الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 علي الامين كاتب وصحفي لبناني

  رئيس تحرير موقع (جنوبية) يكتب عمودا اسبوعيا في جريدة العرب اللندنية

 

مقالات سابقة

قواعد الاشتباك تتغير في العراق:

الحشد الشيعي مقابل الحشد الشعبي

علي الامين

 

الاحتجاجات التي شهدها العراق ولا يزال فاجأت العراقيين أنفسهم في الحجم والمدى الذي اتخذته. لم تكن العاصمة بغداد مسرح الحدث كما جرت العادة في العديد من التحركات المطلبية والمدنية التي كانت بغداد مركزها، ولا تشبه أحداث البصرة التي جرت قبل عام إلا من حيث الدلالة الإيرانية، ففي البصرة أحرقت القنصلية الإيرانية، وفي الاحتجاجات الأخيرة أُحرق العلم الإيراني. ما جرى أخيرا كان مسرحه محافظات عراقية عدة، لكن اللافت أنها تركزت في المناطق ذات الغالبية الشيعية، التي يشار إليها باعتبارها مركز النفوذ الإيراني وقاعدة السلطة التي تحكم العراق فعليا منذ عام 2003.

ما يجب التنويه به في مقاربة هذا الحدث غير المسبوق في تاريخ ما بعد سقوط النظام السابق، وتمدد النفوذ الإيراني في العراق، أن الاحتجاجات هذه المرة تبدو في وجه السلطة بأكملها، إذ لم تبرز أي مواقف متبنية للحراك الشعبي أو تتبنى المشاركة في الاحتجاجات، ورغم محاولة التفاف بعض القوى، ومنها التيار الصدري الذي حاول استلحاق دور له في هذه الاحتجاجات، فقد قال أحد المتظاهرين في بغداد، وهو يعصب جبينه بعلم عراقي، “لا أحد يمثلنا، يأتون بأشخاص يلبسونهم بزات رسمية، ويضعونهم في البرلمان”. وأضاف “لم نعد نريد أحزابا، لا نريد أحدا يتحدث باسمنا”.

المسار الذي أسست له سلسلة تحركات مطلبية ومدنية خلال السنوات الماضية، نجح إلى حد كبير في نقل الحركة الاعتراضية من معادلة المحاصصة السياسية والطائفية إلى معارضة وطنية عراقية

السلطة كلها متهمة هذه المرة، وصرخة المحتجين لم تميز بين طرف وآخر، بل صوبت على الحكومة بكل مكوناتها، ولعل هي المرة الأولى التي تبدو فيها المرجعية الدينية في النجف، في موقع شبه حيادي، علما أنه طالما كانت المرجعية في تعليقاتها التي تطلقها في مناسبات سابقة، تتسم بالانحياز إلى مطالب المحتجين المشروعة وتقف في وجه الحكومة. ففي الخطبة التي ألقاها أحمد الصافي، ممثل السيد علي السيستاني، الجمعة الماضي، غير متحيزة لأي طرف في العراق. فقد قال “نرفض جميع الاعتداءات التي وقعت على المتظاهرين السلميين في عدد من المدن العراقية، ولكننا في الوقت نفسه نرفض الاعتداء على القوات الأمنية”.

موقف المرجعية يعكس حجم القلق من الاحتجاجات الذي بات يهدد بنيان السلطة القائم، في ظل “قلق من أن تشكل الاحتجاجات أداة لتقويض ما هو قائم من دون أن تتضح بدائل واضحة لهذه السلطة التي تقر المرجعية بأنها فشلت في تلبية الحدود الدنيا من حقوق العراقيين”، كما يفسر أحد العاملين في مؤسسات المرجعية موقفها الأخير.

الاحتجاجات اليتيمة، هو الوصف الذي يمكن أن ينطبق على ما جرى في العراق خلال أسبوع، والعنف الذي مورس ضد المحتجين كشف أن التواطؤ كان سمة المواقف الحزبية التي بدت في غربة عن الشارع، أو متواطئة مع سياسة القمع والعنف الذي مورس ضد المتظاهرين بالقتل والقنص والاعتقالات.

لا شك أن إجراءات الحكومة بإقالتها قيادات عسكرية مستقلة لحساب تعيين أفراد من الحشد الشعبي في مواقع قيادية للجيش فجّرت الاحتجاجات، لكن ما هو أعمق من تلك الإجراءات “المستفزة” لأنصار الدولة والجيش، هو عدم قيام حكومة عادل عبدالمهدي بأي خطوة تظهر أن السلطة العراقية جادة في وقف مزاريب الهدر والفساد من جهة، وفي إظهار أنها حكومة مستقلة عن النفوذ الإيراني وساعية إلى توفير شروط الحياة الكريمة في خامس دولة نفطية في العالم، من جهة ثانية.

السلطة كلها متهمة هذه المرة، وصرخة المحتجين لم تميز بين طرف وآخر، بل صوبت على الحكومة بكل مكوناتها، ولعل هي المرة الأولى التي تبدو فيها المرجعية الدينية في النجف، في موقع شبه حيادي

القرارات التي اتخذتها الحكومة العراقية في اليوم الخامس لتهدئة المحتجين، لاسيما ما وعدت به من إغداق بعض الأموال على الفقراء، والوعد بانجاز مشاريع إسكانية وغيرها من الوعود التي سأم العراقيون سماعها طيلة السنوات الماضية، ليس من الحصافة الاعتقاد بأنها ستنفذ، بل هي وسيلة من وسائل التغطية على سلسلة إجراءات ستعمد الحكومة من خلالها إلى القبض على الشارع ومنع تكرار مثل هذه الاحتجاجات مرة أخرى. الوجه الجديد للسلطة هو وجه “الحشد الشعبي”، السلطة الفعلية التي ستزداد رسوخا في سلطة الحكومة، وكما بات معلوما فإن فصائل الحشد الشعبي باتت تشكل الذراع التي تثق إيران بولائها، والأداة الطيعة لتنفيذ المهمات الأمنية والعسكرية وحتى الشعبية. الجيش والقوى النظامية بطبيعتهما ينتميان إلى منظومة الدولة، فيما “الحشد” منظومة مذهبية دينية توالي مراجع خارج الدولة وخارج العراق أيضا.

الاحتجاجات ‏فرضت مسارا جديدا وليس قصيرا، سيكون محفوفا بسلسلة تحديات أبرزها التعامل مع القبضة الأمنية التي ستسم سلوك السلطة في المرحلة المقبلة، فالحشد الشعبي هو الحارس الإيراني الفعلي لمنظومة السلطة. التحدي الثاني يتصل بتمدد المعارضة إلى مساحات سنية وكردية، في الحد الذي يخرج المشهد الاحتجاجي والتغييري من كونه حراكا في بيئة شيعية لا علاقة لبقية العراق بها. التحدي الثالث هو في الاستفادة من التجارب التي مر بها العراق وثورات الربيع العربي، أي أن السلمية والرؤية السياسية الواضحة والبرامج المتدرجة في عملية التغيير، كفيلة بإحداث التحول الإيجابي في عملية التغيير والإصلاح.

كل ذلك مهدت له الاحتجاجات في ما رفعته من شعارات، وفي اعتدادها بعراقيتها لا بعصبياتها الضيقة، هو ما يمكن إدراجه في سياق تبلور المعارضة الوطنية والمدنية العراقية، من خارج الاستقطاب الطائفي وحتى الحزبي، ووضعت إيران وأدواتها العراقية في موقع الخصم، لاسيما أن العراقيين، عموما، يدركون حجم الدور الإيراني في تركيب السلطة العراقية، ودورها الحاسم في تحديد المواقع القيادية داخل الدولة.

هذا المسار، الذي أسست له سلسلة تحركات مطلبية ومدنية خلال السنوات الماضية، نجح إلى حد كبير في نقل الحركة الاعتراضية من معادلة المحاصصة السياسية والطائفية إلى معارضة وطنية عراقية.

 

كاتب لبناني

 

 

حزب الله.. المشاغبات

مقابل العقوبات!

علي الامين

 

شهد لبنان سلسلة تحركات في الشارع الأحد الماضي، احتجاجات شعبية في وسط العاصمة بيروت وأخرى في مناطق لبنانية عدة، فيما جرى إغلاق بعض الطرقات الرئيسية لفترة وجيزة بالإطارات المشتعلة.

التحرك، الذي كان في جزء أساسي منه عفويا، وبقي محدودا من حيث أعداد المشاركين، لا يخفي وجود أبعاد سياسية تمثلت في سلسلة رسائل جرى توجيهها من خلال هذه التحركات في الشارع اللبناني.

لاشك أن الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعيشها لبنان اليوم تفاقمت في الآونة الأخيرة، وزادت من الضغوط على الحياة اليومية للمواطنين، وزادت من انعدام الثقة بين السلطة والشعب.

الجانب الآخر من الأزمة هو ما يمكن ملاحظته في تداعيات العقوبات الأميركية على حزب الله من جهة، وفي الخيبة الدولية، والفرنسية تحديدا حيال عدم قيام السلطة اللبنانية بالإصلاحات المطلوبة من أجل إطلاق برنامج دعم لبنان “سيدر” من جهة ثانية.

ففي الأسبوعين الآخيرين شهد لبنان أزمة تراجع العملة النقدية للدولار في السوق، نتيجة “ظاهرة غير طبيعية” تمثلت في سحب كميات كبيرة من الأسواق للدولار، فيما رفض مصرف لبنان ضخ الدولار في السوق، باعتبار أن ما يجري غير طبيعي ولا يتناسب مع العمليات المالية الطبيعية المعهودة، وهذا ما أدى إلى أن يرتفع سعر صرف الدولار إلى 1700 ليرة لبنانية، فيما بقي مصرف لبنان يتعامل مع البنوك على سعر يزيد قليلا عن 1500 ليرة.

باختصار، ما جرى كان يمثل قيام مافيات مالية محميّة بشراء الدولار بأسعار مغرية من محلات الصرافة وغيرها. وتحدث أكثر من خبير مالي لبناني عن عمليات نقل الدولار الورقي إلى سوريا، فيما رجحت مصادر متابعة قيام حزب الله، ولأسباب مالية سببها الحصار والعقوبات، إلى الاتكاء على السوق السوداء لتوفير العملة الصعبة، لتلبية احتياجات مالية كان يتم توفيرها بطرق بات من الصعب توفيرها اليوم بنفس الطريقة، أي عبر عمليات مالية باتت البنوك اللبنانية شديدة الحذر في الدخول فيها.

لذا صعّد حزب الله من هجومه على حاكم مصرف لبنان، الذي يتولى إدارة سياسة النقد، وفي نفس الوقت هو الذي يتولى عملية الرقابة على المصارف اللبنانية، وهو الجهة المسؤولة أمام وزارة الخزانة الأميركية لجهة التزام المصارف اللبنانية بالعقوبات الأميركية.

العقوبات المالية على حزب الله دفعت الحزب، وتحديدا أمينه العام حسن نصرالله، إلى التوجّه إلى طهران، فحسب ما يجري تناقله داخل أوساط حزب الله أن زيارة نصرالله، التي كانت مسبوقة بتجديده الولاء للمرشد الإيراني السيد علي خامنئي أو “حسين العصر”، جرت في سياق توفير موارد مالية لحزب الله. وتروّج هذه الأوساط أن “نصرالله رفع الصوت عاليا أمام القيادة الإيرانية إلى ضرورة إعطاء أولوية لدعم حزب الله ماليا وعلى مستوى ما يتطلبه الواقع، لاسيما في حال وقع عدوان إسرائيلي على لبنان”.

إلى جانب العقوبات الأميركية التي يُرجح أن تطال في مرحلة مقبلة متعاونين سياسيين مع حزب الله، فإن ما نقله مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى في الخزانة الأميركية، خلال زيارتهم بيروت قبل أسبوع، يبدو أنه أعمق في تأثيراته مما يشاع. ففي المعلومات أن الإدارة الأميركية باتت تدرك أن ثمة شبكة منافع ومصالح كبرى يديرها حزب الله من داخل المؤسسات الرسمية، كما يدير نظام مصالح مافيوي لمجموعة من رجال الأعمال اللبنانيين وغير اللبنانيين تتحكم به منافع مالية مشروعة وغير مشروعة. وحسب المعلومات من مصادر أميركية، فإن لبنان تحول إلى سوق غير شرعي لمنتجات إيرانية لاسيما على صعيد الدواء والحديد الصلب، مستفيدة من سيطرة حزب الله على المرافئ غير الشرعية ونفوذ مباشر وغير مباشر على المرافئ الشرعية.

من هنا تشير المواقف الأميركية إلى أن مسار العقوبات وإن كان يسير بخطوات بطيئة إلا أنه ينطوي، حسب بعض المحللين الاقتصاديين، إلى سياسة طويلة الأمد، تستهدف الفصل بين منظومة حزب الله وأذرعها من جهة، والمؤسسات اللبنانية سواء تلك الرسمية أو الخاصة من جهة أخرى، وهذا مسار دون صعوبات لا يمكن أن يحقق نجاحا كاملا على مستوى الأهداف الأميركية، إلا أن إثارة الخوف والحذر لدى أصحاب المال من ربط نظام مصالحهم بمصالح حزب الله حقق على ما يبدو الكثير من الخطوات.

ذلك ما جعل حزب الله يوجه أكثر من رسالة، بأنه لن يسمح بأن يُخنق اقتصاديا، وإذا كان لا مفر من ذلك فهو لن يكون وحيدا بل كل لبنان سيختنق أيضا.

التحركات في الشارع اللبناني انطوت على توجيه رسائل سياسية، بأن لبنان قابل لأن يعيش فوضى سياسية فيما لو استمر الضغط الاقتصادي والعقوبات المالية على حزب الله أولا. ورسالة أمنية مفادها أن الاستقرار الأمني ليس قدرا، وبالتالي فمن يريد الاستقرار الأمني في لبنان، سواء كان أوروبيا أو أميركيا، يجب أن يتعامل مع حقيقة أن حزب الله هو عنصر الاستقرار. ورسالة تحذيرية للمصارف، التي كان حزب الله يوجهها إعلاميا وعمل على إرسالها من خلال بعض التحركات الميدانية، هي أن حماية لبنان من العقوبات الأميركية تتطلب حماية حزب الله باعتباره مكونا لبنانيا وليس قوة خارجية، وأن سلوك حاكم مصرف لبنان لم يعد مقبولا وبات يتطلب الرد.

 

كاتب لبناني

 

 

حزب الله.. يهون

العميل في حب باسيل

علي الامين

 

أظهرت قضية دخول عامر الفاخوري إلى لبنان برعاية أمنية وسياسية عبر مطار بيروت، أن ثمّة ريبة من تنسيق عالي المستوى من أجل عودة المتهمين بالعمالة لإسرائيل إلى لبنان.

مصدر الريبة لا يخل به، الضجة التي أثيرت مع عودة الفاخوري الذي كان مشرفا على معتقل الخيام الشهير خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي للبنان خلال عقد التسعينات، وهو من الذين صدرت بحقهم أحكاما غيابية من قبل المحاكم اللبنانية عشية الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000.

الاحتجاجات التي عبّر عنها الكثير من اللبنانيين الذين فوجئوا بعلاقات الفاخوري مع مسؤولين لبنانيين رسميين، أتاحت له الدخول عبر مطار بيروت قادما من الولايات المتحدة، ورافقه في خروجه من المطار أحد الضباط الكبار في جهاز المخابرات اللبنانية، وما كان ليكون هذا الدخول مثار ردود فعل، لو كان بقي طيّ الكتمان. فقد عمد بعض حلفاء حزب الله إلى تسريب خبر دخول الفاخوري، لأسباب سياسية داخلية تتصل باستياء هؤلاء من تنامي علاقة حزب الله ووزير الخارجية رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، إلى الحدّ الذي مكّن باسيل من إدخال الفاخوري برضا حزب الله، الذي رغم إحراجه، فإنه لم يقم بأي خطوة جدّية تكشف من كان يقف وراء دخول العميل الفاخوري إلى لبنان، واكتفى بإصدار مواقف مبدئية تتفادى أي مطالبة بمحاسبة المتورطين سياسيا في هذه العملية.

الريبة باتت أكثر من واقع، بل كشفت الوقائع السياسية والإعلامية، أن حزب الله لم يكن غائبا عن مشهد عودة الفاخوري وأكثر من مئتي متهم بالعمالة عادوا إلى لبنان، بواسطة التيار الوطني الحر.

ومنعا للالتباس فإن عودة أكثر من ثلاثة آلاف لبناني فرّوا إلى إسرائيل عشية التحرير عام 2000، هي قضية وطنية بالدرجة الأولى، إذ لا بد من بذل الجهود من أجل عودتهم، في سياق بعيد عن الصفقات الحزبية، وبما تقتضيه المصلحة الوطنية.

لكن ما يشهده هذا الملف هو أنه بات خاضعا لصفقات حزبية، هكذا يمكن تفسير الصمت الذي وقع به حزب الله، فلو كان المتورط في إدخال الفاخوري إلى لبنان خصما سياسيا لحزب الله، لكان الحزب وكبار مسؤوليه يتلونون آيات التخوين بحق من قام بهذه الفعلة، لا بل كان تحرّكَ باتجاه القضاء من أجل محاكمة الجهة السياسية التي عملت على العبث بالملفات الأمنية وقامت بإلغاء برقيات توقيف بعض العملاء، كل ذلك لم يحصل واقتصر التهديف على شخص الفاخوري دون النّيل من الذين أحاطوا به خلال عودته.

مقاربة هذا الملف تتم من زاوية حزبية، لا بل على أسس ترسيخ العلاقة الثنائية بين التيار الوطني الحر وحزب الله، وبتعبير أدق في سياق ترسيخ التحالف المسيحي – الشيعي بحيث لا يلحظ المراقب أيّ تدخل أو مساهمة فعلية من قبل الحكومة أو مجلس النواب في إمساك هذا الملف ومعالجته من زاوية وطنية لا تبدو فيها أنّ ثمة صفقة حزبية ولحسابات سياسية داخلية.

إذ ليس خافيا أن الوزير جبران باسيل إحدى أبرز الشخصيات المسيحية التي باتت تحظى بدعم حزب الله، بات يشكّل نافذة حزب الله اللبنانية على الخارج ونافذة الخارج الدولي والأوروبي على حزب الله، ما أتاح له أن يطلق مواقف هي أقرب ما تكون لرسائل تظهر أن حزب الله معنيّ بالاستقرار وعدم التصادم سواء مع إسرائيل، أو مع المصالح الغربية في لبنان والمنطقة. فباسيل اختار قبل أشهر إحدى محطات التلفزيون التابعة لإيران ولحزب الله (الميادين) ليعلن من خلالها عن حق إسرائيل بالأمن والاستقرار، وهو وإن آثار ردود فعل من قبل حلفاء حزب الله في لبنان، إلا أنّه لم يهزّ ثقة حزب الله به. وفي جولاته الأوروبية والأميركية، يحرص باسيل على تقديم حزب الله باعتباره حاميّا للأقليات، وضمانا لمحافظة لبنان على تنوّعه، وسدّا منيعا في وجه تمدد الجماعات الإسلامية أو تلك المسمّاة إرهابية. وينقل بعض المشاركين في مؤتمر الاغتراب الذي عُقد برعاية باسيل قبل أيام في نيويورك، أنّ وزير الخارجية يركّز في لقاءاته مع المدعوين من المغتربين ومن مسؤولين أميركيين، على أنّ التهديد الذي تتعرّض له الأقليات في المشرق يتطلّب أن تتعاون في ما بينها من أجل حماية التنوع الديني والإثني، وركّز على أنّ النموذج اللبناني وصمود الأقليات فيه، يتطلّب حماية الصيغة الحاكمة ومنع انهيارها.

وكما هو معروف فإن لبنان سيشهد منتصف الشهر المقبل مؤتمراً للجماعات الدينية والإثنية في المشرق العربي في بيروت سيكون برعاية رئيس الجمهورية ميشال عون، وهو على الأرجح سيشكّل إحدى وسائل ترسيخ حلف الأقليات في المنطقة، ويركّز على أهمية إيجاد مؤسسة جامعة تمثّل المكوّنات المشرقية، حسب التعبير الذي درج عليه التيار الوطني الحر في أدبياته السياسية، والذي ينطوي في جوهره على تظهير دور الأقليات التي تعاني من الأكثرية، فيما تتفادى هذه النظرة الإشارة إلى السياسات الدولية والأنظمة الأقلوية التي حكمت وتحكم ولاسيما في سوريا.

يمكن اختصار الحلف القابض على المعادلة اللبنانية، بأنه حلف على رأسه إيران، ويشكّل باسيل الذراع التي تمتد إلى دوائر القرار الدولي، في محاولة لإضفاء بُعد لبناني ومشرقي للنفوذ الإيراني، ويمكن رصد تراجع دور حلفاء حزب الله في الداخل اللبناني بل انكفاء هؤلاء الحلفاء الذين يفتقدون قدرة التسويق التي يقوم بها باسيل بدعم من رئيس الجمهورية لحلفه مع حزب الله لبنانيّا، ولحلف الأقليات إقليميّا، والذي لا يتناقض مع مصالح دولية وإسرائيلية. لذا ترتكز مهمّة باسيل في مشروع حلف الأقليات بالإضافة إلى مهمة بناء زعامة مسيحية على الشكل الآتي:

– دور خارجي لتسويق حزب الله كطرف قابل الانسجام مع المتطلّبات الدولية، لاسيما في موضوع التفاهم العميق مع إسرائيل من جهة، وكطرف حام للأقليات في مواجهة الإرهاب السنّي الذي يهدّد استقرار المجتمعات الغربية من جهة أخرى.

– وجه داخلي يتسم باستعداد حزب الله لمعالجة ملف اللبنانيين في إسرائيل، ومحاولة الترويج لكونه عنصرا إيجابيا في حماية التنوع تحت سقف التحالف بين حزب الله ورئيس الجمهورية.

لذا فانّ صعود دور جبران باسيل في المعادلة اللبنانية، يقوم على دعم حزب الله له من جهة، ومحاولة تثبيت موقع خارجي له، باعتباره إحدى أبرز قنوات التواصل مع حزب الله الموثوقة غربيّا من جهة ثانية.

كاتب لبناني

 

 

الصواريخ الإيرانية على "أرامكو"

تطوي التهدئة وتشرع باب الحرب

علي الامين

حبست السلطة العراقية أنفاسها يوم السبت، إثر انتشار خبر استهداف منشأتين سعوديتين تابعتين لشركة أرامكو، المعلومات التي تسربت من أكثر من طرف عراقي وكويتي، كانت تشير إلى أن طائرات مسيرة انطلقت من العراق استهدفت السعودية، رغم إعلان الحوثيين في اليمن مسؤوليتهم عن هذه العملية.

لكن آخر نتائج التحقيقات حول العملية، كما نقلتها صحيفة “وول ستريت جورنال” على لسان مسؤول أميركي، أن “فريق تحقيق سعوديا – أميركيا مشتركا وجد حطاما لـ19 صاروخ كروز يصل مداها إلى 1000 ميل متوسطة المدى”، مستبعدا مسؤولية الحوثي عن العملية التي تبدو وفق المعلومات الأولية لفريق التحقيق أنها قادمة من العراق أو إيران.

القلق في دوائر الحكومة العراقية، رغم نفي رئيسها عادل عبدالمهدي مسؤولية العراق في هذا الشأن، أشار إلى عملية تحقيق جارية للتثبت مما جرى. القلق في هذه الدوائر هو ما يمكن أن يسببه “العمل العدواني” من تداعيات في داخل العراق.

السعودية لم توجه اتهاما لإيران، لكن وزير الخارجية الأميركي هو من اتهمها بالوقوف وراء استهداف أرامكو. فيما أكدت أوساط رسمية أميركية لمحطات إعلامية منها الـ”سي.أن.أن” أن “دقة الهجمات على المنشآت النفطية السعودية تظهر أن انطلاق الهجمات كان من الشمال الغربي وليس من اليمن”.

هذا ليس الهجوم الأول على السعودية من قبل إيران من الأراضي العراقية. ففي 15 مايو، هاجمت طائرتان دون طيار إيرانيتان متفجّرتان من العراق محطتي ضخ رئيسيتين لخط أنابيب النفط شرق- غرب لشركة أرامكو وسط السعودية، وأشعلتا النار فيهما. وينقل هذا الخط النفط المنتج في حقول النفط السعودية في الشرق إلى ميناء ينبع غرب ساحل البحر الأحمر.

الإسرائيليون يرجحون أيضا أن الهجمات على بقيق السعودية جاءت من داخل العراق، وفق موقع “تيك ديبكا” الإسرائيلي.

هذا الهجوم يعتبر من أكثر الهجمات الإيرانية توسّعا على أهداف نفطية في الخليج منذ أن بدأت الهجمات قبل 5 أشهر، فقد تم توسيع الجبهة الإيرانية ضد العقوبات الأميركية في العراق.

وهو تطور خطير يتلاحق في الخليج مع تطورات يخشى أن تقلب مع الوقت حسابات المملكة العربية السعودية في المواجهة، بعدما تجاوز الخطر الإيراني الخطوط الحمر التي لا تهدد أمن النفط السعودي فحسب، بل العالمي أيضا. فدقة الضربة لمنشآت أرامكو أدت إلى خفض الإنتاج السعودي للنفط إلى النصف.

ومنذ العام 2015 توالت الهجمات على أهداف نفطية واستراتيجية في العمق السعودي آخرها هجمات على معملين لشركة أرامكو بقيق وهجرة خريص، أدت إلى وقف إنتاج النفط في المنطقة.

الموقف الأميركي بقي هادئا نسبيا في رد الفعل الأولي، ورغم الاتصال الذي أجراه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بولي العهد الأمير محمد بن سلمان غداة الهجوم، فقد أكدت واشنطن استعدادها لتعويض أي نقص للنفط في السوق العالمي، من خلال الاحتياطي الأميركي الاستراتيجي من البترول. وأعلن البيت الأبيض أن واشنطن ستواجه أي “هجوم إيراني على المملكة” من دون أن يتضح إن كانت واشنطن تصف ما جرى في أرامكو أخيرا هجوما إيرانيا، لكن مواقف ترامب ووزير خارجيته أوحت بجدية الرد إذا ثبت تورط إيران.

لا شك أن التطورات الأميركية الأخيرة والتي أظهرت اهتمام الرئيس الأميركي بإجراء مفاوضات مع إيران، وترافقت مع إقالة أحد أبرز صقور الإدارة الأميركية جون بولتون من موقع مستشار الأمن القومي، هي التي شجعت القيادة الإيرانية على التصعيد السياسي والعسكري، فطهران باتت أكثر اطمئنانا على ما يبدو لعدم قيام الرئيس الأميركي بضربات عسكرية ضدها، لاسيما بعد سلسلة اختبارات لردود فعله تجاه استفزازات طهران العسكرية.

وفي خطوة تبدو استيعابية دعا الرئيس الإيراني حسن روحاني الأحد الماضي عشية وصوله إلى تركيا، إلى ضرورة قيام هدنة في اليمن، مرفقة بدعوة إلى حوار بين دول المنطقة لمعالجة مشكلاتها.

هذا الموقف الإيراني لن يوقف تداعيات استهداف أرامكو، الذي سيعجل من سلسلة ردود فعل عسكرية، لعل أبرزها ما يمكن أن يدرج ضمن الحرب بالأدوات بين واشنطن وطهران، مع توقع طي ترامب فكرة لقاء روحاني في نيويورك الشهر المقبل حيث قال في تغريدة الأحد إنه “لن يلتقي روحاني بلا أي ثمن”. بل يرجح أن يتوقف أي مسعى للتخفيف من العقوبات على إيران. فإعلان واشنطن عن نتائج التحقيق بأن مصدر الصواريخ إيران أو العراق يستتبع بالضرورة سلسلة إجراءات داخل العراق، ومنها استهداف مقرات لميليشيات تابعة لإيران، في وقت ستوجه واشنطن رسائل أكثر جدية إلى الحكومة العراقية بشأن هذه الميليشيات، علما أن الإدارة الأميركية تنظر باهتمام إلى ما يمكن أن يصدر عن المرجعية الشيعية من مواقف بشأن حصر السلاح في يد الجيش وآليات تنفيذه.

في هذا الوقت يشكل السلوك الإيراني الأخير، فرصة إضافية لإسرائيل، لتصعيد هجماتها في سوريا والعراق، وحتى لبنان الذي بات مع التصعيد الإيراني الأخير، ساحة رد يمكن أن تستثمر إسرائيل اللحظة الدولية والإقليمية، لتنفيذ ما تخطط له لإنهاء وطي ملف الصواريخ الدقيقة لدى حزب الله، بعد الانتخابات البرلمانية المقررة الثلاثاء.

التصعيد الإيراني غير المسبوق في نوعيته، وإذا أثبتت التحقيقات مسؤولية إيران، سيفتح الباب واسعا على جملة تطورات، أولها أن الرد السعودي لن يكون مباشرا. فالقيادة السعودية التي راهنت في السنوات السابقة على إدارة واشنطن لملف المواجهة مع إيران، باتت أمام استحقاق التصعيد الإيراني، أمام خيار الرد الذي لا مفر منه، علما أن دائرة الخيارات واسعة أمام المملكة السعودية، فيما لو قررت ذلك.

أما ترامب فقد لوّح بالحل العسكري في وقت سابق لمعاقبة إيران التي اتهمها بشكل مباشر بتنفيذ العملية، وهو ما أكده وزير الخارجية الأميركي بعد يوم من العملية. بعد أن كشفت التحقيقات إطلاق صواريخ كروز، فإن فرضية الرد العسكري في أكثر من ساحة لا مفر منها، إن استبعد الرد المباشر على إيران كما هو مرجح.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

شنكر في بيروت حاسماً:

ستة أشهر لترسيم

الحدود مع إسرائيل

علي الامين

 

وصل إلى بيروت المبعوث الأميركي الجديد ديفيد شنكر، لمتابعة ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان وإسرائيل، وشنكر الذي خلف ديفيد ساترفيلد في هذه المهمة، وفي منصب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى قبل أسابيع، يحمل إلى المسؤولين اللبنانيين رسالة واضحة وحاسمة، بعدما تحدثت مصادر أميركية قبل نحو شهرين، عن مماطلة لبنانية في شأن الوصول إلى مرحلة الدخول في المفاوضات والاتفاق النهائي على الترسيم، وهذا ما رفضه لبنان، معتبرا أن إسرائيل هي من يعمل على عرقلة الحل.

من المعلوم أن المفاوضات حول ترسيم الحدود، تخضع لأخذ ورد بين لبنان وإسرائيل منذ سنوات، فالوساطة الأميركية المستمرة بين الدولتين لم تكن على نفس الحيوية التي ظهرت خلالها في الأشهر الماضية، وبدا أن السعي الأميركي لإيجاد اتفاق دخل حيّزا فعليا، بحيث تتوقع أوساط بحثية متابعة في واشنطن أن يتم الاتفاق خلال الأشهر المقبلة نهائيا على هذا الملف.

ما يعزز من هذه الفرضية لبنانيا، ما قاله مقربون من رئيس مجلس النواب نبيه بري، عن أن ما تم الوصول إليه هو خط النهاية، “ولم تعد تفصلنا عن الاتفاق النهائي إلا بعض التفاصيل، التي ننتظر من المندوب الأميركي شنكر، معالجتها”.

من المعروف أن الرئيس نبيه بري مكلف من قبل الدولة اللبنانية بإدارة ملف التفاوض هذا، أو بالأحرى هو المكلف فعليا من قبل حزب الله ومن إيران بتولي هذه المهمة. وما ينطق به الرئيس بري في هذا الملف، هو ما يعبّر ليس عن موقف لبنان الرسمي فحسب، بل عن موقف حزب الله الذي لا يمكن أن يدع هذا الملف المتصل بإسرائيل خارج إدارته.

ما أثار انتباه اللبنانيين عشية وصول شنكر إلى بيروت الثلاثاء هو الانقلاب في الموقف اللبناني، الذي كان متشائما حيال التوصل إلى اتفاق قبل أسابيع، إلى موقف متفائل اليوم، فمستشار الرئيس بري علي حمدان، قدّم مطالعة إيجابية ومتفائلة بالوساطة الأميركية، وقال في حديث تلفزيوني إن “لبنان هو من طلب الوساطة الأميركية المرحب بها، بل الرئيس بري نفسه هو من دعا إليها قبل بدئها بسنوات”. وهو موقف يصدر أول مرة عن الرئيس بري بهذا الاعتداد، لاسيما أن ما كان ينقله عنه مقربون هو أنه يريد إعطاء دور أساسي للأمم المتحدة، التي لم ترد على لسان مستشار بري في موقفه الأخير.

ما سرّ هذا الانقلاب من التشاؤم إلى التفاؤل، من حال التذمر من الرعاية الأميركية إلى هذا الترحيب غير المسبوق بدور واشنطن، من القول إن فرص الاتفاق على ترسيم الحدود دونها صعوبات، إلى القول إننا “وصلنا إلى خط النهاية” كما كرّر علي حمدان في لقائه التلفزيوني الذي استبق وصول شنكر بيومين؟

تعتقد أوساط قريبة من وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، أن الأجواء المتفائلة والمستجدة في الموقف اللبناني ناشئة عن أسباب موضوعية فرضتها التطورات الأخيرة التي شهدها لبنان بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة والرد “المدروس” الذي قام به حزب الله على إسرائيل، وتشير هذه الأوساط إلى أبرزها:

أولا أن حزب الله قلق من قيام إسرائيل بضربة عسكرية على حزب الله في هذه المرحلة، وهو ما لا تريده إيران، لأسباب تتصل بحسابات دولية وإقليمية في هذه المرحلة التي تشكل الدبلوماسية عنوانها إيرانيا.

ثانيا يتحسّس حزب الله، ومن خلفه إيران، التصعيد الإسرائيلي الذي بات مطلق اليد دوليا في استهداف مواقع عسكرية للميليشيات الإيرانية والحشد الشعبي في سوريا والعراق، والتي كان آخرها استهداف مواقع لهما على الحدود العراقية السورية، فجر الاثنين.

ثالثا ما اكتشفته إيران وحزب الله عن حجم المعلومات التي تمتلكها إسرائيل عن الصواريخ الدقيقة التي بحوزة حزب الله، لاسيما بعد عملية الطائرتين المسيّرتين في الضاحية الجنوبية، أربك حزب الله ودفعه إلى إعادة حساباته الأمنية والعسكرية، وجعله أكثر تهيّبا من قيام إسرائيل بحرب.

إلى هذه الأسباب التي توردها الأوساط القريبة من وزارة الخارجية الأميركية ثمة من يشير في لبنان إلى أن الخناق بات يضيق على الدولة اللبنانية أيضا، فالأزمة المالية والاقتصادية باتت معالجتها رهن الاحتضان الدولي، والأميركي على وجه التحديد، للبنان. ففي خطوة رافقت وضع جمّال ترست بنك على لائحة العقوبات الأميركية، أوعزت واشنطن لبعض المؤسسات الأميركية الاكتتاب في سندات الخزينة اللبنانية بما قيمته مليار ونصف مليار دولار تقريبا، لدعم العملة الوطنية وقدرة البنك المركزي على تلبية المستحقات المالية. هذا الموقف الأميركي الذي يتضمن “رفع العصا وتقديم الجزرة”، معا، هو ما أجل وضع الخيارات أمام اللبنانيين، إما بالتجاوب مع متطلبات الدولة، وإما بتحمّل تبعات الانجرار وراء سياسة حزب الله، وتحمّل التبعات.

حزب الله لن يستقبل شنكر بالورود، وإن كانت المؤشرات التي أطلقها الرئيس بري قد توحي بذلك، فحزب الله الذي يتحسّس حجم المخاطر عليه بات معنيّا بالتخفيف منها، أو تأجيل مخاطرها إلى حين يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود، بخصوص ما يحاك على مستوى العلاقة الأميركية – الإيرانية، فإذا كان لا بد من حرب فهو من يختار توقيتها، وإذا لم تكن الحرب خياره فسيجهد لمنعها.

إزاء ما تقدم فإن حزب الله سيبدي عبر الرئيس بري تجاوبا مع الطروحات الأميركية، وهو تجاوب ينطوي على رغبة جوهرية تخفف من التصعيد الإسرائيلي من جهة، وتطمح إلى أن تخفف من وطأة العقوبات الأميركية، وتحول دون استخدام العصا الأميركية.

لذا فإن المندوب الأميركي ديفيد شنكر، ينتظر جوابا على سؤال محدد من لبنان، حسب مصادر الخارجية الأميركية، وهو أن هناك سقفا زمنيا هو ستة أشهر، يجب أن يلتزم به لبنان للوصول إلى إنجاز الاتفاق الكامل على عملية ترسيم الحدود مع إسرائيل. علما وأن لبنان كان مصرّا على عدم وضع سقف زمني لعملية التفاوض بجوابه الأخير لساترفيلد قبل شهرين. الأرجح أن لبنان، أو حزب الله، سيوافق على السقف الزمني باعتباره الفرصة المتاحة لشراء الوقت، ووسيلة للجم إسرائيل عن القيام بأي عمل عدواني على لبنان.

 

كاتب لبناني

 

 

نتنياهو يحرج إيران وحزب الله

وترقب تهديدات نصرالله

علي الامين

لم يجد الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، غضاضة في إعلان أنه سيرد على سقوط أي عنصر من حزبه في سوريا، من خلال الأراضي اللبنانية، ففي خطابه الأخير، الذي ألقاه الأحد، من بلدة العين في البقاع هدد بالرد على سقوط عدد من عناصر حزبه إثر غارة إسرائيلية من الأراضي اللبنانية وعلى المناطق الإسرائيلية، ونفى سقوط جنود إيرانيين في هذه الغارة مؤكدا أنه سيرد من الأراضي اللبنانية على الضربة الإسرائيلية في الأراضي السورية.

لم يقل نصرالله الذي لم يرد أصلا على عشرات الضربات الإسرائيلية التي طالت مواقع إيرانية ولحزبه في سوريا خلال السنوات التسع الماضية، إنه سيستكمل طريق القدس من الجولان، ولم يصدر عن النظام السوري، المقاوم كما يصفه نصرالله، أيّ رد أو موقف يمكن أن يُفهم منه دعم سوري لحزب الله للرد على إسرائيل عبر الجولان، بل قال نصرالله بوضوح إنه لن يرد من سوريا على إسرائيل، أو بوصف أدق أعلن التزامه بعدم الرد على إسرائيل من الجغرافيا السورية.

لبنان هو المكان المناسب لإطلاق مثل هذه المواقف، فالدولة اللبنانية في أحسن الظروف، هي رهن إشارة نصرالله، ومسؤولوها هم ناقلو رسائل بين ممثل المحور الإيراني في لبنان، وبين واشنطن، وهذا ما قاله نصرالله بعدما أعلن قراره بالرد العسكري دون أي اعتبار للمؤسسات الرسمية، بأن على الحكومة اللبنانية أن تبلغ الأميركيين بضرورة أن يوقف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خروقات القرار 1701 والطيارات المسيرة في الأجواء اللبنانية.

لكن إسرائيل لم تأخذ كلام نصرالله على محمل الجد، فقامت بعد ساعات قليلة على تهديده بالرد فجر الاثنين بغارة عسكرية جوية على مواقع للجبهة الشعبية-القيادة العامة في منطقة قوسايا في البقاع اللبناني، وهو ما يعني أن إسرائيل إما أنها غير مهتمة بتهديد نصرالله وإما أنها تستدرج حزب الله إلى حرب.

كما هو معلوم وبعد ساعات على استهداف إسرائيل لمراكز إيرانية في عقربا قرب دمشق في سوريا، سقطت طائرة مسيرة في الضاحية الجنوبية، قال حزب الله إنها إسرائيلية، والملفت أن نصرالله أكد سقوطها “بعدما قام مواطنون برميها بالحجارة في الساعة الثانية من فجر الأحد”. وأعلن حزب الله عن تفجير طائرة ثانية بعد ساعة من سقوط الأولى لكن دون أن تتضح الصورة تماما، وفي ظل تساؤلات حول حقيقة ما جرى لاسيما أن الإعلام الإسرائيلي تحدث عن تفجير طائرة إيرانية مسيّرة ولم تكن إسرائيلية، فهل نحن أمام سيناريو ملتبس من قصة الحجارة إلى تفجير الطائرة؟

كانت إسرائيل مباشرة قد أعلنت وعلى غير المألوف، مسؤوليتها عن توجيه الضربة الصاروخية في عقربا قرب دمشق، وأشارت إلى أنها أحبطت عملية إطلاق طائرات إيرانية باتجاه إسرائيل، بإشراف قائد لواء القدس قاسم سليماني. الإعلان أيضا جاء على لسان نتنياهو نفسه الذي أشرف على العملية. إيران من جهتها وعلى لسان أكثر من مسؤول، نفت استهداف أي موقع لها في سوريا، فيما تكفلت الذراع الأهم لها أي حزب الله بالرد الذي اقتصر على طمأنة إسرائيل بأن لا رد من سوريا ولا من مزارع شبعا المحتلة، بل على الأراضي الإسرائيلية مباشرة.

في المبدأ سيرد نصرالله على مقتل عناصر من حزب الله في سوريا عبر الأراضي اللبنانية، وبمعزل عن الدولة اللبنانية، ومع الضربة الثانية في قوسايا التي تلت تهديد نصرالله أصبح من الصعب على حزب الله عدم الرد وبشكل قوي، ولكن بالتنسيق مع إيران التي تخوض معركة تحسين شروط التفاوض مع واشنطن، وهي معركة باتت شبه معلنة مع الوساطة الفرنسية حيث أعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أنه قام بتقديم اقتراحات إيرانية جديدة للرئيس الفرنسي بشأن التفاوض مع واشنطن، وأعلنت الخارجية الإيرانية أنها تلقت دعوة فرنسية للمشاركة في قمة الدول السبع المنعقدة في فرنسا.

وسط هذه الأجواء التي تعكس تطورا في المفاوضات بشأن الملف الإيراني، وفي ظل موقف أميركي صامت حيال ما يتردد عن المبادرة الفرنسية، يصبح خيار الحرب عبر لبنان من الاحتمالات المستبعدة، وإن كان واردا من الناحية الميدانية، لكن إيران لا تريد التورط في مسار عسكري ولو عبر حزب الله، لأنها لا يمكن أن تتحكم بتداعياته في بيئة سياسية إقليمية ودولية مختلفة وغير ملائمة لإيران، قياسا على ما كان عليه الحال استراتيجيا واقتصاديا واجتماعيا في حرب العام 2006 التي كان لبنان منطلقا ومسرحا لها.

يبقى السؤال كيف سيرد حزب الله بعد دمشق والضاحية وقوسايا؟

إثر الغارة الإسرائيلية على دمشق وسقوط طائرتين مسيرتين في الضاحية الجنوبية، أجرى وزير الخارجية الأميركي مارك بومبيو اتصالين؛ واحدا برئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري والآخر بنتنياهو، دعا خلالهما إلى التهدئة ومنع التصعيد بين لبنان وإسرائيل.

الرد من قبل حزب الله في ظل سياسة تحسين أوراق التفاوض، لن يذهب إلى ما يمكن أن يستدرج حربا، وبالتالي من الممكن تكرار عملية شكلية كما حصل قبل ثلاثة أعوام، عندما قامت إسرائيل باغتيال نجل عماد مغنية قرب الجولان، قام حزب الله حينها بعملية استهدفت جرافة إسرائيلية في مزارع شبعا دون أن تقع إصابات إسرائيلية ولم تستدع ردا إسرائيليا، وأمكن تجاوز إحراج الحرب الذي لا تريده إيران ولا إسرائيل. انطلاقا من ذلك ترجح مصادر خبيرة، أن رد حزب الله سيكون بهذا المستوى الذي لا يحرج إسرائيل فيخرجها نحو حرب تفرضها ظروف غير محسوبة.

يبقى أن ما قاله نصرالله يتصل بإحراج إيراني من الاستهدافات التي تطول ميليشياتها في العراق، فالضربات المتكررة منذ أسابيع في العراق، وآخرها قبل يومين في الحدود السورية العراقية في البوكمال باستهداف موكب للحشد الشعبي أدى إلى سقوط قتلى، تدفع إيران إلى فعل شيء، حيث قال نصرالله إنه لن يسمح بنقل هذا المسار إلى لبنان، أي أن تتحول الضربات الإسرائيلية إلى أمر طبيعي كما يجري في العراق وسوريا، وبالتالي فإن رفع وتيرة التهديد وتكليفه للحكومة اللبنانية بمخاطبة الأميركيين للجم الإسرائيليين، ينطوي حسب بعض الخبراء على إعلان حزب الله استعداده لإنجاز تفاهم بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، يقوم على احترام القرارات الدولية لاسيما لجهة وقف الخروقات الإسرائيلية للقرارات الدولية المتصلة بلبنان.

ما يريده نصرالله هو حماية دور حزب الله ونفوذه في لبنان، وهذه الوظيفة التي تضمن لإسرائيل الاستقرار على حدودها، تتطلب في المقابل من الحكومة الإسرائيلية عدم الإخلال بشروط هذا التفاهم المستمر منذ عام 2000 وجرى تثبيته بعد حرب عام 2006. فانتفاضة نصرالله الكلامية في خطابه الأخير جاءت بعدما لمس تطورا في الموقف الإسرائيلي الذي يخلّ بتقاطع المصالح بين إسرائيل وحزب الله، معلنا قبل وصول مساعد وزير الخارجية الأميركي، ديفيد شنكر، مطلع الشهر المقبل إلى بيروت، تقبل حزب الله لدور أميركي يضمن أن لا يتحول لبنان إلى مركز لأهداف إسرائيلية.

 وشنكر كما هو معروف يشرف على ملف ترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان وإسرائيل، والزيارة المقررة ستكون اختبارا أميركيا لمدى جدية لبنان، أو بوصف أدق لمدى جدّية إيران في تسهيل عملية ترسيم الحدود، وبالتالي لمدى تقدم المبادرة الفرنسية بين واشنطن وطهران. لبنان سيبقى ساحة الاختبار الإقليمية والدولية لمدى استجابة طهران لشروط التفاوض الإقليمي مع واشنطن، ودائما تحت سقف المناوشات العسكرية التي لا يرغب نصرالله في خوضها، رغم إعلان قائد الحرس الثوري قبل أيام أن حزب الله وحده كفيل بهزيمة إسرائيل.

 

كاتب لبناني

 

 

مؤتمر لحلف الأقليات

في "بيروت الإيرانية"

علي الأمين

 

يتصل الإغراء الذي تقدمه طهران لتعزيز نفوذها عربيا في ظل الصراع الإقليمي والدولي على النفوذ في المنطقة العربية، بتقديم نفسها كطرف منافس لإسرائيل في بلورة مشروع حلف الأقليات على أرض الواقع. القيادة الإيرانية تراجعت عن شعار كان عنوان دخولها إلى دول العالم ولاسيما الدول العربية والإسلامية، هو مشروع الوحدة الإسلامية مقابل الوحدة العربية، والأمّة الإسلامية مقابل الليبرالية الغربية والاشتراكية، وكان من أبرز شعارات الاختراق الإيراني والأيديولوجي لدى الشعوب العربية والإسلامية “لا شرقية لا غربية جمهورية إسلامية”.

‏المصطلح الجديد الذي بات عنوان تعامل إيران مع المنطقة العربية، هو “دول غرب آسيا”، وهو مصطلح جغرافي ينطوي على تجاوز يمكن أن نفهمه من قبل إيران للهوية العربية والنظام الإقليمي العربي، باعتبار أنها بتجاوزها لهذه الحقيقة الحضارية للعالم العربي، تريد أن تكون شريكا في رسم نظام مصالح المنطقة وهي في صلب جغرافيتها، لكن ما ليس مفهوما هو الانقلاب الأيديولوجي من مفهوم العالم الإسلامي والنظام الإسلامي إلى مصطلح دول غرب آسيا، في توصيفها المستجد لجزء من المنطقة العربية الذي تعتبره مجالا لنفوذها وسيطرتها.

‏إيران التي ساهمت في ضرب المنظومة الإقليمية العربية، وعملت أيديولوجيا وثقافيا لتقويض مفهوم العروبة، استخدمت الهوية الإسلامية، ورسّخت في خطابها الثقافي إلى العرب مقولة التناقض بين العروبة والإسلام، وهو تناقض مفتعل روّج له سواها من الأيديولوجيات الإسلامية في العالم العربي التي تقاطعت معها على هذا المنهج. غير أنّ المفارقة هي أن الهوية القومية الإيرانية بقيت راسخة في مشروع الدولة الإسلامية الإيرانية، بحيث بدأ يتضح اليوم أكثر فأكثر أن الثابت في إيران هو الهوية القومية، التي تقوم الدولة ونظام مصالحها على أسس هذه الهوية، فيما يتحول الدين أو المذهب أو الأيديولوجيا الدينية، إلى أداة لحماية هذا المشروع القومي وليس العكس.

اللقاء المشرقي في بيروت لن يقتصر على ممثلين لأقليات مسيحية في سوريا والعراق والأردن ولبنان، بل سيطال بعض الجماعات الكردية والإيزيديين والشيعة والعلويين وغيرهم من الجماعات التي تندرج ضمن تعريف الأقليات

دلالات رسوخ الهوية القومية في المجتمع والتاريخ الإيراني، برزت من خلال التحول الذي شهدته إيران في العهد الصفوي، حيث أمكن للسلطة الصفوية قبل 500 عام، أي في بداية القرن السادس عشر، تحويل الهوّية المذهبية للشعب الإيراني من المذهب الحنفي إلى المذهب الشيعي الإثني عشري، وقد تم ذلك في فترة وجيزة وبقرار من السلطة الحاكمة.

‏هذا التغيير لم يكن لأسباب تتصل بأرجحية هذا المذهب الإسلامي أو ذاك لدى الصفويين، أو في الحد الأدنى لم يكن هذا السبب هو الأساس في تغيير المذهب، بل ثمة سبب آخر استراتيجي وسياسي دفع الدولة الصفوية إلى مثل هذا القرار، هو التنافس مع الشرعية الإسلامية الجديدة الصاعدة آنذاك، المتمثلة بالسلطنة العثمانية، التي كانت في أوج تمددها. التنافس العثماني الصفوي دفع الصفويين للبحث عن شرعية دينية للنفوذ، ذلك أن السلطنة العثمانية فرضت شرعية الخلافة الإسلامية في مطلع القرن 16، ولم يكن أمام الصفويين إلا البحث عن شرعية دينية مقابلة ومنافسة، فكان هذا التحول نحو المذهب الشيعي. وهو تحول يعزز من مقولة أن الثابت في إيران هو الهوية القومية، أما الدين أو الأيديولوجيا فهي متحرّكة وفي خدمة المشروع القومي في إيران والهوية الفارسية.

على هذا المنوال والمنهج يمكن فهم الأدوات الفكرية والدينية والأيديولوجية التي تستخدمها إيران لاختراق المجتمعات والدول، استخدمت الإسلام كوسيلة لاختراق المجتمعات الإسلامية ذات الغالبية السنية، وروّجت الأيديولوجيا الإسلامية، مستفيدة من هذا الشعار لتبرير تدخلها في كل الدول الإسلامية، وهذا ما كان عليه الحال لنحو ربع قرن من التغلغل الإيراني في المحيط العربي والإسلامي، بدأ منذ قيام النظام الإسلامي، ثم ما لبثت إيران ومع الاحتلال الأميركي للعراق، أن سخّرت الهوية الشيعية في سبيل ترسيخ نفوذها في العراق، فأنشأت ودعمت العشرات من المجموعات الميليشياوية الشيعية في هذا البلد، بل سيطرت إلى حدّ لا يستهان به على المؤسسات والمراكز المذهبية، وعملت على إدارة عملية بناء العديد من المراقد أو توسعتها في سياق تعزيز الهوية الشيعية على حساب الهوية الوطنية العراقية، والهوية العربية.

‏انفجار الثورة السورية عام 2011، كان الاختبار الأبرز للمشروع الإيراني، الذي استشعر خطرا من تحول السلطة في سوريا من حكم الأقلية العلوية إلى حكم الأكثرية السنية، الإسلام السياسي الذي طالما كان أساس الخطاب الإيراني للعرب السنة، انقلبت عليه طهران لا لشيء إلا لأنه يهدد الحكم العلوي حليفها في هذا البلد، وتحوّل الإسلاميون السنة في سوريا إلى إرهابيين في خطاب طهران، بل جيّشت طهران الشيعة من خلال خطاب مذهبي راح يحذّرهم من أن سقوط نظام الأسد هو تهديد لوجودهم، وإذا دقّقنا في رموز القوة الإيرانية الميليشياوية في الدفاع عن نظام الأسد، لوجدنا أن كل الميليشيات العراقية والأفغانية الباكستانية واللبنانية التي جنّدتها إيران للقتال في سوريا، كانت أسماؤها تمثل رموزا شيعية، لا سمة إسلامية جامعة لها؛ فاطميون، زينبيون، أبوالفضل العباس.

بعد المرحلة السورية الغارقة في وحول التفتّت من جهة، والصراع الإقليمي والدولي على النفوذ والسيطرة من جهة ثانية، تبدو إيران في موقع الشريك القوي الذي يحسن تنفيذ متطلبات مشروع الشرق الأوسط الجديد، من ضرب الهوية العربية وتفسخ الهوية الوطنية، كانت إيران تخاطب من خلالهما نظام المصالح الإسرائيلي والغربي على وجه العموم، وكانت في نفس الوقت تدرك أن انخراطها في هذا المشروع يتطلب أن تستخدم في خطابها لغة معادية للولايات المتحدة وإسرائيل، طالما أن الخطاب شيء وواقع التنفيذ شيء آخر، فلا ضير أن تعلن إيران عداءها اللفظي لإسرائيل، طالما هي تنفذ ما لم تستطعه إسرائيل التي في مواجهتها للعالم العربي، طالما كانت تشجع الأقليات الدينية والمذهبية لأن تعبّر عن خصوصيتها في مشاريع سياسية وعسكرية، في سبيل تفجير التناقضات الداخلية في المحيط العربي المعادي لها.

‏إيران تنافس إسرائيل على السيطرة على هذا المشروع، وتعمل على أن تكون الطرف الضامن لحلف الأقليات في المنطقة العربية دوليا، بعدما أمسكت إلى حدّ بعيد بالورقة الشيعية عربيا. اللقاء المشرقي في بيروت الذي يعد له الرئيس ميشال عون لن يقتصر على ممثلين لأقليات مسيحية في سوريا والعراق والأردن ولبنان، بل سيطال بعض الجماعات الكردية والإيزيديين والشيعة والعلويين وغيرهم من الجماعات التي تندرج ضمن تعريف الأقليات.

المصطلح الجديد الذي بات عنوان تعامل إيران مع المنطقة العربية، هو "دول غرب آسيا"، وهو مصطلح جغرافي ينطوي على تجاوز يمكن أن نفهمه من قبل إيران للهوية العربية والنظام الإقليمي العربي

إيران شريكة في هذا المؤتمر الذي سيعقد بعد أسابيع في بيروت، بل الأرجح أنها أحد أهم الداعمين لانعقاده، طالما أن الجهات المنظمة المعلنة، هي حليفة حزب الله، بل تواليه سياسيا.

هذا المؤتمر لا تكمن خطورته في اجتماع هذه المكونات الطائفية والعرقية والدينية التي تتلاقى في بيروت لتبحث شؤونا دينية أو طائفية، بل الخطورة أن انعقاده يأتي في سياق ترسيخ الهوية السياسية لهذه المكونات في ظل تراجع الهوية الوطنية وتصدّع النظام الإقليمي العربي والانتماء العربي.

إيران تتلقّف هذا المسار من خلال تشجيع المنظمين على عقده في لبنان، فالجميع يعلم أن إيران، من خلال حزب الله، قادرة على أن تمنع انعقاده إذا أرادت أو تحول دون مشاركة جهات قادمة من العراق وسوريا وإيران وغيرها.

حلف الأقليات كما يجري تحضيره في بيروت، هو أبرز ما تحتفي به إيران اليوم، وأكثر ما يثلج صدر إسرائيل، وأكثر ما يهدد الهويات الوطنية ويواجه الهوية العربية، ذلك أن المشترك بين هذه الجماعات المدعوة إلى “اللقاء المشرقي” هو تململها من أي توصيف عربي لانتمائها، وشعور بأن بلاء المنطقة هو من الأكثرية العربية والأكثرية الإسلامية، ويأتي هذا المؤتمر للقول إن ثمة هوية مشرقية تمتد من بيروت إلى طهران، هذه الهوية المسيحية مكون أساسي لها، كما الأقليات سواء كانت دينية أو مذهبية إسلامية.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

الفلسطينيون في لبنان:

أيتام على مائدة الممانعة

علي الامين

منذ أكثر من أسبوعين، يشهد لبنان سلسلة تحركات احتجاجية من قبل اللاجئين الفلسطينيين، ضد إجراء قامت به وزارة العمل اللبنانية، ينطوي على تنفيذ قانون إلزام اللاجئ الفلسطيني بالحصول على إجازة عمل. ورغم إعفاء الفلسطينيين من رسوم الإجازة إلا أنّ الاحتجاجات لم تزل مستمرة بدعم من قوى سياسية لبنانية، تطالب بوقف هذا الإجراء، ولعل أبرز ما أظهرته هذه الاحتجاجات أن التظاهرات الفلسطينية خرجت من أسوار المخيمات وانتقلت إلى خارجها ولاسيما مدينة صيدا.

لا أحد من اللبنانيين يشكك بالأوضاع الاجتماعية البائسة داخل المخيمات الفلسطينية، كما أن تنظيم العلاقة اللبنانية الفلسطينية هو حاجة لبنانية كما هو مطلب فلسطيني، خاصة وأن هذه العلاقة ظلت ولا تزال رهينة الحسابات الإقليمية؛ السورية في زمن الوصاية السورية سابقا والإيرانية اليوم، رغم الخطوات المهمة التي تم إنجازها خاصة على صعيد تشكيل لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني بعد الانسحاب السوري من لبنان عام 2005. على أهمية هذه الخطوة المؤسساتية على هذا الصعيد، ما لبثت الوقائع السياسية، أن كشفت أن القرار اللبناني والقرار الفلسطيني في لبنان، هما خارج هذه اللجنة وفي مكان آخر، وتحديدا في جعبة المسيطر، أي إيران وتحت إدارة حزب الله.

في هذا السياق وفي مشهد يحفزُ على القراءة السياسية، استقبل قبل يومين، مسؤول الملف الفلسطيني في حزب الله النائب السابق حسن حب الله، وفد الفصائل الفلسطينية في لبنان وعددا من المنظمات والمجموعات الإسلامية الناشطة في مخيم عين الحلوة، مثل “عصبة الأنصار” و”الحركة الإسلامية المجاهدة”، للبحث في ملفات عدة منها قرار وزير العمل. والأهم في اللقاء، هو أن المجتمعين أشادوا بمواقف حزب الله، وأثنوا على دوره في مواجهة “المشروع الأميركي الصهيوني” فضلا عن موقفه المعارض لإجراءات وزارة العمل اللبنانية.

هذا اللقاء ممنوع على مؤسسات الدولة أن تديره، بمعنى أن الملف الفلسطيني يجب أن يبقى خارج دائرة العلاقات الرسمية بين الدولة اللبنانية والسلطة الوطنية الفلسطينية. وإلاّ ما معنى أن تفشل هيئة الحوار التي طلبت الاجتماع مع هذه الفصائل، فرفضت الأخيرة التجاوب بحجة “وجود وزير العمل في اللقاء”. السؤال الذي يطرح، هل تستطيع هذه الفصائل بما فيها حركة فتح، رفض دعوة حزب الله للقاء؟ بالتأكيد لا تجرؤ، ولم تفعل ذلك وما فعلته، لكنها تملك الجرأة على عدم التجاوب مع مؤسسة رسمية معنية وطالما كانت هيئة الحوار اللبناني الفلسطيني، متهمة من بعض المسؤولين بأنها منحازة للاجئين الفلسطينيين في لبنان.

الكثير من المراقبين واللبنانيين عموما، أثارت انتباههم الاحتجاجات التي شهدتها شوارع مدينة صيدا وبعض المناطق الأخرى قبل أسبوع، لا رفضا أو قبولا لمبدأ حق الاحتجاج الفلسطيني تجاه أي قضية تعنيهم، بل لسبب آخر هو السماح الأمني غير المسبوق للفلسطينيين بالاحتجاج خارج المخيمات، وهذا لا يمكن أن يتم دون غطاء سياسي يقرره حزب الله بالدرجة الأولى، ولاسيما أن الفلسطينيين داخل المخيمات، وخاصة المنظمات التي تخضع لسلطة الرئيس محمود عباس أو المعارضة له، خاضعة إلى حدّ كبير لتوجهات حزب الله في ما يتصل حتى بإدارة أوضاع المخيمات الأمنية والسياسية، فممنوع على الفلسطينيين إنهاء حالات التسيب الأمني داخل المخيمات، ولا التوصل إلى صيغة موحدة ومرجعية فلسطينية واحدة تكون مسؤولة أمام الفلسطينيين وأمام الدولة اللبنانية.

هذا المسار من إدارة “الورقة الفلسطينية” والقائم على استراتيجية إبقاء المخيمات الفلسطينية منصة لتوجيه الرسائل الأمنية، كانت منهجية سورية اعتمدت طيلة المرحلة الممتدة من عام 1985 مع بدء حرب المخيمات إلى عام 2005، تاريخ خروج الجيش السوري من لبنان، حيث ورث حزب الله هذه المنهجية، وصار المرجعية الفعلية لتوازن القوى داخل المخيمات، وضابط الإيقاع الفلسطيني في لبنان.

ما يعزز هذه الحقيقة أن مختلف المنظمات الفلسطينية تتفق على العلاقة الجيدة مع حزب الله، وتتصارع في ما بينها وتقف في وجه الدولة إذا أراد حزب الله ذلك. لذا أن ترفض الفصائل الفلسطينية لقاء وزير العمل، ليس بطولة ذاتية بل استجابة لتعليمات “إلهية”، ولعل المشهد الذي كان فيه المحتجون الفلسطينيون يرفعون فيه أعلام حزب الله هو الأكثر تعبيرا عن الانسحاق الفلسطيني أمام رغبات حزب الله، وهو تشويه للهوية الفلسطينية حيث باتت الفصائل الفلسطينية تلوذ بعلم حزب الله ولا تجد في العلم الفلسطيني ما يغري على رفعه.

المدخل المهم لفهم هذه العلاقة يتصل بقضية محورية عنوانها السلاح داخل المخيمات. لقد ثبت من خلال الوقائع منذ أكثر من ربع قرن، أن الوظيفة الأهم للسلاح الفلسطيني في لبنان هي الاقتتال الفلسطيني، بعدما منع على الفلسطيني ولاسيما من قبل محور الممانعة، أي نشاط عسكري ضد إسرائيل، فالمقاومة هي عنوان للعبة المزايدات الداخلية ولتسجيل المواقف ولتأبيد البؤس في المخيمات الفلسطينية، كوسيلة من وسائل الابتزاز السياسي الداخلي اللبناني والإقليمي من جهة، ولإبقاء المخيمات مصدر تفجير ومنصة رسائل في اتجاه الخارج حين تقتضي الحاجة.

كانت السلطة الفلسطينية قد عرضت رسميا على الحكومة اللبنانية قبل عشر سنوات، وجددت الطلب قبل عامين، تنظيم مسألة السلاح الفلسطيني في لبنان، وأبدى أبومازن نفسه استعداد الجانب الفلسطيني لتسليم السلاح إلى الدولة اللبنانية، لكن المفارقة أن الرفض الفعلي كان لبنانيا، وتحديدا من قبل حزب الله كما أكدت ذلك مصادر رسمية فلسطينية، وليس من غاية وراء هذا الموقف كما تشير المصادر نفسها، سوى إبقاء الملف الفلسطيني رهن الاشتعال الأمني، وغبّ طلب الاستغلال السياسي من قبل الطرف المتحكم بالقرار اللبناني.

المأساة الفلسطينية في خضم الاحتجاجات الأخيرة، هو مشهد القتل المجاني في مخيم عين الحلوة، حيث أدت معارك شهدها المخيم قبل يومين إلى سقوط قتلى، فيما لا يزال السلاح يتدفق إلى المخيمات، علما أن المخيم أشبه بسجن مسور يخضع لحراسة مشددة من قبل القوى الأمنية والعسكرية الرسمية اللبنانية.

المأساة الفلسطينية التي يعبر عنها حال الفصائل الفلسطينية اليوم، أنها تحولت إلى مجرد دمى تحركها “الممانعة” وتخضع لتعليماتها، فيما الحقوق الفلسطينية من لبنان والحقوق اللبنانية على اللاجئين، عناوين محرّمة على المعالجة أو البحث الجدي. المأساة الفلسطينية في لبنان ليست في الحقوق المنتهكة، بل تتمثل في غياب القيادة الفلسطينية في لبنان، والتي جعلت الفلسطينيين كما اللبنانيين كالأيتام على مائدة اللئام، الذين يبحثون دوما عن مشتر جديد للبؤس الفلسطيني.

كاتب لبناني

 

 

التعطيل الحكومي في لبنان

مقدمة لترسيخ "حلف الأقليات"

علي الامين

 

دخل لبنان ولا يزال في مرحلة من التعطيل، وقد طالت مجلس الوزراء الذي لم ينعقد منذ “حادثة البساتين” في 30 يونيو الماضي، وكما بات معروفا، فإن تلك الحادثة نتجت عن تصادم بين موكب الوزير صالح الغريب وبين بعض من أهالي بلدة قبرشمول، ما أدّى إلى إطلاق نار سقط نتيجته قتيلان من مرافقي الوزير الغريب وعدد من الجرحى من الأهالي.

الوزير الغريب الذي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي اللبناني الذي يرأسه طلال أرسلان، كان أيضا عنوان الأزمة التي نشأت خلال تشكيل الحكومة، بسبب الخلاف على ضمه للحكومة، وكان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط قد اعترض على توزيره، في حين أن حزب الله وقف وراء قرار توزيره، علما أن الوزير الغريب يحظى أيضا بدعم رئيس الجمهورية الذي سماه، فلم يكن من جنبلاط إلا أن عاد وقدم تنازله على طبق من فضة لرئيس الجمهورية، وقبل بتوزير الغريب.

الخلاف الذي نشأ بعد هذه الحادثة، هو على إحالتها إلى المجلس العدلي، بين رفض جنبلاط هذه الإحالة وإصرار الوزير السابق طلال أرسلان على إحالتها.

المجلس العدلي هو هيئة قضائية تختصّ بالقضايا التي تمس الأمن الوطني، وتلك الجرائم السياسية، وهي هيئة تتخذ أحكامها، صفة الأحكام المبرمة، التي لا تقبل أي مراجعة أو طعن، كما بقية المحاكم في لبنان.

ويتطلب اعتماد هذه المحكمة في أيّ قضية جريمة، قرارا من مجلس الوزراء. لذا فإن عدم انعقاد جلسات مجلس الوزراء مرتبط بالانقسام حول هذه القضية بين عدة اتجاهات:

أولا، يدعو إلى إحالتها إلى المجلس العدلي، ويتبنى فريق يقوده حزب الله ومن ضمنه رئيس الجمهورية والوزير السابق سليمان فرنجية بالإضافة إلى أرسلان هذا الاتجاه.

وثانيا، يعارض هذه الإحالة بشكل واضح، رئيس الحكومة سعد الحريري، وسمير جعجع بالإضافة إلى جنبلاط، فيما الرئيس بري لم يعلن موقفا حاسما في هذا الشأن على رغم العلاقة التاريخية التي تربطه بجنبلاط، والتي تدفع البعض إلى ترجيح موقف الرفض لضم الحادثة إلى المجلس العدلي، لكن يبقى الرئيس بري رهن حسابات حزب الله، وقد أظهر نصرالله في خلاصة خطابه الأخير تشبثه بموقف إحالة القضية المذكورة إلى المجلس العدلي.

موقف نصرالله، كشف عن أن مسار الخروج من هذه الأزمة، لا يتم إلا من خلال البتّ في هذه القضية في مجلس الوزراء، ما يعني الإحالة إلى المجلس العدلي، لأن الجميع يعلم أن الحزب هو صاحب القرار في الحكومة ويتحكم بنحو ثلثي الأصوات فيها. لكن السؤال الذي يُطرح: ما هي حجة الرافضين للمجلس العدلي؟

هناك عدة أسباب تجعل من الرفض أمرا له ما يبرره:

أولا، أن الإحالة إلى المجلس العدلي تتطلب إجراء تحقيقات أولية يخلص من خلالها المحققون إلى تقديم رواية ما جرى وبناء عليه يتم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء، وهذا لم يحصل بسبب الإصرار من قبل فريق الممانعة على إحالتها مباشرة إلى المجلس العدلي.

ثانيا، ترافقت مع هذه الحادثة وسبقتها، عملية تضييق الخناق السياسي على وليد جنبلاط، من قبل حزب الله والتيار الوطني الحر، ما جعل جنبلاط ينظر إلى المجلس العدلي باعتباره الهيئة القضائية التي ستقوم بإكمال مهمة خنق جنبلاط سياسيا، ولاسيما أن أحكام هذه الهيئة أحكام مبرمة لا تقبل الاستئناف وأيّ شكل من أشكال المراجعة والطعن.

ثالثا، قبل جنبلاط باقتراح ضم هذه الحادثة مع حادثة سبقتها وحصلت قبل عام وأدت إلى مقتل أحد محازبيه في الشويفات من قبل شخص معروف وتابع للحزب الديمقراطي نفسه، ومن المعروف أن المتهم بجريمة الشويفات تم تهريبه من لبنان إلى سوريا. هذا الاقتراح رفضه أرسلان وحلفاؤه.

إزاء هذه التعقيدات والإصرار على جرّ جنبلاط إلى المجلس العدلي، وعلى الرغم من التداعيات التي يحملها هذا الإصرار، ولاسيما أن العدالة يمكن أن تتحقق من باب محاكم أخرى، فإن المخاوف تبقى في محلها ولاسيما لجهة الإصرار على إحكام القبضة على لبنان وإلغاء ما تبقى من هوامش للموقف السياسي، التي يمثل جنبلاط الحصن والحامي لها إلى حدّ بعيد، ولاسيما بعدما انصاعت معظم القوى التي خاصمت حزب الله، في ما يسمى التسوية الرئاسية.

عنوانان يحذر منهما جنبلاط، ويعتبرهما مصدر الأزمة التي تتجاوز “حادثة البساتين” الأول، هو في سعي حزب الله إلى ترسيخ مفهوم حلف الأقليات في الدائرة اللبنانية كنموذج للاحتذاء في المنطقة، لذا فإن رفض جنبلاط هذا المشروع ومواجهته، هو ما يزعج حزب الله.

والعنوان الثاني، هو تدمير منهجي لاتفاق الطائف الذي يشكل العائق أمام سيطرة دستورية وشرعية لحزب الله على لبنان، وهذا يتلاقى مع مشروع رئيس الجمهورية، الذي يسعى مع فريقه إلى فرض أعراف دستورية جديدة، جوهرها يقوم على إنهاء اتفاق الطائف، من زاوية شعار استعادة صلاحيات رئيس الجمهورية.

هذا المسار الذي يشكل سلاح حزب الله أحد وسائل عمله، وقوة الدفع لتحقيقه، هو الذي يتقدم على ما عداه، من تحديات تواجه لبنان اليوم، فبحسب مصادر في تيار المستقبل، إن لبنان أمام مفترق خطير، فإما أن يسرع الخطى من أجل لجم الانهيار المالي، من خلال التفاعل مع الاستحقاقات التي أقرها مؤتمر سيدر، وإما أنه يدخل في المجهول، لذا يضيف المصدر، أن تعامل المسؤولين مع هذه القضية وكأنها غير ملحة، تثير المخاوف من أن يكون لبنان أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء النظام على قواعد وأسس جديدة، بقوة الحرب.

بهذا المعنى يلاقي وزير التربية أكرم شهيب، وهو من القيادات التاريخية في الحزب الاشتراكي، الذي قال لـ”العرب” إن خطر الحرب الأهلية فعلي في لبنان، طالما أن هناك إصرارا على اعتماد أسلوب ومنهج يضرب التوازنات السياسية، ويتمادى في إدارة الظهر للمشكلات التي باتت تهدد وجود لبنان العربي.

وفي هذا السياق، برز أخيرا التهديد الإسرائيلي إلى لبنان من خلال اتهام لبنان بالسماح باستخدام مرافئه، ولاسيما مرفأ بيروت والمطار، لإدخال سلاح لحزب الله، وهذا ما حرص نصرالله على نفيه في خطابه الأخير، علما أن هذه الإشارة الإسرائيلية تعكس حال من وضع لبنان أكثر فأكثر في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، في وقت بات فيه لبنان شبه أعزل من صداقات عربية ودولية، كانت تعينه في كل عدوان يتعرض له، وهذا اليوم يبدو مفتقدا.

وما يثير المخاوف من تحوّل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية، هو محاولة استثمار الاحتجاجات الفلسطينية الأخيرة المستمرة في لبنان اليوم رفضا لإجراءات تضييق على العمالة الفلسطينية، وكان لافتا أن هذه التحركات الفلسطينية كانت تحتمي معظمها برفع رايات حزب الله، وهي دلالة واضحة على أن حزب الله يستطيع أن يستخدم هذا الوجود -فيما لو أراد ذلك- في مواجهة داخلية أو حتى خارجية.

وترافقت هذه التحركات مع اتفاقيات عقدتها حركة حماس قبل أيام مع القيادة الإيرانية، وهي اتفاقيات تندرج في سياق الاستحواذ على الورقة الفلسطينية، وانتزاعها بالكامل من الإطار العربي، ومن المتوقع أن تنشط حركة حماس على خط التعبير عن الموقف الفلسطيني من خلال تنسيق أعلى مع طهران لن يكون منحصرا في غزة فحسب بل في الأردن وسوريا ولبنان أيضا.

 

كاتب لبناني

 

الادعاء القضائي على نواف

الموسوي يفتح باب الصراعات

داخل حزب الله

علي الامين

 

لم تنته ذيول إقالة النائب في حزب الله نواف الموسوي من البرلمان، كما تروج مصادر حزب الله وتسرب للإعلام، أو استقالته كما يصرّ هو في حديثه لأكثر من وسيلة إعلامية.

النائب الموسوي هو عضو في البرلمان اللبناني منذ العام 2009. وكان ضمن مرشحي حزب الله في انتخابات عام 2008 في دائرة الجنوب الأولى (صور) وقد تنقل في مواقع حزبية عدة، منذ أن انتسب إلى الحزب في بدايات التأسيس في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، واتسمت مهماته الحزبية بالطابع الثقافي والإعلامي ثم تولى موقعا شبه ثابت في المجلس السياسي للحزب، وكان يعتبر من المسؤولين الذين يغلب على خطابهم الطابع الأيديولوجي المتشدد.

لم يصدر عن حزب الله بعد مرور عدة أيام على إعلان الموسوي استقالته من مجلس النواب، في رسالة كشف عنها قبل أن يعلنها رئيس المجلس نبيه بري أمام النواب لتصبح نافذة. فمجرد أن أعلن بري عن الاستقالة، أدرك الجميع أن حزب الله موافق على الاستقالة على الأقل، إن لم يكن هو من دفع الموسوي إلى تقديمها، ذلك أن الرئيس بري ما كان ليعلنها لو أن لدى حليفه حزب الله رأيا آخر.

رغم ذلك لم يعلق حزب الله على الاستقالة، ولم تذكر محطة المنار التابعة له أي خبر يرتبط بها، وتعاملت ولا تزال وكأن شيئا لم يكن، على الرغم من أنها شكلت الحدث الأبرز خلال الأسبوع الماضي في معظم المحطات اللبنانية على اختلافها.

استقالة الموسوي، تبقى هي الخبر الصحيح، طالما أن حزب الله لم يصدر عنه أي موقف رسمي علني بشأنها بعد مرور خمسة أيام على إعلانها، وهي كما بات معروفا جرت على إثر نزاع اسري بين الموسوي وطليق ابنته، اقتحم على إثره الموسوي مع مرافقيه أحد مراكز الشرطة، بسبب احتجاز ابنته وطليقها إثر مشادة وقعت بينهما على إحدى الطرقات العامة، وكان الموسوي الذي استفزه تعرض ابنته لاعتداء من طليقها، عمد إلى محاولة إخراج ابنته من الحجز، وأطلق النار تهويلا على طليقها في مركز الشرطة، كما ورد في تقرير أمني رسمي.

كل المعلومات تشير إلى أن المحنة العائلية هذه ليست جديدة، وأن كثيرا من القريبين من الحزبيين وغيرهم يعرفون أن هذه القضية ليست جديدة وإنما تعود إلى فترة زمنية تمتد لأشهر، لكن السؤال الذي يطرح هو كيف أن حزب الله لم يعمل على معالجتها؟ خصوصا وأن والد طليق زوجة الموسوي (الشيخ محمد توفيق المقداد) هو في حزب الله، ويتولى منصب مدير مكتب وكيل ولي الفقيه علي خامنئي الشرعي في بيروت، والمفارقة أن من وظائف هذا المكتب الرئيسة، هي معالجة مثل هذه القضايا المتصلة بالزواج والطلاق والعائلة.

ويستتبع ذلك سؤال آخر، فحزب الله الذي يتسم بطابع أمني، ويفرض على محازبيه ضوابط حزبية ودينية ملزمة باسم ولاية الفقيه، هل كان عاجزا عن معالجة قضية طرفاها من محازبيه أم أنه تقصد إدارة الظهر لها؟

في كلا الحالين ثمة ما يدفع بالأسئلة إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو المكان الذي بات فيه الحديث عن مراكز قوى داخل الحزب وتصفية حسابات داخلية هو أمر بدأ بالظهور، وما يعزز هذه الفرضية، أن الموسوي الذي أعلن استقالته من البرلمان، أكد على بقائه في صفوف حزب الله، وبالتالي ما معنى أن يجري الادعاء في المحكمة العسكرية اللبنانية على الموسوي بجرم إطلاق النار في مركز الشرطة، في الوقت الذي كان يمكن لحزب الله -لو أراد- أن يعمد إلى معاقبة الموسوي، ومنع الادعاء عليه رسميا، خصوصا وأن هذه المحكمة العسكرية، يعرف الجميع دالة حزب الله عليها وعلى العديد من أحكامها. لذا فإن الادعاء في الحدّ الأدنى مغطى من حزب الله إن لم يكن هو من أمر به ونفذته المحكمة.

في موازاة ذلك إذا كان حزب الله عاجزا عن معالجة مثل هذه القضية بين طرفين يعلنان التزامهما بقيادة ولاية الفقيه، بل يبشران بها ويدعوان لها، فهذا ما يجعل الاعتقاد بأن ثمة ما يتجاوز قدرته حتى على إلزام محازبيه، بما يعتبره حكما إلهيا في أي موقف يتخذه في أي شأن، فكيف لو كان الشأن بين ملتزمين بشروط الانتساب إليه؟

لا شك أن الصراعات داخل الأحزاب طبيعية ومشروعة بتلك التي تنتمي إلى مرجعيات فكرية ليبرالية أو ديمقراطية، أما في النماذج الحزبية ذات الطابع الأيديولوجي والديني، ومنها حزب الله الذي يمكن أن نضيف إليه الطابع الأمني والعسكري، فإن الخلاف أو الصراع، هو من الكفر الحزبي، لذا فإن أي حديث عن وجود صراع حول منهج أو فكرة أو قرار ما، هو قول فيه انتقاص وتشويه ومؤامرة، بحسب أدبيات حزب الله وتربيته.

من هنا فإن ما جرى على الرغم من السمة العائلية كما هو ظاهر، فإن حزب الله عبر بطريقة تعامله المتسمة بالصمت وعدم التعليق علنا، عن أمر جلل قد وقع، ليس في أصل المشكلة التي هي واحدة من عشرات، بل في كونها تسربت للإعلام وشاعت بين اللبنانيين.

في انتظار كيف سيتعامل حزب الله مع قضية الموسوي بشكل رسمي وعلني، فإن ذلك لن يخفي ما آلت إليه هذه البنية الأيديولوجية والأمنية، التي انخرطت إلى حدّ كبير في الحياة اللبنانية من موقع أنها “أشرف الناس” وهو الشعار الذي رفعه حزب الله بعد حرب تموز 2006 وجعل منه وسيلة “أخلاقية” لتبرير سلطته ونفوذه وسطوته في السياسة والأمن، وجعل المنتمين إليه في موقع خارج المحاسبة والمساءلة، وهي مقولة تشكل عنوانا فظّا للفرقة الناجية، والتي فتحت الباب واسعا على تنمية شعور الاستعلاء وتحويله إلى ثقافة مجتمعية راسخة في الحزب وبيئته، وأدى ذلك إلى أن يجعل من مجرد الانتساب إلى هذه البيئة أو التحزب لها، معبرا لدخول الجنة في السماء، ووسيلة من وسائل الاستقواء والخروج الشرعي والمبرر على الدولة والقانون.

كانت الموارد المالية والعطاءات التي يوفرها حزب الله مباشرة لمناصريه أو التي يوفرها بشكل غير مباشر من خلال الانتماء إلى خط الحزب باعتباره سلطة تحصن من الملاحقة والمحاسبة، كل هذه الموارد تراجعت، والدولة اللبنانية تراجعت قدراتها المالية أيضا، هذا ما ساهم بكشف الواقع، والسلطة التي صارت بيد حزب الله هي أقصى أحلام الذين ساروا في ركبه بلا أسئلة، لكن الجواب اليوم، أن الواقع غير الأحلام، وأن “أشرف الناس” كبقية الناس، يحبون السلطة ويتنازعون من أجل المال، ويحبون لنفسهم أكثر مما يحبون لغيرهم، لا بل باتت تلك الأماكن التي يسيطر حزب الله عليها منذ عقود، وينشر فيها مراكزه ومساجد وحسينيات، هي من أكثر المناطق التي تشهد تجاوزات للقانون، وتنتشر فيها المخدرات، وتراجع فيها أعداد الذين يلتزمون دينيا، والمساجد تكاد تكون شبه خاوية، إلا بأمر حزبي.

استقالة الموسوي من البرلمان، مهما بلغت الخصوصية فيها، إلا أن في نتائجها السياسية والحزبية ودلالاتها الاجتماعية، ما يعبر عن وجه من وجوه أزمة اجتماعية. لطالما ظن حزب الله أن التعتيم وادعاء النقاء والطهارة وسيلة جيدة من وسائل المعالجة، لكن ما هو واقع اليوم، أن تفاقم المشكلات وتعاظمها، أخلاقيا واجتماعيا، فضلا عن تراجع مريع لنموذجية عناصر حزب الله الأخلاقية لدى الجمهور، جعل من المسؤولية الحزبية مصدرا من مصادر توفير المنافع والسلطة لا الزهد والإيثار.

هذا واقع لا يعني أن حزب الله في وضع يفتقد فيه إلى السلطة والنفوذ، بل العكس هو الصحيح، هو ممسك بزمام السلطة لكنه يقف على أرض تهتز من تحته اجتماعيا واقتصاديا.

 

كاتب لبناني

 

العقوبات الأميركية

تفضح الدولة اللبنانية:

أوهن من بيت العنكبوت

علي الامين

 

في إطلالته التلفزيونية الأخيرة، لم يطلق الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أيّ موقف يوازي في أهميته قرار وزارة الخزانة الأميركية إدراج رئيس كتلة حزب الله النيابية محمد رعد،  ونائب بيروت أمين شرّي، بالإضافة إلى رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا، على لائحة العقوبات الأميركية، وحمل الدولة اللبنانية التي يمسك بمفاصل السلطة فيها مسؤولية الرد على هذه “الإهانة” للشعب اللبناني كما وصفها نائب حزب الله علي فياض. مرد التوقف عند ردة فعل حزب الله على العقوبات، وتحديدا الدفعة الأخيرة، يرتبط بالرسالة التي تنطوي عليها طبيعة اختيار هؤلاء.

بداية أشارت “الخزانة الأميركية” في تبرير قرارها، بتقديم مطالعة سياسية قانونية، تزعم من خلالها أن القرار الأميركي ينطلق من مبدأ حماية الدولة اللبنانية من سياسات حزب الله التي لا تراعي مصالح الشعب اللبناني ولا مؤسسات الدولة.

الخزانة الأميركية حددت جملة اتهامات أدرجتها كوقائع تتطلب إصدار مثل هذا القرار الذي لم يشر في أي بند من بنوده إلى أن هؤلاء يستهدفون مصالح واشنطن أو يشكلون تهديدا لأمنها، بل دائما كانت خلفية القرار تنطلق من مصالح لبنان وشعبه، حسب قول الأميركيين.

إثر صدور القرار الأخير، كان نصرالله، كما غيره من قيادات حزب الله، يلوذ بالدولة والحكومة للرد على واشنطن، وهو موقف يعكس الإرباك الذي يعيشه الحزب على أكثر من مستوى

خلاصة الاتهامات التي بنت عليها واشنطن قرارها، تتصل بثلاث جرائم محورية تزعم أنها ارتكبت من قبل المسؤولين الثلاثة وهي:

1- تهديد مصرفيين لبنانيين ومن بينهم عاملون في مصرف لبنان المركزي، بسبب التزامهم بقوانين العقوبات المالية التي صدرت ضد حزب الله.

2- استغلال سلطة حزب الله لاستخدام المرافئ والمعابر الحدودية من أجل تنظيم عمليات تهريب غير قانونية تؤثر على الاقتصاد اللبناني.

3- اعتماد سياسات تعطي الأولوية لنشاطات خارجية على حساب المصلحة الوطنية واللبنانية.

هذه جوهر الاتهامات الأميركية للمسؤولين الثلاثة في حزب الله. ومهما يكن فإن الإجراء الأميركي اختار ثلاثة مسؤولين في الحزب يجمع في ما بينهم أنهم من الفريق الأكثر انخراطا في المساحة اللبنانية، ليست لهؤلاء أنشطة خارجية ولا حتى عسكرية أو أمنية بالمعنى المتصل بنشاط خارجي، بل هم أقرب إلى الحلقات التي تتصل وتتشابك مع مؤسسات الدولة أو تطوّقها وتخضعها.

فالنائب محمد رعد، إلى جانب كونه رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، فهو نائب في البرلمان اللبناني منذ عام 1992 وهو النائب الوحيد في حزب الله المستمر في موقعه النيابي طيلة هذه المدة، ورغم أنه عضو في مجلس الشورى الذي يشكل نظريا مركز القيادة في حزب الله، إلا أن رعد ليست له سمة عسكرية أو أمنية، ولا يعتبر من أعمدة القرار في حزب الله الذي يتركز في الجهاز الأمني والعسكري وفي الأمانة العامة، وهما اللذان يشكلان حلقة الاتصال بالمرجعية القيادية في إيران.

وظيفة النائب رعد تتركز في البعد السياسي والنيابي اللبناني، حيث يتولى ملف العلاقة بالبرلمان والحكومة، ولعل هذه المواصفات في ظل الإطباق الذي يمارسه حزب الله على الدولة اللبنانية، والذي انتقل به إلى التسلل والنفاذ إلى مفاصل الدولة، تجعل من رعد مرشحا موضوعيا لرئاسة مجلس النواب كخليفة طبيعية للرئيس نبيه بري الذي جاوز عمره الواحد والثمانين عاما، فيما رعد لا يتجاوز عمره اثنين وستين عاما.

القرار الأميركي بهذا المعنى يوجه رسالة قوية لحزب الله مفادها أنه لن يسمح بهذا التسلل إلى مفاصل الدولة، ويضع فيتو على أي محاولة جدية للتقدم خطوة إضافية في سلم المؤسسات اللبنانية ولاسيما مجلس النواب.

أما النائب أمين شري وهو الثاني على لائحة العقوبات الأخيرة، فهو نائب حزب الله في العاصمة بيروت، وهو إلى جانب توليه هذا المقعد النيابي المهم بالنسبة لحزب الله، يمثل حلقة وصل فاعلة مع مؤسسات محورية كبلدية بيروت التي كان عضوا فيها، وبسبب سمته الاقتصادية والتجارية شكل عنصرا فاعلا في تطويع مؤسسات اقتصادية وحتى مصرفية لتوفير الخدمات للحزب. كما أنه يعتبر من الذين يديرون بعض استثمارات حزب الله مباشرة ومن خلال علاقات متينة بناها في العاصمة مع مراكز مالية واقتصادية. وهو الذي اتهم في ثنايا القرار الأميركي بتهديد مصرفيين. ويذكر أن تفجيرا استهدف أحد المصارف اللبنانية الكبرى قبل نحو عامين، إثر رفض هذا المصرف التجاوب مع مطالب لمودعين طالتهم العقوبات الأميركية، وذهبت التحليلات حينها باتجاه مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة لحزب الله عن هذا التفجير.

وفيق صفا مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق، هو الشخصية الأكثر إثارة بين الشخصيات المدرجة على لائحة العقوبات الأميركية. حيث يمكن وصفه بالواجهة الأمنية السياسية التنفيذية لحزب الله، ونافذة الحزب على تقاسم المغانم والصفقات في الدولة اللبنانية، وهو إضافة إلى وظيفته هذه، مكلف بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الرسمية والجيش اللبناني وله دالة على السلطة القضائية، وهذه المهمة المستندة إلى نفوذ حزب الله الأمني والعسكري، جعلته في موقع متقدم في النفوذ، وطالته شبهات عدة تتصل بعمليات غير قانونية على مستوى تهريب البضائع من المعابر المرافئ وغيرها من الشبهات، لكن يبقى أن صفا يمثل حزب الله، وعنصر قوته ونفوذه يتأتيان من هذا التمثيل.

والاستهداف الأميركي له، كما رعد وشري، هو تصويب على أدوات سيطرة حزب الله ونفوذه على المؤسسات الرسمية بما فيها الأمنية والعسكرية، وصفا في مقدمة هذه الماكينة المؤثرة والفاعلة.

أشارت "الخزانة الأميركية" في تبرير قرارها، بتقديم مطالعة سياسية قانونية، تزعم من خلالها أن القرار الأميركي ينطلق من مبدأ حماية الدولة اللبنانية من سياسات حزب الله التي لا تراعي مصالح الشعب اللبناني ولا مؤسسات الدولة

خلاصة القرار الأميركي أن الإدارة الأميركية تسير في خط يتجه نحو مزيد من التضييق على حزب الله ماليا، الذي انتقل نحو فصل جديد، يقترب أكثر فأكثر من الدولة اللبنانية. فالقرار الأميركي الأخير من جهة، كان شديد الوضوح بتحذير الحكومة اللبنانية من التعامل مع حزب الله، ومن جهة ثانية دعا الدول الأوروبية إلى عدم التمييز بين جناحين في حزب الله، سياسي وعسكري، وإلى اعتباره منظمة واحدة يجب التعامل معها كمنظمة إرهابية.

الرسالة التي ينطوي عليها القرار، أنه يمهد لقرار آخر طالما جرى ذكره في الأشهر الماضية، وهو إدراج أسماء مسؤولين لبنانيين قريبين من حزب الله على لائحة العقوبات الأميركية. لذا وإثر صدور القرار الأخير، كان نصرالله، كما غيره من قيادات حزب الله، يلوذ بالدولة والحكومة للرد على واشنطن، وهو موقف يعكس الإرباك الذي يعيشه الحزب على أكثر من مستوى بحيث أن يد الحزب باتت قصيرة وقاصرة. قصيرة في نفوذها خارج الحدود سواء في سوريا أو ضد إسرائيل، وقاصرة عن أن تلبي مطالب معيشية ملحة في بيئتها الحاضنة كما كان الحال قبل سنوات. يد حزب الله الطولى باتت مقتصرة على الدولة اللبنانية التي باتت أوهن من بيت العنكبوت بعدما أفرغت بفعل تعطيل مؤسساتها، وخواء خزينتها، وتسيب حدودها.

كاتب لبناني

 

وليد جنبلاط

ينتظر على ضفة النهر

علي الامين

 

في النظام السياسي اللبناني ثمة حقيقة تاريخية مفادها أن الثنائية المسيحية الدرزية هي النواة الأولى المؤسسة لدولة لبنان الكبير عام 1920، فنظام المتصرفية الذي قام في جبل لبنان عام 1860 كان يرتكز على هذه الثنائية التي تطورت بعد ستين عاما إلى دولة لبنان مع بدء الانتداب الفرنسي، الذي ضم إلى جبل لبنان مناطق جديدة، هي البقاع والشمال والجنوب فضلا عن بيروت، وهي مناطق كان المسلمون، سنة وشيعة، يشكلون غالبية السكان فيها.

منذ قيام الدولة، ظلّ لبنان محكوما بخصوصية شكلت أساس النظام وعنصر قوته، وهي الخصوصية الطائفية التي جرى تغليفها، أو محاولة الخروج منها، بمفهوم العيش المشترك، كمدخل لدولة المواطنة، وسبيلا للخروج من الصيغة الطائفية للحكم نحو إلغائها، ذلك أن الطائفية في الدستور اللبناني هي مادة أُدرجت تحت عنوان المؤقت في دستور 1926 ودستور الاستقلال عام 1946، لكنها ظلت حتى يومنا هذا الثابت الأقوى في الممارسة السياسية.

جاء اتفاق الطائف عام 1989 بعد الحرب، ليعيد التوازن بين المكونات الطائفية، من دون أن يغيب عن بال النواب اللبنانيين الذين اتفقوا على بنوده في ذلك الحين، أن يضعوا مسارا للخروج من هذا النظام يصل بهم إلى التخلص من الطائفية، التي بقيت في ذهن ممارسيها ومتبنيها علّة يجب التخلص منها لكنها بقيت علّة وجود ومنهج سلوك، ومصدر سلطة ونفوذ من داخل لبنان ومن خارجه.

ورغم الحروب التي مرّ بها لبنان ولا يزال، سواء الأهلية منها أو الخارجية، بقيت صيغة النظام الطائفي هي الراسخة، بل تعززت وتجذرت، وهي وإن كانت وسيلة لإضعاف الدولة لحساب “مافيا الطوائف” ولا نقول الطوائف، فإنها وفرت بسبب التنوع في مكونات السلطة هامشا من الحريات والديمقراطية، أتاح لأن يكون لبنان متميزًا في هذا الجانب عن بقية دول المحيط العربي، ووفر هذا الهامش من الديمقراطية دولة غير قابلة للإمساك والسيطرة. قامت إسرائيل باحتلاله، ولكنها لم تستطع السيطرة عليه وخرجت منه مرغمة، وكذا فعل النظام السوري طيلة ثلاثة عقود من الزمن لكنه ما لبث أن خرج جيشه من أراضيه كما لم يتوقع لبناني ولا تمناه.

لم يكن الاحتلال الإسرائيلي ولا الوصاية السورية، يسيطران من خارج آليات النظام الطائفي، بل كان دخولهما إلى لبنان من باب الاختلال الطائفي والنفاذ من خلاله إلى الداخل، وهو ذاته ما كان ينقلب عليهما في لحظة تماسك لبناني للدفاع عن الخصوصية اللبنانية التي كان التدخل الخارجي يسقط حين يفقد القدرة على التقاط مفاصلها أو فهم شروطها وديمومتها.

ما تقدم كان لا بد منه لمقاربة الواقع اللبناني اليوم. نحن إزاء سيطرة حزب الله على لبنان، وهي سيطرة أشبه بالوصاية السورية على لبنان، وهي سيطرة إقليمية تفرض قوتها بالسلاح. صحيح أنها تعتمد على قاعدة طائفية شيعية وهي مكون من مكونات لبنان، لكنها مختلفة عن النماذج الميليشياوية التي أنتجتها الطوائف اللبنانية خلال الحرب، فسلاح حزب الله ليس سلاحا لبنانيا، أي ليس سلاحا في لعبة التوازن بين الطوائف اللبنانية، بل هو سلاح إقليمي وظيفته إقليمية تتجاوز مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وكان تدخله في سوريا عام 2013 كشفا لهذه الوظيفة التي ترتبط بمصالح إيران في المنطقة.

هو كذلك سلاح إقليمي يديره جهاز أمني عسكري وأيديولوجي، وبهذا المعنى فإن حزب الله لا يكتسب نفوذه وقوته من بعد داخلي بقدر ما هو نتاج معادلة إقليمية، أبرز معالمها غياب شبه كامل للنظام الإقليمي العربي، ونفوذ إيراني أمني وعسكري بالدرجة الأولى.

السيطرة والنفوذ الإيرانيان على لبنان يستندان، إلى جانب قوة حزب الله الأمنية والعسكرية، إلى شبكة تحالفات سياسية أمكن للحزب صوغها انطلاقا من السيطرة على مفاصل الدولة، تمت له بالقوة الأمنية والعسكرية، وأتاحت له لاحقا أن يطوّع الانتخابات ونتائجها لصالحه، لكن كل ذلك ما كان ليتم لولا الفراغ الذي أحدثه انكفاء عربي إقليمي أمام التمدد الإيراني.

ولكن سطوة حزب الله في لبنان، لا تلغي أن لبنان بلد صعب التطويع وقابل للانقلاب في أي لحظة على أي سلطة تحاول تهميشه أو مصادرته.

لعل استهداف وليد جنبلاط، من خلال كسر مرجعيته الدرزية، يعبر عن محاولة حزب الله إعادة صوغ المعادلة السياسية في لبنان على أساس يزيد من ضعف جنبلاط، بكسر قواعد اللعبة السابقة وإرساء قواعد جديدة، وهو مسار بدأ منذ 7 مايو 2008 يوم دخل حزب الله بيروت وحاول اقتحام الجبل، وفرض على جنبلاط الخروج أو الانكفاء عن قوى 14 آذار وكان “اتفاق الدوحة” عام 2008 بداية ترجمة غلبة السلاح الإقليمي لحزب الله في المعادلة الداخلية، وتطور هذا الاتجاه في مراحل لاحقة ومع انكفاء الثورة السورية، إلى دفع جنبلاط نحو الانكفاء باتجاه طائفته، وحصر نفوذه الذي كان تجاوز -ولاسيما بعد عام 2005- البعد الدرزي ليتحول إلى القائد الفعلي لقوى 14 آذار.

تراجع جنبلاط وانكفاؤه مرغما أو طوعيا، لم يحصناه من السعي الدؤوب لحصاره وتحجيمه، والمزيد من إضعافه، فصارت منطقة الشوف وعالية عرين الزعيم الدرزي، مسرحا لاختراقات سياسية وأمنية، سواء عبر شخصيات هامشية جرى الدفع بها لإحراجه وإخراجه، كالوزير السابق وئام وهاب، أو عبر الوزير السابق طلال أرسلان الذي يبقى في موقع غير مؤثر لكنه يوفر غطاء مهما لخصوم جنبلاط.

الجديد في محاولة حزب الله محاصرة جنبلاط، هو إعادة العبث بمصالحة الجبل بين الدروز والمسيحيين، ومن خلال إثارة زوبعة من الخلافات في الجبل بين حلفاء حزب الله من جهة ووليد جنبلاط من جهة ثانية. فالخناق الذي ضاق على جنبلاط هذه المرة ربما هو الذي دفعه إلى إعلان ما يشبه الانتفاضة، فهو أدرك أن قرار تهميشه صدر وجار تنفيذه.

وإن كان المنفذون من دائرته الدرزية أو من التيار الوطني الحر، فقد بدأ جنبلاط يخوض معركة وجودية تطال بظنه، منع تغيير قواعد النظام التي رست بعد الطائف. كان جنبلاط أكبر من كونه زعيم الدروز، لذا كان وجوده في السلطة يتجاوز التمثيل الدرزي، هو اليوم أمام خطر انتقاله إلى مجرد مكون في طائفة درزية، لذا يذهب في المواجهة إلى الأقصى بعدما أدرك أن وجوده السياسي صار على المحك، في ظل تحول يستشعر زعيم المختارة أكثر من غيره، أن لبنان الذي قام على ثنائية درزية- مسيحية مؤسسة، هو اليوم أمام مفترق طرق فإمّا التسليم بقواعد السيطرة الإيرانية وأدواتها، أو إعادة استنهاض الدولة اللبنانية من براثن الوصاية، وهذا بالضرورة يفرض خروجا من الدائرة الدرزية إلى دائرة وطنية سيادية، شغرت منذ أن انكفأ جنبلاط وقرر الانحناء أمام العاصفة التي لا زالت تعصف بوجوده وبلبنان.

قالها وليد جنبلاط مرة قبل أكثر من عقد لكاتب هذه السطور إنه ينتظر على ضفة النهر جثة عدوه.. هذه المرة جنبلاط يسابق الانتظار كما لم يفعل من قبل.

كاتب لبناني

 

حزب الله ورقة إيرانية

تفقد جدواها الإقليمية

علي الامين

 

ورقة حزب الله تفقد أهميتها تدريجيا في حسابات الرد الإيراني على الحرب الأميركية الاقتصادية والمالية، ففي هذه الحرب تحتاج طهران إلى كسر الحصار بالمزيد من حماية ما تبقى لها من علاقات دولية وليس المغامرة بها.

حزب الله في لبنان، أو ما تبقى منه في سوريا، ليس الورقة المناسبة لتحقيق الهدف الإيراني المرتجى، ذلك أن أية مواجهة له مع إسرائيل هذه المرة، ستشكل عبئا إضافيا وثقيلا على إيران، من دون أن يوفر لها أية فائدة دولية، بل المرجح أنها ستخسر ما تبقى لها من حدود التعاطف الروسي والصيني، ولكن ما هو أخطر أن هذه الحرب في حال وقعت، ستكون أقرب إلى حرب إبادة إسرائيلية ليس على حزب الله فحسب، بل ستطال البيئة الحاضنة التي تحرص إيران على المحافظة على نفوذها في داخلها، ولا مصلحة لها في إنهائها طالما أن لا فوائد ستُجنى من ذلك في مواجهتها مع واشنطن.

‏ورقة حزب الله تفقد قيمتها الإقليمية وتتراجع، هي مطلوبة طالما لا تخل بالقواعد الإستراتيجية لروسيا الاتحادية في سوريا، ولا بتفاهماتها الإستراتيجية مع إسرائيل، ومن الطبيعي أن أي محاولة مسّ بأمن إسرائيل هي تجاوز بل تعدٍّ على مصالح روسيا نفسها. لذا يدرك مسؤولو حزب الله أن حضوره اليوم لا يتجاوز في قوته فعليا مهمة تقديم أوراق حسن سلوك دولية، بعدما أصبح بين فكي كماشة روسية من جهة، وإسرائيلية من جهة ثانية، فيما المساحة التي يتاح له فيها ممارسة سلطته هي اللعبة السياسية اللبنانية الداخلية بعدما أنجز مهماته السورية، أي ممارسة سطوته الداخلية اللبنانية قدر ما يشاء، وطالما تساهم هذه السطوة في حماية الاستقرار على الحدود الشمالية لإسرائيل.

هذا الواقع هو ما يجعل حزب الله كورقة تصعيد إيرانية في مواجهة إسرائيل، غير ذات فائدة أو معنى، لأنها لن تؤثر هذه المرة في مواجهة تجري بعيدا عن إسرائيل، بل على حدود إيران وفي داخلها وعلى المساحة الدولية، وهي حرب ستجعل إسرائيل رسميا طرفا في مواجهة إيران عسكريا، وإيران في غنى عن ذلك.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليس في عجلة من أمره لإنجاز حل مع إيران بشأن الملفات العالقة بين واشنطن وطهران، وهذا ما قاله مضمون إحدى تغريداته على موقع تويتر قبل أيام. فترامب انتهج منذ بداية انقلابه على الاتفاق النووي بين إيران ودول الخمسة زائدا واحدا، الخيار الاقتصادي كوسيلة لتطويع إيران، وعمد إلى استخدام وسائل العقوبات الاقتصادية والمالية، كمنهج للحرب التي يريدها مع النظام فيها، متفاديا أي محاولة انجرار في مواجهة عسكرية مع دولة يعتقد هو، أن شعبها يتوق إلى علاقات متقدمة مع “الشيطان الأكبر”، كما أنه مقتنع بأن “الحرب الناعمة” إذا صحّ التعبير تؤتي أكلها، وتحقق له تقدما في معركته هذه.

‏لا يخوض ترامب مواجهة تقليدية، إنها أقرب إلى إدارة صفقة تجارية يطمح للفوز بها، وهو وجّه رسائل عديدة إلى القيادة الإيرانية فيها الكثير من الترهيب كما لا تخلو من الترغيب. ترامب تحدث في شروطه للحوار مع إيران في البداية عن 12 شرطا يتوجبُ على طهران تنفيذها، ثم تحدث لاحقا عن اتفاق نووي جديد مع واشنطن، وبين هذا وذاك كان يلمح إلى إمكانية التسليم بدور إقليمي لإيران، لكن ترامب في كل طروحاته كان ينطلق من أن اتفاقا يجب أن ينجز مع النظام الإيراني، هو الكفيل بالاعتراف بدور إيران الإقليمي، لكن ضمن شروط متفق عليها بين الدولتين، تنهي النموذج القائم على تفريخ الميليشيات في المنطقة العربية كوسيلة للتمدد والنفوذ.

‏لبنان بهذا المعنى يشكل فرصة إيرانية حذرة في اتجاه تقديم رسائل إيجابية لواشنطن. اليوم، الثلاثاء، يصل مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد ساترفيلد إلى بيروت لينقل الأجوبة الإسرائيلية للحكومة اللبنانية تجاه نقاط تتصل بإطلاق المفاوضات بين البلدين برعاية أميركية فعليا، وبمشاركة الأمم المتحدة، وليس من المصادفة أن يكون حزب الله هو من أعطى الضوء الأخضر لبدء المفاوضات بشأن ترسيم الحدود مع إسرائيل، وهي بالضرورة رسالة ودّ واختبار إيرانية تجاه واشنطن وتل أبيب، تقدم طهران من خلالها الوجه الدبلوماسي على الوجه العسكري لنفوذها في لبنان. ‏في موازاة ذلك المشهد المتصل بالحدود مع إسرائيل، تنكشف الوصاية الإيرانية على لبنان، بعدما أحكم حزب الله سلطته على الدولة، وهي وصاية عاجزة عن أن توفر شروط الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بل تقف متفرجة على تآكل الدولة ومؤسساتها، وتفاقم أزمة الدين العام، المترافق مع تراجع مريع للاقتصاد المختنق، والذي يستنجد بأنابيب الأوكسجين التي يعدُ بتوفيرها مؤتمر “سيدر” الذي تتولى فرنسا متابعته فضلا عن دول أوروبية وعربية.

‏بهذا المعنى تفقد الترسانة العسكرية التي يمتلكها حزب الله معناها الإيراني، طالما أنها ترسانة محكومة بوظيفة حماية الاستقرار على حدود إسرائيل فقط، وهي مقيدة بأكثر من قيد. والتفلت من أيّ من هذه القيود قاتل لحزب الله وللبنان، فالحرب مع إسرائيل ستعني نهاية له بمباركة دولية، وأي حرب يخوضها ستعني انهيارا اقتصاديا وماليا شاملا في لبنان، لن يكون حزب الله هذه المرة بمنأى عنها، حتى من داخل بيئته التي تقف معه طالما لم يأخذها إلى الكارثة.

بالإضافة إلى كل ذلك فإن ‏العقوبات الأميركية على حزب الله هي نموذج مصغّر للعقوبات على إيران، فهذه العقوبات التي لا يوفر الأميركيون فرصة من أجل تشديدها، تساهم، للمفارقة، إلى حد بعيد في المزيد من انسجام حزب الله مع المتطلبات الدولية والأميركية. إذ كيف يتم، مع تصعيد هذه العقوبات، الوصول إلى موافقة حزب الله الأيديولوجي والمعادي للولايات المتحدة، على أن تكون واشنطن طرفا وسيطا بين لبنان وإسرائيل؟ وأضعف الإيمان أن يرفض حزب الله ذلك لكنه لم يفعلها، وإن عبّر ذلك عن شيء فهو يعبر عن محاولة الحزب ومن خلفه إيران الترويج للقول إننا لسنا في موقع معاد بالمطلق لواشنطن، ويمكن أن نوفر شروطا لعقد اتفاقيات وتفاهمات حتى مع إسرائيل.

يبقى أن حزب الله الذي تراجعت قدراته المالية، لاسيما تلك التي تقلصت بسبب العقوبات الأميركية، أو بسبب تراجع قدرة إيران على توفير الدعم كما كان يجري في سنوات سابقة، بات عاجزا عن مواجهة متطلبات مادية واجتماعية في بنيته الحزبية وفي بيئته الحاضنة، وهي وإن لم تكن إلى الحدّ الذي يهدد نفوذه وسطوته، إلا أنها أفقدته بعضا من وهجه وسطوته المعنوية، وبات أمام واقع اجتماعي واقتصادي مأزوم، يفرض عليه تقديم إجابات تتجاوز الصواريخ والأسلحة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

كاتب لبناني

 

 

اجتماع القدس الثلاثي:

تحديد الدور الإيراني

بضمانة روسية

علي الامين

 

في القدس لقاء تاريخي غير مسبوق جمع مطلع هذا الأسبوع، مستشاري الأمن القومي الأميركي جون بولتون والروسي نيكولاي باتروشيف والإسرائيلي مئير بن شبات بهدف مناقشة قضايا مختلف نقاط الأمن الاستراتيجية في الإقليم.

الحديث في هذا اللقاء، حول خطة أميركية بشأن الحل في سوريا، تتناول تنفيذ القرار الدولي 2254، والتعاون في ملف محاربة الإرهاب وتنظيم الدولة الإسلامية، وتحجيم النفوذ الإيراني، والتخلص من أسلحة الدمار الشامل في سوريا، وتوفير المساعدات الإنسانية، ودعم الدول المجاورة، وتوفير شروط عودة اللاجئين السوريين، وإقرار مبدأ المحاسبة عن الجرائم المرتكبة في سوريا، حسب تسريبات صحافية، أشارت إلى أن الخطة سبق وأن قدمها وزير الخارجية الأميركي للجانب الروسي.

رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، وصف الاجتماع الثلاثي بـ”التاريخي وغير المسبوق”، مشيرا إلى أن هدفه “ضمان الاستقرار في الشرق الأوسط في ظل أوقات مضطربة”. وتابع “ما هو مهمّ في هذا الاجتماع، أن القوتين العظميين تجتمعان في إسرائيل ما يظهر بشكل كبير المكانة الدولية لدولتنا بين الأمم”.

من المبكّر القول إن روسيا ستستجيب للضغوط الأميركية – الإسرائيلية للإطاحة بالوجود الإيراني في سوريا، لكن مجرد مشاركتها في اللقاء الثلاثي وفي القدس تحديدا ملفتة جدّا، علما وأن روسيا منذ تدخلها عسكريا في الأزمة السورية، تعززت بينها وبين إسرائيل العلاقات الثنائية وباتت زيارات بنيامين نتانياهو إلى موسكو متتالية، في ظل استباحة إسرائيل للأجواء السورية لضرب الوجود الإيراني أو النظام السوري.

روسيا لن تستجيب فورا ومن دون ثمن، لكن حضورها اجتماعا كهذا يدلّ أن لها مصالح يمكن أن تتعارض مع الوجود الإيراني في سوريا. فاجتماع القدس الثلاثي لن ينفع العلاقات مع إيران لأنه يناقض سياستها، وبالتالي فإن العلاقات بينهما (طهران – موسكو) ستتأثر حتما، ولأن روسيا القوة الأقوى في المنطقة، ولو ساءت العلاقات، لا مصلحة لإيران بمعاداتها، لاسيما أن إيران التي تئنّ من الحصار الأميركي تعاني أيضا من شبه عزلة إقليمية ودولية، لذا لن تغامر بالتفريط في علاقتها مع روسيا مهما اقتربت الأخيرة من واشنطن وتل أبيب في مقاربتها للأزمة السورية.

وكان الأمين العام لمجلس الأمن القومي الأعلى في إيران، علي شمخاني، قد أكد أنه لا أحد يمكنه أن يجبر إيران على الانسحاب من سوريا، معتبرا المسألة هذا البلد ليست محور بحث ومن الخطوط “الحمر” التي لا يسمح لأحد بالتكلم عنها. وقال في مقابلة مع قناة “آر تي” الروسية إن “موسكو أطلعتنا على أن من طرح عقد اللقاء هو الاحتلال الإسرائيلي، وأنا أرى أنه سيكون لقاء خادعا”.

ليس خافيا أن الموقف الإيراني في سوريا، يستند إلى قوى ميليشياوية تشكل القوة الفعلية التي تضمن نفوذه على الأرض، وعلاقات وثيقة مع النظام السوري تحديدا في بيت الأسد، ذلك أن القيادة الإيرانية وضعت كل أوراقها السياسية في سوريا في سلة بشار الأسد، وشقيقه ماهر، وهي في المقابل شكّلت القوة العسكرية البرية الفاعلة، والتي تكاملت مع القوة الجوية الروسية، في عملية ضرب القوى المعارضة للنظام خلال السنوات الماضية، ولعل إيران أرادت أن توجه رسالة إلى روسيا في الميدان وذات مغزى، عندما نأت بنفسها عن المعارك الجارية في إدلب، وحاولت إظهار أن القوات النظامية السورية والطائرات الروسية، عاجزة أن تحقق انتصارا في إدلب وفي ريف حماة الشمالي من دون انخراط جدي للقوات الإيرانية وميليشياتها، وهذا ما أدى إلى أن بعض قوى المعارضة حققت تقدما ميدانيا في بعض جبهات القتال مع الجيش السوري، فضلا عن تراجع ملحوظ في قرار الدخول إلى إدلب، من أسبابه الرئيسية انكفاء إيران عن الزج بقواتها بشكل فاعل في هذه المعركة.

اجتماع القدس، كما أشرنا، لن يدفع روسيا للاستجابة إلى الضغوط الأميركية أو إلى إغراء التفاهم مع واشنطن في سوريا على قاعدة أبعاد إيران، لكن ذلك لا يعني في المقابل أن الوقائع الميدانية لا تشير إلى محاولات روسية حثيثة في سبيل تعزيز نفوذها في سوريا على الأرض، لأنها تدرك أن قرار الانتقال إلى مرحلة الحل السياسي في سوريا، تحتاج إلى انخراط أميركي لفتح الباب أمام إعادة إعمار سوريا، برفع سيف العقوبات عن سوريا، وتحفيز الدول والصناديق الداعمة من أجل الانخراط في عملية الإعمار، التي تنقل روسيا من مرحلة خطر الغرق في التحول السوري، إلى مرحلة استثمار ما كسبته في الحرب بتعزيز دورها كضامن لمعادلة سورية سياسية محلية وخارجية.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أكد على الطابع “التفاوضي” مع “شركائنا حول اتفاقات بشأن حل بعض المشاكل”، مشيرا إلى تركيا وإيران، وكذلك “مع الدول المعنية الأخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في التسوية السياسية (السورية) وتشكيل لجنة الدستور وإطلاق مهمتها وتحديد قواعد عملها”.

يبقى أن المجتمعين في القدس يدركون أن قوة إيران لا تقتصر على أنها طرف فاعل في الميدان السوري وفي حماية نظام الأسد، الذي لا يزال يشكّل وجوده حاجة متفاوتة بين أطراف اجتماع القدس، وهي حاجة تتصل بالدرجة الأولى بعدم اطمئنان إسرائيل للبدائل عن هذا النظام، الذي بقي ملتزما، ومن ورائه إيران، بعدم نقل الحرب والفوضى إلى حدود إسرائيل، وبالتالي فإن إيران رغم كل الخطب النارية التي تروّج لها ضد إسرائيل، تبقى بالنسبة للأخيرة عنصر استقرار لها، طالما أن أولوية طهران الفعلية هي مواجهة الأكثرية السنيّة ودول عربية، والتحصّن ضدها، وهذا ما يعزز النظرة الإسرائيلية الاستراتيجية، بضرورة حماية الشروخ التي أحدثتها إيران على الحدود الشمالية، فالضمانة لإسرائيل، حسب التجارب، عدو ظاهري في الشكل، متقاطع معها في المضمون الاستراتيجي، أي إضعاف الأكثرية العربية وحماية تشتتها.

لذا أمام هذا التقاطع العميق في نظام المصالح الاستراتيجية بين إيران وإسرائيل يُطرح التساؤل التالي: لماذا هذا الاجتماع الثلاثي في القدس والذي يضع خروج إيران من سوريا في أولوياته؟

الإجابة على هذا التساؤل، يمكن تلخيصها بكون إسرائيل لا تريد دورا إيرانيا متعاظما في المنطقة، بل تريده أن يبقى محدودا ضمن أولويات عربية، وهي ليس في وارد إنهاء الدور الإيراني بل ضبطه بالكامل ضمن الإيقاع الدولي، وأكثر ما يعني إسرائيل من هذا الدور، عدم وجود أسلحة يمكن أن تمسّ بأمنها، لذا فإن اهتمامها تركّز في السنوات الماضية، على الصواريخ الدقيقة وإن كانت انتقلت إلى لبنان أو لم تنتقل، أما في ما يتصل بالحروب الداخلية، فكانت إسرائيل غير مستاءة من الدور الإيراني، إن لم تكن مرحّبة.

لذا فإن وظيفة اجتماع القدس هي تحديد الدور الإيراني وضبطه، وجعل إيران في الحل السوري برتبة أدنى من رتبة موسكو وإسرائيل وواشنطن، والحاجة الأميركية إلى روسيا اليوم لا تهدف إلى دفع موسكو إلى إنهاء الوجود الإيراني في سوريا بل مساعدتها لكي تكون وصيّا وضامنا بالكامل للدور الإيراني في سوريا.

كاتب لبناني

 

 

إطلاق زكا.. المفاوضات مع إسرائيل

ورسائل الود من طهران إلى واشنطن

علي الامين

 

لم يأتِ الإفراج عن نزار زكا الذي كان معتقلا في إيران استجابة لطلب الرئيس اللبناني ميشال عون كما صدر عن القيادة الإيرانية، ولا استجابة لطلب أمين عام حزب الله كما نقلت وكالة أنباء فارس الإيرانية عن مصدر إيراني مسؤول، بل ثمة أسباب أخرى تبقى هي الأهم في الحسابات الإيرانية.

إطلاق نزار زكا المحتجز منذ عام 2015 في طهران، بتهمة التجسس للولايات المتحدة، وصفته الخارجية الأميركية بـ”الخطوة الإيجابية”، وهو جاء في مرحلة شهد التصعيد الأميركي تجاه إيران مرحلة متقدمة على صعيد تشديد العقوبات، في ظل محاولات إيران إحداث خرق دولي أو خارجي، يخفف عنها آثار الحصار الذي تعاني منه على صعيد تصدير النفط ومشتقاته.

وفي حين تظهر مؤشرات إلى أن مسار المواجهة يأخذ بعدا يتفادى فيه الطرفان الأميركي والإيراني الدخول في مواجهة عسكرية، فإن الثابت أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يستعجل إجراء صفقة مع الإيرانيين كما صرح قبل أيام، كما أن المرشد الإيراني أعلن أيضا أنه لا يثق بترامب، إلا أن ذلك لا يعني أن طهران لا تحاول من جهتها إحداث اختراقات على جبهة الشروط الأميركية الاثني عشر، وفتح باب المساومات.

إطلاق زكا كان رسالة إيرانية في هذا الاتجاه، فلطالما غنمت إيران من ملف السجناء أو الرهائن الغربيين. فعقد الثمانينات من القرن الماضي كانت فيه بيروت مسرحا لعمليات خطف رهائن أميركيين وغربيين، نفذتها منظمات تابعة لإيران، واستطاعت إيران أن تقايض مقابل إطلاقهم وتكسب صفقات أسلحة كانت بأمس الحاجة إليها خلال الحرب العراقية الإيرانية في حينها، وفضيحة “إيران غيت” عام 1985 كانت شاهدا صارخا على مدى هذه المفاوضات.

من هنا عملت إيران من خلال إطلاق نزار زكا المواطن اللبناني، الذي خطف أثناء زيارة طهران بدعوة رسمية تلقاها أثناء إقامته في واشنطن، على محاولة استخدام هذه الورقة لصالحها والسعي إلى رفع قيمتها، علما أن الرجل خُطف وسجن بعد وصوله بأيام إلى طهران، وإذا كان من إدانة توجه، فهي لطهران التي كان يمكن أن تطرده، خصوصا أنه وكما أشرنا وصل من خلال دعوة رسمية وجهتها الرئاسة الإيرانية.

تعمل طهران على استخدام ما أمكن لها من أوراق في سوق العلاقة مع واشنطن. فالإدارة الإيرانية لهذه العلاقة تقوم على استخدام أذرعها في هذا السياق، ففي اليمن، يجري استخدام “الحوثيين” لمزيد من توجيه الرسائل الأمنية والعسكرية في اتجاه السعودية، وطهران تعمد إلى تثبيت واقع أن التصعيد مع دول الخليج ولاسيما المملكة العربية السعودية، أمر لن يؤدي في حدود ما إلى مواجهة مع واشنطن، لذا هي تركز على ترسيخ معادلة ضغط مباشر عبر الحوثيين على المملكة، مقابل تقديم ما أمكن من رسائل إيجابية تجاه واشنطن، وهذا ما يفسر عدة خطوات إيجابية قامت بها طهران تجاه واشنطن في موازاة تصعيدها ضد الرياض.

أولا دفع لبنان نحو المفاوضات مع إسرائيل من أجل ترسيم الحدود البرية والبحرية بين الدولتين، وليس هذا فحسب بل موافقة حزب الله على إدارة واشنطن لهذه العملية، بعدما كان الموقف اللبناني، أو حزب الله، رافضا لفكرة التفاوض مع العدو بالمطلق، لكن ما يجري اليوم هو حركة أميركية دبلوماسية بين لبنان وإسرائيل، تحظى بترحيب لبناني غير مسبوق، رغم بعض المواقف الخجولة التي صدرت عن مسؤولين في حزب الله، والتي لم تقارب حد الاعتراض على مبدأ المفاوضات ومسارها الطبيعي مع العدو، ولا طالت الدور الأميركي فيها.

ثانيا عملت القيادة الإيرانية في خطوة لتفادي أي اصطدام بالقوات الأميركية إلى سحب قواتها من مناطق على الحدود السورية– العراقية، وتحديدا في البوكمال، فحسب مصادر كردية سحبت إيران قواتها من هذه المنطقة الخاضعة للرعاية الأميركية، وبمعزل عن حدود هذا الانسحاب الذي حلت محله قوات عراقية وقوى من الحشد الشعبي، إلا أن الخطوة تعكس محاولات إيرانية لتوجيه رسائل إيجابية لواشنطن، وتفادي أي مواجهة مباشرة مع القوات الأميركية في شمال شرق سوريا.

في موازاة هذه الخطوة ينقل مسؤول عراقي، أن إيران أقدمت في العراق على تشجيع الحكومة العراقية على لجم دور الحشد الشعبي، وأسكتت كل المطالبين من أتباعها بانسحاب الجيش الأميركي في العراق، وتم طي فكرة المطالبة بإصدار قانون بهذا الصدد في مجلس النواب، ويمكن ملاحظة أن واشنطن مددت مهلة السماح للعراق باستيراد الطاقة من طهران ثلاثة أشهر، في الأسبوع الماضي.

بين لبنان والعراق سيبقى مشهد التهدئة مع الأميركيين ومع إسرائيل هو الطاغي على السلوك الإيراني، فيما يرجح أن يستمر التصعيد في الخليج من خلال الحوثيين، من دون أن يصل إلى حدّ استفزاز واشنطن. وفي المقلب السوري كما اللبناني يرجح أن تبرز ليونة إيرانية لكن ليس إلى الحد الذي يؤدي إلى خروجها، فإيران تدرك أنها من خلال أذرعها في لبنان وسوريا، ولاسيما حزب الله، توفر شروط استقرار على حدود إسرائيل، لا تريد إسرائيل المغامرة بفقدانه، طالما أن البدائل غير متوفرة.

ولعل أفضل تعبير عن هذه العلاقة ما ذكرته صحيفة “هآرتس″ العبرية، الأحد، نقلا عن المحلل الإسرائيلي عاموس هرائيل الذي قال “المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل حول ترسيم الحدود المائية، ستمنع الحرب القادمة بين البلدين. أما في حال اندلاع الحرب بين لبنان وإسرائيل، فالجيش الإسرائيلي يدرك أن الانتصار على حزب الله، سيكون بمثابة خسارة كبيرة لإسرائيل”!

على هذا النحو تتقاطع المصالح الإيرانية الإسرائيلية، فقوة إيران وحزب الله لا تكمن فقط في مدى الصواريخ، بل في مدى قدرتهما على حماية الاستقرار ومتطلباته على طول الحدود الإسرائيلية الشمالية.

كاتب لبناني

 

 

استقالة العبادي تفضح خطة

إيران للإطباق على حزب الدعوة

علي الامين

أعلن رئيس الوزراء العراقي السابق، حيدر العبادي، رئيس تحالف النصر في البرلمان، قبل أيام، استقالته من جميع مناصبه الحزبية، داعيًا إلى إجراء مراجعة وتجديد في هيكلة حزب الدعوة. ويرأس العبادي “تحالف النصر” الذي يمتلك 42 مقعدًا في البرلمان العراقي من أصل 329 مقعدًا، وهو يرأس كذلك المكتب السياسي لحزب الدعوة الإسلامية الذي يشغل نوري المالكي فيه منصب الأمين العام. وقال العبادي في رسالة موجهة لحزب الدعوة، إنه “على أعتاب عقد مؤتمر الدعوة القادم، أجد نفسي ملزمًا بأن أخاطبكم تأدية لمسؤوليتي الشرعية والوطنية، فـ’الدعوة’ تراث وفكر وعمل وتضحية وأهداف كبرى، وتحتاج إلى نكران الذات، والتضامن والتجديد لتواصل مسيرتها لقيادة التحولات الكبرى ببلدنا”. وأوضح أنه “ليست هناك تجارب سياسية مجتمعية معصومة، والمهم المراجعة والتصحيح، والأهم الإصرار على المواصلة بوعي وتخطيط والتزام وفق قواعد المسؤولية والجهوزية”.

وتابع العبادي “أدعو إلى مراجعة نقدية، وتجديد بالخطاب والهيكلية، وأدعو إلى المواصلة بإرادة جماعية متناغمة، وإلى ضخ دماء جديدة في جميع مفاصل (الدعوة) وبالذات القيادية منها، واستنادًا لذلك، فإني أعلن تنازلي وانسحابي من جميع المواقع القيادية بالحزب وأن أبقى جنديًا لخدمة المسيرة”.

وما إن أقدم العبادي على استقالته تلك، حتى بدأت الأوساط الإعلامية التابعة لأمين عام حزب الدعوة نوري المالكي ولحلفاء إيران بالتشكيك بنوايا ومقاصد الاستقالة ووضعها في موضع المؤامرة، وربطها بما يجري في المنطقة من تجاذب أميركي – إيراني. حتى إن أحد المقربين من المالكي، جعل من الاستقالة “مقدمة لإقالة عادل عبدالمهدي من رئاسة الوزراء وتعيين حيدر العبادي بدلا منه شرط إعلان استقالته من حزب الدعوة، وأن ما جرى من قبله بالتنازل عن مناصبه في الحزب، هو بداية لهذه الخطوة تمهيدا لاستقالته النهائية من الحزب”.

مصدر مقرب من العبادي أكد أنه منذ سنة تقريبا يطرح أمر الاستقالة في الدعوة، كما أن توقيت البيان فيه رسالة لأعضاء قيادة الحزب لخدمة منهاج الدعوة، والعبادي ملتزم به ويدعو الآخرين للالتزام به أيضا. ولو كان العبادي يريد كسبا لأعلن هذا الأمر عندما كان رئيسا للوزراء والكل يعلم مقدار الضغط والمطالب آنذاك لخروج العبادي من الحزب كي تجدد له الولاية الثانية. فهل التمسك بالمنصب أصبح هو الكرامة والتنازل عنه لمصلحة وحدة الدعوة وهيبتها وقوتها صار ذنبا؟

إيران ترى في حزب الدعوة حركة إسلامية تاريخية مهمة يمكن الاستفادة منها وقت الحاجة. وفي المعلومات فإن التوجه الإيراني الجديد يتمثل في إبعاد القيادات الحالية للحزب، وجلب قيادات خلقتها الأذرع الاستخبارية لإيران للسيطرة على الدعوة. أحد أهم هذه الشخصيات هو طارق نجم الشخصية الغامضة، الذي كان بعيدا عن حزب الدعوة لسنوات وبرز مؤخرا فجأة كقيادي، وذلك من خلال ترؤسه لمكتب نوري المالكي عندما كان رئيسا لوزراء العراق. الأجهزة الإيرانية وطدت علاقتها بطارق نجم إلى درجة أن أكثر رؤساء الأجهزة الاستخبارية الإيرانية يمكثون في منزل طارق نجم عند زيارتهم بغداد.

طارق نجم الذي نجح بتوجيه وتخطيط إيرانيين في إبعاد نوري المالكي عن رئاسة الوزراء رغم أنه كان مدير مكتبه، ونجح كذلك في إبعاد حيدر العبادي عن رئاسة الوزراء رغم أنه أظهر نفسه قريبا منه، هو نفسه بحسب مصادر من داخل الدعوة يسعى للسيطرة على الحزب بدعم إيراني لوضع الحزب وقراراته تحت الهيمنة الإيرانية بالكامل. فهو كما تذكر مصادر من داخل الدعوة “في الوقت الذي لا يبرز كثيرا في عمل ونشاطات حزب الدعوة إعلاميا، إلا أنه يتحرك بكل حرص وحماسة للسيطرة على مرافق الحزب وتنظيماته، ويقدم نفسه على أنه قريب من كل قيادات الحزب، إلا أنه في الواقع يعمل على إبعادهم جميعا”. والجدير بالذكر أن موعد انعقاد مؤتمر حزب الدعوة الذي كان يفترض أن ينعقد منتصف شهر يونيو الجاري تم تأجيله أسبوعًا، لانتخاب قيادة جديدة تكون تحت سيطرة المالكي ونجم وجماعة إيران، فخطوة العبادي بالاستقالة من مناصبه أربكت المالكي ونجم، اللذين كانا بصدد الاتحاد للتصدي لمؤامرة أميركية مزعومة للسيطرة على حزب الدعوة والعراق يقودها العبادي، وذلك في تبرير للتنازلات التي تنوي إيران تقديمها لاحقا في العراق، استجابة للمطالب الأميركية.

ففي معلومة وردت من العراق، وتؤكدها مصادر مسؤولة في السلطة، أن القيادة الإيرانية وافقت على 4 شروط من أصل 12 يريدها الأميركيون ومنها إعادة هيكلة الحشد الشعبي، وسحبه من إدارات الدولة، لذلك فإن الإيرانيين يريدون عودة حزب الدعوة للسلطة بقوة في العراق، ولكن تحت سيطرتهم وضمن توجيهاتهم.

وفي معلومات أخرى ورد أنه قبل أكثر من أسبوع أُعلن فجأة أن قيادة الحشد الشعبي تقوم بعملية هيكلة، وأعلن عن بعض خطوات الهيكلة قبل أيام وهدفها تقليل العدد بعدما كان يقوم على مضاعفة عدد “الحشد” قبل فترة.

وليس خفيًّا أن القيادة الإيرانية التي تدرك أن حزب الدعوة الذي يسيطر على مفاصل أساسية في الدولة العراقية، يشكل في المرحلة المقبلة الخيار المناسب للنفاذ من خلاله إلى عمق الدولة العراقية، مع تراجع فرص الاعتماد على الحشد الشعبي، فحسب مصادر عراقية نافذة، فإن “إيران باتت مقتنعة بأن السيطرة من خلال الحشد الشعبي غير مضمونة، بسبب ما يعتري الحشد من سوء التنظيم وتعدد الولاءات فيه، فضلا عن التوجه العام الذي يدفع نحو تقليص دوره بإرادة خارجية وداخلية”.

في مؤتمر حزب الدعوة المزمع عقده في الأسبوع الثالث من الشهر الجاري، تعمل الأجهزة الإيرانية على إعادة بناء هيكل قيادي موال لإيران، وفرس الرهان الإيراني كما يؤكد معارضوه داخل الحزب، هو طارق نجم، لاسيما أن القيادة الإيرانية ما زالت تعتبر أن الحزب هو الجهة الفضلى التي يمكن لها من خلالها أن تحمي نفوذها في العراق، خاصة وأن القوى العراقية على اختلافها داخل السلطة، باتت شديدة الحذر حيال إعلان ولائها لإيران، إما بسبب أن التماهي مع القرار الإيراني بات مكلفا داخليا، أو لكون واشنطن لا تتسامح مع تلك القوى التي تنضوي ضمن المشروع الإيراني.

في المقابل تنفي أوساط حزب الدعوة وجود تدخل أميركي، لكنها تشير إلى أن السفارة الأميركية في العراق تركز اهتمامها على مراقبة ما يجري متسلحة بسيف العقوبات على إيران، وهو سيف لن تنجو منه قوى عراقية كثيرة باتت تدرك أن الورقة الإيرانية تسير نحو المزيد من التراجع في العراق، وهي لم تعد كافية كمصدر حماية بالقدر الذي كانت عليه قبل سنوات وقبل أشهر.

كاتب لبناني

 

 

لبنان: المحاصصة في السلطة

تفضح الاستسلام لحزب الله

علي الامين

فيما كان الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، يعطي الضوء الأخضر للرئاسات اللبنانية للانخراط في مفاوضات مع إسرائيل، من أجل تحديد وترسيم الحدود البرية والبحرية بين الدولتين، أطلق في خطابه الأخير في يوم القدس عدة مواقف تفضي إلى أن الذراع الأقوى لإيران في المنطقة العربية، لن تقف مكتوفة في حال تعرضت إيران لضربة عسكرية أو حرب. واعتبر في موقف وُصفَ بأنه يزيد من احتمالات الحرب بين حزب الله وإسرائيل، أن حزب الله على أتمّ الاستعداد للبدء ببناء مصانع للصواريخ الدقيقة، فيما لو استمرت الولايات المتحدة بطرح مسألة وجود مصانع لهذه الصواريخ في لبنان مع المسؤولين اللبنانيين. صحيح أن نصرالله قبل إطلاق هذه الجملة، قال إن حزب الله ليست لديه مصانع لهذا السلاح في لبنان، لكنه كان يوجه رسالة مضمرة إلى من يعنيهم الأمر في الداخل والخارج، أن إيران هي من يقرر في القضايا السيادية في لبنان، وباعتباره ممثل مرشدها في لبنان فهو من يحدد إعلان الحرب من دون أن يراعي ولو في الشكل أن مثل هذه القضية الخطيرة تقع على عاتق الدولة اللبنانية وحدها دون غيرها.

هذا الخطاب الذي اتسم بنبرة تصعيدية بخلاف المواقف السابقة تجاه إسرائيل وواشنطن، لم يلق أي رد من القيادات الإسرائيلية، ولم يتوقف عنده أي مسؤول أميركي، رغم ما انطوى عليه من نبرة عالية تجاه الطرفين، فلا إسرائيل أعلنت أنها بصدد التراجع عن قرار التفاوض مع لبنان، ولا واشنطن أصدرت أيّ موقف يتصل بأي تهديد بتعديل دورها كوسيط بين البلدين.

وبعد مرور 24 ساعة على هذا الموقف، جرى إطلاق بضعة قذائف هاون على جبل الشيخ من الجهة السورية وهي منطقة خالية من السكان تقع في الجولان المحتل، أي أن إطلاق هذه القذائف لم يكن المقصود منه أي ضرر بشري أو مادي، بقدر ما هو جسّ نبض للموقف الإسرائيلي الذي بقي صامتا حيال مواقف نصرالله الأخيرة، ولكن ذلك لم يمنع إسرائيل من القيام برد عنيف على مواقع سورية وإيرانية في ريف دمشق الجنوبي فجر الأحد، أدى إلى سقوط عشرة ضحايا بين جريح وقتيل بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

ما يثير الانتباه هو الصمت الإسرائيلي تجاه مواقف نصرالله الأخيرة، لاسيما أن إسرائيل وتحديدا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كان أول من أثار مسألة وجود صواريخ دقيقة ومصانع لها في لبنان من على منبر الأمم المتحدة نهاية العام الماضي، وهذا الصمت ربما يشكل إحدى الأوراق التي يجمعها نتنياهو لتشكل ذريعة لخوض الحرب على لبنان في لحظة هو يختارها.

فمسألة الصواريخ الدقيقة على أهميتها كمصدر تهديد لإسرائيل، إلا أنها تشكل في المقابل مصدر تهديد للبنان، وهذا التهديد الأخير لا ينبع من خطورته العسكرية فحسب، بل من كون وجود هذا السلاح بيد حزب الله لا بيد الدولة اللبنانية. أي أن لبنان ليس صاحب القرار في استخدامه أو عدم استخدامه، وإن كان اللبنانيون هم من يتحملون تبعات وقوع أي حرب بين حزب الله وإسرائيل.

وما يثير الريبة أكثر في هذا السياق أن المسؤولين اللبنانيين، وخاصة القوى التي طالما واجهت حزب الله من زاوية أنه يغامر في السيادة اللبنانية، ويصادر قرار الحرب والسلم في الدولة، بقيت صامتة ومن دون أي رد فعل على مواقف نصرالله، فإذا كان رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي من حلفاء نصرالله وليس من عادتهم الاعتراض على مواقفه، فإن الملفت هو صمت رئيس الحكومة ورئيس حزب القوات اللبنانية، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

فرغم ما حمله خطاب نصرالله من تجاوز لصلاحيات المؤسسات الدستورية وللحكومة من تهديدات أطلقها في أكثر من اتجاه، فإن الصمت الرسمي والسياسي من القيادات المذكورة، يدفع إلى التساؤل عن حقيقة موقفها مما قاله نصرالله، وهو في أحسن الأحوال صمت في غير محله إلا إذا كان المقصود منه تثبيت المقولة التي يرددها البعض، أن لبنان أصبح بالكامل في القبضة الإيرانية.

استسلام ما كان يسمى “القوى السيادية” أو ما كان يعرف باسم قوى 14 آذار لاسيما تلك المنضوية في الحكومة أو القاطرة التي يقودها حزب الله، يزيد من المخاطر على الدولة اللبنانية. فلبنان طالما كان من خلال وجود معارضة لسلطة هذا الحزب يجد له من يستمع إلى موقفه العاجز عن لجم حزب الله، فيما اليوم وإزاء الصمت المطبق حيال ما تضمنه كلام نصرالله من تجاوز لدور الدولة ومسؤولياتها على الصعيد الاستراتيجي، سيثبت المقولة التي ترددها القيادات الإسرائيلية عن أن لبنان كله تحت سلطة حزب الله، وأن أي حرب مقبلة لن تميز فيها إسرائيل بين حزب الله والدولة اللبنانية.

المفارقة في لبنان ورغم ما تقدم من مخاطر تحيط به في مرحلة الاستنفار الأميركي-الإيراني، وفي ظل المواقف التي أطلقها نصرالله، هي انهماك الأحزاب اللبنانية في صراعات هامشية تتصل بملفات داخلية، وصراع على السلطة لكن ضمن الدائرة التي رسمها حزب الله لها.

فانهماك حزب القوات اللبنانية بلجم صعود نفوذ التيار الوطني الحر في السلطة وسيطرته على الحصص داخل الحصة المسيحية، يتقدم لدى القوات على كلّ ما عداه، لا بل صار مطلب تحييد حزب الله عن الصراع المسيحي هو جلّ ما يعني القوات اللبنانية كما تظهر الوقائع، فقائدها الدكتور سمير جعجع يبدو متنبها بل متربصا بحركة الوزير جبران باسيل إلى الحدّ الذي بات ما يقوم به حزب الله رغم خطورته أمرا لا يثير لديه أي ردّ فعل كما كان الحال في سنوات ما قبل الانتخابات النيابية الأخيرة.

وكذلك رئيس الحكومة سعد الحريري الذي بات تيار المستقبل الذي يتزعمه مهتما بالمحافظة على بعض المواقع في الدولة، أكثر من اهتمامه بالمخاطر التي تسببها السياسات الإيرانية على الدولة نفسها. وليد جنبلاط حاول التململ كعادته في مواجهة قبضة حزب الله، ولكنه حين أدرك أنه مستفرد من دون عون ولا نصير، فضل السكوت.

خطاب نصرالله الأخير لا تكمن مخاطره في تجاوزه لحدود السيادة، ولا في إظهار حقيقة أن لبنان ورقة إيرانية، بل الخطر الفعلي هو في كشفه هزال الدولة اللبنانية أمام سطوة الحزب، بل أكثر من ذلك، إنه ليس في مكونات الحكومة من هو مستعد ليقول لحزب الله لقد تجاوزت حدّ السلطة ولن نقف مكتوفي الأيدي أمام مغامرة تدمير ما تبقى من لبنان، سواء في حرب تخوضها، أو في سلام موهوم تديره.

كاتب لبناني

 

 

"منع توطين الفلسطينيين في لبنان":

كلمة حق يراد بها باطل

علي الامين

يبدو أن الورقة الفلسطينية في لبنان ستدخل في لعبة المزايدات السياسية التي طالما دفع لبنان والفلسطينيون أثمانا غالية بسببها، ذلك أن القضايا العادلة طالما جرى استغلالها واستثمارها لحسابات لا تتصل بسبل الوصول إلى تحقيقها، بل بقدر ما كانت وسيلة من وسائل الصراع والتقاتل من أجل النفوذ والسلطة.

يحفل تاريخنا العربي الحديث بما بات يفرض علينا اليوم بعد كل الأحداث والتداعيات التي شهدها، بأن نعيد قراءة الأسباب العميقة لهذا الانتكاس الذي تعيشه الدول العربية، ولهذا التصدع الذي أصاب المجتمعات العربية، وجعلها غارقة في دوامة العنف والفوضى، ونهبا للاستغلال السياسي والاقتصادي، وبالمساحات الديموغرافية والجغرافية المشرعة للغزو باسم قضاياها العادلة، فيما تتحول هذه القضايا في يد سماسرة الغزو إلى أوراق للبيع في أسواق الدول الكبرى ومزايداتها المدمرة والقاتلة.

في قضية الوحدة العربية، وفي تجارب المشروع القومي العربي، الكثير من الدروس التي نتعلمها. هذا المشروع الذي قام وحكم في الدول العربية أو هيمن على هذه الدول طيلة نصف قرن وأكثر، إثر نكبة فلسطين في العام 1948، وأخطر ما فيه أنه وهو يرفع قضية تحرير فلسطين كمهمة استراتيجية، كان غارقا في عملية الاستحواذ على السلطة كيفما كان، وساعيا بكل قوة إلى إلغاء التنوع السياسي والاجتماعي، وإلى جعل القمع هوية للسلطة ومضمونها، وسبيلها إلى إثبات وجودها على حساب الحرية وتداول السلطة.

وكانت فلسطين بمأساتها الوسيلة الناجعة لتبرير القمع والعنف السياسي والاجتماعي، ذلك أن ما ارتكب من جرائم باسم القضية الفلسطينية في داخل الدول العربية، كان أكبر ممّا يمكن تخيله، والنماذج لا تحتاج إلى تمحيص وتدقيق، وهي حاضرة في صورة كل زعيم قمع شعبه، وفي كل حزب استحوذ على السلطة باسم فلسطين، من العراق إلى سوريا إلى السودان، فالجزائر ومصر وليبيا وغيرها من الأنظمة التي قامت على جرح فلسطين، وحوّلت دولها إلى أجسام مكدسة ومتهالكة محكومة بالعجز والتخلف، بل نهبا لقوى طامعة ودول مستعمرة تنهش منها، بعدما صارت شعوبها أسيرة انقسامات عصبية، كشفت كم أن المشروع القومي كان فاشلا ليس في تحقيق الوحدة العربية فحسب، بل كيف كان وبالا على الدولة الوطنية أيضا، بل هو مشروع الدولة الذي سيبقى المعيار لأي مشروع نهضة فعلية في العالم العربي.

لم يكن صعود الإسلام السياسي أفضل حالا، بل ينطبق عليه القول الشهير، “إن التاريخ لا يعيد نفسه ولكن إن عاد، فيعود على شكل مهزلة”. لم يهضم الإسلام السياسي التجربة القومية، ولم يقرأ الأسباب العميقة لارتكاسها في عالمنا العربي، لقد اعتقد أن مقولة “الإسلام هو الحل” كفيلة بأن تنقل الشعوب العربية من حال التخلف والهزيمة إلى التحضر والارتقاء، فقد شهد العالم العربي ومنذ انتصار النموذج الإسلامي في إيران في العام 1979 وفي تجلياته العربية، أسوأ مرحلة انهيار حضاري وسياسي وفكري وثقافي.

فالمشروع الإسلامي في تجلياته السياسية، أظهر كم هو خارج عن العصر وفاقد للجاذبية الحضارية، ومشروع خاوٍ إلا من هذا العطش إلى السلطة والتحكم باسم الدين، وربما تفوّق على عتاة المشروع القومي ببراعته في الاستثمار في الجهل، ووصل به الحال إلى أنه فقد ميزة المشروع الإسلامي الذي بشر به على صعيد وحدة المسلمين، ليتحول إلى مشاريع فرق إسلامية تتوسل العصبيات المذهبية والنزعات الفئوية، من أجل السلطة ولا شيء سواها. وانكشفت التيارات الإسلامية بعد عقود قليلة على صعودها، على أنها أحزاب وقوى فاقدة للمشروع الحضاري، وخاوية من أي جاذبية.

وبعد أربعة عقود على نموذج الجمهورية الإسلامية الذي بشرت به إيران، يكتشف الإيرانيون قبل غيرهم في هذا العالم، أن هذا النموذج الذي حكم إيران باسم الإسلام، زاد من فقر الشعب الإيراني، وجعل الدولة الإيرانية في مصاف الدول التي يشكل النفور والعداء لها في محيطها أبرز ملمح في هوية نظامها. وللمفارقة وعلى الرغم من النفور العربي والإسلامي من السياسات الأميركية، فإن العقوبات القاسية التي فرضتها الإدارة الأميركية منذ أكثر من عام على إيران، وجرى التشديد عليها منذ مطلع الشهر الجاري، لم تنتج أيا من مظاهر التضامن أو الاحتجاج الشعبي عربيا وإسلاميا وحتى عالميا، على خلاف ما حصل في قضايا أخرى، ولاسيما بعد الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 وغداته التي شهدت تحركات احتجاجية في معظم الدول العربية والإسلامية وفي أوروبا وفي غيرها من دول العالم.

إيران اليوم فقدت حتى التعاطف أمام العقوبات الأميركية، بل وصل العداء المتغلغل لدى الشعوب العربية إلى موقع لا يكاد ينافسها أحد عليه.

مجددا يحاول حزب الله إعادة استثمار هذه القضية، لكنه لا يدرك أنه جاء في الوقت الذي أمعن في استغلالها إلى الحدود التي بات من الصعب الانجرار وراءه باسم فلسطين، أو باسم خطر توطين الفلسطينيين في لبنان، كما قال أمينه العام قبل أيام، بأن على اللبنانيين والفلسطينيين التحرك في سبيل مواجهة خطر التوطين، بسبب ما يسمى تداعيات “صفقة القرن”.

ولكن هذه الدعوة التي يحملها حزب الله اليوم، تأتي في أعقاب مسلسل من الارتكابات بحق القضية الفلسطينية نفسها، فنهر الدماء الذي سال في سوريا باسم فلسطين كما روّج حزب الله ولا يزال لتبرير قتاله في سوريا ولتدمير مخيمات اللجوء في سوريا ولتهجير السوريين والفلسطينيين في هذا البلد، كان مسبوقا بخطوات مدمرة طالت السلطة الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني.

فحزب الله ومن خلفه إيران استثمرا في الانقسام الفلسطيني منذ تسعينات القرن الماضي، ولم تكن هذه السياسة في مآلاتها اليوم إلا هدايا للكيان الإسرائيلي، وعلى حساب وحدة الشعب الفلسطيني. فالاستثمار في الانقسام لم تكن غايته لا القدس ولا فلسطين، بل كان توظيف الورقة الفلسطينية من أجل تحقيق النفوذ على امتداد المنطقة العربية، بعد المساهمة في إسقاط الدولة فيها، أما إسرائيل فكانت شريكا موضوعيا في المكاسب الإيرانية، بحيث أن الانتصارات الإلهية، كما يسمي حزب الله انتصاره على معارضي نظام بشار الأسد، كانت نتائجها المزيد من التمدد والنفوذ لإسرائيل في المنطقة العربية وفي سوريا التي تطمئنّ لبقاء نظام الأسد واستمراره.

قضية التوطين في لبنان هي ورقة في بازار الحسابات الإيرانية بالمنطقة العربية، التي لن تعير بالا للدولة اللبنانية، ولا للحقوق الفلسطينية التي طالما استثمرتها قوى الممانعة في لبنان منذ زمن الوصاية السورية، كمسألة ابتزاز للدولة اللبنانية، أو منصة لتصدير العنف ولمنع قيام الدولة. فمنذ أن توقف العمل العسكري الفلسطيني ضد الاحتلال عبر لبنان، صارت البندقية الفلسطينية أداة لتصفية الحسابات ولتوجيه رسائل أمنية، ووسيلة لتطويع الفلسطينيين وإدراجهم في الحسابات الإيرانية والسورية بمشيئتهم أو رغما عنهم. رفع شعار منع التوطين اليوم يمثل “كلمة حق يراد بها باطل”.

 

كاتب لبناني

 

 

التصعيد في مياه الخليج

والصفقة "حدود إسرائيل"

علي الامين

 

هل تبدأ الحرب بين واشنطن وطهران؟ هذا السؤال يشغل العالم اليوم من دون أن تتضح الصورة بعد، فالحشود العسكرية الأميركية في الخليج العربي والبوارج الأميركية التي وفدت إلى الخليج والبحر المتوسط، إلى جانب الاحتياطات العسكرية والدبلوماسية الأميركية كلها تنذر بأن خيار الحرب على الطاولة، على رغم المواقف الأميركية التي لا تزال تؤكد أنها لا تريد الحرب مع إيران، إنما تغيير السلوك الإيراني.

والحال نفسه في الجهة المقابلة فالمرشد الإيراني علي خامنئي، أعلن أنه لا يريد الحرب، كذا أعلن وزير الخارجية الإيرانية أن لا نيّة لطهران في خوض مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة. فيما أكد قائد الحرس الثوري اللواء حسين سلامي أن “إيران تخوض حربا شعواء مع أميركا تشمل الاستخبارات والهجمات الإلكترونية والردع العسكري”.

وجاء كلام سلامي خلال مراسم تسلم وتسليم في مواقع مسؤولي استخبارات الحرس الثوري كما نقلت وكالة مهر الإيرانية، وهذا الموقف كما المناسبة، يرجحان المعلومات التي تحدثت عن اختراقات أمنية أميركية في داخل المؤسسات الاستخبارية الإيرانية وعلى مستوى الشبكة العنكبوتية.

ما تقدم هو نذر يسير من التحركات العسكرية والمواقف السياسية التي تتأرجح بين التصعيد نحو الحرب، وبين تسوية لم تتضح بعد معالمها وإمكانية تحققها. خصوصا أن الشروط الأميركية لهذه التسوية ليست أقل من إعلان هزيمة للنظام الأيديولوجي الذي يحكم إيران، وبالتالي فإن رضوخ النظام في إيران لهذه الشروط يبدو مستبعدا وغير وارد في حسابات القيادة الإيرانية، التي استثمرت كل قوتها في تعزيز نفوذها الخارجي، وهي تدرك أن ما تمتلكه من قيمة في الميزان العسكري والسياسي، هو هذا النفوذ سواء في العراق أو اليمن وسوريا ولبنان، فيما تفتقد أي ميزة اقتصادية أو عسكرية أو مالية في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية داخل إيران، وهي أزمة تفاقمت جراء العقوبات الأميركية حسب التقارير الاقتصادية والمواقف التي صدرت عن المسؤولين الإيرانيين.

تمسّك إيران بأوراق قوتها ليس مفاجئا، بل متوقع من أي مراقب لمسار السياسة الإيرانية على امتداد العقود الماضية، وبالتالي فإن استخدامها لهذه الأوراق هو الخيار المناسب لها، طالما أنها قادرة على استخدامها من دون أن يورطها ذلك في مواجهة مباشرة مع القوات الأميركية، وبالتالي فإن الرسائل الأمنية تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال “عمليات تخريب” لسفن في المنطقة الاقتصادية، ومحاولة “تخريب” أحد أنابيب النفط داخل السعودية، هي عمليات نفت طهران مسؤوليتها عنها، رغم التقارير التي صدرت ورجّحت قيامها بها عبر جماعات تابعة لها.

هذا ما دفع المملكة العربية السعودية ودولا خليجية إلى “الموافقة على طلب من الولايات المتحدة لإعادة انتشار قواتها العسكرية في مياه الخليج العربي وعلى أراضي دول خليجية”. وفي موازاة عملية استثمار وتنشيط للأذرع الإيرانية كانت الرسائل التي انطلقت من بغداد، والتي طالت المنطقة الخضراء في بغداد مساء الأحد، من خلال إطلاق صاروخ لم يؤد إلى أضرار مادية أو بشرية، والذي كان مسبوقا باجتماع قبل أسابيع جرى تسريب خبر حصوله من خلال وسائل إعلام بريطانية، ترأسه قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وجمع قيادات لميليشيات من الحشد الشعبي العراقي، وجوهر الاجتماع هو الاستعداد للحرب.

إزاء هذا المشهد الأمني والعسكري وما يحيط به، بات واضحا أن التحديات الأمنية سوف تتجه نحو مزيد من توجيه الرسائل الإيرانية غير المباشرة تجاه دول الخليج والعراق، وهذا ما دعا الرياض إلى الدعوة إلى مؤتمر قمة عربية وخليجية عاجلة على هامش المؤتمر الإسلامي في مكة آخر الشهر الجاري، مترافقا مع مواقف رسمية صدرت عن وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي عادل الجبير أكد فيها من جهة على عدم رغبة المملكة في خوض أي حرب مع إيران، ومن جهة ثانية استعدادها للدفاع عن أراضيها ومصالحها.

في خضم هذه المواجهة، وإزاء هذا التصعيد الذي تشير إليه التطورات الميدانية، تبقى مخاطر وقوع حرب واردة، فاليد على الزناد وأي خطوة غير محسوبة قد تدفع نحو حرب بسبب عدم رغبة أي طرف في التنازل، فواشنطن لن تقف مكتوفة حيال أي رسالة تراها خاطئة، والرئيس دونالد ترامب لن يستطيع تعريض ما يسميه “هيبة أميركا” للخطر، كما أن النظام الإيراني بات يدرك أن أي سكوت على ضربة أميركية مباشرة ستكون له تداعيات داخلية لن يتحمل عواقبها. وفي تغريدته الأحد الماضي إثر ما جرى في المنطقة الخضراء في بغداد قال ترامب “إذا كانت إيران تريد الحرب، فستكون هذه هي النهاية الرسمية لإيران”، وأضاف “لا تهددوا الولايات المتحدة مرة أخرى”، وهي إشارة إلى أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي حيال الرسائل الإيرانية الأمنية غير المباشرة.

هل ستقع الحرب؟ السؤال قد يبدو وكأن الحرب غير قائمة، فحرب العقوبات الأميركية هي الأشد والأقسى على إيران، ومن الواضح أن الإدارة الأميركية تبني استراتيجية المواجهة على هذا الوجه بالدرجة الأولى لتغيير سلوك النظام في إيران.

وتتركز الجهود الأميركية على هذا الخيار الذي يستبطن مواجهات تتخذ أبعادا سياسية وإعلامية وسيبرانية وأمنية، وقد حققت واشنطن في هذا المضمار خطوات عديدة، لعل أبرزها منع إيران من تصدير نفطها، وأحدثت إرباكا في العلاقات الإيرانية الخارجية مع أوروبا التي خيبت ظن القيادة الإيرانية من تقاعس القارة العجوز عن الإيفاء بالتزاماتها حيال الاتفاق النووي.

وفي نفس الوقت بدت طهران عاجزة عن التخلي عن هذا الاتفاق بعدما كانت حددت مهلة ستين يوما من أجل إيفاء شركائها فيه بالتزاماتهم وإلا فإنها ستعمد إلى إعادة تخصيب اليورانيوم بما يتنافى مع شروط الاتفاق. ولعل ما يدفع واشنطن إلى عدم الانتقال إلى المواجهة العسكرية ومحاولة تفاديها، هو التزام أصدقاء إيران، لاسيما روسيا والصين وتركيا والهند، بوقف استيراد النفط الإيراني.

قدرة إيران على الصمود تتركز اليوم في أمرين حسب خبراء في السياسة الإيرانية. الأول في تحمل العقوبات التي تجعلها في موقع شبه منعزل عن السوق التجاري العالمي، وتفرض عليها التعامل بظروف غير مسبوقة مع متطلبات الشعب الإيراني. أما الثاني فهو محاولة إحداث خرق في الشروط الأميركية للتفاوض معها، وهذا من خلال سياسة رفع كلفة وقوع الحرب على الجميع، وفي نفس الوقت تقديم تنازلات إقليمية لواشنطن قد تتصل بـ”صفقة القرن” من دون أن يتم ذلك بشكل علني ولكن فعلي، كما جرت العادة في ملفات عدة بينها وبين واشنطن في أكثر من ملف إقليمي.

يبقى أن الخناق الذي يضيق على إيران، سيفرض بالضرورة الدخول في تسويات طالما أن الحرب ليست مضمونة النتائج بالنسبة لإيران بالدرجة الأولى، وهذه التسويات في نظام المصالح الإيراني ستتركز بالضرورة على أولوية حفظ النظام الإيراني، لذا فإن التقديرات الدبلوماسية تشير إلى أن طهران ستبدأ بالتلويح لواشنطن وتل أبيب بما يضمن أمن إسرائيل بالدرجة الأولى، سواء في سوريا أو لبنان، حيث يمكن ملاحظة الصمت الإسرائيلي حيال ما يجري على ضفتي الخليج، وكيف أن حزب الله بدا فجأة ليّنا في الأسابيع الأخيرة تجاه فكرة التفاوض بين لبنان وإسرائيل على ترسيم الحدود البرية والبحرية بين البلدين، وبدا غير منزعج من الاتصالات السرية التي ترعاها روسيا بين دمشق وتل أبيب، والتي برز منها رأس جبل الجليد، وهي هدية رفات الجندي الإسرائيلي التي قدمتها سوريا لبنيامين نتنياهو عشية الانتخابات وغداة الاعتراف الأميركي بضم الجولان المحتل لإسرائيل.

 

كاتب لبناني

 

 

المناورة الإيرانية

على حافة الهاوية

علي الامين

 

حادثة الفجيرة تؤكد أن سياسة حافة الهاوية الإيرانية تستنفد أوراقها، ومهما بلغت المفاجآت الإيرانية مداها فهي باتت مكشوفة إلى حدّ بعيد، وخيارات التخريب سيف ذو حدين.

أظهرت عمليات التخريب في ميناء الفجيرة النموذج الذي يمكن أن تقوم به إيران للرد على العقوبات الأميركية التي تضيّق الخناق على الاقتصاد الإيراني. لم تعلن إيران مسؤوليتها عن العملية التي طالت أربع سفن تجارية في المرفأ، الذي يعتبر من أكبر المرافئ المعدة للتزود بالوقود في العالم.

برس تي.في” كانت المحطة الأولى التي أعلنت عبر شاشتها الإيرانية الناطقة باللغة الإنكليزية عن انفجارات طالت سبع سفن وليس أربع كما جاء في بيان وزارة الخارجية الإماراتية، ورئيس لجنة الأمن القومي الإيراني كان أول المعلقين على العملية التخريبية، واستنتج من خلالها “أن أمن الخليج هشّ”.

هذه العملية التي لم تكن أضرارها المادية كبيرة ولم تؤد إلى سقوط أي ضحايا، تشير إلى الأدوات التي ستعتمدها طهران في المواجهة التي لا تريدها مواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن، وبالتالي فهي ستعمد إلى القيام بأعمال عسكرية وأمنية تحول دون اتهامها مباشرة من قبل خصومها وأعدائها بالوقوف وراءها، فهي سياسة تهدف من خلالها إيران إلى رفع كلفة المواجهة معها، عبر إظهار أن الخليج العربي الذي تطل عليه وحتى مناطق نفوذها الإقليمي، هي مناطق غير آمنة لواشنطن وحلفها الإقليمي في المنطقة.

جاءت العملية بعد ساعات من ظهور قائد فيلق القدس قاسم سليماني في العراق، من خلال صورة جرى تناقلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي الزيارة الأولى المعلنة بعد أكثر من شهرين على زيارة الرئيس حسن روحاني إلى العراق، وبعد أقل من أسبوع على الزيارة التحذيرية للعراق التي قام بها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى بغداد، والتي أكد خلالها للمسؤولين العراقيين استعداد واشنطن لدعم العراق، طالما لم يتورط في السماح لإيران بخرق الحصار، وباستخدام أراضيه والميليشيات العراقية المؤيدة لإيران من أجل توجيه رسائل أمنية وعسكرية ضد المصالح الأميركية في بلاد الرافدين، وترافقت الزيارة مع معلومات تم تداولها لدى أوساط عراقية في السلطة وتناقلتها بعض وسائل الإعلام، مفادها أن رسالة أميركية واضحة تلقتها السلطة العراقية لنقلها إلى إيران، تقول إن “أي اعتداء تقوم به جهات محسوبة على إيران ضد مصالح واشنطن سيكون الرد الأميركي في إيران مباشرة”. ولكن هذه الرسالة تلاها موقف منسوب للرئيس الأميركي دونالد ترامب ونقلته محطة “سي.أن.أن” بأن واشنطن أودعت رقم هاتف البيت الأبيض لدى سويسرا وهي تنتظر اتصالا من الرئيس الإيراني حسن روحاني.

المواقف الإيرانية كما هو متوقع تلقفت هذه الرسالة لتزيد من استعراض القوة، عبر مواقف صدرت عن قيادات في الحرس الثوري ترفض الحوار، وروجت لهذه الرسالة الأميركية، كمؤشر على أن موقف إيران قوي، وهي التي يتقدم ترامب ليخطب ودها فيما هي تتمنع، ولو كانت راغبة في تتويج هذا الودّ بتفاهم يضمن لها المكاسب على الصعيد الإقليمي.

وقامت إيران حسب ما ورد في تقارير أميركية إعلامية، بتزويد زوارق بحرية وفرقاطات إيرانية بصواريخ باليستية، مع دخول البوارج الأميركية الخليج العربي والبحر المتوسط، كل ذلك كان مترافقا مع مواقف أميركية معلنة تقول إنها لا تريد المواجهة العسكرية مع إيران، ومواقف إيرانية مقابلة تتفادى أي تهديد بالحرب ضد واشنطن، وتنفي وجود أية نية لدى طهران بإغلاق مضيق هرمز.

يعرف قادة إيران أنه لا يمكن الركون إلى تطمينات ترامب بشأن الحوار ورفضه للقتال، فالبوارج الأميركية والقواعد البرية المنتشرة كالفطر حول إيران من دول الخليج والعراق وأفغانستان وباكستان وأذربيجان وغيرها، تقول كلاما آخر لا يدفع طهران إلى الاطمئنان، كما أن الشروط الأميركية المطروحة على طهران لوقف الحصار، هي شروط استسلام في الحسابات الأيديولوجية التي تحكم السلطة في هذا البلد.

وفي المقابل فإن النظام الإيراني وهو يراقب الاستعدادات الأميركية العسكرية، يجد نفسه مكشوفا بسبب ندرة الأصدقاء والحلفاء، بل يدرك أن روسيا والصين تتربصان في محاولة لنيل بعض المكاسب من واشنطن وهي المكاسب التي تلوّح بها واشنطن لهما، علما أنها مما تحوزه إيران على مستوى المنطقة، فسوريا هي هدية لروسيا مشروطة بإبعاد إيران، والصين مرشحة لتلعب دورا استثماريا على امتداد المنطقة مع تراجع الدور الإيراني.

القيادة الإيرانية التي لا تتقن إلا أسلوب المواجهة مع الدول العربية، والعاجزة عن تقديم مشاريع تتجاوز مشاريع الاقتتال وتقسيم المجتمعات المحيطة بها، لن تستطيع التفاعل مع التحديات التي تفرضها واشنطن على دورها الإقليمي واقتصادها الوطني إلا بالمزيد من محاولة التخفي والهروب من المواجهة، علما أن هامش المناورة يضيق فيما واشنطن تحيك عملية الحصار والعقوبات التجارية على إيران، بجعل كل الدول المحيطة بإيران وعلى المستوى الدولي معنية بهذه المواجهة أو بنتائجها ودائما العين على الكعكة الإيرانية.

وتراهن واشنطن في معركة تطويع إيران، على ما اعتمدته سابقا تجاه العراق وأفغانستان، فعندما خاضت واشنطن حربها ضد هذين البلدين، كانت وفرت إلى حدّ بعيد البيئة الحاضنة العربية والدولية لإسقاط نظام البعث في العراق ونظام طالبان في أفغانستان، ومهما قيل عن المواقف المؤيدة لإسقاط النظامين عامي 2002 و2003، فإن الثابت أن إيران اليوم في ظل السياسات التي نفذتها في محيطها ولاسيما على المستوى العربي، وصلت إلى أن أكثر من 80 في المئة من المواطنين العرب يحمّلون طهران مسؤولية أساسية تجاه ما طال الدول العربية في المشرق العربي واليمن والخليج، وهذا واقع لم يصل إليه لا النظام العراقي ولا الأفغاني، وهي نقطة ضعف إيران اليوم ونقطة قوة واشنطن.

حادثة الفجيرة تؤكد أن سياسة حافة الهاوية الإيرانية تستنفد أوراقها، ومهما بلغت المفاجآت الإيرانية مداها فهي باتت مكشوفة إلى حدّ بعيد، وخيارات التخريب سيف ذو حدين، خصوصا أن الدول التي يمكن لإيران أن تتحرك من خلالها بسهولة من خلال أذرعها، هي دول باتت عاجزة عن احتمال تبعات السياسة الإيرانية، إلا إذا كان الانتحار الإيراني هو الخيار المتاح، وهذا خيار كشفت الوقائع أنه ليس إلا وسيلة تهويل طالما نجحت إيران في استخدامه على الهامش في لبنان، حين كانت بمأمن من تداعياته بل في موقع المستثمر لكوارث الآخرين، هذا لم يعد متاحا اليوم طالما أن العالم سيغطي أيّ رد عسكري أميركي أو إسرائيلي في قلب طهران.

ورغم كل ما يقال عن انسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة، إلا أنه يكشف أن القيادة الإيرانية مستعدة لأن تقدم الهدايا لترامب في محاولة لاسترضائه وسط ضجيج الاستعراض الصوتي الإيراني على امتداد المنطقة العربية.

 

كاتب لبناني

 

 

ثلاث مهمات إيرانية عاجلة في العراق:

النفط والجيش وحزب الدعوة

علي الامين

في خطوة لافتة أعلنت شركة النفط الإيرانية افتتاح مكتب لها في العراق بهدف تسهيل التعاون في مجال صناعة النفط ونقل الخدمات الهندسية والفنية إلى العراق، ويأتي هذا الإعلان غداة بدء المرحلة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران والتي عنوانها تصفير صادراتها النفطية.

وفيما تؤكد أوساط عراقية قانونية، أن افتتاح المكتب لا يشكّل بذاته تحدّيا للعقوبات، طالما أن وظيفته استشارية ولا تتعداها إلى تصدير النفط الإيراني إلى العراق، إلا أن جهات عراقية نيابية، بدأت تُبدي قلقها من تداعيات العقوبات الأميركية على إيران، وما يسببه ذلك من نشاط إيراني تصفه هذه الجهات بالخطير، فإيران التي تتمتع بنفوذ لا يستهان به في العراق، بدأت باستثمار هذا النفوذ للحدّ من آثار الحصار الذي تعانيه، عبر تحميل العراق جملة أعباء سياسية واقتصادية، في سياق اعتبار العراق معبرا لتوجيه الرسائل المتنوعة إلى الحكومة الأميركية.

ثمة مجالات عديدة بدأت طهران تستعد لاعتمادها داخل العراق، الأول يتمثل في ملف النفط. كيف يمكن لإيران أن تستخدم هذا الملف لصالحها؟

حسب المعلومات فإن الخطة الإيرانية تتركز على خفض إنتاج النفط العراقي، فالعراق الذي ينتج نحو أربعة ملايين برميل يوميا، ويعمل منذ مدة على رفع مستوى إنتاجه إلى ستة ملايين برميل أي الحصة التي يقول المسؤولون العراقيون إنها حصة بلادهم المقررة من سوق النفط العالمي. ما يثير المخاوف لدى نخبة سياسية عراقية، هو أن إيران التي شككت عبر وزيرها للنفط، بقدرة الرياض وأبوظبي على تعويض النقص العالمي من النفط الإيراني، ستعمل على منع العراق من زيادة صادراته النفطية، بل ستتجه إلى خفض قدرة العراق على التصدير من أربعة ملايين إلى ثلاثة ملايين وربما أقل، حيث يمكن لإيران أن تقوم بهذه الخطوة عبر أذرعها العراقية، لتعطيل مصافي النفط أو عمليات النقل، وغير ذلك من وسائل قد تعتمدها إيران لتظهير كلفة منعها من تصدير نفطها.

‏مجال ثانٍ ليس جديدا، لكنه اتخذ بعدا يتسم بالأولوية والجدية في السياسة الإيرانية داخل العراق، فإيران التي نجحت في تقسيم عدد من الأحزاب الشيعية، وشجعت على تفريخ مجموعات ميليشياوية وحزبية، من التيار الصدري الذي انشقت منه عدة مجموعات بدعم إيراني مثل عصائب أهل الحق وغيرها، وصادرت المجلس الأعلى الذي قاده عمار الحكيم، الذي أسس تيار الحكمة بعدما خرج المجلس عن سلطته بسبب الدعم الإيراني، وعملت على شق المجموعات العربية السنية بحيث نجحت في شق صفوف أحزابها ودعمت مجموعات تابعة لها صارت في البرلمان والحكومة. اليوم تعيد إيران حياكة قيادة جديدة لتنظيم حزب الدعوة العراقي بما يتناسب مع مصالحها.

وفي معلومة دقيقة ورد أن إيران تحاول مجددا السيطرة على حزب الدعوة من خلال أذرعها الاستخبارية. طهران ترى في حزب الدعوة حركة إسلامية تاريخية ومهمة يمكن الاستفادة منها وقت الحاجة. ولكن حزب الدعوة تاريخيا له قراره المستقل ولم يخضع للقرار الإيراني، وذلك بوجود قيادات تاريخية قديمة في الحزب لها رؤية في توجهات حزب الدعوة بعيدا عن التأثيرات الخارجية.

التوجّه الإيراني الجديد يتمثّل في إبعاد القيادات الحالية للحزب وجلب قيادات خلقتها الأذرع الاستخبارية لإيران للسيطرة عليه. وإحدى أهم هذه الشخصيات هو طارق نجم الشخصية الغامضة الذي كان بعيدا عن حزب الدعوة لسنوات، وبرز مؤخرا وبشكل مفاجئ كقيادي في “الدعوة”، وذلك من خلال ترؤسه لمكتب نوري المالكي عندما كان رئيسا لوزراء العراق.

ومع أن أجهزة استخبارية إيرانية تصنّف طارق نجم على أنه صاحب علاقات وطيدة بجهات استخبارية غربية وبريطانية على وجه الخصوص، كما أن عمق علاقاته الشخصية بالأكراد خصوصا مسعود البارزاني يثير أكثر من علامة استفهام حول علاقات ذلك بالإسرائيليين تبعا للعلاقة الحميمة التي تجمع البارزاني بإسرائيل.

ولكن مع ذلك فإن الإيرانيين وطّدوا علاقتهم بطارق نجم، إلى درجة أن أكثر رؤساء الأجهزة الاستخبارية الإيرانية يمكثون في منزل طارق نجم عند زيارتهم لبغداد، وقد أسسوا أجهزة اتصالات دقيقة في منزله للحؤول دون حصول أي عمليات تنصت من خارج الإيرانيين، فيما يتحرك نجم ضمن إطار حماية أمنية تديرها أجهزة إيرانية.

وحسب المعلومات فإن طارق نجم الذي نجح بتوجيه وتخطيط إيرانيين في إبعاد نوري المالكي عن رئاسة الوزراء، رغم أنه كان مدير مكتبه وكذلك نجح في إبعاد حيدر العبادي عن رئاسة الوزراء رغم أنه اظهر نفسه قريبا منه، هو نفسه يسعى للسيطرة على الحزب بدعم وتخطيط إيرانيين لوضع الحزب وقراراته تحت الهيمنة الإيرانية بالكامل.

فهو في الوقت الذي لا يتحمس لعمل حزب الدعوة ونشاطاته، إلا أنه يتحرك بكل حرص وحماس للسيطرة على مرافق الحزب وتنظيماته ويصور نفسه بأنه قريب من كل قيادات الحزب وهو في الواقع يعمل على إبعادهم جميعا، ذلك أن السيطرة الإيرانية على الأحزاب العراقية تقوم على فكرة الإتيان بشخصيات تكتسب حضورها وفعاليتها من الدعم الإيراني وليس من أي شرعية تاريخية أو تأسيسية، بمعنى أن وجودها قائم على الدعم الإيراني فقط لا غير.

مجال ثالث وأساسي في محاولة إيران ترسيخ نفوذها في العراق، وهو مشروع المجلس العسكري، الذي تدفع إيران لتأسيسه عبر أدواتها في العراق، بغاية زعزعة موقع الجيش واختراقه. فالحشد الشعبي الذي تسيطر إيران عليه وتمسك بمفاصله، لم يستطع رغم تشريعه، هزّ موقع الجيش الذي يعود إليه الفضل الأول في تحرير العراق من تنظيم داعش، وهو المؤسسة العراقية التي لم تستطع إيران اختراقها، وقد كانت حصانة الجيش وديمومته أحد أسباب غضب قاسم سليماني وقيادة الحرس الثوري من رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، الذي عمل على منع تسلل الميليشيات إلى مراكز القيادة فيه، ورفض تأسيس مجلس عسكري الغاية منه إدخال المحاصصة الحزبية والطائفية إلى المؤسسة العسكرية.

من هنا فإن ضغط القيادة الإيرانية لإصدار قانون ينشئ المجلس العسكري على رأس قيادة الجيش يهدف إلى تحويله إلى مجلس جنرالات يجري تعيينهم من قبل أطراف السلطة وأحزابها والكتل النيابية، وهذا كفيل بأن تصبح إيران صاحبة قرار فيه، وهو ما ليس قائما اليوم.

ثلاثة مجالات عراقية تحاول إيران اختراقها في مواجهتها مع واشنطن، النفط وحزب الدعوة والجيش، وليس كل ذلك بغاية الحرب مع واشنطن، بل بهدف خلق واقع عراقي محرج لواشنطن، لاسيما أن إيران التي أعادت ترميم علاقتها مع الأكراد، واخترقت البيئة السنية، تحاول الإمساك بالورقة الشيعية من خلال السيطرة على حزب الدعوة، في محاولة لتهميش القيادات التي أظهرت مستوى من الاستقلالية عن النفوذ الإيراني، والغاية الإيرانية إعادة فرض حوار مع واشنطن ولو بواسطة أدواتها العراقية على حساب مصالح العراق.

في هذا الوقت يعاني مقتدى الصدر من إرباك وتشتت في الموقف، برز ذلك بشكل واضح في موقفه الأخير، من خلال هجومه على ملك البحرين ورئيس النظام السوري، في وقت يبدو فيه عاجزا عن اتخاذ موقف عراقي واضح بشأن التطورات الإيرانية الأخيرة.

في المقابل ثمة محاولة جادة تعكس وجود مقاومة عراقية لمشروع إضعاف العراق وإغراقه في وحول الأزمة الإيرانية، ويشكّل رئيس الحكومة السابق حيدر العبادي ورئيس تيار الحكمة عمار الحكيم نواتها التي تلقى دعما من النجف، ومن شخصيات عراقية باتت تدرك أن التماهي مع الموقف الإيراني يعني تدهور أحوال العراق السياسية والأمنية والاقتصادية.

 

كاتب لبناني

 

 

ايران تكشف أوراقها:

سنتفق مع اميركا وإسرائيل

علي الأمين *

 

المواقف التي صدرت عن القيادات الإيرانية، تؤكد أن الغضب الإيراني على العقوبات الأميركية وتحديداً قرار تصفير تصدير نفط ايران، يتركز على السعودية والامارات العربية المتحدة، باعتبار أن هاتين الدولتين تكفلتا بتعويض أي نقص في سوق النفط، يسببه منع ايران من تصدير نفطها.

يعكس الموقف الإيراني الذي عبر عنه أكثر من مسؤول وفي مقدمهم الرئيس حسن روحاني الذي قال أن ايران قد تحل مشكلتها مع الإدارة الأميركية، ولكن لن تنسى الإجراءات السعودية والامارتية. روحاني كان يقولها بالفم ّ الملآن لا تراهنوا على استمرار عدائنا لواشنطن سنتفق معهم ولن يتوقف عداءنا لكم. لم يكن روحاني الوحيد الذي لوّح بالتصعيد ضد الرياض وأبو ظبي، بل عدة مسؤولين في السلطة، من وزير الخارجية جواد ظريف، الى امام جمعة طهران، فيما قلل وزير النفط الإيراني من قدرة السعودية والامارات على تعويض النقص في النفط الذي يسببه منع ايران من بيع نفطها.

الموقف الإيراني يكشف السياسة الإيرانية التي طالما كان عنوان العداء للشيطان الأكبر وإسرائيل، هو ديدن خطاب مسؤوليها واذرعها في المنطقة العربية، لكنها في الواقع كانت شديدة البأس ضد دول المنطقة وشعوبها كما تظهر الوقائع التي اكتوى بنارها اهل العراق وسوريا واليمن ولبنان وغيرهم، وبالتالي فان ما قاله الرئيس الإيراني وردد مضمونه العديد من المسؤولين الإيرانيين، هو أن العدو الفعلي لإيران ليس إسرائيل، ولا الرئيس ترامب وادارته، بل السعوديين والاماراتيين، ولعل من اهم نتائج تصعيد العقوبات الأميركية على طهران واذرعها في المنطقة العربية اليوم، أنه يكشف هذه الحقيقة ويزيل عنها كل ما كان يعتريها من ادران عداء ايران لأميركا او تل أبيب، فالغضب الإيراني وتهديداته، لم وتردد في مدن إسرائيل ولا في القواعد العسكرية الأميركية.

لم يكن لدى العديد من المراقبين ايّ وهم أن ايران سترد على واشنطن، أو أنها ستنفذ تهديداتها الفارغة عن تدمير إسرائيل ببضعة دقائق، علماً أن هذه الفرصة قد تبدو مؤاتية اليوم أكثر من أي يوم سابق، لكن السياسة الإيرانية لم تكن يوما إسرائيل في سلم أولوياتها، بل النفوذ والسيطرة في الدول العربية هو الهدف الذي يجعل القيادة الإيرانية اليوم، تلوح بإمكانية بل بمسعى الاتفاق العلني مع واشنطن تستعيد من خلاله، موقع شرطي الخليج بشكل رسمي، أما فلسطين وطريق القدس التي جرى شقها في مدن عربية، فهي لم تكن سوى وسائل خبيثة لتأبيد الاحتلال الإسرائيلي في القدس والجولان، ولتأمين شروط الأمن والاستقرار لدولة إسرائيل، كما تظهر الوقائع ايضاً.

التنافس على قلب نتنياهو هو مؤدى السياسة الإيرانية التي على رغم الاهانات التي تتلقاها في الجغرافيا السورية من قبل الطائرات الإسرائيلية، الا اننا لم نلمس ايّ تعبير يكشف عن غضب إيراني من هذه الضربات، بينما نلمس كم أن بطش ايران حيال اعدائها في المجتمعات العربية  كان ولايزال شديدا وقاسيا بما لا يقاس ببطش إسرائيل، كما هو الحال في سوريا على سبيل المثال لا الحصر. كما أن السياسة الإيرانية في مآلاتها الأخيرة أظهرت للقاصي والداني أنها شكلت المعبر الإسرائيلي الى قلب المنطقة العربية، ونجحت في تحويل إسرائيل لدى معظم الدول العربية، أنظمة وشعوباً، كيانا مقبولا لديهم أكثر من ايران.

قالها الرئيس الأميركي بوضوح أنه ليس من أهدافه اسقاط النظام الإيراني، بل الاتفاق معه ضمن شروط وضعها على الطاولة، التي سيبقى فيها موقع خالٍ للنظام الإيراني، وايران كما حزب الله يتشبثان بعدم كسر الجرة لا مع الاميركيين ولا الإسرائيليين، وبالتالي عدم المسّ باي من الخطوط الحمراء الأميركية ولا الإسرائيلية، ما يقوله روحاني ويمارسه قاسم سليماني، وقاله أمين عام حزب الله بالفعل لا في القول وطيلة سنوات الثورة السورية، معركتنا ليست مع اميركا ولا إسرائيل انما عدونا “الإرهاب التكفيري” والوهابية، التي يعرف الإسرائيليون والأميركيون أن أعداء الأيديولوجيا الإيرانية اليوم، ليس كما كان رائجا في خطاب المقاومة والممانعة، اي الغرب والدول الكبرى، العدو اليوم هما السعودية والامارات منبت الإرهاب التكفيري والوهابية. 

·         رئيس تحرير موقع (جنوبية) اللبناني

 

أميركا تشدد الحصار على

حزب الله وتطوّق لبنان

علي الامين

زيارة وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو إلى لبنان لا يزال يتردد صداها في أروقة الساسة اللبنانيين، فالوزير الأميركي الذي قدم إلى بيروت قبل أكثر من أسبوعين، وجّه رسائل واضحة تتصل بحزب الله الذي سيطر إلى حدّ كبير على القرار في الدولة اللبنانية، وهي رسالة حملت تحذيرا من أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتهاون بشأن استصدار قرارات عقابية ستطال جهات لبنانية تنسق مع الحزب، فيما ستواصل واشنطن استصدار قرارات تتصل بما تعتبره تنفيذاً لقانون وضع حزب الله على لائحة “المنظمات الإجرامية”.

يدرك الوزير الأميركي أن لبنان الخاضع لنفوذ إيران من خلال ذراعها حزب الله، يقع تحت ضغط أزمة اقتصادية ومالية خانقة، بل إنه في “مرحلة الانهيار” كما نقل زوار رئيس الحكومة سعد الحريري عنه هذا التوصيف، إضافة إلى أن قرارات “مؤتمر سيدر” الذي عقد في فرنسا قبل أكثر من عام، هي مشروطة بسلسلة إجراءات على الحكومة اللبنانية تنفيذها للحدّ من العجز في الموازنة العامة، وإغلاق مزاريب الهدر والفساد، وهو ما يجعل الحكومة اللبنانية أمام تحديات تتصل بإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ولاسيما القضاء الذي يعوّل عليه لجهة وقف الفساد أو مكافحته، من خلال القيام بدوره كاملا.

وعلى إثر مغادرة بومبيو لبنان، توجّه وفد نيابي إلى واشنطن، للقاء دوائر الكونغرس المعنية ومسؤولين في الخزانة الأميركية، من أجل توضيح الموقف اللبناني، وإجراء مباحثات غايتها التخفيف من الإجراءات الأميركية، في موازاة تعهد لبنان الالتزام بالقوانين التي يتطلبها التعامل مع المؤسسات الأميركية، ولاسيما في شأن الأموال وانتقالها ضمن الآليات البنكية، وما يمكن الإشارة إليه في هذا السياق أيضا أن الوفد اللبناني سمع من مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط، كلاما واضحا، حيال إنهاء مشكلة الحدود مع إسرائيل، خاصة وأن قضية الحدود ترتبط أيضا بملف آبار النفط والغاز المختلف على حدودها في البحر.

احتمال حصول حرب بين حزب الله وإسرائيل سيبقى واردا، ويمكن أن يتحوّل إلى قرار، خاصة إذا ما حاولت واشنطن نزع ورقة الحدود اللبنانية مع إسرائيل من يد طهران

وفي سياق العقوبات الأميركية، أقدمت وزارة الخزانة الأميركية على إدراج شركة شمس للصيرفة وصاحبها فؤاد شمس، متهمة إياه بالقيام بعمليات تبييض أموال ونقل أموال مخدرات إلى حزب الله، وهو ما نفاه شمس. لكن صدور هذا القرار يعكس استمرار وتيرة العقوبات وتشديدها، فيما يجري التداول في بيروت عن قرارات تطال مسؤولين قريبين من بعض القيادات السياسية في حزب الله، إضافة إلى ما يتم إدراجه من شركات وشخصيات على لوائح العقوبات، بسبب ما تعتقده واشنطن أنه تورط من هؤلاء في عمليات مالية استفاد منها حزب الله.

وفي المعلومات المتداولة أنه سيتم تنفيذ عقوبات على بعض من يعتقد أنهم تورطوا في سحب أموال عراقية كانت أُودعت في زمن النظام السابق أي قبل العام 2003 في بنوك لبنانية معروفة ضمن صفقة شارك فيها أكثر من طرف، ويُعتقد أن المبلغ الذي جرى سحبه من ثلاثة بنوك وبتغطية شبه رسمية بلغ نحو ثلاثة مليارات دولار أميركي، جرى تقاسمها بين أربع جهات بما فيها بعض الأسماء التي كانت أودعت هذا المبلغ بحسابات رقمية وغير اسمية. وبالتأكيد فإن الجهات العراقية الرسمية ليس لديها علم بهذه الصفقة.

الملفات التي يجري إعدادها من أجل استصدار عقوبات أميركية، ترافقت مع تطمينات أميركية نقلها سفير لبنان في واشنطن، أن لا عقوبات أميركية على الرئيس نبيه بري، بعد أن تداولت وسائل إعلام عربية ولبنانية معلومات عن عقوبات مرتقبة على رئيس مجلس النواب الذي هو رئيس حركة أمل أيضا، وهذا ما نقله أعضاء الوفد اللبناني الذي عاد من واشنطن، من أنه لم يسمع أي إشارة أميركية على هذا الصعيد. على أن ذلك لا يعني عدم صدور قرارات تستهدف بعض الأفراد والمؤسسات التي تعتقد واشنطن أنها متورطة في دعم حزب الله من خلال عمليات تصفها بغير القانونية، وما ينقله أحد أعضاء الوفد اللبناني الذي زار واشنطن أن المسؤولين الأميركيين الذين التقوهم سواء في الكونغرس أو في وزارة الخارجية وفي وزارة الخزانة، يريدون من لبنان أن ينتقل من وضعية الساحة المفتوحة والمشرعة، إلى دولة مؤسسات تُحكم من خلالها الدولة السيطرة بالقانون على كل ما يجري ضمن أراضيها، وقد وجّه المسؤولون في وزارة الخارجية تنبيها لجهة انفلات الحدود مع سوريا، والتي تحوّلت إلى مناطق يجري عبرها تنفيذ عمليات تهريب تطال كلّ ما هو ممنوع بين لبنان وسوريا.

القرارات الأميركية تلقي بثقلها على السلطة السياسية، وسيف العقوبات الذي تلوح به واشنطن بات يشكل مصدر قلق للعديد من الجهات الرسمية، فسياسة تشديد القبضة الأميركية على لبنان والتي تبدو واشنطن مستمرة باعتمادها، باتت تلقي بثقلها على حزب الله، الذي أصبح بدوره يتلمّس آثار هذه السياسة في تراجع قدراته المالية، سواء بسبب هذه القبضة أو نتيجة العقوبات الأميركية على إيران، فضلا عن الأزمة العميقة التي يعاني منها لبنان اقتصاديا وماليا والتي زاد من انكشافها سطوة إيران عليه، وما يمكن أن نسميه انكفاء الدول العربية ولاسيما الخليجية من لبنان إلى حدّ كبير إذا ما قيس الحضور العربي بما كان عليه قبل عقد من الزمن.

رسالة بومبيو حملت تحذيرا من أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتهاون بشأن استصدار قرارات عقابية ستطال جهات لبنانية تنسق مع حزب الله

لبنان الذي يعاني من الانهيار المالي والاقتصادي هو أمام سلسلة تحديات وجودية على هذا الصعيد، والأرجح أن الحكومة التي تستسهلّ الحدّ من العجز عبر فرض الضرائب غير المباشرة، وتتفادى إجراء إصلاحات جدية ستطال بالضرورة قضية السيادة، هي أمام خطر انفجار اجتماعي بعدما “بشّر” وزير الخارجية جبران باسيل موظفي الدولة بعملية خفض الرواتب في سياق مواجهة الانهيار.

في موازاة ذلك فإن احتمال حصول حرب بين حزب الله وإسرائيل سيبقى واردا، ويمكن أن يتحوّل إلى قرار، خاصة إذا ما حاولت واشنطن نزع ورقة الحدود اللبنانية مع إسرائيل من يد طهران، وإذا ما كانت الأخيرة تجد في ذلك خطرا وجوديا على نفوذها في لبنان، سواء باسم الأمم المتحدة أو من خلال الدفع نحو مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل وقبرص باسم ترسيم الحدود المائية.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

لماذا يحرص محور الممانعة وحلفاؤه على توفير فرص

نجاح نتنياهو

علي الأمين

 

كل المؤشرات تدل أن ما يسمّى بمحور الممانعة والمقاومة وحلفائه، يوفر كل الشروط الملائمة لنجاح رئيس الحكومة الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو في انتخابات البرلمان، كي يعود مجددا على رأس ائتلاف حزبي إلى سدة رئاسة الحكومة. فما الذي يدفع هذا المحور إلى أن يعمل على إنجاح نتنياهو؟ وكما هو معلوم، فإن هذا الحلف يضم إيران وأذرعها ولاسيما حزب الله إلى جانب نظام الأسد، فيما تبدو حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، تتناغمان مع هذا المحور بشكل كبير، أما روسيا فيصفها إعلام هذا المحور بالحليف.

لقد شكلت صفقة تسليم رفات الجندي الإسرائيلي، زخاريا باومل، المفقود منذ معركة السلطان يعقوب التي جرت على الأراضي اللبنانية عام 1982، بين الجيش السوري والجيش الإسرائيلي، العنوان الأبرز في هذا الاتجاه. فقد حرص الوسيط الروسي بين نظام الأسد وإسرائيل، على الإعلان عن النجاح في العثور على الرفات بالتعاون مع الجيش السوري، وذلك قبل أيام من موعد الانتخابات الإسرائيلية، بل وتقصّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استقبال نتنياهو في موسكو من أجل تظهير الهدية التي قدّمها للإسرائيليين عبر نتنياهو أمام العالم.

ورغم محاولة بعض المسؤولين في النظام السوري الإعلان عن أن النظام ليست له علاقة بهذه العملية، فإن نتنياهو وأجهزة الاستخبارات والإعلام الإسرائيلية، كانا يروجان لعمل أمني استخباري إسرائيلي دقيق، مكّن الجيش الإسرائيلي من الوصول إلى رفات الجندي الإسرائيلي بعد 37 عاما من اختفائه، وهي رواية تصب في سياق دعم الحملة الانتخابية لنتنياهو وتزيد من عدد المؤيدين له في الكيان الإسرائيلي.

إسرائيل في تعاملها مع الأزمة السورية حرصت على توفير كل الشروط اللازمة لتعميق الشروخ المذهبية والطائفية، فهي عندما غطت دخول حزب الله اللبناني إلى سوريا دون القيام بأي خطوة رادعة له، كانت بذلك تكتب آخر بند من بنود بوليصة تأمين حدودها الجنوبية

لم يصرّح أي مسؤول من حزب الله، بل لم يبد مسؤولو هذا الحزب ولا إيران، تعليقا على هذه الهدية المقدمة من قبل الأسد إلى العدو، فقد ساد الصمت في أوساط هذا المحور الذي يقيم إعلامه الدنيا ولا يقعدها، إذا ما أسفرت “القرعة” عن مقابلة أحد الرياضيين العرب لنظيره الإسرائيلي في إحدى المباريات العالمية، أما بالنسبة لما قام به الأسد عبر الحليف الروسي، فلم يظهر على مسؤولي محور المقاومة ما يشير إلى غضب أو استياء، وتعامل إعلام هذا المحور بطريقة باردة تكشف زيف الكرامة التي طالما تغنى بها هذا المحور وجلد بسوطها كل خصومه.

ورد الفعل البارد هذا لدى إعلام الممانعة وصمت مسؤولي حزب الله وإيران يكشفان أن هذه العملية لم تكن مفاجئة، بل ثمة تنسيق بين أطراف المحور لإنجازها، أو في الحدّ الأدنى ثمة علم مسبق بحصولها، ذلك أن الثقة التي طالما عبر عنها قادة حزب الله وإيران تجاه الرئيس الأسد، تحول دون الشك في أن العملية تمت بمعزل عن أطراف محور المقاومة، أو أن الأسد أخفى عن حلفائه الذين بذلوا الدماء والمال من أجل بقائه ما ينوي القيام به في شأن اتصاله بالعدو الإسرائيلي.

ما يعزز هذه الفرضية أو الجزم بهذه الحقيقة، هو أن لا إيران ولا حزب الله قاما بخطوة مباشرة أو غير مباشرة، يمكن أن يفهم منها الاعتراض أو الرفض، فلم يصدر عن محور المقاومة ما يزعج نتنياهو، أو يقلل من شأن استثمار الموقف الأميركي في الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، وقبلها القدس، ولا كل ما يقوله بنيامين نتنياهو عن ضم المستوطنات في الضفة الغربية لإسرائيل، ولا حتى الرد على تصاريحه المستفزة بشأن المحافظة على الانقسام الفلسطيني، وحرصه على حماية وجود حماس في غزة، التي قال إنه لن يسلمها لأبي مازن رئيس السلطة الفلسطينية الشرعية.

كل المواقف تشير إلى أن محور المقاومة وحليفه الروسي يلتزمان الصمت لا بل يساهمان في تظهير نتنياهو أنه “الملك” ليس على فلسطين المحتلة فحسب، بل القادر على لجم محور الممانعة والمقاومة ومنعه من القيام بأي خطوة تظهره في موقع التحدي، أو المبادر في مواجهة خطط نتنياهو في ضم الأراضي وفرزها، وفي رسم الخطوط الحمر التي يلتزم بها المحور المذكور، بل فاق في التزامه السلطة الفلسطينية المقيدة أصلا باتفاقات مع إسرائيل بأشواط.

تجري الانتخابات الإسرائيلية اليوم الثلاثاء، لكن أمين عام حزب الله حسن نصرالله اختار يوم الأربعاء ليطلّ على الجمهور، بعد مرور أكثر من أسبوع على فضيحة تسليم الرفات لإسرائيل، وهي إشارة لا تخلو من دلالة أن نصرالله- حسب ادعاء إعلامه- “يتابع الجمهور الإسرائيلي خطابه ويتأثر بمواقفه وبمصداقيته” لا يريد أن يقول شيئا قد يُفهم منه محاولة تأثير في خيار الناخب الإسرائيلي، وهذا ما يؤكد مجددا أن محور إيران لا يريد لنتنياهو أن يفشل في هذه الانتخابات.

وكما أن روسيا أظهرت، إلى جانب الإدارة الأميركية، كل الدعم لنتنياهو، فإن إيران وحزب الله والنظام السوري، تسير على نفس النهج الذي رسمه دونالد ترامب وبوتين، في دعم خيار وصول نتنياهو إلى سدة الحكم.ولكن يبقى السؤال ما الذي يجعل محور الممانعة والمقاومة ملتزما بالتوجيهات الروسية في السعي لدعم نتنياهو؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى الكثير من الغوص في التحليلات، فقضية بقاء الأسد على رأس النظام هي أولوية إيرانية، وقد قالت وزارة الخارجية الروسية غداة تسليم “الرفات” إلى إسرائيل، إن بقاء الأسد على رأس السلطة هو خارج النقاش، وكان المسؤولون الإسرائيليون قد أكدوا في أكثر من مناسبة أن إسرائيل ساهمت في دعم بقاء الأسد، وحاول بعضهم في سياق تأكيد هذا الموقف، القول إن هناك ندما إسرائيليا على حماية الأسد.

كما أن إسرائيل في تعاملها مع الأزمة السورية حرصت على توفير كل الشروط اللازمة لتعميق الشروخ المذهبية والطائفية، فهي عندما غطت دخول حزب الله اللبناني إلى سوريا دون القيام بأي خطوة رادعة له، كانت بذلك تكتب آخر بند من بنود بوليصة تأمين حدودها الجنوبية على مدى عقود قادمة، فهي وفرت أمنها الاستراتيجي من خلال إحداث شرخ مذهبي جعل من البيئة الشيعية في لبنان، وجنوبه على وجه التحديد ينظر إلى الخطر القادم من جهة سوريا متقدما بأشواط على خطر إسرائيل، والعكس بالعكس في ما يتصل بالمجتمع السوري الذي أصابه من حزب الله وإيران ما لم تقم به إسرائيل ضده من أذى وقتل وتهجير وتهديد وجودي.

نتنياهو الذي نفذ هذه الخطة كان يدرك أن فكرة تحالف الأقليات في المقلب اللبناني والسوري، تتطلب لنجاحها وبقائها وجود الأسد، فيما كان الرئيس اللبناني ميشال عون في زيارته قبل أسبوعين إلى موسكو، لا يجد ما يشكر عليه بوتين سوى مواقفه “المدافعة عن الأقليات المسيحية في المشرق”، وهذه هي العبارة الساحرة التي تجعل إسرائيل، كما الأسد كما حزب الله، وبمعزل عن الشعارات المتقابلة، يتقاطعون على مصلحة تهميش الأكثرية وتشتيتها، باعتبارها تشكّل الخطر الفعلي على الاحتلالات من أي جهة أتت على امتداد الدول العربية، وعلى إسرائيل وإيران في المشرق العربي.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

بومبيو وفتنة حزب الله

علي الامين

 

حزب الله أن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في زيارته إلى لبنان قبل أيام، حمل “مشروع فتنة” بين اللبنانيين، وقد انشغلت المؤسسات الإعلامية التابعة للحزب بالترويج لهذه المقولة قبل وصوله واستمرت بعد مغادرته، لا بل وُجهت معظم مقدمات نشرات الأخبار التلفزيونية اللبنانية الحليفة، للإضاءة على هذه العبارة وترديدها إثر مغادرة بومبيو بيروت بعد جولة شملت الكويت وإسرائيل، ثم بدأت نشراتها الإخبارية لاحقا، بالإعلان عن ظهور الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله على شاشة “المنار” مساء الثلاثاء للرد على المؤامرة الأميركية على لبنان، وتفنيد ما قاله بومبيو خلال لقاءاته اللبنانية.

وسائل الإعلام اللبنانية باتت خاضعة في معظمها لتوجيهات “العلاقات الإعلامية في حزب الله” في ظاهرة تشبه، بل تتفوق على تلك المرحلة التي عاشها لبنان في زمن الوصاية السورية، حين كانت وسائل الإعلام تخضع لنظام توجيه ورقابة، لاسيما في القضايا التي تتصل بمصالح نظام الوصاية على لبنان، ومتطلباته الإقليمية والمحلية.

لذا فإن المشهد السياسي والإعلامي في لبنان كان يردد ما يُمْلى عليه، ليغرق في موجة شعارات واستعراضات بطولية للتغطية على حقيقة أشدّ وأقسى، هو الواقع اللبناني البائس ماليا واقتصاديا، بفعل سوء الإدارة وفساد السلطة، وغياب منطق الدولة، لصالح الاستعراض السياسي المفتعل عن إفشال السلطة اللبنانية مؤامرة الفتنة المزعومة التي حملها بومبيو إلى اللبنانيين.

يعرف الجميع ومنهم حزب الله، أن لا وجود لأي ميليشيا في لبنان تمتلك السلاح سواه، ولكي لا نكتفي بمقولة إن اللبنانيين سئموا الحروب وذاقوا أهوالها وكوارثها، فإن مقتضى الفتنة أن تكون هناك قوى ميليشياوية تتلقى السلاح والدعم المالي لإحداث الفتنة، وهو غير موجود، لا بل إن الحكومة الأميركية تقصر دعمها في لبنان على مؤسسات الدولة ولاسيما الأمنية والعسكرية، بخلاف إيران التي تقصر دعمها على حزب الله كمشروع أيديولوجي أمني غايته السيطرة على الدولة وإضعافها.

أما خصوم إيران من الدول العربية، فليس من أولوياتهم لبنان، بحيث يمكن أن يلمس المراقب أن غاية الحضور العربي في لبنان، لا تتجاوز الوجود الدبلوماسي والاجتماعي، في ظل تراجع وانكفاء غير عفوي لتلك الدول، لم يشهده لبنان منذ تأسيسه.

المشهد السياسي والإعلامي في لبنان يردد ما يُمْلى عليه ليغرق في موجة شعارات للتغطية على حقيقة الواقع اللبناني البائس ماليا واقتصاديا، لصالح الاستعراض المفتعل عن إفشال السلطة اللبنانية مؤامرة الفتنة المزعومة التي حملها بومبيو إلى اللبنانيين

لم يحمل الوزير الأميركي إلى اللبنانيين غير ما سمعوه من واشنطن قبل زيارته من رسائل شديدة الوضوح. ما قاله يعني استمرار العقوبات وتصعيدها على حزب الله، ودعم خيار الدولة في لبنان، في إشارة ضمنية إلى أن لبنان معني بأن يعيد ترتيب العلاقة مع حزب الله بما يضمن التزامه بمصالح الدولة اللبنانية لا إيران، ويدرك الوزير الأميركي أن ليس في مقدرة مؤسسات الدولة مواجهة سطوة حزب الله وسلاحه، فضلا عن أن مسؤولي الدولة يسلمون إلى حدّ كبير بأن لبنان بات فعليا ضمن المحور الإيراني، ولكن بومبيو الذي تحدث بمنطق الدولة تجاه لبنان، كان يقوم بتبليغ مباشر للموقف الأميركي الرسمي، وبالتالي فهو يريد أن يمهد في هذه الزيارة لحزمة عقوبات على حزب الله وبعض المتعاونين معه من سياسيين لبنانيين، مدركا أنها لن تغير من واقع الحال السياسي اللبناني.

بومبيو الذي حمل لرئيس الوزراء الإسرائيلي “بشارة” الاعتراف الأميركي بضم الجولان السوري المحتل لإسرائيل، أراد التغطية على هذا القرار برفع الصوت في لبنان، لاسيما أن حزب الله الذي دخل إلى سوريا محاربا ولا يزال، زاعما بأنه يواجه المشروع الأميركي الصهيوني، يُنتظر منه أن يرد على الخطوة الأميركية في الجولان، ولكن يكشف الموقف الأميركي في القدس قبل أشهر وفي الجولان اليوم، أنه اختار التوقيت المناسب للاعتراف بالقدس وضمّ الجولان، أي التوقيت الذي أعلنت فيه إيران انتصارها في سوريا، وأحكم حزب الله فيه السيطرة الكاملة على لبنان، هذه ليست مفارقة بل تكشف إلى حدّ بعيد، أن إستراتيجية إيران كما إستراتيجية إسرائيل المتصادمتين في الشكل، متقاطعتان في نظام الأولويات الإستراتيجية التي تقوم على تقاسم كل منهما ما أمكن من كعكة السيطرة والنفوذ على الدول العربية.

وللتوضيح، فقد قال رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت الأحد الماضي، إن إيران معنية بفوز بنيامين نتنياهو بالانتخابات الإسرائيلية، التي ستجرى في التاسع من أبريل المقبل. وأضاف أولمرت “لا يوجد أمر تريده إيران، أكثر من بقاء نتنياهو في رئاسة الحكومة”.

غادر الوزير الأميركي لبنان، تاركا القرار لرئيسه دونالد ترامب بشأن العقوبات التي ستتوالى على حزب الله، ولكن ليس لغاية القضاء عليه، بل لمزيد تطويعه بما يتناسب مع الإستراتيجية التي تتطلب المحافظة على الستاتيكو القائم على حدود إسرائيل، وبما لا يخل بالأطماع الإسرائيلية، وخطوات تهويد كامل فلسطين.

لا يخل بهذه الإستراتيجية بل يعززها أن يستمر التلويح بسيف “المقاومة” ضد إسرائيل من لبنان وغزة، لكن ليستخدم هذا السيف في المزيد من قتل روح المقاومة سواء في غزة أو في لبنان وسوريا، وهذا ما تنفذه عمليا حركة حماس ويقوم به حزب الله. الأولى من خلال ممارسة القمع علة أهل غزة الباحثين عن لقمة عيش، والثاني بات وجوده الفاعل متلازما مع إضعاف لبنان وانكفائه، إذ بات يمثل نموذجا للدولة الفاشلة المهددة في هويتها ووجودها، إثر فقدانها لدورها الطليعي عربيا وعالميا كمركز تفاعل حضاري وعنوانا للتنوع السياسي والثقافي.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

حزب الله.. الرد على جولة

ساترفيلد بإعلان الحرب

على السنيورة

علي الامين

مساعد وزير الخارجية الأميركية دايفيد ساترفيلد غادر بيروت، بعد إنجاز مهمة اتسمت بتحذير الحكومة اللبنانية من معاونة حزب الله على الالتفاف على العقوبات الأميركية، حيث جدّد خلال لقاءاته بالمسؤولين اللبنانيين على أن واشنطن تراقب نشاط حزب الله في الحكومة، وهي لن تتهاون في شأن العقوبات التي قال إنها ستتصاعد في المرحلة المقبلة ضد الحزب، ورغم تأكيده على أن العقوبات هي حصرا على حزب الله، وليس هدف واشنطن الإضرار بالدولة اللبنانية بل بترسيخ وجودها، فقد قال إن ذلك يتطلب عدم السماح لحزب الله باستغلال وجوده داخل المؤسسات الشرعية للالتفاف على العقوبات.

زيارة ساترفيلد إلى بيروت تمهد لزيارة مرتقبة لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى بيروت في سياق جولة شرق أوسطية يُتوقع حصولها منتصف الشهر الحالي، وهي الزيارة التي يرجح أن يحمل فيها الزائر الأميركي المزيد من التحذيرات للحكومة اللبنانية من السياسة التي تعتبرها واشنطن عنصر تغطية لدور حزب الله الأمني والعسكري في لبنان وخارجه، ولعل أهم مقدمات الرسائل الأميركية تجاه المسؤولين اللبنانيين ذات الدلالة، هي أن ساترفيلد تقصّد على ما تشير المعلومات عدم زيارة رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وهما الحليفان الأقرب إلى حزب الله رغم العلاقة الباردة المثقلة بالريبة المتبادلة بينهما، أي عون وبري.

المسؤول الأميركي على غير عادة الزائرين الأميركيين الرسميين إلى لبنان، لم يطلب لقاء رئيس الجمهورية ولا رئيس مجلس النواب، ورغم أن المصادر الرسمية أشارت في شأن الرئيس بري إلى أنه كان في زيارة رسمية إلى الأردن خلال زيارة ساترفيلد، إلا أنّ وجود الأخير في بيروت استمر إلى ما بعد عودة بري من الأردن، ورغم ذلك لم يجر أيّ لقاء بين الرجلين.

عدم اللقاء لم يكن عفويا ولم تمنع حصوله عوائق لوجستية، بل لم يجر المسؤول الأميركي أي اتصال لتأمين موعد للقاء أي من الرئيسين، واكتفى بلقاء رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، إلى جانب لقاءات غير رسمية مع جهات سياسية مما كان يسمى قوى 14 آذار.

وفي قراءة سياسية لهذه الخطوة غير المسبوقة في زيارات المسؤولين السياسيين الأميركيين إلى لبنان طيلة السنوات الماضية، فإن استثناء ساترفيلد لرئيسي الجمهورية والنواب من جولته، يندرج في إطار الرسائل الجدية التي باتت واشنطن حريصة أن تصل إلى المسؤولين اللبنانيين بقوة.

فواشنطن التي طالما حذرت الحكومة اللبنانية من تصاعد نفوذ حزب الله الأمني والعسكري، لم تقم بخطوات عقابية محرجة للدولة اللبنانية، بل ركزت في عقوباتها على استهداف حزب الله مباشرة.

وفي الإشارة الأخيرة ما يدل على أن واشنطن ترفع من سقف التحذيرات، وتلوّح بأن تنفيذ قانون العقوبات الصادر عن الكونغرس ضد حزب الله، سينتقل إلى مرحلة تنفيذ عقوبات على حلفاء حزب الله، لذا فإن الرئيسين عون وبري هما من أقرب الحلفاء لحزب الله كما يؤكد حسن نصرالله نفسه، الذي طالما أشاد بدور الرئيس ميشال عون كداعم لدور الحزب الأمني والعسكري، وطالما تغنى بالتحالف الوثيق مع الرئيس نبيه بري وحركة أمل التي يرأسها.

مهّد ساترفيلد على طريقته لزيارة وزير الخارجية الأميركي، وأعلن بوضوح أنّ مسار العقوبات على إيران وحزب الله مستمر وسيتصاعد في المرحلة المقبلة، ومن المرجح أن يلتقي بومبيو رئيسي الجمهورية ومجلس النواب في جولته، لكنها هذه المرة فهي مسبوقة بالرسالة التي وجهها مساعده، بأن موضوع دور حزب الله ونفوذه، ليس أمراً قابلا للتغاضي من قبل الإدارة الأميركية، بل سيكون عنوانا رئيسا للسياسة الأميركية في لبنان والمنطقة.

هذه الرسائل الأميركية إلى لبنان وحزب الله، لم يقابلها الحزب بخطاب تصعيدي أو تهديدي ضدّ الأميركيين والإسرائيليين، كما كان الحال في سنوات سابقة، إذ يمكن أن يلاحظ اللبنانيون أن لا تظاهرات احتجاجية تجري أمام السفارة الأميركية، طالما كان حزب الله ينظمها عند صدور أي قرار أميركي يتصل به أو بقضايا إقليمية تهمه، ولا شعارات في بيروت اليوم تدعو إلى “الموت لأميركا”، ولا أفلام مصورة لحرق العلم الأميركي، ولا أي مظهر احتجاجي على ما قامت به بريطانيا بإدراج جناح حزب الله السياسي، كما تسميه، على لائحة الإرهاب، بعد أن كانت أدرجت مع الدول الأوروبية جناحه العسكري على لائحة الإرهاب.

عدم حصول أي احتجاجات في الشارع أو مهرجانات منددة بالقرارات الأميركية أو البريطانية، أمر يجب التوقف عنده، وهو لا يتناغم مع الطريقة التي كان يعتمدها حزب الله في مواجهة مثل هذه الخطوات.

كما لم يذهب أمين عام حزب الله بعد كل هذه الرسائل الشديدة إلى التهديد والوعيد، كان شديد الهدوء حيال النوايا العدوانية من قبل واشنطن وبريطانيا، واكتفى بالقول “إننا أقوياء ومظلومون”، وحضّر جمهور الحزب لعقوبات جديدة وقال إن “أياما صعبة ستمر علينا” وأن دولاً أخرى ستدرج حزب الله على لائحة الإرهاب والعقوبات.

ولكن نصرالله الذي يعاني من تزايد الضغوط الدولية على حزبه، وبات شديد الحذر في توجيه التهديد لـ“الشيطان الأكبر” ولـ“المستكبرين” في العالم وحتى لإسرائيل التي تحتل مزارع شبعا اللبنانية، صبّ جام غضبه على “الفساد في لبنان”، في خطوة غير مسبوقة أيضا تشبه “التهذيب” غير المعهود حيال تهديدات “الاستكبار العالمي” وعقوباته.

أولا، حزب الله منذ نشأته حتى اليوم لم يضع في برنامجه أولوية بناء الدولة أو ترميمها، وطالما كان يعتبر أن تحرير الأرض والمقاومة ضد المحتل وضد التكفيريين هي مهمته، لكنه اليوم يقول إنه يريد أن يطهر البلد من الفساد والمفسدين، وهي مقولة لا يمكن أن تقنع اللبنانيين، فحزب الله لم يكن يوما خارج دائرة الفساد والإفساد، فهو مشروع قام ويقوم على ثنائية الدولة – الدويلة.

ضعف الدولة كان ولا يزال شرط نفوذه وتمدده، وطالما أنه كذلك فإن الفساد في الدولة وضعفها، سيظل هدفا واجب التحقق لاستمراره كذراع إيرانية في لبنان والمنطقة.

ثانياً، الرسالة التي أطلقها لإظهار اهتمامه بمحاربة الفساد، جرى توجيهها لأشد خصومه السياسيين رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، الذي كانت حكومته وراء تأسيس المحكمة الخاصة باغتيال رفيق الحريري، ووراء صدور القرار 1701، والذي بقي متمسكا بموقفه حيال سلاح حزب الله والعديد من القضايا التي تتصل بسيادة الدولة واستقلاليتها.

استهداف السنيورة من قبل حزب الله في ملف الفساد، هو رسالة مفادها أن الكيدية السياسية هي التي تحرك حزب الله، إذا سلمنا بنواياه الإصلاحية، وهي محاولة لتقويض أي مشروع جدي للإصلاح من خلال الدفع بالسجال اللبناني في هذا الشأن نحو متاهات طائفية ومذهبية، ولو كانت النوايا صادقة لكان حزب الله بدأ بفتح ملف مفسدين من مؤيديه أو من حلفائه وهم كثر، فبذلك كان الجميع سيصدق أنه جاد، أما أن يختار أشد خصومه السياسيين ليتهمه بالفساد فهذا ما لا يمكن أن يكون اختياراً غايته الإصلاح.

الجدل حول الفساد والإصلاح يراد له أن يملأ الإرجاء اللبنانية، ولكن من دون مكافحة حقيقية أو معالجة جديّة له، فغاية الجدل أن حزب الله الذي يقف عاجزاً ومربكاً حيال العقوبات الأميركية والغربية، يريد أن يستعرض قوته في الداخل اللبناني، فيداوي ضعفه تجاه الخارج بمزيد من الاستقواء في الداخل، شأن الأنظمة الأمنية والدكتاتورية التي يعرفها الجميع.

 

كاتب لبناني

 

 

الولايات المتحدة تشدّد الحصار

على إيران ونظام الأسد في سوريا

علي الامين

لم تكن زيارة رئيس النظام السوري الأولى إلى طهران منذ انطلاق الثورة السورية، سوى إعلان صريح عن نهاية فرصة عودة سوريا بصورتها الأسدية غير المنقحة إلى الجامعة العربية.

تحاشى الأسد القيام بهذه الزيارة طيلة تلك السنوات، رغم الدعم الكبير الذي تلقاه من طهران في مواجهة الثورة، ورغم القطيعة شبه الكاملة مع المنظومة العربية، فضلا عن قيامه بعدة زيارات إلى موسكو التي بدت بالنسبة إليه، الدولة الكبرى التي لا تشكل زيارتها تحديا أو استفزازا للعديد من الدول الكبرى ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية، بل أملا بإمكانية إعادة الاعتبار الدولي والإقليمي إلى النظام الذي تورط بقتل مئات الآلاف من السوريين وتهجير الملايين فضلا عن تدمير معظم المدن والحواضر السورية.

وصل الأسد إلى طهران في خطوة تعكس الإعلان عن نهاية فرص تحسين الشروط الإقليمية والدولية للنظام، فالدول العربية تراجعت خطوة إلى الوراء، سحبت دولة الإمارات العربية المتحدة القائم بأعمال سفارتها في دمشق، بعد أن تراجعت عن خطوة تعيين سفير جديد فيها، ومصر التي كانت وزارة الخارجية فيها تنشط لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية، انكفأت عن هذه الدعوة، ولم تقم البحرين بما كان متوقعا منها بفتح سفارتها في دمشق.

باختصار ثمة ما خفف من الاندفاعة العربية تجاه سوريا، بل فرملها وهي رسائل أميركية واضحة لجهة عدم إضفاء أيّ شرعية إقليمية أو دولية على نظام الأسد، طالما لم يجر الانتقال إلى مرحلة التغيير في صيغة النظام ودستور البلاد استنادا إلى مقررات جنيف، والأهم هو أن نظام الأسد لم يقدم شيئا حيال التخلص من النفوذ الإيراني، ولم يقم بأيّ خطوة يشتم منها أنه في وارد الخروج من الحضن الإيراني.

ما تنقله أوساط سورية معارضة للنظام في هذا السياق، أن زيارة الأسد لطهران، تتصل بجانب آخر، له علاقة بالتنافس الروسي- الإيراني، وهذا التنافس الذي لم يخرج إلى حدود التناقض بين مصالح الدولتين في سوريا حتى اليوم، إلا أن ذلك لا يقلل من شأن أن الدولتين تعملان كل بمفردها على تعزيز نفوذها داخل الدولة السورية والجيش، إلى حد أن ذلك ساهم في حدوث صدامات في أكثر من مكان، بين الجزء الذي تشرف عليه روسيا عبر اللواء سهيل الحسن، والفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد الذي يوصف بأنه حصة إيران في المؤسسة العسكرية.

وتضيف هذه المصادر نقلا عن مصادر روسية، أن الجيش السوري غير قادر على الدخول إلى منطقة شرق الفرات، فيما تفسر قوى معنية الموقف الروسي، باعتبار أن موسكو غير متحمسة لخوض معركة في شرق الفرات لأن نتيجتها ستكون لصالح سيطرة الميليشيات الإيرانية والقوى التابعة لها، على حساب سيطرة النظام وقواته التي تصفها المصادر بالهشة.

الموقف الروسي يبقى أقرب إلى الموقف التركي حيال عدم الدخول في مواجهة في هذه المنطقة التي تتداخل فيها مصالح إقليمية ودولية تطال الأكراد والمنطقة الآمنة، والحضور الأميركي الذي لا يزال في هذه المنطقة استراتيجيا رغم إعلان الرئيس الأميركي الانسحاب من سوريا.

جاءت زيارة الأسد إلى طهران في ظل خطوات إحكام الحصار الأميركي، ومع رسوخ قناعة لدى طهران من أن مسار التصعيد الأميركي لن يتوقف، وسيمتد هذه المرة إلى نظام الأسد

ومن ضمن المعلومات التي تؤكد أن خطة أميركية يجري تنفيذها على صعيد التضييق على النظام السوري، أن الإدارة الأميركية ألزمت قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا، بوقف تزويد النظام بالمشتقات النفطية، وهي خطوة تهدف إلى تضييق الخناق على النظام، ومنعه من إعادة ترميم علاقاته مع البيئة السورية الحاضنة له، وما يؤكد هذا التوجه، هو ما أكدته مصادر سورية معارضة في القاهرة بأن الحكومة المصرية تلقت طلبا من الإدارة الأميركية مفاده منع البواخر الإيرانية المتجهة إلى السواحل السورية من العبور عبر قناة السويس.

جاءت زيارة الأسد إلى طهران في ظل خطوات إحكام الحصار الأميركي، ومع رسوخ قناعة لدى طهران من أن مسار التصعيد الأميركي لن يتوقف، وسيمتد هذه المرة إلى نظام الأسد، وبالتالي فإن التغيير في سوريا وإعادة إعمارها، باتا محكومين بشرطين لازمين. الأول يتصل بإنهاء النفوذ الإيراني أو تقليصه نوعيا. والثاني الانتقال من النظام الدكتاتوري إلى نظام بديل يتيح مشاركة قوى ومكونات سورية معارضة ومستقلة.

كلا الشرطين قاتلان للنفوذ الإيراني ونظام الأسد، فالأول لن يحتمل مشروع خروجه من سوريا، والثاني عاجز عن البقاء في السلطة في حال وافق على إجراء أي تعديل ولو بسيط في بنية النظام.

لذا تفيد المؤشرات في سوريا اليوم، بأن الأزمة مستمرة والحلول ليست قريبة، هذا ما تكشفه الإجراءات الأميركية الآنفة، وهذا ما يؤكده عجز طهران وحتى روسيا عن خوض غمار إعادة الإعمار وترسيخ وجود النظام، بمعزل عن حاضنة دولية وعربية، وقد أكد الرئيس الروسي قبل أيام على ضرورة وجودها وقال إن روسيا تعمل على قيامها.

يدرك الرئيس السوري أن فرص بقائه تكمن في استمرار الأزمة، طالما أن الحلول ليست بيده ولا بيد حلفائه فقط، وهو يدرك بعمق أكثر أن بقاءه في السلطة واستمرار دعم حلفائه له، يتطلبان أيضا بقاء الأزمة لأنها الوحيدة التي تجعل روسيا وإيران متمسكتين به، وأي انتقال لتسوية دولية سيكون هو كبش فدائها، سواء طاله مباشرة أو من خلال تغيير النظام أو تعديله.

الخطر الذي يهدد إيران في سوريا، يجعل من طهران أكثر تمسكا بالأسد، كما يجعل الأسد أكثر اطمئنانا لإيران، طالما أنهما عنوان الأزمة في الاستراتيجية الأميركية وطالما أن روسيا ليست في هذه الوضعية، بل هي التي لديها خيارات عدة يمكن أن تعتمدها طالما أن الدول المؤثرة تسلم بدور موسكو المرجعي في سوريا.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

حزب الله: الحرب

السورية لم تكن نزهة

علي الامين

 

لم تكن الحرب السورية التي خاضها حزب الله نزهة، ولم تكن بطبيعة الحال انتصارا له ولإيران كما يروج له قادته ومناصروه، وهي أيضا ليست كما يحلو للبعض أن يقول إنها جعلت حزب الله أكثر قوة في مواجهة إسرائيل، كما يردد إعلام “الممانعة والمقاومة” الذي روّج لمقولة إن حزب الله ذاهب إلى سوريا لمواجهة إسرائيل، بل للتصدي للولايات المتحدة نفسها وكل الغرب المتآمر.

هذه الحرب التي سبّبت مقتلا لمئات آلاف السوريين وتهجيرا للملايين منهم وتدميرا لمئات الآلاف من البيوت والمؤسسات، لم تكن كما قال عنها أمين عام حزب الله مرات عدة إن طريق القدس تشق من حلب وحمص والرقة.. أي من المدن السورية، بل هي فعل تدمير لمشروع التغيير في النظام الأمني والدكتاتوري، نحو حكم نابع من الشعب ومن إرادة السوريين. انتصار حزب الله أو المهمة التي أنجزها في سوريا، خلصت إلى سيطرة منظومة دولية إقليمية باتت تتحكم بسوريا اليوم، وحزب الله فيها ليس إلا بيدقا من بيادقها.

ثمة دمار لا يقل عن ذلك، أحدثه القرار الإيراني بإدخال حزب الله إلى سوريا، فالحرب ليست نزهة حين تكون في مواجهة عدوّ لا لبس فيه، فكيف إذا كانت ضد عدوّ ملتبس، ذلك أن مقاتلي حزب الله الذين تمّ جرهم في البداية للقتال في سوريا، وبذل جهد كبير لإقناعهم بأن هذه الحرب مقدسة، وتمّ استصدار فتاوى دينية وسياسية غبّ الطلب تؤكد أن الموت أمام الساعين لتغيير نظام الأسد وإسقاطه هو أشرف من الموت في مواجهة العدو الإسرائيلي، فهذا التوجه نحو الدفاع عن نظام الأسد، ولو على حساب ملايين السوريين الذين انتفضوا في وجهه، لم تكن تداعياته سطحية على بيئة حزب الله ولن تكون في المستقبل قابلة للتحكم والسيطرة، والأرجح أن ثمة انهيارات يشهدها في منظومة القيم السياسية والاجتماعية والدينية، بدأت آثارها تصيب بنية الاجتماع السياسي والديني الذي صار منتهكا بقيم القوة والاستقواء والنفوذ، التي كشفت عن خلل وتباين شاسع بين المحازبين، الذين باتوا ينظرون إلى حزب الله باعتباره سلطة جاثمة على صدورهم، فيما هم يشاهدون كيف نما نفوذ تجار الحرب والسلطة وكيف تغلغل الفساد بأبعاده المتعددة إلى هذا المحيط الأيديولوجي والسياسي والأمني والعسكري.

استخدم حزب الله في سبيل تعزيز نفوذه السياسي في لبنان، وسيلة الإفساد من أجل جذب المؤيدين والمناصرين والأتباع لاسيما على مستوى السلطة. طالب الآخرين بالولاء مقابل إغراء الفساد، أي “كن معنا وأفعل ما شئت في المال العام ونحن من يحميك”. وسيلة الإفساد كمعبر للسيطرة والتحكم لا يمكن ضبطها، فهي منهج سيتسلل إلى داخل بنية حزب الله وإلى نظام علاقته مع بيئته وجمهوره القديم والمستجد، وهكذا كانت الحرب السورية مجالا لترسيخ منظومة الفساد ومراكز القوى داخل حزب الله.

في الحرب السورية أعلن حزب الله أولوية القتال في هذا البلد، وتطلب ذلك استحضار كل ما يشد العصب المذهبي وتصوير ما يجري في سوريا على أنه استهداف من قبل السنّة المتطرفين للشيعة، هكذا خاطب قاعدته، فكان الشعار الشهير ولا يزال في هذه الحرب “لن تُسبى زينب مرتين” وهو الشعار الذي تمّ تعميمه بوسائل إعلانية وتعبوية طالت كل مكان فيه مجموعة من السكان الشيعة، ولم يكن من شعار يوازي هذا الشعار أو يلامسه في خطاب حزب الله لجمهوره والجماعة الشيعية في لبنان، وبات كل من يتصدى لهذا الشعار في نظر حزب الله خارج الملة.

من أبرز نتائج هذا الانخراط في الحرب السورية، هو ترسيخ الهوية المذهبية وأولوياتها على حساب أي مشروع جامع سواء كان وطنيا عربيا أو إسلاميا. إسرائيل ليست مصدر القلق الوجودي، وشعارات التحرر من الاستبداد موصولة بما يقوله المرشد علي خامنئي أو وكيله العام في لبنان حسن نصرالله، وما يقوله هؤلاء في الخطاب الأيديولوجي وفي تمثلاته في “البيئة الحاضنة”، أن الخطر هو الإسلام غير الشيعي، أو النظام السعودي، وحتى الولايات المتحدة لم تعد عدوا في التعبئة الحزبية، وما يقال مثلا ضد الإدارة الأميركية من أوصاف واتهامات هو أقل بكثير مما يقال ضد النظام السعودي، والجرأة على أي نظام عربي هي أكثر بكثير من الجرأة على إسرائيل ولا نقول واشنطن.

حزب الله أراد أن يحمي نفسه دولياً، فالتزم بالخطوط الحمراء منذ بداية التدخل في سوريا واليمن والعراق، كما التزم بعدم المسّ بإسرائيل وعدم التعرض للمصالح الأميركية والغربية، وهذا سلوك تفهمه القاعدة الحزبية رغم محاولات التذكير بالعداء لإسرائيل وأميركا. ورغم الضربات التي تلقاها حزب الله في سوريا من قبل إسرائيل طيلة السنوات الماضية، لم يبادر إلى أي فعل عسكري للرد على الاعتداءات عليه. قاتل الثوار السوريين بشراسة، لكنه كان شديد الحذر من أن يقوم بأي فعل عسكري ضد أي مؤسسة غربية أو أميركية أو صهيونية.

الصواريخ والطائرات الإيرانية المسيرة استخدمت من قبل الحوثيين ضد السعودية والإمارات العربية، لكنها لم تستخدم ضد من احتل القدس التي أنشأت إيران فيلقا باسمها، ولم يطلق رصاصة من أجل تحريرها أو ضد تهويدها، فيما جنوده ينشطون في العراق وسوريا واليمن.

التداعيات هي أن حزب الله نجح إلى حدّ كبير في تحويل الصراع في المنطقة وفي مخيلة محازبيه إلى صراع داخلي بين مكوناتها، فأصبح انخراطه في هذه الحرب عامل إغراء لتل أبيب، في كونه يُظهر أهمية وجود إيران كعنصر لاجم لأي حيوية في المنطقة العربية معادية للاحتلال الإسرائيلي، بينما الأهم من ذلك، أن حزب الله اليوم، بإرادته أو رغما عنه، تحوّل إلى حاجز دفاعي عن إسرائيل، عندما صار العمق العربي، والسوري على وجه التحديد، مصدر خطر على الحزب بعد الشرخ العميق مع هذا العمق الذي سببه تدخله في هذا البلد.

الفساد ينخر بيئة حزب الله وبنيته، فهذه الحرب غيّرت نظام الأولويات، ولم تعد هناك قضية يناضل من أجلها، فلكونه حزبا أيديولوجيا هو بحاجة لأن يقدم نفسه كقوة مناضلة من أجل هدف سامٍ، فهو لم يألف في سلوكه السياسي إلا الحرب، ولم يتقن استخدام خطاب السلم ولا رسم برامجه. لم يكن الولاء للوطن والدولة في تاريخه قائما، فهو لم ينظم وجوده في لبنان إلا على ثابتة ضعف الدولة، فجعل منها قوة بقائه واستمراره. أولوياته الإيرانية جعلته اليوم ينكشف على انتظار التوجيهات من ولي الفقيه من جهة، وفي نفس الوقت العجز عن تلبية متطلبات لبنانية لمنع الانفجار الداخلي.

ظاهرة الفساد تنخر بيئة حزب الله، فعناصره تتورط في عمليات التهريب عبر الحدود فتشكل منهم مافيات تسيطر على جزء كبير من إنتاج الكهرباء عن طريق المولدات الخاصة، وتحولت موارد المجالس البلدية إلى مصدر لتوزيع مكاسب لبعض مراكز القوى داخل حزب الله.

انتشار مظاهر الفساد تسبب بتراجع الالتزام الديني بين أفراد الحزب، مع سيطرة ذهنية الانتفاع بالطرق الملتوية وغير المشروعة، وما يرافق ذلك من أزمات اجتماعية غير مسبوقة لدى قاعدة حزب الله والبيئة الحاضنة له، كل ذلك يجعل الحزب أمام مخاطر جدية لا مجال للتخفيف من تداعياتها على نفوذه وتماسكه، فهو غير مستعد لحرب يدرك أنها هذه المرة ستكون وجودية، خصوصا مع عجزه عن الانضواء في صيغة وطنية لبنانية لأنه يدرك أن ذلك خطر أيضا على هويته، التي لم تكن إلا هوية أيديولوجية أمنية عسكرية، وهو في النهاية عاجز عن أن يكون حزبا سياسيا كبقية الأحزاب في لبنان.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

تهديدات ومخاطر في لبنان

تدفع حزب الله للاعتدال والاعتذار

علي الامين

 

نالت الحكومة اللبنانية ثقة مجلس النواب، والأهم هذه المرة أن حزب الله منحها الثقة، وهو الذي طالما كان يشارك في الحكومات، بل ويتحكم بقراراتها الإستراتيجية، لكنه كان لا يمنحها الثقة ويكتفي بعدم التصويت، باستثناء حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي قامت في أعقاب ما يشبه عملية انقلاب قاده حزب الله ضد حكومة الرئيس سعد الحريري، التي أسقطها لحظة دخول الحريري البيت الأبيض في العام 2010.

لقد نالت حكومة الحريري الثقة من قبل 111 نائبا من أصل 128 وهو عدد من الأصوات غير مسبوق في تاريخ الحكومات اللبنانية منذ العام 2005 أي منذ خروج الجيش السوري من لبنان، والفارق في هذا الامتياز للحكومة الحالية، أن تيار المستقبل وحزب الله لم يكونا في ضفتين متقابلتين، ففي السابق حين يمنح تيار المستقبل الثقة للحكومة، فإن حزب الله يمتنع عن التصويت رغم مشاركته. وكذلك تيار المستقبل يحجب الثقة حين يمنح حزب الله الثقة للحكومة كما جرى في جلسة نيل الثقة لحكومة الرئيس ميقاتي المشار إليها.

الحكومة الحالية ولدت بعد تسعة أشهر من موعد الانتخابات النيابية، وتأخير تشكيل الحكومة كل هذه المدة، كما بات معروفا كان نتاج حسابات إقليمية ودولية بالدرجة الأولى لم تنفع هذه المرة، باعتبار أن حزب الله لطالما كان يقدّم عملية التشكيل كهدية لمساومة إيرانية مع أطراف دولية أو إقليمية، هذا ما جرى في كل الحكومات السابقة التي كانت تنتهي بتدخل إيراني بناء على طلب أوروبي أو أميركي، وهذا ما رواه رئيس الحكومة السابق تمام سلام في سياق حديثه، وأكد فيه أن قرارا إيرانيا أفرج عن الحكومة التي ترأسها في العام 2014، بعد نحو عام من تعطيل ولادتها.

إلى جانب الاعتبارات الخارجية، ثمة أسباب داخلية شكلت غطاء لعملية التعطيل، باعتبار أن موازين القوى الداخلية والتي جرى ترجمتها في الحكومة اليوم، أثبتت بوضوح سيطرة حزب الله على الحكومة، فالخلافات الداخلية على الحصص برزت وتفاعلت بسبب عدم حسم الحزب لقرار تشكيلها، وحينما قرر الإفراج عنها تشكلت الحكومة بما يضمن له التحكم بقرارها، خاصة في ما يتصل بالشؤون التي تضمن حرية انتقاله عبر الحدود، والمحافظة على قوته الأمنية والعسكرية داخل لبنان، وإشرافه على القرارات الأمنية والعسكرية الرسمية.

بهذا المعنى فإن حزب الله منح الثقة لحكومة يتحكم بقراراتها ويدير توازناتها، وفي الوقت نفسه يدرك أن أعضاءها باتوا عاجزين عن توفير الغطاء له، ولذلك يمارس اليوم السياسة في الداخل اللبناني، بمنطق أن اللبنانيين شكّلوا مؤسساتهم الدستورية وأن حزب الله شريك مثل بقية القوى اللبنانية في المؤسسات الدستورية، ولذا يبدو حريصا على هذا الخطاب الإعلامي والسياسي، إذ يمكن ملاحظة موجة من الكلام الهادئ تجاه الداخل، بالتركيز على أنه شريك بين شركاء متساوين، ولكنه خطاب يتسم بالخداع، ذلك أنه طالما لا يقترب الذين يُفترض أنهم شركاؤه في الوطن من دوره الأمني والعسكري ومن استخدام سطوة سلاحه في الداخل، فهو لن يتعرّض لهم ولن يمارس فعل التهديد والوعيد.

من هنا يمكن فهم كيف قدّم حزب الله اعتذاره على ما قاله نائبه في البرلمان نواف الموسوي بشأن التهوين من وطنية الرئيس السابق بشير الجميل، وفي قوله إن الرئيس الحالي ميشال عون وصل إلى سدّة الرئاسة ببندقية حزب الله. فما قاله الموسوي ليس جديدا وهو يتردد كثيرا في أوساط حزب الله وغيره، لكن اعتذار حزب الله هو الجديد، ذلك أن الموسوي خرج عن سياق اللهجة التي يريد حزب الله اعتمادها، وليس على المنطق الذي يمارسه حزب الله في سلوكه السياسي، فطالما أن اللعبة السياسية اللبنانية أمكن تطويعها وأمكن السيطرة على مفاصل السلطة الرسمية ومؤسساتها، فما هي الحاجة لاستفزاز الذين قبلوا بمعادلة حزب الله وشروطه هذه؟

الطبع يغلب التطبع هذا إذا كان هناك رغبة بالتطبع بآليات عمل النظام اللبناني وبشروط الدولة، فحزب الله كما يعتقد كثيرون، لا يؤمن بشروط الدولة ولا بسيادتها، ولا بقواعد الحكم التي تقوم على قاعدة المواطنة والسيادة، وهذا ناشئ عن بنية أيديولوجية لا تعترف بولاء يتقدم على ولاء الولي الفقيه الحاكم للدولة الإسلامية في إيران، وبالتالي فهو يمارس السياسة في سياق خدمة مشروع إيران أو ما يسميه “محور المقاومة” الذي تقوده إيران.

وهذه السياسة الإيرانية التي تتعرّض لمواجهة دولية تقودها واشنطن، تبدو شديدة الحذر في لبنان، والتخوّف من قيام حرب إسرائيلية تستهدف مراكز نفوذ إيران في سوريا ولبنان أمر أشار إليه وزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، في مؤتمر ميونيخ قبل يومين، حين حذّر من أن التدخلات الإسرائيلية والأميركية في سوريا قد تفجّر حربا كبيرة، وهذا التخوّف المرتبط بتحذير إيراني أيضا، يفسر إلى حد كبير سعي حزب الله في لبنان إلى التهدئة، ولكن ليس على قاعدة الانضواء في مشروع الدولة، بل في محاولة للتحصن بالمؤسسات الدستورية اللبنانية، وعدم إثارة أي توترات مع أي طرف داخلي لبناني، خصوصا أن حزب الله يدرك المدى الذي وصل إليه الوضع المالي والاقتصادي للدولة اللبنانية، تبعا للظروف الاجتماعية التي يعيشها اللبنانيون بسبب إضعاف الدولة ومؤسساتها، وصل إلى حافة الانفجار ويشكّل وقودا لأي مواجهة داخلية يمكن أن تنفجر ولو من باب سياسي، فمحاصرة أي انفجار داخلي هي أولوية حزب الله، لأنه يدرك أن الانفجار الاجتماعي سيكون في وجهه باعتباره صاحب السهم الأكبر والحاسم في السلطة. فالإفلاس الذي تقف على حافته خزينة الدولة يعرفه الجميع، وهو ما يجعل حزب الله مهتما بأمرين. أولهما بذل جهد كبير في إلقاء تبعة الفساد والعجز على غيره من القوى السياسية، ومحاولة تبرئة نفسه من خلال مخاطبة اللبنانيين بالقول إنه حاول أن يقدّم عروضا إيرانية تساعد لبنان ولكن تمّ صدّه، وهو كلام دعائي الهدف منه التنصّل من مسؤولياته حيال ما وصلت إليه الدولة. والأمر الثاني هو توجيه رسائل إلى المجتمع الدولي بأنه سيعمل على تسهيل تطبيق مقررات مؤتمر سيدر، الذي يتناول دعم الاقتصاد اللبناني بمشاريع بنى تحتية وإصلاحية في الدولة اللبنانية.

هاتان الخطوتان تساهمان من جهة في تظهير ميل حزب الله إلى أن يكون مساعدا في عملية منع الانهيار المالي والاقتصادي، ومن جهة ثانية هي خطوة تتناغم مع حال الضعف والحصار الذي يعاني منه حزب الله إقليميا ودوليا، فهو يدرك، كما تدرك إيران، أن أيّ حرب تستهدفهما في سوريا أو في لبنان ستكون نتائجها كارثية على دورهما وعلى لبنان بطبيعة الحال، وبالتالي فإنّ سلوك التهدئة والحديث عن المشاركة واللغة الاعتذارية، ما هي إلا مقدمة إما لحرب لا يريدها حزب الله اليوم، وإما تمهيد لابتلاع ما بقي من لبنان فيما لو نجت إيران بتسوية يكون لبنان فيها من حصتها المهدورة في سوريا.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

حزب الله: وحده

لا شريك له في لبنان

علي الأمين

 

ربما لم يقصد النائب محمد رعد من كلامه أنّ لحزب الله موقفا مغايراً عما قاله زميله النائب نواف الموسوي بشأن الرئيس بشير الجميل، فرعد قال بالحرف: "...تجاوز الحدود المرسومة للغتنا المعهودة في التخطاب والتعبير عن الموقف". وبالتالي فإن المشكلة برأي حزب الله في كلام الموسوي تكمن في الشكل وليس في المضمون.

ولأنّ القضية هي في الشكل فهذا أيضا ليس جديداً على صعيد اللغة نفسها، التي سبق أن اعتمدها بعض نواب حزب الله في جلسات نيابية مشابهة خلال السنوات السابقة، من دون أن يعتبر ذلك خروجاً على اللغة الحزباللاهية في ذلك الحين.. وربما يذكر كثيرون ما صدر عن لسان النائب علي عمار او حتى السيد نواف الموسوي، محل الانتقاد اليوم من قبل قيادته في الكتلة النيابية.

لذا فما قاله النائب رعد لا يندرج ضمن اطار أخلاقي أو في سياق الاعتراض على خروج زميله عن ثوابت وطنية لا يقبل حزب الله بتجاوزها، بل هو اعتراض على اعتماد أسلوب ليس من حاجة لاعتماده.

فرعد، ومن خلفه قيادة الحزب، لا يجد ما يبرر افتعال معارك ثانوية وهامشية، طالما أن حزب الله يسيطر على الاطار السياسي والاستراتيجي للبلد، وطالما أن القوى التي كانت تواجه حزب الله، ولا سيما ما يسمى القوى السيادية، قد دانت له ولم تعد تنازعه على سلاحه ولا على امتداداته الإقليمية والدولية، بل لا تخفي الوّد واللطف تجاهه.. لكن السيد النائب الموسوي لا يرضى وتأخذه الغيرة على العرض الوطني والسيادي، او “تأخذه العزة …” لينطبق عليه قول الشاعر: “..يرضى القتيل وليس يرضى القاتل”.

وحزب الله لديه من القوة المادية الأمنية والعسكرية والمالية والإعلامية، ما يغنيه عن القول في كثير من الأحيان، اذ لا شك أن البيانات التي تصدر عن حزب الله أو مسؤوليه، تبقى عدديا أقل من البيانات التي تصدر عن حزب التوحيد العربي او على لسان رئيسه وئام وهاب، فهو ليس بحاجة لأن يعبر عن موقفه بالكلام، بل لديه من الوسائل المعلنة والمكتومة، من التي يعرفها الجميع، ما يكفيه شرّ التورط في السجال والنقاش.

الأهم من ذلك كله أنّ المنطق الذي ينطوي عليه كلام الموسوي، واعتذار النائب رعد عن “لغة التخاطب”، يشيران الى أنّ كل ما لدى اللبنانيين هو من حزب الله. وبالطبع فإنّ الأنفاس التي يعدّونها هي بفضل إنجازاته، وتشكيل الحكومة وقبلها الانتخابات النيابية، وحتى الانتخابات الرئاسية، لا بدّ أنها من بركات البندقية التي يحملها. ذلك أن حزب الله الذي قال بوضوح عبر امينه العام أن “كل ما لدينا هو من ايران”، ينتظر من اللبنانيين أن يقولوا ومن دون تردد أو خجل، إن كل ما لديهم هو من حزب الله.
هذه هي المنهجية التي يتبعها حزب الله حيال لبنان.

ورغم أناشيد نوابه وقادته عن ان أحدا لا يستطيع في لبنان أن يلغي الآخر، كما أنشد النائب علي عمار في مجلس النواب يوم أمس، فإن هذا الحزب نفسه يدرك أن فكرة الشراكة نقيض لوجوده، لذا فأي شراكة يدّعيها مع أحد هي في جوهرها تُحكم من قبله في نهاية المطاف. هكذا يتعامل مع من يدعي انهم شركاء، لذا قال إنّ بندقية المقاومة هي التي جاءت بميشال عون إلى بعبدا، وبندقية المقاومة ليست الا بندقية حزب الله التي لا يشاركه بها أحد. ولن يمرّ وقت طويل قبل أن نسمع أحد نواب الحزب أو مسؤوليه يقول إنه لولا حزب الله ما كان سعد الحريري رئيسا للحكومة، ولا نبيه بري كان يمكن أن يكون رئيسا لمجلس النواب، ولا وليد جنبلاط أو سمير جعجع وكل من يحاول اختبار الشراكة الحقيقية مع حزب الله.

حزب الله وحده لا شريك له حين يتصل الأمر بالسيادة والأمن بادعاء انه هو من حمى اللبنانيين ويحميهم من الشيطان الرجيم.

 موقع (جنوبية)

 

نظام المصالح الوطنية

العراقية والقلق الإيراني

علي الامين

لم تزل أزمة عدم اكتمال الحكومة العراقية تفرض نفسها على المشهد السياسي العراقي بأبعاده المحلية والخارجية، فرئيس الحكومة عادل عبدالمهدي لم تزل أمامه عقدة وزارة الداخلية كما الدفاع كعقدتين لا تزالان ترمزان إلى حجم التأثير الخارجي على المعادلة الداخلية وتوازناتها.

في لقاء بعيد عن الأضواء بين زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وقائد فيلق القدس قاسم سليماني، في بيروت، جرى اتفاق بين الطرفين على إيجاد تسوية بشأن تعيين وزير للداخلية يوافق عليه التيار الصدري بعد استبعاد فالح الفياض المرشح الأقرب لإيران بين الأسماء المتداولة لتولي المنصب.

في المقابل يعمل التيار الصدري على دعم مشروع إقرار قانون يدعو إلى خروج القوات الأجنبية من العراق.

هذا الاتفاق الذي تم تداوله في أوساط عراقية رسمية وحزبية، لم يحظ بكثير من الثقة بإمكان تحققه، والسبب أن الطرفين، سليماني والصدر، يدركان أن خروج القوات الأميركية من العراق غير وارد ليس في الحسابات الأميركية فحسب، بل حتى في الحسابات العراقية والإيرانية، فالصدر الذي يريد أن يحافظ على عنوان أنه ينتمي إلى تيار يدعو إلى خروج القوات الأجنبية من العراق، يدرك كما أقرانه من الأحزاب السياسية، أن الوجود الأميركي لا يزال يشكّل عنصر استقرار في مواجهة مخاطر خارجية وإرهابية تهدد العراق، فيما تعتبر قيادات إيرانية معنية بالشأن العراقي، أن الوجود الأميركي في العراق لا يشكّل مصدر خطر على إيران، بل يوفّر أدوات ضغط إيرانية على واشنطن قد لا تكون متوفرة فيما لو قرّرت واشنطن الانسحاب من بلاد الرافدين.

في هذا السياق أكد الرئيس العراقي برهم صالح خلال افتتاحه مؤتمر الرافدين في بغداد الاثنين أن الوجود الأميركي في العراق تحكمه الاتفاقيات القائمة بين حكومتي البلدين، وأن العراق لا يمكن أن يوافق على ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استخدام الوجود الأميركي في العراق لتفعيل تنفيذ العقوبات ومراقبتها. واعتبر الرئيس العراقي أن التعاون الإقليمي هو السبيل الوحيد لخروج العراق من الأزمات والحروب المستمرة على أرضه منذ عام 2003.

في لقاء مع زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم اعتبر أن مسألة الوجود الأميركي في العراق، لم تزل حاجة لاستقرار العراق، ولفت في لقائنا معه إلى أن بعض القيادات الإيرانية تريد من العراقيين فقط إعلاء الصوت وليسوا جادّين في هذا الشأن، بل هي للاستخدام السياسي في التنازع القائم بين طهران وواشنطن.

التطوّرات السياسية والأمنية، رغم العقدة الحكومية والأزمات التي يواجهها العراق، تشير إلى تطور مهمّ في المشهد السياسي العراقي، عبّرت عنه الانتخابات النيابية التي أظهرت في نتائجها نزوعا شعبيا وسياسيا للخروج من الخطاب المذهبي والطائفي، ولعل طبيعة الكتل السياسية التي أنتجتها التحالفات الانتخابية، تظهر كيف بات من الصعب الحديث عن تحالفات ذات طابع مذهبي أو طائفي، ولم يعُد الحديث ممكنا عن كتلة شيعية صافية ولا سنيّة ولا حتى كردية. وهذا ما اعتبره عمار الحكيم عنصرا مهما في محاولة إخراج العراق من الدرك السياسي الذي وصل إليه.

الوطنية العراقية تفرض نفسها، فبعد مخاض مواجهة الإرهاب وتداعياته، يمكن لزائر بغداد أن يلحظ نزوعا لدى الشارع إلى نبذ اللغة المذهبية والطائفية، وهو ما تلمسه القوى السياسية التي استنفدت خطاب العصبية الذي بات لا ينتج إلا مزيدا من التشظّي والفساد، وبات المواطن العراقي أمام واقع يدرك أن هذا الخطاب لن ينتج إلا المزيد من الكوارث والارتهان للخارج. ثمّة وطنية عراقية تؤشر إلى نهوض ومحاولة لتلمس خيار جديد يعيد حماية نظام المصالح الوطني والثروة الوطنية السائبة.

يقول أكثر من مسؤول عراقي ومن بينهم عمار الحكيم، إن الحشد الشعبي يجب أن يعاد النظر فيه لصالح تعزيز مركزية الأمن ومرجعية السلطة في الدولة العراقية، ويشير هؤلاء إلى أن أكثر من سبعين في المئة من ميزانية الحشد الشعبي تذهب بشكل غير مشروع لتمويل الميليشيات التي تديرها إيران في سوريا، ويذهب جزء آخر إلى اليمن ولبنان، يؤكد الحكيم أن هناك أكثر من مئة ألف راتب وهمي “فضائي” تذهب لدعم ما يسمّى المجهود الحربي خارج العراق. الرواتب هذه تؤخذ من الخزينة وليس هناك ما يثبت أنها تصرف لعناصر عراقية.

هذه الفضيحة هي نموذج لما يعانيه العراقيون اليوم على صعيد إدارة الدولة ومصادر الثروة فيها، وهو ربما ما يجعل الكثير من العراقيين ينظرون إلى السياسة الإيرانية باعتبارها سياسة تذهب نحو استغلال الثروة العراقية لصالح مشاريع تتصل بنفوذها، بخلاف ما يمكن أن يبدو من أن إيران قدّمت مساعدات أو موّلت نفوذها في اليمن ولبنان وسوريا، العراقيون يعتقدون أن بلدهم يُنهب من داخله ومن خارجه، وهو ما يبدو أنه المعطى الموضوعي الذي يجعل من العراقيين أكثر قُربا اليوم من الروح الوطنية التي تقوم على حماية نظام المصالح الذي يشكّل أحد أبرز قواعد الخطاب الذي ينبع من الشارع، ويتجه صعودا ليطغى على الخطاب السياسي لدى النخبة السياسية الحاكمة.

الخطاب السياسي الذي ينمو في العراق اليوم، يقوم على أساس المصلحة، وهي التي تجعل من العمل على فتح صفحة جديدة مع المحيط العربي لاسيما مع السعودية، مطلبا واضحا وملحّا، ويشير رئيس الحكومة السابق حيدر العبادي إلى أن ثمّة رغبة عراقية عامة ولدى الفئات الشعبية على وجه العموم، بتحسين العلاقة مع المحيط العربي وتنشيطها، وذكر أنه أسس في زيارته إلى الرياض أثناء توليه الرئاسة لهذا الاتجاه، وأن الأرضية ملائمة لتعزيز العلاقات وتطويرها مع الرياض. وفي هذا السياق أيضا أشار أكثر من عراقي إلى كيفية تفاعل جماهير البصرة مع المنتخب السعودي، وهو ما مثّل مؤشرا إلى العطش العراقي إلى علاقات جيدة مع الرياض.

العراقيون لا يريدون إلا علاقات أخوية مع إيران، وهذا ما قاله الحكيم والعبادي حين سألنا عن مستقبل هذه العلاقة، لكن المشكلة كما يمكن أن ننقله بثقة وبدقة، هي أن الساسة الإيرانيين في علاقتهم مع العراق، لا يرغبون بعلاقات ندية، بل علاقات تبعية.

يمكن ملاحظة أن إيران التي تعمل على تعزيز نفوذها بالعراق، تذهب في اتجاه السيطرة والتحكم أمنيا، وبمحاولة ابتداع قوى ليس لها جذور بحيث تكتسب شرعيتها وقوتها من علاقتها بإيران وحدها، فيما المؤسسات العريقة والعائلات العراقية والقوى السابقة للثورة الإيرانية وامتداداتها، تتعرض لحرب ناعمة ومحاولة حصار واختراق.

الحوزة في النجف التي طالما كانت مستقلة عن أي سلطة ولو كانت شيعية، تبدو اليوم عرضة لمزيد من التدخل والاختراق، فالقيادة في طهران تدرك أن قوة النجف باتت أقوى من أن يمنع تأثيرها على حوزة قم التي أصبحت تحت ظلالها وليس تحت ظلال طهران. وهذا ما يقلق مشروع ولاية الفقيه.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

هذه بغداد: هنا لا صور

لخامنئي ولا للخميني

علي الأمين

ليس في العراق من يجرؤ على القول: “نحن ممثلوا الشيعة”، أو “نحن كتلة تنطق باسم السنة” أو الأكراد. لقد توزع تمثيل المكوّنات العراقية على الكتل كلّها.
يقول رئيس تيار الحكمة السيد عمار الحكيم إنّ أهم ما أنجزته الانتخابات العراقية في مسارها الذي بدأ في العام 2004 – وجرت بعد ذلك دورات انتخابية ثلاث آخرها في العام 2018 – هو أنّ “الانتخابات الأولى شهدت تحالفات قامت على أساس مذهبي: تحالفات شيعية أو كردية أو سنية، لكنّنا في الانتخابات الأخيرة صار من الصعب الحديث عن تحالفات صافية، بل باتت الخيارات السياسية هي التي ترسم خريطة اللوائح الانتخابية أو الكتل البرلمانية، المكون السني توزع في لوائح عدة وكذلك فعل الشيعي والكردي”.
ما يقوله الحكيم باعتداد عن أنّ الكتلة الشيعية في البرلمان باتت متوزعة على كتل برلمانية متعددة، يكرّره، في أوساط عراقية متنوعة، ناشطون من نخب ثقافية واجتماعية، تتحدث بطلاقة عن الشخصية العراقية، عن المجتمع الذي تتداخل في مكوناته العائلية والعشائرية هويات مذهبية، تجعل من الصعب أن تشكّل داخله الهوية المذهبية منافسا للهوية العراقية، أو عنصراً محدداً لنظام العلاقات بين المواطنين. حتى الأحزاب التي تتسم بصفة مذهبية كجماعة التيار الصدري برئاسة رجل الدين مقتدى الصدر، باتت مضطرة أو مختارة أن تنتج لغة “عراقية” خارج حلقتها الدينية وحقلها المعجمي المفترض أنّه مغلق بالمعنى المذهبي. اليوم ليس في خطاب الصدر ما يوحي بأنه الناطق الشيعي أو باسم فئة منهم، هو يدرك أن هذه اللغة لم تعد تلبّي المصلحة السياسية. وقد قام هذا التيار نفسه بعقد تحالف مع أحزاب ومجموعات علمانية، بخطاب ركز على البعد الاجتماعي والسياسي. بعض الناشطين السياسيين من الذين تحالفوا انتخابيا مع التيار الصدري، وينتمون الى تيارات علمانية ومنها الحزب الشيوعي العراقي، حين يتحدثون عن مقتدى الصدر على سبيل المثال، لا يلامس جوهر انتقادهم المسألة الدينية، بل تراهم أحيانا يشيرون الى ألاعيبه السياسية، وأحياناً أخرى الى كونه من أكثر الشخصيات العراقية السياسية استقطابا للمؤيدين، والبعض يشير إلى تورط بعض جماعاته بالفساد، لكنك لن تسمع ما يشير الى أن قوة العلاقة معه أو ضعفها مردّه إلى سبب ديني أو مذهبي. النقاش يذهب دائماً نحو السياسة والمصداقية والكفاءة والمشروع.
البعد الإيراني يظل حاضراً بقوة في أي حديث سياسي مع شخصية مسؤولة أو جماعة من الناشطين. فإيران لها مؤيدون من صفة التابعين، ولها أصدقاء.
مسؤول سياسي بارز تحدث بصراحة إلينا، خلال رحلة قام بها كاتب هذه السطور مع زملاء آخرين إلى مرجعيات عراقية. فقال إنّ “المشكلة مع السياسة الإيرانية في العراق، أنها سياسة لا تعرف بناء تحالفات، بل تريد اتباعاً، وعند أي اختلاف، وهو طبيعي بين أي متحالفين، لا يجوز أن تكون ردّة فعل أحدهما تخوين الحليف”. يؤكد المسؤول العراقي أن العراقيين بمعظمهم يريدون علاقات صداقة مع ايران، ولن يقبلوا بعلاقات تبعية.

أما بالنسبة للأميركيين فإن علاقاتهم مع العراق تتركز على الاتفاقيات الأمنية والاستراتيجية، وهي اتفاقيات جرى توقيع معظمها في عهد نوري المالكي، أحد أكثر الشخصيات العراقية التي يشار اليها باعتبارها قريبة جدا من ايران، لا بل يذهب البعض إلى أن الجنرال قاسم سليماني هو من منع المسّ به عندما حمّلته المسؤولية بعض التحقيقات حول انهيار الجيش المذهل في العام 2013 أمام تنظيم داعش. والثابت أن أكثر من يعلنون العداء للولايات المتحدة الأميركية ووجودها في العراق، لا تصل بهم الحدّة إلى المطالبة بخروج الاميركيين بالكامل من العراق. فحتى الأمين العام لعصائب أهل الحق العراقية، التابعة لإيران، قيس الخزعلي، في تصريح صدر له قبل أيام، دعا القوات الأميركية الى الخروج من العراق، لكن قال في التصريح نفسه إنّ “العراق يحتاج لوجود قوة أميركية محدودة من المستشارين العسكريين والخبراء”.
ثمة إقرار عراقي تجده لدى الجميع بأن القوات الأميركية كان لها دور محوري وقيادي وفاعل في مواجهة تنظيم داعش، لذا فإنّ الشعور العام العراقي لا يزال ينظر الى الوجود العسكري الأميركي كعنصر استقرار وقوة للعراق.
ما يمكن أن تلمسه من المواطنين العراقيين على تنوع مواقعهم، شعوراً بالندية تجاه ايران. فالعراق كما قال لي أحدهم “ليس لبنان”. وتابع: “نحن دولة تمتلك ثروات هائلة ولا نحتاج دعما ماليا من ايران”. وأضاف: “بل نتهم جهات إيرانية بالاستحواذ على أموال وثروات عراقي. وإذا كان لإيران موقعها الديني وحوزة قم، فنحن منبع المراجع والنجف هي مركز الحوزة الدينية العريقة والممتدة في التاريخ”.
لا أحد ممن التقيناهم يريد خوض مواجهة مع ايران أو يكنّ العداء لها. لكن ثمة انزعاج واضح من التدخلات الإيرانية التي يبدو أنّها تنذر ببروز قوّة معارضة للسياسة الإيرانية بشكل معلن، فيما لو أصرت القيادة الإيرانية على التحكم بمفاصل القرار العراقي.

احد الناشطين في مدينة بغداد، وهو يفتخر أنّ من يعرفه من أصدقائه العراقيين وغير العراقيين لا يعرف إن كان ينتمي إلى المذهب الشيعي أو السني. يقول إنّه رغم كل الاحداث التي مرت عليه في السنوات الأخيرة بقي محافظاً على هذه السمة التي لا يزال متمسكا بها. في الحديث عن إيران يقول ناشط عراقي آخر بانفعال: “هذه بغداد أمامك، إذهب حيث تشاء، لن تجد في شوارعها وأزقتها صورة لملك أو رئيس غير عراقي، لن تجد، مهما قيل، صوراً للخميني ولا للخامنئي.. وكفى.

(جنوبية)

 

 

ثرثرة على ضفاف دجلة:

بغداد وقاطرة العراق الوطنية

علي الأمين

 

كأنما الحياة تأبى الاّ أن تجري في شوارع بغداد وأزقتها، هدوء وحركة لا تهدأ، لا مفخخات والشوارع المغلقة بالحواجز الاسمنتية أو الأمنية، تتراجع ليتقدم مشهد لم تألفه المدينة منذ سنوات.

بغدادبعاصمة الرشيد تتننفس من رئتها الخضراء، فرئيس الحكومة عادل عبد المهدي، أمر في خطوة جريئة بفتح المنطقة الخضراء أمام الجميع، فتنفس البغداديون الصعداء، اذ أن الارهاب  الذي جعل من المدينة التاريخية، جزراً أمنية وثكنات مسورة بجدران اسمنتية، انكفأ بعد الاعلان عن الانتصار على داعش العام الماضي،  لصالح مدينة مشرعة على الحياة الطبيعية، وعلى إيقاع الرغبة الجامحة في التقاط البهجة والفرح الذي يفرض إيقاعه على الجميع.

لزائر بغداد هذه الأيام لا بد أن يلمس أن العراق يخطو خطوة ثابتة نحو مستقبل جديد، الهوية العراقية تتفوق على ما عداها، تتقدم بعراقة المجتمع والدولة، ويلحق بها السياسيون، لم تعد لغة العصبية المذهبية أو الدينية مجزية، باتت حديثاً منفراً وغير مستساغ، في لقاءات شتى مع مواطنين ونخب ومسؤولين، سوف تلمس أن ثمة صعوداً لوطنية عراقية بدت في السنوات السابقة أنها صارت أثراً بعد عين، ففي زمن صعود تنظيم داعش ومقدماته وتداعياته، كان العراق بمدنه وحواضره مسرحاً لتفجيرات كان الثابت فيها القتل العاري لكل ما ينبض من حياة الناس، كان هذا الموت سبيلاً لاستنهاض كل العصبيات الظاهرة والكامنة، لينطلق وحش بدا أنه التهم كل ما يرمز الى وحدة العراق دولة ومجتمعاً.

عندما سيطر الرعب واجتاحت “المفخخات” المدن والحواضر أمكن لقاع المجتمع أن يسيطر ويتحكم بغرائزه على سطح الحياة، لكن ثمة ما هو راسخ وعميق في المجتمع العراقي، لا يمكن محوه وازالته مهما تشيطن الغزاة والطامعين، ومهما تسيّد الفجّار وأدوات القتل ودعاته على مختلف متاريس المذهبية والطائفية. في جلسة جمعتنا مع عدد من الناشطين العراقيين وبعض الصحفيين في بغداد، في نادي برج بابل على ضفة دجلة، سوف لن تجد أنت اللبناني طريقاً آمناً لسلوكه بما تحمله من واقعك اللبناني لفهم ما يجري في العراق، ادواتك المذهبية والطائفية لتشريح الواقع السياسي والاجتماعي العراقي لن تنفع كثيراً، بل تبدو متخلفة في مقاربة الواقع العراقي، بالطبع ثمة واقع أن العراق بلد منهك ومثقل بتداعيات الحروب المتنوعة، ودولة تنهشها المحاصصة، ويستبد بها التنازع الإقليمي والدولي، لكن المدهش أن ثمة انتفاضة على اللغة المذهبية والطائفية، لغة العراق هذه الأيام فرضت ايقاعها، لغة الاعتداد بالانتماء للعراق واضحة وبيّنة، بل مصدر قوة مجتمعية فرضت نفسها الى حدّ كبير على المشهد السياسي، لعل أهم دلالة على ما عبر رئيس تيار الحكمة السيد عمار الحكيم في هذا السياق، أنه لم يعد هناك كتل برلمانية مذهبية، لا بل يضيف للمفارقة، أن الكتل البرلمانية التي توصف أنها على علاقة وثيقة بايران تحوز على عدد اكبر من النواب السنة قياسا الى الكتل التي توصف بانها بعيدة نسبيا عن ايران.

الوطنية العراقية الصاعدة بقوة في الحياة السياسية، هو ما يؤسس اليوم لاستقطاب سياسي يتجاوز الاستقطابات المذهبية أو حتى القومية، فالسنة والشيعة والكرد، لم يعودوا مكونات سياسية، بل ثمة تحالفات تتبلور وتتجه نحو انقسامات سياسية متجاوزة للبعد المذهبي، لتتخذ ابعادا وطنية غير مفتعلة، فعلى المستوى الشيعي، لم تنجح الإدارة الإيرانية في فرض كتلة برلمانية شيعية لا عشية الانتخابات البرلمانية ولا غداتها، رغم كل محاولات الجنرال قاسم سليماني لخلق هذا التحالف وفرضه على ما يؤكد اكثر من مسؤول عراقي شاركوا في هذه الانتخابات.

)يتبع(

(موقع جنوبية)

 

 

 

استكمال السطوة الإيرانية

بقناع سوري في لبنان

علي الأمين

 

 لبنان مرشح للمزيد من التداعيات السياسية في المرحلة المقبلة، ففي ظل التعطيل الحكومي المستمر منذ ما بعد الانتخابات النيابية في مايو من العام الماضي، تجري عملية متقدمة من تطويع ما تبقى من عوائق أمام السيطرة الكاملة على الجغرافيا والديمغرافيا اللبنانية بوسائل باتت تنذر بأن لبنان يدخل، سياسيا، في العصر الإيراني.

‏لم يعد خافياً أن الانكفاء الإيراني النسبي عن الأراضي السورية، يتم في اتجاه لبنان وناحية العراق، ونشير إلى نسبيته، لأن النفوذ الإيراني في سوريا يتعرض لنوع من الحصار، الذي تشكل المصالح الروسية والإسرائيلية عنصرا ضاغطا في جعل القيادة الإيرانية أكثر اهتماما بالبحث عن خيارات بديلة من دون أن يعني ذلك أن جحافل الميليشيات التابعة لها، باتت على أهبة الخروج من هذا البلد، بل عبر التأكيد على وضع خيار الاضطرار إلى الخروج من سوريا، كواقع جدي في المدى المتوسط.

‏من هنا يكتسب لبنان أهمية إضافية، على صعيد ترسيخ النفوذ والسيطرة، عبر محاولة تفكيك كل ما تعتبره القوى الموالية لإيران ألغاما يمكن أن تنفجر لاحقاً. لذا كان التعطيل الحكومي أحد أبرز الوسائل التي يراد من خلالها تثبيت معايير جديدة في تشكيل الحكومات، تقوم على ثابتة أن لا سلطة في لبنان يمكن أن تمارس دورها على مستوى الدولة، من دون أن تخضع لسلطة أعلى هي سلطة “الدويلة” أو الذراع الإيرانية المتمثلة في حزب الله في هذا البلد.

‏وإلى جانب هذه الرسالة الانقلابية على الدستور والأعراف والتي ألمح إليها رئيس الجمهورية قبل أسبوعين، برزت فرصة ثانية التقطها حزب الله من خلال القمة الاقتصادية العربية، فكان لا بد من إطلاق إشارات إلى كل من يعنيهم الأمر على المستوى العربي والدولي، بأن انعقاد القمة العربية هذه في بيروت تقرره حسابات إيرانية، فعمدت سلطة الوصاية على لبنان إلى افتعال مسألة دعوة سوريا إلى هذه القمة، والتهديد بإفشالها ومنعها فيما لو لم تدعَ سوريا، رغم إدراك الجميع أن مثل هذه الخطوة تبقى من اختصاص جامعة الدول العربية وحدها، ولبنان ليس هو من يقرر منفردا في هذه الخطوة.

‏الخطوة الثالثة تتركز في إعادة رسم موازين القوى الداخلية على إيقاع مختلف وجديد، أبرز معالم هذه الموازين الجديدة تتركز في تحجيم دور القوى ذات الوزن الطائفي والسياسي، التي يمكن أن تبرز كعنصر معرقل لتمدد نفوذ إيران ولتغوله على الدولة والقرار اللبنانيين.

من هنا يمكن فهم منع حزب الله لحليفه الرئيس ميشال عون من أن يكون له حضور مقرر في الحكومة، من خلال منعه بالتضامن والتكافل مع التيار الوطني الحر من الحصول على ثلث الوزراء. وهي خطوة يهدف حزب الله من خلالها إلى منع وجود أي سلطة مقررة في الحكومة حتى شكلاً، باعتبار أن أحداً لم يصل به التحليل السياسي إلى مرحلة يمكن أن تجعل الرئيس عون في موقع الخصم أو المنافس لسلطة حزب الله.

‏وفي السياق نفسه بدأ حزب الله باستخدام قناع النظام السوري، كوسيلة إضافية يجري اعتمادها لتطويق وتطويع بعض الحلفاء والخصوم. فمن جهة خصومه وجه حزب الله إلى بعض معارضيه رسائل مشفرة، مفادها أنتم أمام خيارين إما التسليم بوصاية إيران عبر حزب الله، وهذا يضمن لكم حصصكم في السلطة، ويوفر لكم الحماية من خطط انتقام النظام السوري، وإن لم توافقوا فاستعدوا لمواجهة النظام السوري الذي لن يتسامح مع كل من راهن وعمل على إسقاطه في لبنان.

‏لا شك أن هذين الخيارين، اللذين يقترحهما حزب الله، يشيران إلى ما ينتظر اللبنانيين في المرحلة المقبلة، وهي المرحلة التي سيعتمد فيها منهجية إدارة نفوذه من خلال استخدام العصا السورية والجبنة الإيرانية، بحيث يحصر الخيارات بين نظام الأسد وبين حزب الله، وهذه وسيلة يفهمها الجميع ولكن لن يستطيع أحد مواجهة “خبثها” طالما أن لا خيار آخر مطروحاً في مواجهة النفوذ الإيراني بوجهه اللبناني أو بوجهه الأسدي.

‏ولعل العمل على صناعة مركز قوة درزي في مقابل زعامة وليد جنبلاط، يظهر إلى حد بعيد كيف يعمل حزب الله على الإمساك بالطوائف ومنع انفجارها في وجهه، فما يجري فعله لدعم موقع وئام وهاب وجمعه مع قوة طلال أرسلان، وهما كانا خصمين لدودين وصارا اليوم حليفين بقدرة راعيهما وصانع نفوذهما، فقط لمحاصرة جنبلاط وللمزيد من ابتزازه وتطويعه.

‏الرئيس نبيه بري الذي التزم التزاما دقيقا بالخيارات الاستراتيجية لإيران، في مقابل المحافظة على دور في السلطة اللبنانية، هو اليوم نفسه يتعرض للمزيد من التحجيم والتطويع، وهذه المرة بالعصا السورية. فمقولة الغضب السوري من الرئيس بري، تتكرر في أوساط سياسية وإعلامية، لكن الرئيس بري ليس غافلا عن معرفة أن النظام السوري هو أقل من أن يستطيع التصرف في لبنان من خارج سلطة إيران وذراعها، لكن يدرك في المقابل خطورة استخدام القناع السوري من قبل إيران ضده.

‏لن نتحدث عن الرئيس سعد الحريري والطائفة السنية التي تبدو الحلقة الأضعف في معادلة الصراع القائمة. فالرئيس الحريري الذي قدم في الانتخابات النيابية الجزية السياسية لحزب الله، يدرك اليوم أنه في مرحلة انتقالية ليس هو من يستطيع رسم معالمها، بل ترسمها قواعد الصراع الإقليمي بالدرجة الأولى ونتائجه على دور إيران ونفوذها، فبخلاف عون وجنبلاط وبري هو مطمئن إلى وجوده الراسخ بامتداده الديمغرافي والإسلامي العام، وحتى الدولي، بينما الآخرون باتوا محكومين إلى وضعية حرجة تجعلهم أمام عجلة من أمرهم، فالانتظار مكلف سياسيا ووجوديا، كما أن الانضواء الكامل والنهائي بالمسار الإيراني ليس أقل خطرا.

‏حزب الله يسير في اتجاه وضع الجميع تحت وصايته، ويستمر في جعل الوجود في السلطة خارج الولاء له أمراً مستحيلاً وما يساعده على تنفيذ خططه سياسة إدارة الظهر الدولية والعربية للبنان، ذلك أن ما يريده الغرب الأميركي والأوروبي من لبنان ليس أكثر من الالتزام بأمن الحدود مع إسرائيل، وهذا واقع موجود برعاية حزب الله. والأمر الثاني ألا يكون ساحة رعاية لقوى الإرهاب السني وهذه حقيقة كان لحزب الله دور في توفيرها، والأمر الثالث ألا يكون ساحة اقتتال يمكن أن تنشأ من خلالها تداعيات على الأمن الدولي والإقليمي.

وسوى ذلك من معايير الديمقراطية والسيادة هو اليوم من باب الترف السياسي الذي لن يشكل نقطة استقطاب دولي للاهتمام بلبنان.

‏الثابت أن اللبنانيين هم أمام مصيرهم في مرحلة إعادة رسم معادلة دستورية وسياسية جديدة على وقع أزمة اقتصادية ومالية تنذر بمخاطر على النظام الذي يراهن حزب الله على أنه سيكون رهن وصايته في ظل انهيار ما تبقى من قوة للاقتصاد بعدما أمكن القول إن الدولة تداعت أمام سطوة الدويلة.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

حزب الله عدوّ إسرائيل وحليفها

الموضوعي في أمنها وخراب المنطقة

علي الامين

 

العاصفة نورما التي تضرب لبنان، نقلت اهتمامات اللبنانيين نحو متابعة تفاصيل مرور العاصفة وسيرها بين المناطق اللبنانية وعلى طول الساحل اللبناني الغربي، وتفتقت العقول عن عشرات النكات التي تعكس أريحية اللبنانيين، الذين راحوا يتسقّطون أحوال المناخ على أحوال السياسة في طرائف تتناول المشهد السياسي البائس من باب العاصفة.

ليس الطقس استثنائياً، ولا الأمطار غير مسبوقة، ولا العاصفة هي الأولى التي يشهدها لبنان، لكن ما يفسر تعامل اللبنانيين الملفت على وسائل التواصل الاجتماعي مع مجريات المشهد المناخي، هو الملل من تكرار الشيء نفسه في دوائر الحياة السياسية التي صارت مأسورة لسطوة سلاح من خارج الدولة من جهة، وألعاب سياسية مملة تمثلها مواقف استعراضية فارغة لقوى سياسية ومسؤولي أحزاب من جهة أخرى، وهي تبدو تعويضا عن الغياب الفعلي عن مركز القرار المصادر أصلا، فيما يتحول الزجل السياسي الذي يقع على هامش الفعل السياسي الذي تكمن مقاليده خارج المسرح السياسي، إلى محاولة بائسة وخبيثة في آن، لتظهير أن المشكلة في لبنان تقبع في القعر الطائفي أو في ما يسمى المحاصصة السياسية، وهي عناوين تكتسب حضورها الشكلي، باعتبارها المساحة أو الملعب المسيج إقليميا ودولياً، الذي يجب أن يتقيد اللاعبون بحدوده من دون تخطي حدوده المرسومة.

يحق للبنانيين أن يتنافسوا على حصص ومكاسب تسمى حصص الطوائف أو المسيطرين عليها. منابر السياسة والإعلام مسخرة للتناطح حول هذه الحصص وعلى المواقع في الدولة، ومن يريد أن يدخل النادي السياسي في لبنان، يجب أن يبدأ من أنه يدخل إلى الملعب من باب الدفاع عن حقوق طائفته وكرامتها، وأن يثبت قدراته على أنه يستنفر غرائز مذهبية وطائفية أفضل من قرينه سواء في طائفته أو في المقلب الآخر، وربما في المقالب الأخرى. هذا متاح للجميع ومن دون عوائق، بل بمحفزات يمكن مشاهدتها عبر كل المنابر الإعلامية التي باتت مستسلمة لمشهد الزجل السياسي الذي يرسخ دور السياسة كما هو في لبنان اليوم على الهامش، فيما تأبى الاقتراب من مركز السلطة القابع فوق الدولة وخارج المؤسسات.

هكذا يعاد إنتاج المزيد من الشيء نفسه في لبنان، ولكن بمهزلة غياب الدولة أو هزالها تتحول الثقافة السياسية إلى مجرد عناوين هامشية في مقاصد الدولة، إلى عصبيات طائفية ومذهبية تجري حمايتها، وحصر تعبيراتها في بناء ثقافة الخوف من الآخر. هذا الخوف تجري عملية تغذيته كي يتحول إلى متنفس لجمهور يشعر بانتهاك كرامته، بل ومصادرة أدنى حقوقه. جمهور يدفع من قوته ودمه أثمانا عالية لغياب الدولة أو تغييبها، وبالتالي فإن الغضب الذي يعتمل في داخل المواطن الفرد أو المجتمع، لا يترجم إلى فعل سياسي وطني، بل يجري تطويقه بإثارة النعرات الطائفية وبالترهيب والتخويف، ليترك للمواطنين منفذاً واحداً لن يحاسبهم أحد على الخروج منه، هو منفذ رمي المسؤولية على الآخر أي الطائفة الأخرى والمذهب الآخر. عبّر في هذا المجال كما شئت وكيفما تشتهي، واغضب ضد المختلف طائفيا ولكن إياك أن تقترب من السلطة الفعلية، ومن يدير هذه اللعبة الخبيثة ويشرف على تفاصيلها.

على رئيس الجمهورية وهو يقوم بدوره الدستوري كرئيس للدولة والشعب، أن لا يمارس صلاحياته التي تتصل بالدستور باعتباره حامي هذا الدستور والقائم على تطبيقه، وما يجب أن يتناوله في ممارسة دوره، هو عدم الاقتراب من القضايا السيادية التي تتصل بأولويات قيام الدولة، ولا يخفى على القارئ أن الرئيس لا يصل منصبه، إنْ لم يكن يدرك هذه الحقائق التي عليه الالتزام بعدم الاقتراب منها كسيادة الدولة وحق احتكار العنف المشروع بيد الدولة. والمفارقة أن ما لا يحاسب عليه هو أن يخرج، صباح – مساء، ليطالب بتحسين شروط طائفته في السلطة، هذا متاح بل يجري التحفيز على الغرق فيه، طالما أن الموضوع الفعلي والأساسي، أي الدولة، لا يقاربه ولا يمسه من خلفه أو أمامه.

وليس رئيس الحكومة أفضل حالاً، فليقاتل كما يشاء من أجل منصب إضافي لطائفته في هذا الموقع أو ذاك، وليستصرخ من يشاء من أهل السنة في سبيل حقيبة وزارية أو بناء مسجد أو حماية مفسد أو غير مفسد في الإدارة باسم طائفته، ولكن إياك أن تتحدث باسم اللبنانيين، أو أن تمارس صلاحياتك الدستورية باعتبارك رئيس حكومة لبنان، فذلك أمر فيه خروج على شروط اللعبة السياسية التي رسمت لك. وهكذا دواليك في مواقع السلطة الشكلية المتمثلة في الدولة اللبنانية ومؤسساتها، إنه مسرح هامشي ومحكوم بأن يبقى في حيز التنازع الطائفي، وأن لا ينتقل إلى خطاب الدولة كصاحبة الشرعية في مواجهة كل نقيض لها وغير شرعي.

لا يمكن لإيران أن تقاتل عدوين؛ واحد في الدول العربية وآخر هو إسرائيل، وطالما أن العداء الذي تورطت به عربياً، بات من الصعب طيه في مدى قريب، فإن الحرب مع إسرائيل باسم فلسطين أو القدس وما إلى ذلك من شعارات استخدمتها وتستخدمها اليوم بنسب متدنية، باتت غير ممكنة، بل غير واردة

ما يجعل هذه المعادلة قوية وصامدة رغم الكوارث الاقتصادية والمالية التي تسببها للمؤسسات والشعب، هو الحماية الإقليمية والدولية لها، لا بل الرعاية الإسرائيلية غير المباشرة لنموذج الدولة الفاشلة القائم على حدودها. ما تريده إسرائيل بالدرجة الأولى في لبنان أمكن لها تحقيقه من خلال جعل معيار الموقف من لبنان، هو من يحولُ دون تحول حدودها معه إلى منطقة مشتعلة بالحرب أو منطلقا لعمليات عسكرية ضد احتلالها لفلسطين، ومن يستطيع أن يوفر هذه الوظيفة يصبح موضوعيا ضرورة إسرائيلية طالما أن البدائل الأخرى غير متوفرة.

هذه الوضعية القائمة اليوم والمستندة إلى معادلة “حماية أمن الجليل”، ذلك الشعار الذي كان عنوان أول اجتياح إسرائيلي للبنان في العام 1978 في مواجهة العمليات الفدائية، أمكن لإسرائيل تحقيقها اليوم، بحيث تحقق الاستقرار على هذه الحدود، ولو كان في ظل خطب نارية ممانعة، ستبقى ضرورية طالما أن وظيفتها الفعلية منع قيام أي عملية عسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي انطلاقا من جنوب لبنان.

يوفر ما تقدم ولضمان استمرار الاستقرار على الحدود، تعزيز المعادلة التي تحمي هذا الاستقرار، وهذه المعادلة تتطلب إطلاق يد حزب الله في الداخل، وتنفيس الاحتقان إنْ وجد في اتجاهات معاكسة، أي أن هذه القوة التي يمثلها حزب الله عسكريا، يجب أن تعبر عن قوتها وفائض حضورها وانهماكها في المقلب اللبناني والمقلب العربي، وهذه أكبر هدية يمكن أن تقدم لإسرائيل، فهي إن كان لديها قلق من الذراع الإيرانية في لبنان في زمن ما، فمع إيغال هذه الذراع بالدماء العربية، وفي تهميش الدولة اللبنانية وفي استثمارها المذهبي والطائفي في لبنان، فإن النتيجة الطبيعية هي المزيد من الربط إلى حدّ الحلف الموضوعي والجدلي بين استقرار حدود إسرائيل في لبنان من جهة، وضمان بقاء حزب الله منهمكا في العبث في لبنان والساحات العربية من جهة أخرى.

لا يمكن لإيران أن تقاتل عدوين؛ واحد في الدول العربية وآخر هو إسرائيل، وطالما أن العداء الذي تورطت به عربياً، بات من الصعب طيه في مدى قريب، فإن الحرب مع إسرائيل باسم فلسطين أو القدس وما إلى ذلك من شعارات استخدمتها وتستخدمها اليوم بنسب متدنية، باتت غير ممكنة، بل غير واردة.

الخلاصة أن الدمار الذي طال العديد من الدول العربية، وأدى إلى تشقق المجتمعات في تلك الدول، كان لإيران دور محوري في الوصول إلى حصيلته، ولا يعني ذلك أن إيران وذراعها حزب الله في أحسن أحوالهما، بل يجب الانتباه إلى أن حزب الله فقد كل علاقة مع أي مشروع يقوم على نهضة عربية ووطنية لبنانية، ومن يدقق ويتعمق في خطابه وفي بنيته الأيديولوجية سيكتشف الهزال الذي وصل إليه، بكونه حزبا قصارى ما يسعى إليه النطق باسم الشيعة، وما ينجّيه ويجعله يبدو متماسكا وقوياً ليس إلا كونه لم يزل حاجة لاستمرار الاستقرار على حدود إسرائيل الشمالية.

لبنان سيبقى أقل أهمية من استقرار حدود إسرائيل، والعاصفة نورما التي ينهمك اللبنانيون في تتبع بعض أضرارها والتهكم من خلالها على المشهد السياسي البائس في ساحتهم، لن تجعلهم أكثر من مجرد شهود على مدى استعداد الغرب والعرب على جعلهم رهينة لحسابات إيرانية وإسرائيلية حوّلت لبنان إلى نموذج للدولة التي يُراد للعالم العربي أن تكون مثاله، من العراق إلى اليمن فسوريا.. والبقية تأتي إن لم تعتبر.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

حين يدفع لبنان ثمن التورط

في سوريا وضريبة عودة حزب الله

علي الامين

لم يحمل عام 2018 إلى اللبنانيين فرص الخروج من أزماته، ولا يبدو في مطلع العام الجديد أن ثمة إرادة لبنانية على مستوى الحكم لمواجهة المآزق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل والنقدية أيضا حيث باتت تهدد بانهيار أسعار صرف الليرة اللبنانية.

وعلى الرغم من إجراء الانتخابات النيابية عام 2018 بعد تأجيل دام نحو خمس سنوات، فإن لبنان لا يزال بعد مرور نحو ثمانية أشهر على إجرائها عاجزا عن تشكيل الحكومة، وعلى الرغم من انعقاد مؤتمر سيدر في باريس، والذي أقر نحو اثني عشر مليار دولار أميركي لدعم لبنان، هي عبارة عن قروض ميسرة، فإن المخاطر باتت تهدد بتقويض نتائج المؤتمر بسبب إدارة الظهر لهذه الخطوة، عبر التمادي في عدم تطبيق الشروط الإصلاحية التي التزم بها لبنان أمام المؤتمر.

وعلى الرغم من حمل لبنان لملف النازحين أو اللاجئين السوريين إلى المنابر الدولية والدول الكبرى، فإن الأداء السياسي الرسمي بقي غير ذي مصداقية تجاه هذا الملف، بسبب عدم قدرة الحكومة اللبنانية على إظهار الجدية حيال مواجهة هذا الملف والمشكلات المرتبطة سواء تلك المتصلة بسياسة النأي بالنفس، أو تأمين الظروف الميدانية والعملية لعودة النازحين إلى ديارهم، وتحديدا تلك التي يسيطر عليها حزب الله على امتداد الحدود في المقلب السوري.

على أن جانبا مهما بدا متقدما في العام 2018، يتمثل في التهديدات الإسرائيلية للبنان، مع تصاعد حال التوتر الذي كانت قمته الأنفاق التي تم كشفها، وأقر تقرير الأمم المتحدة بوجودها، من دون أن يعلق حزب الله على هذا الكشف، ولا سيما أن المواقف الإسرائيلية ذهبت بعيدا في استثماره دبلوماسيا وسياسيا، فيما رفع لبنان الرسمي رسالة إلى الأمم المتحدة مشيرا إلى الخروقات الإسرائيلية المستمرة للقرار الدولي رقم 1701.

على أن اللافت في هذا السياق أن حزب الله الذي طالما استثمر السياسات الإسرائيلية من أجل ترسيخ سلطته على الدولة اللبنانية، ظلّ صامتا هذا العام حيال ما كان يردده دون توقف ودون أي فعل ميداني لتغييره، أي احتلال مزارع شبعا، فحزب الله مستمر في صمته حيال المطالبة بتحرير المزارع وغيرها من الأراضي، لكن من دون القيام بأي تهديد لهذا الاحتلال من جهة، وفي المقابل طمأنة إسرائيل عمليا عبر استمرار وجوده في سوريا، الذي جعل من الحكومة اللبنانية في موضع هشّ وضعيف، يكشف يوميا عن مكامن العجز لديها حيال ما يرسمه حزب الله لها من حدود التحرك، ويعطي إسرائيل أوراق قوة تظهر أنها تواجه قوة عسكرية وأمنية وليس لبنان الدولة.

في الشكل يبدو أن انقساما سياسيا هو ما يمنع تشكيل الحكومة على سبيل المثال لا الحصر، لكن الواقع هو غير ذلك تماما، فصناعة الانقسام وافتعاله من أسس السيطرة والتحكم بالدولة من قبل السلطة الفعلية التي يمثلها حزب الله

ولئن بقي لبنان في موقع الضعيف بسبب الإصرار على تظهير هشاشة الدولة، فإن ذلك وفّر حجما كبيرا من التلاعب بمصير اللبنانيين واجتماعهم السياسي، فالدولة اللبنانية التي يفترض أن يحكمها الدستور والقوانين التي اجتمع عليها اللبنانيون في اتفاق الطائف، لكن ما تشهده الحياة الدستورية والسياسية، يكشف أن ثمة قواعد جديدة تُفرض بالقوة وبالرغم عن إرادة اللبنانيين، هي ما يحكمهم من دون أيّ أفق إيجابي، بل تدميري للدولة.

في الشكل يبدو أن انقساما سياسيا هو ما يمنع تشكيل الحكومة على سبيل المثال لا الحصر، لكن الواقع هو غير ذلك تماما، فصناعة الانقسام وافتعاله، من أسس السيطرة والتحكم بالدولة من قبل السلطة الفعلية التي يمثلها حزب الله، ذلك أن المعادلة التي طالما سعى حزب الله إلى ترسيخها، تقوم على أن الدولة ضعيفة وغير قابلة لأن تكون دولة طبيعية كبقية الدول، وأن وجوده غير الطبيعي كقوة أمنية عسكرية من خارج الدولة، هو وجود ضروري وطبيعي ليخفف من تداعيات ضعف الدولة، وهو لذلك لا يريد للدولة أن تستعيد حضورها فتنتفي مبررات وجوده، ولا يريد نهايتها لأنها تفقده الغطاء الذي يحتاجه في الداخل والخارج.

على هذا المنوال من السلوك المستنزف للدولة، استطاع حزب الله أن يخترق الدولة، ويتحكم بمفاصل السلطة، بحيث يصعب أن نتخيل في لبنان إمكانية صدور أي قرار مهم من دون أن يكون حزب الله هو من أصدره باسم السلطة، سواء تلك القرارات المتصلة بالأمن أو السياسة وحتى الاقتصاد والمال، فحق الفيتو يمتلكه وحده ويترك التفاصيل للآخرين كي يتصارعوا عليها أو يتفقوا حولها.

في المقابل لم يترك حزب الله المعارضة، بل عمد في المقابل في سياق منع قيام معارضة حقيقية إلى الإصرار على تثبيت عرف تشكيل حكومة وحدة وطنية ليضمن مشاركة معظم القوى السياسية الفاعلة في الحكومة، وطالما أنه هو صاحب القرار الفعلي، فمن المناسب تعطيل القوى السياسية من خلال هذه المشاركة، وتحميلها مسؤولية القرارات التي يصدرها هو وإن كانت باسم الحكومة.

 وهو بذلك يعطل فرص قيام معارضة، وفي نفس الوقت يتحكم بقوة السلاح والمال في بقية القوى التي تقدم نفسها على أنها معارضة، هي معارضة لكل شيء إلا لحزب الله، ففي التحركات الأخيرة في الشارع التي خرجت اعتراضا على الأوضاع السيئة اقتصاديا وماليا، كان حزب الله حريصا أن يدسّ بين صفوفها من أتباعه ليقدم نفسه قوة معارضة لسياسة الحكومة والسلطة عموما.

غاية حزب الله من الوجود في الحكومة، بل السيطرة على الحكومة، والوجود في المعارضة، بل السيطرة على المعارضة أو على إمكانية السيطرة على إمكانية قيام معارضة، هو في جوهره منع قيام سلطة لبنانية رسمية، وفي نفس القوة منع قيام معارضة وبالنتيجة منع استعادة الدولة لعافيتها، وهذه هي الأرضية الملائمة لأن ينمو ويتمدد في النفوذ والسيطرة والتحكم.

عام 2019 هو محطة جديدة في هذا المسار الذي يبدو فيه لبنان انطلاقا مما تقدم، فريسة يجري التعامل معها من قبل إيران وذراعها حزب الله، في أن يكون التعويض عن الخسارة التي يمكن أن تطالهما في سوريا في ظل الإصرار الدولي والإقليمي على إضعاف نفوذ إيران فيها إن لم يكن إخراجها، فلبنان مرشح بالفعل لأن يكون التعويض، ولأن يدفع الثمن مرتين، مرة بخروج حزب الله إلى سوريا والثانية بعودته القاتلة منها إلى لبنان.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

ثنائية الدولة-الدويلة

أمام الحقيقة اللبنانية القاتلة

علي الامين

يدخل لبنان من معضلة إلى أخرى، فالحكومة لم تتشكل منذ سبعة أشهر بسبب عقد وعراقيل تتصل بالحصص والمحاصصة الحزبية والسياسية داخل الحكومة في الشكل، وعراقيل ذات أبعاد سياسية محلية وإقليمية في المضمون.

لبنان الذي يبدو أن الصراعات الطائفية والحزبية هي جوهر الصراع القائم فيه، يغيب عن بعض المراقبين ما يمكن أن يسمى العلة الفعلية للحكم والسلطة.

هناك سلطة ظاهرة وشكلية تعبر عنها المؤسسات الدستورية والسياسية لكنها ليست سلطة فعلية، كتلك التي يمكن أن نسميها سلطة خفية هي من يدير ويتحكم ويوزع المغانم والأعباء ويحدد الخطوط الحمراء والصفراء والخضراء التي على أساسها تمارس الحياة السياسية، وهي الخطوط التي تسمح بتجاوز الدستور وتهميشه، كما شهد لبنان ذلك منذ الوصاية السورية التي أدارت عملية تطبيق الدستور بما تقتضي مصالحها وأتاحت فرض أعرافها، كما وفرت شروط خرق الدستور والقانون، إلى مرحلة انتقال الوصاية للطرف الإقليمي الإيراني ممثلا بحزب الله.

من مظاهر خرق الدستور قوانين الانتخابات التي جرت صياغتها بما يخالف الدستور، من حيث اعتماد دوائر انتخابية متفاوتة بين منطقة وأخرى، بما يتناسب دوما مع مصالح السلطة الخفية والفعلية، ففي نفس القانون جرى اعتماد دوائر صغرى في منطقة ودوائر كبرى في مناطق أخرى.

في مجلس الوزراء جرى ترجمة المشاركة في الحكم التي أقرها اتفاق الطائف، إلى صيغة تقاسم الحصص والمنافع وتحويل المؤسسات الوزارية والأمنية والعسكرية إلى ملكيات سياسية لهذا الطرف أو ذاك بما يحول دون وحدة السلطة ودون التوازن بين المؤسسات الدستورية، في سياق النظام البرلماني الذي يقوم النظام اللبناني على أساسه؛ إلى غير ذلك من التمديد غير الدستوري لرئيس الجمهورية، وتشكيل الحكومات بما يلغي وجود حكومة ومعارضة، ونقل الصراع إلى داخل مجلس الوزراء بما يحول دون محاسبة الحكومة في البرلمان بحيث تحرص السلطة الخفية على عدم قيام المؤسسات الدستورية بواجبها، في سبيل الإبقاء على سهولة تحكمها بميزان القوى الذي تديره بعيدا عن الدستور.

هذه المظاهر من إدارة السلطة بقوة السلطة الخفية، أطلقت العنان لكل التجاوزات التي كان معيار حمايتها، هو التسليم بغطاء السلطة الخفية وليس بمرجعية الدستور والقانون، فطالما أن هذا الطرف السياسي أو ذاك لا يخل بشروط سلطة حزب الله، الذي يمثل ويعبر عن السلطة الخفية هذه، فلن يتعرض لأي مساءلة أو محاسبة مهما بلغ تجاوز هذا الطرف أو ذاك للقانون، ومهما تورط بالفساد، بل يصبح ديدن السلطة الخفية هو توريط الجميع بملفات الفساد لكي تتحول إلى وسيلة سيطرة على مرتكبها وتحكم بمساراته السياسية ومواقفه، فيصبح أكثر طواعية، بل يتحول في بعض الأحيان إلى قوة إرشاد للسلطة الخفية من أجل المزيد من إضعاف الدولة وإظهار هشاشتها، باعتبار أن ذلك يشكل غطاء للسلطة الخفية وللدويلة التي قامت واستمرت بقوة شعار غياب الدولة.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق. وبات من الصعب الاستمرار بهذه السياسة المدمرة للدولة وللاقتصاد، التي جعلت خزينة الدولة أمام عجز دائم ومتراكم وصل بالمديونية العامة إلى رقم يتجاوز المئة مليار دولار. وإزاء غياب أي فرصة جدية أو ممكنة، في ظل معادلة ثنائية السلطة الخفية والسلطة الشكلية، للحدّ من النزيف المستمر في مالية الدولة واقتصادها، فإن الانهيار هو الجواب الفعلي لما ينتظره لبنان في المقبل من الأشهر القريبة.

هذه الحقيقة الواقعية عن المخاطر الكبرى التي يعيشها لبنان، هو ما يردده كل المسؤولين ويعرفه حزب الله من دون الحاجة إلى إقناعه. أضحى يعرف من أسرار الدولة وحقيقة أوضاعها ما لا يعرفه حتى الراسخون في الدولة العميقة، فهو كان من أبرز الساعين إلى تعليق الدولة وتهميشها، لأسباب تتصل بدوره ونفوذه وحسابات إقليمية شاءت إيران أن تستثمرها انطلاقا من لبنان.

واقع الحال اللبناني اليوم يكشف عن إرباك لدى السلطة الخفية، فالسلطة الشكلية سلمت مقاليدها لها منذ سنوات، وتتعامل مع الحكم باعتباره فرصة لجني المنافع من دون تحمل أي مسؤولية، وإلى المحاصصة من دون النظر إلى الأثقال التي تقع على كاهل الدولة وخزينتها الفارغة إلا من تراكم سندات الدّين.

 السلطة الخفية المتمثلة بحزب الله، تدرك أنها باتت أمام مفترق ومفصل تاريخي، فإما أن تذهب بعيدا في لعبة سقوط الدولة، وبالتالي ستكون أمام تحدي الكشف عن مشروعها البديل عن ثنائية الدولة-الدويلة بعدما انتهت مدة صلاحية هذه الثنائية، وإما التسليم بشرط الانضواء الكامل بمشروع الدولة وعلى قاعدة لبنان أولا، لا إيران ولا طهران ولا اليمن ولا غيرها من الدول والعواصم التي طالما استثمر حزب الله كأداة إيرانية، مشاريع كانت تداعياتها وبالا على لبنان الدولة والكيان.

ما يجري في لبنان اليوم، سواء الأزمة الحكومية، أو على صعيد استفحال الفساد أو ضعف الدولة، وإزاء التحركات التي بدأت تظهر في الشارع، كتعبير عن اختناق فئة كبيرة من اللبنانيين من الناحية الاقتصادية وإزاء ازدياد البطالة والفقر، ولا سيما في البيئة الحاضنة لحزب الله، كل ذلك وغيره من التصدعات الاجتماعية والاقتصادية، مرشح لأن يزيد من إرباك السلطة الخفية.

المرتقب في لبنان، هو المزيد من مظاهر الاحتجاج والخروج على القانون. والتحركات الجارية في الشارع، التي تفتقد إلى قيادة في ظل عملية تطويع معقدة لكل النقابات والأحزاب والقوى التي تقدم نفسها على أنها معارضة لسياسة السلطة، مرشحة لأن تتحول إلى قوة احتجاج غير محسوبة النتائج، فيما بدأ حزب الله الذي نجح بأن يتغطى كسلطة خفية وراء السلطة الشكلية، أمام مرمى هذه التحركات التي وإن كانت تتناوله بخجل.

إلا أن الملاحظ في هذه التحركات، التي تدين كل أطراف السلطة، هي أنها تستعد لأن ترفع صوتها وتصوب سهامها هذه المرة بوضوح على حزب الله، طالما أن الأخير لا يزال يتوهم أنه قادر على لجم الشارع وقمعه باسم السلاح ومقاومة الاحتلال التي صارت في برنامج حزب الله وأولوياته الإقليمية ماضيا لا حاضر له.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

ليس لدى حزب الله

ما يقدمه إلى اللبنانيين إلا التعطيل

علي الامين

 

وصف رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون الأوضاع في لبنان بأنها كارثية وتهدد بالانهيار، وكان رئيس الجمهورية يشير إلى الواقع السيء والمعروف في لبنان أمام زوّاره، ليثير انتباه الجميع إلى الأزمة الحكومية التي طالت واتسعت بسبب مواقف القوى السياسية، وتمسكها بمطالب تبدو شكلية إذا ما قيست بأضرار تأخير تشكيل الحكومة.

ولا ينفك المسؤولون في السلطة في لبنان، عن التنبيه إلى المخاطر المالية والاقتصادية والاجتماعية الداهمة، بسبب إدارة الظهر للأزمات ولسبل مواجهتها، وإلى البدء بتطبيق الخطط الإصلاحية التي أقرها مؤتمر سيدر لدعم لبنان في باريس بضمانة تتجاوز 11 مليار دولار. ورغم المواقف المتطابقة بين مختلف القوى اللبنانية في النظر إلى أوضاع لبنان المالية، فإن لبنان يبقى عاجزا عن تشكيل حكومة رغم مرور نحو سبعة أشهر على تكليف الرئيس سعد الحريري بتأليفها.

وكما بات معروفا فإن العجز عن تشكيل الحكومة، أو تعطيل هذه العملية، ناشئ عن قرار إقليمي نفذه حزب الله من خلال ربط عملية تأليف الحكومة بتمثيل ما يسمى نواب سنة 8 آذار، وهذا أمر خرج كأرنب من كمّ الساحر لحظة إنجاز التشكيلة الحكومية وقبل ساعات من توقيع مراسيمها.

التعطيل سمة إقليمية في هذه المرحلة، فالعراق أيضا في نفس المأزق، حيث تعمدُ إيران إلى محاولة استثمار كامل قدراتها التعطيلية من أجل استدراج أطراف إقليمية ودولية إلى طاولة حوار تتصل بالعقوبات الدولية على إيران.

في لعبة التصعيد والتعطيل، أي التصعيد المتبادل بين طهران من جهة ونظام العقوبات الأميركية عليها من جهة ثانية، دخلت إسرائيل بقوة على خط استثمار العقوبات في سبيل المزيد من تحسين شروط نفوذها الإقليمي، وكانت تدرك أن إيران أو أذرعها ليست في وارد خوض حرب معها، انطلاقا من اعتبارات تتصل بأولويات النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، ولأسباب روسية بدرجة ثانية، ولأن القيادة الإيرانية اليوم ليست في وضعية تتيح لها الدخول في أي حرب لأسباب اقتصادية وإستراتيجية بدرجة ثالثة.

لذا دخلت إسرائيل على خط أزمة لبنان، ولوحت بضربة عسكرية لمواقع تزعم أنها مراكز صناعة صواريخ داخل لبنان تابعة لحزب الله، فيما رفضت واشنطن فكرة الضربة العسكرية ومنعتها، ورفضت طلبا إسرائيليّا بفرض عقوبات على لبنان، حيث نقلت واشنطن عبر دبلوماسيتها في لبنان إلى رئيس الجمهورية، رسالة بهذا المضمون.

وفي موازاة الرسائل الأميركية إلى لبنان، فإن روسيا أيضا مهتمة بالعلاقة الإيرانية الإسرائيلية، وفي المعلومات أن روسيا نقلت رسائل إسرائيلية إلى طهران، تتضمن تحذيرا لإيران وحزب الله من تحويل لبنان إلى ساحة تعويض لما ستخسر إيران في سوريا، وتضيف المعلومات أن روسيا نقلت رسائل طمأنة إيرانية بأن لا نوايا عدوانية لديها على إسرائيل، وأرفقت هذه الرسائل بخرائط لأنفاق محفورة بين لبنان وإسرائيل، وفي حين تعتبر إسرائيل أن المطلوب معالجته هي الصواريخ طويلة المدى الموجودة لدى حزب الله، إلا أن إسرائيل بدأت عملية استعراض سياسي ودولي لقضية الأنفاق في محاولة لإظهار أنها هي عرضة لتهديد حزب الله، مع العلم أن حزب الله لم يعد يطالب حتى بتحرير مزارع شبعا اللبنانية، كما كان الحال في خطابه قبل اندلاع الثورة السورية.

انتقال الزخم الإيراني إلى لبنان لم يعد مجرد فكرة، بل بات خيارا في ظل سياسة الانكفاء المحتملة أو المرجحة من سوريا التي تفرضها اعتبارات روسية وأميركية فضلا عن عوامل إقليمية أخرى، لبنان يجب أن يكون سندا لإيران في سوريا، لذا فإن سياسة الانتقال نحو السيطرة الإيرانية الكاملة على لبنان، انطلقت من خلال آلية تعطيل عملية تشكيل الحكومة، والتي أراد حزب الله باعتباره الذراع الإيرانية في لبنان والمنطقة، أن يقول لمن يعنيهم الأمر داخليا وخارجيا، أنا من يقرر في لبنان، ولا حكومة من دون موافقتي وشروطي.

وما يحول دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية في لبنان هو أن لبنان تحول إلى ساحة تزاحم دولي وإقليمي، ففي لبنان قوات دولية يتجاوز عددها 11 ألف جنديا، معظمهم من الجنسيات الأوروبية، كما هناك المئات من الجنود البريطانيين على الحدود الشرقية والشمالية مع سوريا، فضلا عن التواجد الأميركي عبر التعاون العسكري والتسليح مع الجيش اللبناني. في مقابل ذلك بدأت بعض الدول العربية وفي مقدمها المملكة العربية السعودية بتقديم نفسها دولة تحمل مشروعا لدعم لبنان سياسيا واقتصاديا، حيث أكدت مصادر دبلوماسية سعودية أن الرياض مهتمة بمساعدة لبنان على مواجهة أزمته، وهي لن تقف مكتوفة إزاء المخاطر التي تواجهه، وأكدت هذه المصادر أن تاريخ العلاقة السعودية – اللبنانية يكشف المدى الذي وفرته الرياض لدعم لبنان خلال كل مراحل الأزمات التي مر بها في السلم والحرب.

الأزمات التي تتراكم في لبنان على مختلف المستويات، تدفع حزب الله نحو وقف أي محاولة جديّة لمعالجتها، ذلك أنه يحاول من خلال كونه المسيطر أمنيا وعسكريا ومتحكما بالعملية السياسية، فرض قواعد جديدة للحياة السياسية قائمة على أن لبنان لا يمكن أن تستقيم أحواله من غير الاعتراف الدولي والإقليمي بشرعية نفوذه، وطالما أن العقوبات الأميركية مستمرة على إيران وأذرعها فإن لبنان لن يكون بمنأى عنها. لذا فإن ما ينتظر اللبنانيون في الأشهر المقبلة هو المزيد من الغرق في الأزمات التي باتت تعكس مأزق النفوذ الإيراني الذي ليس لديه ما يحمله للبنان إلا المزيد منها.

 

كاتب لبناني

 

لبنان داخل أنفاق حزب الله

علي الأمين

 

كشفت الأنفاق التي تحدث رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أمام دبلوماسيين أجانب عن وجودها على الحدود مع لبنان، عن تهيب حزب الله من الإقرار بأنه هو من يقف وراء حفرها، فتقرير قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفل) أكد وجود هذه الأنفاق والتي حمّل لبنان مسؤولية وجودها، واعتبرها خرقا للقرار الدولي 1701 الذي يفرض وجود القوة الدولية والجيش اللبناني وحدهما في منطقة الحدود الجنوبية، أو ما يسمى منطقة “جنوب الليطاني”.

لم يصدر حزب الله أي موقف حتى الآن، لم يؤكد ولم ينف مسؤوليته، فيما بدت إسرائيل منهمكة بحملة دبلوماسية لتظهير أنها دولة يجري الاعتداء عليها، من دون أن تولي أي اهتمام برد عسكري، بل أظهرت المواقف الرسمية الإسرائيلية أنها غير معنية برد فعل عسكري في لبنان نتيجة وجود هذه الأنفاق وشقها من قبل حزب الله. والأخير تحصّن بالصمت وتفادى الاعتراف بوجودها، فضلا عن الإقرار بوقوفه وراء حفرها عند الحدود اللبنانية باتجاه إسرائيل.

في جولة قمنا بها على المناطق الحدودية الجنوبية، لاحظنا أن الصمت هو سيد الموقف، فلا مواقف تصعيدية ولا اعتداد بوجود هذه الأنفاق، بل ثمة مؤشرات تدل على محاولة التنصل من المسؤولية ولا سيما مسؤولية حزب الله.

الرسالة الواضحة التي يبثها الحزب في هذه المناطق هي عدم التعليق على ما يجري، وفي أسوأ الظروف، القول برسائله الضمنية أن هذه الأنفاق هي لمهربي المخدرات، أو هي من مخلفات مرحلة المقاومة الفلسطينية في عقد السبعينات من القرن الماضي.

تنصل حزب الله أو عدم اعتداده بهذه الأنفاق، يؤكد مجددا أنه لا يريد الذهاب بعيدا في تقديم نفسه كطرف ساع لشق طريق القدس عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل هو في قمة الحرص على عدم الانتقال من الخطاب المنبري والشعبوي المقاوم، إلى التورط في مقاومة عسكرية فعلية ضد إسرائيل.

في الأنفاق التي قامت في غزّة سواء في اتجاه الأراضي المصرية، أو نحوالأراضي الفلسطينية المحتلة، لم تتنصل جماعات المقاومة الفلسطينية من تحمل المسؤولية بل كانت شديدة الاعتداد بما أنجزته على هذا الصعيد.

حزب الله يبدو اليوم في حالة مغايرة تماما، فهو شديد الفخر بما أنجزه باسم فلسطين ضد المعارضات المسلحة في سوريا، لا بل كان يرى في معارك تدمير المدن السورية وتهجير سكانها إحدى وسائل شقّ طريق تحرير القدس، وهذا ما عبر عنه صراحة حسن نصرالله، الأمين العام لحزب الله، بقوله إن طريق القدس تمر من حلب ومن حمص ومن القلمون، ولكن عندما يتصل الأمر بحقيقة المواجهة مع إسرائيل، كما جرى قبل أيام، نجده يتمترس بوزارة الخارجية اللبنانية ويلوذ بالصمت، ويتعامل مع حدث الأنفاق وكأنه تهمة، وليس أمرا يجب الافتخار به كما كان الحال وهو يقوم “بتحرير” حمص أو داريا أو الزبداني أو القلمون.

لم ينفك حزب الله عن القول إن الدولة اللبنانية ضعيفة وعاجزة ليبرر وجود سلاحه، بل اتهم كل من تحدث عن ضرورة التنسيق مع المجتمع الدولي والتمسك بالقرارات الدولية وتطبيقها في لبنان، باعتباره متواطئا مع إسرائيل.

هذا الخطاب الذي اعتمده لتعزيز وجوده المسلح، واستخدمه في حربه السورية عبر القول إنه هو من يحمي لبنان من الإرهاب، ليبرر تجاوز الحدود الدولية ضاربا عرض الحائط بكل سياسات الحكومة للنأي بالنفس عن الأزمة السورية.

كل هذه الانتهاكات والجرأة على مواجهة الثورة السورية، يقابلها هذا الصمت المطبق حيال الأنفاق، بل الصمت حيال ما كان يعتبره، دوما، مؤامرات دولية على المقاومة، وهو في الوقت الذي يحتمي بالدولة اللبنانية، تبدو مؤسسات الدولة آخر من يعلم بما يقوم به، لا بل يستمر في رفضه في أن تكون هذه المؤسسات هي المرجعية الأساسية في ما يتعلق بمتطلبات السيادة اللبنانية.

إسرائيل تبدو في وضعية من يريد فضح الدولة اللبنانية وحزب الله على حد سواء.

الدولة اللبنانية بوصفها عاجزة عن تحمل مسؤولية السيادة على أراضيها، وحزب الله بوصفه قوة مسلحة تتصرف بمعزل عن أي شرعية وتنتهك القرارات الدولية من دون أن تتجرأ على تبني هذا الخرق، علما أنها تجرأت ولم تخف تدخلها العسكري والأمني العلني في أكثر من دولة عربية.

أنفاق حزب الله، في النهاية، كشفت النفق الذي أدخل فيه لبنان على كل المستويات، فلا هو جاد في ما يدعيه لجهة مقاومة الاحتلال وتحرير القدس، ولا هو قادر على إعادة الاعتبار للدولة التي طالما اتهمها بالضعف والوهن، لكنه ظل مصرا على فعل ما تطلبه المصالح الإيرانية التي زادت من انكشاف الدولة والمجتمع على المزيد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمالية.

مأزق الدولة في لبنان تقابله قهقهات إسرائيلية صادرة عن بنيامين نتنياهو، وهو يراقب كيف أدخل حزب الله لبنان في نفق لا يستطيع الخروج منه، ولا البقاء فيه.

كاتب لبناني

 

خواء انتصارات حزب الله

أو الهزيمة النكراء

علي الأمين

 

لم تزل عملية تشكيل الحكومة عالقة في مأزق التعطيل، أو أسيرة الأرانب التي يخبئها حزب الله في أكمامه ليخرجها حين تقتضي ضروراته، فكلما برزت أي مؤشرات لخروج التشكيلة الحكومية من عنق الزجاجة، يُخرج أرنبا، كما أخرج أزمة توزير أحد نواب سنة 8 آذار، وهو الاسم المتداول لمجموعة من النواب السنة، وهذه عبارة عن نواب منتمين إلى كتل سياسية جرى تمثيلها في الحكومة المفترضة، ثم ما لبثت عشية تشكيل الحكومة أن أعلنت عن نفسها كمجموعة نيابية حتى من دون أن تكلف نفسها عناء تشكيل كتلة نيابية، وتكفل أمين عام حزب الله حسن نصرالله بدعمها حتى تحقق ما تريد. وهذا الموقف كان بمثابة إعلان عن تأجيل تشكيل الحكومة ومنع خروجها إلى النور.

لم يعد خافيا أن غاية التعطيل الحكومي، خارجية بالدرجة الأولى والأخيرة، ولأهداف إيرانية، لا سيما أن الحكومة المفترضة التي أفشل حزب الله خروجها إلى النور، هي حكومة يمتلك فيها هو وحلفاؤه وأتباعه الأكثرية أي 17 من أصل 30 وزيرا، ورغم ذلك فهو لا يريد تشكيل الحكومة. فالسياسة التي تقف وراء هذا السلوك باتت مكشوفة ومكررة، كما قال رئيس الحكومة السابق، تمام سلام، إن حكومته التي بقيت نحو عام حتى أمكن تشكيلها، كان تاريخ الحل السحري لإعلانها وصول الأميركيين والإيرانيين إلى الاتفاق النووي في العام 2015، وهذا الاتفاق هو الذي جعل إيران تفرج عن التشكيلة الحكومية بحسب سلام.

من هنا فإن إيران تستنفر أوراقها في المنطقة العربية ومنها الورقة اللبنانية، فالمطلوب أن يرفع أحد المسؤولين الغربيين سماعة هاتفه ويطلب من القيادة الإيرانية، السعي لإقناع حزب الله بتسهيل عملية تأليف الحكومة اللبنانية، وهذا ما لا يبدو متاحا اليوم، ذلك أن الأطراف التي تريد منها طهران أن تدق أبوابها في هذا السبيل، ليست مهتمة على ما يبدو بأن تقايض طهران في هذه المرحلة. إذ تشكل العقوبات الأميركية لديها الأولوية التي لا يجب أن يخل بتنفيذها أي شيء آخر، خصوصا أن الثمن الذي تريده طهران يتصل حكما بتخفيف أو تقليص هذه العقوبات.

الأمر عينه يجري في العراق الذي أدارت فيه واشنطن ظهرها لكل محاولات إيران لاستدراجها من أجل المقايضة في لعبة الأسماء التي يمكن أن تتولى هذا المنصب الوزاري أو ذاك، ما يزعج إيران أن واشنطن غير مبالية بمن سيأتي وزيرا للداخلية أو للدفاع في العراق، فواشنطن على ما يبدو، خلصت إلى أنها لن تُستدرج إلى التفاوض مع إيران في مسائل تفصيلية، طالما كان هذا التفاوض يوفر مكسبا لإيران، وبالتالي الإدارة الأميركية ترفع شروطها الـ11 بوجه طهران، وعلى إيران أن توافق عليها أولا، ثم بعد ذلك يتم التفاوض لا على تعديلها، بل على كيفية تنفيذها. وهي المطالب التي لا تفصل بين الملف النووي والسياسة الخارجية الإيرانية، بل تتعامل معهما كملف واحد من دون تجزئة.

باختصار واشنطن غير مهتمة بالعروض الإيرانية، ولا يبدو أنها تخضع لابتزاز على هذا الصعيد، فإدارة الرئيس دونالد ترامب تركز بوضوح على تغيير سلوك إيران، وبالتالي تبدو محاولات الأخيرة لاستدراج واشنطن إلى تفاوض الضرورة في ملفات جزئية، غير قابلة للتحقق، وهذا ما يجعل طهران أمام مأزق العجز عن تسييل نفوذها الإقليمي للتملص من العقاب الأميركي، وهذا ما يفسر إلى حدّ بعيد عدم قدرة روسيا وإيران على تسييل ما وصفتاه بانتصار حلفهما في سوريا إلى نتيجة سياسية، فها هي لقاءات أستانة لم تستطع أن تترجم التفوق الروسي والإيراني إلى حلّ سياسي، طالما أن واشنطن وأوروبا فضلا عن الدول العربية لم تعط أي شرعية لهذا المؤتمر، فيما أعلن مندوب الأمم المتحدة في سوريا ستافان دي ميستورا فشله، وهي إشارة إلى أن طهران أو موسكو لن يفيدهما ما حققتاه عسكريا، طالما بقي الموقف الدولي مصرا على مقررات جنيف كمرجعية للحل، والأهم أن لا طهران ولا موسكو قادرتان على إعادة ترميم البنيان السوري من دون دعم واشنطن.

قوة حزب الله لم تعد ميزة له، بل تحولت إلى نقيصة، وهي قوة مرشحة للانهيار والتلاشي، بعدما تلاشت كل مقومات مشروع قيامها كقوة غايتها تحرير فلسطين، وقيام الحكم الإسلامي، وصارت وظيفتها الوحيدة السلطة بمفهومها الأعمى

وفي لبنان صورة مصغرة عن كل ذلك، فحزب الله (الذراع الإيرانية) هو الأقوى عسكريا وأمنيا ويسيطر بالقوة على الجغرافيا اللبنانية وعلى مفاصل السلطة وعلى الدولة إلى الحدّ الذي يريده هو، وليس الحدّ الذي يستطيعه، ولكن فائض القوة هذا هو نفسه يجعله مربكا، بل عاجزا عن أن يدير الدولة بالكامل، فيسعى دوما إلى تطويع جميع القوى، ودفعها بالإغراء أو الإكراه إلى تنفيذ ما يريده من سياسات، لا بهدف الشراكة في حكم البلد، كما يقول قادته دوما، بل بهدف أخذه لمكاسب السلطة وإحالة مسؤوليات السلطة على الآخرين ممن يسميهم شركاء، والدليل على ذلك أنه بكلمة من أمين عام حزب الله تتعطل عملية تشكيل الحكومة، وبكلمة منه تسير عجلة التشكيل.

يجلس حزب الله على كرسي الانتظار في لبنان اليوم. انتظار مسار العقوبات الأميركية على طهران والعقوبات الموازية عليه، ويترقب كيف سيستقر مسار التسوية في سوريا، وماذا سيجري في اليمن، فيما هو عاجز عن أن يكون فاعلا في هذه المسارات التي باتت في مقلب الحلول وإن لم تكن داهمة، لكن مسار الأزمات المستعصية والحروب المتناسلة استنزف خياراته وباتت المنطقة العربية المدمرة أمام مرحلة جديدة، فوظيفة حزب الله انتهت، أي الوظيفة القتالية والتدميرية، لقد أنجز مهمته التدميرية وبات اليوم أمام ركام في سوريا وركام سياسي واجتماعي وحضاري في لبنان وحيث يتواجد.

ليس لدى حزب الله ما يؤهله لأن يساهم في بناء دولة، هو يتقن فن تدمير الدول، وأنجز ما يتقنه، لذا تبرز قوة حزب الله في التعطيل، في القدرة على التدمير لا في القدرة على البناء، في خلق الأزمات لا في إيجاد الحلول، في تجزئة المجتمع وإفراغه من الحيوية والإبداع، لا في بناء نموذج جاذب لغير العصبيات المذهبية والطائفية، هو يتنفس ويحيا في الأزمات ويختنق في مسار الحلول، لذا هو مربك في تفوقه العسكري على الجميع في لبنان، باعتبار أن التفوق والانتصار ولو بقوة السلاح يفرض مسؤوليات على المنتصر هو عاجز عن تحملها، تلك المسؤوليات التي تتصل ببناء الدولة في الاقتصاد وفي الاجتماع وفي السياسة وما إلى ذلك من عناوين مرتبطة بالدولة وليس بالميليشيا أو المنظمة الأمنية العسكرية أو حتى الجهادية.

التعطيل للحكومة اللبنانية والابتزاز بالواسطة للمجتمع الدولي وصلا إلى نهايتهما، فحزب الله الذي أثار الفوضى وتورط بها في كل الجغرافيا العربية، هو نفسه من كان شديد الانضباط حيال المسّ بأمن إسرائيل، حيث صارت الحدود الجنوبية للبنان مع فلسطين منطقة الاستقرار النموذجي في الشرق الأوسط، وبات عاجزا حتى عن الحديث عن شق طريق القدس الذي طالما مرره ولا يزال في الحرب السورية، وتحول من طرف طالما قاتل وخوّن حتى منظمات فلسطينية لأنها بنظره تهاونت في قضية تحرير فلسطين، إلى طرف شديد الانضباط والالتزام تجاه أمن حدود فلسطين المحتلة، وقصارى ما يقوله زعيمه هو إذا اعتدت علينا إسرائيل سنرد عليها، ونجح في طي كل ما كان يقوله في السابق عن إنهاء إسرائيل وعن تحرير فلسطين، بل حتى عن تحرير مزارع شبعا.

قوة حزب الله لم تعد ميزة له، بل تحولت إلى نقيصة، وهي قوة مرشحة للانهيار والتلاشي، بعدما تلاشت كل مقومات مشروع قيامها كقوة غايتها تحرير فلسطين، وقيام الحكم الإسلامي، وصارت وظيفتها الوحيدة السلطة بمفهومها الأعمى، وبات الحزب عاجزا عن تحديد من هو عدوه أو صديقه وحليفه، بل عاجزا عن قول ماذا يريد، فضلا عن معرفته.

قصارى ما يستطيعه حزب الله اليوم أن يبحث عن انتصار ولو بالوهم كما هو الحال في لبنان، انتصار على الدولة المتهاوية وانتصار بالواسطة عبر وئام وهاب، ولم يعد لدى الحزب ما يقوله لمحازبيه سوى أننا قادرون على صناعة مجموعة نواب 8 آذار، والإعلاء من شأن وئام وهاب في وجه وليد جنبلاط أو سعد الحريري. إنها النهايات التي تلي وهم انتصار الدويلة على الدولة، وزمن الانكشاف على الواقع اللبناني العاري بانتصار حزب الله، بكل ما ينطوي عليه هذا الانتصار من خواء أو هزيمة سياسية وحضارية نكراء.

 

كاتب لبناني

 

النفوذ الإيراني في

آخر صوره البائسة

علي الأمين

 

لطالما شكّل الخطاب الأيديولوجي الوسيلة التي أتاحت لإيران التغلغل في الدول العربية، فالتعبئة الأيديولوجية المدعمة بمنظومات أمنية وعسكرية وبعدّة دينية ومذهبية، سمحت للمنظومة الإيرانية بالتمدّد والنفوذ والسيطرة، وهو نفوذ تميّز بالقدرة على التحكّم بقرارات السلطات الرسمية. فأنشأ وعلى امتداد زمني طويل نسبياً منظمات وأذرع له في هذه الدول وربط نظام مصالحها السياسي بإيران، ووفّر الخطاب الأيديولوجي مجالا رحباً لنموّ اذرع النفوذ بعيدا عن الانتماء أو الهوية الوطنية، بما يحول دون أي تفلّت من القرار الإيراني في حال تضارب نظام المصالح الوطني مع نظام المصلحة الإيرانية.

هذا النمط من السيطرة، اتخذ حيناً وسيلة إنشاء وتمويل مقاومات في لبنان وفلسطين المحتلة، في موازاة ضرب أي مشروع مقاومة وطني قائم، بما يضمن تحويل “المقاومة” إلى ورقة إيرانية تتحكم بها طهران، وحيث لا تنفع ورقة المقاومة كشعار أيديولوجي، تمّ استثمار الخطاب المذهبي كمجال خصب يمكن النفاذ من خلاله والسيطرة على فئات من المجتمع. وهذا ما برز ولا يزال في العراق واليمن وحتى سوريا، حيث عمدت إيران إلى التغلغل في هذه الدول، مستثمرة في الشروخ المجتمعية وقدّمت نفسها باعتبارها الحصن الحصين للأقليات، كما أظهرت كفاءة أمنية واستخبارية في اختراق البيئات السنيّة، التي تحوّلت مع ظهور تنظيم داعش كما هو الحال في العراق، في حال من العراء السياسي جعل من بعضها أكثر قابلية لبناء علاقات منفعة وحماية، في ظل تدهور وتصدع البنيان الوطني.

المنهج الإيراني الذي اعتمد منذ الثورة الإسلامية أي قبل نحو أربعة عقود، لا يبدو أنه قابل لأن يتعقلن في منهج السيطرة والنفوذ هو يسير في اتجاه واحد؛ الاتجاه الأيديولوجي الذي لا ينطوي على خيارات تتصل ببناء نموذج للدولة، ولا يحتمل بطبيعته هذه، وحدة المجتمع في إطار وطني وتحت سلطة الدولة، لذا هو قلق ويبدي توتراً عالياً حيال أي مشهد سياسي وطني يقوم على أسس وحدة الشعب وقوة الدولة، وهذا إن أضاء على البعد الأيديولوجي في مواجهة مشروع الدولة، فهو يكشف أيضاً مدى العجز أو عدم الرغبة في التغلغل نحو الدولة العميقة وآليات عملها، إذ ليس خفيا أن الإدارة الأميركية التي احتلت العراق وسحبت جنودها منه، ثم عادت إليه بعد انهيار الدولة أمام زحف تنظيم داعش، لا تبني نفوذها في العراق على قاعدة ميليشياوية، بل تبني إستراتيجية نفوذها في مؤسسات الدولة؛ الجيش والقوى الأمنية ونُظم الإدارة والتعليم، وقبل ذلك في عملية بناء هيكل السلطات داخل الدولة.

من هنا فإن منهجية النفوذ الإيراني، تقوم على السير بعقلية أيديولوجية وفي اتجاه واحد، لا تستطيع النظر إلى المجتمعات العربية ودولها، إلا باعتبارها جماعات وليست شعوبا، وعاجزة عن بناء أي علاقات بين دولة ودولة، فبنظرة شاملة على ما بذلته إيران في سبيل نفوذها من عشرات مليارات الدولارات في سبيل تمدّدها، نجد أن السياسة الإيرانية وإن تورطت في تدمير وإضعاف الكيانات الوطنية التي استهدفتها في محيطها العربي، فهي حصدت مستوى من العداء مع فئات واسعة من المجتمعات العربية باتت تنظر إليها كعدوّ، وليس خافيا ما قدّمته إيران من مال ودماء في سبيل بقاء نظام بشار الأسد حاكما في سوريا، وهو لا يمكن مقارنته بما قدّمته واشنطن من أكلاف مادية محدودة. فإيران قدّمت الكثير من أجل بقائها في سوريا، ومهما علا اليوم الخطاب الأيديولوجي الإيراني، فإن الحصيلة في سوريا مرشحة أن تكون لا شيء إلا العداء من قبل السوريين ضدها وعدم الوفاء لمن قالت إنها تقاتل من أجلهم، فضلا عن صرخات الشعب الإيراني التي لا توحي بأي حماسة جديّة لهذه الحرب التي خاضتها السلطة في سوريا ولا تزال.

المنظومة الأيديولوجية الإيرانية محكومة بالمواجهة التي ستكون داخل إيران لا خارجها، طالما أن الحروب الخارجية استنفدت طاقات إيران من دون أن تستطيع حتى حماية اتفاقها النووي مع واشنطن

الحصيلة الإستراتيجية أن الجهد الإيراني في هذا البلد، بات مصيره في أيد روسية – أميركية بالدرجة الأولى، وتركية – إسرائيلية في درجة ثانية، وإذا كان للشعب السوري دور في مستقبل هذا البلد (وهو بظني سيقرر مستقبله) فان أسوأ ما حصدته إيران من وجدان هذا الشعب، هو العداء الذي فاق في مستواه عداءه لمن كان، ولا يزال، عدوّ سوريا والعرب.

أما العراق فلا وجود لنفوذ إيراني خارج استمرار الدولة الضعيفة والعاجزة، لذا فإن الإصرار على بقاء الحشد الشعبي كمنافس للقوى المسلحة الرسمية، ينطوي على سياسة إبقاء العراق دولة معلقة، وكلما جنح الوضع العراقي نحو ترسيخ سلطة الدولة، كلما بدت إيران عاجزة عن التأقلم مع مشروع الدولة. ففي حين تبني واشنطن نفوذها على علاقات مع الدولة ومؤسساتها تبدو طهران منهمكة بالبحث عن الأشخاص الموالين لها، وهذا بحدّ ذاته سلوك يكشف أن الثقة الإيرانية بأي دولة عراقية مهما كان نظامها، هو أمر غير وارد، لكون الاستثمار الإيراني تركّز على نقيض الدولة ووحدة المجتمع، أي على الميليشيات والأفراد.

وينطبق هذا النموذج على لبنان ذلك أن قوة إيران في لبنان، تقوم على القوة المسيطرة على الدولة من خارجها، أي من خلال النفوذ العسكري والأمني الذي يترجمه حزب الله على مؤسسات الدولة، الدستورية والقضائية والأمنية والعسكرية، وهذا نفوذ منفّر لمعظم اللبنانيين لأنه لا يقدّم للبنانيين أي أجوبة على أسئلة الانهيار المالي والاقتصادي الداهمة، ويزيد من قلق انهيار الدولة، فهو يعمل من خارجها وإن كان يغرف من أصولها ومواردها بشكل شرعي وغير شرعي، والخسارة الإستراتيجية التي طالت النفوذ الإيراني في لبنان، ولا سيما بعد التورّط الدموي في الأزمة السورية، أنه افتقد المضمون الإنساني والأخلاقي الذي كان عنصرا أساسيا يستند إليه في أي مواجهة مع إسرائيل، كما حصل في العام 2006 وقبلها، إلا أنه اليوم يدرك أن المضمون الإنساني والأخلاقي لم يعد قابلا للتوظيف في أي حرب محتملة مع إسرائيل، فبعد سقوط أكثر من نصف مليون سوري، افتقد حزب الله أي إمكانية تعاطف عربي شعبي أو أوروبي وغربي عموما، علماً أن إسرائيل لن تفوّت فرصة استعادة ما تعتبره ديْناً معنويا على هذا الصعيد “الأخلاقي والإنساني” انتزعه حزب الله منها في مواجهات سابقة، وهي لن تفوّت فرصة استعادته في لحظة عراء سياسي غير مسبوقة لحزب الله على المستوى العربي، ولكن ذلك سيبقى مشروطاً بأن يقوم حزب الله بخطوة عسكرية أو أمنية ضد إسرائيل أو حتى في مزارع شبعا اللبنانية المحتلة من قبل إسرائيل.

لذا يمكن رؤية كيف صار حزب الله الذي أُطلقت يده في سوريا، عاجز حتى عن العمل من أجل تحرير مزارع شبعا اللبنانية، التي تكاد تغيب بالكامل عن خطابه السياسي، بل تحول بمشيئته أو رغما عنه، إلى قوة حماية لحدود إسرائيل التي خاضت كل حروبها ومفاوضاتها مع لبنان خلال العقود الأربعة الماضية في سبيل حماية “أمن الجليل”، وإن كانت ثمة جهة واحدة وقادرة على حماية الاستقرار في المقلب الآخر من الحدود، فهو حزب الله اليوم.

الوظيفة الثانية التي لا تزعج إسرائيل بل تتمناها هي وظيفة الاستقواء على الدولة اللبنانية، وهي الوظيفة التي استطاع حزب الله القيام بها وإدارتها. من هنا يمكن القول إن ورقة إشعال الحرب في جنوب لبنان أو في جنوب سوريا مع إسرائيل، لم تعد ورقة إيرانية يمكن استخدامها كما جرى في العام 2006، ويكفي أن ينظر جنود حزب الله إلى الجبهة الخلفية التي كانت في العام 2006 ليدركوا كم أن ورقة الحرب أصبحت في يد العدو الإسرائيلي وحده، الذي لن يتوقف عن ابتزاز الآخرين بها وأولهم إيران.

تحوّلت العقوبات الأميركية على إيران إلى عقوبات مؤذية لها، فأوراق الضغط الإيرانية على واشنطن تلاشت معظمها، وطالما أن واشنطن تضع النفوذ الإيراني وتمدّده في المنطقة العربية أساساً لأي عودة إلى طاولة المفاوضات مع طهران، فإن المنظومة الأيديولوجية الإيرانية التي تسير في اتجاه واحد، باتت محكومة بالمواجهة التي يبدو أنها ستكون داخل إيران لا خارجها هذه المرة، وتحت أنظار أصدقائها وأعدائها معاً، طالما أن الحروب الخارجية قد استنفدت طاقات إيران وأذرعها من دون أن تستطيع حتى حماية اتفاقها النووي مع واشنطن.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

النفوذ الإقليمي في

سوريا والانكفاء العربي

علي الامين

 

لا شك أن المنظمات الإرهابية كانت من أهم وسائل نفوذ وتمدد قوى إقليمية ودولية في المنطقة العربية، وهي إلى جانب كونها منظمات معروفة المنشأ والتوجه، فإن التنظيم البارز أي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” كان الأبرز بعد تنظيم القاعدة في شق الطرق أمام هذا النفوذ الخارجي، وتنظيم داعش شكل، إلى حدّ بعيد، أداة أمكن استخدامها من قبل السلطات المحلية لمواجهة انتفاضات شعبية سعت إلى تغيير أنظمة القهر والاستبداد كما كان الحال ولا يزال في سوريا، ولقمع المطالب الشعبية المحقة في مواجهة الفساد والتمييز والتهميش كما جرى في العراق.

وفي نظرة سريعة نلاحظ أن الحرب على الإرهاب كما استثمرتها دول إقليمية برعاية وإشراف غربي، أميركي وروسي، كشفت عن تنامي نفوذ الدول الإقليمية في المنطقة العربية، فضلاً عن الدولية، في مقابل تراجع كبير وفاضح للنظام الإقليمي العربي، حيث تبدو جامعة الدول العربية الغائب الأكبر عن المسرح الذي يفترض أن تكون فيه الفاعل.

ما يثير القلق السوري والعربي عموماً اليوم، ليس بقاء نظام الرئيس السوري بشار الأسد أو نهايته، وهو بطبيعة الحال انتهى لكونه فقد كل قدراته في إدارة الدولة وسلطاتها، وباتت وظيفته الأخيرة هي البقاء بالقوة في انتظار ما سترسو عليه بورصة المشهد الإقليمي والدولي في سوريا، وما سيرسو عليه الصراع على المكاسب في هذا البلد. قد تكون هذه الصورة راسخة في أذهان الكثيرين على مستوى الشعب السوري، بل على امتداد شعوب الدول العربية، لكن ما يثير القلق كما أسلفنا، هو ما يتصل بمستقبل الكيان السوري، ومدى انعكاس المطامح الإقليمية والدولية، في المحاولات المستمرة لاستثمار طبيعة المكونات المجتمعية السورية وتنوعها في رسم جغرافية النفوذ الإقليمي.

روسيا التي تقدم نفسها باعتبارها الطرف المنتصر على الإرهاب والراعي لمشروع سوريا الجديدة، ولو بعد أن ساهمت في تدميرها، تتقاطع في هذه المهمة مع إيران، وإن من باب الطرف المقرر والمدرك أن النفوذ الإيراني الميداني في هذا البلد هو أمر ضروري وملح، طالما أن أيّ بديل آخر غير متوفر بشروط توفير المرجعية الروسية على هذا البلد، وتأمين مستلزمات السيطرة المادية والمعنوية، فلا الإدارة الأميركية في وارد طمأنة روسيا إلى مستقبلها في سوريا، ولا هي مطمئنة إلى قوتها الذاتية التي باتت أمام مخاطر الاستنزاف وكلفة بقاء الجنود الروس غير المحددة والمستمرة دون تحديد أي موعد لوقف الحرب أو إعلان نهايتها.

فيما الولايات المتحدة تستمر في تثبيت قواعدها العسكرية في الشرق وعلى الحدود العراقية، وتشير الوقائع الميدانية إلى أنّ سيطرتها على مناطق الثروة النفطية في سوريا دائمة، فيما تتأرجح علاقاتها مع التنظيمات الكردية في الشمال السوري، بين التبني الكامل لها وبين مراعاة بعض الحسابات التركية ومصالحها.

تركيا التي نجحت في الالتفاف على الكماشة الأميركية والروسية، بالانسجام مع متطلبات النفوذ الروسي في سوريا، وبإيجاد قنوات تفاهم مع واشنطن حول شروطها في شمال سوريا، وباستثمار حاجة إيران لها في مرحلة العقوبات الأميركية، حققت فرصاً جديدة لعدم خروجها من سوريا

لا تبدو إيران في وارد الخروج من سوريا، فهي التي دفعت الكثير من المال والدماء في سبيل الذود عن نظام بشار الأسد، ولمنع الثورة السورية من تحقيق التغيير، لذا فإن العقوبات الأميركية المتشددة لن تدفع إيران إلى الخروج من سوريا، فالاستراتيجية الإيرانية تقوم في هذا البلد على فرض وقائع عسكرية وديمغرافية تجعل من وجودها في هذا البلد مستنداً إلى قواعد سياسية واجتماعية يصعب تغييرها، أو ترفع من كلفة إخراجها من هذا البلد.

فالقيادة الإيرانية التي وفرت كل الشروط التي طلبتها إسرائيل في سوريا وبرعاية روسية، لا سيما تلك المتصلة بأمن إسرائيل وأنجزت معها تفاهماً سلساً في الجنوب السوري بإشراف روسي وغطاء أميركي، بدأت بالتفرغ لمهمة أخرى كانت بدأتها وتعمل اليوم على استكمالها، وهي المهمة التي تقوم على بناء علاقات وثيقة تقوم على نظام مصالح مادية وأمنية مع بيئات اجتماعية سورية متنوعة.

وتركز إيران نشاطها على نسج ما أمكن من علاقات مع الأقليات سواء منها المسيحية على تنوعها أو الأكراد وغيرهم من المجموعات الإثنية التي ساهم تنظيم داعش في إثارة مخاوفها الوجودية، وعززها سلوك متبع في السياسات الدولية والإقليمية يولي اهتماما خاصاً لموضوع الأقليات لأسباب سياسية بالدرجة الأولى. كما عمدت إيران إلى إنشاء ميليشيات سورية في العديد من مناطق سيطرتها، وقد أمكن لها الوصول إلى عدد من العشائر الذين انخرطوا في أطر ميليشياوية تمولها وتسلحها إيران.

في المقابل فإن تركيا التي نجحت في الالتفاف على الكماشة الأميركية والروسية، بالانسجام مع متطلبات النفوذ الروسي في سوريا، وبإيجاد قنوات تفاهم مع واشنطن حول شروطها في شمال سوريا، وباستثمار حاجة إيران لها في مرحلة العقوبات الأميركية، حققت فرصاً جديدة لعدم خروجها من سوريا، وهذه النقاط الاستراتيجية التي حققتها أنقرة داخل سوريا، انتقلت من طموح “الدولة السلطانية” إلى الدولة الإقليمية الملتزمة بقواعد السيطرة الأميركية والروسية في هذا البلد العربي.

على أن ما يجب التنبه له هو أنّ التخلي العربي عن هذا البلد أتاح للقوى الإقليمية الطامحة لتثبيت نفوذها وشرعنته في سوريا، ونقصد تحديدا تركيا وإيران وإسرائيل، أن تتمادى في هذا السلوك، أي أنّ الدور العربي غائب حتى من باب وضع الخارطة السورية بكل ما فيها أمام المسؤولية العربية، وإشعار المجتمع السوري بكل مكوناته أن ثمة قوى عربية محورية معنية بما يجري في سوريا وليست غائبة عنه، إذ لا يمكن تقبل أن تكون قوة تركيا أو إيران وحتى إسرائيل متقدمة بأشواط على القوة العربية سواء كانت النظام الإقليمي العربي أو أي دولة عربية.

الحاضنة العربية لسوريا هي حاجة سورية بالتأكيد، لكنها بالضرورة حاجة عربية جامعة تفترضها أبجدية الأمن الإقليمي العربي، وأخطر ما تتعرض له سوريا اليوم هو إعادة رسم خارطة نفوذ ديمغرافي، يقوم على أن ثمة خطرا إرهابيا اسمه تنظيم داعش خرج من بطن الأكثرية في سوريا، وأن الأقليات لن تجد حضنا لها إلا من خلال إعادة صوغ وجودها على قاعدة أنها مكونات في خطر وتحتاج إلى حماية وتبنّ خارجي، وهذا واقع خطير طالما أن الشعب السوري بكل مكوناته شاهد على مأساة التخلي العربي عنه وتركه نهباً للذئاب الإقليمية والدولية.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

هل بدأت نهاية

وظيفة لبنان "الرهينة"

علي الأمين

 

لم يجد الأمين العام لحزب الله وسيلة للتضامن مع إيران ولنصرتها في مواجهة العقوبات الأميركية سوى الدخول على خط عملية تعطيل تشكيل الحكومة اللبنانية، ذلك أنه كما بات معروفا فقد رفع لواء تمثيل نواب سنّة 8 آذار، وهم النواب الذين كان لحزب الله دور محوري في دخولهم إلى المجلس النيابي، وهم ينتمون إلى كتل نيابية جرى تمثيلها في الحكومة، لكنهم عادوا وطالبوا بتمثيل خاص رغم انتماء معظمهم إلى كتل نيابية متنوعة، وهم يرفضون الانضواء في كتلة نيابية واحدة.

طرح هذه القضية وتحويلها إلى معضلة وعقبة أمام تشكيل الحكومة، يعكسان في جانب منهما النموذج الذي يعتمده حزب الله حين يريد التعطيل في الحياة السياسية اللبنانية، ووقف عمل المؤسسات الدستورية، ومدى قدرته على ترهيب القوى السياسية، وتحويل انتهاكاته وشروطه غير الواقعية، إلى وسيلة اختبار وسطوة على الدستور والقانون وعلى الحياة العامة.

ربما لا يزال يذكر الكثيرون عندما أعلن قائد فيلق القدس قاسم سليماني أن حزب الله وحلفاءه فازوا بأكثرية مقاعد مجلس النواب، وأن هؤلاء فازوا بـ74 مقعدا من أصل 128 وهذا رقم صحيح إلى حد بعيد، وقد جرت ترجمته في الحكومة بـ18 مقعدا وزاريا من أصل 30 في الصيغة النهائية للحكومة قبل أن يسحب حزب الله من كمّه ما سمي بالعقدة السنية، أي أن الحزب كان أمام حكومة هو من رسم معالمها وهو من يمتلك قرار الأكثرية فيها، بل كان قادرا على التأثير والتحكم بجزء من بقية الوزراء الـ12 فيما لو احتاج إلى تأييدهم في أمر حيوي له، والتجارب الماضية تؤكد ذلك لا سيما كتلة اللقاء الديمقراطي التي وقفت إلى جانب حزب الله مرغمة حين قرّر إقالة رئيس الحكومة سعد الحريري قبل 7 سنوات وألف في حينه حكومة جديدة برئاسة نجيب ميقاتي.

رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي وقف مع الرئيس المكلف في رفضه لهذا التوزير، عاد وابتعد مسافة عن موقفه

خلاصة القول إن حزب الله عطل تشكيل حكومة هو يملك أكثريتها، ولا يمكن إدراج كلام حسن نصرالله في خطابه الأخير، السبت، عن التواضع وعن ندمه على أسلوب التواضع مع الآخرين الذي اعتمده في تشكيل الحكومة، إلا في إطار محاولة ذر الرماد في العيون. كيف نفسّر هذا التواضع طالما أنه وحلفاءه يسيطرون على 18 مقعدا وزارياً، لا بل هو من فرض وزراء ومنع وصول آخرين، من دون أن يجرؤ أحد على مخالفته أو الاعتراض على توجيهاته، وكان تبنيه توزير أحد النواب السنة المؤيدين له، القشة التي قصمت ظهر البعير، والتي أظهرت بما لا يدع مجالاً للشك أن حزب الله ليس مهتما بتشكيل حكومة جديدة، لا سيما أن هذه الحكومة هي من ينتظر المجتمع الدولي والمشاركين في مؤتمر سيدر لدعم لبنان، أن تباشر إجراء إصلاحات مالية واقتصادية، من أجل بدء عملية إنقاذ لبنان من الهاوية المالية والاقتصادية التي سقط فيها ولا يزال دون توقف.

من المفترض أن يعقد رئيس الحكومة المكلف مؤتمراً صحفيا، اليوم الثلاثاء، للإجابة على واقع الأزمة التي تعيشها عملية تأليف الحكومة، وعلى الشروط التي وضعها حزب الله ويحدد موقفه من كل ذلك، في حين تظهر مؤشرات أنه من غير الوارد الاستجابة لمطلب توزير سنة حزب الله، كما كان أعلن في وقت سابق، معتبراً أن خيار الاعتذار عن التكليف هو أفضل لديه من توزير أحدهم.

ولا يخفى على المراقبين أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي وقف مع الرئيس المكلف في رفضه لهذا التوزير، عاد وابتعد مسافة عن موقفه، فيما قال صهره الوزير جبران باسيل، إن هذه القضية تعني الفريقين السني والشيعي وهي إشارة تعكس عدم الرغبة في الظهور بموقف مناقض لحزب الله من جهة، ومحاولة للعب دور توفيقي من جهة ثانية.

كل المؤشرات تدل على أن حزب الله رغم امتلاكه الأكثرية في الحكومة ليس مطمئناً لتشكيلها، ولا مرتاحا لعدم تشكيلها، خصوصا أن حليفه رئيس الجمهورية كان ولا يزال يعوّل على هذه الحكومة من أجل البدء بتنفيذ ما يعتقده ضروريا ليستقيم دوره كرئيس، كما يدرك حزب الله أن تشكيل الحكومة يمكن أن يؤجل انهيارا ماليا واقتصاديا لن يكون هو وجمهوره بمنأى عن تداعياته.

لعل الارتباك هو جانب لا يمكن إهماله في موقف حزب الله بعدم تسيير تأليف الحكومة إذا لم نقل تعطيلها. وفي هذا السياق يدرك حزب الله أكثر من أي جهة لبنانية أخرى مدى جدية أو عدم جدية العقوبات الأميركية تجاه إيران وتجاهه هو، ولكن ما يكشفه سلوك الحزب ومواقفه في الآونة الأخيرة أنه متحسب لهذه العقوبات، إلى الحدّ الذي لا يبالي بأن يكون في حكومة هو صاحب القرار فيها، بل يسعى إلى تقويضها ومنع قيامها، رغم إدراكه أنه ليس قادراً على تحمل مسؤولية تشكيل حكومة قادر على تأليفها ولكنه عاجز عن تحمل مسؤولياتها وتبعات توجيهها. فالتحديات التي تواجه حزب الله في لبنان اليوم، لم تعد نابعة من قوى سياسية لبنانية باتت أكثر طواعية له، بل من اعتبارات دولية وعربية باتت ترى أن لبنان صار قاعدة للنفوذ الإيراني، وبالتالي ليس هناك ضرورة لدفع كلفة صمود الدولة فيه، وهذه الرسالة وصل مضمونها إلى رئيسي الجمهورية والحكومة من جهات أميركية وأوروبية فضلا عن حكومات عربية، وخلاصتها أن اللبنانيين لم يعد لديهم ما يكفي من ترف الانتظار، وعلى السلطات الدستورية أن تقرر هل لبنان قرر أن يكون محمية إيرانية، أم يريد أن يكون دولة مستقلة عن النفوذ الإيراني؟

يدرك حزب الله أكثر من أي جهة لبنانية أخرى مدى جدية أو عدم جدية العقوبات الأميركية تجاه إيران وتجاهه هو

وبناء على الإجابة سيقرر المجتمع الدولي لا سيما الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية كيف سيتعاملان مع لبنان في المرحلة المقبلة، ولعل الرسالة الأوروبية الأشد التي وصلت إلى المسؤولين اللبنانيين، أن عملية ابتزاز الاتحاد الأوروبي بقضية بقاء اللاجئين السوريين في لبنان مقابل المحافظة على الوضع القائم انتهت، خاصة بعدما كشفت الأجهزة الأوروبية اعتماد لبنان كمنطلق لنشاطات أمنية إيرانية معادية في دول أوروبية عدة.

السيناريو الأسوأ هو ما يمكن أن يشهده لبنان من عمليات سحب ودائع مصرفية من بنوكه ونقلها إلى بنوك خارج لبنان، وهذه لا تحتاج إلى أكثر من إشارات أميركية أو عربية، هي كفيلة بأن تحدث أزمة مالية في لبنان وانهيارا اقتصاديا لا يزال يلجمه موقف دولي لا يريد للبنان أن ينهار، لكن إذا باتت كلفة استقرار لبنان أعلى من انهياره في الحسابات الدولية، فحينها سيكون لبنان أمام مسلسل من الانهيارات لن تقف عند حدود الاقتصاد أو النقد، بل ستتجاوزها إلى ما هو أمني وعسكري.

تعطيل الحكومة هو تعبير سياسي عن تمنّع حزب الله ومن خلفه إيران، عن الدخول في خطة إنقاذ دولة لبنان، هذه الخطة التي يتبناها المجتمع الدولي ليس لدى حزب الله ولا إيران بديل منها وهي الحل الوحيد على الطاولة، من هنا فإن أمين عام حزب الله في خطابه الأخير وفي محاولة للهروب من هذا التحدي، رمى في وجه اللبنانيين معادلة مقابلة؛ إما أن تدافعوا عن هذا الواقع السيء الذي تعيشونه أو فلنغير النظام، وهي رسالة مفادها تشريع نفوذ حزب الله وسطوته وترجمته في نصوص دستورية جديدة، وهو اقتراح يعكس أيضا الإرباك الذي يعيشه حزب الله اليوم، وعجزه عن تبني أي من الخيارات القاتلة بالنسبة لطبيعة وجوده الأمني والعسكري ولدوره الإقليمي، سواء كان خياره التجاوب مع متطلبات المنظومة الدولية أو مواجهتها، وفي الحالتين فإن الخيار قاتل، أما المواجهة فستكون وبالا عليه وعلى كل اللبنانيين الذين نجح في تحويلهم إلى متراس أو رهينة لديه.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

حزب الله ووظيفة

صناعة "الدولة العاجزة"

علي الأمين

 

يشكل عنوان استثمار التباينات المتصلة بتفسير الدستور السلاح الأمضى لحزب الله للسيطرة على العملية الدستورية والسياسية في لبنان. لا شك أن ثمة تباينات وتفسيرات مختلفة لبعض بنود الدستور موجودة في أي دستور في أي دولة، وهذا التباين لحظته مختلف الدساتير حين أحالت التفسير إلى جهة محددة، كالمجلس الدستوري في فرنسا أو المحكمة الدستورية في الولايات المتحدة الأميركية، وفي لبنان أعطيَ مجلس النواب هذا الحق.

لم يحصل رغم كل الجدل حول تطبيق الدستور أو مخالفته، أن دُعي مجلس النواب إلى الفصل في أي خلاف دستوري، لقد شكّل النفوذ السياسي والأمني في زمن الوصاية السورية وفي زمن الوصاية الإيرانية اليوم، العنصر الحاسم في فرض التفسير الذي يشاؤه صاحب النفوذ، وهذا ما حصل عنوة في عدم انتخاب رئيس الجمهورية لمدة عامين وخمسة أشهر، قبل انتخاب العماد ميشال عون رئيساً في خريف العام 2016، كما فرض حزب الله بمعونة رئيس الجمهورية وتياره، فكرة حصر التمثيل الوزاري لكل طائفة بالقوى المسيطرة على الطائفة، والتي هي وحدها من يضفي عليها الشرعية في تولّي منصب وزاري، والفرض جاء بأن تعيين أي وزير من دون أن يكون له هذه الشرعية المستحدثة، يعني ذلك أن الحكومة تفقد ميثاقيتها.

هذه أمثلة وغيض من فيض التجاوزات التي عطّلت الدستور، عبر تظهيره كدستور هشّ قابل للتجاوز، واستسهال تطويعه لصالح الطرف المتحكم من خارج المؤسسات وعبر القوة الميليشياوية.

بطبيعة الحال ليس الدستور اللبناني دستورا مثاليا، لكن بالتأكيد ليس المسيطرون على الحياة السياسية بالطرق غير الشرعية هم من المؤهلين لإنتاج دستور يتمتع بالحدّ الأدنى من الشروط القانونية أو تلك المتصلة بمفهوم الدولة ووحدة الشعب، ولا بمفهوم الوطنية اللبنانية والسيادة الوطنية. من هنا فإن الدستور اللبناني الذي جرى الاتفاق عليه في الطائف، وقع في أيدي أطراف سياسية تبتهج بانتهاكه، وتتفنن في فرض قواعد الحكم ونسبها إليه.

يكفي أن نقول إنه لا وجود في الدستور ولا في دستور أيُّ بلد، ثنائية السلطة كما هو الحال في لبنان، فرئيس الجمهورية الذي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة في الدولة، ليس له أي صفة ولو شكلية على سلطة سلاح حزب الله الذي تفوق على نفوذ الدولة وأجهزتها، وفي الحدّ الأدنى هو مزاحم ومنافس لها من دون أي صفة قانونية.

حزب الله التنظيم الأيديولوجي الشيعي يدرك أن أي انتقال من حال العجز إلى حال الفاعلية والحضور للدولة، سيكون على حساب نفوذه، وبالتالي فهو ينحاز إلى كل ما يوفر له شروط البقاء العسكري والأمني

كما أن حزب الله، ومن خلفه إيران، يريدان فرض هذه المعطيات الميدانية المنافية للدولة وسيادتها في لبنان، حيث يسعى الحزب من خلال سطوته الأمنية إلى جعل الفرقاء السياسيين يسلّمون بهذا الواقع تمهيدا لجعله عُرفاً يقبل به اللبنانيون ويسكتون عنه طيلة سنوات وربما عقود، ولا يخفى على أيّ متابع للسياسات المتبعة في لبنان، كيف أن حزب الله يسعى إلى فرض أعراف جديدة في الحياة السياسية، يحاول من خلالها المحافظة على كينونته الأيديولوجية بكل ما تتضمنه من استقلال أمني وعسكري وارتباط ولائي وتنظيمي بالحرس الثوري الإيراني، وفي نفس الوقت يتصدر زيفا الوطنية اللبنانية من خلال لعب دور الوصيّ على الحياة السياسية اللبنانية، فلا حكومة من دون إذنه، ولا انتخاب أو دستور إلا بإيعاز أو بأمر مباشر منه، ولا توافق إلا تحت شروطه ومطالبه، وهذا ما يعيشه لبنان الذي جرى هتك دستوره وقوانينه، ولكن حزب الله نجح في أن يلبس في بعض الأحيان قناعا ليتخفى به، وليظهر للآخرين من خلال الأقنعة السياسية التي يتحكم بها كم هي مستعدة لمخالفة الدستور وتجاوزه، فيما هو لم يصل إلى هذا الحدّ، وهذا إن انطلى على البعض، فهو واضح ومكشوف لدى معظم اللبنانيين.

يستثمر حزب الله كما أشرنا في البداية، في التباينات التي تتصل بتفسير الدستور، ليس في سبيل تجاوزها، بل عبر تضخيمها، وليس في سبيل معالجتها بل عبر البناء على قواعد الخلاف وترسيخه، في سبيل إنتاج عجز الدولة. هذه العجز الذي أسس له منذ قررت إيران استمرار وجوده كتنظيم عسكري أمني تابع لها في لبنان، ذلك أن عجز الدولة هو الهدف الاستراتيجي الذي تجري مأسسته من قبل هذا الحزب في لبنان، كما يقوم دوره الداخلي على حماية هذا العجز، لتبرير بقائه ونفوذه وسيطرته على مقومات الدولة من دون أي مسؤولية.

مأسسة العجز تبدأ من ترسيخ فكرة أن لا حكومة في لبنان إلا حكومة جامعة لكل القوى الممثلة في مجلس النواب، لكن وظيفة الجمع هنا ليست المشاركة في اتخاذ القرارات، لأن هذه الحكومة الجامعة لا يمكن أن تتألف إذا لم يكن حزب الله هو صاحب القرار إذا ما أراد أن يصدر قرارا ما عن الحكومة، من خلال ضمان سيطرته الفعلية على ثلثيها، وهو بالضرورة في هذه الحال يمنع صدور أي قرار عن الحكومة لا يناسبه. بالإضافة إلى ذلك تتحول الحكومة من خلال طبيعة تكوينها إلى برلمان مصغر، فلا معارضة برلمانية ولا سلطة تنفيذية قادرة على العمل بشكل منسجم بين مكوناتها، وهذا يوصل إلى الخيار السهل أي المحاصصة والزبائنية، وهما تعبيران صارخان عن عجز الدولة.

في السعي إلى تأليف الحكومة المستمر من دون نتيجة فعلية منذ خمسة أشهر، تعبير آخر عن صناعة العجز، بل ومأسسته في الدولة اللبنانية.

حزب الله التنظيم الأيديولوجي الشيعي يدرك أن أي انتقال من حال العجز إلى حال الفاعلية والحضور للدولة، سيكون على حساب نفوذه، وبالتالي فهو ينحاز إلى كل ما يوفر له شروط البقاء العسكري والأمني، وهو منذ الانتخابات النيابية عمل على تثبيت وترسيخ فكرة نواب تنتخبهم طوائفهم من جهة، واستثمر النظام النسبي لاختراق الطوائف غير الشيعية ليمكن له الدخول إليها بأقنعة سياسية من جهة أخرى، وغاية ذلك تفعيل سياسة التعطيل، وإنتاج المزيد من عجز الدولة، إذ أن مشكلة اللبنانيين مع حزب الله هي أنه لا يجد وسيلة لإقناعهم بطبيعة وجوده غير الدستورية وغير اللبنانية وغير المفيدة للبنان، إلا بالمزيد من تخريب دولتهم لا لتنتهي وتتلاشى، بل إلى الحدود التي يبقى وجودها مفيداً لإدراجها في متطلبات مشروع إيران الإقليمي.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

 

التسوية الرئاسية لم تحصن

لبنان بل تنذر بانهياره

علي الامين

 

ليس الخلاف على تشكيل الحكومة في لبنان هو بسبب تنازع على حصرية السلاح بيد الدولة أو عدم حصريته، ولا يتصل أيضا بمدى تطبيق سياسة النأي بالنفس تجاه الأزمات الإقليمية في العالم العربي أو عدم تطبيقها، ولا الخلاف هو على مطلب انسحاب مقاتلي حزب الله من الأراضي السورية أو عدم انسحابهم، فالحكومة التي ينهمك أطراف السلطة بحجز مقاعدهم في قاطرتها لم تقلع بعد، وعملية التأليف لم تزل عرضة لمطالب متنافرة في الحصص بين أطراف سياسية عدة، ورغم تصريحات التفاؤل التي أطلقت خلال الأشهر الخمسة الماضية من عمر التأليف، إلا أن عربة الحكومة لا تزال متوقفة من دون أي موعد نهائي، إمّا للتأليف وإما لاعتذار رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري عن استمراره في محاولات التأليف.

الانقسام والخلاف لم يعد متصلا بقضايا من قبيل ما رفعت قوى 14 آذار (التي كانت وتلاشت) من شعارات السيادة والاستقلال ووضع سلاح حزب الله تحت سلطة الدولة، أو ما كانت تعلنه قوى 8 آذار التي يختصرها فعليا حزب الله عن بقاء سلاح المقاومة ومنع المساس به حتى قيام الدولة العادلة والقوية، كما كان يردد مسؤولو حزب الله، رغم إدراك الجميع أن لا قيام لدولة قوية عادلة، مع بقاء ثنائية السلاح الشرعي وغير الشرعي، وثنائية الدولة والدويلة.

لم تعد تلك القضايا هي ما يعيق تشكيل الحكومات، أو يؤخر تأليفها كما كان يحصل في السنوات السابقة ومنذ عام 2005، حيث كانت الجهود تنصب حينذاك، على إيجاد التسوية الملائمة لجميع الأطراف في صيغة البيان الحكومي، أما اليوم فلا الرئيس الحريري يطالب بحلّ لسلاح حزب الله ولا رئيس الهيئة التنفيذية في حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، يطالب بانسحاب حزب الله من سوريا أو تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بهذا الشأن، رغم ذلك لم ينعكس هذا التنازل السيادي من قبل من كانوا ضمن الفريق السيادي في السلطة، أو ما كان يسمى قوى 14 آذار، تسهيلا لعملية إدارة شؤون الدولة وتأليف الحكومة.

يعلم الجميع أن ما سمي “التسوية” التي جاءت بالعماد ميشال عون رئيسا للجمهورية قبل عامين، تضمنت وضع الملفات الخلافية ذات البعد الإقليمي جانبا، أي سلاح حزب الله ومشاركته في الحرب السورية. وتم ذلك على قاعدة أن الخلاف حولها هو ما كان يعطل تسيير شؤون المواطنين، ولكن رغم تحييد هذه القضايا السيادية، بقي الحال على ما هو عليه، لجهة العجز عن تشكيل الحكومة، بل حتى في تسيير شؤون الدولة بالحد الأدنى من الحرص والكفاءة والمسؤولية، ومع تهميش العناوين السيادية برزت شراهة عالية لدى القوى السياسية في السلطة للاستحواذ على ما طالت أيديهم من المال العام.

فعندما يتم تهميش الحياة السياسية في عناوينها الوطنية، أو يتم التواطؤ على تحييدها، كما حصل في لبنان مع وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، تصاب الحياة السياسية بخلل جوهري، وتختل لصالح مسارات مختلفة في الصراع، يختصرها التنازع على الحصص سواء في الحكومة أو في ظاهرة التوظيفات غير القانونية وغير المبررة في القطاع العام، لتصبح المنافسة حول من يستطيع أن يدخل عددا أكبر من محازبيه أو أتباعه إلى الوظيفة العامة، ودائما مع تغييب معيار الكفاءة وعبر الإطاحة بمعيار المساواة بين المواطنين، وبتعزيز معيار المحسوبية في القطاع العام، الذي بات مثقلا بعشرات الآلاف من الموظفين غير المنتجين ومترعا بالفساد، ومكللا بالعجز عن القيام بدوره.

إذا كان البعض في لبنان اعتبر، واهما أو بفعل الاستسلام، أن ثمة إمكانية لبناء الدولة في ظل تغييب مفاهيم وشروط أساسية لقيام أيّ دولة وتقدمها، فإنه لا بدّ أنه أدرك اليوم أن ذلك ليس صحيحا بل مدمّرا لما تبقى من الدولة

ليس هذا فحسب، فمع غياب الحياة السياسية أو تغييبها، تنهمك القوى السياسية بالبحث عن مغانم عبر الصراع على الصفقات في قطاع الكهرباء أو النفط، وصولا إلى النفايات التي لا تزال تشكل مثالا صارخا في تقاسم منافعه عبر التلزيمات المشبوهة، وبابتداع مشاريع وهمية أو غير قابلة للتنفيذ، بل مشاريع هدفها أن تفاقم الأزمة، من أجل أن يبقى ملف النفايات مصدرا من مصادر نهب الخزينة العامة.

حتى الجامعة اللبنانية، وهي الجامعة العامة، باتت عرضة للانتهاك بما يخلُّ بمستواها الأكاديمي، وتحولت من جامعة تخضع إلى حدّ بعيد لسلطة أكاديمية، إلى مجال لتقاسم النفوذ بين أقطاب السلطة، فالتعيينات في الجامعة فضلا عن الدخول إلى فضائها الأكاديمي، يقرره معيار المحاصصة لا الكفاءة ولا السيرة العلمية أو الأكاديمية، وهو ما جعلها تفقد دورها الأكاديمي والوطني لحساب تقاسم الكليات والفروع بين القوى الحزبية السلطوية والطائفية.

هذا غيض من فيض الحياة السياسية اللبنانية، التي صارت أسيرة منطق المحاصصة وتقاسم المنافع، بعد تغييب كامل للقضايا الوطنية الكبرى التي تتصل بمفهوم الدولة والهوية الوطنية ووحدة الشعب.

فعندما يجري تهميش السيادة وتهشيمها، ويتمّ الإقرار بذلك وتقبله من قبل أطراف السلطة، وعندما تصبح الدعوة إلى تولي القوى العسكرية والأمنية الرسمية حماية الدولة خيانة وطنية، وعندما تتمّ عملية نهب المال العام من قبل أطراف السلطة وبشكل منظم ومدروس ومقصود، وعندما يصبح شرط المواطنة ليس الالتزام بموجبات القانون، بل الاستزلام لأطراف السلطة وعلى حساب القانون هو معيار المواطنة، فإن كل ذلك وغيره سيجعل الدولة في وضعية مختلة ومنتهكة ومسلوبة الإرادة.

وإذا كان البعض في لبنان اعتبر، واهما أو بفعل الاستسلام، أن ثمة إمكانية لبناء الدولة في ظل تغييب مفاهيم وشروط أساسية لقيام أيّ دولة وتقدمها، فإنه لا بدّ أنه أدرك اليوم أن ذلك ليس صحيحا بل مدمّرا لما تبقى من الدولة.

فالدولة لا تستمر ولن تصمد إذا بقيت أسيرة الثنائيات الدولة- الدويلة، أو السلاح الشرعي- السلاح غير الشرعي، بل في أسر ثنائية الولاء للوطن والدولة- الولاء للخارج، في بلد تسمح سلطته بأن يحكمها من يعتبر أن ولاءه لدولة خارجية (كما هو حال حزب الله) يتقدم على انتمائه وولائه لدولته ووطنه، فتلك هي الكارثة التي لا مجال لتفاديها وهذا ما يعانيه لبنان اليوم.

من دون العودة إلى الثوابت الأساسية للدولة ومقتضيات الانتماء للوطن، ومن دون قيام حياة سياسية على شرط السيادة والاستقلال ووحدة الشعب، فإن العجز لن يقتصر على عدم القدرة على تشكيل حكومة فحسب، بل سيكون كفيلا بالانهيار السياسي والاجتماعي فضلا عن الانهيار المالي والاقتصادي الذي بات وشيكا كما يقرّ أهل السلطة في لبنان أنفسهم قبل المواطنين الذين يعلمون ويشعرون كيف يضيق عليهم الخناق.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

الوصاية الإيرانية

وهشاشة الدولة في لبنان

علي الامين

 

لبنان الذي يتداعى كدولة ودور عربي، تحول فيه قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى نجوم بقوة الهوية الأمنية التي رفع حزب الله من شأنها ليس في مواجهة المخاطر الخارجية، بل في مواجهة نموذج التعدد والتنوع اللبناني بمفهومه الثقافي والسياسي.

في اليومين الماضيين اكتشف أحد الناشطين اللبنانيين، الذي قام بمبادرة إجراء فحوص مخبرية لمياه الشفة التي يستخدمها المواطنون في الضاحية الجنوبية لبيروت، أن هذه المياه فيها تلوث عال من البراز البشري.

هذا في بلد يقال إنّه عائم على المياه، وفيه مصادر مائية متنوعة كانت تميزه عن دول المحيط، لكن واقع الحال يقول إن لبنان لم يعد كذلك، لا لنقص في مصادر المياه الجوفية والسطحية، بل بسبب يتمثل في غياب الرقابة، أو غياب الدولة التي باتت في عهدة مجموعة من المافيات لا تبالي بمطالب الناس وحقوقهم البديهية، باعتبار أن المواطنين باتوا مستلبين بشعارات المذهب والطائفة التي زادت في تهميش الهوية الوطنية إلى حد غير مسبوق، وجعلت السلطة قادرة على التمادي في سلوكها المدمر للإدارة العامة، ما دامت مطمئنة إلى أن المواطن لن يهتز أو يعترض إلا إذا مُسّت جماعته الطائفية بسوء، أو تعرّضت هويته الضيقة لما يستفز عصبيتها الجاهلية.

لذا ليست مشكلة المياه ما يعانيه اللبنانيون، فهي مثال لحال كل ما يتصل بمسؤوليات الدولة ومؤسساتها، وهذا ما يجري أيضا في قطاع إنتاج الطاقة الكهربائية وتوزيعها، فأم الفضائح تكمن في هذا القطاع الذي يشكل مزرابا للهدر والفساد، وعنوانا للذهنية التي تدير القطاع العام، حيث تعاني مؤسسة كهرباء لبنان من عجز سنوي يتجاوز المليار ونصف مليار دولار، فيما لا تتجاوز ساعات التغذية إثنتي عشرة ساعة في اليوم الواحد، بينما نشأ في موازاة المؤسسة الرسمية قطاع خاص يمتلك آلاف المولدات الكهربائية بحماية أطراف السلطة ويحقق أرباحا عالية من دون أن يدفع أي ضريبة للدولة.

هذان النموذجان بما يمثلان من مستوى انهيار الدولة، يتصلان بشكل مباشر بالتحول الذي يشهده لبنان، وهو تحول لا يمكن فصله عن المشروع الذي يريد أن يجعل من المكون الوطني اللبناني مكونا هامشيا، لحساب مكونات يجري ترسيخها وتثبيتها من خلال عناوين التهديد والحماية، وهذا ما يتم باسم السيطرة الإيرانية عبر نقل لبنان إلى مرحلة جديدة تتيح لها الاستمرار والبقاء، بجعل الوطن الصغير منزوع الهوية الوطنية، عبر الإعلاء من شأن الهويات المذهبية والطائفية، وهذا يتم من خلال المزيد من تحفيز المشاعر الطائفية وإيهام كل من الطوائف والمذاهب بأنها قادرة على بناء نفوذ وسيطرة ونظام غلبة.

فرئيس الجمهورية، وتياره الوطني الحر، تقوم منهجيتهما على إعطاء حزب الله وإيران كل ما يريدان من غطاء لبناني في الأمن وفي السياسة الخارجية، مقابل إطلاق يد التيار الحر وكتلته المسيحية في السيطرة على أكبر قدر من المكاسب الداخلية، وهذا ما يدفع بعض العصبيات المذهبية والطائفية المقابلة، وتحت ذريعة لجم شهية التيار الوطني الحر، إلى الاستعانة بحزب الله لدرء مخاطر اجتياح الرئيس وتياره لما يعتقدانه حقوقا مكتسبة لهذه الطائفة أو تلك، هذه المعادلة هي التي تجعل حزب الله والنفوذ الإيراني في موقع الحكم والوصي على بقية الطوائف، لا بل تتيح لحزب الله أن يتخفف من أعباء الاتهامات بإضعاف الدولة ويلقيها على بقية القوى، مستفيدا من مشهد التنازع الذي يغذيه ويحفظ لنفسه موقع المصلح فيما بينها عندما يرى إلى ذلك حاجة لديه.

المشروع الذي تبشر به إيران في لبنان والمنطقة، لا يبدو قابلا للاستمرار، فهو يوفر الخسائر الوطنية والعامة، ولا يتيح الاطمئنان لما يبدو مكاسب خاصة أو طائفية

يساهم بترسيخ التنازع بين القوى المحلية غياب أي جهد عربي أو دولي يُعتدُ به في مواجهة إبقاء الدولة معلقة، وغياب أي محاولة للحد من تحويل لبنان إلى قاعدة إيرانية لتنفيذ مهمات أمنية وعسكرية في أكثر من منطقة عربية. وطالما أنّ إيران ملتزمة بعدم المساس بالأمن الإسرائيلي، فلا مانع دوليا من استمرار سيطرة حزب الله وتحكمه في لبنان، بل لا موانع فعلية من إطلاق الأذرع الإيرانية في أكثر من منطقة عربية، ولا مانع على ما يبدو من إسقاط مشروع الدولة في لبنان لحساب تعزيز الهشاشة، عبر تثبيت أن لبنان مسرح لعصبيات مذهبية وطائفية تتصارع ضمن الخطوط الحمر التي يرسمها النفوذ الإيراني ويسعى إلى تعميمها في أكثر من دولة عربية.

الصحافة اللبنانية التي تتلاشى مع تلاشي مشروع الدولة، تنحسر لحساب منابر إعلامية غايتها حماية المعادلة المسيطرة. إغلاق الصحف وتهديد الصحافيين يتمان في سياق تثبيت أنّ الصحافة والإعلام يجب أن يكونا في خدمة معادلة النفوذ القائمة، إذ لم تعد في لبنان مساحة إعلامية مستقلة عن المعادلة الحاكمة، وإن بدت بعض المنابر الإعلامية تحاول مواجهة الخطوط الحمر التي وضعها حزب الله، فإنّ القضاء -وغيره من الأجهزة الأمنية- كفيل بلجمها أو محاصرتها.

يبقى أن المشروع الذي تبشر به إيران في لبنان والمنطقة، لا يبدو قابلا للاستمرار، فهو يوفر الخسائر الوطنية والعامة، ولا يتيح الاطمئنان لما يبدو مكاسب خاصة أو طائفية، فالمؤشرات تنذر بالمزيد من الانهيارات الاجتماعية والاقتصادية، من دون أن تحمل أي إيجابية أو حلم سيتحقق في المستقبل. هذا لا يعني أنّ غياب الحلم هو ما يمكن أن يعيق استمرار النفوذ والسيطرة والتحكم في لبنان، بل غياب البدائل التي يتطلب وجودها قيام انتفاضة لبنانية من أجل حماية الدولة، فالعجز عن تشكيل حكومة اليوم وبعد خمسة أشهر من استقالة الحكومة، هو مؤشر على حاجة إيران إلى تظهير أنّ المشكلة في الدولة والمجتمع، علما أنّ حزب الله بما يتمتع به من نفوذ قادر على تشكيل الحكومة خلال ساعات، بسبب قدرته على الضغط على كل الأطراف والخصوم قبل الحلفاء.

حزب الله نجح بالتهديد في منع قيام لقاء لشخصيات لبنانية دعا إليه لقاء سيدة الجبل، في أحد فنادق بيروت، تحت عنوان مواجهة الاحتلال الإيراني للبنان، وفي ذلك إشارة إلى أن لبنان وفي عزّ الحرب الأهلية لم تكن فيه أي سلطة مهما بلغت قادرة على أن تمنع قيام أي نشاط سياسي أو ثقافي مهما كان شعاره، اليوم في لبنان يمكن أن تقوم بأيّ نشاط ضد أية دولة ومن أجل أية قضية، لكن يمنع القيام بنشاط ضد السياسة الإيرانية أو ضد السلاح غير الشرعي.

لبنان الذي ظل عصيا على الاحتلال الإسرائيلي وتمرد على وصاية النظام السوري يدخل مرحلة جديدة ليست أقل خطرا من الوصاية السورية والاحتلال الإسرائيلي، وإن كانت أكثر تعقيدا، لكن واقع الحال يقول إن لبنان يفقد مكونات وجوده وقدرته على الحياة، وليس أمامه الآن إلا أن يدافع عن حقه في البقاء وفي الوجود.

أخطر ما يتعرض له لبنان في ظل الوصاية الإيرانية هو تعميم الهشاشة في كل شيء، على مستوى الدولة والانتماء الوطني والحرية، والمنبر الثقافي الذي طالما كان لبنان مصدراً له في المنطقة.

وظني أنه لن يتنازل مهما كانت شراسة الوصاية الجديدة التي لا تحمل في طياتها إلا التخريب فيما قدر اللبناني أن يبني.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

انتخابات "الجهاد الإسلامي"

.. إدارة إيرانية كاملة

علي الأمين

 

زياد نخالة أمينا عاما لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، خلفا لرمضان عبدالله شلح الذي يعاني من غيبوبة، ومن وضع صحي متدهور، بحسب مصادر فلسطينية مطلعة ومتابعة. انتخب نخالة وهو من القيادات العسكرية المقيمة خارج فلسطين، في دمشق تحديدا، ويذكر أن عملية الانتخابات تمت في ظل تشكيك في شروطها الديمقراطية، وسط اتهامات من قبل بعض المنتمين إلى حركة الجهاد بأن نتائج الانتخابات هي تعبير عن الإطباق الإيراني الكامل على الحركة.

جدير بالذكر أنّ مؤسس حركة الجهاد فتحي الشقاقي قضى نتيجة عملية اغتيال نفذها جهاز الموساد الإسرائيلي في جزيرة مالطا أثناء عودته من ليبيا عام 1995 والتي كانت آنذاك تحت الحصار الدولي. في سنواته الأخيرة كان الشقاقي حسب مصدر قريب من “الحركة” في حالة صدام مع إيران التي كانت تدعم ماليا هذا التنظيم، وكان الشقاقي يواجه قبل استشهاده محاولة إيرانية لشق حركة الجهاد وتشكيل مجموعة منها باسم حزب الله فلسطين، ويضيف المصدر أنّ الضغط على الشقاقي في ذلك الحين كان عبر تشكيل لوبي إيراني داخل الحركة لابتزازه، لذا كان ردّ الشقاقي عبر توثيق وتعميق العلاقة مع السودان لا سيما القيادي الإسلامي الراحل حسن الترابي، وحتى مع ليبيا، التي استشهد أثناء العودة من رحلة إليها، وهي رحلة كانت بغرض الحفاظ على العلاقات مع معمر القذافي، وبغاية فتح نافذة على العرب وعدم إبقاء بيض حركة الجهاد في السلة الإيرانية.

بعد استشهاد الشقاقي تمّ انتخاب الأمين العام رمضان عبدالله شلّح في العام 1995خلفا له، ويعود لشلح بحسب المصدر وضع “الحركة” تحت العباءة الإيرانية، قال مقولته الشهيرة “إذا اقترب منهم تيسير الخطيب خطوة (أحد القيادات المقربة من إيران بالحركة آنذاك) سأقترب منهم مئة” فقطع العلاقة مع ليبيا التي كان الشقاقي متحمسا لها، وكذلك فعل مع السودان وأبقى أوراق الحركة بالكامل في قبضة الإيرانيين الذين سيطروا تماما على الحركة أو ما تبقى منها بعد انهيارها مؤسساتيا وتنظيميا.

هيمن رجال إيران وتحكموا مباشرة بقناة فلسطين اليوم، الناطقة باسم الحركة التي تنقل مباشرة ودائما، خطب أمين عام حزب الله حسن نصرالله بما يعكس موقفا متبنيا لكل خيارات الحزب، لا سيما تلك المتصلة بتدخله العسكري في سوريا من جهة، والتدخل في البلاد العربية الأخرى من جهة ثانية، فيما لا تبث هذه المحطة خطب الشيخ رائد صلاح على سبيل المثال، لا سيما تلك التي يدافع فيها عن المسجد الأقصى. كما نجح الإيرانيون في خلق قناة اتصال مباشرة مع الجناح العسكري لحركة الجهاد في الداخل، عبر زياد نخالة، والمسؤول العسكري أكرم العجوري، وهو الأمر الذي كان يرفضه الشقاقي حتى اليوم الأخير في حياته.

مع دخول رمضان شلح في غيبوبة منذ شهور سعى الإيرانيون بحسب المعلومات، لتنصيب زياد نخالة أمينا عاما، وأرادوا مخرجا شكليا لتحقيق ذلك واصطدموا بثلاثة معوقات. أولا المطالبة المستمرة بعقد مؤتمر عام للحركة يناقش كل المرحلة الماضية، منذ انعقاد المؤتمر العام الأول والأخير في ظل قيادة فتحي الشقاقي عام 1992، ورفض رمضان شلح بعد ذلك عقد أي مؤتمر، وحتى قام بحل مجلس الشورى المركزي المنتخب من قبل مجالس الشورى المنتخبة في الداخل.

ثاني المعوقات، طموح محمد الهندي للقيادة وهو أحد مؤسسي الحركة ورغبته في خلافة شلّح، واعتباره أن نخالة غير جدير بالمنصب. أما ثالثها فهو المطالب الإصلاحية التي يمثلها الشيخ نافذ عزام في غزة، وهو أحد المؤسسين الأوائل وأقربهم إلى الشقاقي.

تمّ تجاوز النقطة الأولى، أي فكرة المؤتمر والحديث عن الظروف وصعوبة عقد المؤتمر لدواع أمنية ولوجستية، علما أن شلّح كان قد قال قبل سنوات وحسب مصادر فلسطينية قريبة من الجهاد إنّ عقد مؤتمر وانتخابات في التنظيم، سيؤدي إلى تفجير وانقسام الحركة، كما يحدث في دول العالم الثالث. وتمت الاستعاضة عن المؤتمر قبل أيام، بإجراء انتخابات شكلية في سوريا ولبنان، وعدم إجراء انتخابات في الضفة الغربية والسجون الإسرائيلية، لكن بقيت عقدة الانتخابات في غزة، حيث يتركز التنظيم مع صعوبة كبحها أو إجراء انتخابات معلبة.

تم منع إجراء انتخابات لمنصب أمين عام حركة الجهاد، واختارت إيران زياد نخالة وأكرم العجوري لقيادة حركة الجهاد، مع أنه بشكل فعلي، لم تجر انتخابات في الضفة الغربية، ولا في السجون كما تفعل حماس

الهندي اعتبر نفسه مؤهلا لخلافة شلّح، لكنه واجه انتقادات بسبب علاقته الحميمة مع حركة حماس، وقيل له إنّ القرار الإيراني حاسم لجهة اختيار نخالة، ولن يتم السماح بإجراء انتخابات على منصب الأمين العام من الأساس، فوافق على مجاراة التيار والقبول بالأمر الواقع، مقابل السماح له بالترشح عن الخارج وليس الداخل، مع توفير بعض المكاسب الشخصية والتنظيمية له، منها الحديث عن تعيينه نائبا للأمين العام وتكليفه بعض المهام السياسية التشريفية.

مع حل معضلة الهندي بقيت عقدة الشيخ عزام الذي أصر على الترشح لمنصب الأمين العام حتى ليلة الانتخابات، وتحدث عن أجندة إصلاحية للحركة ومراجعة للمرحلة السابقة، مع تشديده على الاستئثار والفساد خاصة في بنية الحركة في غزّة تحت قيادة الهندي، واقترابه من حماس وقيادتها.

عزام رفض كل الوساطات، وأصر على الترشح لمنصب الأمين العام في مواجهة نخالة، فتدخل الجناح العسكري للحركة بأوامر من الخارج للضغط عليه، بحجة أن انتخاب أمين عام من الداخل سيزيد من الأعباء عليه وسيعسر حمايته أمنيا وسيكون هدفا سهلا للاحتلال الإسرائيلي، لكن هذه الذريعة كان الرد عليها أن قائد حركة حماس ومسؤول مكتبها السياسي يعيشان في غزة.

في مجريات الانتخابات وإدارتها، تمّ تكليف أنور طه مسؤول قناة “فلسطين اليوم” بقيادة اللجنة الانتخابية، وهي القناة الممولة والمدارة إيرانيا، ولأن طه أيضا مرشح للانتخابات، ما وضع علامات استفهام من داخل الحركة على نزاهة واستقلالية العملية الانتخابية في سوريا ولبنان.

وبحسب المصادر نفسها فقد تمّ إجراء انتخابات صورية للمكتب السياسي بعد حسم منصب الأمين العام. وتنقل المصادر التي واكبت الانتخابات أنه شارك فيها موظفون وحتى مرافقون في لبنان وسوريا، فيما تم منع قادة من الرعيل الأول مثل المحامي إبراهيم أبومر وطلعت العمصي (الضبع) من المشاركة في الانتخابات خشية الترشح وبعثرة الأوراق، لذا وبحسب المصادر نفسها فقد تمّ ترتيب الإعلان عن فوز نخالة بمنصب الأمين العام بالتزكية، وترتيب الفائزين في الخارج حسب ما هو مخطط مسبقا، وعقدت التحالفات بحيث يأتي أكرم العجوري أولا، ثم محمد الهندي ثانيا، وأنور طه ثالثا، وعبدالعزيز المينياوي رابعا، وهم من فازوا بالمراتب الأربع المخصصة للمكتب السياسي بالخارج رغم أنهم جميعا من غزة.

أمّا الضفة الغربية فلم تجر فيها انتخابات ولم يتواجد أي ممثل عنها في المكتب السياسي، علما أنّ الناطق باسم الجهاد داوود شهاب قال وهو يعلن عن النتائج في غزة، إن الانتخابات أجريت في “الضفة” والسجون وحتى مناطق 48، وهو ما فضح “الكذبة كلها” حسب المصادر المتابعة لما يجري داخل حركة الجهاد.

بقيت عقدة الانتخابات في غزة مع صعوبة تمريرها كما حصل في لبنان وسوريا، فتمّ التحالف ضد عزام باعتباره الصوت المعارض لتحالف الخارج، وتجرأ على الترشح لمنافسة نخالة، وتمّ ترتيب أوراق وتقديم إغراءات مالية لشطبه ولاستبعاده من المكتب السياسي، إلاّ أنّ ذلك لم يكتب له النجاح، ورغم أنه لم ينل المرتبة الأولى إلا أنه فاز بعضوية المكتب السياسي مع داعمين له.

الخلاصة أنه تم منع إجراء انتخابات لمنصب أمين عام حركة الجهاد، واختارت إيران زياد نخالة وأكرم العجوري لقيادة حركة الجهاد، مع أنه بشكل فعلي، لم تجر انتخابات في الضفة الغربية، ولا في السجون كما تفعل حماس، حيث قيل إن الهندي سيتولى المسؤولية عنهما تحت إشراف النخالة والعجوري، والانتخابات جرت فعليا في غزة، مع محاولات غير ناجحة لمعاقبة المعارضين وإخراجهم من الهيئات القيادية.

 

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

كيف سيرد الحرس

الثوري على هجوم الأحواز

علي الأمين

 

الهجوم العسكري الذي استهدف عرضا عسكريا للحرس الثوري في منطقة الأحواز، وأدى إلى مقتل 25 شخصا بينهم 12 جنديا وطفلا واحدا، وإصابة 25 على الأقل. لا يزال الغموض يطال الجهة التي قامت به، فقد كان تنظيم داعش أول من أعلن مسؤوليته، وكذلك أصدرت إحدى المنظمات العربية الداعية لتحرير الأحواز بيانا تبنت فيه العملية، فيما لمح بعض المراقبين أن الهجوم قد يكون من تدبير أطراف داخل السلطة، وغير ذلك من اتهامات طالت هذه الدولة أو تلك، كما ذهبت المواقف الرسمية الإيرانية، ومنها موقف رئيس الجمهورية حسن روحاني، الذي قال إن الولايات المتحدة “البلطجية” والدول الخليجية التي تساندها واشنطن سهلت وقوع الهجوم. وزعم روحاني أن دولة خليجية قدمت الأموال والسلاح والدعم للمهاجمين.

يمكن القول إن العملية العسكرية كشفت عن أول هجوم من نوعه داخل إيران، تم بهذه الطريقة التي تعكس قدرة المهاجمين على تنفيذ عملية بهذا الحجم وبهذه العلنية، وإن كان بعض المراقبين لا يرون بصمات تنظيم داعش على هذه العملية لجهة كونها لم تكن عملية تفجير انتحاري، فإن اللافت أن السلطات الإيرانية لم تكشف عن هوية المهاجمين الأربعة الذين نفذوا الهجوم وسقطوا جميعا قتلى في العملية، واحد منهم بقي على قيد الحياة جريحا، لكن ما لبث أن فارق الحياة أثناء وجوده في المستشفى، حسب ما ورد في وكالة فارس الإيرانية.

إيران التي أكدت من خلال مسؤوليها أنها سترد على الهجوم، تحاشت تسمية أي جهة محددة كطرف مسؤول عن الهجوم ولم تقدم أي دليل على تورط دول أجنبية، وقالت وكالة إيرنا الإيرانية إن طهران استدعت مبعوثيْ المملكة المتحدة وهولندا والدنمارك، واتهمت دولهم بإيواء جماعات إيرانية معارضة. كما لم يسم المرشد علي خامنئي “الدول الإقليمية” التي قال إنها تقف وراء الهجوم المسلح.

الرد الإيراني سيطال من لم تذكرهم بالاسم على الأرجح. الطرف الأكثر تداولا على ألسنة المسؤولين الإيرانيين، هي واشنطن، سماها الرئيس روحاني من دون أن يسمي دولة أخرى وإن قال دول الخليج التي تدعمها واشنطن هي من موّل وسلح. التركيز على اتهام واشنطن ينطوي على محاولة تحييدها كهدف عسكري وأمني، لا على استهداف مصالحها ووجودها العسكري أمام أعين الإيرانيين وفي مدى أسلحة الحرس الثوري الخفيفة كما هو الحال في العراق أو سوريا.

لو كانت إيران سترد على واشنطن عسكريّا لما سمعنا التصريحات الإيرانية الرسمية بهذا الشكل، بل كنّا سمعنا تفجيرا يستهدف موكبا عسكريًا أو قاعدة أميركية، أو غير ذلك من المصالح الأميركية في المنطقة.

البلطجة الأميركية” كما سماها روحاني، لن يُردَّ عليها إيرانيا إلا بالكلام، ذلك أنّ طهران تدرك أن الإدارة الأميركية الحالية لن تتساهل مع أي مسّ إيراني بمصالح واشنطن في الشرق الأوسط، كما كان حال الإدارة السابقة، لذا حتى تكرار عملية احتجاز بحارة أميركيين من البحرية الأميركية ليس واردا اليوم كما فعل الحرس الثوري خلال عهد الرئيس السابق باراك أوباما، في عملية استعراضية قبل أربع سنوات مع زورق أميركي دخل المياه الإقليمية الإيرانية. القيادة الإيرانية تدرك أن الرد على واشنطن هو ما ينتظره الرئيس دونالد ترامب وإدارته التي تصر على تغيير سلوك إيران كما لم تفعل أي إدارة سابقة.

لو كانت إيران سترد على واشنطن عسكريّا لما سمعنا التصريحات الإيرانية الرسمية بهذا الشكل، بل كنّا سمعنا تفجيرا يستهدف موكبا عسكريًا أو قاعدة أميركية، أو غير ذلك من المصالح الأميركية في المنطقة

حتى لو ثبت لدى إيران أن بصمات واشنطن صارخة في هذا الهجوم، فإن الردّ لن يطال القوات الأميركية ولا مصالحها، فالقيادة الإيرانية لم تخرج على سياسة العداء الصوتي لواشنطن، مقابل الالتزام الدقيق بعدم المس بالخطوط الحمراء التي تضعها واشنطن. الشراسة الإيرانية تتركز دائما على الدول العربية، وهذا ما برز بوضوح في السنوات الأخيرة، فالشيطان الأكبر الفعلي لم يعد واشنطن في حسابات قيادات الحرس الثوري، والنزعة الأيديولوجية التي يتسم بها المشروع الإيراني تتركّز على إغراق المنطقة العربية في حروب ونزاعات داخلية، أو في الحدّ الأدنى استسهال التورط فيها من دون أيّ تهيب لسقوط الآلاف من الأبرياء، في مقابل سلوك ينم عن احترام مبالغ فيه للمصالح الإسرائيلية والأميركية، كما هو الحال في سوريا والعراق منذ سنوات وحتى اليوم.

الرد الإيراني على الهجوم “الإرهابي” في الأحواز سيكون ضد من لم تسمّهم طهران بالاسم الصريح. في الدرجة الأولى سيوفر هذا الهجوم مبررا لتشديد القبضة الداخلية ولمزيد من تهميش منطقة الأحواز. طهران تهمش تلك المنطقة منذ سنوات طويلة ويزيد هذا التهميش من الشعور بالقهر لدى أبنائها، خاصة وأنهم يعلمون أنهم يعيشون حيث الثروة النفطية الإيرانية، والقيادة الإيرانية لا تريد الاعتراف بأن سياساتها تجاه الأحواز هي ما يجعل مواطني هذه المنطقة مستعدون للموت في سبيل قتل بعض الجنود الإيرانيين، والأرجح أن عدم كشف هوية منفذي الهجوم من قبل السلطات الإيرانية غايته عدم الإضاءة على الأسباب الداخلية في قراءة الهجوم العسكري.

إيران المقبلة على حزمة جديدة من العقوبات الأميركية تمنعها من تصدير النفط بالدرجة الأولى، ستحاول تسعير المواجهة في الحيز العربي، لكنها تدرك أنّ ما كان مباحًا لها أميركيا في سنوات سابقة لم يعد مباحا اليوم، فضلا عن أنّ “فيلق القدس″ الذي فلق الدول العربية بفالق المذهبية والأيديولوجيا، من دون أن يمس احتلال القدس أو سياسة تهويدها، قد استنزف الاقتصاد الإيراني بعدما ساهم، باعتزاز، في استنزاف الدول العربية القريبة والمحيطة، وهو أنجز المهمة التي لا تمس مصالح واشنطن وإسرائيل، أي المساهمة الفعالة في تدمير دول عربية وفي الاستثمار في تصدعاتها المجتمعية.

الرد الإيراني سيكون بسبب السلوك الحسن و”المهذب” من قبل مسؤوليها تجاه مصالح واشنطن الحيوية، وسيكون حيث لا يمكن لواشنطن أن تعتبره موجها ضدها، أي في مزيد من تشديد القبضة على الداخل الإيراني من جهة، واستخدام أذرعها لتنفيذ هجوم يطال مفاصل عسكرية أو أمنية في دول خليجية من جهة أخرى، وغالبا ما سيكون العمل العسكري -لو حصل- ملتبسا أو قابلاً للتأويل بحيث يتيح الإمكانية لتوجيه الاتهام في أكثر من اتجاه، وداعش تنظيم جاهز وقابل لأن يكون حصان طروادة، كما أظهر سلوكه منذ نشأ وإلى يومنا هذا.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

المرجعية أسقطت العبادي

وسقطت في فخ سليماني

علي الأمين

 

انتقل فصل تسمية الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي إلى مرحلة جديدة، بعدما أعلنت المرجعية في النجف الأشرف أنها “لا تؤيد رئيس الوزراء القادم إذا اختير من السياسيين الذين كانوا في السلطة في السنوات الماضية”.

انطلاقا من هذا الموقف يمكن اعتبار أن فرص إعادة تسمية رئيس الحكومة الحالي حيدر العبادي لتولي المنصب الحكومي الأول لولاية ثانية باتت مستبعدة تماما، رغم أن الأخير لم يتهم بملفات فساد، وتجمع الأطراف العراقية وعلى رأسها “المرجعية” أنه نجح في إدارة المواجهة في معركة القضاء على تنظيم داعش، وفي الحدّ من تداعيات المرحلة التي حكم فيها رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، والتي تسببت بسقوط أكثر من ثلث الأراضي العراقية بيد هذا التنظيم، وهو نجاح تميزت به مرحلة حكم العبادي لا سيما أنها تلت مرحلة استثنائية من الفساد، الذي أفرغ خزينة الدولة من كل ما فيها نتيجة السياسات التي اعتمدها المالكي في إدارة شؤون الدولة وأدت إلى ما يشبه الانهيار.

صحيح أن إنجاز حيدر العبادي في تحرير الأرض، لم يكن بمعزل عن مشاركة أطراف أخرى، في خوض المواجهة ضد التنظيم الإرهابي الذي سيطر وتمدد واخترق البنية الأمنية والعسكرية العراقية، لكنه نجح في إدارة عملية بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية، وانتشلها من الدرك الذي وصلت إليه قبل توليه السلطة، وساهم في وضعها إلى حدّ كبير على سكة الدولة، بعدما كانت الميليشيات قد اخترقتها وتقاسمت النفوذ فيها، ولم تستثن هذه المحاصصة القوات المسلحة وهو ما أدّى إلى انهيار الجيش في الموصل بمواجهة تنظيم داعش قبل أربع سنوات.

التخلص من حيدر العبادي الذي انتصر على داعش ووحد العراق وأعاد بناء الجيش، قرار اتخذته إيران وعملت على تنفيذه بوسائل مختلفة، منها الضغط على أحد أعضاء المحكمة الدستورية من أجل إيجاد فتوى دستورية تتيح لأعضاء الكتل البرلمانية عدم التقيّد بقرار الكتلة لجهة تسمية رئيس الحكومة، وكان المقصود من ذلك تصديع “كتلة النصر” التي يقودها العبادي، ومن جهة ثانية عبر إطلاق حملة إعلامية تتهم العبادي بأنه رجل الأميركيين في العراق، واتهامه بأنه تهاون في مواجهة المعترضين على الفساد في البصرة وخاصة في خطوتهم إحراق القنصلية الإيرانية في المدينة.

ليس جديدا هذا السلوك الإيراني في مواجهة أي شخصية أو تيار في العراق يسعى إلى محاولة الحد من النفوذ الخارجي على مؤسسات الدولة، إذ إن قاعدة الدخول إلى النادي السياسي في العراق منذ نهاية نظام حكم البعث، لا سيما لدى المكون الشيعي، هي رضا قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وهذه القاعدة التي بدت أنها اهتزت خلال الانتخابات النيابية الأخيرة من خلال بروز تيارات متنوعة داخل المكون الشيعي، عملت إيران بقوة لإعادة استيعاب ما جرى وإعادة الجميع إلى الحظيرة السياسية التابعة لها التي تستطيع من خلالها التحكم والسيطرة.

قاعدة الدخول إلى النادي السياسي في العراق منذ نهاية نظام حكم البعث، لا سيما لدى المكون الشيعي، هي رضا قائد فيلق القدس قاسم سليماني

هذا السلوك الإيراني تجاه العراق والذي يقوم على التدخل في العملية السياسية العراقية لا يشكل استفزازا للأميركيين. ذلك أن القيادة الإيرانية تقدم نفسها في العراق للطرف الأميركي، باعتبارها هي من يستطيع أن يوفر متطلبات الوجود الأميركي ومصالحه في العراق من دون إزعاج، في مقابل أن تتيح واشنطن لإيران إدارة التفاصيل السياسية في بغداد، ومن هذه التفاصيل تحديد أسماء رئيس الحكومة والوزراء وغيرهم، أي أن طهران تعرض على واشنطن معادلة خذوا ما تريدون من العراق، لكن عبرنا وليس عبر العراقيين مباشرة. هذا السلوك لا يبدو أن واشنطن ترفضه، لذا لم نلاحظ أي استياء من المسؤولين الأميركيين حيال أي تغيير في أسماء المسؤولين سواء كانوا قريبين من إيران أو بعيدين عنها، طالما أن سليماني لا يخل بقواعد المصالح الأميركية في العراق.

هذه المعادلة التي ساهمت في تمدد الفساد في إدارة المؤسسات العراقية، تتعرض اليوم إلى اهتزازات، خصوصا أن الاحتجاجات الشعبية والمطلبية باتت أكثر من أي وقت مضى تصوب على دور إيران كطرف حاكم في العراق، بل الحاكم الأول في هذا البلد، وقد شجعت إيران أنصارها على ممارسة كل وسائل النهب للمال العام، ولم يعترض مندوبوها على سلوك الفساد لأي مسؤول عراقي من الموالين لطهران، بل إن العقاب الإيراني يطال من يخلّ بولائه لها، لا من ينهب ويفسد الدولة العراقية ومؤسساتها ونموذج المالكي هو الأشهر وليس الوحيد من الذين حمت إيران وجودهم وحالت دون محاكمتهم رغم تورطهم في ملفات فساد، وهذا يدل على أن الاستراتيجية الإيرانية في العراق ترتكز على بقاء الدولة ضعيفة وطبقتها الحاكمة مرتبط وجودها بالحماية الإيرانية.

بقيت المراهنة العراقية في اللحظات الصعبة على دور المرجعية في النجف لأن تكون حام وداعم لمشروع الدولة، الذي لا يستقيم من دون دعم نخبة عراقية وطنية من خارج الولاءات الخارجية، ولا سيما إيران، باعتبارها الأكثر تدخلا وتحكما في العملية السياسية، وفي هذا السياق يوجه بعض السياسيين العراقيين من المعارضين للنفوذ الإيراني ملاحظات على دورها السياسي، ومنها أن المرجعية التي يمثلها علي السيستاني التي ترفض لقاء السياسيين العراقيين، وهذا موقف قد يكون فيه حكمة لعدم التورط في مواقف سياسية لا تريد المرجعية أن تدخل في ما لا تعتبره من اختصاصها، إلا أن هذه الحكمة تفقد مبرراتها عندما تلتقي المرجعية بمسؤولين إيرانيين، أمنيين وغير أمنيين، لمناقشتهم في قضايا عراقية داخلية، وهذا ما أعلن جهارا قبل عشرة أيام من قبل الموقع الرسمي للمرجعية عن لقاء مع مندوب إيراني.

فلقاء مسؤولين إيرانيين ومقاطعة مسؤولين عراقيين أليس احتقارا للعراقيين؟ كما يتساءل أحد السياسيين العراقيين ويضيف “علما أن المسؤولين الإيرانيين الأمنيين الذين يلتقون المرجعية هم معروفون بأنهم يتدخلون في تفاصيل عمل الدولة العراقية من دون أن يستمعوا أو يستفهموا من مسؤوليها”.

ويغمز المسؤول العراقي من قناة المرجعية أن “العتبات المقدسة في العراق التي يديرها محيطون بالمرجعية والتي تدر مليارات الدولارات يتم تمويلها من الدولة العراقية، من دون أن يُسمح لوزارة المالية أو للأوقاف مثلا التدقيق بإيرادات العتبات ومصاريفها،

جذب “المرجعية” نحو مجاراة الموقف الإيراني في العراق، برز من خلال معاقبة كل من حاول الخروج على وصاية الدولة الجارة لحساب تعزيز مشروع الدولة ومؤسساتها، ومن هنا فإن ما أراده سليماني من المرجعية لاستكمال عملية القبض على السلطة في العراق، هو استبعاد كل من كان رئيسا للحكومة وليس كل من كان متورطا بالفساد، فعادل عبدالمهدي الذي تردد أنه مرشح يحظى برضا المرجعية، هو الملقب بـ”عادل الزوية” بسبب فضيحة سرقة مصرف الرافدين في منطقة الزوية في بغداد والتي قام بها حرسه عام 2007 وتسببت بمجزرة قتل خلالها أحد عشر فردا من حراس المصرف وشرطة بغداد، هو نفسه من الذين تحوم حولهم شبهات الفساد في الوزارات “الدسمة” التي تقلدها في عهد حكومات المالكي وأهمها وزارتي المالية والنفط.

أما النائب فالح الفياض الذي أقاله العبادي من رئاسة الأمن الوطني والحشد الشعبي والذي تتبناه إيران كمرشح محتمل لرئاسة الحكومة، فميزته الوحيدة أنه تابع لإيران وصديق للنظام السوري.

وكذلك هادي العامري وزير النقل السابق وزعيم “منظمة بدر” التي تتزعم الحشد الشعبي المدعوم من إيران، فإن فساده كوزير نقل أيام حكم المالكي وسوء استغلاله للسلطة لا يزال شاهدا على إنجازاته، ومنها فضيحة أمر مطار بغداد لطائرة الركاب اللبنانية في مارس 2014 بالعودة إلى بيروت لنقل نجل العامري الذي تأخر عن موعد إقلاع الطائرة في العاصمة اللبنانية، وقد ترافق هذا الحادث مع ذهول عالمي كشف حجم الفساد في المرافق التابعة لوزارته، واستهانته بمشاعر ومصالح العراقيين واللبنانيين معا.

فهل تنطبق شروط المرجعية التي تريد “وجوها جديدة” على ترشيح الوزراء والمسؤولين السابقين عادل عبدالمهدي وفالح الفياض وهادي العامري، أم أن تلك الشروط لا تنطبق إلا على رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي لأنه بات رمزا لتحرير العراق واستقلال قراره السياسي؟

 

كاتب لبنان (العرب) لندن

 

أحداث البصرة في ذمّة

الصدر... وسليماني يتهيأ للرد

علي الامين

أحداث البصرة التي شهدها العراق مؤخرا، أطلقت العنان لسؤال مركزي برز بوضوح في كل السجالات والتعليقات التي رافقت هذه الأحداث وتلتها، سواء كانت المواقف والتعليقات متطابقة أو متعارضة، والسؤال هل بدأ العراقيون، لا سيما المكون الشيعي، يعبّر عن رفضه للنفوذ الإيراني في العراق؟

لا شك أنّ البارز في أحداث البصرة، كان مشهد الاعتراض الشعبي على سوء الخدمات على أبسط المستويات أي الماء والكهرباء بالدرجة الأولى، فهذه المدينة التي تسكنها غالبية شيعية، هي الثالثة بعد العاصمة بغداد ومدينة الموصل من حيث الحجم وتعداد السكان، وهي الأولى من حيث الأهمية الاقتصادية، فهي تحتضن ميناء تصدير النفط العراقي، وهي المدينة العراقية الوحيدة المطلة على الخليج العربي، وتعتبر المصدر الأول للنفط وللموارد المالية للخزينة العراقية.

لهذا السبب، ولكونها كانت المدينة الأهم في العراق من حيث التنظيم المدني وتوفر الخدمات فيها، منذ تأسس العراق الحديث، ولأنّها المعبر الأساسي للنفط العراقي نحو الخارج، ومقر للعديد من الشركات النفطية والصناعية المرتبطة، تميزت هذه المدينة بكونها من المدن العراقية التي تتميز بنوع من الرفاهية مقارنة ببقية المدن العراقية.

تركز انفجار الاحتجاجات في البصرة بدرجة أساسية على عناوين إيران في المدينة، فضلا عن المحافظة الغائبة إلاّ عن الفساد والتي تمثل سلطة الدولة وتتحمل مسؤولية عدم التجاوب مع مطالب المواطنين المحقة، فحرق القنصلية الإيرانية ليس هو الحدث البارز فحسب في مسلسل الأحداث الذي سقط فيه خلال أيام أكثر من خمسة عشر قتيلا وعشرات الجرحى من المحتجين، بل حرق مقرات الميليشيات الشيعية لا سيما تلك المعروف ارتباطها الوثيق بإيران كمنظمة “بدر” و”عصائب أهل الحق” و”الدعوة” جناح نوري المالكي وغيرها من المقرات، كشف إلى حدّ بعيد أنّ موجة الغضب في البصرة تركّزت ضدّ مظاهر النفوذ الإيراني بالدرجة الأولى.

محاولة إيران التملص من مسؤولياتها حيال الدرك الذي وصل إليه العراق، لم تعد تقنع العراقيين، وهو ما أظهرته ردة فعل المحتجّين في البصرة من سوء الخدمات وانعدامها

ودفع هذا الماكينة الإعلامية التابعة لمحور إيران إلى ربط الأحداث بتدخّلات خارجية، فأحالت أحداث حرق القنصلية والمقرّات الحزبية إلى تحريض دول معادية على إيران، أي السعودية والإمارات، وصولا إلى الولايات المتحدة الأميركية، ولم يغب عن لائحة الاتهامات كل من يندرج في إطار ما تسمّيه القوى التابعة لإيران، القوى الصهيونية والتكفيرية.

سواء كانت التدخلات الخارجية صحيحة أو غير صحيحة، فإنّ العراقيين عموما، وأهل البصرة على وجه الخصوص، يدركون أنّ المآسي التي يعيشونها، والإهمال الذي يُقابل مطالبهم المحقّة به، ليست إلا نتاج سلطة عراقية كانت إيران الطرف الداعم لتولّيها، إذ لا يمكن الحديث في العراق عن حكومة تشكلت منذ الغزو الأميركي في عام 2003 حتى اليوم، لم تكن برضا الولايات المتحدة وإيران، فطهران هي الطرف الذي يقرر أو يوافق على اسم رئيس الحكومة والوزراء الشيعة، وبعد ذلك توافق واشنطن أو تعترض، فالمعادلة التي جمعت الأميركيين والإيرانيين في مقاربة قضية السلطة في العراق، تقوم على قاعدة أنّ طهران هي من يسمي المسؤولين العراقيين في الحكومة ولا سيما الشيعة منهم، مقابل التزام القيادة الإيرانية بضمان عدم المس بمتطلبات واشنطن وبرامجها.

من هنا، فإنّ محاولة إيران التملص من مسؤولياتها حيال الدرك الذي وصل إليه العراق، لم تعد تقنع العراقيين، وهو ما أظهرته ردة فعل المحتجّين في البصرة من سوء الخدمات وانعدامها، التي استحضرت إيران كطرف مسؤول عن أزماتهم.

وفي هذا السياق تؤكد مصادر متابعة من داخل العراق أنّ الغضب الإيراني غير المعلن يتركز على اتهام السيد مقتدى الصدر بأنّه هو الذي أوعز لمناصريه في البصرة باستهداف المراكز الإيرانية، خصوصا أنّ مقرات ومكاتب التيار الصدري لم تتعرض لأيّ اعتداء أو إحراق في البصرة، فضلا أن الأحداث جاءت بعد تطور لافت لم يعلن عنه، تمثل في رفض الأمين العام لحزب الله لقاء مقتدى الصدر خلال وجوده في بيروت قبل نحو عشرة أيام، لا سيما أنّ الصدر كان يأمل إيجاد صلة وصل مع القيادة الإيرانية من خارج نافذة قائد فيلق القدس قاسم سليماني وفريقه في العراق، بسبب توتر العلاقة معه، وثبت لدى الصدر أنّ الإيرانيين لا يريدون بناء علاقة متوازنة تراعي الخصوصية الوطنية العراقية. وغادر بيروت إلى بغداد الأسبوع الماضي، لتنطلق الأحداث في البصرة غداة وصوله.

الصفعة التي تلقتها السياسة الإيرانية في العراق، ساهمت أيضا في إطلاق حملة شعواء على رئيس الحكومة حيدر العبادي، وبحسب المعلومات، فإنّ القيادة الإيرانية تعتبر أنّ العبادي تساهل في مواجهة الاحتجاجات.

من هنا، فإنّ غضب إيران لن يمر من دون عقاب. ويبدو في الظاهر أنّ العبادي هو من يستحق العقاب الإيراني بإخراجه من السباق الرئاسي، لكن ما هو مسكوت عنه في العلن هو الهدف الحقيقي، أي مقتدى الصدر. لكن ما يجعل الصدر محصّنا هو أنّ القيادة الإيرانية لم تجد آذانا صاغية لهذا التوجه لدى مرجعية النجف، التي لم تعط أي إشارة يمكن أن يستفاد منها إيرانيا للنيل من الصدر.

وبعد انقشاع المشهد الميداني برز بوضوح أنّ إيران لم تكن هذه المرة طرفا قادرا على التواري مقابل أصوات والمحتجين العراقيين، بل انكشفت كطرف لا يمكن تفاديه حين المطالبة بأبسط الحقوق، وهذا إنّ دلّ على شيء فهو يدلّ على أنّ إيران لن تكون بمنأى عن الاحتجاجات التي ستخرج مستقبلا من المدن الشيعية في العراق، وذلك لقناعة باتت راسخة لدى معظم العراقيين بأنّ أيّ نهوض بالدولة العراقية لا يمكن أن يكون بمنأى عن تراجع النفوذ الإيراني في هذا البلد.

في المقابل فإنّ الكتل البرلمانية العراقية ولا سيما الشيعية، لم تستطع بعد استيعاب ما جرى، فهي تدرك أنّ المواجهة مع إيران ليست مضمونة النتائج، بل إنّ لدى إيران من الأوراق حتى مع الأميركيين من أجل مقايضة نفوذها بتقديم تنازلات لواشنطن، لكن ما يمكن أن نسميه حالة الرهاب من إيران لدى النخبة الشيعية العراقية، تراجع لصالح بروز مساحة أوسع لتحرك هذه النخبة في الحيّز الوطني.

من هنا، فإن تشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان دخل في مرحلة جديدة عنوانها إعادة خلط الأوراق الذي دفع الصدر عبر كتلة سائرون إلى العمل على جذب قوى جديدة للحلف الذي عقده مع كتلة النصر التي يرأسها العبادي، والإغراء الذي يقدمه الصدر لهؤلاء بشرط استبعاد نوري المالكي هو فتح الباب أمام إعادة الاتفاق على خيار جديد بالنسبة لتشكيل الحكومة ورئاستها بالتوافق. ومنها قائمة الفتح التي يرأسها هادي العامري.

يبقى أنّ مقتدى الصدر الذي نالت قائمته في الانتخابات النيابية المرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية، يشكل اليوم التحدي الأبرز لإيران داخل البيئة الشيعية، ذلك أنّ الصدر هو الأقدر على تحريك الشارع، وهو بتحالفه مع العبادي والحكيم أصبح يمتلك شرعية شعبية عراقية صافية ليس لإيران أي دور فيها، بخلاف بقية القيادات التي برزت أسماؤها خلال وجودها في إيران أو بسبب علاقتها القوية مع القيادة الإيرانية في العراق.

يدرك الصدر، بغريزته السياسية، أنّ مصدر قوته يكمن في عدم الاقتراب من إيران، لكن ليس إلى الحدود التي تجعله طريدا لسليماني بعدما كان طريدا لحاكم العراق الأميركي بول بريمر قبل عشر سنوات.

(العرب) اللندنية

كاتب لبناني

 

 

التمرد على الاصطفاف

الطائفي في العراق يقلق سليماني

علي الأمين

 

مشروع قيام الدولة على الأسس والقواعد الدستورية والقانونية، هو المشروع الذي ينطلق من أساس ثابت هو حصرية حق استخدام العنف من قبل الدولة، هذا التعريف الأولّي والبديهي للدولة هو ما تعرض للانتهاك في الدول التي شكّلت هدفا للنفوذ الإيراني في المنطقة، وهي حقيقة باتت جلية بل فاضحة، بحيث صارت بوابة تعريف منهجية التدخل الإيراني في الدول العربية.

فثنائية الدولة – الدويلة التي تأسست في برامج التغلغل الأيديولوجي الإيراني في الدول العربية، جرى تنفيذها في أكثر من بلد، لتطويع الدولة أو شلها في سبيل المزيد من إحكام السيطرة على مفاصل القرارات ولا سيما تلك السيادية. العراق ولبنان وسوريا واليمن هي أمثلة صارخة على هذا الصعيد، ذلك أن الأيديولوجيا الإيرانية لم تستثمر في الانقسام الداخلي الطائفي أو المذهبي فحسب، بل ساهمت في بناء وتشكيل منظومات أيديولوجية وأمنية عسكرية في تلك الدول تتنافى في طبيعة وجودها مع وحدة المجتمع أو الدولة وسيادتها، وعملت على مأسستها ودفعت نحو تشريعها سياسيا أو دستوريا من دون التخلّي عن سيطرتها والتحكم بها وربطها بالمنظومة الأيديولوجية الإيرانية.

بين لبنان والعراق واليمن وحتى سوريا ثمة ما يثبت هذه الحقيقة، التي شكلت ولا تزال أمثلة على كيفية العمل على مأسسة الانقسام وترسيخه بالأيديولوجيا، ومن خلال الربط المباشر بنظام مصالح مالي عسكري وأمني. ثنائية دويلة حزب الله- الدولة، في لبنان، وثنائية دويلة الحوثيين- الدولة، في اليمن، وفي سوريا رغم العائق الذي مثّله غياب الحاضنة الشيعية للنفوذ الإيراني فقد عملت أدوات النفوذ الإيراني على الاستعانة بميليشيات شيعية من دول عدة لتغطية الفراغ الذي مثله غياب الحاضنة الشعبية، من دون أن تهمل خلال سنوات الأزمة السورية الأخيرة بناء منظومات من السيطرة والنفوذ تستند إلى جماعات سورية وفرت إيران لها الحماية والدعم، وهي في معظم الأحوال تبقى في سوريا عرضة للتفكك والتراجع، لذا يبقى عنصر القوة للنفوذ الإيراني في المجتمع السوري من خارج الأيديولوجيا، بل بمحاولة ترسيخ نظام مصالح مالي اقتصادي وأمني مع النظام من جهة، ومع جماعات قريبة من النظام من جهة ثانية.

في العراق الذي شكّل ساحة مفتوحة لإيران منذ الاحتلال الأميركي له في العام 2003، بدت إيران شديدة الانهماك بالتغلغل في المجتمع العراقي، وفي بناء منظومات للسيطرة والنفوذ المباشر، ومنذ ذلك الحين تحوّلت إلى طرف فاعل ومؤثر في الحياة السياسية والاقتصادية في العراق، وشريك في إدارة العملية السياسية والدستورية لا يمكن تفاديه، لكن إيران التي خاضت حرباً ضروساً مع العراق طيلة ثماني سنوات، عملت منذ الغزو الأميركي للعراق على منع قيام دولة عراقية قوية وموحدة، بل عمدت إلى إدارة أكبر عملية تخريب للدولة من خلال توليد وحماية منظومة الفساد الذي قام بالدرجة الأولى على مقايضة الولاء لإيران بإطلاق اليد في كل منابع الثورة العراقية.

في ظل هذه الصورة يعيش العراق اليوم فرصة استعادة الحيوية السياسية. هذه الحيوية تتأتى من محاولات الخروج على السطوة الإيرانية على العملية السياسية. لقد شكّلت الانتخابات النيابية منطلقا للحديث عن ملامح هذه الحيوية، لعل ما يختصرها أو يفسرها، هو تراجع أو تصدع الاصطفاف المذهبي لدى كل المكوّنات العراقية (السنيّة والشيعيّة والكرديّة) في البرلمان، ذلك أن الكتل البرلمانية وتحالفاتها اليوم لا تقوم اليوم على أساس مذهبي، ولعل الصراع داخل هذه المكوّنات نفسها هو البارز اليوم، ولا سيما داخل المكوّن الشيعي، وهو صراع طبيعي نتيجة الفشل السياسي في إدارة شؤون الدولة، الذي قام على نهج المحاصصة تحت سقف الطائفية، وكانت إيران لها الدور الفاعل في محطات سابقة على الدفع باتجاه تعزيز هذا النهج في الانتخابات البرلمانية السابقة ولا سيما لدى المكوّن الشيعي. اليوم ثمّة ما يشبه الانقلاب على هذا النهج من خلال ما نلاحظه من خروج على منطق التحالف بين الكتل على أساس طائفي، فتسمية رئيس الوزراء العراقي اليوم على سبيل المثال لم تعُد قائمة على تجميع الكتل الشيعيّة وفرض اختيار الرئيس انطلاقا من هذا الاصطفاف الذي طالما كان للدور الإيراني الأثر الأول فيه، وبالتالي التحكّم بالمسارات السياسية التي تنتج عن هذا الاختيار.

من المبكّر الحديث عن تغيير حقيقي في العراق، فإيران التي تمتلك قوة نفوذ متغلغلة في مفاصل الدولة والمجتمع، لا تزال قادرة على التحكم والسيطرة على العديد من النخب السياسية والدينية في هذا البلد، لكن ثمّة مؤشرات واضحة أن هذه القدرة تتراجع أمام بروز ملامح لوطنية عراقية ليست معادية لإيران لكن مستقلة عنها، ولعل ما قام به رئيس الوزراء حيدر العبادي عبر إقالته لفالح الفياض من مسؤولياته في الحشد الشعبي ومن موقعه كمستشار أمني يكشف عن قدرة أو خيار لم يكن قائما في تحدّي النفوذ الإيراني، لا سيما أن إقالة الفياض استدعت ردا علنيا من وزارة الخارجية الإيرانية عبّرت فيه عن استيائها من هذا القرار، وفي موازاة هذا القرار الذي برره رئيس الحكومة باعتباره إجراء قام به بسبب تدخل الفياض في الشؤون السياسية، كان تحويل أحد القضاة الدستوريين إلى التحقيق بسبب لقائه بقائد فيلق القدس، قاسم سليماني، الذي كان يبحث عن إيجاد مخرج دستوري يتصل بتسمية الكتلة الأكبر في البرلمان. ولعل الانزعاج الإيراني من هذا السلوك، هو ما دفع إلى إعلان ترشيح فالح الفياض لرئاسة الحكومة.

وكما يبذل سليماني جهودا على صعيد القوى السياسية لضمان وصول رئيس حكومة موال لإيران، فإنّ جهدا موازيا يتم من خلال الضغط على المرجعية الدينية في العراق من أجل إصدار موقف من المرجع السيد علي السيستاني يُشتمّ منه أو يدعو فيه بشكل صريح إلى عدم تشتت الكتل الشيعية، بل إلى اجتماعها لتسمية رئيس الحكومة، وهو جهد لم يؤدّ إلى النتيجة التي يشتهيها سليماني حتى الآن، والأرجح كما تقول مصادر على اتصال بمحيط المرجعية، أن مرجعية النجف ليست في وارد التورّط في أن تتحمّل مسؤولية اختيار رئيس الحكومة، وهي لن تُستدرجَ للانخراط في عناوين سياسية هي من مسؤولية النواب قبل غيرهم.

بعملية انتخاب رئيس البرلمان ثم رئيس الجمهورية ثم تسمية رئيس الحكومة، أيّا كانت نتيجة الانتخاب أو الاختيار، فإنّ العراق في المرحلة المقبلة يخطو خطوة إيجابية نحو إعادة الاعتبار لمفهوم المعارضة والموالاة، حيث لن تشهد المرحلة المقبلة كتلا مذهبية أو إثنية صافية، بل ثمّة اصطفافات جديدة تؤسس لخيارات سياسية وطنية، يفرضها طابع التحالفات والصراعات السياسية اليوم، فترجمة الخروج على السطوة الإيرانية والخارجية لا يمكن ملاحظته أو ترجمته إلا من خلال كتل سياسية برلمانية فاعلة وعابرة للطوائف والمكوّنات، وهذا ما يحدّ من التحكم الخارجي بها من جهة، ويسمح، من جهة ثانية، بإمكانية تشكيل سلطة ومعارضة في بلد تمّ تشويهه اجتماعيا واقتصاديا ومواطنيا باسم حماية الطوائف، وتصديع الدولة بالثنائيات الإيرانية القاتلة.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

عن الممانعة التي

تحتفي بانتصارها

علي الامين

 

يمكن ملاحظة أنّ قوى الممانعة لم تعد تكتفي بالاعتداد بالقوة الروسية العسكرية في مواجهة خصوم الرئيس بشار الأسد، فمنذ بدأت روسيا بالتدخل العسكري الجوي في الأزمة السورية مع استعراضها بشكل حيّ لكل أنواع سلاحها التدميري في سوريا، واكب عمليات التدمير هذه تقديم المدائح من قبل قوى الممانعة وجمهورها للقوة الروسية وإطلاق ألقاب من قبيل تسمية أبوعلي بوتين على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومحاولة تقديم روسيا باعتبارها قاهرة الإمبريالية الأميركية، والحليف في مواجهة الأطماع الإسرائيلية والغربية للمنطقة العربية، وإلى غير ذلك من التحليلات والشعارات التي تضفي على روسيا بعدا تحرريّا من السطوة الأميركية على المنطقة ولا سيما في سوريا.

كان هذا قبل مرحلة تنفيذ العمليات العسكرية الأخيرة في الجنوب السوري والتي أفضت إلى سيطرة النظام على الحدود مع الجولان المحتل، والتزام إيران بإبعاد ميليشياتها عن هذه الحدود مسافة تزيد على الثمانين كيلومتر.

لم تحدث الإجراءات الروسية، لا سيما تلك المتصلة بضمان أمن إسرائيل، أيّ صدمة فلا قرار إبعاد إيران عن حدود الجولان، ولا التنسيق الروسي-الإسرائيلي الذي تعزز وترسخ من دون أن يهزه أيّ خطاب عن طرق القدس التي جرى ويجري شقّها في سوريا بحسب تعبير أمين عام حزب الله.

الذي استجد اليوم أنّ قوى الممانعة ومنابرها الإعلامية على وجه العموم تروّج لانتصارها في سوريا، وتثني على دور روسيا في تحقيقه في مواجهة المشروع الصهيوني والأميركي التكفيري والإرهابي، باعتبار أنّ التكفير والإرهاب هما صناعة أميركية وإسرائيلية.

ما كشفته وقائع الجنوب السوري أخيرا، أنّ الأمن الإسرائيلي هو الأولوية التي يجب أن لا تمس، لكن ما يثير “الحيرة” هو أنّ وجدان قوى الممانعة لم ينفعل حيال وقوف روسيا حائلا أمام شق “طريق القدس” التي باسمها تمّ تبرير تدمير سوريا، لا بل لم نعد نسمع باسم فيلق القدس ولا قائده في ما يتصل بموقفه حيال الاتفاقات الإسرائيلية الروسية حول ضمانات أمن إسرائيل وحدودها.

بالتأكيد ليست إيران ولا ميليشياتها في وارد المس بأمن إسرائيل كما يقول خصومها، ولكن ما يلمسه المتابع لخطاب انتصار قوى الممانعة، كما تردد هي نفسها في سوريا، أنّه يتقاطع إن لم يكن متطابقا مع المكاسب الإسرائيلية.

إسرائيل نجحت في تحقيق وتثبيت جملة مكاسب بفضل القوى التي ادعت أنّها تقاتلها في سوريا. أولها، تثبيت الأمن على حدودها وفرض انكفاء إيراني عنها، تثبيت أنّ الأمن الإسرائيلي هو الحقيقة التي يعترف بها الجميع والتي كشفت الوقائع أنّ الحدود مع إسرائيل كانت مستقرة، فيما كانت كل المناطق السورية مشتعلة خلال السنوات السبع الماضية.

التهافت في خطاب الممانعة وصل إلى اعتبار أنّ أهم ما أنجزه التدخل الروسي بعد الحفاظ على نظام الأسد في سوريا، هو في قدرة موسكو على كسب ثقة تل أبيب على حساب واشنطن

ثانيا، ضمان إسرائيل الموقف الروسي والأميركي إلى جانبها لجهة شروطها الأمنية، وهذا ما كان ليتحقق لولا التعاون الروسي الإسرائيلي في سوريا ولولا الدخول الدموي الإيراني إلى بلاد الشام، الذي كان يدرك أنّ الجمع بين عداء الشعب السوري والمس بأمن إسرائيل غير ممكن، وبالتالي كانت إيران ملتزمة أكثر مما يجب تجاه مصالح إسرائيل ومنخرطة بشكل غير مبرر في ضرب إرادة السوريين المنتفضة على استبداد النظام في سوريا.

ثالثا، “الممانعة” بمختلف أفرعها ومنابرها وهي تنتصر في سوريا، حققت لإسرائيل أهم الاتفاقيات الضامنة لمصالحها سواء بالاتفاق في الجنوب السوري واتفاق حماس وإسرائيل في غزة، وإنجاز نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس.

وفي هذا السياق يقابل هذه الإنجازات الإسرائيلية مع تهميش دور السلطة الفلسطينية، التغني بالانتصارات التي حققها محور المقاومة.

الانتصار وصل إلى حد أنّ حماسة الجماعات الإيرانية وميليشياتها المقاتلة، تتركز على خوض المواجهات ليس مع الجنود الإسرائيليين في لبنان وسوريا، ولا على الجنود الأميركيين في العراق وفي سوريا، بل يستبسلون من أجل القتال ودعم الجماعات التي توفر المزيد من تدمير المجتمعات العربية ودولها، وها هو أمين عام حزب الله مستعد أن يلتقي ويدعم بشكل مباشر الحوثيين في اليمن لكنه يتفادى القيام بأي خطوة عملية يشتمّ منها أنّه يدعم مجموعات داخل فلسطين المحتلة من أجل تحريرها، بل العكس تماما هو شديد الانضباط حيال عدم تعكير مزاج المسؤولين، الإسرائيليين.

رابعا وأخيرا، اللعبة التي يرغبها ويريدها الإسرائيليون وبات حزب الله كرمز للممانعة يحسن إتقانها، هي التهويل ولعبة التقارير الإعلامية المتبادلة التي تتضمن خططا وهمية عن حرب قادمة بين الطرفين، إسرائيل تريدها لابتزاز الغرب في سبيل دعمها ومراعاة أطماعها، وحزب الله يتوسلها ويبتهج بها من أجل استخدام هذه التقارير لتبرير كل مشاريعه التي تتركز في التحكم والسيطرة على السلطة في لبنان من جهة، وتنفيذ ما تطلبه إيران في سوريا وغيرها من الدول العربية باسم العداء لإسرائيل من جهة ثانية.

التهافت في خطاب الممانعة وصل إلى اعتبار أنّ أهم ما أنجزه التدخل الروسي بعد الحفاظ على نظام الأسد في سوريا، هو في قدرة موسكو على كسب ثقة تل أبيب على حساب واشنطن، وأن هذا الإنجاز الذي يفترض أن يكون إدانة وفضيحة للدور الروسي في سوريا بناء على مبادئ الممانعة وأدبياتها، ها هو يتحوّل إلى انتصار لمحور المقاومة والممانعة.

رغم أنّ الكارثة السورية المستمرة كبيرة وغالية على السوريين أولا والعرب ثانيا، لكن يسجل لهذه الكارثة أنّها كشفت وفضحت هشاشة الأيديولوجيا الإيرانية وخطابها المستعرب تجاه إسرائيل، بل فضحت كيف أنّ مصالح الدول الإقليمية وعلى رأسها إيران في المحصلة النهائية لا يضيرها تدمير محيطها العربي بسلاح الدفاع عن قضاياه، والحصيلة أن موسكو وإسرائيل وواشنطن هي المنتصرة الفعلية في المشرق العربي، فيما قوى الممانعة التي تنتشي ببقاء الأسد، فإن انتصارها هو في الحقيقة انتصار على الشعوب وعلى النظام الإقليمي العربي وانتصار الخواء الأيديولوجي الذي لا يقوم إلاّ على دمار المجتمع والدولة.

بهذا المعنى فإن الإنجاز الأهم الذي يمكن أن يشكّل مدخلا لاستعادة الوعي والحضور والفاعلية في بلداننا العربية، وبالتالي إعادة ترميم وتفعيل النظام الإقليمي العربي، هو المزيد من انكشاف الخطاب الأيديولوجي الذي رفع شعارات تحرير الشعوب وتحرير القدس ومواجهة الاستكبار والغرب، الذي ينكشف اليوم أكثر فأكثر بأنه نموذج للاستبداد وأكثر قابلية لعقد الصفقات مع إسرائيل، والأكثر احتفاء بالسيطرة الخارجية على حساب المصالح الوطنية والعربية، والأكثر استثمارا للجهل في سبيل تأييد التخلف والتبعية.

الممانعة مصنع الأيديولوجيات الفارغة، التي تحسن وتتقن عبرها فعل التدمير الذي تحتفي به اليوم كنصر مؤزر.

 

(العرب) لندن

 

العقوبات الأميركية تفضح

هشاشة "الممانعة" ودولها

علي الأمين

 

انخفاض سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار الأميركي، ليس حدثا اقتصاديا ناتجا عن أزمة اقتصادية أو مالية تسببت فيها سياسات خاطئة اعتمدتها السلطات التركية على هذا الصعيد، بل حدث أميركي بامتياز، اعتمدته واشنطن في سياستها التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في محاولاته تطويع العديد من دول العالم، فالرئيس الأميركي القادم من عالم المال والصفقات التجارية يحرصُ في تعامله مع دول العالم الحليفة للولايات المتحدة أو غير الحليفة بمنهج يختلف عن الإدارات السابقة، على المزيد من استخدام عنصر المال والاقتصاد كقوة ضغط بديلة عن القوة العسكرية التي طالما كانت واشنطن تضعها في مقدمة وسائل ضغطها على من تعتبره مصدر خطر أو منافسا لها في العالم.

هذا ما بدأ في اعتماده مع الصين عندما تحدث ترامب عن إعادة التوازن إلى الميزان التجاري المختل لصالح بكين، وعمل على فرض إجراءات ضريبية للحد من الصادرات إلى واشنطن، وإن كان هذا الأسلوب مبررا مع الصين باعتبارها دولة غير حليفة إن لم تكن منافسا في رتبة خصم أو عدو لواشنطن، فإن المفاجأة كانت الإجراءات التي اعتمدها ترامب بفرض ضرائب على صادرات الصلب وغيره من المواد الخام القادمة من كندا وأوروبا، وهو ما أحدث هزة في علاقات واشنطن مع حلفائها الأوروبيين وفي القارة الأميركية، لا سيما المكسيك تلك التي بدأ ببناء جدار فاصل على طول الحدود البرية معها.

إذا كانت هذه جوانب من سياسة واشنطن المالية والاقتصادية تجاه حلفائها، فكيف يمكن أن تكون هذه السياسة تجاه من تعتبرهم أعداءها، ومن ذلك العقوبات التي بدأتها واشنطن على إيران بعد إلغائها الاتفاق النووي الذي كان الرئيس السابق باراك أوباما قد أقره مع القيادة الإيرانية واعتبره الإنجاز الأهم لإدارته في السياسة الخارجية. ترامب رمى كل ذلك وبدأ تنفيذ خطوات عقابية ضد طهران.

الظاهر حتى الآن أن حجم تأثير هذه العقوبات ليس محدودا، بل ينطوي على قدرات أثرت بشكل كبير على الأوضاع المالية والاقتصادية داخل إيران، ولئن كان تراجع العملة الإيرانية أمام العملات الأجنبية سابقا على قرار العقوبات الأميركية، فإن الإجراءات الأميركية فاقمت الأزمات الإيرانية وكشفت إلى حد بعيد هشاشة الاقتصاد الإيراني والتي بينت إلى حد بعيد اعتماد اقتصاد إيران على تصدير النفط كمورد أساسي لتمويل موازنة الدولة.

العقوبات الأميركية فضحت هشاشة الممانعة وكشفت غياب المناعة السياسية والاقتصادية، لا بل أظهرت الخواء الحضاري بعدما جرى تدمير الدول من داخلها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بذريعة الدفاع عنها في مواجهة أعدائها

سياسة ترامب المالية والاقتصادية تجاه إيران وتركيا تعكس مظهرا جديدا من قوة الضغط الأميركية التي بدأت واشنطن اعتمادها كبديل عن التدخل العسكري المباشر، فواشنطن في عهد ترامب تستخدم نفوذها المالي والاقتصادي لتطويع الدول سياسيا، ولكن إذا كان الظاهر من نتائج هذه السياسة اليوم يلبي طموحات واشنطن من خلال إظهار قدرتها على التأثير الكبير على اقتصادات هذه الدول، فإن مخاطر هذه السياسة تكمن في تهديد نظام التجارة العالمي الذي نظّرت له واشنطن وهي التي حاربت بشراسة نظم الحماية الجمركية، وفتحت الأسواق في سياق نظام العولمة الذي أسست له مع نهاية الحرب الباردة وإعلان فشل النظم الاشتراكية قبل أكثر من ربع قرن.

التساؤلات حول نتائج الإجراءات الأميركية التي تتسم ببعد انغلاقي لا سيما فيما يتصل بإجراءات حماية المنتجات الأميركية داخل الأراضي الأميركية، وتتسم ببعد عقابي لا سيما في استخدام واشنطن إجراءات ضريبية وجمركية تتنافى مع فلسفتها الاقتصادية والمالية التي طالما كانت أداتها في النفاذ إلى اقتصادات الدول ولا سيما في العالم الثالث، وتحديدا تلك التي كانت تعتمد الاقتصاد الموجه أو النظام الاشتراكي.

أي نظام عالمي سوف يتبلور في المستقبل، وأي قواعد عالمية سوف تتحكم بالعلاقات التجارية، وهل سيتجه العالم نحو استعادة أنظمة الحماية الجمركية بعدما بدأت إدارة ترامب في اعتمادها؟

في العودة إلى البعد المتصل بالعقوبات الأميركية على إيران والتي تستند إلى قرارات عقابية معلنة، بخلاف الإجراءات الأميركية ضد تركيا والتي لا تندرج في إطار عقابي رسمي بل عملي، لا سيما في ما يتصل بفرض رسوم جمركية على صادرات الصلب والألومنيوم التركية إلى الولايات المتحدة الأميركية، وبمعزل عن عنوان هذه الإجراءات فإن الثابت أن واشنطن تمارس فعل ضغط واحتواء لإيران وتركيا معا، وهي سياسة تريد واشنطن من خلالها فرض شروطها على الدولتين لا سيما على صعيد دوريهما الخارجي.

وفي موازاة ذلك تسعى واشنطن إلى توجيه رسائل غير مباشرة إلى بقية الدول من خلال إظهار كلفة مواجهة سياسة واشنطن خاصة في المنطقة العربية، فطالما أن تركيا وإيران، وهما الدولتان الإقليميتان الأكثر قوة وتأثيرا في محيطهما العربي والإسلامي، عاجزتان عن وقف تداعيات الإجراءات الأميركية على الداخل التركي والإيراني، فذلك يطرح تحديا على بقية الدول الأقل قوة في هذا المحيط، عن مدى قدرتها على مواجهة أي سياسة عقوبات يمكن أن تفرضها عليها واشنطن مستقبلا؟

وفي هذا السياق يبدو لبنان إزاء ما يعانيه من تصدع في بنيته الاقتصادية والمالية رهينة العقوبات المالية الأميركية بسبب ضعف الدولة اللبنانية وهشاشة اقتصادها، أمام خيارات صعبة، بل يمكن القول إن الحكومة اللبنانية عاجزة عن القيام بأي خطوة جدية تعيد الثقة بالدولة وسياساتها الاقتصادية.

سيف العقوبات الأميركية مسلط ويكتسب قوته ليس بسبب قدرات واشنطن المالية والعسكرية فحسب، بل من هشاشة المشاريع المضادة التي بدت مشاريع تدمير للمنطقة العربية بحجة تحريرها من سطوة السياسات الدولية، فيما هي عمليا دفعت بالدول العربية، ومنها لبنان، إلى أن تكون فاقدة لأي مناعة تجاه أي إجراء عقابي دولي أو أميركي. العقوبات الأميركية فضحت هشاشة الممانعة وكشفت غياب المناعة السياسية والاقتصادية، لا بل أظهرت الخواء الحضاري بعدما جرى تدمير الدول من داخلها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بذريعة الدفاع عنها في مواجهة أعدائها.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

ترهل الدولة في لبنان

وحل الرعاية الدولية

علي الامين

تتراكم الأزمات المالية والاقتصادية في لبنان من دون أن تظهر أي مؤشرات إيجابية على وجود عزم لدى أطراف السلطة على مواجهتها، بل ثمّة إصرار على اتباع المنهج الذي أوقع البلاد في حفرة العجز عن الإيفاء بالحد الأدنى من التزاماتها تجاه المواطنين، ولم تشكل نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة قبل ثلاثة أشهر أيّ حافز لاعتماد نمط جديد في إدارة الشأن العام غير التمسك بالمحاصصة التي يعيث فيها الفساد، بل أن من الوهم الاعتقاد بإمكانية إحداث خرق إيجابي في دوامة الفساد من خلال أدوات الفساد نفسها، أو بتعبير أدق، المعادلة السياسية التي رعت سياسة استنزاف الخزينة والاقتصاد، لا يمكن لها أن تنتج ما يخالف هذه السياسة، لا سيما وأنّ الانتخابات النيابية جرى إقرار قانونها وإدارتها بتواطؤ بين أطراف السلطة لتضمن نتائج تلاءم حسابات هذه الأطراف، لذا لم تكن الانتخابات إلا وسيلة مدروسة لإعادة إنتاج الشيء نفسه بتعديلات طفيفة لا تغير من واقع الحال شيئا.

ولأنّ لبنان يعاني من حال استنزاف بات ينذر بانهيارات مالية واقتصادية فضلا عن الجانب الاجتماعي الذي جعل بعض أطراف السلطة تعمد إلى اقتراح تشريع زراعة حشيشة الكيف لأسباب طبية، وهو اقتراح يعكس في جوهره محاولة للهروب من مواجهة غياب أيّ خطط اقتصادية أو إنمائية بما تفترضه هذه الخطط من حسم جملة أولويات لا بد من توفرها، لا سيما في أن تحسم الدولة اللبنانية خيارها لجهة سيطرة سلطاتها الرسمية على كامل الأراضي اللبنانية ومنع ازدواجية السلطة بين الدولة والميليشيا لصالح الدولة.

إذ ليس خافياً أنّ نهوض الاقتصاد وحيويته يتطلبان في الحدّ الأدنى جاذبية استثمارية هي غير متوفرة في ظلّ غياب المرجعية المسؤولة في لبنان، فضلاً عن غياب مقومات الاستثمار على صعيد توفير الاطمئنان الأمني والسياسي، وبقية الشروط الطبيعية من حرية انتقال الأموال بلا عوائق، فيما لبنان هو عرضة لعقوبات مالية أميركية تطال نظامه المصرفي بسبب ما تعتقده وزارة الخزانة الأميركية من استفادة حزب الله من هذا النظام للقيام بعمليات مالية غير مشروعة.

الترهل في مؤسسات الدولة وصل إلى حد العجز عن وقف السرقات المكشوفة. عجز تسلل إلى القضاء الذي بات في قبضة السلطة السياسية أو في حالة عجز عن القيام بمسؤولياته في تطبيق العدالة

تراكم الأزمات يقابله، إلى جانب استشراء الفساد، عجز عن تشكيل الحكومة وانفجار فضائح الفساد نتيجة الصراع بين أقطاب السلطة، وتشكل فضيحة الكهرباء في لبنان عنصراً محورياً في كشف مدى تورط بعض أطراف السلطة بملف الفساد. وليس خافيا على اللبنانيين أن قطاع الكهرباء في لبنان يخضع لعملية محاصصة في عملية مركبة لا تستمر إلاّ باستمرار أزمة مؤسسة كهرباء لبنان وهي المؤسسة العامة التي يُوكل إليها إنتاج الطاقة وتوزيعها. لكن المستجد هو أن قطاعا جديدا نشأ في السنوات الأخيرة وهو قطاع المولدات الخاصة والذي يقدّر حجم الأعمال الذي يشغله بقيمة ملياري دولار، وهذا القطاع تسيطر عليه بعض القوى السياسية التي تقوم باستثماره وجني الأرباح منه، وهي نفسها من يعطل عملية عودة مؤسسات كهرباء لبنان إلى طبيعتها كمصدر حصري لتأمين الطاقة للبنانيين، باعتبار أن أطرافاً في السلطة هم أنفسهم من يستثمر في هذا القطاع الخاص. الجديد ما كشفته بعض المصادر عن فساد وصل إلى حد سرقة مادتي الفيول والديزل التي تتولى الدولة تغطيتهما مالياً لمؤسسة كهرباء لبنان، هذه السرقة تتم منذ زمن على حساب وقف جزء من المعامل المنتجة للطاقة كما هو حاصل في معمل الزهراني في جنوب لبنان، مع إيقاف ثلاث مجموعات فيه بشكل غير قانوني من أجل بيع مادة الديزل الفائضة عنه لأصحاب المولدات الخاصة بأسعار مخفضة.

الترهل في مؤسسات الدولة وصل إلى حد العجز عن وقف السرقات المكشوفة. عجز تسلل إلى القضاء الذي بات في قبضة السلطة السياسية أو في حالة عجز عن القيام بمسؤولياته في تطبيق العدالة. هذا المستوى الذي وصلت إليه إدارة شؤون الدولة في لبنان بات يفرض حدوداً من التغيير لا تقل عن إحداث انقلاب على طريقة تعامل السلطة مع الإدارة العامة، فإذا كان لبنان في سنوات سابقة يستطيع أن يغطي عمليات الفساد من خلال المساعدات الخارجية التي كانت ترده من دول خليجية وأوروبية، فإن غياب هذه الموارد أو شحها، أفقد لبنان موارد مالية واقتصادية أساسية، ومع غياب أي استثمارات خارجية باتت الضغوط على الخزينة العامة غير مسبوقة، فيما زادت شهية بعض القوى السياسية على بناء أنظمة مصالح تقوم على حساب المال العام بشكل غير مشروع في معظم الأحيان.

التغيير في لبنان لم يعد مسألة جدلية، بل بات حاجة وجودية للدولة، فإما إحداث تغيير يحدّ من استنزاف الخزينة العامة والاقتصاد، وإما أنّ الهيكل مرشح في وقت غير بعيد للسقوط فوق رؤوس الجميع.

وفي ظلّ السيطرة الخارجية على القرار الاستراتيجي من خلال حزب الله، فإن لبنان ليس أمامه للخروج من معادلة المحاصصة إلا نوع من الرعاية الدولية، ورغم إدراك أنّ مثل هذه الرعاية غير متوفرة فضلا أنها لا تشكّل مطلبا لبنانيا، إلا أن لبنان يبدو أنه يتجه إلى مزيد من الحاجة للدعم الخارجي سواء في الجانب المالي أو على مستوى دعم مشاريع البنية التحتية، فيما القدرة الذاتية على استثمار الدعم باتت رهينة سلطة سياسية عاجزة عن ضخّه في شرايين الدولة، وهو ما سيدفع بالضرورة سواء توفر الدعم أم لم يتوفر (والاحتمال الأخير هو المرجح) إلى توقع أن يشهد لبنان فوضى لن يكفي سلاح حزب الله للجمها بعدما صارت معالمها ومؤشراتها ظاهرة للعيان في أكثر من منطقة في لبنان، ولا سيما في منطقة نفوذ الحزب في البقاع، الذي لن تشكّل وعود تشريع زراعة نبتة الحشيش فيه لاجما لما يعتمل في داخله من اعتراض وغضب.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

الفتنة وحرب

 تطويع الجنوب السوري

علي الأمين

 

عندما دخل الجيش السوري إلى مناطق الجنوب السوري خلال الأسابيع الماضية، كان ينجز عملية الدخول بعدما اتفقت القوى الدولية والإقليمية المؤثرة ضمن اتفاق خفض التوتر الشهير في الجنوب السوري، على انتشار الجيش النظامي وإنهاء دور قوى المعارضة السورية المسلحة، وكانت على رأس هذه القوى الدولية واشنطن وموسكو وتل أبيب.

وقد أدّى هذا الاتفاق الذي عكس توجها صريحا لواشنطن بإنهاء دور قوى المعارضة السورية، إلى تمكين الجيش السوري بإشراف موسكو من الدخول إلى درعا وغيرها من المناطق في سهل حوران والأرياف، وحتى القنيطرة على حدود الجولان، وتمّ ذلك إما بخوض معارك عنيفة كما حصل في درعا وأريافها، وإما عبر اتفاقات أدّت إلى تقديم الروس ضمانات لمن بقي من المقاتلين لم تحترم، وإما بخروج المقاتلين إلى مناطق الشمال السوري ولا سيما إلى مدينة إدلب.

دخل الجيش السوري والذي يتوزع على فرق عدة تسيطر روسيا على جزء أساسي منها، فيما تتحكم طهران بجزء آخر منه إلى جانب الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، وواكبت هذه الفرق مجموعات ميليشيوية تعد بالعشرات وتعتمد على دعم مالي من إيران ومن النظام، والأهم أنّها تقوم في مجملها بمهمات السلب والنهب والعمليات القذرة التي يأبى الجيش النظامي القيام بها.

بعد دخول الجيش السوري إلى درعا وإلى غيرها من البلدات والقرى التي كانت تحت سيطرة المعارضة منذ بدء الثورة وحتى الأمس القريب، قامت تلك الميليشيات بتنفيذ عمليات نهب واسعة وتنفيذ جرائم ضد المدنيين، بعدما كانت قوى المعارضة قد سلمت سلاحها إلى الجيش السوري بإشراف روسي، ويروي بعض أبناء درعا تفاصيل عن عمليات مريعة تعرضوا لها من قبل الميليشيات.

 إذ أكد هؤلاء أنّ النظام كان قد تقصّد إطلاق يد الميليشيات التابعة له في السويداء لارتكاب عمليات خطف وقتل ونهب العشرات من الحواضر والقرى في درعا وريفها، وبحسب هذه المصادر فإنّ ما فعلته هذه الميليشيات أنّها نقلت أثاث البيوت وكل ما وقعت عليه قواتها من المقتنيات، إلى مدينة السويداء، وعمدت إلى عرضه وبيعه بشكل علني في أسواق المدينة بطريقة علنية ومستفزة لأبناء درعا وأريافها ومنهم من كان قد نزح منذ سنوات إلى هذه المدينة.

إطلاق يد ميليشيات درزية لتنفيذ مثل هذه العمليات القذرة في درعا وريفها وفي سهل حوران، لم يكن عفويا، بل تقصد النظام وداعموه ذلك كل في سياق حساباته. فالنظام السوري الذي تفنن في لعبة إثارة المخاوف لدى الأقليات والعمل على خلق وتعميق الشروخ الطائفية والمذهبية، كان يعاني من السيطرة والتحكم على الدروز في منطقة السويداء، وكان من داخل الطائفة الدرزية من نجح في منع النظام من إلزام الشباب الدروز بالانخراط في الجيش السوري، وظلّ الشباب الدرزيّ، على وجه العموم، نائيا بنفسه عن الانخراط في الحروب التي تم خوضها ضد المعارضة السورية على امتداد الأرض السورية.

لكن ذلك لا يمنع من القول إنّ بعض الفئات الدرزية التي راهنت على النظام، عملت على استقطاب المقاتلين من خلال إيجاد أطر ميليشيوية وعسكرية لعب جزء منها دورا في استفزاز محيطه من خلال استغلال سقوط مناطق الجنوب في يد النظام، عبر تنفيذ عمليات انتقامية أراد النظام أن تنفذها مجموعات درزية بغاية إثارة الفتنة، واستثمارها لإعادة تقديم نفسه كحام للأكثرية السنية في درعا والجنوب السوري وحام أيضا للدروز في السويداء.

تعميق الشرخ بين السويداء ذات الغالبية الدرزية وبين محيطها السني، أمر كفيل بجعل البيئة الاجتماعية في الجنوب السوري في حالة هلع من شريكها في الوطن، ومدفوعة  نحو مصدر حماية لا يبدو أنه متوفر سوى لدى إسرائيل وروسيا

ويجب الإشارة هنا إلى أنّ الطبيعة العشائرية في درعا ومحيطها تجعلها بخلاف مدن سورية أخرى أكثر التصاقا بقيم عشائرية وقبلية وبالثأر. ومن جانب آخر لم تكن روسيا عاجزة عن ضبط الميليشيات القادمة من السويداء نحو درعا، بل لم تمنعها وغضت الطرف عن ارتكاباتها، ولعل دعوة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط روسيا إلى حماية أبناء السويداء، انطوت خاصة مع تكراره لهذه الدعوة، على أنّ روسيا تتحمل مسؤولية على هذا الصعيد، لأن جنبلاط يدرك أنّ الدروز في السويداء هم عرضة لتنازع إيراني-إسرائيلي. فإيران نجحت في استقطاب بعض الميليشيات الدرزية، وإسرائيل تريد ضمن الاتفاق مع روسيا إبعاد النفوذ الإيراني عن حدودها، وهي تستثمر إلى حدّ بعيد علاقاتها مع بعض دروز إسرائيل في تقديم نفسها كطرف قادر على حماية الدروز في سوريا أيضا.

الغاية الروسية والإسرائيلية ضمنا في الجنوب السوري هي إبعاد النفوذ الإيراني، وإنهاء كل ما يمكن أن يربط إيران بأهل السويداء، وجعل العلاقة مع إيران مكلفة لهم.

من هنا تأتي الجريمة التي ارتكبها تنظيم داعش في قرى جبل العرب وفي محيط السويداء، لتلبي مصالح إسرائيلية وروسية في الدرجة الأولى، وللنظام الذي يريد أن يفرض وجوده اجتماعيا كطرف لا يمكن أن يضمن الناس بالحدّ الأدنى من أمنهم وأمانهم بمعزل عنه.

تنظيم داعش نفذ جريمته بقتل نحو ثلاثمئة مدني وعسكري من بينهم النساء والأطفال الدروز في جريمة بشعة، يؤكد بعض أبناء درعا أنّ بعض الذين شاركوا في تنفيذ هذه الجريمة، هم من الضباط والجنود في الجيش السوري ومن الذين يقاتلون في صفوفه في مناطق سورية خارج الجنوب السوري، ويضيف هؤلاء أنّ بعض أهالي هؤلاء تعرضوا لاعتداءات من بعض أتباع النظام في السويداء، وهم نفذوا جريمتهم هذه بعلم مسبق من النظام السوري وحتى من القوات الروسية، وتنظيم داعش لم يكن إلا الستارة التي لا بد منها لإلصاق الجريمة بتنظيم يمكن أن تلصق به كل الجرائم.

جريمة السويداء البشعة هي أعقد من أن تكون نتاج تنظيم داعش، يسميها البعض عملية ثأر وانتقام ضد ما ارتكب في درعا وريفها، دفع ثمنها مدنيون أبرياء بالدرجة الأولى، وهي في نفس الوقت عملية مدروسة ومقررة منذ أن دفع النظام السوري وحلفاؤه بميليشيات من السويداء لارتكاب جرائم ضد “الدرعاويين”، مدركا أنّه سيدير عملية انتقامية بطريقة غير مباشرة ضد السويداء، فيما إسرائيل من جانبها وبتنسيق ضمني مع روسيا، تستهدف من خلال ما جرى إنهاء العلاقة بين بعض الدروز وإيران.

تعميق الشرخ بين السويداء ذات الغالبية الدرزية وبين محيطها السني، أمر كفيل بجعل البيئة الاجتماعية في الجنوب السوري والتي انطلقت منها الثورة في حالة هلع من شريكها في الوطن، ومدفوعة بحكم غريزة البقاء والحماية، نحو مصدر حماية لا يبدو أنّه متوفر سوى لدى إسرائيل وروسيا، وما بينهما النظام الذي حظي انتشاره في الجنوب برعاية روسية - إسرائيلية شرطها، الذي لم يكتمل بعد، التطهر من إيران والتي بدورها لن توفر ما لديها من قوة ونفوذ في سوريا في سبيل حماية وجودها ودورها ومصالحها.

جريمة السويداء وما سبقها من جرائم في الجنوب السوري هي أدوات المواجهة المتاحة تحت سقف التفاهم الأميركي الروسي حول سوريا.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

الحكومة اللبنانية ورقة

إيرانية في سلة المهملات

علي الأمين

 

منذ الانتخابات النيابية في 6 مايو هذا العام بدأت الاستعدادات لتشكيل الحكومة اللبنانية، فجرى تكليف الرئيس سعد الحريري برئاسة الحكومة على أن يشكلها بالتشاور مع رئيس الجمهورية كما يقرّ الدستور، لكن الحكومة بعد مرور أقل من 3 أشهر على الانتخابات لم يتم تشكيلها وبقيت معلقة من دون أن تتضح فرص الاتفاق عليها في المدى القريب، لا سيما أن الظاهر من العقدة هو اختلاف القوى السياسية على حصص كل فريق فيها، حيث يجري التداول بثلاث عقد هي محل خلاف، هي ما يسمّى العقدة الدرزية والعقدة المسيحية والعقدة السنية.

المتابعون لمراحل تشكيل الحكومات في لبنان خلال العقد الأخير، أي مع مرحلة تعاظم النفوذ الإيراني في لبنان وسيطرة حزب الله على معظم مفاصل الدولة، أقروا بأن لبنان بات يشهد أزمة مع كل الحكومات التي تشكلت خلال هذه المدة، ولم تكن تُحل هذه العقد إلا بعد تدخلات خارجية كانت نتيجتها تقديم إيران من خلال حزب الله عملية الإفراج عن الحكومة، كورقة ترضية في لعبة المساومات الإقليمية والدولية.

ثمة تشابه بين أزمة تشكيل الحكومة في العراق وأزمتها في لبنان. الجوهر الظاهر للعقد هو الخلاف على الحصص ومشاورات مستمرة لا تصل إلى نتيجة، الانتخابات النيابية جرت في توقيت واحد أي مطلع مايو، ونجح حلفاء إيران أو القريبين منها في تحقيق الفوز وحصد الأكثرية، ولم يخف قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، مشاعر الانتصار عندما أعلن أن حزب الله حقق الفوز في 74 مقعدا من أصل 128 في لبنان، وهو بذلك كان يصرّح بطريقة مباشرة عمّا يعتقده من حلف سياسي يضم حزب رئيس الجمهورية وحزب رئيس البرلمان وغيرهما من النواب هم من المنضوين في الحلف السياسي الذي يقوده حزب الله وبالتالي إيران.

مقتضى الحال، وفي الشكل على الأقل، أن حزب الله في لبنان قادر على فرض تشكيل الحكومة، إذا ما كان تشكيل الحكومة حاجة ملحة في حساباته السياسية، والتي يشكل البعد الإقليمي العنصر الحيوي في حساباته على هذا الصعيد، لكن من الواضح أنه لا يصب جهوده في هذا المنحى، بل يساهم في فتح البازار الحكومي مدركا، كما الآخرين، أنه هو من يملك صفارة إعلان نهاية البازار أو تمديد الوقت إلى ما يشاء، طالما أن لا مادة في الدستور تحدد وقتا لا يجوز تخطيه في تشكيل الحكومات. وكما أظهرت الحكومات السابقة بأن حزب الله هو كذلك، فإن بقاء لبنان بلا رئيس للجمهورية لمدة عامين ونصف أي منذ منتصف العام 2014 حتى نهاية 2016 هو وقائع تثبتُ أن عملية تعطيل الحكم في البلاد والقدرة على إدارتها هما بيد حزب الله. ولكن ماذا تريد إيران من خلال عدم البتّ في تشكيل الحكومة في لبنان وفي العراق كذلك، وما هي الأهداف التي تتوخاها من تأخير إعلانها بعد حلّ العقد؟

إيران أعلنت أنها تسيطر على أربع عواصم عربية في تصريحات معروفة لدى الجميع، لكن هذه السيطرة باتت عرضة لاهتزازات ومخاطر جدية، تبدأ من اليمن ولا تنتهي في دمشق أو بغداد، فتراجع دور الحوثيين في اليمن وتقدم القوى الشرعية بدعم من التحالف العربي، واكبتهما تحولات في سوريا ليست لصالح إيران على الأقل، فالتفاهم الروسي الأميركي بمشاركة إسرائيلية فاعلة جعل إيران في موقع متراجع في المعادلة السورية لم تتضح معالمه المستقبلية بعد، لكن بات معروفا أن الكلمة الأولى والأخيرة في سوريا هي روسية وشرط استمرار ذلك هو تراجع الدور الإيراني.

ليس هذا حال إيران في دمشق وصنعاء، بل يتعداه إلى بغداد وبيروت وإن كان النفوذ الإيراني في العاصمتين الأخيرتين مازال متماسكا، لكنه عرضة لتراجع مستمر، بعدما اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرار المواجهة مع النفوذ الإيراني سعيا إلى تحجيمه، منذ أن أعلن عن إلغاء الاتفاق النووي مع إيران من جانب واشنطن، ونجح إلى حد بعيد في تجويفه دوليا، إثر رفع سيف العقوبات على الشركات التي تقيم أي علاقات تجارية مع طهران. المشهد العراقي والذي نجحت إيران في التحكم بمفاصله المؤثرة، يبقى عرضة لتحولات كبيرة في أي لحظة تبدو فيها إيران أمام انتكاسات استراتيجية في عواصم عربية أخرى، ولبنان ليس أفضل حالا من العراق على هذا الصعيد، وإن كانت طهران تملك من الأوراق ما يتيح لها مقايضة إسرائيل على استمرار نفوذها بمزيد من حفظ الاستقرار على الحدود ومنع حصول أي فوضى على هذه الحدود.

تشكيل الحكومة اللبنانية يندرج في السياقات الإقليمية التي تسعى إيران إلى تعديل مساراتها، لكنها تدرك أن ورقة الإفراج عن الحكومة اللبنانية لم تعد ثمينة، فلا واشنطن راغبة في مكافأة حزب الله على سياسة التعطيل، ولا الدول الأوروبية قادرة على أن تدخل كلاعب بشروط فاعلة بين واشنطن وطهران، ولا الدول العربية في وارد شراء هذه الورقة التي أثبتت سابقا أنها ساهمت في تعزيز النفوذ الإيراني في بيروت.

البحث عن مشتر هو ما يعطّل تشكيل الحكومة اللبنانية، لكن لا يبدو أن ما تعرضه إيران يغري الأطراف الإقليمية أو الدولية في الشراء، فيما اللبنانيون الغارقون في أزمات تلامس وجود للدولة يدركون أنهم في قفص حزب الله، وهذا القفص لم يعد الخروج منه ممكنا لمن هم في داخله، لذا يراقبون كيف تسير أحوال “القفص السوري” إذ لم يعد الخروج من القفص هو المبتغى بل إعادة ترتيب شروط العيش فيه بما يحول دون الاختناق أو الموت السريع.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

لعبة المساومة الإيرانية

الإسرائيلية عبر سوريا

علي الأمين

 

إنهاء ما تبقى من قوى معارضة سورية مسلحة وغير مسلحة في الجنوب السوري هو ما يجري اليوم استكماله في درعا وريفها، وصولاً إلى القنيطرة ومحيطها، بعدما وصلت قوات النظام السوري إلى الحدود مع الأردن وسيطرت بدعم من القوات الروسية والميليشيات الإيرانية على معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها جماعات المعارضة المسلحة وصولاً إلى المعابر الحدودية مع الأردن التي صارت تحت سلطة النظام.

ورافق هذه العمليات العسكرية نقل الآلاف من المقاتلين وعائلاتهم إلى إدلب، في ظلّ أكبر عملية نهب طالت بيوت ومتاجر السوريين في المناطق التي دخلها الجيش السوري والميليشيات الحليفة، لا سيما في مدينة درعا التي شهدت انطلاقة الثورة السورية قبل سبع سنوات.

الاتفاق على إنهاء المعارضة في الجنوب وفي جنوب غرب سوريا، يبدو أنّه الاتفاق الأكثر ثباتاً، فالعمليات العسكرية التي انطلقت منذ نحو شهر، كان الغطاء الأميركي – الروسي عجلة انطلاقتها، والتأييد الإسرائيلي عنوان نجاحها الميداني، بحيث أكدت المواقف الرسمية الإسرائيلية بلا تردد أنّها تؤيد عودة النظام السوري إلى هذه المناطق، على قاعدة إعادة الاعتبار لاتفاق الهدنة أو فض الاشتباك والذي جرى توقيعه عام 1974؛ إذ لم يعد خافيا أن العمليات العسكرية وسلاسة سيطرة النظام وحلفائه الروس والميليشيات الإيرانية، ما كانت لتتم لولا الغطاء الإسرائيلي لها.

الشروط الإسرائيلية لإعطاء الضوء الأخضر للعمليات العسكرية هذه باتت واضحة، فإلى جانب الالتزام بشروطها الأمنية تجاه ابتعاد القوات الإيرانية لنحو 80 كلم عن حدود الجولان المحتل، كان التزام القوات السورية الرسمية بحماية الاستقرار على هذه الحدود بضمانة روسية، وعلى قاعدة إطلاق يد نظام الأسد في “تأديب” شعبه في مقابل الالتزام الكامل بمقتضيات الأمن الإسرائيلي على الحدود مع سوريا.

وفي إشارة عسكرية واضحة إلى الغطاء الإسرائيلي لعمليات النظام العسكرية في الجنوب السوري، وإلى مدى التزام قوات النظام السوري والميليشيات الحليفة بالشروط الإسرائيلية، فإنّ أيّ موقف إسرائيلي لم يشر إلى قلق لدى قادة إسرائيل من استمرار هذه العمليات وتطورها في المناطق الجنوبية، فيما قامت الطائرات الإسرائيلية قبل يومين (الأحد) بقصف مطار النيرب في الشمال السوري (حلب). هذه الضربة الإسرائيلية إن دلّت على شيء فهي تدل على أنّ إسرائيل راضية عن مسار العمليات العسكرية التي يقوم بها النظام وحلفاؤه في الجنوب، والدليل أنّ طائراتها التي وجهت ضربات عسكرية في مطار يقع في حلب، لم تقم بتوجيه أي ضربة عسكرية في الجنوب، يُشتمُّ منها أي اعتراض إسرائيلي على العمليات العسكرية في الجنوب.

في موازاة كل ذلك تدور الأسئلة حول طبيعة التفاهمات التي جرت في الجنوب السوري، والتي تتم على أساسها العودة الميدانية إلى ما كان عليه الحال ما قبل الثورة السورية، وإذا كان ثمّة تفاهم أميركي وروسي وإسرائيلي على هذه الخطوة التي ينفذها النظام السوري وحلفاؤه من الميليشيات الإيرانية، فإن الاطمئنان الإسرائيلي لتنفيذ هذه العمليات، وصولاً إلى السماح للطائرات السورية الحربية بالاقتراب من حدودها إلى مسافة خمسة كيلومترات، يشير إلى أنّ إسرائيل مطمئنة إلى حدّ كبير لتنفيذ شروطها الأمنية والاستراتيجية في سوريا، وإلا لم تكن لتسمح بتنفيذ خطة سيطرة النظام من دون أي عرقلة، بل وفرت كل شروط النجاح لها، عندما اقتصرت تحذيراتها إعلاميا على عدم المس بالمدنيين السوريين ولا سيما في المناطق القريبة من حدودها.

أكبر عملية نهب طالت بيوت ومتاجر السوريين

الأرجح أنّ إيران وافقت على الشروط الإسرائيلية المتصلة بمناطق الجنوب السوري، فقد التزمت بوقف أيّ نشاط عسكري لمجموعات سورية أو موالية لها بذريعة تحرير الجولان كما كان عليه الحال قبل سنوات، إذ لم يعد يسمع في سوريا عن أيّ نشاط ولو إعلامي لمجموعات أو هيئات تنشط تحت عنوان تحرير الجولان، وأعلنت إيران بلسان مستشار مرشد الثورة، علي ولايتي، بعد لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أيام أنّ “إيران مستعدة لسحب مستشاريها العسكريين من سوريا فيما لو طلبت الحكومة السورية ذلك”. ولكن يبقى السؤال حول مستقبل الوجود الإيراني العسكري في سوريا قائما، والدور الذي يمكن أن يجعل من وجوده المباشر أو غير المباشر حاجة دولية أو إسرائيلية.

حاول ولايتي وهو يبدي استعداد طهران للخروج العسكري من سوريا، أن يقدم إغراء لبوتين من خلال إبداء إيران استعدادها لعقد صفقات تجارية وعسكرية مع روسيا تفوق قيمتها الخمسين مليار دولار، وهو إغراء سيعزز العلاقة مع موسكو في مرحلة تحتاج إليها إيران لمواجهة العقوبات الأميركية المتنامية ضدها. ويعكس فيما لو تم إقراره دخول إيران مجددا في متاهة الاستنزاف والابتزاز الروسي والصيني، لا سيما لجهة فرض اتفاقات عليها بشروط قاسية.

يبقى أنّ إيران التي استثمرت في تعزيز وجودها الأمني والعسكري على حدود إسرائيل سواء في غزة أو جنوب لبنان أو جنوب سوريا، تمتلك ورقة تتيح لها المساومة مع الإسرائيليين، وهذه الورقة لن توفرها إيران في سياق الدفاع عن وجودها ونفوذها الذي بات أمام مرحلة حصار جديدة، وفي هذا السياق تشير معلومات دبلوماسية من بيروت إلى أن اتصالات غير مباشرة جرت بين الإيرانيين والإسرائيليين، فإلى جانب الاتصالات التي تقوم بها روسيا بين الطرفين فيما يتصل بالشأن السوري، تحدثت هذه المصادر عن اتصالات تمت بوساطة أردنية ومن خلال وفدين رسميين في أحد فنادق عمّان حيث تمركز كل وفد في أحد الطوابق وقام الوسيط الأردني بدور نقل الرسائل بين الطرفين. هذه اللقاءات تمت عشية انطلاق العمليات العسكرية الأخيرة في الجنوب السوري مع تصعيد العقوبات الأميركية ضد إيران، من دون أن تتضح نتائج هذه اللقاءات، لكن بحسب المصادر نفسها فإن الملفات العالقة بين إيران وإسرائيل عديدة ولدى الإيرانيين أوراق كثيرة يمكن أن يقدموها للإسرائيليين، لا سيما وأن دفع الأثمان يتم من كيس اللبنانيين أو السوريين والفلسطينيين.

الغياب العربي ;غياب المعارضة السورية عن هذه التطورات التي تطال الثورة السورية ووجود المعارضة سياسيا وعسكريا، يفتح الباب واسعاً أمام خلق تفاهمات إقليمية ودولية في الجغرافيا السورية بما لا يتناسب مع أدنى حقوق الشعب السوري، وأدنى شروط النظام الإقليمي العربي، وهو ما يفتح المجال أمام معادلة طالما استثمرتها إسرائيل لحساب مصالحها، ونجحت إيران في استغلالها لمقارعة خصومها، وهي معادلة حماية الفوضى وإدارتها في المنطقة العربية، فكلا الطرفين يعتمد استراتيجية العداء اللفظي في مخاطبة الآخر، فيما يوغل في تدمير المنطقة العربية وجعلها منطقة ضعيفة ومنكوبة.

سوريا مثال الثابت فيه تدمير الدولة وإضعافها بتشريد شعبها ودفع من تبقى للاستسلام، وهذا وحده كفيل بتوفير القدرة لدى إسرائيل وإيران على بقاء نفوذهما لا سيما إذا كانت الحاجة مستمرة لاستثمار ذريعة العداء المتبادل من أجل استكمال تعزيز نفوذهما السياسي والأمني على امتداد المنطقة العربية، وهذا ما سيكشف صحته من عدمها حدود التفاهم الأميركي الروسي في سوريا في ظل صمت عربي مريب وغياب أي موقف سياسي للمعارضة السورية بمختلف فصائلها.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

"الممانعة" وأناشيد الانتصار

فوق جماجم السوريين

علي الأمين

 

 

الانتصار الأهم الذي تروّج له قوى الممانعة في سوريا، هو بقاء الرئيس بشار الأسد على رأس النظام، ثم الانتصار على ما تسميه الإرهاب، وهو في جلّه توصيف لكل من قام على نظام الأسد من الثوار أو المنشقين على الجيش السوري، فضلا عن المنظمات المصنفة إرهابية في الأمم المتحدة، وهي منظمات كشفت الأيام وستكشف كيف نشأت ونمت، بل كيف أنّ هذه المنظمات كانت في الحد الأدنى أداة طيعة لدى نظام الأسد وحلفائه ولبّت مطالبه، لا سيما في قهر المعارضة السورية في العديد من المناطق التي كانت تحت سيطرة هذه المعارضة. ومهما بلغ إرهاب هذه المنظمات فلن يستطيع أن يتفوق على إرهاب النظام السوري ولا يمكن أن يتفوق عليه بأعداد القتلى المدنيين الذين قتلهم وشردهم.

الانتصار هنا يعني بقاء الأسد ونظامه، بقوة التدخل الروسي الدموي ضد الشعب السوري من حلب إلى ضواحي دمشق وعلى امتداد الجغرافيا السورية. صفّق الممانعون لبقاء الأسد ولاستمراره في ارتكاب القتل، وسمّوا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين افتخارا “أبوعلي بوتين” وغضوا النظر عن الاتفاقات العميقة بين روسيا وإسرائيل، لم يسمّوا الغارات الجوية الإسرائيلية على بعض المواقع الإيرانية أو تلك التابعة لميليشياتها، تواطؤا روسيّا مع إسرائيل. لم تستفزهم التفاهمات الإسرائيلية الروسية بشأن تنظيم حركة الطيران الحربي الروسي والإسرائيلي في الأجواء السورية، بل أكملت سمفونية الممانعة نشيدها الممجوج والرخيص، عن شق طريق القدس من حلب وحمص وداريا وتدمر، وإلى آخر المدن والقصبات السورية.

الانتصار يعني بقاء الأسد على رأس النظام، وتهجير نحو عشرة ملايين سوري وقتل نحو مليون سوري وتدمير المدن بسلاح الممانعة وبراميلها وصواريخها سواء تلك التي ينتشي بإطلاقها الطيارون الروس، أو تلك التي قيل إنّها مرصودة للقدس، لكنها كشفت عن عورتها الدموية وحقيقتها القاتلة للسوريين، لم نشهد مثل هذا الكرم الإيراني إلا على السوريين، لم تتساقط صواريخهم على مستعمرة إسرائيلية، لم تنهمر الدماء الإسرائيلية حتى في الأناشيد الإيرانية.

الانتصار هنا يعني الانتصار لهذا النموذج الذي ابتدع البراميل كما لم يستطع أحد أن يسبقه إليها، واستخدم السلاح الكيمياوي، ولو كان امتلك سلاحا نوويا لما تهاون في استخدامه ضد شعبه، لا ضد إسرائيل. هو النموذج الذي بات معروفاً إلى الحد الذي تحول مثالا لقدرة نظام حاكم على الإيغال في القتل والتعذيب في السجون، وفي قهر الإنسان إلى الحدّ الذي نجح فيه النظام في تخريج أعداد من المعتقلين من الذين أتيح لهم الخروج إلى الضوء أن يكونوا أشباه البشر، لكن في بنيتهم النفسية والعقلية، مجرد كائنات مسكونة بالانفصام أو التشتت فيما لم ينج أحد من علّة دائمة في الجسد تكبر أو تصغر.

المنتصر هو الممانعة بنموذجها الذي يمثله مصطلح “سوريا الأسد”، هذا الشعار الذي غرس في وجدان السوريين أنيابا طيلة عقود ولا يزال ينهش من أرواحهم دون توقف، هذا النموذج هو الذي انتصر كما تردد قوى الممانعة وتحتفي، انتصرت قيم الممانعة وأخلاقها ومنهجها في حكم الشعوب، انتصر نموذج الأسد الذي لم يوفر أيا من رسائل الود الاستراتيجي لإسرائيل، ليست الأخيرة معنية بطبيعة الحال بغير مصالحها الاستراتيجية، واهتماماتها في سوريا تتصل بأمنها وأمنها فقط، ومن يستطيع أن يقتل مئات الآلاف من شعبه، من السهولة عليه بمكان أن يقدم لإسرائيل ما تشاء في سبيل أن لا تشغله عن مهمة استكمال الإطباق على ما تبقى من الشعب السوري، أمّا دعاة طريق القدس تلك التي باسمها ارتكبت أفظع الجرائم والنكبات، هؤلاء المدّعون، فهاهم يطأطئون رؤوسهم أمام مصالح العدو، ويبيعون نصف الشعب السوري مقابل بقاء الأسد، ويشاركون في تهجير الملايين، ودائما باسم طريق القدس.

لقد وصلت الممانعة إلى ما تشتهي وانتصرت حين بقي الأسد، وهو أهم انتصار حققته قوة “الممانعة” بأن بقي الأسد وأغلقت طريق القدس. الطريق نحو أولى القبلتين مغلقة بسبب التصليحات في أركان العرش السوري، ومن يمد يده على الجولان ستقطع يده بسلاح الممانعة، الضمانة الروسية أكثر من حاجة إسرائيل إلى ضمان أمنها، والأكثر من ذلك الضمانات الخفية تلك التي باتت واضحة أمام الجميع وبلا خجل، الممانعة التي استباحت الدم السوري لا تتجرأ اليوم ولو إعلاميا على الرد على كل الإجراءات الإسرائيلية المتصلة بشروطها الأمنية على امتداد عشرات الكيلومترات من حدودها الشمالية، لا بل يجري التنسيق الضمني على الأقل عبر روسيا ودول أخرى لتقديم الضمانات بعدم المسّ بالمصالح الإسرائيلية. لسان حال الممانعة يقول صواريخنا ضد المدن السورية وضد معارضي الأسد سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، أما أنتم أيّها الإسرائيليون فلستم إلا ذريعة نستخدمها لكي نكمل مهمة لا تمسكم ولا تضركم.

انتصر نموذج الممانعة، وانتصرت أخلاقها ومثالها الاستبدادي، انتصرت صواريخها ضد طلاب الحرية والحق في الحياة الكريمة، انتصر مشروعها التدميري، وأمثولة حق القضاء على الملايين من أجل بقاء الرئيس. أما فلسطين وحكايات تحريرها وإنقاذ القدس من الاحتلال، فهي حكاية انطلت على البعض، أمّا اليوم وبعد ما ارتكبته “الممانعة” في حق السوريين فإنني أجزم أنّ أفضل هدية تلقتها إسرائيل هي تلك النكبة السورية، التي تعدّت النكبة الفلسطينية إلى الحدّ الذي بتّ تسمع الكثير من السوريين يتمنون لو أنّ نظامهم وسجونه الذي ذاقوا منهما الموت والدمار كانا كحال الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وسجونه التي أسر فيها ثوار فلسطين. الهدية الأسدية لبنيامين نتنياهو ليست الجولان فحسب، بل نموذج الممانعة بهويتيه الأسدية والسليمانية.

 

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

روسيا التي قدمت لإسرائيل

ما لم تستطع واشنطن تقديمه لها

علي الأمين

 

تشكل القمة الروسية-الأميركية المرتقبة في 12 يوليو الجاري في هلسنكي، محطة هامة على طريق رسم معالم العلاقة الأميركية الروسية سواء في ما يتصل بالأزمة الروسية-الأوكرانية، أو على مستوى العلاقة الثنائية بعد الاتهامات الأميركية بتدخل روسيا في الانتخابات الأميركية، إلى جانب البحث في مستقبل الأزمة السورية التي تشهد هذه الأيام تطورات مهمة على صعيد استكمال النظام السوري وحلفائه الروس والميليشيات الإيرانية عملية السيطرة على مناطق نفوذ المعارضة السورية في الجنوب السوري، وهو تطور يمكن إدراجه في سياق التفاهمات الإسرائيلية-الروسية التي لا تزال تؤسس لقواعد الأمن الإسرائيلي على طول الحدود مع الجولان، بما يضمن التزام إيران وميليشياتها بعدم الاقتراب مسافة أربعين كلم من هذه الحدود، فيما قبلت إسرائيل بانتشار الجيش السوري ضمن شروط فض الاشتباك إثر حرب 1973، التي تلزم الجيش السوري بالانتشار ضمن شروط تحدد عدد القوات السورية ونوعية السلاح الذي سيستخدمه.

ويمكن القول إن روسيا تشكل هذه المرة الضمانة التي دفعت إسرائيل إلى السماح بإطلاق الحملة العسكرية ضد المعارضة الروسية، فيما رفعت واشنطن الغطاء عن قوى المعارضة المسلحة في هذه المناطق، عندما أعلنت في رسالة للمعارضة أنها لن تتدخل دفاعا عنها في حال تعرضت لأي هجوم من النظام السوري وحلفائه.

المسار السوري هذا يمهد إلى حد بعيد لفهم طبيعة الموقف الأميركي المرتقب خلال القمة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، فالمظلّة الأميركية-الروسية في سوريا لم تزل قائمة، بل تبدو الثابت في المعادلة السورية اليوم، ذلك أنّ السقف الإستراتيجي في مجريات معركة الجنوب السوري، يؤكد أن الأمن الإسرائيلي هو المعيار في رسم المعادلة الميدانية في هذه المنطقة، حيث نجحت روسيا حتى اليوم في إقناع إيران وميليشياتها باحترام متطلبات الأمن الإسرائيلي، وهذا ما جعل تل أبيب تقنع واشنطن بأهمية إعادة رسم المعادلة العسكرية في الجنوب السوري، رغم الدور الإيراني الذي ضمنت إسرائيل وروسيا التزامه بقواعد اللعبة المرسومة بالحبر الإسرائيلي.

لا يمكن فهم الموقف الأميركي في الجنوب السوري، ورفعها الغطاء عن قوى المعارضة المسلحة التي طالما دعمتها، إلا من خلال العرض المغري الذي قدمته روسيا نيابة عن طهران بالتزام الأخيرة شروطا إسرائيلية لم تستطع قوى المعارضة، أو لم ترد، الالتزام بها، وفي اعتقاد الكثيرين أنّ حدود العرض المغري لا تتوقف عند حدود الالتزام بشروط ميدانية عسكرية وأمنية فرضتها إسرائيل على الجيش السوري، بل تتجاوزها إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير أي عدم الإخلال بمتطلبات ضم الجولان نهائيا إلى الدولة العبرية بضمانة روسية، وما يؤكد هذه الالتزامات تجاه إسرائيل من قبل النظام السوري وحلفائه، حجم الغطاء الأميركي للعملية العسكرية الجارية ضد المعارضة، والرضا الإسرائيلي على مجريات هذه العملية رغم أنّها تشكل انقلابا على ما عرف بمنطقة خفض الاشتباك في الجنوب السوري والتي أقرها الرئيسان الأميركي والروسي، وكانت إسرائيل والأردن طرفين ضامنين ومشاركين في تثبيتها.

ما ينتظره بوتين من صديقه رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو هو دور فاعل في تليين موقف دونالد ترامب حيال ملفات تتصل بإنهاء العقوبات أو خفضها ضد روسيا

التحول في الجنوب هو تحوّل إسرائيلي في الدرجة الأولى، يستجيب لمصالح إسرائيلية ويدفع السوريون ثمنه من خلال القضاء على الثورة السورية التي انطلقت من درعا، ومن خلال عمليات النزوح التي سببها القصف الجوي الروسي للمدن والحواضر في الجنوب، بحيث تجاوز عدد النازحين مئتي ألف رفض الأردن استقبالهم لعدم قدرة هذه الدولة على استقبال أعداد إضافية، ولكن الأهم أن إسرائيل التي أعطت الضوء الأخضر لإطلاق هذه العملية العسكرية، بدأت بإصدار بيانات متتالية عن تقديم المساعدات للنازحين السوريين الذين لجؤوا إلى مناطق قريبة من حدود الجولان، بل أكدت أيضا أنّ مستشفياتها تستقبل مصابين جراء عمليات القصف التي طالت المدنيين في أكثر من منطقة في الجنوب، وبدأ الإعلام الإسرائيلي يتحدث، بثقة، عن تبدل في نظرة اللاجئين تجاه إسرائيل بسبب المساعدات التي قدمتها لهم.

في المحصلة الإستراتيجية وإزاء الإصرار على كسر إرادة التغيير السياسي في سوريا، من خلال توفير كل الشروط العسكرية للقضاء على فصائل المعارضة لا سيما على الحدود الأردنية والإسرائيلية، وتأمين شروط سيطرة جيش النظام على هذه المناطق، فإن ما يمكن ترقبه في المرحلة المقبلة إلى جانب الرعاية الروسية لهذه السيطرة، هو التخفيف من حدة العداء تجاه إسرائيل، فالنظام لديه من الخبرة تجاه منع أي عمل عسكري ضد إسرائيل من الأراضي السورية، والمجتمع السوري في هذه المناطق بات بطبيعة الظروف العسكرية والأمنية يجد في العدو الإسرائيلي طرفا أقل عداوة إذا ما قيست عدوانيته بعدوانية النظام وحلفائه الروس والإيرانيين.

هذه الهدية الثمينة التي تقدم لإسرائيل من قبل ما يسمى محور الممانعة، لم تكن إسرائيل لتنجح في تحقيقها مطلقا، غير أن دموية النظام وسلوكه الإبادي تجاه الشعب السوري، وتهجيره للمئات من الآلاف، كما انخراط إيران وميليشياتها في هذا المنهج والسلوك وبذهنية مذهبية، سمح إلى حد بعيد بجعل العدو الأول للسوريين ليست إسرائيل التي تحتل الجولان، بل الذي يحصد من أرواحهم وممتلكاتهم كما لم تفعل إسرائيل ضدهم.

في هلسنكي سيحضر الرئيسان الأميركي والروسي، وستكون إسرائيل ثالثتهما، باعتبار أن إسرائيل لعبت دورا فاعلا في الترويج للخطوات الروسية في سوريا، والرئيس الروسي الذي يدرك أنه قدم لإسرائيل في سنوات قليلة ما لم تقدمه واشنطن لها في عقود، من حماية إستراتيجية ومن قنوات آمنة تجاه المجتمع السوري، ومن قدرة على تطويع السياسة الإيرانية في المجالين اللبناني والسوري بما يضمن الأمن الإسرائيلي لعقود قادمة، ينتظر في المقابل المكافأة الإسرائيلية من جعبة واشنطن، إذ لم يحصل أن شهدت العلاقة الروسية-الإسرائيلية تطورا في علاقات التعاون كما حصل في السنوات الأخيرة، بحيث لم يصدر أي موقف من أيّ مسؤول إسرائيلي يوحي بقلق ما من الدور الروسي، بل إن كل المواقف كانت تؤكد على أنّ روسيا باتت دولة تحظى باحترام كبير لدى الحكومة الإسرائيلية.

احترام وعلاقة باتا ينافسان العلاقة التحالفية بين واشنطن وتل أبيب. ما ينتظره بوتين من صديقه رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو هو دور فاعل في تليين موقف دونالد ترامب حيال ملفات تتصل بإنهاء العقوبات أو خفضها ضد روسيا، فضلا عن تلطيف التدخل الأميركي في المجال الحيوي الروسي.

كاتب لبناني

جريدة(العرب) لندن

 

حين تفرض إسرائيل

نهاية مهمة ميليشيات

إيران في سوريا

علي الامين *

الانتقال إلى لبنان لم يعد خيارا لمقاتلي حزب الله على امتداد الأراضي السورية، الثابت في مجريات الملف السوري اليوم، هو انسحاب الميليشيات الأجنبية من الأراضي السورية، وبوادر هذه العودة لم تعد خافية، ويمكن ملاحظة سلسلة مؤشرات تدفع نحو ترسيخ هذا المسار الذي بدأ تنفيذه من قبل حزب الله استجابة لما أعلنته روسيا وعلى لسان أكثر من مسؤول، فيما كانت الضربة العسكرية الجوية الإسرائيلية، بحسب ما نقلت محطة “سي أن أن” الأميركية عن مسؤول أميركي التي طالت تجمعا لعناصر ميليشيات عراقية قرب التنف قبل أسبوع على الحدود مع العراق، رسالة ذات دلالة خاصة أنها جرت في ظل غياب أي رد فعل أو تهديد برد على هذه الضربة التي ذهب ضحيتها عشرات العناصر.

الضربة الإسرائيلية التي لم تؤكد إسرائيل أو تنفي مسؤوليتها عنها جاءت في ظلّ صمت روسي يصب في اتجاه أن الاتفاق الروسي – الإسرائيلي في سوريا بات الثابت الأقوى في المعادلة الإقليمية والدولية، ويؤكد أن الذراع الإسرائيلية في سوريا لا تقتصر ضرباتها على مناطق سورية محددة، بل يمكن أن تطال أيضا منافذ عبور الميليشيات العراقية على سوريا.

يدرك حزب الله، كما إيران بطبيعة الحال، أنّ أسس الاتفاق الروسي – الإسرائيلي تقوم على ضمان أمن إسرائيل على قاعدة إطلاق يدها في استهداف ما تراه خطرا على أمنها على امتداد الأراضي السورية.

وإضافة إلى ذلك أمكن إلزام جنود إيران وميليشياتها بعدم الاقتراب من الحدود مع الجولان المحتل إلى مسافة تتجاوز الثلاثين كلم، وهذا ما التزمت به إيران في مقابل انتشار الجيش السوري على هذه الحدود، ورحبت به إسرائيل باعتباره خيارا مثاليا لها فهي اختبرته طيلة أربعة عقود أي منذ ما بعد حرب 1973 وحتى بدايات الثورة السورية.

 ضمان الأمن الإسرائيلي، روسيّا وسوريّا، أفقد حزب الله وإيران ورقة استثمار أمني وسياسي طالما طمحت إيران إلى إمساكها أسوة بالحدود الجنوبية اللبنانية مع إسرائيل، لكنّ انتزاع هذه الورقة بتسليم إيراني يكشف إلى حد بعيد قوّة هذا الاتفاق في الجنوب السوري، حيث بدا واضحا أنّ معركة درعا التي يخوضها اليوم النظام السوري بدعم روسي وبغطاء إسرائيلي وبمباركة أميركية وتعاون أردني، أنّ إيران ليست طرفا فيها، بل هي طرف يستجيب بسلاسة لمتطلبات إبعادها عن هذه المنطقة بالكامل.

بدأ الخروج من سوريا لكن ليس بعد تحرير القدس ولا بعد إسقاط المشاريع الصهيونية في فلسطين أو في سوريا، بل بعد إتمام عملية تدمير سوريا وهي وظيفة لم يشأ الإسرائيليون ولا أي طرف دولي تنفيذها، فيما بدت إيران لاعبا أساسيا في عملية التدمير وحظيت إزاء هذه المهمة بغطاء دولي غير مسبوق، بحيث أمكن نقل عشرات الآلاف من المقاتلين العراقيين واللبنانيين والباكستانيين والأفغان إلى سوريا من دون أن تطلق طلقة إسرائيلية واحدة على هؤلاء طيلة السنوات الماضية، ولكن عندما ظنت إسرائيل أن أمنها مهدد أو عرضة لتهديد ما، حينها تغيرت المعادلة وصارت الحسابات مختلة ليس إسرائيليا فحسب، بل حتى دوليا.

الخيارات الإيرانية تضيق في سوريا فهي أمام خيارين؛ إما الالتزام بالشروط الأمنية الإسرائيلية، وإما ستجد نفسها أمام خطر الخروج الكامل من سوريا، وفي كلتا الحالين فإنّ مرحلة عودة مقاتلي حزب الله بدأت رغم إعلان الحزب بما يشبه المكابرة أنّه لا يريد الخروج من هذا البلد.

الوظيفة الأمنية والعسكرية التي شاءها أو لم يعارضها المجتمع الدولي لإيران وميليشياتها كما أشرنا آنفا انتهت أو هي على شفير النهاية، وهذا سيطرح مجددا سؤالا حول وظيفة البقاء في الأراضي السورية، وهي وظيفة من الصعب إيجادها بعدما انتهى مشروع تنظيم داعش وتمّ القضاء قبل ذلك على المعارضة المسلحة، وبالتالي فإن طريق العودة إلى لبنان والعراق وغيرهما هي الطريق المفتوحة أمام الميليشيات المدعومة من إيران، ولا طريق آخر يمكن أن يحظى بغطاء دولي وإقليمي، فيما لم تعد شماعة القضية الفلسطينية قابلة للاستثمار في الأراضي السورية في ظلّ الاتفاق الروسي – الإسرائيلي.

العودة إلى لبنان بدأت من قبل حزب الله، بدأت بعدما ضاقت الخيارات واتضحت نهاية الوظيفة الأمنية والعسكرية، وبعدما تكشّفت للجميع قوّة الغطاء الروسي – الأميركي – الإسرائيلي في الجنوب السوري وعجز إيران عن مواجهته، بل حتى الاعتراض على مضمونه الذي يرسّخ المصالح الأمنية الإسرائيلية في سوريا كما لم تعهده إسرائيل منذ نشأتها.

ما ينتظر حزب الله لبنانيا هو أخطر ما واجهه في تاريخه، فهو أمام خيارين؛ إما البحث عن وظيفة عسكرية جديدة تحظى بعدم اعتراض دولي وهي غير متوفرة، وإما الانخراط في الحياة السياسية اللبنانية ضمن شروط الدولة، والشرط الأخير لن يكون شرطا هينا بل هو بتقدير العديد من المراقبين الخطر الوجودي على حزب الله، ذلك أنّ حزب الله منذ نشأته في العام 1982 لم يعتد أن يكون دوره المحوري خارج الوظيفة العسكرية والأمنية، بل يمكن القول إن الحرب كانت دائما مصدر بقائه واستمراره وعنصر الحياة له. أما مشروع الدولة بمعناه السيادي فلم يكن يوما قائما في أدبياته، فهو لطالما رسخ في وعي محازبيه ومناصريه فكرة الولاء لولي الفقيه وأسس بوعي عميق ومؤسساتي لفكرة أنه وبيئته الحاضنة يمكن أن يستمرا حضورا ونفوذا بمعزل عن الدولة.

العودة إلى لبنان لم تعد خيارا بل هي حقيقة بدأت تفرض أسئلة جديدة على قيادة حزب الله، في لحظة إطباق إسرائيلي على المدى الاستراتيجي اللبناني والسوري، ولم تعد واشنطن وحدها الضامن للمصالح الإسرائيلية بل موسكو باتت الضامن الأهم والأقوى في هذه الجغرافيا، وهذا أبرز ما حققه انتصار إيران في سوريا وما يعنيه التوافق الدولي والإقليمي على إنهاء المعارضة السورية المسلحة خلال السنوات الأخيرة.

في المقابل فإنّ أقصى ما هو مطروح اليوم على حزب الله هو وظيفة قد تجد لها من يدافع عنها دوليا، وهي في قدرة إيران وحزب الله على تمديد مهمة حزب الله في حماية الاستقرار على الحدود مع إسرائيل، لكن ذلك لا يشمل بطبيعة الحال الحدود مع سوريا، إذ ترفض روسيا وواشنطن أن يخضع طرفا الحدود لسلطات ميليشياوية من خارج سلطة الجيشين النظاميين اللذين سيقومان بمهامهما بإشراف روسي من الجانب السوري، وأميركي من الجانب اللبناني.

في المحصلة النهائية ثمة واقع لبناني يكشف عن استنزاف اقتصادي يطال الدولة، ومخاطر مالية غير مسبوقة في المالية العامة، وفي ارتفاع سقف البطالة وفي غياب أيّ خطط تنموية تبشر بالخروج من هذا الحال.

وما هو مطروح على لبنان دوليا هو إما العودة إلى شروط الدولة والالتزام بموجبات القرارات الدولية المتصلة بنزع السلاح غير الشرعي ومعالجته ضمن خطة جدية وإن استلزمت بعض الوقت، وإما تحمّل اللبنانيين مسؤولية الخيارات التي تتخذها السلطة التي يشكل حزب الله عمادها اليوم، ما يعني توقع المزيد من التدهور المالي والاقتصادي والمزيد من الفوضى التي يدفع اللبنانيون وحدهم ثمن التساهل حيال عدم مواجهتها.

المرحلة المقبلة عنوانها العودة من سوريا، وهي عودة تنذر بمخاطر كبيرة طالما أنّ حزب الله ومن خلفه إيران لم يحسما بعد خيار الدخول في منظومة الدولة، إيران بإقرارها بأنّ لبنان دولة عربية أولا، وحزب الله من خلال إقراره بأنّ لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه والولاء للدولة فيه هو فوق أيّ ولاء آخر.

 

·         كاتب لبناني (العرب) لندن

 

 

إيران والكماشة الأميركية

الروسية من سوريا إلى لبنان

علي الأمين

 

فيما الاتصالات الروسية الإسرائيلية لا تزال ناشطة لترتيب أرضية الاتفاق في الجنوب السوري، برز مؤشر جديد يتصل بالحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، إذ كشف رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي عن اقتراح أميركي لترتيب مفاوضات بين لبنان وإسرائيل على الحدود بينهما. الجديد في هذه الاتصالات ليس مبدأ التفاوض مع إسرائيل حول الحدود البحرية التي نشب نزاع بين البلدين منذ سنوات وتصاعد إعلاميا مع بدء استعداد لبنان لتلزيم عملية استخراج النفط من البحر وخاصة البلوكات الواقعة على الحدود، والتي هي محل نزاع مع إسرائيل، لكن الجديد أنّ إسرائيل اقترحت أن يتم ترسيم كامل الحدود البرية والبحرية ومن ضمنها تلك المتصلة بمزارع شبعا، التي بقيت معلقة بعد انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000 وظلّت تحت سلطة الاحتلال التي اشترطت للانسحاب منها أن يتفق لبنان وسوريا على هوية هذه المزارع، فإذا كانت سورية فهي ترتبط بالقرار 242، وإذا كانت لبنانية فهي تقع ضمن مندرجات القرار 425 التي ادعت إسرائيل تنفيذه.

لم يقم لبنان ولا الحكومة السورية بحسم هذا الجدل حول هوية المزارع طيلة السنوات الماضية، وبقي مصير هذه المزارع معلقا لغايات تتصل بمصالح إستراتيجية تتصل بوجود سلاح حزب الله، فسوريا كما إيران كانت لهما مصلحة في إبقاء هوية المزارع معلقة، لغاية تبرير عدم تنفيذ كامل القرارات الدولية المتعلقة بنزع السلاح غير الشرعي والمقصود حسب القرارين 1559 و1701 سلاح حزب الله.

اليوم ثمّة اتصالات جارية وعلى مستوى عال لحل مشكلة ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل انطلاقا من مزارع شبعا، وتشير مصادر دبلوماسية غربية في بيروت إلى أنّ إسرائيل وجهت رسائل إلى لبنان عبر أكثر من جهة بأنها مستعدة لعملية ترسيم الحدود وحل نقاط الخلاف مع لبنان، إذ تؤكد هذه المصادر أن تل أبيب تعمل على خطين غير متعارضين واحد عبر واشنطن وآخر عبر موسكو. فالأخيرة مهتمة بالمشاركة الفعلية باستخراج الغاز من البحر وبالتالي رعاية اتفاق بين إسرائيل ولبنان لترسيم الحدود البحرية بينهما، وخط ثان عبر واشنطن الذي يقوم فريق من وزارة الخارجية الأميركية منذ أشهر باتصالات بين الدولتين عنوانها ترتيب اتفاق حول ترسيم الحدود.

إعلان رئيس مجلس النواب اللبناني الأخير حول الربط بين الحدود البرية والبحرية، أُرفق بشرط أن تجري المفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة، وما يمكن ملاحظته في هذا التزامن بين ما يجري في مناطق الجنوب السوري وما يتحرك دبلوماسيا على الحدود الجنوبية للبنان، هو أن ثمة مساع إسرائيلية لعدم الفصل في عقد التفاهمات بإشراف روسي مع لبنان وسوريا، فكما أنّ إسرائيل تطمح إلى العودة إلى تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان قائما مع سوريا بعد حرب عام 1973 والذي أتاح لها السيطرة الهادئة على الجولان، فإن روسيا في المقابل تطمح إلى تثبيت هذا الاتفاق من خلال عودة الجيش السوري لإمساك المناطق السورية المحاذية للجولان، ومن دون أي وجود إيراني، وهذه نقطة تقاطع روسية إسرائيلية، وتستجيب لمسار إعادة تأهيل النظام السوري إقليميا ودوليا.

الخيارات تضيق أمام إيران وحزب الله، وهي تتركز اليوم بين خيار الهروب إلى الأمام عبر فتح مواجهة عسكرية مع إسرائيل، يدرك الجميع أنها لن تكون محصورة في سوريا بل ستشمل لبنان

في المقابل تبدو إيران في موقع لا تحسد عليه، كما أنّ حزب الله يتحسس مخاطر وتداعيات خطوة الانسحاب من سوريا على سيطرته وتحكمه بإدارة ملف الحدود مع إسرائيل، لذا هو يدرك أنّه بات أمام خيارات حاسمة ستفرض عليه في المستقبل القريب. فالتحصن في لبنان كإستراتيجية معتمدة من قبله اليوم، باتت مشروطة بالمحافظة على قدر مهم من الثقة مع الجانب الروسي، فإسرائيل التي نجحت إلى حدّ بعيد في بناء الثقة مع روسيا في الشأن السوري المتصل بأمنها، تبدو اليوم أكثر اطمئنانا على هذا الصعيد لمستقبل ترسيم الحدود مع لبنان، لا سيما أنّ التقاطع الروسي الأميركي يرتكز في ملف حدود إسرائيل وأمنها، على المطلب الإسرائيلي، وهذا ما يجعل لبنان أمام خطر أن يبقى خارج أي حماية دولية فيما لو بدا الموقف اللبناني غير مهتم بترتيب ملف حدوده مع إسرائيل، وغير متجاوب مع العرض الإسرائيلي الذي يبدو قويا طالما أنه يبدي استعدادا لحسم هذا الخلاف الحدودي مع لبنان وانطلاقا من مزارع شبعا بعد حسم هويتها بين لبنان وسوريا.

لا يمكن النظر إلى هذا الحراك الممتد على طول الحدود الشمالية لإسرائيل، على أنه مشهد مكرر، بل تتقاطع مصادر سياسية لبنانية وأخرى دبلوماسية غربية، على أن الاتفاق في الجنوب السوري الذي يُصاغ اليوم بإشراف روسيا، لن يكون منفصلا عن الاتفاق على ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، وبالتالي هو ليس منفصلا عن تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا أولا وفي لبنان تاليا. وإيران لن تقبل بأن يتم الاستفراد بها في هذين البلدين بسهولة، لذا لا يمكن الحديث عن الوصول إلى ما يؤشر على أن الطموحات الإسرائيلية بشأن الترتيبات الأمنية على حدودها الشمالية تسير بخطى ثابتة وراسخة، وإن كان الإطار العام قد جرى رسمه دوليا وبرعاية أميركية-روسية، فأمين عام حزب الله، حسن نصرالله، الذي يتحسس مخاطر انسحاب حزبه والميليشيات الإيرانية من سوريا بعدما دفع الغالي والنفيس من أجل بقاء النظام السوري، أعلن في خطابه الأخير بمناسبة يوم القدس، أن أحدا لا يستطيع فرض الانسحاب عليه من سوريا إلا الرئيس بشار الأسد، وهذا الموقف جاء إثر مناوشات وقعت بين حزب الله والقوات الروسية في مناطق سورية في القلمون القريبة من الحدود مع لبنان، وفي ظل مسار روسي يتضح يوما بعد يوم، يدعو إلى سحب الميليشيات الإيرانية من سوريا.

الخيارات تضيق أمام إيران وحزب الله، وهي تتركز اليوم بين خيار الهروب إلى الأمام عبر فتح مواجهة عسكرية مع إسرائيل، يدرك الجميع أنها لن تكون محصورة في سوريا بل ستشمل لبنان، أو خيار تقديم التنازلات بما يضمن تنفيذ معظم الشروط الإسرائيلية وهذا أيضا دونه مصاعب على حزب الله وإيران فيما لو سلما بضرورة الالتزام بموجبات إستراتيجية تتصل بالإقرار الرسمي بأمن إسرائيل على حدودها الشمالية.

الرئيس نبيه بري الذي نجح في فترات سابقة في أن ينقل على طريقته وجهة النظر الإيرانية في لبنان إلى من يعنيهم الأمر دوليا، حرص على أن يؤكد قبل أيام وفي موقف غير مسبوق، أن انسحاب حزب الله وإيران من سوريا لن يتم قبل تحرير سوريا، وهو موقف قرأه بعض المراقبين على أنّه يعكس حالة الضيق الإيراني من الضغوط الدولية والإقليمية في سوريا، لكن من جانب آخر فإنّ بري الذي يحمل رسالة إيرانية في هذا الموقف ولحزب الله بطبيعة الحال، يسعى إلى عدم الربط بين أي اتفاق بين جنوب سوريا وجنوب لبنان، حتى لو أدى ذلك إلى إبقاء ملف الحدود مع إسرائيل معلقا مع مشروع استخراج الغاز الذي علّق الرئيس بري عليه الآمال لمستقبل لبنان الاقتصادي.

كاتب لبناني

(العرب) لندن

 

إيران وبداية الانكفاء

من العواصم العربية الأربع

علي الأمين

 

الرسائل التي تصل طهران من عدة اتجاهات لم تعد خافية على أحد، فصانع القرار الإيراني بات يدرك أنّ العواصم العربية الأربع التي احتفى قبل سنوات بالسيطرة عليها، لم تعد هي نفسها التي سيطر عليها وأمسك بقراراتها وسياسات حكوماتها إلى حدّ بعيد، بل لم يعد هلال الممانعة أو الهلال الشيعي كما يحب البعض أن يسميه، هلالا مضيئا بالأنوار السليمانية (نسبة لقاسم سليماني) فالمشهد على نتيجته الكارثية عربيا، يكشف كيف أن المدن العربية المثخنة أو المدمرة من صنعاء إلى بغداد إلى دمشق وبيروت، باتت، وبتفاوت في ما بينها، تحاول التفلت من الموت الذي يحاول أن يخنق ما تبقّى من الحياة فيها.

كما لا يخفى على صانع القرار في إيران أن ما حققه في تلك الحواضر العربية، ليس إلا سيطرة على مدن صارت هياكل مصدّعة تعيش في غربة عن تاريخها، وتعيش حالا من الانقطاع عن بنيان الدولة وتنزف أبناءها ورموز الحياة فيها، كل ذلك بسبب الجراح التي أثخنت جسد الاجتماع العربي الإسلامي، وبسبب الاستهانة بحرمة المجتمعات، والاستثمار في الدمار الذي بات الخروج منه يتجاوز القدرات المالية والاقتصادية المستنزفة، إلى بناء الإنسان الذي جرى تطويعه وجرّه مكرها نحو متاهات المذهبية والطائفية وكل ما ينتمي ويتناسل من مقولة “شعب الله المختار” و”الفرقة الناجية”.

لم يكن النفوذ الإيراني في مناطق سيطرته في الدول العربية، يختلف في جوهره عن أيّ مفهوم استعماري، بل تفوّق في ما يمتلكه من أدوات على سواه من الدول الاستعمارية، تجاوز نموذج الاستعمار القديم والحديث، في الاستثمار المدمر في بنية المجتمعات العربية، بحيث لم يكن الدخول الإيراني وتمدد نفوذه قائمين على أسس تعزيز مشروع نهضوي، ولم يقم بنيان نفوذه على قواعد سياسية تنتمي إلى منهج التحرر أو تعزيز مشروع الدولة، بل خاض في غمار العبث بوحدة المجتمع، وعزّز نفوذ العصبيات المذهبية، بدل الحدّ من سمومها.

لعل الأمثلة التي يكشفها واقعنا العربي ولا سيما في تلك العواصم العربية التي تباهت القيادة الإيرانية بالسيطرة عليها، لا تتحمل طهران وحدها المسؤولية عما آلت إليها أحوالها، وليس النظام الإقليمي العربي بريئا مما وصلت إليه، كما لا نبرئ المجتمع الدولي ولا سيما الإدارة الأميركية وروسيا من مسؤوليتهما على هذا الصعيد. لكن المسؤولية الإيرانية لها خصوصيتها، بسبب ما ارتكبته بعض أدواتها تجاه هذه الدول سواء في العراق أو سوريا وغيرهما، من أعمال في التدمير الذي أعفى العديد من الدول الاستعمارية من المسؤولية الكاملة عن الجريمة. فالسياسات الإيرانية لم تكن في جوهرها متعارضة مع غايات تدمير الدول، إذ ليست الشعارات كطريق القدس والمقاومة إلاّ عناوين براقة عمليا لمشاريع تدمير ممنهج لدول ومجتمعات عربية، فالحصيلة الاستراتيجية للمشروع الإيراني في المنطقة العربية، هي المزيد من تهشيم النظام الإقليمي العربي، وتصديع المجتمعات العربية، وتقديم المنطقة العربية على طبق من ذهب للدول الكبرى التي تأتي في مقدمها روسيا والولايات المتحدة.

يدرك صاحب القرار الإيراني أنه بات اليوم بعد كل “إنجازاته” بين فكّي كماشة موسكو وواشنطن، أي أنّ خيارات إيران في المنطقة العربية تقلصت حين قررت هاتان العاصمتان الحد من الدور الإيراني.

ففي اليمن وعلى الرغم من وجود قوة التحالف العربي والإسلامي الذي تقوده المملكة العربية السعودية دعما للشرعية اليمنية منذ أكثر من ثلاث سنوات، إلا أن تراجع أنصار الحوثيين وانكفاءهم بدآ منذ أن أعلنت واشنطن في رسالة قوية ضد طهران إلغاء الاتفاق النووي، الذي كان توقيعه في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، مؤشرا على المزيد من تمدد حلفاء إيران في اليمن وفي سوريا وقبلهما العراق ولبنان. الرسالة الأميركية هذه أطلقت مرحلة جديدة من تحجيم النفوذ الإيراني، وهو تحجيم لا يعكس رغبة الدول الكبرى في إنهائه، بل في تهذيبه وتحديده بما لا يخلُّ بمنظومة السيطرة الدولية على المنطقة، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال ما قالته رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي قبل يومين لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع بدء انهيار القوات الحوثية في أكثر من منطقة يمنية، بأنّ الحل في اليمن هو حل سياسي وليس عسكريا، ويأتي الموقف البريطاني، بعدما تناقلت وسائل الإعلام الغربية عن جهات رسمية في الاتحاد الأوروبي رسائل إيرانية تفيد باستعداد إيران لتقديم تنازلات في اليمن في سياق حماية الاتفاق النووي بينها وبين الأوروبيين.

وليس هذا فحسب، فقد استجابت إيران لشروط إسرائيلية بالابتعاد عن حدود سوريا الجنوبية بطلب روسي، وتراجعت عشرات الكيلومترات عن هذه الحدود، بعدما كانت شعارات الحرب الإيرانية في سوريا تتركز على مواجهة المشاريع الصهيونية، وعلى منطق شق الطريق نحو القدس، فيما الواقع يقول إن السلاسة الإيرانية لم تظهر في كل سوريا إلا في اتجاه المصالح الإسرائيلية التي صارت بمثابة المقدس الذي لا يمسه الأذى، لا من قريب ولا من بعيد.

الاتفاقات الروسية – الإسرائيلية في سوريا أثبتت أنّها تتفوق على الحسابات الإيرانية، ومهما قيل عن العلاقات الروسية – الإيرانية، فإنّ الوقائع العسكرية أظهرت ومنذ سنوات أن ما تقوم به إسرائيل في سوريا يحظى بقبول إن لم نقل بمباركة روسية تترجم حقيقة العلاقة بين إسرائيل وروسيا، والتي لا يمكن لإيران ولا لأي دولة أخرى أن تهزها. فيما روسيا التي استنجد بها قاسم سليماني قبل ثلاث سنوات عسكريا في سوريا، صارت هي اليوم من يطلب من إيران ويضغط من أجل المزيد من الانكفاء عن الجغرافيا السورية.

أمّا في العراق فإن الانتخابات النيابية بما حملته من نتائج، أظهرت أن البنية الشيعية في هذا البلد لم تعد رهن الحسابات الإيرانية، ولم يعد قائد فيلق القدس قاسم سليماني الرجل الذي يستطيع أن يلزم أطراف المكون الشيعي بما تقتضيه مصالح فيلق القدس، وها هو الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي نال أنصاره المرتبة الأولى في الانتخابات، يرفع من نبرته تجاه التدخل الإيراني، كما أن كتلة رئيس الحكومة حيدر العبادي ليست في وارد الانقلاب على الإدارة الإيرانية في العراق، لكنها وجدت في فوز الصدر فرصة لتشكيل تحالف نيابي عراقي يضع شروطا على انضمام القوى الموالية لإيران، بخلاف ما كان عليه الحال في الانتخابات السابقة، أي أن إيران ومناصريها هم من يحددون المسار والآخرون يتبعون. الفرصة العراقية اليوم تكمن في أن ثمة إمكانية واقعية لتشكيل أكثرية نيابية بقيادة عراقية غير معادية لإيران، لكنها بالتأكيد ليست تابعة لها. المشهد السياسي العراقي يتجه بخطى ثابتة وواضحة المعالم نحو مسار جديد أبرز ملامحه تراجع النفوذ الإيراني الذي لا يزال فاعلا وقويا، لكنه يسير نحو المزيد من التراجع والضعف.

أما بيروت العاصمة التي يشكل فيها حزب الله درة التاج الإيراني في المنطقة العربية، فإنها تبدو خارج الاهتمام لجهة أي محاولة لتغيير موازين القوى الداخلية بما يخالف سيطرة حزب الله، هذا ما تؤكده الانتخابات النيابية الأخيرة حيث بدت هذه الانتخابات خارج أي اهتمام عربي أو دولي، إذ لم تُبذل أي جهود خارجية لإعاقة تمدد حزب الله في البرلمان وفي مفاصل السلطة، كما كان الحال في الانتخابات السابقة، وذلك لإدراك الدول الإقليمية المعادية لإيران أن ميزان القوى في لبنان لا يقوم على نتائج الانتخابات النيابية، فانتصار قوى 14 آذار في العام 2009 لم يكن له أيّ معنى في ميزان السلطة الذي يقرره السلاح قبل أيّ شيء آخر.

المتجدد هو أن لبنان يجب أن يبقى تحت مظلة الاستقرار وإن برعاية حزب الله، على أن الجديد هو أن مرحلة عودة حزب الله من سوريا نحو لبنان بدأت، وهي مرحلة تتطلب بحسب مصادر دبلوماسية غربية “المزيد من تأقلم حزب الله مع شروط الدولة” ومع الإدراك أن هذا التأقلم صعب وبعيد المنال، فثمة مراهنات على إصدار المزيد من القرارات العقابية ضد حزب الله لا سيما مع توسعة مرتقبة في الأشهر المقبلة لهذه العقوبات لتطال الدولة اللبنانية. هذه الدولة التي باتت في السنوات الأخيرة عرضة للمزيد من التدهور والانكفاء على مختلف الصعد السياسية والإدارية والاقتصادية، والمرشحة إلى المزيد من الهشاشة طالما بقيت أسيرة الدويلة وامتداداتها الإقليمية. النموذج الإيراني في السيطرة والنفوذ في لبنان، لا يبشر اليوم بغير التدهور العام والمزيد من العقوبات الدولية التي باتت السبيل الوحيد لإنقاذ لبنان من التفتت والهشاشة والانهيار.

العواصم العربية الأربع لم تزل في حال لا تحسد عليه، حصيلة النفوذ الإيراني فيها لم تحمل ما يبرر الاطمئنان لدى أبنائها بمستقبل أفضل، بل كانت شاهدة على تقهقر هذه العواصم وتصدعها. القيادة الإيرانية اليوم باتت أمام المأزق الذي ساهمت في صناعته في هذه العواصم، وهو مأزق يبدو الخروج منه يقتضي التسليم بشروط الدول الكبرى التي قررت على ما يبدو تحجيم دور إيران.

 

كاتب لبناني

 المصدر : جريدة (العرب) لندن

 

ثنائية الدولة-الدويلة

ومعضلة الفساد في لبنان

علي الامين

ليس خافيا أنّ الانتخابات النيابية في لبنان لم تحمل تغييرا نوعيا على مستوى التمثيل النيابي، فالأطراف الممثلة في البرلمان هي ذاتها تلك التي كانت في البرلمان السابق، والتغييرات التي جاءت ببعض النواب المعروفين بولائهم للنظام السوري في الظاهر ولحزب الله في الجوهر، لا تغير في واقع الحال شيئا، ذلك أن السلطة في لبنان لا تتأتى من حجم القوى الحاكمة داخل البرلمان، بل من مصدر آخر من خارج البرلمان ومؤسسات السلطة.

في لبنان لا يعني إذا كانت لديك كتلة نيابية تبلغ ضعف كتلة حزب الله، فأنت لديك حصة في القرار تتناسب مع حجمك النيابي، فحزب الله على سبيل المثال ليس لديه أكثر من خمسة عشر نائبا، ولكن لا أحد يشك أن هذا الحزب هو صاحب القرار الأول على مستوى الحكومة ومجلس النواب.

تتأتى القوة من خارج مؤسسات الدولة لأنّ الأخيرة هي الإطار الضعيف إذا ما قورنت بقوة الدويلة، القوة هنا إكراهية وليست ديمقراطية، أمنية وعسكرية، وليست نتاج توازنات سياسية ناشئة عن انتخابات ديمقراطية، أو بسبب توافقات سياسية طوعية، القوة هنا تفرضها سلطة الإكراه على الدولة ومؤسساتها من خارجهما وفي سياق لا يتصل بالنماذج المعهودة في الدول الطبيعية سواء كانت ديمقراطية أو دكتاتورية، ذلك أنّ من شروط استمرار هذا النموذج من السلطة في لبنان، هو ضرورة وجود تمثيل في الشكل لمختلف القوى الممثلة في البرلمان، لكنه تمثيل شكلي لا يتيح لصاحبه أن يكون شريكا فعليا في إدارة الشأن العام، بل تقتصر الشراكة هنا على ما هو دون القضايا السيادية الكبرى، سواء تلك المتعلقة بالأمن أو السياسة الخارجية أو بالحروب.

الشراكة هي فقط في الملفات ما دون السيادية أي تلك التي تتصل بتقاسم الحصص من وظائف عامة أو تقديم بعض الخدمات، أو الشراكة على مستوى الفساد، وهذا الأخير يشكل عنصر قوة وحماية لسلطة الدويلة على الدولة، ذلك أنّ الفساد هو مصدر طاقة ومبرر وجود لسلطة الدويلة.

من هنا فإنّ ثنائية الدولة-الدويلة لا يمكن أن تستمر وتتمدد خارج ترسيخ الفساد، ذلك أن أول شرط موضوعي وعلمي لمكافحة ظاهرة الفساد المتضخمة في أي دولة، هو وجود سلطة تمتلك حق الإكراه، وتتحمل المسؤولية أمام المواطنين ويمكن محاسبتها بناء على المسؤولية التي تتحملها.

في لبنان هذا الأمر شبه غائب إن لم نقل غائب تماما، فلا الحكومة اللبنانية كمؤسسة دستورية تتولى السلطة التنفيذية، قادرة على احتكار سلطة العنف، بل هي عاجزة عن القول إنها هي من يتحمل مسؤولية إدارة الشأن العسكري والأمني على أراضي الدولة.

هذا الواقع هو المدخل والذريعة للتنصل من المسؤوليات الملقاة على عاتقها كمؤسسة دستورية حاكمة، إذ يتيح هذا الواقع فتح ثغرات كبرى على مستوى السلطة، فغياب المسؤولية والمحاسبة، إلى جانب العجز المرعي بخبث، يطلقان وحش الفساد من قمقمه، ودائما بتشجيع وتحفيز وشراكة من سلطة الدويلة التي تريد القول للبنانيين إنّ دولتكم هذه غير مؤهلة للحكم.

ما يثير التساؤل والاستغراب أن يطلق حزب الله وعلى لسان أمينه العام حملة على الفساد في الدولة، حملة “بشر” بها خلال الانتخابات النيابية الأخيرة.

مصدر التساؤل والغرابة أنّ في تاريخ حزب الله في السلطة التنفيذية أو التشريعية، كان عقد التحالفات وإعداد التفاهمات مع قوى سياسية مختلفة في لبنان، يتمان على قاعدة “غضوا البصر عن سلاحي وافعلوا ما تشاؤون في بقية شؤون الدولة”، وما يؤكد هذا المسار هو أنّ حزب الله لم يخض معركة ضد الفساد، هو طالما تحدث ولا يزال عن ملفات فساد بالمليارات من الدولارات تورط بها مسؤولون في الدولة، لكن لم يقم مرة واحدة بمتابعة ملف لوّح به على هذا الصعيد حتى النهاية، بل طالما كانت هذه الملفات وسيلة ابتزاز لخصومه في سبيل استمرارهم في السكوت على مشروع الدويلة وسطوتها.

لا يعني هذا الكلام أنّ حزب الله غير متورط في ملفات فساد، بل القصد من الإشارة أنه استخدم هذا السلاح حينما أخذت الحكومة اللبنانية قرارا بقطع أحد فروع شبكة اتصاله الخاص، فيما لم يقم بأي خطوة حينما كانت تمر أمامه إن لم يكن بإشرافه صفقات الفساد في الحكومة.

اللبنانيون ينتظرون المنهجية التي سيتبعها حزب الله في مكافحة الفساد الذي أرهق اللبنانيين على مستوى الاقتصاد وفي المالية العامة وفي الصفقات المشبوهة التي أرهقت الدولة، وزادت المديونية العامة، بل كيف سيتم وقف عمليات التهريب التي جعلت حدود لبنان مفتوحة لعمليات التهريب التي تتم تحت أعين حزب الله والأجهزة الأمنية التي سلمت بأنّها ليست صاحبة القرار الأول على أراضي الدولة اللبنانية أو في المعابر الحدودية غير الشرعية، وأكثر من ذلك فإنّ حزب الله نسج معظم تحالفاته في السلطة وفي الانتخابات النيابية مع أطراف وقوى يعرف اللبنانيون أن معظمها عليها شبهة فساد إن لم تكن غارقة في صفقات مشبوهة.

التمنيات اللبنانية بنجاح حزب الله في حملته ضد الفساد، مردها أن اليأس بات يسيطر على المجتمع من قدرة السلطة بتركيبتها القائمة، على الحدّ من تفشي الفساد، لكن التمنيات تبقى شيئا والواقع شيء آخر. الواقع يقول إنّ الإصلاح ومكافحة الفساد يقومان على قاعدة أساسية اسمها الدولة، دولة لا تقبل بوجود سلطة فوقها مهما كانت مبررات وجودها.

كاتب لبناني

 جريدة (العرب) لندن

 

الأمن الإسرائيلي وترسيخ

سلطة حزب الله في لبنان

علي الامين

يشكل عنوان الاستقرار على الحدود الشمالية لإسرائيل، مفتاح فهم السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان وسوريا، فالكيان الإسرائيلي يشهد اليوم طفرة اقتصادية ونموا غير مسبوق في تاريخ الدولة العبرية، إذ بلغ مستوى النمو حوالي 8 بالمئة، فيما يشهد قطاع السياحة نشاطا متناميا في الوقت الذي تعاني الدول العربية على العموم ولا سيما تلك المحيطة بالدولة العبرية من كوارث أو أزمات سياسية واقتصادية وتنموية ليست خافية على أحد.

ويكفي أن نشير إلى  الحرب التي عانت وتعاني منها سوريا وكل ما طال هذه الدولة من تهجير وقتل وتدمير، فضلا عن الإرهاب الذي طال لبنان ومصر والأردن مع ما سببت الأزمة السورية من تداعيات على هذه الدول وغيرها. وفي المقابل فإنّ إسرائيل كانت تحقق تقدما سياسيا في محيطها، وتتلقى دعما أميركيا تُرجم بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وفرضت الحكومة الإسرائيلية علنا وفعليا رؤيتها لقضية السلام مع الفلسطينيين من خلال القضاء على شروط وقواعد التسوية في ظل صمت دولي لهذا المسار إن لم نقل قبولا أو دعما له.

لم تتعرض إسرائيل خلال سنوات الأزمة السورية لأي تهديد أمني أو استراتيجي، فيما كانت المواقع العسكرية السورية والإيرانية، فضلا عن أهداف تابعة لحزب الله في سوريا عرضة لضربات إسرائيلية منذ سنوات ولا تزال مستمرة، من دون أن تلاقي هذه الضربات أي رد جدي، بل ثمّة تنسيق غير خفي بين الحكومة الإسرائيلية والقوات الروسية على هذا الصعيد، يقوم على أنّ ما تراه إسرائيل تهديدا لأمنها يمكن أن تبادر إلى استهدافه وبالتنسيق مع القوات الروسية تفاديا لأي اصطدام غير محسوب بين الطرفين.

لبنان ليس خارج هذه المعادلة، فها هي إسرائيل ترسخ معادلة الأمن على حدودها، وتثبت شروطها الإستراتيجية التي تقوم على أنّها مطلقة اليد في تنفيذ ما تشاء تجاه القدس والفلسطينيين

كل الدول المحيطة بإسرائيل كانت ولا تزال عرضة للتوتر والحروب وللإرهاب، فيما بقيت الدولة العبرية بمنأى عن كل ذلك، انفجرت على كل الأراضي السورية صراعات ومواجهات وبقيت الحدود مع الجولان المحتل مناطق آمنة ومستقرة، لم توفر قذائف النظام السوري وحلفائه من إيران أو الميليشيات التابعة لها، أيّ مدينة أو بلدة في سوريا، ولم توفر عشرات الآلاف من المدنيين، لكنها في المقابل كانت شديدة الانضباط والهدوء تجاه كل الضربات الإسرائيلية التي طالتها.

هذا ما هو أمام إسرائيل اليوم؛ عدو ملتزم بحماية حدودها، لا يمكن أن يقع في خطأ السماح بدخول مجموعات فدائية إلى إسرائيل، ولا يمكن أن يطلق أي صاروخ فعلي نحو العمق الإسرائيلي، ويكتفي بإطلاق التهديدات اللفظية التي باتت من شروط حماية الوضع القائم والذي تتفهمه إسرائيل باعتباره عنصرا أساسيا للمحافظة على المعادلة القائمة التي تناسب حكام الدولة العبرية اليوم.

على هذا الأساس من الحسابات الإسرائيلية يمكن فهم الخطوات المستقبلية التي يمكن لإسرائيل أن تعتمدها أو تنأى بنفسها عنها في المقلب الآخر من حدودها الشمالية، فما دامت إيران وحزب الله ملتزمين بشروط الاستقرار على حدودها كما تراه إسرائيل نفسها، فإنّ ذلك سيكون بوليصة تأمين لكلا الطرفين من أيّ خطر إسرائيلي على وجودهما ونفوذهما سواء في لبنان أو في سوريا، على أنّ ذلك لا يمنع من أنّ التفسير الإسرائيلي للنفوذ الإيراني يرتبط بألا يشكل أي احتمال خطر على الأمن الإسرائيلي، إذ لا يضير إسرائيل أن تقاتل إيران وميليشياتها دفاعا عن نظام بشار الأسد بكل أنواع الأسلحة المشروعة وغير المشروعة، ولا أن يسيطر حزب الله على الدولة اللبنانية بمفاصلها الأمنية والعسكرية والسياسية.

ما يهم إسرائيل هو التزام الطرفين بقواعد وشروط الأمن الإسرائيلي على الحدود، وحماية الاستقرار على ضفتيها، وهذا ما يفسر أنّ إسرائيل التي افترضت وجود خطر محتمل من بعض القواعد الإيرانية في سوريا، قد قامت بتوجيه عدة ضربات صاروخية تدميرية لهذه القواعد، وهي ضربات ستستمر فيما لو استمرت إيران في تعزيز وجودها العسكري في مناطق تعتبرها إسرائيل مدى حيويا لأمنها الاستراتيجي، أما إيران التي لا تقع في سلم أولوياتها مواجهة إسرائيل، فهي لن تقوم بأي رد فعل عسكري يتناسب مع الضربات التي تتلقاها قواتها أو ميليشياتها في سوريا، فالقيادة الإيرانية منهمكة اليوم في حروب أخرى وأولويات تتصل بالخارطة العربية من جهة، وبحماية الاتفاق النووي الذي من أول شروط بقائه المحافظة على حد معقول من علاقاتها مع أوروبا وروسيا من جهة أخرى، وهذا لا يتم إن ردت إيران على أيّ ضربة إسرائيلية في سوريا، طالما أنّ الدول الأوروبية ترى في هذه الضربات حقا مشروعا لحفظ أمنها.

إسرائيل كانت تحقق تقدما سياسيا في محيطها، وتتلقى دعما أميركيا تُرجم بنقل السفارة الأميركية إلى القدس

وهكذا فإن لبنان ليس خارج هذه المعادلة، فها هي إسرائيل ترسخ معادلة الأمن على حدودها، وتثبت شروطها الإستراتيجية التي تقوم على أنّها مطلقة اليد في تنفيذ ما تشاء تجاه القدس والفلسطينيين، فيما تبقى صواريخ حزب الله في مخابئها من دون أي استعداد للانطلاق، فيما طريق القدس تبقى بعيدة.

ويبقى أنّ لبنان يستعد لعودة مقاتلي حزب الله من سوريا استجابة لدعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لانسحاب كافة الميليشيات من الأراضي السورية، وهي دعوة مستجابة في أغلب الظن من قبل حزب الله إن لم يكن في القريب العاجل فإنها ستتم في المدى المنظور، وعودة هؤلاء إلى لبنان لن تكون في سياق استكمال تحرير القدس، بل لحماية نفوذ ودور حزب الله الذي سيترسخ، في جوهره، على قاعدة فصل لبنان عن محيطه العربي، وهذه القوة لن تكون وظيفتها العسكرية الدفاع عن لبنان في مواجهة المؤامرات العربية، بل هي وظيفة ستشكل في المدى المستقبلي أحد مبررات استمرار السلاح في يد حزب الله.

وإسرائيل التي تدرك أنّ ضمانات أمنها لا تقررها فقط القرارات الدولية أو التفاهمات، تدرك أنّ أمنها يترسخ من خلال الشروخ التي طالت البنية العربية في دوائرها اللبنانية والسورية، كما تدرك أنّ أولوية حزب الله اليوم هي السيطرة على لبنان، والطريق الطويل لتحقيق السيطرة الكاملة مشروط باحترام الأمن الإسرائيلي.

غاية حزب الله لم تعد تحرير القدس ولا محاربة الدول الاستعمارية، ولا إنشاء الجمهورية الإسلامية في لبنان أو في سوريا والعراق، وإنما حماية النفوذ الإيراني هي الغاية وذلك طريقه واضح لا لبس فيه وهو الطريق الذي يؤدي إلى السيطرة والتأثير في مراكز القرار في الدولة، وفي لبنان ها هي الطريق التي يشقها حزب الله السيطرة والاحتماء بالدولة اللبنانية ومؤسساتها، والأهم من ذلك تذكير إسرائيل ومن يعنيهم الأمر أنه مصدر حماية الاستقرار في جنوب لبنان وشمال إسرائيل وللقول هذا ما لا يستطيعه أحد غيري.

كاتب لبناني

(العرب) اللندنية

 

مأساة لبنان: هذا ما يعنيه

الانفصال عن نظام المصالح العربي

علي الامين

لم تقدّم الانتخابات النيابية في لبنان دفعا إيجابيا وطنيا، إذ لم تُظهر النتائج المتوقعة لهذه الانتخابات أفقا لمسار حلول تخرج لبنان من عنق الزجاجة.

الاختناق بمعناه السياسي والاقتصادي لا يزال حاكما على عنق الدولة، ويفاقم من الأزمات التي باتت تشكّل خطرا وجوديّا على لبنان الذي لم يعد بيئة جاذبة لا اقتصاديّا ولا سياسيّا ولا حتى إعلاميّا.

ثمّة تحوّل في الهوية اللبنانية جاءت العملية الانتخابية لترسخه إلى حد بعيد، هذا التحوّل يتركّز في الانتقال من الهوية اللبنانية العربية، التي من سماتها التعدّد والتنوّع السياسي والاجتماعي، إلى هوية منقطعة أو معادية لمحيطها تتسم بنزعة أحادية لاغية لكل تنوّع سياسي وإن أبقت على تنوّع شكلي لا أثر له في الحياة السياسية ولا معنى سياسيا له في علاقات لبنان مع امتداده العربي.

النزعة الأحادية والسلطة الاحتكارية التي تسيطر على الدولة والحياة العامة فيها، هما ما يناقض الهوية اللبنانية وخصوصياتها التي طالما كانت عنصر حيوية سياسية واجتماعية ومنبع الحرية ومنبرا للإعلام المتنوع ومصدرا للحيوية الاقتصادية وجاذبا لاستثمارات في أكثر من اتجاه.

الأزمات التي كشفت عنها الانتخابات النيابية التي جرت منذ عشرة أيام تقريبا، أكدت أن لبنان لم يعد ذلك البلد القادر على مواجهة الحصار الذي يواجهه، بل بات أكثر استسلاما للقبضة التي تمسك بخناق الدولة والوطن، وفيما يواجه اللبنانيون أزمات المؤسسات الوطنية المتراكمة، لا يجدون خيارا للخروج منها إلا بالمزيد من الغرق فيها.

فأمام مأزق غياب الدولة أو ضعفها، تتمدد الدويلة وتترسخ كثابت في الحياة السياسية، وأمام مأزق انحسار الحيوية الاقتصادية والاجتماعية يزداد الخضوع لمنطق الأحادية والوصاية، وتتراجع فرص الخروج من معادلة مصادرة الحيز العام لصالح المزيد من تثبيت السطوة الحزبية والميليشياوية. ويتم ذلك من خلال الاستسلام للوصاية بما هي إلغاء أو قرار إعدام للبنان الذي لا يمكن أن يبقى ويستمر من دون علاقة مميزة مع محيطه العربي، والخليجي على وجه التحديد.

الوظيفة اللبنانية العربية هي عنصر وجودي للدولة والوطن، وليست ترفا ولا هواية لبنانية أو عربية، هي حقيقة سياسية وثقافية واقتصادية، وهي حقيقة قومية لا يمكن تجاوزها أو التنكر لها.

التنكر لهذه العناصر الحيوية لبقاء لبنان ولدوره، هو ما يجري اليوم، أي أن ما يشبه عملية انتحار أو قتل يتعرض لها لبنان، بسبب هذا الاستسلام الذي يعبّر عن نفسه من خلال الانجرار نحو مسار تغيير الهوية اللبنانية، وهو تغيير يحاكي إلى حد بعيد فكرة الانفصال والعزلة أي الفكرة اليهودية بالنسخة الإسرائيلية، فالكيان الإسرائيلي هو النموذج الذي قام ولا يزال على فكرة المحيط العدوّ، هو كيان قام على استراتيجية العداء والقطيعة مع المحيط، وعلى ثقافة الخوف والتخويف من كل ما حوله، وفي نفس الوقت الاستثمار الدائم لهذا العداء والخوف لاستدراج دعم دولي له، والقيام بوظيفة استعمارية طالما كانت متلازمة مع وجود إسرائيل في المنطقة العربية.

النزعة الأحادية والسلطة الاحتكارية التي تسيطر على الدولة والحياة العامة فيها، هما ما يناقض الهوية اللبنانية وخصوصياتها التي طالما كانت عنصر حيوية سياسية واجتماعية ومنبع الحرية

ما يجري اليوم في لبنان هو محاولة استنساخ النموذج الإسرائيلي بوعي أو من دون وعي لا فرق، أي النموذج الذي يتميز وتتركز وظيفته على الانقطاع عن محيطه وترسيخ الشروخ معه، ويقوم على تعزيز ثقافة الخوف والكراهية لكل مختلف، ذلك أن الخطاب السياسي السلطوي المتمدد والمهيمن في لبنان اليوم سياسيّا وإعلاميّا يصوّب على هدف أساسي هو أن العدو الفعلي ومصدر الخطر الحقيقي هي الدول العربية، أي تلك الدول التي لا تتآلف أو تعادي السياسة الإيرانية، كما أنّ ثمة عملا دؤوبا لفرض هذه الرؤية وهذا المنطق حتى على من يفترض أنه يخالف هذه الرؤية، من خلال تدجينه وتهذيب حال المعارضة أو الاعتراض لديه تجاه ما يمس جوهر وجود لبنان وفكرته.

إلى هذا الحد يمكن القول إن استنساخ التجربة الإسرائيلية في رسم هوية لبنان الجديدة، هوية معادية لما حولها خائفة منه ومخيفة له، نموذج منقطع عن محيطه ومرتم في نفس الوقت في أحضان دول من خارج المنطقة، يلبي وظيفة إقليمية ودولية، ومتعارض أو معاد لنظام المصالح العربية.

لعل أخطر ما أفرزته الانتخابات النيابية هو هذا النزوع نحو ترسيخ ثقافة العداء والخوف الذي تسلل إلى سلوك الدولة التي باتت متهاونة حيال شروط وجودها القومي، ومعنية في المقابل بمحاكاة المصالح الدولية والإقليمية الإيرانية، ليس هذا حال اللبنانيين جميعا، لكن التسليم أو الاستسلام اللبناني لهذه المعادلة هو ما يجعل من تقدم النموذج الإسرائيلي في جوهر تكوينه النفسي والسياسي والثقافي والاستعلائي حقيقة لا يمكن تمويهها، وربط وجود ما تبقى من لبنان بوظيفة حماية الاستقرار مع إسرائيل من جهة، ووظيفة الاستثمار في بناء الشروخ مع المحيط العربي وترسيخ حال الخوف والعداء معه من جهة ثانية. وفوق كل ذلك توفير أو مراعاة المصالح الدولية الأوروبية والأميركية أو الروسية بشكل يثير الريبة والتساؤل عن معنى ودلالة الخطاب الذي طالما رفعته قوى الممانعة في مواجهة الاستعمار والاحتلال.

الممانعة التي باتت تسيطر على مفاصل الدولة في لبنان، هي بالضرورة عاجزة عن معاندة مسار التاريخ، لكنها ستكون حكما أمام كارثة إخفاقها في تحقيق ما تبتغيه، هذه الكارثة يعيش لبنان مقدماتها فلا الغرب ولا إيران ولا إسرائيل بطبيعة الحال قادرة على جعل لبنان دولة قابلة للاستمرار خارج نظام مصالحها القومي، والوقائع هي أكبر برهان، إذ كلما ابتعد لبنان عن محيطه العربي كلما بدا أنه دولة غير قابلة للاستمرار، ففي ظل الانتصارات الإيرانية في لبنان، تراجع لبنان سياسيا واقتصاديا وخسرت الدولة وظائف عربية طالما كانت مصدر قوة ووجود.

النموذج الذي يراد للبنان أن يكونه، هو نموذج يقوم على نزعة إلغائية وأحادية نابذة للتنوع المعبّر عن حقيقته الفعلية بحرية، نزعة معادية للبنان كمنبر حر للإعلام في محيطه العربي، وهو نموذج غير حاضن أو جاذب لاستثمارات عربية، ونموذج مهادن ومتآلف مع الغرب وإسرائيل بشرط الاصطدام مع العرب.

(العرب) اللندنية

 

تغيير رأس النظام السوري

أو المزيد من الاستنزاف الروسي

علي الأمين

 

الضربة الثلاثية رسالة إلى روسيا وإيران

الضربة الثلاثية ليست أكثر من رسالة وجهتها الدول الكبرى الثلاث إلى النظام السوري بسبب استخدام الأسلحة الكيميائية في مدينة دوما في ضاحية دمشق، استهداف مراكز عسكرية وبحثية عدة طالتها الصواريخ الأميركية والفرنسية والبريطانية في الأراضي السورية تزعم الدول الثلاث أنّها مراكز لها علاقة بتصنيع السلاح الكيمائي ونقله واستخدامه. لم تسقط أيّ ضحية مدنية أو عسكرية سورية، ذلك ما يؤكد أنّ الضربات كانت متوقعة من قبل النظام وحلفائه في الزمان والمكان.

كما يرجّح أنّ الدول الثلاث لا تريد أن توقع ضحايا ولا أن تحدث دمارا في مواقع حيوية للنظام وحلفائه، لا سيما بعد أن شكّل الفيتو الروسي في مجلس الأمن ضد أيّ محاولة لإصدار قرار، مصدر إحراج دولي وتحدّ لم يكن من الممكن السكوت أو الاستسلام له، خاصة وأنّ استخدام هذا السلاح المحرّم دوليا، صار ينتشر في ظل ما يصفه أكثر من طرف بعدم قدرة مجلس الأمن الدولي على اتخاذ قرارات، ومن ذلك أن اعتبرت لندن أنّ السكوت على ما جرى في سوريا على هذا الصعيد، شجع على استخدام السلاح الكيميائي داخل بريطانيا من قبل المخابرات الروسية ضد أحد عملائها السابقين على حدّ زعم حكومة صاحبة الجلالة.

رغم هذا التصوّر الذي جرى خلاله اتخاذ قرار من ثلاث دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، ومهما قيل بشأن الحسابات الدولية المتصلة بضرورة القيام بخطوة تمنع النظام السوري من استخدام السلاح المحرّم دولياً ضد شعبه، فإن الضربة الثلاثية تنطوي على أهداف أخرى. أهداف لا تصل إلى حد الحديث عن خطة استراتيجية متكاملة لسوريا التي آلت إلى النفوذ الروسي الذي يظلل نفوذا إيرانيا وتركيا، ولا هي ضربة محدودة وانتهت. إنّها رسالة كما وصفتها العواصم الدولية الثلاث، ولأنها رسالة فهي تنطوي على انتظار جواب ليس من النظام السوري الذي تعلم هذه الدول أنّه فقد منذ سنوات أي مساحة من استقلالية القرار، بل الرسالة هي إلى روسيا ب