس، وخدمة المشروع الإيراني كانت لبّ السياسات التي أسست لوجود حزب الله، ذلك أن إيران عبر منظومة ولاية الفقيه، عززت من شأن الولاء لأيديولوجيتها في البلدان العربية، لا بهدف قيام دول فعلية في هذه المناطق تحالف إيران أو تؤيدها، بل بغاية إيجاد نظام مصالح يرتبط بالكامل بنظام مصالح السلطة في إيران، وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال البعد الأيديولوجي الذي يقوم بمضمونه على أولوية الولاء للمركز أي مركز السلطة في إيران أولا، وعلى ارتباط مالي بهذا المركز. وهذا ما يفسر أن ولاية الفقيه لم تُعنَ بموضوع الدولة في بنيتها الإدارية أو السياسية والاقتصادية، ولم تروج لمفهوم للتنمية أو لتعزيز الهوية الوطنية. جوهر الاهتمام اقتصر على كيفية إبقاء الدولة أو مشروع اكتمالها معلقا وغير منجز باعتبار أن هذه الوضعية هي الكفيلة باستثمار نفوذها في سياق دعم مشروعها الإقليمي.

يعكس هذا المسار الذي اختطته القيادة الإيرانية في لبنان وغيره من الدول المحيطة بإيران، منهجا ليس الداخل الإيراني بعيدا منه، فالأولوية كانت للبنية الأيديولوجية المتمثلة بالقوة الأمنية والعسكرية، والسيطرة والتحكم بمفاصل القرار، وجعل البلد رهينة قدرتها التعطيلية بل التدميرية له، لهذا لن تجد في لبنان الذي تسيطر منظومة ولاية الفقيه على مفاصل القرار السياسي والأمني فيه، أي بعد اقتصادي أو إنمائي في العلاقة معه، فاللبنانيون لا يعرفون شيئا عن المنتجات الإيرانية في بلد توجد فيه كل منتجات العالم الاستهلاكية، وليس هناك من اتفاقيات اقتصادية بين الدولتين تعكس حجما يعتدّ به على صعيد التبادل التجاري مثلا، إذ أن مجمل الصادرات الإيرانية إلى لبنان لا تتجاوز الخمسين مليون دولار سنويا.

يمكن القول إن سيطرة النظام الإسلامي في إيران على السلطة فيها، ترتكز بالدرجة الأولى على سيطرته على الثروة النفطية والتحكم بعملية توزيعها، فالنفط في إيران يشكل 80 بالمئة من قيمة الصادرات الإيرانية إلى الخارج، والنظام في إيران معني برعاية فئة معينة من المجتمع وهي الفئة التي تشكل عنصر الحماية الأيديولوجية له، والتي تتركز في الحرس الثوري ومؤسساته والمرتبطين بنظام مصالحه، وهؤلاء يشكلون نحو عشرة ملايين مواطن يشكلون ما نسبته واحد من ثمانية من مجموع الإيرانيين، فيما نشأت أجيال في الأربعين سنة الماضية، بعيدا عن النظام وأيديولوجيته وشعاراته، فالشعارات لم تحقق إلا المزيد من إفقار الشعب ومن عزلة إيران، وسوء الإدارة والفساد جعلا الشعب الإيراني منفصلا في تطلعاته إلى حد بعيد عن خطاب السلطة وسياستها، وهو أقرب إلى رهينة منه إلى مواطن ينتمي إلى حضارة موغلة في التاريخ وإلى شعب يفتخر بإنجازاته الحضارية في العالم خلال القرون السابقة.

مفهوم الرهينة والابتزاز وبيع الشعارات الرنانة هي أبرز ما يمكن أن تعتد به السياسة الإيرانية في تعاملها مع شعبها ومع الدول المحيطة بها، بل يمكن القول إن إيران التي يعتقد البعض أنها قدمت للبنان الكثير في سبيل الدفاع عنه في مواجهة إسرائيل، هي خدعة انطلت على الكثيرين من العرب والعجم، لأن مليارات الدولارات التي كسبتها أو استعادتها إيران في عقد الثمانينات من الدول الغربية كان لبنان السبب في عودتها. لبنان دفع ثمن الرسائل الإيرانية إلى الغرب تدميرا لمئات المدن في حروب عبثية كانت لإيران حساباتها الدولية والإقليمية من خلالها ولم ينل لبنان منها إلا الدمار.

أما القول إن إيران هي من أعادت الإعمار فذلك خديعة كبرى. من أعاد بناء ما دمر بسبب الحرب الإسرائيلية، بالإضافة إلى الشعب اللبناني، هي الدول العربية ولا سيما السعودية والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة، هذا ما حصل بعد حرب عام 2006 وبعد تحرير عام 2000، وبعد كل عدوان كانت تقوم به إسرائيل منذ عام 1978. الإيرانيون اكتفوا ببنيتهم الأمنية والعسكرية وبعض المشاريع التي لم تصل إلى عشرة بالمئة مما قدمته دولة الكويت إلى الدولة اللبنانية حتى لا نقول السعودية. فيما مكاسب القيادة الإيرانية من استثماراتها اللبنانية لا تعد ولا تحصى وفي خلاصتها دمار المنطقة.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

مظاهرات إيران:

ماذا تبقى من قوة

النظام وأيديولوجيته

علي الأمين

التطورات التي تشهدها إيران اليوم، هي أكثر من مجرد احتجاجات على أوضاع مالية واقتصادية متردية في هذا البلد الغني بالثروات الطبيعية والنفطية. الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ليست أمرا جديدا في إيران، فلقد عانى الشعب الإيراني في العقود الأربعة الماضية أزمات شبيهة، إما بسبب الحرب التي استنزفت إيران مع العراق بين العامين 1980 و1988، وإما بسبب العقوبات التي نتجت عن الحصار الأميركي والغربي خلال السنوات الماضية، وكان ذلك يجري في ظل صراع بين تياريْن واحد إصلاحي وآخر محافظ، والأخير هو المسيطر على السلطة والمتحكم بمفاصل الثروة والاقتصاد، إما عبر الحرس الثوري وإما من خلال المرشد علي خامنئي، الذي يشكل عمليا صاحب السلطة المطلقة الذي لا يمكن أن يرد له قرار فيما هو قادر على إلغاء أي قرار لا يرى فيه مصلحة لإيران.

الإصلاحيون تلقوا ضربة قوية بعد قمع الثورة الخضراء عام 2009 ووضع قادة هذا التيار وهذه الثورة في الإقامة الجبرية أو في السجون. وبعد رحيل هاشمي رفسنجاني المشوب بتساؤلات حول وفاته الغامضة، تلقى التيار الإصلاحي، والنظام ذاته، ضربة قوية انطلاقا من أنّ رفسنجاني كان حكيم الدولة والنظام وعنصر التوازن الذي يحتاجه النظام كما يستند إليه الإصلاحيون.

مظاهرات اليوم التي انطلقت من مدينة مشهد وعمّت معظم المدن الإيرانية، هي تحركات تفتقد لقيادة كما كان الحال في الثورة الخضراء، إذ خرج المحتجون هذه المرة بشعارات طالت كل أركان النظام، حتى الرئيس حسن روحاني الذي كان يُنظر إليه بأنه يحظى بتأييد التيار الإصلاحي الذي جيّر أصوات مناصريه له في الانتخابات الرئاسية في ولايته الأولى والحالية، كما أنّ الاحتجاجات طالت المرشد الذي أُحرقت صوره ورفعت شعارات غير مسبوقة بهذه العلنية التي دعت إلى إسقاطه.

ما يمكن الإشارة إليه في سياق البحث عن التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع الإيراني، هو أنّ الثورة الإيرانية الإسلامية أو النظام الإسلامي الذي يحكم إيران منذ أربعة عقود، فقد ثقة فئات واسعة من الشعب الإيراني، فالتظاهرات والاحتجاجات هذه المرة انطلقت من كل الجغرافيا الإيرانية وديموغرافيتها، أي أن لا بعد إثنيا أو قوميا لها، ولا بعد مذهبيا أو إيديولوجيا، وكما أشرنا إلى أن الأزمة الاقتصادية وحتى البطالة وتراجع فرص العمل وانخفاض سعر العملة الإيرانية ليس هو الجديد رغم أنه شكل السبب المباشر في خروج المحتجين إلى الشارع، لكن الجانب المتصل بفقدان الثقة بالسلطة الحاكمة وبالنظام بدا بارزا، فهذه الاحتجاجات لا تذكر السلطة الحاكمة بشعارات قادة الثورة الأوائل كقائدها الخميني، ولا تستعيد أيا من شعاراتها في مواجهة السلطة الحاكمة، بما يوحي أن المنتفضين يعلنون القطيعة مع الثورة وقادتها وشعاراتها، وهذا أخطر ما يواجه النظام الإيراني، فالشعب لم يعد يطالب باستبدال زعيم بآخر أو مسؤول بآخر، بل يحمّل النظام مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في البلاد.

بعد أربعة عقود نجحت القيادة الإيرانية في إنجاز الاتفاق النووي، وحققت اختراقات استراتيجية في المنطقة العربية وعلى حسابها من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، لكن هذه الإنجازات للحكومة الإيرانية، لم تنعكس إيجابا في الداخل الإيراني، بل كشف واقع الشعب الإيراني اليوم، أن التمدد الخارجي تضمن محاولة تغطية على الفشل الداخلي، مثل فشل التنمية وتمدد الفساد في الدولة وانتشار ظاهرة الولاء والاستزلام على حساب الكفاءة، وهروب الكفاءات الإيرانية نحو الخارج، وعدم قدرة النظام على إقناع الشعب الإيراني بضرورة استمرار القطيعة مع الغرب، ولا سيما بعدما فشل النظام الإيراني في إيجاد موارد اقتصادية ومالية من خارج الثروة النفطية، فيما القمع الأيديولوجي والدكتاتورية، باتا العنصر الوحيد المميز للسلطة التي سقطت كل شعاراتها تجاه تقديم النموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي البديل عن العولمة أو النظم الاشتراكية التي سادت خلال عقود سابقة.

من هنا لم يكن مفاجئا إطلاق شعارات تدعو الحكومة الإيرانية إلى العودة إلى الداخل، وعدم الغرق أو استنزاف طاقات الدولة في وحول سوريا والعراق ولبنان وغزة، ذلك أن ثمة اعتقادا في داخل إيران بأن الثروات الإيرانية استنزفت في حروب خارجية، وهذا إن كان يتضمن شيئا من الصحة، إلا أن عملية نهب العراق التي تمت في مرحلة حكم نوري المالكي، تمت بإشراف إيراني، إذ يؤكد أكثر من مصدر عراقي رسمي، أن عملية دعم نظام الأسد وحزب الله في لبنان في السنوات الماضية تمت من خلال العراق، الذي أفرغت خزينته بالنهب المنظم، وبالفساد في السلطة الحاكمة الذي شكل غطاء لعملية نقل عشرات المليارات من الخزينة العراقية ومن آبار نفط البصرة إلى المجهود الحربي الإيراني سواء في سوريا أو لبنان أو غزة واليمن.

التجربة الإيرانية بنموذجها الإسلامي الحاكم، هي التي تهوي اليوم في الشارع الإيراني، بسبب عجز النظام عن تقديم إجابات على أسئلة الداخل. الشعب الإيراني تحمل الكثير اقتصاديا وماليا في سبيل إنجاز الاتفاق النووي، والشعب الإيراني بخلاف الشعوب العربية ليس متحسساً من العلاقة مع الغرب، بل يتطلع إلى بناء علاقة وثيقة مع الغرب ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، لذا كان إنجاز الاتفاق النووي الإيراني مصدر فرح للإيرانيين باعتباره عنوان الانفتاح على الغرب وتحديدا أميركا، وليس باعتباره عنصر تحد ومواجهة معها، لكن النظام الإيراني خيب آمال الشعب على هذا الصعيد، فتفاقمت الأزمات الداخلية مع المزيد من التشدد الأيديولوجي الذي ترافق مع هدر للثروات الوطنية، وذلك يجري من دون وعود بتغيير لصالح الشعب، وفي ظل غياب أي أفق للتغيير من داخل السلطة وضمن سيطرة آليات النظام التي تستخدم الديمقراطية ونتائجها كرسالة للخارج، فيما لا تعني في الداخل إلا انتخاب الشيء نفسه بوجوه جديدة لكن المضمون واحد مفاده أن لا تغيير إلا ما يشاؤه المرشد وذراعه الحرس الثوري.

مشكلة النظام الإيراني اليوم تكمن في مصدر قوته الوحيدة إزاء المشكلات التي تواجهه في الداخل، الدكتاتورية والقبضة الأمنية وبراعته في القمع، هذه هي مصادر قوة النظام الإسلامي وهي مقتله في آن. فهذا النظام اعتمد على الأيديولوجيا المتمثلة بولاية الفقيه، التي فقدت بريقها لدى الشعب وهي عاجزة عن تقديم أي حلول جدية لأزمات الدولة والشعب، والشعب الإيراني الذي أعطى النظام فرصا عديدة من أجل إنجاز مشروعه الإنمائي في الداخل، وصل إلى قناعة على ما تظهر الوقائع الميدانية أنّه أمام دولة فاشلة اقتصاديا وإنمائيا، ينهش شعبها الفقر والبطالة فيما تتوفر على الثروات الدفينة والظاهرة ما لا يعد ولا يحصى، وهذا ربما ما يفسر نزعة أيديولوجية السلطة الحاكمة التي ترفض توسعة دائرة المشاركة الفعلية في السلطة التي تشكل عنصرا أساسيا لإحداث التنمية وبالتالي الانفتاح الاقتصادي على الشركات الكبرى ورأس المال الوطني والخارجي، لذلك هي تدرك أن الدخول في هذا المضمار سيعني بالضرورة تغييرا سياسيا لا تريده.

إزاء فشل أيديولوجيا السلطة أو ولاية الفقيه في تقديم نموذج تنموي يلبّي حاجات الشعب ويحد من الفساد والبطالة، وإزاء رفضها اعتماد البديل بالانفتاح على الدول الخارجية بما يخرجها من عزلة نسبية تعيشها، يبدو أننا أمام انتفاضة شعبية ليس لدى النظام أي إجابة موضوعية تبدأ من التسليم بضرورة الإصلاح الجذري للنظام، قوة النظام شبه الوحيدة هي القمع وهذا يمكن أن يكبت صرخات الشعب لكن بكلفة عالية ستجعل من تغيير النظام الإسلامي جذريا قرارا شعبيا لا عودة عنه وإن بعد حين.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية 1-1-2018

 

حزب الله على خطى نظام الأسد:

لبنان مقابل أمن إسرائيل

علي الأمين

لبنان يحث الخطى نحو نموذج النظام السياسي الأمني الذي مثلته مدرسة بشار الأسد في سوريا، ولعل اللبنانيين باتوا أكثر اقتناعا هذه الأيام، بأن التحالف الذي يقود السلطة اليوم بوصاية من قبل حزب الله، غير معني بإعادة دور لبنان إلى سابق عهده، أي دولة تتسم بعلاقات خارجية متوازنة مع دول العالم، منتمية إلى محيطها العربي من دون تكلف أو تجاوز لموقع لبنان ونظام مصالحه، ودولة منفتحة على العلاقات مع الغرب من دون أن تمس هذه العلاقة بهوية لبنان العربية. والأهم من ذلك كله أن لبنان يفتقد اليوم المساحة الرحبة للتنوع بمعناه السياسي العميق، بحيث أن المعارضة التي ضاقت في النادي السياسي البرلماني باتت عرضة للإقصاء والتخوين، عرضة للملاحقة القضائية كما هو الحال اليوم بعد تحريك الادعاء العام ضد رئيس حزب الكتائب سامي الجميل وهو رسميا الحزب الوحيد المعارض للحكومة في البرلمان.

السير على خطى النظام الأسدي، يتم أيضا عبر تشديد القبضة الأمنية والإعلاء من معادلة الأمن مقابل المزيد من التضييق على الحريات، وهو ما انعكس تضييقا على وسائل الإعلام والصحافة، بحيث فقدت وسائل الإعلام القدرة على لعب دورها التاريخي بأن تشكل منبرا للرأي الآخر. وفي هذا السياق عمدت السلطة الفعلية في لبنان، والمتمثلة بالقبضة الأمنية الممسكة بمفاصل السلطة الأمنية، إلى ملاحقة عدد من الإعلاميين اللبنانيين في رسالة مكشوفة مفادها أن الاعتراض على تحالف السلطة بات مكلفا ويجب أن يأخذ الإعلام علما بذلك. وتأتي عملية الاستفراد بالإعلام اللبناني وتطويعه، في ظل غياب عربي غير مسبوق عن الساحة الإعلامية مما أتاح لتحالف السلطة، المرعيّ إيرانيا، تحويل المؤسسات الإعلامية الكبرى إلى وسائل إعلامية ملتزمة بخطوط حمراء لا تستطيع تجاوزها، وهذا ما لم يشهده لبنان في تاريخه.

أبرز الإعلاميين ومنهم مارسيل غانم، وأبرز المعارضين السياسيين ومن بينهم رئيس حزب الكتائب سامي الجميل، تم تحريك القضاء لملاحقتهم على مواقف أو وجهات نظر اعتبرتها السلطة مخالفة للقانون، فيما إعلاميو السلطة لا يكفون عن الشتم والتهديد العلني من دون أن يتحرك القضاء، بل تجري مكافأتهم والتنويه بكفاءاتهم التي تقتصر على لغة التهديد والضرب بسيف السلطة لكل معارض لها، لكن الأكثر خطورة كان العبث بالسلطة القضائية حيث تمّ إقصاء رئيس أعلى سلطة قضائية إدارية أي مجلس شورى الدولة الذي أقيل رئيسه بسبب ملاحقته لقضية فساد في ملف النفايات، واستكمل ذلك بإجراء إداري قضائي تمّ خلاله إجراء مناقلات وتعيينات قضائية في الكثير من التجاوزات للأعراف والرتب والكثير من السياسة التي جعلت القضاء كما لم يسبق أيضا أداة طيعة بيد السلطة تستخدمه بما تقتضيه مصالح فرقائها.

القبضة البوليسية هي المقدمة الموضوعية لترسيخ مفهوم الدولة البوليسية في لبنان، ذلك أنّ المعادلة التي يجري ترسيخها والمطلوب حمايتها وعدم التعريض بها ولا الاعتراض عليها، هي معادلة طالما انتفضت في وجهها قوى الرابع عشر من آذار، وطالما كان اللبنانيون يرفضون قيامها، هذه المعادلة ترتكز على تسليم فعلي بدور حزب الله الأمني والعسكري والسياسي، وتنازل ضمني من شركائه الشكليين في السلطة عن السيادة اللبنانية لصالح مقتضيات المحور الإيراني ومتطلباته في لبنان لا سيما في السياسة الخارجية وفي إدارة الأجهزة الأمنية، في مقابل شراكة تقتصر على تقاسم الحصص ما دون السياسة الخارجية والأمن والسيادة، بحيث أن صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيسي مجلس النواب والحكومة وأعضائهما هي أشبه بصلاحيات المجالس المحلية أو البلدية في أي دولة في العالم، صلاحيات غير سيادية وتقتصر على شؤون إدارية واقتصادية لا تخلُّ بموقع لبنان داخل المحور الإيراني.

وإذا كان نموذج الدولة البوليسية في لبنان يحذو حذو نظام الأسد في سوريا على صعيد تقييد الحريات ومصادرة السلطة القضائية وتقييد الإعلام، فإنّ عنصرا آخر أخذه حزب الله من هذه المدرسة والتزم به، هو حماية وضعية الدولة البوليسية من خلال ذريعة العدو الإسرائيلي، ذلك أنّ إسرائيل التي اختبرت علاقاتها مع كل محيطها العربي، وجدت أن النموذج الصالح لتوفير الاستقرار على حدودها باعتبارها دولة غير راغبة بسلام فعلي مع الفلسطينيين ولا العرب عموما، هو النموذج الأسدي أو السوري منذ حكم آل الأسد سوريا، أي نظام يعلن ليل نهار أنه ضدها ويقمع شعبه بحجة الصراع مع إسرائيل، فيما يمارس أفضل الشروط لحماية حدود إسرائيل كما كان حال الجولان السوري المحتل ولا يزال منذ أربعة عقود حتى اليوم.

هذا النموذج هو الجاري تطبيقه في لبنان بإشراف حزب الله وإدارته، أي تصعيد في الخطاب السياسي والإعلامي ضد إسرائيل، مقابل هدوء واستقرار على حدودها مع لبنان، ومنع أي طرف من القيام بأي عمل عسكري ضدها عبر الأراضي اللبنانية ليس بقوة القوة الدولية المنتشرة في الجنوب بل بقرار ميداني من حزب الله وهـذا ما تعرفه إسرائيل وكل المجتمع الدولي، بل هذه هي الورقة الذهبية التي تتيح لحزب الله أن يتجاوز الكثير من الحدود القانونية في الداخل والخارج، لإدراكه أن أحدا من المجتمع الدولي لا يريد أن يغامر بخسارة دور حزب الله الذي يحفظ الاستقرار على الحدود مع إسرائيل، كما يضمن حماية الجنود الدوليين في الجنوب، ويشكل عنصر ضمان لعدم تدفق أكثر من مليون ونصف مليون لاجئ سوري من لبنان نحو أوروبا.

النموذج الأسدي الذي يخطو لبنان نحوه خطوات متقدمة، هو النموذج الذي يقوم على مقايضة القوى الكبرى وإسرائيل بتأمين مصالحهما مقابل إطلاق اليد في ما لا يمس مصالحهما، أي احترام مصالح الخارج القوي وانتهاك حقوق الداخل أمنيا وسياسيا واقتصاديا، باعتبار أنّ التحكم بمفاصل السلطة هو الغاية والهدف.

شراسة حزب الله من خلال دوره في محور الممانعة تجاه سوريا وشعبها وتجاه دول عربية، لا تقاس بما هو الحال مع إسرائيل، كما مدرسة الأسد من الأب إلى الابن، فشراسة الأسد ضد منظمة التحرير الفلسطينية والفلسطينيين عموما تشهد عليها حروب شتّى خاضها ضد المخيمات الفلسطينية والقرار الفلسطيني المستقل، وعشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين قتلوا بسيف الأسد في لبنان وسوريا وغيرهما، فيما إسرائيل لم ينلها من الأسد إلا الخطب الرنانة والسلام الدائم على الحدود المشتركة، أما حرب أكتوبر 1973 فقد تحولت إلى ذريعة بيد الأسد الأب والابن استخدمت ضد السوريين وكذلك لإنهاء الثورة الفلسطينية وقمعها.

حزب الله على الطريق نحو تحقيق هذا النموذج في لبنان، ونحن أمام هذه الحقيقة فهل سلّم اللبنانيون واستسلموا؟

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

سلاح حزب الله مسكوت

عنه ما دام لا يهدّد اسرائيل

علي الأمين

 

ما يعني المصالح الدولية الاميركية والاوروبية والروسية في لبنان، هو استمرار الهدوء على الحدود اللبنانية مع اسرائيل، وبقاء لبنان مخيما للاجئين السوريين ومنع تدفقهم نحو اوروبا، وعدم المخاطرة بحياة اكثر من عشرة الاف جندي للامم المتحدة في جنوب لبنان.

يندرج تحت هذه العناوين منع تحول لبنان بأي وسيلة من الوسائل أن يكون مقرا او ممرا للارهاب الذي يهدد المصالح الاميركية والغربية بما فيها مصالح روسيا، وبالتالي فان المطلوب قمع هذا الارهاب الذي يجري تعريفه في حسابات المجتمع الدولي اليوم انه الارهاب السني، الذي لا يزال يحتل الأولوية في سلم الاهتمامات لدى هذه الدول، وعنوان تقاطع بين هذه السياسات مع المحور الايراني، من دون ان يعني ذلك بالطبع، التطابق وعدم التعارض في ملفات أخرى، تتصل بحدود النفوذ الايراني ومعاييره في المشرق العربي واليمن.

هذا لبنان في الحسابات الدولية، وما دامت هذه الشروط مؤمنة وغير منتهكة، فان لبنان لن يكون تحت المجهر الدولي او في سلم الاهتمامات الدولية في الاقليم، بهذا المعنى فان سلاح حزب الله لن يكون محل مساءلة دولية ما دام ملتزما بهذه القواعد ولا يخل بها، وتؤكد مصادر دبلوماسية غربية في بيروت، “أن حماية الاستقرار في لبنان تتطلب هذه السياسة في ظل التحديات التي تواجه المنطقة في اكثر من دولة تحيط به” ولفتت “ان الحكومة اللبنانية ملتزمة بتوفير الاستقرار وعدم جر لبنان الى متاهات اقليمية وفوضوية، مشيرة الى ان سياسة النأي بالنفس تتضمن في المآل الأخير التزام حزب الله بالعودة الى لبنان من دون ان يشكل عدم تنفيذ هذا المطلب في الوقت الراهن عنصر اخلال بمسار النأي بالنفس الذي اعيد تجديده مع عودة الرئيس سعد الحريري عن استقالته”.

وسط هذا المشهد الدولي، تبدو اولويات السيادة والديمقراطية وحماية الحريات، ليست على قائمة الاهتمامات الاميركية ولا الاوروبية، العنصر الوحيد الذي يجري التشديد عليه هو اجراء الانتخابات النيابية في موعدها، وسوى ذلك فان انتقال لبنان نحو نموذج الدولة البوليسية، هو ما يجد له تقبلا دوليا، انطلاقا من أن الاولوية الامنية بما هي عنصر وحاجة مطلوبة، فلا ضير ان تقوم هذه الدولة بمزيد من بسط سيطرتها وتعزيز سطوتها على الداخل بما يحقق المصالح الخارجية، اما الداخل اللبناني فهذا شان آخر اذ لن يخل قمع الحريات او تشديد القبضة الامنية واستخدام القضاء لتهميش المعارضة وقمعها بما يريده المجتمع الدولي من لبنان اليوم.
المرحلة في لبنان هي اقرب الى ما جرى عشية انتخاب1992 او عشية الدخول السوري الى قصر بعبدا عام 1990 ، اي ان المعادلة الدولية قدمت لبنان هدية من ذهب للوصاية السورية، ولم تهتم بالمقاطعة المسيحية لانتخابات 1992 ولا الى شروط الديمقراطية، بل عملت على تغطية النفوذ السوري في لبنان وأهملت مسألة انسحاب الجيش السوري التي وردت في اتفاق الطائف وتعامت عن كل السلوكيات التي أخلت بالحياة السياسية اللبنانية وصولا الى تغطية معاقبة كل من رفض نتائج المعادلة الداخلية وصولا الى سجن سمير جعجع الذي أصر على عدم التسليم بالمعادلة الجديدة ولو من من موقع الاعتراض السلمي.

ما يعزز من هذه المخاوف اليوم، أن التحالف الذي قام في السلطة اليوم بين الثلاثي عون الحريري حزب الله، يحظى بغطاء اوروبي مباشر وبدعم ايراني وبقبول عربي ولو كان مترددا، وما سيساعد على استمراره وبقائه، هو التزام حزب الله بعدم تجاوز الخطوط الحمر، اذ أن ايران وتاليا حزب الله، أقرا اخيرا بالالتزام بشروط الاتفاق في جنوب سوريا، بمبدأ الاتفاق الذي يضمن لاسرائيل عدم المس بأمنها، وهو اتفاق روسي اميركي، شارك في انجازه الاردن واسرائيل. بهذا المعنى فان الاولويات الاسرائيلية هي نفسها الاولويات الدولية بما يتصل بموضوع حماية الاستقرار الامني على الحدود الشمالية لاسرائيل في لبنان وسوريا، وهذا ما سيتيح في المرحلة المقبلة اعطاء زخم لتحالف السلطة المذكور في الاطباق على البلد ضمن منطق المحاصصة الامنية والاقتصادية، وسيطلق مفهوم الدولة البوليسية التي لن تكون لينة بل متشددة حيال كل محاولة للمس بهذا التحالف ونتائجه السياسية. اذ يجب الاقرار ان كل ما كان يعني المجتمع الدولي من سوريا كما اثبتت الوقائع أمران لا ثالث لهما منذ انطلاقة الثورة السورية: منع تدفق الارهاب الى اوروبا ومنع نشوء دولة يحكمها الاسلاميون أولاً، وضمان الاستقرار على حدود اسرائيل ثانياً، اما مستقبل 27 مليون سوري فهو شأن ثانوي.

هذا المسار هو ما يطرح تحدّ جديد امام المعارضة او المعارضات التي هي امام خيارين، اما الاستسلام لهذه السلطة او مواجهتها، والمواجهة هذه المرة تتطلب ادراكا مسبقا أن المجتمع الدولي في صف تحالف السلطة عندما يتصل الأمر بقضية الديمقراطية والحريات والشفافية والمحاصصة والفساد وقبل كل ذلك عندما يتصل مطلب المعارضة بالسيادة والاستقلال.

موقع (جنوبية) باتفاق مسبق

 

الاهتراء اللبناني

والوصي الإيراني

علي الأمين

الاهتراء الاقتصادي والمالي الذي يعاني منه لبنان، يعكس في جانب محوري منه حجم الاهتراء السياسي الذي يعاني منه هذا البلد الذي بات أسير سيطرة أحادية، يمثلها حزب الله أو ما يسمى المحور الإيراني على مستوى المنطقة.

الاهتراء الاقتصادي والمالي الذي نشير إليه، لا يخلّ به ما يقال في لبنان عن إمكانية تحول لبنان إلى دولة نفطية تنتج الغاز وتصدره، بل احتفاء أطراف السلطة بهذا الحلم الذي يحاولون من خلاله بيع أحلام النفط إلى المواطنين.

الاهتراء لا يتصل بتراجع النمو إلى حدود الواحد في المئة هذا العام، ولا في تراجع الصادرات، ولا في زيادة عدد العاطلين عن العمل، ولا في زيادة الدين العام الذي تجاوز في مجمله حدود 118 مليار دولار، ولا اختلال ميزان المدفوعات ولا الأزمة التي يعانيها قطاع العقارات والبناء. الاهتراء ليس في كل ذلك فحسب، بل في السياسات أو قل في غيابها الذي يدفع لبنان، أكثر فأكثر، نحو المزيد من الانحدار الاقتصادي والمالي ذي المنشأ السياسي.

إعادة إنتاج السلطة يتم اليوم اعتمادا على حلف وثيق، بين ذهنية المحاصصة وتقاسم المنافع على حساب الدولة، وسلطة الوصاية التي تكفل تنظيم عملية المحاصصة وعدالتها بين أطراف السلطة، في مقابل التسليم لسلطة الوصاية التي يمثلها حزب الله باعتبار لبنان قاعدة من قواعد المحور الإيراني. وقد ساهم في الدفع نحو تعزيز معادلة السلطة هذه بشروطها المالية والسياسية، اتجاه دولي فاعل لا يزال يرى في الوصاية القائمة على لبنان، مصدر استقرار أمني وعسكري فيما البدائل لا تضمن النتائج التي يريدها الأوروبيون مثلا، على صعيد عدم تدفق اللاجئين، ولا يجد مسؤولو الإدارة الأميركية ما يجعلهم يغامرون بالوصاية الإيرانية طالما أن هذه الوصاية لا تخلّ بالمصالح الاستراتيجية المتصلة باستمرار الاستقرار على الحدود بين لبنان وإسرائيل، وفي الوقت نفسه التزام إيران وحزب الله إلى حد كبير بوظيفتهما المتصلة بكونهما حاجزا طبيعيا أمام تمدد منظمات إرهابية سنية في مناطق نفوذهما في سوريا ولبنان.

هذه المعادلة التي ثبت أنها الأهم في الحسابات الإقليمية والدولية اليوم في لبنان، ولا سيما بعدما رأى الجميع المسار الذي سلكه رئيس حكومة لبنان سعد الحريري من بيان الاستقالة في الرابع من نوفمبر إلى بيان التريث، ثم العودة عن الاستقالة. هذا المسار وما تضمنه من مواقف دولية وإقليمية، أكد حقيقة أن لبنان لم يزل خارج المناطق الساخنة، وليس في أولويات المجتمع الدولي ولا العربي، هذه الرسالة أطلقت العنان لدينامية الفساد، نقول الفساد لأن أساس وجوهر المعادلة الحاكمة في لبنان والتي نسميها الوصاية الإيرانية، تفتقد لخطة استقرار أو رؤية نهوض بالدولة، فهي في جوهرها تقوم على تعطيل الدولة أو حماية هشاشتها بشكل يبقيها عاجزة، باعتبار أن التحدّي الذي تواجهه الدولة اللبنانية يكمن في قدرتها على أن تحقق أول تعريف لمفهوم الدولة وهو حق احتكار العنف، وهو تعريف يتنافى مع ما هو قائم لجهة سيطرة حزب الله وتعطيله الموضوعي لوظيفة الدولة بطبيعته الأمنية والعسكرية وبولائه المعلن والصريح للقيادة الإيرانية.

هذه المعادلة المختلة على مستوى سلطة الدولة، ولكن التي تحظى حتى اليوم بغطاء دولي، هو ما أطلق شهية أطراف السلطة إلى المزيد من تفعيل عملية نهب ما أمكن لهم من ثروات فوق الأرض ومن ثروات تحتها، فعملية تلزيم شركات للتنقيب عن البترول في المياه الإقليمية حظيت بتوافق غير مسبوق داخل الحكومة، والسرّ في ذلك لم يعد سرا، ورائحة الصفقات المشبوهة لم تعد خافية، وهي الصفقات التي أتاحت عملية تقاسم طالت مشاريع استراتيجية في النفط وفي الكهرباء، وتكتسب هذه المشاريع بعدا خطرا باعتبارها مشاريع ممتدة لسنوات في المرحلة المقبلة، وهي تتيح لأطراف السلطة القدرة على السيطرة على مصادر مالية تدار بشكل مشبوه.

هذه السيطرة تتطلب حماية المعادلة السياسية التي يقوم بها حزب الله ممثلا المحور الإيراني، لكن من دون أن يتكلف بدعم حلفائه ماليا بل يقاسمهم المغانم اللبنانية ويوفر الحماية لهم على هذا الصعيد.

معادلة السلطة التي قامت في لبنان تنطلق نحو الانتخابات النيابية بثقة، ولكن بتسليم أن حزب الله هو من يدير هذه الانتخابات، عبر ترتيب التحالفات التي تمنع تسرب ما يخل بمعادلة السلطة القائمة، أي بمعنى عملية إعادة إنتاج السلطة ذاتها، مع أرجحية متوقعة عدديا في المجلس النيابي للنواة الصلبة للسلطة التي يمثلها حزب الله، فهو يستعد لتشكيل كتلة نيابية صافية له وإن كانت تدّعي الانتماء لكل الطوائف اللبنانية، مستفيدا من قانون الانتخاب الذي كان هو من شجع عليه، بل فرضه بصفقة تضمن لبقية أطراف السلطة حصصا مقبولة في نتائجه بالبرلمان.

المظلة الإيرانية التي تلقي بظلالها على لبنان، أتاحت لأطراف السلطة في لبنان إمكانية الاستمرار في مواقعها، لكنها في المقابل لا تقدم إلا المزيد من الاستنزاف والعجز عن مواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية، والمزيد من تراجع سلطة القضاء، التي تحوّلت إلى أداة يجري استخدامها في مواجهة كل من يعلن اعتراضه على السلطة، أو يشير إلى ما يرشُحُ من فساد في أعمالها.

علما أن كل المؤشرات لا تعطي انطباعا إيجابيا بأن لبنان مقبل على مرحلة يمكن أن يشهد فيها عملية نهوض اقتصادي، غير أن الذي يهدّد هوية لبنان هو أن التنوع بات عنصرا شكليا فيه، لا يمسّ عمق الحياة السياسية التي باتت تحت قبضة إيرانية، وهو ما يعني بالضرورة أن لبنان يفتقد ميزته الاقتصادية، أي الميزة الجاذبة لاستثمارات متنوعة كانت تجد في التنوع اللبناني مساحة سياسية رحبة توفر قدرة على الاستثمار والجذب بشرط الأمن والاستقرار، المعادلة الحاكمة في لبنان تقدّم نفسها على أنها توفر الأمن، ولكن الاستقرار شيء آخر، السياسة شرط أوّلي فيه والاقتصاد قاعدة الأمان التي تزداد تصدّعا.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

لبنان في فخ إيران

علي الأمين

الفيديو الذي انتشر لمسؤول ميليشيا عصائب أهل الحق العراقية، أثار موجة استنكار شعبية في لبنان، موجة الاستنكار والاستهجان، تأتت من الاستعراض الذي مارسه مسؤول هذه الميليشيا قيس الخزعلي على الحدود اللبنانية مع إسرائيل.

استعراض قال فيه وهو يرتدي البزة العسكرية أنه يريد أن يدعم حزب الله واللبنانيين في مواجهة إسرائيل. الفيديو انتشر بعد ستة أيام من حصول الزيارة غير المعلنة كما صرحت مصادر رئاسة الحكومة اللبنانية، جاء توقيته بعد يوم على خطاب أمين عام حزب الله الذي اتسم بالهدوء غير المعهود، حيال موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

لا بدّ من الإشارة إلى أن زيارة الخزعلي وكشفها عبر تسريب الفيديو المدروس، هو عمل مدروس لا يمكن أن يتمّ من دون إشراف حزب الله وموافقته، فعصائب أهل الحق، هي ميليشيا توالي ولي الفقيه، وتأتمر بقائد فيلق القدس قاسم سليماني ممثل ولي الفقيه في قيادة “فتوحاته في المنطقة العربية”.

وكان الخزعلي قد أعلن قبل شهر في بيان أنه سيقف إلى جانب حزب الله في مواجهة أي عدوان إسرائيلي سيتعرض له حزب الله سواء في سوريا أو في لبنان، وتجوال الخزعلي على بعض المناطق الحدودية اللبنانية، والذي يعتبر تجاوزا للقرار الدولي رقم 1701 الذي يحظر أيّ وجود عسكري خارج قوات الأمم المتحدة والجيش اللبناني، هو رسالة مقصودة سواء من حزب الله أو سليماني، تنطوي على تلويح بالاستعداد لتجاوز هذا القرار، ويستحضر في نفس الوقت ما قاله أمين عام حزب الله حسن نصرالله قبل أشهر، من أنّ استهداف الحزب من قبل إسرائيل سيفتح الباب لقدوم عشرات الآلاف من المقاتلين لإسرائيل من دول مختلفة.

من هنا لا يمكن إدراج جولة قيس الخزعلي على الحدود مع إسرائيل، إلا في سياق سياسي وضمن سياق يتصل بالدور الإيراني على مستوى المنطقة، ولا ينفصل بالضرورة عن المسارات الجاري رسمها على المستوى السوري، ولا سيما بعد الانتهاء من الحرب على تنظيم داعـش في سـوريا والعراق.

رسالة قاسم سليماني عبر الخزعلي، تنطوي على الربط بين أذرع إيران، ولا سيما أن مرحلة الانتهاء من محاربة ما يسمى التطرف السني المتمثل في داعش وجبهة النصرة، فرضت دوليا وإقليميا عنوان التخلص مما يسمى الإرهاب الشيعي، باعتبار أن بقاء الميليشيات الشيعية في المنطقة العربية سواء في العراق أو سوريا أو العراق واليمن، كفيل بإعادة إنتاج ما هو أسوأ من تنظيم داعش، وبالتالي فإن البحث في إنهاء دور الميليشيات الشيعية أمر تفرضه إعادة بناء المكونات الوطنية والدولية في الدول المشار إليها.

تدرك إيران هذه الحقيقة، والجنرال سليماني الراعي لهذه الأذرع الإيرانية الشيعية يدرك في المقابل أن الموقف الدولي والإقليمي يبحث اليوم كيفية التعامل مع هذه الميليشيات، إما بالمواجهة العسكرية، وإمّا بمحاولة استيعابها ضمن الأطر العسكرية الرسمية. وليس خافيا على سليماني أن ثمة تنازعا بين وجهتين واحدة تريد القضاء على هذه الأذرع، وأخرى تحاول تفادي المواجهة العسكرية معها، انطلاقا من أن القوى الشيعية تحظى بنوع من الحاضنة الشعبية، ما يجعل من القضاء عليها أمرا دونه صعوبات، ويساعد على عدم حسم الخيار بين القضاء على هذه الميليشيا من عدمه، عدم تبلور اتفاق أميركي- روسي نهائي بشأن سوريا، رغم وجود تفاهمات حققت خطوات متقدمة على صعيد خفض التوتر وإنهاء تنظيم داعش.

الميليشيات الشيعية وضعت على طاولة الحل الإقليمي، ولكن عوامل عدم نضوج الحل تتيح حسب بعض المراقبين محاولة إيران ضمان ما تعتبره حقوقا من أي تسويات على هذا الصعيد، فالتلويح بربط الميليشيات هذه في ما بينها هي أداة من أدوات الضغط، خاصة وأن ثمة من يؤكد أن أي تسوية في المنطقة تستهدف وقف القتال والعنف، ستعني خسارة لإيران، انطلاقا من أن القيادة الإيرانية تفتقد القدرة على ترجمة النفوذ العسكري الذي تحوزه سواء في العراق أو في سوريا وحتى في اليمن، إلى نفوذ سياسي، ولا سيما في سوريا التي تفتقد إيران فيها أي حاضنة اجتماعية لنفوذها ولمشاريعها.

ما يتخوّف منه بعض اللبنانيين أن تكون الاستعراضات الإيرانية الأخيرة على الحدود مع إسرائيل عبر عصائب أهل الحق العراقية، ليست إلا محاولة دفاعية عن الوجود الاستراتيجي الذي يمثله حزب الله، ولا سيما أن الاستقرار الذي تشهده الحدود مع إسرائيل هو الورقة الأهم التي تمتلكها إيران في سياق ابتزاز المجتمع الدولي منذ أكثر من عشر سنوات، وبالتالي فإن التهديد بالإخلال بهذا الاستقرار عبر ميليشيا عراقية وليس عبر حزب الله، ينطوي على تلويح بخيارات غير لبنانية، ما يجعل سلاح حزب الله بمنأى عن السجال المحلي والخارجي.

ما أثار المخاوف الإضافية وربما دفع حزب الله إلى تسريب فيديو الخزعلي، هو أن مؤتمر المجموعة الدولية لدعم لبنان الذي انعقد في باريس يوم الجمعة، أعاد التأكيد على سياسة النأي بالنفس وعلى تنفيذ القرارين الدوليين 1559 و1701 اللذين يرفض حزب الله الالتزام بموجباتهما منذ صدورهما حتى اليوم.

وما يزيد من قلق حزب الله وإحراج السياسة الإيرانية على هذا الصعيد، أن حزب الله تفاءل بموقف فرنسا التي حمته نسبيا من التصعيد السعودي ضد السياسة اللبنانية بعد الإفراط في تورّطه في الحرب في اليمن، بدت أنها متمسكة بالقرارات الدولية التي تستهدفه بالدرجة الأولى كما كان يؤكد منذ أن صدرت عن مجلس الأمن.

بين خيار التسويات أو استمرار اشتعال المنطقة عبر حروب متنقلة، يتأرجح النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، وفيما توجّه إسرائيل ضربات عسكرية متكررة لقواعد إيرانية في سوريا، من دون ردّ إيراني عسكري، يأتي الاستعراض العراقي على الحدود اللبنانية الجنوبية مع إسرائيل، كنوع من إعادة تذكير الإسرائيليين والمجتمع الدولي بمن يؤمن الاستقرار على هذه الحدود، وللقول إن أي تجاوز لهذا الواقع سيجعل من إعادة التوتر لهذه الحدود أمرا في يد إيران.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

موقف السيستاني يقوض

ثنائية 'الدولة- الميليشيا' الإيرانية

علي الأمين

شكل موقف المرجع الديني السيد علي السيستاني خطوة مهمة على صعيد رفع الغطاء عن ثنائية الدولة والميليشيا في العراق، فقد دعا السيستاني خلال استقباله الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق يان كوبيش قبل أيام، إلى تنفيذ قانون الحشد الشعبي في العراق، أي حصر السلاح في سلطة الدولة. وفي خطوة مكملة لهذا الموقف، طلب السيستاني عدم ترشح أيّ من أعضاء الحشد في الانتخابات النيابية المزمعة خلال العام المقبل في العراق.

هي خطوة إستراتيجية ومهمة في سياق إعادة بناء الدولة العراقية، تكتسب أهميتها انطلاقا من محاولة بعض الميليشيات العراقية التي يتشكل الحشد الشعبي منها ومن سواها من أفراد وجماعات حزبية، خلق بنية عسكرية أمنية وسياسية، لها خصوصيتها المذهبية والطائفية مستقلة عن قرار الحكومة، وتتبع في ولائها لمرجعية دينية وفي الجوهر للتوجهات الإيرانية، أسوة بظاهرة الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان. موقف السيستاني قطع الطريق على هذا الطموح، لا سيما أن ما اقتضته ظروف نشأة الحشد الشعبي، انتهت مع دحر تنظيم داعش من العراق، علما أن الحرس الثوري الإيراني الذي يمسك بمفاصل أساسية في الحشد الشعبي، استثمر فتوى السيستاني التي شرعت نشوء هذا الحشد، وعمل على فرض ثنائية الجيش-الحشد التي باتت تنذر بتحويل الحشد إلى مشروع منفصل في أهدافه عن المشروع الوطني العراقي، وضمن حسابات إيرانية تتصل بمشروعها على مستوى المنطقة العربية.

“احتكار العنف المشروع″ هو أول مفهوم للدولة، وهو ما يتناقض مع كل مشاريع السيطرة والنفوذ الإيرانيين في المنطقة العربية، وهو تناقض يمس الدولة بل أصل وجودها، فالثنائيات التي يروج لها المشروع الإيراني في لبنان واليمن والعراق وحتى في سوريا، هي مشاريع تهدف إلى منع وجود سلطة الدولة بالمعنى المتعارف عليه في كل دول العالم، وهذه الثنائيات التي تستبطن إيجاد قوة عسكرية وأمنية سياسية، توالي إيران، تستهدف المزيد من إضعاف الدولة عبر تعزيز الفساد في مؤسساتها، وإفقادها صفة الرعاية للمواطنين، وتظهيرها باعتبارها عنوانا للفشل وللنهب، فيما تطلق يد أتباعها في نهب قدراتها واستثمارها في سياق المشروع الإيراني، أي إظهار أهمية وجود كيان مواز للدولة، عبر الإيغال في سلوك إضعاف الدولة وتقديمها باعتبارها منجزا فاشلا وعاجزا.

إفشال مشروع الدولة هو الحصيلة التي يخلص إليها أي متابع لسياق المشروع الإيراني في الدول العربية، وهذا لا يختلف بين دولة يشكل فيها الشيعة أقلية أو كانوا في دولة أخرى يشكلون الأكثرية

لذا عملية إفشال الدولة الوطنية في مناطق تسعى إيران لتحقيق نفوذ لها فيها، هي هدف استراتيجي، فالقيادة الإيرانية التي يشكل الحرس الثوري النموذج شبه الوحيد الذي تقدمه إيران للشعوب العربية، هو النموذج الذي لا يعد ولا يعمل إلا على إبقاء الصراع محتدما على الأراضي العربية، عبر المحافظة أو خلق الثنائية بين جهة موالية (الميليشيا) وأخرى مسيطر عليها (سلطة الدولة) أو متحكم بسلوكها دون تحمل تبعات أفعالها.

ليس من مشروع آخر تقترحه إيران على العرب، إلا الغرق في صراعات أهلية أو التسليم بمعادلات سلطة منافية للدولة ولوحدة الشعب. ودائما ثمة قيمة أخلاقية عالية أو شعار أيديولوجي يشكل المدخل لتحقيق أهداف السيطرة والنفوذ، المقاومة، مواجهة الاستكبار الغربي والصهيوني، حماية الشيعة، هي عناوين أيديولوجية فضفاضة استخدمها الحرس الثوري في سياق تفجير المجتمعات العربية من داخلها للتحكم وللنفاذ ولتحقيق النفوذ والسيطرة.

إفشال مشروع الدولة هو الحصيلة التي يخلص إليها أي متابع لسياق المشروع الإيراني في الدول العربية، وهذا لا يختلف بين دولة يشكل فيها الشيعة أقلية أو كانوا في دولة أخرى يشكلون الأكثرية. تختلف العناوين ولكن الغاية واحدة، ففي ملاحظة الدور الإيراني في العراق على سبيل المثال، يمكن القول إنه أتيح للدور الإيراني في العراق لا سيما مع الانسحاب الأميركي عام 2010 أن تعمل طهران على الدفع بمشروع الدولة في العراق، خاصة وأن الذين أمسكوا بالسلطة كانوا من المؤيدين لها، ولعل رئيس الحكومة السابق نوري المالكي هو أكثر رئيس حكومة كان ولا يزال من الذين لا يشك بتأييدهم للسياسة الإيرانية، ولكن كان الأكثر فسادا وفي عهده شهد العراق أكبر عملية نهب لموارده، بل في عهده تم ترسيخ السلطة على قاعدة تدمير شروط الدولة أو ما تبقى منها. المالكي هو من تحميه إيران من كل الملاحقات عن التورط بالفساد وسوء الإدارة والحكم.

النموذج الذي تريده إيران في المنطقة العربية، ولدى الشيعة على وجه الخصوص في العراق هو نموذج المالكي، لكن مع حرص خبيث على تظهير مسؤوليها ولا سيما رموزها في الميدان كالجنرال قاسم سليماني، على أنهم أتقياء أنقياء لا يلوثهم الفساد بل نماذج للاستقامة والإخلاص والنزاهة والورع والإيمان، وهذا إن كان ينجح في الشكل أو في صناعة الصورة للجمهور إلا أن خلف هذه الصورة ما يصنف في خانة الجرائم الكبرى أو جرائم الدول، فالسياسة الإيرانية في العراق أدارت عملية فساد كبرى، وتم استخدام المال العام العراقي في تمويل مشاريع إيران في المنطقة، لذا كان التشجيع على الفساد عنصرا ضروريا لتغطية الأموال التي نهبت في سبيل دعم إيران عبر سرقة النفط، أو تمويل حزب الله في لبنان، وتمويل النظام السوري في السنوات الأولى من الثورة السورية. فيما لم يسع العراق الذي حكمه محور المقاومة أو الممانعة بقيادة إيران، لتقديم نموذج إيجابي لدولة فيها الحد الأدنى من الخدمات والإدارة، رغم الثروات التي يمتلكها.

لبنان ليس مختلفا عما سبق من النموذج العراقي، هو بالنسبة للمشروع الإيراني قاعدة انطلاق أمني وعسكري في كل الاتجاهات. قاعدة يتطلب قيامها بمتطلبات المشروع الإيراني ترسيخ ثنائية الدولة- الدويلة. ليس في حوزة حزب الله أو المشروع الإيراني ليقدمه للبنان إلا هذه الثنائية، التي استنزفت اللبنانيين وجعلتهم أسرى معادلة إما الحرب الأهلية وإما التسليم بسطوة السلاح غير الشرعي، وبالتالي التسليم بالاستنزاف الذي يطال الدولة في علاقاتها الخارجية وفي أوضاعها المالية، وفي تدهور الأوضاع الاقتصادية، بل حتى في تقويض الهوية اللبنانية التي طالما كانت تعبر عن قدرة لبنان على أن يشكل مساحة تفاعل سياسي وحضاري، وعنصر استقطاب بسبب الحرية التي كان يتيحها، والتي باتت أثرا بعد عين بعدما فقد لبنان جاذبية التنوع لحساب الهوية السياسية الأحادية التي تسللت تحت عنوان الممانعة والمقاومة، ولكن هذه المرة بالنكهة والأسلوب الإيرانيين.

العراق من خلال موقف السيستاني الرافض لتشريع الثنائيات الأمنية والعسكرية خارج سلطة الدولة ومرجعيتها، يوجه الضربة العميقة للمشروع الأيديولوجي الإيراني في المنطقة العربية من خلال التأكيد على مرجعية الدولة، وهو موقف يكتسب أهميته لكونه يصدر من أعلى مرجعية دينية شيعية في المنطقة العربية وفي العراق تحديدا وخارج إيران، مرجعية تعيد الاعتبار للدولة وللهوية الوطنية، وهذا موقف لن تقتصر آثاره على العراق فحسب بل سيجد صداه عربيا، طالما أنّ خيار ولاية الفقيه الذي تبشر إيران به كان وبالا على المنطقة العربية عموما وعلى الشيعة على وجه الخصوص.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

انتصار محور

المقاومة وفاجعة العرب

علي الأمين

 

تصدير الثورة الإسلامية في إيران إلى العرب بعد نحو أربعة عقود خلاصته: شرخ مذهبي غير مسبوق، سلب غربي وروسي لثروات المنطقة وارتهان غير معهود لهذا الخارج، تخلّف ثقافي وفكري ساهم في تلميع الديكتاتوريات، غياب أيّ مشروع نهضوي جامع سواء كان عربياً أو إسلامياً جامعاً للمنطقة، تراجع العداء لإسرائيل في موازاة بروز همجية الحروب الأهلية والمذهبية، طغيان العصبيات المذهبية والدينية وانكفاء العقل النقدي والسجال الفكري والسياسي. خواء المقترح الثوري الإيراني حيال الإجابة على سؤال الدولة في محيط إيران والرؤية الواضحة للعلاقة معها، وتلطيه خلف مصطلح المقاومة الفضفاض. شعار لا شرقية ولا غربية دولة إسلامية، انتهى لعكسه تماماً وانتهى لسقوط مقولة الدولة الإسلامية حتى من أدبيات الثورة الإيرانية تجاه الخارج.

المقاومة التي تعلن إيران انتصارها في العراق وسوريا هذه الأيام، هي الهزيمة الفعلية والحضارية هزيمة المشروع النهضوي بكل أبعاده الوطنية أو القومية أو الإسلامية، لحساب التقاتل الأهلي والمذهبي. الخلاصة كارثية، فإذا كان عنوان انهيار المشروع القومي العربي هي هزيمة العام 1967، واحتلال أراضٍ عربية جديدة، فإنّ تصدير الثورة الإسلامية الذي اعتمدته إيران لمواجهة الاستكبار العالمي في المنطقة العربية، كانت خلاصته تدمير الدول العربية وتصدع المجتمعات الوطنية، ونهب الثروات الوطنية.

ربما سيخرج من يقول أنّ السبب المؤامرات الغربية… وهذا صحيح لكن أنتم قلتم أنّكم ستواجهون هذه المؤامرات التي سبقكم أصحاب المشروع القومي العربي في تحميلها أسباب فشلهم وانكفائهم… المؤامرة ليست فكرة جديدة ولا حدث مفاجىء بل تصدير الثورة الإسلامية كان بهدف مواجهة المؤامرة.. فهل يعقل أن نعود ونحيل الفشل إلى المؤامرة الكونية؟

المؤامرة هي في الفشل وفي الخواء الحضاري في الاستعلاء والاستكبار في ادعاء امتلاك الحقيقة، في الاستهانة بالأوطان والدولة، في الإعلاء من شأن الإيديولوجيا المدمرة، في إسلامكم (ولا أقول الاسلام) الذي بشرتم به وروجتم له فلم ينتج وحدة بل انقساماً، لم ينتج رحابة بل عصبيات متقابلة، لم ينتج مبدعين بل أنتج انتحاريين.

إسلامكم هذا لم ينتج نموذجاً يحتذى في الحكم في الإدارة في الأخلاق في التنمية في السماحة في الإقتصاد في الدستور…تجارة الدين كانت أشّد على الناس وأقسى من تجار السياسة باسم القومية العربية التي بشرتم بسقوطها وقلتم الإسلام هو الحل.. هذا إسلامكم الذي حلّ الدول وقسم الشعوب وفخخ المجتمعات وحول المذاهب إلى أحزاب تقاتل بسيف الله.

هنيئاً لمحور إيران انتصاراته فوق ركام العرب دولاً ومجتمعات. انتصرت المقاومة ومحورها بربكم إذاً كيف يمكن أن يكون انتصار مشروع اسرائيل أو “الاستكبار العالمي” في منطقتنا العربية؟ هل يمكن أن يكون أكثر من حصيلة هذا الركام العربي.

مع (جنوبية) باتفاق مسبق

شكراً لقائد الحرس

الثوري الايراني

علي الأمين

 

ربما أراد قائد الحرس الثوري أن يذكرنا ببعض ما نسيناه او تنسيناه بشان سلاح حزب الله ودوره، فاقتضى منه التوضيح في موقف لا يحتمل الالتباس. هذا الالتباس الذي بدا ان المسؤولين اللبنانيين يراهنون في البناء عليه.

الكلمة الفصل جاءت من قائد الحرس الثوري الايراني اللواء محمد علي جعفري، لتطوي وهماً نال من البعض، وهمُ امكان تحقيق سياسة النأي بالنفس، التي اعتقد بعض المسؤولين اللبنانيين انه يمكن انتزاعها ولو شكلياً من مسؤولي حزب الله، في سبيل حفظ ماء وجه رئيس الجمهورية او رئيس الحكومة، ليجدوا في ما انتزعوه وسيلة للرد على مضمون بيان جامعة الدول العربية، وسبيلا لعودة الحكومة بشكل محترم الى عهدها السابق قبل استقالة الرئيس سعد الحريري.

كلام قائد الحرس الثوري، يؤكد المؤكد، لقد أعلن اليوم (الخميس) “ان نزع سلاح حزب الله غير قابل للتفاوض، وانهم سيلعبون دوراً ناشطاً في سوريا من اجل وقف اطلاق النار”. هذا الاعلان تكمن اهميته اليوم هو أنه يسقط تماما جبل الأوهام الذي ناضل رئيس الجمهورية منذ وصوله لرئاسة البلاد في جعل سلاح حزب الله عنصر قوة للدولة اللبنانية، وهو لم يقصر في الذود عنه بتصديه لكل من يحاول انتقاده او اعتباره عنصرا جوهريا في ابقاء الدولة معلقة، ورهن حسابات اقليمية لا علاقة للبنان بها، حتى أنه يسجل لرئيس الجمهورية ميشال عون براعته في طي اي حديث او بحث عن الاستراتيجية الدفاعية من التداول اللبناني، متيحاً بذلك غطاءً سياسياُ غير مسبوق من قبل رئيس للجمهورية، لسلاح حزب الله، على رغم تجاوزه لوظيفة مقاومة الاحتلال ونسيانه لشعار تحرير مزارع شبعا. جبل الأوهام هذا، تداعى بكلمة واحدة من الجعفري عندما قرر هو وظيفة حزب الله وهي وظيفة لم تعد لبنانية فحسب، بل اقليمية ايضاَ وبقرار ايراني فقط.

 الجعفري ليس معنيا بكل هذا “النضال الرئاسي” من أجل المقاومة وسلاحها، بل غير آبه بما يقوله رئيس دولة لبنان عن النأي بالنفس والسيادة والاستقلال، لا بل غير معني حتى بمراعاة لبنانية حزب الله، هو من يقرر وعلى الآخرين ان يسمعوا ويطيعوا. مجددا الحرس الثوري أكد المؤكد، وهذا ما يعرفه كل اللبنانيين، لكن حاول بعضهم تزلفا او خوفا او لمصلحة وطنية ارتآها، ان يضفي على دور حزب الله الاقليمي وظيفة لبنانية، ليبرر بقاءه متفلتا من اي قيد رسمي او وطني لبناني، وليحفظ ماء وجه للدولة او للسيادة، او الوطنية لبنانية، لكن كل ذلك لم يقابله القائد الايراني، الا بمزيد من اعتبار لبنان مقاطعة من مقاطعات دولته، او مستعمرة من مستعمراتها التي هو من يقرر وظيفتها ودورها، من خلال تحديده العلني والآمر لمهمات حزب الله ودوره في لبنان والاقليم.

لعل على اللبنانيين ان يشكروا قائد الحرس الثوري على ما قاله، لأن البعض منهم كاد ان يصدق ان وظيفة حزب الله الامنية والعسكرية على امتداد الاقليم، هي من أجل تحرير مزارع شبعا اللبنانية، أو أن هذا السلاح تتحكم فيه المصالح اللبنانية، لا سيما بعدما وصل العماد ميشال عون الى سدة رئاسة الجمهورية، الذي يشكل مصدر ثقة لرجال حزب الله، وهم مصدر ثقة لديه، لما يكنّونه من ولاءٍ للبنان الوطن والدولة التي يرأسها.

شكراً للواء جعفري الذي اعفانا من مماحكات لبنانية كثيرة، وقالها بوضوح لكل اللبنانيين، نحن في الحرس الثوري من يقرر في حربكم وسلمكم، وليس عليكم الا الحمد والشكر.

مجددا ومجددا قائد الحرس الثوري أكد المؤكد ونحن نشكره على التذكير حتى لا ننسى كما نسي او تناسى بعضنا.

مع (موقع جنوبية) باتفاق مسبق

 

 

حين تفقد القمصان السود هيبتها

ويصير السلاح عبئا على صاحبه

علي الأمين

حين قدّم الرئيس سعد الحريري استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية من الرياض، انتشر فيديو مصور لأحد المنشدين القريبين من حزب الله، وهو يقوم بكيّ قميص أسود، في إشارة إلى أنّ القمصان السود عائدة إلى المشهد اللبناني لتقلب الموازين لصالح حزب الله، في إشارة إلى ما حصل في العالم قبل سنوات عندما قام حزب الله بتسريب خبر عن انتشار أصحاب القمصان السود في أحد شوارع بيروت، وكانت هذه الخطوة كفيلة بحسم موقف النائب وليد جنبلاط لعدم تسمية الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة.

القمصان السود كان تعبيرا رمزيا يحرص حزب الله عبر أنصاره على التلويح به، حين يجد أن ثمة من يعترض من القوى السياسية الوازنة على قرار من قراراته الداخلية، وهو كان يلبي حاجته لبث الخوف لدى بعض الفئات من اللبنانيين، وكان الوجه السحري أو القناع الذي يتخفى خلفه التهديد باستعمال السلاح.

أهمية هذه الواقعة المتمثلة بالتلويح بالقمصان السود اليوم، تكمن في أن فائض القوة كان سبيل حزب الله لفعل ما يريد في ترتيب المعادلة السياسية في الداخل اللبناني، إسقاط الحكومات وتشكيلها، إلغاء نتائج الانتخابات أو تجويفها من مضمونها السياسي، فرض سلاحه على الجميع ولا سيما مؤسسات الدولة، وكان يتحقق له هذا الأمر منذ أن قام بعملية 7 مايو 2008 والتي كانت درسا أراد حزب الله أن يلقنه لجميع اللبنانيين من خلال انتشاره العلني بالسلاح واقتحامه بيروت وصيدا وغيرهما عسكريا، للقول إنكم أمام خيار إما القبول بما أمليه عليكم أو أرغمكم بالقوة على ذلك. وفعلا تحققت له منذ ذلك التاريخ السيطرة والنفوذ ليس على الأرض عسكريا وأمنيا، بل أمسك بمعظم أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية بطرق منظورة وأخرى غير منظورة.

لقد تغيرت قواعد اللعبة اليوم. فائض القوة الذي تعاظم لحزب الله داخليا لم يعد يقرر الوجهة السياسية في البلد، فحزب الله القابض على مفاصل السلطة، والحاكم بأمره في امتداد الجغرافيا اللبنانية، والمتفوق عسكريا وأمنيا على كل القوى السياسية والرسمية في لبنان، يدرك اليوم أن هذه القوة ليست من يحسم الخيار داخل لبنان، كما كان الحال خلال العقد الأخير من الزمن. لم تعد القمصان السود مفيدة ولا سطوة السلاح تقدم شيئا بل باتت أضرارها عليه أكثر من سواه، فحزب الله لن يتجرأ على القيام بذلك، لإدراكه أن مشكلته اليوم لن يحلها التهويل الداخلي، لأن التحدي اليوم خارجي ويتربص بأيّ خطوة قد يقوم بها في الداخل ليمارس عليه ضغط العقوبات الاقتصادية والمالية وغيرها من أوراق الضغط التي يملكها هذا الخارج العربي والدولي.

بيان وزراء الخارجية العرب الذي صدر الأحد من القاهرة وضع الإطار الذي من خلاله سيتم التعامل مع لبنان عربيا في المرحلة المقبلة. البيان اعتبر حزب الله منظمة إرهابية، وشدد على رفض الممارسات الإيرانية في المنطقة العربية، وتفادى اتخاذ أي إجراء ضد لبنان، ولكنه أبقى السيف مسلطا عليه من خلال الاستعداد لحمل الملف إلى مجلس الأمن. عملية تضييق الخناق مرشحة إلى المزيد فيما لو أصر حزب الله على سلوكه وفي استخدام لبنان منصة لعمليات خارجية في أكثر من دولة عربية.

لا شكّ أنّ الصاروخ الباليستي الذي تمّ إطلاقه من اليمن باتجاه الرياض وتمّ إسقاطه، كان الخطأ الإيراني الاستراتيجي الذي أتاح للدول العربية ولا سيما السعودية أن تطلق عملية مواجهة سياسية عربية ودولية ضد إيران وحزب الله المتهمين بإطلاقه، ذلك أنّ إيران من خلال إطلاق هذا الصاروخ استنفرت الأميركيين والأوروبيين الذين اعتبروا هذه الخطوة تجاوزا للخطوط الحمر، ما رفع من وتيرة الحديث عن فرض عقوبات على إيران على خلفية تصنيعها للصواريخ الباليستية، فيما الدول العربية ولا سيما في الخليج، وجدت في إطلاق الصاروخ على الرياض تهديدا للأمن الوطني والخليجي من قبل إيران، وهذا ما أتاح للرياض أن ترفع من سقف المواجهة مع النفوذ الإيراني وحزب الله من دون أن يواجهها أي معوق دولي.

يبقى أنّ السؤال الفعلي والمطروح في لبنان هو كيف سيتعامل حزب الله مع هذه التطورات الجديدة وكيف سيتعامل مع شروط المواجهة الجديدة.

القمصان السود كان تعبيرا رمزيا يحرص حزب الله عبر أنصاره على التلويح به، حين يجد أن ثمة من يعترض من القوى السياسية الوازنة على قرار من قراراته الداخلية

شروط لن تغير في عناصرها ووجهتها الموازين الداخلية. حزب الله مطالب بأن يتبنى فعليا النأي بالنفس بالانسحاب من الإقليم العربي، وبالبدء في البحث في مستقبل سلاحه. كرة الثلج ستكبر وفائض القوة بات قيدا بعدما كان ميزة يستقوي من خلالها على أقرانه اللبنانيين، الجميع لبنانيا أو معظمهم سلّم بقوته واستسلم له ولكنهم يعتمدون التقية. يدرك حزب الله هذه الحقيقة كما يدرك أنه غير قادر على تغيير المعادلة من الداخل اللبناني، ذلك أن إجماعا عربيا ودوليا بدأ بالتبلور هو رفض ومواجهة أي ميليشيا أو حزب إقليمي، ولا مجال لأن ينجو من اصطدام مع أكثر من طرف إقليمي أو دولي إلا بالعودة إلى لبنان.

حزب الله الذي استخدمته إيران في طول المنطقة العربية وعرضها، أمام عدة خيارات هي:

أولا إما محاولة الالتفاف على الضغوط وتشديد الخناق، عبر إعلان شكلي بالتزامه النأي بالنفس وتقديم مصلحة لبنان على المصالح الإيرانية، من دون أن يلتزم فعليا بهذا النهج، وهذا بالتأكيد خيار سيكون عبارة عن عملية شراء وقت من دون أي أفق موضوعي في ظل المواقف العربية الأخيرة والمراقبة الدولية الشديدة عليه ولا سيما في واشنطن وباريس، فضلا عن الأمم المتحدة.

ثانيا القبول الفعلي بالانسحاب من الإقليم، وبالتالي محاولة مقايضة انسحابه بتأمين شرعية لبنانية لسلاحه ودائما بذريعة مواجهة العدو الصهيوني وتحرير مزارع شبعا، وهذا خيار ربما سيخفف عنه جزءا من الضغوط الدولية لكن سيفرض عليه في المقابل ضغطا لبنانيا داخليا يتمثل في أنّ لبنان سيكون عرضة للمطالبة بتنفيذ القرارين 1559 و1701 الدوليين واللذين يتضمنان نزع السلاح من القوى غير الرسمية.

ثالثا الذهاب نحو المواجهة ورفض كل القرارات العربية والدولية، وهذه خطوة انتحارية له وللبنان، وهي ستكون أشبه بالصاروخ الإيراني الذي انطلق نحو الرياض، أي خطأ استراتيجي سوف يؤلب العالم عليه وليس المحيط العربي فحسب. لذا فالأرجح أنه لن يغامر بنظام المصالح الضخم الذي أمسك به في لبنان، من داخل الدولة وفي مؤسساتها وفي البلديات، فإغراء السلطة ومنافعها وفرا لحزب الله النفوذ والشعبية، وليست الأيديولوجيا الدينية أو المذهبية إلا عنصرا محدودا في تكون شعبيته، وبالتالي فإن نظام المصالح هذا كفيل بأن يجعله منحازا لعدم المغامرة به، علما أن مغامرته في سوريا ما كانت لتتم لو لم يكن مدركا أنّ الدول الكبرى وإسرائيل غير معنية بتدخله، بل ربما شجعته على التدخل والمغامرة في سوريا.

الخيارات الثلاثة هي ما سيقرر تشكيل حكومة جديدة أو بقاء أزمة الحكم في لبنان، علما أنّ قواعد جديدة فرضتها الجامعة العربية بقرارها الأخير، فإدراج حزب الله كمنظمة إرهابية في الجامعة العربية، هو بداية نهاية لنموذج مثله حزب الله في منطقة باتت عاجزة عن تحمل نموذج عسكري عابر للحدود ومهدد لمصالح الدول وأمنها الوطني، خصوصا أنّ شعار قتال إسرائيل وتحرير فلسطين انكشف على واقع أن فلسطين لم تكن إلا ذريعة، فيما المعركة الحقيقية كانت في مكان آخر في اليمن والعراق وسوريا والخليج، بينما ظلت إسرائيل جنة الأمان رغم وجود مئات الآلاف من الصواريخ الباليستية وغير الباليستية الإيرانية في لبنان وسوريا، يقال إنّها موجهة ضد إسرائيل ولكن واقع الحال يقول غير ذلك، هذا ما يقوله الميدان السوري والعراقي وهذا ما قاله الصاروخ الذي كاد يسقط في الرياض.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

إطلالة الحريري..

تحديد شروط التسوية الجديدة

علي الأمين

زلزال استقالة الرئيس سعد الحريري من رئاسة الحكومة اللبنانية لم تنته ترداداته اللبنانية بعد، فهذه الخطوة التي أثارت جدلا والتباسات بسبب المكان الذي أعلنت منه الاستقالة، أي المملكة العربية السعودية، إلا أنها رغم كل ذلك فرضت على لبنان أسئلة جوهرية لطالما ساهمت القوى السياسية -مختارة أو مرغمة- في تفاديها، وكان حزب الله دائماً هو من يدير عملية تهميشها وتجاوزها بالمواربة أو بالقوة، وهي أسئلة تتصل بدور لبنان العربي وبالعلاقة الأكثر التباساً بين الدولة اللبنانية ودويلة حزب الله، وهذا ما أعاد الرئيس الحريري طرحه في المقابلة التلفزيونية التي جرت معه مساء الأحد، حين قام بعملية شرح هادئ وموفق لنص استقالته النارية والمفاجئة في الرابع من الشهر الجاري.

في إطلالته التلفزيونية الهادئة والموضوعية، نزع الحريري من يد الأطراف السياسية الحليفة لحزب الله، أوراقاً عدة استثمرتها هذه الأطراف عبر الترويج لمقولة أن الرئيس الحريري أجبر على الاستقالة، وجرى تصويره بأنه مسير بل محتجز، ووصل الأمر برئيس الجمهورية العماد ميشال عون إلى القول بأنه معتقل، كما نقل عنه دبلوماسيون غربيون إثر لقائه قبل أيام مع أعضاء السلك الدبلوماسي.

ولا يخفى على المراقبين أن هذه المنهجية التي اعتمدها الرئيس عون كان جرى التوافق عليها مع حزب الله، والتي تقوم في جوهرها على إهمال المضمون السياسي لخطاب الاستقالة، عبر التركيز على وضعية الرئيس الحريري لجهة أنه محتجز وغير حر، وبالتالي اعتبار الاستقالة كأنها لم تكن. بحيث شهدنا في لبنان وبشكل مصطنع إلى حد كبير حفلة غرام غير مسبوقة بشخصية الحريري من قبل فريق حزب الله وحلفائه، من نفس الجهات التي طالما اتهمت هذا الرجل بأنه متآمر وأداة من أدوات المشروع السعودي الصهيوني الغربي، وما إلى ذلك من أوصاف يخجل المرء من إيرادها أمام أعين القراء.

ولكن هذا لا يجب أن يجعلنا نغيب أن حتى المقربين من الرئيس الحريري وخاصة قيادة تيار المستقبل بدت مرتبكة في التعامل مع هذه الاستقالة، وهو ما كشف إلى حد كبير أن تيار المستقبل نفسه كان ينكشف عن وجود تيارات في داخله، لا سيما من خلال انجرار بعض أركانه في سياق التشكيك بالاستقالة وصحتها فضلا عن الإيحاء بأنّه محتجز، وبدا أنّ جزءا من هذا التيار قد انساق إلى حملة الشائعات التي أفقدت هذا التيار في الأيام الأولى التوازن، وبرز ذلك من خلال وقوعه في فخ تغييب المضمون السياسي للاستقالة لصالح التشكيك بأنّه مسير وليس مخيراً في المملكة العربية السعودية.

خرج الحريري عبر الشاشة وطمأن الجميع بأنه سيعود خلال أيام إلى لبنان، وعلى طريقته التي تتسم بالعفوية والمسؤولية أعاد تسييل خطاب الاستقالة بكلمات واضحة وبسيطة ولا تحتمل التأويل، والأهم أنّها موضوعية ومقنعة، فهو كان لبنانيا ووطنيا حين أكد أن المصلحة اللبنانية هي أساس كل اتفاق، وأشاد برئيس الجمهورية، ولفت إلى أنه مطالب لبنانياً أولاً بأن لا يضر بمصالح الدولة والشعب، متسائلاً ماذا يفيد لبنان تورط حزب الله في معارك خارجية ولا سيما في اليمن؟ ولفت إلى أنّ النأي بالنفس الذي قامت عليه التسوية الرئاسية لم يحترم ويجب أن يحترم، لأن لا مصلحة لبنانية في ذلك بل هي أضرار تنال من لبنان بسبب خرق حزب الله هذه السياسة، ووضع الحريري باختصار شرط المشاركة في الحكومة بالتزام حزب الله بهذه السياسة.

خطاب الحريري كان لينا في التعبير وفي الهدوء ولكن شديد الصلابة في المضمون، خطاب تكمن قوته في أنه يقوم على قواعد الدولة، وعلى احترام نظام مصالحها. وكذا كان خطابا بعيدا عن التهويل لكنّه لا يستهين بالتحديات، خطابا لم تمسسه المذهبية ولا الطائفية ولا الحزبية، بل كان مسكوناً بهموم لبنانية تعني كل اللبنانيين.

الاستقالة أو الصدمة الإيجابية كما وصفها الحريري نفسه، حققت جملة أهداف قبل أن تستكمل خطواتها لا سيما خطوة العودة إلى لبنان ولقائه رئيس الجمهورية، فهي رغم الضوضاء التي تلت إعلان الاستقالة، جعلت كل القوى السياسية أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها بعد اليوم، وهي كيف سيتعامل لبنان مع دور حزب الله في اليمن، بعدما صار من شبه المؤكد أن خروجه من سوريا والعراق صار واقعا، وهذه المرة من لسان الأمين العام لحزب الله الذي قالها في خطابه الأخير قبل أيام أن خروج مقاتليه من سوريا صار قيد البحث بعدما أنجز مهمته، علما أن الإدارة الروسية الأميركية للملف السوري باتت تفرض على حزب الله في الأشهر المقبلة الخروج الآمن بدل الخروج مرغما، وبالتالي فإن اللبنانيين مطالبون في المرحلة المقبلة ليس من السعودية فحسب بل من المجتمع الدولي الذي سيدفع باتجاه إعادة حزب الله إلى داخل الحدود، لا سيما وأنّ الوقوف في وجه هذا المسار سيكون مكلفاً إلى حدّ كبير على اللبنانيين ومن بينهم حزب الله.

فرض الحريري باستقالته الزلزال على خصومه، على حزب الله وحلفائه بما فيهم محور الممانعة الممتد إلى إيران، إعادة الاعتبار للتوازن الداخلي، إذ ليس خافيا أنّ حزب الله وخلال سنة من التسوية الرئاسية التي أتت بالعماد ميشال عون رئيسا وبالحريري رئيسا للحكومة، أخلّ بهذا التوازن بشكل مستفز وصارخ، وتجاوز كل الاعتبارات الداخلية وبعلاقات لبنان الخارجية وبسياسة النأي بالنفس، حيث عمل على فرض شروطه في إدارة الحياة السياسية وفي فرض العلاقة مع بشار الأسد على الحكومة، وفي ممارسة سطوته على القيادات السياسية إمّا بتطويعها مستفيداً من سطوة سلاحه، أو بعزلها وتهميشها بإدارة عملية الفساد وتوزيع الغنائم، بترسيخ دور سلاحه بحيث قال رئيس الجمهورية في الذكرى السنوية الأولى لوصوله إلى سدة الرئاسة، إنّ سلاح حزب الله مرتبط وجوده بأزمة الشرق الأوسط. وهذا وحده دليل كاف على المدى الذي وصلت إليه سطوة سلاح حزب الله في البلد.

استقالة الحريري أعطت لبنان فرصة، بأن أعادت ترتيب جدول الأعمال السياسي على قواعد الدولة، أمّا الدويلة فهي خيار لم يعد مجديا، وهي قوة إن لم تدمج نفسها في مشروع الدولة فهي مرشحة لتدمير نفسها وتدمير البلد. فاستقالة الحريري وما ترتب عليها وضعت الدويلة في الزاوية وأمام خيارات مصيرية، فإمّا الانتحار أو التكيف مع متطلبات الدولة والالتزام بشروطها وفي مرحلة أولى كف يد حزب الله الخارجية.

هذا ما حققته الاستقالة حتى الآن والأسلحة التي استخدمت في هذا السياق ليست إلا الخفيفة، فالمعادلة التي ستفرض نفسها في الأيام المقبلة هي التالية؛ كلما كان لبنان دولة فوق دويلة حزب الله فلن يتعرض للأذى وكلما تفوقت الدويلة التي يمثلها حزب الله على الدولة وأضرت بالدول العربية والخليجية على وجه التحديد، فإنّ لبنان كله سيكون عرضة للخطر.

هذه المعادلة فهمتها إيران كما فهمها حزب الله، والحريري في مقابلته التلفزيونية مد يد الحوار لحزب الله على قاعدة لبنان أولاً وهذا ما لا يستطيع أحد من اللبنانيين إلا أن يشجعه على الموقف أولا والحوار ثانيا ودائما نظام المصالح الوطنية هو المظلة والقاعدة.

سعد الحريري أحدث زلزالاً لبنانياً في استقالته، وعودته بالشروط التي قدمها كفيلة بأن تنقذ لبنان من مسار لا نهاية له إلا الجدار.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

استقالة الحريري: إعلان لبنان

ساحة مواجهة مع إيران

علي الأمين

بيان استقالة وأكثر لرئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري تلاه من العاصمة السعودية الرياض. بيان فاجأ المقربين من أركان تيار المستقبل الذي يقوده، قبل أن يفاجئ أمين عام حزب الله حسن نصرالله، وقبل أن يصدم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي أصابه الشك بأن يكون الحريري قد تعرض لعملية ضغط وإكراه في إعلان الاستقالة حسب ما روّجت مصادره، ملمحا إلى أن مكان إعلان الاستقالة يرجّحُ هذا الانطباع. المفاجأة طالت أيضاً اللبنانيين الذين كانوا سمعوا الحريري في مطالعة قبل 24 ساعة من إعلان استقالته، انطوت على دفاع عن الحكومة وإنجازاتها إلى حد أنه وصف من يستهين بانجازات الحكومة بأنه يمارس القرصنة السياسية.

هي استقالة وأكثر، المفاجأة حقيقة وليست مفتعلة، لا لأن ما ورد في بيان الاستقالة صُوب نحو سلاح حزب الله والنفوذ الإيراني في المنطقة العربية، بل لأن الحريري بدا للبنانيين ومنذ التسوية الرئاسية التي جاءت بمرشح حزب الله العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية وبالحريري نفسه رئيسا للحكومة، مسلماً بشروط سطوة حزب الله التي أطلقت يده في سوريا وفي الإقليم، وأتاحت لبقية القوى اللبنانية الاهتمام بالشؤون المحلية والبلدية التي لا تقترب من الشؤون الاستراتيجية. هذه التسوية التي دافع عنها الحريري نجح حزب الله بالالتفاف عليها وفي ترسيخ مفهوم خاص لتحييد لبنان يقوم على أنّ اللبنانيين عليهم أن يشكروه، ليلا نهارا، على دوره الاستراتيجي في حفظ الأمن في لبنان، مقابل أن تكون له حرية التنقل المسلح بين الدول العربية كما يشاء، ليس هذا فقط بل يجب على اللبنانيين أن يسلّموا بأن اختراقه للحدود وتجاوزه واستجابته لمتطلبات التمدّد الإيراني، هي علة الأمن في لبنان.

وإلى ما تقدم أظهرت السنة الأولى من ولاية رئيس الجمهورية، أن الحريري الذي قطع نصف المسافة باتجاه الخصم على أن يلاقيه رئيس الجمهورية في المنتصف، وجد نفسه وحيدا، فلا رئيس الجمهورية حاد عن حزب الله قيد أنملة، ولا الأخير أتاح فرصة تعطي الأمل بإمكانية إعادة حزب الله النظر في أولوياته الإقليمية والإيرانية لحساب أولوية الانتماء إلى الدولة اللبنانية، بل ذهب الحزب بعيدا في استثمار التطورات الإقليمية لحساب ترسيخ شروط محور الممانعة على لبنان لا سيما في محاولة فرض النظام السوري على الدولة اللبنانية متجاوزاً كل الاعتبارات العربية على هذا الصعيد.

الخناق الإقليمي والدولي بدأ يضيق على إيران، لكن الثابت أن هذه العملية في رأس اهتمامات السياسة الأميركية في المنطقة ولدى السعودية، وهي لا تتخذ في الوقت الحاضر وجهة أمنية عسكرية بل المزيد من تضييق الحصار عبر زيادة كلفة العلاقة مع حزب الله

وأكثر من ذلك لم يُبدِ حزب الله اهتماماً بما تسببه تدخلاته الإقليمية في سوريا واليمن والعراق وغيرها من أعباء على لبنان، كانت العقوبات الأميركية على نظامه المصرفي واحدة، فيما ساءت علاقة لبنان أيضاً مع معظم دول الخليج، كما حوّل حزب الله لبنان إلى مساحة جغرافية تتمتع بحدود من الأمن، لكن هو الأمن الذي يحتاجه باعتبار أنّ لبنان قاعدة انطلاق له نحو الدول العربية، لذا فالأمن الذي يمنّ حزب الله زوراً اللبنانيين به يومياً، لم يوفر للبنان أيّ شروط ايجابية للتنمية أو للحد من الترّدي الاقتصادي والمالي، بل تفاقمت الأزمات وتراجعت الثقة العربية والدولية بلبنان، وكل ذلك يجري فيما حزب الله يعلن يوميا أنه منتصر ويحقق انتصارات في طول الدول العربية وعرضها، وكل ذلك كان يترافق مع زيادة نفوذ الدويلة التي يمثلها الحزب وتراجع نفوذ الدولة اللبنانية ودورها داخليا وخارجيا.

هو بيان استقالة وأكثر، فالرئيس الحريري لم يعلن استقالته فحسب، بل أعلن إطلاق المواجهة مع النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، لذا فإن البيان يتخذ أهمية لأن الاستقالة وما تضمّنته هي تجاوز موقع رئيس الحكومة إلى إعلان تغيير في قواعد الاشتباك بين الحريري وما يمثّل محلياً وعلى المستوى الإقليمي، وبين حزب الله ومن يمثّل على المستوى الإيراني. فالبيان لم يخلُ من اللمسات السعودية، فالحريري كان بحسب كل مواقفه السابقة على إعلان الاستقالة، مراهناً على التسوية اللبنانية وعلى تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، ولكن هذا التحييد رسم معالمه اللبنانية حزب الله فهو تحييد لبقية اللبنانيين لكن أطلق يده في الإقليم، لذلك فإن هذه الوقائع هي التي جعلت القيادة السعودية تغيّر من رؤيتها للتسوية اللبنانية، لا سيما بعدما اكتشفت أن ما قدّمته من دعم نسبي لها، بات يصب في صالح استراتيجية حزب الله الذي استفاد من الغطاء الشرعي للحكومة اللبنانية لتغطية السلاح، الذي انفلت على امتداد المنطقة ولم يوفّر المملكة السعودية التي كانت هدفا دائما في خطابات أمين عام حزب الله وقياداته، من دون أن يظهر أي رد فعل سلبي على مواقف نصرالله من قبل رئيس الجمهورية.

في الخطاب الأخير الذي تلا استقالة الحريري، بدا نصرالله هادئا لم يهاجم السعودية، وبدا حذرا في إطلاق أي موقف سلبي ضد المملكة أو أي مسؤول فيها، هذا الهدوء ليس مسبوقاً في إطلالات نصرالله السابقة. الاستقالة أربكته وفاجأته، حاول أن يحيلها إلى أسباب تتصل بالسعودية ولم يتناول مضمون الاستقالة السياسي ودعا إلى التريث، لكن يمكن قراءة أن هذا الهدوء ينطوي على قلق رغم محاولته تطمين جمهوره بأن لا حرب قادمة على حزب الله لا من إسرائيل ولا من السعودية ولا من التحالف الدولي، لكنه كان يدرك في المقابل أن صيغة تحييد لبنان التي رسمها بأنامل إيرانية باتت في مهب الريح، فالموقف الذي أطلقه الحريري من الرياض كان شديد الوضوح، ومفاده أنّ هذا الحياد انتهى فالمعركة مفتوحة مع النفوذ الإيراني، وأي تسوية لا تضع حلا لسلاح حزب الله في لبنان والمنطقة العربية، غير واردة وغير مقبولة، بل إن المواجهة باتت على طول المنطقة العربية مع النفوذ الإيراني.

في قراءة هذا الموقف أيضا لا بد من الإشارة إلى أن الاستقالة رغم أنها كانت مفاجئة، إلا أنها تندرج ضمن سلسلة حلقات بدأت من قمة الرياض التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأكثر من خمسين زعيم دولة عربية وإسلامية وكان عنوانها الأبرز مواجهة تمدد إيران، ومع اقتراب نهاية سيطرة داعش في سوريا والعراق، تبدأ عملية فتح الملف الإيراني في المنطقة، وكانت مقدّمات ذلك تشديد العقوبات الأميركية على إيران ولا سيما حزب الله، والذي ترافق مع مواقف لمسؤولين أميركيين في الكونغرس وفي الإدارة وصولا إلى الرئيس ترامب مفادها أنّ عقاب حزب الله قد حان.

ولا يخفى على المتابعين أن الخناق الإقليمي والدولي بدأ يضيق على إيران، لكن الثابت أن هذه العملية في رأس اهتمامات السياسة الأميركية في المنطقة ولدى السعودية، وهي لا تتخذ في الوقت الحاضر وجهة أمنية عسكرية بل المزيد من تضييق الحصار عبر زيادة كلفة العلاقة مع حزب الله.

استقالة الحريري إعلان براءة من حزب الله عبر قوله إن لبنان لم يعد قادرا على تحمّل المعادلة التي تعطل الدولة، وهي استقالة تكشف أن المواجهة مع حزب الله انتقلت إلى فصل جديد لم يعد يحتمل أنصاف الحلول، فإما لبنان بلد تحت سيطرة حزب الله من دون قفازات، وإما العودة إلى شروط الدولة التي لن تقبل التعايش مع سلاح حزب الله ولا أدواره الإقليمية.

وليس خافيا أنّ ما سمّاه نصر الله جنونا سعوديا في توصيفه لاستقالة الحريري خلال لقاء جمعه مع قادة ما يسمّى سرايا المقاومة مساء السبت، يكشف الخطوات التي يمكن أن تطال لبنان من بوابة المواجهة مع حزب الله، خطوات لن تكون أدواتها سياسية فحسب، بل أمنية وعسكرية واقتصادية ومالية. ثمة تنسيق أميركي سعودي في هذا الصدد وهو ما يقلق حزب الله، إذ لم يسبق أن تطابقت السياسة السعودية والأميركية حيال حزب الله كما هي اليوم، وهذا ما يؤكده أكثر من مصدر متابع، فالثابت أنّ النفوذ الإيراني وذراعه حزب الله هما الملف الجديد الذي سيفتح لحظة طيّ صفحة وجود تنظيم داعش العلني في سوريا والعراق. استقالة الحريري حلقة من سلسلة حلقات بدأت من قمة الرياض الأميركية الإسلامية، أما الحلقات المقبلة فلن تنتهي إلا بكلفة توازي حجم التغيير الذي سيطال المنطقة.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

قراءة في مشهد حي السلم:

صرخة الأبناء ضد تخلّي الأب

علي الأمين

 

مشهد حيّ السلم في الضاحية بما تضمنه من ردود فعل غاضبة لمواطنين شيعة ينتمون الى بيئة حزب الله، جاء رداً على إزالة أبنية مخالفة من قبل اتحاد بلديات الضاحية وبلدية الشويفات وبقرار من وزارة الداخلية وبغطاء سياسي من قبل حزب الله، اعتراضات وغضب أصحاب الأبنية المتعدية على الملك العام، المشهد بصوره المتعددة من التعريض إلى الاعتذارات لاقى اهتماماً واسعاً داخل بيئة حزب الله ومن خارجه.

المشهد غير مسبوق في حي السلم في جرأته أو تجرئه على حزب الله والسيد نصرالله، مشهد من البيئة الحاضنة التي أظهرت ولاتزال بنوتها للأب أي السيد نصرالله، ولم يكن مضمون الاحتجاج والشتيمة، ليخرج أصحابه عن هذا العقد الضمني بين حزب الله والمكون الشيعي، الذي يقوم على تعزيز أبوة حزب الله للطائفة المدبر لمصالحها والمدافع عنها.
هذا النوع من العقود الذي رسخه حزب الله في البيئة الشيعية، وفي الضاحية الجنوبية على وجه الخصوص، لا يزال قائماً ومستمراً ويرسخه أنّ الوعي الشيعي العام في لبنان، يضع حزب الله بموقع الأب، منتقدو حزب الله في حي السلم، كانوا يخاطبون السيد حسن نصرالله بصفته الأب، ولكن الأب الذي يعتقدون أنّه خان أبناءه. عقد الأبّوة هذا، هو أحد أبرز أسباب تعطيل الحيوية داخل الطائفة الشيعية، لأنّه ينطوي على تخوين أي حيوية اجتماعية وسياسية لا تحظى ببركة الأب، ومنذ أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن، ساهم هذا العقد بعزل الطائفة الشيعية عن الدولة بما هي قانون ومؤسسات ناظمة لحياة المواطنين، وكلما تعمق هذا العقد الضمني بين الأب (حزب الله) وأبنائه (الشيعة)، كان يترسخ لدى البيئة الشيعية هذه، أنّ الدولة ليست هي الملاذ، هي كائن غريب عنهم بل خطر عليهم، ولأنّها غريب فحزب الله يحمي بيئته منها. ولعلّ أكثر المقولات انتشاراً لدى محازبي الحزب ومناصريه حين مواجهة أيّ ازمة اجتماعية او اقتصادية (شو علاقة حزب الله روحو شوفو الدولة).
هذه العلاقة والعقد الضمني وغير الموثق، تحول إلى سلوك اجتماعي، مفاده أنّ المكون الشيعي له خصوصيته، تلك الخصوصية التي تمنعه من الامتزاج مع المكونات اللبنانية الأخرى. وقد عزز حزب الله في مسيرته من هذه الوجهة، أي عزز من التخارج بين المكون الاجتماعي والدولة، فالدولة هي دائماً الآخر وليس النحن بل ليست من نسيجنا، وهي مصدر الشرور ومكمن الخطر.
السيدة التي كانت تتحدث بوجع في حي السلم عن حزب الله والضاحية والسيد نصرالله، كانت تضع اصبعها على الجرح، أي على إخلال حزب الله بأبوته ” ما في بيت ما في جريح، قلت أنّك ستحمينا من الدولة، قدمنا لك التضحيات وسكتنا مقابل دور افترضته لنا…نحن بشهر صفر ان شاء الله البلا ينزل عليكم لأنكم البلا انتم جبتم وجع راس للضاحية.. ما تعدينا عحدا حطينا صورة السيد وميشال عون”.
كانت السيدة تقول مخاطبة السيد نصرالله أو حزب الله، نحن نخرج من الدولة ونُخرج الدولة منا وخضعنا لقانون خاص أنت تضبطه ولكن مقابل أن تمارس دور الأب. كل ما طلبته منّا قدمناه لك في المقابل، قبلنا راضين أو مكرهين هذا النمط من العيش في الضاحية بأنّك أنت الأب وأنت من يقرر في شروط الحياة الأمنية والسياسية وغيرها…ولكنّك أخليت بالعهد
ما تقدم يمكن إدراجه في سياق قراءة الحدث من الداخل، أو مؤدى منطق الحدث الجواني في بيئة حزب الله من خلال العقد الضمني بين البيئة الشيعية وحزب الله.

 

أمّا النظرة من الخارج فيمكن ملاحظة، أولاً،ان ما جرى في حي السلم هو أول مشهد خطير من مشاهد عجز حزب الله أمام الادعاءات والوعود التي يقدمها لبسطاء الطائفة الشيعية وفقرائها، أي أنّه لا يستطيع فعلاً أن يكون الأب الراعي، وليس قادراً أن يعطي بقدر ما قدم له الأبناء، هو دخل في نظام دولة يعطيه حصة من بين حصص موزعة، لا أكثر.
ثانياً، وفي أحد صور مشهد حي السلم، أنّه وجّه رسالة عميقة لبيئة الضاحية والشيعة عموماً رسالة تقول ليس لكم إلاّ الدولة، ودعوة للخروج من مقولة نحن والدولة، إلى معادلة نحن جزء من كيان الدولة، نحن الدولة والدولة نحن، بمعنى الانتقال من هوية شيعية معلقة بين الكيان اللبناني والكيان المشرع على مجهول، إلى مواطنين لبنانيين شيعة.
ثالثاً، يكشف ما جرى في حي السلم وجه من وجوه استغلال الفقر وضعف الناس، بدفعهم أكثر الى الاصطدام بالدولة “الغريبة والظالمة ومصدر الغدر” وما إلى ذلك من تعبئة إيديولوجية روّج لها حزب الله لتأسيس مجتمعه الخاص و”النقيض” في مقابل منحهم حماية وهمية، هي في الحقيقة عزلة، وهي الثمن المباشر لأبوة رضوا فيها، اي الانفصال عن الوطن والدولة.

فالدولة في الوعي الذي رسخه حزب الله في بيئته ولا يزال، هي شيء منفصل، كأن نتحدث عن دولة في زيمبابوي وليس في لبنان. فحزب الله الذي أسس لمنهج الخروج على الدولة ومارسه، يدرك أنّ هذا الخروج تطلب في المقابل ترسيخ هذه الفكرة في السلوك الاجتماعي في بيئته الشيعية الحاضنة، عبر الإعلاء من الخصوصية التي توصل إلى العزلة عن بقية المكونات، لذا كان انفعال تلك المرأة التي خاطبت السيد حسن نصرالله صادقاً، رغم اعتذارها لاحقاً، الصدق هنا ليس في ما يمكن أن يصفه البعض بوقاحة المتعدي على الأملاك العامة، بل يكمن في أنّ هذه المرأة التي تربت ونشأت على خطاب أنّ الدولة هي الغريب، كانت صادقة في إشارتها إلى إخلال الأب بمسؤولياته تجاه أبنائه. وأساس فكرة الأبوة وعقدها بين حزب الله وبيئته الشيعية، تقوم على أنّ الابن هو قاصر وعاجز وغير مدرك، وعلى الأب أن يتكفل بأموره. مهمة الأب ان يحمي الأولاد من كل آخر، وعلى رأسهم الدولة.
رابعاً، شرخ صغير أصاب زجاج الأبوة الشفاف وينذر بتفسخه، خاصة أنّ حزب الله (الأب) الذي أغدق الوعود على بيئته (الأبناءبمسلسل “الانتصارات الذي لا ينتهي، وقدم له الأبناء قرابين لهذه الانتصارات، ينكشف على ضعف في تلبية احتياجات الأبناء أو بعض حقوقهم، فحتى وهو يعتّد أمام جمهوره كيف يحلق في سماء الإقليم، يقف عاجزاً أمام أيّ تغيير إيجابي ينقذ أبناءه من “تعدي” الدولة، أبناؤه الذين علمهم أنّ الدولة خطر عليكم ومصدر بؤسكم وأنا والدكم الذي من حضنه تبدأ الحياة الكريمة وبخروجكم منه لا كرامة لكم.

هذه الملاحظات غير معنية بما يمكن أن يبادر إليه حزب الله من معالجات لن تتجاوز فكرة الاعتذارات وتقديم التعويضات للمتضررين، والأرجح أنّه سيعمد إلى إعادة قراءة عملية إزالة التعديات وكيفية مقاربتها من جديد، بل لن يتوانى عن القيام بما يؤكد لبيئته أنّه أقوى من الدولة “الغريبة” وأنّ سلطته تبقى هي الأساس مادامت متنزلة من الله وأنبيائه وأئمته.
من صور الاعتراضات على حزب الله في حي السلم وصولاً إلى الشتم غير المقبول، وما تلاه من اعتذارات بالصوت والصورة، صور متصلة ومتناغمة لا تكمل المشهد البائس إلا باستحضار نائب الضاحية علي عمار عبر شرحه العرفاني لتجليات عملية هبوطه مقبلا حذاء الأب الأكبر السيد حسن نصرالله.

مع ( جنوبية) باتفاق مسبق

 

الدولة والدويلة

كمشروع إيراني للعرب:

لبنان نموذجا وغزة اختبارا

علي الأمين

يقترح حزب الله على اللبنانيين أن يتدبروا أمورهم بعد تسليمهم مرغمين أو طائعين، بأنّه المقرر في شؤونهم الإستراتيجية، سواء في علاقات لبنان الخارجية، أو بالتسليم بأنّهم ضمن المحور الإيراني، وباستعدادهم لتقبل تقاطر رؤسائهم ووزرائهم إلى رئيس النظام السوري بشار الأسد في المرحلة المقبلة، فضلا عن تسليمهم بحق حزب الله أن يقرر وحده الحرب أو السلم مع إسرائيل، وقبل ذلك وبعده، يجب أن يسلموا أو يستسلموا لواقع أنّ الدولة اللبنانية هي صيغة نظام مشروطة ببقاء الدويلة التي تحيا على حساب الدولة، فيجب أن يسلم اللبنانيون أنّه خارج أيّ مساءلة أو محاسبة، فلا سلطة تعلو على سلطاته، لا سياسيا ولا قضائيا ولا عسكريا ولا أمنيا.

حزب الله يبتدع صيغة جديدة لا تستقيم في أي دولة ولا في أي نموذج للحكم. صيغة حكم يقوم جوهرها على عدم تحمل المسؤولية تجاه الدولة، وللتخفيف من أعبائها تجاه الشعب، أو تجاه الالتزامات الخارجية سواء كـانت اقتصادية أو سياسية، له الغنم، وعلى بقية اللبنانيين الغرم.

لهذا كان حزب الله بخلاف ما يعتقده بعض اللبنانيين أو غيرهم، غير راغب في تعديل صيغة النظام اللبناني بما يوفر له أو لطائفته حصصا إضافية في نظام المحاصصة الطائفية، وهو ليس من الغباء ليذهب نحو استلام السلطة بالشكل والمضمون، هو يريد السلطة لكن لا يريد تحمل المسؤولية، لذا كان وفيا لمدرسة الوصاية السورية التي عاشها لبنان بين العامين 1990 و2005 أي السيطرة على قرار السلطة من دون أن يخل شكلا بوجود مؤسسات ورؤساء ومسؤولين يتقدمون الواجهة، لكنهم بالفعل يلتزمون بمتطلبات سلطة الوصاية، والتي من أدوارها توزيع الحصص وإدارة الخلاف حول المكاسب والمناصب بين قوى السلطة الشكلية في لبنان.

يستخدم حزب الله القوة العسكرية والأمنية وسطوة السلاح، لفرض وصايته على لبنان، وربما قد يقبل اللبنانيون منه أن يحكم هو نفسه لبنان بمعنى أن تكون له كل مواقع السلطة، لكنه لن يقبل بذلك لأنه يرفض أن يتحمل أعباء الحكم بل هو يريد منافعه ولا يريد أن يتعرض لأي مساءلة دستورية أو قانونية أي أنه لا يريد تحمل مسؤولية حكم الدولة.

فمثلا هو يريد أن يقاتل في أي مكان في العالم، ويريد أن يستثمر موقعه في لبنان من أجل ذلك ودائما، من دون أن يكون مسؤولا عن تبعات خطواته، يتجاوز الدستور ونظام العلاقات بين الدول، ويفعل ما يشاء على هذا الصعيد، وهو يدرك أن الجميع سواء في لبنان أو في الخارج الإقليمي والدولي سيقدر أن الحكومة اللبنانية عاجزة عن لجمه أو محاسبته، فيما هذه الحكومة نفسها توفر الغطاء الفعلي له من خلال إظهار عجزها عن ذلك في الحد الأدنى.

ينطلق حزب الله من إستراتيجية إبقاء الدولة معلقة في لبنان، أي من ثابت يقوم على أن مشروع الدولة القوية هو خطر وجودي عليه، حتى لو كـان هو من يحكمها، وهو بالتالي يكشف المنهج الذي تسعى إيران إلى تعميمه في مناطق نفوذها، سواء في اليمن بين الدولة وأنصار الله، أو في العراق بين الحكومة والحشد الشعبي، وحتى في قطاع غزة الذي شهدنا فيه ملامح هذه الثنائية.

هذه الثنائيات التي تجمع بين منطق الدولة ولا منطق الدويلة، هو المشروع الذي تعدُ القيادة الإيرانية به شعوب المنطقة، وهو مشروع أقل ما يقال فيه أنه يوفر نفوذا إيرانيا بكلفة سياسية ومالية وعسكرية إيرانية مقبولة، ويجعل في الوقت نفسه الدول أمام استنزاف مستمر اقتصاديا واجتمـاعيا، فضـلا عن أنه عبـارة عـن مشروع قنابل عنقودية تتفجر عند أي خطوة نحو توحيد الشعب وتثبيت سيادة الدولة بكل ما يعنيه مفهوم السيادة للدولة من التزام بالعقد الاجتماعي بين الشعب والسلطة.

حزب الله يقترح على اللبنانيين هذه الصيغة بالقوة، ويدرك اللبنانيون عموما أن هذه الصيغة والتي وَرثت الوصاية السورية، باتت أكثر خطرا على لبنان، فهي في الحد الأدنى تساهم في المزيد من تصدع المؤسسات الدستورية والقانونية، وتجعل لبنان في مهب الصراعات الإقليمية والدولية، وهي صيغة تنطوي على أكثر من الفساد في إدارة شؤون الإدارة العامة ومؤسسات الدولة، إلى الإفساد الذي تقوم عليه معادلة الوصاية الجديدة، وجوهر الإفساد يقوم على معادلة مفادها أنّ رموز السلطة في لبنان يتحاصصون مع حزب الله وبإشرافه تمارس عملية نهب المال العام، في مقابل سكوتهم على كل انتهاكاته للسيادة ولعملية تخريب علاقات لبنان الخارجية.

في كل المواقف التي تصدر عن سياسيين أو متخصصين في المجـال المالي والاقتصادي، تسود فكرة مفادها أن لبنان يتجه نحو المزيد من الأزمات على هذا الصعيد، بسبب غياب السياسات المسؤولة من قبل السلطة، وهذه النتيجة تعود في أول أسباب تشكلها إلى غياب المرجعية التي تستطيع أن تقول للبنانيين أنا المسؤول عن إدارة شؤون الدولة، لا بل يستخدم محترفو استثمار السلطة لمصالحهم الحزبية أو الفئوية من المسؤولين، وبلا خجل، مقولة أنهم غير قادرين بسبب المعادلة التي يفرضها حزب الله وطبيعة وجوده، فيما هم أنفسهم لا يتوقفون عن ممارسة مواهبهم في الاستجابة السريعة لما يقترحه عليهم هذا الحزب نفسه في الدخول في لعبة المحاصصة والفساد.

جانب آخر لا بد من الإشارة إليه، يتصل بإغراء آخر وخطير يوفره الانخراط في عملية استنفار العصبيات المذهبية والطائفية، ذلك أنّ السلطة التي تستبيح الدستور والقانون كما المال العام، باتت تحترف في لبنان مواجهة غضب المواطنين من عملية إفقارهم وإهانتهم، بدفعهم للغرق في أفخاخ هذه العصبيات، ليفجروا غضبهم من السلطة في اتجاه يعزز من نفوذها، أي عبر نقل المواجهة من شعب ضد سلطة ظالمة، إلى صراع عصبيات في ما بينها غايته أن يغطي كل الخطايا التي ترتكبها السلطة بمختلف فرقائها.

إيران توغل في عملية إعادة تفكيك الدول العربية، وهو تفكيك يتلاءم ويوفر كل شروط السيطرة الخارجية على المنطقة، وهي إذ تدغدغ الأحلام المذهبية والطائفية والإثنية، فإنها تقترح على الدول الطامعة بالمنطقة العربية سواء كانت غربية أو شرقية أو حتى على إسرائيل، أنّها الشريك الملائم والموضوعي في عملية تقاسم النفوذ طوائف ومذاهب وإثنيات، فيما الدولة الوطنية والنظام الإقليمي العربي هما الهدف، والدفاع عنهما هو صلب أي مشروع مواجهة.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

ترامب يطلق استراتيجية المواجهة

مع إيران في لحظة عريها العربي

علي الأمين

مرحلة جديدة افتتحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الغاضب من سلفه باراك أوباما والساعي إلى تقويض ما أمكنه من اتفاقيات أبرمها الأخير وإدارته مع إيران. لم يستطع الرئيس الأميركي الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، ولم يبرمه أيضا وأعاده إلى الكونغرس في خطوة تعكس انزعاجا شخصيا حيال هذه الاتفاقية وتفلت من الضغوط الداخلية الداعية إلى توقيعها، وفي جانب آخر دعوة غير مباشرة إلى الكونغرس للمبادرة من أجل فتح أبواب التعديل أو ما تصفه وزارة الخارجية الأميركية تطوير الاتفاقية لتصل إلى ضم ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية إلى صلب الاتفاق النووي، وهو ما كان مدار حديث بين وزيري الخارجية الأميركي والإيراني، ريكس تيلرسون ومحمد جواد ظريف، قبل ساعات من إعلان ترامب استراتيجيته تجاه إيران السبت الماضي.

ترامب تخفف من اتخاذ قرارات مباشرة من البيت الأبيض تجاه الاتفاق النووي ولم يصدر قرار إدراج الحرس الثوري على لائحة الإرهاب، وأحال أمر العقوبات المالية إلى الخزانة الأميركية التي أعلنت فرض إجراءات عقابية مالية على الحرس الثوري بعد إدراجه على لائحة المنظمات الإرهابية.

وهذه الخطوة تدشن مرحلة جديدة في العلاقة الأميركية-الإيرانية، تتسم باستراتيجية أميركية غايتها محاصرة نفوذ إيران في المنطقة العربية وتحجيم دورها، والضغط الاقتصادي من خلال التصويب المالي والأمني على منظمة الحرس الثوري الجهاز الأقوى في إيران بل الحاكم الفعلي أيديولوجيا وعسكريا واقتصاديا. فالحرس الثوري يتحكم بسلطات لا تقاربها أي سلطة في البلاد، إلى حد أن البعض من المتابعين للشأن الإيراني يعتبر ولي الفقيه ليس إلا الرجل الذي يلائم تطلعات الحرس وسلطته، والذي يستجيب لتوسع هذه السلطة وتمددها في السياسة والاقتصاد فضلا عن الأمن والوظيفة العسكرية، بحيث أن الجيش الإيراني، كما رئاسة الجمهورية ومجلس الشورى، كلها مؤسسات لا يبرز حضورها ولا نفوذها إلا تحت سقف سلطة الحرس الثوري الذي يحكم إيران اليوم فعليا.

 

الاستراتيجية الأميركية التي تهدف إلى محاصرة نفوذ إيران في المنطقة العربية، تبدأ حسب خطة ترامب من السعي إلى تعديل الاتفاق النووي إذا لم يكن من الممكن الانسحاب منه، وتعمد إلى مواجهة تستند إلى العقوبات المباشرة للحرس الثوري ولأذرعه الميليشيوية وفي مقدمتها حزب الله، إذ تستعد واشنطن لإصدار قانون جديد مشدد يهدف إلى التضييق على النشاط المالي لحزب الله ومؤسساته لن تنجو منه الدولة اللبنانية بطبيعة الحال، فضلا عن الجهات الحليفة لحزب الله في هذا البلد أو القريبة منه، وهذا مؤشر على أن الاستراتيجية الأميركية ليست في وارد التورط مجددا في مواجهات عسكرية في المنطقة بعد تجربة احتلال العراق، من دون أن تلغي احتمالات حصول حروب بالواسطة أو استخدام التفاهمات مع روسيا في المنطقة لتحقيق الأهداف التي باتت أهدافا مشتركة لمعظم الحكومات العربية والإدارة الأميركية.

ويمكن القول بأسف إن مشكلة إيران لم تعد مع بعض الحكومات، بل ثمة شرخ بنيوي على مستوى الشعوب العربية وإيران أمكن لواشنطن أن تدخل في هذا المضمار الذي يجعل من سياسة العداء لإيران سياسة تحظى بتأييد واسع على مستوى المجتمعات العربية رغم العداء الذي تحمله الشعوب العربية لأميركا، لكنه بات بعد التورط الإيراني في سوريا وفي العراق وفي غيرهما أقل بكثير من العداء لإيران، بل بات العداء العربي للسياسة الإيرانية ولدورها في المنطقة العربية، مدخلا مثاليا لإسرائيل إلى المنطقة وللدور الأميركي الذي بات يحظى بشرعية بل بات طلبا ملحا إذا كان البديل إيران.

الدور الروسي أيضا ورغم الارتكابات التي قام بها في سوريا، بات مطلبا سوريا شعبيا إذا كان بديلا عن الدور الإيراني، ولهذا تدرك روسيا أن إيران التي ساعدت في تمدد روسيا في المنطقة العربية وأن واشنطن باركت هذا النفوذ والدور المتنامي في سوريا، إلا أن استقرار النفوذ الروسي ودوامه يتطلب غطاء عربيا ليبقى ويستمر، بهذا المعنى يمكن فهم العلاقة الروسية السعودية حيث سعت روسيا، من خلال الزيارة الأخيرة للملك سلمان بن عبدالعزيز بوفد تاريخي، إلى الإشارة إلى مسلميها وأنها على علاقة متينة مع رموز المسلمين السنة، وأن الصورة الدموية التي وصلت إليهم من سوريا لا تعكس الحقيقة الكاملة، إذ ليس خافيا أن روسيا مهتمة باستقرار العلاقة الإيجابية مع البيئات الإسلامية في الدولة الروسية والجمهوريات المحيطة بها وهي بيئات سنية في غالبيتها. تدرك القيادة الروسية أن مدخلها الاستراتيجي إلى العالم العربي والإسلامي هو السعودية وليس إيران.

من هنا يمكن القول إن تشكل النظام الإقليمي العربي اليوم يقوم على مواجهة النفوذ الإيراني وتمدده في القضايا المحورية، وتأتي التطورات الفلسطينية على صعيد المصالحة بين حركتي فتح وحماس، لتظهر بوضوح تراجع الدور الإيراني بحيث لم يسبق أن شهد تطور استراتيجي على الصعيد الفلسطيني منذ ربع قرن على الأقل مثل هذه الهامشية الإيرانية بل الغياب عن مثل هذا الحدث الفلسطيني، وكشف هذا التطور الفلسطيني غيابا لا يقل أهمية هو الغياب السوري، فيما ستكون الأيام المقبلة بما تحمله من نتائج هذا الاتفاق مدخلا لتطور سياسي واستراتيجي لا يقل أهمية على صعيد العلاقات العربية الإسرائيلية ودائما كنتيجة موضوعية لمخلفات الدور الإيراني في المنطقة العربية.

الاستراتيجية الأميركية ستزيد الحصار على الدور الإيراني لكن ماذا لدى القيادة الإيرانية وأذرعها في المنطقة العربية لتقدمه في المرحلة المقبلة؟ مع انحسار الإرهاب بمعناه الجغرافي تبدو فرص استثمار إيران في تمدده تتراجع، والأزمة الكردية التي انفجرت على حدودها من جهة العراق، تحولت إلى عنصر تهديد لها لا سيما أن إيران التي كررت أنها موجودة على حدود إسرائيل من خلال حزب الله، فإن إسرائيل تقول، بطريقة غير مباشرة، إنها موجودة على حدود إيران من خلال كردستان، خاصة بعدما أعلنت أنها مؤيدة للاستفتاء على استقلال هذا الإقليم، وأبدت استعدادها لمد المزيد من يد العون له.

ترامب يطلق استراتيجية المواجهة مع إيران وأذرعها في أسوأ مرحلة من مراحل العداء لإيران على امتداد المنطقة العربية، مرحلة ستدفع إيران إلى المزيد من التنازلات للدول العظمى على حساب علاقاتها مع المنطقة العربية.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

شيعية لبنانية مقابل شيعة

المحاصصة والمغامرة

علي الأمين

 

لقاء الدولة والمواطنة تناول المعضلة الشيعية التي صنعتها ظاهرة حزب الله ومغامراته الإقليمية في لبنان وهي لا تختصر أزمات لبنان، لكنها طاغية اليوم في لحظة تداعي الدولة ومؤسساتها لذا ليس من الانصاف والوطنية تغييبها.

لقاء “الدولة والمواطنة أكّد في ندائه على أنّ المهمة الوطنية الملحة اليوم هي منع انهيار الدولة ومؤسساتها وسلطاتها عبر العودة إلى الدستور وتطبيق القانون، ولجم المحاصصة في نهب المال العام.
وهذا لن يتحقق من دون السعي إلى مواجهة مع سلطات الفساد واستباحة القانون. الصمت أو الكلام عبر الهواتف الذكية لا يكفي لمواجهة كل هذا الكم الهائل من القرارات والسياسات التي تفرغ الدولة من مضمونها ودورها وتستبيح القضاء بالتعيينات الحزبية، وتتقاسم الأجهزة الأمنية، وتزيد من الفقر بسياسات زبائنية لا تعد إلاّ بمزيد من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.

لقاء الدولة والمواطنة كان صرخة جامعة من البقاع ومن الجنوب ومن بيروت وضاحيتها الجنوبية لتلاقي صرخات أخرى في الفضاء اللبناني تدعو إلى انقاذ الدولة التي هي لكل اللبنانيين، إعلان تحرك وبدء العمل بدل الاكتفاء بالكلام، أما الخصوصية المناطقية أو الشيعية التي لم يغيبها النداء، فهي للقول أننا ونحن ذاهبون في اتجاه الدولة نرفض كل محاولات حصرنا في هوية شيعية، ذلك أنّه طالما استخدم العنوان الشيعي وباسم الشيعة زوراً في جر البلد إلى حروب عبثية إقليمية، وطالما تخلّت قوى في المجتمع سياسية أو مدنية، ومن خارج السلطة، عن التصدي لتوريط لبنان والشيعة على وجه الخصوص، في حرب غير شرعية ولا اهداف وطنية لها. ولا نريد أن نقول جبنت أو تواطأت. أيضاً الإشارة للخصوصية الشيعية، جاء ليذكر ونحن على مشارف الانتخابات النيابية بسؤال لماذا تفوز القوى الميليشيوية أو المسلحة الشيعية بالانتخابات النيابية منذ ربع قرن اي منذ انتخابات 92 ومن دون حدوث ولو خرق واحد في بعلبك_الهرمل او في الجنوب؟

كل ذلك فرض على لقاء الدولة والمواطنة أن يضيء على هذه المعضلة لا بغاية طائفية بل بغاية الدعوة للخروج منها إلى دولة نتساوى كلبنانيين تحت سقف دستورها وقانونها، دولة ترفض أن تكون فيها طائفة اختصاصها الحروب على حساب الوطن والدولة طائفة لا نريد أن تحمل مسؤولية من يتجاوز باسمها واسم مقدساتها حروباً على امتداد المنطقة، فيما أبناؤها يتوسلون بلا نتيجة الماء والكهرباء والوظيفة والمدرسة والجامعة والعيش الكريم ممن ينهب الدولة ويستبيحها باسمهم وباسم اللبنانيين عموماً.

ربع قرن في مجلس النواب ثم الحكومة ثم يقولون لك مستعدون أن نكون حيث يجب أن نكون ولكن هيهات أن يكون الواجب وقف الفساد واستباحة القانون وإنقاذ الوطن والدولة في لبنان، من لا يعنيه الدستور والقانون وتطبيقهما في بلده لا يمكن أن يكون حريصا عليه في بلاد الآخرين.

(جنوبية) باتفاق مسبق مع الكاتب

 

عملية داعش.. إعادة إنتاج

التنظيم في المسرح السوري

علي الأمين

قبل أيام قليلة سقط نحو 24 عنصرا من حزب الله في البادية السورية في هجوم مباغت شنه تنظيم داعش، وإضافة إلى هذا العدد سقط نحو مئة عنصر من الجيش السوري فضلا عن عشرات العناصر الإيرانية والعراقية، وبحسب المعلومات المسربة من عناصر حزب الله فإن العملية تمت فجرا حيث استغل عناصر داعش الضباب المخيم في الصحراء وشنوا هجوما على عدة مجمعات للجيش السوري وحلفائه وأعملوا قتلا بعدما فجروا أكثر من عربة انتحارية كانت مقدمة للهجوم المباغت.

هذه العملية العسكرية تظهر من ناحية الشكل أنّ تنظيم داعش لا يزال قادرا على المبادرة، لا سيما أنّ المعلومات تشير إلى أنّ الذين شنوا الهجوم وأبادوا عناصر الجيش السوري وحلفائه، كانت أعدادهم بالمئات وليسوا مجرد مجموعة تعد بالعشرات أو أقل من ذلك. وهذا ما جعل المراقبين يطرحون تساؤلات حول ما يقال عن نهاية هذا التنظيم في سوريا في ظل انكفاء التنظيم والحديث عن نهاية سيطرته الجغرافية كاملة في سوريا، بعدما انتهت سيطرته بشكل شبه كامل على الأراضي العراقية.

العملية الأخيرة التي نفذها تنظيم داعش في البادية السورية وفي منطقة السخنة في ريف حمص، تمت بعد الصفقة الشهيرة التي أنجزها تنظيم حزب الله مع التنظيم، وأدت إلى إخراج مئات من عناصر الأخير من مناطق حدودية لبنانية باتجاه الحدود العراقية السورية وإلى منطقة دير الزور قبل شهر، وأثارت هذه العملية ولا تزال تساؤلات حول العلاقة التي تربط الطرفين لا سيما أنّ الجيش اللبناني كان على وشك تحقيق انتصار كامل على داعش في لبنان، وساهمت الصفقة المذكورة في طي الكثير من المعلومات الكفيلة بكشف خبايا دور هذا التنظيم في لبنان والجهات المشغلة له، خصوصا أنّ العديد من القوى والمراقبين يؤكدون أنّ الوظيفة الأساسية لهذا التنظيم منذ نشأته في سوريا حتى اليوم كانت إنهاء المكونات المدنية للمعارضة السورية ولا سيما الجيش السوري الحر والتنسيقيات من جهة، ومحاولة شيطنة الثورة السورية وتبييض صفحة النظام السوري وتبرير التدخلات الإيرانية والروسية لإنقاذ النظام الذي كان على وشك السقوط لولا التدخل الروسي كما قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، من جهة أخرى.

في مثل هذه الأيام وقبل عامين بدأ التدخل العسكري الروسي، حيث كان نظام الأسد وحلفاؤه يسيطرون على نحو 15 بالمئة من الأراضي السورية، وساهم إطلاق يد الروس والإيرانيين من دون أيّ اعتراض دولي يعتد به، في تبرير أضخم عملية تدمير وإبادة للعديد من المدن ومناطق المعارضة السورية، ترافقت مع عملية تهجير جديدة لكل البيئات السورية الحاضنة للمعارضة، بدءا من حلب وريف دمشق في داريا، وعشرات المراكز السكنية وتمّ تجميع معظمهم في إدلب.

السيطرة الروسية الجوية والتمدد الإيراني البري حظيا بغطاء أميركي، كانت بدايته في تفاهم أميركي-روسي أنجز في نهاية عهد الرئيس السابق باراك أوباما، ولم ينقلب عليه الرئيس الأميركي الجديد الذي بدا مباركا له، لا سيما أن اتفاقية هامبورغ بشأن مناطق منخفضة التوتر بين واشنطن وموسكو جاءت لتبني على الاتفاق السابق ولا تلغيه.

الهدف من كل هذه الترتيبات هو القضاء على الإرهاب في سوريا، والإرهاب كان يستثني النظام السوري من التعريف الدولي له، رغم أنّ كل التقارير الدولية تؤكد أنّ الإجرام الذي استخدمه النظام السوري ضد شعبه لم ينجح داعش ولا جبهة النصرة في ملامسته، فضلا عن أن هذه التقارير نفسها تؤكد أن النظام السوري استخدم السلاح الكيماوي في أكثر من منطقة ضد المدنيين خاصة في الغوطة الشرقية المحاذية لدمشق وفي خان شيخون مطلع هذا العام، لكن كل هذه الجرائم لم تغير من الموقف الدولي والإقليمي، فالهدف إنهاء الإرهاب وليس مسبباته في سوريا، وترافق هذا الهدف مع العديد من المعلومات والمؤشرات التي أظهرت أنّ تنظيم داعش الذي أخذ على عاتقه منذ ثلاث سنوات ضرب المعارضة السورية وعدم الاصطدام بمقاتلي النظام ولا بحلفائه الإيرانيين وميليشياتهم، لم يكن بعيدا عن الإدارة الإيرانية والسورية له.

لا شك أنّ مقاتلي هذا التنظيم خرجوا من بيئات تشعر بالمظلومية ولكن لا يمكن النظر إلى قيادات هذا التنظيم باعتبارها خارج عملية التنسيق مع أكثر من جهة إقليمية ودولية، فهذا التنظيم بنى علاقات تجارية في الحد الأدنى مع تركيا ومع النظام السوري، سواء على مستوى بيع النفط الخام أو على مستوى إطلاق سراح الآلاف من المسجونين في سوريا أو في العراق في عهد نوري المالكي، انتقلوا مباشرة من السجون إلى صفوف تنظيم داعش، ونجح النظام السوري والقيادة الإيرانية إلى حد بعيد في استثمار هذا التنظيم باعتباره الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تخلق شيطانا جديدا يجعل الدول الغربية تعيد النظر في النظام السوري عبر إعادة الاعتبار لدوره في سوريا، انطلاقا من أن الشيطان الداعشي هو الأشد خطرا من شياطين الأسد، ولو كان الأسد وحلفاؤه قد حصدوا مئات الآلاف من أرواح السوريين من دون أن يرف لهم جفن.

الأرجح حسب المعلومات المتداولة من أكثر من مصدر، أن سوريا اليوم أمام معطى جديد أو متجدد لإعادة رسم دور هذا التنظيم، وهذا التنظيم الذي بات أكثر من أي وقت مضى بين خيار الانحسار النهائي من الجغرافيا السورية والعراقية، وبين صراع أجهزة استخبارية إقليمية ودولية في داخله وعبر مفاتيحه القيادية، هذه المفاتيح سواء في العراق أو سوريا، تتقاسمها عدة جهات إقليمية ودولية.

صفقة حزب الله الأخيرة مع هذا التنظيم أظهرت أن الخيوط مع هذا التنظيم متصلة خصوصا بعدما أصر حزب الله على نقل مقاتليه أحياء وبسلاحهم إلى العراق، رغم احتجاج الحكومة العراقية ورفضها لهذا السلوك، والاستثمار في هذا التنظيم ليس جديدا فإيران والنظام السوري كانا من أوائل من موّل وسلّح مقاتلي تنظيم القاعدة خلال الاحتلال الأميركي للعراق، وهذا ما تؤكده التقارير الأمنية العراقية والأميركية، وكان رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي أول من صرح به رسميا وقام بتقديم شكوى ضد سوريا في هذا الشأن.

العملية الأخيرة التي استهدفت تجمعات للجيش السوري والميليشيات الإيرانية لا يمكن حسب الخبراء أن تتم بهذا الشكل من دون أن تكون هناك معونة ما توفرت لهذا التنظيم. فالعملية اقتضت انتقال عناصر التنظيم إلى مسافة تتجاوز سبعين كلم على الأقل للوصول إلى الهدف، وانتقال أعداد تجاوزت مئة عنصر في الحد الأدنى يصعب أن يتم من دون أن تكشفه الطائرات الروسية التي يفترض أنها منهمكة في ملاحقة هذا التنظيم ومقاتليه.

وبالتالي فإن هذه العملية التي انتهت ولم يلها أي رد فعل كأن تتم ملاحقة من نفذها جوا أو برا تزيد من فرضية أن جهة ما دولية أو إقليمية ساعدت على تنفيذها.

قبل عامين قال جون كيري وزير الخارجية الأميركي السابق، إننا لا نستهدف حزب الله في سوريا لأنّه لا يهدد المصالح الأميركية، في المقابل قال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله الأحد الماضي في رده على سقوط نحو 25 من مقاتليه إنه لن يتوانى عن إرسال جنوده إلى سوريا لمواجهة داعش في سوريا وفي أيّ مكان، وسيقدم أرواح مقاتليه في سبيل تحقيق هذا الهدف، وهذا ما يلبي حاجات دولية بالدرجة الأولى.

فخلاصة ست سنوات من الأزمة السورية هو أنّ السيطرة الأميركية والروسية هي الخيمة التي يبدو أن اللاعبين الصغار محكومون بمواجهة بعضهم البعض من دون التجرؤ على المس بجندي أميركي أو إسرائيلي.

القتل يجب أن يقتصر على السوريين وخصومهم سواء كان المسمى داعش أو حزب الله أو نظام الأسد أو من القومية الكردية، على الرغم من الإدعاءات الإسلاموية الفارغة بمواجهة الغرب والمشروع الصهيوني التي باتت لشدة تكرارها المقيت عبارات فارغة إلا من دم السوريين.

كاتب لبناني

(العرب) لندن 

 

الأيديولوجيا الإيرانية تضحي

بالدم لتفتيت المجتمعات العربية

علي الأمين

يتخذ استغلال العصبيات الدينية أوجها منفرة ومدمرة للدول والمجتمعات في العالم العربي، وفي لبنان يبرز حزب الله كعنوان أول لهذا الاتجاه منذ عقود، ومع الأزمة السورية برز هذا الاتجاه بشكل فج ومأساوي، عبر الذرائع التي قدمها للتورط في الحرب السورية والتي تقوم على استثمار العصبية المذهبية والطائفية لتجاوز قواعد الدولة وشروطها، ولتبرير الانخراط الفئوي في حرب في دول أخرى كسوريا والعراق واليمن وغيرها، باستثناء نصرة الروهينغا الذين لا يندرجون ضمن مهمات نصرة المستضعفين في برنامج حزب الله ولا إيران. حيث بات مسؤولو هذا الحزب يكررون من على منابره وأخيرا في مناسبة ذكرى عاشوراء، أن الدفاع عن مقام السيدة زينب الموجود في دمشق منذ مئات السنين، معركة مفتوحة في اليمن والعراق والبحرين، ووصف الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله هذا القتال بأنّه بالنسبة إليه ولأتباعه واجب شرعي (21 سبتمبر 2017)، أي أن الواجب الشرعي إذا سلمنا بصحته يتقدم على العقد الاجتماعي الذي يربط اللبنانيين في ما بينهم وبين السلطة والقائم على مرجعية الدولة.

إزاء هذا الشعار المدمر للاجتماع الوطني، وللعلاقات بين الدول والشعوب، فإنّ الخيار الذي يقترحه حزب الله هو تهديد الكيانات الوطنية ورسم قواعد جديدة للسلطة لا تقوم على مشروع الدولة، بل على كيانات عابرة للحدود ومفتتة للدول بتفخيخ المجتمعات، وتفجيرها بالعصبية التي تجعل من الخوف عنصر السيطرة والتحكم بها، وتنشأ الحدود على هذا الخوف الذي هو زاد الحروب الأهلية ومصدر الدكتاتوريات وعنصر قوتها.

لم يخف نصرالله اعتداده قبل أشهر حين قال متباهيا إنّ الذين يندفعون من اللبنانيين الشيعة إلى القتال معه في سوريا هم أكثر بكثير من الذين اندفعوا في السابق إلى القتال معه ضد إسرائيل، وهذه بذاتها تشير إلى كيفية تحول العصبية المذهبية والدينية إلى وسيلة لتجاوز كل قواعد الاجتماع الوطني ودستور الدولة وقوانينها. وهذا جوهر المشروع الإيراني الذي لا يقدم للبيئات الشيعية في العالم العربي سوى الخوف من الشريك في الوطن واستعداده لأن يحول أرواحهم إلى عنصر دفاع في مواجهة الآخر سواء كان مسلما سنيا أو عربيا، فهذا الخوف والاستثمار فيه بمزيد من تصعيد العصبية المذهبية، هو ما أتاح لإيران النفاذ والنفوذ ليس من أجل مشروع أفضل أو صيغ تتفوق في منافعها على الناس من صيغة الدولة الوطنية، بل لمزيد من تدمير الدول وإضعافها بما يوفر القدرة على السيطرة عليها.

ما لدى المشروع الإيراني في المنطقة هو القتال. مقولة مواجهة إسرائيل والغرب أصبحت أكثر من كذبة، ذلك أنّ إيران مستعدة لإرسال جنودها لقتال السوريين حتى الموت وليست في وارد أن تتورط في الرد على أي عدوان إسرائيلي فيما تدعي قياداتها وأذرعها في المنطقة أنها تقاتل إسرائيل والمشروع الغربي. قتل عشرات الآلاف من السوريين هو أسهل لدى القيادات الإيرانية من قتل إسرائيلي بسلاح إيراني أو عبر جندي من جنود الحرس الثوري. تفتيت المجتمعات العربية وضرب استقرار دولها نقطة التقاطع بين اطمئنان إسرائيل لمشاريعها من جهة، وضمان النفوذ الإيراني في محيطها العربي.

لقد تهاوت كل الشعارات الإيرانية التي أطلقتها الثورة الإسلامية الإيرانية منذ نحو أربعة عقود، من مشروع الوحدة الإسلامية الذي خلص إلى أن يكون مشروع حرب بين المسلمين، وسقط مشروع الاستقلال عن الغرب والشرق لتتحول إيران عمليا إلى عنصر من عناصر تدمير المكون العربي الوطني والقومي لحساب تمدد نفوذها ونفوذ الدول الكبرى في الجغرافيا العربية وعلى مستوى الأنظمة والثروات. وسقط مشروع النموذج الإسلامي للحكم بعد فشل إيران في إيجاد قبول من التنظيمات الإسلامية السنية التي لا ترى في نظام ولاية الفقيه مشروعا إسلاميا جامعا، بل مشروعا عاجزا حتى عن تقبل المواطنين الإيرانيين من السنة باعتبارهم متساويين في الحقوق والواجبات مع بقية الإيرانيين. وسقط مشروع تقديم نموذج إسلامي جاذب للمسلم وغير المسلم في إيران، التي تعاني من فشل مقولة الاستقلال عن الغرب والشرق، بل ليس من مصدر للثروة الإيرانية يعتد به سوى النفط الذي تتوسل إيران كل السبل من أجل بيعه للغرب لسد الرمق.

المشروع الإيراني أمام مأزق وجودي اليوم، إذ لا يحمل إلا الدمار والانقسامات بعد سقوط كل الشعارات، فالوقائع كفيلة بإظهار موقع السياسة الإيرانية ودور ميليشياتها وأذرعها في المنطقة، لا هي قادرة على القبول بشروط الدولة الوطنية، ولا هي مطمئنة لمسار التفتيت الذي بات يلامس حدودها ومكوناتها، ولعل الدعوة إلى الاستفتاء من أجل انفصال كردستان في العراق مؤشر على ذلك. فإزاء سقوط كل الشعارات التي أشرنا إليها آنفا فإن هذا المسار يفرض نفسه بعدما غالت في استغلال العصبيات المذهبية والطائفية في المجتمعات العربية والإسلامية، والتي لم تنتج إلا قوى وميليشيات مذهبية وطائفية، فإن نجاح هذا المشروع التدميري ينذر بمزيد من الانهيارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المنطقة العربية، والمزيد من الاستغراق في العصبية كما هو حاصل في لبنان عبر حزب الله، فهو اليوم يشكل تعبيرا عن العجز عن إيجاد بدائل قابلة للحياة ولبناء الدولة وتحصينها، فمن يراقب حرص حزب الله في لبنان على تضخيم البعد المذهبي في طريقة إحياء ذكرى عاشوراء مثلا، يلمس أن السلوك التحشيدي والأمني يعبر عن خوف وعجز، كما يرسل بطريقة إحيائه للذكرى لجمهوره بأنّه لا يزال عرضة للخطر وهذه الذكرى ليست إلا للتحشيد والقتال ليتحول قتلة أهل البيت في كربلاء في الوعي العام إلى كل من هو ضد المشروع الإيراني.

وهذا وجه النهاية للأيديولوجيا التي لم تقدم للحياة ما هو جدير بشعوب المنطقة وتاريخها، فهذه الأيديولوجيا ليس لديها سوى الخوف وحرفة صناعته وتزيين الاستبداد وهذا لا يدوم.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

حزب الله من مزارع

شبعا إلى الإرهاب..

صعود الميليشيا وتصدع الدولة

علي الأمين

لم تفض معركة القضاء على ما تبقى من مقاتلي تنظيمي داعش وجبهة النصرة على الحدود اللبنانية-السورية إلى مرحلة الانتقال إلى تثبيت قواعد الدولة والسلطة الشرعية، وعلى الرغم من أنّ الجيش اللبناني أنجز مهمة عسكرية ناجحة في مواجهة تنظيم داعش، إلا أن الصفقة التي عقدها حزب الله مع هذا التنظيم أظهرت بكل ما أحاط بها من شبهات والتباسات، أنّ الحزب لم يصل إلى مرحلة تتيح له التسليم بقواعد وشروط الدولة التي هو شريك بل مقرر فيها إلى حد كبير.

قد لا يكون هذا الكلام مفاجئا وقد لا يثير أسئلة، فحزب الله منذ أن تأسس لم يكن في خططه ما يلحظ إمكانية أن ينخرط في الهوية الوطنية اللبنانية ولا في شروط الدولة حتى لو كانت هذه الدولة هي دولته أي صاحب القرار والسلطة الكاملة بها، هو لا يريد من السلطة إلا مغانمها أما المسؤولية فعلى ما عداه، ويأتي هذا الاستنتاج انطلاقا من مسيرة حزب الله منذ نشأته حتى اليوم، هو دوما كان مشروعا مرتبطا ارتباطا وثيقا بإيران، وهنا لا نتحدث عن ارتباط بين كيانين مختلفين بقدر ما نشير إلى أنّ حزب الله هو من الجسم الأيديولوجي الإيراني المتمثل بولاية الفقيه، ولعل تسميته بذراع إيرانية في لبنان والمنطقة هي التسمية الأدق لوظيفته الأمنية والعسكرية أولا والسياسية ثانيا.

تصديع الهوية الوطنية وعدم السعي لبلورة مضمون وطني لقيام الدولة اللبنانية، باعتبار ذلك هدفا وغاية لأي قوة سياسية أو اجتماعية لبنانية، هما أهم ما يمتلكه حزب الله في مقاربته لأي تحد وطني، ومساهمته في بلورة الهوية الوطنية لم تكن يوما أولوية فحتى في مساهمته في تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي بدعم إيراني وسوري، لم يسع إلى تثمير هذا الإنجاز في المجرى اللبناني، بل عمد إلى وضع حدود بين وجوده السياسي والعسكري والأمني وبين الدولة أيَّا كان على رأس هذه الدولة. فهو في طبيعته وفي المهمات الموكلة إليه، يتنافى وجوده مع الدولة، طالما أنّه يعتبر انتماءه للأيديولوجية الإيرانية يتقدم على كل انتماء آخر سواء كان وطنيا أو قوميا، وبالتالي هو يمارس مهماته على هذا الأساس الذي يفرض عليه عدم التقيد بشروط الانتماء الوطني ومتطلبات الدولة والسيادة كما هي حال الدول في العالم ومنها إيران التي لا يمكن أن تقبل بثنائية السلطة، فلا سلطة في المؤسسات الإيرانية فوق سلطة ولاية الفقيه على الدولة، بينما في لبنان يرفض حزب الله أن تكون هناك سلطة واحدة في الدولة حتى لو كانت له هو نفسه.

فمنذ نشأ ينبذ هذا المنطق الدستوري الثابت في الدولة عموما، وينحو في أحسن الأحوال إلى ابتداع ثنائية السلطة، أي التحكم بمفاصل الدولة من داخلها والسيطرة عليها من خارجها، بما يتيح له التحكم بقراراتها من دون أن يتحمل تبعات هذه القرارات باعتباره في الشكل ليس هو المسؤول عن هذه الدولة أمام الشعب ولا أمام المجتمع الدولي.

هي لعبة مدمرة للدولة لكن حزب الله متمسك بها واحترف استثمارها خصوصا أنّه نجح في بناء نظام مصالح مستقل عن الدولة لكن على حسابها، ولا يبالي إن ساهمت سياساته بالمزيد من تصدع الدولة ومؤسساتها، ومن تعميق التشققات في المجتمع، لكن من دون أن يسمح بانهيار الدولة باعتبار أنّ انهيارها الكامل يفقد لعبته شـروط البقـاء والقوة، في الـوقت نفسه.

قوة الدولة في لبنان تعني نهاية وظيفة حزب الله أما ضعفها واهتراء مؤسساتها فهما مصدر الحياة لنموذج حزب الله في البقاء وفي استمرار الدور والوظيفة

ويذكر الكثيرون كيف أنّ حزب الله واستجابة لمتطلبات سورية-إيرانية ساهم في ما يسمى إشكالية مزارع شبعا المحتلة من إسرائيل على إثر انسحاب الأخيرة من لبنان في العام 2000، فبعد أن طلبت منظمة الأمم المتحدة أن يقدم لبنان إثباتا أنّ هذه المزارع هي لبنانية وليست سورية لكي تنسحب منها إسرائيل واعتبـارها من المناطق المندرجة بين لبنان وإسرائيل، من خلال إقرار سوريا أن هذه الأرض لبنانية أو أن تقول إنّها أراض سورية، إلا أن النظام السوري رفض تقديم أيّ شيء، انطلاقا من إبقاء هذه المزارع ذريعة لاستمرار نشاط حزب الله العسكري في لبنان على حساب المؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية، وحزب الله لم يتوقف عن رفع شعار تحرير مزارع شبعا من دون أن يبذل أيّ جهد فعلي في هذا الشأن.

مزارع شبعا ظلت ذريعة ولكن هذه الذريعة لم تعد ترد منذ سنوات وتحديدا منذ بدأ حزب الله التورط في الأزمة السورية، ليتم تحويلها نحو التكفيريين والإرهاب، ونسي مزارع شبعا واحتلالها والدعوات إلى تحريرها.

حزب الله أثبت أنّه لا يحمل أي مشروع لبناء دولة ولو على قياسه، فحتى عندما دنت كل الأطراف السياسية من سلطانه كما هو الحـال اليوم، لا يزال متمسكا بمسار التشكيك بالهوية الوطنية وبالدولة وبالدستور، وزادت قدرته على افتعال الأزمات الداخلية في المشهد السياسي وعلى تفكيك أيّ مشهد وطني وحدوي مستفيدا من سطوته من جهة، ومن امتلاكه أدوات داخلية في السياسة والأمن من جهة أخرى، يقدر من خلالها على إبقاء المشهد اللبناني متصدعا بغاية وحيدة مفادها أنّ اللبنانيين منقسمون ولا يحسنون الاتفاق على بناء الدولة، وأنّ الدولة ضعيفة كما مؤسساتها وجيشها، وبالتالي لا بد لها من راع كما كان النظام السوري في زمن الوصاية وها هو حزب الله اليوم يقوم بمهمة الوصاية “تقربا إلى الله تعالى”.

هكذا لم يعد الانتهاء من الإرهاب الذي كان على الحدود نهاية لمآسي لبنان وفرصة لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، التي تعاني من أزمات مالية واقتصادية وتعاني من تفشي سوء الإدارة العامة واستشراء الفساد. فعودة الدولة هي الشرط الوحيد لإمكـانية مواجهة مثل هذه الأزمات، لكن حزب الله يلقي المسؤولية في ما آلت إليه الدولة إلى الداخل وسوء السلطة ويعتبر أنّه هو من يحمي لبنان فيما الآخرون منهمكون بالفساد، وهذا غير صحيح بطبيعة الحال فهو غارق في الفساد أيضا، لكن لو افترضنا أنه ليس متورطا مباشرة في الفساد، فهو بالتأكيد متورط في الإفساد. فالمعادلة السياسية التي فرضها حزب الله في لبنان تقوم على أنّ أطـراف السلطة في الداخل يجب أن يسكتوا على كـل تجـاوزاته القانونية والدستورية وهو يتغاضى عن تجاوزاتهم في الشأن الداخلي الاقتصادي والمالي وفي الإدارة العامة، وهذه المعادلة تضمن للحزب استمرار الوهن والضعف في الدولة، وفي المقابل تضمن له حرية الحركة داخل الحدود وخارجها من دون اعتراض جدي لبناني.

الإرهاب والتخويف منه هما الذريعة وهما السـلاح الذي يحـاول حزب الله أن يمدد من خلاله وضعيته غير الطبيعية والوسيلة التي يريد من الغرب أن تحفظ له دوره في لبنان وخارجه، وكما الخارج هو أيضا يـريد تطويع المجتمع اللبناني من خلال أنّه يتصدى للإرهاب، محاولا التغطية على كل ما ارتكبه بحق الشعب السوري من جهة، والتغطية على كل سلوكه الذي يجعل من الدولة اللبنانية دولة مارقة من جهة ثانية.

الفساد خطير ولكن الإفساد أخطر لأنّ المفسد يقوم بعمله وهو شديد الاقتناع بمصلحة ما يقوم به. فقوة الدولة في لبنان تعني نهاية وظيفة حزب الله أما ضعفها واهتراء مؤسساتها فهما مصدر الحياة لنموذج حزب الله في البقاء وفي استمرار الدور والوظيفة.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

العداء لإسرائيل لم يعد قابلا

للتوظيف في المشروع الإيراني

علي الأمين

تطرح الضربات العسكرية الجوية داخل الأراضي السورية بين فترة وأخرى السؤال الإسرائيلي، لا سيما أن الطرح الأيديولوجي الذي يتضمنه الخطاب الإيراني بامتداداته في المنطقة، يحيل كل مواجهاته في المنطقة إلى شعار مواجهة المشروع الأميركي الصهيوني، فعلى طول خط المواجهات من اليمن إلى العراق فسوريا ولبنان، يطرح المنتمون إلى المحور الإيراني هذه المقولة، فيما يتولى فيلق القدس الذي يقوده قاسم سليماني إدارة هذه المواجهات العسكرية بأشكال مختلفة.

قبل أيام أغارت الطائرات الإسرائيلية مجددا على مركز أبحاث سوري في محافظة حماه تردد أنّه يقع تحت إدارة حزب الله، فيما تحدّث النظام السوري الذي اعترف بحصول الضربة عن مقتل جنديين سوريين، وتضمن البيان إشارة إلى أنّ عملية إطلاق الصواريخ تمت من الأجواء اللبنانية، علما أن المكان المستهدف كما ذكرت وكالات الأنباء يبعد 70 كلم عن مطار حميميم حيث أقيمت أكبر قاعدة روسية جوية في سوريا.

الرد الوحيد على الغارة جاء من النظام السوري وكان أشبه بإعلان رسمي يؤكد حصول الضربة من دون أن يتضمن أي تهديد بالرد على إسرائيل، فيما لم يصدر عن حزب الله فضلا عن الجانب الإيراني أي تعليق أو ردة فعل، بينما بقي التساؤل مطروحا حول إمكانية قيام إسرائيل بتوجيه ضربات في الأراضي السورية من دون التنسيق مع روسيا، خصوصاً أنّ روسيا هي الطرف الذي يسيطر على الأجواء السورية، ويمتلك العشرات من المنصات لصواريخ س400 على الأراضي السورية لم تتحرك ولو مرة واحدة خلال العشرات من الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

لا يخفى على المتابعين أن الصحافة الإسرائيلية تتحدث منذ سنوات وتحديدا منذ نهاية حرب 2006 في لبنان، عن حرب جديدة تستعد لها إسرائيل ضد حزب الله، وفي موازاة التصعيد الإعلامي الإسرائيلي والذي قابله تحذير مستمر من حزب الله، كانت الحدود تشهد أكبر فترة من الهدوء شهدتها الحدود اللبنانية مع إسرائيل منذ نشأة الكيان الصهيوني.

مؤدى الوقائع الميدانية رغم الضجيج الإعلامي والتهديدات خلال السنوات العشر الماضية سواء لجهة الاستعدادات العسكرية والمناورات التي تجريها إسرائيل، أو حديث حزب الله عن الآلاف من الصواريخ الموجهة لإسرائيل، أنه ثمة مصالح مؤمنة للطرفين أي حزب الله وإسرائيل، جعلت حزب الله على سبيل المثال يضخ أكثر من عشرة آلاف مقاتل على الأقل في الحرب السورية منذ عام 2013 من دون أن يظهر أي تخوف من إمكانية قيام إسرائيل باستغلال مثل هذه الخطوة العسكرية لتوجيه ضربة له، وهذا مؤشر على أن المطلوب إسرائيليا هو حماية الاستقرار على حدودها الشمالية، وحزب الله أظهر حرصا شديدا على منع أي خرق أمني لهذا الهدوء، وهذا ما تشهد عليه الوقائع في السنوات الخمس الماضية على طول الحدود اللبنانية مع إسرائيل بخلاف بعض الأخطاء التي كانت تحصل قبل ذلك من إطلاق صواريخ مجهولة المصدر باتجاه إسرائيل من دون أن تؤدي إلى أضرار لا يتبناها حزب الله كما حصل أكثر من مرة بين 2007 و2011.

ما الذي يجعل إسرائيل مهتمة بتوجيه ضربات إلى بعض المراكز العسكرية السورية أو بعض القوافل العسكرية المحملة بالسلاح المتجهة من سوريا إلى لبنان؟ ربما يجدر بنا أن نسأل لماذا تمنعت إسرائيل عن توجيه أي ضربة عسكرية للمئات من المقاتلين من حزب الله الذين ينتقلون بعتادهم وسلاحهم بشكل شبه يومي بين لبنان وسوريا منذ خمسة أعوام، فيما تقتصر الضربات العسكرية الإسرائيلية على بعض القوافل القادمة من سوريا إلى لبنان والمحملة بالسلاح؟

لم يقم حزب الله خلال تدفق مقاتليه إلى سوريا بأي خطوة عسكرية تظهر أنه قلق من أي استهداف له من الجو، أي أنه كان شديد الاطمئنان إلى أن إسرائيل لن توجه أي ضربة لمواقعه العسكرية المنتشرة على امتداد الأراضي السورية، فيما هي لا تتساهل في ما تعتبره نقل سلاح استراتيجي إلى الأراضي اللبنانية أو إلى مناطق قريبة من الجولان المحتل في سوريا. فالأخيرة كيان قائم على الخوف منذ تأسيسه، فأي متغير في محيطه يخيفه وهو لا يطمئن حتى لضمانات حلفائه ويريد أن يبعد أي خطر محتمل عن أن يشكل تهديدا له في يوم من الأيام.

إسرائيل لم تعد ورقة قابلة للاستثمار بحيث أن الكلام ضد إسرائيل يتضح أكثر فأكثر أنه كلام شعارات استخدمه المحور الإيراني لإحداث اختراقات في العالم العربي، ولم يعد خافيا أن ما تبذله إيران من مال وسلاح ومقاتلين لا يمس إسرائيل بأذى، فضلا عن أنّ اهتمام هذا المحور في مكان آخر. فالانقسام الذي رسخته إيران في المنطقة جعل إسرائيل موضوعا ثانويا بحكم الوقائع التي فرضت إعادة رسم مناطق النفوذ في المنطقة، فإيران منهمكة بحفظ مصالح الشيعة والعلويين والأقليات وليس في برنامجها قتال إسرائيل إذا ما نظرنا إلى طبيعة الجبهات السياسية الإقليمية والدولية في المنطقة.

الحلف الروسي الإيراني ليس من أولوياته ولا في برنامجه المس بأمن إسرائيل، موضوع إسرائيل فقد وهجه وما يدلل على ذلك أيضا أنّ انتصارات المحور الإيراني كما يكرر قادته ورموزه الإيرانيون وبعض الشيعة العرب، يترافق مع ارتياح إسرائيلي يعبر عن نفسه بالمزيد من إغلاق آفاق التسوية مع الفلسطينيين، فضلا عن أن الضربات الإسرائيلية التي تستهدف بعض قطاعات حزب الله بين الحين والآخر في سوريا لم تدفع إيران ولا حزب الله إلى رد فعل عسكري انطلاقا من أن كل القتال الإيراني في المنطقة العربية كما يكرر قادته هدفه الكيان الصهيوني، بل يبدو الموقف الإيراني الصامت تجاه الضربات الإسرائيلية أشبه بموقف المستغرب ولسان حاله يقول ما بالها إسرائيل تزج نفسها بما لا يعنيها.

فالمعركة اليوم هي بين نفوذ الشيعة ونفوذ السنة، وبين المكون العربي والمكون الكردي، وبين الإرهاب الإسلامي والإسلام المحمدي الأصيل، كما تسمي القيادة الإيرانية الأيديولوجيا التي تتبناها على مستوى ولاية الفقيه والمشروع الإيراني في المنطقة العربية.

النظام السوري وإيران، يدركان أنّ إسرائيل لو قامت بضربة عسكرية لحزب الله أو أي ذراع إيرانية في المنطقة فلن تتعامل المكونات في الدول العربية باعتبار أن هذه الضربة لها علاقة بفلسطين أو بحرب عربية إسرائيلية، لذا فإنّ إيران وحزب الله سيكونان حريصين على عدم جر إسرائيل لحرب ضدهما في المنطقة العربية، في المقابل فإن إسرائيل شديدة الامتنان إلى قدرة حزب الله على المحافظة على الاستقرار على طول حدودها.

إسرائيل تدرك أنّ نظام المصالح الإيراني في العراق وفي الخليج وفي سوريا وإلى امتداد الهلال الشيعي هو الغاية في حسابات أولويات الأمن القومي الإيراني وليس خوض حرب أو مواجهة مع إسرائيل، وتدرك أنّ الخطر الحقيقي بالمعنى الاستراتيجي على وجودها كامن في البنية العربية وفي الجسم العربي غير المعتل أيا كان الذي يتحكم به أو يسيطر على أنظمته.

تقاطع المصالح بين إيران وإسرائيل يكمن في اعتلال النظام الإقليمي العربي وهذا ما يشكل ضمانة لإسرائيل وحاجة لتمدد النفوذ الإيراني الذي يحتاج إلى المساومة مع الغرب بأشلاء الدول العربية لحظة رسم النظام الإقليمي الجديد الذي ينطلق من أنّ إسرائيل هي الثابت أما الدول العربية فهي المتحول.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

معنى صفقة حزب الله

داعش سياسي وليس إنسانيا

علي الأمين

الصفقة التي أنجزها حزب الله مع تنظيم داعش لإخراج ستمئة مقاتل ومدني من هذا التنظيم من لبنان إلى الرقة السورية، بدت مفاجئة للكثيرين، لا لكونها صفقة بدت الدولة اللبنانية خارجها فعلياً، أو لأنّها أنجزت لصالح هذا التنظيم في جرود القاع على الحدود مع سوريا الذي كان محاصراً من قبل الجيش اللبناني من جهة والجيش السوري من جهة ثانية، إذ كل الخبراء العسكريين يؤكدون استحالة نجاة هؤلاء المقاتلين إلا بالاستسلام أو بصفقة تكشف هزيمتهم، لا بخروج آمن مقابل كشفهم عن مكان دفن العسكريين اللبنانيين الذين قتلوا ودفنوا من قبل هذا التنظيم قبل سنتين. المفاجأة هي الصفقة الفضيحة التي أدارها حزب الله بالتنسيق مع نظام بشار الأسد لاستنقاذ مقاتلي داعش، على الرغم من أن حزب الله لطالما كان يشيطن كل من يحاول الإعلاء من الشأن الإنساني خلال مواجهات المرحلة السابقة أي منذ انفجار الثورة السورية.

الحس الإنساني غير المسبوق على مدار البيانات التي أصدرها حزب الله بشأن الأزمة السورية، لم يسبق أن كان واردا، فقط حين تم إيقاف قافلة داعش على مقربة من الحدود العراقية من قبل الأميركيين ومنعها من التقدم قبل أيام، صدر عن حزب الله بيان يحذر من مجزرة قد ترتكب بحق قافلة مقاتلي داعش وعائلاتهم.

لم تستفز حزب الله براميل الأسد ولا حصاره مدينة مضايا وتجويعها، ولا تدمير مدينة القصير وتهجير أهلها، ولا الصواريخ الروسية التي دمرت المستشفيات وقتلت المدنيين في حلب وغيرها، فقط احتمال أن تقصف الطائرات الأميركية قافلة داعش فجّر الحس الإنساني لدى حزب الله فحذّر من وقوع مجزرة.

لكن هل كان حزب الله يعتقد أنّ القافلة التي انطلقت من جرود القاع اللبنانية إلى الحدود العراقية عبر الأراضي السورية، أي ستقطع مسافة توازي 500 كيلومتر، لن تتعرض لأي عوائق أميركية؟ وهل الاعتراض الأميركي للقافلة غير متوقع أم أنّ الأميركيين أخلوا باتفاق هم طرف فيه؟

لم يقل حزب الله ذلك ولا الأميركيون تحدثوا عن اتفاق جرى معهم، لذا فإن الاعتراض الأميركي غير مستغرب ويفترض أن يكون حزب الله مدركا أن القوات الأميركية ستعرقل الاتفاق لأي سبب كان، من هنا يمكن أن نسأل لماذا قام حزب الله بهذه الصفقة رغم توقعه لاحتمال مثل هذا الذي جرى في البادية السورية من قبل الطائرات الأميركية؟

ليس خافياً أن المرحلة التي يجري رسم خطوطها ومعالمها في المنطقة اليوم، هي مرحلة ما بعد نهاية تنظيم داعش، حيث مختلف القوى الإقليمية والدولية تتحضر لهذه المرحلة. المحور الإيراني ينشط على هذا الخط بشكل يعيد فيه ترتيب الأعداء والخصوم والأصدقاء والحلفاء، خصوصا أن إيران التي استنفدت ورقتها المذهبية إلى الحد الأقصى، باتت اليوم مع توقع نهاية تنظيم داعش تدرك أنّ هذه الورقة ستتراجع قوتها لا سيما مع بروز مواقف عراقية ذات ثقل شيعي تحاول رسم معالم سياسة وطنية عراقية غير تابعة لإيران ومنفتحة على محيطها العربي، وكانت زيارة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى المملكة العربية السعودية ولقاؤه ولي العهد محمد بن سلمان رسالة عملية في هذا الاتجاه، وإلى جانب هذه الخطوة برزت مؤشرات عدة تصب في هذا المنحى وتتم تحت الغطاء الأميركي.

وكما العراق فإنّ المعادلة السورية بعد داعش تتجه نحو ترسيخ شراكات إقليمية ودولية بإشراف روسي أميركي سيفرض اصطفافات جديدة، وكان المشهد القطري في تداعيات الأزمة الخليجية أعاد تنشيط العلاقة الثلاثية بين تركيا وقطر وإيران.

الصفقة تأتي كتأسيس للمرحلة الجديدة من الصراع في المنطقة، وحزب الله باعتباره امتداداً للبنية الإيرانية في المنطقة العربية، يقع عليه دور تنفيذ السياسات الإيرانية في سوريا ولبنان، وعلى صعيد دوره في ترميم العلاقات مع تنظيمات إسلامية.

المحور الإيراني يدرك أن شرخا عميقا قد طال علاقاته مع التنظيمات الإسلامية السنية، وهو اليوم انخرط في إعادة ترميم ما يمكن ترميمه من علاقات معها، مستفيدا من البوابة القَطرية والعلاقة مع تركيا، فبحسب المعلومات فإن إيران أعطت توجيهات لأذرعها في المنطقة العربية لإعادة الاعتبار لخطاب المواجهة مع واشنطن، وردم الهوة مع تنظيمات إسلامية كجماعة الإخوان المسلمين. وفي هذا السياق حققت إيران تقدماً على صعيد العلاقة مع حركة حماس عبر حزب الله، وأتاحت لهذا التنظيم وقياداته مساحة من الحركة والاستقرار في لبنان إثر نشوب الأزمة الخليجية مع قطر.

إيران تريد من خلال رفع شعار التنافس والتزاحم مع واشنطن في المنطقة، ردم الهوة المذهبية التي تسببت بها على قاعدة جذب هذه الجماعات الإسلامية السنية إليها، ودائماً على إيقاع استمرار الحرب والتوتر بأوجه جديدة لا يحمل في طياته أيّ مشروع استقرار بقوم على أساس الدولة الوطنية، فإستراتيجية إزالة الحدود لحساب الفوضى مستمرة إيرانيا لكن هذه المرة بأدوات جديدة.

إعادة خلط الأوراق بما يوفر لإيران دوراً مرجعياً في المنطقة يتطلب بعد نهاية تنظيم داعش أن تحيّد إيران عنها خطر العداء في البيئة السنية والذي نشأ بشكل واضح، على سبيل المثال لا الحصر، مع انخراط إيران في الدفاع عن نظام الأسد في مواجهة معظم السوريين، كما في دورها في العراق الذي زاد من عداء السنة لدورها الإقصائي لهم من معادلة السلطة. هذا ما تحاول إيران استثماره مستفيدة من فراغات في السياسة العربية، لكنها وهي تطمح إلى هذا الدور تريد من خلال توجيه رسائل ايجابية عبر تنظيم داعش أو جبهة النصرة أن تشير إلى أنّها طرف قابل لأن ينجز تفاهمات علنية مع هذه الجماعات، وفي نفس الوقت تختبر مدى قدرتها على إعادة اختراق الوعي الإسلامي العام من خلال القول إنّ النظام الإسلامي في إيران يمكن أن يكون سندا للعديد من التنظيمات الإسلامية السنية الملاحقة إما عربيا وإما دوليا.

لا يمكن النظر إلى الصفقة بين حزب الله وداعش في لبنان من خارج هذه الزاوية الأساسية في ما تنطوي عليه من أهداف، بالطبع لم تكن إيران في سوريا في مواجهة مع تنظيم داعش بل إن المواجهة الفعلية كانت دائماً مع التنظيمات المعتدلة في المعارضة السورية، لكنها استخدمت عنوان التكفيريين والإرهابيين في سياق شيطنة الثورة السورية وعززت من حضور التنظيمات الإرهابية التي طالما كانت أقل خطراً عليها من أيّ مشروع سوري وطني أو عربي معارض.

بدأت اليوم مرحلة صوغ مشروع يقوم على تجميع الإسلاميين في المنطقة العربية تحت المظلة الإيرانية، وهو طموح دونه صعاب كثيرة منها أنّ السياسة الإيرانية في المنطقة العربية تحتاج لإعادة ترميمها وبناء الثقة مع محيطها العربي إلى ثورة إيرانية جديدة تغيّر صورة إيران لدى الشعوب العربية قبل صورتها لدى السلطات والأنظمة.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

فجر الجرود.. قلق حزب الله

من تعاظم قوة الجيش اللبناني

علي الأمين

الجيش اللبناني هدف واضح وصريح للمحور الإيراني منذ أن رفض التنسيق مع الجيش السوري وحزب الله في عملية فجر الجرود التي أطلقها منذ أكثر من أسبوع ضد تنظيم داعش في جرود القاع قرب الحدود السورية من جهة الشرق.

إعلان الجيش اللبناني رسميا عدم التنسيق، ترافق مع إعلان حزب الله أنه سيقاتل إلى جانب الجيش السوري في هذه المعركة من داخل المناطق السورية. وهي إشارة إلى إصرار حزب الله على الدخول في هذه المواجهة بغاية واضحة وهي منع الجيش اللبناني من تحقيق انتصار يمكن أن يستثمره في نزع ذرائع بقاء سلاح حزب الله متفلتا من أيّ قيود في لبنان، وإلى هذه الغاية ثمة سبب آخر أعلن عنه الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، قبل أيام، وهو أن هناك معادلة جديدة يريد فرضها على اللبنانيين كبديل عن المعادلة الثلاثية التي أطلقها حزب الله منذ سنوات أي الجيش والشعب والمقاومة، بمعادلة رباعية بإضافة الجيش السوري، قاصداً القول إنّ جيش النظام السوري هو طرف في معادلة الأمن التي فرضها المحور الإيراني على سوريا ولبنان.

معركة جرود القاع أو فجر الجرود، أقلقت حزب الله بسبب أن الجيش اللبناني أظهر كفاءة عسكرية عالية وحقق تقدماً ميدانياً مهماً في الأيام الأولى، حيث نجح في تحرير مئة كيلومتر مربع من أصل 120 تسيطر عليه مجموعات داعش، هذا التقدم للجيش المحرز بقدرة ذاتية، خلق مناخا وطنيا جامعا حول الجيش، وهذا ما زاد في قلق الحزب الذي لم يكن يقدر أن معركة الجيش سوف تثمر سياسيا خلال أيام وتفرض مناخا وطنيا غير مسبوق في التفافه حول الجيش اللبناني وعمليته ضد تنظيم داعش.

بدأ حزب الله هجوما سياسيا مضادا، تمثل في دعوته أو محاولة فرضه التنسيق الرسمي اللبناني والعلني مع الجيش السوري، والربط بين معرفة مصير الجنود العسكريين المخطوفين من داعش قبل 3 سنوات بعملية التنسيق هذه.

هذه الدعوة لم تجد آذاناً صاغية، ولكن أمكن لحزب الله، وهو يرى أن عناصر تنظيم داعش بدأت بالانهيار، وراحت تسلم نفسها له متفادية التسليم للجيش اللبناني، أن يوجه رسالة مفادها أن عدم التنسيق مع الجيش السوري يمكن أن يؤدي إلى أنّ الأخير لن يعطي أيّ معلومات عن العسكريين المخطوفين، متناسيا مسؤوليته الوطنية عن هذا الملف، حيث تعامل مع أسرى داعش باعتبارهم أسرى لدى الجيش السوري وليس لدى طرف لبناني، وهذا ربما ما فرض على الجيش اللبناني أن يقبل التسوية التي أعدها حزب الله مع داعش بأن يوقف الجيش المعركة مقابل كشف مصير 11 جندياً لبنانياً تبين لاحقا أنّهم قتلوا من قبل داعش، مقابل أن ينسحب جنود داعش باتجاه مناطق سورية.

أي مراقب لاحظ أن العلاقة هي بين حزب الله والجيش السوري من جهة، وتنظيم داعش من جهة ثانية سلسة، بل إن حزب الله أنجز التفاهمات من دون أن يسمح للجيش اللبناني بالمقايضة بأسرى داعش لديه بأي معلومة يمكن الحصول عليها من داعش، بل كان حزب الله والجيش السوري عائقين أمام استكمال الجيش المعركة للقضاء على فلول داعش إما باستسلامهم أو بقتلهم.

وكما أشرنا سابقا، فإن الجيش هو الهدف، حيث سار حزب الله على طريق منع الجيش من تحقيق انتصار كامل، وكل ما قام به حزب الله خلال معركة فجر الجرود هو إنقاذ هذا التنظيم الإرهابي من أن يقع أي عنصر من أفراده في يد الجيش اللبناني، وإلا ما معنى أن يسلم هؤلاء أنفسهم لحزب الله ويرفضون تسليم أنفسهم للجيش اللبناني؟

هل حزب الله أكثر رأفة بهم من الجيش؟ بل ما تكشفه الوقائع أكثر من ذلك بكثير. حزب الله هو الطرف الموثوق في اللحظات الحرجة، والقادر على ترتيب اتفاقيات تمنع القضاء على التنظيم الإرهابي وعناصره. بل إن حزب الله الذي كان يمنع الدولة اللبنانية من التفاوض مع داعش قبل سنوات من أجل استعادة جنودها المخطوفين، هو نفسه من فرض على الدولة اللبنانية إطلاق عناصر من جبهة النصرة في سجونها مقابل أن تطلق هذه الجبهة أسرى حزب الله الخمسة قبل أقل من شهر. فيما يقول حزب الله اليوم، ومن خلال شبكة من مناصريه في سياق استهدافهم للجيش، إنّ حزب الله أعاد أسراه أحياء من جبهة النصرة، فيما أعادهم الجيش رفاتا وبمساعدة حزب الله.

هذه الوقاحة هي السياسة التي يعتمدها حزب الله في تطويع الدولة اللبنانية لتسير في ركابه، ولتسويق فكرة أن الجيش كما كل المؤسسات يجب أن تبقى في وضعية العاجز وأنّ حزب الله هو الذي يحميها.

يعلم اللبنانيون أنّ العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله يجب أن تبقى بنظر الأخير مشروطة بأن تكون الدولة مهانة وعاجزة، لكن معركة فجر الجرود هي معركة فضحت سلوكيات حزب الله تجاه الدولة. وهي سلوكيات ما كانت لتنكشف لولا إصرار الجيش على خوض المواجهة مع داعش من دون حزب الله أو جيش النظام السوري.

كاتب لبناني

علي الأمين

(العرب) اللندنية

 

لبنان: حرب معلنة ضد داعش

وحرب خفية أشد وأقوى

علي الأمين

أطلق الجيش اللبناني عملية فجر الجرود لتحرير جرود القاع وعرسال من تنظيم الدولة الإسلامية داعش، وهذه العملية العسكرية التي أثارت عشية حصولها التباسات لجهة كونها أتت في سياق الضغط السياسي والميداني الذي قام به حزب الله لفرض توقيت المعركة على الجيش اللبناني، من خلال فرضه توقيت المواجهة في جرود عرسال مع جبهة النصرة في مواجهة رأى فيها العديد من المراقبين أنها استعراضية، وكشفت إلى حد بعيد أن حزب الله كان يهدف من خلال هذه المواجهة مع مئة وعشرين عنصرا من جبهة النصرة إلى فرض إيقاع سياسي في لبنان عنوانه تشريع سلاحه من جهة، وفرض التنسيق بين النظام السوري والحكومة اللبنانية في ظل التحولات التي يشهدها الميدان السوري إقليميا ودوليا من جهة أخرى.

ساهمت معركة حزب الله مع جبهة النصرة في تعجيل الجيش اللبناني بإطلاق عمليته العسكرية، لا سيما أن حزب الله عمد بطريقة غير مباشرة إلى إحراج الجيش اللبناني عبر القول إنه نجح في إخراج جبهة النصرة من لبنان بالتعاون مع الجيش السوري، فيما الجيش اللبناني لم ينجز عملية القضاء على تنظيم داعش والتي تتطلب، بنظر حزب الله، تنسيقا معه ومع الجيش السوري.

الجيش اللبناني الذي أدرك، من جهته، أنه بات في موقع حرج، عمد إلى تحضير الهجوم على مناطق تواجد هذا التنظيم في المناطق المذكورة، ومنذ البداية عمد إلى إعلان أنه لا ينسق مع الجيش السوري ولا حزب الله في هذه العملية، وسينجز المهمة كاملة من دون أن يحدد مدة زمنية لذلك.

الجيش اللبناني الذي أخذ غطاء كاملا لتنفيذ العملية العسكرية من الحكومة اللبنانية، حظي بالتفاف شعبي واسع وغير مسبوق من اللبنانيين لتنفيذ هذه المهمة، وساهم سلوك حزب الله الذي سعى إلى استثمار عمليته ضد جبهة النصرة في الداخل اللبناني، ولا سيما على صعيد تبييض صفحة نظام الأسد، في صنع اندفاعة لبنانية واسعة ومقابلة تعلن عن الالتفاف حول الجيش، وعن دعم لخيار الجيش في قيامه بالمهمة من دون أي تنسيق مع الجيش السوري وحزب الله.

لا بل إن الجيش اللبناني أظهر في حرصه على القيام بهذه الخطوة منفردا أنه، وبخلاف الجيش السوري الذي يستعين بحزب الله، (أي الجيش اللبناني) قادر على تنفيذ العملية بمفرده.

تسليم عناصر تنظيم داعش أنفسهم لحزب الله، وليس للجيش اللبناني، جعل الكثيرين يتساءلون عن دلالة هذه الخطوة ومعانيها

على أن حزب الله الذي أعلن رسميا أنه لا يلزم الجيش بالتنسيق معه، قال عبر أمينه العام حسن نصرالله إنه سيهاجم تنظيم داعش مع الجيش السوري من الجانب السوري، في موقف يعبر في مضمونه عن إصرار على دخوله في المعركة بغاية بات يعرفها الجميع، أي التأكيد على دوره في تحرير أراض لبنانية من جماعات مسلحة سورية، كان هو في نظر الكثير من اللبنانيين سببا في دخولها إلى لبنان لا سيما بعد تورطه في القتال السوري منذ نحو خمس سنوات على الأقل.

معركة الجيش اللبناني تكتسب اليوم أهمية تتجاوز البعد العسكري ذا الأهمية البالغة، باعتبارها أوّل معركة يخوضها الجيش مع هذا التنظيم، فهي إلى ذلك تبدو ملحمة عسكرية ووطنية تريد منها قيادة الجيش أن تؤكد للبنانيين قدرتها على حماية الحدود والدولة.

وهي ملحمة تهدف إلى نسف كل المقولات التي يحامي عنها حزب الله وحلفاؤه منذ عقود، ومفادها أن الجيش اللبناني عاجز وغير قادر على حماية لبنان، وهي مقدمة للقول للبنانيين أن لا غنى لكم عن سلاح حزب الله.

في اليوم الأول من عملية فجر الجرود نجح الجيش اللبناني في التقدم في المنطقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش، ونجح في السيطـرة على معظـم التلال في المنطقة، وأسقط أكثر من عشـرين مقاتلا من عناصر هذا التنظيم.

وفي اليوم الأول من العملية، وللمفارقة، عمد نحو خمسة مسؤولين عن مجموعات هذا التنظيم إلى تسليـم أنفسهم طوعيا لحـزب الله كما أظهرت الصور التي وزعها الإعلام الحربي لحزب الله، فيما حـاول الحـزب بكل وسائـل التـرويج ومن خلال أشرطة الفيديو المصورة القول إنّه أيضا يقاتل وليس الجيش اللبناني وحده في الساحـة، بل سعى أيضا إلى ترويج وبطرق غير مباشرة فكرة مفادها أنّه ينسق مع الجيش وهو ما ظل الجيش ينفيه حتى اليوم.

تسليم عناصر تنظيم داعش أنفسهم لحزب الله، وليس للجيش اللبناني، جعل الكثيرين يتساءلون عن دلالة هذه الخطوة ومعانيها.

الجيش اللبناني وفي اليوم الثالث لإطلاق العملية أصدر بيانا نعى فيه ثلاثة من جنوده الذين قتلوا نتيجة انفجار لغم أرضي في مركبة عسكرية كانوا فيها، ولكن هذه الخسارة التي يؤكد مصدر عسكري أنها من ضمن الخسائر المحتملة حتى الآن في العملية، رسخت لدى القيادة العسكرية خيار التقدم على طريقة القضم، لا سيما أنّ الجيش لا يريد أن يتكبد خسائر بشرية كبرى إذا كان قادرا على تحقيق نفس النتيجة العسكرية بالقضاء على وجود داعش على الأراضي اللبنانية بوقت أطول.

في البعد السياسي يدرك جميع اللبنانيين، من دون أن يعلنوا ذلك جهارا، أنّ ثمّة معركة معنوية وسياسية يخوضها الجيش اللبناني سواء على جبهة الداخل اللبناني أو في جبهة الخارج الإقليمي والدولي.

معركة إثبات الوجود والقدرة والكفاءة بأنه يمتلك كل المقومات التي تجعله قادرا على حماية الحدود اللبنانية، وهو إلى جانب قدراته التسليحية يتميز بأنه المؤسسة اللبنانية الـوحيدة التي تحظى بالتفـاف وطني وإجماع لبناني حوله لا يقاربه أيّ إجماع آخر.

ومعركة الجرود في هذا السياق تكتسب أهمية تتجاوز البعد العسكري الميداني إلى البعد السياسي والوطني، فالجيش بانتصاره المرتقب على تنظيم داعش رغم كل المحاذير التي تحيط بهذه المعركة، فإنه بإنجازها سيكون عرضة لتحديات أكبر ستجعله أمام مخاطر إضافية على مستوى بروزه كقوة عسكرية لا تشكيك في كفاءتها ووطنيتها.

مخاطر سيقابلها التفاف لبناني أكبر بعدما فقد الكثير من اللبنانيين ثقتهم بالحكومة والسلطات السياسية الحاكمة عموما.

كاتب لبناني

 (العرب) اللندنية

 

بدأت الحرب على

الشيعة المعارضين…

حزب الله خائف من الكلمة

علي الأمين

إستدعى الأمن العام الأسير المحرّر من سجون إسرائيل، بعد 10 سنوات أسر، أحمد اسماعيل، بسبب كتاباته الاعتراضية على قوى الممانعة عبر حسابه الفيسبوكي. هذا ما قاله أحمد اسماعيل. أما بيان المستدعي، أي الأمن العام اللبناني، فتفتّقت عبقرية معدّه عن أنّ الاستدعاء تمّ على خلفية “تحقيقات بشأن شبكة تجسس اسرائيلية”.

لكن ما قاله المناضل الصديق أحمد إنّ غضب المحقق وحنقه كان سببهما غيرته على الوزير السابق وئام وهاب، فيما لم تتجاوز مدّة السؤال عن شخص يمكن أن يكون له علاقة بإسرائيل، يعرفه أحمد اسماعيل أشقاءه من بعيد، لم تتجاوز الدقيقتين، وبقية الساعات الأربع أو الخمس كانت تعريضاً بآرائه ومواقفه السياسية المزعجة للممانعة

ما قاله أحمد عمّا جرى داخل التحقيق في مبنى الأمن العام، وهو مؤسسة رسمية، لا نريد أن ننقله ونترك له أن يفصّل فيه. لكن ما يعنينا، نحن الذين نتشارك وإياه الكثير من الآراء والمواقف، من دون أن نتطابق، هو صيانة الحرية في لبنان، وحماية حقنا في التعبير عن آرائنا ومواقفنا كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.

لذا ما جرى مع الصديق المناضل احمد هو رسالة لكل من لا يزال يؤمن بأنّ في لبنان مساحة من الحرية، وأنّ لبنان يدخل عصر تكميم الافواه، تكميم أفواه من يعترض على محور الممانعة، ومن يعترض على تشبيحات أدواتها ورموزها، ومن يواجه الإسفاف والتهديد والتحريض على كل من يعترض على كل سلطات تسعى إلى تدمير حقّنا في أن يكون لنا دولة ودستور وقانون ومؤسسات وجيش واحد أحد وتحمي حق المواطنين.

ما جرى مع أحمد اسماعيل هو البداية والآتي أشدّ. فالعقل الذي يدير البلد اليوم يريدنا أن ننحني ونصلي كل يوم لأنّه تركنا على قيد الحياة ويمنّ علينا بأنّ الهواء الذي نتنفسه كان عملة نادرة لولا وجوده.

أن يُسأل مواطن ويدان لأنّه ينتقد وئام وهاب ويعرّض به وينتقد حزب الله وإيران، لهو جوهر ما يراد للبنان أن يصل اليه… تخيلوا هذه المهزلة!

يبقى أنّ أحمد اسماعيل مواطن لبناني، قبل أن يكون مناضلاً دفع عشر سنوات من عمره في السجون الاسرائيلية. هذا لا يعطيه، برأيه ولا برأينا، أيّ ميزة أمام القانون. هو رجل يبحث ويناضل من أجل تطبيق القانون ولا يريد أن يمنّن شعبه ودولته بأنّه كان أسيراً لدى الاحتلال، بل السؤال هو لأولئك الذين باسم المقاومة وقتال اسرائيل سمحوا لأنفسهم باستباحة الدستور والقانون والمال العام والسيادة والبشر، هؤلاء انفسهم من أزعجهم أحمد اسماعيل وضاقوا به وبصوته الصارخ وموقفه الصادق والصلب.

معركة أحمد اسماعيل مع المعتدين على حقوقه تختصر معركة اللبنانيين الذين لايزالون يؤمنون بأنّ الحرية شرط وجودهم وأنّها ليست منّة من أحد. لذا فإنّ معركة الحريات تفرض نفسها اليوم بقوة، في وجه سياسة كم الأفواه، التي نعلم ويعلم ذلك الذي يظن أنه قادر على كم افواهنا، أنّه نجح في كم افواه البعض بالقمع والتهديد، لكنّ أحمد لا .

لم يكن أحمد أوّل من استُدعيَ. هناك كثر تم استدعاؤهم من قبل اجهزة القمع وتم ابتزازهم وتهديدهم بأرزاقهم وحيواتهم ولا نلومهم على عدم إعلاء صوتهم اليوم. لكن هذا والله لن ينفع في مواجهة الإفلاس بعينه. إفلاس منطق الممانعة ونهاية يؤكد التاريخ حتميتها

أحمد اسماعيل، أيّها المناضل الصلب، نتعلم منك معنى أن نكون مواطنين احراراً بلا زيادة ولا نقصان.

(جنوبية) باتفاق مسبق

 

الحرية عنصر تكويني للبنان

يتربص بسطوة حزب الله

علي الأمين

كل الأرقام والمؤشرات المالية والاقتصادية تشير إلى أنّ لبنان لا يزال يسارع للوصول إلى الهاوية. الدين العام وصل إلى مئة وثمـانية عشر مليار دولار، فيما عجز المـوازنة السنوي يتجاوز الستين بالمئة، في موازنة لا تتجاوز السبعة عشر مليار دولار.

الموارد المالية تتراجع فيما الضرائب التي يجري رفع منسوبها لا تكفي لسد العجز، بل تزيد من مخاطر الانهيار المالي في البلد، ولا يمكن مهما حاول رئيس الوزراء سعد الحريري، عبر حكومة الوحدة الوطنية، أن يروّج لنظرية فصل الاقتصاد عن السياسة، فإنّ المؤشرات تدحض كل هذه النظرية التي تظهر أنّ مسار الاقتصاد والتنمية انحداري، ولا يبدو أنّ إمكانية لجمه متاحة في ظلّ الإصرار على تغيير هوية لبنان ودوره التاريخي في محيطه، وعلى مستوى المنطقة العربية والعالم.

الإشارة إلى هذا الجانب الاقتصادي والمالي تأتي وسط عجز متنام للسلطة السياسية، سواء تلك اللصيقة بحزب الله والمشروع الإيراني أو البعيدة عنه، عـن القيام بأيّ إجراء يعطي الثقة في إمكانية الخروج من النفق الذي صارت البلاد فيه، ذلـك أن ثمة خطابا طاغيا في الحكومة وعلى مستوى السلطات يتعامى عن الوقائع التي يعيشهـا لبنان اقتصاديا وماليا، ويعتمد وسيلة النعامة التي تضع رأسها في الرمال حين مواجهة أيّ خطر.

فيما يذهب البعض منهم إلى تعليق الفشل والعجز على مشجب اللاجئين السوريين، عبر محاولة رخيصة لتحميل اللاجئين فشل السلطة السياسية في مواجهة الأزمة، وتحميلهم مسؤولية العجز المالي، لتغطية عملية النهب المنظم الذي جعل المال العام هدفا للمحاصصة وللصفقات المشبوهة التي تشكل مصدرا من مصادر مراكمة الثروات غير المشروعة من جهة، ووسيلة من وسائل ترسيخ الزبائنية السيـاسية التي تفـرض على المـواطن حصرية تحصيل بعض حقـوقه من باب الولاء السياسي أو المذهبي والطائفي لا من باب حقوقه، كمواطن من جهة أخرى.

هذه الزبائنية والصفقات المشبـوهة ليست جديدة كما يعلم القارئ، هي موجودة دائما، لكنها في لبنان تنامت بشكل غير مسبوق، فعلى سبيل المثال تمت في السنوات العشر الماضية أكبر عملية نهب للأملاك العامة من الأراضي بقوة نفوذ السلطات الحـزبية المشاركـة في الحكومـة، وساهم نفوذ السلاح غير الشرعي في التغطية على هذه العمليات بشكل مباشر أو من خلال إضعـاف وتهميش سلطـة القانون في مواجهة المحميين والمستقوين بالسلاح غير الشرعي.

العجز لا يولد الثقة ولا يشعر صاحبه بأنّه يسير على أرض ثابتة، فعلى الرغم من الاستعراض السياسي والعسكري والإعلامي اليومي لحزب الله وحلفائه بأنّهم يستطيعون الإمساك بمفاصل الدولة ويتحكمون بخياراتها السياسية الخارجية والداخلية الأمنية والسياسية، فإنّ ذلك لم يوفر الشعور بالثقة والقوة، بل ثمّة ما يجعل هذه القوى – وعلى رأسها حزب الله- قلقة من الأرض التي يدّعون السيطرة عليها.

فلبنان يتداعى تحت نير هذا الانتصار المزعوم، والدولة تسير إلى المزيد من الهشاشة وعدم القدرة على بعث الثقة في نفوس المواطنين، فيما سلطة حزب الله لا تحمل إلى اللبنانيين إلا الوعود بحروب متتالية لا مجال لنهايات لها.

ولعلّ التهديدات التي باتت تطلق بشكل متنام تجاه كل المواقف المعترضة على حزب الله وتورطاته الخارجية وعلى استقوائه على الدولة، هي ما يوفره حزب الله وحلفاؤه من قوت يومي للحياة السياسية اللبنانية.

هكذا يلمس اللبنانيون اليوم محاولات حثيثة لتطويع التنوع اللبناني في بوتقته، وعلى قاعدة أنّ حزب الله هو المقدس وما عداه مدنس إن كان مغايرا ومختلفا ومن “المؤلفة قلوبهم” إذا كانوا يحسنون ترداد ما يقوله قادة هذا الحزب ورموز المحور الإيراني الممتد على طول الهلال الممتد من طهران إلى بيروت.

سطوة حزب الله يمارسها هذه الأيام باليد الناعمة التي نجحت إلى حد بعيد في تطويع معظم وسائل الإعلام اللبنانية، ويمكن لأي متابع لوسائل الإعلام هذه أن يلاحظ كيف أنه أمكن لهذا الحزب تطويعها إلى حد كبير، كما أطلق حزب الله العنان لبعض المحيطين به لإطلاق التهديد بالقتل لكل من يناوئ مشروع حزب الله من دون أن تتحرك السلطات القضائية، بل تحركت أجهـزة السلطة القضـائية عنـدما قـامت إحدى المغرّدات بتوجيه نقد قاس لوزير الخارجية جبران باسيل. على هـذا المنوال يجري تطويع الرأي العام، وبهذا الأسلوب يحاول حزب الله وحلفاؤه تسيير البلد وإدارته.

هذا النمط من إدارة البلد هو ابن تجربة السلطات العسكرية والأمنية التي لا تملك في رصيدها أيّ ثقافة للحكم خارج القوة والفرض والقمع، وهذا قد ينجح إلى حد ما وفي ظرف محدد ولكنّه غير قابل للاستمرار في بلد كلبنان.

فلبنان كما يقول تاريخه منذ تأسس هذا البلد، أن أي سلطة مهما بلغت من القوة والبطش لا تستطيع تطويع التنوع الذي قام عليه لبنان، ولا مساحة الحرية التي ظلت عصيّة على كل السلطات والاحتلالات لهذا البلد، وهذه الميزة ليست طارئة على لبنان بل هي عميقة وتأسيسية لهذا الوطن ولهذه الدولة، وهي لذلك مرتبطة ارتباطا وثيقا بطبيعته الاقتصادية والاجتماعية، وأيّ إخلال بشروط الديمقراطية والحريات ينعكس بالضرورة على الاقتصاد.

لبنان يلفظ أيّ محاولة لإلحاقه بالنماذج التوتاليتارية، وفي تكوينه لا يمكن أن يكون منفصلا عـن محيطه العربي، فالانتماء العربي ليس انتماء ظاهريا أو شكليا للبنان، بل هو عنوان وجود واستمرار ومعنى له، وكلما حاولت السلطات المتعاقبة جرّه إلى مكان آخر كان لبنان يرفض بطبيعته هذا التطويع والفرض بالانفجار في وجه من يحاول ذلك.

بهذا المعنى لبنان يقلق حزب الله اليوم، ويجعله غير واثـق من قدرته على الإمساك به، البلد يفاجئ الجميع في قدرته على التفلّت من نير العبودية، يطلق حركة مقاومة لكل سلطة تسعى إلى تغيير عناصر وجوده وتنوعه الفعلي، لبنان بلا حريات وبلا اعتراض وبلا حيويات سياسية وثقافية يموت، ولأنه عصي على الموت فهو يتعب بل يقضي على كـل من يحاول مصادرته أو جعلـه على صـورته الخاصة، الاقتصـاد يرفض هذا النمـط من الاستقواء والتنمية أيضا، والحياة اللبنانية ترفض التنميط لذا تعلن كلها أنّها عصية على الاستحواذ والحياة.

لبنان وطن أكبر من خطاب أيديولوجي تعبوي، وأعمق من فكرة طارئة تظن أنّها تحكـم وتسيطـر، وعصي على أي احتـلال ولو كـان من داخلـه، الحـرية ليست فيـه موجـة عابرة بل موجـة كفيلـة بـأن تطيـح بكل طاغية سواء كان فكرة أو محورا أو رجلا.

كاتب لبناني

 جريدة (العرب) اللندنية

شعارات إيرانية كُشفَ زيفها

من 'الأقصى' إلى 'وحدة الأمة'

علي الأمين

لم يسبق أن كانت القيادة الإيرانية وامتدادات فيلق القدس التابع للحرس الثوري شديدة “التهذيب” حيال الإجراءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى، كما شهدنا خلال الأسابيع القليلة الماضية، والحديث عن “التهذيب” هنا يفرضه منطق الأيديولوجيا الإيرانية التي طالما بررت تمددها ودعمها لمجموعات تابعة لها في معظم الدول العربية، في سياق ما تسميه تحرير القدس أو إنهاء إسرائيل من الوجود إلى الإدعاء بالقدرة على تدمير إسرائيل خلال سبع دقائق ونصف الدقيقة، فالقضية الفلسطينية هي الذريعة التي بها نجحت قيادة ولاية الفقيه في اختراق المجتمعات العربية ودولها، وأظهرت قدرة على العرقلة والتدمير من دون أن تستطيع هذه “القيادة الإلهية” أن تقدم نموذجا سياسيا ودنيويا يظهر مدى قدرتها على تقديم مثال حي وجذاب لإطار إنساني أو إلهي أو دستوري يفضح النماذج السياسية القائمة في الدول العربية.

الأيديولوجيا الإيرانية قدمت أسوأ النماذج على صعيد الاجتماع السياسي في المنطقة العربية، ليس بسبب الدمار الذي رافق سيطرتها الجزئية أو الكلية في بعض الدول العربية، بل في تلازم هذه السيطرة مع الانقسام داخل هذه الدول وتفتت مجتمعاتها وبرز المثال الإيراني عربيا متفوقا على كل أعداء المنطقة في أدلجة الانقسام باسم الدين أو المذهب وترسيخه.

رفعت هذه الأيديولوجيا شعار وحدة المسلمين كسبيل لنهوض الأمة العربية والإسلامية من كبوتها، وطريقا للتخلص من النفوذ الغربي في المنطقة، لكنّها فعليا كانت في العقد الأخير أكثر من تفوق في الاستثمار في تفتت الأمة وانقسامها، وأكثر من نأى عن مواجهة من يفترض أنّهم أعداء هذه الأمة بحسب ما روجت القيادات الإيرانية منذ نحو أربعة عقود، فأكبر صفقة أنجزتها إيران مع الغرب، أي المشروع النووي الإيراني، تمّ بقوة طاقة مشاركتها عمليا في تدمير العديد من الدول العربية، وهنا لسنا في إطار تبرئة النظام العربي من مسؤولياته على هذا الصعيد، لكن ما لا يجب أن يغيب عن بال المراقب وهو يقيم السياسة الإيرانية في المنطقة العربية، أنّها كانت من الأساس تصف الأنظمة العربية على أنّها أنظمة لا تمثل شعوبها، بل خانت دولها والأمة، وهذا خطاب مستمر ولا يزال منذ عقود.

وبالتالي لأن الأيديولوجيا الإيرانية تنطلق في مشروعها في المنطقة العربية من هذا الأساس وتضيف إليه أنّها تفضح تآمر العرب على فلسطين، فإن الحصيلة الأولية التي يمكن تلمسها لهذا المشروع على امتداد نفوذه هو أن فيلق القدس كان شديد الاحترام للمصالح الأميركية والإسرائيلية. لم يطلق يوما رصاصة واحدة في وجه إسرائيل، كما كان ولا يزال يفعل حيال العديد من القوى التي تهدد نفوذ إيران وأذرعها في العراق أو سوريا، بل إنّ السياسة الإيرانية الإسلامية أو القومية تتناغم مع أيّ اقتراح يعيد بلورة المجتمعات على أساس مذهبي أو طائفي، إذ تتهاوى كل الشعارات عن وحدة المسلمين أمام أطماع السيطرة والنفوذ، أو في سبيل المصالح المباشرة للسلطة الإيرانية، ودائما على حساب وحدة المجتمعات الوطنية أو وحدة المسلمين.

في المقلب اللبناني وهو البلد الوحيد الذي يمكن أن نقول إنّ إيران من خلال حزب الله تسيطر على مفاصل الدولة فيه، لم يتح لحزب الله أن يتعامل مع هذه الدولة باعتبارها وطنا ودولة يحق له أن يكون موجودا بكل ما تقتضيه شروط الدولة الطبيعية.

فحزب الله طالما ميّز نفسه عن بقية اللبنانيين باعتباره قوة مقاومة تواجه الخطر الإسرائيلي، وتروج دائما للقضاء على الكيان الصهيوني وتحرير القدس، هو دخل إلى سوريا وفي إحدى الذرائع التي روج لها لتبرير قمع الثورة السورية ، أنّه يريد أن يواجه المشروع الأميركي الصهيوني في هذا البلد، فكانت الحصيلة أنّ المحترم في سوريا من قبل إيران هو المشروع الأميركي الصهيوني، وهذا ما أكده اتفاق الجنوب السوري الذي طرد إيران وأتباعها من جنوب سوريا من دون أيّ اعتراض إيراني، رغم أن وظيفة هذا الاتفاق ضمان أمن إسرائيل، وهذا ما تؤكده القواعد الأميركية التي تقام في سوريا من دون أن تتلقى أي تهديد إيراني أو من قبل حزب الله. ما أنجزته إيران في سوريا قمع المعارضين السوريين أما العدو الإسرائيلي بحسب التنظير الإيراني فلا رصاصة وجهت لجندي إسرائيلي أو أميركي.

بحجّة مقاتلة إسرائيل احتفظ حزب الله بالسلاح في لبنان، لكنّه استقوى على اللبنانيين والسوريين، وبحجّة القدس دخلت إيران إلى العديد من الدول العربية، لكن حينما قامت إسرائيل بتهديد المسجد الأقصى بإجراءات عدوانية، كان حزب الله كما إيران منهمكا في حرب أخرى عنوانها قتال الإرهابيين في جرود عرسال اللبنانية والقيام بحملة تطويع للبنانيين باعتباره ينوب عن جيشهم في مواجهة هذا الخطر الذي كان هو أحد مسبباته، وأول من استثمر هذا الوجود لمصالح إيرانية ولحماية سلاحه الذي لا ينافس إلا سلاح الشرعية اللبنانية ولا يهدد فعليا إلا قيام دولة لبنانية ذات سيادة.

أوراق التوت تتساقط عن عورة المشروع الإيراني لتكشف أنه مشروع رفع شعار المقاومة والغاية هي السلطة والتحكم باللبنانيين والسوريين وعدم المس بالمصالح الإسرائيلية والغربية في هذين البلدين، رفع شعار وحدة المسلمين وأفضل من استثمر في الشروخ المذهبية التي قسمت المنطقة وقزمتها فيما حزب الله يعلن عن انتصار وراء انتصار. تتدمر المنطقة وحزب الله منتصر، وإيران تبتهج بانتصارها، تُحاصَرُ القدس فلا نسمع أيّ تهديد إيراني شبيه بما دفع حزب الله قبل خمس سنوات إلى الزج بالآلاف من مقاتليه في سوريا لأنّه اعتبر أنّ مقامات شيعية مهددة في سوريا، أولى القبلتين لم تهز وجدان حزب الله، وإذا أحسنا الظن بنوايا حزب الله وإجراءاته فإنّ القدس ليست على وزن دمشق، ولا المسجد الأقصى بأهمية مقام السيدة زينب في دمشق، وإذا أسأنا الظن فليست الشعارات الدينية إلا وسيلة يجري استخدامها وقت الحاجة.

كاتب لبناني

جريدة (العرب) اللندنية

جرود عرسال.. آخر حلقات

إحكام السيطرة الإيرانية على لبنان

علي الأمين

 

المئات من عناصر تنظيمي جبهة النصرة وداعش يتمركزون في مناطق على الحدود اللبنانية-السورية في ما يعرف من الجانب اللبناني جرود عرسال، ومن الجـانب السوري تلال القلمون الغربي. التنظيمان متواجدان منذ سنوات، حصلت في الأصل مواجهات عسكرية بينهما حيث يتمركز تنظيم داعش في المناطق الشمالية من هذه الجرود، فيما جبهة النصرة (جبهة فتح الشام) في الجزء الجنوبي، كما يتواجد في هذه الجرود فصيل تابع للجيش السوري الحر.

حزب الله قرر أخيرا أن ينهي هذا الوجود العسكري بالتعاون مع الجيش السوري، بدأ حملة عسكرية مسبوقة بحملة إعلامية واسعة في الداخل اللبناني، ساهمت في تصعيد العداء ضد اللاجئين السوريين، حيث صدرت مواقف من حلفائه فيما تكفل الإعلام الممانع بلصق المآسي اللبنانية باللاجئ السوري. هذه الحملة العسكرية والتي شملت مناطق جرود عرسال وهي منطقة وعرة تمتد على مساحة أربعمئة كيلومتر مربع يتحكم حزب الله وجيش النظام في سوريا بالسيطرة شبه الكاملة عليها، فيما المسلحون داخلها هم في حالة حصار.

ويؤكد المراقبون أنّ حزب الله كان قادرا منذ العام 2015 على إنهاء وجود هذه المجموعات من الناحية العسكرية، إذ يجب الإشارة إلى أن هؤلاء المقاتلين في معظمهم هم من أبناء بلدات وقرى القلمون تلك التي كان حزب الله سيطر عليها في ذلك العام بشكل شبه كامل، فيما شكّل وجود هذين التنظيمين الإرهابيين أحد أهم أسلحة حزب الله التي استخدمها في مواجهة اللبنانيين الذين رفضوا تدخله في الأزمة السورية، بالقول لهم إنه هو من يحميهم من الإرهاب وأن هذه التنظيمات الإرهابية المتواجدة في جرود عرسال متأهبة للدخول إلى لبنان لولا أن حزب الله يحول دون ذلك.

اتفاق الجنوب السوري الذي قام بين روسيا والولايات المتحدة وبالتنسيق مع الأردن وإسرائيل، قضى بأن لا يكون للإيرانيين وميليشياتهم أي تواجد في عمق يصل إلى 40 كلم بعيدا عن حدود الجولان المحتل وعن الحدود الأردنية. طهران لم تنبس ببنت شفة التزمت وسحبت قواتها بصمت لإدراكها أنّ مثل هذا الاتفاق بين الدولتين الكبيرتين لا يمكن أن تواجهه، فالأفضل هو الرضوخ والتعويض في مكان آخر، علما أنّ النظام السوري اعتبره اتفاقاً ملائما له.

الحملة العسكرية في جرود عرسال اللبنانية، هي خطوة إيرانية بالدرجة الأولى، وعلى خلفية اتفاق الجنوب السوري المذكور، ولإحكام النفوذ على المثلث الشرقي الممتد من دمشق- حمص- لبنان وعرسال تقع في وسطه، وعلى ما يمكن استنتاجه فإنّ المحور الإيراني ربما وجد أنّ بقاء شماعة المجموعات الإرهابية لم يعد ذا أهمية إزاء إحكام السيطرة الكاملة للمحور الإيراني.

من هنا فإنّ أبعاد معركة جرود عرسال لها وجهان. وجه أول يتصل بإحكام السيطرة الإيرانية المباشرة وغير المباشرة في الجانب السوري. والوجه الثاني استكمال حلقات السيطرة الأخيرة على لبنان، وهنا تمكن الاستفاضة في الإضاءة على الخطة التي اعتمدها حزب الله على هذا الصعيد.

الاستسلام الرسمي لسلوك حزب الله يكشف أن لبنان فقد القدرة حتى على مقاومة مصادرة سيادته ولو في الموقف. فقدان هذه المقاومة هو تسليم بأن لبنان صار من الناحية الرسمية ضمن المحور الإيراني أو منطقة النفوذ الإيراني

إذ يعرف الجميع، وفي مقدمتهم اللبنانيون، أنّ حزب الله ضرب بعرض الحائط كل الاعتراضات اللبنانية الرسمية والشعبية التي طالبته بالخروج من سوريا منذ أن أعلن رسميا ما سمّاه “الواجب المقدس” كعنوان لحربه التي انطلقت من لبنان ضدّ كل فصائل المعارضة السورية، بل ضدّ كل من يعارض النظام السوري، وإن برر تدخله بالقول إنه يريد الدفاع عن المقامات الشيعية في سوريا في البداية.

استهزأت قيادات حزب الله في ذلك الحين بكل المواقف والمناشدات اللبنانية التي تطالبه بالخروج من سوريا، هذا الاستهزاء ترافق مع عملية تطويع للقوى السياسية اللبنانية عبّر عنه بالدرجة الأولى عدم انتخاب رئيس للجمهورية وإلزام اللبنانيين بانتخاب مرشحه أو استمرار الفراغ، وفعلا نجح حزب الله في فرض مرشحه العماد ميشال عون بعد فـراغ في هذا المنصب استمر لأكثر من عامين ونصف، وتمّ تشكيل حكومة على قاعدة تسوية سياسية رضخ فيها معارضوه لشروطه (ما لي لي وما لكم لي ولكم) أي أنّ حزب الله له مطلق الصلاحية عمليا في ما يعتبره مهمات أمن قومي خارجي ومنها سلاحه وتدخله في سوريا، أمّا القضايا الداخلية المتصلة بالسياسات الاقتصادية والمالية وما إلى ذلك فهي بالشراكة بين حزب الله وبقية اللبنانيين.

الجديد في الحلقة الأخيرة من إحكام السيطرة على لبنان، أن المشروع الإيراني المتمثل بحزب الله بدأ من خلال عملية جرود عرسال العسكرية، إظهار أنّ اللبنانيين ولا سيما شركائه في السلطة الداخلية في لبنان هم لا يشيحون بوجوههم عن تدخله في سوريا، بل هم في موقع الملتفين حول دوره في مواجهة تنظيم إرهابي موجود على الأراضي اللبنانية، رغم أنّ الجميع يعلم أنّ وجود هؤلاء هو بسبب دخول حزب الله إلى بلدات القلمون، فيما البعض من هذه التنظيمات كانت بوعي عناصرها أو بغير وعيها تنفذ أجندات المشروع الإيراني.

تكشف عملية عرسال العسكرية والتي تزامنت أيضاً مع زيارة مقررة لرئيس الحكومة سعد الحريري إلى واشنطن، حيث من المقرر أن يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب (اليوم الثلاثاء) وكما هو معلن في بيروت أن الحريري سيحمل للرئيس الأميركي مطالب لبنانية تتصل بعدم تصعيد العقوبات المالية على حزب الله لأنّها باتت تؤثر على كل اللبنانيين، كما سيطالب بدعم المؤسسة العسكرية، لكن الأهم في هذه الزيارة أنّ الحريري يحمل في طيات زيارته، ما يندرج في سياق التأكيد على أن لبنان يحارب الإرهاب في جرود عرسال.

علما أنّ الجيش اللبناني الذي لم يشارك إلى جانب حزب الله والجيش السوري في المعارك الجارية، إلا أن الحكومة اللبنانية والجيش يتعاملان مع معركة حزب الله وكأنّها حرب مشروعة من دون أن يظهر لبنان الرسمي أيّ موقف يبدو فيه مستاء مما يجري على الأقل من زاوية أنّ حربا تجري على أرضه ويجب أن يكون هو صاحب القرار في الحرب وفي خططها وإدارتها.

الاستسلام الرسمي لسلوك حزب الله يكشف إلى حد بعيد أن لبنان فقد القدرة حتى على مقاومة مصادرة سيادته ولو في الموقف. فقدان هذه المقاومة هو ما يمكن أن نسميه في الجانب الرسمي الاستسلام لمجريات التحكم والسيطرة، لا بل التسليم بأنّ لبنان صار من الناحية الرسمية ضمن المحور الإيراني أو منطقة النفوذ الإيراني التي جاءت معركة عرسال الجارية لتمثل الحلقة الأخيرة التي ستجعل حزب الله ومن خلفه إيران يستعد ليخاطب اللبنانيين وشركائه في السلطة كما فعل غداة تحرير الشريط الحدودي من الاحتلال الإسرائيلي في العام 2000، حيث ادعى حزب الله أنّه هو من حرر الشريط المحتل طامسا كل النضالات وآلاف الشهداء اللبنانيين والفلسطينيين الذين سقطوا خلال عملية التحرير التي بدأت منذ العام 1982.

سيخرج زعيم حزب الله بعد عملية عرسال وسيقول للبنانيين أنا من حرركم من إسرائيل ومن الإرهاب… والأمر لي.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

إسرائيل شريكة في خفض

التوتر جنوب سوريا وإيران غربا

علي الأمين

التفاهمات الأميركية الروسية في المنطقة الجنوبية الغربية لسوريا، تعيد الاعتبار للتعاون الروسي- الأميركي في هذا البلد، وهذا الاتفاق الذي يندرج ضمن صفقة المناطق المنخفضة التوتر في سوريا، أظهر أن أولوية الأمن الإقليمي تتقدم على ما عداها من عناوين التغيير السياسي في سوريا، رغم تأكيد وزير الخارجية الأميركية تيلرسون غداة إنجاز الاتفاق خلال لقاء الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في قمة العشرين في هامبورغ، أنّه لا يرى وجودا لبشار الأسد وعائلته في مستقبل النظام في سوريا، على أنّ ما اعتبره بعض المراقبين في الاتفاق الروسي الأميركي بمشاركة أردنية، أنه يعيد الاعتبار إلى نظام الأسد لا يعبر بدقة عن التوجه لدى إدارة ترامب تجاه مقاربة الأزمة السورية، فالإدارة الأميركية لا تبدو مهتمة في المدى المنظور بكيفية إعادة الاعتبار إلى النظام السوري سواء في ظل الأسد أو في ظل نظام سياسي جديد يبسط سلطته على كامل الأراضي السورية.

ذهب مستشار الأمن القومي الأميركي إلى وصف الاتفاق هذا بأنه أولوية أميركية، فيما قال الرئيس الروسي إن إسرائيل شريك في الاتفاق إلى جانب الأردن.

ما تشي به المعلومات المتداولة، أنّ الاهتمام الأميركي منصب على استمرار عملية إنهاء تنظيم داعش في الأراضي السورية، وتعزيز دور قوات سوريا الديمقراطية الكردية، وفي الجنوب السوري على ضمان الاستقرار على الحدود الأردنية والحدود مع الجولان المحتل، لذا ركز الاتفاق الآنف الذكر على حفظ الاستقرار المتلازم مع محاربة جيوب تنظيم داعش في هذه المنطقة مع إبعاد النفوذ الإيراني عبر الميليشيات عن الحدود مع إسرائيل والأردن بضمانة روسية.

الاتفاق في جنوب سوريا جدد التأكيد على أنّ المظلة الأميركية والروسية باتت المقرر في المعادلة السورية إلى حدّ كبير، وتجربة الجنوب السوري أظهرت من خلال الصمت الإيراني والترحيب التركي إلى جانب الصمت العربي تسليماً بهذا الاتفاق، فيما تبدو إسرائيل الأكثر اطمئناناً بعدما نجحت في استدراج هذه المظلة الروسية الأميركية لضمان أمنها الحدودي بعدما تدهورت أحوال النظام السوري وسطوته، الذي لم يعد يشكل مصدر ثقة في قدرته على توفير الاستقرار على حدود الجولان كما كان الحال قبل اندلاع الثورة السورية ومنذ العام 1974 على وجه الدقة.

الاتفاق الروسي الأميركي يجعل إيران أكثر اهتماماً بالمزيد من إمساك مفاصل السلطة في لبنان وبتعزيز السيطرة الميدانية لحزب الله وميليشيات إيران في سوريا

الاتفاق الأميركي الروسي، الذي اعترضت فصائل سورية معارضة على مضامينه ولا سيما في ما ينطوي عليه من تأجيل حسم ملف الانتقال السياسي، وترسيخ الاستقرار في مناطق الجنوب على أسس تعزز، بنظرها، نظام مصالح مناطقي قد يزيد من نزعات الانفصال داخل سوريا، بالإضافة إلى مطالبتها بأن يكون اتفاق وقف النار شاملا كلّ الأراضي السورية، في المقابل لا تبدو إيران التي لم تعلن موقفاً سلبياً من الاتفاق، مطمئنة إلى مجرياته، ولا سيما استثناءها من المباحثات، بل إن التأكيد على استبعاد قواتها وميليشياتها من هذه المناطق لا يطمئنها علما أن إيران لم تبد اعتراضا لا على الاتفاق ولا على مشاركة إسرائيل كطرف فيه كما أكد الرئيس الروسي، من هنا يمكن فهم أن الاستعداد الإيراني، من خلال ذراعها الأبرز في سوريا ولبنان أي حزب الله، لملاقاة هذا الاتفاق بالمزيد من السيطرة على مفاصل القرار اللبناني، وفتح ملف النازحين السوريين في لبنان، شكّل إلى حدّ بعيد وسيلة من وسائل الدخول إلى المعادلة التي ترسم في المناطق الجنوبية الغربية السورية وفي خطوة استباقية على ما يمكن أن يحمله من مفاجآت، ويتمّ ذلك من خلال تفجير ملف اللاجئين السوريين في لبنان بما يحول دون إظهار المواقف المعارضة داخل السلطة اللبنانية لتدخل حزب الله في الأزمة السورية، فالعزف على وتر شيطنة اللجوء السوري غايته الأساسية إنهاء ما تبقى من جيوب معارضة للسياسة الإيرانية وللنظام السوري في لبنان.

تورط الجيش اللبناني في اقتحام بعض مخيمات اللاجئين السوريين ولا سيما في ما تردد عن موت بعض المعتقلين من قبل الجيش تحت التعذيب، وما أحاط بهذه العملية من تجاوزات طالت شظاياها مؤسسة الجيش وسط حال من الصمت الرسمي حيالها، يأتي كمقدمة لاستعدادات عسكرية معلنة لخوض حزب الله معركة إنهاء نفوذ تنظيمات إرهابية متواجدة على حدود منطقة عرسال من الجانب السوري.

وليس خافياً على المتابعين أنّ هذه الجيوب الإرهابية بقيت موجودة لسنوات رغم حصارها، ولا يمكن النظر إلى استمرارها في هذه المناطق بمعزل عن أهداف سياسية وأمنية يحتاجها حزب الله لأسباب شتى، قد يكون منها تبرير قتاله واستخدام هذا الوجود كوسيلة قابلة للاستخدام الداخلي اللبناني وفي إظهار دوره في مواجهة الإرهاب دوليا.

وهذا ما يطرح سؤال هل أن حزب الله وصل إلى المرحلة التي تتطلب إنهاء هذه الجيوب الإرهابية على حدود عرسال السورية؟

سيف المجموعات الإرهابية يبقى مسلطاً وقابلاً للاستثمار سواء في اتجاه الشعب اللبناني أو الشعب السوري، إذ يمكن لأي عمل أمني إرهابي يتم لصقه بهذه المجموعات سواء المتواجدة في لبنان أو على حدوده أو في المناطق الممتدة من الحدود اللبنانية إلى ريف دمشق الغربي، وبالتالي عملية تفجير ملف اللاجئين السوريين في لبنان والحديث عن عملية عسكرية ضد جيوب التنظيمات الإرهابية، أن يساهم في تأكيد الدور الإيراني ضد الإرهاب من جهة، ويحاول أن يفرض مساراً لإدارة عملية استخدام اللاجئين بما يخدم سلطة نظام الأسد والنفوذ الإيراني في مناطق سوريا الغربية من جهة ثانية، من دون حلّ هذه القضية، بحيث تطمح إيران التي شجعت على عمليات مقايضة ديموغرافية في القلمون السوري كما حصل في كفريا والفوعة والزبداني ومضايا، إلى خلق ظروف أمنية واجتماعية في مخيمات اللجوء السوري في لبنان، تدفع إما إلى عودة اللاجئين مرغمين إلى سوريا، أو إلى تهجيرهم مجددا إلى مناطق خارج لبنان.

وقبل ذلك فإن النظام السوري ليس بوارد أو قادر على إعادتهم وما يثبت ذلك وجود نحو ستة ملايين لاجئ داخل سوريا لم يسع النظام إلى إعادتهم.

علما أن جزءا كبيرا منهم هم في مناطق نفوذه هذا كله، دون أن نشير إلى السياسة التي اعتمدها وهي تهجير كل من يعاديه من بيئات حاضنة للمعارضة بما يحول دون عودتها بعدما دمر أماكن سكناها بشكل كامل.

من هنا فإن الاتفاق الروسي الأميركي يجعل إيران أكثر اهتماماً بالمزيد من إمساك مفاصل السلطة في لبنان وبتعزيز السيطرة الميدانية لحزب الله وميليشيات إيران في سوريا، سواء عبر عمليات تفريغ مناطق النفوذ خاصة تلك المحاذية للحدود مع لبنان مع السماح بعودة جزئية للاجئين بما لا يهدد هذا النفوذ أو يخل به.

ولكن هذه السياسة تبقى غير قابلة إلا للمزيد من عدم الاستقرار طالما أنّ البيئة السورية ولا سيما تلك التي شارك حزب الله في قتالها إلى جانب النظام السوري أو وحيداً، لن تسلم بسلطته التي باتت ضرورية لصمود نظام الأسد.

فالنظام الذي يتداعى رغم الفرص الدولية التي تعطى له، غير قادر على الصمود في أيّ بقعة من دون الوجود الإيراني وهذا بحد ذاته عنصر استمرار للحرب وللاستنزاف الذي ثبت قواعده الاتفاق الروسي الأميركي بعنوان خفض التوتر على الحدود السورية مع الأردن وإسرائيل، وهذا لا يعني لجم الاستنزاف بعيدا عن هذه الحدود وعلى امتداد الداخل السوري حيث يترسخ النفوذ الإيراني ونظام الأسد.

كاتب لبناني

(جريدة العرب) لندن

 

 

لهذه الأسباب حزب الله

 لا يريد الإنتخابات النيابية

 

علي الأمين

 

لا شكّ أنّ حزب الله استشعر قلقاً بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو قلق مشروع في إيران، فكيف لأبرز ذراع لها في لبنان والمنطقة. الرئيس الأميركي الجديد وكلّ فريقه في الإدارة لا يبدون أيّ ودّ تجاه إيران، كما كان حال الرئيس السابق باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري. التوجه الأميركي يتخذ بعداً تصعيدياً ضد النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، ترامب وضع العراق كساحة مواجهة مع النفوذ الإيراني، إيران لوحت بصواريخ حزب الله ضد اسرائيل واستتبعته بعقد مؤتمر عن فلسطين في طهران.

حزب الله يتلمس بطبيعة الحال الوجهة الأميركية الجديدة، كما البهجة الإسرائيلية بالرئيس ترامب، وهو نفسه غالباً ما يكرر عبر وسائل إعلامه الحديث عن التقارب العربي مع اسرائيل على قاعدة الضد مع إيران، وهذا ما عبّر عنه أمينه العام السيد حسن نصرالله في خطابيه الأخيرين عبر التصعيد اللفظي ضد إسرائيل وعلى طريقته بوسيلة تحذير إسرائيل من الت