الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

أمير المفرجي كاتب عراقي من تيار المواطنة العراقي ينشر مقالاته في جريدة (القدس العربي)

مقالات سابقة

سلسلة جبال حمرين مقبرة

تنظيم «الدولة» أم حصن بقائه؟

أمير المفرجي

 

يبدو أن تنظيم «داعش» عزز وجوده جنوب مدينة كركوك، بعد تزايد أعداد المقاتلين الهاربين من الموصل وتلعفر، ناهيك عن دخول أعداد من المقاتلين الوافدين من الحدود السورية ضمن ما سمي باتفاقية «عرسال» واحتمال انتقالهم إلى منطقة سلسلة جبال حمرين الوعرة التي تمتد على طول الحدود الجنوبية لإقليم كردستان العراق، وكان اختيار تنظيم «الدولة» التمركز داخل هذه المنطقة، يعود إلى أهمية أراضيها الوعرة ومساحتها الواسعة التي تربط المناطق الغربية في الحدود السورية ـ العراقية بمحافظة ديالى وكركوك، بما فيها مدن جلولاء والحويجة وطوزخرماتو، وصولا إلى حدود العراق مع إيران، وإمكانية تحرك المقاتلين بيسر فيها.
من هنا أصبح سهلا، اعتماد أسلوب الكر والفر في القتال، وهو الأسلوب نفسه الذي أعتمده تنظيم «القاعدة» من قبل. حيث يعتقد، أن العديد من قادة التنظيم في الموصل تراجعوا إلى هذه المناطق الوعرة، استعدادا لإعادة بناء قواعده، ومن ثم العودة إلى التكتيكات القديمة، أي القتال على غرار حرب العصابات التي اعتمدتها قوات البيشمركه الكردية في حروبها مع الجيش العراقي سابقا، والتي كانت غالبا تعمل في الليل وتختفي بعد ذلك، وتعود إلى الجبال في الصباح.
وتكمن أهمية منطقة حمرين الجبلية إلى احتوائها العديد من الأنفاق السرية، التي يستخدمها عناصر تنظيم «داعش» للتنقل والاختباء. بالإضافة إلى الممرات الترابية المحصنة التي يستغلها المسلحون في تنقلهم بين كركوك والموصـــل وديـــالى وصلاح الدين والأنبار، ما يجعل منها حصنا مهما للتنظيم في الأراضي العراقية.
فثمة تاريخ طويل من نشاط التنظيمات التي ظهرت بعد احتلال العراق 2003 بعد الإطاحة بالنظام السابق في هذه المنطقة الجغرافية الوعرة، حيث وجدت معظم هذه الجماعات كتنظيم القاعدة وأنصار السنة في حمرين، المكان الاستراتيجي الآمن، مستفيدة من التضاريس الوعرة وسهولة انفتاح وتواصل هذه المنطقة مع سوريا التي تسهل نقل المقاتلين والأسلحة، فضلا عن صعوبة إمكانية ملاحقة القوات العسكرية من الوصول إليها وتتبعها. 
وبات من الطبيعي، لجوء تنظيم «داعش» إلى حرب العصابات التي تعتمد أسلوب الكر والفر، بعد الهزائم المتلاحقة في الموصل وتلعفر، وذلك عبر نقل مقاتليه باتجاه سلسلة جبال حمرين، خصوصا وأنه لا يزال يحكم قبضته على جيب كبير جنوب غرب محافظة كركوك، الواقع ضمن شمال هذه السلسلة الجبلية، إذا أخذنا بعين الاعتبار أهمية التضاريس التي توفر الدرع الطبيعي الذي يحمي مقاتلي التنظيم من الغارات الجوية، ولكونها منطقة آمنة لم تصلها بعد القوات النظامية العراقية والكردية لغياب تنسيق عسكري مُنظم، نتيجة للتباين السياسي والعسكري في استراتيجيات الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان، واستمرار الصراع القومي بين الكرد والتركمان والعرب على مستقبل المناطق المتنازع عليها.
وتجدر الإشارة، إلى ان الجانب الجنوبي والشرقي من حدود جبال حمرين الجغرافية يقع تحت سيطرة الجيش العراقي النظامي وتنظيمات الحشد الشعبي، في الوقت الذي يخضع الجانب الشمالي لسيطرة إقليم كردستان وقوات البيشمركه.
ولابد من الرجوع إلى أسباب نجاح تنظيم «داعش» في البقاء جنوب محافظة كركوك، واستمرار سيطرته على مدينة الحويجة على مدى السنوات الثلاث الماضية. حيث لم يتم إلى حد الآن البدء في أي عمليات عسكرية لطرد مقاتليه من المدينة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى غياب قرار الدولة المركزية في حسم الأمور نتيجة للاختلاف القومي والسياسي والاقتصادي في تفسير الدستور العراقي في (المادة 140) بين حكومتي نوري المالكي وحيدر العبادي وبين حكومة مسعود البارزاني في إقليم كردستان، فيما يتعلق بالثروات النفطية التي تقع ضمن الأراضي المتنازع عليها وبين زعماء العشائر السنية وزعماء الكرد من جهة أخرى.
ويذكر ان مدينة كركوك وقصباتها العربية تقع ضمن ما يعرف باسم الأراضي المتنازع عليها، حيث يعتقد الزعماء الكرد ان هذه المناطق العابرة للطوائف والقوميات هي جزء من منطقة الحكم الذاتي الكردي، في الوقت الذي يرى أغلبية سكانها الأصليين من العرب والتركمان انها جزء تاريخي لعراق يمتد من زاخو إلى الفاو في خريطة الجغرافيا الإنسانية والحضارية المعترف بها دولياً.
فثمة مخاوف كردية من بقاء العرب في مناطقهم بعد طرد «داعش» ومن ان يساهم هذا في كشف وإفشال المزاعم الكردية في فرض شرعيتها على مدينة كركوك الغنية بالنفط. حيث تصر الحكومة المركزية والأحزاب القريبة من إيران على المشاركة في هذه المعركة بحجة حماية العرب والتركمان الذين يعيشون في قرى حول الحويجة. إلا ان حكومة إقليم كردستان تخشى مشاركة الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي المساندة له وبالتالي اخراج مدينة كركوك نهائيا من دائرة الصراع الكردي ـ العربي في الوقت الذي تزداد حالة الاحتقان نتيجة المغامرة الكردية الأخيرة المتمثلة في إجراء استفتاء على استقلال منطقتهم المحتملة عن بقية العراق بما يشمل مدن إقليم كردستان وبضمنها مدينة كركوك رغم معارضة الحكومة المركزية في بغداد الفكرة الانفصالية.
ورغم تواصل جهود القوات العراقية النظامية ومجاميع الحشد الشعبي وبمساندة عسكرية أمريكية عملياتهما العسكرية لاستعادة بلدة العياضية شمال مدينة تلعفر، آخر جيوب تنظيم «داعش» في محافظة نينوى، لا يزال التنظيم يسيطر على مدينتين اســـتـــراتيجـــيتين هما القائم غرب الأنبـار والحويجة جنوب كركوك.
وضمن استراتيجية تنظيم «الدولة» لقواته المتبقية في العراق، ان لا تقتصر على هاتين البلدتين رغم ان طرد التنظيم من مدينة القائم سيقطع شوطا طويلا في قائمة المعارك المقبلة مقارنة بما يحدث في الوقت الحاضر في مدينة تلعفر، وذلك لأن القائم تقع على حدود دولية بين العراق وسوريا وهي إلى حد بعيد، الأكثر انفتاحا لدخول مجاميع التنظيم الوافدة من سوريا، وما سيحدث في المستقبل في مدينة الحويجة التي نجح التنظيم في الاحتفاظ بها نتيجة للخلاف السياسي بين الحكومة المركزية مع حكومة مسعود بارزاني ناهيك عن الصراع القومي العربي ـ الكردي المحتدم على مستقبل مدينة كركرك العراقية العابرة للطوائف والقوميات. 
من هذا المنطق أصبح من الصعوبة أن تتم هزيمة مسلحي «داعش» في حمرين ما لم يتم تحرير قضاء الحويجة في جنوب كركوك حيث تمتد سلسلة الجبال على طول الحدود الجنوبية لإقليم كردستان العراقي. وهذا لن يتم إلا بوجود تناسق كردي ـ عربي ـ تركماني لمستقبل مدينة كركوك وقضاء الحويجة في ظل الدستور العراقي والحكومة المركزية. 
ومن هذا المنطق أيضا أصبح من الصعوبة هزيمة مسلحي «داعش» في حمرين، ما لم يتم تحرير مدينة القائم على الحدود السورية ومنع دخول المقاتلين الأجانب إلى الأراضي العراقية ومن ثم الانتقال إلى جبال حمرين والاحتماء بممراتها وتضاريسها، كما تم العمل به في اتفاقية «عرسال» السيئة الصيت والمجحفة بحق جهود العراقيين ودماء شهدائهم من المدنيين والعسكريين.

(القدس العربي)

 

الغرب وصراع

الخلافتين في العراق

أمير المفرجي

 

من تابع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الأخيرة التي اعتبر من خلالها إن «وجود إيران في العراق مفيد للمحاولات الأمريكية صد تهديد تنظيم داعش، وهو مصلحة مشتركة «، على الرغم من جرائم المليشيات التابعة لها.
يفهم من ذلك مدى الأهمية التي تتمتع بها إيران ودورها القومي المرتبط في الأجندات الغربية التي تم وضعها لمستقبل الشرق الأوسط. ومن تابع أحداث المشهد العراقي والسوري في حلته الأخيرة لا يجد صعوبة في رؤية تفاهم أمريكي ـ روسي على «تقاسم» المنطقة، من خلال مشاركة القوى الغربية العظمى والإقليمية ووجودها في خندق واحد لمحاربة تنظيم ما يعرف بـ»دولة الخلافة الإسلامية» وأيديولوجيته السياسية الهادفة إلى إرجاع المنطقة إلى فترة الصدام الديني بين العرب والمسلمين أنفسهم.
كما يبدو واضحا، أن أمريكا باتت في الوقت الحاضر على كامل الاستعداد للتعاون مع إيران، والانخراط في تحالف معها ولو بصورة غير رسمية وعلنية، لأسباب موضوعية تتمثل في رفض التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، وخوفها من التورط في معارك شرسة على الأرض في حالة إرسال المزيد من القوات العسكرية. ويبدو إن هذا الخوف يأتي من احتمال تكرار الفشل العسكري الأمريكي في العراق والخسائر البشرية الهائلة التي لحقت بقواته، ما دفع بالتالي جون كيري لإعلان أهمية مشاركة إيران في التحالف الدولي الإقليمي لمحاربة الإرهاب، بمعنى آخر توكيل إيران في إدارة الصراع الدائر في العراق بين العراقيين أنفسهم.
السؤال الذي يطرح نفسه هو عن تداعيات هذا التحالف الغريب، الذي تشارك به إيران تحت غطاء القضاء على تنظيم «الدولة»، وأثره على مستقبل العراق وشكل وطبيعة النظام المقبل بعد القضاء على التنظيم.
ما يمكن استنتاجه من خلال قراءة سريعة فيما يحدث في العراق منذ 2003 هو أن تدخل الأحزاب الدينية التي جاءت بها إيران من خلال الأبعاد الأيديولوجية والفقهية للنظام الإيراني، ساهم في تشتيت المجتمعات العربية وتقسيم العالم العربي والإسلامي، حيث بلورت العملية السياسية في العراق بشكلها المذهبي الحالي، المثال الواضح لعمق الأزمة التي تشهدها المنطقة، وكمصدر للصراعات المذهبية والدينية بين العرب والمسلمين أنفسهم. «فولاية الفقيه» الإيرانية، كما حال دولة الخلافة الإسلامية، ليستا سوى أداتي هدم للأسس الوطنية والقومية، لتجريد العراقيين من هويتهم.
من هذا المنطق، وعلى الرغم من دعم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا للنظام الحاكم في العراق، سياسيا وعسكريا، تتحمل الأحزاب الحاكمة في العراق نتائج الأزمة السياسية بمختلف أصعدتها الاجتماعية والأمنية وانعكاساتها السلبية نتيجة لتبعيتها وتورطها بالتالي في ساحات الصراع الإقليمي المفتوحة. وبالتالي فإن مواقف النظام في بغداد المستندة أساسا إلى الحفاظ على مصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية في سوريا واليمن والبحرين، هي في النهاية المسبب الأول لحالة الفشل السياسي والاجتماعي الحالي، وهي بالتأكيد حلقة من حلقات مسلسل التلاشي التدريجي لسيادة العراق وتقسيمه، ومن ثم اندثاره من خريطة الجغرافية الشرق أوسطية. ورغم وضوح تصريحات وزير الخارجية الأمريكي وسهوله فهم الرؤية الغربية من الأزمة العراقية لإيجاد الحل المناسب، إلا أن الأزمة السياسية والاجتماعية في بلاد الرافدين تتعدى حدود وجود «داعش» بمفرده. فالعراق المغلوب على أمره منذ 2003 أصبح ساحة لصراع بين خلافة أبو بكر البغدادي وخلافة الولي الفقيه، وعلى حساب دوره التاريخي والحضاري المتسامح المؤثر، نتيجة للتحول الخطير في طبيعة النظام السياسي العراقي والرجوع إلى القبلية والمذهبية، في هيئة وشكل النظام الحاكم، التي لا تتلاءم مع أسس الدولة الوطنية المتطورة، ولكنها تخدم رؤية الغرب وتتلاءم مع قدراته المتصاعدة ثقافيا وعلميا وعسكريا، لإملاء ما يراه مناسبا ومتجانسا مع مصالحه السياسية والاقتصادية، في رسم حدود عالمنا العربي والإسلامي الجغرافية والسياسية للمستقبل، وفق محصلة المعطيات والتداعيات التي يفرزها الصراع الطائفي والقومي الحالي من جهة أخرى.
ما يحدث في العراق منذ 2003 نتيجة طبيعية للفراغ الذي خلفته عملية هدم الدولة العراقية، وسيتأكد العراقيون عاجلاً أم آجلاً، إن ولاية الخامنئي وولاية البغدادي هما مؤسسات تخريب لمواطنة الشيعة والسنة العراقية في بلاد الرافدين وأدوات تفريق بامتياز لشعوب العالم العربي والإسلامي.
لا مستقبل «لداعش» ولا أمل لأحزاب إيران المذهبية في البقاء في حكم العراق، فهما رغم الدعم السياسي الخارجي، ليسا سوى ظاهرة عابرة وان طال وجودها وسلبياتها بعض الوقت، نتيجة لتزامن الوضع العراقي الحالي وتوافقه مع بيئة التناقضات الإقليمية والدولية، وارتباطها الحيوي مع مصالح الدول الكبرى وتناقضات البيئة الحاضنة العراقية.

٭ كاتب عراقي

 

 

 

العراق… قراءة في أسباب

انتقال الإرهاب للغرب

 

أمير المفرجي

 

■ أظهرت أحداث الإرهاب الأخيرة التي شهدها الغرب، مدى خطورة تطور الصراع المذهبي المستمر منذ 2003، وانتقاله بالتالي من خارج دائرة جغرافية منطقة الشرق الأوسط، إلى المجتمعات الغربية، التي يوجد فيها العديد من الجاليات العربية والإسلامية.
مراكز الغرب المختصة تدرك جيدا أن مصدر القلق الجديد الناتج عن اتساع دائرة الصراع المذهبي ـ الإقليمي في الشرق الأوسط، ومن ثم انتقاله إلى المناطق البعيدة عن مراكز الصراع التقليدية في العراق وسوريا، تحصيل حاصل ونتيجة طبيعية للتغيرات الخطيرة التي جاءت بها الحلقات الثلاث من مخطط غزو العراق في 2003 القائم على احتلاله عسكريا، ومن ثم تقسيمه اجتماعيا عن طريق تفضيل بعض المكونات وإذلال الأخرى. كما تعرف هذه المراكز الاستخباراتية الغربية حق المعرفة، أن قلب موازين العراق الاجتماعية والمؤسساتية وتقسيم العراقيين إثنيا، وغض الطرف عن نوايا إيران في توسعها في العراق، وتكثيف وجودها في سوريا سيدفع خصوم طهران، ابتداء من السعودية ودول الخليج، إلى مواجهة المد القومي الفارسي الذي بات يهدد نفوذهم السياسي والاقتصادي، المتمثل في صراع تجارة النفط والغاز، الذي بدأ يأخذ شكلا أكثر وضوحا، وأكثر تطورا بعد إعادة تأهيل دخول إيران إلى السوق العالمية، وإعلانها في 2010 لمشروع مد خطوط انابيب للنفط والغاز من إيران عبر العراق وسوريا، في خطوة تصعيدية للتنافس مع المصادر النفطية السعودية ـ القطرية والدخول كقوة جديدة، لإعادة ترتيب الاوراق في منطقة الشرق الأوسط بمساعدة روسيا. ولنا في زيارة الرئيس الروسي بوتين قبل أيام لطهران ومشاركته في قمة الدول المصدرة للغاز ولقائه مع الولي الفقيه شخصيا، الدليل على ذلك.
وهذا ما قد يسهل قراءة موقف إيران الحالي، وأسباب عزمها على البقاء في العراق وسوريا وجعلهما حجر الزاوية لمشروعها النفطي الاستراتيجي، للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، الذي بالإضافة إلى تصدير النفط والغاز، سيسمح للجمهورية الإسلامية بالسيطرة على بلاد الرافدين والشام، وبالتالي التأثير على قدرة خصومها العرب في صراعها المذهبي التقليدي، الهادف إلى إعادة نفوذها الامبراطوري للسيطرة على الخليج العربي.
وهذا ما يفسر أيضا حقيقة موقف قطر والسعودية وتركيا المزدوج من الحركات الجهادية مقارنة بموقف إيران في العراق وسوريا.
من هذا المنطق لم تأت مراحل ولادة واتساع حدود تنظيم «داعش» نتيجة لعصا ساحر، وانما هي محصلة طبيعية لصراع الدين السياسي المذهبي بشقيه العربي والفارسي، واعتماده على حروب الوكالة للمكونات البشرية الضعيفة الخاضعة لهما في منطقة الشرق الأوسط، بعد ان ألغى الاحتلال الأمريكي من العراق قدرة الدولة الأم في حماية مؤسساتها الوطنية الوقائية المدافعة عن سيادتها وأفرادها من أطماع الدول المارقة وجواسيسها وأحزابها المحليين في الداخل، في حروبها واستراتيجياتها الاقتصــــادية الاقليمية في المنطقة. وهذا ما قد يُفسر أسباب الخراب والدمار الذي حل في بلداننا وانتقاله إلى الغرب نتيجة للانقلاب الخطير في أسس المجتمع المدني المسالم تحت غطاء الدين والمذهب وتحويله إلى مركز لصراع مذهبي إقليمي ـ دولي لتصدير الإرهاب لا يمت بصلة مع الأهداف الوطنية الخاصة للعراقيين والسوريين.
وهنا لا بد من الرجوع إلى أهمية دور الغرب وروسيا وعلاقاتهما الاقتصادية مع دول المنطقة، خصوصا مع دول الخليج العربي وإيران، اذا ما أخذنا بعين الاعتبار علاقة أمريكا واوروبا المتينة والقديمة في المجال العسكري والاستثمار الاقتصادي مع قطر والمملكة العربية السعودية من جانب، وعلاقة الغرب وروسيا مع طهران بعد توقيعها للملف النووي، وانتهاء فترة العقوبات التي يتوقع كل ذي بصيرة أن تكون مشابهة من حيث الأهمية الاقتصادية لعلاقة الغرب ودول الخليج، نظرا للقابلية البشرية الهائلة التي تتمتع بها إيران كسوق استهلاكي للصادرات الغربية، وتوافق حجم ثرواتها الهائلة من النفط والغاز التي يحتاجها الغرب.
والسؤال هل وجب على الغرب وروسيا اللذين وقعا ضحية الارهاب، الاستمرار في دعم وتشجيج هذه الدول التي تتصارع في العراق وسوريا، وتمول مليشيات «الحشد الشعبي» و»تنظيم داعش» بدون أن يدركا ان الحل الوحيد هو في تغيير قراءتهما وموقفهما للمشهد العراقي، والبدء في تصحيحه عن طريق إعادة الاستقرار والهدوء في هذا البلد بالضغط على إيران واجبارها على عدم التدخل في العراق وسوريا وترك العراقيين والسوريين أحرارا في بلديهما.
الغرب مطالب بإدراك أن المنطق يحتم عليه عدم التعامل مع الأنظمة المذهبية والمليشيات التي لا تتوافق ثقافتها مع ثقافة التسامح التي تنادي بها مجتمعاتها المسالمة، ويـُمثل العراق الـُمحتل من قبل إيران النموذج الواضح لهذا التغير الخطير في شكل واسس الدولة المدنية الحديثة، وتحولها إلى دولة مذهبية ومصدر لصراع إقليمي.
فرنسا بإرسالها حاملة الطائرات «شارل ديغول» وبمشاركة روسيا قد تنجح في القضاء على تنظيم «داعش وجبهة النصرة»، لكنها ستفشل في هزم الارهاب وامتداداته، اذ لم تجد الحلول الموضوعية المناسبة للأسباب التي جاءت بهذا التنظيم الذي ولد من مأساة العراقيين والسوريين بعد غزو بلادهم وتدخل جيرانهم.

٭ كاتب عراقي

أمير المفرجي

(القدس العربي)

 

احتلال العراق…

استمرارية في الكذب والتزوير

 

أمير المفرجي

 

مسرحية اعتذار رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير لغزو العراق في عــام 2003، وطلبه العفو بعد اعتـــــرافه بأن غزو بلاد الرافدين الذي بني على اكذوبة وجود أسلحة الدمار الشامل على الأراضي العراقية «مهد إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية» هي كذبة جديدة، تضاف إلى مسلسل الأكاذيب التي وظفتها إدارته مع إدارة جورج بوش، لتنفيذ مخطط احتلال العراق وتفتيته.
وما يعزز من تسميتها «مسرحية»، هو تزامن اعتذار توني بلير، وطلبه العفو مع حادثة تسريب مذكرة سرية من الولايات المتحدة، تم نشرها من قبل صحيفة «ديلي ميل» البريطانية في عددها الذي صدر قبل أيام، التي أثبتت من خلالها عن وجود اتفاق بين توني بلير وجورج بوش، للقيام بعملية عسكرية لغزو العراق، حيث كشفت مراسلات وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول، المعنونة إلى جورج بوش، عن قبول توني بلير المشاركة في غزو محتمل قبل عام من بدء العمليات العسكرية، وما جاء لاحقا في «قمة كراوفورد»، حيث أطلقت إدارتا بوش وبلير حملة دعائية ضخمة لحشد التأييد للحرب متهمتين العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل.
وهنا لابد من التذكير بأن لجنة التحقيق البريطانية «تشيلكوت» التي شكلت في عام 2009 لم تنجح في الحصول على الوثائق الأمريكية الحكومية، حيث يعود الفضل في كشف هذه المعطيات الجديدة الى وجود رسائل بريد إلكتروني، تثبت قيام اتصالات واجتماعات بين رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الأمريكي، لمناقشة غزو العراق قبل عام كامل من بدء الاحتلال. وقد وردت هذه المعلومات المفاجئة ضمن رسائل البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون عندما كانت وزيرة للخارجية، بعد ان أمرت المحاكم الأمريكية بالسماح في نشر وثائق البريد الإلكتروني الخاص بها في قضية سياسية داخلية ما زالت تثير الجدل في الوسط السياسي في واشنطن.
وبتأكيد رسائل بريد هيلاري كلينتون واثباتها بقبول رئيس الوزراء البريطاني السابق بلير المشاركة في عملية الغزو، يأخذ محور تساؤلاتنا المشروعة طابع الشك والريبة، نظرا لهذا التناقض ما بين الأهداف الحقيقية التي رسمتها إدارتا توني بلير وجورج بوش، لاحتلال العراق، وتوافق المعطيات الموجودة حالياً على الأرض التي يمكن قراءتها قانونيا من خلال مفهوم «فعل مع سبق الإصرار». وبين تصريحات الغرب المناقضة لهذا الطرح الواقعي، الذي تنفيه حقيقة معطيات المشهد العراقي الملتهب والأوضاع الخطيرة التي تهدد وحدته، والذي يحاول توني بلير إظهاره على انه ليس سوى خطأ في الرؤى والحسابات، على الرغم من ضخامة حجم التدمير البشري والاقتصادي، ناهيك عما خلفته عملية احتلال العراق وتدمير الدولة، ومن ثم تسليمه إلى إيران وظهور تنظيم «داعش» نتيجة لذلك.
وعلى الرغم من هذا الجدل والتناقض في ما يتعلق في أسباب عملية غزو العراق، وما استند إليه من معلومات كاذبة ومزيفة وحقائق عارية عن الصحة، تتوافق آراء وتصريحات العراقيين مع حقيقة الوضع الحالي في البلد، حيث يرفض الكثيرون منهم هذه القراءة البسيطة التي تلقي اللوم على أخطاء التحاليل والاستراتيجيات للوضع العراقي، في حسابات الدول العظمى، إذ أخدنا بعين الاعتبار طبيعة الوضع المتخلف البدائي الحالي الذي يمر به العراق المسلوب ارضا ووطنا وهوية، من قبل ميليشيات إيران وتنظيم «داعش» المتطرف، الذي يعيدنا إلى الوراء ويذكرنا بما وعد فعله بالعراق، وزير الخارجية السابق جيمس بيكر، عشية انطلاق الصواريخ الأطلسية في السادس عشر من يناير عام 1991.
وهكذا على ما يبدو تلتقي نوايا إدارتي جورج بوش وتوني بلير في الفترة التي سبقت عملية الغزو، مع ما حدث في بدء فترة بريمر الحاكم الأمريكي للعراق، وبدء مخطط تقسيم العراق تحت غطاء الفيدرالية، لثلاث دويلات طائفية وقومية، والعمل على تفكيك الدولة العراقية ومؤسساتها وإبدالها بنظام طائفي تابع لإيران، قسم العراقيين بين شيعة وسنة، وساعد في ظهور تنظيم «داعش» وسهولة سيطرته على المدن العراقية. وهذا ما دفع الكثيرين للتفكير في أن احتلال الولايات المتحدة الأمريكية لبلدنا لم يكن خطأ عبثيا، ولم يكن بمحض الصدفة. ومالنا إلا الرجوع إلى التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في كلمته أمام طلبة معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية حين قال «إن العملية العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، بداية عام 2003، كانت متعمدة، ولم تكن خطأً». إن شعور توني بلير بالمسؤولية بعد اثني عشر عاما من بدء تدمير العراق جاء متأخرا، كما ان اعترافه بالخطأ بعد كل ما حدث ويحدث للعراقيين لحد هذه الساعة، لا يعفيه ولا يعفي الغرب من تساؤلاتنا المشروعة حول على من تقع المسؤولية في مجيء نوري المالكي ونظامه الطائفي وتسلمه للسلطة. ومن هو الذي بارك وساهم في وضع نظام المحاصصة الطائفي، وسمح للأحزاب المذهبية في قيادة الدولة التي فرقت العراقيين. ولماذا هذا الاصرار على إبقاء الحالة الطائفية الشاذة والتعامل مع هذه الأحزاب المذهبية والاعتراف بها دوليا وإسنادها في حكم العراق إلى يومنا هذا، على الرغم من قناعة توني بلير التامة واعترافه بأنها قسمت العراقيين وساهمت بظلمها وحقدها وتبعيتها لإيران في ولادة «داعش». فالخطأ كان من الممكن اكتشافه ومعالجته منذ البداية.
إن اعتذار رئيس الوزراء البريطاني عن خطأ مشاركته مع الرئيس الامريكي جورج بوش في غزو العراق عام 2003، واعترافه بأن الحرب الامريكية البريطانية على العراق كانت السبب الرئيسي لظهور تنظيم «داعش» لا يكفي ولا يفيد في معالجة جرح العراق ونزيفه المتواصل. فوقت العفو لم يحن بعد والاستجابة له لا تمر إلا عن طريق إعادة سيادة العراق وإرجاع حقوق العراقيين.

٭ كاتب عراقي

أمير المفرجي

(القدس العربي)

 

 

المُعلن والمخفي في زيارة

محمد جواد ظريف للعراق

أمير المفرجي

 

لم تأت زيارة وزير الخارجية الإيراني الأخيرة للعراق في شكلها الظاهر المعلن بشيء جديد. فعراق ما بعد 2003 هو بلد ناقص السيادة وعديم القرار، تحتله إيران وتحكمه أحزابها الطائفية، عن طريق نظام ثيوقراطي، سُلمت من خلاله أمور البلاد إلى «مرشد الثورة الإيرانية ووليها الفقيه».
بمباركة المرشد علي خامنئي وأحزابه الطائفية، تُنظم الحياة السياسية في مدننا وتـُسلب حقوق العراقيين في حكم بلدهم. وعن طريق المرشد وجنرالاته العسكريين تـُنظم وتُسلح المليشيات الطائفية وعلى حساب الجيش العراقي والحس الوطني الذي يحمله العراقيون.
زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، للعراق واعطاء صفة الأولوية للقائه مع رجل الدين علي السيستاني في النجف قبل زيارة العاصمة بغداد، ولقاء المسؤولين في الحكومة العراقية، دليل على استمرارية سياسة إيران المذهبية المعلنة لأحزابها ومليشياتها في العراق، وهي بالتالي رسالة طمأنة لأحزابها، وإشارة تهدئة لمخاوف الحكومة من احتمالات حدوث تغيرات في علاقة الجمهورية الإسلامية، بعد الاتفاق النووي الإيراني، مع مجموعة الدول الكبرى.
فثمة دواع لهذه المخاوف الرسمية العراقية، حيث يعلم الجميع، وبضمنهم الأحزاب الدينية القريبة من طهران وقادتها في العراق، أن ما نشر عن بنود الاتفاقية الخاصة باتفاق إيران الأخير، لم يشمل كل القضايا السرية والحساسة التي تتعلق بالأمورالخاصة بالجمهورية الإسلامية وأنشطتها العسكرية وعلاقتها مع العراق ودول المنطقة، غداة قبولها الشروط الغربية. وهذا قد يعطي ويفسر أهمية زيارة وزير الخارجية الإيراني للكويت وقطر والعراق، بشكلها المعلن تحت شعار «المساعدة لمحاربة التطرف والإرهاب والطائفية في المنطقة».
اقليمياً، الاتفاقية في حقيقة الأمر ستغير موازين القوى، لأنها تـُشكل اعترافا إيرانيا بفشل النظام السياسي الثيوقراطي، الذي جاءت به الثورة الإسلامية في إيران، وعدم قدرتها على التمدد عسكريا ومذهبيا والثبات في مواقعها، ومن ثم إقرارا بالعجز عن جعل النظام القومي الفارسي، وفقا لما أراد منه آية الله الخميني، نظاما سياسيا ذا هوية دينية مذهبية. رضوخ المرشد علي خامنئي ونظامه لهذا الاتفاق، يعني أيضا تراجعه عن الخطوط الحمراء التي رسمها آية الله الخميني، التي ترتكز على مبادئ تصدير الثورة إلى دول الجوار. وهذا سيمثل بحد ذاته انكسارا وتصدعا في أسس بناء الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قد يؤدي إلى تفاقم الصراع في قمة هرم سلطة النظام الإيراني، وبمعنى آخر، الحد من التأثير الأيديولوجي الطائفي الإيراني، وبالتالي كبح جماح سياسة إيران الخارجية الطائفية في منطقة الشرق الأوسط، ودورها التخريبي في تأجيج الصراع الشيعي ـ السني في العراق ولبنان والبحرين واليمن.
داخليا، سيكون لهذا الاتفاق وبتأثير من الشارع الإيراني، بعد انتخاب حسن روحاني رئيسا للبلاد في عام 2013، الدور المهم في تغيير موازين القوى بين النظام والمجتمع الإيراني نفسه، ويدفع بإيران نحو الاعتدال وحملها على احترام منطق السلام والاحترام المتبادل مع الدول الإسلامية العربية المجاورة، أي ترجيح كفة الميزان بين الدولة والمجتمع الإيراني لصالح طموحات المجتمع الإيراني للخروح من أزمته الاقتصادية، التي سببتها مغامرات النظام، من خلال تصدير الثورة، ومن ثم تحويل الأرصدة التي سيعيدها الغرب لإعادة بناء البنية الاقتصادية والرفض في أن تذهب لإدامة مؤسسات الحرس الثوري الإيراني ومليشيات الولي الخاصة في لبنان والعراق واليمن.
دوليا، الفكرة السائدة في مؤسسات القرار الغربية عن الحالة الإيرانية، تُرجح قدرة الاتفاق الغربي الإيراني على التأثيرفي الوضع الداخلي في إيران، وإعاقة اساليب تصدير الثورة القومية الدينية نتيجة للتناقض الرسمي للنظام مع الشارع الإيراني، الذي لا يفضل التدخل في امور الشعوب الأخرى، وتبذير أموال الشعب في تسليح المليشيات العراقية، ودفع فاتورة حزب الله والاحزاب المذهبية في نهاية المطاف.
قد تقلل أحزاب إيران والنظام الحاكم في العراق من أهمية هذه المعطيات والتحولات المقبلة التي ستشهدها الساحة الإيرانية، بعد توقيع الغرب وإيران على بنود الملف النووي وفشل المرشد علي خامنئي ورجال الدين في قم وطهران، في الوصول إلى تحقيق أهداف الجمهورية الإسلامية الاستراتيجية، عن طريق تطوير قدراتها العسكرية النووية والتقليدية، للانتقال بالتالي من مرحلة الدولة إلى مرحلة الامبراطورية، التي طالما حلم بها قادة بلاد فارس وبمختلف مراحل التاريخ وتنوع أنظمتها. فحلم «الإمبراطورية الفارسية» التي نصبت نظام محمد رضا بهلوي شرطيا للخليج، أضاف له الخميني لاحقا بعدا دينيا مذهبيا. وتحت شعار «تصدير الثورة»، تحول حلم «الإمبراطورية الفارسية»، إلى مشروع شيعي فارسي يهدف إلى فرض النفوذ والهيمنة على المنطقة، إذ اعتبرت إيران نفسها معنية بالعراق وسوريا كذلك الحال في اليمن والبحرين ولبنان.
قد تختلف الأحزاب الحاكمة في بغـداد مع هذه القراءة الوطنية، وهذا الطرح والاسلوب الموضوعي الواضح في قراءة الأحداث، وتحديد مدى المتغيرات التي ستشهدها الساحة العراقية، بعد قبول النظام الإيراني بالشروط الغربية.
خلاف وتباين يُترجم حدود ودرجة التناقض، بين الوطنية العراقية المخلصة والطائفية التبعية للأجنبي. أملنا كبير في ان يفتح فشل إيران في الملف النووي الإيراني باب خروجها من مرحلة نظام الولي الفقيه. فإنهاء قدرة نظام المرشد النووية والعسكرية، وما خفي في بنود هذه الاتفاقية التي تتعلق «بالحرس الثوري» واسلحته وتنظيماته في العراق وعالمنا العربي، هو نهاية لمشروع تصدير الثورة التي جاء بها الخميني، وهذا ما قد يكون ما حملته في ثناياها وخفاياها زيارة محمد جواد ظريف.

٭ كاتب من تيار المواطنة العراقي

أمير المفرجي

(القدس العربي)

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا