الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

المقامات اللندنية

زياد رشيد علي

وعود سياسي

 المقامات في اللغة جمع مقامة؛ والمقامة هي المجلس. والمقصود بالمقامة فی الأدب "قصة تدورحوادثها في مجلس واحد".  وتعد المقامات من الفنون النثرية التي يبالغ فيها الاهتمام باللفظ والأناقة اللغوية وجمال الأسلوب، بحيث تتعدی الشعر في احتوائها علی المحسنات اللفظية، إلا أنها لم تحظ باهتمام الأدباء والنقاد. وهذا لا يعني أنهم أهملوا هذا الفن کليا بل المقصود هو أن النثر بشکل عام، والمقامات علی وجه الخصوص نالا أقل اهتمام بالمقارنة إلی ما ناله الشعر العربي من علوالشأن.  سآتي، وبداية من هذا الشهر، بمقامات حديثة، وسأسمي هذه المقامات «المقامات اللندنية» لأن معظم أحداثها وأبطالها سيكونون من مدينة لندن، وقد تعرفونهم وتلتقون بهم يوميا.  وقد يكون لكم معهم تجارب كالتي ستقرأونها في هذه المقامة.  ومن خلال المقامة التالية وما سيليها، إن شاء الله، ستكونون أكثر معرفة بهذا الأسلوب الأدبي الذي قل استعماله في العصور المتأخرة، ونحن بدورنا سنحاول العمل على التعريف به ما استطعنا، وإن كنا نعترف أننا لا نصل إلى مستوى أجدادنا ممن سبقونا في هذا الفن من أمثال بديع الزمان الهمذاني الذي يعرف بأنه هو مبتدع هذا الفن، أو الحريري الذي رأينا له إعجازا في النظم الشعري، حيت ينظم قصيدة كل حروف أبياتها بدون نقط، وأخرى كل حروفها منقوطة وغيرها حرف منقوط وحرف غير منقوط، وأبياتا تقرأها من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين باللفظ نفسه، وأبياتا تقرأها من اليمين مدحا ومن اليسار هجاء،بل إن هناك نظما يقرأ عموديا ورأسيا بالكلام نفسه ... وهكذا .. وإليكم مقامة هذا الشهر، وأحداثها حقيقية وأبطالها:

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف، قال: حدثني أبو لؤي، في حديث ودّي. وهو، كما تعلمون، أو لا تعلمون، في الحديث حاذق، وأعلم، ولا أزكيه، أنه مخلص أمين وصادق، قال: إعلم، يا أبا الكاشف، أني ممن لا يعيرون لصغار الأمور بالا، ولا أستطيع لسفسافها احتمالا: لكنها إن جاءت ممن حسبته كبيرا، أعطيتها من وقتي ومن تفكيري كثيرا، ويكون الأمر يومئذ عندي خطيرا. قلت:  يا أبا لؤي، ما الأمر؟ شوقتني لأعرف الحكاية، فهاتها من البداية ... لا تنفد صبري، وارفق، أرجوك، فأنت تدرك أمري. أتوق دائما لمعرفة الجديد، عن القريب والبعيد، والشائع والفريد. وأعلم كثرة أخبارك، ولو زادت من أوزارك. ابتسم أبو لؤي لهذا المديح وانفرجت أساريره، وأعجبه قولي الصريح وبانت من ابتسامته تباشيره، وعلمت أنه سيقول كل ما عنده بلا اختصار، ولن يخفي عني شيئا ولو كانت من أدق الأسرار. جلب ذلك لي الأنس، واطمانت له النفس، فسأحظى اليوم بما يرضي العقل والحس.فصدح أبو لؤي قائلا، ضاحكا متهللا متفائلا: إعلم يا أبا الكاشف أن الحياة تجارب، ومن خبرتك فيها تعرف من تجافي ومن تصاحب. فتعرف منها الصديق الصدوق، والرفيق الخلوق، وتستطيع تمييزهما من المرائي الذي يعانقك، وأنت تعلم يقينا أنه ينافقك، يبدي لك أنه أخ ناصح، ويخفي بداخله العدو الفاضح. يظهر لك أنه من بعض الأهل، بينما يضمر لك في قلبه الغل، والبوار والمحل. قلت: يا أبا لؤي لقد أطلت حتى أمللت. ولقد نفد صبري، واحترت في أمري. ما القصة؟ لقد أصبتني بغصّة، مثَلي ومثَلك الآن «كالطائر الذي يتفلى والصياد الذي يتقلى قال: يا أبا الكاشف الصبر الصبر، ففيه الخير كل الخير. أريد أن أضعك في جو القصة، فلا تتحدث عن الضيق والغصة. أعلمُ شغفك بالأخبار، وأنا أريد أن أسوق لك أصدقها، والتي لا يعرفها إلا أمثالي من الشطار. اصبر، فالصبر مطلوب بل هو مرغوب ومحبوب. كدت من غيظي أنفجر، وأقوم فانتحر. لولا أني خفت بذلك أن تضيع عليّ الحكاية، وأنا أريد سماعها من البداية إلى النهاية، فيبدو أن أبا لؤي جادّ كل الجد، وليس لثقته بنفسه وقصته حد. قلت والغيظ على وجهي بادٍ: هاتها يا صاحبي ولا تهادن. هنا اعتدل أبو لؤيّ في جلسته، ونوى إخباري بقصته. وها هو قد تنحنح، بعد أن تمايل على جنبيه وترنح، وراح يسرد ويمرح: قال: «هل تعرف المسمى عبد الجليل رحّال؟ قلت: طبعا أعرفه، وهل في مدينتنا من لا يعرفه؟ لقد صار ملء العين بعد أن رفعناه، وعلى كرسي السلطة العالي نصبناه. ما باله، وما أحواله؟ قال: هو بيت القصيد، وهو من أريد. لقيني يوما في الطريق، والتحف ثوب الصديق. تقدم مني هاشّا باشّا، وحلو الكلام راشّا. هو يعلم أني لا أريد لقاءه، ولا أريد معي بقاءه. لكنه سلم مادا يديه، ولو استجبت له لقدم لي خديه. لكني بقيت منه على مسافة، وكأنه آفة. قال بإصرار: أريد أن ألقاك لنحتسي فنجالا من القهوة، وتصفية ما بيننا من جفوة. وليكن ذلك بعد سبعة أيام، بالكمال وبالتمام. أنا سأتصل بك، ودون أدنى شك. كنت أعلم أنه من فئة لا تفي بالوعود، ولا تصون ولا ترعى العهود. مرت الأيام السبعة، وتلتها سبعتان وسبعة. لقيني ثانية وكأنه كان منتظرا، فجاءني مرحبا مصرا على ذاك اللقاء ومعتذرا. قال وبلا خجل: هي كثرة الشغل والعمل. لكننا سنلتقي قبل أن أسافر، وسأتصل بك قبل أن أغادر. قلت: ذلك شأنك، فأنا لم أطلب وصالك وأنا أعلم صفاتك وخصالك. أقسم أنه لن يخلف هذه المرة وعده، وسيتصل بي وكتب رقم هاتفي في الأجنده. ومضت شهور، بعد أن سافر وعاد، ونسيته وانشغلت مع الصادقين من العباد، وانغمست مع إخواني )المجانين( في إصدارجريدة «البلاد وأخيرا رأيته، وعلى غير موعد التقيته. وفي جلسة ودية سادها الحب والأخوّة، وكانت منها النتيجة المرجوّة. وفي مقهى الأحباء، تم اللقاء، وزال الجفاء، وأطفأت القهوة اللذيذة نار العداء. ذهب الماضي وانقضى، وعفا الله عما مضى. كنا ساعتها سمنا على عسل، لا ينقصنا إلا الأحضان والقبل. وقمنا لتوقيع الاتفاق، بالأحضان والعناق، فاصطدمت يدي بأكواب القهوة فهرقتها ، فسالت على ركبتي وحرقتها. لقد كنت مستعجلا مصروعا، فصحوت من منامي متألما مفزوعا.

نبع الحب والحنان

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف، صاحب الحكايا و)السوالف(، المجامل أحيانا وأحيانا مخالف، صادق لا ظالم ولا مجانف، قال:

جاءنا أخونا عبد المذل الكاتب، الصديق الوفي والصاحب، ألقى علينا السلام، وكان بعد ذلك قليل الكلام، لا يقوم بأي عمل، ولا يتكلم إلا إذا سئل. لا يبدو عليه السرور، والفرح والحبور، لكنه لم يكن حزينا، بل كان وقورا رصينا. لم نعرف حاله من شخصيته، ولم ننكر شيئا من هيئته. كان لا يبدو عليه أي مشاعر، فلا هو محادث ولا مسامر. خضنا في الكثير من الأحاديث، القديم منها والحديث. في أخبار السياسة، وأخبار التيوس والتياسة، وعرجنا على الحكام والساسة، وما جلبوا على شعوبهم من شقاء وتعاسة. ولم يكن لعبد المذل في ذلك دور، فليس له في هذه الموضوعات بقرة ولا ثور، وطبعا وكما تعرفون من عاداته، فهذا الصمت ليس من صفاته، فهو كثير الكلام في السياسة، ولا يعرف فيها )إيتيكيت( ولا كياسة.

إذن هو اليوم مختلف، ولا بد من معرفة ما جد من أمره وما سلف. لكننا احترمنا فيه تلك الرزانة، ومنحناه من طرفنا حماية وحصانة، فلم نتدخل له في خصوصية، ولا تعمدنا معه اللصوصية. تركناه في حاله، واستغنينا عن سؤاله.

وبعد قليل تنهد، ورمانا بسهام عينيه وسدد، وكأنه يهددنا ويتوعد. كان في نظرته عتاب، أقرب إلى الشتيمة والسباب، فلم ندر ما يعني بهذه النظرة، التي خلت من كل فكرة. تسمرت أنظارنا على ناظريه، لنستشف شيئا من نظرات عينيه. لم يكن إلى ذلك من سبيل، فقد كان ما فيهما أقل من القليل، ولم يكن أمامنا إلا الأناة والصبر، لنرى ما عنده من خير أو شر.

وأخيرا تكلم ونطق، ولاح الخير في الأفق، سنعرف الجديد من خبره، وينكشف لنا ما غمض من أمره. قال:

"هل فكر أحدكم وهو يخوض في كل كلام، أن اليوم له تميز بين الأيام؟ هذا مع عدم موافقتي على يكون لهذا اليوم إفراد، فلا بأس عندي أن يكون له تجهيز واستعداد".

 يصفون هذا اليوم بأنه يوم عيد للأم، وهي مفرّجة الكرب والهم، الجديرة بتقبيل اليدين والضم. جعلوا لها يوما واحدا في العام، وتناسوا سيدة الصفاء والراحة والوئام، نبع من الود والحب والاحترام. تعطي وتمنح بلا منّة، رغم أن تحت قدميها رياض الفردوس والجنة. نبع من العطف والحنان، موصول بالواحد المنان. رضاه من رضاها، مستجيب لطلبها ودعاها، ملبٍ لصوتها ونداها. لاتحتاج في عطائها لوصية، فالعطاء فيها غريزة طبيعية، وسجية أصيلة فطرية. لا تستطيع أن تكره ولو حاولتْ، وإن دعاها الغضب للقسوة قاومت. سهرت الليالي الطوال، ترعى العيال وأطفال العيال، u1604 لا تكلّ، ولا تتعب ولا تملّ. خلقها الله من طينة مميزة، حتى تظل كريمة معززة. ولكن كثيرا من الخلق ينساها، وينسى طلب رضاها، وتدور به الأيام، وتأتي النهاية والختام، فيطلبها فلا يجدها، فيتحسر ويندم، ولات ساعة مندم. لقد أضاع الفرصة، والآن زمان الحسرة والغصة. أضاع المسكين الطريق، وخسر أعظم محب رفيق.

وتعدل منزلة الأم منزلة الأب، نبع العطف والرحمة والحب، طاعتهما أمر، ومعصيتهما شر، برهما عبادة لرب العباد، والإساءة إليهما رأس كل شر وفساد. لا تستقيم الحياة إلا بهما، ولا تحصل البركة إلا منهما. التذلل لهما رحمة وشرف، ولغيرهما خنوع وخضوع وأسف. وجودهما نعمة وراحة، وفقدهما خسارة فادحة. وأكبر تقدير للنعمة يكون بعد زوالها، فسبحان من لا يبقي نعمة على حالها.

أجلس اليوم بيني وبين نفسي مفكرا، ويطوف خيالي على الماضي متذكرا، أراهما يوم ولادتي يفرحان، ويوم خطوت أولى خطواتي في الحياة يسعدان، ويوم ذهبت إلى المدرسة كان عندهما عيد، ويوم تخرجت من الجامعة كان هو العيد السعيد. كانت نظرة والدي يوم هنأني بالنجاح هي الحنو والرحمة والصفا، ومشاعره مهما وصفتها فلن أحسن لها وصفا. عرفت ذلك الشعور وأدركته، يوم رأيت أطفالي فأحسسته. ويوم تخرج أبنائي عرفت حاليَه، وأدركت معنى نظرته الحانية.

اليوم وأنا أفتقد أبي وأمي، أرى كل أم هي أمي. أكاد أحترق بدموعي وأحس الحرمان، حين أرى ابنا يقبل يدي والديه بحنان. فأني ما زلت اذكر والديّ يوم آخر وداع، حيث لم يبق لي منهما إلا ذكرى قبلة على اليد، ومنهما قبلة لي على الخد"

. كان الحنان في صوت عبد المذل ليس له نظير، وكنا نستمع له باهتمام كبير، حتى سمعنا صوته يخفت، حتى يكاد يصمت. ثم توقف وأقفل الموضوع، حين حبست صوته الدموع،

المقامة الثورية

حدثنا أبو الكاشف، اللندني العارف، قال:

كنت أجلس في ظل وارف، بين بعض ا لأصدقاء والمعارف. كنا في انتظار بقية الشلة، التي تجتمع كل ليلة، لتبادر أخبار العشيرة، فهي كثيرة وفيرة، وفي كل دقيقة أخبار جديدة ومثيرة.

على البعد أبصرنا عبد المذل الكاتب قدما، كان يبدو على هيئته جادا حازما، وكأني ألمحه مهمهما ومتمتما، يبدو الجد على محياه، ولا تكف عن التمتمة شفتاه.

استغربت أن أراه يحدث نفسه، وأحيانا يحك بسبابته رأسه. كان يفكر بعمق، فطننته قد جن وأيم الحق. حتى وصل إلى مجلسنا وقعد، ولم يلهه عن تفكيره أحد. وظل زمنا على هذه الحال، حتى التفت إلينا وقال: الحمد لله انتهيت من النظم، واسترخى فيّ الآن اللحم والعظم. الآن يمكنني أن أستريح، في هذا الجو المريح.

لم نفهم شيئا مما قال، فكان منا السؤال: عم تتحدث يا رجل، بربك أخبرنا على عجل، واختصر ولا تطل. قال: أسوق إليكم خبرا، لقد نظمت في حكامكم شعرا، ولم أستطع عليهم صبرا، فاسمعوا ما قلت فيهم شطرا شطرا.

وقف بعد أن تنحنح، وراح يلقي شعره ويصدح:

صَـنَــمٌ هـــوَى فــتــنــاثــرَ الأزلامُ                    فـلـتــتَّعــظْ مـن بعــدِهِ الأصـنــامُ

مـا عـاد ينفـعُهـم تـَوَسّــلُ دمـعِـهـمْ                  عَـــزَّ الــمِــدادُ وجَــفّــتِ الأقــلامُ

مـا عـاد يسـتـرُ ظـلـمَهـم وفعالَهـم                   عـذْبُ الـكـلام أمـيـطَ عـنـه لــثــامُ

هُـبَـلٌ مـضـى وتـبخـّــرَتْ أحـلامُـهُ                   وكــذا تُـطـيـح بــأهـلِـها الأحــلامُ

كـُـلّ سـيـلـحـقُ ركْــبَــهُ لِـجَــهَـنّــم ٍ                   فـالـظـلـمُ مَـرْتَـعُـه لـهُــمْ أوخــام

أركـانُـهُـمْ قــد زُلزِلَــتْ وتـبــدّلــتْ                   تـلــكَ الـحــيـــاةُ ودارتِ الأجـرامُ

 

وشـبـابُـنـا أحـيــا انـتـفـاضـةَ أمـةٍ                   إحْــيـاؤهــمْ لـشـعـوبـِنــا إكــرامُ

وحـنـاجـرُ الـشـبّــانِ أضْحَتْ قــوّةً                   دانـتْ لـهـا الطـاغـوتُ والأقــزامُ

وسواعـدُ الأحـرارِ بورِكَ زِنـدُهـا                    دكّـتْ قـصـورَ الذلِّ فهْيَ حُـطــامُ

فـلـيـشـهـدِ الـمـيـْدانُ أنّ شـبـابَـنــا                  مُـذ كـانـتِ الـدنـيــا هُـــمُ الإلـهـامُ

رفعـوا رؤوسًا كانَ حـانَ قِطافُهـا                    مِــن كــيْـــدِ جَـــلادٍ لــه إجـــرامُ

مـن كـلِّ طيْـفٍ في الكِنانـةِ ماجـدٌ                    حــمَــلَ الــلــواءَ وقـلبُــهُ إقــــدامُ

 

شـعْـبٌ أرادَ حـيـاتَـه فـتـجـاوبـتْ                     أقــــدارُه وتــزلـــزَلَ الــحُــكـــامُ

وتـكـسَّـرَ القيْـدُ الذليـلُ وأشـرَقـتْ                    أنــوارُ صُــبْــحٍ مــا لـَــهُ إظــلامُ

 

يا تونس الخضراءُ دُمْـتِ مَـنـارَةً                    لـلتـائـهــيـنَ فـأنــتِ أنــتِ إمـــامُ

يا مِصْرُ يا أرضَ البطولةِ زغْرِدي                  زالَ الــطـــغـــاةُ وزلـّــتِ الأقـدامُ

مـيــدانُك التحــريــرُ صـارَ علامـةً                   والـشعـب فــي أركـانِــهِ أعْـــلامُ

 

حيَّـيْـتُ ليبـيا أرضَـهـا وسـمـاءَهـا                   يــا أهــلَ لـيـبـيـا  أنــتـمُ أرْحَــامُ

حُـيّـيـتِ يـا لـيـبـيـا فأنـتِ رجـاؤنـا                    مـخـتـارُ إشـهـدْ كـلـهُمْ صَمْصامُ1

نـيْــرونُ أضْــرمَ نــارَه بــبــلادِهِ                     بئسَ الفـعـالُ وبئسَ ذا الإضـرامُ

سـيـكونُ نيـرونٌ وقـودَ لهـيبِهـا                      بـئـسَ المَـآبُ ونِعْـمَـتِ الأحْـكـامُ

  

يـَمَـنُ السـعـيـدُ وأهـلُـه يحميهِـمُ                     ربُّ الـعـبــادِ فــكـلـُّـهــمْ مـقــدامُ

أجْـدادَنـا في حضـرمـوتَ تـحيـةً                      صنـعــاءُ نـصـرُ شبـابِهـا إنـعـامُ 

 

قلـبي تـراقصَ يـومَ ثـارتْ أمتي                      لــتـقـولَ لـلــدنــيــا لــنــا الأيــامُ

أيـامُ عــزٍّ ليـسَ يُنـسَـى فَـخـارُها                    تــاريــخُ مـجـــدٍ خـالــدٍ وســـلامُ

 

الصمصام: السيف

استمعنا إليه حتى انتهى من الإلقاء، وقلنا له: من أين لك هذه الأشياء؟ عرفناك تكتب النثر، وما عرفنا عنك أنك تنظم الشعر!! قال: الشعر نتاج الأحداث العظيمة، مفرحة كانت أم أليمة، وأحداث أوطاننا هذه الأيام فيها الأفراح وفيها الآلام، ولكن النصر آت يا ذوي الأفهام والأحلام.

مقامة الغضب

حدثنا أبو الكاشف ابن لندن الخبير العارف، أنه كان يجلس مع ضيوفه يتحدثون، يختلفون أحيانا ويتفقون، وقد تعلو أصواتهم فيتصايحون، فالأحاديث – كما يقولون – ذات شجون. خاضوا في العديد من الموضوعات، وتنقلوا في أحاديثهم بين خذ وهات، موضوعات اجتماعية محلية، وأخرى دولية عالمية، حتى وصلوا إلى العقيدة والدين، الموضوع الذي يعتبر الجميعُ أنفسَهم فيه علماءَ ومفتين، خاصة أن بين ظهرانينا اليوم أخبار الإساءة إلى النبي والإسلام والمسلمين، والاعتداء على الرسول الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى أصحابه أجمعين.

كان الكل مُجمِعا على قبح هذه الظاهرة، لأنها أسلوب الضعيف في التصدي للحق وإقامة الحجة بالمحاورة. أسلوب الخائفين من تعاليم الإسلام وعدالته، أسلوب العاجزين عن التصدي لمخاصمته، هو دين الفطرة، فطوبى لمن اصطفاه وتنسم عطرَه. لا شك أن للإسلام أعداء، لأنه عدو كل داء، فالربا داء والإسلام يحاربه، والعداء يناصبه، ويتوعد من يصاحبه، والحياة المادية قائمة عليه فلا بد أن يوجد من يحاربه ويغالبه. هذا على الجانب الاقتصادي، فقس عليه الجانب الاجتماعي والثقافي. وفوق ذلك هو أسرع فكر في الانتشار، لما فيه من حب وفطرة وتسامح وتعقل تؤهله للانتصار.

وهكذا كان لا بد من محاربة الإسلام ومقاطعته، والدعوة إلى تشويه سمعته، والادعاء والتشهير بعنفه وقسوته، تارة بالادعاء بنظرته الظالمة نحو المرأة، وخوضهم بالموضوع ينم عن جهل وتسرع وجرأة، ويثيرون حول الإسلام والمسلمين الزوبعة، وهم لا يعرفون من الإسلام إلا خرافة زواج الأربعة. جهل مطبق، ومستقبل مقلق.

وأخيرا تفننوا في أساليب التشويه، واستعانوا بعلم التكنولوجيا الذي فيه ما فيه. رسوم كرتونية، أفلام سينمائية، محطات فضائية، كتب مقروءة ومسموعة ومرئية، وروايات سخيفة شرقية وغربية، ومحاضرون سماتهم موت الضمير وسوء الطوية. كل ذلك لإثبات أن الإسلام عدو لقيمهم الحضارية. وللأسف ساعدهم المسلمون على تحقيق الغرض، وأظهروا لهم ما فيهم من مرض. فردوا عليهم بالعنف الذي وصفوه، وأيدوهم بالدم الذي أسالوه، وبالدمار الذي أحدثوه، دون أن يفكروا أنهم عمرانهم يحرقون، ودماء أبنائهم يسفكون.

وانتبه الحاضرون بعد قليل إلى أن عبد المذل الكاتب، الذي تعرفون الآن حياته من كل الجوانب، لم يكن بينهم فرَجَوْا حضوره، ليسمعوا رأيه ويروا تقريره، وما أن جاء ذكره، حتى كان بينهم وانجلى أمره، فقد كان يتابع ما يجري حول موضوع نقاشهم، ويضع ما يثري حوارهم وينفع حياتهم ومعاشهم. فقال لهم:

أعتقد أن المسلمين قد وقعوا في شَرَك، وعلقوا دون وعي في الشبك. ألم يعلموا أن هؤلاء يريدون أن ينشروا بين البشر، أن الإسلام لا ينفع ولا يناسب هذا العصر، وليس وراءه إلا عنف وقهر؟ هم يريدون أن تدوم سيطرة القوي الكبير على الضعيف الصغير، وسيطرة الغني على الفقير، وينتصر أصحاب الرذائل، على أتباع الفضائل، وهم يعلمون أن اتباع تعاليم الإسلام هو الحائل. ولذا كان عليهم بحسب هذا القياس، أن يقنعوا العالم بعدم صلاحيته للناس.

نسي المسلمون أن جميع الرسل تعرضوا للإساءة. أمضوا في دعوة أقوامهم كل حياتهم، ورفضت جميع دعواتهم، وكم أحسوا بشديد الألم، وهم يُرفضون من الأمم. وكم اشتكى نوح من قومه الذين صرف معهم مئات السنين، يدعوهم لاتباع دعوته، حتى لم يعد يجد من يصغي لصوته، فدعا ربه أن يعطيه منه مددا، ولا يبقي من الكافرين أحدا. ويعرف المسلمون ما عانى باقي الأنبياء، ومحمد ليس بينهم استثناء.

لقد آذاه قومه بألسنتهم فقالوا فيه أسوأ الكلمات، ساحر كذاب كاهن مجنون وغيرها من الاتهامات، كلمات واجهها كل الرسل وغيرها من الإهانات. فكيف كان رده ورد أصحابه على هذه الترهات؟ نرى من التاريخ أنهم لم يحتجوا ويخرجوا إلى الطرقات، مسلحين بالشتائم والسباب وعالي الأصوات، كانوا قول الله يفهمون: "واصبر على ما يقولون". واستعماله للفعل المضارع  "يقولون"، يدل على تكرار ذلك كلما مرت الأيام والسنون. ولقد أخبرنا الله ونعرفه قديرا، "ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا". فكيف يكون الرد على هذه الشرور؟ "ولئن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور". وذلك ليس عن ضعف وخوَر، بل هو درس في الحب لكل البشر، والدليل أنه في موقف القوة قال للأعداء، "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

ولكن لا بأس أن يكون الرد عمليا، مؤثرا لاذعا وسلميا. لا يستهينن أحد بالمقاطعة عقابا، فإن ذلك يزيد المجرمين حزنا وغما وعذابا. ماذا يضير مليار ونصف مسلم إذا لم يأكلوا من إنتاج الدولة الفلانية؟ وماذا يضيرهم إذا لم يركبوا سيارة تصنع في الدولة العلانية؟ غالبية شعوبهم، لا تهتم إلا بملء بطونهم، واهتمامهم بمشاعر الآخرين هو آخر ما يعنيهم، وشعارالكثير منهم أن تعض قلبه ولا تعض رغيفه، وذلك ما يمنع الأراذل عن المسالك السخيفة.

ليحوّل الغاضبون ذلك الغضب، إلى مواقف إيجابية وبكل أدب، فذلك يصيب الهدف ويحقق الأرب.

المظلومة

حدثنا أبو الكاشف، ابن لندن الخبير العارف أن أخاه وصديقة عبد المذلّ، قد حضر لمجلسه وأطلّ، وكان يبدو في عينيه الغم، وعلى جسده الحزن والهم. هو على غير عادته صامت، ولونه كئيب باهت، فظننا فيه سقما، ورجونا أن يبعد الله عنه الألما. تطلع كل منا إلى الآخرين، لعل بيننا من يعرف شيئا عن هذا الحزين!! لكن ذلك لم يجد نفعا، ولم نستطع لفضولنا دفعا. فقلت والقلق بادٍ عليّ، يا عبد المذل انتبه إليّ. فينا قلق مما نشاهد على محياك، فهل تشركنا فيما يجري وما الذي أهمك واعتراك؟ رفع رأسه، وأقسم إني رأيت الدموع في عينيه، وقد سالتْ جارية على وجنتيه. زادنا ذلك قلقا، وزادني أنا شخصيا غضبا حنقا. كيف يكون في عبد المذلّ كل هذا الضيق، ويخفيه عن أعز وأخلص صديق؟ اقتربت منه مادا يديّ نحوه واحتضنته، واغرورقت عيناي بالدموع حين أطلقته، ماذا بك يا أخي بالله عليك؟ يكفي ما تركت فينا من قلق، فما عهدنا فيك إلا السرور والمرح والأنق. ومثلك لا يستسلم لضعف، ولا يهمه غليظ أو جلف.

رفع رأسه وقد هدأ قليلا وقال: لو كان الأمر فيّ وحدي لهان الخطب، واستسلمت لما فيه من شدّ وجذب، لكنه يا إخوتي مصاب، لا ينفع معه لوم ولا عتاب. اليوم هو الثامن عشر من شهر ديسمبر كانون الأول، فهل يعني لكم شيئا يا أهل الأبسط والأسهل؟ اليوم الذي تحتفل فيه الأمم المتحدة بأمكم، التي نسيتموها وكأنها لا تهمكم!! مشكورة هي عندما تفعل ذلك، وملعون من يهملها منا فلا يهتم ولا يشارك. اليوم أحزنني أني تذكرتها وهي تنعي نفسها، مؤنبة أبناءها الذين نسوا روعتها وأنسها، أهملها الكثير من أبنائها العلماء، وسخر من أتباعها فنانون بلهاء، صار كتابها كثيري الأخطاء، ينثرون كلامهم فلا نحو ولا إملاء، بل إن من المتحدثين بها من يفضل هجرها إلى العجمة، لأن بين السامعين فردا لا يعرف منها كلمة. ومن أطرف ما رأيت، إني حضرت لقاء فيه خمسون شخصا، ويسأل المتحدث: هل هناك من لا يعرف لغة العرب، فكان في الجمع واحد رفع يده بكل أدب، فكان رأي المتحدث أن يتحدث باللغة التي يفهمها هذا الغريب، فلم يكن لكثير من الحاضرين في فهمه نصيب.

فقيدتنا يا إخوتي أمنا اللغة العربية، اللغة المظلومة، الجريحة المكلومة، التي هجرها أبناؤها فغدت غريبة، رغم ما لها من مزايا حبيبة، وقدرات خارقة عجيبة، حتى إن رب العزة اختارها لتحمل رسالته، وجعلها ركنا نؤدي بها عبادته. اهناك تكريم ارفع من هذا التكريم، فليتعظ ما كان ذا قلب واع وعقل سليم.

أنا أبكي كلما قرأت كيف نعَتْ نفسها وأرسلت النعي مع شاعرها العظيم، ابن مصر وابنها حافظ إبراهيم، يوم دافعت عن نفسها واتهمت أبناءها بالتقصير، وذكّرتهم بما لها من قدرة على العلم والبناء والتعمير. بعض الأساتذة الأجِلاء، والمفكرين الأكْفاء، والإعلاميين النشطاء، تكثر في كتاباتهم وأحاديثهم الأخطاء، وكلنا نقع أحيانا في خطأ هنا أو هناك، لكن العبرة ألا يكون ذلك عن جهل، وأن نبحث عن باب للمعرفة ينير العقل. كم أنا فخور بذلك الأخ الذي يكتب لي كلما عرضت له مسألة لغوية، رغم أن له باعا في الأمور الفقهية والدينية، والعلوم الدنيوية، لكن فيه سمات العظماء، وتواضع العلماء.

إقرأوا معي ما نعَتْ به نفسها اللغة المظلومة على لسان الشاعر الكبير، لعل ذلك يطلق فينا حبها الأسير:

رجعـتُ لنـفـسي فـاتـهـمــتُ حـصاتي                 وناديـتُ قـومي فاحـتسـبتُ حـياتي
رمَـوْني بعـقـم فـي الشـبـابِ ولـيـتـني                 عـقِـمـتُ فـلـم أجـزعْ لـقولِ عـداتي
ولــدتُ فـلــمـا لــم أجــدْ لـعَــرائـسـي                 رجــالاً وأكـــفــاءً وأدتُ بــنـــاتـي
وسِـعْــتُ كـتــابَ اللهِ لـفـظــاً وغــايـة                ومـا ضِـقْـت عـن آيٍ بـهِ وعِظـاتِ
فكيـف أضيـقُ اليومَ عـن وَصْـفِ آلـةٍ                وتـنـسـيـقِ أسْــمـاءٍ لـمُـخـتـرَعات؟
أنـا الـبحـرُ في أحـشـائـهِ الـدرُّ كـامـن                فهلْ ساءَلوا الغوّاصَ عن صَدَفاتي؟
فـيـا ويحَـكُـم أبْـلَى وتـبـلَى مَحـاسِــني                ومـنـكـمْ وإنْ عـزَّ الــدواءُ أســاتـي
أيُطرِبُكـمْ مِـن جانـبِ الـغـربِ نـاعـبٌ                يـنادي بِـوَأدي فـي ربـيـعِ حـيـاتي؟
سـقـى اللهُ فـي بَطـنِ الجـزيـرةِ أعْظُمًاً                يَــعِــزُّ عــلـيْـهــا أن تَـلـيـنَ قَـنــاتي
حفِـظـنَ ودادي في البـِـلى وحـفِـظـتـُهُ                 لـهُــنّ بــقــلــبٍ دائــمِ الـحـسَــراتِ
وفاخرْتُ أهلَ الغربِ والشرقِ مُطرِقا                حـياءً  بـتِـلـك الأعْـظُـم النخِـــراتِ
أرى كـلَّ يـومٍ فـي الـجــرائـدِ مَـزلـقـًاً                 مــنَ الـقـبْـرِ يُـدنـيـني بـغـيْـرِ أنــاةِ!
وأسـمـعُ لـلـكـتّاب فـي مِـصْـرَ ضجّـةً                فـأعـلــمُ أنّ الـصائـحـيــنَ نُـعـاتـي!
أيَـهْـجُــرُني قـوْمـي عــفـا اللهُ عـنـهــمُ                إلــى لـغــةٍ لــمْ تــتـَّـصِــلْ بــرُواةِ؟
سَـرَتْ لـوثـةُ الإفـرنجِ فيها كما سَـرَى               لـُعـابُ الافـاعـي في مَسـيـلِ فُـراتِ
فجـاءتْ كــثـوْبٍ ضمَّ سـبـعـيـن رقعـةً               مُــشــكّــلــةَ الالــوانِ مُــخــتــلِفـاتِ
الى مـعـشـرِ الكـتّـابِ والجـمـعُ حـافـلٌ                بـسطـتُ رجـائي بعـدَ بسْـطِ شَكاتي
فـإمّـا حـيـاةٌ تـبعـثُ الـميْـتَ في الـبِـلَى                وتُـنـبِـتُ في تلـك الـرُّمـوسِ رُفـاتي
وإمّـــا مَــمَــاتٌ لا قِـــيــامـــة بــعــدَهُ                 مـمـاتٌ لـعَـمْـري لـمْ يُـقَـسْ بمَمـات

وانهمر المطـر ، مـن ممـلـكة البـحـريـن وقـطــر

حدثنا أبو الكاشف، ابنُ لندنَ الخبيرُ العارف، مواطن لندن المخضرم، والصديق الأمين المحترم، أنه في الشهر الذي انصرم، كانت لأخيه عبد المذل أكثرُ الجلساتِ طرافه، وأفضلها حفة ظل وظرافه. والطرافة تكون جادة أحيانا وأحيانا سخافه، لا يسبر معناها خبير سحر ولا عرافه، ولا يملك امرؤ حيالها إلا الاستمتاع بجدها وللسخافة الهجر والعيافة. قال وقد زانت الحديثَ نكاتُه، ضاحكا حتى بدتْ من حلقه لهاتُه، وليست غريبة علينا عاداتُه:

كنا جلوسا كالعادة، ليس بيننا أحد من مدعي القياده، ولا بيننا من يتيه علينا بسلطة أو سياده، ولا من يفخر علينا بكثير تقوى وورع وعباده. كلنا من القوم البسطاء، لا تكبّر ولا عنجهية ولا خيلاء، كلنا أبسط من البساطة، ونكره التخلف وانحطاطه. تدور بيننا مختلف الأحاديث، وليس بينها حديث مغلف أو خبيث. قلوب طيبة طاهرة، ونوايا مكشوفة ظاهرة. إذ كلنا من مدينة واحدة، من لندن المدينة الصامدة، في وجه كل شخصية مقيتة حاقدة، منكرة لفضل العاملين وجاحدة.

وإذ نحن على هذه الحالة، بين ضحكة بريئة أو سرد قصة أو مقالة، إذ أطل علينا من البعيد شخص غريب، غيرُ مألوف لدينا وغيرُ قريب. صعُبَ علينا تمييزه من تلك المسافة، خاصة أننا لأول مرة نرى هذا اللباسَ وتلك القيافة. كان يسير نحونا متمهلا، وتبدي خطواتُه تثاقلا،  ونرى في مشيته خمولا وتكاسلا. صوّبْنا جميعنا نحوه الأبصار، حتى صار بيننا وقال: السلام عليكم يا أهل الدار. وجلس على أقرب مقعد، بل أرخى جسده إلى الوراء ومد رجليه وتمدّد. ونحن ننظر إليه مشدوهين، ولتصرفه الغريب منكرين.

كان يرتدي ما يعرف عند الأعراب بالدشداشة، ولا تبدو على وجهه بشاشة، ولمْ يَلُحْ على وجوهنا للقائه ارتياح أو هشاشة. ويلبس في رجليه خُفّا من قصاصات جلدية، تخرج منه أصابعه واضحة جلية، يبدو ممزقا وغير قابل للترقيع، ولم أر من لندن ساعتها إلا البرد والصقيع. له لحية صغيرة على مقدمة ذقنه، تزيد من هيبته وحسنه. كان يغطي رأسه بما يسميها الفلسطينيون (حَطّة) أو (كوفيّة) ويسميها الخليجيون (غطرة)، وفوقها دائرة سوداء مجدولة يسميها الأعراب (العقال). وعلى عينيه نظارات سوداء تخفي وراءها ألفَ سؤال وسؤال!!

كانت كل العيون مصوّبة نحو هذا الضيف، الذي هبط علينا دون معرفة أو خجل أو وجل أو خوف، وجلس بيننا مسترخيا دون استئذان، وكأنه هو صاحبُ هذا المجلس ومديرُ هذا المكان. ولم يكن بإمكاننا الاعتراض على وجوده، ولا على قيامه أو قعوده. كل ما فعلناه أننا أمسكنا عن الكلام، بانتظار معرفة هذا القادم الهُمام، والكشف عن هويتِه، لمعرفة الغرض من تطفلِه أو زيارتِه.

افتتحتُ الحديث معه مرحّبا، قائلا: أهلا وسهلا ومَرْحبا. فلم يزد على أن أومأ برأسه ردا على التحية والترحيب، واعتدل في جلسته ثم وقف بيننا كالخطيب، وقال بصوت خافت لا يكاد يسمع،  يا قوم، لقد عرفت اليوم ما يفعل اللباس، وكيف يغيّر شكل البشر ويتنكر به الناس. هل صحيح أنكم لم تعرفوني، أو قصدتم أن تتجاهلوني؟ أغيب أياما عن هذه الحاره، وأعود إليكم بدشداشة ولحية ونظاره، فتنسدل على أبصاركم غشاوة وستاره؟ أبهذه الطريقة ينكر الأخ أخاه والجارُ جارَه؟ ومد يده إلى رأسه وخلغ الحطة والعقال، ثم خلع النظارة وقال: أنا عبد المذل الكاتب، الصديق المخلص لكم والصاحب.

ضج جميع الحاضرين ورفعوا من أصواتهم، وكأنهم في انتخابات إحدى جمعياتهم، والكل يريد أن يعرف سبب هذا التخفي، هل هو من باب التفكّه والدعابة، أم وراءه أمر لا ندرك معانيه ولا نعرف أسبابه؟ ولكن عبد المذل يعرف أصحابه، وهم يعرفون حركاتِه وألعابَه، وها هم يتلهفون ليسمعوا قصته ويفهموا خطابَه. وتابع رافعا صوته فوق أصواتهم، فخفضوا من ضحتهم وضوضائهم، ليسمعوا ما قد يثير اهتماماتهم، قائلا: هذا اللباس هدية خليجبة، أو أكثر تحديدا هو هدية قطرية، ونعم هذه الهدية والعطية، من قوم يوزعون هداياهم على كل ذي شهية. تلفّت كل واحد ينظر في وجه جليسه القريب، مندهشا مستغربا من هذا الحديث الغريب. ماذا يعني عبد المذل بهذا الكلام الساخر، أيسخر منا أم له من ورائه مأرب آخر؟ فسأله عبدُ الباطن: ولماذا يقدمون لك الهدايا، ويهبونك العطايا، وما وراءها من مزايا؟ قال: لأننا لهم تبَع، أنصار لهم وشِيَع، يدفعون لنا لنمدحهم، أو على الأقل لنسكتَ عنهم.

هنا أدرك الجميع أن وراء هذا الأمر خبرًا لا بد من سماعِه، ومعرفة جذوره وتفاصيل فروعِه، فلنعرفه قبل انتشاره وشيوعِه. فصاحوا مبتهجين، ولسخريته مدركين: أسرعْ وهات أخبرْنا الخبر، عن هذا المطر الذي انهمر، من إمارتنا العظيمة قطر!! قال: قبل أيام قليلة، اتصلتْ بي سيدة جليلة، وهي تعرف علاقتي بجريدة البلاد، وقالت بلغة من يبغي الهدى والرشاد: لماذا لا تذكرون في جريدتكم، أولئك الذين يموّلونكم؟ ويدفعون لكم ويعولونكم؟ قلت: يا سيدتي ومن تعنين، قالت: أعني دولة قطر، وقد يكون هناك دويلات أُخَر. قلت لها ساخرا: بارك الله فيك على حدّة أذنك وعينك، وعلى صحوة ذهنك، الذي يتغذى على ما بطنك، وحبذا لو كتبت أنت رأيك حتى يمكنك إغماض جفنك. فانهت المكالمة، حتى دونمع السلامة”.

وكنت أظن أن هذا اللغَط، يدور في رأسها وعلى لسانها فقط، حتى سمعتُ مثله في إحدى جلسات المودة والصفاء، حيث سألني أحد الأصدقاء: لماذا لا تشيرون في كتاباتكم إلى الثورة في السعودية وفي مملكة البحرين (الغرّاء)؟ سريعا ودون رويّة أجبته: لأنهم يموّلوننا ويدفعون لنا يا زينة الأحِبّاء. ونحن نتستر على ثورتهم، التي نخفيها بما ترى علينا من آثار نعمتهم. فأدرك ما في كلامي من سخريه، وما فيه من غمزٍ وتوريَه.

ثم أضاف عبد المذلّ: أعتقد يا قوم، أننا أكثر شعب يستعمل العتابَ واللوم، كلنا في أحوال الأمة وعلومها أكْفاء، في الدين نحن فقهاء، وفي السياسة دهاقنة وعلماء، وعلى فكر الآخرين نقاد ورقباء، وقليل من يقبل من غيره الأفكار والآراء. كل من في الأمة محلل سياسة، وكل ما يتقنه أن يزيدنا هما وغما وتعاسة، وانظر في بعض أبناء مجتمعنا الذي يبيح لنفسه تخوين الآخرين، دون أن يفصح عن دليله ويبين، فذلك أفضل ما يحسن، ولا أحد يطالبه بدليل عما يُظهِر أو يُبطِن.

ادعوا جميعا أن يهدينا ربنا إلى الخير، وإلا سنظل إلى الأبد تبعا للغير.

 

 

المقامة التنويرية

حدثنا أبو الكاشف ابن لندن الخبير العارف، أن أخاه وصديقه عبد المذل، صاحب الأحاديث التي لا تمل، وأهل الخير الذي لا يكل، الذي لا يرضى لأحد  الظلم، وينادي دائما بالهوادة والحِلم، لم يتعود إيذاء أحد، الصغير له ولد، والكبير له أب أو جد. يحترم الجميع، ولذا الكل له مشاور ومطيع. قال:

جاءني عبد المذل يوما ومعه ضيف ذو جاه، ويبدو الاحترام والوجاهة على محياه، ولم يسبق لأحد من الشلة أن رآه، له طلعة بهية، وعليه حلة سنية، تقدما وألقى الرجلان على الحاضرين التحية، أفسح لهما في صدر المكان، ليكونا على مرأى من جميع الإخوان والخلان. جلسا، وجلس الجميع والعيون إليهما شاخصة، متشوقة لمعرفة الضيف أكثر من أن تكون نظرات فاحصة. وعندما استقر بالجميع المقام، رفع عبد المذل رأسه واستقام، وجال بعينيه على الحاضرين، وتفحصهم عن شمال وعن يمين، وقال بصوت مسموع هادئ ورصين:

ضيفنا هذا هو أخونا عبد الخافض، عقل راجح وقلب بالحب والإخلاص نابض. له في الحق باع، فليس له معارض، وليس له أو لأفكاره رافض أو ناقض. أحببت أن نجتمع معه، بعيدا عن كل مجامل أو منافق إمّعة، نتدارس معه بعض أمور إدارة بلدته وأساليبهم المتبعة. لذا ليجهز كل منكم سؤاله، وليطرحه على أخينا الضيف في هذه العجالة، فلقد سمعنا أنهم ناجحون في إدارة بلدتهم وشؤونها، فجنبوها الكثير من أشجانها وشجونها.

لديهم مؤسسات ناجحة، وجمعيات مفيدة فالحة، كل هدفها الإخلاص في الخدمة، برجال ونساء عالي المقام والهمة، فوصلوا إلى أعلى قمة، وأزالوا من حياتهم الهم والغمة. فيا ليتنا نفعل ما يفعلون، ونقوم بما يقومون، علنا نحقق ما حققوا وما زالوا يحققون.

كان جميع الجالسين يسمعون، ولا يكادون يصدقون، فالأمر أكبر مما يتخيلون. هم يعرفون هذه البلدة، وما فيها من عدد وعدة، وهم لا يصلون إلى عددنا، ومددهم أقل بكثير من مددنا، ومؤهلاتهم لا تداني مؤهلاتنا، وثرواتهم لا يمكن أن تضاهي ثرواتنا، فكيف حققوا نجاحهم، وتوّجوا بالنصر كفاحهم؟ دارت الأسئلة بالرؤوس، وبان على بعض الوجوه العبوس، عند تذكر ما هم فيه من وضع كالكابوس. هم يحلمون بأن يكونوا في مستوى أفضل الناس، ويحاولون زراعة وتنمية هذا الإحساس، ولكنهم مع كل ما يفعلون، لا يتقدمون ولا آمالهم وأحلامهم يحققون. لذا كانوا في شوق لمعرفة ما فعل إخوان عبد الخافض في بلدتهم، وكيف يتمكنون من تقليدهم ومحاكاتهم.

وبدأ عبد الخبير يسأل الضيف، وفي رأسه مئات الأسئلة عن، مَن ومتى وأين ولماذا وكيف. قال: يا أخي، كم جمعية عربية في بلدتكم؟ وكيف تدير هذه الجمعيات شؤونكم؟ ابتسم عبد الخافض للسؤال، واعتدل في جلسته وقال: ولم تطرح سؤالك بصيغة الجمع؟ نحن ليس عندنا جمعيات، عندنا جمعية واحدة، تمثلنا جميعا في كل شاردة وواردة. نعرف أعضاءها فردا فردا،  ونكنّ لكل منهم حبا خالصا وودّا، وهم بدورهم لا يألون في خدمتنا جهدا. يقدمون خدماتهم لنا (أقول لنا) لمدة عامين، ثم ننتخب غيرهم لعامين آخريْن. وهم شباب ذوي تخصصات مختلفة، ويمتازون بطباع هادئة محبة مؤتلفة. لم نسمع منهم أو بينهم عن أية مشكلات، ولم نعلم أنهم اختلفوا يوما على أمر ماض أو مشروع آت. وسبب ذلك فهمهم ووعيهم لمبدأ الحوار، وقبول راي الآخر إن جاء من كبار أو صغار.

وأضاف: ولعلك يا أخي تريد أن تسأل عن طريقة الانتخاب، فهو مجال واسع قد يسوده الكثير من الشك والارتياب، لكنه في بلدتنا يتم بأبسط الطرق، فلا مجال للشك أو أي قلق. يتولى الأمر من كان لتحمل المسؤولية أهلا، مع وفرة عنده في الوقت ليكون الأمر عليه سهلا. ونحن لم نعرف يوما أن مرشحا أحضر أقاربه لانتخابه، أو جرد يوم الانتخاب أعضاء حزبه. ولم نعرف يوما أن انتخابا تم في منزل وبسرية تامة، رغم أن الانتخاب يجب أن يتم في جلسة عامة.

والجميل في موضوع جمعيتنا، أنها تعرف اتجاهنا ووجهتنا، يزورنا أعضاء إدارتها في بيوتنا للتحاور، فالعمل النافع هو القائم على التحادث والتشاور، فذلك يزرع فينا الثقة، فنعمل بنفوس شفافة صادقة ومشرقة. وفي كل شهر نلمس منهم التقدير، حين يصلنا من الجمعية تقرير، فيه لكل ما قامت به من أعمال توضيح وتفسير.

باندهاش اتسعت أحداق الحاضرين، وتطلعت جميع الوجوه إلى جميع الوجوه عن شمال وعن يمين، ولم يقل أحد منهم أي كلام، رغن أن على شفتي كل منهم ألفاظُ اتهام.

لكن الضيف عبد الخافض تطلع في ساعته إستئذانا بالانصراف، والقوم تبدو على وجوههم أسئلة كثيرة واستعطاف، فوعدهم بالعودة مرة ثانية، للتشاور فيما ينفع ويفيد الجالية، وبكلامه صدقوا، وعلى ذلك الوعد افترقوا.       

 

"كـلـّه عـنـد غـير الـعــرب شــامـبــو"

حدثنا كعادته أبو الكاشف، حديثا خفيف الظل كالطرائف، عن صديقه عبد المذلّ، دون أن يملّ أو يكلّ. وما يعجبنا في حديثه أنه يستمتع هو نفسه بالكلام، كأنه هو السامع لا المحدث الهمام، قال:

جاءنا عبد المُذِلّ الكاتب، كعادته بأحاديث الملاحظ المراقب، الذي لا يترك سانحة إلا اغتنمها، ولا فرصة للنقد والإصلاح إلا التهمها. يريد أن يعيش في مجتمع طيب صالح، وشعب عطوف محب متسامح، بأسلوب بعيد عن الفظاظة، حتى لا يوصف بالقسوة والشدة (والغلاظة)، ورغم ذلك يتضايق البعض من بعض كلامه، فيتحاشى حتى الرد على سلامه. لكنه لا يأبه لمن يرفض حديثه ونقده، طالما أنه يقصد أن يعرف كل امرئ حدّه. صحيح قد يكون موجعا في علاج الضلال والغيّ، فقد قالت العرب إن آخر الدواء الكيّ. حتى وإن آلمَ وأوجع، فالدواء المر أحيانا أجدى وأنجع. يريد أن يبني عند البعض شفافية وذوقا، ليعرف أن بين شيء وشيء آخر فرقا. وأن يدرك الجميع أنه لا وجود لما يروون، من أنه "كله عند العرب صابون". بئس رواية كثير من الأمثال العربية المتداولة، الداعية للخمول والإحباط والتخلف والتنبلة والمجاملة.

قال لي عبد المذلّ:

الجديد في الموضوع أن المثل القائل "كله عند العرب صابون"، يبدو أنه عند غير العرب أكيد الوجود والمضمون، لكن لكي نجعله أكثر "عصرنة" جعلناه: "كله عند غير العرب شامبو".

وأضاف: حاولت أن أجد قصة هذا المثل، فاستشرت معجزة الناس غوغل، لكنه عجز عن إيجاد القصة، واكتفى بأن عرض كلمات المثل ونصّه. لكن من جهتي وبعد أن مررت بالتجربة التي سأرويها، أدركت أن بعض غير العرب أيضا، أكثر حاجة لتلميع أذواقهم، وصقل أحاسيسهم وتوسيع رؤية أحداقهم. فإليكموها، واعرفوا مضمونها وافهموها، بل محصوا ما فيها وميّزوها. فكيلو اللحم من جزء من البقرة بعشرة دولارات أو أكثر، ومن غير هذا الجزء بربع هذا السعر أو أيسر. وكله لحم. والفرق بالجودة والطعم، لا يخفى على ذي اللب والفهم.

ومثل ذلك أن شركة كبيرة اتصلت بجريدة البلاد، تطلب لقاء فحددوا لها الميعاد، قصدوا مكتبها في وسط تورونتو الكبرى، وليتهم ضاعوا فحطوا الرحال في مدينة أخرى، ولم يدخلوا وسط هذه المدينة، التي تفتقر إلى الراحة والهدوء والسكينة. الزحام فيها عنيد، والحر في صيفها شديد، وإيجاد موقف لسيارتك هناك غير أكيد. وبعد طول تجوال، والتفاف في الشوارع وارتحال، تمكنوا من إيجاد موقف للسيارة، والسير إلى المكتب المقصود في أكبر عمارة، ولم ينسوا أن يرسموا في ذاكرتهم الطريق التي سلكوها، ليعرفوا كيف يعودون إلى سيارتهم وأين أوقفوها.

المكتب كبير وأنيق، وكل من فيه يشعرك أنه لك صديق. والسكرتيرات كثيرات، فارغات بلا عمل ومشغولات.  قابلهم رجل أنيق الهندام، ورحّب بهم بسرور وحبور وابتسام. ممتدحا (البلاد) طباعة وتوزيعا، ومقدرا محتوياتها إخراجا وتنويعا، وأبدى رغبة شركته بالاعلان بـ (البلاد)، ليعرّف بخدماته بين العباد. لكنه قال إن مديرته ليست في الدار، وإنها هي صاحبة القرار. وكادوا يغادرون المكان فورا، لولا أن دعاهم للانتظار ليرتب لهم أمرا. وفي ظل تكنولوجيا الاتصالات، تمكنوا من الحديث معها ورؤيتها عبر الساتلايت، فأبدت الرغبة في الإعلان، وطلبت معلومات عن الصحيفة، وأن تعرف حجم الإعلان وتكاليفه. وبعد أن أعطيت هذه المعلومات، وسمعت وشاهدت أسعار الإعلانات، أتبعتها ببعض الشهقات، لأنها وجدت الأسعار كما قالت مرتفعة، مقارنة بما تصرفه عند الصحف الأخرى وتدفعه. ونوّهت بأنها تدفع أقل من نصف ما تطلب البلاد، ظنا منها أنه "كله عند العرب صابون"، و "كله عند غير العرب شامبو". فأفهموها أن من معلنيهم من يفرق بين أنواع الشامبو والصابون، ومنهم من ينظرون، مثلها، إلى كل ذلك بلا قلب ولا لب ولا عيون. وهؤلاء لايميزون بين طباعة وطباعة، ولا بين ما هو أصيل وما هو صناعة. ولا بين تصميم وتصميم، فكله عندهم حبر على ورق، ولا أهمية لما يصرف على ذلك من جهد ومال وعرق. ومثلهم كمثل صاحب المخ الثخين، الذي لا يميز بين صناعة ألمانيا والصين. بل إن منهم من يصر على أن "صابون العرب لِحاهم"، توفيرا للشامبو والصابون والماء والتراب، الذي يحتاجه بعد أن يلطخ يديه بالحبر ويصاب بالاكتئاب، ولا يجد على لسانه سوى اللعن والسباب.

 

المقـامـة التـاريـخـيـة

حدثنا أبو الكاشف ابن لندن الخبير العارف، أن أخاه وصديقه عبد المذل الكاتب، أقرب رفيق له وصاحب، يعكف هذه الأيام على دراسة التاريخ، التي كان يحس في أيام الدراسة أنها أبعد من المريخ. قال: لقد أخبرني أنه يوم كان على مقاعد الدراسة، لم يكن عنده رغبة في علم التاريخ ولا حماسة، رغم أنه اليوم يعلم أهميته، ولذا بدل رغبته، وصار يعشق دراسته. لقد أدرك ما تعني أحداث الماضي، وكيف تنعكس على كل البلاد والأراضي. كما أدرك أن عدم رغبته فيه تلك الأيام، يرجع إلى تقصير معلمه الهُمام.

جاءني منذ أيام، وعلى شفتيه الكثير من الكلام، فأنا أفهمه عند نظري إلى محيّاه، وحتى قبل أن ينبس بكلمة أو يفتح فاه. قلت هات ما عندك وأفصح، أيها الأريب الناقد المصلح. قال: هل تعرف لماذا نحب القصص والحكايات؟ قلت: لأنها تروّح عنا ونمضي بها الأمسيات، فهي بعض اللهو وموضوع للتسليات. قال: بئست إن كان هذا هدفها، وبعدا لها ما أقرفها. فهل تظن أن ما جاء من التأريخ والقصص في القرآن، إنما جاء لتمضية الوقت ومفاكهة الأصحاب والخلان؟ ألم يقل الله تعالى: “لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب؟ فالتاريخ إذن دروس ممن سبقوا، ليستفيد ويتعلم منها من لحقوا. إن تعبير الناس اليوم عن قتل الوقت، إنما هو أكبر الكراهة وأشد المقت. التاريخ يدعونا لنسبر غوره، ونستخلص من قصصه وأحداثه حكمة وعبرة، كما أن أحداث التاريخ ليست للمفاخرة، ولا هي للمباهاة فيها والمتاجرة، ودراستها ليست من أجل كنا وكنا، بل من أجل أن نبني عليها ونقول إنا.

وروي لي أن رجلا كان يجلس مع مجموعة من الأصحاب، وبدأوا يتذاكرون أحاديث عن الحاضر المعاب، فانطلق أحدهم يفخر بما قدم الأولون من ألأجداد، على أمل أن يستفيد منه الأبناء والأحفاد، ويقول: نحن الذين بنينا الحضارة، من دور العلم إلى فنون التجارة. نحن الذين فتحنا البلاد، ليسود العدل بين العباد، نحن ... نحن ... ورد عليه أحد الحاضرين: يا رجل لا تقل نحن وقل هم قدموا، هم فتحوا، هم علموا، ولم يستفد أبناؤهم ولا أحفادهم وما تبعوهم وما التزموا. لقد أصيب المرء بالإحباط والضيق، واقترب من إنكار ذلك الماضي ورفض التصديق، فهل يمكن أن يضيع الأحفاد كل تلك الأمجاد لو صدق التاريخ عن أولئك الأجداد؟ لقد نهض أبناء الحضارات  التي سبقتنا، وبنوا على ما فات من إرثهم، إلا نحن فقصرنا وبدأنا نعدو في إثرهم. ولعل من أسود النكات التي تتداول بين الناس، أن العالم يبني ويصنع ويشيّد، فلنجلس نحن مرتاحين نردد، لتكن عندهم العقول والأفهام، ولكن عندنا المال الذي نشتري به علم أولئك الأقوام. فلماذا نتعب أنفسنا، وهناك من يقوم عنا بالمهمة، من العلماء والمخترعين رفيعي الهمة، منهم الأعمال، وعلينا المال. وما دروا أنهم بذلك يستنفدون أسبابنا، بل ويذلون رقابنا.

كثيرا ما أجلس مفكرا، بل أجدني متحيرا، ما الذي أوصل شعوبنا إلى هذا المستوى فانحدروا، وقد سبق الأجداد بإمكانات أقل فانتصروا؟ الحق أنه ليس عندنا اليوم طموح نطلبه، حتى المال، غيرنا هو من يستخرجه لنا ويجلبه. وجدت أننا أمة لا تحب التغيير، ولا تسعى إلى تغيير الواقع وتبديل المصير، اقرأوا إن شئتم كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» لابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، وما ساق في مقدمته من وصف لأمتنا بلا كذب ولا افتراء ولا خداع، تجدوا أن الأمة لم تتغير في الأخلاق والطباع. يتكلم عمن عاصره من الأنام، كأنه يتكلم عنا نحن الذي نعيش في هذه الأيام . وزوروا البلاد التي تحوي آثار الحضارات السابقة، تجدوا أنها لم تترك أي أثر في حياة الأجيال اللاحقة، في بعض البلاد مزارات وأضرحة لقادة وعظماء الأمة، الذين فتحوا تلك البلاد وأزالوا عنها الغمة، لكنك لا تجد لأخلاقهم في الناس أثرا، ولا يأخذ البشر عنهم التاريخ والعبرا. غير أن مدفن أهل الكهف كان أصدق أثر شاهدته، فهو ما عبر عن واقع الحال فزرته. 

يا علماء الاجتماع فسروا لنا هذه الظواهر، فلعلكم تخرجوننا من هذه المساخر!!!

 

الـحـضــارة والمـدنـيــة

حدثنا أبو الكاشف، ابن لندن الخبير العارف، صاحب الظل الوارف، والمجلس المتآلف، أن مجلسه أمس قد التأم، وكل من حضر فيه قد سر لحضوره وانسجم. فقد جاءه أهل الجوار، وتنادى لحضوره الصغار والكبار، حتى امتلآت بهم ساحة الدار.

لقد صار مجلس أبي الكاشف مقصدا، وتحولت جلسات الأصدقاء إلى منتدى. فيه تدور الأحاديث المفيدة، وتناقش فيه القضايا الرشيدة. لقد فات الزمن الذي كان فيه الجلوس في ذلك البهو، فقط لتمضية الأوقات في اللعب الفارغ واللهو. لم يعد هناك مكان لـ "قتل الوقت" في لعب الورق، والتصايح طوال الليل في طيش ونزق. وكان الفضل في ذلك التغيير، لأبي الكاشف وصديقه عبد المذلّ صاحب الرأي المنير، والنظر البصير، حيث رأيا في جماعتهما الفضل الكثير، وفي تجمعهم الخير الوفير، فقررا أن يكون لهذه الاجتماعات أثر حسن في النفوس، بعيدا عن كل دنيء وجبوس(1). صار القوم يجتمعون للتحاور، للمناقشات الهادئة والتشاور، في أمور تهمّ حياتهم، وتصلح ما اعوجّ من بعض صفاتهم، ففي ذلك بناء لمستقبل أولادهم، وحفظ لفلذات أكبادهم.

صارت أحاديثهم تدور حول موضوعات سياسية، ومناقشات ثقافية، وقضايا اجتماعية، وأمور تربوية. لا هي ترتفع إلى  مستويات أكاديمية، ولا تهبط إلى المستويات الأمية، كانت في المستوى الأوسط، لتكون على الأفهام أيسر وأبسط. لم تكن محاضرات بالمعنى المعروف، بل مناقشات يشارك فيها كل متعلم بالعلم شغوف.  

كان أول درس تعلموه من هذه الجلسات، احترام الرأي الآخر مهما اختلفت الآراء والنظرات، والتحدث كل بدوره، دون الاعتداء على حق غيره، ولعل أجمل ما في هذا الاجتماع النفيس، أنه كان لكل جلسة رئيس، يأتمرون بأمره كانهم جند في خميس (2)، ولا يتكلم المتكلم إلا بإذنه احتراما، وتقديرا لغيره من المتحدثين والتزاما، حتى صار ذلك فيهم طبعا، أصيلا وأحسنوا بذلك صنعا. لقد انتقلوا من عالم التفاهة، إلى عالم علم وأخلاق صدق ونزاهة. ولعمري لقد دخلوا عالم الحضارة، وغادروا عالم التفريط والخسارة.

عرفوا معنى أن يكونوا متحضرين، وفرقوا بين المتحضرين والمتمدنين، تعلموا أن لغتنا هي الوحيدة التي تفرق بين الحضارة والمدنية، وأن الحضارة قيم ومروءة وأخلاق طاهرة نقية، والمدنية منشآت وصناعات مادية. ولا تكتمل المدنية، إلا إذا زانتها القيم والأخلاق الحضارية. فاقتناؤك للسيارة عمل مدنيّ، لكن طريقة قيادتك لها فعل حضاري، فإما أن تكون متحضرا باحترامك للمارّة وقوانين المرور، وإما أن تكون غير متحضر بقيادتك لها بفوضى وغلوّ وغرور. الشوارع ورصفها وإنارتها أمر مدني، لكن نظافتها والمحافظة عليها أمر حضاري. الحدائق وتجميلها بالأشجار والأزهار علامات مدنية، لكن نظافتها والمحافظة عليها سمات حضارية. العلم حضارة وبناء لرفعة الإنسان، ليسمو إلى عالم الأمن ودنيا الأمان، لكن شرور بعض بني الإنسان، جعلوا منه مطية للتدمير والخسران، فأية حضارة في صنع طائرة، تملكها أمة ظالمة مستبدة جائرة، وتتقوى بها على أمم ضعيفة، بغارات عنيفة، وأسلحة مرعبة مخيفة، لتنهب منها ثرواتها، وتسيطر على ناسها ومقدراتها. إن قلنا إننا نعيش في عالم وحشية الغاب، نكون قد ظلمنا الحيوان  الذي لا يأكل لحم أخيه، ولا يقلد عالم البشر والظلم الذي فيه. ما رأينا يوما أسدا ولا ذئبا ولا ضبعا، يقلد الإنسان ظلما وجورا وطبعا.

الحضارة هي حسن الخلق الذي نادت به الأديان، وأنزلت على الأنبياء من الخالق الديان، لتكون للبشر نور هداية، تصلح به البداية والنهاية، وانحصر الدين في أمر واحد، حين قال النبي القائد: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وحرف إنما كما يقول أهل اللغة يفيد الحصر، وكل ما عدا مكارم الأخلاق من العبادات إنما يؤدي إلى هذا الأمر.

كيف يمكن لأحد أن يدعي الحضارة، وهو يأكل مال الناس بجسارة، بل أكاد أقول بحقارة. أية أخلاق هذه التي تسمح لامرئ بالغش والسرقة، ألا يعلم أنه سيلقى ذلك في المحرقة؟

بكريم الأخلاق تحضروا، أنظروا في دنياكم وآخرتكم وتبصروا، فإنكم قريبا مغادرون، ودنياكم هذه مفارقون.               

(1)   الجبوس: اللئيم ومن لا مروءة له

(2)   الخميس: الجيش

 

المقامة الحضارية

حدثنا أبو الكاشف، ابن لندن الخبير العارف، الصديق الصدوق، من يعرف الواجبات والحقوق، فينصح بالحرص على أداء الواجب، وينذر أهل الجحود والعقوق. نعم الإنسان هو بين الرجال، صاحب شرف ومروءة أمام ربات الحِجال، اتخذ كل من يعرف أخا، ولم يعرف يوما تكبرا ولا بذخا. فأحبه كل من عرفه، فحب الناس كان قصده وهدفه. لم يرد يوما طالب حاجة، ولم يعرف عنه ضيق أو فجاجة. ولذا كان أقرب إلى صديقه عبد المذل، لما يتصفان به من إنصاف وعدل. كانا بعيدين عن التظاهر بما  ليس فيهما، فنعم الرجلان بين الإخوان هما. لا يعرفان ضغينة ولا حقدا، وفي كلمة الحق ما عرفنا لهما مثيلا ولا ندّا.

جلساتهما مع الأصحاب علم، يقوم على ثقافة عامة وفهم، وللكل مشاركة في الرأي وسهم، دون جناية على حق لأحد منهم أو هضم، ولذا لم يوجد بينهم عدو أو خصم. لا يتبادلون بينهم إلا المفيد من الكلام، ولا يتعاملون إلا بودّ وحب واحترام، فكان شعارهم المودة والتفاهم والوئام. استفادوا مما يسمعون عن الآخرين، وكيف تفرق القرين عن القرين، والنتيجة فريق كاسف وآخر حزين. نظروا حولهم فوجدوا بين أبناء جلدتهم تفرقا، وزادهم وضعهم هذا تشرذما وتمزقا، فتوقعوا لهم غوصا في التخلف وغرقا، وذلك ما جعلهم يأخذون الحب ديدنا وخلقا.

يقول أبو الكاشف إنه دعا بعد جلستهم الماضية المزيد من الشباب، للتحاور والاستفادة من تجارب وحكمة (الشيّاب)، ولمعرفة ما يريد هؤلاء الصغار الأحباب. توافد إلى المجلس عدد وافر، وبينهم عاقل وقور ومنهم الجموح النافر. وأعدّ لهم جوا مريحا، ليكون حوار اللقاء ظاهرا وصريحا. وحضر بعض آباء هؤلاء الأبناء ليكون الأمر أكثر وضوحا. وكان موقف أبي الكاشف واضحا وجليا، فهو يريده لقاء أخويا وعائليا، وتبادلا لفكر يراه مستقيما وسويّا، صالحا ليبني عقلا ناضجا وروحا نقيا.

جلس الجميع يتسامرون، يتبادلون الحديث ويتضاحكون، الكل يعرف الكل، أصدقاء بلا حقد ولا غل، وكلهم بانتظار عمهم عبد المذل، الذي حضر في موعده المضبوط وأطلّ.

رحب به المجتمعون من الشباب والكهول، لكنه جلس بين الشباب ضاحكا متهللا، يقول: نحن الشباب لنا الغدُ، شبابنا مؤبّدُ، وأنتم شيوخنا، إليكمُ نردّد، خصالكمْ نعدّد، ونحوكم نسدّد، صدْق الكلام نجوّدُ، وقلوبنا تدعو لكم وتغرّدُ، تشدو بحبكمُ فهو الوحيد المؤكد.

ضحك الجميع ووصفه بعضهم بالمتصابي، وبعضهم نعته  بالمتقرب للشباب والمحابي، وساد الجمعَ جو من السعادة والمرح، وما أحلى جلسات الحبور والفرح. وقال عبد المذل: هذه هي السعادة طالما أنها بريئة، بعيدة عن الأفعال والأحاديث المشينة الرديئة. ولعمري إن نشر السرور بعد مشاق العمل، لهو محو للكسل، وطرد للملل، وتجديد للأمل، بغد أفضل، ومستقبل أجمل. ونشر السعادة بين الناس، هو شعور نبيل وإحساس. وتربية هذه المشاعر هي جزء من بناء الحضارة الإنسانية، وإهمالها إهدار للأحاسيس البشرية، وتحويل البشر إلى آلات جامدة صخرية، تدور وتدور وتدور بلا هدف معروف ولا هويّة. السعادة تنشر بين الناس الحب، فيكون كل من البشر أبا لابن وابنا لأب. وهل هناك ما هو أعظم من هذه العاطفة، التي يتقاسمها الناس إنصافا ومناصفة؟ وهل أزال الحضارات إلا التجافي والتباعد، بديلا عن التكاتف والتعاضد؟ ولو بدأ كل منا بنفسه ونبذ البغض والمبغضين، لعدنا إلى الحق ولساد بيننا ما نرجوه من صدق اليقين.

أيها الأشقاء والأبناء، لو جبتم الأرض وطفتم كافة الأنحاء، وملأت الدنيا منكم القلوب والأحداق، ووصلتم الآفاق بالآفاق، لعرفتم أن بناء الحضارات بالأخلاق، فقط بمكارم الأخلاق.

 

حضارة القيم

حدثنا أبو الكاشف، ابن لندن الخبير العارف، صاحب الأخبار والعلوم والمعارف، صديق الموافق والمخالف، السباح في بحر الحقيقة بلا مجاديف ولا حتى زعانف، جليس لا يُمل معه الحديث، أمين لا ياخذ من لئيم ولا من خبيث، ليس عنده غيبة ولا نميمة، ويكره كل صفة قبيحة ذميمة، بعيد عن الرياء، ولا يعرف  الطعن في الخفاء، ولا يجامل على حساب الحقيقة، ويحترم جليسه وأنيسه وصديقه، محبوب من أصدقائه، محترم من جلسائه، كريم في عطائه. لم يُعرف عنه تخليه عن واجب، وليس بينه وبين أحبائه حاجب. وكان عبد المذل الكاتب أعز الأصدقاء عنده، ولا يطيق فراقه وبعده. إذا غاب افتقده، وإذا حضر أدنى منه مقعده. قريب منه بلا نسب، رفيق به دون أرب، وعلاقة يكسوها حب واحترام وأدب. لم يُعرف أنهما اختلفا يوما على قضية، وما أكثر القضايا المحكية. هما متحدان في الطباع، فلا خصومة ولا نزاع، هدفهما فعل الخيرات، بلا أهداف خاصة ولا غايات، من توزيع أغلى الهبات، إلى عطايا النكات والحكايات حتى تصل إلى الوصايا البناءة والعظات، والحض على الأخلاق الكريمة وتصفية النيات.

جلسا أمس مع الأحبة من الجيران، ومعهم جمع من الصبيان والفتيان، فكانت فرصة للتعليم، ووقتا مناسبا للإصلاح والتقويم، بعيدا عن مهاوي الإضلال والتأثيم. فلقد ابتعد العديد، من أبناء الجيل الجديد، عن سماع كلام الحق والرأي السديد، لكثرة تعرضه لمهاوي الزلل، حتى صار لا يعرف أين الخلل، وتفشت في عقله الآفات السلوكية والعلل. لقد أخطأ في فهمه للحرية، فأودى به هذا الفهم إلى مصيبة وبلية، ولفه من كل ناحية غباء وجاهلية، فكان مصيره الضياع، حيث لا يسمع النصح ولا الهدى ولا يعرف الطاعة ولا الانصياع. يظن أنه قد ملك الحزن والسهل، فلا حاجة به إلى أسرة ولا إلى أهل، ولا معنى عنده للعائلة، فهي بالنسبة له أساس المشكلة، هي تحديد لحريته، وتحجيم لشخصيته، يعتبر النصح له تدخلا في خصوصياته، وفي ذلك امتهان لقدراته، وعدم تقدير لما علا من صفاته، وانتقاص من ذكائه وسمو ورفعة مؤهلاته. الحرية عنده أن يغدو ويروح، دون أن يعلن عن مقصده ويبوح، دون حسيب يحاسبه، أو رقيب يراقبه، حتى وإن كان والدا محبا شفيقا، أو أخا عاقلا ورفيقا. وفي الغدو  والرواح، يعلم الله أين تقذف به الرياح، ويعلم الله أي خليل يخالل، وأي هوى في نفسه يغازل، وأي شيطان ينازل. والغريب أن الضعيف أسير هوى نفسه، ولا يكترث لغدٍ ولا يستفيد من تجارب أمسه.

كل هذه الأفكار دارت في مخيلة عبد المذل، وكان عليه أن يقدم لها الحل، وخاصة مع التئام هذا الشمل. هؤلاء الفتية بحاجة إلى النصح والإرشاد، ولا بد لكل ذلك من اجتهاد، وسعي إلى التهيئة والاستعداد، ورسم مستقبلي للنتيجة المرجوّة، والسعى إليها سعي أمل وثقة وقوة. فالشباب هم المستقبل:

هم العقل والعلم والحاسوب، هم المنشار والإزميل، هم المحراث والمنجل، هم الإحسان والإحساس والتقوى وحب الخير والإقدام والجحفل، بهم نعلو، بهم نسمو، بهم نرسي دعائم عالم أفضل. على جنباته مرآة جيل يرى فيها تباشير نصر قادم، وثراث مجد دائم أجمل.

ثم رفع رأسه وخاطب الجمع بهدوئه المعتاد، قائلا أيها الرجال والأولاد. أيها الأبناء والأحفاد، أنتم منا بمنزلة القلوب والأكباد. أنتم اليوم عندنا أغلى ما نجد، وليس عندنا في مكانتكم أحد. أنتم العدة والعتاد، فيكم الخير والرشاد، والاستقامة والسداد، وعلي الله وعليكم العون والاعتماد. لكن ذلك بحاجة إلى إعداد وتربية، وإخلاص في العمل وتزكية، وإقبال منكم وتوعية، حتى نكون في الميدان سباقين، وللمعالي هادفين، وللحق مؤيدين وناصرين. وقد نويت أن يكون لنا درس في كل مجلس، نتدارس فيه ما ينفع ويفيد ويؤنس.نتدارس فيه كيف نكون أصحاب حضارة، وكيف نعوّض ما فاتنا من خسارة. ونفهم دعائم ذلك التحضر، بفهم ودراية وتبصّر، مفرقين بين حضارة تبني الإنسان على رفعة القيم، وبين حضارة مدّعاة تدفع الإنسان نحو العدم. ونريكم أين يقف العاقل من