الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا
 

د.عامر صالح كاتب أستاذ جامعي  وباحث اكاديمي

 

مقالات سابقة للكاتب

 

لخلفية السايكو اجتماعية

والأقتصادية لأنتفاضة أكتوبر العراقية

 

د.عامر صالح

 

عمت اغلب محافظات الوسط والجنوب العراقية احتجاجات سلمية عارمة انطلقت بتاريخ 2019ـ10ـ01 مطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية العامة عبر التغير الجذري للنظام, استخدم فيها العنف المفرط وغير المبرر من قبل الأجهزة الأمنية, مما ادى الى عشرات من الشهداء وجرحى تجاوزت اعدادهم الألف جريح, ولازالت الأحتجاجات مستمرة حتى هذه اللحظات, ومما يميزها هذه المرة أنها خرجت عن الأطر الحزبية والتكتيكات السياسية للقوى المساهمة في العملية السياسية وتتمتع بزخم جماهيري ومؤازرة من الداخل والخارج. 

لم تكن الأنتفاضة عملا عبثيا او نزهة استعراضية أريد بها أراقة دماء الشباب, بل هي تراكم كمي لمجمل أزمة نطام الحكم المحصصاتي الطائفي والأثني السيئ الذي لم يعمل شيئ ايجابي خلال عقد ونصف من الزمن, بل انه نظام منتج للأزمات واعادة تدوريها انطلاقا من طبيعته المافوية والمؤسسة اصلا على الأستئثار بالسلطة وتقاسمها والمبني على اساس المحاصصة المذهبية السياسية والعرقية المتخلفة التي تشتغل على اضعاف وتفكيك الوطن والمواطنة والأكتفاء في التمترس في الأطر الجغروطائفية والاثنية في فهم مريض منها ان ذلك يكفي لنيل الحقوق والاستئثار بالثروات الوطنية والافساد فيها. أن هذه الأنتفاضة  هي تجسيد حي وانعكاس لأزمة الحكم الخانقة والتي لم توفر الحد الأدنى الانساني من الحقوق المشروعة والتي عكستها الحاجة الى الماء والكهرباء والصحة والتعليم الصالح وعدم ايجاد فرص عمل لحملة الشهادات الجامعية والعليا وغيرها من مسلمات ومطالب العيش المعاصر والكريم.

أن تجربة عقد ونصف من الزمن في الاخفاق المزمن للمطاليب العادلة للمنتفضين تعكس بشكل واضح انها ازمة نظام متآكل وليست أزمة تلبية خدمات عامة كان يفترض على النظام تلبيتها في السنوات الأولى من الحكم, أنها أزمة فساد نظام الحكم المتهرئ الذي لا يمتلك أي شرعية للبقاء, وأن شعارات اهلنا في المحافظات التي اندلعت فيها والمطالبة بالحقوق الأساسية ما هي إلا مدخل للمطالبة بتغير النظام المحصصاتي, واهلنا هناك يعرفون تماما فلا كهرباء تأتي ولا ماء صافي سيشرب في ظل نظام معوق وكسيح لا يستطيع تقديم الحد الادنى من مسلمات الحاجات الانسانية, في ظل نظام فاسد لا يتورع عن سرقة لقمة العيش.

 أن نظام المحاصصة عرقل خلال عقد ونصف من الزمن جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي, وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك, أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية ", وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف, والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع, أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل, وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه.

 

أن منظمة هيومن رايتس ووتش والمعنية بحقوق الأنسان تعرض جزء من مأساة الشعب العراقي خلال الأربعة عشر عاما الماضية, والتي من خلالها على الأقل لايمكن القبول بالعملية السياسية وبأحزابها الفاسدة التي اسهمت بتبديد الثروات الطبيعيةة منها والبشرية, وتؤكد المنظمة: أن هناك ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف مهجر موزعون على أربع وستين دولة. أربعة ملايين ومائة ألف نازح داخل العراق. مليون وسبعمائة ألف يعيشون في مخيمات مختلفة. خمسة ملايين وستمائة ألف يتيم" تتراوح اعمارهم ما بين شهر و17 عام ". مليونا أرملة" اعمارهن ما بين 15 و25 عاما". ستة ملايين عراقي لا يجيدون القراءة والكتابة" تتصدرهم البصرة وبغداد والنجف وواسط والأنبار ".بلغت نسبة البطالة 31%" الأنبار والمثنى وديالى وبابل في الصدارة تليها بغداد وكربلاء ونينوى". 35% من العراقيين تحت خط الفقر" اقل من خمسة دولارات". 6% معدل تعاطي الحشيش والمواد المخدرة" بغداد في الصدارة تليها البصرة والنجف وديالى وبابل وواسط". 9% نسبة عمالة الأطفال دون 15 عاما. انتشار 39 مرضا ووباء, أبرزها الكوليرا وشلل الأطفال والكبد الفيروسي وارتفاع نسبة الأصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية. توقف 13 ألف و328 معملا ومصنعا ومؤسسة انتاجية.  تراجع مساحة الأراضي المزروعة من 48 مليون دونم الى 12 مليون دونم. استيراد. استيراد 75% من المواد الغذائية و 91% من المواد الأخرى. التعليم الأساسي في أسوأ حالاته: 14 ألف و658 مدرسة, تسعة آلاف منها متضررة, و800 طينية, والحاجة الى 11 ألف مدرسة جديدة. الديون العراقية 124 مليار دولار من 29 دولة. واردات النفط للفترة 2003ـ2014 بلغت ألف مليار دولار, لم تسهم هذه الاموال الطائلة في حل مشكلات الحياة الاساسية, بل ذهب معظمها في عمليات الفساد ونهب المال العام.

أما على المستوى السايكولوجي فأن سياسات الإقصاء والتهميش والمحاصصات وما يرافقها من تدهور مستمر لحياة المواطنين قادرة على حرف حالات المساهمة السياسية من أجل تثبيت النظام" الديمقراطي" إلى حالات عداء سياسي للنظام وأركانه, باعتباره يجسد حالة الاغتراب السياسي بينه وبين المواطن, وهي نتاج طبيعي لحالة عدم الثقة والشك في القيادات السياسية ونواياها, متزامنا ذلك مع اتساع وتعمق دائرة الفئات الاجتماعية المهمشة والتي تقدر بالملايين جراء ظروف العراق التاريخية والحالية, ومن شأن ذلك أن يخلق ما يسمى " بالفجوات النفسية المدمرة", حيث تنشأ هذه الفجوات على خلفية الشعور بالإحباط الناتج من التدهور المستديم لظروف العيش الحر والآمن, وهي شروط مواتية ولازمة لخلق وإعادة توليد سلوك العنف والعدوان باعتباره نتيجة للشعور الشديد بالإحباط, وعلى خلفية اتساع الهوة بين النظام والشعب وتعزيز حالة عدم الاكتراث تجري الاستفادة الكاملة من قبل المجاميع السياسية وفلول الإجرام والمرتزقة الغير مؤمنة أصلا بالديمقراطية السياسية للتمترس في النظام السياسي والتأثير على قراراته السياسية, وعلى عدم تغييره,مستغلة الفساد والعبث بالمال العام وسرقته كوسائل سهلة في الإغراء والتمويل وشراء الذمم.

وتعكس انتفاضة اكتوبر العراقية الحالة المتقدمة والأيجابية للتعبير عن حالة الأغتراب بين النظام السياسي والشعب من حيث مطالبها العادلة واساليبها النضالية المتقدمة ودعواها الواضحة في تغيير الأوضاع القائمة عبر فهم الأسباب, والتي تكمن في أسس نظام المحاصصة الطائفية السياسية والأثنية المنتج لعدم الاستقرار والعاجز عن معالجة الأزمات, وأن الدعوى لتغير أسس النظام وبنيته المؤسساتية هي دعوى لتثبيت الديمقراطية بأطرها المعاصرة وفسح المجال للقوى المؤمنة حقا بالديمقراطية والتدوال السلمي للسلطة والخلاص النهائي من افرازات ما أتى به الاحتلال الامريكي بعد سقوط الديكتاتورية.

أن انتفاضة اكتوبر 2019 الحالية هي انتفاضة تغير النظام بعد كل هذه المعاناة وبعد كل هذا التراكم الكمي من الأزمات في ظل نظام عاجز عن الايفاء بمطالب العيش الكريم ولا يمكن للمرء ان يلدغ من جحر مرتين, ولكي تفضي الانتفاضة الى مرتجاها يجب الانتقال من القيادات المناطقية والتجمعات المتفرقة المتباعدة الى القيادة المدنية التنويرية حفاظا على الاىنتفاضة من المنعطفات الصعبة والتي قد تقوم بها السلطة المحصصاتية في شراء الذمم وترويض بعض القيادات غير المتمرسة لأختراق الانتفاضة واسكاتها, كما أن الاحزاب ذات الصبغة المدنية مطالبة اليوم بالتضامن والتكاتف الواضح مع المنتفضين, فتلك هي لحظات حرجة في حياة شعبنا ومختبر للمواقف بعيدا عن ضيق الأفق أو بانتظار صفقات سياسية سيئة لأحتواء الانتفاضة حفاظا على مصالح انانية ضيقة في طريقها الى الزوال السريع. المجد والخلود لشهداء الأنتفاضة الأبطال والنصر المؤزر لشعبنا المناضل في انتزاع حقوقه المشروعة في بناء حياة حرة كريمة نليق بأنسانيته عبر الخلاص الكامل من نظام المحاصصة وبناء دولة المواطنة الحرة الكريمة.

 

في احتجاجات خريجي الدراسات

العليا في العراق وأزمة التعليم العالي

 

د. عامر صالح

 

حسب احصائيات وزارة التعليم العالي أن هناك ما يقارب 15000 خمسة عشر ألف من حملة الدكتوراه والماجستير عاطلين عن العمل لا توجد امكانية لأستيعابهم في وزارة التعليم العالي" حسب تصريحات الوزارة" وتؤكد ايضا ممكن استيعابهم من قبل وزارات اخرى او في القطاع الخاص وغيرها, تلك هي اللغة الرسميه لتسويف مطاليبهم وعدم الأكتراث بهم, وقد مهد اهمال مطالبهم المشروعه في الحصول على عمل, بعد أكثر من ثلاثة اشهر من الاحتجاجات, التجاوز عليهم واستخدام مختلف الأساليب القمعيه, من ضرب واستخدام الهراوات وخراطيم المياه الساخن, الى جانب الأعتداء على النساء الخريجات والتجاوز عليهن بأساليب غير مؤدبة وغير حضاريه ولا تليق بالمرأة.                                                                                                               
نقول هنا ان تخلف البنية التحتية الأقتصادية والتقنية والعلمية أضعف فرص امتصاص الطاقه العاملة وخاصة ذوي التحصيل العالي, وكان للمحاصصة الطائفية والأثنية والفساد الأداري والمالي ونهب المال العام الذي يضعف الأمل في أي نهضة شامله افقدت الأمل في حل مشكلة البطالة حل شامل في الأفق المنظور, الى جانب اشتراطات صندوق النقد الدولي بالحد من التعيينات, والى جانب التشوهات البنيويه وفوضى القطاع الخاص وعدم امتلاكه خطط واضحه لحاجته من الشهادات المختلفه الى جانب الفساد والمحسوبية والمنسوبية في.                                                                                                                                
ومما يزيد الطين بله هو الأنتشار الواسع للجامعات الأهلية ذات الطابع الربحي البحت وانعدام تنسيقها مع الجامعات الحكومية والذي يدفع بدوره الى المزيد من الخريجين في مختلف التخصصات وبعيدا عن دراسة سوق العمل والحاجة الى التخصصات" رغم ان العراق لايزال في سبات أو ارض بكر وقد يحتاج الى الجميع لاحقا" ولكنه نذير الى المزيد من البطاله, الى جانب كون هذه الجامعات الأهليه في اغلبها تعود ملكيتها لزعماء احزاب طائفية وأثنية ويعج فيها الفساد اسوة بغيرها, ولاتتمتع مخرجاتها بكفاءة يعهد لها بالجودة والمنافسة.                                                                                                                  
نحن امام مهمة عصية على التنفيذ وهي استيعاب خريجي الكليات والدراسات العليا في اطار القوى العامله, في ظل نظام لا يمتلك بوادر نهضة.اقتصادية واجتماعية وعلمية وينهش فيه الفساد ويهدر فيه المال العام, وكذلك امام مشكلة اخرى, وهي كيف نربط الطموحات العلمية المشروعه في ضوء الحاجة الماسة لسوق العمل. أن عدم تلبية طموحات خريجي الدراسات العليا والجامعية في الحصول على عمل هو امتداد طبيعي لأوضاع مؤسسات التعليم العالي وأزمتها الخانقة, والتي تتجسد بأرز ملامحها الآتية:         

  ـ التدهور الأمني المستمر لمؤسسات التعليم العالي وتدخل رجالات الأحزاب والمليشيات الطائفية في شؤون التعليم العالي مما يضع طرفي العملية التعليمية : الطالب ـ الأستاذ والعملية التعليمية برمتها في دوامة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل¸مما يترك أثره الواضح في تسرب الطلاب وهجرهم لمقاعد الدراسة وهجرة الكادر التدريسي.                                                         
ـ الإجراءات التعسفية في إقالة أو إحالة الكادر التدريسي الجامعي ومن درجات علمية متقدمة " أستاذ وأستاذ مساعد " على التقاعد بذرائع ومبررات واهية, منها كبر السن أو بتهمة عدم الكفاءة, وهي إجراءات تنفذ في الخفاء بواجهات سياسية أو انتماءات طائفية, وتحرم هذه المؤسسات من خيرة كادرها المتمرس في التدريس والبحث العلمي.                                                      
ـ تدهور البنية التحتية اللازمة لتطوير التعليم العالي من مكتبات علمية ومختبرات وشبكة انترنيت ومصادر المعلومات المختلفة, وقد تعرض الكثير منها إلى الحرق والإتلاف الكامل والى التخريب والسرقات المقصودة لإفراغ الجامعات من محتواها المتمثل بالمراجع والكتب والأبحاث والمقررات الدراسية بمختلف التخصصات, وغلق أقساما للدراسات العليا بكاملها تحت ذريعة عدم توفر الكادر التدريسي اللازم لها.                                                                                                                           
ـ تدهور المستوى العلمي والتحصيلي للطلاب جراء تدهور الوضع الأمني والانقطاع عن الدراسة, أو النجاح بأي ثمن تحت وطأة تهديد الأستاذ الجامعي من قبل مليشيات الأحزاب السياسية ـ الطائفية وفرض معايير مشوه للتفوق الدراسي لا تعبر عن إمكانيات الطلاب الفعلية, بل تعبر عن أولويات الانتماء السياسي أو المذهبي أو الطائفي, وهي تذكرنا بممارسات التبعيث لفرض النتائج الدراسية وانتقاء الطلبة على أساس الولاء للحزب الحاكم.                                                                              

ـ تغييب الكليات الإنسانية والتضييق على دورها المهم في الحياة الثقافية العامة عبر الحد وعرقلة أنشطتها المختلفة التي يفترض لها أن تسهم بإشاعة ونشر قيم التسامح والعدل والحق ومكافحة الإرهاب, وقد شهدت هذه الكليات حرق العديد من مكتباتها بالكامل, وعرقلة إصدار دورياتها الثقافية الشهرية أو الفصلية أو السنوية, وانعدام الأجهزة اللازمة لاستمرار عملها كأجهزة الاستنساخ والطباعة وغيرها, إضافة إلى محاصرة العديد من مبدعي وكتاب هذه الكليات ومنعهم من الظهور العلني للحديث عن نشاطاتهم ونتاجاتهم الثقافية والأدبية المختلفة.                                                                                                          
ـ استشراء الفساد بمختلف مظاهرة الإدارية والمالية, من محسوبية ومنسوبيه وسرقة الأموال المخصصة لهذا القطاع وتزوير للشهادات والتلاعب بسجلات الدرجات من خلال ممارسة الضغط والابتزاز على إدارات الأقسام الدراسية و عمادة الكليات لمنح ضعاف التحصيل ما لا يستحقوه أو إضعاف المتفوقين دراسيا والعبث بدرجاتهم بدوافع الانتقام والثأر بواجهات مختلفة, سياسية ومذهبية وطائفية وغيرها.                                                                                                             
ـ عدم السماح وعرقلة جهود المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وأجهزتها المعنية بشؤون التعليم العالي على الإشراف والتأكد من ظروف عمل هذه المؤسسات بما يستجيب لشروط الجودة العالمية لهذه المؤسسات وحماية خريجها من عدم الاعتراف بالشهادة, وكذلك عرقلة جهود اللجنة الدولية للتضامن مع أساتذة الجامعات.                                                                     
ـ في ظروف العراق الحالية والذي توقفت فيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة, تضعف فيه كنتيجة منطقية قدرة ودور الجامعات والمؤسسات البحثية في المجتمع وبالتالي تضعف روابط التعليم العالي ودوره الأساسي في التخطيط والاستجابة لظروف التنمية البشرية الشاملة وحاجتها الفعلية لمختلف القيادات والكوادر في مختلف التخصصات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية وغيرها.                                                                                                                                         

.
ـ ضعف الإنفاق على التعليم العالي والبحث العلمي باعتباره دعامة أساسية لإعادة بناء بنيته التحتية وإقامة المشاريع البحثية والتعليمية المتقدمة, وبالتالي فأن أي نوايا للإصلاح دون توفير الأموال اللازمة هي نوايا باطلة وقد تعكس بنفس الوقت رؤى متخلفة للقيادات التربوية والتي ترى أن ما يصرف على التعليم هو من باب الاستهلاك الغير ضروري وليست الاستثمار طويل الأمد.                

ـ ضعف وتدهور البحث العلمي وأصالته ومكانته في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وضعف استقلالية الأستاذ الباحث الذي يتعرض إلى ضغوطات مختلفة لتوجيهه الوجهة التي يرغب فيها هذا الكيان السياسي أو ذاك, وأن اغلب ما يجري من أبحاث يعتمد على نظريات ومفاهيم مهجورة أو أنها تقادمت في ظل عصر تتغير فيه المعلومة يوميا, أو أنها هجنت بطريقة عجيبة نتيجة للقيود والضغوطات الرقابية والحزبية والطائفية.                                                                                    

ـ غياب إستراتيجية واضحة للبحث العلمي في ضوء احتياجات المجتمع المحلي لها, حيث أن المبادرة الفردية للباحث والأستاذ تلعب دورا كبيرا في تقرير ذلك, ومعظمها يجري لأغراض الترقية العلمية أو لأغراض المتعة العقلية الخالصة للبحث, ويجري ذلك في ظل انعدام صناديق متخصصة لدعم وتمويل البحوث, وضعف القاعدة المعلوماتية, وعدم وجود مراكز أو هيئات للتنسيق بين المؤسسات البحثية, وضعف الحرية الأكاديمية كتلك التي يتمتع بها الباحث في بلدان العالم الديمقراطي, وعدم تفهم أو انعدام دور القطاع الخاص ومشاركته في الأنشطة العلمية حيث لا يزال قطاعا متخلفا يركز على الربحية السريعة والسهلة ولا يعي حقيقة وأهمية البحث العلمي في تطويره.                                                                                                                      

 

بين أزمة التعليم العالي العامة في داخل مؤسساته وبين استعصاء ايجاد حلول لمخرجاته يعاد انتاج ابقاء الاوضاع كما هي دون جدوى أو مبادرة حكومية مسؤولة تفضي الى معالجة الأزمة البنيوية للتعليم العالي, أسوة بمختلف القطاعات الاجتماعية, ومن هنا سيعاد انتاج نفس الأزمات دون حلول تذكر, مالم ينهض المجتمع والدولة في اعادة بناء البنية التحتية المجتمعية في كل القطاعات, وسيصحبها الاستفادة الكاملة من كل الطاقات العلمية والمهنية.                                                                             

 

اما ما يعنينا من داخل التعليم العالي فأن الحرية في المجتمع الأكاديمي وتوسيع دائرة الصلاحيات للإدارات الجامعية وعدم اقحامها بالصراعات الأثنو طائفية السياسية, وفصلها وعزلها عن المؤسسات الدينية, سببا مهما في نمو الفاعلية ورفع مستوى الأداء، فالاستقلال النسبي ماديا وإداريا وفكريا وسياسيا سيدفعها إلى البحث عن التميز والشعور بالمسؤولية تجاه جودة المخرجات، لأن الجامعات في هذه الحالة ستعمل على طريقة تحقق فيها متطلبات التنمية لتدخل ضمن مجال تنافسي علمي تحكمه المستجدات العلمية والتقنية المعلوماتية وإبراز الأفكار المبدعة، فسترفع من هذه القيمة باستقطاب المفكرين وتبني الآراء التي تسهم في وصولها إلى مكانة أفضل نسبة إلى غيرها، وهذه الأهداف ستتجاوز ما نخشاه من سيطرة النزعة المناطقية والنفعية والطائفية والأثنية التي تسيطر على الإدارات وعلى السياسات العامة، ويأتي هذا كله مع ضرورة إيجاد نظام يحمي مكتسبات الجامعات من أي تدخل خارجي، والنتيجة تؤدي إلى خلق بيئة ملائمة لنمو المعرفة والإبداع, وبهذا ستكون مؤسسات التعليم العالي بيئة صالحة لجذب افضل الكوادر العلمية, وتقلص بدورها من هجرة الكادر وتسربه من الجامعات الى خارج العراق أو داخله.                                           

 

قد يبدو الحديث اعلاه مجرد طموحات مجردة لأعادة هيبة ومكانة التعليم العالي وبالتالي مكانة وهيبة الخريجين منه, وبدون شك انها مهمة صعبة في ظل نظام المحاصصة الطائفي والأثني الذي خرب مؤسسات الدولة والمجتمع  وعبث في استقرارها وتطورها وعرقل استجابتها لحاجة العصر والمجتمع, وبالتالي فأن المدخل الواسع للحديث عن الأصلاح هو حديث متصل عن اصلاح بنية النظام السياسي برمته واعادة بناء السياسة التعليمية والتربوية ومن ضمنها سياسة الحاجة الى الكادر الجامعي والعالي من مختلف التخصصات وفي اطار خطط محكمة لبناء المستقبل.                                    


 

 

 

اليوم العالمي للديمقراطية

ودلالته لديمقراطية للعراق

 

د.عامر صالح

 

تحت شعار " المشاركة " احتفل العالم يوم الأحد، باليوم العالمى للديمقراطية، حيث اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 62/7 خلال سبتمبر 2007، باعتبار يوم 15 سبتمبر يوما دوليا للديمقراطية، والذى يتيح فرصة لاستعراض حالة الديمقراطية فى العالم.  سلط الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى بنده الثالث من المادة 21 منه أن "إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكم، فيجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجرى دوريا بالاقتراع العام، وعلى قدم المساواة بين الناخبين، وبالتصويت السرى أو إجراء مماثل من حيث ضمان حرية التصويت".   

والديمقراطية الحقة كما تؤكد الأمم المتحدة "هي سبيل من اتجاهين، مبنية على الحوار الدائم بين منظمات المجتمع المدني والطبقة السياسية. ولا بد أن يكون لهذا الحوار أثر حقيقي في القرارات السياسية. ولهذا السبب تعتبر كل من المشاركة السياسية والفضاء المدني والحوار الاجتماعي ركائز أساسية للحكم الرشيد. ويصح ذلك في حق أثر العولمة والتقدم التقني كذلك. ومع ذلك، فلم يزل الفضاء المدني يزداد تقلصا في كل أنحاء العالم بصورة تنذر بالخطر. كما أصبح عمل نشطاء المجتمع المدني أصعب بكثير. وغدا المدافعون والمدافعات عن حقوق الإنسان والبرلمانيون والبرلمانيات يتعرضون للهجمات، في حين لم يزل تمثيل المرأة ضعيفا,   ومواجهة الصحفيون لتدخلات في عملهم وتعرضهم للعنف في بعض الحالات. وبالتالي، فاليوم الدولي للديمقراطية هو فرصة لحث جميع الحكومات على احترام حقوق مواطنيها في المشاركة الديمقراطية مشاركة فعالة وجوهرية وهادفة".                             .                                                                               

 وجاء تقرير مؤشر الديمقراطية لعام 2018 الذي نشرته وحدة "إيكونوميست إنتيليغنس " وهي وحدة مستقلة تابعة لمجلة الإيكونوميست, أن تصنيف الديمقراطية يعتمد على 60 معياراً فرعياً مجمعة فى الفئات الخمسة التالية: العملية الانتخابية والتعددية، وعمل الحكومة، والمشاركة السياسية، والثقافة السياسية الديمقراطية، والحريات المدنية . ومن المقرر أن يمنح مؤشر ديمقراطية الدول درجة من 10 اعتمادا على هذه المعايير، ثم يصنف الدول إلى أربعة تصنيفات، تبدأ من دول ديمقراطية كاملة، ثم ديمقراطية منقوصة، يليها نظام هجين يجمع بين الديمقراطية والاستبداد، وأخيراً الدول ذات الأنظمة الاستبدادية. وقد احتل العراق في حينها المرتبة 114 وضمن الدول ذات النظام الهجين الذي يجمع بين الديمقراطية والاستبداد, وضمن قائمة دول تجاوزت ال 165.  

بالتأكيد ان الحديث عن ديمقراطية العراق شائك ومعقد استنادا الى الظروف القسرية التي أنشأتها والمتمثلة بالأحتلال الامريكي في عام 2003 الى جانب تراكمات القمع والدكتاتورية لعقود من الزمن والتي ساهمت في غياب البدائل السياسية الديمقراطية وغياب الفكر الديمقراطي مما سببا فراغا سياسيا كبيرا وعدم المقدرة على احتواء الأحداث ما بعد سقوط الدكتاتورية, ورغم هذه الاشكالية المفصلية والمعوقة للديمقراطية يرى الكثير من المتابعين للشأن العراقي, أن العراق بلدا ديمقراطيا ويستندون في ذلك الى الأسس النظرية او المحكات التي يمكن في ضوئها تأكيد ديمقراطية العراق, ومنها تعريفهم للنظام الديمقراطي كما يرد في الادبيات السياسية: هو نظام حكم من الشعب وإلى الشعب، ودستور يصوت عليه الشعب باستفتاء عام، والذي يمثل العقد الاجتماعي بين الشعب والسلطة. يعني حكم الأغلبية السياسية مع احترام حقوق الأقلية، أي حكومة ينتخبها أبناء الشعب عبر صناديق الاقتراع بشكل دوري، فيختارون ممثليهم، أي النواب (أعضاء البرلمان)، وهؤلاء بدورهم يختارون السلطة التنفيذية، وهم الذين يسنون القوانين وفق الدستور. ومن سمات الدولة الديمقراطية أيضاً، الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، ووجود أحزاب سياسية، ومنظمات المجتمع المدني، واحترام حقوق الإنسان، وإعلام حر، وحرية التعبير والتفكير، والتظاهر والإضراب، وحرية المعتقد والأديان, ويرون ان هذا متحقق في العراق. 

 

ما يعنيننا قي المقام الاول هو الأداء او محتوى العملية السياسية الضامن لبناء الديمقراطية وتنفيذ مقوماتها, فاليوم في العراق وبعد عقد ونصف من سقوط الدكتاتورية تأكد لشعبنا أن الدستور كان محطات ألغام, وأن الشك طال كل الانتخابات البرلمانية السابقة, من تزوير وحرق للصناديق والعبث بأرادة الناخبين وضعف المشاركة في الانتخابات وانعدام متزايد في الثقة باغلب الاحزاب السياسية, كما اصبح الحديث عن الفصل بين السلطات الثلاث ضرب من الخيال, والتجاوز على الحقوق الاساسية للمواطن العراقي لا يمكن حصره في امثلة عابره, التضييق بشتى الوسائل على الاعلام الحر والاعتداء على الصحفيين, الصراعات الاثنوطائفية سياسية اغرقت المشهد السياسي, والمحاصصات الطائفية السياسية والعرقية هي المصدر لتشكيل اغلب السلطات الرئيسية, والفساد الاداري والمالي وسرقة المال العام واهدار الثروات هو سيد المشهد العام لأكثر من عقد ونصف من الزمن, انتشار الميليشيات والعصابات المسلحة وأقحامها في العمل السياسي أحد مصادر الديمقراطية الهشة في العراق, والفضائيات وسعة انتشارها واجندتها ومصادر تمويلها وخطابها اسئلة تثير الكثير من الشكوك حول الديمقراطية في العراق, فهل هي حرية مرتبطة بضرورات الديمقراطية أم معوقة لها.  

لعل نظرة متأنية وموضوعية منطلقة من روح الحرص على الوطن, تؤكد لنا أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى, ومنذ ولادته بعد 2003 لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية,حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد,مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد, وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار, وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية, مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة, وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة, أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس..
كما أن نظام المحاصصة عرقل خلال عقد ونصف من الزمن عرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي, وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك, أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية ", وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف, والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع, أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل, وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه. فالحديث اليوم يجب أن ينصب على الأداء السياسي والاقتصادي والاجتماعي " للديمقراطية " لا على مدى توفر الأطر الشكلية لها والمجردة من الكفاءة في الأداء.

أن من ابرز معضلات العراق في بناء ديمقراطية مستقره تنمو بالتقادم هو القوى السياسية التي ترى الديمقراطية وسيلة للأستحواذ على السلطة وترى في الدولة والحكم غنائم بعيدا عن مفهوم التدوال السلمي للسلطة كمدخل لأستقرار العملية الديمقراطية, وهي لا تؤمن في الديمقراطية السياسية ولا في التعددية الحزبية, فكيف من لا يؤمن بالديمقراطية ان يبني الديمقراطية. وكذلك تشوهات الوعي المجتمعي وتعرضه لمحاولات الغسيل الدماغي والتشويه, وهذا ليست وليد اللحظة بل لعقود خلت قبل اسقاط النظام السابق, غاب فيها الفكر النقدي وضاقت فيها خيارات الناس, واليوم يستخدم خلط المقدس بالمدنس واستغلال مشاعر الشعب لزج الدين في السياسية وتحويل خيارات الناس صوب بدائل معوقة للديمقراطية والاستقرار السياسي. وكذلك ارتهان العراق واستقراره للأجندة الاقليمية وفرض ارادات خارجيه عليه وتحويله الى ساحة لتصفية الحساب بين الاطراف الاقليمية والامريكية, وهذا بطبيعته يلغي فرص الاستقرار السياسي والاقتصادي.

وبمناسبة اليوم العالمي للديمقراطية فأن الابتعاد عن نهج المحاصصة الذي التمسه شعبنا بوضوح واكتوى اكثر من خمسة عشر عاما المنصرمة, وتحويله من نهج انتقائي/مصلحي إلى نهج مشاركة سياسية حقيقية هو التعبير العملي والأمثل عن العقد الاجتماعي الطوعي, إذ تعيد المشاركة السياسية البناءة إنتاج العقد الاجتماعي كسلوك يومي, أي إعادة إنتاج الوحدة الوطنية كمفهوم سلوكي ـ معرفي وعقلي في الممارسة السلوكية اليومية, وليست شعار اجتراري خبره شعبنا لعقود سلفت, وأن الوحدة الوطنية في كل الفلسفات الإنسانية ركيزة أساسية لا يمكن العبث بها وعرضها في سوق النخاسة السياسية,بل لعلها أهم منجزات الحداثة, وما يترتب عليها من اعتراف بالحقوق الناجمة عن الاعتماد المتبادل بين مختلف فئات المجتمع وإسهام كل منها في عملية الإنتاج الاجتماعي في بعديه المادي والروحي, ونعني به الإنتاج والاستهلاك والتوزيع العادل للثروات, وهي التعبير العملي عن المواطنة الدينامية الحية, وأن المشاركة السياسية الشاملة هي جوهر المواطنة وحقيقتها العملية, ويشكل هنا اعادة بناء أسس العملية السياسية وفي مقدمتها الدستور وقانون الانتخابات وقانون الاحزاب وغيرها مدخلا لازما لتصحيح مسار الديمقراطية وضمان استقرارها وثرائها وتقدمها. وليكن اليوم العالمي للديمقراطية حافزا قويا لمن يعز عليه العراق وبقائه وطن صالح للجميع.

 اليوم العالمي لمحو

الأمية ودلالته للعراق

 

د.عامر صالح

أحتفل العالم في يوم 8 سبتمبر، باليوم العالمى لمحو الأمية، وهو اليوم الذى حددته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، للاحتفال به سنويا للتوعية بأهمية محو الأميّة كمسألة تتعلق بالكرامة الإنسانيّة، واحترام حقوق الإنسان، والوصول إلى مجتمعات أكثر إلماماً بمهارات القراءة والكتابة.  وقالت الأمم المتحدة، أن هذا اليوم يُعد فرصة للحكومات ومنظمات المجتمع المدنى وأصحاب المصلحة لإبراز التحسينات التى طرأت على معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، وللتفكير فى بقية تحديات محو الأمية الماثلة أمام العالم. وأشارت إلى أن قضية محو الأمية، هى عنصر جوهرى فى أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة وجدول أعمال الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة، وتعزز أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة التى اعتمدتها المنظمة فى سبتمبر 2015، بهدف الحصول على التعليم الجيد وفرص التعلم فى أى المراحل العمرية، كما أن غاية من غايات الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة هى ضمان تعلم الشباب المهارات اللازمة فى القراءة والكتابة والحساب، وإتاحة فرصة اكتسابها أمام البالغين ممن يفتقدون إليها. 

وأعلنت اليونسكو عبر موقعها، أن احتفال هذا العام أن سيقام فى العاصمة الفرنسية "باريس"، تحت شعار "محو الأمية وتعدد اللغات"، ليكون فرصة للتعبير عن التضامن مع احتفالات 2019 بوصفها السنة الدولية للغات الشعوب الأصلية والذكرى السنوية الخامسة والعشرين للمؤتمر العالمى بشأن تعليم ذوى الاحتياجات الخاصة، الذى أُعتمد فيه بينان سالاانكا بشأن التعليم الشامل. ويركز اليوم العالمى لمحو الأمية لعام 2019 على مسألة "محو الأمية وتعدد اللغات"، فعلى الرغم من التقدم المحرز، إلا أنه توجد تحديات ماثلة للعيان فى ما يتصل بمحو الأمية وتفاوتها بين البلدان وسكانها. ويُعد تبنى التعدد اللغوى فى تطوير التعليم ومحو الأمية مسألة أساسية فى مواجهة تحديات محو الأمية وتحقيق أهداف السنة المستدامة. 

 في العراق فأن مشكلة الأمية تتصل بعدم كفاية التعليم وعجزه عن استيعاب الأعداد الهائلة من التلاميذ من هم في سن التعليم الإلزامي, الى جانب عدم الاستقرار السياسي,  رغم أن جهود العراق لحقبة من الزمن قطفت ثمارها فقد حاز العراق عام 1979 على جائزة منظمة اليونسكو في القضاء على الأمية والذي جرى ضمن حملة وطنية شاملة من عمر15-45 سنه، ولكن استمر التعليم بالمعاناة بسبب ما تعرض له العراق من حروب وحصار جائر, وكان أيضا من أسبابها تسييس العملية التربوية من ناحية المناهج والكوادر أو الإفراد وبعد عام 1991 كان المستوى التعليمي في تراجع، مما أدى إلى ارتفاع نسبة الأمية بين أفراد الشعب العراقي،  رغم أن بداية هذا التراجع كانت في عام 1984  بعد أربع سنوات من بداية الحرب بين العراق وإيران, ففي عام 1997 عاد العراق ليسجل نسب مرتفعة في عدد ألاميين حيث وصلت النسبة بين البالغين إلى 42% ونسبة الأطفال الذين لا يصلون إلى الصف الخامس الابتدائي 28%  بذلك أصبحت ظاهرة خطيرة تهدد كيان المجتمع العراقي. وعقبة كبيرة من العقبات التي ستحول دون إمكانيَّة خروج البلد مما هو فيه وإعادة اعماره؛ نتيجة لما أحدثه الحروب إضافة إلى الأوضاع الأمنية المتدهورة وتهجير ملايين العراقيين مما أدى إلى ارتفاع نسبة الأمية بين أفراد الشعب العراقي، إذ تشير الإحصائيات في 2003 إلى إن نسبة الأمية قد ارتفعت ولاسيما بين الأعمار(15-25) بحدود 65% وقد قامت وزارة التربية بإعداد الخطط الشاملة لمواجهة الأمية في العراق، بعد إصدار قانون محو الأمية رقم 23 لسنة 2011 وبموجبه تأسست الهيأة العليا لمحو الأمية ، والجهاز التنفيذي، وأقسام محو الأمية في المديريات العامة للتربية، ومجالس محو الأمية في المحافظات، وكان يفترض ان تبدأ الحملة الوطنية لمحو الأمية كما كان مقررا رسميا بكل المحافظات وبتاريخ 2012ـ09ـ11 . 

ولكن سنوات ما بعد احتلال أمريكا للعراق (2003 ـ 2018 ) هي سنوات أقتتال داخلي وعدم استقرار سياسي وغياب منظومة حكم قائم على اساس المصالح الوطنية وسنوات انتعاش للأرهاب وخاصة الداعشي منه حيث احتلاله لأكثر من 30بالمائة من الاراضي العراقية في عام 2014 الى جانب الصراعات الأثنوطائفية سياسية بين الاحزاب التي تدير دفة الحكم, الى جانب ما استشرى في البلاد من فساد اداري ومالي وسرقة للمال العام استنزفت موارد البلاد ومنعته من أي نهضة اقتصادية واحتماعية, ويصل اهدار المال العام حسب بعض التقديرات منذ 2004 الى اليوم ما يقارب الألف مليارد دولار, مما ادى كل ذلك الى تدمير البنية التحتية المجتمعية والاقتصادية والى فساد شرس في كل قطاعات الدولة ولا يوجد في الأفق ما يشير الى وضع حد له او معالجته, وما جاء بعد الخلاص من داعش الارهابي من نتائج ديمغرافية تمثلت في النزوح السكاني لملايين من السكان بسبب العمليات الحربية ضد داعش, وينتظر سكان هذه المناطق عودة آمنة الى اراضيهم, الى جانب الخراب شبه الكامل للكثير من مناطق الصراع مع داعش, كل هذا وجد انعكاساته الخطيره على قطاع التربية والتعليم وعلى العملية التربوية والتعليمية على نطاق المجتمع كله, ناهيك عن الخراب في البنية التحتية والمؤسساتية لقطاع التربية والتعليم الى جانب عشعشة الفساد الاداري والمالي فيه.   

ففي الوقت الذي تسلم فيه العراق عام 1979، 5 جوائز من منظمة الأمم المتحدة، للتربية والعلم والثقافة، اليونسكو، بعد أن استطاع خفض نسبة الأمية دون 10%. أما اليوم، فآخر إحصائية نشرتها وزارة التخطيط، الجهاز المركزي للإحصاء، بيّنت أن نسبة الأمية بين الشباب للفئة العمرية بين 15 و 29 سنة خلال عام 2017 بلغت 8.3%، كانت حصة الذكور منها 6.5% فيما شكلت حصة الإناث منها 10.2%، ولفتت الإحصائية الى أن نسبة 32.5% من الشباب من الفئة العمرية 15 إلى 29 سنة ملتحقون بالتعليم حالياً، وشكلت نسبة الالتحاق من الذكور 35.9%، مقابل 28.8% من الإناث. من جانبها حذرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان من اتساع الأمية بين الشباب، وسط تحذيرات من اتساع ظاهرة الأمية عموما.ًوأكدت المفوضية، أن الأمية تركزت في مناطق النزوح والمحافظات المحررة حديثًاً من داعش الإرهابي، حيث تشهد تلك المناطق تسرب الطلاب من المدارس بشكل ملحوظ للعمل وتوفير لقمة العيش. ووفقا لدراسة سابقة اجرتها وزارة الشباب والرياضة اكدت ان هناك 9 ملايين شاب في الاعمار مابين 15 و 29 عاما, ثلاثة ملايين منهم لايعرفون القراءة والكتابة. رغم ان الهيئة العليا للجهاز التنفيذي لمحو الأمية تؤكد انه ومنذ عام 2012 تم تخريج دفعات من الدارسين في مراكز محو الامية تجاوز عددهم 1.5 مليون. واذا اردنا ان نضيف اعداد المتسربين من مختلف المراحل الدراسية والتاركين للدراسة الابتدائية قبل اكمالها وكذلك من لم يصلهم المسح والاحصاء, فأن النسب تبدو كارثية. وهناك احصائيات تؤكد ان نسبة الأمية في العراق على عموم السكان قد تصل الى ربع السكان.

ولعل أبرز المهمات الملحة والتي لا تقبل التأجيل والتي تسهم في مكافحة الأمية هي:

ـ محاربة الفساد في المنظومة التربوية والتعليمية أسوة بمحاربته في كل القطاعات الاجتماعية والحكومية, فمحاربة الفساد هو من يعطي بارقة أمل مفادها ان كل ما ينفق على التعليم والتربية ممكن التأكد منه ومن مخرجاته.

ـ وضع ملامح سياسية تربوية وتعليمية واضحة تستند الى معطيات الفلسفة الانسانية التي تؤكد ان الدارس هو محور العملية التربوية, ومن أجله تصاغ المناهج الدراسية المتطورة بعيدا عن عناصر التربية الطائفية والاثنية الشوفينية الكريهة.

ـ التوعية الشاملة بفوائد برامج محو الامية على المستوى الفردي والمجتمعي.

ـ وضع منهاج شامل لمحو الامية بحيث يكون مناسبا للفئات المستهدفة من المستفيدين ومرتبطا بنطام التعليم الرسمي. 

ـ توفير التمويل الكافي لوضع برامج محو الامية.

ـ التنسيق بين كافة الاطراف الرسمية وغير الرسمية من الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والحكومي.

ـ وضع هيكلية واضحة على المستوى الاتحادي والمحافظات والمجتمع المحلي لوضع المبادرات الملموسة لمحو الأمية.

ـ تفعيل ستراتيجية وطنية شاملة وقانون يحكم مسألة محو الأمية ويوفر القدرة المؤسسية في جمع البيانات الدقيقة لرسم استرايجيات وخطط شاملة. 

ـ دراسة احتياجات الدارسين لوضع برامج مناسبة ومبتكرة تستجيب لعموم حاجات المتعلمين.

ـ التدريب المستمر على افضل المبتكرات ووسائل التعليم الحديثة لمحو الأمية.

 

ـ ابعاد مراكز محو الأمية عن النشاطات الحزبية والطائفية ومنع تحويل مراكز محو الامية الى مراكز دعاية لتلك الاحزاب.

ـ الاستفادة الحية من تجارب الشعوب المختلفة في محو الأمية.

بالتأكيد ان افضل الامنيات والمقترحات لمحو الامية في العراق تبقى حبر على ورق مالم تعالج جذور الازمة السياسية التي عصفت في البلاد منذ عقد ونصف من الزمن والتي افرزت مختلف الظواهر المرضية, والتي تشكل الأمية احداها. أن البحث عن فلسفة واضحة للتربية والتعليم في العراق يكمن في وضوح هوية النظام السياسي القائم واهدافه في بناء الانسان العراقي والتي يترجمها بمفردات السياسة التعليمية, فعسى ان يكون اليوم العالمي لمحو الأمية حافزا لكل من له ضمير صادق ومخلص للعراق.

 

عاشوراء الحسين بين الأسلام

 السياسي وسيكولوجيا جلد الذات

 

 

د.عامر صالح

 

عاشوراء مناسبة دينية اسلامية, تحل سنويا في اليوم العاشر من محرم " الشهر الأول في السنة الهجرية " ويختلف التعاطي معها بين المسلمين من السنة والشيعة, ففي الوقت الذي يخصها السنة يومها بالصيام احتفالا بنجاة النبي موسى واصحابه من الطغيان والغرق, فأن الشيعة يحيي فيها استشهاد الأمام الحسين بن علي أبن ابي طالب في " موقعة كربلاء" في معركة الطف سنة 61 هجرية ( 680م ) مع جيش يزيد بن معاوية.  

 

 ورغم اختلاف القراءة لواقعة كربلاء, سواء من منطلقات دينية او سياسية او انسانية, والتي تراوحت هذه القراءة بين تهويل وتضخيم الحدث وحرفه عن مسار الأحداث الطبيعية الممكنة الحدوث وادخال الحدث في عالم الغيبيات المعرقلة للعقل, وبين دراسة واقعية تجري الاستفادة من الحدث وعناصره الأيجابية في تشخيص الحاضر وتداعياته ورسم ملامح المستقبل من خلال القوة الايجابية الكامنة في الحدث, ظل من المسلم به استحضار سلوكيات المحبة والاحترام وشعائر الاستذكار للأحداث, ليست فقط لدى الشيعة, بل لدى كل الطوائف الإسلامية, والديانات السماوية الأخرى وحتى غير السماوية, و ليست في العراق فقط بل في بقاع مختلفة من العالم العربي والاسلامي, فقد ذكر المفكر والمستشرق الانكليزي ادوارد دبروان: " وهل ثمة قلب لا يغشاه الحزن حين يسمع حديثا عن كربلاء؟ وحتى غير المسلمين لا يسعهم إنكار وطهارة الروح التي وقعت هذه المعركة في ظلها ". كما تحتفل قوى وطنية وسياسية كثيرة في العراق وخارجه بكل صدق وإخلاص بذكرى استشهاد الحسين تيمنا وأيمانا بقيم الحق والعدل والمساواة.

 

وفي الطرف الآخر حيث تقوم أحزاب الإسلام السياسي والمتأسلمين  بتجيش مشاعر محبي الحسين وتعبئة الناس لزجهم في آتون الكراهية والاستفزاز الطائفي والديني وتعطيل مؤسسات الدولة وحرف نضالات الجماهير المطلبية من اجل تحسين ظروف العيش.

وفي الوقت الذي يكرسون فيه صناعة البطالة والكسل و الفقر وانتشاره باعتباره قدر إلهي لا بد منه,  ينغمسون من رأسهم حتى أخمص قدميهم في مباهج الحياة الدنيا, يرفلون في نعيمها وخيراتها ويجرون ملهوفين وراء متاعها وملذاتها ويستحوذون على ارفع المناصب والوظائف, ويعيثون فسادا في الدولة, متناسين قول الحسين " أن الكسل يضر بالدين والدنيا ", وأن العمل النزيه بمنزلة العبادة كما أريد له في الدين, و تقوم هذه القوى بتكريس العداء للآخر المسالم الذي قد يختلف معنا في التفكير, ولكن قد لا نشك في محبته للحسين باختلاف مظاهر التعبير عنها, فكما نعرف جميعا أن حب الحسين والاحتفاء به ليست حكرا على طائفة بعينها أو بحزب سياسي لذاته, فقضية الحسين ابعد بكثير من ارتهانها طائفيا أو حزبيا, انطلاقا من  أبعادها العالمية التي تتجاوز حدود الدين والطائفة والحزب والجغرافيا التي جرت فيها الأحداث. يقول الكاتب المسيحي كرم قنصل: " أن سيرة الحسين مبادئ ومثل وثورة أعظم من حصرها ضمن الأطر التي حصرت بها, وعلى الفكر الإنساني عامة أن يعيد تمثلها واستنباط رموزها من جديد لأنها سر السعادة البشرية وسر سؤددها وسر حريتها وأعظم ما عليها امتلاكه ". لن نسمع في أوساطنا المسيحية والصابئية والسنية أو غيرها أن يذكر الحسين بغير ذكراه الايجابية المناضلة .

 

واليوم إذ يختلط فيه الديني بالسياسي بعنف, وخاصة في ظروف العراق الحالية التي تأسس فيها نظام الحكم بعد سقوط الدكتاتورية 2003, على أسس من المحاصصات الطائفية  والعرقية, حيث ساعد على استنفار الورقة الطائفية واستخدامها من قبل الإسلام السياسي الطائفي, ويجري التعمد في خلط المشاعر بين حب الحسين ابن علي و ممارسة طقوس الاعتزاز به كما في عاشوراء, و بين ثقافة تعبئة الحشود التي تلجأ إليها هذه القوى في محاولة منها لاستنزاف القوى العقلية والفكرية للجماهير المليونية والمحبة حقا للحسين, وتحويلها إلى كتلة بشرية صماء غير قادرة على تعقل أحداث عاشوراء والطف واستلهام الدروس منها في المحبة والإخاء والعدل والمساواة والكرامة واحترام قيم العمل والتعايش السلمي, بل يجري العزف المكثف على الانفعالات المصاحبة لهذه الذكرى الجليلة لحرفها وإضفاء الصفة السلبية عليها وحصرها في حدود أهداف سياسية أنانية وتعبوية ضيقة, عندها يسهل الترويج للإسلام السياسي الطائفي بغطاء عاطفي ومنفعل ليصب مزيدا من الزيت على نار الصراعات والاحتقانات المتقدة بين أبناء الطائفة الواحدة وبين الطوائف الأخرى, وخاصة عندما تجري هذه الصراعات في بيئة الفقر والحرمان والذي بلغت مداه بحدود 70% في مناطق الوسط وجنوب العراق.

 

كيف استطاع الإسلام السياسي والطائفي منه بشكل خاص, ذو الخطاب المهيج للانفعالات قبل العقل أن يخترق الوسط الشيعي وأن يؤسس لكانتونات سياسية شديدة التركيز في العدة والمال والسلاح, تلك هي قصة سيكولوجية تراكمت أسسها وتجذرت في اللاوعي الجمعي للوسط الشيعي وفي وجدانه وسلوكياته, ارتبطت جذور شدتها في استشهاد الحسين, وان كانت تمتد بجذورها إلى عدم تولي الإمام علي ابن ابي طالب للخلافة بعد وفاة النبي محمد, وأن آثارها بقيت في أذهان الشيعة وخاصة العوام منهم, حيث أن النخب الشيعية أو الخواص ورموزهم استطاعت أن تجد لها وطأة قدم وتؤسس  سلطاتها الدينية المؤثرة وتضفي على نفسها هالة من القداسة مستفيدة من زخم الأحداث وشدة تكثيفها وإيحائها ورمزيتها الشديدة, وفي أحيان كثيرة كانت موازية للنظم السياسية المقيمة فيها, مدعمة بالمال السخي الذي يمنح لها في السر والعلانية من الهبات والتبرعات والخمس القادمة من الأوساط الشيعية الواسعة والفقيرة أصلا, إلى جانب نسب من العوائد المالية القادمة من زيارة المراقد المقدسة للأئمة من قبل الزوار من داخل الحدود وخارجه.

 

وقد بقى وقع استشهاد الحسين وآثاره النفسية المتراكمة شديدا على عوام الشيعة, والذي شكل بدوره أرضا خصبة لتسلل وانتعاش الإسلام السياسي الطائفي وقوى التطرف الديني عبر خطابات ذرف الدموع واستحضار مكنونات اللاشعور الفردي والجمعي لدى الوسط الشيعي, وهذا لا يعني أن عوام الشيعة كانوا معتكفين في منازلهم " عملا بمبدأ التقية الشهير لديهم " ولم يمارسون السياسة بمختلف مظاهرها وألونها وكانوا ينتظرون قدوم الإسلام السياسي والطائفي لإنقاذهم, فتلك مجافاة للحقيقة التي يدركها الجميع, فقد انصهروا في الكثير من الأحزاب اليسارية واليمينية والقومية والرجعية طواعية وبدون ضغوط عليهم " عدا بعض محطات الإكراه في الانتماء " والذي شمل الجميع كما هو الحال في التبعيث سيئ الصيت, وكانوا في أحيان كثيرة من مؤسسي هذه الأحزاب وقيادتها, كما شكلوا جمهورا واسعا للكثير من الأحزاب بما فيها الحاكمة وأجهزتها الأمنية والمخابراتية والقمعية, واعتقد أن تجربة العراق عبر تاريخه غنية بهذا الجانب وشاهد على ما نقول, فجماهير أحزاب الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي لم تكن مستقلة بالأمس عن السياسة, فالكثير منهم له جذور انتماءات قومية وعروبية وبعثية وغيرها.

 

المهم في ذلك مجددا هو كيف استطاع الإسلام السياسي الطائفي وفي فترة قصيرة جدا لا تتجاوز العقد والنصف من الزمن, وفي ظل غياب مشروعه التنموي والحضاري الشامل,  أن  يستقطب الشارع الشيعي ويعبئ الناس بطريقة " مشجعي فريق كرة قدم خاسر ", بعيدا عن الإعداد والتربية الفكرية والتنظيمية كما هو متعارف عليه في تقاليد عمل الأحزاب في المجتمعات المتمدنة التي تتداول فيها السلطات سلميا, وكذلك بالنسبة للأحزاب التي تمارس العمل السري في أوطانها نتيجة لظروف القهر والاستبداد وكما كان معمول به في العراق في عهد النظام الدكتاتوري. لقد استطاع الإسلام السياسي الطائفي ورموزه المتطرفة  أن تعيد صياغة ذهن المواطن الشيعي من خلال قراءة وجدانية معكوسة لثورة الحسين ولأهدافها الإنسانية الكبرى, قوامها الانفعالات السلبية الضارة المغلفة بمشاعر الإحساس بالدونية والمتلبسة بجريمة قتل الحسين وكأنها تقول القاتل" أنا " دوما ومن هذه الأرض, فيجب أن ادفع الثمن غاليا ويجب أن تتوقف الحياة على مدار السنة والساعة تبريرا وعزاء وعقوبة لذاتنا لما قمنا به من جريمة نكراء, وتصل هذه المشاعر إلى حد التأصيل في عقدة مضخمة تتضح ملامحها في الأبعاد النفسية الآتية:

 

ـ تشديد قبضة الشعور المستمر بالذنب تجاه الحسين ابن علي من خلال تكريس المشاعر التي تعكس بأننا استمرار لهؤلاء الذين تركوا الحسين بمفرده من دون نصرة بيد الظالمين, ونحن الذين تركناه لوحده مع خيرة آل البيت يواجهون الموت في الصحراء عطشا وجوعا على يد جيش يزيد الظالم, وهو شعور ناتج من قراءة تقطع الصلة بالزمان الذي جرت فيها الاحداث حيث طبيعة الناس آنذاك تختلف وكذلك خصوصية الصراع الذي حصل.

 

ـ تكريس الحزن والكرب والمعاناة في حياة الناس اليومية وممارسة سلوكيات التكفير عبر التعزيز المستمر لطقوس مؤلمة وحزينة تجلد الذات جلدا مبرحا أكثر مما تيسر حياة الناس وتبعث فيهم الفرح والبهجة بمشروع الحسين الكبير, كتطبير الرأس والضرب بالزناجيل على الظهر واللطم على الوجه والصدر والجبين, وما يصاحبها من مشاعر المزيد من الإحساس بعقدة الذنب والاضطهاد والعدوانية الموجهة إلى الذات والى الآخرين.

 

ـ  الإحساس العميق بالظلم والغدر والشعور بالمرارة تجاه ما حدث والرغبة في الثأر ممن فعلوا ذلك أو تواطئوا فيه أو سكتوا عنه, وهي آلية تزرع العدوان اتجاه الذات وتهدد التوازن النفسي للإنسان وتسهل الإقدام على مختلف الأعمال المذلة والمدمرة للكيان الشخصي والذاتي وتبخسه وتحط منه, عبر الإحساس الذاتي بعدم جدارتنا في الحياة, ولن يصدر عنا أي فعل خير, ولا يحق لنا أي اعتبار أو تقدير, وهو ميكانزم أساسي في سيكولوجيا الإنسان المقهور وخاصة في بيئة الفقر والتخلف الاجتماعي وانتشار الأمية, إلى جانب توجيه هذه العدوانية تجاه الآخرين المغايرين وخاصة عندما نضعهم بصفة مرتكبي جريمة قتل الحسين اليوم  بغض النظر عن الزمان والمكان الذي جرت فيه الاحداث الحقيقية.

 

ـ زرع الخوف من الآخر والتشكيك فيه واعتباره قابلا  للغدر في أي لحظة ما, وهي حالات تصل إلى حد بارانويا الاضطهاد, وتكريس سلوك اخذ الحيطة والحذر, ويترتب على ذلك الكثير من الدوافع في امتلاك السلاح وحيازته على نطاق واسع وبعشوائية استجابة لمشاعر الإحساس بالظلم والاضطهاد والعزلة لحماية الذات من العدو بعيدا عن دور الدولة في هذا المضمار, يقابله في الطرف الآخر الصراع  المكثف للانتساب إلى أجهزة الشرطة والجيش والمخابرات وامتلاك ناصية القوة في الوزارات ذات العلاقة استجابة لعدو وهمي قد يهجم في لحظة ما " وهذا لا يعني التقليل من قدرة  الآخر وعدوانيته في الغدر إن كان حاقدا متطرفا داعشيا أو وهابيا ", إلا أن السلاح يجب أن يكون حصرا بيد الدولة الديمقراطية, وقد تفسر ظاهرة التسلح العشوائي في بعض جوانبها استجابة معاكسة وردة فعل لما كان يمتلكه النظام الساقط من سطوة وقوة وأجهزة قمعية, وتتحول بفعل ذلك عملية التسلح إلى كارثة على الطائفة نفسها بسبب من يدعي تمثليها من مختلف الأحزاب الإسلامية والجميع مدجج بالسلاح.

 

ـ لقد عمل الإسلام السياسي والقوى المتطرفة بتكريس فكرة أن حدث الحسين واستشهاده هو حدث خاص بالطائفة الشيعية ولوحدها فقط , وما تبقى من طوائف ومذاهب خارج البيت الشيعي فأن صلتها ثانوية بالحدث من حيث الاحتفاء والإجلال به والاستفادة من دروسه الايجابية, إن لم تكن مساهمة في مأساوية الأحداث, وهذا التصور الشائع أضفى على الوسط الشيعي مسحة انفعالية سالبة معززة للتشدد ومساهمة في انعزال المجتمع الشيعي عن الوسط المحيط به من طوائف ومذاهب, رغم وجود مشتركات كبيرة بينها في طقوس العبادة والشعائر الدينية, وخاصة مع الطائفة السنية, حيث يشتركون كلا الطرفين في الإيمان بالله وبرسله وبخاتم الرسل والأنبياء محمد وتأدية مناسك العمرة والحج, وهذا ليست من باب ألقاء اللوم على الشيعة في تضييق فرص الحوار مع السنة, ولكن أيضا ومن تجارب الحوار بين الطائفتين أن للسنة بعض من شروطهم التعجيزية في قضايا مفصلية بالنسبة للشيعة كالتقية والعصمة والمرجعية والفهم المغاير للكثير من نصوص القرآن وتفسيره وقضايا فقهية كثيرة, إلا إن الطريقة التي تفهم بها طبيعة أحداث كربلاء وشهادة الحسين, لها ما لها من آثار مسبقة في تضييق فرص الحوار ملقية بضلالها السلبية في التقارب المذهبي, وخاصة عندما يزج الدين في السياسة وتتداخل المصالح الأنانية, فلم يرى كلا الطرفين غير اللون الأسود.

 

ـ أن تأصيل الشعور بالذنب لدى الوسط الشيعي اتجاه الحسين بسبب من عدم نصرته في معركته العادلة مع يزيد, يقابله في الطرف الآخر الإعجاب الشديد ببطولته وتحديه لسلطة يزيد بدء من مقولته الشهير: " لا بيعة ليزيد, شارب الخمور, وقاتل النفس المحرمة ", وعلى الرغم من الكثير من النصائح والتحذيرات التي قدمت للحسين بعدم الدخول في هذه المعركة بسبب عدم تكافئ الجيشين وتوقعات باستشهاده, إلا انه ترك ارض الحجاز متوجها إلى العراق قائلا: " لو لم يكن في الدنيا ملجأ و لا مأوى لما بايعت يزيد ", وكان يعي تماما حاجة الأمة الإسلامية لمثل هذا الموقف الشجاع " بغض النظر عن التفاصيل ", وخاصة على اثر بيعة الحسن لمعاوية والتي أثارت الكثير من الالتباسات لدى المؤمنين آنذاك, أن هذا التداخل في المشاعر اتجاه الحسين والتي هي خليط من مشاعر الحسرة والندم لعدم نصرته, إلى جانب الإعجاب بصموده وبطولته أدى إلى حالة من التقديس والتعظيم للحسين, فهو بقدر ما يستحقها بعقلانية الإيمان, إلا أنها تركت لدى أوساط الشيعة استقطابا وجدانيا شديدا, وتحول هذا الاعتزاز والحب إلى موضوع خلاف وكراهية اتجاه الرموز الأخرى في الإسلام, أو كما يقال في الدارج من زاد على حده انقلب إلى ضده, خاصة عندما توظف هذه المحبة في غير مكانها ولتغذية الصراعات المذهبية.

 

ـ لقد استغل الفراغ الكبير الذي تركه استشهاد الحسين بتكريس السلوك التعويضي بمظهره السلبي, والذي يضعف من قدرة الإنسان العقلية والفكرية على تجاوز مأساوية الأحداث وأتحاذ زمام المبادرة وتأسيس العقل الناقد, مما سهل لاحقا تسليم الأمور ومصائر الناس بيد سلطات دينية مطلقة تمثلت في المرجعيات الدينية وإضفاء عليها صفات القداسة والطاعة والعصمة على نسق ما يضفى على الأمة ألاثني عشر, مما عبر عن حاجاتهم النفسية المستمرة على نسق الحاجات الطفولية إلى شخص راشد يتولى زمام أمورهم ويسلمون لهم قيادتهم, مما أدى بدوره إلى تضخم دور المرجعيات ليتجاوز حدود تأثيرها المجال الديني ليمتد إلى الجانب السياسي والاجتماعي, والتجربة العراقية اليوم دليل على هذا التأثير المتعاظم للمرجعيات على الأحداث السياسية الكبرى كالانتخابات والدستور وتوزيع المناصب الحكومية’ حتى لتبدو وكأنها المصدر المطلق لكل السلطات, مما يحقق لها سيطرة سيكولوجية كاملة تتشكل داخل المنظومة النفسية للإنسان  وتمنعه من الاختلاف معها أو عدم الخضوع التام لها, والمشكلة ليست بوجود مرجعيات, فالمسيحية لها مرجعية يجسدها البابا, واليهودية كذلك لها الحاخام , ولكن المشكلة تكمن بشمولية واتساع نطاق صلاحياتها الذي يتجاوز الديني.

 

أن الاستفادة من أسباب ودروس ثورة الحسين في مكافحة الظلم ونشر العدل, واستتاب الأمن, والوقوف ضد الحاكم الظالم كائن من كان ومن أي حزب وملة وطائفة, وضد فساد الحاكم وانحراف جهاز الحكومة, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ومحاربة الفساد بألوانه, ومقارعة الذل والمساومة, وأيقاظ الضمير وتحريك العواطف الإنسانية, وإصلاح حال الوطن وضد تشويه القيم الإنسانية النبيلة, وفي احترام العهود والمواثيق, نحن اليوم بأمس الحاجة لها لإشاعة مجتمع العدل والقانون والحرية والديمقراطية, بعيدا عن قراءة ثورة الحسين بأطر سياسية ومصلحيه ضيقة وتوظيفها لمآرب تجلب الضرر لنا جميعا وتعدم الاستقرار في حياة الناس, أما التعاطف مع مأساة قصة الحسين فأكتفي بقول المؤرخ الانجليزي جيبون بقوله: " إن مأساة الحسين المروعة بالرغم من تقادم عهدها وتباين موطنها لا بد أن تثير العطف والحنان في نفس أقل القراء إحساسا وأقساهم قلبا ". اليوم نحن في العراق وبعد تجربة اكثر من عقد ونصف من الزمن زج فيها الدين في السياسة بأكثر الاشكال تعسفا وعرقلة للشأن العام, نبقى بأمس الحاجة الى اعادة قراءة واقعة كربلاء وتوظيف طاقتها الايجابية في خدمة الوطن والمواطنة وبناء النسيج المجتمعي الصالح والمترفع فوق الانتماءات الفرعية وفي مسارات تعزز من فكرة " أن الدين لله والوطن للجميع ".

 

أفتعال "قدسية كربلاء"

 بين فوائد الفنون والموقف

 الأسلاموي منها

د.عامر صالح

 

 

أثار حفل افتتاح بطولة غرب أسيا بكرة القدم الذي أقيم في مدينة كربلاء العراقية, الثلاثاء الماضي, جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي في العراق وخارجه, وداخل أوساط دينية وسياسية دينية وأخرى تنتمي لعموم التيار المدني. وشهد الحفل الذي اقيم على ملعب كربلاء الأولمبي, فعاليات فنية ومسرحية شاركت فيها مجموعة من الفتيات عبر تقديم عرض راقص وعزف للنشيد الوطني العراقي على آلة الكمان. وقد دعى مسؤولون محليون وقيادات دينية وسياسية الى محاسبة القائمين على الحفل باعتباره يتعارض مع قانون "قدسية كربلاء" الذي " يجرم " أية أجواء احتفالية أو سماع الأغاني في الأماكن العامة كما يحضر دخول النساء غير المحجبات الى المدينة. 

 وعلق ديوان الوقف الشيعي, الخميس, على الحفل واعتبره " فعلا شنيعا يتجاوز الحدود الشرعية ويتعدى الضوابط الأخلاقية" وقبل ذلك قال محافظ كربلاء في بيان إن " الحكومة المحلية لم يكن لها أي دور في برنامج افتتاح بطولة غرب آسيا في ملعب كربلاء". فيما طالب رئيس الوزراء الأسبق الأمين العام لحزب الدعوة الاسلامية, نوري المالكي, الحكومة بفتح " تحقيق عاجل ومحاسبة المقصرين, ومن يقف خلف هذا التجتاوز الفاضح على حرمة المدينة المقدسة", ثم توالت قيادات دينية سياسية اخرى بأدانة ما جرى في حفل الأفتتاح ومحاسبة المقيمين على الاحتفال. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي جرت أدانة واسعة من سياسيين وناشطين مدنيين الهجمة التي طالت المنظمين لحفل افتتاح بطولة غرب أسيا, وأدانوا قوى الاسلام السياسي التي سببت الخراب والدمار والفساد للعراق وبددت ثرواته الطبيعية والبشرية, وتدخلها الفاضح والفج في شؤون الحياة العامة والخاصة للناس وزج الدين في السياسة.

 

 

وهنا لا اتناول ما حصل في ملعب كربلاء الأولمبي وافتعال الأسلام السياسي لأزمة عامة بهذا الخصوص, فهو جزء من سلوك يترجم فيه الأسلامويين الموقف الديني من مختلف الفنون, ولكني أشير هنا الى ما يثيره زحف التيارات الدينية المتطرفة والتي لا ترغب بفصل شؤون الحياة العامة وحرياتها عن الدين, في الكثير من البلدان ويشكل مصدر قلق لمصادرة المزيد من الحريات الشخصية والعامة, وفتح باب الارتجال والاجتهاد واتخاذ القرارات المنفعلة للهجوم على تراث شعوبها في الموسيقى والغناء والترويح وغيرها من المجالات لتحول حياة الناس الشخصية إلى حياة صماء وجحيم لا تطاق, متجاهلين نتائج العلوم والإرث الفلسفي والفكري لشعوبها  في قيمة الفنون و لمغزى ومعاني الفنون في الحياة اليومية وفي تهذيب وإعادة صقل السلوك الشخصي والاجتماعي, السوي منه والمرضي. فهل هناك من محاولة للتسوية أو لقاء بين الموسيقى والغناء وبين الدين, أم هناك زحف و إقصاء متواصل من قبل التطرف الديني للموسيقى والغناء والفن بصورة عامة, وتحويل الموسيقى والصوت الجميل وبالإكراه في خدمة الشعائر الدينية ذات الطابع الحزين في معظمه, وإلغاء فسحة الترويح الضرورية واللازمة لإعادة بناء النفس.

 

أن تجربة العراق من التجارب المؤلمة والحزينة في الهجوم والتضييق على الفن ومنها الموسيقى والغناء, والتي تعبر عنها منع إقامة مهرجانات الأغنية العالمية كما حصل لمدينة بابل والبصرة سابقا, وزحفا مستمر لمنع المسرح والسينما, و محاولات غلق الأندية ذات الصلة بالفنون الرفيعة كاتحاد الأدباء العراقيين, وغيرها من الظواهر الشؤم في كليات ومعاهد الفنون الجميلة,  والقادم أسوء في التضييق على الحريات والفنون بمظاهرها المختلفة في ظل ضعف دولة القانون وتكبيل حرية المواطن والتهديد بعودة المليشيات, مما اجبر ويجبر الكثير من الفنانين إلى مغادرة العراق أو العزوف عن الموسيقى والغناء, أو التحول إلى " الغناء " الديني في المناسبات المختلفة, حيث يحتاج هو الآخر إلى مواهب وأصوات جميلة مؤثرة وذات أهداف حشدية ـ  تعبوية وسياسية مختلفة في ظروف عراق اليوم بعيدا عن الذكرى العطرة للرموز الدينية.

 

أن الموسيقى والغناء هي ألوان من التعبير الإنساني, فقد يتم التعبير فيها عن خلجات القلب المتألم الحزين, وكذلك عن النفس المرتاحة والمسرورة, وفي الموسيقى قد يأتي المرء بشحنة انفعالية فيها ما يكفي من الرموز التعبيرية المتناسقة في مقاطع معزوفة يحس بها مرهف الحس أو من متذوقيه, وينفعل ويتفاعل سماعيا ووجدانيا وفكريا,يحس بها إحساسا عميقا وينفعل به انفعالا متجاوبا, مثله مثل أي من الكائنات الحية. ويقول أفلاطون بهذا الصدد: " أن هذا العلم لم يضعه الحكماء للتسلية واللهو بل للمنافع الذاتية ولذة الروح والروحانية وبسط النفس وترويض الدم. أما من ليس له دراية بذلك فيعتقد انه ما وضع إلا للهو واللعب والترغيب في لذة شهوات الدنيا والغرور بما فيها ".

 

لقد استخدمت الشعوب القديمة, العربية منها وغير العربية, الموسيقى سواء كانت في نغمات أو مقامات أو أغنيات, كوسيلة من وسائل التطبيب والعلاج, ففي زمن يونان القديمة امن شعوبها بأهمية الموسيقى في الشفاء من الأمراض, وكان " أبي أقراط " أول من استخدم الموسيقى بين اليونانيين إيمانا منه بقدرتها على تخفيف التعب والإرهاق وتعديل المزاج الحاد وشفاء الأمراض النابعة من الإنهاك العقلي والجسمي. أما الأطباء العرب فقد استخدموا الموسيقى في العلاج ومنهم " أبو بكر الرازي " و " الفارابي " و " أبن سينا " و " أخوان الصفا " و " الكندي ". فقد بين أبو بكر الرازي إن للموسيقى آثار سحرية تقي من تأجج أزماتهم النفسية. أما الكندي فكان يعتقد إن للإلحان الموسيقية آثارها الحسنة على صحة الجسم, إذ أنها تستخدم كمقويات للدم وكمسكنات وكمساعدة على التخلص من عسر الهضم. ويقول الكندي كذلك إن لآلة العود قدرة فائقة على التخلص من الآلام جميعها, ولذلك ادخل الآلات الموسيقية كالدفوف والأعواد لمعالجة مرضاه, وهو من أضاف الوتر الخامس للعود ونفذه عمليا زرياب. أما ابن سينا فله في هذا قوله المأثور: " الغناء أحسن رياضة لحفظ الصحة من العناء ". والفارابي الذي بلغ منزلة كبيرة في تضلعه للموسيقى علما ومزاولة, وكان يفخر بنفسه بأنه يضرب على العود, وهو الذي أكد على الأثر الايجابي للموسيقى في الحياة المدنية وخاصة عندما تتلبس بقول الشعر. ويذكر أخوان الصفا في رسائلهم عن استعمال الموسيقى في مشافي " المجانين " التي وجدت في ذلك العصر, حيث كان يلجأ الأطباء العرب لشفاء " المجانين" إلى استخدام الموسيقى لتخفيف الآلام عن مرضاهم أثناء النوبات, ويؤكد أخوان الصفا كذلك إن الموسيقى تؤدي إلى السكينة الكاملة والطبيعية لدى المرضى بعد الاستماع للنغمات الموسيقية.

 

وفي عالمنا المعاصر إذ تنهال علينا نتائج الأبحاث العلمية في ميادين التربية وعلم النفس والطب وغيرها من العلوم, وجميعها تؤكد على أهمية الموسيقى والغناء في حياة الإنسان وصحته الانفعالية والفكرية والعقلية والجسدية, وتشكل بدورها دليلا ميدانيا محكما في صحته لتلك الأهمية التي تحدث عنها التراث العربي والعالمي. ونستطيع أن نجمل بعض من فوائد الموسيقى والغناء في ضوء نتائج البحث العلمي بما يأتي: أن الموسيقى والغناء الهادئ يفيد الأفراد الذين يعانون من الأرق وتؤدي فعل المهدئات الطبية, كما تساعد على تنظيم النبض والتنفس والدورة الدموية والحد من التوتر العصبي, وتسهم في تخفيف حالات الاكتئاب والقلق, وتساعد على تخفيف آلام الظهر, والنخاع ألشوكي, والأمراض العصبية, وارتفاع الضغط وآلام الرأس, كما تساعد الموسيقى والغناء الذي يحبذه الشخص على زيادة إنتاجه في العمل أو الوظيفة التي يمارسها عند سماعه لذلك أثناء العمل و في ظروف لا تزعج الآخرين, كحمل السماعات في الآذان, كما أكدت الأبحاث أن سماع الموسيقى والغناء من قبل ممارسي رياضة الركض يفيد كثيرا في عدم إحساسهم بالتعب أثناء ممارسة هذا النوع من الرياضة, حيث تساعد الموسيقى على إفراز مادة " الاندروفين " في الدماغ والتي تساعد على عدم الإحساس بالتعب مقارنة بمن لا يستمع إليها أثناء أداءه للتمرينات, كما أبدى المصابين بالسكتة الدماغية والذين تدهورت لديهم القدرة على المشي, مزيدا من التحسن عند تدريبهم وسماعهم لنوع من الإيقاع الموسيقي, وقد أظهرت الأبحاث العلمية أن المرأة الحامل يكون نصيبها في حمل هادئ أكثر من نظيرتها المرأة التي لم تستمع إلى الموسيقى وكذلك أثناء الولادة حيث يكون الألم اقل في فترة المخاض لدى مستمعات الموسيقى, وتساعد الموسيقى والغناء المسنين والعجزة على تحسين الذاكرة واسترجاع المعلومات وحتى بالنسبة للشباب والأطفال. كما أصبح معروفا اثر الموسيقى على النباتات وانتعاشها وزيادة رونقها, وكذلك أثرها الواضح على " نفسية الحيوان ", مثل اثر النغمات الناعمة والهادئة على البقر في إدرارها اللبن, كما ونوعا, وهكذا فأن الموسيقى والغناء يشكلان بيئة مواتية للشفاء والعطاء لكل من الإنسان والحيوان.

 

أما بالنسبة للدور التربوي الذي تؤديه الموسيقى والغناء فقد عكفت النظم التربوية والتعليمية العالمية والمتطورة على تضمين مناهجها الدراسية بمادة الموسيقى والغناء وإعطاء حقها من المنهج الدراسي, وعدم استلابها لمصلحة المواد الدراسية الأخرى واعتبارها مادة ثانوية عديمة الجدوى كما يجري في نظمنا التربوية. وقد أكدت النظم التربوية المعاصرة أن هذه المادة الدراسية لها دور أساسي في النمو الجسمي, والعقلي, والانفعالي والاجتماعي, ووفقا لذلك فأن التربية الموسيقية تؤدي إلى تنمية التوافق الحركي والعضلي في النشاط الجسمي, والى مجموعة من المهارات الحركية, إضافة إلى تدريب الأذن  على التميز بين الأصوات المختلفة, ويتم ذلك من خلال أنشطة موسيقية متعددة كالتذوق الموسيقي والغناء والإيقاع الحركي والعزف على مختلف الآلات, وكذلك في تنمية الادراك الحسي والقدرة على الملاحظة وعلى التنظيم المنطقي وتنمية الذاكرة السمعية والقدرة على الابتكار, إضافة إلى مساهمة الموسيقى في تسهيل تعلم وتلقي المواد الدراسية الأخرى وارتفاع مستوى التحصيل فيها, إلى جانب تأثير الموسيقى في شخصية الطفل وقدرتها على خفض حالة التوتر والقلق فيصبح أكثر توازنا, إضافة إلى أن الموسيقى تستثير في الطفل انفعالات عديدة كالفرح والحزن والشجاعة والقوة والتعاطف وغيرها, وهو ما يساهم في أغناء عالم الطفل بالمشاعر التي تزيد من إحساسه بإنسانيته, كما تساهم الموسيقى في تنمية الجوانب الاجتماعية لدى الطفل, حيث تشتد أثناء الغناء والألعاب الموسيقية ثقة الطفل بنفسه ويعبر عن أحاسيسه بلا خجل وتسهل توطيد علاقاته بأقرانه, إضافة إلى الجانب الترفيهي في حياته, كما أن الموسيقى والغناء يعيدان إنتاج التراث الثقافي والفني في ذهنية الأطفال.

 

وأمام كل هذا الكم الهائل من الدراسات العلمية والتربوية والنفسية والتي تؤكد على استجابة الفطرة الإنسانية للموسيقى والغناء,  في صحتها ومرضها, نواجه الموقف الديني الذي يفسر نصوصه فقهاء الدين وتجسده ممارسات الإسلام السياسي على الأرض وبكل وضوح في التضييق على حريات الناس في الاستمتاع بالموسيقى والغناء وغيرها من الفنون, ويجري هذا التضييق ومصادرة حرية الأفراد في الاستمتاع بالفنون على خلفية الفهم المشوه للنصوص الدينية التي ترد في القرآن وكذلك في الأحاديث النبوية, كما لا يوجد خلاف على تحريم الموسيقى والغناء لدى كل المذاهب الإسلامية, إلا في بعض الاختلافات الشكلية والتي تصب جميعها في خدمة المحرم. ويستند هذا التحريم إلى ما ورد, على سبيل المثال لا الحصر , في سورة لقمان/الآية ( 6 ): ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ), وحسب جموع المفسرين فأن " لهو الحديث " يقصد به الغناء وما يلهي عن الخير والأكاذيب, وكذلك ما ورد في سورة الحج/الآية ( 30 ): ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ), ويقصد هنا " بقول الزور " لدى أهل السنة والشيعة هو مجالس الغناء وأيضا شهادة الزور أي شهادة الكاذبة ولا مانع " حسب المفسرين " من أن يكونا مقصودين في الآية المذكورة فتحمل على كلا المعنيين, وقد ورد أيضا في سورة الإسراء/الآية ( 64 ): ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجالك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ), ويلتقي في هذه الآية  كل من أهل السنة وأهل الشيعة على تفسير معنى " بصوتك " والمقصود بها هنا هو الغناء والمزامير واللهو والملاهي, وآيات قرآنية كثيرة تشير إلى تحريم الغناء والعزف على مختلف الآلات الموسيقية لا مجال لذكرها بكثافتها هنا.

 

أما في السنة النبوية فقد جاء التحريم مطابقا لوروده في القران, والأحاديث النبوية هي الأخرى لا حصر لها, واذكر القارئ هنا ببعض من هذه الأحاديث لكي تسند الحديث عن تحريم الغناء والموسيقى, يقول النبي محمد: ( إياكم  واستماع المعازف والغناء, فإنهما ينبتان النفاق في القلب, كما ينبت الماء البقل ), ويقول أيضا في حديث آخر: ( إن الله بعثني رحمة للعالمين, ولأمحق المعازف والمزامير, وأمور الجاهلية ). كما يدخل الأئمة هنا على خط التحريم ليؤكدوا ذلك, كما في قول الإمام الصادق: ( بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة, ولا تجاب فيه الدعوة, ولا يدخله الملك ), ويدخل على خط التحريم أيضا علي خامئني, مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقوله: ( الغناء محرم شرعا مطلقا, حتى في الدعاء والقرآن والأذان والمراثي وغيرها ).  أما في المملكة العربية السعودية وبعد سلسلة مثيرة من الفتاوى الغريبة لمفتيها العام بتحريم الفنون من غناء وموسيقى وسينما ومسرح بوصفها تلهي القلوب أضاف المفتي الأرجيلة - الشيشة ولعبة الشطرنج الى قائمة المحرمات التي تطول يوما بعد أخر لتكشف عن خطورة هذا النهج المتشدد. وهكذا نجد إجماعا على تحريم الموسيقى والغناء والفنون الاخرى لدى جميع المذاهب الإسلامية, لما يسببه حسب رأيهم من انهيار للقيم والأخلاق وفساد الشباب وضياع الوقت وانهيار المجتمعات, والانحراف عن الدين, والتسبب في الكثير من الأمراض الجسدية والنفسية والروحية.

 

وهكذا نجد تعارضا بين معطيات البحث العلمي وتفسير الخطاب الديني, ويثير لدينا تساؤلا: " إذا كان الخطاب الديني لا يقف بالضد من نتائج البحث العلمي كما يدعي كل فقهاء الدين, فعلام هذه الفرقة بين العلم والدين في إحدى قضايا الحياة الروحية والنفسية والجسدية, إلا وهو الفن والموسيقى والغناء, أم هي دعوة مستديمة ومتجددة لفصل الدين عن الدولة وعدم التدخل في الحريات الشخصية, ولكي تأخذ مكونات الحياة الفكرية والثقافية والعقلية نصيبها من الثراء والرقي والتقدم بعيدا عن عبث المتأسلمين.  وتأتي هنا واقعة الهجوم على مهرجان الأفتتاح لبطولة غرب آسيا الذي اقيم في كربلاء ترجمة سلوكية واضحة من قوى الاسلام السياسي وموقفها العدائي من الفنون, وما افتعال قدسية المكان إلا لصب الزيت على نار التدخل في الحياة العامة وإشعال المزيد من الفتن وعدم الاستقرار.      

 

 

أثر الهالة النفسية في تفسير

ثورة 14تموزعام 1958في العراق

 

د.عامر صالح

كثر الحديث في ظروفنا الحالية عن ثورة الرابع عشر من تموز للعام 1958والتي اسقطت النظام الملكي وأسست اول جمهورية فتية في تاريخ العراق السياسي المعاصر, ثم أطيح بالثورة في 8 شباط عام 1963 عند استلام البعث للسلطة وبعدها تحول العراق الى مسرح للأنقلابات والمؤمرات العسكرية والمخابراتية والحزبية وكان آخرها قبل الأحتلال الامريكي للعراق هو انقلاب 17 تموز للعام 1968 الذي أتى بالبعث مجددا للسلطة. وكان الحديث عن ثورة تموز يتداوله بصورة خاصة فريقين: فريق انصار الثورة وحلفائها ومؤازيريها يها والذي يرى ان الانقلاب على الثورة سبب في اهدار فرص تاريخية للعراق واستقراره وتقدمه وازدهاره نعاني منها الى اليوم, والفريق الآخر يرى أن في ثورة تموز هو عمل انقلابي عسكري أسس لمسلسل الانقلابات اللاحقة والذي قطع الطريق على التجربة الملكية الناشئة في الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

أذا كانت الشعوب هي التي تزكي أنظمتها او تحجب عنها الشرعية فأن ثورة 14 من تموز/1958 تمتعت منذ انطلاقتها الأولى وحتى نهايتها على يد النظام الأنقلابي البعثي الفاشي في 8 شباط/1963 بزخم جماهيري هائل واستعدادات ذاتية للدفاع عنها, ولم يكن موقف الشعب العراقي انذاك موقفا انفعاليا عابرا بل استند الى مجمل المعطيات الأقتصادية والأجتماعية والأنسانية العامة التي كان برنامج الثورة يتبناها ويسعى الى تحقيقها وكانت بمجملها تستجيب لمطالب الشعب العراقي في تحسين ظروف العيش والحياة العامة والسيطرة على ثروات البلاد بعد ان أخذ الفقر والبؤس والعوز والفساد مأخذه في حياة الناس في الحقبة الملكية وبالتالي كانت الثورة استجابة لتفاعلات العوامل الذاتية والموضوعية التي وصلت ذروتها في رحم النظام الملكي. وقد كانت للثورة انجازات كثيرة وأهمها القضاء على الإقطاع وإلغاء قانون دعاوى العشائر وإصدار قوانين عادلة كثيرة مثل قانون الأحوال الشخصية وقانون الإصلاح الزراعي وقانون مجانية التعليم وقانون تأميم النفط وكذلك التطور الملموس في الاعمار والاسكان والصحة وعموم الخدمات قياسا بعمر الثورة التي لم تكمل الخمس سنوات.

ومن اراد ان يطلق تقيما لثورة 14تموز اليوم عليه ان يقيم ذلك الحدث ضمن خصوصية الزمان والمكان الذي وقعت فيه الثوره واعتقد سيسعفنا منهج البحث التاريخي وادواته في وضع الثورة في سياقها الذي نشأت فيه, وبالمقابل أن من يمجد الملكية العراقية اليوم عليه ان لا يتأثر في تقيمه بنموذج مملكة السويد أو الدنمارك او المملكة البريطانية ويتخذها محكات لأضفاء الهالة على المملكة العراقية, فالملكية في العراق كانت تعكس في طبيعتها تحالفات الأقطاع والعشائر مع سلطة الكومبرادور. كما ان الباحث الموضوعي في هذا الشأن عليه ان يقتفي اثر منهجية البحث العلمي الشاملة في الاحاطة بالظاهرة وملابساتها ومراحل تشكيلها, فعندما تنتقد جوانب عديدة في مسار ثورة تموز القصير عليك انسانيا ان لا تبارك الانقلاب عليها وتشجع على سفك المزيد من دماء الابرياء, او تسكت عن عقود لاحقة من الحروب والظلم الاجتماعي التي سببها نظام البعث الى ما قبل سقوطه في 2003 على يد المحتل الامريكي.

اما ما يشار الى الظواهر اللاانسانية التي حدثت في بداية الثورة من سحل وقتل وتعذيب لرموز النظام الملكي فهي ظواهر يندى لها الجبين وغير مقبولة قيميا واخلاقيا وانسانيا وان السلوك الوحشي اتجاه من يعارضك مرفوض جملة وتفصيلا, ولكن للامانة التاريخية وهناك وقائع جرت في العهد الملكي فاقت اضعافا مضاعفة حجم ضحايا ثورة تموز " ان صح التعبير " وان اعداد من سقطوا في ظل النظام الملكي " على سبيل المثال لا الحصر " في مدينة الحي الصغيرة لوحدها عام 1956 أو في سجن الحلة أو في انتفاضة 1948 يفوق ما حدث في 14 تموز. عدا عن المجزرة التي ارتكبت ضد عمال النفط المضربين في كركوك، وعمال النفط في البصرة، ووثبة كانون عام 1948 ضد معاهدة بورتسموث، وانتفاضة تشرين عام 1952 في بغداد، ومجزرة عام 1933 ضد الآثوريين في الشمال والتي ذهبت ضحيتها في اقل التقديرات خمسة آلاف ضحية, الى جانب الاعدامات والتصفيات الفردية للكثير من القيادات السياسية المعارضة والنشطاء السياسيين. الى جانب الرعب اليومي للاجهزة السرية والمخابراتية.

 

اما اعمال العنف والتصفيات الجسدية لرموز النظام الملكي ولاحقا لرموز اول جمهورية فأنها تعبر جليا عن سلوكيات القطيع الخطيرة في المنعطفات التاريخية واكثرها خطورة تلك التي يغذيها خطاب الثقافة الشوفينية والعنصرية الذي يشدد من قبضة الكراهية واستباحة الدم والتحريض على القتل. ان مرور 61 عاما على ذكرى الثوره واستعصاء أزمة الحكم وعدم المقدرة على حل المعضل السياسي وعدم وجود انجازات في الحاضر جعل الناس اكثر نكوصا وتقهقرا وعودة الى الماضي للبحث في ثناياه بما يشبع رغبتنا في الأنجاز ولعل الأفراط في الحنين الى الملكية واعتبار كل ما حصل فيها هو مثالي ويجب استذكاره وتكراره هو مؤشر لأحباطات الحاضر وعدم القدره في ألتماس افق مستقبل افضل. اما الهجومات هنا وهناك على ثورة تموز فهي اسقاط سيكولوجي بأمتياز في تحميل الآخرين فشل المنظومات السياسية التي أتت ما بعد الثوره الى يومنا هذا حيث خاتمتها الأحتلال الأمريكي واسقاط الديكتاتورية عبر الأحتلال والذي اسقط الدولة ومؤسساتها ولم يسقط النظام ومنظومته الأخلاقيه.  

ان البحث المحايد نسبيا في ثورة 14 تموز عام 1958وتناولها في اطار الظروف الوطنية والاقليمية والدولية التي نشأت فيها يضعها في مكانها الصحيح, ولا يمكن لنا ابدا تقيم الثورة انطلاقا اليوم من اسقاط ظروف الحاضر المتغير ومطالبة الثورة ما يجب ان تكون اليوم عليه فهذا مغاير لسنة الحياة المتجددة بدون انقطاع وخاصة في السياسة, ولكن بما لا يقبل الجدل كان قائد الثورة الشهيد عبد الكريم قاسم وطنيا مخلصا ومحبا لشعبه بفطرته الخالصة, اراد الخير للعراقيين ولكن الشوفينية القومية والتعصب الاعمى والاستحواذ على السلطة لم تدعه يكمل مشواره. كل بلاد العالم وخاصة المتحضر منه تحترم ثوراتها الوطنية والتحررية رغم اختلافاتهم في تقييم الاحداث ولكن يبقى الاعتزاز برموزها قائما الى اليوم وكل حسب ادائه ومهمته في ظروف تختلف نوعيا عن ظروف الحاضر. 

بالتأكيد ان الحديث عن عبد الكريم قاسم اليوم في العراق وخاصة بعد سقوط النظام الدكتاتوري ومرور 16 عاما على ما يسمى النظام الديمقراطية في العراق هو الآخر ذو شقين: الاول يدعو الى الاستفادة من دروس الثورة لأصلاح الحياة العامة في العراق والوقوف ضد الاحترابات القومية والمذهبية التعصبية والشوفينية التي حرفت مسار ثورة الرابع عشر من تموز ويدعو هذا الفريق ايضا الى الذهاب بعيدا وجديا في تنفيذ مشروع الاصلاح الشامل في منظومة الحكم الفاسدة ودرء خطر عودة داعش مجددا, وفريق لا يستطيع تجاوز اخطاء الثورة التي حصلت والارتقاء ببدائل التفكير المنتج لأعادة صياغة الحاضر في مستجدات العصر وضروراته وشعارهم دوما: " لو مو عبد الكريم قاسم لكان أحنة هسه بنعيم الملكية ". انها فعلا ازمة فشلنا في استثمار الماضي ايجابيا وصعوبتنا في بناء حاضر ومستقبل افضل ..

 

 

رأي تربوي في صعوبة

الأسئلة الأمتحانية في العراق

 

د.عامر صالح

 

تداولت وسائل التواصل الأجتماعي صعوبة الأسئلة في بعض المواد الدراسية في الأمتحانات الوزارية في العراق ومنها مادة اللغة العربية لطلبة الثانوية. يبدو الحديث هنا عن جزئية بسيطة في اطار ازمة التربية والتعليم في العراق عموما والتي تجسدها غياب فلسفة تربوية وما يتبعها من غياب لأهداف التربية والتعليم على مستوى المراحل الدراسية وكذلك على مستوى الأهداف الخاصة للمواد الدراسية. فالصعوبة في صياغة اسئلة المواد لا يعني ابدا ان العملية التربوية والتعليمية بخير وتتمتع بكفاءة عالية وتنعكس بدورها على صعوبة الأسئلة الأمتحانية.

المهم في العملية التعليمية هو ان المعارف الأساسية المطلوبة قد وصلت الى ذهن الطالب وتمثلت في سلوكه وعقله كأنماط سلوكية ومعرفيه وبالتالي فأن الأسئلة الواقعية والمعقولة الصعوبة تأتي تتمة لجهد الطالب والمعلم خلال سنة دراسية كاملة. الأمر في الأزمة هو صراع التعليم الحكومي مع التعليم الخاص وتمترس الفساد في كلا المؤسستين وغالبا ما يكون الطالب موضوعا للأبتزاز والأستغلال واخضاعه لألية المنافسة غير النزيهة وشراء جهد الطالب عبر الدروس الخصوصية واخضاعه لمنطق البيع والشراء في اشتراطات النجاح.

الطالب يتحمل جزء من هذا الفشل عبر جريه وراء ملخصات سريعه وسهلة يقدمها سوق بعض المعلمين , وتأتي الأسئلة هنا خلاف لتوقعات الطالب, ولكن اصلاح ذلك يمر عبر اعادة بناء منظمومة التربية والتعليم بعيدا عن المحاصصة والخصخصة الملوثة, والطلبة في النهاية هم ضحية النظام التعليمي والتربوي الذي اصبح ومنذ سقوط النظام الدكتاتوري في 2003 فريسة لنظام المحاصصة الطائفية والأثنية, وانعدمت فيه الفلسفة التربوية الواضحة التي تستقي مصادرها من معطيات التقدم العلمي والتقني والمعلوماتي والبعد الأنساني, وقد فتح فيه باب الأجتهاد والعبثية والارتجال على مصرعيها في تلك المؤسسات التي يعول عليها في بناء الأجيال وتأمين مستقبل عراق آمن قيميا واخلاقيا ومهنيا وعلميا.  

أما من حيث ازمة التقويم التربوي العامة لأداء الطلبة فهي في مجملها تقليدية لا تخرج عن نطاق اعتمادها على الأختبارات التقليدية الدورية الفصلية منها والنهائية, ويتم التركيز فيها على قياس التحصيل المعرفي في المستويات المعرفية الدنيا, والامتحانات بصورتها الحالية تقيس فقط القدرة على الاحتفاظ الميكانيكي بالمعلومات والحقائق الجافة, واهمال كافة اوجه النشاطات المختلفة والاهتمامات المتنوعة التي قد يقوم بها الدارسين خلال العام الدراسي سواء داخل حجرة الدراسة ام خارجها, وبالتالي النظر الى تقويم تعلم الطالب بانها عملية روتينية يتم اجرائها في نهاية الدرس او الفصل او السنة, يختزل فيها جهد الطالب على شكل درجات او تقديرات تمنح للطالب ليعرف موقعه بين اقرانه وكذلك ترفع الى السلطات التربوية بأعتبارهذه الدرجة والتقدير هي الحد الفاصل بين المعرفة من عدمها.

ومن هذه الخلفية المعوقة للتحصيل الدراسي الشامل يجري التكالب على الفوز بالأمتحانات وبأي ثمن, سواء من جانب الدارس او المعلم, فالدارس يريد النجاح بأي ثمن, والمعلم هو الآخر يبحث عن مصادر للدخل في ظل تدهور المنظومة التربوية, وبالتالي تتحول العلاقة بين الدارس والمعلم الى علاقة بين بائع ومستهلك, وعلى مدى ابعد يرتبط بأجندة ارتهان الطالب وتحديد مستقبله في وسط صراع المؤسسات التعليمية وخاصة الخاصة منها التي تنتطر مخرجات سوق العملية التربوية في ظل منافسة غير نزيهة يكون ضحيتها الطالب.    

أن اصلاح نظم الأمتحانات او بصورة اشمل تقويم العملية التربوية والطالب في مقدمتها هو جزء من منظومة الأصلاح الشامل للنظام التربوي وعناصره الاساسية والبنيوية, وفي مقدمتها المنهج والمعلم والطالب وهذا يستدعي بالضرورة التحديث المستمر لوسائل تقويم الطالب الشامل المتعدد الجوانب أو ما يسمى بالتقويم الواقعي الشامل الذي يقوم على مبادئ الفهم الصحيح والواقعي لماهية ووظيفة االأختبارات والتقويم المدرسي عموما, والذي يقوم على مبادئ ابرزها:

 

ان التقويم الواقعي إجراء يرافق عمليتي التعلم والتعليم ويربطهما معاً بقصد تحقيق كل طالب لمحكّات الأداء المطلوبة وتوفير التغذية الراجعة الفورية حول إنجازاته بما يكفل تصويب مسيرته التعليمية ومواصلة عملية التعلم, فهو تقويم يهتم  بجوهر عملية التعلم ، ومدى امتلاك الطلبة للمهارات المنشودة بهدف مساعدتهم جميعاً على التعلم . وهو بذلك تقويم بنائي يستند إلى عدد من المحكّات ، ويجعل تمكّن الطالب منها هدفاً منشوداً للتعلم والتعليم. وان العمليات العقلية ومهارات التقصي والاكتشاف هي غايات يجب رعايتها عند الطلبة والتأكد من اكتسابهم لها من خلال التقويم . ولا يتسنى ذلك إلا باشغالهم  بنشاطات تستدعي حل المشكلات وبلورة أحكام واتخاذ قرارات تتناسب ومستوى نضجهم .

والتقويم الواقعي الشامل يقتضي أن تكون المشكلات والمهام أو الأعمال المطروحة للدراسة والتقصي واقعية ، وذات صلة بشؤون الحياة العملية التي يعيشها الطالب في حياته اليومية . وبذلك تكون المشكلات المطروحة متداخلة تستدعي توظيف المعارف والمهارات للتوصل  للحلول المناسبة. كما ان إنجازات الطلاب هي مادة التقويم الواقعي وليس حفظهم للمعلومات واسترجاعها ، ويقتضي ذلك أن يكون التقويم الواقعي متعدد الوجوه والميادين ، متنوعاً في أساليبه وأدواته ، ولا تحتل الاختبارات بين هذه الأدوات سوى حيز ضيق. وهذه الاختبارات لا تعدو كونها نشاطات تعلم غير سرية يمارسها الطلاب دون قلق أو رهبة كما هي الحالة في الاختبارات التقليدية .

كما ان مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ في قدراتهم وأنماط تعلمهم وخلفياتهم وذلك من خلال توفير العديد من نشاطات التقويم التي يتم من خلالها تحديد الإنجاز الذي حققه كل طالب  يعد شرطا للتقويم الشامل. وهذه يجب أن تبين بوضوح نقاط القوة والضعف في كل إنجاز، ومستوى الإتقان الذي وصل إليه الطالب بالمقارنة مع محكات الأداء . فهو بالتالي عملية إنتاجية تفاوضية تهيئ للطالب فرصة التقييم الذاتي وفق محكات الأداء المعلومة لديه. ويتطلب هذا التقويم التعاون بين الطلاب . ولذلك فإنه يتبنى أسلوب التعلم في مجموعات متعاونة يعين فيها الطالب القوي زملاءه الضعاف. بحيث يهيئ للجميع فرصة أفضل للتعلم ، ويهيئ للمعلم فرصة تقييم أعمال الطلاب أو مساعدة الحالات الخاصة بينهم وفق الاحتياجات اللازمة لكل حالة.     

 ان هذا النمط من التقويم يركّز على المهارات التحليلية ، وتداخل المعلومات كما أنه يشجع الإبداع ويعكس المهارات الحقيقية في الحياة ويشجع على العمل التعاوني ، وينمي مهارات الاتصال الكتابية والشفوية كما أنه يتوافق مباشرة مع أنشطة التعليم ونتاجاته مؤكداً بذلك على تداخله مع التعليم مدى الحياة كما أنه يؤمن بدمج التقويم الكتابي والأدائي معاً ، ويعتمد على القياس المباشر للمهارة المستهدفة ، ويشجع التشعب في التفكير لتعميم الإجابات الممكنة ، ويهدف إلى دعم تطوير المهارات ذات المعنى بالنسبة للطالب، ويوجه المنهاج ، ويركز على الوصول إلى إتقان مهارات الحياة الحقيقية ويدعم المعلومات التي تعني ب ( كيف ولماذا )، ويوفر رصداً لتعلم الطلبة على مدار الزمن ، ويعد الطالب لمعالجة الغموض والاستثناءات التي توجد في أوضاع حقيقية للمشكلات ، ويعطي الأولوية لتسلسل التعلم أو لعمليات التعلم . ويتطلب تنفيذ التقويم الواقعي الشامل وقتاً لإدارته والرقابة عليه بما يتناسب مع معايير التعليم المفترضة وأن يكون هناك معايير موضوعية للتقويم ، كما يتطلب تدريب المعلمين وتقديمه للطلبة بصورة تدريجية بحيث يصبح مألوفاً لديهم لأنه يحتاج إلى مهارات لتطبيقه .

هذه هي جزء من الاتجاهات الحديثة في العلوم التربوية والنفسية التي تعني بشؤون تقويم الأداء, وهي بالتأكيد لا تصلح إلا في بيئة تربوية صالحة مؤمنة بالأصلاح كنهج للتقويم المستمر في العملية التربوية, وهي لا يمكن تنفيذها إلا في بيئة سياسية عامة هي الاخرى تؤمن باصلاح النظام السياسي والحياة العامة على اسسس من العصرنة والتقدم العلمي وتمثل القيم الانسانية في بناء الدولة والمجتمع, وبالتالي نرى ان مشكلة الامتحانات وصعوبتها المفتعلة في العراق هي جزء من مشهد الفوضى والفساد الاداري والمالي وتعثر العملية السياسية الذي ينعكس على كل القطاعات, وقطاع التربية والتعليم له حصة الأسد من مما يجري من فوضى سياسية مجتمعية.

هل يستطيع نظام المحاصصة

الطائفية والأثنية في العراق

إنتاج معارضة سياسية سليمة

 

د.عامر صالح

المعارضة بشكل عام هي الفطرة الأنسانية التي تجسدها صراع الأضداد في السلوك والظواهر الأنسانية المختلفة, السياسية منها والاجتماعية العامة وطبعا البيولوجية التي تكمن فيها اسرار سنة التطور والارتقاء في النوع البشري والانساني بشكل خاص, فالمعارضة تنشأ في رحم المكونات الاولى الجنينية سواء في المادة الجامدة أم الحية, ولعل في مخاض ولادة الطفل من رحم أمه تشكل جزء من ملامح تلك الظاهرة الغريزية, التي تجسدها محاولات الطفل الوليد في الخروج الى عالمه الجديد وبين آلية الاحتفاظ به في الأرحام, ولكن الجديد بمواصفات تقدمية يفرض نفسه وينطلق الى رحاب عالمه الأوسع.  

في السياسة وحيث المعارضة السياسية تشكل ركنا جوهريا في أي نظام نظام سياسي  إن كان مستبدا دكتاتوريا قمعيا أم نظام ديمقراطيا تعدديا, ففي النموذج الآول يكون دور المعارضة السياسية الأساسي هو لأسقاط النظام بعد ان تستنفذ مقومات وجوده وصلاحيته للبقاء خارج اطار الأصلاحات الممكنة التي تنقله نقلة جذرية صووب الأفضل, أما في النموذج الثاني حيث المعارضة السياسية الديمقراطية التي تستهدف اصلاح النظام الديمقراطي القائم بوسائل سلمية متاحة عبر موازين القوى السياسية واعادة تشكيلها في مؤسسات الدولة وخاصة البرلمانية منها وعبر استخدام الجماهير والشارع للضغط على الحكومة في الأستجابة للمطاليب الشرعية, في تحسين ظروف العيش والارتقاء بمستويات االحياة نحو الأفضل استنادا الى المعايير الدولية في حدودها المعقولة والدول المرجعية في التقدم والرقي الاجتماعي وفي الاستناد ايضا الى الامكانيات والموارد التي يمتلكها البلد.

في العراق وما بعد عام 2003 أي بعد سقوط الدكتاتورية بآلية الأحتلال الأمريكي حيث أسس نظاما سياسيا قائم على المحاصصة الطائفية السياسية والأثنية العرقية أخل بأنتاج نظام سياسي قائم على اساس الحكم والمعارضة ورفع شعار " الجميع يحكم " ويتقاسم كعكة المحاصصة أو العراق الغنيمة, وهكذا نشأ نظام سياسي شاذ عن اصول اللعبة الديمقراطية يتقاسم مغانم السلطة ويعيد انتاج نفسه عبر انتخابات برلمانية طال الشك بمصداقيتها في كل الدورات الأنتخابية وتوجتها سوءا وعدم شرعية الأنتخابات البرلمانية الأخيرة من ضعف المشاركة في الأنتخابات الى التزوير وحرق صناديق الأقتراع.

جميع القوى السياسية العراقية وخاصة الأسلاموية والأثنية منها الغير مؤمنة بالديمقراطية اصلا والتي وجدت في تلك البيئة السياسية المريضة ملاذا لأعادة انتاج نفسها عبر الترهيب والترغيب والتحايل, هذه القوى مجتمعة وجدت  نفسها في سلة الحكم والمغريات السلطوية وتقاسم النفوذ, اما معارضتها المفتعلة فهي جزء من اساليبها لأمتصاص نقمة الشارع الغاضب وغير المتسامح مع الفساد مستندة تلك القوى الى جمهور قطيعي غير معارض بالمعنى السياسي وممتثل لأوامر مرجعيته, فتراه مرة ممتعض منتفض وتارة أخرى خانع مستكن ينتظر نتائج الصفقات الطائفية والأثنية لكي يتلقى الأشارة بالهدوء المؤقت بأنتطار الحصول على المزيد من الغنائم وليست الحقوق المشروعة.

في النظم الديقراطية الحقة المعارضة مثلها مثل الحكومة فهما وجهان لعلمة واحدة تجسدها الديمقراطية والتدوال السلمي للسلطة وهي حكومة الظل المرتقبة عند تراكم اخطاء الحكومة, فالمعارضة هي ملجأ المواطن الآمن عند الاحساس بالظلم وانتهاك الحقوق وعدم تحقيق المطالب العادلة, والمعارضة السياسية هي حجر الاساس في النظم الديمقراطية والذي افتقده العراق بفعل نظام المحاصصة البغيض والذي افرغ مفهوم الديمقراطية من محتواها الأنساني وحول الصراع على السلطة صراع غابة يسيطر فيه المسلح والمليشياوي وتدخل الأجندة الخارجية لتقرير مستقبل العراق وشعبه.

واليوم حيث لاجديد يذكر في معالجة اوضاع العراق ومعاناته في ظل حكومة عبد المهدي وفي محاولة للتملص من المسؤولية التاريخية تنطلق دعاوى التمويه تحت عباءة المفهوم الجديد للمعارضة التي ابتدعها الأسلامويين على شاكلة "معارضة تقويمية" و"معارضة دستورية" تخفي ورائها ممارسة الضغط لأعادة توزيع غنائم السلطة, فعادل عبد المهدي لم يأتي من كوكب آخر بل أتت به القوى الغير راضية عنه اليوم والتي تروم معارضة حكومته, وجميع القوى التي ستعارضه لم تكن بعيدا عن الفساد وملفاته الشائكة او تقاسم النفوذ في السلطة ابتداء من اصغر موظف الى الوزير وصعودا الى قمة هرم جميع السلطات.

 

ان الأزدواجية الأخلاقية السياسية التي يمارسها الأسلام السياسي هي محاولات بائسه للظهور بمظهر المتقن والمتعفف لأدارة فن الصراع في الأزمات وتناسوا أن هم انفسهم من أسقط مفهوم المعارضة السياسية من خلال اللجوء الى التوافق سيئ الصيت والذي تم اختيار عادل عبد المهدي على اساسه, وحين يشتد البؤس الأجتماعي والأقتصادي وتسيئ الأحوال العامة فأن الأسلامويين يستنفروا كل قواهم للظهور بمظهر المدافع الأمين عن مصالح الشعب والوقوف معه بواجهات المعارضة ذات المسميات المختلفه ولكن محتواها المعطل لأرادة الأصلاح الجذري هو واحد. أن الأصلاح السياسي والدستوري الشامل هو المدخل للحفاظ على العراق وطنا صالحا للجمبع اما عدا ذلك فأن الجميع ذاهبا الى الجحيم وسيبقى العراق آمنا بما تبقى من الشرفاء.

عيد المرأة العالمي في الثامن

من آذار مناسبة ضد العنف

والأذلال والقهر والتطرف

د. عامر صالح

في العام 1977 وفي القرار (32 / 142 ) دعت الجمعية العامة الدول إلى إعلان يوم من أيام السنة يوما للأمم المتحدة لحقوق المرأة والسلام الدولي, وذلك وفقا لتقاليدها وأعرافها التاريخية والوطنية. وقد دعت الجمعية العامة الدول إلى المساهمة في تعبئة الظروف اللازمة للقضاء على التميز ضد المرأة وضمانة مشاركتها الكاملة في التنمية الاجتماعية وعلى قدم المساواة مع الرجل. وقد اتخذ الإجراء غداة السنة الدولية للمرأة ( 1975 )  وعقد الأمم المتحدة للمرأة ( 1976 ـ 1985 ) اللذين أعلنتهما الجمعية العامة. وقد اتفق على أن يكون الثامن من آذار عيدا عالميا للمرأة. ويشكل هذا الإعلان قيمة أخلاقية وإنسانية في إعلانه صراحة على الصعيد العالمي بعدمية الفروق بين الجنسين في المساهمة في الحياة والحقوق العامة. ويشكل هذا الإعلان عودة إلى الفطرة الإنسانية والى مرحلة تاريخية ما قبل اللاتساوي بين الجنسين ونبذ الفروق الجسمية والعقلية والنفسية باعتبارها مصدرا بهيميا لعدم المساواة والتي يبنى عليها شتى مظاهر اضطهاد المرأة. 

لم يكن الإعلان عن يوم عيد المرأة العالمي من قبل المنظمة الدولية وليد ساعة التفكير به , بل هو نتاج مخاض تاريخي طويل الامد, سبقته إحداث كبرى من الاحتجات ضد اللامساوات, ولم يكن الثامن من آذار إلا خاتمة شكلية لها. فقد أضربت مئات العاملات عام 1857 في نيويورك في إحدى مصانع الغزل والنسيج احتجاجا على انخفاض الأجور وظروف العمل السيئة وسوء المعاملة, ثم تلتها بخمسين عاما, أي عام 1907 إحياء لهذه الذكرى, ثم أعيدت نفس الاحتفالية عام 1908, وتوالت كذلك فعاليات مشابهة قي أعوام لاحقة. أما الطابع العالمي لليوم فقد طرح لأول مرة في عام 1910 من الوفود النسائية الاشتراكية والنسوية المشاركة في مؤتمر الأممية الثانية في كوبنهاكن التي شددت على التضامن العالمي بين عاملات العالم.

كما نشير هنا إلى دور الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي الذي تأسس في عام 1945 ودوره الكبير في التعبئة لقضية المرأة ومساواتها متأثرا بالفكر اليساري للعدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين, ولعب الاتحاد المذكور دورا تثقيفيا في مختلف بقاع العالم في تهيئة المزاج الدولي والإقليمي والقطري لإبراز قضية المرأة وتأكيد استحقاقاتها التاريخية في المساواة والعدالة والمساهمة في إبراز منظومة التحديات التي كانت ولا تزال شرائح عريضة من نساء العالم يشعرن أنهن يواجهنها على كافة الأصعدة الحياتية, إلى جانب الإشادة واستعراض الانجازات والمكاسب التي حققتها المرأة على مر العقود المنصرمة في كافة المجالات وضرورة الحفاظ عليها.

 أما بخصوص مجتمعاتنا العربية والإسلامية وأسوة بأغلبية بقاع العالم المتخلف, حيث العائلة البطريركية في ظل بنية اقتصادية ـ اجتماعية متخلفة, هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي تؤسس لإضطهاد الفتاة ثم المرأة واستلابها, حيث يأخذ هذا الإستلاب طابعا مقدسا يستمد شرعيته من تفسير النصوص الدينية الوارد على ألسنة المشرعين والمفتين الذين يتدخلون بالتفاصيل الدقيقة لحياة المرأة وفرض الوصاية عليها, من طريقة لباسها وكيفية معاشرتها للآخرين وكذلك تقرير سقف ومدى مساهمتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, والتحكم بها باعتبارها تابعا للرجل وجزء من ممتلكاته الشخصية, كما وصل بهم الإفتاء إلى إباحة أجزاء من جسدها لغير زوجها " كإرضاع الكبير ومفاخذته ", وإيجاد أشكال ظرفية عديدة ومختلفة من الزواج المؤقت, ويأخذ الاستلاب طابعا أكثر مرارة عندما يختلط الدين مع السياسية, ليتحول أكراه واستلاب المرأة إلى قوة قانونية ملزمة عليها من السماء والأرض.

وتبدأ الفتاة والمرأة كمشروع للاستلاب منذ نعومة أظافرها, حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية, خارج إطار والديها, من أخوانها الذكور الصغار والكبار, حتى إذا بلغت اشتدت دائرة الرقابة عليها من الجميع, ثم يستقبلها زوجها فيعيد إنتاج تربيتها وفق لما يرتئيه مناسبا له, بل حتى أطفالها الذكور يساهمون في " تربيتها " وفرض دائرة من الممنوعات على حركتها وحريتها الشخصية, وتتعرض إلى شتى مظاهر الإساءات كامرأة أو زوجة, من الإذلال وجعلها تشعر بعقدة الذنب, وإساءة معاملتها جسديا بالضرب والتهديد والوعيد, ومنعها من التعاطي بالمال وإيجاد فرص عمل لكسب المال وجعلها معتمدة كليا على مال الرجل أو اغتصاب مالها الخاص والتصرف به, وعزلها اجتماعيا ومنعها من الاتصال بالآخرين إلا بموافقات مسبقة وبشروط محكمة في الصرامة ومراقبة تحركاتها عن كثب, إلى أين تذهب ومع من تلتقي, وجعلها تشعر بالذنب أمام أخوانها أو أولادها وتهديدها من عدم رؤية أولادها وحتى ممارسة الضرب والاهانة لها أمامهم, وممارسة الإكراه والتخويف والتهويل لها وإجبارها على القيام بمختلف التصرفات التي قد تؤذي فيها حتى نفسها. 

ورغم تعرض االأنثى, فتاة كانت أم امرأة, في مجتمعاتنا إلى مختلف صنوف التعذيب والعنف الجسدي والنفسي والأخلاقي, إلا أن العنف الرمزي هو أكثر الأشكال ضررا وإيغالا في معاناة المرأة, وهو عنف غير فيزيائي, ويتم أساسا عبر وسائل التربية وتلقين المعرفة والايديويوجيا, وهو كما يصفه بورديو بأنه " شكل لطيف وغير محسوس من العنف ", وهو غير مرئي بالنسبة للضحايا أنفسهم. كما أن العنف الرمزي يمارس على الفاعلين الاجتماعيين بموافقتهم وتواطئهم, ولذلك فهم غالبا ما لا يعترفون به كعنف, بحيث أنهم يستدمجونه كبديهيات أو مسلمات من خلال وسائل التربية والتنشئة الاجتماعية وأشكال التواصل الاجتماعي. فالتربية "الذكورية " ابتداء من البيت والنشأة الأولى وما تتركه من انطباعات سيئة عن الأنثى بأنها مخلوق ثانوي تلقي بضلالها على الكثير من السلوكيات اليومية المذلة للمرأة, والمدرسة وتخلف مناهجها وما تبثه من معلومات حول الفرو قات بين الجنسين واستخدامها بشكل سيئ لتوجيه الطعون ضد المرأة وأهليتها الاجتماعية, الفصل  بين الجنسين في المدرسة وخاصة في مراحله الأولى يؤسس منذ البدء للريبة وسوء الظن بالجنس الآخر, والاستعانة بالتراث السلبي وانتقاء أحداثه بطريقة متحيزة بما يضفي إلى تصور المرأة كائنا شريرا وناقصا ولا يحمل إلا المنعطفات والأحداث السيئة, الأفكار والإيديولوجيات السائدة التي تكرس الشائع واللامنطقي عن المرأة وعدم مقدرتها على تجاوز الواقع, الاستعانة بتفسيرات الكتاب المقدس والسنة النبوية بما يفضي إلى تكريس اللامساواة وتشويه قدرات المرأة وإمكانياتها, كما يرد في " المرأة ناقصة عقل ودين ", وكذلك الفتاوى الدينية المختلفة التي تتدخل في التفاصيل الدقيقة للمرأة ووضعها في غير مكانها المناسب. أن هذا النمط من العنف الثقافي والتربوي الرمزي والخفي يجد له انعكاساته ليست فقط في ممارسات الرجال ضد المرأة, بل الأخطر من ذلك أن المرأة تعتبره قدرا وتتفاعل معه إلى درجة الدفاع الخفي عنه وعن مرتكبيه " أي الضحية تدافع عن الجلاد ". وهذا الفرق الواسع بين العنف في مجتمعاتنا وبين العالم المتمدن, حيث في الأخير لن يلقى الدعم والإسناد من المنظومة القيمية والفكرية السائد وبالتالي هو مدان على نطاق واسع بما يحد من إعادة توليده, وهو بعكس ما سائد لدينا حيث يلقى التفسير والإسناد والإثابة في أحيان كثيرة.

وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية والإقليمية بتنوعها الديني والاثني والقومي, وعلى الرغم مما حققته من انجازات فردية على صعيد انخراطها في التعليم بمختلف مراحله, ودخولها عالم المهن المختلفة من طبية وتدريسية وهندسية وإدارية وجامعية, وصولا إلى تبوئها مناصب عليا وزارية وغيرها, فهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنها حققت تقدمها في المساواة مع الرجل, بل المهم في ذلك كله هو المزاج والموقف العقلي والفكري من مساواتها, فهي لازالت مشروع استلاب منذ نعومة أظافرها, حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية وتتعرض إلى مسلسل لا حصر له من الممنوعات من صغرها حتى شيخوختها, إلى جانب ما تتعرض له من مختلف صنوف التعذيب والعنف الجسدي والنفسي والأخلاقي, وكذلك العنف الرمزي غير المرئي الذي يتجسد عبر الثقافة والتربية والموقف المذل منها يوميا عبر معاملتها كجنس من الدرجة الثانية, وفصلها اجتماعيا عن الرجل سواء في البيت أو المدرسة أو الدائرة ومنعها من الاختلاط والتدخل في تفاصيلها اليومية, انطلاقا من مسلمات لا صحة لها " كناقصة عقل ودين ".

أن عملية المساواة هي أولا وقبل كل شيء عملية ذهنية ـ عقلية/اجتماعية, تنشأ بفعل عملية التنشئة الاجتماعية والتربية المستديمة للفرد اتجاه نفسه واتجاه الجنس الآخر, تلعب الأسرة فيها دورا مهما وعلاقات الوالدين بالطفل ذكرا أم أنثى, ومعاملة الإخوة الذكور للأخوات الإناث, والتربية المدرسية وما تبثه من فلسفة تربوية حيث تعرض الفرد لمختلف وجهات النظر الفكرية والعقلية اتجاه الجنس الآخر, فيتبلور لدى الفرد اتجاها محددا نحو نفسه ونحو الجنس الآخر, وكذلك العادات العامة والتقاليد, ثم المؤسسات الاجتماعية المختلفة الرسمية منها وغير الرسمية, والأحزاب والأيدلوجيات المختلفة ومدى نفوذها في الوسط الاجتماعي . 

 

أن حقيقة كون اللامساواة بين الجنسين هو نزوع ثقافي أولا, يكفي أن نرى عمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تجري في البلدان المتقدمة, والتي قامت على خلفية ظهور الفكر التنويري وانتعاش حركات الإصلاح والمساواة الاجتماعية, ولاحقا تعزيز التقاليد والاحترام والالتزام بقرارات وتوصيات المنظمات والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق المرأة, وعدم تجاهل مطالب الحركات التحررية النسائية اليومية منها والمستقبلية. ولا نقول أن ما يجري في البلدان المتقدمة بخصوص النساء هو نموذجي ولا يمكن الطعن فيه,لأن في ذلك هو مجافاة للحقيقة في الكثير من وجوهها, ولكن المقارنة مع ما يحصل في مجتمعاتنا هو الذي يضعنا في صورة التفاوت المريع.

وإذا نحتفل بعيد المرأة العالمي في ظل ظروف إقليمية وعربية وإسلامية تضيق فيها فسحة المساواة ويتعرض فيها فكر المساواة إلى مزيدا من التشكيك والضربات المختلفة, وينتعش فيها الفكر المتطرف الديني والسياسي الذي يرمي المرأة خارج إطار عملية الصراع أو تحيدها أو إجبارها على الوقوف إلى جانبه, وتسفيه دورها اللازم في عمليات التغير واعتبارها تابع لاجدوى من مساهمتها في الحياة السياسية والاجتماعية, فأن الجهود الصادقة والحريصة, الدولية منها والإقليمية والقطرية, يجب أن تتوجه إلى أنقاض المرأة من سلوكيات الإذلال والحط من قيمتها الشخصية والاجتماعية وفسح كافة فرص المساهمة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للمساهمة في بناء مجتمعات أفضل لا تخضع لمزاج الفتاوى الشخصية والاجتهاد المبتذل, فمكانة المرأة ليست موضوعا للاجتهاد بل هي موضوع للمساواة وتحقيق العدالة الاجتماعية بين قطبين متكافئين. وكل عام والمرأة نحو الأفضل.

 

 

 

الداعشية في كربلاء تنتهك

حرمة الدم وتغتال العقل المدني

 

د.عامر صالح

 

في مساء يوم السبت المصادف 02ـ02ـ2019  أقدم مسلحون من الظلاميين الأوباش والمتلبسين في الثقافة الداعشية في تصفية الحرث والنسل على اغتيال الناشط المدني والروائي والاكاديمي الدكتور علاء مشذوب وقد امطروه بوابل من الرصاص أمام منزله في مدينة كربلاء والكائن في منطقة محصنة أمنيا, وعلى ما يبدو من فعل الجريمة فأن قرار اعدامه بالرصاص قد أتخذ مع سبق الأصرار في سيناريو أقل ما يقال عنه سيناريو جبان وقد نفذ  من قبل المجرمين من المتشبهين بالرجال بحق ناشط وصحفي يفكر بطريقة حرة, رجل طموح لعراق ديمقراطي يخلو من الأرهاب والطائفية الكريهة والمحاصصة الأثنية والمذهبية المريضة والرعناء ذات الأصول الدموية الغارقة في الفساد الأداري والمالي والأخلاقي, ومتخذة من الطائفة والمذهب والعرق شماعة لأرتكاب جرائم بحق الشعب العراقي وبحق الانسانية جمعاء.

 

يطال الشك الى مصداقية النصر على داعش وتثبيته عسكريا في مناطق تواجدها سابقا عندما لا يقترن ذلك بثقافة احترام الرأي والرأي الآخر في المناطق التي تتواجد فيها سلطة الدولة الاتحادية في محافظات الوسط والجنوب, لأن محاربة داعش عسكريا يجب ان يتزامن ويقترن حثيثا في القضاء على ثقافة داعش وأمتدادتها في كل التراب العراقي, تلك الثقافة الوسخة التي يجسدها العقل السيكوباتي المريض في وسط العراق وجنوبه وشماله, والتي تدعي أحتكار الحقيقة عبر تسويف المذهب والطائفة والعرق وتوظيفه لمصلحة تفكيك النسيج الاجتماعي واشاعة ثقافة التصفيات الجسدية والنفسية وخلق الفوضى المدمرة, وهي ثقافة داعشية تسعى داعش وحلفائها في الفكر والممارسة لإشاعتها بديلا عن التواجد العسكري المباشر.

 

لقد أقدم هؤلاء الجبناء على تصفية الناشط والباحث علاء مشذوب ليؤكدوا لنا أن داعش موجودة في كل حتة عراقية وفي كل زمان وبأمكانهم أن يستنسخوا داعش اخرى ذات مواصفات ثقافية وسلوكية تخريبية لاتقل ابدا في جرمها وصلافتها عن داعش الرسمية والمعروفة لدى الغرب والشرق, فالداعشية سلوك إجرامي وهو أرهاب منزوع الصلة بدين أو مذهب بعينه, وبأمكانك ان تكون داعشيا عندما لا تحترم حرية التعبير والصحافة والرأي الآخر, والأسوء من ذلك عندما أقدموا على قتل رجل في ذروة عمر عطائه  كما غيره من شهداء الكلمة الذين تمت تصفيتهم من قبل رواد الثقافة الداعشية.

 

ان الحرية الاعلامية والصحفية وحرية التعبير تشكل ركنا من أركان الدولة المدنية والديمقراطية وقد تكرست هذه الحرية في جميع المواثيق الدولية, والعراقية ايضا من خلال الدستور, وبالتالي فأن الأقدام على قتل الصحفي والكاتب والروائي علاء مشذوب هو جريمة أسوة بجرائم اختطاف وقتل الصحفين التي ارتكبت سابقا في العراق, وهي ليست آخر الجرائم في بلد يفتقد الى الامن الشامل, وهي جرائم ضد الأنسانية وتهدد بقاء النظام السياسي أي كانت صبغته ومصداقيته في الحفاظ على أرواح المواطنين والصحفيين والكتاب والاعلاميين وأصحاب الكلمة الحرة بشكل عام.

 

ان ما قام به علاء مشذوب كناشط مدني وصحفي وكاتب في نقل المعلومات الأمينة والصادقة والحيادية والكتابة عن معاناة الناس وفضح الطائفية السياسية, وقد جاءت كل نشاطات الضحية المذكور منسجمة مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان في حرية النقد والتعبير وحق التجمع والتظاهر وابداء الرأي المغاير, كما كانت نشاطاته منسجمة مع روح الدستور العراقي ونصوصه الصريحة في احترام حرية الرأي والتظاهر والتجمع.

 

لم يكن نشاط الشهيد علاء مشذوب داعيا للحرب, ولا للصراعات الطائفية والاثنية ولا للتميز العرقي والمذهبي والطائفي, ولا للكراهية الوطنية والقومية, ولم يكن في يوم ما داعية لاستخدام العنف والعدائية. ان ما قام به علاء مشذوب يصب في جوهر الحرية الاعلامية والصحفية وفي خدمة المواطن العراقي وصيانة حقوقه المشروعة في العيش الكريم, وممارسة النقد لمختلف الظواهر الاجتماعية ذات المساس بتهديد السلم الأهلي وتهديد كرامة الانسان العراقي.

 

 والشهيد علاء مشذوب، كاتب عراقي من مواليد 1968 في قمة تراكمه الابداعي وعطائه المعرفي, نال شهادة الدكتوراه في الفنون الجميلة عام 2014، وكتب بحوثاً ودراسات عديدة في مجال إختصاصه.. توالت مجاميعه القصصية: (ربما أعود إليك) عام 2010، و(الحنين إلى الغربة) عام 2011، و(زقاق الأرامل) عام 2012، و(خليط متجانس) عام 2013، و(لوحات متصوفة) عام 2017.. وفي الرواية، بدأ مع روايته (مدن الهلاك ـ الشاهدان) عام 2014، و(فوضى الوطن) عام 2014، و(جريمة في الفيس بوك) عام 2015، و(أدم سامي ـ مور) عام 2015، و(إنتهازيون … ولكن) عام 2016، و(حمام اليهودي) عام 2017، و(شيخوخة بغداد) عام 2017.

 

فلتتظافر كل الجهود الوطنية المخلصة, من أجهزة أمنية وأستخباراتية ومنظمات أنسانية عالمية ووطنية ومنظمات مجتمع مدني عراقية من اجل تكثيف الجهود " وخاصة في مدينة كربلاء " التي وقع فيها استشهاد علاء مشذوب ومعرفة القتلة المجرمين منفذي الاغتيال ومن يقف ورائهم وانزال اقصى العقوبة بالجناة حثالى المجتمع وأعداء حرية التعبير والأمن المجتمعي, أما ان تسجل الجريمة كعادة الجرائم السابقة " نفذت من قبل مجهول " بعد نقل الضحية الى الطب العدلي لتأكيد الوفاة وتبقى التفاصيل قيد الكتمان والتستر على القتلة, فأن ذلك سيسهم بشكل كبير في انتزاع الثقة المجتمعية في الاجهزة الامنية والاستخباراتية وبالتالي اطفاء اي بصيص أمل في استتاب الامن وترك شعبنا ضحية سهلة بين انياب ميليشا السلاح المنفلت. لروح علاء مشذوب الطمأنينة والسلام والخزي والعار للقتلة اعداء الحياة.

 

في سيكولوجيا رمادية

الوضع السياسي في العراق

 

د.عامر صالح

 

أن تحقق هدفا انسانيا مجتمعيا كالخلاص من نظام دكتاتوري يجب ان تكون لك القدرة الذاتية العالية على التنظيم والأعداد والتنفيذ الجماهيري, الى جانب التسلح برؤية مستقبلية للأحداث ما بعد سقوط النظام واستقراء للبدائل الممكنة ذات المضامين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, الى جانب القدرة العالية على اعداد الشعب وطلائعه السياسية لأحتواء احداث ما بعد السقوط.

ما حصل في العراق هو ان هناك أزمة عامة يعاني منها النظام السابق ولم يكن يستطيع الاستمرار في البقاء إلا عبر القمع الواسع وأخلاء الساحة العراقية من أي فرصة للتنظيم المعارض الواسع للنظام, وعمل النظام عبر عقود بقائه على البطش والأقصاء وتهميش المعارضة والتنكيل بها, حتى اصبح النظام تقريبا هو اللاعب الوحيد في الساحة مقابل معارضة سياسية انتشر معظمها في بقاع الارض المختلفة من دول العالم, وبالتالي نقول هنا انطلاقا من مسلمات علم الثورة: لكي تقوم بثورة ما فهناك مقومين, اولهما موضوعي يتجسد في حالة البؤس والفقر والظلم والطغيان والفساد والاضطهاد التي يمارسها ويعج بها النظام السياسي وتهالك مقومات بقائه كنظام صالح للعيش والبقاء, والمقوم الثاني وهو العامل الذاتي والذي يتضح بمستويات وعي الجماهير واستعدادها للبذل والتضحية والتنظيم الذاتي وتوفر الطليعة والنخب الوطنية القادرة على قراءة اللحظة التاريخية وقيادة الجماهير نحو لحظات مفصلية.

هذه العلاقة الجدلية بين ماهو موضوعي وذاتي في إحداث الفعل الثوري كان مفقودا نسبيا في الحالة العراقية, فالازمة الموضوعية للنظام على الارض العراقية يقابلها عوامل ذاتية تمثلها معارضة مشتتة ومتصارعة فيما بينها لدرجة التصادم وما يجمعها فقط هو اسقاط النظام الدكتاتوري, والى جانب تلك المعارضة فهناك فسحة اجتماعية رمادية واسعة تشكلت في المجتمع العراقي ومعظمها من الطبقة الوسطى والتي كيفت نفسها لتتعايش مع النظام وتفهم مزاجه وماذا يريد, كما تمكن النظام السابق من ترويضها عبر مختلف المغريات الشكلية والتي لا تتجاوز تأمين لقمة العيش في بلد انهكته الحروب والحصار, مما افقد المعارضة العراقية دور هذه الفئات واستلاب دورها المميز في عمليات التغير الجذري.

كان طول أمد بقاء النظام السابق وعدم المقدرة على اسقاطه كهدف للمعارضة من اهم العوامل السيكولوجية التي ألقت بظلالها على قوى المعارضة العراقية في خلق حالة من الأحباط النفسي المتراكم, تجسد في بعض مظاهره بردود افعال العدوان ليست ضد مصدر الأحباط " النظام السابق " بل سلوك عدواني بين اقطاب المعارضة نفسها, عكسته العديد من الصراعات الميدانية المسلحة والدموية بين بعض من قوى المعارضة, الى جانب اساليب العدوان الاخرى, كالخطاب السياسي المعبأ بالكراهية والتحريض والتشكيك والتخوين.

وأنطلاقا من تلك العلاقة الارتباطية الموجبة بين الاحباط والعدوان, والتي تنطبق على الافراد كما تنطبق على الاحزاب والجماعات فقد كان تراكم الاحباط لدى المعارضة العراقية والمتسبب من محاولات بقاء النظام السابق وخروجه " سالما " من حروبه الداخلية والاقليمية, فقد تضاعفت بقدر كبير فرص " العدوان " سيكولوجيا والتي تساوي محاولات اسقاط النظام سياسيا, والبحث عن كل البدائل المتاحة والممكنة لتحقيق هذا الهدف بعيدا عن جدل العلاقة المبدأية بين الوسائل النزيهة والنظيفة لتحقيق غايات سامية.

ومن هنا كان القبول بالاحتلال الامريكي للعراق واسقاط النظام والتناغم مع اجندته في بناء نظام حكم مبني على المحاصصة الاثنية والطائفية سلوكا ميكافيليا بأمتياز للغالبية العظمى من المعارضة العراقية, مرفوضا في المعايير الوطنية والقيم الدينية, واضفيت على الاحتلال صفة المحرر والمنقذ, انه سلوك لأحداث نوع من التوازن النفسي عبر تفريغ طاقة " العدوان " نحو النظام الدكتاتوري السابق بعيدا عن النتائج الكارثية بعد اسقاطه, وان ما ينطبق هنا على ديناميات الفرد السلوكية ينطبق ايضا على ديناميات الصراع بين الجماعات المختلفة.

 

اما المطالبات اليوم بخروج القوات الامريكية وقواعدها من العراق" ورغم قدسية الهدف المشروع " فيجب على من يرفع شعار او ينادي بمطلبا أن يدرس القدرات الذاتية والموضوعية في ظل واقع مزري ونظام سياسي فاسد ومنافق " بالامس اعتبر أمريكا محررة وفاتحة لعراق جديد واليوم محتلة وعليها الخروج, تلك هي عقدة النقص في السياسة العراقية والزعماء السياسين الذين قبلوا بالاحتلال واجندته ولكنهم أسرى لأجندة الصراع الاقليمي. وبقدر ما احتجت بعض الاحزاب والمليشيات على زيارة الرئيس الامريكي المفاجئة للقواعد الامريكية " وهو احتجاج مشروع " بغض النظر عن التوقيت واجندة الصراع التي تقف ورائه, ولكن كان يفترض وبنفس القدر ان تأخذهم الغيرة والحمية في الاستجابة لمطالب اهل البصرة المنكوبة والمحافظات العراقية الاخرى والاستجابة لمطالب النازحين والمهجرين والمنكوبين وضحايا الحروب والاستجابة لمستلزمات بناء دولة المواطنة التي تستطيع مقارعة الاحتلال الامريكي.  

ان زيارة ترامب السرية الى العراق والتي اثارت موجة تصريحات معادية من قبل اغلب ساسة العراق والفصائل المسلحة لكن هذه التصريحات تناست اتفاقية الاطار الاستراتيجي الموقعة بين بغداد وواشنطن والتي بموجبها جاء ترامب لتفقد قوات بلاده في قاعدة عين الاسد غربي العراق كون هذه الاتفاقية تسمح للرئيس الامريكي ووزير الدفاع ورئيس هيئة الاركان الامريكية المشتركة تفقد القوات الامريكية المنتشرة خارج ارض الولايات المتحدة وحتى المشاركة ضمن تحالفات عسكرية..
وبعد عقد من الزمن تعود اليوم الاتفاقية الأمنية الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة وتتعالى الأصوات الداعية إلى إلغائها بالتزامن مع الزيارة السرية الخاطفة للرئيس الأميركي ولكن وبحسب الاتفاقية التي تم توقيعها من قبل حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي عام 2008 فإن قوات الولايات المتحدة المقاتلة والمنسحبة من المدن والمحافظات، ستبقى في المنشآت والمساحات المتفق عليها مع الحكومة العراقية. وهناك حديث عن اكثر من عشرة قواعد عسكرية امريكية منتشرة في مناطق مختلفة من العراق واكثر من عشرة آلاف مقاتل امريكي ولكن المعلومات الدقيقة لاتزال قيد الكتمان من قبل الطرفين العراقي والامريكي.

لقد استغلت زيارة ترامب الى العراق كغطاء للاحزاب الحاكمة لممارسة ديماغوجية منقطعة النظير امام الرأي العراقي العام في محاولة لأضفاء رمادية قاتمة على الوضع ومسبباته, فبدأ اقطاب حزب الدعوة بألقاء التهم على بعضهم من باب التساؤل, فجناح المالكي يقول ان العبادي هو من أتى بالامريكان لمحاربة داعش, والعبادي يقول أن من أتى بهم هو المالكي قبل نهاية ولايته وبعد سقوط المدن الغربية بيد داعش وكان ذلك بتاريخ 24 يونيو عام 2014 وان ذلك مثبتا في وثائق الامم المتحدة واستنادا الى اتفاقية الاطار الاستراتيجي بن العراق وامريكا. ان هذا الجدل البيزنطي هو لذر الرماد في عيون العراقيين ومحاولة لتبرئة الاحزاب الحاكمة من قبول الاحتلال الامريكي كعملية لتحرير العراق كما وصفت انذاك, و كما يقال " فأن دخول الحمام مش زي الخروج منه".

 أن فشل النظام المحصصاتي المليشياوي نظام الدولة العميقة" إن كانت هناك دولة " خلال عقد ونصف من الزمن والذي أتت به امريكا وباركته ايران, فشل في صياغة علاقة طبيعية للعراق في محيطه الاقليمي والدولي وغير قادر على حسم المسارات الاساسية في سياسة العراق الخارجية وتحديد من هم حلفاء العراق استنادا الى مصلحة الشعب العراقي, كما فشل في مسارات الاصلاح الداخلي على صعيد محاربة الفساد الاداري والمالي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

الامريكان يقولون لا نريد حليف نصفه عدو ونصفه الآخر صديق, والسياسيين العراقيين منقسمون في معظمهم الى نصفين, نصف مع امريكا ونصف آخر مع ايران, وبين النصفين هناك منطقة وسطى يمثلها شعبنا تتجسد في الرغبة في بناء عراق متصالح مع ذاته ومع محيطه الاقليمي والدولي, استنادا الى أولوية المصلحة الوطنية العراقية وبعيدا عن استخدام العراق وارتهانه لتنفيذ أجندة اقليمية ودولية. نقول ختاما لم يستفد العراق من المحتل الامريكي واستنادا الى قرارات مجلس الامن والامم المتحدة بكونه محتل وعليه ألتزامات دولية كتوفير الأمن وبناء الخدمات واعادة بناء الدولة على أسس سليمة, كما لم يستفد من محيطه الاقليمي وخاصة من ايران في بناء علاقة متوازنة تخدم العراق واستقلاليته وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.

 

ومن هنا تأتي مطالبة شعبنا الواضحة في حراكه الشعبي بتوفير مقومات البيئة المواتية للاصلاح الشامل والمتمثلة في الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية, وهذا يعني اجراء تعديلات جوهرية على الدستور, واعادة النظر بقانون الانتخابات, واصدار قانون الاحزاب والذي يمنع تشكيل الاحزاب على أسس دينية وطائفية وقومية, الى جانب تشريع قانون النقابات والاتحادات, وقانون النفط والغاز, وقانون حرية التعبير, وقانون المحكمة الدستورية, وقانون مجلس الاتحاد, واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهه, واعادة تشكيل مجلس القضاء الاعلى بما يضمن من نزاهته حقا. أن التأسيس لذلك والشروع بالعمل فيه هو الضمانة الاكيدة لمستقبل العراق وحماية مستقبل أبنائه وثرواته ودرء خطر الارهاب. وهي بداية التأسيس لوطن معافى يتعايش فيه الجميع بأختلاف دينه وقوميته وطائفته وجنسه وثقافته, أنها المقدمات الضرورية لبناء دولة المواطنة التي تستطيع الخلاص من الاحتلال الامريكي وآثاره ومن التدخلات الاقليمية.

 

 

المنهج الدراسي في

العراق وصناعة الكراهية

 

د.عامر صالح

 

قطاع التربية والتعليم في العراق كغيره من القطاعات الاجتماعية يعاني من التدهور المستمر والتخلف في الأداء وكذلك من تفشي الفساد الاداري والمالي والعجز في في تحقيق المعايير الكمية والكيفية ليست فقط استنادا الى المعايير الدولية بل استنادا الى ما حققه العراق في عقود سابقة, والتي بلغت في بعض منها الى الاقتراب الكامل من محو الأمية وتحقيق ألزامية التعليم ومحاولات التطوير المستمر للمناهج الدراسي, ولكن عبثية النظام السابق وأنشغاله بالحروب الخارجية والداخلية أدت الى ما أدت أليه من استنزاف للموارد البشرية والمادية ووضع البلاد تحت رهينة المجتمع الدولي الذي تقوده امريكا وتفرض اجندتها عليه, وكان العراق ضحية من ضحايا الصفقات والمصالح الدولية التي لم يستطيع النظام السابق من تجاوزها بفعل عنجهيته الهمجية المتخلفة ومحدودية ذكائه. 

واليوم العراق وبعد مرور خمسة عشر عاما على الاحتلال الامريكي واسقاط النظام الدكتاتوري السابق وتسليم مقاليد الحكم للقوى الاسلاموية والاثنية يعاني النظام التعليمي والتربوي من تفشي الفساد وغياب الرقابة وتدهور كبير فيه وارتفاع نسبة الامية الى مستويات كارثية, وبعد ان صنفته اليونسكو في عقود سابقة ضمن نظم التعليم المتطورة في الأداء الكمي والكيفي, عادت لتصنفه اليوم  من ضمن البلدان التي تعاني ارتفاعا في نسب الامية يتجاوز 47% للفئة العمرية بين 6 ـ 55 عاما. 

وفي مسار خطير على مستوى محتوى المناهج الدراسية سواء الاجتماعية منها أم الطبيعية تعاني مفردات المنهج من الارتجال في الصياغة وعدم ملائمتها لقدرات الطلبة في المراحل الدراسية المختلفة وخاصة المرحلة الابتدائية والمتوسطة, ففي مجال مادة الرياضيات هناك غموض وتشدد وارتباك بواجهات تربوية غير معروفة وغامضة لا تستجيب لمستلزمات النمو العقلي والمعرفي المتدرج لمدارك الاطفال كانت محصلته هو العزوف عن التعليم وترك مقاعد الدراسة والرسوب المتكرر والانظمام الى جيش الأميين المتزايد دون انقطاع, ولحد الآن لا تعرف دوافع ذلك ومن هي الجهات التي تقف وراء ذلك وماهي الخبرات العالمية التي تم الاستناد أليها في بناء المنهج المذكور. 

على مستوى المواد الاجتماعية, وعلى سبيل المثال في كتابي التربية الاسلامية للصف الاول الابتدائي والخامس الاعدادي عبارات لا تليق بالعراق كونه شعب متعدد الاديان والمذاهب والثقافات, ولا تليق بقيم التسامح والعيش المشترك, ومنها ما يحرض ضمنا على المسيحين باعتبارهم قوم او ديانة ضالة " حسب ما ورد ", أو التحريض على النساء غير المحجبات بعبارات: "حجابي فريضة واني الصحيحة وغيري المريضة", انها دعوة ضمنية للأساءة الى التنوع العراقي في ثقافته ودياناته, بل هي خطوة مبيتة لتصفية الآخر والانتقام منه. كما وردت في امكنة اخرى من العلوم الاجتماعية بعض من النصوص والحوارات ما يؤدي الى تفكيك النسيج الاجتماعي وتعزيز ثقافة الريبة والشكوك الاخلاقي في التعاملات اليومية بين الكبار والصغار بديلا عن ثقافة الثقة المتبادلة والتنشئة الاجتماعية السوية بين افراد المجتمع من مختلف الاعمار وفي مختلف مناسبات الاتصال والتواصل خارج دائرة المنزل.  

 ويلعب هنا الخطاب الديني المتطرف بشقيه التكفيري والسياسي دورا خطيرا في زرع الكراهية والعنف بين شرائح المجتمع, سواء من ذات الدين الواحد عبر إشاعة الفرقة بين طوائفه ومذاهبه المتنوعة, وكذلك بين المجتمع المتعدد الديانات عبر فرض أجندة دينية وسياسية ـ دينية وحيدة الرؤى, مما يحرم الآخرين من حق التمتع بممارسة حقوقهم الدينية وحريتهم في المعتقد, و يخلق بيئة مواتية للعنف والعنف المضاد تراق فيه دماء الملايين من مختلف الأديان والمذاهب والطوائف المختلفة. وبما أن الكراهية والعنف منبوذ ومدان في كل القيم والأديان السماوية وغير السماوية فأن اللجوء إلى تأويلات متشددة ومتحيزة ومزاجية بل ومصلحيه للنص المقدس وللأحداث التاريخية والافتراضات العبثية لنيات الآخرين المغايرين في الدين أو المذهب واستحضار الجانب المؤلم والمشكل في التاريخ, ويجري هذا متزامنا مع الفتاوى التي تصدر يوميا في الخفاء والعلن من دعاة الدين لأيقاظ وإلهاب روح الكراهية والتحريض والعنف بين الناس وضرب وحدتهم الوطنية في الصميم, وهكذا يتحول العنف من قيمة منبوذة في الدين والسياسة إلى واجب ديني " الهي " وسياسي له الأولوية في عقول المتطرفين على بناء الوطن ونهضته, وهنا يتكالب الاسلامويين والمتطرفيين لتجسيد ثقافة الكراهية وتجذيرها في المناهج الدراسية.

ومن منطلق شمولية المنهج لأغلب جوانب الحياة, فأن الدول الديمقراطية تسعى بكل جهودها لتطوير المناهج في مختلف المجالات, والتركيز على فكرة بناء المواطن الصالح من خلال توعيته بفكرة المواطنة,  من خلال تعريف الدارس المواطن بالمفاهيم الأساسية للمواطنة وخصائصها, مثل : مفهوم الوطن, والحكومة, والنظام السياسي, والمجتمع ومؤسساته المدنية, ومفهوم الديمقراطية الحق, والمشاركة السياسية وأهميتها, والمسؤولية الاجتماعية ومظاهرها, وضرورة الاحتماء بالقانون, واحترام الدستور, وضرورة الوعي بالحقوق والواجبات اتجاه الدولة والمجتمع, وغيرها من المفاهيم المعاصرة للمواطنة الصالحة وأسسها.وبالضد من ذلك فأن الحكومات القمعية والاستحواذية والطائفية والعرقية تسعى لتشويه فكرة المواطن والمواطنة, من خلال غرس قيم الولاء للحزب الحاكم, أو الولاء للطائفة أو للدين أو للقومية دون الوطن الذي يجمع كل هذه المكونات في بوتقة واحدة, فالوطن هو الحامي والحارس الأمين لكل هذه المكونات عبر تعزيز ثقافة التسامح والولاء للقانون وللدولة صاحبة الشأن في المجتمعات الديمقراطية, دون العبث بجغرافية وسياسة واثنية وأديان الوطن الكبير. وتشمل فكرة المواطنة من خلال المنهج الدراسي الحديث الأبعاد الآتية :

1ـ البعد المعرفي ـ الثقافي : حيث تمثل المعرفة عنصرا أساسيا وجوهريا في نوعية المواطن الذي تسعى إلى بناءه مؤسسات المجتمع السليم والمعافى, وهذا لا يعني أن المواطن الأمي ليس مواطنا يتحمل مسؤولياته ويدين بالولاء للوطن, ولكن المعرفة والثقافة والتعليم وسائل توفر للمواطن فرص لبناء مهاراته وكفاءاته التي يحتاجها في معترك الحياة, كما أن التربية الوطنية والتعليم تنطلق من ثقافة الناس مع الأخذ بنظر الاعتبار الخصوصيات في التنوع الثقافي للمجتمع.

2ـ البعد ألمهاراتي : ويقصد به المهارات الفكرية والعقلية مثل : التفكير النقدي والقدرة على ممارسة النقد والنقد الذاتي, والتحليل الموضوعي لمختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية, والقدرة في المحاولة على حل المشكلات أو إدراك أولي لماهية الحلول, حيث أن المواطن الذي يتمتع بهذه المقدرة يستطيع التميز بين الطالح والصالح من الأمور ويكون أكثر عقلانية ومنطقية فيما يفعل أو يقول دون الانسياق وراء التجمعات أو الشلل التي تحول فردية الإنسان إلى حشد قطيعي, اقرب جدا إلى الحيوان منه إلى الإنسان .

3ـ البعد الاجتماعي : ويقصد به خلق الكفاءة الاجتماعية لدى الدارسين ـ المواطنين في التعايش مع الآخرين من مختلف الفئات الاجتماعية وتنمية روح التسامح ولغة التواصل مع مختلف المكونات القومية والاثنية في الوطن الواحد والتعايش معهم بسلام, بعيدا عن استخدام لغة الإكراه والتميز والإقصاء والفرقة والكراهية .

4 ـ البعد ألانتمائي : ويقصد به البعد الوطني وما يترتب عليه من غرس انتماء الدارسين لثقافتهم ولمجتمعهم ولوطنهم, وتعزيز ثقافة المصلحة العليا للوطن بعيدا عن التشرذم الجغرافي ـ الطائفي والقومي والديني, وإحلال ثقافة المسؤولية العليا اتجاه الوطني ومصيره, وحمايته من التدخلات الخارجية وأخلاق التفكك الداخلي.

5ـ البعد ألقيمي والديني, مثل : إشاعة قيم التسامح والعدالة والمساواة والحرية والديمقراطية بين مختلف الأديان السماوية وغير السماوية, وتكريس مبادئ عدم المساس بمقدسات الأقلية الدينية وتوفير الفرص اللازمة للتعبير عن نفسها في إطار وجودها الجغرافي دون إرهاب أو ابتزاز أو ارتهان أو عمليات إرهابية جبانة تطال هؤلاء بفعل ضعف إمكانيتهم في الدفاع عن أنفسهم.

6 ـ البعد الجغرافي ـ المكاني : وهو الإطار المادي والإنساني  الذي يعيش فيه المواطن, أي البيئة المحلية يتعلم فيها ويتعامل مع أفرادها, وليست فقط من خلال النصائح والمواعظ  داخل غرفة الصف, بل من خلال المشاركة التي تحصل في البيئة المحلية والتطوع في العمل البيئي, ومن خلال ربط هذه النشاطات بالبيئة الأكبر " الوطن " من ناحية القيم والأهداف المرجوة من كل نشاط , وعدم الاعتكاف فقط في البيئة الأصغر التي تحجر عقل الدارس وتسهل مراوحته كالصنم في محل إقامته.

 

ان الابتعاد عن اقحام العملية التربوية وبشكل خاص المناهج الدراسية بثقافة الكراهية  وإعادة بناء نظام التعليم على أسس من الحداثة ومعطيات العلم والتقدم التقني,  وإعادة صياغة العلاقة بين الدين والدولة بما يؤمن احترام الدين وعدم استخدامه في السياسية التربوية والتعليمية كمحفز للعدوان وكذلك إعلان القطيعة مع كل موروث مسبب للفتنة ويسئ للمبادئ العامة للدين ووظيفته الفطرية... إنها مهمات ليست سهلة ولكن يتوقف عليها مستقبل العراق بأسره ومستقبل اجياله القادمة.

 

 

 

"الدكة العشائرية" بين الأرهاب

وإعادة انتاج العشيرة ـ

ملاحظات سايكواجتماعية

 

د.عامر صالح

 

 يتلخص مفهوم "الدكة العشائرية" بإقدام مسلحين ينتمون لعشيرة على تهديد عائلة من عشيرة أخرى، من خلال عملية إطلاق نار بمختلف الأسلحة بما فيها الثقيلة أو إلقاء قنبلة يدوية أحيانا، على منزل المقصود، كتحذير شديد اللهجة لدفعها على الجلوس والتفاوض لتسوية الخلاف. وفي حال عدم موافقة الطرف المستهدف، تتطور الأمور لتؤدي إلى وقوع ضحايا من الطرفين. وبعد شيوع هذه الظاهرة بشكل خطير في المجتمع العراقي ووقوع الكثير من الضحايا بسبب ذلك فقد أعلن مجلس القضاء الأعلى في بيان له بتاريخ الثامن من نوفمبر للعام 2018 "اعتبار الدكات العشائرية من الجرائم الإرهابية، وضرورة التعامل مع مرتكبيها بحزم". وأشار الى أن المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب الذي أقر العام 2005، تنص على أن "التهديد الذي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أياً كانت بواعثه، يعد من الأفعال الارهابية". ومع اعتقال العديد من المتهمين بهذا الخصوص إلا ان " الدكة العشائرية " وبعد صدور بيان المحكة شهدت تزايدا في حدوثها في محافظات مختلفة كالبصرة والعمارة وبغداد وغيرها.

وقبل الدخول في تفصيلات الموضوع يجب التأكيد أن وجود العشائر والقبائل ودورها في المجتمع يعكس مرحلة تاريخية من مراحل التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي, وهي لصيقة مرحلة الإقطاع التاريخية وما قبلها و التي مرت وتمر بها المجتمعات الإنسانية المختلفة, بكل ما تحمله الأخيرة من بنية فكرية وأخلاقية وأدائية متخلفة قياسا بلاحقتها والتي نشأت على أنقاضها ألا وهي الرأسمالية. 

بعد نشوء وبداية نشوء الدولة الوطنية بدأت عملية تحول الأمن والحفاظ على المصالح الاقتصادية والاجتماعية تنتقل من يد العشيرة باعتبارها الحافظ الفئوي والمناطقي والأسري لمصالح أبنائها, إلى الدولة باعتبارها المؤسسة الحاضنة للجميع والعابرة للعشيرة والقبيلة والطائفة والدين كما يفترض ذلك من سنة التطور التاريخي التي أفرزتها تجارب بناء الدول المدنية المتحضرة, والتي قامت على خلفية تحولات عميقة في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية والأيدلوجية, مما سهل نشأة الأسواق الوطنية والاقتصاد الوطني القومي ونشأة المدن الحضارية, والانتقال من المجتمعات الرعوية والزراعية والريفية المتخلفة إلى مجتمعات المدن الحضارية.

وعلى هذا الأساس وحسب درجة تطور المجتمعات وظروفه الخاصة بدأ الاضمحلال التدريجي لسلطة العشيرة والقبيلة باعتبارها مرحلة متخلفة من مراحل النمو الاجتماعي والاقتصادي. وعلى خلفية مستويات التطور الاجتماعي والاقتصادي وعدم الاستقرار بقيت العشيرة والقبيلة في علاقة عكسية مع الدولة, فكلما ضعفت الدولة اشتد ساعد العشائرية والقبلية, وبالعكس كلما قويت الدولة واشتد بنائها ضعف الدور ألتأثيري للعشائرية والقبلية. هذه العلاقة بمجملها تدفع العشيرة للتحالف مع الدولة عندما تكون قوية, وتشهر السيف ضد الدولة عندما تكون ضعيفة أو في طور البناء. ومن هنا تنشأ المشكلات بين المركز " الدولة " وبين " الأطراف " التي هي العشائر والقبائل وحلفائها.    

مع ضعف الدولة العراقية وتدهور هيبتها وعدم مقدرتها على بسط سلطة القانون بعد ان سقطت مؤسساتها في عمل قسري من خارج الحدود عام 2003 وتزامن ذلك الأنهيار ليست فقط مع سقوط النظام الدكتاتوري الحاكم أنذاك, ولكنه أسقط فيه مؤسسات الدولة العراقية التي امتدت الى عهود تأسيس المملكة العراقية وبدايتها منذ عام 1921, وقد اختلف آداء هذه المؤسسات اجتماعيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا مع تعاقب الأنظمة السياسية المختلفة على الحكم في العراق وتباين فلسفاتها. أي ان الاحتلال الأمريكي للعراق لم يستهدف التغير النوعي لأداء مؤسسات الدولة العراقية, بل استهدف بنتائجه الميدانية تحطيم البنية التحتية المؤسساتية للمجتمع, والتي هي ثابتة نسبيا بأختلاف من حكم العراق.

 

وكان من جراء ذلك فقدان الأمن المجتمعي وتفكك الوحدة الجغروأثنية للعراق, فأنتعشت بسبب ذلك كل الاشكال المتخلفة للضبط الاجتماعي والسابقة للمدنية وفي محاولة منها أستغلال تأزم الاوضاع وخروجها عن السيطرة وانهيار مؤسسات الدولة ولتفرض نفسها بديلا عن الحياة المدنية ومؤسساتها المستقرة, وكان من تداعيات ذلك هو التشرذم الديني والمذهبي والاحتماء بالطائفة والمكون الاثني وتشديد قبضة العزلة والانكفاء الجغروطائفي والاثني وتعزيز دور الهويات الفرعية خارج اطار السياق الوطني الجامع, فأنطلق الارهاب الفردي والمنظم وشاعت التنظيمات المسلحة, من مليشيات وعصابات اجرامية مختلفة تتخذ من من المناطقية والتمترس الجغرو اثني والمذهبي واجهات لفرض نفوذها كبديل عن الدولة وسلطة القانون والقضاء.

في ظل تلك الاجواء اشتد ساعد كل اشكال الضبط والسيطرة البدائية السابقة لنشوء الدولة, والتي اختفت او ضعفت في عهود وحقب سابقة للأحتلال الامريكي, بفعل التغيرات الجذرية في البنية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والساعية الى بناء نمط من الحياة المدنية بأختلاف طبيعة الأداء الفكري والسياسي لها. وفي ظل هذه الظروف كان حضور العشيرة وتصدرها مشهد الحياة اليومية ما بعد 2003 هو تحصيل حاصل لعملية التفكيك المنظم للبنى المؤسساتية للدولة والرجوع الى بنى اجتماعية سابقة تستند في قوامها الى الانتماء الجغرووراثي لأصول مجاميع من الافراد والعوائل ذات الروابط المحددة في الوراثة والنسل والقربى.  

وفي الوقت الذي كان حضور العشيرة تاريخيا حضورا مشروعا نسبيا باعتبارها تعبر عن مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي وتعبيرا عن الضعف الموضوعي لمفهوم الدولة والمواطنة, وكانت لها اسهاماتها الايجابية في مجريات الاحداث التاريخية التي مرت بها تلك التجمعات للحفاظ على كيانها وتماسكها الداخلي, ولكن ظهورها اليوم هو ظهورا نكوصيا تقهقريا يفرض نفسه بديلا عن دولة المواطنة ومتسلحة ضدها بشتى صنوف الاسلحة الثقيلة والخفيفة وسلوكيات التمرد والانحراف والانفصال عن الدولة, ومتجاوزة الدور التقليدي للعشيرة في الحفاظ على الاعراف والدفاع عن الشرف والكرامة والاستجابة للنخوة ونصرة الضعيف وتحولها الى مليشيات عشائرية تهدد الامن والاستقرار الاجتماعي.

وبفعل تعقيد العملية السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية والاثنية والتمترس الجغرو اثني وطائفي والذي يستهدف بطبيعته اضعاف الدولة ومكانتها فقد وجدت العشيرة ضالتها في الصراعات السياسية الطائفية والمذهبية الجغرومكوناتية, فاصبحت العشائر واجهات للأحزاب والمليشيات الطائفية والمذهبية, واستغلت ايضا كواجهات وظهير من قبل عناصر الجريمة الفردية والمنظمة لأرهاب المواطن واستغلاله. كما استغلت العشيرة من قبل الاحزاب الطائفية والاثنية لتشديد قبضة الصراع السياسي على السلطة والاستعانة بسطوتها لفرض اجندة مشوهة تقف بالضد من وحدة وسلامة البلاد وسلطة الدولة. وقد ساعد اندماج الصراع السياسي الطائفي والاثني مع بنية العشيرة على تعزيز شراسة طابع الفساد الاداري والمالي والاقتصادي والاجتماعي, حيث اصبح الفاسد مطلق العنان ومحميا سياسيا وطائفيا وعشائريا في ظل سلطة قانون هشة غير قادرة على لجم الصراعات وبنفس الوقت عاجزة عن الحديث عن رموز الفساد.    

في ظل تلك الاوضاع الشاذة ليست من المستغرب عندما يلجأ برلمانيا او قائد حزب سياسي الى عشيرته لحل نزاع شخصي او سياسي مع برلمانيا آخر وبوسائل عشائرية دون اللجوء الى القضاء, مستخدمين اسلوب المقاضاة العشائرية وفض النزاعات وفرض الغرامات المالية, وليست من المستغرب ايضا ان يقوم البرلمان بمحاولاته الحثيثة لأصدار قانون مجلس قبائل وعشائر العراق " والذي ألغي عام 1959 " في محاولات منه لأستحداث سلطة موازية لسلطة الدولة واشباع المجلس بصلاحيات واهداف ومهمات وارصدة مالية تفوق ما تقدمه اي عشيرة في العالم من دور محدد وليست فقط في العراق, ويتعارض هذا المجلس حتى مع روح الدستور بنصوصه المكتوبة, والتي يدعو فيها الى بناء دولة المؤسسات القانونية والتي حددها بالسلطة التشريعية ومجلس الاتحاد والسلطة التنفيذية ورئاسة الجمهورية والسلطة القضائية ولا وجود للدور العشائري ضمن مؤسسات الدولة, ولكن فساد الطبقة السياسية الحاكمة واجنداتها الطائفية وصراعها على السلطة والمال وعدم اكتراثها ببناء الدولة المدنية وثقافة المواطنة والتقدم الاجتماعي والاقتصادي هو من يقف وراء ذلك لأبقاء المجتمع في دوامة التخلف وسيطرة القيم البالية التي عفى عليها الزمن.

 

ومن الناحية السايكولوجية فأن العقل العشائري والقبلي هو عقل وثوقي " أي يثق بما لديه من مواقف ثقة عمياء ويعتبر كل عيوبه مزايا مطلقة ", وهي احد أسباب صراعاته مع التحولات والتغيرات الايجابية التي تجري من حوله, و تزداد وثوقية هذا العقل وانغلاقه وتحجره كلما توقف عند لحظة زمنية محددة وتشبث بها وعاش فكريا وروحيا فيها, مما يجعله لا يعيش واقعه و لا يفكر من خلاله, وهذا ما يتسبب في غربته وإحداث تناقضات وانفصام هائل في أتباعه. دائما تكون هذه اللحظة في الماضي, لحظة نشوء الفكر أو لحظة وقوع أحداث مهمة و جذرية في تاريخه. فالعقل ألوثوقي والعشائري المتحجر لا يفكر بمنطق تأريخي و لا يعترف بتغير الأزمان وتغير الظروف, لأن من صفاته الثبات والاستقرار بينما منطق الحياة والواقع هو الحركة والتغير والتحول. يحاول العقل المنغلق أن يعوض غربته عن واقعه بأحلام وردية في المستقبل يعيشها لتملأ عليه خواءه وغربته وتناقضاته, فالعقل القبلي والعشائري يرى مثلا أن النصر قريبا على الدولة التي يحيا فيها وأن النصر لا محال للعشيرة والقبيلة.  

لقد اسهمت كل هذه التحولات الخطيرة الى تشكيل ما يسمى " بالدولة العميقة " او ما يسمى شيوعا في بعض وجوهها " دولة بداخل دولة " تشكل قاعدتها كل سراق المال العام والعصابات المسلحة, ورموز الفساد الاداري والمالي والسياسي, وقيادات احزاب مختلفة وجماعات بيروقراطية طفيلية, وأعلام اصفر بل وحتى رموز من السلطات القضائية والدينية وقيادات من السلطات التنفيذية, ورؤساء عشائر, وجميعها تصارع الدولة وتنهش بقدراتها المالية والعسكرية والامنية والاقتصادية وتمنعها من النهوض, وفي احيان كثيرة هي من يتحكم في المشهد السياسي ويديره مثل ما تشهد عليه صراعات اليوم من اجل تشكيل الحكومة أو ما شهدت عليه الانتخابات وتشكيل الرئاسات الثلاث. 

في خضم كل هذا التعقيد فأن " الدكة العشائرية " باعتبارها فعلا ارهابيا يزرع الرعب في نفوس المواطنين يستحق كل الأدانة والعقاب وخلق المقومات اللازمة لمكافحته, وقد تمت ادانته من بعض الرموز العشائرية الكريمة, ولكن من جانب آخر يرتبط بمنظومة كاملة من السلوكيات العشائرية البالية والتي تعرقل تنفيذ القوانين وتضع سلطة القضاء في المؤخرة, الى جانب ان " الدكة العشائرية " كسلوك ارهابي يرتبط ارتباطا وثيقا بعموم ظاهرة الارهاب في البلد وبالتالي فان المعالجات الشاملة والجذرية من خلال الاسباب يضمن الحد ثم القضاء على الظاهرة. أن دراسة العشائر والقبائل كظاهرة سوسيولوجية ونفسية وما تفرزه من سلوكيات خطيرة " كالدكة العشائرية " لا يعني أبدا النيل من عشيرة دون غيرها أو إلحاق الأذى بسمعة عشيرة ما ورفع شأن أخرى, فكلنا ننتمي إلى عشائر كتحصيل حاصل, بل هو دراسة لظاهرة موضوعية تشكل مرحلة سابقة من مراحل النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ولها إبعادها السياسية والاجتماعية الخطيرة, وأن أعادة بناء البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية على أسس من التطور والحداثة والتي تستند إلى العلم والتكنولوجيا والاقتصاد المتطور في كل المجالات كفيل ببناء دولة المواطنة العصرية عابرة لجميع الولاءات الضيقة من عشائرية وطائفية ومذهبية وأثنية. وفي الختام فأن " الدكة العشائرية " جزئية بسيطة قياسا بأزمة النظام العامة. ولتتظافر كل الجهود المجتمعية المخلصة كي ينالوا مرتكبي " الدكة العشائرية " العقاب الصارم. 

 

 

 

 

 

دعوة متجددة نحو أصلاح جذري

 للمناهج الدراسية في العراق

 

د.عامر صالح

 

 

يرتبط الأصلاح التربوي بالأصلاح السياسي, وقد يبدو من العبث الحديث عن اصلاح العملية التربوية والتعليمية في العراق دون ان تسبقه خطوات جدية في اصلاح المنظومة السياسية العامة, والتي تنعكس بدورها في اصلاح العملية التربوبة والتعليمية عبر رسم ملامح فلسفة تربوية لقطاع التربية والتعليم, قوامها الاستجابة الأكيدة للمنجزات العلمية والتقنية التي تفرزها ظروف العصر المعلوماتي المتغير دون انقطاع الى جانب الاستجابة الماسة الى حيثيات التغير الجارية في المجتمع العراقي, من الحاجة الى صنوف التخصصات والمهارات العالية والوسطى والعمالة الماهرة الى جانب اعادة النظر في المنظومة القيمية والأخلاقية بعيدا عن قيم الدكتاتورية والعبادة الشخصية والتزلف والانتهازية الاخلاقية.

  لقد اثار قدوم السلطات " التربوية " في العراق على التغير والعبث في المناهج الدراسية في مختلف المراحل التعليمية وفي مختلف المحافظات الكثير من الجدل والقلق المشروع لدى الأوساط المتخصصة التربوية منها والشعبية والحريصة على هذا القطاع وتطوره  المستقبلي, حيث أن الشكوك تطال إلى آليات التغير ومحتواه, وعلى ما يبدو فان عمليات التغير تهدف إلى مزيدا من التخندق الطائفي والاثني والعرقي عبر نصوص وممارسات منحازة, تنح بقراءة مكررة ومعسولة للتاريخ بهدف إحياء الميت منه لأغراض تشديد قبضة الصراع الطائفي والعرقي, وأحياء للفكر و للحركات الماضوية التي عفي عليها الزمن, والتي لا يمكن القبول بها في بلد يطمح إلى بناء قيم التسامح والديمقراطية والتعددية, وإعادة بناء فكرة  المواطنة على أسس معاصرة, بعد أن مسخها النظام السابق بفكرة الولاء للقائد أولا ثم الوطن في الآخر.

 

 

واستنادا إلى أهمية المنهج التربوي باعتباره العنصر الأساسي في العملية التربوية والتعليمية, والذي يقرر إلى درجة كبيرة محتوى هذه العملية وجودتها وكفاءة مخرجاتها من التلاميذ والطلبة في مختلف المراحل والقنوات التعليمية, فقد عكفت النظم العالمية والديمقراطية منها بشكل خاص على الاهتمام  بتطوير المنهج وأغناء  محتواه, لكي يستجيب لظروف الحياة المتغيرة في مختلف الحياة, الاقتصادية, والاجتماعية, والثقافية, والتكنولوجية وكل مستجدات عصرنا المتسارع بدون انقطاع , وخلق خريجين على مستوى عالمي من الجودة, وبالعكس من ذلك فقد قامت النظم المستبدة والمتخلفة على توظيف المنهج لأغراض فئوية ضيقة, سياسية ودينية وطائفية وشوفينية بهدف إعداد مواطن موالي لنظام سياسي أو لدين ما أو لطائفة بعينها أو لقومية دون أخرى, وخلق مواطن لا يفقه قيمة النقد للظواهر الحياتية المختلفة, تسهل قيادته بمختلف الاتجاهات, كما فعل النظام السابق المقبور عندما قاد البلد إلى مختلف الكوارث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحروب المدمرة, وقد اعتمد بذلك على تسييس المنهج الدراسي وتشويه محتواه بما يخدم أغراض توجه النظام وعدوانيته في الداخل والخارج, من خلال إعداد عقليات مطابقة لمنظومته القيمية الفاسدة.

 

أن المنهج الدراسي أو التربوي في سياق حديثنا لا يقصد به المفهوم التقليدي للمنهج, والذي يقصد به المقررات الدراسية " الكتب " التي تقدمها المدرسة أو الجامعة لدارسيها, بل المقصود به, وكما هو متعارفا عليه عالميا ومحليا " بالمنهج الحديث,  الذي يمكن تعريفه بأنه : " مجموعة الخبرات التربوية التي تهيؤها المؤسسة التعليمية والتربوية لدارسيها سواء داخلها أو خارجها وذلك بغرض مساعدتهم على النمو الشامل المتكامل, أي النمو في كافة الجوانب العقلية والثقافية والدينية والاجتماعية والجسمية والنفسية والفنية نموا يؤدي إلى تعديل سلوكهم ويكفل تفاعلهم بنجاح مع بيئتهم ومجتمعهم وابتكارهم حلول لما يواجههم من مشكلات ".والمنهج بهذا المفهوم يعني ما يأتي :

 

1ـ إن المنهج يتضمن خبرات مربية وهي خبرات مفيدة تصمم تحت إشراف المدرسة لإكساب الدارس مجموعة من المعلومات والمهارات والاتجاهات والسلوكيات المرغوبة.

2ـ إن هذه الخبرات تتنوع بتنوع الجوانب التي ترغب المدرسة في إحداث النمو فيها ولا تركز على جانب واحد فقط من جوانب النمو كما هو الحال في المنهج الكلاسيكي.

3ـ إن التعليم هنا يحدث من خلال مرور المتعلم بالخبرات المختلفة ومعايشته ومشاركته في مواقف تعليمية متنوعة, أي أن التعليم هنا هو تعليم خبري.

4 ـ أن بيئة التعلم لا تقتصر على حجرة الدراسة أو ما يدور داخل جدران المدرسة, في المعامل أو الملاعب أو الفناء, بل تمتد بيئة التعلم إلى خارج المدرسة فتشمل المصنع, والحقل والمعسكرات, وغيرها وهذا يتضمن تعرض الدارس للخبرات المتنوعة بنوعيها المباشر وغير المباشر.

5 ـ إن الهدف الذي يسعى إليه المنهج عن طريق هذه الخبرات هو النمو الشامل المتكامل للمتعلم والذي يؤدي إلى تعديل سلوكه أي إلى تعلمه, وحصيلة هذا التعلم تساعد على تفاعل المتعلم بنجاح مع البيئة والمجتمع.

6 ـ إن تفاعل المتعلم بنجاح مع البيئة والمجتمع يعني انه يتأثر بما يحدث فيها ويؤثر فيها أيضا والمقصود بتأثير الفرد في البيئة والمجتمع هو استخدام المتعلم لعقله في مواجهة التحديات والمشكلات التي توجد في بيئته ومجتمعه ومحاولة التغلب عليها وحلها, لذا أصبحت تنمية قدرة المتعلم على المشكلات هدفا مهما من أهداف المنهج.

7 ـ في عالم سريع التغير كعالمنا الذي نعيش فيه لا يكفي حل واحد للمشكلة المطروحة, بل هناك ضرورة لابتكار بدائل لهذا الحل لاختيار المناسب فيها وفق الظروف المتغيرة والأفكار المتاحة, لذا أصبح تنمية ابتكار المتعلم هدفا هاما من أهداف المنهج ينبغي إعطاءه الأولوية له من بين الأهداف الأخرى التي يسعى إليها المنهج.

 

ومن منطلق شمولية المنهج لأغلب جوانب الحياة, فأن الدول الديمقراطية تسعى بكل جهودها لتطوير المناهج في مختلف المجالات, والتركيز على فكرة بناء المواطن الصالح من خلال توعيته بفكرة المواطنة,  من خلال تعريف الدارس المواطن بالمفاهيم الأساسية للمواطنة وخصائصها, مثل : مفهوم الوطن, والحكومة, والنظام السياسي, والمجتمع ومؤسساته المدنية, ومفهوم الديمقراطية الحق, والمشاركة السياسية وأهميتها, والمسؤولية الاجتماعية ومظاهرها, وضرورة الاحتماء بالقانون, واحترام الدستور, وضرورة الوعي بالحقوق والواجبات اتجاه الدولة والمجتمع, وغيرها من المفاهيم المعاصرة للمواطنة الصالحة وأسسها.وبالضد من ذلك فأن الحكومات القمعية والاستحواذية والطائفية والعرقية تسعى لتشويه فكرة المواطن والمواطنة, من خلال غرس قيم الولاء للحزب الحاكم, أو الولاء للطائفة أو للدين أو للقومية دون الوطن الذي يجمع كل هذه المكونات في بوتقة واحدة, فالوطن هو الحامي والحارس الأمين لكل هذه المكونات عبر تعزيز ثقافة التسامح والولاء للقانون وللدولة صاحبة الشأن في المجتمعات الديمقراطية, دون العبث بجغرافية وسياسة واثنية وأديان الوطن الكبير. وتشمل فكرة المواطنة من خلال المنهج الدراسي الحديث الأبعاد الآتية :

 

1ـ البعد المعرفي ـ الثقافي : حيث تمثل المعرفة عنصرا أساسيا وجوهريا في نوعية المواطن الذي تسعى إلى بناءه مؤسسات المجتمع السليم والمعافى, وهذا لا يعني أن المواطن الأمي ليس مواطنا يتحمل مسؤولياته ويدين بالولاء للوطن, ولكن المعرفة والثقافة والتعليم وسائل توفر للمواطن فرص لبناء مهاراته وكفاءاته التي يحتاجها في معترك الحياة, كما أن التربية الوطنية والتعليم تنطلق من ثقافة الناس مع الأخذ بنظر الاعتبار الخصوصيات في التنوع الثقافي للمجتمع.

 

2ـ البعد ألمهاراتي : ويقصد به المهارات الفكرية والعقلية مثل : التفكير النقدي والقدرة على ممارسة النقد والنقد الذاتي, والتحليل الموضوعي لمختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية, والقدرة في المحاولة على حل المشكلات أو إدراك أولي لماهية الحلول, حيث أن المواطن الذي يتمتع بهذه المقدرة يستطيع التميز بين الطالح والصالح من الأمور ويكون أكثر عقلانية ومنطقية فيما يفعل أو يقول دون الانسياق وراء التجمعات أو الشلل التي تحول فردية الإنسان إلى حشد قطيعي, اقرب جدا إلى الحيوان منه إلى الإنسان .

 

3ـ البعد الاجتماعي : ويقصد به خلق الكفاءة الاجتماعية لدى الدارسين ـ المواطنين في التعايش مع الآخرين من مختلف الفئات الاجتماعية وتنمية روح التسامح ولغة التواصل مع مختلف المكونات القومية والاثنية في الوطن الواحد والتعايش معهم بسلام, بعيدا عن استخدام لغة الإكراه والتميز والإقصاء والفرقة والكراهية .

 

4 ـ البعد ألانتمائي : ويقصد به البعد الوطني وما يترتب عليه من غرس انتماء الدارسين لثقافتهم ولمجتمعهم ولوطنهم, وتعزيز ثقافة المصلحة العليا للوطن بعيدا عن التشرذم الجغرافي ـ الطائفي والقومي والديني, وإحلال ثقافة المسؤولية العليا اتجاه الوطني ومصيره, وحمايته من التدخلات الخارجية وأخلاق التفكك الداخلي.

 

5ـ البعد ألقيمي والديني, مثل : إشاعة قيم التسامح والعدالة والمساواة والحرية والديمقراطية بين مختلف الأديان السماوية وغير السماوية, وتكريس مبادئ عدم المساس بمقدسات الأقلية الدينية وتوفير الفرص اللازمة للتعبير عن نفسها في إطار وجودها الجغرافي دون إرهاب أو ابتزاز أو ارتهان أو عمليات إرهابية جبانة تطال هؤلاء بفعل ضعف إمكانيتهم في الدفاع عن أنفسهم.

 

6 ـ البعد الجغرافي ـ المكاني : وهو الإطار المادي والإنساني  الذي يعيش فيه المواطن, أي البيئة المحلية يتعلم فيها ويتعامل مع أفرادها, وليست فقط من خلال النصائح والمواعظ  داخل غرفة الصف, بل من خلال المشاركة التي تحصل في البيئة المحلية والتطوع في العمل البيئي, ومن خلال ربط هذه النشاطات بالبيئة الأكبر " الوطن " من ناحية القيم والأهداف المرجوة من كل نشاط , وعدم الاعتكاف فقط في البيئة الأصغر التي تحجر عقل الدارس وتسهل مراوحته كالصنم في محل إقامته.

 

وتحتل عملية تطوير المناهج الدراسية في العراق أهمية استثنائية في ظروف التغير المنشود بعد 2003 وخاصة في نطاق المناهج الإنسانية, بعد ما أصاب المنظومة القيمية والتربوية والاجتماعية من تدهور وتحلل وتفسخ في ظل النظام السابق,  ساق شعبنا إلى مختلف الكوارث الإنسانية والحروب, تلتها سنوات من التمترس الطائفي والديني والعرقي, أدت إلى أن يكون الوطن ضحية لجلاديه في الداخل والخارج, وكأن شعار العداء للوطن أولا هو محك الولاء للمواطنة البغضاء, ومن هنا نذكر الحريصين على العراق ولحمته, و لكي يكون العراق وطنا صالحا للجميع, وليست أرضا خصبة للإرهاب والتهجير والهجرة,  اليوم وغدا, ولكي نمنع من ولادة أجيال قادمة من الإرهابيين, فأن البدء بإصلاح وتطوير المناهج الدراسية هو المدخل الأساسي وصمام الأمان لأجيالنا القادمة وللحفاظ على الديمقراطية الناشئة التي هي وقف التنفيذ, وبعيدا عن الارتجال والتحزب والطائفية والعرقية, ومن هنا تأتي أهمية الحفاظ على أجيالنا عبر اعتماد الأسس العلمية والمهنية والمعتمدة عالميا في تطوير المناهج الدراسية, ولعل أبرزها ما يأتي :

 

1ـ التكامل بين مؤسسات المجتمع المعاصر:

إن التطوير الشامل والمستمر للمنهج يستدعي التكامل بين مؤسسات المجتمع, بما تتضمنه من موارد بشرية ومادية متنوعة , ولكي تتكامل مؤسسات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية, ومن ثم تسهم في دفع عجلة التنمية بالمجتمع, في بلد توقفت فيه التنمية منذ عقود كالعراق, فأن هذه المؤسسات مطالبة وبحكم ارتباطها بما يجري حولها في المجتمع, بتقديم خبراتها وتوجيهاتها العلمية والفنية ووجهات نظرها حول تحديث المناهج وتطويرها بصورة علمية, والابتعاد عن الارتجال الذي يعبث في المنهج ويحصره بأهداف أنانية ضيقة, فأن العمل الجماعي كفيل بدفع عجلة التنمية في المجتمع بعد وضوح الأهداف من التطوير.

2 ـ الاستفادة من التقدم العلمي التكنولوجي الحديث:

لقد حقق التقدم التكنولوجي والعلمي الكثير من الانجازات وأضاف الكثير من الوسائل التكنولوجية الحديثة, التي يمكن الاستفادة منها في إعداد وتخريج مواطنين على مستوى عالي من الجودة والكفاءة والتأهيل لمواجهة تحديات العصر, ومن هذه الوسائل : الإذاعة, والتلفاز, والأقمار الصناعية, وشبكة الانترنت,  والكمبيوتر, وهذه وسائل وأدوات تكنولوجية تساعد في الحصول على البيانات والإحصاءات والمعلومات من مصادرها الأولى والمتنوعة. ومن الوسائل التكنولوجية التي يمكن الاستفادة منها في العملية التربوية والتعليمية ولتطوير المنهج هي : استخدام التلفزيون التربوي, المواد المطبوعة, وأشرطة سمعية,  وشرائح ضوئية, وأفلام ثابتة, وبرامج الحاسوب الآلي, وهذه الوسائل إن أحسن إتقانها واستخدامها والإفادة منها فسوف ترفع من مستويات الأداء والكفاءة لدى الدارسين والكادر التربوي والتدريسي بشكل عام, وتسهم في معالجة الكثير من المشكلات التعليمية. وفي ظروف العملية التربوية في العراق حيث حرم قطاع التربية والتعليم كما هو الحال في مختلف مجالات الحياة من ثمرة التقدم العلمي والتكنولوجي واستخدامه لأغراض سلمية, فنحن اليوم بأمس الحاجة لتضمين العملية التربوية والتعليمية بهذه المنجزات التي لا يمكن الاستغناء عنها.

3 ـ الاستفادة من التدفق ألمعلوماتي في مختلف المجالات:

لقد حرم العراق ولعقود من التدفق ألمعلوماتي السلس, ومن  كل جديد في العملية التربوية نتيجة لعزلة النظام السابق عن العالم ومخاوفه من الانفتاح المعرفي والمعلوماتي على العالم, مما أوقع البيئة التربوية في نمطية مستديمة, وهو بالضد من النمو السريع لوسائل الاتصال, والتوسع في استخدامها, وتقدم تكنولوجيا المعلومات, ولهذا فمن الضروري عند تطوير المناهج الاستفادة من التدفق ألمعلوماتي في المجالات المختلفة والأخذ بسمات العصر وانجازاته المتعددة لكي يستطيع المنهج استيعابها وترجمتها إلى أهداف تربوية تستجيب لظروف الحياة المتجددة والتخلص من الأمية الحضارية.

4 ـ الاستثمار الأمثل للموارد المالية :

إن عملية تطوير المناهج تتطلب المزيد من الموارد المالية, وهذه الموارد يمكن الاستفادة منها في العديد من المجالات, مثل إقامة المباني المدرسية الحديثة والمتطورة وتجهيزها بأحدث الأجهزة والمعدات, وتأليف الكتب الدراسية الحديثة وطبعها, ونشر شبكة المكتبات المدرسية قي مختلف أنحاء العراق, في المدن والأرياف والقصبات, وتزويدها بكل ما يلزمها من كتب ومراجع ودوريات علمية وتربوية ووسائل تقنية وغيرها, ولا يعقل أن في العراق اليوم الآلاف من مدارس الطين والقصب في ظل إمكانيات نفطية ـ مالية يسرق منها العدو والصديق, والعمل كذلك على زيادة الرواتب والحوافز المادية للقائمين على العملية التربوية من قيادات وكادر تدريسي, والإنفاق على الدورات التدريبية وإعادة التأهيل للكادر التربوي وتنميته مهنيا وتربويا, ولذا فأن عملية تطوير المناهج تستدعي مزيدا من الإنفاق على قطاع التربية والتعليم, شريطة أن يرتبط ذلك بتجفيف مصادر الفساد وسرقة المال العام ووضع حد للتزوير الذي فاق التصورات في هذا القطاع.

5 ـ الاستفادة من التجارب العالمية المعاصرة :

عند تطوير المناهج الدراسية يجب الأخذ بنظر الاعتبار إن النظام التربوي في العراق لا يسبح في فضاء منعزل عن التجارب التربوية والخبرات العالمية, خاصة ونحن في الألفية الثالثة وفي ظروف الانفتاح والعولمة وما يصاحبها من تداعيات اقتصادية, وثقافية, واجتماعية, وإيديولوجية, لم يعد العالم كما عهدناه فيما مضى, شئنا أم أبينا, مغلق بحدوده الجغرافية, فالعراق اليوم منفتح على العالم الخارجي أكثر من أي وقت مضى, وعليه الاستجابة المرنة لأفضل ما ينتجه العالم من نظريات وأفكار جديدة في ميادين التربية والتعليم لاحتوائها عند تطوير المنهج, مع الأخذ بنظر الاعتبار خصوصية العراق وأهدافه الوطنية الكبرى في قطاع التربية والتعليم.

6 ـ الاستثمار الأقصى للموارد البشرية :

إن عملية تطوير المناهج الدراسية تستدعي المشاركة الفعالة من قبل جميع الأفراد ذوي الصلة في عمليات التطوير, من خبراء, ومتخصصين, وقيادات تربوية, ومربين, وفنيين, ودارسين, وحتى مواطنين عاديين وغيرهم, فالخبراء والمتخصصون هم الفئة التي تقود عمليات التطوير وتقوم بالدور الرئيسي فيها, وهؤلاء يعملون في تخطيط المناهج والبرامج, وفي تقويم الجوانب المختلفة للعملية التربوية, وفي تأليف الكتب الدراسية, وفي إعداد المربي وتدريبه, وفي إجراء البحوث اللازمة, إلى جانب القياديين التربويين بمختلف مستوياتهم فهم يلعبون دورا رئيسيا في إنجاح عمليات التطوير, وكذلك المربين باعتبارهم طرف مهم في العملية التربوية, إلى جانب الدارسين وهم المستهدفين من عمليات التطوير جملة وتفصيلا, والفنيين الذين يقررون كفاءة الأجهزة التعليمية المختلفة, وكلفتها, وصيانتها, وإصلاحها, وتشغيلها وكذلك المواطن العادي الذي قد تكن لديه آراء مختلفة عن العملية التربوية, وهذه الآراء يجب دراستها وتمحيصها وإفراز الصالح منها في ضوء أهداف العملية التربوية. إن العراق اليوم محتاج إلى هذا الجهد الجماعي الكبير بعد سنوات الإهمال في تطوير المنهج, بعيدا عن الانفراد والاستحواذ من قبل الجهات السياسية التي تسيطر على مركز القرار, والتي ترغب في" تطوير " المناهج على خلفية مزاج ديني أو طائفي أو اثني بعيدا عن الفهم الصحيح والعلمي لمفهوم تطوير المنهج والارتقاء به.

 

 

قد تكون ملاحظاتي هذه هي ملاحظات رؤوس اقلام في بلد لازال بعيدا عن الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي, في بلد لم تستقر فيه العملية السياسية على أسس واضحة, وفي بلد تتجاذبه الصراعات الدينية والطائفية والاثنية, وفي خضم تلك الصراعات تتهاوى افضل فلسفات الاصلاح التربوي والتعليمي. ان استقرار العراق سياسيا وتعزيز الديمقراطية السياسية كوسيلة لتداول الحكم وبما يفرز نهجا واضحا في الحكم والمعارضة تتنوع فيه الرؤى الفلسفية الاصلاحية في كافة الميادين بما يسهم اخراج العراق من ازمته بما فيه ازمة قطاع التربية والتعليم, وعدا ذلك فأن الحديث عن الاصلاح يبقى في اطار المتعة العقلية والمعرفية لألتماس افق المستقبل نظريا, ولعل في محاولاتنا أن تلقى آذانا صاغية من قيادات البلد المشحون بصراعات المصالح الشخصية بعيدا عن مصلحة الوطن.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أزمة تشكيل حكومة في

العراق أم أزمة نظام سياسي

 

د.عامر صالح

 

الحديث عن ديمقراطية التداول السلمي للسلطة يعني بوضوح هو الحديث عن حكومة ومعارضة, الأولى تحكم والأخرى تراقب الأداء الحكومي للأولى وتشكل الأخيرة ما يسمى بحكومة الظل, وتتناوب الأدوار بينهما عندما تتوفر الشروط الموضوعية لذلك, سواء من خلال الدورات الأنتخابية واعادة تشكيل الحكومة من خلال تناسبات القوى داخل قبة البرلمان, أو تعثر الأداء الحكومي في منتصف الطريق او حتى في البدايات الأولى لتشكيل الحكومة عندما تكون هناك معوقات جدية تعجز فيه الحكومة عن الأستمرار في الأداء.

العملية الديمقراطية في تشكيل الحكومة في العراق فقدت مقوماتها من خلال خرق الدستور والمتمثل في عدم تسمية الكتلة الأنتخابية الأكبر, والتي تقوم بدورها بتسمية رئيس الوزراء لتشكيل كابينته الوزارية, وهي ليست المرة الأولى التي يغيب فيها المفهوم الدقيق للكتلة الأكبر, فقد جرى في الانتخابات البرلمانية السابقة تحديدا خاطئا لمفهوم الكتلة الأكبر والذي لا ينسجم مع الدستور, ولكن هذه المرة وبعد الانتخابات البرلمانية الرابعة التي اجريت في 2018ـ05ـ12 كان الأكثر خطرا على الديمقراطية هو تجاوز مفهوم الكتلة الأكبر وعدم الأعتراف بوجودها, وهو يشكل خطرا في المفهوم المركزي والأساسي للديمقراطية السياسية التي يبنى على اساسها الحكم وتشكيل السلطة الحكومية التنفيذية من خلال تسمية الكتلة الأكبر, مما مهد الطريق " لتعويم " العملية السياسية بالكامل, والعمل بمبدأ " الجميع يحكم " من خلال اجندة الأحزاب الأثنوطائفية السياسية التي اغرقت البلاد في مستنقع الفساد السياسي منذ الوهلة الوهلة الأولى وبعد سقوط النظام الدكتاتوري في عام 2003.

لقد سبق سيناريو " تعويم " العملية السياسية أجواء اضعفت ما تبقى له من شرعية إن وجدت في اذهان الناس, واسهمت في اضعاف بارقة الأمل في اعادة بناء العملية على أسس من تقاليد العمل الديمقراطي السياسي المعمول به في دول العالم المتحضر بعيدا عن نظام المحاصصة البغيض, وقد تجلت تلك في ضعف المساهمة في الانتخابات حيث بلغت نسبة المساهمة ما يقارب 20%, اعقبتها نتائج مشكوك في مصداقيتها في خارج العراق وداخله باعتراف الاجهزة الحكومية العراقية الامنية والأستخباراتية, ثم اعقبتها كارثة حرق صناديق الاقتراع للعبث في مصداقية النتائج واخفاء ما زور منها, ثم استبدال العد والفرز الألكتروني بالعد والفرز اليدوي, والذي لم يستجيب لطموحات الناس والمتضررين من النتائج بشكل خاص ولم يكن شاملا كما كان يجب عليه ان يكون بعد التهم التي وجهت لمفوضية الانتخابات في عدم دقة نتائج الانتخابات, وقد جاءت نتائج العد والفرز اليدوي مطابقا للألكتروني. 

كل هذا جرى على خلفية فشل الأداء الحكومي خلال عقد ونصف من الزمن, في حقبة استشرى فيها الفساد الاداري والمالي الذي اتخذ من الفساد السياسي غطاء يحتمي به, وقد انعدمت خدمات الحد الادنى من مقومات العيش الكريم, من صحة وتعليم وكهرباء وماء, وانتشار للبطالة في اوساط الخريجين وغيرهم, وتعاظم نسب الفقر وما تحت خط الفقر والذي بلغت نسبته ما يقارب 40%, منزامنا مع كوارث بيئية وطبيعية, ابرزها شحة المياه ومخاطر الجفاف الشامل, وكذلك التلوث البيئي وتلوث مياه الأنهر وعدم صلاحيتها للأستخدام اليومي او لعيش الكائنات الحية فيه كالأسماك وغيرها, وكان هذا في مجمله يعكس ضعف الادارة السياسية لأدارة هذه الملفات الخطيرة جسدتها حالة الاحتراب والارتهان لأجندة اثنوظائفية سياسية داخلية واجندة اقليمية عرقلت وضع العراق على طريق السكة الصحيحة. 

 كان خيار السيد عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء هو خيار التسوية المحصصاتية الطائفية والاثنية وليست خيار الديمقراطية السياسية, وقد اتفقت عليه الاحزاب الطائفية السياسية والاثنية بعد فقدان الأمل في التأسيس لمفهوم الكتلة الأنتخابية الأكبر, كان خيار عادل عبد المهدي في ظاهره رحمة شكلية من خلال منحه " الحرية الكاملة " في اختيار كابينته الوزارية, ولكن باطنه مأزوما بقوة الصراعات الطائفية والاثنية التي فرضت اجندتها على الحقائب الوزارية, كما فرضت اجندتها على رئاسة البرلمان ورئيس الجمهورية من قبله.

 

لقد كان اقرار 14 وزيرا من كابينة مؤلفة من 22 حقيبة وترك 8 للصراعات المحصصاتية السياسية والاثنية مؤشرا سلبي واخلال كبير لمفهوم حكومة التكنوقراط, وهناك من الملاحظات الجدية التي تساق ضد ال 14 وزير الذين تم التصويت عليها, فهم لم يأتوا عبر النافذة الالكترونية التي فتحها السيد عادل عبد المهدي للترشيح لشغل منصب وزير, او ملاحظات خاصة بعدم دقة محتويات السيفي, أو وجودهم في وزارات في غير تخصصاتهم, أو شمول البعض منهم بقانون المسائلة والعدالة, أو تهم وجهت لأخرين منهم بالفساد الاداري والمالي وحتى تهم بالقتل او كانوا في السجون في فترات سابقة لأسباب جنائية, كما ارتبط العديد منهم بعلاقات قربى مع رموز سياسية وعشائرية, الى جانب كونهم عكسوا بهذا القدر او ذاك المسحة العامة للكتل الكبرى المحصصاتية المتخاصمة. 

في إطار البحث الشكلي عن مخرج للازمة المستعصية في البلاد منذ عقد ونصف من الزمن, والتي عصفت في البلاد وأودت بالخراب الشامل لامكانيات البلد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبشرية, يجري البحث عن حلول ترقيعية بعيدا عن البحث عن الاسباب الحقيقية للازمة العامة في البلاد, والتي كان سببها الاول والاخير هو النظام الطائفي المحصصاتي والاثني البغيض الذي شل حركة النهضة والحياة في بلد يمتلك كل المقومات الموضوعية والذاتية للنهضة الحضارية, باستثناء طبيعة النظام السياسي القاصر فكريا وعقليا والعاجز كليا عن استنهاض القوى الكامنة لشعبنا وقدراته وموارده الذاتية صوب التنمية البشرية المستديمة. 

 أن نظام المحاصصة عرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي,وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا  أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك ,أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى "  إفساد للتنمية ",وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف,والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع,أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل ,وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف  دينه ومذهبه وطائفته وعرقه. 

نقول هنا ان البحث عن حكومة تكنوقراط مؤلفة اعضائها من خبراء ومهنيين ومتخصصين في مختلف المجالات, ومن اساتذة جامعات وباحثين مرموقين, يستندون في نشاطهم الحكومي الى معطيات العلم والمعرفة الحديثة في مختلف المجالات ومستقلين نسبيا عن تأثير الاحزاب السياسية التي تقود البلد في مرحلة ما, هو أمر في غاية الصعوبة في ظل نظام محصصاتي يستند الى معايير الولاء للحزب او الطائفة او الاسرة الحاكمة او القومية والحزب القومي المهيمن, حيث اللجوء في اسناد المناصب الى معايير شاذة لا صلة لها في الكفاءة والمقدرة المهنية والتخصصية, وحيث النظر الى السلطة والمنصب هي استحقاقات محصصاتية وغنائم وفرص لا تعوض.

ومن هنا فأن عملية الحراك الاجتماعي والمتمثلة بكل الفعاليات السلمية المطلبية والطموحة الى التغير الجذري يجب ان تستهدف في نشاطها المتعاظم الى ما يفضي الى التأسيس للحلول الجذرية التي تسهم في فك الارتباط وانهاء العلاقة مع النظام المحصصاتي الطائفي والاثني, واعادة بناء العملية السياسية على اسس دستورية وقانونية جديدة تضمن الوطن والمواطنة والانتماء الى العراق بكل مكوناته الاجتماعية والثقافية والاثنية والدينية. وعندها يكون الحديث عن التكنوقراط وانقاذ البلد واعادة بنائه أمرا ممكنا في ظل مزاج الانتماء الى الوطن الأم.

 

العراق: أزمة أخلاقية

 أم سياسية أم دينية

 د. عامر صالح

 

مر على سقوط النظام السابق عقد ونصف من الزمن ولم يرى العراق الى اليوم فرصة حقيقية لخلق مقومات اعادة بناء هذا البلد, على أسس من الديمقراطية الحقة والعدل والمواطنة والتكافل الاجتماعي, بل بالعكس تماما خسر العراق في هذه الحقبة القصيرة نسبيا ثروة اجيال من العوائد النفطية, والتي تقدر بما يقارب الألف مليارد دولار, وخسر فرصته في تعزيز الديمقراطية السياسية والانتقال الى الحياة البرلمانية المستقرة, وخسر كذلك اثمن الفرص في اعادة البناء والعمران وانتشال المجتمع من الفقر والمرض والجهل وسوء الخدمات, وشيوع الارهاب والمليشيات المسلحة والقتل المجاني واستباحة دم الناس لأتفه الاسباب. 

 لقد شاع جو من الاستبداد الخفي شوه كل المثل الخيرة والقيم الإنسانية كي يديم امتيازاته ويحمي مكاسبه فيعمم أخلاق الخنوع والذل والدجل والوشاية، امتدادا لحقبة الدكتاتورية السابقة, وقد نبه الى ذلك عبد الرحمن الكواكبي (1855ـ1902 ) قبل أكثر من مائة عام في نص لا يزال يحتفظ بمصداقيته حتى يومنا هذا "إن الاستبداد يتصرف في أكثر الأميال الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيضعفها أو يفسدها أو يمحوها, هو يقلب القيم الأخلاقية رأسا على عقب ليغدو طالب الحق فاجرا وتارك حقه مطيعا، والمشتكي المتظلم مفسدا، والنبيه المدقق ملحدا، والخامل المسكين صالحا أمينا. وتصبح تسمية النصح فضولا والغيرة عداوة والشهامة عتوا والحمية حماقة والرحمة مرضا، وأيضا يغدو النفاق سياسة والتحايل كياسة والدناءة لطفا والنذالة دماثة، وأنه -أي الاستبداد- يرغم حتى الأخيار من الناس على ألفة الرياء والنفاق، ولبئس السيئتان، وأنه يعين الأشرار على إجراء غيِّ نفوسهم آمنين من كل تَبِعة، ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح".

 

لقد اثار الصراع السياسي بين الأحزاب المختلفة لإدارة الحكم في العراق خلال عقد ونصف إشكالات كثيرة على مستوى الفكر والممارسة, وخاصة عندما يدار هذا الصراع من قبل أحزاب حديثة العهد في الخطاب والممارسة الديمقراطية أو غير مؤمنة بالديمقراطية اصلا, وعلى نسق ما يتعلمه الطفل من مبادئ أساسية ومهارات في رياض الأطفال,حيث يجري التعلم هنا عن طريق المحاولة والخطأ, قد تثبت هذه المهارات أو تضمحل, فيضطر الفرد إلى أعادة التعلم وهكذا دواليك إلى أن تستقر العادات المطلوبة لذلك, كما هو الحال بالنسبة للأحزاب الدينية وبعض من غير الدينية, هذا طبعا في سياقات طبيعية  ويفترض أن تؤدي إلى نتائج ايجابية مع الوقت في حالة توفر حالة النضج والاستعداد للتعلم.

 

ولكن الظروف الخاصة التي وفرت للبلد فرصة الاختيار السياسي عبر صناديق الاقتراع وإدارة البلد عبر آلية العمل الديمقراطي في تقرير مصيره , وقد تأسست هذه العملية في أجواء الاحتلال الأمريكي وبفضله, والتي يفترض على العقلاء من ألسياسيين العمل على إزالة أثارها سريعا وتحويلها إلى عملية ديمقراطية شاملة وكاملة , وخاصة ألبنية الأساسية والهيكلية للديمقراطية , دستورا وآليات عمل, والتي وفرت غطاء لإقامة نظام سياسي بمسحة دينية وطائفية ,مسببا لإثارة النعرة الطائفية والشوفينية في بلد متنوع الأعراق والاثنيات القومية والدينية , لا تحتمل أدارة الحكم فيه وبناء نهضته الاقتصادية والاجتماعية بهذه الطريقة الانتقائية الخطرة. وبدل من أن تتحول هذه التجربة الوليدة إلى حاضنة حقيقية  للديمقراطية, تحولت إلى هرولة سريعة للاستحواذ السياسي واقتسام مناطق النفوذ جغروطائفيا وأثنيا وسياسيا, وكأن لسان حالها يقول : " اليوم أفضل من غدا فلنضرب ضربتنا الآن " , مما فوت الفرصة على التعلم الجيد وخاصة لهؤلاء الذين أدعوا المظلومية الطائفية والاثنية في عرف ما جرى تأسيسه بعد سقوط النظام السابق مباشرة.

 

لقد وفرت هذه الأجواء خلال الخمسة عشر عاما المنصرمة فرصا" ذهبية " وغطاء لاستخدام" الدين" و" الخطاب الديني" إلى أقصى مدى, متخذين من المنافس السياسي الأخر خارج القوى الدينية عدوا وهميا لهم وبنفس الوقت هدفا وضحية. واليوم حيث يجري بنفس السياق تعبئة كافة المؤسسات الدينية من دور للعبادة وسلطات دينية ـ سياسية , ودوائر رسمية وغير رسمية  , وأقلام كتاب, وكذلك محاولات مستمرة للاستنطاق المرجعيات الدينية واستمالتها وزجها مجددا في دائرة الصراع لكسب المعارك السياسية القادمة وعلى طريقة ما جرى في الانتخابات البرلمانية والمحلية السابقة.

 

وتقوم هذه الحملة المسعورة على إدعاء وهمي ومظلل قوامه إن الدين الإسلامي أو الطائفة أو المذهب في تهديد, وأن الأمة في خطر قادم من قبل القوى الوطنية ( يسارية وعلمانية وغيرها ), ويجب إعلان حالة الطوارئ الدينية والتهيئة لمعركة شرسة ضد عدو يريد الإطاحة بالإسلام وتصوير الطرف الأخر المنافس والمسالم والأعزل من السلاح في غالبيته بأنه عدو للدين. أنها محاولات تجري على خلفية الاستخدام غير النزيه والسيئ لمزاج الناس الديني والعبث بمعتقداتهم الدينية وخاصة في أوساط البسطاء والفقراء والكادحين والمحرومين من الناس الذين عانوا الأمرين من النظام السابق , ويعانون الآن من ضنك العيش وانعدام فرص العمل والخدمات الاجتماعية والمحسوبية والمنسوبية وارتهان للقمة العيش وغيرها.

 

أن ما يجري الآن من قبل هذه الأحزاب هو ليست عملية صراع سياسي ومنافسة نزيهة يراد بها إبراز الإمكانيات الذاتية والفعلية لهذه القوى وهي تخوض منافسة مع القوى السياسية الأخرى , بل هي " ميكافيلية دينية " تقوم على قاعدة استخدام كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة من إعلام وسلطات واسعة وصحافة ومؤسسات دينية ترغيبا وترهيبا لزرع الرعب في عقول البسطاء وبذريعة حرب أو حملات تشنها القوى الديمقراطية والوطنية ضد الإسلام , ويجب الاستعداد " للانتصار الإلهي" , ويجب أن يمر هذا" الانتصار" وفقا لهم عبر آلية محكمة تبدأ بتأصيل حالة الخوف لدى الناس ( الفوبيا), تعقبها حالة غيبوبة مؤقتة يتم فيها انتزاع أصواتهم الانتخابية القادمة , ثم تركهم حفاة الأقدام مكشوفين الرأس أمام الهجمات الانتحارية , كما تركوهم في المرة الأولى , وإلى انتخابات أخرى بعد القادمة.

 

أن هذه الأجواء التي تستعد هذه القوى إلى بعثها في صفوف الناس, هي بالضد من تعاليم الإسلام الذي نسمعه ونقرأه في الأدبيات الإسلامية من فقه وأحاديث نبوية ونصوص قرآنية, فالغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة, والغاية أذا كانت نبيلة فالوسيلة يجب أن تكون كذلك , والسياسة يجب أن لا تنزع عنها أخلاق الإسلام , وألا كانت برأيهم همجية وغوغاء لامكان فيها للشرفاء, وهم يرون أيضا أن السياسة الداخلية تقوم على العدل والأنصاف والمساواة بين الجميع, فلا عنصرية ولا طائفية, تقوم على الصدق لا الكذب ولا تضليل للشعب, والسياسة الخارجية لديهم أيضا تقوم على احترام العهود والمواثيق فلا غدر, ولا خيانة.

 

ويرى فقهاء الإسلام من الناحية النظرية , أن السياسة الإسلامية ليست سياسة " ميكافيلية " ترى أن الغاية تبرر الوسيلة آيا كانت صفتها,بل هي سياسة مبادئ وقيم تلتزم بها, ولا تتخلى عنها , ولو في أحلك الظروف , وأحرج الساعات سواء في علاقة الدولة المسلمة بمواطنيها داخليا, أم في علاقتها الخارجية بغيرها من الدول والجماعات.

 

أن الإسلام ( استنادا إلى نصوص القرآن والسنة النبوية المعلنة ) يرفض كل الرفض الوسيلة القذرة , ولو كانت للوصول إلى غاية شريفة,يقول النبي محمد :( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ) , فالخبث من الوسائل كالخبث من الغايات مرفوض , ولابد من الوسيلة النظيفة للغاية الشريفة . أما في علاقة الدولة بمواطنيها فنشير إلى حديث للنبي محمد يقول فيه : (عدل ساعة في حكومة خير من عبادة ستين سنة) , أما في القرآن فالنصوص الدينية كثيرة, ونكتفي هنا في الإشارة إلى الآية (  58 ) من سورة النساء,حيث يخاطب النص أولى الأمر : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ).

 

هذه هي المبادئ العامة والخطوط العريضة المعلنة للبعد الأخلاقي والقيمي للسياسة الإسلامية عبر فقهاء الإسلام والنصوص الكلاسيكية ,ولا ندخل هنا في حوار حول جدوى ذلك وأهميته العملية اليوم في عالم السياسة الدولية والإقليمية والوطنية , حيث لا نرى أثرا لذلك في السياسة الخارجية والداخلية لأي دولة إسلامية في العالم كله ولا في سياسة أحزاب الإسلام السياسي على الإطلاق , إضافة إلى ذلك إن السياسة كي تؤدي إلى نتائج ملموسة, تحتاج في الممارسة العملية إلى المزيد من التوفيق والموائمة بين الأخلاق والمصالح والسياسة , وأن السياسة الخارجية كما نعلم اليوم تبنى على المصالح المشتركة أولا , وأما السياسة الداخلية فتبنى بوضوح أكثر على ثلاثي قوامه الأخلاق والمواطنة والمصلحة المشتركة.ونترك القارئ هنا فقط للتأمل والمقارنة بين ما يتم ممارسته في الميدان العملي لأحزاب الإسلام السياسي ومدى بعده المطلق عن النص الديني,حيث لا نجد أي أثر للدين في السياسة.

 

أن ما يجري من سلوك لبعض الأحزاب الدينية هو من الخطورة بمكان, يستهدف ضرب الوحدة الوطنية التي نحن اليوم بأمس الحاجة أليها , وكذلك إلحاق الضرر بالنسيج الاجتماعي المتنوع والقائم في العراق على خلفية إنسانية عامة يلتقي عليها الجميع , لا على أساس ديني أو طائفي أو فئوي . أما زج الدين باستمرار في دائرة الصراع السياسي ,فهو ليست من باب أعلاء شأن الدين ومكانته في أذهان الناس أو لتجسيد فكرة الحق والعدل والأمانة والأنصاف والأخوة , بل هو تجسيد معكوس لفكرة " نيقولا ميكافيلي " التي ترى : " أن الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس " وقد أراد ميكافيلي من ذلك تقوية وتوحيد الدولة الايطالية آنذاك في صراعها ضد التفكك والاعتداءات الخارجية , وقد أباح استخدام كافة  الوسائل لتلك المصلحة العليا , وهو صاحب القول " الوسيلة تبرر الغاية " ويعني بذلك استخدام كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة من اجل إبقاء الدولة قائمة وموحدة.

 

أما " المكافيلية الدينية " في العراق تستخدم الدين ليست بالطريقة التي قررها ميكافيلي ورآها في كتابه " الأمير " للحفاظ على وحدة الدولة ,بل تستخدم كجزء من " المكافيلية الشرقية " وهي امتداد لميكافيلية القرون الوسطى الدينية ,التي ترى في الدين الوسيلة وليست الهدف للاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها خدمة لمصالح فئة أو جماعة سياسية على حساب الوحدة الوطنية وجموع الناس ورغما عنهم " رغم وجود صناديق الاقتراع " , وهم بذلك يقومون بفرض لون من النظام السياسي في الممارسة اليومية على الأرض رغم " وجود الدستور الذي يحدد شكل النظام " ,ويرون في هذا النظام على انه الخير العام ,وعلى أساس تصوراتهم تعاد صياغة التسميات والتوصيفات ليصبح كل معارض لهذا الحكم أو منتقد لهذا الحزب أو لدعاة الدين هو شرا مطلقا لا يستحق الوجود وحتى الحياة,وتبدأ " نوبة جديدة " من" الفتاوى البلاوي" وعند ذلك ينتصر الاستبداد مجددا وتغلب " الميكافيلية الدينية " كل المثل الخيرة والقيم الإنسانية والدينية الحقة ,وبهذا يعيد الظلم والاستبداد دورته من جديد مخلفا ورائه أخلاق الخنوع والذل والدجل والوشاية وتشويه صورة الدين.

 

أن السياسة في العراق بعد كل هذه التضحيات الجسام خلال عقود طويلة من الزمن والتي شارك فيها خيرة أبناء شعبنا وأحزابه الوطنية,وما تلتها في السنوات القريبة الماضية من حصاد لأرواح الناس الأبرياء وإهدار للثروات الوطنية وانهيار للبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية,يجب أن لا تكون دهاليز وكواليس ومؤامرات واغتيالات وعمليات انتحارية وواجهة لسرقة المال العام والفساد الإداري واستخدام للدين كواجهة للنفاق السياسي وللكسب الرخيص, وأن كانت كلها حقائق تملأ مسامعنا وأبصارنا يوميا, ولكن بالإمكان أن يكون السياسي صادقا , ونظيف الوسيلة إلى حد ما,عفيف اللسان,طاهر القلب, منصفا لمعارضيه من اليمين واليسار,لا تستبد به الذاتية والاعتداد بالنفس لأنه في السلطة الآن, بل يجب عليه أن ينطلق في البحث عن مصالح الناس الحقيقية وسبل سعادتهم وتجنيبهم الويلات,وهذه كلها لا تتعارض مع قواعد وأساليب الاتصال السياسي مع الطرف الآخر المعارض والتي تبنى على أساس الذكاء السياسي التي تتضمن الفطنة والدهاء والتورية والتعريض والمفاجأة والكتمان والمناورات اللفظية ومصداقية الخطاب السياسي ووسائل الكسب التي تبني اللحمة الوطنية على المدى البعيد وتعزز من مكانة الدين الحقيقية في عقول الناس وغيرها من الأساليب التي تحدثنا عنها كتب العلوم السياسية وتزكيها التجارب العملية.

 

أن تجربة النظام السابق المؤلمة لا تزال ماثلة أمام أعيننا وقد أكدت لنا بوضوح حقيقة أن تغيب حرية الشعب واستباحة حقوقه  وظلمه ساهمت بشكل كبير في تدهور بناء الإنسان النفسي والتربوي والأخلاقي والإنساني العام, وبالعكس فأن التجارب التاريخية تؤكد أن إرساء عقد اجتماعي على أسس الديمقراطية الحقيقية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان يعتبر المناخ الأمثل لبناء علاقة صحيحة بين الممارسة السياسية والأخلاق ويجعل المسافة بينهما جهد الإمكان مقبولة وخاصة في الأزمات الداخلية, بما يفضي إلى تحسين مكانة الإنسان الاجتماعية التي همشت لعقود من الزمن, و باعتباره قيمة عليا وهدفا لكل مشروع تنموي شامل.

 

وختاما نقول أن التأريخ قد أنصف ميكافيلي واضعا إياه احد مفكري حقبة التنوير الأوربية ومؤسسا لمدرسة التحليل والتنظير السياسي الواقعية, بل مؤسسا للعلوم السياسية,وقد رسم صورة الدولة القوية الموحدة, ولكنه لم يكن بدون أخلاق أبدا,كما تصوره أعدائه, وقد دفع ثمن من قرأ له قراءة متحيزة, كما في حالات هتلر وموسوليني وفرانكو,متكأين على كتابه " الأمير" وعلى مقولته الشهيرة " الوسيلة تبرر الغاية ", إلا إن ميكافيلي لم يوصي بالاعتداء على الدول, بل رسم صورة الدولة القوية الآمنة الموحدة وعكس لنا بوضوح, أن السياسة مصالح, كما يجري الآن في الكون كله, وأنا لا أوصي رجالنا في الإسلام السياسي الاتكاء عليه كما فعله الآخرون, لكنني أوصي أن يحملوا قصاصة من الورق كما تحمل الأدعية الدينية في الجيب عند الشدائد, وقد كتب عليها مقولة سيف الحق علي ابن أبي طالب : " أن دولة الباطل ساعة , ودولة الحق إلى قيام الساعة ".

 

اليوم يمر العراق بمنعطف خطير قوامه ازمة مركبة اخلاقية دينية وسياسية, وعملية سياسية متهمة بتدني المعيار الاخلاقي والسياسي والديني في مساراتها, وتداعياتها الاخيرة من تزوير العملية الانتخابية, او تدوير لاعضاء الكتل البرلمانية, والتحايل والالتفاف على من هي الكتلة الأكبر, كلها مؤشرات سيئة لأستعصاءات قادمة قد تؤدي الى المزيد من تآكل العملية السياسة وانهيارها بمفاجئات لا تحمد عقباها لما تبقى للعراق من خيارات في السلم الاهلي والاستقرار المجتمعي.

 الديناميات النفسية

المتحولة في وعي الانتفاضة

 

د.عامر صالح

 

اندلعت انتفاضة تموز العراقية في البصرة وامتدت شرارتها الى المحافظات العراقية الاخرى على خلفية فشل النظام المحصصاتي الطائفي والأثني خلال عقد ونصف من الزمن في الاستجابة للمطالب الانسانية والحقوق العادلة, والتي يجسدها الطموح في العيش الكريم وتوفير الخدمات الاساسية اللازمة للحد الادنى من البقاء الصالح, وكان النضال المطلبي للانتفاضة في بدايته ينصب على توفير الضروريات من كهرباء وماء وصحة وتعليم وايجاد فرص للعاطلين عن العمل ومعالجة ظاهرة البطالة والتي بلغت اشدها في اوساط الخريجين من مختلف التخصصات العلمية والانسانية والمهنية.  

ولكن حالة الاحباط المزمن خلال خمسة عشر عاما وعدم الثقة في النظام السياسي الذي أغرق البلاد والعباد في الفساد الاداري والمالي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والاخلاقي, وعبر عن عجزه المطلق في معالجة الازمات المستفحلة, كل ذلك جعل من مطالب المنتفضين ليست نشاطا دوريا او شكليا روتينيا, يبدأ ثم يتم اخماده أو التراجع عن المطالبة بفعل النشاط المساوماتي لقوى السلطة الحاكمة مع المنتفضين, بل هي مطالبة تعكس نقلة نوعية في الوعي العراقي المعارض للنظام المحصصاتي, وهي حالة من التراكم الكمي والذي لا بد ان يجد اشراقات التحول النوعي في الوعي, عبر فهم اسباب الازمة العامة في البلاد, وكان ابرز تلك التحولات في الوعي هو المطالبة بتغير النظام وبنيته المؤسساتية, باعتبارها السبب الرئيسي في ديمومة الازمات واستعصائها عن الحل.

ومما زاد الطين بله هو ضعف المساهمة الشعبية في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 12ـ05ـ2018 والتي سبقت الانتفاضة البصرية, وكذلك ما تخلل عملية الانتخابات من تزوير كبير عبث بأرادة الشعب العراقي, وقد اكدت ذلك الحكومة العراقية من خلال اجهزتها الاستخبارتية والامنية والحكومية الاخرى وعلى لسان رئيس وزرائها حيدر العبادي, وقد اعقب ذلك قرارات صدرت من البرلمان المنتهي الصلاحية, بايقاف عمل المفوضية للانتخابات واستبدالها بلجنة من القضاة التي انتدبت للتدقيق في نتائج الانتخابات, من خلال اعادة العد والفرز اليدوي بدل من الالكتروني, ولكن لجنة القضاة فاجئت الشعب العراقي " بأن نتائج العد والفرز اليدوي جاءت مطابقة بنسبة 99% للعد الالكتروني, ثم اعقبتها خطوة سريعة ومستعجلة من المحكمة الاتحادية هي المصادقة على نتائج الانتخابات, وكانت تلك صدمة شعبية وسياسية اخرى لما يجري من شرعنة للنظام المحاصصاتي واعادة انتاجه. وعقب ذلك فورا بدأت الكتل السياسية المتناحرة وليست المتنافسة في الشروع لتشكيل ما يسمى بالكتلة الاكبر ذات الغموض في مفهومها, والجميع يريد الحكم والسلطة ولا يريد المعارضة.

في تلك الاجواء الملبدة بالغموض والاشكاليات تجاوزت الانتفاضة يومها الخمسين وهي تعبر عن تحول نوعي في الوعي والمدارك العراقية في فهم ما يجري في السياسة والاقتصاد والتفاعلات المجتمعية, وهي نقلة نوعية في البعد العقلي ـ المعرفي لفهم اسباب ما يجري, وبالتالي المطالبة بالحلول النوعية لتجاوز الأزمة, ورفع شعارات ذات قيمة مطلبية ملموسة. هذا تطور نوعي في فهم آلية الاسباب في ضوء علاقتها بالنتائج, وتشكل نقلة أستثنائية في فهم الأزمة العامة في البلاد وجذورها على المستويين الذاتي والموضوعي, كما يشكل ذلك نقلة ايجابية في الوعي العراقي, من الحالة الحشدية القطيعية الى حالة التفرد والتمايز الجميل في استدراك ما يجري ورفض الوصاية الرعوية والابوية البطريركية الدينية وغير الدينية على عقول العراقيين.

كما نعرف أن الوضع السياسي في العراق هو نتاج لتراكم سبق سقوط النظام السابق في عام 2003 وما بعده, وما خطط للعراق خلال عقود من الزمن أن يكون ضعيفا مهمشا, لا سيادة له على ارضه ومقدراته وثرواته الطبيعية والثقافية والاجتماعية, مفتتا الى كانتونات طائفية وأثنية, ابتعدت عن تنوعها الجميل الذي عرفناه ومخترقا من الطائفية ـ السياسية والتجمعات المصغرة ذات الطابع الشللي, والمليشياتي, ومستنقع للعصابات الإجرامية, واصبحت الطائفة واجهة ومظلة لحماية المجرمين والفاسدين والسراق والقتلة, حتى باتت تلك التجمعات الشللية الطائفية والطائفية السياسية مرتع للجرائم الكبرى في سرقة المال العام والقتل الجنوني المجاني اليومي والمرتبط بأجندة سياسية وأرهابية, متزامنا مع التفكيك البنيوي التدميري المنظم لمؤسسات الدولة, حتى أخذت تلك الأفعال المدنسة طابعا مقدسا من خلال زج الدين في أقصى مداياته في تفصيلات الخراب اليومي وإضفاء الشرعنة على السلوكيات السيكوباتية المرضية.

أن الخراب الفكري وما تبعه وظيفيا من خراب عقلي ـ معرفي هو أرث عقود من القمع السياسي والاجتماعي والثقافي من خلال غسيل الدماغ بتقنيات الحزب الواحد وسلطته التي حكمت العراق, وألغت فيه قيمة الفرد الذهنية والفكرية والابداعية, فحولت فيه شرائح اجتماعية واسعة الى كتل صماء منفعلة, تحركها اشارات من قائد الضرورة اينما يريد وكيف ما يريد وبأي اتجاه ويسوقها كراعي أغنام. وقد كان انعدام الأمل وضعف العامل الذاتي في التغير أحد اسباب انسياق الناس الى التمسك بدين مفرط زائد عن الحاجة الشخصية والتشبث بالماورائيات لحل ازمة الحياة المستعصية.

كانت تلك أرض خصبة للإسلامويين السياسيين بعد سقوط النظام الدكتاتوري الفاشي في 2003 للاستحواذ على السلطة من خلال استخدام سياسات التجييش والتحشيد القطيعي والافراط في استخدام المراسيم والطقوس الدينية حتى باتت عملا مدمنا وتحشيشيا يصبحوا ويمسوا عليه, وقد تحولت الدولة العراقية الى مجموع طقوس وشعائر دينية, غاب فيها الحديث عن التنمية والتخطط وتحسين مستويات العيش, حتى تحول كل شئيئ الى هالة من الطقوس المقدسة, بما فيها الفساد وسرقة المال العام والقتل الفردي والجماعي. 

لأكثر من عقد من الزمن كان الاسلام السياسي يستخدم جاهزية العقل العراقي المثقل بجراح الوعي لتسويق بضاعته الرخيصة وخطابه المعسول ذو الانفعالات المهيجة للاحتراب بين الاخوة في الوطن, ناسيا مطالب الناس في الخدمات والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوفير فرص العيش الكريم, ومتخذا من معاناة الناس في الفقر والفاقة والاضطهاد في تمويه سياساته في الفساد والجريمة والتحلل الخلقي من خلال اضفاء الشرعية على كل افعاله, وتسويف مطالب الناس من خلال الكذب والرياء والنفاق من خلال خطاب ظاهره مقبول نسبيا وباطنه عفن.

بعد عقود من الزمن كان مخاض شعبنا لتجاوزحالة الحصار السلطوي بشقيه الدكتاتوري والاسلاموي واضحا عبر اختمار آليات التغير في مراحلها الثلاث كما ترد في الادبيات السيكولوجية:

 ـ المرحلة الأولى: الرضوخ والقهر خلال هذه المرحلة, التي تدوم فترة طويلة نسبيا, يشكل زمن الرضوخ والاستكانة أو الفترة المظلمة من تاريخ المجتمع, عصر الانحطاط, وتكون قوى التسلط في أوج سطوتها, وحالة الرضوخ في أشد درجاتها. وأبرز ملامح هذه المرحلة هو اجتياف (أستدخال) عملية التبخيس التي غرسها الحاكم المتسلط في نفسية الجماهير, فيكره الإنسان نفسه ويوجه عدوانيته تجاه نفسه وتجاه أمثاله, ومن ثم يقوم بإزاحة هذه العدوانية ليمارسها تجاه من هو اضعف منه. ومن الملامح الأخرى هو الإعجاب بالمتسلط المستبد وتضخيم تقديره, فيعطيه حقا شبه إلهي في السيادة والتمتع بكل الامتيازات, وبالتالي تنشأ علاقة رضوخ " مازوخي " من خلال الاعتراف بحق المتسلط بفرض سيادته, وتنشأ في هذه المرحلة مجموعة من العقد التي تميز حياة الإنسان المقهور أو المضطهد أهمها: عقدة النقص, وفقدان الثقة بنفسه وبأمثاله, والتي تجعله يحجم عن كل جديد, ويتجنب كل تجربة قد تساهم في تغير وضعه, لذلك فهو لا يحرك ساكنا, وإنما ينتظر ذلك البطل المخلص الذي سينتشله مما هو فيه, وهذا ما يمهد الطريق للتعلق بالزعيم الفرد, تعلقا يغري بالتسلط والدكتاتورية, إن هذه الأفكار تجعل عملية التحديث تجابه بمقاومة شديدة تحبط البرنامج التنموي. أما عقدة العار فهي تجعل الإنسان يخجل من ذاته, ويعيش وضعه كعار وجودي يصعب تحمله, فيتمسك بالمظاهر لتشكل غطاء لبؤسه الداخلي, ولابد للمتسلط دورا في تحويل انتباه الإنسان المقهور من حالة الذل والقهر التي يعيشها إلى أمور ثانوية, وبذلك يحمي المتسلط نفسه من ثورة المقهورين. وأخيرا وليس آخرا يعاني المقهور من اضطراب الديمومة, حيث أن طول المعاناة وعمق القهر والتسلط الذي فرض عليه ينعكس على تجربته الوجودية للديمومة على شكل تضخم في آلام الماضي, وتأزم في معاناة الحاضر وانسداد آفاق المستقبل, ويتفاعل هذا مع عقدة النقص وعقدة العار, مما يغرق الإنسان في ضعفه وعجزه واستسلامه إزاء قوى تتحكم في مصيره, ويحس انه لا قدرة له على مجابهتها.

ـ المرحلة الثانية: الاضطهاد وفيها يبدأ الإنسان بتحويل حالة الغليان العدوانية التي كانت موجهة ضد نفسه إلى الآخرين , بعد عدم تمكنه من كبتها بالآليات التي استخدمها في المرحلة الأولى. انه يحول عدوانيته إلى الذين يشبهونه, أن جوهر هذه العملية هو التفتيش عن مخطئ يحمل وزر العدوانية المتراكمة داخليا, وبذلك يتخلص من شعوره بالذنب ومن عاره وعقد نقصه ويصبها على الآخر, متهما إياه " بشكل توهمي " أنه يحسده ويريد أن يؤذيه, وهكذا يصبح العدوان عليه مبررا فهو دفاع عن النفس ليس إلا. إن هذا التفريغ والتحويل للمشاعر السيئة الداخلية تجاه الآخر المقهور مثله ينفع مؤقتا في تخفيف التوتر الداخلي للإنسان المقهور, لكن ذلك يفشل في تخليصه وإراحته على المدى البعيد, مما يجعله ينتقل إلى المرحلة الثالثة.

ـ المرحلة الثالثة: التمرد والمجابهة عندئذ يصبح العنف المسلح وغير المسلح هو السبيل ليتخلص الشعب من عقدة النقص والجبن والخوف التي غرسها الحاكم المستبد في عروقه, وهو يحقق بذلك ذاته وينفض عن نفسه الكسل والجهل والاتكالية, وقد يكون العنف  والغضب في البداية معيقا لإمكانية التفكير والتنظيم, ولكنه يفتح المجال لكل الاحتمالات, فأما إعادة دورة العنف أو الانطلاق إلى رحاب التغير السلمي الهادئ والتأسيس لمرحلة قادمة ذات صبغة تقدمية, وهذه الاحتمالات وثيقة الصلة بمن يقود عملية التغير.

 أن المعضلة الكبرى كما يراها شعبنا المنتفض هي في الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية وهذا يعني اجراء تعديلات جوهرية على الدستور, واعادة النظر بقانون الانتخابات, واصدار قانون الاحزاب, الى جانب تشريع قانون النقابات والاتحادات, وقانون النفط والغاز, وقانون حرية التعبير, وقانون المحكمة الدستورية, وقانون مجلس الاتحاد, واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهه, واعادة تشكيل مجلس القضاء الاعلى بما يضمن نزاهته حقا. أما عدا ذلك فأن الامر يبدو أكثر تعقيدا, وان محاولات الحكومة هي مجرد امتصاص لغضب شعبنا. وحذاري من تحول احباط شعبنا الى عمل  يتجاوز كل التوقعات , وقد تدك المظاهرات والاعتصامات ابواب المنطقة الخضراء, وعندها ستراق الدماء وسيخسر الجميع, إلا داعش, فسوف تجد لها فضاء لا حدود له للتمدد.

أن الأنتفاضة العراقية اليوم لا ينطبق عليها المفهوم التقليدي " للإنتفاضات المنظمة " كما كان يحصل في عقود خلت, حيث الأحزاب تقرر مسبقا مستوى النضج الذاتي للبدء بالأفعال الثورية, تعقبها " ساعة الصفر ", فالأمر اليوم معكوس تماما, حيث تبدأ الجماهير دون سابق إنذار بإعلان الانتفاضة ثم تطلق دعوتها للأحزاب والقوى السياسية للالتفاف حولها, فالجماهير هي القائد الميداني للأعمال الثورية, أما دور الأحزاب فيأتي متأخر نسبيا عن الحدث ليحول مشاعر الثوار إلى برامج سياسية ملموسة كما يضفي على مسحة الغضب الثوري بعدا أكثر منطقية من خلال ارتباطه بأهداف مصاغة ومقننة " على افتراض توفر حالة النضج السياسي لدى الأحزاب من خلال تمثل قيم الوطن والمواطنة باعتبارها مصلحة عليا ".

 

 

 

 

 

 

           

 

 

 

 

 

 

فاجعة غشاء " البكارة المطاط "

وحديث عن العفة واضطهاد المرأة

 

د.عامر صالح

 

علقت منظمة ( هيومن رايتس ووتش ) يوم الاربعاء المصادف 2018ـ08ـ08 على قصة جريمة مروعة وقعت في محافظة النجف بسبب "غشاء بكارة مطاطي", وذكرت المنظمة أن جريمة القتل المروعة لأمرأة عراقية في منزلها يجب أن تدفع البرلمان العراقي القادم فور تشكيله الى اقرار مشروع قانون مناهضة العنف الأسري المعلق منذ عام 2015 وتابعت المنظمة أنه في أحد ايام الأسبوع الماضي أعاد عريس عروسه الى والديها بعد يوم من زفافهما بحجة أنها لم تكن عذراء, وحسب تقارير وسائل الأعلام أنه, عند سماع الأتهام ضربها أحد أفراد أسرتها حتى الموت.

وبحسب المنظمة, فانه على الرغم من أن القاتل سيحاكم على الأرجح على جريمته, وقد تخفف عقوبته بموجب نص في قانون العقوبات العراقي يسمح بأحكام مخففة في اعمال العنف ـ بما في ذلك القتل ـ لما يسمى ب " البواعث الشريفة ", لا يوجد "شرف" في مثل هذا القتل الوحشي الذي لا داعي له, علاوة على ذلك, فأن الضحية لم تكن سوى واحدة من مئات النساء والاطفال الذين يعانون من العنف على أيدي عائلاتهم في العراق كل عام. وحسب المصادر الاعلامية التي صدرت من النجف بتاريخ ( 2018ـ07ـ31 ) أن شقيق الزوجه هو الذي قام بقتلها, كما توفي والدها مباشرة بعد تلقيه الخبر, ولكن والدتها اصرت على تشريح الجثة, والذي تبين أن العروسة كانت باكرا, وأن غشاء بكارتها من النوع المطاطي الصعب الفض ويحتاج الى تدخل جراحي أو يفض تلقائيا بعد الولادة. وللمعلومات فقط, والى جانب تنوع اشكال غشاء البكارة, فهناك 30% من نساء العالم بدون غشاء بكارة  منذ الولادة, أي بيولوجيا وتكونيا لا يمتلكن ذلك, فهل يستحقن القتل !!!.

لا اناقش الحدث لذاته فهو جريمة قتل مع سبق الأصرار, ولكن مهما قيل ويقال من استعباد للمرأة وانتهاك لكرامتها وتنوع أساليب اضطهادها وسوء معاملتها اليومية واستلاب حقوقها في الحرية والكرامة والاستقلال في شؤونها الشخصية وتحويلها إلى موضوع أو شيء تقع عليه أفعال الآخرين دون إرادتها أو فعل منها, إنما هو امتداد للملابسات التاريخية في نشأة عوامل اضطهادها الأولى, وما يحصل اليوم بحقها من ظلم وحيف وقهر ما هو إلا تنوع متردي وسيئ خطير في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المحيطة بالمرأة والتي تشدد من الخناق على حريتها واستلاب حقوقها, في ظل غياب بدائل إنسانية حقيقية لتوفير مستلزمات أنعتاقها من العبودية والأسر التاريخي الذي وقعت فيه.   

هنا في عالمنا العربي والاسلامي أكثر من عشرين شكلا " للزواج " لا يشترط فيه غشاء البكاره, بل ان عدمها هو السائد, فلماذا يشترط ويتوجب غشاء البكاره على الزواج الدائم " مع استثناءات ", أم ان الاشكال الاولى المؤقتة هو نمط من الدعارة المشرعنة في ذهن ممارسيه, ولهذا الزواج مشرعيه وفقهائه والذين يبحثون دوما عن مظلة شرعية لحماية هذا النمط من الزواجات, فهناك الزواج العرفي والمنتشر في مصر حتى في أروقة الجامعات, وهناك زواج المسيار, وزواج المصياف, وزواج ألويك أند, وزواج الفرند, وزواج المصواب, وزواج المسفار, وزواج المطيار, وزواج المحجاج, وزواج المسياق, وزواج المهراب, وزواج المقراض, وزواج المتعة, وزواج التجربة, وزواج المزار, ونكاح الترزق, ونكاح الخوالي, ونكاح إعارة الفرج, والمتعة غير الجنسية, والمتعة الجماعية, والمتعة من اجل الإنجاب, وزواج المباركة, ونكاح التعدد, وزواج المردان, ونكاح المصاهرة, ونكاح الضيافة, والقائمة تطول, هذا هو نكاح في ظروف " السلم ", أما نكاح زمن الحرب فقد ضربت داعش مثالا سيئ اهتز له ضمير الإنسانية, من جهاد المناكحة, وسبي النساء, ومقايضتهن جنسيا, وبيعهن في أسواق " الدولة الإسلامية ".

 

ارتبط مفهوم العفة تقليديا في مجتمعات العالم العربي والإسلامي في الحفاظ على المواطن البيولوجية للأعضاء التناسلية للرجل والمرأة, واشتقت منها معايير الشرف والكرامة والشهامة والحفاظ على الأعراض بنسختها الدينية التقليدية, وربطها ربطا محكما بمواثيق شرعية ـ دينية لا يجوز التجاوز عليها أو الإخلال بها تحت أي ظروف متغيرة للحياة, ومفهوم العرض هنا مفهوم ثابت غير قابل للتعديل والحوار رغم تغير ظروف الحياة .

 

أ ما الأخلاق العامة من صدق وأمانة ونزاهة في التعامل اليومي ونبذ للفساد الأخلاقي خارج أمكنته الجنسية التقليدية فهي متغيرة نسبيا و لا تعني شيئا يذكر, والمهم في ذلك كله أن تكون المرأة حافظة لفرجها والرجل لعورته, وبالتالي ما يحل بالأمة من فساد وسرقة للمال العام وفساد إداري ومالي ومن إرهاب وقتل للنفس وتشويه للحياة العامة ودمار للتراث الإنساني وسبي للنساء ليست ذو قيمة تذكر أمام مفهوم العفة التقليدية.

السلوك الإنساني معقد جدا وتتضافر عوامل مختلفة لتشكيله, منها ما هو موروث أولي في الجينات, ومنها ما هو مكتسب بيئي وثقافي, ومع الوقت يهيمن ما هو مكتسب من الثقافة والتنشئة الاجتماعية على ما هو موروث, ومن هنا تأتي أهمية دراسة العفة في السلوك في ضوء الأداء اليومي العملي في مواجهة المشكلات اليومية للحياة العملية بعيدا عن المفهوم الغريزي التقليدي للعفة الذي لا ينفع كثيرا في ظل تعقيد ظروف الحياة وتشعب منظومتها القيمية.

فالعفة ليست في أمكنتها التقليدية البيولوجية, بل في انعكاس تلك العفة في التعامل اليومي, من نزاهة وصدق وإخلاص وحفاظ على المال العام والمقدرة في الحفاظ على الأمن العام, والشرف ليست في الحفاظ التقليدي على المقدمات والمؤخرات البيولوجية, ولا على التستر في الحجاب والنقاب وأشكال الاختفاء الشكلي الأخرى, بل في الكفاءة العقلية والفكرية في التكيف السليم لظروف العصر ومتغيراته المتلاحقة, فالشرف قطعا في الأداء وليست في إخفاء " العورة ".

التركيز المفرط والشديد على العورة الذكورية والانوثية " وخاصة الأنثوية " باعتبارها مقياسا للشرف المطلق يخفي وراءه اشد إشكال التنكيل والريبة والتحايل على القيم الفطرية الإنسانية وقيم التسامح بين الجنسين, في ظل عالم متطور لا يعرف الحدود بين الأفراد وبين الجنسين إلا من خلال الأداء الفعلي والمنافسة الحرة, وفرز الذكاء بين الجنسين القائم على تنوعهما المفيد في خدمة الحضارة الإنسانية والتقدم. أن عوامل الكبت والحرمان والفصل بين الجنسين وعرقلة نشأة حياة حرة كريمة هي احد عوامل نشأة حياة شاذة, قوامها الكبت والشذوذ والكيد والتحايل وخاتمتها داعش والقادم اسوء.

أن التعرض لهذه الظواهر في العراق او ما يسمى "بجرائم الشرف " والحديث عنها علنا في الإعلام والصحافة, إلى جانب توجه منظمات المجتمع المدني للمساهمة الفعالة في التوعية عن مخاطرها هو جهد ايجابي كبير في ظل بيئة تعصف بها مختلف تيارات التطرف وهيمنة فكر الكراهية للمرأة وللمساواة, وهيمنة السلوك العشائري والقبلي في المنظومة الاخلاقية, وبالتالي فأن الجهود الخيرة يجب أن تكرس صوب انقاد المرأة من سلوكيات الإذلال والحط من قيمتها الشخصية والاجتماعية وفسح كافة فرص المساهمة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للمساهمة في بناء مجتمع أفضل, لا تخضع فيه المرأة لمزاج الفتاوى الشخصية والاجتهاد المبتذل, فمكانة المرأة ليست موضوعا للاجتهاد حول شكل زواجها إشباعا لغريزة ذكورية, بل هي موضوعا للمساواة وتحقيق العدالة الاجتماعية بين قطبين متكافئين.

 

انتفاضة تموز العراقية

 2018 وسيكولوجيا الغضب

 

 د.عامر صالح

 

دخلت المرجعية الدينية في خطبتها في 2018ـ08ـ03 على خط استخدام المصطلحات السيكولوجية في استخدامها لمفردة الغضب المسيطر عليه في محاولة منها لأحتواء الأزمة في البلاد منذ عقد ونصف من الزمن, وكما نعلم فأن المرجعية الدينية تتدخل في الأزمات بخطاب توفيقي بين اطراف الأزمة المستعصية في البلاد, وقد رفعت المرجعية يدها عن تزكية الحكم ورموزه نسبيا بعد إن كانت الداعم الأساسي للنظام وأركانه منذ نشأته الأولى, بل وكانت المرجعية احد الأطراف الأساسية لهندسة النظام المحصصاتي بكل بنيته المؤسساتية, والأمر هنا ليست من باب ألقاء التهم على المرجعية, بل من باب خلط الدين في السياسة واعطاء النظام قدسية وشرعية في عقول العراقين ما لا يستحقها مطلقا, فالنظام الفاسد يفترض ان لا يلقي الاستحسان أو الحديث عنه بلغة رمزية من قبل المرجعية الدينية, وطبعا هذا غير معزول عن تشوهات الوعي العراقي وأزمته في عدم ادراك ضرورة فصل الدين عن السياسية, مما ترك المجال لمزيد من تعقيد دور المرجعية في الشأن العام, حتى باتت شرائح اجتماعية واسعة تتطالب المرجعية بموقف سياسي واضح من النظام كي تترجمه على شكل افعال ميدانية, قد يقع ذلك خارج اختصاص المرجعية نفسها.

 إن الانتفاضات والحركات الاحتجاجية التي تعم الشارع العراقي اليوم هي من نوع المعارك التاريخية الفاصلة والحاسمة بين فريقين متناقضين, هما فريق السلطات الحاكمة التي فقدت شرعية وجودها على خلفية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخانقة والمتراكمة عبر عقود من الزمن, ويمثل هذا الفريق قوى السلطة الفاسدة والقمعية المستبدة والقوى التي تسير ورائها وتدعمها من ميليشيات مسلحة وعصابات ومجاميع اجرامية منفلتة ترى في في ضعف الدولة مرتع خصب لها, والفريق الثاني هو قوى الانتفاضات الشعبية ذات المصلحة الأساسية في عملية التغير التقدمي, والمطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية. ولكل فريق " جمهوره " الخاص والذي يتشكل في سياقات الغضب المتراكم في اتجاهين متنافرين: غضب السلطة وسدنتها وأعوانها, وغضب الثوار. ما هي طبيعة الغضب الجمعي لدى الفريقين, وما هي دلالاته, وكيف ينشأ لدى الفريقين, وما هي تداعياته, ذلك ما نطمح إلى تبيان اتجاهاته الرئيسية في هذه المحاولة المتواضعة !!!.

 إن الانفعالات بصورة عامة هي من أهم الخصائص والمقومات التي تجعل لحياة الإنسان معنى. وبدون القدرة أو الطاقة على الانفعال تصبح الحياة غير ذات معنى, شبيهة بحياة الجماد الذي لا يحس ولا يشعر ولا ينفعل. إن الحياة بدون انفعالات تصبح لاهي محزنة ولاهي سارة. ولا نستطيع أن نتصور حياة بدون انفعالات. فالحياة والانفعال شيئان متلازمان لا وجود لأحدهما دون الآخر.

 

والغاية من الانفعالات هو تحقيق السعادة الشخصية والتكيف مع النفس ومع البيئة المحيطة. ويعتبر الانفعال من العناصر المهمة في تفاعلنا مع البيئة المحيطة بنا, وله تأثير قوي في وظائف جسمنا, وفي إدراكنا للعالم المحيط بنا, وفي قدرتنا على التفكير والتعلم والتفاعل مع الآخرين وفي كافة مظاهر حياتنا. وكون الانفعال ضروريا لحياة الإنسان لا ينافي أنه لا بد للإنسان أن يعمل على ضبط انفعالاته والتحكم فيها, لأن عجزه عن ضبطها والتحكم فيها من شأنه أن يؤدي إلى ضروب من الاضطرابات النفسية والعقلية والجسمية ويعرقل عملية التكيف السليم للبيئة الاجتماعية. وحديثنا هنا هو مكرس فقط للغضب باعتباره احد مظاهر الانفعالات التي تبدو واضحة في السلوك الفردي والجمعي للمجتمعات.

 

الغضب في اللغة: غضب يغضب غضبا, قال ابن فارس: " الغين والضاد والباء أصل صحيح يدل على شدة وقوة. يقال إن الغضبة: الصخرة, ومنه اشتق الغضب, لأنه اشتداد السخط". وفي الاصطلاح: عرفه الجرجاني بأنه: " تغير يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه التشفي للصدر", وعرفه الغزالي: " غليان دم القلب بطلب الانتقام", وفي المعجم الوسيط: " غضب عليه غضبا سخط عليه وأراد الانتقام منه.... ".

 

والغضب من الناحية السيكولوجية: هو سلوك متعلم تختلف حدته من الاستثارة الخفيفة وانتهاء إلى الثورة الحادة, وقد يعرف الغضب بأنه حالة انفعال عاطفي حادة طبيعية وصحية وإنسانية, ولكن عندما يخرج الفرد من قدرة السيطرة والتحكم فيه فانه يتحول إلى مشكلة هدامة تؤدي إلى شرخ في العلاقات الاجتماعية والأسرية وحتى الثقافية والاقتصادية, ولكن لكل فعل ردة فعل كما هي فيزياء السلوك الانساني.

 

وللغضب أعراض مختلفة تظهر واضحة في السلوك الظاهر, والتغيرات الفسيولوجية للجسم وكذلك في المشاعر والادراكات الداخلية, ويمكن تلخيصها عموما بالأعراض التالية: ضربات القلب السريعة, تغير لون البشرة, ضغط الدم المرتفع, زيادة توتر العضلات, اتساق حدقة العين, التنفس السطحي غير العميق, انكماش الجلد, الاتجاه العام للجسم والاستعداد للحركة كالجري والهجوم, تغير الصوت في الطبقة والشدة,التصرفات العشوائية, التدفق الكلامي, طبيعة حكم الشخص على مشاعره وشدتها ونوعيتها, كما يتسم السلوك العام بالتكثيف, والاعتباطية, والاندفاع وعدم التبصر, التناقض وعدم الاتساق, وعدم إقامة أي اعتبار للنتائج.

 

والغضب على المستوى الفردي ينشأ بفعل عوامل الإرهاق, والجوع, والألم, والمرض, والإحباط, والقلق, والتفسير السلبي للمواقف, وجود قناعات مسبقة عن بعض الأشخاص أو الأحداث أو القضايا, العجز عن الحوار أو عدم الرغبة فيه, استعصاء حل المشكلات واستمرارها, الاستعجال, التغيرات الهرمونية المرتبطة بالدورة الشهرية بالنسبة للمرأة أو الوصول إلى سن انقطاع الطمث, الفشل في ممارسة الجنس, الاعتماد على عقاقير بعينها أو الانسحاب من تأثير مخدر, الاضطرابات النفسية مثل الاضطرابات الوجدانية ثنائية القطب " الهوس والاكتئاب ", الجينات الوراثية ودورها في تحديد السمات الشخصية ورسم ملامح الطباع والخطوط الأولية لمظاهر السلوك الإنساني, الشعور بالدونية, تباين القيم والتقاليد الاجتماعية, الضغط النفسي, المشاكل الزوجية والأسرية, الخلافات الفكرية والصراعات الطبقية, الصراعات السياسية, الإحساس بالظلم, الإحساس بأن الطريق مسدود أمام الشخص, تقييد الحريات الفردية والتجاوز عليها, النقاط الحساسة بالشخصية, الحرمان من إشباع بعض الحاجات, البطالة, الفقر, الاستغلال, الرفض الاجتماعي للشخصية, والمعاناة من الفساد بمختلف مظاهره في البيئة المحيطة !!!!.

 

أما الغضب الجمعي و" الثائر " منه بشكل خاص فيتشكل من خلال حالة الوعي الجمعي بالمشكلات المشتركة بين أفراد المجتمع والمستعصية على الحل, كالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية, والتي تبدو بشكل واضح في انتشار الفقر والتفاوت المريع للدخول, وخاصة القائم منه على خلفية الفساد الإداري والمالي والسياسي, والمتمثل بالرشوة والمحسوبية والمحاباة والوساطة والابتزاز والتزوير وسرقة المال العام وغيرها, وخاصة عندما يكون الفساد اكبر حجما من المحاسبة ويصبح ثقافة شائعة تنهك أفراد المجتمع, ويدخل ضمن التركيبية السياسية للدولة, إلى جانب انعدام أو ضعف الخدمات العامة, من صحة وتعليم وماء وكهرباء وضمانات اجتماعية مختلفة,وعدم تفعيل دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي في إعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية, وانعدام فرص العمل للمواطنين, يقابل ذلك في الطرف الآخر ثراء فاحشا وغير نزيه لشرائح اجتماعية وسياسية وقيادات في الدولة والأحزاب الحاكمة, الأمر الذي يترك انطباعا غير قابل للطعن بأن الدولة وقياداتها وأحزابها هي مصدر الظلم الاجتماعي ومسببه الرئيسي, وهي مصدر اهانة أفراد المجتمع وإذلالهم وتميزهم وتأليبهم على بعضهم سياسيا ومذهبيا وطائفيا واثنيا.

 

وتولد هذه السياسات بمجملها حالات من الكبت والقمع والحرمان المتواصل, وكلما زادت فترة الكبت للمشاعر المصاحبة فهي تشكل أرضا خصبة لغضبا جمعيا ثائرا وهو محمود ومطلوب حيث الحاجة إليه لإثبات ذات الفرد والمجتمع ووجودهما, واخذ الحقوق ممن ظلموه وسلبوا إرادته في الحرية الحقيقية والعيش الكريم, فالغضب الجمعي الثائر هنا هو حالة صحية وسوية للتعبير عن كبت المشاعر التي خنقت داخل الذات المجتمعية بفعل عوامل القمع والحرمان وانعدام الحريات والعدالة الاجتماعية, وهكذا جاءت الاحتجاجات المطلبية العراقية تعبيرا حيا وصادقا عن عمق أزمة الفساد السياسي والإداري والمالي الذي لا نلتمس فيه أفقا للحل, وهو نذير بمزيد من الاحتقانات والإعمال الاحتجاجية الناتجة عنه, وبالتالي هنا لا يوجد مقياسا مقننا للغضب كما ارادته المرجعية, ولعل ذلك يذكرنا بالغضب المنفلت بعد سقوط نطام صدام حسين والذي باركته كل القوى السياسية, بل وسكتت عن كل ما جرى من تخريب لمؤسسات الدولة العراقية.

 

أما غضب السلطة الحاكمة وأجهزتها وأعوانها والذي أطلقت عليه بالغضب الجمعي " الجائر " فهو غضب الردة المضادة, والتي تحاول بكل ما أتت به من بقايا القوة لعرقلة وتأخير اختمار الغضب الجمعي " الثائر ", وغضب السلطة الجمعي الجائر هو من نوع غضب " القطيع " نسبة إلى قطيع الأغنام الذي تتحرك جموعه بإشارة من الراعي الكبير ومن الدكتاتور الأوحد, فهذه الجموع لا تتحرك على خلفية عوامل موضوعية مفهومة في الفكر والسياسة والممارسة, وإنما تتحرك على خلفية العداء لمطالب الجماهير المشروعة, يحركها خطاب قائد الضرورة السياسي أو الديني ذو المسحة الانفعالية الضارة بمصالح الناس, فسلوكها هو سلوك هستيري تجسده حالة الخوف من كل جديد, فهي لا تميز بين الصديق والعدو الحقيقي, ولا بين النافع والضار, ولا بين الخطر الحقيقي وما يشبهه, فسلوكها يخلو دوما من التميز, فهي تندفع تحت وطأة التعصب لإرضاء غريزة القطيع " الحيواني ", دون وعي وتنتشر في صفوف المجتمع كالنار في الهشيم لتخرب كل شيء دون حسبان لتصرفاتها وعواقبه, يحرك سلوكها " فوبيا " هستيرية, فهي لا تمتلك قدرة على التخطيط والحكمة في اللحظات الحرجة, وإنما يحرك سلوكها منطق القطيع الذي يتجمع على شكل حظائر بانتظار إشارة من " القائد" أو " الراعي " أو " المرشد الديني " أو " المفتي ". أن الغضب الجمعي الجائر مجردا من كل الصفات الإنسانية فهو يتحرك فقط على خلفية حاسة الشم القوية التي يمتلكها " القطيع " ويندفع حيثما توجه له الإشارة من فوق, وهذا ما يتعارض مع خصوصية الإنسان وعقله المتفرد, فالإنسان يتميز بالعقل الذي يجعل منه كائنا بيولوجيا اجتماعيا, فردا منتميا للمجتمع أو الجماعة البشرية, يطورها وتطوره, يقدرها وتقدره, يسمعها وتسمعه, يتفق معها ويختلف, ويبقى القضاء والحكم العادل هو الفيصل.

 

وعلى خلفية ذلك اندفعت بعض من الأجهزة المخابراتية والأمنية وأعوان النظام والمستفيدين منه من خلال الإذعان الأعمى لمشيئة قيادات سياسية مفلسه او مليشيات دموية أو تكتلات عصاباتية أو زعيم ديني مرتكبة أبشع جرائم القتل والتصفيات بحق الجماهير الثائرة,  مستخدمة بذلك سياسة العصا والجزره واطلاق مبادرات بائسة في ظل نظام فاسد لا تنجح فيه افضل المبادرات بسبب من انعدام القوى الخيرة والمؤمنة في التغير من داخل النظام, أنه نظام مافيوي عصي على التغير, وليست من المقبول ان تضع شعب منتفض في بارومتري الغضب وتحدد له سياقات فوقية عبر شعارات وهمية قوامها : غضب مسيطر عليه وغضب غير مسيطر عليه, فالأنتفاضة إن امتلكت قيادة حكيمة مع تطور الاحداث فهي وحدها التي تقرر جرعات الغضب استنادا الى قربها او بعدها من بلوغ اهدافها !!!.

 انتفاضة تموز العراقية2018

وخلفيتها السايكواجتماعية

 

د.عامر صالح

 

لم تكن الأنتفاضة البصرية والتي امتد لهيبها الى محافظات العراق الأخرى عملا عبثيا او نزهة استعراضية أريد به أراقة دماء الشباب, بل هي تراكم كمي لمجمل أزمة نظام الحكم المحصصاتي الطائفي والأثني السيئ الذي لم يعمل شيئ ايجابي خلال عقد ونصف من الزمن, بل انه نظام منتج للأزمات واعادة تدوريها انطلاقا من طبيعته المافوية والمؤسسة اصلا على الأستئثار بالسلطة وتقاسمها والمبني على اساس المحاصصة المذهبية السياسية والعرقية المتخلفة التي تشتغل على اضعاف وتفكيك الوطن والمواطنة والأكتفاء في التمترس في الأطر الجغروطائفية والاثنية في فهم مريض منها ان ذلك يكفي لنيل الحقوق والاستئثار بالثروات الوطنية والافساد فيها. أن انتفاضة البصرة والجنوب ثم العراق كله هو تجسيد حي وانعكاس لأزمة الحكم الخانقة والتي لم توفر الحد الأدنى الانساني من الحقوق المشروعة والتي عكستها الحاجة الى الماء والكهرباء والصحة والتعليم الصالح وغيرها من مسلمات العيش المعاصر.

أن تجربة عقد ونصف من الزمن في الاخفاق المزمن للمطاليب العادلة للمنتفضين تعكس بشكل واضح انها ازمة نظام متآكل وليست أزمة تلبية خدمات عامة كان يفترض على النظام تلبيتها في السنوات الأولى من الحكم, أنها أزمة فساد نظام الحكم المتهرئ الذي لا يمتلك أي شرعية للبقاء, وأن شعارات اهلنا في البصرة وفي المحافظات الاخرى في الاستجابة الى المطالب الاساسية ما هي إلا مدخل للمطالبة بتغير النظام المحصصاتي, واهلنا هناك يعرفون تماما فلا كهرباء تأتي ولا ماء صافي سيشرب في ظل نظام معوق وكسيح لا يستطيع تقديم الحد الادنى من مسلمات الحاجات الانسانية, في ظل نظام فاسد لا يتورع عن سرقة لقمة العيش. 

                                                  

لقد قدر للعراق وشعبه أن يمر بظروف تاريخية قاسية ذات طبيعة كارثية أسهمت بشكل كبير في تشكيل مزاج عام أدى إلى تأخير حالات اختمار حقيقية صوب مخاض الديمقراطية,مما فسح المجال إلى نشأة بدائل سياسية ذات طبيعة عقليةـ معرفية معوقة للديمقراطية في غالبيتها,ولكنها انطلقت لتمارس الديمقراطية السياسية استنادا إلى ظروف العصر الضاغطة وظروف العراق بشكل خاص التي لا تقبل بغير الديمقراطية والتعددية السياسية الحقيقية كنموذج بديل عن النظم الديكتاتورية الموروثة. وعندما حصل التغير في العراق عام 2003 " رغم ملابساته الكثيرة وصعوبة هضم آلية التغير" فأن الفراغ السياسي شكل سمة مميزة للوضع السياسي, مما مهد الطريق إلى خيار الاستحواذ السياسي متخذا من الطائفية والعرقية واجهة له ومستغلا الظروف التاريخية للاضطهاد ليمعن في سياسته التي لا تلقي الاستحسان والقبول والإجماع والرضا من قبل شعبنا, وبدلا من أن تحل البرجماتية السياسية " أي قياس مصداقية الفعل السياسي بنتائجه العملية على ارض الواقع " فقد حلت البرجماتية المدججة بالسلاح " الحوار بيد والسلاح في اليد الأخرى لقبول أمر الواقع".

إن ابرز ملامح ضعف إدارة النظام السياسي هو التدهور المستمر للمساهمة السياسية الحقيقية والفعالة لشعبنا في أدائه وكذلك قي حمايته, مما أضفى على النظام شرعية شكلية قوامها دستور مكتوب غير منتهي بصيغته " رغم إن ثناياه تحمل الكثير من دساتير العالم المعاصر المتمدن", فعلى سبيل المثال لا الحصر يرفض الدستور علنا في مادته (  14 ) في الفصل الأول من الباب الثاني التمييز الطائفي والعرقي,حيث يؤكد( العراقيون متساوون أمام القانون دون تميز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي) إلا إن المشكلة لا تكمن في وضوح النص الجاهز؛ وكذلك برلمانات سابقة معروفة بتركيبتها للجميع " ربما لا يؤتى بأحسن منها في المرة القادمة حسب الكثير من التوقعات " قادر في لحظة ما على إقصاء ما يرغب إقصاءه من خلال استنفار و تعبئة سلوك المحاصصات, التي لا ترى في الوطن مصلحة عليا وخط احمر لا يحتمل عروض المزاد العلني من اجل منافع محدودة الأمد؛ ومن ثم مجلس رئاسة الجمهورية المطابق لتوصيفة البرلمان في الآلية العامة والمكونات .

لقد تركت أزمة ضعف المشاركة السياسية والشعبية الواسعة إلى أحساس شرائح اجتماعية واسعة بالهامشية واليأس والمنبوذية "خاصة الفئات التي يجب أن تستهدفها عمليات التغيير",مما يدفع إلى شعور مضاد للانتماء,أي العزلة والاغتراب الاجتماعي وضعف الشعور بالمسؤولية ومن ثم التطرف بألوانه والى الفوضى والعنف, وأصبحت إحدى البؤر المولدة للعنف والتطرف الديني وغير الديني, لتشتد الحياة أكثر عنفا لتصبح بيئة مواتية للتحريض وارتكاب الجرائم الكبرى بحق الناس وبواجهات مختلفة( القاعدة, فلول البعث السابق, ضغط دول الجوار التي لا تعي حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية), أن الجبهة الداخلية السليمة والصحية هي وحدها القادرة على دحر أعداء العراق في الداخل والخارج وعلى خلفية بقائه وطنا صالحا للجميع. ويذكرنا ذلك تماما بإخفاق جيوش النظام السابق الجرارة والمليونية في الإنابة عن المجتمع دفاعا عنه وعن سيادة البلاد من الاحتلال والتي حصلت على خلفية انعدام الثقة المتبادل بين النظام والشعب وضعف المساهمة السياسية الحقيقية في صنع القرار,فأين الملايين التي كانت تصفق "لقائد الضرورة" كذبا ودفعا للأذى عنها, أن حالات الاستبداد السياسي والطغيان وتكبيل أعناق المواطنين وترويضهم على الخنوع والذل والانشغال بسد رمق العيش هي التي تمرر مشاريع اختراق الوطن من الداخل والخارج.

أن سياسات الإقصاء والتهميش والمحاصصات وما يرافقها من تدهور مستمر لحياة المواطنين قادرة على حرف حالات المساهمة السياسية من أجل تثبيت النظام" الديمقراطي" إلى حالات عداء سياسي للنظام وأركانه, باعتباره يجسد حالة الاغتراب السياسي بينه وبين المواطن, وهي نتاج طبيعي لحالة عدم الثقة والشك في القيادات السياسية ونواياها, متزامنا ذلك مع اتساع وتعمق دائرة الفئات الاجتماعية المهمشة والتي تقدر بالملايين جراء ظروف العراق التاريخية والحالية,ومن شأن ذلك أن يخلق ما يسمى " بالفجوات النفسية المدمرة", حيث تنشأ هذه الفجوات على خلفية الشعور بالإحباط الناتج من التدهور المستديم لظروف العيش الحر والآمن, وهي شروط مواتية ولازمة لخلق وإعادة توليد سلوك العنف والعدوان باعتباره نتيجة للشعور الشديد بالإحباط, وعلى خلفية اتساع الهوة بين النظام والشعب وتعزيز حالة عدم الاكتراث تجري الاستفادة الكاملة من قبل المجاميع السياسية وفلول الإجرام والمرتزقة الغير مؤمنة أصلا بالعملية السياسية لدك النظام السياسي والتأثير على قراراته السياسية, وعلى عدم استقراره,مستغلة الفساد والعبث بالمال العام وسرقته كوسائل سهلة في الإغراء والتمويل وشراء الذمم.

أن الابتعاد عن نهج المحاصصة الذي التمسه شعبنا بوضوح واكتوى به طوال الخمسة عشر عاما المنصرمة, وتحويله من نهج انتقائي/مصلحي إلى نهج مشاركة سياسية حقيقية هو التعبير العملي والأمثل عن العقد الاجتماعي الطوعي, إذ تعيد المشاركة السياسية البناءة إنتاج العقد الاجتماعي كسلوك يومي, أي إعادة  إنتاج الوحدة الوطنية كمفهوم سلوكي ـ معرفي وعقلي في الممارسة السلوكية اليومية, وليست شعار اجتراري خبره شعبنا لعقود سلفت, وأن الوحدة الوطنية في كل الفلسفات الإنسانية ركيزة أساسية لا يمكن العبث بها وعرضها في سوق النخاسة السياسية,بل لعلها أهم منجزات الحداثة, وما يترتب عليها من اعتراف بالحقوق الناجمة عن الاعتماد المتبادل بين مختلف فئات المجتمع وإسهام كل منها في عملية الإنتاج الاجتماعي في بعديه المادي والروحي, ونعني به الإنتاج والاستهلاك والتوزيع العادل للثروات, وهي التعبير العملي عن المواطنة الدينامية الحية, وأن المشاركة السياسية الشاملة هي جوهر المواطنة وحقيقتها العملية.

 

لعل نظرة متأنية وموضوعية منطلقة من روح الحرص على الوطن, تؤكد لنا أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى, ومنذ ولادته بعد  2003  لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية,حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد, مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد, وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار, وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية, مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة, وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة, أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.

كما أن نظام المحاصصة عرقل خلال عقد ونصف من الزمن عرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي, وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا  أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك, أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى "  إفساد للتنمية ", وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف, والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع, أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل, وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف  دينه ومذهبه وطائفته وعرقه.  

أن انتفاضة تموز 2018 هي انتفاضة تغير النظام بعد كل هذه المعاناة وبعد كل هذا التراكم الكمي من الأزمات في ظل نظام عاجز عن الايفاء بمطالب العيش الكريم ولا يمكن للمرء ان يلدغ من جحر مرتين, ولكي تفضي الانتفاضة الى مرتجاها يجب الانتقال من القيادة العشائرية الى القيادة المدنية التنويرية حفاظا على الاىنتفاضة من المنعطفات الصعبة والتي قد تقوم بها السلطة المحصصاتية في شراء الذمم وترويض بعض القيادات غير المتمرسة لأختراق الانتفاضة واسكاتها, كما أن الاحزاب ذات الصبغة المدنية مطالبة اليوم بالتضامن والتكاتف الواضح مع المنتفضين, فتلك هي لحظات حرجة في حياة شعبنا ومختبر للمواقف بعيدا عن ضيق الأفق.

 

في الذكرى الخامسة

عشر لأحتلال العراق

سيكولوجيا

أستعصاء أزمة الحكم

 

د.عامر صالح

 

مرت الذكرى الخامسة عشر لأحتلال العراق وأستباحة أراضيه وسقوط النظام الدكتاتوري القمعي من قبل المحتل الأمريكي, ولم يكن سقوط النظام نتاج لتفاعلات داخلية ذاتية في مؤسسة النظام, رغم أن النظام كان يمر بأزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية خانقة تؤهله للسقوط وعدم البقاء, ولكن القمع والأضطهاد السياسي أضعف القدرات الموضوعية المتمثلة بالقوى المعارضة له مما جعلها غير قادرة أن تتصدر عملية اسقاطه, وجعلها لاحقا متخلفة عن احتواء الفراغ السياسي الذي نتج بعد اسقاطه من خلال القوى العالمية العسكرية بقيادة أمريكا.

 

وكان الفراغ السياسي بعد سقوط النظام ذو شقين, أولهما جماهيري سياسي حيث لا تمتلك القوى السياسية قاعدة شعبية منظمة كافية ومعبئة لكي يؤهلها لقيادة التغير, والشق الآخر هو فكري ايديولجي حيث ان اغلب القوى السياسية التي شغلت الفراغ بعد سقوط النظام لا تمتلك مشروعا وطنيا واضحا ينقذ العراق ويشكل بديلا صالحا عن النظام السابق المنهار, فحل البديل السياسي المحصصاتي الطائفي والأثني المدعي للمظلومية التاريخية والقائم على ردود الأفعال والبعيد عن سنة الصراع الاجتماعي وقوانينه, وقد لقي هذا البديل الدعم الكامل من قوى الاحتلال الامريكي ومتناغما مع اجندته في أضعاف العراق كقدرات ذاتية. 

لقد قدر للعراق وشعبه أن يمر بظروف تاريخية قاسية ذات طبيعة كارثية أسهمت بشكل كبير في تشكيل مزاج عام أدى إلى تأخير حالات اختمار حقيقية صوب مخاض الديمقراطية,مما فسح المجال إلى نشأة بدائل سياسية ذات طبيعة عقليةـ معرفية معوقة للديمقراطية في غالبيتها,ولكنها انطلقت لتمارس الديمقراطية السياسية استنادا إلى ظروف العصر الضاغطة وظروف العراق بشكل خاص التي لا تقبل بغير الديمقراطية والتعددية السياسية الحقيقية كنموذج بديل عن النظم الديكتاتورية الموروثة.وعندما حصل التغير في العراق عام 2003 " رغم ملابساته الكثيرة وصعوبة هضم آلية التغير" فأن الفراغ السياسي شكل سمة مميزة للوضع السياسي,مما مهد الطريق إلى خيار الاستحواذ السياسي متخذا من الطائفية والعرقية واجهة له ومستغلا الظروف التاريخية للاضطهاد ليمعن في سياسته التي لا تلقي الاستحسان والقبول والإجماع والرضا من قبل شعبنا,وبدلا من أن تحل البرجماتية السياسية " أي قياس مصداقية الفعل السياسي بنتائجه العملية على ارض الواقع " فقد حلت البرجماتية المدججة بالسلاح " الحوار بيد والسلاح في اليد الأخرى لقبول أمر الواقع".

 

بعد مرور خمسة عشر عاما من الفشل تركت أزمة ضعف المشاركة السياسية والشعبية الواسعة إلى أحساس شرائح اجتماعية واسعة بالهامشية واليأس والمنبوذية "خاصة الفئات التي يجب أن تستهدفها عمليات التغيير",مما يدفع إلى شعور مضاد للانتماء,أي العزلة والاغتراب الاجتماعي وضعف الشعور بالمسؤولية ومن ثم التطرف بألوانه والى الفوضى والعنف,وأصبحت إحدى البؤر المولدة للعنف والتطرف الديني وغير الديني,لتشتد الحياة أكثر عنفا لتصبح بيئة مواتية للتحريض وارتكاب الجرائم الكبرى بحق الناس وبواجهات مختلفة( القاعدة,فلول البعث السابق, داعش, ضغط دول الجوار التي لا تعي حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية).أن الجبهة الداخلية السليمة والصحية هي وحدها القادرة على دحر أعداء العراق في الداخل والخارج وعلى خلفية بقائه وطنا صالحا للجميع.

 

أن سياسات الإقصاء والتهميش والمحاصصات وما رافقها من تدهور مستمر لحياة المواطنين قادرة على حرف حالات المساهمة السياسية من أجل تثبيت النظام" الديمقراطي" إلى حالات عداء سياسي للنظام وأركانه,باعتباره يجسد حالة الاغتراب السياسي بينه وبين المواطن, وهي نتاج طبيعي لحالة عدم الثقة والشك في القيادات السياسية ونواياها, متزامنا ذلك مع اتساع وتعمق دائرة الفئات الاجتماعية المهمشة والتي تقدر بالملايين جراء ظروف العراق التاريخية والحالية,ومن شأن ذلك أن يخلق ما يسمى " بالفجوات النفسية المدمرة ", حيث تنشأ هذه الفجوات على خلفية الشعور بالإحباط الناتج من التدهور المستديم لظروف العيش الحر والآمن, وهي شروط مواتية ولازمة لخلق وإعادة توليد سلوك العنف والعدوان باعتباره نتيجة للشعور الشديد بالإحباط , وعلى خلفية اتساع الهوة بين النظام والشعب وتعزيز حالة عدم الاكتراث تجري الاستفادة الكاملة من قبل المجاميع السياسية وفلول الإجرام والمرتزقة الغير مؤمنة أصلا بالعملية السياسية لدك النظام السياسي والتأثير على قراراته السياسية,وعلى عدم استقراره,مستغلة الفساد والعبث بالمال العام وسرقته كوسائل سهلة في الإغراء والتمويل وشراء الذمم.  

 

 

أن الابتعاد عن نهج المحاصصة الذي ألتمسه شعبنا بوضوح وأكتوى به طوال العقد والنصف  المنصرم,وتحويله من نهج انتقائي/مصلحي إلى نهج مشاركة سياسية حقيقية هو التعبير العملي والأمثل عن العقد الاجتماعي الطوعي , إذ تعيد المشاركة السياسية البناءة إنتاج العقد الاجتماعي كسلوك يومي ,أي إعادة  إنتاج الوحدة الوطنية كمفهوم سلوكي ـ معرفي وعقلي في الممارسة السلوكية اليومية ,وليست شعار اجتراري خبره شعبنا لعقود سلفت,وأن الوحدة الوطنية في كل الفلسفات الإنسانية ركيزة أساسية لا يمكن العبث بها وعرضها في سوق النخاسة السياسية,بل لعلها أهم منجزات الحداثة, وما يترتب عليها من اعتراف بالحقوق الناجمة عن الاعتماد المتبادل بين مختلف فئات المجتمع وإسهام كل منها في عملية الإنتاج الاجتماعي في بعديه المادي والروحي,ونعني به الإنتاج والاستهلاك والتوزيع العادل للثروات ,وهي التعبير العملي عن المواطنة الدينامية الحية,وأن المشاركة السياسية الشاملة هي جوهر المواطنة وحقيقتها العملية.

 

لعل نظرة متأنية وموضوعية منطلقة من روح الحرص على الوطن, تؤكد لنا أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى, ومنذ ولادته بعد  2003  لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية, حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد,مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد,وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار, وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية,مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة, وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة, أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.

 

كما أن نظام المحاصصة عرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي,وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا  أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك ,أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة , بل تؤسس إلى "  إفساد للتنمية ", وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف,والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع.أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل , وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف  دينه ومذهبه وطائفته وعرقه.

 

لقد أخلت سياسة المحاصصة بالسلم الاجتماعي وأضعفت الشعور بالوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي من خلال خلق التكتلات والشللية السياسية والاجتماعية على أسس طائفية وعنصرية مما يعزز بمرور الوقت حالات الاحتقان والفتنة الاجتماعية,فيتحول الصراع السياسي وغير السياسي إلى صراعات طائفية وعرقية لا حصر لها,أنها عملية استنفار للاشعور الجمعي لأفراد الطوائف والأعراق, وحتى لأتفه الأسباب, وهناك فرق جوهري بين حقك المشروع في الانتماء إلى دين أو طائفة أو عرق أو قومية ما وبين أن تبني دولة تضم مختلف الأديان والأعراق.

 

أنا اليوم وبعد تجربة 15 عاما من الأحباط الأقتصادي والاجتماعي والنفسي لا تختلف مشاعري الشخصية عن مشاعر الملايين من العراقيين بأنه لا توجد هناك عصا سحرية لأنقاذ البلاد من التشرذم والفساد السياسي والاداري والمالي, ولكن هناك بصيص أمل على خلفية الوعي المجتمعي المعارض الذي افرزته التجربة المنصرمة ولعله يجد انعكاساته في الانتخابات البرلمانية القادمة في 12ـ05ـ2018.

 

 

 

 

 

 

 

 

في سيكولوجيا الأنتماء

 للحزب الشيوعي العراقي

 في ذكرى تأسيسه

  د.عامر صالح

 

تؤكد الدراسات السيكواجتماعية  أن هناك دوافع مختلفة للأنتماء السياسي لعل من بينها هي: المصلحة الذاتية, أي الرغبة في الحصول على مكاسب ذاتية للأفراد الذين ينتمون الى حزب ما, كالحصول على المناصب أو الوظائف أو الأموال أو المكافآت والامتيازات؛ أو الأنفعال أي اندفاع المواطنين لتأييد أفكار وبرامج وأهداف وسياسات الحزب دون تحفظ وذلك لأنها تثير عواطفهم ونزعاتهم النفسية وتجعلهم متحمسين لنصرة الحزب والوقوف بجانب قضاياه والدفاع عنها دون خوف وتردد؛ أو الادراك والتعقل والعقيدة أي أن الشخص ينتمي الى الحزب لا بسبب مصلحته أو عاطفته الجياشة وأنفعالاته المفرطة, بل بسبب الأيمان والعقيدة والادراك الثاقب لأفكار وأيديولوجية ومعتقدات الحزب وأهدافه بحيث تكون هذه جزء لا يتجزأ من شخصيته وآماله في الحياة وتطلعاته, والاشخاص الذين يدخلون الحزب لهذه الاسباب هم الحزبيون الحقيقيون الذين يبقون فيه ويدافعون عنه ويناظلون من أجل نصرته مهما كانت الظروف.  

 

وقد أكدت العديد من الأبجاث النفسية أن هناك خمسة عوامل تتوزع عليها سمات الأفراد المنتمين للأحزاب السياسة وهي تتكامل مع بعضها البعض في ظروف صحية في حياة الحزب الداخلية, وهذه العوامل هي: التفكير الأبداعي؛ والتعبير عن وجهات النظر؛ والألتزام؛ والتفكير الناقد؛ والتنظيم الذاتي. وهناك أيضا سمات شخصية للأفراد الذين ينتمون للأحزاب السياسية في الحالات المثالية, وهي: قوة الأنا, واليقظة الذهنية, والثقة بالنفس, والحساسية الأجتماعية , والفاعلية الذاتية, وتقدير الذات الى جانب الصلابة النفسية والصمود.

 

أن الأنتماء للحزب الشيوعي العراقي هو شبيه في الأنتماء الى التجارب العاطفية الأولى حيث استحضارها بقوة بين الحين والأخر إلى حيز الشعور, نتيجة لارتباطها ببداية تشكيل الخبرات العاطفية, وتعتبر من اللبنات الأولى في بناء الشخصية العاطفي على طريق اكتساب المزيد من الخبرات والتجارب.وهي اختبارات صعبة للتأكد من صلاحية الشخصية في التكيف والبقاء مع الجنس الآخر.

 

وتشكل تجربة الانتماء إلى الحزب الشيوعي العراقي لأول مرة في عمر الفرد لونا من ألوان هذا الانتماء المشحون بالعاطفة الجياشة والانفعال القوي للارتباط به الى جانب الأيمان بالفكر والعقيدة بعيدا عن المصلحة الذاتية. ومن اجبر على ترك الحزب في هذا العمر عانى كثيرا, كما يعاني من اجبر على ترك محبه الأول, حيث تجري الأشياء هنا بالضد من الشعور الذي ينتاب الفرد بأن يكون هذا الحب هو الأول والأخير وبطريقته الخاصة.

 

أن الخطاب الحزبي في بداية الانتماء وأن كان خطابا عقلانيا يستند إلى مادة فكرية وفلسفية رفيعة المستوى تقدم"للمحبين" له, ألا أن الحزب له القابلية على إضفاء مشاعر وأحاسيس عنيفة معززة رغبة البقاء في صفوفه, وهي نتاج عمل دؤوب سايكوعقلي ـ معرفي , يترك أثرا عميقا أكثر بكثير من وقع الحب الأول في محبيه, يترك في الشخصية شحنة انفعالية موجبة كما تدرك. وبقدر ما يكون الحب الأول فرصة لتأكيد الذات واختبار الشخصية,يكون الانتماء الحزبي هو الآخر فرصة ذهبية لتميز الشخصية ضمن إبعاد جديدة وفي سياقات غير معتادة, تشكل فرصا للنمذجة  المثالية للشخصية, تمنح صاحبها امتيازا في بيئة محدودة الإمكانيات, وخاصة في صورة الخروج الايجابي عن المألوف, وتشكل مع الوقت احد المصادر الأساسية في التوافق الذاتي ورسم الملامح العقلية وحتى أحيانا المزاجية للشخصية. أو يأخذ الانتماء شكل المخالفة لما هو سائد أو كما يقال"خالف تعرف" في بيئة غارقة في الممنوعات.

 

أن الانتماء للحزب والاستمرار فيه إن شاء الفرد يجب أن يرتبط بعقلانية رفيعة المستوى في الدفاع عنه, وهذا يأتي عبر التخلص من غرائز الانتماء الأول المفعمة في اللوازم العصبية والانفعالات المؤذية في أحيان كثيرة للحزب, والتي يعكسها الدفاع المفرط عنه, وبأي ثمن, وبآليات غير موفقة تلحق الضرر به. وفي حالات كثيرة تسبب شحنة الحرص الزائد(الانفعال المفرط) إلى ارتكاب أخطاء ينتظرها من لا يرغب بوجود الحزب كما ينبغي أن يكون.

 

أن الحزب وبعد مسيرة تجاوز فيها الثمانية عقود تعرض فيها إلى هجمات شرسة من أعدائه وحلفائه, وكذلك انتكاسات كبيرة نتيجة لأخطاء ذاتية وظروف موضوعية, وعلاوة على ذلك تعرض حلفائه "الثابتين" في الخارج إلى انهيارات كبرى تمثلت في انهيار المعسكر الاشتراكي, والتي أدت ضمن ما أدت إليه إلى أن يطال الشك إلى مصداقية الفكر الماركسي. يحتاج الحزب اليوم إلى انتماءات بذهنية جديدة, ترى في الحزب مشروعا عمليا للحياة ومرنا قدر مرونة الحياة...أن عهد" ملائكة" الحزب ودعاة الحرص"المؤذي"لم تزكيهما الحياة. ومن يرى في الحزب ملاذا لتأكيد الذات, لأنه لم يجد في دائرته القريبة الملاذ, فأنه يرتكب أخطاء بحق الحزب, ومن يرى في الحزب وظيفته الدائمة فأنه يخطأ أن يقدم شيئا مفيدا له.

 

اليوم وبعد هذا الزخم الهائل من التغيرات الدولية والإقليمية والقطرية, فأن الحزب لم يعد حزب"دكتاتورية البرولتارية",ولكنه يستطيع أن يكون بامتياز حزب البرولتارية, ولا حزب التكتيكات من أجل" استلام السلطة", ولكن من حقه أن يتطلع إلى المشاركة الواسعة في السلطة, ولا حزب بناء" الاشتراكية"على نسق مرجعياتها السابقة, ولا حزب الانضباط الحديدي وفقا "للقواعد اللينينية في حياة الحزب الداخلية" ولكن حزبا منضبطا,حيث تنعدم المقومات الموضوعية والذاتية لذلك. أذن لماذا كل هذه الحملات والهجمات عليه, وخاصة عندما تبدأ الرؤيا بهذا الوضوح. أني اعتقد أن المشكلة في التساؤلات الآتية: ماذا نختار, وكيف نختار, ولماذا؟؟؟ .

 

علينا أن لا نعطي الظواهر قوة دفع أكثر بكثير من خصوصية الظرف الذاتي والموضوعي الذي تجري فيه.أليست تلك هي سنة الديالكتيك.فمن أراد للحزب خيرا فعليه أن يقلع عن عادات "الحب الأول"في الدفاع عنه, أو عادات أخذ الثأر منه والهجوم عليه عندما ينفض العقد معه. ومن أراد أن يكون الحزب "حبه الأخير"فعليه القبول بشروط الحياة, وعلى الحزب المزيد من الاستجابة والتفحص الذاتي, وخاصة بعد تجربة تجاوزت العقد والنصف من العمل العلني وفي ظروف نوعية جديدة.

 

أن من يريد أن يكون حزبه حزب الثلاثينيات أوالاربعينيات أو ما يسمى" حزب فهد" فأن ذلك مجافاة للحقائق والتغيرات العميقة على الأرض في الداخل والخارج. وتستحضرني في هذا السياق ليست مقولة لينين(النظرية مرشد للعمل), ولكن من عمق التأريخ مقولة للأمام علي: " لا تقصروا أولادكم على آدابكم فأنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم ". أذا كان هذا الحديث في التربية, فكيف يكون الأمر في السياسة وهي فن الممكنات. وهل يجوز العودة في السياسة إلى أكثر من ثمانين عاما إلى الوراء!!!, وهل يجوز في السياسة أيضا أن تصاغ سياسات الحاضر واتجاهات المستقبل لحياة الحزب الداخلية والخارجية على ضوء معايير الثلاثينيات والاربعينيات ونحن في الألفية الثالثة. أن مآثر الحزب وتأريخه النضالي هي ملكا للجميع. ولكنني أتساءل :هل كان حزب" فهد" آنذاك بدون انحسارات أو صراعات!!!, وهل كان في برجا عاجيا كي لا يكون كذلك, وهل كان مراقبا للمعارك الوطنية لكي يكون معصوما من الخطأ أم طرفا أساسيا فيها....الإجابات في التأريخ المكتوب والغير منحاز نسبيا للحزب.

 

أن من يرى في الحزب " حبه" الأول والأخير عليه أن يكيف نفسه لميكانيزم الحياة المتغيرة أبدا وبدون انقطاع. فلا يمكن "السباحة في النهر مرتين", لأن الماء غيره عن المرة الأولى.فالحزب اليوم يؤمن في الديمقراطية الليبرالية على مستوى السياسة والاقتصاد(مع مظلة حقوق اجتماعية واسعة). ويترتب على ذلك أن يكون الحزب واضحا في خطاباته وتحالفاته وحدود انتمائه للعقيدة الكلاسيكية. وعلينا أن نعي حقيقة أن" الحب الأخير" هو ليست صورة طبق الأصل لفلم غير ناطق عن "الحب الأول". وبين" الحبين"تأريخ مشترك يجب العودة أليه ودراسته وتقويمه بعناية وحرص شديدين. وأعتقد أن الحزب الشيوعي ليست حركة ماضوية فهو من الحركات التي تلتصق بالحاضر بشدة . وإذا كان الحب الأول يعبر عن الحاجات الأولى للانتماء, فأن الحب الأخير هو حب الأحاسيس والانفعالات الهادئة...أنه حب الحياة والاستقرار, وكما عرفنا فأن الأنتماء أليه طواعية, ومغادرته أيضا بعرفان وأحسان.  

 

الذكرى ال 84 لميلاد الحزب الشيوعي العراقي هي مناسبة لتشديد الخناق على الفاسدين وهي مناسبة لأعادة بناء العملية السياسية في العراق بعيدا عن المحاصصة الطائفية والأثنية, وهي مناسبة للملمة الصف الداخلي لحزب فهد, وأن نتعلم من الديمقراطية والتعددية الحزبية, أن تحالفات اليوم قد تصلح أو لا تصلح لغدا, ومصالح الناس الأساسية في الخدمات العامة والعيش الكريم هي جوهر ما يطمح له الشيوعيون بعيدا عن الوصفات المتحجرة, فأن ما كان صالحا بالأمس لم يكن صالحا اليوم أو لغد. وكل عام والحزب بأفضل منه.

 

في سيكولوجيا تزوير الوعي

الأنتخابي ومستلزمات النهوض به

 

د.عامر صالح

 

على مقربة من الأنتخابات البرلمانية العراقية الرابعة والتصارع المحموم على أشده للأستحواذ على السلطة السياسية وتقاسم النفوذ هو سيد المشهد مؤطرا بسلوكيات التنافس أللانزيه للفوز, من محاولات التزوير وشراء الذمم والخداع وكذب الوعود, وصلت الى حد حجز البطاقات الأنتخابية وعدم توزيعها, أو شراء البطاقة الانتخابية من المواطن بملبغ بخس وصلت قيمته 80 دولارا في بعض المحافظات مقابل استخدامها في التصويت لصالح بعض الأفراد والاحزاب, بل وصلت الى حد مبايعة البطاقة الانتخابية مقابل تجهيزات رياضية, من ملابس وكرة قدم واحذية, واطلاق مشاريع وهمية كتبليط الشوارع برمي التراب والاسفلت في الأحياء الفقيرة من قبل بعض رموز الفساد في إيحاء كاذب لتزوير الوعي العراقي الناقم على الاوضاع وترك الانطباع بأن ملامح إعمار قد بدأ, وسفرات " ترفيهية " تقيمها بعض الكيانات السياسية لتجمعات الأحياء المعدمة واستغلالها لعقد صفقات لشراء أصواتهم الانتخابية.

وقد سبق ذلك كله اعادة تدوير للنفايات السياسية الفاسدة شكل أبرز ملامحها الانقسامات والانشقاقات السياسية والتشظي الواسع في محاولات لأحتواء الشارع الانتخابي, وقد لبس بعضها ثياب المدنية في محاولة لأمتصاص غضب التيار المدني الاجتماعي الديمقراطي الرافض للفساد بمسحته العامة, ورافق ذلك دخول بعض الأفراد المحسوبين على اطراف التجمعات المدنية الى احزاب السلطة الفاسدة, أو ظهور " شباب " من داخل تلك الاحزاب واستخدامها واجهة اجتماعية سياسية في بادرة كاذبة توحي بأن هناك تغير جذري قادم في طبيعة الاوضاع السائدة بما فيه طبيعة الحكم القائم وطبقته السياسية. يرافق ذلك حملات من التسقيط السياسي والشخصي والتكفير والتحريض على القتل للخصم المنافس, وصل حد العبث في السمعة الشخصية والاخلاقية من خلال استخدام الاعلام الأصفر في نشر المعلومة الكاذبة واستخدام تقنيات الفوتوشوب وغيرها في مجتمع كان معزولا لعقود خلت عن العالم وأنفتح على حين غفلة على منظومة التواصل الاجتماعي والمعلوماتي في ظل ضعف الأطر المرجعية لتصديق أو تكذيب المعلومة القادمة. 

أن التجربة السياسية في تعبئة الجماهير ما بعد سقوط الدكتاتورية  " الى جانب أجندة المحتل الأمريكي " قد تعرضت إلى التشويه والمسخ من قبل الكثير من الأحزاب مستفيدة من ارث الدكتاتورية البغيض, لتعيد الكرة في تشكيل وعي الجماهير بما يتفق مع مصالح هذه الأحزاب عبر التزييف وتشويه معالم الوعي الإنساني الفردي للمواطن من خلال ترك الانطباعات المختلفة التي تصور الأهداف الذاتية والمصلحية والنفعية بأنها أهداف عظيمة ومقدسة ومشروعة ويتخيل إلى المواطن بأن هذا الحزب أو ذاك يسعى لصالحه, وبالطبع فأن هذا العمل يتطلب مهارات عالية "وقدرات استثنائية خاصة " للعبث بإحساسات وحواس الجمهور من خلال الإعلام المتنوع والمغريات المختلفة واستخدام للمال الحرام والإسراف في استخدام السلطات الحكومية, وقد تم تزيف الوعي من خلال شخصيات كاريزمية في الأحزاب أو في المجتمع,دينية أو سياسية يتم من خلالها تسويق أفكار الأحزاب إلى الجماهير التي تتقبل هذه الأفكار بناء على تقبلها وحبها البريء للشخصية الكاريزمية سواء كانت دينية أو اجتماعية أو سياسية, وخاصة في مجتمع خرج من نظام دكتاتوري كانت مهمته زرع قيم الذل والخنوع والعبادة الفردية والاستسلام واستلاب أرادة المواطن لتحويله إلى رقم أصم يسهل حسابه بمختلف الاتجاهات دون معنى يذكر!!!. 

ومن هنا تأتي أهمية المسؤولية الأخلاقية والدينية والسياسية الملقاة على عاتق القيادات السياسية والاجتماعية المختلفة وقيادات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني في إعادة صياغة وعي المواطن بما ينسجم مع تطلعات وطموحات الناس في بناء مجتمع العدالة والحق والمواطنة الكريمة الذي يستند إلى العقلانية بعيدا عن الانفعالات الجارفة, وضرورة خلق الوعي اللازم لقيمة الانتخابات ومسؤولية الصوت الانتخابي وخطورته في رسم المستقبل.ولعل في الملاحظات الآتية مدخلا مواتيا لذلك :

ـ إعادة صياغة منظومة التربية والتعليم على أسس علمية وعقلانية بعيدا عن تأثيرات التيارات السياسية والدينية المتحاربة والمتجاذبة,لخلق مواطن يتسلح بالوعي المحايد والقدرة على ممارسة النقد البناء للظواهر المختلفة بروح علمية بعيدا عن أشكال التعصب والانفعال في تقبل أو رفض ظاهرة أو رأي ما.
ـ تحديث الخطاب السياسي من حيث المحتوى والأهداف والوسائل,وتحوله من خطاب " حشدي " منفعل إلى خطاب ايجابي يستهدف بناء ثقافة سياسية فردية بناءة وتحويله إلى خطاب سياسي ـ تربوي ذو صبغة واقعية.
ـ ضرورة التثقيف المستمر بالتجربة الديمقراطية باعتبارها وسيلة للتداول السلمي للسلطة وليست وسيلة للانقضاض عليها واحتكارها ومنع الآخرين من المساهمة فيها.
ـ إشاعة ثقافة الحوار في كل القضايا التي تخص المجتمع السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية,ودفع الناس لإبداء الآراء بخصوصها وتحويل المواطن من مستقبل للمعلومة فقط إلى مواطن مرسل فعال, أي تنشيط قنوات الاتصال بين المواطنين ورموزهم السياسية والاجتماعية لتفعيل مفهوم المشاركة البناءة.
ـ إعادة النظر في المنظومة التشريعية والقانونية التي تحجب و تحد من سقف مشاركة الآخرين في العملية السياسية, وفي مقدمتها قانون الانتخابات وإصدار قانون للأحزاب لضمان مسائلة الأحزاب ورصد آلية عملها,لضمان مزيدا من النزاهة و المشاركة السياسية لبناء نظام سياسي متنوع في العطاء والقدرات الفكرية والعقلية.
ـ العمل التربوي والتثقيفي طويل الأمد لأبعاد ثقافة التشكيك والاتهام وتخليص المواطن من آثار عقلية المؤامرة التي تجعل من المواطن متربصا لأخيه المواطن ومشككا في أفضل عطائه, وتلك هي الحال على مستوى الأحزاب.
ـ محاربة الفساد على نطاق واسع باعتباره وفي احد وجوهه مظهرا من مظاهر الفساد السياسي يسهم في تكريس الأوضاع كما هي, ونظرا لتقاطع صلاته مع السياسة ورموزها فأنه يسهم في تكريس سياسة الصفقات وتجيش الناس حولها لأبعاد شبح المحاسبة والدخول في التفاصيل.
ـ تعزيز ثقافة دولة القانون في سلوك الأفراد والأحزاب والمؤسسات بعيدا عن التمترس الفئوي والطائفي والجغرافي والقبلي الذي يضعف دولة القانون, وتنشيط دور القضاء لتشجيع المواطنين على الاستعانة بالدولة لحل المشكلات المختلفة والمستعصية دون اللجوء إلى القبائل أو الطوائف أو الأحزاب التي تستميل المواطن وتسهل تعبئته بمختلف الاتجاهات باعتباره طرفا ضعيفا يلجا اليها عند الشدة. 

قد تكون الانتخابات البرلمانية القادمة هي بمثابة خطوة الألف ميل على خلفية وعي اجتماعي وشعبي عام في رفض سلطة الفساد والمحاصصة الطائفية والأثنية رغم أن التوقعات الأولية لا تشير الى تحول جذري, ولكن يفترض أن صدمة عقد ونصف من الزمن كافية أن تبلور ملامح وعي بديل صوب صناديق الأقتراع وحصانة كافية لتجنب استمرار الذهاب الى المجهول وللتأسيس للخلاص من الفساد والحروب والارهاب والحفاظ على مستقبل العراق بكل مكوناته الأثنية والعرقية والدينية والثقافية.

 

اليوم الدولي للمرأة

وسيكولوجيا التحرش الجنسي

 

د.عامر صالح

 

يحتفل العالم كل عام وفي الثامن من آذار بيوم المرأة العالمي, وهو ليست مناسبة ترفيهية بل هي دعوة عالمية تقودها منظمة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والسياسية والأحوال المدنية, وهي دعوة لحماية المرأة من العنف المجتمعي بمحتلف مظاهره, الجسدية والنفسية والأخلاقية. وتحتفل نساء العالم في هذا العام استمرارا لمبادرة الأمم المتحدة قبل عامين تحت أسم " 50 ـ 50 بحلول 2030 خطوة للمساواة بين الجنسين " أو ما يسمى بكوكب مناصفة بين الجنسين, لتركز على المساواة بين الجنسين ورفع الوعي السياسي والاجتماعي في قضايا المرأة وتسليط الضوء على الأوضاع الصعبة التي تواجهها ملايين من النساء حول العالم. 

وبحكم الزخم الهائل الذي تمتعت به قضية المرأة على الصعيدين العالمي والوطني فقد ساعدت على خلق مزاج ايجابي معلن في قضية المساواة بين الجنسين, حتى بات من لا يؤمن بها لا يستطيع التصريح علنا بذلك, بل يبحث عن مبررات في أروقة الخطاب الفكري الديني وغير الديني لأضفاء قدسية من نوع ما على عدم قناعته بجوهر المساواة بين الجنسين في محاولة لتكميم أفواه انصار العدالة الاجتماعية بين الجنسين, وأذا اعترف بذلك تحت تأثيرات الحركات الاجتماعية الفكرية والمدنية المناصرة لقضايا المرأة فأنه يذهب قلقا للبحث عن عدالة خاصة ومشروطة بين الجنسين. 

أن عملية المساواة هي أولا وقبل كل شيء عملية ذهنية ـ عقلية/اجتماعية, تنشأ بفعل عملية التنشئة الاجتماعية والتربية المستديمة للفرد اتجاه نفسه واتجاه الجنس الآخر, تلعب الأسرة فيها دورا مهما وعلاقات الوالدين بالطفل ذكرا أم أنثى, ومعاملة الإخوة الذكور للأخوات الإناث, والتربية المدرسية وما تبثه من فلسفة تربوية حيث تعرض الفرد لمختلف وجهات النظر الفكرية والعقلية اتجاه الجنس الآخر, فيتبلور لدى الفرد اتجاها محددا نحو نفسه ونحو الجنس الآخر, وكذلك العادات العامة والتقاليد, ثم المؤسسات الاجتماعية المختلفة الرسمية منها وغير الرسمية, والأحزاب والأيدلوجيات المختلفة ومدى نفوذها في الوسط الاجتماعي .   

ويشكل أعلان المساواة بين الجنسين قيمة أخلاقية وإنسانية في التأكيد صراحة على الصعيد العالمي بعدمية الفروق بين الجنسين في المساهمة في الحياة والحقوق العامة. ويشكل هذا الإعلان عودة إلى الفطرة الإنسانية والى مرحلة تاريخية ما قبل اللاتساوي بين الجنسين ونبذ الفروق الجسمية والعقلية والنفسية باعتبارها مصدرا بهيميا لعدم المساواة والتي يبنى عليها شتى مظاهر اضطهاد المرأة.

وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية والإقليمية بتنوعها الديني والاثني والقومي, وعلى الرغم مما حققته من انجازات فردية على صعيد انخراطها في التعليم بمختلف مراحله, ودخولها عالم المهن المختلفة من طبية وتدريسية وهندسية وإدارية وجامعية, وصولا إلى تبوئها مناصب عليا وزارية وغيرها, فهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنها حققت تقدمها في المساواة مع الرجل, بل المهم في ذلك كله هو المزاج والموقف العقلي والفكري من مساواتها, فهي لازالت مشروع استلاب منذ نعومة أظافرها, حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية وتتعرض إلى مسلسل لا حصر له من الممنوعات من صغرها حتى شيخوختها, إلى جانب ما تتعرض له من مختلف صنوف التعذيب والعنف الجسدي والنفسي والأخلاقي, وكذلك العنف الرمزي غير المرئي الذي يتجسد عبر الثقافة والتربية والموقف المذل منها يوميا عبر معاملتها كجنس من الدرجة الثانية, وفصلها اجتماعيا عن الرجل سواء في البيت أو المدرسة أو الدائرة ومنعها من الاختلاط والتدخل في تفاصيلها اليومية, انطلاقا من مسلمات لا صحة لها " كناقصة عقل ودين " .  

 

ولعل من أخطر الظواهر التي تتعرض لها المرأة في بلداننا هي ظاهرة التحرش الجنسي, والتي تعبر عن مزاج عقلي وسلوكي في المجتمع والشارع الذكوري يعكس القناعة السائدة بضعف المرأة وبأمكانية التجاوز على حريتها الشخصية أثناء حركتها وتنقلها وطريقة لباسها, وتصبح حين تواجدها خارج المنزل موضوعا سهلا للأساءة والتجاوز.

ويؤكد " خريطة التحرش " بأن التحرش الجنسي هو أي صيغة من الكلمات غيرمرغوب بها و/أو الأفعال ذات الطابع الجنسي والتي تنتهك جسد أو خصوصية أو مشاعر شخص ما وتجعله يشعر بعدم الارتياح، أو التهديد، أو عدم الأمان، أو الخوف، أو عدم الاحترام، أو الترويع، أو الإهانة، أو الإساءة، أو الترهيب، أو الانتهاك أو أنه مجرد جسد.

ويمكن للتحرّش الجنسي أن يأخذ أشكالًا مختلفة وقد يتضمن شكلًا واحدًا أو أكثر في وقت واحد:

النظر المتفحّص: التحديق أو النظر بشكل غير لائق إلى جسم شخص ما، أجزاء من جسمه و/أو عينيه. 
التعبيرات الوجهية: عمل أي نوع من التعبيرات الوجهية التي تحمل اقتراحًا ذو نوايا جنسية (مثل اللحس، الغمز، فتح الفم). 
الندءات (البسبسة): التصفير، الصراخ، الهمس، و أي نوع من الأصوات ذات الإيحاءات الجنسية. 
التعليقات: إبداء ملاحظات جنسية عن جسد أحدهم، ملابسه أو أو طريقة مشيه/تصرفه/عمله، إلقاء النكات أو الحكايات الجنسية، أو طرح اقتراحات جنسية أو مسيئة. 
الملاحقة أو التتبع: تتبع شخص ما، سواء بالقرب منه أو من على مسافة، مشيًا أو باستخدام سيارة، بشكل متكرر أو لمرة واحدة، أو الانتظار خارج مكان عمل/منزل/سيارة أحدهم. 
الدعوة لممارسة الجنس: طلب ممارسة الجنس، وصف الممارسات الجنسية أو التخيلات الجنسية، طلب رقم الهاتف، توجيه دعوات لتناول العشاء أو اقتراحات أخرى قد تحمل طابعًا جنسيًا بشكل ضمني أو علني. 
الاهتمام غير المرغوب به: التدخل في عمل أو شؤون شخص ما من خلال السعي لاتصال غير مرحب به، الإلحاح فى طلب التعارف والاختلاط، أو طرح مطالب جنسية مقابل أداء أعمال أو غير ذلك من الفوائد والخدمات، وتقديم الهدايا بمصاحبة إيحاءات جنسية، أو الإصرار على المشي مع الشخص أو إيصاله بالسيارة إلى منزله أو عمله على الرغم من رفضه. 
الصور الجنسية: عرض صور جنسية سواء عبر الإنترنت أو بشكل فعلي. 

 

التحرّش عبر الإنترنت: القيام بإرسال التعليقات، الرسائل و/أو الصور والفيديوهات غير المرغوبة أو المسيئة أو غير لائقة عبر الإيميل، الرسائل الفورية، وسائل التواصل الاجتماعي، المنتديات، المدونات أو مواقع الحوار عبر الإنترنت. 
المكالمات الهاتفية: عمل مكالمات هاتفية أو إرسال رسائل نصية تحمل اقتراحات أو تهديدات جنسية. 
اللمس: اللمس، التحسس، النغز، الحك، الاقتراب بشكل كبير، الإمساك، الشد وأي نوع من الإشارات الجنسية غير المرغوب بها تجاه شخص ما. 
التعري: إظهار أجزاء حميمة أمام شخص ما أو الاستمناء أمام أو في وجود شخص ما دون رغبته. 
التهديد والترهيب: التهديد بأي نوع من أنوع التحرّش الجنسي أو الاعتداء الجنسي بما فيه التهديد بالاغتصاب. 

 

التحرش الجنسى الجماعى: تحرش جنسى (شامل الاشكال السالف ذكرها) يرتكبها مجموعة كبيرة من الاشخاص تجاه فرد او عدة افراد.

يعد التحرش الجنسى صورة من صور العنف الجنسى والتى تشمل ايضا:

الاعتداء الجنسي: القيام بأفعال جنسية تجاه شخص ما بالإكراه و/أو بالإجبار مثل التقبيل القسري والتعرية.

الاغتصاب: استخدام أجزاء الجسم أو غيرها من الأشياء والأدوات لاختراق الفم، أو اختراق الشرج، أو المهبل بالإكراه و/أو الإجبار.

الاعتداءات الجماعية: التحرّش أو الاعتداء الجنسي (بما فيه الاغتصاب) الذي ترتكبه مجموعات كبيرة من الناس ضد أشخاص منفردين. 

والتحرش الجنسي خارج اطار الأسباب السيكولوجية المرضية, كالسادية والهستيريا والأدمان على المخدرات التي تستدعي تدخلا خاصا علاجيا للأفراد الذين يرتكبونه, فأن اسباب التحرش الجنسي تكمن في الغالب في الأسباب الآتية:   

1ـ غياب المساحة الحضارية في التفاعلات الاجتماعية بين الجنسين, وهي المساحة الملائمة التي تمكن الفرد من التحرك فيها داخل مجتمعه وكلما قلت هذه المساحة كلما زاد الاحتكاك بين الافراد وزادت معها الميول العدوانية, فالاقتراب بين الاجساد خارج ثقافة أحترام الجنس الآخر يشكل أرضية لدوافع التحرش لمن تتوفر لديهم الاستعداد لممارسته.

 

2ـ غياب التربية والقيم الاجتماعية والاخلاقية المنطقية التي تغرس في نفوس الاطفال منذ الصغر, هذا الحرمان الاخلاقي تغيب عنه السلوكيات الطبيعية لتحل محلها السلوكيات الشاذة المضطربة, فالافراط في المحرمات نحو الجنس الآخر منذ الصغر يولد حالة من الكبت ينفجر لاحقا في نوبات من العدوان والاعتداء على المرأة, حيث يمارس العدوان على أشده مع الأخت والاقارب ثم على نطاق اوسع في البيئة الخارجية.

 

3ـ العشوائيات بيئة الفقر والازدحام التي تصدر كافة الآفات الاجتماعية والاخلاقية لكافة قطاعات المجنمع, فهي تشكل الظهير الخلفي للجرائم المنظمة وغير المنظمة, من سرقات واختطاف وقتل وابتزاز وسلوك مافيوي, ويشكل التحرش الجنسي احد مظاهره الصارخه.

 

4ـ التربية المجتمعية الذكورية الازدواجية الخاطئة التي تنعكس في النظرة السيئة للمرأة والتي يرى فيها الطفل الذكر ان الطفلة الانثى أضعف منه جسديا واقل منه قدرات عقلية, والتركيز في التنشئة على البعد الجنسي باعتباره محرم مطلق لا يجوز الحديث عنه, فيقع الطفل والشاب لاحقا في هوس معرفة كل شيئ عن الجنس الآخر وبأفراط, ونجد هنا المتحرش يحمل في شخصيته كل من الرغبة الجنسية المفرطة والمقترنة بالعدوان اتجاه المرأة, ولا يرى في المرأة سوى كونها مصدرا لأشباع غريزته الجنسية.

 

وتشير الكثير من الدراسات المسحية والاستطلاعية أن التحرش الجنسي رغم أنه ظاهرة عالمية تختلف اسبابها في البلدان المتخلفة عنه في الدول المتقدمة, إلا أنه متمركز في البلدان المتخلفة بنسب أكبر خطورة وتهديدا للتعايش المجتمعي بين الجنسين, وتتصدر دول عربية واسلامية ودولا اخرى خارج الاقليم قائمة التحرش الجنسي, فيما تنخفض بنسب كبيرة في الدول المتقدمة الى جانب السيطرة عليها قضائيا وحقوقيا.

 

وإذ تحتفل دول العالم بعيد المرأة العالمي في ظل ظروف إقليمية وعربية وإسلامية تضيق فيها فسحة المساواة ويتعرض فيها فكر المساواة إلى مزيدا من التشكيك والضربات المختلفة, وينتعش فيها الفكر المتطرف الديني والسياسي الذي يرمي المرأة خارج إطار عملية الصراع أو تحيدها أو إجبارها على الوقوف إلى جانبه, وتسفيه دورها اللازم في عمليات التغير واعتبارها تابع لاجدوى من مساهمتها في الحياة السياسية والاجتماعية, فأن الجهود الصادقة والحريصة, الدولية منها والإقليمية والقطرية, يجب أن تتوجه إلى أنقاذ المرأة من سلوكيات الإذلال والحط من قيمتها الشخصية والاجتماعية وفسح كافة فرص المساهمة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للمساهمة في بناء مجتمعات أفضل لا تخضع لمزاج الفتاوى الشخصية والاجتهاد المبتذل, فمكانة المرأة ليست موضوعا للاجتهاد بل هي موضوع للمساواة وتحقيق العدالة الاجتماعية بين الجنسين وحمايتها من الاعتداء داخل المنزل وخارجه.

 

البعد السيكوسوسيولجي

للصوت الأنتخابي العراقي !!!

 

د.عامر صالح

 

أعلنت مفوضية الانتخابات في الاسبوع الماضي عن تسجيل 88 قائمة و 205 كيانات سياسية و 27 تحالفا انتخابيا للمشاركة في الانتخابات البرلمانية العراقية في 12 أيار المقبل. وقد سبق ذلك الأعلان تحالفات لكيانات سياسية مختلفة ذات طابع اسلاموي في غالبيتها ثم اعقبها انهيارات سريعة لم تدم أيام معدودة, وقبل ذلك كله شهد الاسلام السياسي أنقسامات وانشقاقات مختلفة لبس البعض منها مدعيا ثوب التجديد والمدنية المقرونة بالوعود الكاذبة بعد عقد ونصف من الفشل السياسي المقترن بالخراب الاقتصادي والاجتماعي المتمثل بتدمير البنية التحتية, وكما نفهم ذلك سيكولوجيا فأن التشظي المتعمد هو محاولة لأخفاء العيوب والهروب من الغضب الشعبي العام في محاولة للعودة بوجه آخر يمتص نقمة الشارع العراقي, كما أن السرعة التي انهارت بها بعض التحالفات الاسلاموية يعكس بشكل واضح ان الخلاف ليست برنامجي أبدا بل على اعادة اقتسام النفوذ والسلطة السياسية لما بعد الانتخابات. بل هناك توجه لممارسة تزوير الانتخابات " كما ورد على لسان رئيس الوزراء حيدر العبادي " ولكن عدم جرأته وشجاعته والملتبسة بالمحاصصة تحول دون ذكره للتفاصيل واتخاذ الاجراءات الللازمة لمنع ذلك علنا. ومن هنا تأتي اهمية الدعوة الى اشراف دولي على الانتخابات للحد قدر الممكن من التزوير !!!.

وقد سبب ذلك كله احباطا نفسيا غير قليل للمواطن العراقي مما انعكس في قناعته شبه المطلقة بعدم حصول أي تحسن لاحق في ظروف حياته المعيشية العامة, في ظروف اهدرت فيه السلطة الاسلاموية طوال الفترة المنصرمة ما يقارب 1000 مليار دولار في عمليات الفساد المالي والاداري وخراب مختلف الاوجه لمؤسسات الدولة العراقية, فلا نستغرب أن منظمة الشفافية العالمية تؤكد تصدر العراق والصومال دول الفساد في العالم. وقد أنعكس احباط المواطن العراقي في اتجاهاته النفسية نحو الانتخابات القادمة بين مقاطع لها او الذهاب لتسقيط ورقته الانتخابية أو التصويت وفق قناعات محتلفة لمجمل الكيانات والاحزاب السياسية التي ستخوض الانتخابات وحتى اتجاه نحو انتخاب كيان لا يعرف عنه شيئ. وحيث لا يوجد اليوم في العراق فرصة لحاكم قوي عادل يعيد السيطرة على الامور ويعيد بناء العملية السياسية وأطرها المؤسساتية, من دستور وقانون انتخابات وقانون احزاب ومفوضية انتخابات مهنية نزيهة, فأن خيار المساهمة في الانتخابات يبدو هو الضمانة الآن ولو ألى حين في محاولة لتغير موازين القوى !!!.

في خضم التحالفات السياسية الموجودة الآن والصراع الدائر بين الكتل والتحالفات السياسية تجري الاستعانة بدول الجوار للتدخل للمساعدة في بلورة رأي مسبق والانحياز الى جانب بعض الكتل السياسية وخاصة الاسلاموية منها بشكل خاص, وهو أمر ليست فقط مرفوض ولكن يعبر عن ضحالة الفكر والممارسة الديمقراطية لدى تلك الكتل, قد يشذ عن ذلك عموم التيار المدني بمختلف شرائحه وتوجهاته الفكرية. والديمقراطية تقول ان اصوات الشعب هي التي تقرر خيارات الشعب عبر صناديق الانتخاب وليست الاجندة الخارجية.

أن الاقتراب من صناديق الاقتراع وإيداع ورقة فيها كيفما اتفق ليست نزهة انتخابية عبثية يراد بها الضحك على شعب طال أمد معاناته وحرمانه من ابسط مقومات العيش الكريم, وقد حرم لعقود قبل وبعد سقوط النظام الدكتاتوري من الحرية والتمتع بماله ونفطه وثرواته, وهو الآن يعاني الآمرين من التعسف والظلم والفقر وانعدام الخدمات وتصدع وحدته الوطنية وتمزق نسيجه الاجتماعي والقومي والديني, وكذلك حرمانه من السماح له بحرية اختياراته وقد سلطت على رقابه سيوف الدين المتطرف والخندقة الاثنية والتعصب الممزوجة برائحة الكراهية والعفن من النظام السابق وثقافة الاسلامويين !!!. 

من المعروف أن ارث النظم الفردية والدكتاتورية والاسلاموية كبير جدا ولا يمكن الاستهانة به أو دفع بلائه وإحلال القيم الديمقراطية وثقافة الانتخاب في مكانه دفعة واحدة. وضمن ثقافة الهيمنة السابقة والإقصاء والتهميش والعبادة الفردية والعقلية القبلية والولاء الهش لدولة الحزب الواحد أو الفرد, حيث تحولت هذه المكنونات القيمية إلى خزين في اللاوعي يتحكم في الكثير من سلوكيات الحاضر ويتحول إلى موضوعات استثاره مستديمة, وخاصة بعد عمليات التغير الجذري صوب صناديق الاقتراع لتقرير مستقبل الشعب واتجاهات تطوره, قد لا يعلم بها الناخب نفسه في أحيان كثيرة, وتتحول بفعل ذلك لحظات التصويت إلى حالات من غيبوبة العقل لا تتأثر بأحداث الحاضر وأزمته في البحث عن بدائل تضمن الأمن والاستقرار والسلم الأهلي وتفتح الأبواب للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة, بل قد تندفع جماهير غفيرة تحت وطأة تأثير تجيشها بالخطابات الانفعالية القوية التي تسرق عقولها قبل عواطفها فتتركها فريسة للانفعالات, كما اعتادت عليها النظم الدكتاتورية والفردية بثقافتها وأغانيها وأهازيجها الممسوخة التي تعزف على أوتار انفعالاتها لتوقظ فيها نزعات الحماس اللاواعي,حيث تعرقل فيه حكمة العقل ومكانته في الخيار الانتخابي الحر, ويترك فيها الناخب مسلوب الإرادة محتكما إلى الهوى والعاطفة والانطباعات الآنية المخيفة وسلطة المزاج التي تعرقل الخيار العقلاني, وخاصة في ظروف أحزاب تمتلك قدرات هائلة من مال حرام وتطفل مذموم على ابسط أخلاقيات وقواعد الدعاية الانتخابية واستخدام للماضي الأليم لرسم صورة الحاضر على خلفيته وإثارة النزعات العقلية الانقسامية من دينية وطائفية وقبلية ومناطقية وحتى سلالية وعائلية تعززها الإغراءات المادية والنفعية ذات الفائدة قصيرة الأجل, وخاصة في مجتمع خرج من آتون دكتاتورية وشوفينية عاتية عبثت في المنظومة القيمية وزرعت في أوصاله الجهل والفقر والمرض والتخلف وعدم المساواة, وهنا نحذر شعبنا من استراتيجيات الشراسة لدى بعض الكيانات الانتخابية في إشاعة الكذب والخداع والوهم والإيهام التي تتدخل بقوة لتصنع رأيا انتخابيا مجافيا للعقل والحكمة مستخدما من العزف على أوتار الماضي الديني والسياسي في ظل مجتمع يعاني من اختلال اقتصادي واجتماعي,فقد تمتلئ أمعاء الناخب بالمال الحرام والهبات ولكنها ستجوع إلى الأبد بعد فرز الأصوات الانتخابية وتتبخر أحلام الناخب البريء وتتجدد دورة الكبت والحرمان والقمع الذاتي !!!!.

ومن الناحية الطبيعية والعقلانية وبعيدا عن دعايات المرشحين ومزاميرهم والتي تفوق أحيانا حتى حجم إمكانياتهم وخبرتهم في إدارة البلاد " رحم الله امرئ عرف قدر نفسه " فان السياقات المنطقية التي تدفع صوب الانتخابات والمشاركة السياسية الفعالة يجب أن تكون أسبابا اقتصادية والتي يكون هدفها تحسين ظروف الوجود والارتقاء بمستوى العيش وطمأنة الحاجات الإنسانية, وأسبابا اجتماعية والهدف منها تحسين أداء الجماعة وانتشالها من براثن الفرقة والتفكك والتعصب بمختلف ألوانه الديني والطائفي والقبلي والمناطقي والاثني. ودوافع أمنية حيث أهميته وضرورته في بعث الطمأنينة لدى المواطن والذي يشكل لبنة لازمة لانطلاق العمليات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية " فالأمن أولا والبقية تأتي ",وكذلك أسباب فكرية قد تدفع الناخب إلى التصويت لتأكيد انحيازه ألمبدأي,وهنا لا نؤكد على ما هو الفكر, ولكن نؤكد على ضرورة الفكر ووجوده,ومن عدم أهلية وجوده استنادا إلى معايير التجارب الإنسانية الغنية, فالانحياز إلى أفكار " الصندوق الأسود المغلق " أثبتت التجارب الماضية إلى فشله باعتباره نموذجا لممارسة القتل الذاتي للوجود وإلحاق المزيد من الدمار والخراب والفساد وفقر الشعب وأهانته وتفرقته, أو على اقل تقدير هو الانحياز إلى مشروع " المراوحة في المكان ".
أن الشعوب والمجتمعات التي خطت خطوات راسخة صوب الديمقراطية تشكلت لديها منظومة عقلية راسخة لا تهزها الدعاية الانتخابية إلا في التفاصيل الثانوية, أي تشكلت لديها استراتيجيات معرفية وعقلية للانتقاء والتصفية والبحث عن البدائل على أسس استقرائية للواقع ورسم الطموحات للنهوض به, وهي استراتيجيات لا تخطئ إلا ما ندر, حيث تقترب من منهجية العقل وطبيعته في حل المشكلات, ابتداء من الإحساس بالمشكلات, وجمع التفاصيل الكافية عنها وعن مسبباتها والياتها, وانتهاء بفرض الفروض عنها وتبيان حجم تأثيرها والعوامل المتداخلة في صنعها,وانتهاء ببرامج وخطط لحلها والتماس الحلول المستقبلية لها, وعلى خلفية ذلك يندفع الناخب لاختيار البدائل الأصلح في السياسة استنادا إلى التجارب السابقة.
ويعزز ذلك كله نشوء منظومة فكرية ـ عقلية تقترب من مستوى الأداء النفسي للفرد غير قابل للمساومة, تقوم على بعض القناعات,لعل أبرزها هو أن الإيمان بالمشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة هو مكون أساسي ومقدس ولا يمكن اغتصابه بمختلف الواجهات والممارسات التي ترغب في الإطاحة بالديمقراطية من الداخل أو الخارج, وأدراك المواطن أن تحسين ظروف العيش لا يأتي عبر مقاطعة صناديق الاقتراع والقبول بالأمر الواقع الذي يقرره الآخرين عنه, وتقرر ظاهرة " أنا أقرر " مزاجا نفسيا عاما لدى المجتمعات ذات الديمقراطيات الراسخة, بل أن هذا الاتجاه السلوكي والمعرفي تعززه النظم السياسية والتربوية منذ نعومة الأظافر وفي مظاهر مختلفة ابتداء من طريقة اللبس والشرب والحوار المتكافئ حتى مع الطفل وانتهاء بظاهرة تقرير النخب السياسية, وكذلك دور التنشئة الاجتماعية التربوية والنفسية في نبذ قيم التفرد والدكتاتورية السياسية والسلوكية العامة في مختلف مظاهر الحياة العامة, مما تجعل من المواطن أن يقف متأنيا ومتفحصا لظاهرة السياسة وما تنتج عنها من مظاهر سلوكية, وكذلك نشأة استقطاب واضح على خلفية إدراكية ـ معرفية ولنقل فكرية تجد لها تبريرا جدليا في اعتناق هذا الفكر أو ذاك بعيدا عن حالات الهيجان الانفعالي المدمر, فأنا شيوعي...لماذا, وأنا إسلامي...كيف !!!, وأنا علماني..كيف افهم ذلك, وأنا ملحد...ماهية المبررات, ويجري ذلك على خلفية تلاقح الأفكار بعيدا عن الإقصاء, وعلى خلفية البرنامج الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المميز لهذه المنظومة العقائدية أو تلك, لا على أساس " أرميها برقبة عالم وأخرج منها سالم دون حسبان للعواقب ".

أن عراق اليوم محتاج أكثر من أي وقت مضى للتحييد الديني والطائفي بشكل خاص في ظل احتراب طوائفه التي تقوم على تكفير بعضها البعض, ونحن نعرف أن أصل الانقسام الطائفي في أسلامنا الحنيف كما في مختلف الأديان هو سياسي من الناحية التاريخية وليس ديني والذي لازال مداره إلى اليوم يرجع إلى مسألتي الخلافة والإمامة وما شابه ذلك, ولئن الإسلام السياسي يشن حربا بسوس على العلمانية وقد تطول أكثر,لأنه يرفض مبدأها في فصل الدين عن الدولة, ومن شأن العلمانية أن تساعد الإسلام وغيره على استرداد أوضاعهما الطبيعية في وجدان الناس وتهذيب مشاعرها وانفعالاتها الدينية. 

أن ألتحالفات القائمة على اساس القناعة ببناء مجنمع مدني هي التي تضمن لنا الدين والمعتقد السياسي في جغرافية العراق المتنوع بدينه وأنتمائته السياسية بعيدا عن الهجرة والتهجير ألقسري وتضمن لنا الحداثة في الديمقراطية والعلمانية وسهولة التفاعل مع منجزات العصر في التقدم العلمي والتكنولوجي, كما تضمن لنا حب المسلم لأخيه المسلم ولأخيه في الإنسانية من الدين الآخر, وتلغي لنا حكم المناطق والمحافظات والشوارع والحارات والأزقة, تضمن لنا عراق فدرالي موحد, وتضمن لمواطنينا صحة موفورة تستند إلى آخر منجزات العلوم الطبية وليست عراق " يتشفى من السرطان ببول السيد وبصاقه " وتضمن قدر معقول من الصحة النفسية في التكيف مع البيئة المحيطة وتقبل الآخر المتنوع, وتضمن لنا مزيدا من تكافؤ الفرص والخدمات التعليمية في مختلف مدن العراق وأريافه ومناطقه النائية.

أن الإتيان ببرلمان منزوع السلاح يتمتع أعضائه بصدق النوايا ومحمي من قبل جماهير الشعب هو السبيل الوحيد لاستقرار العراق وبناء ديمقراطيته التي لا تزال قيد مخاض عسير,أنها مهمة صعبة لا يستوعبها خطاب اللحظة الهش ولا المغريات المؤقتة, أن شعبنا يتطلع إلى سياسيه الأوائل ذوي الحكمة والعزيمة المستديمة والذين ينتظرون الدعم والمساندة من قبل شعبنا أولا لإنفاذ العراق من براثن التخلف والجهل والأمية والتسقيط للأخر ونبذ الطائفية والتوافقية.

العراقي ورغم ضيق فسحة العيش والأمل مطالب اليوم باليقظة والحذر الشديدين من مغريات اللحظة الآنية في الانتخابات وعليه كما عرف عنه بنبذه للظلم والاستهتار بحقوقه أن يتوجه لأنتخاب كيان او حزب او قائمة تضمن له أصلاح النفس والدين والسياسية وتضمن لنا العراق في تنوعه الديني والعرقي والسياسي, عراق منفتح على الجميع في الداخل والخارج !!!.

 

 الحراك الأجتماعي الإيراني

بين المشروعية والآفاق

 

د.عامر صالح

 

اندلعت الاحتجاجات الشعبية الايرانية في اكثر من عشرة مدن وقد خلفت ورائها لحد الآن اكثر من عشرين قتيل ومئات الجرحى و450 معتقلا سيحالون للمحاكم لأصدار الاحكام بحقهم. مما لاشك فيه ان الاحتقانات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بلغت مدايات واسعة بفعل الازمة الاقتصادية العامة الناتجة من الحصار الخارجي الى جانب السياسات الاقتصادية الداخلية التي يشكل اقتصاد البازار سمة طافحة لها, والذي انعكس بشكل جلي على تدني اشباع المطالب الاساسية اليومية, الى جانب التضييق على الحريات الشخصية والسياسية التي يعاني منها المجتمع الإيراني والناتجة من طبيعة النظام الاثيوقراطي المتشبث بخطاب ديني يضفي على السياسة بعدا دينيا تقهقريا متخلف عنن ظروف الحياة المعاصرة ومتطلباتها المادية والروحية, ورغم ان القياس نسبي هنا, فالكثير من بلدان الاقليم العربي والاسلامي أشد وطأ في ظلمها ورجعيتها واستبدادها واضطهادها من النظام الإيراني, بل هامش الحرية في الشارع الإيراني أوسع بكثير من الكثير من الدول الخليجية, والتي يقف البعض منها محرضا الشارع الإيراني ويدعوه الى الخلاص من نظام الملالي, وهم يفترض ان يوجهوا حرابهم الى صدور انظمتهم قبل توجيها الى النظام الإيراني.

ان الحراك الاجتماعي الشعبي الإيراني يستمد شرعيته من عوامل داخلية موضوعية بحتة تعكس أزمة النظام في مختلف ابعادها, ومطالب الحراك واضحة في تحسين ظروف العيش والنأي عن الصراعات الاقليمية وعدم التدخل في شؤون البلدان الداخلية المجاورة وغيرها, ولكن ليست من المستغرب في خضم الصراع الاقليمي الذي شكلت ايران احد اقطابه, ان تقوم الاطراف الاخرى والسعودية منها بشكل خاص الى جانب بعض من البلدان الخليجية بمحاولات لحرف مسار الاحداث وتوجيهها بما يفضي الى الانتقام ليست من النظام الإيراني بحكم العداء المستديم له, ولكن من الشعب الايراني وعلى شاكلة ما جرى لبلدان " الخريف العربي " حيث عم الخراب في ليبيا وسوريا واليمن وجزئيا في مصر والعراق, وجرى الانتقام من الشعوب وليست الحكام. 

ومن هنا تجري محاولة حرف اهداف ومسار الحركة الاحتجاجية السلمية والمشروعة تمهيدا الى خلق مقدمات لنهج تخريبي يستهدف مؤسسات الدولة وتدمير البنية التحتية الايرانية وخلق الفوضى وبالتالي حرف مسارات الاحداث لخلق بيئة مؤاتية ينتعش فيها الارهاب المدمر كبديل عن الحراك الاجتماعي السلمي.

أن الأمن الاقليمي والهش بطبيعة اقطابه والناتج من الصراعات الطائفية السياسية والاثنية يدخل الآن في مراحله الأشد خطورة من خلال تدخل دول المنطقة في الشأن الإيراني, وان الاجندة الخارجية ذات الصبغة الطائفية السياسية ستصب النار على الزيت لبلوغ الصراع ذروته المدمرة والغير متوقعة. كما ان الموقف الامريكي الداعم شكليا لمطالب الحركة الاحتجاجية الإيرانية يعكس محورية التحالف مع السعودية, وكان من الافضل والاجدر ان تنفذ امريكا ترامب قانون " جاستا " الخاص بالارهاب والذي وضع السعودية وقطر والامارات تحت المسائلة والعقاب الصارم ولتوفير ظروف موضوعية افضل للتغير الشامل في المنطقة, إلا ان صفقة ال 500 مليار دولار التي جنتها امريكا من السعودية والخليج بساعات أعمت بصيرة ترامب ودفعته الى تبني مواقف تغذي الصراع الاقليمي بل وتغذي الارهاب في المنطقة.

ويبقى الحراك الاجتماعي الإيراني مشروعا ومشروطا باهدافه المعلنة لحد الآن وبقواه الداخلية المحركة له وقدراتها الذاتية على خلق حالة من التوازن المطلوب لأحداث التغير الجذري في طبيعة النظام الايراني بما يستجيب للمطالب الشعبية العادلة وبعيدا عن الاجندة الخارجية التي تتربص للحراك الاجتاعي لحرف اهدافه الحقيقية لتنفيذ اهداف الشعب الايراني في الحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي.

 

وفي الختام نقول ان في علم الثورة هناك عاملين اساسسين لأحداث التغير السياسي, اولهما موضوعي ازمة اقتصادية وسياسية خانقة لا يستطيع النظام القديم التكيف معها او الاستمرار على طبيعته في الحكم, وهناك عامل ذاتي تجسده القوى الجديدة الناهضة التي تقود التغير ومدى تنظيمها ووعيها وانضباطها وقدراتها الذاتية لقيادة نضالها والاستمرار فيه, والعلاقة المترابطة بين ما هو ذاتي وموضوعي هي التي ستحسم الاحداث والى اي وجهة تسير, ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن !!!.

والتاريخ القريب يحدثنا عن فواجع, فقد جاء النظام الاسلامي الإيراني على خلفية ثورة شعبية ضد نظام الشاه ولم تكن القوى المحركة للثورة اسلامية, بل كان اليسار الاجتماعي قدره غير قليل فيها, وكذلك في العراق وبعد سقوط نظام صدام وبفعل تأخر نضوج العوامل الذاتية وتخلفها عن قيادة التغير فقد اخلت المقاعد الامامية للاسلام السياسي ليتصدر المشهد بديمقراطية عرجاء, وكذلك بلاد " الخريف  العربي " حيث اختفى تأثير القوى ذات المصلحة الحقيقة في التغير عن المشهد السياسي ليحل الخراب والدمار والموت والفتاوى, ويصح هنا مأثور القول لجيفارا " الثورة يخطط لها الأذكياء وينفذها الشجعان ويقطف ثمارها الجبناء " ولكن حكمة التاريخ تقول ان الحكام زائلون مهما بلغوا والشعوب باقية !!!.

 

العقلية الذكورية وتعنيف المرأة

في مشروع تعديل قانون الاحوال الشخصية

 د. عامر صالح

 تعرضت الاوضاع الاجتماعية للنساء والفتيات الى انتهاكات خطيرة على مر العقود الاخيرة جراء الحروب العبثية التي اقدم عليها النظام السابق وتركت آثارها في ظواهر عديدة, ابرزها الترمل بفقدان الزوج وتحمل الزوجة اعباء الإعالة وتضيق فرص العيش الكريم في التربية والتنشئة الاجتماعية للفتيات وللأسرة بصورة عامة, وأشد اوضاع المرأة تراجعا ما حصل لها بعد عام 2003 بدءا من الاحتلال ومرورا بصعود التيارات والحركات والاحزاب الدينية والطائفية الى السلطة, وصولا الى عودة أثر الاعراف والتقاليد القبلية والعشائرية, وكان للحروب الداخلية وما سببته من تهجير ونزوح وتشتيت للمكونات, وتدهور الحياة الاقتصادية وتدني مستويات العيش وانتشار البطالة على نطاق واسع وفي اوساط النساء المتعلمات وفي المجتمع بصورة عامة, أثره الواضح في تصدع منظومة الاستقرار القيمي وتدهور في المعايير وانحسار لخيارات التكافئ والتكافل الاجتماعي وقد جعلت من الحياة الاجتماعية أكثر قتامة. ويكفي ان نشير هنا الى حجم الكارثة الاجتماعية عندما نتحدث عن نسبة العوانس وقد بلغت اكثر من 80%, كما بلغ عدد الارامل والمطلقات حسب احصائيات 2016 بحدود المليونين, وبلغ حجم الأيتام والارامل خمس السكان, وتصاعد نسبة السكان دون خط الفقر الى 35%, الى جانب زواج القاصرات حيث تم تسجيل 500 حالة زواج دون 18 سنة, وبعضها لا يتجاوز 11, 12 سنة في بغداد لوحدها من قبل منظمات حقوق الانسان والطفولة في العام الماضي" وهي غير مثبتة لدى الدولة ".

في ظل نظام طائفي ومذهبي محصصاتي تأسس ما بعد عام 2003 لابد ان تكون هناك تداعيات خطيرة وانعكاسات سلبية على مستوى التدخل وصياغة قانون الأحوال الشخصية, كما هي الحال في تداعيات هذا النظام سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وأمنيا وثقافيا وتربويا وصحيا وخدميا بصورة عامة, واستنادا الى ذلك جاءت محاولات النظام للعبث في قانون الاحوال الشخصية المرقم 188 لسنة 1959 وقد توجت آخر تلك المحاولات بقيام مجلس النواب بتاريخ 31ـ10ـ 2017 بالموافقة من حيث المبدأ في التصويت على مقترح قانون تعديل مشروع قانون الاحوال الشخصية.

وقد اثار ذلك غضبا شعبيا واسعا في اوساط بعض من البرلمانين والمتخصصين بهذا الشأن وكذلك في اوساط منظمات المجتمع المدني والحركات التقدمية النسائية, العراقية منها والعربية والعالمية والمنظمات الدولية ذات الصلة بحقوق الانسان, وقد اعتبر خطوة خطيرة ومحاولة لتفكيك النسيج الاجتماعي والوطني والثقافي, واللجوء الى حكم الطوائف والمذاهب في تقرير شؤون الاحوال الشخصية, من سن زواج " مثلا للطفلة بعمر التسع سنوات وللذكور بعمر 15 سنة " واعطى ضوء اخضر للزواجات المؤقتة, ومنع زواج المسلمات من غير المسلمين, وكذلك اجحافات اخرى في الأرث والشهادة والطلاق واعتناق الدين للمولود الجديد والحرمة من الرضاعة وغيرها من الامور " ممكن للقارئ ان يرجع الى نصوص التعديلات " , وجميعها محاولات تهدف الى اضعاف الدولة والقضاء العراقي في تدخله وحمايته للشؤون الاسرية  والاحوال الشخصية من الانهيارات والابتزازات.  

ومن الناحية البحثية الخالصة والموضوعية لايمكن القول ان قانون الاحوال الشخصية المرقم 188 لسنة 1958 جاء مخالفا للدين الاسلامي وتشريعاته كما يخطئ البعض, بل هو جاء مستفيدا منها بطريقة تضمن السلامة الاجتماعية والوحدة الوطنية وترضي جميع المكونات المذهبية للدين الاسلامي, الى جانب الخصوصيات الاخرى التي منحها القانون للديانات الاخرى كالمسيحية واليهودية, وكل ذلك يخضع للدولة والقضاء, وقد اعتبر القانون في حينها نقلة نوعية في التشريع للأحوال الشخصية وابتعادا عن التمترس الطائفي والمذهبي الذي ساد في العراق حتى نهاية الخمسينيات, وكذلك اعتبر القانون اعلاه انجازا كبيرا في محيطه الاقليمي العربي والاسلامي. وبالتأكيد للقانون عيوبه كأي ظاهرة قانونية يجب ان تخضع لاحقا للتطوير والتغير بما يستجيب للمتطلبات الحياة الاجتماعية المعاصره. ولعل اهم مبادئ القانون هي:

 

تحريم الزواج الحاصل بالإكراه وعد عقد الزواج الواقع باكراه باطلاً اذا لم يتم الدخول؛ تجريم النهوة العشائرية؛  تحريم الزواج خارج المحكمة واجازة طلب التفريق اذا جري الزواج خارج المحكمة وتم الدخول؛ جواز التفريق لارتكاب أي من الزوجين الخيانة الزوجية؛ جواز التفريق اذا كان عقد الزواج قد تم قبل اكمال أحد الزوجين الثامنة عشرة دون موافقة القاضي؛ اجازة للزوجة بطلب التفريق اذا تزوج الزوج بزوجة ثانية دون اذن من المحكمة؛ عد هجر الزوج لزوجته وعدم مراجعتها مدة سنتين سبباً من أسباب التفريق؛ اعتبار عدم طلب الزوج لزوجته للزفاف خلال سنتين من العقد سبباً من أسباب التفريق؛ اعتبار امتناع الزوج عن تسديد النفقات المتراكمة سبباً في طلب التفريق؛ مساواة البنت بالابن في حجبها ما يحجبه الأبن من ارث أبيها أو أمها؛ تحديد سن الزواج للجنسين ب 18 سنة.

النكسة الأشد مرارة اليوم هو ان مجلس النواب العراقي وبعد مرور على ما يقارب الستين عاما على قانون الاحوال المدنية المرقم 188 لسنة 1959 وفي ظل تغيرات دولية كبيرة على مستوى ضمان حقوق المرأة ومساواتها وحماية الطفولة ورعايتها, يأتي بمشروع تعديل قانون الاحوال الشخصية أقل قيمة اجتماعية وفلسفية وفقهية واخلاقية من القانون الأصل. أنه انتكاس للمرأة العراقية كما عبرت عنه الاوساط المعارضة له واعتبرته دعشنة لحياة المرأة العراقية وتكريس أذلالها, الى جانب ما يلحقه من اضرار نفسية وصحية واجتماعية وتربوية للطفلة العراقية بشكل خاص وللطفولة بصورة عامة.

لقد عكس مشروع تعديل القانون والتصويت المبدئي عليه العقلية الذكورية المنحدرة من ثقافة العائلة البطريركية في ظل بنية اقتصادية ـ اجتماعية متخلفة, بأعتبارها المؤسسة الاجتماعية الأولى التي تؤسس لاضطهاد المرأة واستلابها, حيث يأخذ هذا الاستلاب طابعا مقدسا يستمد شرعيته من تفسير النصوص الدينية الوارد على ألسنة المشرعين والمفتين الذين يتدخلون بالتفاصيل الدقيقة لحياة المرأة وفرض الوصاية عليها, من طريقة لباسها وكيفية معاشرتها للآخرين وكذلك تقرير سقف ومدى مساهمتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, والتحكم بها باعتبارها تابعا للرجل وجزء من ممتلكاته الشخصية, كما وصل بهم الإفتاء إلى إباحة أجزاء من جسدها لغير زوجها " كإرضاع الكبير ومفاخذته ", وإيجاد أشكال ظرفية عديدة ومختلفة من الزواج المؤقت, ويأخذ الاستلاب طابعا أكثر مرارة عندما يندمج الدين مع السياسية, ليتحول أكراه واستلاب المرأة إلى قوة قانونية ملزمة عليها من السماء والأرض.

وعلى الرغم مما حققته المرأة في مجتمعاتنا من انجازات فردية على صعيد انخراطها في التعليم بمختلف مراحله, ودخولها عالم المهن المختلفة من طبية وهندسية وتعليمية وإدارية وجامعية, وصولا إلى تبوئها مناصب عليا وزارية أو عضوية برلمان وغيرها, فهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنها حققت تقدمها في المساواة مع الرجل, بل المهم في ذلك كله هو المزاج والموقف العقلي والفكري من مساواتها. فهل يعقل " على سبيل المثال " لدولة ترغب في بناء الديمقراطية والتعددية والمساواة, وفي برلمانها 82 عضوا من النساء لا يتبادلن معظمهن التحية بالمصافحة في البرلمان, انطلاقا من مسوغات " شرعية " بعدم الجواز في ملامسة الأيدي, والمشكلة ليست في المصافحة من عدمها, بل المشكلة كيف تؤسس لمزاج المساواة في أعلى هيئات حكومية, وليست لبناء جدار عازل من الريبة والشك بين الجنسين. أن تعليم المرأة ودخولها إلى سوق العمل وتحملها مسؤوليات عليا لا يعني مؤشرا لتحررها, بل يعني في مجتمعاتنا انه إضافة للمرأة لتزيد من قيمتها في المنافسة في الزواج والعمل أو دخلا إضافيا للأسرة يسهل ابتزازه, على الرغم من ضرورة ذلك للارتقاء بها وكخطوة أولى بسيطة على طريق المفهوم الشامل للمساواة بين الجنسين.

وتبدأ المرأة كمشروع للاستلاب منذ نعومة أظافرها, حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية, خارج إطار والديها, من أخوانها الذكور الصغار والكبار, حتى إذا بلغت اشتدت دائرة الرقابة عليها من الجميع, ثم يستقبلها زوجها فيعيد إنتاج تربيتها وفق لما يرتئيه مناسبا له, بل حتى أطفالها الذكور يساهمون في " تربيتها " وفرض دائرة من الممنوعات على حركتها وحريتها الشخصية, وتتعرض إلى شتى مظاهر الإساءات كامرأة أو زوجة, من الإذلال وجعلها تشعر بعقدة الذنب, وإساءة معاملتها جسديا بالضرب والتهديد والوعيد, ومنعها من التعاطي بالمال وإيجاد فرص عمل لكسب المال وجعلها معتمدة كليا على مال الرجل أو اغتصاب مالها الخاص والتصرف به, وعزلها اجتماعيا ومنعها من الاتصال بالآخرين إلا بموافقات مسبقة وبشروط محكمة في الصرامة ومراقبة تحركاتها عن كثب, إلى أين تذهب ومع من تلتقي, وجعلها تشعر بالذنب أمام أخوانها أو أولادها وتهديدها من عدم رؤية أولادها وحتى ممارسة الضرب والاهانة لها أمامهم, وممارسة الإكراه والتخويف والتهويل لها وإجبارها على القيام بمختلف التصرفات التي قد تؤذي فيها حتى نفسها.

 ورغم تعرض المرأة في مجتمعاتنا إلى مختلف صنوف التعذيب والعنف الجسدي والنفسي والأخلاقي, إلا أن العنف الرمزي هو أكثر الأشكال ضررا وإيغالا في معاناة المرأة, وهو عنف غير فيزيائي, ويتم أساسا عبر وسائل التربية وتلقين المعرفة والايديويوجيا, وهو كما يصفه بورديو بأنه " شكل لطيف وغير محسوس من العنف ", وهو غير مرئي بالنسبة للضحايا أنفسهم. كما أن العنف الرمزي يمارس على الفاعلين الاجتماعيين بموافقتهم وتواطئهم, ولذلك فهم غالبا ما لا يعترفون به كعنف, بحيث أنهم يستدمجونه كبديهيات أو مسلمات من خلال وسائل التربية والتنشئة الاجتماعية وأشكال التواصل الاجتماعي. فالتربية "الذكورية " ابتداء من البيت والنشأة الأولى وما تتركه من انطباعات سيئة عن الأنثى بأنها مخلوق ثانوي تلقي بضلالها على الكثير من السلوكيات اليومية المذلة للمرأة, والمدرسة وتخلف مناهجها وما تبثه من معلومات حول الفرو قات بين الجنسين واستخدامها بشكل سيئ لتوجيه الطعون ضد المرأة وأهليتها الاجتماعية, الفصل  بين الجنسين في المدرسة وخاصة في مراحله الأولى يؤسس منذ البدء للريبة وسوء الظن بالجنس الآخر, والاستعانة بالتراث السلبي وانتقاء أحداثه بطريقة متحيزة بما يضفي إلى تصور المرأة كائنا شريرا وناقصا ولا يحمل إلا المنعطفات والأحداث السيئة, الأفكار والإيديولوجيات السائدة التي تكرس الشائع واللامنطقي عن المرأة وعدم مقدرتها على تجاوز الواقع, الاستعانة بتفسيرات الكتاب المقدس والسنة النبوية بما يفضي إلى تكريس اللامساواة وتشويه قدرات المرأة وإمكانياتها, كما يرد في " المرأة ناقصة عقل ودين ", وكذلك الفتاوى الدينية المختلفة التي تتدخل في التفاصيل الدقيقة للمرأة ووضعها في غير مكانها المناسب. أن هذا النمط من العنف الثقافي والتربوي الرمزي والخفي يجد له انعكاساته ليست فقط في ممارسات الرجال ضد المرأة, بل الأخطر من ذلك أن المرأة تعتبره قدرا وتتفاعل معه إلى درجة الدفاع الخفي عنه وعن مرتكبيه " أي الضحية تدافع عن الجلاد ", فلا نستغرب ان نجد نساء برلمانيات يتقاتلن للدفاع عن زواج القاصر واذلال شقيقتها المرأة. وهذا الفرق الواسع بين العنف في مجتمعاتنا وبين العالم المتمدن, حيث في الأخير لن يلقى الدعم والإسناد من المنظومة القيمية والفكرية السائد وبالتالي هو مدان على نطاق واسع بما يحد من إعادة توليده, وهو بعكس ما سائد لدينا حيث يلقى التفسير والإسناد والإثابة في أحيان كثيرة.

في تلك البيئة المتخلفة والمختزلة في عقل المشرعن البرلماني يجري التعامل مع قضايا المرأة المصيرية, من حرية واستقلال واكراهها على مسارات للعيش, ولا نستغرب ان الثقافة الذكورية تخترق عقل الكثير من البرلمانيات وتستدمجها في ثقافتها الشخصية, فنجدها تقف الى جانب التصويت على مشروع تعديل قانون الاحوال الشخصية وبشكل خاص مع زواج القاصر وتستميت للدفاع عن اذلال اختها او جارتها وصديقتها بواجهات الدفاع عن مستقبلهن. انه التخلف ينتشر كالنار في الهشيم ويعاد انتاجه بسهولة وخاصة عندما تعالج الازمات الاجتماعية بغير اسبابها الحقيقية.

 

لا لتأصيل سلوك الكراهية

بين مكونات المجتمع العراقي

 

د.عامر صالح

 

في البداية يمكن القول ان الكراهية خطاب ذو طاقة انفعالية سلبية تلغي مكانة العقل وقدرته على التحكم منطقيا في الاحداث التي تجري في البيئة القريبة او البعيدة, وهو خطاب رافض للآخر ويسقط كل السلبيات على المختلف ويدعي لنفسه كل الايجابيات وهو يدافع عن العنف الذي يمارسه ضد الآخر ويرفض كل محاولات الدفاع عن النفس من قبل الآخر. وللتفصيل سأضع التعريف الآتي لخطاب الكراهية من عدة مراجع:    

كل ما يشتمل إساءة أو إهانة أو تحقيراً لشخص أو جماعة من منطلق انتمائه أو انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو السياسية أو بسبب اللون أو اللغة أو الجنس أو الجنسية أو الطبقة الاجتماعية أو الانتماء الإقليمي أو الجغرافي أو المهنة أو المظهر أو الإعاقة هو خطاب كراهية ، وكل ما يشتمل تحريضاً أو قولبة لجماعة في إطار يثير التهكم والسخرية أو تقليلاً من قدر جماعة واتهاماً لها بالنقص والدونية وكذلك كل تبرير للعنف ضد جماعة ما وكل تعبير عن التميز والتفوق على الآخرين لأسبابٍ عرقية أو ما شابهها, وكل ما يشتمل معاداة للمهاجرين أو الأقليات أو تحريضاً على منعهم من الإقامة في مدن أو أقاليم بعينها وكل ما يشتمل اقتباسات وإحالات وإشارات فيها ازدراء أو تقبيح لجماعة عرقيّة أو جغرافيّة أو دينية، وكل تزييف أو تزويرأو تحريف للحقائق وكل استعارة أو تعبير مهين, وكل خطاب يفرّق ولا يجمع، لا يصل بل يقطع، هو خطاب كراهية.                                                                                                                                   

لم تكن الأزمة المستفحلة بين أقليم كردستان والحكومة الاتحادية هي أزمة مكوناتية في المجتمع العراقي كما يراد للاعلام التخريبي والطائفي الشوفيني تصويرها وإعطائها بعدا متأصلا بين المكون الكردي والمكون العربي بشكل خاص وكذلك بين المكونات الاخرى, بل ذهب البعض بعيدا لإضفاء صفة الثبات المطلق على السلوك التقهقري الطائفي والشوفيني واعتباره لصيق في الشخصيتين العربية والكردية, واعطاء انطباع مشوه أنه لا يمكن التعايش بين مكونات المجتمع العراقي, وان الصراع الدائر اليوم بين " مكونات المجتمع العراقي " هو صراع غير قابل للتعديل واعادة الصياغة, أو أنه ثابت كثبات الصفات الجسمية العامة القائمة على اصول الوراثة البيولوجية وقوانينها الاساسية. وقد اسهم الاعلام التضليلي الاصفر والجيوش الالكترونية الفيسبوكية المتحاربة من مختلف الانتماءات السياسية الطائفية والشوفينة برسم صورة قاتمة تهدد القيم الانسانية والديمقراطية في حق الاختلاف بوجهات النظر, وبأستخدام ابشع صور التعبير والحديث والتشنيع والفضح اللااخلاقي وانتهاء في التهديد بالقتل والتصفية الجسدية.

ولتأكيد وجهات النظر تلك يذهب الكثير من المحللين السيكواجتماعيين للأستعانة بالابحاث ذات الصلة بالسلوك والتي أجريت في اطار ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية سابقة وتعميمها على ظروف الحاضر, وكذلك الاستعانة بالابحاث الانثروبولوجيا الاجتماعية التي اجريت في حقب تاريخية ووسط احداث تاريخية كبرى, كالحروب والازمات, واعتبار ما ينتج اليوم من ازمات هو وليد ذاتي وكامن في شخصية المكونات وغير قابل للتعديل مهما اختلفت ظروف الحاضر وما يستجد من ظروف في المستقبل. 

ولعل ابرز ما يستخدم اليوم بين صراع مكونات المجتمع العراقي هو مفاهيم تأصل العنف في الشخصية العراقية دون غيرها, وازدواجيتها الأبدية في التعامل اليومي والسياسي, وفطرية العداوة بين العرب والكرد الغير قابلة للحل إلا عبر اجتثاث الآخر ونفيه والخلاص منه. ونظرا لتعقد الخلاف " العربي ـ الكردي " عبر تاريخ الدولة العراقية ومنذ تأسيسها, وعدم العثور على الحلول الانسانية والناتجة اصلا من غياب البنية السياسية والاقتصادية الحاضنة للمكونات, أصبح من السهل التعميم واللجوء الى الدراسات التي تأصل المشكلة وتبتعد عن الحل. وهو بالتأكيد عجز فكري ومنهجي لفهم السلوك الانساني. السلوك الانساني في معظمه نتاج الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية, وأن التأصل النسبي فيه هو ناتج من تأصل الظروف التي انتجته تاريخيا وحاضرا.

وكما أن السلوك الفردي قابل للتعديل ويخضع للقياس والتجريب عبر التحكم في الظروف التي انتجته, فأن السلوك المجتمعي والمكوناتي هو الآخر قابل للتحكم فيه واعادة ضبطه وانتاجه أو تغيره عبر التحكم بمجمل الظروف التي تنتج مختلف انماط السلوك. 

وعلى نسق الدراسات السيكولوجية التي تجري لدراسة الوحدات الانسانية المتماثلة بيولوجيا ولكنها تعيش في ظروف متباينة, والتي تؤكد ان حتى التوأم المتطابق والمتماثل عند عزلهما في ظروف مختلفة انتجت لنا سلوكيات وشخصيات متباينة, ولم يجمعها مشترك الا بعض الملامح العامة ذات الطابع الجسمي, وعلى نسق ذلك لو اخذنا توأم كردي أو غير توأم احدهما عاش في المناطق العربية وغير العربية, والآخر بقى في بيئته الأم, فعلى ماذا سنحصل من نتائج لاحقا, وبالمقابل لو فعلنا ذلك مع اطفال عرب وتركناهم يترعرعوا في بيئة كردية مثلا, عن ماذا سنحصل. نتائج ذلك هي التي تدفعنا للتدقيق بعوامل الاختلاف سواء على المستويات الفردية والاجتماعية.

 

التاريخ الانساني العالمي يحدثنا عن عداوات وكراهية واقتتال وتصفيات جسدية وجرائم ضد الانسانية بين ابناء الدين الواحد كما جرى للمسيحية تاريخيا, او الذي يجري اليوم في بقاع اسلامية بين المسلمين انفسهم, وكراهية اخرى بين الاوربين المتحاربين في الامس في حروب دموية توسعية ونفي لوجود الآخر من العرق والمكون نفسه, فالحروب الاوربية عبر التاريخ لم تخرج عن تلك القاعدة, وفي آخر حربين عالميتين دليل على ذلك, فأسباب الحروب والاقتتال بين المكونات المختلفة وداخل المكون الواحد هي اقتصادية سياسية فكرية تعكس مستوى ادنى من مراحل التطور الانساني, وتتلبس فيها الاديان والاعراق كواجهات لديمومة الحرب واضفاء قدسية على المتحاربين. 

الصراع " العربي ـ الكردي " او المكوناتي اليوم هو امتداد للصراع السياسي الذي ارتبط بنشأ الدولة العراقية وخطابها السياسي والاجتماعي, فهناك حروب وهناك محطات تهدئة, وهناك محاولات لأبرام او انتاج عقد اجتماعي, وهناك فرط للعقود, وجميعها ارتبطت بمديات الصدق وسقفه للتعايش مع الآخر, والكل لم يرتقي الى حل الأزمة حلا جذريا بسبب غياب الخطاب الانساني الجامع لدى المكونات, وبشكل خاص بين " العربي والكردي ", فكلا الخطابين بقى متمترسا في اطار شوفينيته القومية ممثلا باحزابه وقياداته " التاريخية " والذي بقى محصورا في أروقة قبلية وشوفينية تعصبية. 

وقد لعب نسبيا الخطاب الانساني والاشتراكي العالمي والذي تبنته قوى عربية وكردية يسارية واخرى تقدمية اجتماعية دورا كبيرا في خلق مزاج ايجابي تقبلي للآخر استطاع التأثير في خلق اتجاهات قيمية نحو الاعتراف بوجود الآخر المغاير في الانتماء القومي وحقه في تقرير مصيره, ولكنه بقى محصورا ومطاردا جراء هيمنة القرار السياسي والسلطات الشوفينية في المركز وتمركز الثروة والسلاح بيدها, الى جانب بقاء المجتمع الكردي اسير الاستقطاب القومي الشوفيني والقبلي.

اليوم يعاد نفس خطاب الكراهية المؤسس على الطائفية والمذهبية والشوفينية والتعصب, ولكن خطورته تكمن في الجانب المؤسساتي والدستوري, الذي ساعد على انتاجه, والذي ساهمت في صياغته الاطراف المتحاربة اليوم ولنقل " بغداد ـ اربيل ", حيث لم تستقرئ القوى المتحالفة المستقبل وخطورته, بل استقرأت مصالحها الانانية الضيقة في اقتسام السلطة والثروات بعيدا عن النظر الى الوحدة الوطنية التي تجمع تلك المكونات, فكان للطائفية السياسية نصيب في الاستحواذ على سلطة المركز والثروة, كما وجد ممثلي القومية الكردية ضالتهم في الدستور للحصول على مكاسب سريعة ومن هنا لم ينتج الدستور عقدا اجتماعيا يحفظ المكونات وسلامتها الداخلية والخارجية, بل انتج خطابا اجتماعيا محاصصتيا مولدا لأزمات مستديمة تهدد سلامة الدولة والمجتمع. ومن هنا تأتي ضرورة العمل جديا اذا كانت هناك حقا ما تبقى من فرصة سانحة لتفويت الفرصة على اعادة انتاج خطاب الكراهية على نطاق مجتمعي اوسع مما حصل, والمساهمة الفعالة والنزيهة في انتاج خطاب وطني عابر للطائفية والاثنية, ويجب ان يمر من خلال ما يأتي:

ـ الاصلاح الشامل لأعادة بناء العملية السياسية من خلال اعادة صياغة الدستور على أسس واضحة بعيدا عن الازدواجية والغموض فيه.

ـ التأكيد على النظام الفدرالي بشكل واضح لا لبس فيه في اطار وحدة العراق, وضمان حقوق الشعب الكردي الى جانب المكونات الأخرى.

ـ العمل على اعادة صياغة قانون الانتخابات بما يضمن حقوقا متكافئة للجميع للمساهمة في العملية الانتخابية والديمقراطية.

ـ التأكيد على فصل الدين عن الدولة ومنع نظام قائم على اساس الدين او الطائفة او العرق.

ـ الأعمار السريع لكافة المناطق التي تضررت من الارهاب واحتلاله واعادة النازحين والمهجرين ومساعدتهم ماديا ومعنويا لعودتهم للحياة الطبيعية.

ـ مكافحة الارهاب وتجفيف كافة منابعه ومصادر تغذيته المادية والفكرية, والقضاء على المظاهر المسلحة غير الرسمية والمليشيات المسلحة.

ـ تأكيد سياسة العراق الحيادية والابتعاد عن المحاور الاقليمية المتصارعة وتجنب كافة اشكال الدعم الخارجي التي تكبل السيادة الوطنية.

 

أن الديمقراطية الحقيقية غير المحاصصاتية الطائفية والشوفينية هي التي تنقل العراق الى بر الأمان وتعيد انتاج الخطاب الوطني المتصالح مع الذات ومع الوطن.  

 

خطاب الكراهية بين جذوره

 الفردية واسبابه السوسيوسياسية

 

د.عامر صالح

 

أشتد خطاب الكراهية في السنوات الاخيرة في مجتمعات عدة في العالم, واكثرها وضوحا في العالم العربي والاسلامي بصورة عامة وفي المجتمعات ذات التنوع القومي والاثني والديني وما يتبعه من مذهبي, وبعد ان كنا نتغنى ونفتخر لهذا التنوع الجميل ونعتبره فسيفساء جميل يرفد الثقافة الوطنية والمجتمع بمصادر التنوع والثراء ويعبر عن التسامح في التعايش وقبول الآخر المختلف, أصبح اليوم من الاسباب التي تهدد السلم المجتمعي وينذر بتفكيك المجتمعات وانكفائها دينيا ومذهبيا وأثنيا. وبالتأكيد فأن الاسباب لا تكمن في ذات التنوع, بل في مجمل السياسات والمنعطفات الخطيرة التي تمر بها المجتمعات العربية والاسلامية, والتي ادت في مجملها الى تحويل هذا التنوع الى مجموعات منعزلة تلغي بعضها الآخر عبر التكفير والترهيب والقمع وعدم الاعتراف بالمكونات المجتمعية المختلفة في المجتمع الواحد !!!.

 والكراهية كما ترد في احدى تعريفاتها بأنها المشاعر الانسحابية التي يصاحبها اشمئزاز شديد, نفور وعداوة أو عدم تعاطف مع شخص ما أو شيء أو حتى ظاهرة معينة, تعزو عموما إلى رغبة في تجنب, عزل, نقل أو تدمير الشيء المكروه, يمكن أن يبنى على الخوف من غرض معين أو ماضي سلبي نتج عن التعامل مع ذلك الغرض, يمكن للناس أن يشعروا بالنزوع أو المشاعر أو الأفكار التي تستلزم الكره, كعلاقة الكره والحب. أحيانا يستخدم لفظ " الكراهية " عرضا للمبالغة في وصف شيء لا يطيقه شخص ما, مثل شكل معماري معين, حالة طقس, وظيفة معينة وحتى بعض أنواع الطعام. وتستخدم كذلك لفظة الكراهية لوصف إجحاف أو حكم مسبق, تعصب أو إدانة تجاه فئة أو طبقة من الناس وأعضاء هذه الفئة, والكراهية العنصرية والقومية والدينية والمذهبية والسياسية هي من اخطر أشكال هذه الكراهية ومن الممكن أن تسبب في تدمير كل البشر إذا استقرت وتحجرت في عقول الكارهين بدون حل لشفرتها ومسبباتها ووضع برامج شاملة لردعها وحصرها في نطاق محدود !!!.

 وإذا كان العنف باعتباره المظهر الصارخ في التعبير عن كراهية الآخر, والذي يقترن باستخدام القوة الفيزيائية, فهو ذلك الآفة الاجتماعية المانعة للوحدة المجتمعية والمحرضة على شيوع القسوة بين الناس ومنع المودة وزرع الأحقاد الفردية والجماعية بين مكونات المجتمع الواحد بكل تنوعانه السياسية والمذهبية والاثنية, وهو لم يكن بشكله هذا يوما ما فطريا ومتأصلا في الطبيعة الإنسانية, بل هو نتاجا معقدا لمنظومة من العوامل الاجتماعية والتربوية والحكومية والإعلامية, والتي تعمل جاهدة في صياغة عقل وحيد الجانب لا يرغب في المعايشة والتكيف مع التنوع الفكري والعقلي والثقافي في البيئة المحيطة, ومن هنا صح قول عالم النفس السلوكي " سكينر " إن العنف يبدأ في الرؤوس قبل استخدام الفؤوس.

 وإذا كانت الكراهية في بعض الأحيان مزاجا كامنا غير معبر عنه في العلن بسلوكيات مطابقة له, فأن العنف العيني باعتباره معبرا عن الكراهية بأساليب مختلفة يعتبر لغة التخاطب الأخيرة مع الواقع ومع الآخرين حين يحس المرء بالعجز عن إيصال صوته بوسائل الحوار العادي في ظل ظروف بيئية غير مواتية للحوار المتبادل يسودها الاحتقان وعدم احترام حرية الرأي والرأي الآخر. والعنف من الناحية النفسية هو صورة من صور القصور الذهني حيال موقف معين, والعنف وجه آخر من أوجه النقص التقني في الأسلوب والإبداع في حل ومواجهة معضلة وقد يصل العنف لمرحلة الانهيار العقلي والجنون " فصام العقل " كما قد يكون وسيلة من وسائل العقوبة والتأديب أو صورة من صور تأنيب الضمير على جرم أو خطيئة مرتكبة ولن يتعدى في كل أحواله القصور الذهني والفكري لدى الإنسان وهو في حالة من حالاته اضطراب في إفرازات الغدد الهرمونية في جسم الفرد وعدم تناسب أو انتظام في التوزيع الهرموني داخل الجسم الذي قد ينتج أحيانا عن سوء في التغذية أو سوء اختيار نوعيتها.

 ومن الناحية النشوئية والإنمائية يرى علماء النفس أن الطفل لا يكون قادرا على إتيان أفعال الخير أو الشر إلا بعد أن تشكل الأنا وينمو الوعي بالذات لديه, وطالما لم يكن للأنا عنده معنى ظلت أفعاله محايدة من الناحية الأخلاقية, لا تقبل إصدار أي حكم أخلاقي بشأنها, بحيث يمكن القول أن للطفل طبيعة, ولكنه لا يمتلك مزاجا أخلاقيا. إن الخير والشر هما من  الإمكانيات التي تنطوي عليها طبيعة الطفل, ومع تنامي الوعي بالذات تنتقل من الإمكان إلى الفعل, وتفصح عن نفسها في شكل سمات المزاج الثابتة نسبيا. حينئذ فقط يمكن القول عن الشخص بأنه فاضل أو رزيل, عدواني ومسالم, ويصبح الخير أو الشر وظيفة من وظائف الأنا. ويتوقف تشكل هذه الوظائف ونموها على طبيعة التنشئة الاجتماعية التي خضع لها الطفل, فقد تكون من النوع الذي يساعد على تنامي هذه السمة أو تلك أو من النوع الذي يحول دون ذلك !!!.

 

وتتأثر عملية التنشئة الاجتماعية بمنظومة من العوامل المتشابكة والمتداخلة, ابتداء من ولادة الطفل ونشأته الأولى في البيت والأسرة متأثرة بعوامل مختلفة كالقسوة وعنف التربية والحرمان الطفولي في إشباع الحاجات المختلفة النفسية منها, كالأمن والأمان والاحترام والاستقلالية, وكذلك الحاجات المادية من تغذية مناسبة وملبس وسكن و الخلو من الإمراض المزمنة وغيرها, ثم الدائرة الثقافية والبيئية ومدى غنائها بعوامل التنشئة الايجابية أو العكس, مرورا بالنظام التربوي والتعليمي باعتباره المصدر لمنظومة القيم والاتجاهات السلوكية المختلفة, ومدى إمكانياته في الاعتراف الفعلي بالشخصية الإنسانية وتنميتها على روح الحوار البناء وتقبل الآراء المغايرة, وكذلك تتأثر عملية التنشئة الاجتماعية بعوامل القهر الاجتماعي العام الذي يتعرض له الأفراد, من اغتصاب للحقوق وعدم تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وعدم احترام الأقليات الدينية والعرقية والسياسية والفكرية, وجميعها عوامل مولدة للعنف والعدوان والشر على نطاق واسع وعلى المستوى الفردي والاجتماعي وبمدى خطير يصعب التنبؤ بنتائجه الضارة. ومهما تكن أسباب العنف ودوافعه فهو فعل سلوكي مرفوض حضاريا وأخلاقيا وسلوكيا واجتماعيا, وهو مؤشر خطير للتفكك الاجتماعي وزرع الخوف والقلق في الطرف الآخر الذي يقع عليه فعل العدوان, إلى جانب كونه وسيلة منبوذة لحل المشكلات لأنه يخلق عنفا مضادا فتتسع دائرة العنف كالنار في الهشيم في كل ثنايا ومكونات المجتمع !!!!!.

 

أما بالنسبة لثقافة العنف والكراهية في مجتمعاتنا العربية والاسلامية اليوم وعلى المستوى الفردي والمجتمعي والسياسي فهو لا يخرج عن الإطار العام الذي تمت الإشارة إليه, ولكن بخصوصية أعمق وتركيز شديد هو نتاج معقد لمنظومة العوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والتي ألقت بضلالها الكثيف في تشكيل هذا السلوك المعرقل لنهضتها في مختلف المجالات. فإذا استثنينا العمق التاريخي ـ الثقافي في نشأة العنف والعدوان والمتمثل في الصراعات السياسية منذ نشأة الدولة الإسلامية الكبيرة والصراعات التي جرت في أكنافها, وحتى ما قبل ذلك التأريخ, والتي أسست للعنف والعنف المتبادل والتي أدت في مجملها إلى انقسام الأمة الإسلامية والعربية إلى فرق وأحزاب متقاتلة, والتي لا زالت آثارها ماثلة ومؤثرة بشدة اليوم في حاضر الأمة ومشهدها السياسي, وإذا أبعدنا أيضا عن السياق جوهر تأثيرات المجتمعات العربية الأبوية البطريركية وتأسيسها للعنف والتسلط ضد المرأة الزوجة والمرأة الإنسانة والأخت, وإشاعة قيم الذكورة التي تنزل القصاص بقيم الأنوثة وتفرض قيودها وقيمها كيف ومتى ما تشاء, وتفرض قيم الإكراه والقسر والتقيد وعدم المساواة بالعنف والقوة, وهو نقيض قيم المساواة والرحمة, وجميعها تؤسس للعنف وإعادة توليده في رحم الأسرة أولا, ثم لاحقا وعلى أساسه في عقول أفراد المجتمع وقياداته, فأن العنف في العقود الأخيرة نشا مستشريا على خلفية فكرية ودينية وسياسية, وهو ذو أبعاد جمعية خطيرة لرسم صورة المستقبل !!!!.

 

لقد سيطرت لعقود طويلة حكومات عربية ذات طبيعة اقصائية متمثلة بحكومات الحزب الواحد ذو المسحة القومية الشوفينية والوطنية الزائفة والبعض منها متلبس بلباس الدين, وقد شنت حروبا داخلية ضد كل الأفكار والتنظيمات السياسية المغايرة لتوجهاتها, مستخدمة ذرائع الحفاظ على الوطن والوطنية وانجاز " التنمية " الاقتصادية والاجتماعية تحت قيادتها التاريخية والحكيمة والمخلصة للوطن هي وحدها فقط, مما حصر وكرس مفهوم الوطن والوطنية والبناء الاجتماعي بجهة سياسية واحدة تدعي المقدرة الفريدة في قيادة المجتمع, وقد ترتب على ذلك القيام بحملات العنف والاعتقال والإبادة الجماعية لكل من يخالفها في الآراء والتوجهات السياسية وتخوين المعارضة السياسية والتشكيك بوطنيتها وزجها في غياهب السجون والمعتقلات, مما أسست إلى ظاهرة العنف والعنف المتبادل لحماية النفس من قبل الطرف الآخر الضحية. وقد لعبت لديها الهواجس الأمنية وافتعال الأعداء في الداخل والخارج جل اهتمامها مستنزفة موارد البلاد المالية لزرع الرعب والتنكيل بالشعب لأغراض البقاء في الحكم مهما بلغت تضحيات الشعب, كما استخدمت كافة قدراتها الحكومية من مؤسسات إعلامية ومنظمات سياسية رسمية موالية لها وحتى مؤسساتها الدينية من اجل تعبئة الناس وغسل أدمغتهم لأغراض احتكار السلطة والبقاء فيها وإشاعة الفساد الإداري والأخلاقي والمالي وممارسة الالتفاف والتلفيق والخداع والكذب كآلية للبقاء في الحكم, وخلق منظومة قيمية موالية لمنظومة الحكم, مما أدى هذا إلى خلق حالات من الكراهية والعنف بين شرائح المجتمع المختلفة, وخاصة بين الشرائح المنتفعة من النظام والشرائح الأخرى المتضررة  منه !!!.

 

كما يلعب اليوم الخطاب الديني المتطرف بشقيه التكفيري والسياسي دورا خطيرا في زرع الكراهية والعنف بين شرائح المجتمع, سواء من ذات الدين الواحد عبر إشاعة الفرقة بين طوائفه ومذاهبه المتنوعة, وكذلك بين المجتمع المتعدد الديانات عبر فرض أجندة دينية وسياسية ـ دينية وحيدة الرؤى, مما يحرم الآخرين من حق التمتع بممارسة حقوقهم الدينية وحريتهم في المعتقد, و يخلق بيئة مواتية للعنف والعنف المضاد تراق فيه دماء الملايين من مختلف الأديان والمذاهب والطوائف المختلفة. وبما أن الكراهية والعنف منبوذ ومدان في كل القيم والأديان السماوية وغير السماوية فأن اللجوء إلى تأويلات متشددة ومتحيزة ومزاجية بل ومصلحيه للنص المقدس وللأحداث التاريخية والافتراضات العبثية لنيات الآخرين المغايرين في الدين أو المذهب واستحضار الجانب المؤلم والمشكل في التاريخ, ويجري هذا متزامنا مع الفتاوى التي تصدر يوميا في الخفاء والعلن من دعاة الدين لأيقاظ وإلهاب روح الكراهية والتحريض والعنف بين الناس وضرب وحدتهم الوطنية في الصميم, وهكذا يتحول العنف من قيمة منبوذة في الدين والسياسة إلى واجب ديني " الهي " وسياسي له الأولوية في عقول المتطرفين على بناء الوطن ونهضته. وقد لعبت آثار ما يسمى " بالربيع العربي " دورا تخريبيا في اشعال نار الفتنة الدينية والمذهبية بين ابناء المجتمع الواحد, وزج هذه المجتمعات في آتون الصراعات الاقليمية ذات الصبغة الطائفية المدمرة !!.

 

و كذلك نظرية المؤامرة في السلوك اتجاه الآخر هي الأخرى تؤسس للكراهية والتحامل والعنف بين أفراد المجتمع الواحد, وكذلك في النظر إلى العالم الخارجي, دول ومجتمعات وأفراد, وقد نشأ سلوك المؤامرة في داخل المجتمعات الذي تجسده انعدام الثقة بالآخر والشك في نية أفعاله حتى وان كانت  "حسنة " على خلفية انعدام الثقة التاريخي بين النظام السياسي وبين الشعب بصورة عامة, وبين النظام السياسي والأحزاب السياسية خارج النظام, وينشأ نتيجة لذلك فكرا وسلوكا إسقاطيا, أي ما أفكر به أنا هو الصحيح وأتوقعه من الطرف الاخر وبالتالي يجب أن أقوم بضربة استباقية قبل أن يبدأ بها الطرف الاخر, مما يعزز اتجاه الكراهية والعدوان بين المنظومة المجتمعية بمكوناتها المختلفة !!!!.

 

 ويشكل تدهور الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من الأسباب القوية في زرع الكراهية والعنف في البنية المجتمعية, فانتشار الفقر وتدني مستوى الحياة وضعف الخدمات الاجتماعية من صحة وخدمات عامة, وكذلك ارتفاع نسبة الأمية الأبجدية والحضارية بين مختلف الفئات الاجتماعية وخاصة الفقيرة منها, واستشراء  الفساد بمختلف مظاهره الإدارية والمالية والأخلاقية, وغياب العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات الوطنية واستئثار الحكم وحاشيته بالثروة الوطنية, جميعها عوامل تأسس للكراهية والحقد والعنف بين مكونات المجتمع !!!!.

 أن النف والكراهية الناتجة من الأسباب المجتمعة و المذكورة أعلاه تفضي إلى اضطراب في منهجية التفكير النقدي البناء وقصور في الفكر الجدلي الذي تجسده حالة العجز في الجمع في سياق واحد بين الأوجه الموجبة والأوجه السالبة, والعجز في الجمع بين المميزات والعيوب لمسألة ما سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية وسيطرة المستوى السطحي من التفكير الذي يشكل قناعا يخفي الحقيقة, وإطلاق الأحكام القطعية والنهائية بشكل مضلل, وطغيان الانفعالات وما يرافقها من نكوص على مستوى العقلانية والعودة إلى المستوى الخرافي, والى الحلول السحرية والغيبية, والى الإرهاب باعتباره واجبا " مقدسا " أو حلا قسريا للأزمة النفسية والسياسية.

 ومن هنا تأتي أهمية العمل على أكثر من صعيد وعلى أكثر من جبهة للحد من العنف وسلوك الكراهية, وخاصة في ظروف التغير العاصف الذي يمر به اليوم العالم العربي ولكي لا نخسر ما تبقى لنا, فهناك جبهة بناء المؤسسات الديمقراطية, وجبهة إعادة البناء الاقتصادي والتأسيس الحديث للبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية, وهناك جبهة الإعلام والتركيز على ما هو مشترك وايجابي بين الأديان وشعوب المنطقة, وكذلك الجبهة التربوية والتعليمية وإعادة بناء نظم التعليم على أسس الحداثة ومعطيات العلم والتقدم التقني, وهناك أيضا إعادة صياغة لعلاقة الدين بالدولة بما يؤمن احترام الدين وعدم استخدامه في السياسية وكذلك إعلان القطيعة مع كل موروث مسبب للفتنة ويسئ للمبادئ العامة للدين ووظيفته الفطرية.

 

استفتاء كردستان ..

نعم مع حق الشعب الكردي

في تقرير مصيره ولكن !!!

 

د.عامر صالح

 

من المسلمات البديهية لدى شرائح اجتماعية وسياسية وثقافية وقانونية وقضائية واسعة في اوساط الشعب العراقي الى جانب احزاب وقوى تقدمية, أن حق تقرير المصير للشعب الكردي بصورة عامة هو حق لا جدال فيه انطلاقا من المواثيق الدولية والفلسفات الانسانية الداعية الى احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها وحتى إقامة كياناتها المستقلة استنادا الى خصوصيتها العرقية والاثنية وحتى الدينية, وخاصة عندما تتعرض الى الانتهاك او الابادة الجماعية او الاحتلال, وعدم السماح بانفراد مكون وتسلطه على مكون آخر, وعلى خلفية ذلك قدمت الكثير من الاحزاب التقدمية والوطنية العراقية  الكثير من التضحيات الجسام, سواء في الارواح أو تحمل شتى صنوف القهر والتعذيب والمضايقات والهجرة والتهجير وفقدان المستقبل, راح ضحية هذا النضال خيرة من سياسي ومثقفي وعامة من المناضلين والذين آمنوا حقا بحق الشعب الكردي بتقرير مصيره وادارة نفسه بنفسه, كان هذا في ظل عراق قبل 2003 والذي ساد فيه القمع والارهاب السياسي والتمترس الشوفيني وعدم الانصياع لحكمة العقل في أن العراق ليست مكون واحد ولا يمثله حزب واحد ولا دين أو مذهب واحد !!!. 

قبل عام 2003 لم يعيش العراق صراعا أثنيا أو دينيا أو مذهبيا بين مكوناته, بل ان الصراع كان سياسيا اجتماعيا له قوانينه الموضوعية مع نظام دكتاتوري قمعي لا يؤمن بالديمقراطية السياسية وقد اعتمد القمع والتهميش والشوفينية وسيلة لبقائه, وساهم النظام من خلال اضطهاده للمكونات المعارضة العربية والكردية وغيرها في تكريس حسا انكفائيا متزايدا بين شرائح واسعة في المكونات المختلفة بسبب تمادي القمع والاضطهاد وما رافقها من غياب للأمل في التغير.

بعد سقوط النظام السابق على يد المحتل الامريكي للعراق قام الاحتلال عبر طريقة الحكم بتكريس حالة الانكفاء المذهبي والديني والاثني من خلال نظام المحاصصة الطائفي والاثني مستخدما الولاءات للجماعات الفرعية, باعتبارها ردود افعال لسياسات النظام السابق,  وتحويلها الى نهج شامل بنيت عليه سياسة الدولة والمجتمع, مما اضعف من الديناميات الايجابية لعملية الصراع السياسي والاجتماعي في فرز القوى الحقيقية ذات المصلحة في التغير, وادخل المجتمع العراقي في طاحونة وتنازع كامل بين مكوناته وهوياته الفرعية وعزز من خطاب الكراهية بفعل غياب الخطاب الوطني الجامع والعابر للمكونات !!!. 

ومما زاد الطين بله ان معظم القوى السياسية التي أتت واستلمت الحكم بعد السقوط لم تحمل في غالبيتها مشروعا وطنيا عابرا للهويات الفرعية وخاصة الطائفية منها والاثنية, ان لم نقل انها لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالتداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات الحرة والنزيهة, وما صناديق الاقتراع بالنسبة لها الا وسيلة فرضها الاحتلال فرضا, وخاصة القوى الاسلاموية التي رأت في ذلك فرصتها الوحيدة والسانحة لاستغلال ظروف اليأس والاضطهاد السابق واضفاء الصبغة الدينية والمذهبية على الصراع الاجتماعي ولعرقلة الحراك الطبقي في المجتمع العراقي. وحتى القوى والاحزاب الكردية, وخاصة الرئيسية منها فلم يكن هاجسها الرئيسي بناء الديمقراطية ونظام التعددية الحزبية ودولة المواطنة, بقدر ما تعلق الامر في انتزاع الحقوق القومية الخالصة بطريقتها الخاصة, بعيدا عن الصراع الاجتماعي السياسي العام الذي يؤطر المجتمع العراقي كله, بل ان هذه القوى اختلفت فيما بينها حد التناحر والصدامات المسلحة الدموية عندما سنحت الفرصة والظروف الدولية بعد عام 1991 باستقلال اقليم كردستان !!!.

لقد ساهمت القوى السياسية الرئيسية الشيعية والكردية ثم السنية في تأسيس النظام المحصصاتي القائم وصاغت اركانه الاساسية وفي مقدمتها الدستور وكرسوا كل امكانيات التعبئة الحشدية للتصويت عليه واقراره " وخاصة القوى الشيعية والكردية ", ثم استمرت رحلة توزيع المناصب السيادية والوزارية ومختلف المناصب العليا في الدولة على أسس من المحصصات الطائفية والاثنية, والتي بدأت ادارة مجلس الحكم الانتقالي بالتأسيس لها, حتى باتت تقليدا ثابتا خارج الدستور: رئيس الجمهورية كردي, رئيس الوزراء شيعي, ورئيس البرلمان سني, ويتبع ذلك توزيع الوزارات والمرافق الحيوية واللجان الاختصاصية المختلفة داخل البرلمان وخارجه وصولا الى مفوضية الانتخابات ومنظمات حقوق الانسان وغيرها. 

 

وعلى هذا الاساس فأن اطراف المحاصصة الشيعية والكردية والسنية تتشبث ببقاء نهج السلطة وتقسيم غنائمها, وان كل ما يصدر من قرارات وقوانين وتشريعات عامة لا تخلو من نكهة الصفقات الطائفية السياسية والاثنية, واذا كانت الطائفية السياسية اشد وضوحا في التعبير عن نفسها, فأن التحالف الكردي لا يتوانى عن تكريسها, وقد ابتلى العراق جراء ذلك ومن اقصى جنوبه الى اقصى كردستانه بفساد ادراي ومالي ونهب للمال العام, تصدر العراق فيه دول العالم. وأن الطرف الكردي الذي  اعتبر في حينها المصادقة على الدستور انتصارا كبيرا للشعب الكردي, وخاصة بما يتعلق بالمادة 140 الخاصة بكركوك والمناطق المتنازع عليها ومواد اخرى ذات الصلة بصلاحيات الاقليم وعلاقته بالحكومة الاتحادية وتوزيع الثروات واعتبروه بديلا عن حلم الدولة الكردية, يتهم حكومة المركز بأنها طائفية وكأن طائفيتها وليدة الخلاف حول الاستفتاء, والجميع يعرف ان النظام السياسي في العراق طائفيا واثنيا محاصصاتيا منذ نشأته الاولى !!!.

واليوم ورغم تذمر التحالف الكردي من حلفائه في الحكم فهو لم ينطق بضرورة تغير او تعديل او اعادة بناء الدستور على أسس سليمة وتصحيح مسارات العملية السياسية " وهم قادرين على ذلك دستوريا ", وهي مطالب مشروعة للشعبين العربي والكردي والشعب العراقي بصورة عامة, طالب بها الحراك الاجتماعي المدني والعديد من الاحزاب والقوى الديمقراطية, فلم يتخلف التحالف الكردي أسوة باحزاب الاسلام السياسي على التصويت على قانون سانت ليغو الانتخابي " 1.9 و 1.7 " الذي يصادر اصوات الناخبين من الكتل السياسية والاحزاب الصغيرة, واذا كان الامر لايعني التحالف الكردي في مناطق وسط وجنوب العراق, فهناك في كردستان ما يقارب 16 حزبا, ولكن الكبيرة والمتنفذة منها هو حزبيين رئيسين فقط " الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني ". 

وتأتي الدعوة اليوم الى اجراء استفتاء كردستان والمزمع تنفيذه في 25 أيلول الجاري, والداعي الى تبيان رأي الكرد في مسألة الانفصال عن العراق من عدمه, ومن الناحية المبدئية فأن الحق لأي شعب ديمقراطيا أن يجري الاستفتاء, فهو أداة لأستقراء المزاج العام لشعب ما في مختلف القضايا المفصلية بما فيها الانفصال وتقرير المصير بغض النظر عن استخدام نتائج الاستفتاء في الممارسة العملية, ولكن خصوصية الاستفتاء الكردي ناتجة من انهم طرف اساسي في العملية السياسية ومساهم في بنائها وانتكاساتها, الى جانب اشكاليات اجراء الاستفتاء في ظل بيئة سياسية كردية تعاني الكثير من عدم الاستقرار والوضوح. ومن هنا لابد من خطوات مفصلية تسبق اجراء الاستفتاء ولعل ابرزها: 

ـ انتخاب رئيس جديد للأقليم بديل عن الرئيس الحالي المنتهية صلاحيته منذ سنتين.

ـ اجراء انتخابات برلمانية ديمقراطية في الاقليم واعادة تفعيل البرلمان الحالي والمغلق منذ فترة طويلة, وان يصدر قرارا من البرلمان بأجراء الاستفتاء.

ـ بدء المفاوضات والحوارات البناءة مع الحكومة الاتحادية والتي يشكل الكرد جزء منها, مع العلم هناك صعوبات جدية في الموقف من حق الشعوب في تقرير مصيرها لدى قوى كثيرة في الحكومة ومنها الشوفينية والطائفية, فلا يوجد في قاموسها شيء اسمه حق الشعوب في تقرير مصيرها بما فيه حق الانفصال.

ـ الالتفاف والتضامن والوقوف الكامل مع عملية الحراك الاجتماعي المدني والاحتجاجي التي ينهض بها ابناء ومناضلين الوسط والجنوب, وهذه الحركة اكثر تفهما مزاجيا وفكريا وسياسيا لمفاهيم الحق والعدالة وتقرير المصير ومحاربة الفساد.

ـ ان تكون القوى الكردية اليوم اكثر التصاقا من اي وقت مضى مع القوى الداعية الى بناء العملية السياسية من جديد على أسس اكثر ديمقراطية وليست محصصاتية.  

ـ القضاء الكامل على الارهاب وعلى داعش بوجه خاص والذي لازال يتحرك اخطبوطيا ويهدد أمن البلاد ويبحث عن متنفس له في بقع اخرى في العراق بما فيها كردستان, واعتقد ان الامن شرط لازم لبناء اي عملية دديمقراطية او القدوم على تنفيذ طموح ما, مثل الاستقلال وتقرير المصير وغيرها.

 

ـ ان تكون القناعة من وراء الاستفتاء قناعة خالصة بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره, وليست اداة للابتزاز وادارة الصراع مع سلطة المركز وما يخفي من وراءه صراع على الموارد المالية والطبيعية واقتسام مناطق النفوذ بعيدا عن حقوق الشعب الكردي المشروعة في الاستقلال والعيش الكريم والرفاهية وبعيدا عن الفساد الاداري والمالي الذي يعاني منه الاقليم الآن.

ـ الاستعانة بالمنظمات الدولية وخاصة الامم المتحدة لأجراء الاستفتاء لكي تكون نتائجه مصادقة عليها وملزمة للجميع, والابتعاد عن سياسات الاكراه والضغط والتهديد للمكونات الاخرى داخل المناطق المتنازع عليها, وتجنب سياسات فرض الامر الواقع عبر ضربات واجراءات استباقية, وهنا يمكن الاستعانة بالمنظمات الدولية والمدنية المستقلة لتقرير مصير المناطق المتنازع عليها.

اعتقد في الختام ان تعزيز الحياة الديمقراطية في العراق كله والابتعاد عن نهج المحاصصة, وفي كردستان بوجه خاص هنا في قضية الاستفتاء وتقرير المصير, هو الكفيل بتحقيق المطالب العادلة والمشروعة للشعب العراقي كله والشعب الكردي. واذا اراد الاكراد نهاية حقيقية لسايكس بيكو ورسم ملامح تطلعاتهم الحقيقة في الاستقلال فأن الديمقراطية هي الباب الاوسع لتنفيذ الطموحات, وإلا سيفشلوا كما فشل الطموح لتحقيق الوحدة العربية على ايدي اعداء الديمقراطية والقوى القومية العربية الشوفينية !!!.

 

تدهور نتائج امتحانات

البكالوريا في العراق للعام 2017

من منظور الازمة العامة للتربية والتعليم

 

د.عامر صالح

 

أثار تدني نتائج الامتحانات العامة البكالوريا للصفوف السادسة الاعدادي الكثير من التساؤول والامتعاض لدى الشارع العراقي وكذلك لدى الاوساط الرسمية التربوية والسياسية, وقد بلغت نسبة النجاح في الدور الاول 28.4% وهي نسبة خطيرة في تدنيها او هي كارثة حقيقية في تاريخ التعليم في العراق. وعقب ذلك اعلنت لجنة التربية في مجلس النواب عن استضافة مدير المراكز الامتحانية في الايام المقبلة بسبب تدني نسب النجاح لصفوف السادس الاعدادي بكل فروعه، فيما اشارت الى ان كل الظروف والمعوقات لن تكون سببا في هذا الهبوط التربوي. وقد صوت البرلمان العراقي لاحقا وفي يوم السبت والمصادف 19ـ8ـ2017 على قرار يمنح طلبة السادس الاعدادي فرصة تحسين المعدل !!!.

 

لا يمكن الحديث عن التعليم الاعدادي ونتائجه المنخفضة جدا بمعزل عن خلفية التعليم في المراحل التي سبقته, فالتعليم بمراحله المختلفة هو حلقة وصل وتأثير متبادل لما قبلها وبعدها, وبالتالي فأن طالب السادس اعدادي هو من مخرجات مرحلة المتوسطة والابتدائية, وان النظر الى مشكلة انخفاض التحصيل الدراسي وتدني النتائج النهائية بمعزل عن ذلك هو شكل من اشكال العبث والهروب من الاسباب الحقيقية التي ادت الى ذلك, لأن ازمة التربية والتعليم في العراق بكل مراحله هي ازمة متصلة, وان تدني التحصيل في التعليم الاعدادي هو انعكاس لتدنيه في المراحل التي سبقته ومؤشر لضعف الكفاءة الداخلية للنظام التربوي والتعليمي !!!.  

 

في دراسة تتبعية لأفواج الطلبة المسجلين في الصف الاول الابتدائي عام 2005 في العراق بلغ مليون تلميذ, اما الذين وصل منهم الى السادس الاعدادي وشاركوا في امتحانات عام 2017 بلغ عددهم 300 ألف طالب فقط, وهذا يعني ان العراق أهدربين متسرب من التعليم وراسب 700 ألف طالب, أي نسبة 70%, وحسب احصائيات وزارة التربية أن الطلبة الذين شاركوا بالامتحانات الوزارية ( البكالوريا )  عام 2017 لم ينجح منهم سوى 28.4% وهذا يعني أن فقط 84 ألف طالب قد تجاوزا السادس الاعدادي من مجموع المليون تلميذ الذين تم تسجيلهم في المدارس عام 2005 , وهذا يعني أن 916 ألف طالب وطالبة لم يتجاوزا السادس الاعدادي بفعل عوامل التسرب النهائي وترك الدراسة أو الرسوب لسنة أو اكثر في المرحلة الدراسية !!!.

 

هذه الانسيابية الضحلة بين مراحل التعليم العام المختلفة تشكل احد عوامل الاهدار البشري والمادي في التعليم حيث تكون مخرجات المراحل ضعيفة جدا يقابلها انفاق على التعليم بلغ في السنوات الاخيرة اكثر من 24 مليار دولار, ومن حق المرء ان يتسائل أين هي العوائد والفوائد من هذا الاستثمار المالي في هذا القطاع وأين هي مخرجاته الكمية والنوعية, وحتى من تواصل الى السادس الاعدادي فهذه هي نتيجته, فالمشكلة أكبر من تنحصر في نتائج أداء طلبة الصف السادس الاعدادي ونسبتهم الفقيرة.

 

لقد وقع نظام التربية والتعليم بعد 2003 أسوة بغيره من القطاعات الاجتماعية أسير للمحاصصة الطائفية والاثنية مما أخل بمهمة هذا القطاع الحيوي في التربية والاعداد وتركه فريسة للأجتهاد والفوضى وغياب فلسفة تربوية واضحة للنظام التربوي والتعليمي, الى جانب غياب فوضى في صياغة الاهداف التربوية للمراحل الدراسية المختلفة, والى جانب مالحق بالنظام التربوي والتعليمي جراء الاحتلال من تدمير وخراب شامل في مؤسساته التحتية من أبنية ومعدات ومختبرات ولوازم مدرسية وكادر تعليمي.

 

اليوم يعاني هذا القطاع من ازمة خانقة تتجسد في ابرز ملامحها: انعدام الابنية اللازمة والمهيئة تربويا للتعليم, ضعف الوسائل التعليمية من مختبرات ووسائل ايضاح واجهزة الكترونية مخصصة للعملية التعليمية, ضعف الكادر التدريسي وانعدام الحوافز التعليمية وعدم توفر الفرص الكافية لأعادة التأهيل وتجديد الخبرات, ضيق الفصول الدراسية بالدارسين من مختلف المراحل مما يثقل كاهل الطالب والمدرس في التركيز والاستفادة القصوى من الحصة الدراسية, التنقلات بين المدرسين وانعكاساتها على العملية التربوية, انتشار الدروس الخصوصية في مختلف المواد مما يرهق الطالب ماديا ويضعف عطاء المدرس في حصته المدرسية, عدم تغطية المدرسين لمفردات المنهج خلال العام الدراسي, غياب عنصر التشويق في المنهج الدراسي, ضعف صلة المنهج بحاجات الطلبة الحياتية, وضعف التنسيق بين المدرسة والمجتمع المحلي, انعدام الامن المجتمعي حيث الارهاب والقتل اليومي والاختطافات تعرقل حركة الدارس من والى المؤسسة الدراسية وغيرها من العوامل ذات الصلة المباشرة بالعملية التربوية.

 

وهناك عوامل اخرى خاصة بالطالب نفسه وبيئته المحيطة منها ما هو اقتصادي, حيث الطالب اليوم هو معيل في الكثير من الحالات لأسرته بسبب الفقر والعوز, او عدم تمكن الاسرة من الاستجابة لمتطلبات دراسة أبنائها مما يضطر الطالب على العزوف الكلي من الدراسة أو التأجيل, الخوف من الفشل وقلق الامتحان, عدم كفاية الوقت لبعض الطلبة, وصعوبة بعض الاسئلة الامتحانية, المناخ الامتحاني العام وما يسود في القاعات الامتحانية من اجراءات مشددة, انقطاع التيار الكهربائي في الساعات الامتحانية والدراسية العادية وخاصة في اجواء الحر الشديد, وكذلك المستقبل الغامض للطالب بعد انهاء المرحلة الدراسية حيث عدم الحصول على كلية او فرع للدراسة, وانعدام الجدوى من الدراسة في مجتمع كالعراق تزداد فيه بطالة الخريجين.

 

هذه بعض من العوامل التي تتحكم بالتحصيل الدراسي ونسب النجاح, ومن هنا يجب البحث موضوعيا في تدني مستويات النجاح التي وصلت الى حد يخجل منه تاريخ التربية والتعليم في العراق, بعد ان كان العراق يفتخر عالميا بمستويات انجازه التربوي والتعليمي, وكان يصدر الى الدول العربية خيرة كوادره لبناء انظمة التعليم هناك وسد الشواغر التدريسية !!!.

 

" دولة المؤمن الفاسد والمنافق "

 فرار محافظ البصرة مجرد غيض من فيض !!!

 

 د.عامر صالح

 

اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي قبل ايام وبعض القنوات الفضائية بنقل اخبار حادث فرار محافظ البصرة المدعو ماجد النصراوي الى ايران, والمنتمي الى الاسلام السياسي ـ تنظيم المجلس الاسلامي الاعلى, على خلفية تهم وجهت له بالفساد المالي والاداري. وقد تصدر العراق دول العالم في الفساد المالي والاداري, وصلت التقديرات المالية للفساد والاهدار المالي فيه الى ما يقارب الألف مليار دولار, يقابل ذلك دمار هائل في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويشكل نظام المحاصصة السياسي الطائفي والاثني الحاضنة والمتلازمة الرئيسية لهذا الفساد بكل ابعاده. ولم يستغرب العراقيون من فساد ماجد النصراوي بل من سيناريو هزيمته وغيره كذلك من الفاسدين, وعجز الدولة الكامل عن وضع حد لذلك ومحاسبة الفاسدين في الوقت المناسب قبل الافلات من وجه العدالة !!!.

 استشرى النفاق وازدواجية الأخلاق في ظل نظام المحاصصة الطائفية السياسية في التعامل اليومي في المجتمع العراقي وشكل بدوره عائقا كبيرا يهدد صفاء العلاقات الاجتماعية وحسن المعاملة والصدق مع الناس, كما ينخر بجسد المجتمع أفرادا ومؤسسات ودوائر ومنظمات حكومية ومنظمات شعبية ليلقي بظلاله السيئ على كل المنظومة القيمية مهددا مجتمعاتنا بمزيد من التدهور الأخلاقي والاجتماعي, حيث يضيق هامش الممارسة الصادقة الذي يبعث على الأمل في المستقبل, ويشد الناس إلى الإخاء والمودة ودماثة الخلق وحسن المعاشرة, ويرسخ منطق العدالة الاجتماعية في التعامل اليومي.

 وإذ نشير هنا إلى مفهوم "المؤمن الفاسد" فلا نعني به حصرا فقط على المؤمن الذي يعتنق إحدى الديانات السماوية أو غير السماوية ويبتعد عنها في الممارسة العملية, بل تشمل أيضا كل ما يعتنقه الفرد من أفكار ومعتقدات وإيديولوجيات سياسية ذات طبيعة أخلاقية واجتماعية واقتصادية ايجابية إلى حد ما استنادا إلى معاييرها المعلنة في الخطاب النظري, ولكنه في الممارسة العملية والحياتية يتصرف ويصوغ سلوكياته الفردية وحتى السياسية بالضد من هذا الخطاب, فيتحول هذا الفرد إلى " مؤمن فاسد " يعث في الأرض فسادا وظلما وجورا, متسلحا بتفسيرات ذاتية ومصلحيه للخطاب المعلن لإشباع رغباته الشخصية بما فيها القتل وفساد الأخلاق وحرمان الآخرين من حقوقهم, مستندا إلى سلطة ما " دينية, أو سياسية, أو اجتماعية أو مالية وغيرها " كغطاء تسمح له بذلك, ولذلك فأن المؤمن الفاسد ليست فقط من خرج عن دينه, وان كان الخروج عن الدين هو الفساد الأعظم كما هو شائع شعبيا, وبهذا قد يكون المؤمن الفاسد هو من المتدينين بلباس الدين وطوائفه, أو من دعاة القومية أو الوطنية وغيرها من الانتماءات !!!!.

 

النفاق في اللغة هو ضرب من ضروب الكذب والخداع والمكر والغش والرياء, وفيه يظهر المرء خلاف ما يبطن, أي إظهار المرء خلافا لما هو عليه في داخله, فهو يكتم أو يخفي شيئا ويظهر شيئا آخر, فينطوي موقفه على شيء من النفاق, والعمل ألنفاقي المتسم بالنفاق والدال عليه حين يقف المرء موقف نفاقي, فالمنافق يظهر خلافا لما يضمر أو خلافا لما هو عليه في واقع الحال, ويجب الحذر من المنافق وعدم تصديقه, والمنافق في الدين هو من يخفي الكفر ويظهر الإيمان ويتظاهر بالتقوى والورع والتدين, ولعل غزارة النصوص القرآنية حول النفاق والمنافقين ما يشير إلى خطورة هذه الظاهرة , فعلى سبيل المثال لا الحصر, وفي (سورة المنافقين: 4): ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإذا يقولوا نسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فأحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ), وكما قال النبي محمد : ( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب, وإذا وعد اخلف, وإذا اؤتمن خان), ولم يخلو دينا سماويا أو غير سماوي من إدانة للنفاق وممارسيه باعتباره سلوكا منبوذ اجتماعيا وأخلاقيا رفضته البشرية عبر مسيرتها الطويلة بعد إن ودع الفرد الغابة ودخل المجتمع الإنساني, والمنافق في الدين يظهر خلافا لما يبطن, كالسياسي المنافق, أو الشخص المرائي والمخادع والكاذب والذي يتظاهر على خلاف ما في باطنه.

 

ولعل ابرز ملامح الشخصية المنافقة هو: القدرة على المراوغة والتحايل والتقلب في المواقف, التشبث في الخطاب الديني أو السياسي أو الاجتماعي لإسناد تصرفاته المختلفة, الكذب المتواصل في الحديث وفي العلاقات الاجتماعية, خيانة الأمانة, الإخلاف في المواعيد, التحكم في الانفعالات وإظهار نقيضها بما يبعد عنه تهمة النفاق, يحاول المنافق الاهتمام بالمظهر الخارجي كجزء من سيكولوجيا الظهور لاختراق الوسط الاجتماعي الذي يتواجد فيه مقرونا بحلاوة اللسان وإجادة لغة الجسد كتعبيرات الوجه وحركات اليدين وغيرها من الصفات والصفات المضادة ذات الطابع التمويهي . وهناك الكثير من الإدانة للمنافق في الموروث الثقافي الشعبي  وتأكيد خطورته, فعلى مستوى الإدانة, عندما تسأل شخصا, ما هو الفرق بين الكلب والمنافق فأن الجواب يكون : أن ذيل الكلب في أعلى " مؤخرته ", وذيل المنافق في أعلى مقدمته "لسانه ", أما على مستوى خطورة المنافق فيقال : أن أفعى لسعت " منافقا " فتسممت...وماتت !!!!!.

 

أما النفاق في علم النفس فهو قد يكون صفة متلازمة من صفات شخصية الفرد وقد يطلق النفاق على حال ممارسته, وقد يشير إلى الفعل أو السلوك الذي يظهر فيه الفرد خلافا لما يبطن بداخله بمعنى التظاهر الكاذب بالفضيلة والتمسك في الدين, أو بأيديولوجية سياسية, أو بانتماء قومي أو وطني. وفي علم النفس هناك العديد من الحيل الدفاعية اللاشعورية يمارسها الإنسان لحماية نفسه من الشعور القاسي بالقلق والانزعاج, وهذه الحيل أو العمليات العقلية اللاشعورية كثيرة ومتعددة منها : الإسقاط والتبرير والتقمص أو التوحد والإزاحة العكسية والإبطال والإنكار والنسيان والإبدال والسلبية والرمزية والتقدير المثالي والتعميم والأحلام والعدوان والكبت والنكوص" أي العودة إلى الوراء إلى مراحل نمو سبق للإنسان إن تخطاها.

 

والنفاق هنا ينطبق على إحدى هذه العمليات العقلية أو الحيل الدفاعية اللاشعورية المسماة بتكوين ردة الفعل" التكوين العكسي " حيث يظهر فيها الإنسان خلافا لما يبطن, حيث يتظاهر الشخص الملحد بالتدين الشديد, والرجل شديد  البخل يتظاهر بالكرم الشديد, والموظف المرتشي يتظاهر بالأمانة المطلقة, والإفراط في الاحتشام كرد فعل لرغبات جنسية مكبوتة, ومهاجمة التفكير الخرافي كرد وتكوين عكسي للأيمان به, والإفراط في الحب كتكوين عكسي للكراهية الشديدة, والإفراط في الضحك نرد فعل عكسي لمصيبة ما, وان هذه الآليات تبدو منطقية بمقدار, ولكنها تشكل ابرز ملامح "شخصية المؤمن الفاسد " عندما تشكل السمة الغالبة والطاغية في سلوكه اليومي !!!!.

 أن "المؤمن الفاسد" فردا كان أم دولة أم كيان سياسي حين يفقد المرجعية بأهمية الخطاب الأخلاقي والديني والسياسي في العلاقات المحيطة بة وفي الأحداث الجارية يتحول إلى كيان مراوغ يفتقد إلى ابسط مقومات الأخلاق في السياسة وفي الدين وفي السلوك العملي ويتحول إلى كيان بهيمي ينشد المصلحة الذاتية والغريزية ويبتعد كل البعد عن منطق العقل وتكون صلته بعالم الغابة أكثر من صلته بعالم الإنسان وطموحاته ومستقبله, ويلهث وراء تبريرات لسلوكه, وهكذا يكون "المؤمن الفاسد" بمثابة القوة المدمرة لكل المنظومة الأخلاقية في السياسة والسلوك !!!.

 وينخرط " المؤمن الفاسد " في منظومة الفساد المجتمعية: الاقتصادية, والإدارية والمالية, والاجتماعية, والأخلاقية, والثقافية وحتى الدينية وغيرها من منظومات الفساد المختلفة, عبر مختلف أعراض ومظاهر الفساد وأساليبه وألوانه المختلفة, من محسوبية ومنسوبيه, وبيروقراطية إدارية, واستغلال المنصب العام, والغش والتزوير, والنصب والتحايل وسرقة المال العام, والفساد الأخلاقي والقيمي وتغير معالم الثقافة الوطنية ورموزها والتجاوز على الرموز الدينية والإخلال بسمعتها.

 وإذا كان " المؤمن الفاسد " ذو الأطر الإيديولوجية والسياسية غير الدينية يخضع بعض الشيء إلى عمليات تعديل السلوك الناتج من ضغوطات دوائر الانتماء الصغيرة المطابقة لعقيدته والاستجابة لضغوط القيم الوضعية والمتمثلة بقيم الحياة, من حياء واحترام للعلاقات الاجتماعية, فقد يبدو خجولا ومتئنبا في بعض من ممارساته, إلا إن " المؤمن الفاسد " والمتلبس بلباس الدين لا يعبه كثيرا بدائرة علاقاته القريبة, بل يسعى جاهدا لإضفاء الشرعية الدينية على فساده المالي والأخلاقي وغيره من مظاهر الفساد عبر البحث عن واسطة " مطمئنة " بينه وبين السماء, ويلجأ هنا إلى مرجعياته ومشايخه الدينية لانتزاع الفتاوى المبنية على تفسيرات تلوي عنق الحقيقة لمصلحة استمرار النفاق والفساد وإعادة توليده ونشره " كقيمة عليا " وكبديل عن قيم التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة, بل الكثير منهم يحصل بعد تزكية ماله الحرام " دفع الزكاة " لمرجعيته على اعتراف من سلطته الدينية بأنه من  " الخواص ", وبالتالي له الحق في  العبث بالمال العام أينما وجد وسبي أعراض العوام وانتهاك حرمتهم.

 

 

أما دولة "المؤمن الفاسد" والمتوحدة مع مواطنها " المؤمن الفاسد " إن كانت بلباس ديني أو قومي أو وطني عام, فهي دولة المعتقلات والسجون والاستبداد ومصادرة الحريات الشخصية والعامة على طريق استعباد مواطنيها وتحطيم نفسيا تهم وإذلالهم, وتجري هذه الممارسات بواجهات مختلفة ومبررات وهمية, منها على سبيل المثال, إن هناك خطر خارجي قادم يهدد الأمن القومي والوطني مما يستدعي "تعبئة الجهود ومصادرة الحريات" لأنها عائق أمام ذلك, أو أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحفاظ على اتجاهاتها لا يحتمل تعدد الآراء والتنوع السياسي وبالتالي فأن القمع والحد من المعارضة السياسية هو من مؤشرات نجاح التنمية وملازم لها وضمانتها الأكيدة !!!!.

 

أن دولة " المؤمن الفاسد " هي الدولة القمعية والدكتاتورية والتي تعتمد على إيديولوجية قومية أو وطنية أو دينية تبرر فيها كل سياساتها وتصرفاتها, وتحاول بكل جهودها ترك الانطباع لدى الشعب أن ما يجري في داخلها من إرهاب, وقمع للحريات هو خدمة للأمن العام وإنقاذ البلد من التهديدات الخارجية والداخلية, إنها الدولة الكاريزمية التي يجسدها قائد الضرورة, أو الأب القائد, أو القائد الملهم, أو حجة الإسلام والمسلمين وآية الله العظمى أو حبيب الشعب, والتي تعكس في مجملها الزعيم الأوحد قائد الحزب والدولة والمؤسسة العسكرية والمؤسسة الإعلامية وراعي السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية بدون منافس, والذي تجتمع بيده كل هذه السلطات لاستخدامها في البطش والتنكيل والقسوة عندما يقتضي الأمر وفرض حالة الطوارئ عند الحاجة أو إطلاق شيء من الحريات العامة عند الضرورة !!!!!.

 

ومن الضروري الإشارة هنا أن دولة " المؤمن الفاسد " ذات الصبغة القومية أو الوطنية وبفعل تمرسها عبر عقود من الزمن, واستنادا إلى خلفية نشأتها الأولى القائمة على مقارعة الاستعمار وانجاز الاستقلال الوطني حافظت بهذا القدر أو ذاك على ما يسمى " بمناطق العفة " في بعض القطاعات الاجتماعية وعدم المساس بها كليا أو إفسادها, لأن التطاول على هذه القطاعات يعني ما يعنيه إدخال الدولة والمجتمع في عنق الزجاجة بما يمهد لانهيارها كليا, ومن هذه القطاعات: التعليم بمختلف مؤسساته وخاصة الجامعي منه, والصحة, والقضاء, والإعلام والثقافة, والشرطة والمؤسسة الدينية, وهناك اتفاقا أخلاقيا قد يكون غير مكتوب في إبعاد هذه القطاعات عن النفاق والفساد ومستنقع التلوث, على أساس أن هذه القطاعات صمام أمان لأي مجتمع وحصون أخيرة يلجا إليها الجميع في اليسر والعسر, ولهذا يصبح اقتراب الفساد من " مواطن العفة"  في المجتمع ظاهرة تثير الكثير من القلق بل قد تتحول إلى زلزال يهز أركان المجتمع وانهياره, ورغم أن الدولة القومية أو الوطنية أضفت على هذه القطاعات الصبغة العقائدية لمنتسيبيها, إلا إن معايير الجودة والكفاءة والأداء ظلت تتمتع بهذا القدر أو ذاك بشيء من عوامل البقاء باعتراف المنظمات الدولية ذات العلاقة وخاصة في بداية العقود الأولى من نشأة هذه النظم !!!!!.

 

أما دولة " المؤمن الفاسد " والمتلبسة بلباس الدين فليست لها  " مناطق عفة محصنة " فهي تضرب كل القطاعات دون رحمة, وهي أشبه بفيروس في جسد بلا مناعة, وهذا الفيروس يتسلل إلى نواة الخلية ( نظام الحكم ومؤسساته وقطاعاته بدون استثناء) فيصيغ برامجها طبقا لاحتياجاته ثم يتسلل إلى المجتمع فينشر المرض وتتغير البرامج كلها طبقا للبرنامج الفيروسي. أن فيروس دولة " المؤمن الفاسد " يفسد عملية التقدم والتطور الاجتماعي المخطط , حيث يفتت المؤسسات اللازمة لذلك ويحولها إلى مؤسسات فئوية ترعى فئة معينة من المجتمع كما هو الحال في نظام المحاصصات الطائفية والعرقية ويعيق تشكيل مؤسسات بحثية وعلمية مستقلة خاصة بذلك؛ كما أن هذا الفيروس يعطل العملية السياسية ويعيق جهود التنمية والأعمار من خلال تعطيله لدور المعارضة الحقيقية باعتبارها تلعب دور الرقيب على الحكومة في الدول الديمقراطية المستقرة, إلا إن هذا الفيروس الذي يتكئ على خلفية نظام المحاصصة الطائفية أو التوافقية يلغي دور المعارضة الحقيقية, لأن هذه " المعارضة " لها يدا في الحكومة تحجم عن دورها الرقابي, وبالتالي يكون الصراع من اجل إفشال الحكومة وليست تقويم عملها, ويسعى الطرف الحاكم أيضا إلى التمادي وتعطيل العملية السياسية وعدم السماح للتداول السلس والسلمي للسلطة, ويدعي كل طرف هو الأفضل على خلفية التعصب والتعنت الديني والطائفي والعرقي !!!!.

 

أن دولة " المؤمن الفاسد " تشكل بيئة مواتية لفيروس الفساد بألوانه المختلفة وللمحسوبية والمنسوبية والولاء الحزبي الضيق, ففي دولة المحاصصة الطائفية والتوافقية كالعراق حيث يقف عالميا في قائمة الدول التي تعاني من الفساد الإداري والمالي, فأن هذا النظام هو أفضل وسيلة لترعرع ونمو الفساد, وان كان في ظاهره يبدو وكأنه ينصر أبناء طائفته ولكنه في الواقع يبقي أبناء الطائفة في فقر مدقع وتبقي الامتيازات حكرا على زعماء الطائفة وأبنائهم أو رؤساء أحزابها !!!.

 

أن نظام المحاصصة الطائفية والتوافقية باعتباره نموذجا لدولة " المؤمن الفاسد " يشكل عوامل طرد لاستبعاد الكفاءات العلمية والوطنية, حيث يستند في شكلياته إلى الطائفة كمعيار للانتقاء والولاء وليست معايير النزاهة والكفاءة العلمية بعيدا عن الانتماءات الضيقة, وبهذا يحرم المجتمع من الانتفاع بمواهب أفراده المختلفة والتي لا صلة لها بالانتماء الطائفي.كما يخل نظام المحاصصة بالسلم الأهلي والاجتماعي, ويخل بمبدأ المساواة بين المواطنين في الوظائف العامة ويضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة من خلال تخندقه الطائفي في أطره الجغرافية, كما يضعف سياسة الدولة ووحدتها في الخارج كما يتعارض هذا النظام مع حقوق الإنسان وصيانتها والمنصوص عليها في المواثيق الدولية !!!!.

 

كما تزحف دولة " المؤمن الفاسد" على رموز الثقافة الوطنية من أدب ومسرح وسينما وأكاديميات متخصصة ومنع مختلف الفعاليات الفنية في وسط وجنوب العراق في محاولة منها لخلق بيئة مواتية لفيروس اسود في مختلف الفنون وعلى طريقتها الخاصة وعلى نسق الجمهورية الإسلامية أو على هدى طالبان, ولعل آخرها ما تعرض له اتحاد الأدباء والكتاب العراقي من حملة افتراء وكذب مدعمة "بالفتاوى الغوغاء" في الضغط عليه لغلقه أسوة بالأندية الليلة بتهمة تعاطي المنكر ـ الخمور, ولا نعرف أيهما أكثر منكرا شرب الخمور أم أكل أموال الناس بالباطل, شرب الخمور أم المحاصصة الطائفية, شرب الخمور أم الفساد الأخلاقي, شرب الخمور أم الفتاوى بسرقة المال العام, شرب الخمور أم النصب والاحتيال, شرب الخمور أم تزوير الشهادات, شرب الخمور أم انتشار مزارع الحشيش والمخدرات بدلا من مزارع الفواكه, شرب الخمور أم المليشيات المسلحة, شرب الخمور أم المتاجرة بالمخدرات من قبل بعض فصائل الإسلام السياسي و و...... إنه استهتار ومصادرة للحريات العامة التي كفلها الدستور وتجاوز على القضاء صاحب اليد الطول بهذا الشأن, وهي سلوكيات منافقة ومنافية للدين وأضعاف لدور الدولة الديمقراطية والمدنية في العراق.

 

وفي الخاتمة اقول هنا ان هزيمة وفساد محافظ البصرة هو احدى من مئات الالوف من الامثلة التي تعبر عن فساد النظام السياسي الممحصصاتي والتوافقي حيث الاحزاب الطائفية السياسية والاثنية ورموزها القيادية هي التي تمارس الفساد المالي والاداري, وهي نفسها التي تشرع وتنفذ, وبالتالي اصبح الفساد قرينة النظام وتوأمه وان الخلاص من الفساد يعني الخلاص من النظام اولا واعادة بنائه من خلال تشريع قانون انتخابي عادل, وقانون احزاب واضح ومفوضية انتخابات نزيهة مستقلة لا محاصصاتية !!!.

  

رسالة الى السيد وزير التربية في العراق حول التسرب المدرسي:

 

الأهمية والأسباب والحلول

  د.عامر صالح

 

 

أعلنت وزارة التربية العراقية بتاريخ 2ـ8ـ2017 ان 20 % من الطلبة متسربين من المدارس. وقال وزير التربية محمد اقبال في بيان لمكتبه الاعلامي" إن ظاهرة التسرب، تتنافى مع قانون التعليم الالزامي لاسيّما أنه شكل نسبة 20% على وفق عينة الدراسة التي أجرتها وزارة التخطيط". وبين ان "وزارة التربية تسعى الى إعادة التلاميذ المتسربين كافة، الى مقاعد الدراسة، فضلاً على أُولئك الذين اضطروا الى ترك التعليم بسبب العمليات العسكرية، التي شهدتها مناطقهم، مما استدعى الى استيعابهم ضمن مشروع حقك في التعليم، ومن خلال البرنامج الذي ترعاه الوزارة بهذا الصدد " حسب البيان ". وهنا أقول ان هذه النسبة أقل بكثير مما هي في الواقع اذا اخذنا عموم محافظات العراق والمحافظات ذات الظروف الكارثية, ومضيفا الى تلك النسبة ممن لم يلتحقوا اصلا في التعليم, زائدا التسرب في مراحل التعليم الاخرى وليست فقط في المرحلة الابتدائية, علما ولأغراض المقارنة أن العراق في عام 1973 انخفضت فيه نسبة التسرب الى 5% يقابلها ارتفاع نسبة التسرب في عام 2004 الى 24% " أي قبل عقد من دخول داعش والخراب ". وهنا أوجه رسالة الى السلطات التربوية لتبيان حجم الكارثة التربوية ومشيرا الى اسبابها وسبل العلاج !!!.


 

لعله من نافلة القول أن دول العالم تولي اهتماما ورعاية بالتعليم من منطلق أن التعليم هو أساس تقدم الأمم ومعيار تفوقها في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية, وعن طريق التعليم يكتسب الفرد المعرفة وتقنية العصر والقيم والاتجاهات التي تحيط بشخصه من جميع الجوانب وتجعله قادرا على التكيف والتفاعل الايجابي مع البيئة والمجتمع.وأن اتساع القاعدة الشعبية لقطاع التربية والتعليم وتحوله إلى اكبر القطاعات الاجتماعية تجمعا للعنصر البشري دفع العديد من الحكومات المتقدمة والنامية إلى تبني استراتيجيات شاملة تزيل الطلاق التقليدي بين المدرسة والعمل والحياة وإحكام ربط هذا القطاع بحاجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد عززت هذا التوجه الدراسات الكثيرة التي بينت أن التربية ليست " خدمة استهلاكية " تقدم للناس بل هي توظيف مثمر للموارد يؤتي ثماره مضاعفة ويؤدي,إن أحسن استخدامه,إلى عائدات اقتصادية تفوق العائدات الاقتصادية للمشروعات الصناعية والزراعية وسواها, وهي ذات اثر طويل الأمد.وقد أكدت دراسات دنيون الأمريكي وريداوي البريطاني وستروملين الروسي, أن الزيادة في الإنتاج لا تعود فقط لزيادة رأس المال واليد العاملة, بل يرجع إلى عوامل التقدم التقني وما وراءه من إعداد وتدريب وتعليم للموارد البشرية.

 

وعلى أساس هذه النظرة المتقدمة للتربية يجري رصد المزيد من الأموال لهذا القطاع في دول العالم المتمدن لأغراض تطويره والنهوض به لتحقيق اكبر قدر ممكن من الكفاءة الداخلية والخارجية له. وبالضد من ذلك فأن الإهدار التعليمي في هذا القطاع المتمثل في ابرز مشكلاته كالتسرب والرسوب,يعتبر من المشكلات المعرقلة لكفاءة النظام التربوي وتبديدا للجهود المبذولة لتطويره التي تعوق تحقيق أهدافه وتسبب في ضياع الجهد والوقت والمال, وينعكس أثره السلبي على الفرد والمجتمع وعلى التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

مفهوم التسرب ودلالته:

تتعدى الآثار الكارثية للتسرب والرسوب إلى جميع نواحي المجتمع فهي تزيد معدلات الأمية والجهل والبطالة وتضعف البنية الاقتصادية للمجتمع والفرد وتزيد الأتكالية وطول أمد الإعالة الأسرية والاعتماد على الغير, كما تفرز في المجتمع ظواهر خطيرة كعمالة الأطفال واستغلالهم وظاهرة الزواج المبكر, كما يؤدي إلى زيادة حجم المشكلات الاجتماعية كانحراف الإحداث وانتشار السرقات والاعتداء على ممتلكات الآخرين مما يؤدي إلى ضعف المجتمع وانتشار الفساد فيه إلى جانب فساد الكبار, وما تسببه أيضا هذه المشكلة من أثار سلبية في نفسية التلميذ وتعطل مشاركته الفعالة والمنتجة في المجتمع.

 

أن التركيز على التسرب في التعليم الابتدائي لا يعني بكل الأحوال إهمال ما يتم تسربه في مراحل التعليم الأخرى( متوسط, ثانوي وجامعة ) بل هي أكثر بكثير سواء من حيث الإعداد المطلقة الخاصة بالتسرب أو من حيث نسب الاستيعاب التي تقابل الفئة العمرية  في هذه المراحل( وخاصة في ظروف العراق الخاصة جدا), إلا أن هناك ما يبرر التركيز على التسرب في التعليم الابتدائي لاعتبارات نفسية وتربوية وإنسانية.فالطفولة الأولى تؤسس لشخصية الإنسان وتبقى حاضرة بقوة في مراحل تطورها لاحقا مهما اختلفت وتنوعت المتغيرات التي تحيط بها والظروف التي تمر بها,وهي مرآة الفرد في الصحة والمرض. وأن مطلب " الطفولة السعيدة " بالإضافة إلى كونه مطلبا لذاته,إلا انه يسهم في تشكيل مراهقة مقبولة, ويساعد في اختيار نمط دراسي أو عمل يعكس فعلا إمكانيات الفرد الذاتية, بل ويسهم في إرساء ملامح شيخوخة تتمتع بقدر من الهدوء المطلوب والموازنة مع ما تبقى من ديناميات وقدرات وقابليات. والأهم من ذلك تربويا فأن تأمين التعليم الأساسي لهذه المرحلة العمرية المهمة يعتبر جهد الحد الأدنى من " الأمن التربوي " لتزويد الطفل بالمهارات الأساسية اللازمة في القراءة والكتابة والعادات الأساسية اللازمة لتكيفه ضمن هذه المرحلة من التعليم ومنع تسربه وردته وانضمامه إلى جيش الأميين ,وبالتالي يشكل تعميم التعليم وألزاميته والقضاء على التسرب احد العوامل الأساسية لتجفيف منابع الأمية.

 

ومشكلة التسرب في العراق إلى جانب مشكلات أخرى في قطاع التربية والتعليم, منها ما يتعلق في مشكلات المناهج والإدارة التربوية وطرق التدريس وإعداد الكادر التدريسي ومشكلات التخطيط التربوي لهذا القطاع ومستويات استجابته لحاجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومشكلات توزيع الخدمات التربوية جغرافيا وعلى ضوء الحاجة الماسة لمختلف مناطق وأقاليم البلاد,وجميع هذه المشكلات ذات طبيعة متشابهة في البلاد العربية يطلق عليها اصطلاحا " أزمة التربية العربية ", إلا إن العراق في العقود الأخيرة وبسبب تعرضه لعوامل الحروب والحصار والانهيار الاقتصادي والاحتلال وتدمير مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية والسياسات الطائفية,انفرد بأزمة خانقة وحادة تنفرد بخصوصية عالية عن نظيرتها في الدول العربية ونستطيع أن نطلق عليها " أزمة التربية العراقية ",سواء من حيث خصوصية الأسباب أو الإبعاد المدمرة لها.

 

ففي الوقت الذي حقق فيه العراق تقدما ملموسا في عقد السبعينيات على مستوى استيعاب الأطفال, فحسب تقرير اليونسكو أمتلك العراق قبل حرب الخليج الأولى نظام تعليمي من أفضل أنظمة التعليم في المنطقة قدرت نسبة المسجلين فيه بالتعليم الابتدائي ما يقارب 100% مقارنة بأعداد الأطفال في سن التعليم الابتدائي,وحسب تقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1973 فأن معدل التسرب في التعليم الابتدائي قد هبط في العراق إلى ما يقارب 5% بين الصف الأول والخامس الابتدائي, وكان هذا أوطأ معدلات تسرب في الدول النامية.ثم نال العراق في نهاية السبعينيات جائزة اليونسكو على حملة محو الأمية.وقد ساهمت في ذلك الطفرة المالية المتحققة من العوائد النفطية والتي وسعت من حجم الإنفاق على التعليم,وكذلك الدور الكبير والمتميز الذي لعبته الحركة الوطنية وفي مقدمتها قوى اليسار في التعبئة لنشر التعليم والثقافة في صفوف أبناء المجتمع وتعزيز الدور التعبوي عبر نشاطها وصحافتها العلنية, وخاصة في ميدان محو الأمية,ونقل تجارب الشعوب العالمية عبر صحافتها اليومية وخلق المزاج العام المواتي لتنفيذ ذلك. إلا إن الحروب الكارثية التي أقدم عليها النظام العراقي آنذاك وما سببته من استنزاف للموارد المالية والبشرية قد الحق أفدح  الإضرار بقطاع التربية والتعليم,ويكفي إن نشير هنا إلى إن نسبة القادرين على القراءة والكتابة في البلاد عام 2003: الذكور 55%, الإناث 23%. وبلغت خسائر هذا القطاع أكثر من أربع مليارات دولار شملت كل عناصر وأبعاد العملية التربوية ومستلزماتها ومؤسساتها ومراحلها المختلفة.

 

أن التسرب يمثل مظهرا من مظاهر الهدر التعليمي أو الفاقد في التعليم, إلى جانب مشكلة الرسوب المتكرر,ويعتبر نتيجة لضعف نتاج العملية التربوية وينشأ عن مشكلات تربوية واجتماعية تؤدي إلى عجز النظام التعليمي في الاحتفاظ بالملتحقين به كافة لإتمام دراستهم في مرحلة دراسية ما ( وخاصة في التعليم الابتدائي ).وان التسرب باعتباره انقطاع التلميذ عن المدرسة انقطاعا نهائيا قبل أن يتم المرحلة الإلزامية,فأن سقف التعليم الإلزامي يختلف من دولة إلى أخرى,فمنها من يدين بالإلزام لمدة 9 سنوات دراسية,وبعض أخر يكتفي بإلزامية تعليم أمدها 6 سنوات ( مدرسة ابتدائية ) كما هو الحال في العراق وفقا لقانون التعليم الإلزامي رقم 118 لسنة 1976,والذي يشمل الفئة العمرية من( 6ـ11) سنة,والذي لا يزال ساري المفعول إلى اليوم,علما أن إمكانيات العراق المادية والمالية تكفي لمد سقف الإلزام حتى إلى مرحلة التعليم الثانوي كما هو الحال في بعض الدول المتقدمة والمتمكنة.مع العلم أن الدستور الحالي جاء ليكرس ما ورد في القانون المذكور أعلاه,حيث ينص على أن :" التعليم عامل أساسي لتقدم المجتمع وحق تكفله الدولة, وهو إلزامي في المرحلة الابتدائية,وتكفل الدولة مكافحة الأمية.والتعليم المجاني حق لكل العراقيين في مختلف مراحله".

 

أسباب التسرب:

أن العوامل التي تؤدي إلى التسرب من التعليم الابتدائي في العراق هي ذات خصوصية عالية ارتباطا بظروف العراق الشاذة والاستثنائية, وهنا يمكن فرزها بمنظومة الأسباب الآتية :

1 ـ الأسباب الاجتماعية والثقافية, وتشمل : 

  ـ تصدع وانهيار التركيبة الاجتماعية والقيمية وتعرض الأسر العراقية إلى  انهيارات كبرى تجسدت في : ازدياد نسب الأطفال اليتامى وفقدان الرعاية الأبوية,انتشار ظاهرة التسول والتشرد في الشوارع والطرقات,ازدياد نسب الأطفال الذين يتعاطون المخدرات والمسكرات,محنة الأطفال غير الشرعيين أو مجهولين النسب ,الأطفال المهجرين قسرا من ديارهم ومناطق طفولتهم إلى مناطق أخرى داخل العراق وإشكالية التكيف للبيئة الجديدة, تعرض الأطفال إلى عمليات الخطف والابتزاز واستخدامهم كرهائن مقابل مبالغ مالية أو صفقات أخرى لتصفية حسابات شخصية وسياسية, عمليات التحرش الجنسي والاغتصاب والمتاجرة بالأطفال, الأطفال مرتكبي الجنح والجرائم المختلفة, ازدياد نسب الأطفال ذوي الإعاقات المختلفة العقلية والجسمية وانعدام الرعاية التربوية الخاصة بهم, وجميع هذه الظواهر هي من الإشكاليات المستفحلة وتشكل عوامل طرد وليست جذب للمدرسة وما يترتب على ذلك من انقطاع وعدم مواظبة أو تسرب نهائي من المدرسة.

 

 ـ تدهور المكانة الاجتماعية للتعليم لدى الأسر أو الوالدين بشكل خاص, واعتباره ليست بتلك الدرجة من الأهمية, وهذا أيضا ناتج من ضغوطات الواقع,وإعادة ترتيب سلم الأوليات,كأن يعتبر الحفاظ على الأرواح أو الشرف أهم بكثير من التعليم ,وبالتالي احد عوامل الانقطاع عنه وعدم الاستمرار فيه والتسرب منه, إلى جانب طبعا عدم توفر الوعي الثقافي اللازم لدى الكثير من الأسر بعدم إدراكهم لمدى الضرر لاحقا من جراء انقطاع أطفالهم عن المدرسة.

 

ـ تدهور الأوضاع الصحية وانتشار الأمراض المختلفة كأمراض الجهاز التنفسي وأمراض الكلى المزمنة والكبد والسرطان والايدز وحالات ضعف السمع والبصر والتشوهات الخلقية, وجميعها عوامل تدفع  نحو الانقطاع المدرسي كخطوة نحو التسرب منه نهائيا.

 

 2 ـ الأسباب الاقتصادية:

 وتتلخص أبرز ملامح تأثيرات الوضع الاقتصادي في ظاهرة التسرب فيما يأتي:

 ـ انشغال الأسرة بتغطية متطلبات الحياة الاقتصادية والمعيشية الأساسية, يدفع الكثير منها إلى الاستعانة بأطفالها وزجها في سوق العمالة واستخدامها كدخل إضافي,ونحن نعرف جيدا ضيق فسحة العيش في العراق,حيث تشير الإحصائيات إلى أن 40%  من الشعب العراقي يعيش تحت مستوى الفقر( حسب إحصائية وزارة حقوق الإنسان العراقية ), وأكثر من مليون أسرة تعيش على معونات شبكة الحماية الاجتماعية. وهذا بدوره يشكل عوامل ضغط على الأطفال لترك الدراسة.

 

ــ ضعف الغطاء الاقتصادي المتمثل بالمدعومات المالية المناسبة والتسهيلات كأجور نقل أو تقديم وجبات طعام أساسية للطلبة الفقراء أو تقديم القرطاسية المدرسية مجانا أو ملابس وتجهيزات مختلفة, مما يسبب إثقال كاهل اسر التلاميذ وخاصة الفقيرة, مما يضطرها إلى سحب أولادها من المدارس.

 ـ ضعف مخصصات قطاع التربية والتعليم من الميزانية العامة,مما يؤدي بدوره إلى ضعف الإنفاق على التعليم الابتدائي لتوفير مستلزماته من كوادر تعليمية وأبنية صالحة وكتب منهجية وقرطاسيه ولوازم مدرسية ولتغطية مختلف نشاطات هذا القطاع, إلى جانب ضياع وإهدار وسرقة أموال هذا القطاع, والتي لا تخضع للتدقيق والمراقبة الكافية,أسوة بغيره من قطاعات الدولة.

 3ـ الأسباب التربوية:

ويمكن بلورة أبرز الاتجاهات التربوية التي تدفع باتجاه تسرب التلاميذ وتركهم المدرسة على النحو التالي:

ـ عدم ارتباط المناهج بحاجات المجتمع وعدم تلبيته لميول الأطفال وهواياتهم وكذلك ضعف كفاءة المعلم من حيث الإعداد والتدريب وضعف كفاءة الإدارة التعليمية, وقصور الإشراف والتوجيه, والاعتماد على أساليب التقويم القائمة على الامتحانات التقليدية وقصور الإمكانات التربوية من مبان وتجهيزات وفرص النشاط المختلفة.

 ـ عدم احترام شخصية التلميذ وميوله واهتماماته المختلفة وضعف التوجه لدراسة الفروق الفردية بين التلاميذ وتكييف المنهج وطرق التدريس لها, وعدم استغلال أوجه النشاط المدرسي الصفي واللاصفي في جذب التلاميذ إلى المدرسة.

 

ـ الرسوب المتكرر وعدم متابعته من قبل إدارة المدرسة أو ذوي التلاميذ مما يضعف ثقة التلميذ ويفقده المتعة من وجوده في المدرسة ويثبط حافزه على متابعة الدراسة.

ـ انعدام أو ضعف العمل المشترك بين المدرسة وأهل التلميذ مما يضيع الفرصة للوقوف على المشكلات التي يعاني منها التلاميذ يوميا, وبالتالي لا يترك مجالا لحلها في الوقت المناسب,وأن تراكمها لاحقا يشكل حجر عثرة أمام استمرار التلميذ في المدرسة.

 

ـ عدم اعتماد الخرائط التربوية في توزيع الخدمات التعليمية جغرافيا ونشر المدارس الابتدائية على مقربة من السكن الأصلي,الأمر الذي يعتبر من المعوقات الأساسية في سهولة انتقال التلاميذ من والى المدرسة, مما يزيد من أعباء الطالب النفسية وتشديد مخاوفه من الإرهاب وإعمال القتل والاختطاف,ويشكل عبئا أخر يزيد من هموم وتفكير الأسرة وقلقهم على سلامة أطفالهم,مما يسهم في إحجام الولدين عن إرسال أولادهم إلى المدرسة.

 

ـ قصر اليوم المدرسي واعتماد الدوام الثنائي المزدوج أو الثلاثي مما يضعف الارتباط بين الطالب والمدرسة ويقلل من فرص ممارسة التلميذ للأنشطة الصفية والللاصفية لتلبية رغباته واحتياجاته للنمو المتعدد الجوانب, و بالتالي تصبح المدرسة مكانا للإقامة الجبرية أو ثكنة عسكرية يشعر فيها الطفل فيها بالجزع أكثر من الانشراح والموائمة, ويتحين الفرص للهروب منها.

 

ـ وهناك من الأسباب التربوية ذات الصلة بالنواحي الوجدانية بالتكيف النفسي للتلميذ, كما تتصل باتجاهاته وسلوكياته, وهناك عوامل تتعلق بجوانب شخصية التلميذ,واستعداداته ومهاراته, وقدراته النفسية والعقلية , وقد أثبتت الكثير من الدراسات وجود ارتباط واضح بين بعض السمات الشخصية للتلميذ وتسربه من التعليم.

 

4 ـ الأسباب السياسية:

ـ أن مصير العملية التربوية كم هو معروف يرتبط وثيقا بالاستقرار السياسي الذي يبعث الأمل في مؤسسات الدولة وقيامها بأنشطتها على أسس موضوعية وحيادية, ومنها قطاع التربية والتعليم,فالنظام السياسي يلعب دورا مهما في إعادة توليد القيم الأخلاقية والاتجاهات الاجتماعية العامة, والنظام التربوي هو احد أدواته لتكريس هذه القيم ونشرها على نطاق واسع عبر الممارسات اليومية, من خلال المناهج والأنشطة المدرسية, وتشكل في هذا السياق ظاهرة التعصب الديني والطائفي والقومي احد القيم الأخلاقية والتربوية الضاغطة على وحدة نظام التعليم ونسيجه الاجتماعي, ويشكل هنا التسرب من التعليم والابتعاد عنه احد وسائل احتماء الأقليات في حالات الاحتقان الشديد وسببا في انقطاع الكثير من أبناء الأقليات والطوائف عن التعليم والعزوف عنه.

 

ـ تعرض النظام التربوي جراء سياسات النظام السابق الهوجاء وما تلتها من سياسات عشوائية على أيدي الاحتلال وما تبعتها من تكريس للمحاصصة الطائفية, إلى انهيارات كبرى في مراحله المختلفة,فقد تم تدمير اغلب المؤسسات التربوية من أبنية ومستلزمات وأجهزة, وقد تحول الكثير من المدارس إلى مجرد أربعة جدران وأماكن شكلية لإقامة التلاميذ,لا تشد الطالب إلى المجيء والمواظبة,بل إلى طرده من المدرسة, ناهيك عن اقتسام المدارس إلى مناطق نفوذ طائفي أو حزبي,فهي تعتبر في أذهان الكثير أماكن غير آمنه.

 

ـ أن تشديد قبضة الإرهاب والعمليات الانتحارية أطالت ألاف من الأطفال, وكانت أوقات الدوام الرسمي" بدايته ونهايته" فرصا مواتية لإيقاع الأذى وزرع الخوف لدى الأطفال وأسرهم,مما أدى إلى عزوف التلاميذ عن الدوام وعدم انتظامهم ثم تسربهم.

 

علاج التسرب:

أن الحد من التسرب والاقتراب من نهايته يستند إلى منظومة متكاملة من الإجراءات,وتشكل النوايا الحسنة والقناعة بالنظام الديمقراطي و قيمه الإنسانية مدخلا لازما لذلك ومظلة تحمي آلية التنفيذ, ولعل ابرز العلاجات الناجحة هي ما يأتي:

ـ الاهتمام بالمرافق والخدمات التعليمية مما يجعلها جذابة وشيقة ومرتبطة بواقع التلاميذ,وتحسين المعاملات والممارسات المتبعة في الاتصال التعليمي وبنائها على مبادئ التربية الحديثة القائمة على أساس أن التلميذ مركز اهتمام العملية التربوية, واستغلال خاصية يتمتع بها الأطفال عامة وهي الفضول والذهن المتفتح لاكتساب ومعرفة كل شيء.

 

ـ منع تشغيل الأطفال منعا باتا وعبر إجراءات صارمة لعل أبرزها تفعيل العمل بقانون التعليم الإلزامي وتطبيق العقوبات الواردة فيه على أولياء الأمور,ويجب أن يقترن هذا الإجراء بدعم اقتصادي للأسر المعوزة وتحمل المدرسة الإنفاق التربوي على التلاميذ من مستلزمات وملابس وتغذية.

 

ـ توفير خدمات التوجيه والإرشاد النفسي والتربوي والاجتماعي للتلاميذ وأسرهم والتأكيد من قبل إدارات المدارس على ضرورة وجود المرشد الاجتماعي في المدارس لما يقدمه من مساعدة للإدارة التعليمية وللأهل في المشكلات المختلفة ومنها التسرب,وأن تكون هناك حصص أسبوعية أو شهرية من قبل هذا المرشد للأهل وللتلميذ لمناقشة عوامل التسرب وإمكانية الحد منها, والتأسيس الجيد لمجالس أولياء الأمور في المدارس.

 

ـ التأهيل المستمر للكادر التربوي وإعادة تأهيله على ضوء ما يستجد من معطيات في العلوم التربوية والنفسية, والتخلص من العناصر ألمزوره, أو التي لا تحمل مؤهلا تربويا وذات أداء ضعيف, والتي تكون معظم الأحيان سببا في التسرب لا في منعه.

 

ـ العمل على وضع خطط ملموسة لنشر شبكات رياض الأطفال في أرجاء العراق وخاصة في القرى والأرياف, والتي لا تزال ضعيفة جدا,حيث لا تستوعب في أحسن الأحوال 7% من مجموع الأطفال في عمر 4 إلى 5 سنوات في عموم العراق,لما لها من أهمية استثنائية في خلق الاستعداد الايجابي للأطفال اتجاه المدرسة الابتدائية لاحقا والإقبال عليها والاستمرار فيها.

 

ـ وضع الخطط والمناهج التي تعتمد على المواهب والطموحات والقابليات لدى الأطفال والابتعاد عن مناهج الحشو والمليئة بالمعلومات ذات الطابع الكمي والتي تكره في نفس الطالب المدرسة والمادة الدراسية, ومحاولة ربط المنهج بالبيئة المحيطة عبر تطبيقات للمنهج في مختلف مجالات المجتمع المحلي.

 

ـ منح فرص إضافية للمتسربين سواء عبر مدارس مسائية أو نهارية أو مدارس متنقلة وخاصة في المناطق النائية والقرى والأرياف, أو مناطق التهجير والإقامة الجديدة للأطفال, وهي وسائل تعين الأطفال على عدم العودة إلى الأمية كاملة.

 

ـ استخدام الإعلام والصحافة اليومية الرسمية وغير الرسمية والمنظمات الاجتماعية المختلفة للتثقيف والتوعية بدور التعليم وخاصة الموجه منها إلى ذوي الأطفال والتركيز على ضرورة عودة أطفالهم إلى مقاعد الدراسة.

 

ـ الاستقرار السياسي والأمني وهو المطلب رقم واحد  لاستقرار العملية التربوية وما يؤدي إليه من انخفاض نسبة العنف وتعزيز ثقة الأسر والأطفال بالنظام السياسي والتربوي, ويضمن يوم مدرسي هادئ خالي من القتل والاختطاف والارتهان.

 

ـ إنشاء دور لليتامى لإيوائهم وتأمين حياة آمنه لهم يتمتعون فيها بقدر من الرعاية الاجتماعية والاقتصادية وإنشاء مدارس خاصة لهم لتسهيل اندماجهم لاحقا في المدارس المنتشرة على مقربة من إقامتهم,كي يتسنى لهم التحصيل الدراسي في المرحلة الابتدائية على الأقل وحمايتهم من التسرب.

 

ـ إنشاء مدارس لمختلف المعوقين وتصنيفهم وفقا لدرجة وطبيعة إعاقتهم,كما هو معمول فيه دول العالم المتحضر,وإتاحة الفرصة لهم للحصول على قدر من التعليم والتربية والتي تنسجم مع قدراتهم العقلية والجسدية,ومنع تحولهم إلى أميين بالمطلق.

 

ومن هنا نرى ان المعالجات الشاملة لمشكلة التسرب بكل ابعادها وفي اطار اصلاح النظام السياسي هو الكفيل بايجاد الحلول الواقعية والمدروسة والبعيدة عن الارتجال وفي ضوء فلسفة تربوية واضحة تستمد اسسها من مختلف المعارف والعلوم للنهوض بقطاع التربية والتعليم. وان علاج مشكلة التسرب هو جزء من البحث عن حلول لأزمة التربية والتعليم في العراق !!!.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                   

 

 

 

 

ليست فقط تجريم التحريض

 الطائفي والعنصري

 بل والطائفية السياسية !!!

د.عامر صالح

 

وافق مجلس الوزراء برئاسة حيدر العبادي بحلسته المنعقدة بتاريخ 2017ـ7ـ18 المصادف يوم الثلاثاء على مقترح مشروع قانون لتجريم التحريض الطائفي والعنصري وخطاب الكراهية بهدف حفظ وحدة وسلامة شعبنا والتعايش بين الجميع " حسب ما ورد ". لقد جاء ذلك بعد مرور اربعة عشر عاما من الخراب والحروب الداخلية والاحتقانات الطائفية والعنصرية والعداوات الأثنية والدينية والمذهبية بين مكونات المجتمع العراقي, ولكن مشروع القانون رغم تأخره يبقى أفضل من عدم مجيئه, فهو يعكس مزاجا متفهما وأوليا لخطورة الخطاب الطائفي والعنصري وآثاره المدمرة على السلامة الوطنية, وكان من الاجدر أيضا ان يشمل مشروع القانون حظر الاحزاب السياسية الطائفية لأنها هي التي تنتج خطاب الكراهية وتسوقه, وأن تجربة الحكم منذ عام 2003 دليل على ذلك. لماذا يتوجب اليوم تجريم التحريض الطائفي والطائفية السياسية. سوف أحاول الاجابة على ذلك !!!. 

 

لقد قدر للعراق وشعبه أن يمر بظروف تاريخية قاسية ذات طبيعة كارثية أسهمت بشكل كبير في تشكيل مزاج عام أدى إلى تأخير حالات اختمار حقيقية صوب مخاض الديمقراطية,مما فسح المجال إلى نشأة بدائل سياسية ذات طبيعة عقليةـ معرفية معوقة للديمقراطية في غالبيتها,ولكنها انطلقت لتمارس الديمقراطية السياسية استنادا إلى ظروف العصر الضاغطة وظروف العراق بشكل خاص التي لا تقبل بغير الديمقراطية والتعددية السياسية الحقيقية كنموذج بديل عن النظم الديكتاتورية الموروثة.وعندما حصل التغير في العراق عام 2003 " رغم ملابساته الكثيرة وصعوبة هضم آلية التغير" فأن الفراغ السياسي شكل سمة مميزة للوضع السياسي,مما مهد الطريق إلى خيار الاستحواذ السياسي متخذا من الطائفية والعرقية واجهة له ومستغلا الظروف التاريخية للاضطهاد ليمعن في سياسته التي لا تلقي الاستحسان والقبول والإجماع والرضا من قبل شعبنا,وبدلا من أن تحل البرجماتية السياسية " أي قياس مصداقية الفعل السياسي بنتائجه العملية على ارض الواقع " فقد حلت البرجماتية المدججة بالسلاح " الحوار بيد والسلاح في اليد الأخرى لقبول أمر الواقع".

 

إن ابرز ملامح ضعف إدارة النظام السياسي هو التدهور المستمر للمساهمة السياسية الحقيقية والفعالة لشعبنا في أدائه وكذلك قي حمايته,مما أضفى على النظام شرعية شكلية قوامها دستور مكتوب غير منتهي بصيغته " رغم إن ثناياه تحمل الكثير من دساتير العالم المعاصر المتمدن",فعلى سبيل المثال لا الحصر يرفض الدستور علنا في مادته (  14 ) في الفصل الأول من الباب الثاني التمييز الطائفي والعرقي,حيث يؤكد( العراقيون متساوون أمام القانون دون تميز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي) إلا إن المشكلة لا تكمن في وضوح النص الجاهز !!! ؛وكذلك برلمان معروف بتركيبته للجميع, قادر في لحظة ما على إقصاء ما يرغب إقصاءه من خلال استنفار و تعبئة سلوك المحاصصات,التي لا ترى في الوطن مصلحة عليا وخط احمر لا يحتمل عروض المزاد العلني من اجل منافع محدودة الأمد؛ ومن ثم مجلس رئاسة الجمهورية المطابق لتوصيفة البرلمان في الآلية العامة والمكونات .

 

لقد تركت أزمة ضعف المشاركة السياسية والشعبية الواسعة إلى أحساس شرائح اجتماعية واسعة بالهامشية واليأس والمنبوذية "خاصة الفئات التي يجب أن تستهدفها عمليات التغيير",مما يدفع إلى شعور مضاد للانتماء,أي العزلة والاغتراب الاجتماعي وضعف الشعور بالمسؤولية ومن ثم التطرف بألوانه والى الفوضى والعنف,وأصبحت إحدى البؤر المولدة للعنف والتطرف الديني وغير الديني,لتشتد الحياة أكثر عنفا لتصبح بيئة مواتية للتحريض وارتكاب الجرائم الكبرى بحق الناس وبواجهات مختلفة( القاعدة,فلول البعث السابق, داعش وضغط دول الجوار التي لا تعي حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية), أن الجبهة الداخلية السليمة والصحية هي وحدها القادرة على دحر أعداء العراق في الداخل والخارج وعلى خلفية بقائه وطنا صالحا للجميع.ويذكرنا ذلك تماما بإخفاق جيوش النظام السابق الجرارة والمليونية في الإنابة عن المجتمع دفاعا عنه وعن سيادة البلاد من الاحتلال والتي حصلت على خلفية انعدام الثقة المتبادل بين النظام والشعب وضعف المساهمة السياسية الحقيقية في صنع القرار,فأين الملايين التي كانت تصفق "لقائد الضرورة" كذبا ودفعا للأذى عنها,أن حالات الاستبداد السياسي والطغيان وتكبيل أعناق المواطنين وترويضهم على الخنوع والذل والانشغال بسد رمق العيش هي التي تمرر مشاريع اختراق الوطن من الداخل والخارج !!!!.

 

أن سياسات الإقصاء والتهميش والمحاصصات وما يرافقها من تدهور مستمر لحياة المواطنين قادرة على حرف حالات المساهمة السياسية من أجل تثبيت النظام" الديمقراطي" إلى حالات عداء سياسي للنظام وأركانه,باعتباره يجسد حالة الاغتراب السياسي بينه وبين المواطن,وهي نتاج طبيعي لحالة عدم الثقة والشك في القيادات السياسية ونواياها,متزامنا ذلك مع اتساع وتعمق دائرة الفئات الاجتماعية المهمشة والتي تقدر بالملايين جراء ظروف العراق التاريخية والحالية,ومن شأن ذلك أن يخلق ما يسمى " بالفجوات النفسية المدمرة ",حيث تنشأ هذه الفجوات على خلفية الشعور بالإحباط الناتج من التدهور المستديم لظروف العيش الحر والآمن,وهي شروط مواتية ولازمة لخلق وإعادة توليد سلوك العنف والعدوان باعتباره نتيجة للشعور الشديد بالإحباط ,وعلى خلفية اتساع الهوة بين النظام والشعب وتعزيز حالة عدم الاكتراث تجري الاستفادة الكاملة من قبل المجاميع السياسية وفلول الإجرام والمرتزقة الغير مؤمنة أصلا بالعملية السياسية لدك النظام السياسي والتأثير على قراراته السياسية,وعلى عدم استقراره,مستغلة الفساد والعبث بالمال العام وسرقته كوسائل سهلة في الإغراء والتمويل وشراء الذمم.

 

أن الابتعاد عن نهج المحاصصة الذي التمسه شعبنا بوضوح واكتوى به طوال الأربعة عشر عاما المنصرمة, وتحويله من نهج انتقائي/مصلحي إلى نهج مشاركة سياسية حقيقية هو التعبير العملي والأمثل عن العقد الاجتماعي الطوعي, إذ تعيد المشاركة السياسية البناءة إنتاج العقد الاجتماعي كسلوك يومي, أي إعادة  إنتاج الوحدة الوطنية كمفهوم سلوكي ـ معرفي وعقلي في الممارسة السلوكية اليومية, وليست شعار اجتراري خبره شعبنا لعقود سلفت, وأن الوحدة الوطنية في كل الفلسفات الإنسانية ركيزة أساسية لا يمكن العبث بها وعرضها في سوق النخاسة السياسية, بل لعلها أهم منجزات الحداثة, وما يترتب عليها من اعتراف بالحقوق الناجمة عن الاعتماد المتبادل بين مختلف فئات المجتمع وإسهام كل منها في عملية الإنتاج الاجتماعي في بعديه المادي والروحي,ونعني به الإنتاج والاستهلاك والتوزيع العادل للثروات, وهي التعبير العملي عن المواطنة الدينامية الحية, وأن المشاركة السياسية الشاملة هي جوهر المواطنة وحقيقتها العملية.

 

لعل نظرة متأنية وموضوعية منطلقة من روح الحرص على مستقبل البلاد,تؤكد لنا أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى, ومنذ ولادته بعد  2003  لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية, حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد, مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد, وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار,وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية, مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة, وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة,أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.

 

كما أن نظام المحاصصة يعرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي, وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا  أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك, أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى "  إفساد للتنمية ",وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف, والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع. أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل, وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف  دينه ومذهبه وطائفته وعرقه!!!!.

 

أن اشد ما الحق الضرر بمصالح البلاد وأمنه ما بعد 2003 هو إخضاع الأجهزة الأمنية والمخابراتية والدفاعية للمحاصصة الطائفية مما فسح المجال لتأسيس حالة الاختراق الأمني المستديم لهذه الأجهزة عبر تكريس حالة التوجس والريبة وانعدام الثقة بين قيادات ومنتسبين هذه الأجهزة,مما تندفع هذه الأجهزة إلى التناغم مع دول الجوار في البحث عن حليف مطابق لها في الصبغة الطائفية والعقائدية,مما يتركها فريسة للاختراقات الخارجية وفرض أجندة دول الجوار,وهنا يأتي تفعيل واستنفار" الحلقة المفقودة" المتمثلة بكل القوى الداخلية الغير راغبة في التداول السلمي للسلطة لتقوم بدور المنفذ النشط أانطلاقا من تطابق الأهداف والمصالح المشتركة في عدم معافاة العراق, بدلا من تعزيز حالة التوافق والانسجام في عمل هذه الأجهزة لخدمة امن البلاد, رغم ان هناك ملامح مرحلة مهنية في بناء هذه الاجهزة بدأت قبل تحرير الموصل من قبضة داعش, ولكن هناك معوقات كبرى لاستقلال هذه الاجهزة بسبب سياسات الشد والجذب المحصصاتية.

 

لقد أخلت سياسة المحاصصة بالسلم الاجتماعي وأضعفت الشعور بالوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي من خلال خلق التكتلات والشللية السياسية والاجتماعية على أسس طائفية وعنصرية مما يعزز بمرور الوقت حالات الاحتقان والفتنة الاجتماعية,فيتحول الصراع السياسي وغير السياسي إلى صراعات طائفية وعرقية لا حصر لها,أنها عملية استنفار للاشعور الجمعي لأفراد الطوائف والأعراق, وحتى لأتفه الأسباب, وهناك فرق جوهري بين حقك المشروع في الانتماء إلى دين أو طائفة أو عرق أو قومية ما وبين أن تبني دولة تضم مختلف الأديان والأعراق !!!!.

 

أن إضفاء الصبغة الطائفية والعرقية على الصراع السياسي واللجوء إلى الحلول ذات الطبيعة التوافقية ـ الطائفية والعرقية تسهم في تكريس منظومة قيمية ذات طبيعة تعصبية " شاء الفرد أم أبى" لتشكل بدورها اتجاها نفسيا سلبيا مشحون بشحنة انفعالية ضد الأخر الديني أو الطائفي أو العرقي دون سند علمي أو منطقي أو بمعرفة كافية,ليتحول التعصب إلى مشكلة حقيقية في التفاعل الاجتماعي الإنساني المنفتح,وحاجزا يمنع كل فكر تقدمي جديد,ويفتت مكونات المجتمع الواحد ويحولها إلى أشلاء منغلقة ذاتيا بعيدة كل البعد عن التطورات المتلاحقة التي تحصل في العالم الخارجي في كل المجالات,أنها حالات من الصمم والبكم والعمى الهستيري والتي لا تدرك الأشياء والظواهر إلا من خلال  اتجاهات التعصب الأعمى,أنها فرصا مواتية لتشديد قبضة الكراهية والعدوان الاجتماعي,ونحن نعلم من الناحية النفسية أن التعصب والتخندق الطائفي والعرقي هي سلوكيات مكتسبة ومتعلمة في أعمها الأغلب ولا توجد أدلة قاطعة ذات طبيعة غرائزية أو فسيولوجية لوجودها,فهي حالات من التمركز حول الذات وعدم تقبل الحوار مع الأخر المغاير !!!.

 

ويجب التأكيد هنا إلى أن الصراع الذي يجري في العراق ليست صراعا طائفيا أو عرقيا بالمرة,وقد أكدت السنوات المنصرمة فشل الانسياق ورائه, إلا أن تجيير الصراع السياسي وإضفاء الصبغة الطائفية أو العرقية هو الذي يؤدي قسرا بالسواد الأعظم من شعبنا الذي أتعبته الحروب وأنهكه تأمين شيء من الخدمات العامة إلى " التعصب " و "الخندقة " كحيل دفاعية لتامين لقمة العيش,لأن رموز الطوائف والأعراق والأحزاب تمتلك المال كله , وكما يقول أبو ذر الغفاري :( عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه ) والتخندق الطائفي أو العرقي أشبه بحامل السيف لـتأمين لقمة العيش !!!!.

 

ونؤكد أن التجربة التاريخية للعديد من المجتمعات المتقدمة التي تتصدر دول العالم في الرفاهة والتقدم الاجتماعي وتكريس حقوق الإنسان,تؤكد أن المساهمة السياسية الفعالة وإطلاق مبادرة المواطنين غير المشروطة هي الشرط اللازم لبناء المجتمع المدني الحديث والدولة الوطنية,والتي تبدو للمواطن العراقي الذي أنهكته الحروب الداخلية والخارجية والأزمات,أنها دولة حق وقانون,لا دولة حزب أو طائفة أو جماعة دينية ولا دولة عرقية,أنها مؤشرات للتحرر من الظلم الاجتماعي والى الأبد.

 

واليوم وبعد الانتصارات العسكرية على تنظيم داعش وهو انتصار هام ولكنه أولي قياسا بالمهمات الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية لمرحلة ما بعد داعش, فأن من ابرز المسائل الملحة للفترة القادمة هو اجراء اصلاحات شاملة للنظام السياسي يشمل قانون الاحزاب وشروط تأسيسها بعيدا عن الطائفية والعنصرية, وقانون انتخابات عادل يضمن المشاركة الواسعة وغير المشروطة لشعبنا, واعادة النظر بالدستور وألغاء الازدواجية فيه وخاصة ما يتعلق بدين الدولة وهويتها وتشريعاتها. أن تجريم الخطاب الطائفي والعنصري والطائفية السياسية تشكل صمام الامان لبداية مرحلة انسانية في حاضر العراق ومستقبله عبر انتاج وتكريس خطاب سياسي ثقافي عابر للطوائف والاثنيات والعنصرية البغيظة, قوامه الولاء للعراق ولقيم الانتماء للمواطنة والوطن !!!.

 

الفن بين التحريم والتجريم

كرار نوشي لم يكن الأخير

د.عامر صالح

 

" من حزن فليستمع للأصوات الطيبة فإن النفس إذا حزنت خمد نورها فإذا سمعت ما يطربها اشتعل منها ما خمد "

                                                                                                                                 أفلاطون

 

تناقلت وسائل الاعلام العراقية والعربية والعالمية خبر مقتل شاب عراقي يدعى كرار نوشي, وحسب التصريح الاعلامي لهيئة متابعة قوى وشخصيات تنسيقيات التيار الديمقراطي في الخارج " والذي سبقته عشرات القنوات الفضائية " حيث تم خطفه ببغداد وبعدها بيومين وجدت جثته مرمية في برميل للأزبال بمنطقة شارع فلسطين ببغداد, وقد بدت عليها آثار التعذيب الجسدي الشنيع وكسر ذراعيه وآثار اطلاق ناري في رأسه. وكرار نوشي شاب عشق الفن وأمتهنه, فهو فنان مسرحي وراقص باليه, وهذا يضعه في مكانة متميزة ونادرة خاصة وأن ممارسة الأعمال المسرحية ورقص الباليه من قبل شاب وسيم المظهر يضعه في موقف لا يحسد عليه في مجتمع تسللت إليه مخالب التخلف والرجعية في ظلمة مفاجئة فباتت كل مفاهيم المدنية والحداثة والفنون والحضارة تصنف بكونها أعمال كافرة ومنكرة تستوجب العقاب بطرق وأساليب داعشية جبانة. أن مقتل كرار نوشي وبهذا الاسلوب الفج الذي لا يختلف في مستوى همجيته عن ممارسات الدواعش المجرمين, يدفعنا للمطالبة بضرورة محاربة الفكر الارهابي الداعشي الذي كما يبدو أخذ طريقه لعقول حتى أؤلئك الذين يدعون محاربة الارهاب !!!!. 

 يثير زحف التيارات الدينية المتطرفة والتي لا ترغب بفصل شؤون الحياة العامة وحرياتها عن الدين, في الكثير من البلدان مصدر قلق لمصادرة المزيد من الحريات الشخصية والعامة, وفتح باب الارتجال والاجتهاد واتخاذ القرارات المنفعلة للهجوم على تراث شعوبها في الموسيقى والغناء والترويح وغيرها من المجالات لتحول حياة الناس الشخصية إلى حياة صماء وجحيم لا تطاق, متجاهلين نتائج العلوم والإرث الفلسفي والفكري لشعوبها  في قيمة الفنون و لمغزى ومعاني الفنون في الحياة اليومية وفي تهذيب وإعادة صقل السلوك الشخصي والاجتماعي, السوي منه والمرضي. فهل هناك من محاولة للتسوية أو لقاء بين الموسيقى والغناء وبين الدين, أم هناك زحف و إقصاء متواصل من قبل التطرف الديني للموسيقى والغناء والفن بصورة عامة, وتحويل الموسيقى والصوت الجميل وبالإكراه في خدمة الشعائر الدينية ذات الطابع الحزين في معظمه, وإلغاء فسحة الترويح الضرورية واللازمة لإعادة بناء النفس !!!!.

 أن تجربة العراق من التجارب المؤلمة والحزينة في الهجوم والتضييق على الفن ومنها الموسيقى والغناء, والتي تعبر عنها منع إقامة مهرجانات الأغنية العالمية كما حصل لمدينة بابل والبصرة, وزحفا مستمر لمنع المسرح والسينما, و محاولات غلق الأندية ذات الصلة بالفنون الرفيعة كاتحاد الأدباء العراقيين, وغيرها من الظواهر الشؤم في كليات ومعاهد الفنون الجميلة,  والقادم أسوء في التضييق على الحريات والفنون بمظاهرها المختلفة في ظل ضعف دولة القانون وتكبيل حرية المواطن والتهديد بعودة المليشيات, مما اجبر ويجبر الكثير من الفنانين إلى مغادرة العراق أو العزوف عن الموسيقى والغناء, أو التحول إلى " الغناء " الديني في المناسبات المختلفة, حيث يحتاج هو الآخر إلى مواهب وأصوات جميلة مؤثرة وذات أهداف حشدية ـ  تعبوية وسياسية مختلفة في ظروف عراق اليوم بعيدا عن الذكرى العطرة للرموز الدينية !!!!.

 

أن الموسيقى والغناء هي ألوان من التعبير الإنساني, فقد يتم التعبير فيها عن خلجات القلب المتألم الحزين, وكذلك عن النفس المرتاحة والمسرورة, وفي الموسيقى قد يأتي المرء بشحنة انفعالية فيها ما يكفي من الرموز التعبيرية المتناسقة في مقاطع معزوفة يحس بها مرهف الحس أو من متذوقيه, وينفعل ويتفاعل سماعيا ووجدانيا وفكريا,يحس بها إحساسا عميقا وينفعل به انفعالا متجاوبا, مثله مثل أي من الكائنات الحية. ويقول أفلاطون بهذا الصدد: " أن هذا العلم لم يضعه الحكماء للتسلية واللهو بل للمنافع الذاتية ولذة الروح والروحانية وبسط النفس وترويض الدم. أما من ليس له دراية بذلك فيعتقد انه ما وضع إلا للهو واللعب والترغيب في لذة شهوات الدنيا والغرور بما فيها " !!!!.

 لقد استخدمت الشعوب القديمة, العربية منها وغير العربية, الموسيقى سواء كانت في نغمات أو مقامات أو أغنيات, كوسيلة من وسائل التطبيب والعلاج, ففي زمن يونان القديمة امن شعوبها بأهمية الموسيقى في الشفاء من الأمراض, وكان " أبي أقراط " أول من استخدم الموسيقى بين اليونانيين إيمانا منه بقدرتها على تخفيف التعب والإرهاق وتعديل المزاج الحاد وشفاء الأمراض النابعة من الإنهاك العقلي والجسمي. أما الأطباء العرب فقد استخدموا الموسيقى في العلاج ومنهم " أبو بكر الرازي " و " الفارابي " و " أبن سينا " و " أخوان الصفا " و " الكندي ". فقد بين أبو بكر الرازي إن للموسيقى آثار سحرية تقي من تأجج أزماتهم النفسية. أما الكندي فكان يعتقد إن للإلحان الموسيقية آثارها الحسنة على صحة الجسم, إذ أنها تستخدم كمقويات للدم وكمسكنات وكمساعدة على التخلص من عسر الهضم. ويقول الكندي كذلك إن لآلة العود قدرة فائقة على التخلص من الآلام جميعها, ولذلك ادخل الآلات الموسيقية كالدفوف والأعواد لمعالجة مرضاه, وهو من أضاف الوتر الخامس للعود ونفذه عمليا زرياب. أما ابن سينا فله في هذا قوله المأثور: " الغناء أحسن رياضة لحفظ الصحة من العناء ". والفارابي الذي بلغ منزلة كبيرة في تضلعه للموسيقى علما ومزاولة, وكان يفخر بنفسه بأنه يضرب على العود, وهو الذي أكد على الأثر الايجابي للموسيقى في الحياة المدنية وخاصة عندما تتلبس بقول الشعر. ويذكر أخوان الصفا في رسائلهم عن استعمال الموسيقى في مشافي " المجانين " التي وجدت في ذلك العصر, حيث كان يلجأ الأطباء العرب لشفاء " المجانين" إلى استخدام الموسيقى لتخفيف الآلام عن مرضاهم أثناء النوبات, ويؤكد أخوان الصفا كذلك إن الموسيقى تؤدي إلى السكينة الكاملة والطبيعية لدى المرضى بعد الاستماع للنغمات الموسيقية !!!!!!.

 وفي عالمنا المعاصر إذ تنهال علينا نتائج الأبحاث العلمية في ميادين التربية وعلم النفس والطب وغيرها من العلوم, وجميعها تؤكد على أهمية الموسيقى والغناء في حياة الإنسان وصحته الانفعالية والفكرية والعقلية والجسدية, وتشكل بدورها دليلا ميدانيا محكما في صحته لتلك الأهمية التي تحدث عنها التراث العربي والعالمي. ونستطيع أن نجمل بعض من فوائد الموسيقى والغناء في ضوء نتائج البحث العلمي بما يأتي: أن الموسيقى والغناء الهادئ يفيد الأفراد الذين يعانون من الأرق وتؤدي فعل المهدئات الطبية, كما تساعد على تنظيم النبض والتنفس والدورة الدموية والحد من التوتر العصبي, وتسهم في تخفيف حالات الاكتئاب والقلق, وتساعد على تخفيف آلام الظهر, والنخاع ألشوكي, والأمراض العصبية, وارتفاع الضغط وآلام الرأس, كما تساعد الموسيقى والغناء الذي يحبذه الشخص على زيادة إنتاجه في العمل أو الوظيفة التي يمارسها عند سماعه لذلك أثناء العمل و في ظروف لا تزعج الآخرين, كحمل السماعات في الآذان, كما أكدت الأبحاث أن سماع الموسيقى والغناء من قبل ممارسي رياضة الركض يفيد كثيرا في عدم إحساسهم بالتعب أثناء ممارسة هذا النوع من الرياضة, حيث تساعد الموسيقى على إفراز مادة " الاندروفين " في الدماغ والتي تساعد على عدم الإحساس بالتعب مقارنة بمن لا يستمع إليها أثناء أداءه للتمرينات, كما أبدى المصابين بالسكتة الدماغية والذين تدهورت لديهم القدرة على المشي, مزيدا من التحسن عند تدريبهم وسماعهم لنوع من الإيقاع الموسيقي, وقد أظهرت الأبحاث العلمية أن المرأة الحامل يكون نصيبها في حمل هادئ أكثر من نظيرتها المرأة التي لم تستمع إلى الموسيقى وكذلك أثناء الولادة حيث يكون الألم اقل في فترة المخاض لدى مستمعات الموسيقى, وتساعد الموسيقى والغناء المسنين والعجزة على تحسين الذاكرة واسترجاع المعلومات وحتى بالنسبة للشباب والأطفال. كما أصبح معروفا اثر الموسيقى على النباتات وانتعاشها وزيادة رونقها, وكذلك أثرها الواضح على " نفسية الحيوان ", مثل اثر النغمات الناعمة والهادئة على البقر في إدرارها اللبن, كما ونوعا, وهكذا فأن الموسيقى والغناء يشكلان بيئة مواتية للشفاء والعطاء لكل من الإنسان والحيوان !!!!.

 

أما بالنسبة للدور التربوي الذي تؤديه الموسيقى والغناء فقد عكفت النظم التربوية والتعليمية العالمية والمتطورة على تضمين مناهجها الدراسية بمادة الموسيقى والغناء وإعطاء حقها من المنهج الدراسي, وعدم استلابها لمصلحة المواد الدراسية الأخرى واعتبارها مادة ثانوية عديمة الجدوى كما يجري في نظمنا التربوية. وقد أكدت النظم التربوية المعاصرة أن هذه المادة الدراسية لها دور أساسي في النمو الجسمي, والعقلي, والانفعالي والاجتماعي, ووفقا لذلك فأن التربية الموسيقية تؤدي إلى تنمية التوافق الحركي والعضلي في النشاط الجسمي, والى مجموعة من المهارات الحركية, إضافة إلى تدريب الأذن  على التميز بين الأصوات المختلفة, ويتم ذلك من خلال أنشطة موسيقية متعددة كالتذوق الموسيقي والغناء والإيقاع الحركي والعزف على مختلف الآلات, وكذلك في تنمية الادراك الحسي والقدرة على الملاحظة وعلى التنظيم المنطقي وتنمية الذاكرة السمعية والقدرة على الابتكار, إضافة إلى مساهمة الموسيقى في تسهيل تعلم وتلقي المواد الدراسية الأخرى وارتفاع مستوى التحصيل فيها, إلى جانب تأثير الموسيقى في شخصية الطفل وقدرتها على خفض حالة التوتر والقلق فيصبح أكثر توازنا, إضافة إلى أن الموسيقى تستثير في الطفل انفعالات عديدة كالفرح والحزن والشجاعة والقوة والتعاطف وغيرها, وهو ما يساهم في أغناء عالم الطفل بالمشاعر التي تزيد من إحساسه بإنسانيته, كما تساهم الموسيقى في تنمية الجوانب الاجتماعية لدى الطفل, حيث تشتد أثناء الغناء والألعاب الموسيقية ثقة الطفل بنفسه ويعبر عن أحاسيسه بلا خجل وتسهل توطيد علاقاته بأقرانه, إضافة إلى الجانب الترفيهي في حياته, كما أن الموسيقى والغناء يعيدان إنتاج التراث الثقافي والفني في ذهنية الأطفال !!!!!.

 

وأمام كل هذا الكم الهائل من الدراسات العلمية والتربوية والنفسية والتي تؤكد على استجابة الفطرة الإنسانية للموسيقى والغناء,  في صحتها ومرضها, نواجه الموقف الديني الذي يفسر نصوصه فقهاء الدين وتجسده ممارسات الإسلام السياسي على الأرض وبكل وضوح في التضييق على حريات الناس في الاستمتاع بالموسيقى والغناء وغيرها من الفنون, ويجري هذا التضييق ومصادرة حرية الأفراد في الاستمتاع بالفنون على خلفية الفهم المشوه للنصوص الدينية التي ترد في القرآن وكذلك في الأحاديث النبوية, كما لا يوجد خلاف على تحريم الموسيقى والغناء لدى كل المذاهب الإسلامية, إلا في بعض الاختلافات الشكلية والتي تصب جميعها في خدمة المحرم. ويستند هذا التحريم إلى ما ورد, على سبيل المثال لا الحصر , في سورة لقمان/الآية ( 6 ): ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ), وحسب جموع المفسرين فأن " لهو الحديث " يقصد به الغناء وما يلهي عن الخير والأكاذيب, وكذلك ما ورد في سورة الحج/الآية ( 30 ): ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ), ويقصد هنا " بقول الزور " لدى أهل السنة والشيعة هو مجالس الغناء وأيضا شهادة الزور أي شهادة الكاذبة ولا مانع " حسب المفسرين " من أن يكونا مقصودين في الآية المذكورة فتحمل على كلا المعنيين, وقد ورد أيضا في سورة الإسراء/الآية ( 64 ): ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجالك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ), ويلتقي في هذه الآية  كل من أهل السنة وأهل الشيعة على تفسير معنى " بصوتك " والمقصود بها هنا هو الغناء والمزامير واللهو والملاهي, وآيات قرآنية كثيرة تشير إلى تحريم الغناء والعزف على مختلف الآلات الموسيقية لا مجال لذكرها بكثافتها هنا !!!!.

 أما في السنة النبوية فقد جاء التحريم مطابقا لوروده في القران, والأحاديث النبوية هي الأخرى لا حصر لها, واذكر القارئ هنا ببعض من هذه الأحاديث لكي تسند الحديث عن تحريم الغناء والموسيقى, يقول النبي محمد: ( إياكم  واستماع المعازف والغناء, فإنهما ينبتان النفاق في القلب, كما ينبت الماء البقل ), ويقول أيضا في حديث آخر: ( إن الله بعثني رحمة للعالمين, ولأمحق المعازف والمزامير, وأمور الجاهلية ). كما يدخل الأئمة هنا على خط التحريم ليؤكدوا ذلك, كما في قول الإمام الصادق: ( بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة, ولا تجاب فيه الدعوة, ولا يدخله الملك ), ويدخل على خط التحريم أيضا علي خامئني, مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقوله: ( الغناء محرم شرعا مطلقا, حتى في الدعاء والقرآن والأذان والمراثي وغيرها ).  أما في المملكة العربية السعودية وبعد سلسلة مثيرة من الفتاوى الغريبة لمفتيها العام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ بتحريم الفنون من غناء وموسيقى وسينما ومسرح بوصفها تلهي القلوب أضاف المفتي المذكور الأرجيلة - الشيشة ولعبة الشطرنج الى قائمة المحرمات التي تطول يوما بعد أخر لتكشف عن خطورة هذا النهج المتشدد, وقد أدخلت المحرمات الجديدة إلى القائمة أثناء لقاء مفتي السعودية بطلبة جامعة الملك سعود.

وهكذا نجد إجماعا على تحريم الموسيقى والغناء والفنون الاخرى لدى جميع المذاهب الإسلامية, لما يسببه حسب رأيهم من انهيار للقيم والأخلاق وفساد الشباب وضياع الوقت وانهيار المجتمعات, والانحراف عن الدين, والتسبب في الكثير من الأمراض الجسدية والنفسية والروحية !!!!.

 

وهكذا نجد تعارضا بين معطيات البحث العلمي وتفسير الخطاب الديني, ويثير لدينا تساؤلا: " إذا كان الخطاب الديني لا يقف بالضد من نتائج البحث العلمي كما يدعي كل فقهاء الدين ؟؟؟؟ فعلام هذه الفرقة بين العلم والدين في إحدى قضايا الحياة الروحية والنفسية والجسدية, إلا وهو الفن والموسيقى والغناء, أم هي دعوة مستديمة ومتجددة لفصل الدين عن الدولة وعدم التدخل في الحريات الشخصية, ولكي تأخذ مكونات الحياة الفكرية والثقافية والعقلية نصيبها من الثراء والرقي والتقدم بعيدا عن عبث المتأسلمين. أن كرار نوشي هو ضحية لغياب الدولة المدنية, وقد سبقه المئات وسيلحق به المئات والالوف في بلد اختلط به السياسة بالدين بأشد الاشكال تعسفا وحرمانا للحريات العامة والفردية. الرحمة والسلام للشهيد كرار نوشي والصبر والسلوان لأهله ومحبيه.        

 

الحرب الحقيقية مع داعش

تبدأ عندما تتوقف العمليات

العسكرية/ العراق أنموذجا

 

د.عامر صالح

 

أعلن القائد العام للقوات المسلحة العراقية ورئيس الوزراء السيد حيدر العبادي في 29ـ6ـ2017 القضاء الرسمي على تنظيم داعش " تنظيم دولة الخلافة الإسلامية " متخذا من رمزية السيطرة على أنقاض جامع النوري والحدباء أشارة  جغروسياسية لأعلان النصر حيث من هذا المكان أعلن التنظيم دولته الشؤوم قبل ثلاثة أعوام تقريبا, ولكن الحقائق الميدانية تؤكد ان تنظيم داعش لازال يلتقط انفاسه الاخيرة في عمليات كر وفر في الساحل الأيمن من الموصل, الى جانب تواجده المبعثر وتمترسه في مناطق شتى في العراق بما فيها حزام بغداد وكركوك في الحويجة وتلعفر وعلى شكل خلايا نائمة ونشطة في كل المناطق المحررة !!!.

بالتأكيد أن كسر الذراع العسكري لتنظيم داعش الارهابي هو أنجاز كبير ومشرف للقوات المسلحة العراقية, وقد قدمت فيه قوافل من الشهداء ومن خيرة ابناء الشعب العراقي ممن أقتنعوا بمقاتلة الارهاب وابعاد شبحه عن العراق, وقد خلفت المعارك الشرسة مع عدو لا يعرف في قاموسه الرحمة, خراب شامل في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, ومئات الالوف من النازحين من الموصل بشقيها الايسر والايمن, اما على مستوى آخر فقد بلغ النزوح بالملايين من مناطق العراق الاخرى التي كانت تحت سيطرة تنظيم داعش, الى جانب استنزاف المؤسسة العسكرية من حيث عدتها وعنصرها البشري وفي ظروف العراق الحرجه وهو بأمس الحاجة لبناء مؤسسته العسكرية واجهزته الامنية والمخابراتية, كأي دولة تطمح لبناء تلك المؤسسات الدفاعية لحماية البلد من الاطماع الخارجية وتقوية الجبهة الداخلية !!!.

في هذه اللحظات الحرجة يتكالب النظام الطائفي السياسي والاثني ويبذل أشد ما لديه من سوء نية في أفراغ النصر من محتواه وتحويله الى موضوع خلاف لأضعاف الجبهة الداخلية, فهناك من يرى ان رئيس الوزراء استمع الى نصائح الامريكان ولم يشرك الحشد الشعبي مباشرة في تحرير نينوى, مما ألحق بخراب شامل في هذه المدينة وكأن داعش تقاتل بالحلوى والشوكولاته, وهي جزء من صراعات حزب الدعوة لسحب بساط النصر من تحت أقدام حيدر العبادي ولأضعافه سياسيا, وهناك في الجبهة السنية السياسية من يرى ان التحرير كان منجزا خاصا بأهل مناطقها ولا فضل لأحد عليها, وهي دعوى مبطنة لتغذية الاحتقان الطائفي من جديد وتكريس العزلة النفسية والسلوكية لأهلها وتوظيف ذلك في مختلف مشاريع الاستمالة بما فيها الانفصال, الى جانب عدم الاعتراف بشهداء التحرير من العراق كله !!!.  

التركة الثقيلة في المناطق الغربية او ما يسمى " السنية " هي تركة ليست هينة أبدا, فألى جانب الخراب في البنية التحتية الاقتصادية وتوقف الحياة بالكامل, هناك الخراب الفكري الذي أسست له داعش ودول الاقليم الداعمة للارهاب والقائم على قاعدة الصراع الشيعي ـ السني والغير قابل للحل ومن خلال تغذيته بنماذج السوء تاريخيا لأبقائه مستعرا بدون نهاية, ويشكل هنا النظام المحصصاتي الطائفي والاثني عاملا مسهلا لتلك الصراعات وديمومتها, فهو قابل بفعل طبيعته التشنجية ان يعطي الضوء الاخضر لهذا الطرف على حساب الآخر. 

أن معالجة آثار الارهاب ومخلفاته النفسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتعزيز مكاسب الانتصار العسكري على داعش يجب أن تبدأ أولا بأعادة النظر جذريا في النظام السياسي القائم, بما فيه الدستور وقانون الاحزاب والانتخابات ومفوضيتها, ومتزامنا مع كل الجهود الحريصة لمحاربة الفساد الاداري والمالي والسياسي, لأن داعش نتاج لهذا كله الى جانب العوامل الخارجية.

 

أن الفساد الاداري والمالي في المناطق الغربية " السنية " بما فيه سرقة الاموال المخصصة لمساعدة النازحين واعادة اعمار مناطقهم يحجب الحديث كليا عن اعادة بناء البنية التحتية المدمرة ويجعل سكان مناطقها في مهب الريح اذا لم يقترن في اعادة بناء العملية السياسية القائمة على المحاصصة السياسية الطائفية والاثنية, الى جانب ما يجري من فساد متعدد الوجوه في الوسط والجنوب او ما يسمى بالمناطق " الشيعية " ينخر الدولة ومؤسساتها, فالسارق والفاسد واحد باختلاف هويته الطائفية !!!. 

الاحتفاظ بزخم الانتصارات المتحققة في جبهات المعارك ضد تنظيم الدولة الاسلامية " داعش " يجب ان يقترن بحرص اطراف العملية السياسية على ايجاد مخارج لأحتقانات العملية السياسية لدعم الانتصارات المتحققة على جبهات القتال ضد داعش والابتعاد عن منطق المحاصصة الطائفية الذي سبى العراق والعراقيين وكلفهم اعز ما يملكون من أبنائهم وثرواتهم ومستقبلهم. داعش ستكون في مزبلة التاريخ عندما يكون الوطن صالحا للجميع أما عدا ذلك فالقادم أسوء !!!.

 

 

 

 

 

 

في سيكولوجيا الأنتماء الطائفي

  بمناسبة استشهاد الامام علي(ع)"

 

 

 د.عامر صالح 

توفي الامام علي بن أبي طالب في 21 رمضان 40 هجرية/ 27يناير 661 ميلادية, أي قبل أكثر من ألف وثلاثمئة وخمسين عام, والطائفيين الاسلامويين اليوم يستخدمون ذكرى استشهاده لأعادة انتاج الفتنة بين المكونات المذهبية المختلفة, وبدلا من البحث في التراث الانساني الذي خلفه الامام علي والذي تفرد به بين رجالات الاسلام ومفكريه, أصبح حديث البحث عن قاتله وأصوله " هل كان فارسيا أم من عرب الجزيرة " يتصدر بعض الفضائيات الصفراء والصحافة المعوقة لبث السموم وصرف الأنظار عن ما لحق بشعبنا من خراب ودمار شامل جراء السياسات الطائفية السياسية الرعناء. 

 

يقول الامام علي " أطفئو ما كمن في قلوبكم من نيران العصبية وأحقاد الجاهلية, فأنما تلك الحمية تكون في المسلم من خطرات الشيطان ونخواته, ونزعاته ونفثاته ". وسأتحدث في هذا المقال عن مشروعية الانتماء للطائفة او المذهب, وعدم مشروعية إقصاء الآخر, وتنوع مصادر الانتماء للفرد الواحد, مع الاشارة الى خصوصية الوضع في العراق.

 

أن الانتماء الطائفي والمذهبي هو نتيجة طبيعية لواقع يولد ويترعرع وينشأ فيه المرء, فإذا ولد في عائلة مسلمة ـ سنية, أو مسلمة ـ شيعية, أو مسيحيةـ كاثوليكية, أو مسيحية ـ بروتستانتية, أو صابئية أو زيديه, فأنه يشعر بطبيعة الحال بانتماء وشعور ما للطائفة وللدين الذي ولد فيه, وهذا أمر طبيعي يقارب في تجلياته صورة من يحمل الخصائص الوراثية لوالديه, من طول القامة ولون الشعر وشكل الأنف والوجه وبعض من مظاهر السلوك النمطي, ولم يفكر احد منا بتغير طائفته أو مذهبه باعتبارها تحصيل حاصل أو مستقر حال.قد ينساق البعض تحت وطأة ظروف التطرف والانهيار ألقيمي في البحث عن أدلة مفرطة في تأكيد صحة انتمائه الطائفي على حساب الطوائف والمذاهب الأخرى, وهي حالات من صور طبق الأصل لعمليات التجميل الجراحي لشكل الأنف, والشفاه, والخدود, والصدر أو لبس العدسات الملونة في محاولات لتغير حقائق الشكل, والذي لا يمكن فيه تجاوز سنة الوراثة, حيث يبقى طفح الصفات الوراثية الحقيقية في الأجيال القادمة دون أن يتغير من الجوهر شيء يذكر, ويبقى الإحساس الداخلي للفرد هو الأهم والفيصل في ذلك !!!!.

 

من الناحية الحيادية الخالصة أن الانتماء الطائفي لا يحتم العداء للطوائف والمذاهب الأخرى, بل يمكن أن يتعايش المرء مع الشعور بمحبة أبناء الطوائف الأخرى ومع احترامهم, وهو خلاف التعصب الطائفي تماما الذي يؤكد على تمجيد وتفضيل للطائفة التي ينتمي إليها الفرد وإقصاء الآخرين أو التميز ضدهم أو اتخاذ موقف معادي لهم. قد يتصور العديد من الناس للوهلة الأولى بأن الانتماء الطائفي هو نوع من الانتماءات المتخلفة والبدائية والضارة, وقد تلحق الأذى بالانتماء القومي والوطني, وهو تصور مستعجل ومنفعل يستند إلى حجم الكوارث والأهوال والاقتتال الذي يحصل بين الطوائف والقائم على خلفية تعصبية ـ طائفية, وليست انتمائية خالصة نزيهة ونظيفة للطائفة بعينها !!!!.

 وكما نعرف فأن الإنسان المعاصر يتمتع بدوائر انتماء متعددة منها الانتماء الطائفي والوطني والقومي والسياسي والإقليمي والمهني والجيلي وغيرها من الانتماءات, والشعور بالانتماء لهذه هو دينامي وسياقي, دينامي لأنه يتحرك ويتغير في فضاء الزمان والمكان, وسياقي لأنه يتعلق بالسياق الذي يوجد فيه الفرد, ففي سياق ما مثل أثناء نقاش سياسي مع مجموعة كردية أو عربية يكون الشعور بالانتماء القومي هو الأبرز, بينما يكون الانتماء المهني هو الأبرز أثناء جدال مهني. ومن غير المنصف والأخلاقي أن يطلب من الفرد أن يحصر شعوره بالانتماء إلى دائرة واحدة كالدائرة الوطنية أو القومية أو الأممية أو الطائفية, وان يتخلى عن دوائر الانتماء الأخرى, إذ أن لكل دائرة انتماء دورها النفسي والسلوكي والاجتماعي في حياة الناس, وعليه من غير المنصف وغير المجدي أيضا التعامل مع الانتماء الطائفي باعتباره مرض عضال أو آفة يجب مكافحتها. نحن هنا نكافح التعصب الطائفي الذي يقوم بقتل الإنسان من خلال حصره في دائرة انتمائية ضيقة, كالانتماء الطائفي ـ الديني الضيق, واعتبار الفرد الضحية ممثلا حقيقيا لدائرة الصراع الطائفي ـ الطائفي, متناسيين بغباء انتماءات الإنسان الأخرى الوطنية والقومية والسياسية.فكم من عشرات الألوف من الضحايا في العراق قتلوا ظلما وبهتانا, وعشرات ألوف أخرى ينتظرها القتل بدوافع الانتماء الطائفي قد تنفذ بأيدي قاتل أو مجرم متعصب ـ طائفي, يرى في انتماء هؤلاء الطائفي ذريعة لجرائمه, وهم أبرياء حقا لا يمتلكون من التعصب ـ الطائفي شيئا يذكر, سوا لأنهم انتموا بالأسماء أو الطوائف لهذه الطائفة أو تلك, أو لأنهم ورثوا هذا الدين أو هذه الطائفة عن أبائهم وأجدادهم, وقد لا يحمل الضحايا أي مساحة تذكر في شخصياتهم من التعصب الطائفي, وقد ينتمون إلى دوائر أخرى أوسع بكثير من الطائفية الفطرية " الموروثة " !!!!.

 أن بالإمكان للانتماء الطائفي أن يسخر للمصلحة الوطنية, وان التناقض بين الانتماء الطائفي وبين الوطني هو ليس أمرا حتميا, وان تاريخ العراق السياسي يشهد كثيرا من التوظيف المثمر للانتماءات الطائفية في الدفاع عن الوطن وسيادته ضد المحتل الأجنبي, ومن اجل ترسيخ السيادة الوطنية, وخاصة ما حصل في بداية تشكيل الدولة العراقية وما قبلها حيث لعب زعماء الطوائف السنية والشيعية وغيرها دورا مشرفا في مقارعة الاستعمار وردع طموحاته اللامشروعة والحفاظ على الوطن" , وبالإمكان من جانب آخر استغلال الانتماءات الطائفية والمذهبية لأهداف فئوية أو سياسية ضيقة أو لمعاداة القوى الوطنية, كما حصل ذلك في بعض المحطات المؤسفة والمؤذية لبعض فصائل الإسلام السياسي في تحالفها مع انقلابي 8 شباط عام 1963 والعمل بفتوى " الشيوعية كفر والحاد " والذي راح ضحيته عشرات الآلاف من المناضلين الوطنين والضحايا الأبرياء, وعلى العموم يجب عدم معاداة الانتماءات الطائفية, بل يجب تفهم دورها النفسي والاجتماعي في حياة الناس, وفي نفس الوقت التحذير من التعصب الطائفي الذي يقصي أو يعادي الآخرين, أذن هناك فرق بين أن تنتمي إلى طائفة ما وبين أن تتعصب لها !!!!.

 ويبقى الحديث عن مشروعية الانتماء إلى طائفة ما أو قومية ما أو هوية سياسية ما ناقصا بالتأكيد إذا لم يقترن بالحديث عن التعددية والديمقراطية كمنهج وكقيمة اجتماعية, والتعددية تعني قبول الآخرين المختلفين قوميا أو طائفيا أو سياسيا واحترام رأيهم وحقوقهم وطريقة حياتهم طالما أن ذلك لا يمس بحقوق بقية الفئات, ففي الوقت الذي ندعو به إلى حق الناس في ممارسة انتمائهم الطائفي يجب الدعوة بقوة إلى انتهاج التعددية والديمقراطية السياسية لكي يأخذ كل مكون اجتماعي أو ديني حجمه الطبيعي وألا يبقى خطر تحول الانتماء الطائفي إلى تعصب طائفي, كما تشهد على ذلك المظاهر العلنية والخفية للصراع في الساحة السياسية العراقية والمتلبس بثوب الطائفية والذي قام على خلفية نهج الاحتلال في التأسيس لنظام المحاصصة وزرع بذور الفتنة بين المكونات الدينية والمذهبية والطائفية والاثنية العراقية, والمتمثلة بالعديد من الإجراءات الانتحارية : مثل قانون إدارة الدولة, واجتثاث البعث, وحل القوات المسلحة العراقية, وشكل المنظومة السياسية, والدستور, وقانون مكافحة الإرهاب, ودمج المليشيات في القوات المسلحة وغيرها في العديد من الإجراءات التي تدفع صوب الاحتقان السياسي والطائفي, والذي اتضحت أثارها منذ الأيام الأولى بعد سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003, والتي تجسدت في الحرب الأهلية السياسية ـ الطائفية, والتي سمحت لتنظيم القاعدة الإرهابي وداعش لاحقا مع فلول النظام المنهار أن تتصدر معارك " الشرف والبطولة " لإبادة شعبنا, والتي كادت تطبق على مكونات شعبنا وسحرها الجميل إلا أن نباهة شعبنا وتقاليده في التسامح الاجتماعي  واللاعصبية ساهمت في تضيق نار الفتنة في محاولة لإخمادها !!!.

 

واليوم إذ ينبذ شعبنا بشدة الاحتراب والاقتتال الطائفي والصراع السياسي ذو الذرائع الطائفية, نجد أن هناك زحفا آخرا طائفيا منظما لا تقل خطورته عن الزحف الطائفي المسلح" والذي لا تزال بقاياه رهن الإشارة والصفقات السياسية والظروف المحيطة  بين التهديد والوعيد ", حيث يشهد العراق زحفا طائفيا " غير مقدس " بدون رحمة أو رجعة على الوزارات والدوائر الحكومية ومجالس الحكم في المحافظات وغيرها من مرافق الحياة الحكومية, فقد تحولت الوزارات والدوائر الحكومية إلى محميات ومقرات حزبية وخلايا تنظيمية وأصبحت الوزارات مغلقة لجميع المنتسبين والعاملين فيها لجهة حزب الوزير الذي يقود الوزارة, ويشمل ذلك كل الوزارات والدوائر الحكومية بدون استثناء, من أجهزة أمنية, ومخابراتية, وجيش, ووزارة الخارجية وسفاراتها وقنصلياتها الدبلوماسية في الخارج "والتي أصبحت تمثل حزب السفير أو القنصل في الخارج ولا تمثل الوطن", ووزارة الصحة, والتربية والتعليم وغيرها, وعلى خلفية ذلك يستشري الفساد الإداري والمالي والأخلاقي محتميا ومحميا بالمظلة الطائفية والسياسية لتلك الجهة المتربعة في الجهاز الحكومي المعني دون أدنى رقيب, ومؤسسا لأحترابات قادمة لا نعرف مدايات سقفها وخطورتها على الاستقرار السياسي المنشود للبلاد, وخاصة في مرحلة ما بعد داعش.

 

أن ما يؤذي الناس والشعب عموما وبمختلف أطيافه هو ليست الانتماء إلى طائفة, فذلك واقع حال, حيث عاش العراق فترات من المحبة والمودة بين الطوائف والمذاهب والأديان المختلفة, وهي فترات إنسانية حقه نعتز بها جميعا, لم نعرف فيها دين أو مذهب جارنا وصديقنا,ولم نؤسس تعاملنا الحياتي على أساس هذا الانتماء , ولم نجرئ لأسباب أخلاقية أن نسأل عن انتماءات جارنا وصديقنا المذهبية والطائفية, فكان ذلك من المعيب والمخزي في ثقافة التعامل اليومي, وان عرفنا بذلك فنكن له كل المودة والاحترام, حيث كان الانتماء للوطن هو سيد الموقف والثقافة السائدة !!!!.

 

إننا اليوم نعاني من الفتنة الطائفية القائمة على ذلك السلوك المتمثل في بث روح التعصب الطائفي أو إثارة النعرة المذهبية, وخاصة عندما يستخدم هذا السلوك للنيل والانتقام من طائفة على حساب طائفة أخرى, أيا كانت هذه الطائفة " سنية, شيعية, زيديه, مسلمة, مسيحية, صابئية وغيرها " وهي سلوكيات تستهدف التفرقة الطائفية والمذهبية والدينية حيث المساس المباشر لحياة الناس وأرزاقهم وحقوقهم ومصالحهم وكرامتهم وآمالهم وأمنهم وسلمهم, بل وقتلهم باعتبارهم مرتدين, والتفرقة الطائفية هنا هي جريمة بعينها, يكون ضحاياها شرائح واسعة من المجتمع المدني, وهي سلوكيات تخالف ابسط مقومات الدين الحنيف, وكما ورد على لسان النبي محمد : " لا فرق بين عربي و لا أعجمي إلا بالتقوى " , وهو كذلك بالتأكيد سلوك مخالف للأعراف والتقاليد الدولية, حيث تنص المادة ( 55) من ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان على عدم الفوارق بين الناس, حيث تؤكد المادة المذكورة على : ( احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تميز بسبب الجنس أو اللغة والدين, و لا تفرق بين الرجال والنساء, ومراعاة تحقيق تلك الحقوق والحريات فعلا).

 أن التعصب بمختلف مظاهره من عنصرية, وطائفية دينية أو مذهبية, أو سياسية, أو قومية أثنية, أو حزبية وفكرية, تمثل اتجاها نفسيا جامدا ومتحجرا مشحون انفعاليا أو عقيدة وحكم مسبق مع أو ضد جماعة أو أي شيء أو موضوع, ولا يقوم على سند منطقي أو معرفة أو حقائق علمية. أو هو موقف معاد ضد الجماعات الأخرى المختلفة في المعتقد أو المذهب أو الدين أو القومية, وخاصة عندما لا يكون هناك تفاعلا حقيقيا ومعرفة واقعية بين هذه الجماعات, وان هذا التحجر وعدم التفاعل يحول الوطن الأم إلى كانتونات منعزلة تسودها الريبة والشك والبغضاء فيما بعضها البعض, وبالتالي يحرم التعصب هذه المجاميع من فرص التقدم الاجتماعي والاقتصادي والتنمية المستديمة تحت مظلة الوطن, لأن التعصب بطبيعته يناهض العلم ويحارب التقدم ويعادي الحقيقة ويقاوم المبادرة الفردية ويخاف من الأفكار الجديدة ولا يقبل بالنقد البناء ويرفض التساؤل باعتباره مصدر الحقائق والمعارف, ويترك التعصب لدى أهله انطباعا وهميا بالكمال والامتياز والأهلية في مختلف المجالات, وهو بذلك يغلق أبواب الرحمة والتفاعل مع البيئة الخارجية, وهو بذلك يكتفي بالاسترجاع والاجترار ويغلق قابليات العقل ويخنق فعاليات العلم ويكرس الجهل ويملأ النفوس مسرة وفرحا بالجهل واستماتة في الدفاع عنه.

 إن شعبنا في العراق اليوم يطمح إلى بناء حكومة وطنية قوية في المركز, تحترم مصالح وحقوق كل الطوائف والأديان والأعراق والاثنيات, وتحافظ على وحدة البلاد وحمايته من التدخلات الإقليمية, تحظى بثقة العالم في تطبيقها للديمقراطية بعيدا عن المحاصصات, ويكون وزرائها وكادرها في مختلف المواقع من التكنوقراط  والأكفاء والقادرين على محاربة الفساد بمختلف مظاهره. ولعل في ذكرى استشهاد الامام علي تجري الاستفادة الحية من تراثه الانساني للحفاظ على وحدة المجتمع العراقي وتنوعه الجميل, وكما قال الامام علي ان الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق !!!.

 

حرية التظاهر والاحتجاج

 واختطاف العقل المدني

 

د.عامر صالح

 

في بلد اخذت تعلو فيه فوهات البنادق على الكلمات أقدمت مجموعة من خفافيش الظلام المليشياوية في فجر يوم الأثنين بتاريخ 2017 ـ 5ـ 8 على اختطاف سبعة من الناشطين المدنيين في الاحتجاجات السلمية من وسط العاصمة بغداد في منطقة البتاوين, والناشطون هم: احمد نعيم رويعي, حيدر ناشي حسن, علي حسين شناوة, سامر عامر موسى, عبد الله لطيف فرج, زيد يحيى وحمزة العراقي. وقد ارتكب الظلامين والمتلبسين في الثقافة الداعشية في تصفية الحرث والنسل على اختطاف النشطاء السلميين في سيناريو أقل ما يقال عنه سيناريو جبان وقد نفذ من من قبل مجموعة من المتشبهين بالرجال بحق نشطاء من اجل عراق ديمقراطي يخلو من الأرهاب والطائفية الكريهة والمحاصصة الأثنية والمذهبية المريضة والرعناء ذات الأصول الدموية الغارقة في الفساد الأداري والمالي والأخلاقي, ومتخذة من الطائفة والمذهب والعرق شماعة لأرتكاب جرائم بحق الشعب العراقي وبحق الانسانية جمعاء !!!.   

لقد اكدت هذه المجاميع الظلامية المسلحة ومن يقف من ورائها سياسيا وعبر تكرار حالات الاختطاف والتهديد والقتل او الفصل من مقاعد الدراسة الجامعية, ان هذه الجماعات السياسية المليشياوية ضد الاحتجاجات والتظاهر السلمي, وبالتالي فهي ضد الدستور الذي كفل حق التظاهر والاحتجاج وضد توفير الحماية اللازمة للمتظاهرين والنشطاء المدنيين, وانهم ضد كل اشكال التعبير السلمي عن اراء الشعب ومطالبه المشروعة, وانهم ضد الممارسة الديمقراطية وحقوق الانسان الاساسية التي يجب دعمها بكل الوسائل السلمية والقانونية, كما وانهم ضد حق الافراد والجماعات في التظاهر سلميا من اجل حل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المشتركة, كما ان من يقف سياسيا وراء عمليات الاختطاف هو ضد اي عمليات تغير مرتقبة في مسارات العملية السياسية نحو الافضل, وبما ان التظاهرات والاحتجاجات السلمية هي استفتاء يومي لضعف الاداء الحكومي فان اختطاف رموز التظاهر والاحتجاج هو دليل صارخ على رفض التغير.

ان هذا التراكم السيئ في الاحداث يطال الشك فيه الى مصداقية محاربة داعش عسكريا في مناطق تواجدها عندما لا يقترن ذلك بثقافة احترام الرأي والرأي الآخر في المناطق التي تتواجد فيها سلطة الدولة الاتحادية وبغداد بشكل خاص, لأن محاربة داعش عسكريا يجب ان يتزامن ويقترن حثيثا في القضاء على ثقافة داعش وأمتدادتها في كل التراب العراقي, تلك الثقافة الوسخة التي يجسدها العقل السيكوباتي المريض في وسط العراق وجنوبه وشماله, والتي تدعي أحتكار الحقيقة عبر تسويف المذهب والطائفة والعرق وتوظيفه لمصلحة تفكيك النسيج الاجتماعي واشاعة ثقافة التصفيات الجسدية والنفسية وخلق الفوضى المدمرة, وهي ثقافة داعشية تسعى داعش لإشاعتها في مناطق تواجدها عسكريا !!!.  

لقد أقدم هؤلاء الجبناء والمستأسدين بالسلاح على أختطاف النشطاء المدنيين السبعة ليؤكدوا لنا أن داعش موجودة في كل حتة عراقية وفي كل زمان وبأمكانهم أن يستنسخوا داعش اخرى ذات مواصفات ثقافية وسلوكية تخريبية لاتقل ابدا في جرمها وصلافتها عن داعش الرسمية والمعروفة لدى الغرب والشرق, فالداعشية سلوك إجرامي وهو أرهاب منزوع الصلة بدين أو مذهب بعينه, وبأمكانك ان تكون داعشيا عندما لا تحترم حرية التعبير والصحافة والاحتجاج والتظاهر والرأي الآخر !!!.

لقد اكدت الاحداث بما لا يقبل الشك ان هذه المجاميع المسلحة المرتزقة هي مجاميع معروفة وليست مبهمة ودون اصول سياسية طائفية, بل تدخل كما دخلت سابقا على خط التفاوض مع الحكومة في العديد من حالات الاختطاف والقتل, ولهذه المجاميع سجونها الخاصة وامكنة للاعتقال والتعذيب ولها قضائها الخاص واحكامها الشرعية كما ترى, وهي معروفة ضمنا لدى الوسط السياسي الرسمي, كما هي معرفة داعش العلنية, ولهذه المجاميع المسلحة مناطق نفوذ في بغداد وتقتسمه جغروطائفيا !!!. 

 

ان حرية التظاهر والاحتجاج السلمي تشكل ركنا من أركان الدولة المدنية والديمقراطية وقد تكرست هذه الحرية في جميع المواثيق الدولية, والعراقية ايضا من خلال الدستور, وبالتالي فأن الأقدام على اختطاف النشطاء المدنيين السبعة هو جريمة أسوة بجرائم اختطاف وقتل الصحفين التي ارتكبت سابقا في العراق, وهي جرائم ضد الأنسانية وتهدد النظام السياسي الوطني ومصداقيته في الحفاظ على أرواح المواطنين المحتجين سلميا على تردي الاوضاع المعيشية والسياسية بشكل خاص !!!.

ان ما قام به النشطاء السبعة المختطفين اسوة بكل المتظاهرين والمحتجين سلميا  منسجمة مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان في حرية النقد والتعبير وحق التجمع والتظاهر وابداء الرأي المغاير, كما كانت نشاطاتهم منسجمة مع روح الدستور العراقي ونصوصه الصريحة في احترام حرية الرأي والتظاهر والتجمع, فلم يكن هؤلاء الشباب المختطفين دعاة حرب او فتنة طائفية او مذهبية او كراهية وطنية وقومية, أنهم دعاة سلام وتغير بوسائل حضارية وبحق مشروع !!!.

فلتتظافر كل الجهود الوطنية المخلصة, من أجهزة أمنية وأستخباراتية ومنظمات أنسانية عالمية ووطنية ومنظمات مجتمع مدني عراقية من اجل النضال لأطلاق صراح المختطفين النشطاء المدنيين السبعة ومعرفة مصيرهم وانزال اقصى العقوبة بالجناة المجرمين حثالى المجتمع وأعداء حرية التعبير والأمن المجتمعي !!!.

 

 

  

 عيد العمال العالمي ودلالته

 لمحنة العمال العراقيين

 د.عامر صالح

 

العمل خلق الانسان في افضل صورة ونقله نقلة نوعية في سلم التطور البيولوجي لا ترتقي أليه افضل كل الحيوانات على وجه الخليقة, ومنح الانسان مزايا تشريحية وفسيولوجية ومن ثم سيكولوجية غير متوفرة في القرائن الحيوانية الاخرى, رغم اشتراكه معها ببعض السمات التطورية الاساسية, والعمل ميز الافراد فيما بينهم في الكثير من المواصفات النفسية والسلوكية, والانسان العامل بدوره خلق الحضارة ببعديها المادي والمعنوي والثقافي بشكل أعم. ومهما بلغت درجة تعقيد التقدم التقني والمعرفي والتي تخفف من وطأة العمل اليدوي او العضلي, فأن أسس الحضارة الاولى بنيت من عرق العمال الاوائل والذين قدمو تضحيات من اجل بناء الاسس المادية للحضارة الاولى, والتي افرزت لاحقا كل هذا التراكم المادي والذي شكل قوة دفع للفكر والتفكير نحو ايجاد مخارج افضل للحضارة الانسانية عبر التخفيف المستمر لأعباء الجسد من خلال انطلاقة الفكر الذي جسدته لاحقا كل المبتكرات الانسانية وفي كل الحقول المعرفية.

ومن هنا يمكن القول ان العمل هو محور اعمار الارض ومن فيها, والعمل هو القوة المحركة لركود العقل والسواعد، والعمل هو الحالة الطبيعية التلقائية لوجود الانسان فوق هذا الكوكب. لا تنهض امة الا بالعمل، ولا يتحقق انجاز الا بالعمل، ولا ترتقي الانسانية الا بالعمل، ولما كان العمل يحتاج الى عامل، فان العامل اذن هو صانع كل ما تقدم، وهو الذي يحتفي به العالم من خلال يوم اقرته امم الارض كلها عرف بيوم العمال العالمي، اعترافا لا اقول باهمية العامل، بل بمحورية دوره في اثراء الوجود بكل جديد ومفيد. 

 وتاريخيا فأن الأول من أيار يشير إلى العديد من الاحتفالات العمالية المختلفة التي أدت إلى الأول من أيار كذكرى لإحياء النضال من أجل ثمان ساعات عمل في اليوم. وفي هذا الصدد يسمى الأول من أيار بالعطلة العالمية لعيد العمال أو عيد العمال العالمي. وقد بدأت فكرة يوم العمال في استراليا عام 1856, ومع انتشار الفكرة في جميع أنحاء العالم تم اختيار الأول من شهر أيار ليصبح ذكرى للاحتفال بحلول الدولية الثانية للأشخاص المشتركين في قضية هايماركت 1886. وأول عيد للعمال في الولايات المتحدة الأمريكية تم الاحتفال به في الخامس من سبتمر عام 1882 في مدينة نيويورك. وفي أعقاب وفاة عدد من العمال على أيدي الجيش الأمريكي ومارشالات الولايات المتحدة خلال إضراب بولمان عام 1894 , وضع الرئيس جروفر كليفلاند تسويات مصالحة مع حزب العمل باعتباره أولوية سياسية عليا. وخوفا من المزيد من الصراعات, تم تشريع عيد العمال وجعله عطلة وطنية من خلال تمريره إلى الكونغرس والموافقة عليه بالإجماع, فقط بعد ستة أيام من انتهاء الإضراب, وكان كليفلاند يشعر بالقلق لتوائم عطلة عيد العمال مع الاحتفالات بيوم أيار الدولي, والذي قد يثير مشاعر سلبية مرتبطة بقضايا هايماركت عام 1886 , عندما أطلق أفراد شرطة شيكاغو النار على عدد من العمال أثناء إضراب عام مطالبين بحد أقصى لعدد ساعات اليوم الواحد لا يزيد عن ثماني ساعات, وقد راح ضحية تلك الحادثة العشرات من أولئك العمال, وقامت الخمسون ولاية أمريكية بالاحتفال بعيد العمال كعطلة رسمية. وكان إصرار الطبقة العاملة الأمريكية على إبقاء الاحتفال في الأول من أيار هو السائد !!!.

أشتد ساعد الحركات العمالية في أوربا بنفوذ أفكار الاشتراكية والشيوعية واليسار عموما, وعلى خلفية ذلك افتتح مؤتمر النواب الاشتراكيين الدولي في باريس الفرنسية في العام 1889 والذي حضره أربعمائة مندوب, وقرر المؤتمر تحديد الأول من أيار من كل سنة عيدا مشتركا لجميع العمال في العالم, وكان المندوب الأمريكي في المؤتمر قد أشاد بقرار رفاقه الفرنسيين. وفي هذا اليوم من عام 1890 بادر العمال في أمريكا وأوربا بتسيير مظاهرات كبيرة للاحتفال بنجاح كفاح العمال ليولد عيد العمال العالمي, ليكون بذلك اختيار هذا التاريخ تخليدا لذكرى من استشهد من العمال والقيادات العمالية. وعلى خلفية ذلك فأن القوى الشيوعية والاشتراكية واليسارية عموما اعتبرت نفسها بفعل دورها التاريخي بمثابة الخط الدفاعي الأول عن حقوق العمال ومطالبيهم الأساسية, وكان شعار " يا عمال العالم اتحدوا " ملهما وقوة دفع لكل العمال في العالم من اجل انتزاع حقوقهم المشروعة. ولا غرابة من أن يتجاوز الاحتفال بالأول من أيار حدود جغرافيته في أمريكا وأوربا إلى بقاع العالم كافة, ومن ضمنها العالم العربي والإسلامي !!!.

 

 

تجاوز حدث الأول من أيار أهدافه التقليدية في المطالبة بثماني ساعات عمل فقط في اليوم, إلى أهداف إنسانية كبرى وموضوعات أكثر شمولية من خصوصية الذكرى, وقد نتج هذا بفعل الإطار المرجعي الفكري والسياسي والفلسفي الذي ألقى بظلاله على حركة الطبقة العاملة العالمية, وكان أبرزه نفوذ الفكر الاشتراكي العالمي, فكر المساواة بين الجنسيين في كافة الحقوق, بما فيه حق المرأة في المساهمة في الشأن العام, حق العمل والانخراط في كل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, وحق ايحاد فرص عمل للعاطلين, وحق البحث عن ضمانات افضل للعمال, وحق الحصول على تعويضات اثناء فترات البطالة المؤقتة, وحق اعادة التأهيل بما ينسجم مع احتياجات سوق العمل الى مختلف المهارات الفنية وغيرها !!!.  

في العراق اليوم تعاني الطبقة العاملة من شتى صنوف الاضطهاد والحرمان والمعاناة, وان معانتها تختلف نسبيا عن نظيرتها في الدول الاخرى, حيث توقف عمليات التنمية الاقتصادية وتدمير اغلب المشاريع الانتاجية, وما يصاحب ذلك من عزوف وبطالة جماعية دون حقوق تذكر, والحرمان من المخصصات والمكافئات الاولية عند بلوغ سن التقاعد, والتعرض لمخاطر العمليات الانتحارية والتفجيرات العشوائية عند تواجد العمال في الطوابير الصباحية للحصول على فرص للعمل اليومي.

عزوف ابناء العمال عن التعليم وهجر مقاعد الدراسة نظرا لعدم كفاية دخل الاب لتغطية نفقات الدراسة او الحاجة الاسرية لمزيدا من دعم اولادهم المادي مما يسهم في مخاطر جدية على حياة ابناء العمال وتعرضهم لمختلف الضغوطات الخارجية, بل وحتى الاضطرار للتسول. 

تعرض العمال الى الابتزاز وسوء المعاملة في مواقع العمل والتميز بين العمال على اساس الولاء العشائري والطائفي والمذهبي, والتهديدات المستمرة في انهاء عقود العمال مقابل الحصول على الرشوة.

 

كما ان الطائفية المقيتة والمحصصات المذهبية والاثنية ساهمت بتفكيك النسيج الاجتماعي لوحدة الطبقة العاملة من خلال تعزيز الانتماء للمذهب او الطائفة او الحزب واضعاف الاحساس المشترك بوحدة القضايا المصيرية للطبقة العاملة العراقية. 

 

انعدام فرص التاهيل واعادة التاهيل للعمال لكي يستجيبوا لحاجات سوق العمل ومتطلباته, مما جعل من العمال ذوي المهارات القديمة عالة على سوق العمل ومهددين دوما بالاستغناء عن خدماتهام وحرمانهم من خدماتهم واستحقاقتهم المالية.

 

لقد كان لفتح الاستيراد على مصرعيه دون سياسة تنافسية مع منتوج الداخل أثره السلبي في غلق الكثير من المصانع والمعامل وتسريح العمال منها دون الحصول على حقوقهم او العمل على تهيئتهم لفرص عمل جديدة. 

 

غياب مضلة الدعم المالي والاجتماعي للعمال عند الحوادث كالاعاقات والامراض المزمنة, او فقدان الاسرة لهذا الدعم عند غياب الاب العامل مما يضع اسر عراقية بكاملها في مهب الفقر والجوع والتسول والفاقة.

 

منذ المصادقة على الدستور العراقي الجديد والى اليوم لا توجد تشريعات واضحة تضمن مبدأ العدالة الاجتماعية, وخاصة بالنسبة للطبقة العاملة من حيث اعادة صياغة متكاملة لحمايتها من حيث الضمانات الاجتماعية والحقوق, وخاصة بعد ما حول النظام السابق العمال الى موظفين وحرمانهام من الضمانات الاجتماعية المختلفة. كما تجري محاربة التنظيم النقابي ومنعه في القطاع العام من خلال الإصرار على إبقاء القرار الجائر 150 لسنة 1987 ، وقانون التنظيم النقابي رقم 52 لسنة 1987 وعدم تشريع قانون للتقاعد والضمان الاجتماعي للعمال وفق معايير العمل الدولية يلبي حاجات ومعيشة عمالنا ويضمن حاضرهم ومستقبلهم ، والتدخل في شؤون تنظيمنا النقابي من قبل البعض.

 

 ان اللهاث وراء الخصخصة للمشاريع الحكومية الكبرى وذات التركيز الشديد لتواجد القوى العاملة يهدد مستقبل الالوف من القوى العاملة بمستقبل مجهول من خلال التسريح الاعتباطي والعفوي لهم بما يخدم الثراء الفاحش والفساد المستشري.  

 

النزوح بسبب الحروب الداخلية وما سببته داعش بشكل خاص من دمار للبنية التحتية الاقتصادية ترك اثاره الواضحة في خسارة الكثير لفرص العمل وجعلهم مع عوائلهم في مهب الريح, فقد حول الكثير منهم الى عاطلين وضحايا حروب يستحقون كل الدعم والمساندة.

 

وفي الختام فان الاحتفال بعيد العمال العالمي يعطي شحنة ايجابية للطبقة العاملة العراقية من مختلف الانتماءات القومية والسياسية والدينية الى توحيد طاقاتهم وجهودهم من جل نبذ الطائفية والمحاصصة المقيتة وبناء العراق الديمقراطي الخالي من العنف والتعسف والاضطهاد, وتسود فيه قيم التسامح والحوار والديمقراطية, وتتوفر فيه فرص العيش الكريم للجميع وللطبقة العاملة العراقية افضل الظروف. وكل عام وانتم بخير !!!.  

  

 

 

فصل الطلبة المحتجين بين خيار الأستقلال الاكاديمي أو الاحتلال المليشياوي

 

د.عامر صالح

أقدمت رئاسة جامعة القادسية بفصل اربعة طلبة، بتهمة "الاساءة" الى الجامعة بخصوص حادثة الاحتجاج على زيارة قام بها الأمين العام لعصائب أهل الحق الشيخ قيس الخزعلي مطلع الشهر الجاري, وفقا للأمر الاداري الخاص بفصل الطلبةوالمرقم بالعدد 969 في 2017/4/24 وجاء فيه: "تقرر معاقبة الطلبة المدرجة اسمائهم ادناه بالفصل المؤقت من الكلية لمدة سنة دراسية واحدة لعام 2016-2017 وفق المادة الخامسة الفقرة العاشرة من تعليمات قانون انضباط الطلبة رقم 160 لسنة 2007 والتي تنص على (يعاقب الطالب بالفصل المؤقت من الجامعة لمدة لا تزيد عن سنة دراسية واحدة، اذا ارتكب احدى المخالفات التالية: الاساءة الى سمعة الجامعة او الهيئة بالفعل او القول).

وقد جاء قرار الفصل على خلفية الأحداث التي حصلت بتاريخ 10ـ4ـ2017 وهو احتجاج شهدته الجامعة المذكورة لجموع من طلبة الجامعة على زيارة زعيم احدى الفصائل السياسية الدينية المسلحة والذي يتزعمه السيد قيس الخزعلي, وقد عبر الطلبة عن غضبهم واستنكارهم سلميا لتدخل الأحزاب السياسية الدينية والمسلحة منها بشكل خاص بالشأن الجامعي وتحويل أروقة الجامعة الى مناسبة للعسكرة والتعبئة الحزبية المليشياوية, وقد بادر عناصر من حماية الأمين العام لعصائب أهل الحق  باطلاق النار صوب الطلبة المحتجين". واضافت المصادر في حينها أن اثنين من الطلبة أصيبوا بجروح اثر المناوشات التي حدثت لاحقاً مع أفراد حماية الخزعلي. وسارعت القوات الأمنية لفرض اجراءات مشددة عقب اطلاق الرصاص والمناوشات بين حماية الخزعلي وطلاب جامعة القادسية. 

أن اختيار المؤسسات الجامعية لأفتعال الأزمات والتجاوز على الحرية الأكاديمية والعبث بالأستقلال النسبي للجامعات والتدخل في الشأن الخاص بها من قبل اناس لا صلة لهم من قريب أو بعيد بمؤسسات التعليم العالي, بل من اناس يرون في المدارس الدينية والجوامع والحسينيات هي المصدر الوحيد للمعرفة والعلوم ولديها تكمن الأجابة على كل تساؤلات المجتمع لمختلف المشكلات, ولديها ايضا التفسيرات الجاهزة لكل الظواهر الطبيعية وفي مختلف العلوم, وما الجامعات إلا أمكنة للنزهة والاختلاط بين الجنسين وارتكاب الرذائل, ومن الصعب والعسير والعصي ان تتفاهم مع اناس من هذا النوع وأقناعهم بجدوى نشأة التعليم العالي, وماهي وظائفه الأساسية في البحث والتنقيب وأكتشاف المجهول, وخدمة المجتمع المحلي والوطني, وتزويد الدراسين بآخر مستجدات العلوم والمعارف, ودور الجامعات في خلق الكادر المهني والعلمي بمختلف التخصصات, وأنها من مصادر تشكيل الطبقة الوسطى في المجتمع, تلك الطبقة صاحبة ورائدة التغير الشامل في المجتمع, كما يجب أن يكون, !!!. 

وبحكم كثافة وتركيز العنصر البشري في الجامعات ودورها المتقدم فأنها تكون ارض خصبة للاحزاب والمليشيات التي تبحث عن زج العنصر الطلابي واستغلال دور الجامعات المؤثر وتوظيفه في متاهات العسكرة والاعمال المسلحة خارج اطار مؤسسات الدولة, الأمر الذي رفضة طلبة جامعة القادسية واحتجوا عليه, إلا ان تواطؤ عناصر من رئاسة الجامعة وتسهيلاتها بدعوة هذه الحركات والتنظيمات لأقامة أنشطتها في أروقة الجامعة زاد الطين بله " وشر البلية ما يضحك ويؤلم " أو " حاميه حراميه ", فبدلا من ان تستغل الجامعات في خدمة المجتمعات المحلية في التنوير والتثقيف واشاعة قيم المدنية والديمقراطية الحقة, فأن قيادتها " الاكاديمية " تقوم بالعكس من خلال زرع الفتنة المجتمعية والانصياع لطلبات وأوامر الاحزاب والمليشيات, أنه عمل عبثي بكل المقاييس يهدد صرح مؤسسات التعليم العالي واستقلاليته من خلال انحياز قيادتها للمصالح الفئوية والحزبية والمليشياوية الضيقة !!!.

وبدلا ان تنفذ عقوبة الفصل بحق بعض القيادات الجامعية التي سهلت مثل هذه الأنشطة من خلال دعوتها لتلك المجاميع لأقامة نشاطها في الجامعة, فأن العكس قد حصل فقد تم فصل من اعترض على هذه الأنشطة من الطلبة, وهو يعكس من جانب مدى تأثير هذه الحركات على القيادات الجامعية ونفوذها المبطن في الشأن الجامعي !!!.

 

أن قرار فصل الطلبة الاربعة تعسفا واجحافا على خلفية ما حدث يوم 10ـ4ـ2017 وهو يتعارض مع حرية التعبير عن الرأي للطبة في رفضهم لعسكرة الجامعة واتخاذها منبرا سياسيا ، اضافة الى ذلك فإن قراراتها قد ضربت عرض الحائط التعليمات التي استندت اليها أما الطلبة فقد كانوا حريصين على استقلالية الجامعة ، بعكس العمادة ورئاسة الجامعة ، حيث كانت انتقائية في تطبيق النصوص لنفس التعليمات ؛ إذ ان المادة رقم 1 وفي الفقرة العاشرة, والحادية عشر, والثانية عشر على التوالي:  تمنع ( الدعوة لتنظيمات تعمق الفرقة او ممارسة أي صنف من صنوف الاضطهاد السياسي ) ( تجنب الدعاية لاي حزب او تنظيم سياسي) ( عدم دعوة شخصيات حزبية لالقاء محاضرات او اقامة ندوات حزبية او دينية داخل الحرم الجامعي).

أن استغلال التعليم العالي لأفتعال الأزمات والتعبئة السياسية الطائفية هو أمتداد لأزمة التعليم العالي في العراق, والتي هي جزء من الأزمة العامة المستعصية, وذات الصلة بالنظام المحاصصاتي, ومن أبرز ملامح هذه الأزمة هو الآتي: 

ـ التدهور الأمني المستمر لمؤسسات التعليم العالي وتدخل رجالات الأحزاب والمليشيات الطائفية في شؤون التعليم العالي مما يضع طرفي العملية التعليمية : الطالب ـ الأستاذ والعملية التعليمية برمتها في دوامة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل¸مما يترك أثره الواضح في تسرب الطلاب وهجرهم لمقاعد الدراسة وهجرة الكادر التدريسي.

ـ كما أن الكثير من مؤسسات التعليم العالي تحولت إلى مؤسسات مصغرة للمساجد والحسينيات والجوامع, تجري فيها الشعائر والاحتفالات والطقوس الدينية على نسق ما يجري في المساجد والجوامع, وكأن لم يكفي الآلاف من المساجد والجوامع المنتشرة خارج الجامعات, حتى أن العديد من المختبرات العلمية تحولت إلى حسينيات لزمرة هذا الحزب السياسي الطائفي أو ذاك, ولكي تتحول بالتدريج إلى بؤر للفساد والاحتقان الطائفي والمذهبي وللتفرقة بين الطلاب, حيث تسيطر كل ميليشيا حزبية على إحدى الكليات ومرافقها داخل الجامعة, وانتشار صور المعممين في أروقة الكليات والجامعات والشعارات الدينية الطائفية الاستفزازية والعبث بمسميات هذه المؤسسات وتسميتها برموز قيادات أحزاب أو طوائف, انه امتهان للحرية الأكاديمية وتسييس للمؤسسات العلمية وزجها في الصراعات الدينية والمذهبية والطائفية .

وختاما نقول ان اقل ما يجب ان تفعلة رئاسة جامعة القادسية هو سحب القرار الفصل وعدم تنفيذه حفاظا على اسقلالية وسمعة الجامعة, والاعتذار للطلبة المشمولين بالفصل, وعدم الرضوخ والانصياع لضغوطات الاحزاب والحركات والمجاميع المسلحة لأن ذلك سيلحق اشد الضرر بالسمعة الاكاديمية لمن قام باصدار قرار الفصل, وان عودة الطلبة الى مقاعدهم الدراسية هو اختبار لنزاهة الكادر القيادي في الجامعة وللجامعة نفسها, بل ولوزارة التعليم العالي باعتبارها المسؤول الاول عن سمعة ودور مؤسسات التعليم العالي والرقيب الضامن للأداء المهني والاكاديمي المستقل والبعيد عن الصراعات السياسية والطائفية, الى جانب كون سحب قرار الفصل هو احتراما للدستور الذي كفل حرية التعبير والتظاهر !!!.

 
  

 

جرائم الثامن من شباط ودلالتها

في الحفاظ على ما تبقى من الدم العراقي !!!

 

د.عامر صالح

 

يشهد العراق اليوم زمن أسود في كل تفاصيل حياته اليومية, من طائفية سياسية أغلقت الطريق بوجه مستقبله واستقراره ونهضته المرتقبه, وتفكك اجتماعي واقتصادي أطال الحياة بكل تفاصيلها الدقيقة, من تفكك للنسيج الأجتماعي وتشويه لتنوعه الديني والمذهبي والقومي وتشوه في الأخلاق العامة والوعي العام, ودمار شامل للبنية التحتية الأقتصادية وايقاف لعجلة التنمية الشاملة وما رافقها من فقر وجوع وبطالة وانعدام الخدمات العامة, وتفشي الفساد الأداري والمالي والعبث بالمال العام, واشاعة الجريمة بكل ابعادها, وأنتشار الأختطاف  والقتل اليومي المجاني والتصفيات الجسدية على خلفية الاختلاف في الهوية السياسية والطائفية أو الأختلاف في الرأي, وتهديد السيادة الوطنية والتراب العراقي, وكان في داعش العراقية المتلبسة بقيم ثقافة البعث الساقط أسوء دليل على الجريمة والتحلل الخلقي وأنتهاك الأعراض والسيادة العراقية. إن ما يحصل اليوم هو امتداد مرضي لثقافة الأمس في الإقصاء !!!.

أن الذكرى الفاجعة الرابعة والخمسين لانقلاب 8 شباط الأسود تستحضر في ذاكرتنا كل أوجاع ومعاناة الوطن الجريح,من قتل وتعذيب وسبي وتهجير في الداخل والى الخارج,والذي جرى على الهوية الوطنية والاجتماعية والأخلاقية والفكرية,مستهدفا كل نماذج النبل ورموز الخلق الرفيع لأبناء شعبنا وحركته الوطنية من سياسيين وتكنوقراط وكفاءات علمية وقيادات اجتماعية, أنها جريمة من الجرائم ضد الإنسانية,وليست جريمة ذات أبعاد قضائية فقط وفي حدود داخل البلد ومفاهيمه للجريمة, أن الجريمة الإنسانية "هي تلك الجرائم التي يرتكبها أفراد من دولة ضد أفراد الذين من دولتهم أو من غير دولتهم,بشكل منهجي وضمن خطة نلاحظها,والتميز في المعاملة بقصد الإضرار المتعمد بالطرف الآخر,وذلك بمشاركة مع آخرين لاقتراف هذه الجرائم ضد مدنيين يختلفون عنهم من حيث الانتماء الفكري أو الديني أو العرقي أو الوطني أو الاجتماعي أو لأية أنواع أخرى من الاختلاف".فقد أودت هذه الجريمة بعشرات الآلاف من مواطنينا الأبرياء وبآلاف العائلات في غياهب السجون متعرضين فيه لشتى صنوف القتل والإرهاب والتعذيب والدفن وهم أحياء,والذين لم تسلم رفاتهم إلى اليوم إلى ذويهم  وبدون قبور تزار.

لقد استهدفت هذه الجريمة كل قطاعات مجتمعنا بدون استثناء بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال إيقاف عملية تقدمه الاقتصادي والاجتماعي وأرجعاه إلى الوراء, ولأن الشيوعيين العراقيين يستذكروها قبل غيرهم,لأنها ارتبطت برموزهم الوطنية وقيادتهم المخلصة للوطن أولا,إلا إن ما وقع من أثارها على شعبنا لاحقا وبفترات تاريخية جراء تسلط النظم الدكتاتورية المتعاقبة وما سببته من تشوهات في التركيبة الاجتماعية,وما ارتكبت من مجازر وحشية طالت كل الطوائف والأديان والقوميات والأعراق ضربت عمليات الاستقرار الاجتماعي في الصميم,وعلى الجميع تذكرها وأخذ الدروس والعبر منها,لأن ذلك يجنب "العراق الجديد " مخاطر الانزلاق في حصر مفهوم الجريمة وضحاياها في فئة دون غيرها...فالجريمة كسلوك يجب إدانته على نطاق واسع بغض النظر عن الجهة التي وقع عليها فعل الأجرام,وعدم السماح بحصره بأطر ضيقة ومحدودة واستخدامه لأغراض نفعية خاصة,فالضحية هو شعبنا بكل مكوناته...وما ارتكبته لاحقا الديكتاتورية والفاشية من جرائم ضد شعبنا هو شاهد على ذلك !!!!.

 

وبقدر ما كان " لنكسة " الثامن من شباط  من آثار سلبية وانعكاسات خطيرة, إلا إنها شكلت مصدرا أساسيا من مصادر إعادة تشكيل كيان الفرد العراقي أو الجماعات المختلفة المنضوية تحت النسيج الاجتماعي الواحد المتنوع,وفي كافة الأبعاد العقلية ,والنفسية,والوجدانية والسلوكية للأفراد والجماعات والأحزاب والثقافات الفرعية وعلى خلفية إزالة آثار الصدمة,فقد خلقت أولا لدى الحركة الوطنية دافعا قويا من رباطة الجأش المخضب بالأيمان " لإعادة البناء " تمثل في دافعية التعويض الهائلة في إعادة بناء الكيانات السياسية المعارضة للجبهة الفاشية,ولعل السرعة التي أعيد بها تنظيمات الحزب الشيوعي بعد الهجمة الشرسة عليه كانت من " معجزاته " والتي لا زالت راسخة في ذاكرة الأعداء قبل الأصدقاء,فقد نهض الحزب من جديد بعد إن تصور أعدائه أنها هذه نهايته لا محال!!!.

 

أن جيلا من الأطفال والشباب ولد وترعرع في خضم أحداث صدمة شباط وما بعده, وقف متسائلا ومتأملا عن أسباب فقدان واستشهاد الأخوة والآباء والأمهات والأقارب...وقد كبر تفكيرهم على أعمارهم أضعافا باحثين عن الذنب الذي اقترفه أهلهم وذويهم لكي تحل بهم هكذا فاجعة...لأنهم لا يتوقعون جنسا ينتمي إلى الإنسانية أن يمارس هذه الممارسات في القتل والتشريد ودفن الأحياء,لقد خلقت حالة من الوعي المضاد لأسباب الكارثة في البحث عن بديل أنساني للخلاص من المحنة وهكذا انطلقت المنظمات الطلابية والشبابية والنسائية والعمالية من جديد,وبزمن قياسي, إلى منابر للأعداد والتثقيف والتنظيم ...لقد خاب ظن النظام الفاشي !!!, فقد اتضحت مشاعر روح القوة والعزيمة والإصرار على الكفاح على وجوه الناس ومشاعرهم, لقد خلقت نتائج هذه الأحداث فرصا مواتية لبناء المهارات الفردية والتنظيمية لمواجهة جسامة الحدث وإيجاد أفضل وسائل التكيف مع آثار " النكسة ".

 

لقد برز أعلام الحزب الشيوعي العراقي بقدراته الهائلة الداخلية والخارجية لفضح النظام الفاشي عبر حملات التضامن مع شعبنا, وفرضت على النظام عزلة دولية خانقة, وقد رسخت مزيدا من ثقافة رفض القهر والظلم والذل,  لقد اسقط الشيوعيون العراقيون المفهوم النفسي للدولة التي لا تقهر, وبهذا أزيحت مفاهيم الاستسلام كمنتوج للصدمة عبر إشاعة مفاهيم العزة والانتصار والإيمان بقضية الشعب العراقي العادلة في الديمقراطية والتقدم والحرية.

 

واليوم أذ يمر العراق بأسوء ظروف انسانية تعيد فيه الى الذاكره احداث شباط المأساوية في قطع الطريق على التقدم والسلم الأجتماعي والاستقلال الوطني والاستقرار المجتمعي, فأن كل القوى الخيرة وصاحبة المصلحة في عراق معافى عليها القيام بدورها المخلص والنزيه في اعادة بناء العملية السياسية على أسس واضحة بعيدا عن النظام الطائفي والاثني البغيض, الذي زرعه الأحتلال الأمريكي في العراق, وكان اليوم سببا رئيسيا في الخراب والقتل والفساد وانتهاك السيادة الوطنية والذي أودى بمجتمع بكامله في دوامة الصراع والهلاك والانقراض المتواصل للدولة ومؤسساتها على طريق الأضمحلال الشامل. إن بقاء الحال على ما هو عليه سوف يجعل العراقيين كل ايامهم ثامن من شباط, حيث القتل اليومي بدون مناسبة تذكر !!!!.

 

 

 

 

لماذا يتهالك البحث العلمي في

بلادنا وما هو المخرج من الأزمة !!!

 

د.عامر صالح

 

 

البحث العلمي هو نافذة البشرية الوحيدة إلى التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي والفكري, بل أن كل الثورات العلمية والصناعية والتكنولوجية والمعلوماتية ما هي إلا ثمرة من ثمرات التراكم المعرفي والعلمي القائم على أسس تطوير منهجية البحث العلمي, وما عدا ذلك فأن حياتنا لا تعدو إلا أن تكون طقوس من التنجيم والخرافة والسحر والشعوذة والاجتهاد العبثي, يعاد فيها إنتاج التخلف وتوليده على نطاق واسع في كل مفاصل الحياة العامة والخاصة, حيث يتم فيه تعطيل قيمة العقل الإنساني, الذي لا سلطة تعلو عليه, في البحث عن الحلول العلمية لمختلف مشكلات الحياة, وعندها يتوقف الزمن, حيث لا نشعر بقيمة التقدم وجدواه وتبقى حياتنا تكرارا مبتذلا لأسلافنا, وفي أحسن الصور يكون وجودنا محاكاة مشوهة لما ينجزه الآخرين دون القدرة على استنبات العلم والتقدم التقني والاجتماعي في البيئة الوطنية !!!.

أن البحث العلمي كآلية هو العملية الفكرية المنظمة التي يقوم فيها الباحث إن كان فردا أو مؤسسة بحثية أو جامعية من اجل تقصي الحقائق بشأن مسألة أو مشكلة معينة تسمى ( موضوع البحث ), بأتباع طريقة علمية منظمة تسمى ( منهج البحث ) بغية الوصول إلى حلول ملائمة للعلاج أو إلى نتائج صالحة للتعميم على المشاكل المماثلة تسمى ( نتائج البحث ). فالبحث العلمي هو الطريقة الوحيدة للمعرفة حول العالم بكل تنوعاته وغناه, ولفهم الحقائق الواقعية بعبارات القوانين والمبادئ العامة. والبحث العلمي كمنهج يطال كل مفاصل الحياة بدون استثناء, الروحية منها والمادية, ولا توجد فرصة للخيار بين البحث العلمي أو عدمه, فالمراوحة في الخيار هي نوع من الباطل, وعدم الأخذ بالمنهج العلمي يعني اختيار التخلف كطريقة للبقاء والعيش, وهو ما يرفضه علنا وحياء حتى أكثر دعاة ورموز الأمم تخلفا, فأما الحياة أو الموت !!!.

ومن هنا نستطيع القول بما لا خلاف عليه بين من يلتمسوا تشخيص الحاضر ويبنوا المستقبل أن البحث العلمي هو الطريقة لمعرفة وحصر مشاكل المجتمع, وتحديد درجاتها من الأهمية, وأولويات وطرق التعامل معها, وهو السبيل الوحيد لحل تلك المشاكل بما ينسجم مع إمكانيات المجتمع وقدراته وطموحاته؛ وهو الطريق للحفاظ على القدرة التنافسية للمجتمع في عالم متحرك ومتطور بسرعة فائقة؛ وهو الطريق لتشخيص وتلبية حاجات المجتمع المستمرة والمتزايدة في كافة مجالات الحياة, عن طريق تطوير طرق الإنتاج والأداء وأدواته وخاماته ووسائله في مختلف مجالات الحياة في, في الزراعة والصناعة والخدمات وحسن استخدام الثروات الطبيعية وغيرها, بما يؤدي إلى تحقيق الكفاية أو يقترب منها ويضع السياسات الحكيمة للموائمة بين تلك الحاجات وبين الإنتاج والاستيراد, ويحقق معدلات مرتفعة من التشغيل للفئات الاجتماعية المختلفة حسب المؤهلات والكفاءات المهنية والعلمية المتاحة, مما يؤدي بدوره إلى نوع من الانسجام والتوائم الاجتماعي !!!.

 

والبحث العلمي ضرورة ملحة لنظام الحكم ومؤسساته ووزاراته وكل أجهزة المجتمع ومؤسساته ومنظماته, حيث لا يمكن التخطيط واستقراء المستقبل بدون بحث علمي, ولا يمكن أيضا بدونه القيام بعمليات التنفيذ والمتابعة والتطوير وحل المشكلات الطارئة؛ والبحث العلمي أيضا شرطا أساسيا على المستوى الفردي, حيث يحتاج الفرد من اجل حياة موفقة أن يفكر في كل خطواته وتحركاته من إقدام وإحجام, وان يجمع لها البيانات اللازمة ويحسب الخسارة والربح المترتب على ذلك وتأثيره المستقبلي؛ كما أن البحث العلمي بمعناه الواسع يمتد ليشمل جمع المعلومات وتوظيفها في جميع أنشطة الحياة العلمية والعملية, ويمتد ليشمل الأفراد والجماعات والمجتمع, فإذا ما ارتبطت بخطوات محكمة منظمة ومتسلسلة لجمع المعلومات وتحليلها والتأكد من صحتها بغرض الإجابة على سؤال معين أو تفسير علاقة ما أو حل مشكلة ما, كان ذلك يعرف بالبحث العلمي, أنه سلوك المجتمعات المتمدنة والمتحضرة ووسيلتها لحل مشاكلها والتغلب على أزماتها. وعدا ذلك يصبح كل شيء عشوائي, مما يزيد من فرص الفشل والإحباط والتخبط في إيجاد حلول للازمات. أن غياب البحث العلمي في بلادنا هو مصدر أساسي في التخلف والفوضى التي تضرب كل مرافق الحياة, مما يسبب في ضياع الوقت وإهدار المال وشيوع الفساد بمختلف مظاهره, ويشكل فرصا مواتية لشيوع الخرافة بكل ألوانها, السياسة والدينية وانتشار الجهل والغباء في تفسير ما يجري على ارض الواقع وفقا للمنطق المعكوس في وضع العربة أمام الحصان !!!!!. 

 

وفي ضوء تلك الاعتبارات لا نستغرب من الصراع الذي يجري اليوم في العالم من اجل حيازة المعرفة العلمية لتحسين ظروف العيش والارتقاء بها ومن اجل صناعة الحياة وتحقيق التطور والنهوض, بل أن الكثير من دول العالم وفي مقدمتها أمريكا تسعى بطموحاتها المشروعة وغير المشروعة عبر الاستحواذ على المعرفة لقيادة العالم, لأن ذلك يشكل المدخل لامتلاك كل شيء, من تكنولوجيا و سلاح متطور إلى إنتاج نوعي في مختلف المجالات الحياتية, وهذا الجهد بطبيعته جهدا منظما لا يمكن أن يجري في الفراغ, حيث ينبغي توفير الحرية والدعم والأموال وبناء المنشآت والمعامل والأدوات, وتأهيل الكوادر البشرية, وخلق الحوافز المادية والمعنوية, التي تجعل من الإنتاج الفكري عملا يستحق المعاناة والجهد المتواصل. بل أن الكثير من الدول المتطورة تعلن عن طموحاتها في تصدر عالم المعلومة الرصينة, ولا نستغرب من المؤسسة الوطنية للعلوم في أمريكا تحدد لنفسها الأهداف الثلاثة الآتية:

ـ النهوض بالاكتشافات والنشر المتكامل وتوظيف المعلومات الجديدة في خدمة المجتمع.

ـ تحقيق التمايز في العلوم والرياضيات والهندسة وتدريس التكنولوجيا في جميع المستويات التعليمية.

ـ تمكين الولايات المتحدة من التمسك بقيادة العالم في جميع مجالات العلوم والرياضيات والهندسة.

أن أسباب تخلف البحث العلمي وتدهوره هو جزء من تخلف الحياة العامة الذي يعكسها تخلف البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والذي ينعكس بدوره على تخلف المنظومة التربوية والتعليمية والتي يرتبط بها العلم والبحث العلمي والقناعة به كمنهج للحياة وحل المشكلات. وتتضح ابرز أسباب ملامح ضعف البحث العلمي وكفاءته فيما يأتي:

ـ حالة الفقر العامة في اغلب المجتمعات العربية, فالفقر بطبيعته التي تجبر الإنسان على التفكير بلقمة العيش فقط, فهي تحصره في ضيق الأفق والتقليل من مساحات الإبداع والحد من استثمار القدرات العقلية.

ـ هيمنة الفكر السياسي والديني المتعصب في الحياة العامة والذي يرفض جميع أشكال التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي, ويتشبث في الماضي لإيجاد الحلول لمشكلات الحاضر, ويرفض ممارسة النقد والنقد الذاتي لفكره وممارساته, فيعتبر ما عنده صالح لكل الأزمان والأمكنة, وبالتالي يشل قدرة العقل على التواصل مع معطيات الحضارة العالمية.

ـ الاستبداد السياسي المتمثل بفقدان حرية الرأي وغياب الديمقراطية في كل مفاصل الحياة, ابتداء من السلوكيات الفردية والمؤسساتية صعودا إلى قمة النظم السياسية, التي تحاصر الحريات الفردية اللازمة لتطوير شخصية الفرد وعطائه, وتحول الكيان الاجتماعي إلى كتلة هامدة عديمة التمايز والفاعلية, تجيشها متى ما تشاء وتخرسها عند الحاجة وتساوي أفرادها هلاكا, حيث أن التمايز الفعال بين الأفراد في القابليات والقدرات هو احد حقائق الوجود الإنساني وصيرورته.

ـ ويرتبط بالعوامل المذكورة أعلاه غياب ثقافة أهمية البحث العلمي والاكتشافات العلمية والرغبة في الإبداع والاختراع في الوعي والتفاعل الاجتماعيين, وبالتالي يغيب التفكير والتشجيع والدعم عن المسار البحثي والعلمي وعن العلماء والباحثين والمكتشفين في المجتمع, وترتبط جذور ذلك أصلا في غياب القيمة البحثية في مناهج التعليم بمراحله المختلفة والقائمة أصلا على الحفظ والتلقين والاستذكار التقليدي, وهذا النظام التعليمي التلقيني لا يحتاج إلى كفاءات عالية ولا إلى مستلزمات تقيم متطور لقياس مهارات الطلاب في الفهم والتفكير وحل المشكلات, إلى جانب كونه نظام يدفع إلى الكسل والاتكالية والخمول العقلي, ولا يستثير في الطالب فكرا أو تساؤلا بل يقتل فيه ملكة التفكير, وتنتفي في هكذا نظم تعليمية القدرة على صناعة الباحثين في الخطط التعليمية عبر التراكم المعرفي في مراحل التعليم المختلفة.

 

ـ ضئالة الموارد المالية المخصصة للبحث العلمي وللباحثين في الجامعات وفي الدول العربية بصورة عامة بسبب من غياب إستراتيجية واضحة في هذا المجال وتخلف النظرة إلى الإنفاق باعتباره إهدارا واستهلاكا للأموال غير مجدي, وليست استثمارا طويل الأمد يأتي أضعاف ما ينفق عليه, وقد أوردنا في بداية البحث ما يعكس الضعف في هذا المجال قياسا بالمعايير الدولية.

ـ الفساد الإداري والمالي وضعف معايير الكفاءة والأهلية المهنية والعلمية في انتفاء الكادر القيادي لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي, واللجوء إلى معايير الحزبية والمذهبية والطائفية والموالاة في انتقاء الكوادر الإدارية, وغالبا ما تكون هذه القيادات بعيدة كل البعد عن مفهوم الاستقلالية والنزاهة, بل هي أطراف أساسية في صراعات مصلحيه ضيقة مع غيرها, بل هي أطراف في الفساد بمختلف مظاهره, مما يحرم هذه المؤسسات من الاستقرار والنزاهة والحيادية التي هي شروط لازمة للارتقاء بالعلم والبحث العلمي. ويرتبط بذلك ويرافقه سياسات أبعاد الكوادر العلمية عن مواقعها العلمية والبحثية من خلال التهجير ألقسري والإحالة على التقاعد وانتهاء بالتصفيات الجسدية ومسلسل الاغتيالات للكوادر في مختلف التخصصات العلمية.

ـ الآثار الضارة للمركزية الإدارية الشديدة في التعليم وغياب إستراتيجية إدارية ـ علمية معاصرة, حيث ساهمت الإدارة المتخلفة وعلى مر عقود في غياب تصور علمي دقيق وشامل للعمل البحثي, انتفت فيه عمليات التناسق والتناغم والتخطيط لمكونات العملية البحثية ومقوماتها الأساسية ( الباحثين, التمويل, التطورات العلمية والتقنية, الأولويات البحثية بما يخدم احتياجات المجتمع وتطوره, المعامل والأجهزة والمعدات العلمية وغيرها ), وبين المراكز البحثية المختلفة, وبين البحث واحتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمختلف البحوث. 

ـ أن غياب إستراتيجية شاملة للبحث العلمي في كل بلد عربي تتضح آثاره جليا في ما يسمى بالفوضى البحثية, والتي تتضح أبرز معالمها في العمل البحثي الفردي لأغراض فردية وذاتية بحتة, سواء لأغراض الترقية العلمية فقط أو للحصول على المال في أمكنة النشر, وعدم وجود فرق بحثية تتكامل بين أفرادها, وهو سمة مهمة من سمات تطور وارتقاء البحوث في عالمنا المعاصر, وعدم التنسيق بين المراكز البحثية المنتشرة في البلد الواحد, وانفصال البحوث عن المشكلات الاجتماعية واحتياجات المجتمع, مما أدى بدوره إلى تكرار واجترار البحوث السابقة, فهي لا تخدم في معظمها قطاعات صناعية أو زراعية ولا تواكب حاجات المجتمع في ميادينه الناشئة الحديثة كتقنية المعلومات والتكنولوجيا المتطورة, وكان ذلك سببا في إنتاج كم هائل من المجلات والدوريات ذات الموضوعات المتكررة في البلد الواحد بل وفي القسم و الكلية والجامعة الواحدة في البلد المعني, واغلب هذه الدوريات غير معروف عالميا ولا يضيف قيمة علمية للبحوث العالمية !!!.

 

ـ عدم وضوح فكرة أن الجامعات هي جزء من آليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي يجب أن تكون بحوثها على تماس مع مشكلات المجتمع بمختلف قطاعاته, وبسبب غياب الرؤى في هذا المجال نرى أن اغلب بحوث الماجستير والدكتوراه تستهدف تهيئة وتدريب الكادر على طرائق ومنهجية البحث العلمي, وهي بهذا بعيدة كل البعد عن المساهمة في البحث عن الحلول للمشكلات الاجتماعية المختلفة, وبسبب من ذلك تأتي اغلب الأبحاث سواء الأساسية منها أو التطبيقية تكرارا لسابقتها, إن لم يكن تكرارا مملا فهو تكرارا بحلية شكلية ترضي المشرف عليها, وقد تبدو لصاحبها أصيلة وهي  بعيدة كل البعد عن الأصالة.

ـ لا يشكل البحث العلمي إلا قدرا هامشيا أو ضئيلا من عمل الأستاذ الجامعي فهو مغرق بالساعات التدريسية مما يشغل جل وقته في التهيئة للمحاضرات النظرية أو أعمال المختبر التقليدية, كما أن الكثير منهم تضعف علاقاته بالبحث العلمي بعد حصولهم على الدكتوراه أو بعد نيل درجة الأستاذية أو الأستاذ مساعد أو أستاذ مشارك, وينصب اهتمامهم في الإشراف على الأبحاث فقط أو أعمال روتينية إدارية كإدارة قسم أو كلية أو جامعة, رغم أن دور الأستاذ يجب أن يكون مستمرا في إنتاج أفضل البحوث المفيدة سواء للمجتمع أم للعملية التعليمية في أروقة الجامعات.

ـ ضعف البنية التحتية للأبحاث النظرية والتطبيقية من مختبرات وأجهزة ومكتبات علمية, فالمختبرات وأجهزتها وصيانتها ونقص المواد الأساسية لها بمختلف التخصصات ونقص الكادر الفني ذات الصلة بذلك هو سمة بارزة لأغلب ما تعانيه الجامعات العربية وتشكو منه, إلى جانب ضعف قاعدة المعلومات الحديثة, سواء من مطبوعات ودوريات علمية عالمية أو غياب المكتبات الرقمية أو الالكترونية وقواعد البيانات البحثية وغبرها من أدوات التعليم الالكتروني للتواصل مع العالم البحثي.

ولا نستغرب من كل هذا ولتلك الأسباب حصرا عدم تبوء الجامعات العربية لمكانتها العلمية بين الجامعات العالمية رغم الجهود المبذولة من قبل مختلف الجامعات العربية, فالطموح لتبوء مكانة لائقة في وسط الجامعات العالمية شيء ويبقى طموح مجرد, وفهم أسباب التخلف العلمي والقدرة على تجاوزه شيء آخر !!!!.

أن الحديث عن إصلاح أوضاع البحث العلمي والنهوض به يبقى حديثا لأغراض المتعة المعرفية والعقلية, ما لم يكون متزامنا وقائما على خلفية التحديث السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي والفكري للمنظومة الرسمية السائدة, فلا يعقل أي باحث من أن إصلاح المنظومة التربوية والتعليمية وإصلاح الجامعات وما يرتبط بها من وظائف, كالتدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع المحلي, أو اصلاح المراكز البحثية المنتشرة خارج الجامعات, أن يتم هذا كله في وسط إدارة عامة بيروقراطية متخلفة فاسدة شديدة المركزية, وفي ظل نظام سياسي لا يؤمن بالحريات الديمقراطية وحرية البحث والتنقيب عن الحقيقة, أو في ظل مجتمع تسوده الأمية والفقر والجهل والتطرف, وبالتالي فأن النضال والجهود لإصلاح أوضاع العلم والبحث العلمي هي جهود مكثفة ومتزامنة مع جهود أخرى على أكثر من صعيد, وأن أفضل المقترحات في الإصلاح, وخاصة تلك التي تستجيب وتنسجم مع معايير الجودة العالمية في الإصلاح لا ترى النور وتبقى حبر على ورق أو أمنيات مستحيلة التحقيق في أذهان مصمميها ما لم تجري في إطار عملية اصلاح شامل للمنظومة الاجتماعية, ولعل ابرز المقترحات للنهوض بعملية البحث العلمي هي:

ـ ضرورة العمل على ربط الأبحاث العلمية بمشاكل المجتمع وقطاعاته المختلفة, الصناعية والزراعية والخدمية, الخاصة منها والحكومية, من خلال المسوح الشاملة لهذه المشكلات وضرورات الحاجة الملحة لحلها بما يخدم برامج التطوير والتنمية الشاملة, ويلعب التنسيق هنا بين مراكز الأبحاث في الجامعة وخارجها دورا مهما في هذا المجال للتركيز على الأبحاث النوعية ومنع تكرار البحوث ذات المشكلات المتشابهة, مما يجب الإهدار في الإنفاق والجهد ومضيعة الوقت.

ـ العمل الجدي على توعية قيادات القطاع الخاص بأهمية البحث العلمي وضرورته لحلول المشكلات المختلفة, مما يسهم برفع الكفاءة الإنتاجية لهذه القطاعات, ويؤدي أيضا بدوره إلى زيادة مساهمة هذا القطاع في تمويل عمليات البحث العلمي, وليست فقط الاعتماد على الحكومة كمصدر وحيد للتمويل, أسوة بما يحصل في بلاد العالم المتقدم.

ـ استحداث ميزانية خاصة للبحث العلمي سواء في إطار وزارات أو إدارات التعليم العالي والبحث العلمي أم خارجه, وتقرير نسب معقولة من الإنفاق المالي قياسا إلى الناتج الإجمالي, والى الموازنة العامة المخصصة لقضايا التربية والتعليم العالي, وهو ما معمول به في البلاد المتطورة.

ـ التطوير المستمر لبرامج تفرغ أعضاء هيئة التدريس وتخصيص ساعات معينة لإنتاج البحوث العلمية كجزء من النصاب التدريسي للأستاذ.

ـ التشديد والصرامة في نظام الترقيات العلمية للكادر التدريسي, من مدرس مساعد إلى مدرس ثم أستاذ مساعد إلى أستاذ واعتماد الإنتاج العلمي ودورهم البحثي وقدراتهم التدريسية الفعلية من ضمن المؤشرات الرئيسية لذلك, بعيدا عن العلاقات الشخصية والمحاباة والشللية, مما يسهم في إنتاج كادر يحترم نفسه ومهنته.

ـ إقامة شبكات وطنية للمعلومات تربط بين الجامعات ومعاهد البحوث وبعض المؤسسات المعنية الأخرى وأهمها التجارية والصناعية والإفادة من تجارب الجامعات الرصينة في العالم في مجال إنشاء الشبكات الفعلية والافتراضية للبحث والتطوير وشبكات بين الباحثين واستحداث برامج للدراسات العليا موجهة نحو الأبحاث التطبيقية الهادفة إلى خدمة أغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمعلوماتية.

 

ـ ضرورة تطوير النشر الالكتروني ونشره على نطاق واسع وتشجيعه لمزاياه المختلفة من سهولة ورخص وتوفره في كل مكان, وشيوعه على نطاق جغرافي واسع يتجاوز محدودية النشر الورقي, ثم ضرورة إنشاء موقع الكتروني لكل مركز بحثي, أو قسم من أقسام الكليات في الجامعات المختلفة, وتطويره وتحديثه بأخر المعلومات المتاحة.

ـ تشجيع إنشاء جمعيات علمية وطنية وفق المقاييس العالمية لترويج البحث العلمي والتعاون مع الجمعيات العلمية والأجنبية, ويرتبط بذلك ويعززه حث الأستاذ على الانتماء لعضوية الجمعيات العلمية ومراكز البحوث الأجنبية ونشر البحوث لدى دورياتها العلمية وتحفيز الأساتذة على المنافسة في البحث العلمي ونشر البحوث المميزة.

ـ الحاجة الملحة لتطوير البنية التحتية للبحث العلمي, وخاصة البحوث التطبيقية لتوفير أجهزتها الضرورية وطاقمها الفني اللازم للصيانة والدعم لإجراء الأبحاث, فالجهاز العتيق البالي يأتي بنتائج مشكوك فيها, وعدم توفر المواد الأساسية للأبحاث هو الآخر يعرقل انجاز المهمة البحثية.

ـ خضوع الأستاذ للتدريب المستمر عن طريق دورات تدريب القيادات والتعاون بين الجامعات وتحتسب شهادة الكفاءة لإغراض الترقية العلمية وتطوير أساليب البحث العلمي. ويساعد التدريب على الرقابة العلمية على الأستاذ وخاصة إدخاله المعرفة الجديدة في أبحاثه ويعينه على التقويم الذاتي لانجازاته.

ـ العمل الجدي والمسئول لتخطيط البعثات العلمية إلى الخارج, وتحويلها من امتياز شخصي إلى الدارس للنقاهة والاستجمام بسبب من انتمائه المذهبي والسياسي والقبلي, إلى رحلة علمية حقا للبحث والاستكشاف, وهنا يجب اختيار المشكلات التي يحتاج المجتمع فعلا حلولا لها, وليست البعثة لإغراض دراسة التاريخ الإسلامي والعربي في جامعات الدول الأوربية والعالمية( فشر البلية ما يضحك), أنه مضيعة للوقت والجهد والمال, ولكي يعود الدارس بمزيد من المدخرات في العملة الصعبة.

تلك هي إشارات بسيطة لواقع البحث العلمي وسبل تطويره , وتبقى الحلول الجذرية ومدايات الأخذ بها والقناعة بتحويلها إلى خطوات إجرائية رهين بمدى انهيار المنظومة السياسية التقليدية القائمة على الخرافة والقمع والاجتهاد المؤذي, فأما العلم أو الجهالة إلى حين. لقد خضت في الكثير من التفاصيل في هذا الموضوع الحيوي في مناسبات علمية وبحثية مختلفة.

 

 

 

 

 

بين مفهوم " الحرم الجامعي "

 

والحرية الأكاديمية يعيث الإسلامويين الخراب !!!

 

د.عامر صالح

 

لقد تقدم مجموعة من طلبة جامعة الديوانية يوم الأثنين المصادف 2017ـ 01 ـ 09 بشكوى لقاضي تميز المحافظة ضد امام جامع الرحمة في المدينة بعد ان وصفهم ب " بالمخانيث " مطالبين باتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة بحقه. وكان امام جامع الرحمة قد تهجم, في يوم الجمعة السابقة للتاريخ المذكور اعلاه, على طلبة الجامعات ووصفهم بأوصاف نابية مطالبا وزير التعليم العالي باقالة عمداء الكليات ورؤساء الجامعات الذين لا يفرضون اجراءات مشددة على العلاقات بين الطلبة والطالبات في كلياتهم ولا يلتزمون بالانضباط الشرعي داخل الجامعات " وفقا لأمام الجامع والمدعو محمد الفضلي والقيادي في حزب الفضيلة " !!!.

وقد أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رفضها ما تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي من خطاب لأمام الجامع “يسيء” للطلبة الجامعيين، فيما أعربت عن أسفها لصدور مثل هذا الخطاب “الأحادي المأزوم”، دعت إلى تفهم خصوصية المرحلة. وقالت الوزارة في بيان، إنه “دعماً لطلبتها وملاكاتها التدريسية وانطلاقاً من المسؤولية الأكاديمية والقيم الجامعية العريقة تعلن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رفضها ما تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي من خطاب يسيء للطلبة الجامعيين ويغفل أهمية هذه الشريحة في صناعة المستقبل.

هذا الاستنكار الخجول لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي يعكس في بعض من وجوهه الخفية مدى تداخل السلطات الطائفية السياسية وعبثها في مؤسسات الدولة وقدرتها المليشياوية على أختراق مؤسسات الدولة, سواء بالخطابات الدورية, أو من خلال التدخل المباشر في شؤون تلك المؤسسات وفرض ارادة المليشيات المسلحة من خلال أكراه تلك المؤسسات وبقوة السلاح على تبني مختلف الارادات السياسية والتوجهات الأدارية, وفرض تغيرات بالقوة للتسير عمل مختلف مؤسسات الدولة !!!.

هذه ليست المرة الأولى التي يتم بها التجاوز على الحرية الأكاديمية والعبث بالأستقلال النسبي للجامعات والتدخل في الشأن الخاص بها من قبل اناس لا صلة لهم من قريب أو بعيد بمؤسسات التعليم العالي, بل من اناس يرون في المدارس الدينية والجوامع والحسينيات هي المصدر الوحيد للمعرفة والعلوم ولديها تكمن الأجابة على كل تساؤلات المجتمع لمختلف المشكلات, ولديها ايضا التفسيرات الجاهزة لكل الظواهر الطبيعية وفي مختلف العلوم, وما الجامعات إلا أمكنة للنزهة والاختلاط بين الجنسين وارتكاب الرذائل, ومن الصعب والعسير والعصي ان تتفاهم مع اناس من هذا النوع وأقناعهم بجدوى نشأة التعليم العالي, وماهي وظائفه الأساسية في البحث والتنقيب وأكتشاف المجهول, وخدمة المجتمع المحلي والوطني, وتزويد الدراسين بآخر مستجدات العلوم والمعارف, ودور الجامعات في خلق الكادر المهني والعلمي بمختلف التخصصات, وأنها من مصادر تشكيل الطبقة الوسطى في المجتمع, تلك الطبقة صاحبة ورائدة التغير الشامل في المجتمع, كما يجب أن يكون, !!!. 

أن أزمة التعليم العالي في العراق هي جزء من الأزمة العامة المستعصية, وذات الصلة بالنظام المحاصصاتي, ومن أبرز ملامح هذه الأزمة هو الآتي: 

ـ التدهور الأمني المستمر لمؤسسات التعليم العالي وتدخل رجالات الأحزاب والمليشيات الطائفية في شؤون التعليم العالي مما يضع طرفي العملية التعليمية : الطالب ـ الأستاذ والعملية التعليمية برمتها في دوامة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل¸مما يترك أثره الواضح في تسرب الطلاب وهجرهم لمقاعد الدراسة وهجرة الكادر التدريسي.

 

ـ الإجراءات التعسفية في إقالة أو إحالة الكادر التدريسي الجامعي ومن درجات علمية متقدمة " أستاذ وأستاذ مساعد " على التقاعد بذرائع ومبررات واهية, منها كبر السن أو بتهمة عدم الكفاءة, وهي إجراءات تنفذ في الخفاء بواجهات سياسية أو انتماءات طائفية, وتحرم هذه المؤسسات من خيرة كادرها المتمرس في التدريس والبحث العلمي.

ـ تدهور البنية التحتية اللازمة لتطوير التعليم العالي من مكتبات علمية ومختبرات وشبكة انترنيت ومصادر المعلومات المختلفة, وقد تعرض الكثير منها إلى الحرق والإتلاف الكامل والى التخريب والسرقات المقصودة لإفراغ الجامعات من محتواها المتمثل بالمراجع والكتب والأبحاث والمقررات الدراسية بمختلف التخصصات, وغلق أقساما للدراسات العليا بكاملها تحت ذريعة عدم توفر الكادر التدريسي اللازم لها .

 

ـ تدهور المستوى العلمي والتحصيلي للطلاب جراء تدهور الوضع الأمني والانقطاع عن الدراسة, أو النجاح بأي ثمن تحت وطأة تهديد الأستاذ الجامعي من قبل مليشيات الأحزاب السياسية ـ الطائفية وفرض معايير مشوه للتفوق الدراسي لا تعبر عن إمكانيات الطلاب الفعلية, بل تعبر عن أولويات الانتماء السياسي أو المذهبي أو الطائفي, وهي تذكرنا بممارسات التبعيث لفرض النتائج الدراسية وانتقاء الطلبة على أساس الولاء للحزب الحاكم.

ـ تغييب الكليات الإنسانية والتضييق على دورها المهم في الحياة الثقافية العامة عبر الحد وعرقلة أنشطتها المختلفة التي يفترض لها أن تسهم بإشاعة ونشر قيم التسامح والعدل والحق ومكافحة الإرهاب, وقد شهدت هذه الكليات حرق العديد من مكتباتها بالكامل, وعرقلة إصدار دورياتها الثقافية الشهرية أو الفصلية أو السنوية, وانعدام الأجهزة اللازمة لاستمرار عملها كأجهزة الاستنساخ والطباعة وغيرها, إضافة إلى محاصرة العديد من مبدعي وكتاب هذه الكليات ومنعهم من الظهور العلني للحديث عن نشاطاتهم ونتاجاتهم الثقافية والأدبية المختلفة.

ـ استشراء الفساد بمختلف مظاهرة الإدارية والمالية, من محسوبية ومنسوبيه وسرقة الأموال المخصصة لهذا القطاع وتزوير للشهادات والتلاعب بسجلات الدرجات من خلال ممارسة الضغط والابتزاز على إدارات الأقسام الدراسية و عمادة الكليات لمنح ضعاف التحصيل ما لا يستحقوه أو إضعاف المتفوقين دراسيا والعبث بدرجاتهم بدوافع الانتقام والثأر بواجهات مختلفة, سياسية ومذهبية وطائفية وغيرها.

ـ ضعف التنسيق بين الجامعات والكليات الأهلية من جهة وبين الجامعات والكليات الحكومية من جهة أخرى, حيث الإرباك في تكرار الاختصاصات المتشابهة في كلا الطرفين وعدم انتهاج مبدأ التكامل في التخصصات بين المؤسسات التعليمية العالية الحكومية منها والأهلية, الأمر الذي لا يخدم أغراض التنمية وسد الحاجة لمختلف التخصصات, وانعدام الهيكلة الإدارية التي تضمن بقاء التعليم الأهلي تحت إشراف فعلي وليست شكلي من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على تلك المؤسسات, مع احترام استقلاليتها الإدارية والمالية, بل يدخل التعليم الأهلي في أحيان كثيرة كمنافس للتعليم الحكومي و كمصدر لاستنزاف الكادر العلمي والتدريسي من المؤسسات الحكومية تحت وطأة المغريات المادية والمالية, وبالتالي فأن الكثير من خريجي الجامعات والكليات الأهلية مهددين بالبطالة وانعدام فرص العمل لاحقا بسبب من ضعف الحاجة لاختصاصاتهم, علاوة على ذلك نرى أن التوسع السريع في إنشاء مؤسسات التعليم العالي الأهلية والذي زاد عددها أكثر من ضعف مقارنة بعهد النظام السابق يثير تساؤلات كثيرة عن جدوى هذا التوسع والحاجة الفعلية له !!!.

ـ عدم السماح وعرقلة جهود المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وأجهزتها المعنية بشؤون التعليم العالي على الإشراف والتأكد من ظروف عمل هذه المؤسسات بما يستجيب لشروط الجودة العالمية لهذه المؤسسات وحماية خريجها من عدم الاعتراف بالشهادة, وكذلك عرقلة جهود اللجنة الدولية للتضامن مع أساتذة الجامعات.

 

ـ في ظروف العراق الحالية والذي توقفت فيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة, تضعف فيه كنتيجة منطقية قدرة ودور الجامعات والمؤسسات البحثية في المجتمع وبالتالي تضعف روابط التعليم العالي ودوره الأساسي في التخطيط والاستجابة لظروف التنمية البشرية الشاملة وحاجتها الفعلية لمختلف القيادات والكوادر في مختلف التخصصات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية وغيرها.

ـ تشير الكثير من المقابلات الميدانية التي أجريت مع أساتذة جامعات وقيادات أدارية وطلابية إلى أن الكثير من مؤسسات التعليم العالي تحولت إلى مؤسسات مصغرة للمساجد والحسينيات والجوامع, تجري فيها الشعائر والاحتفالات والطقوس الدينية على نسق ما يجري في المساجد والجوامع, وكأن لم يكفي الآلاف من المساجد والجوامع المنتشرة خارج الجامعات, حتى أن العديد من المختبرات العلمية تحولت إلى حسينيات لزمرة هذا الحزب السياسي الطائفي أو ذاك, ولكي تتحول بالتدريج إلى بؤر للفساد والاحتقان الطائفي والمذهبي وللتفرقة بين الطلاب, حيث تسيطر كل ميليشيا حزبية على إحدى الكليات ومرافقها داخل الجامعة, وانتشار صور المعممين في أروقة الكليات والجامعات والشعارات الدينية الطائفية الاستفزازية والعبث بمسميات هذه المؤسسات وتسميتها برموز قيادات أحزاب أو طوائف, انه امتهان للحرية الأكاديمية وتسييس للمؤسسات العلمية وزجها في الصراعات الدينية والمذهبية والطائفية .

ـ ضعف الإنفاق على التعليم العالي والبحث العلمي باعتباره دعامة أساسية لإعادة بناء بنيته التحتية وإقامة المشاريع البحثية والتعليمية المتقدمة, وبالتالي فأن أي نوايا للإصلاح دون توفير الأموال اللازمة هي نوايا باطلة وقد تعكس بنفس الوقت رؤى متخلفة للقيادات التربوية والتي ترى أن ما يصرف على التعليم هو من باب الاستهلاك الغير ضروري وليست الاستثمار طويل الأمد.

ـ ضعف وتدهور البحث العلمي وأصالته ومكانته في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وضعف استقلالية الأستاذ الباحث الذي يتعرض إلى ضغوطات مختلفة لتوجيهه الوجهة التي يرغب فيها هذا الكيان السياسي أو ذاك, وأن اغلب ما يجري من أبحاث يعتمد على نظريات ومفاهيم مهجورة أو أنها تقادمت في ظل عصر تتغير فيه المعلومة يوميا, أو أنها هجنت بطريقة عجيبة نتيجة للقيود والضغوطات الرقابية والحزبية والطائفية, وهي تذكرنا بحقبة توظيف " البحث العلمي " لخدمة مصالح الحزب القائد وتمجيد قائد الضرورة.

ـ غياب إستراتيجية واضحة للبحث العلمي في ضوء احتياجات المجتمع المحلي لها, حيث أن المبادرة الفردية للباحث والأستاذ تلعب دورا كبيرا في تقرير ذلك, ومعظمها يجري لأغراض الترقية العلمية أو لأغراض المتعة العقلية الخالصة للبحث, ويجري ذلك في ظل انعدام صناديق متخصصة لدعم وتمويل البحوث, وضعف القاعدة المعلوماتية, وعدم وجود مراكز أو هيئات للتنسيق بين المؤسسات البحثية, وضعف الحرية الأكاديمية كتلك التي يتمتع بها الباحث في بلدان العالم الديمقراطي, وعدم تفهم أو انعدام دور القطاع الخاص ومشاركته في الأنشطة العلمية حيث لا يزال قطاعا متخلفا يركز على الربحية السريعة والسهلة ولا يعي حقيقة وأهمية البحث العلمي في تطويره.

أن الحرية في المجتمع الأكاديمي وتوسيع دائرة الصلاحيات للإدارات الجامعية وعدم اقحامها بالصراعات الأثنو طائفية السياسية, وفصلها وعزلها عن المؤسسات الدينية, سببا مهما في نمو الفاعلية ورفع مستوى الأداء، فالاستقلال النسبي ماديا وإداريا وفكريا وسياسيا سيدفعها إلى البحث عن التميز والشعور بالمسؤولية تجاه جودة المخرجات، لأن الجامعات في هذه الحالة ستعمل على طريقة تحقق فيها متطلبات التنمية لتدخل ضمن مجال تنافسي علمي تحكمه المستجدات العلمية والتقنية المعلوماتية وإبراز الأفكار المبدعة، فسترفع من هذه القيمة باستقطاب المفكرين وتبني الآراء التي تسهم في وصولها إلى مكانة أفضل نسبة إلى غيرها، وهذه الأهداف ستتجاوز ما نخشاه من سيطرة النزعة المناطقية والنفعية والطائفية والأثنية التي تسيطر على الإدارات وعلى السياسات العامة، ويأتي هذا كله مع ضرورة إيجاد نظام يحمي مكتسبات الجامعات من أي تدخل خارجي، والنتيجة تؤدي إلى خلق بيئة ملائمة لنمو المعرفة والإبداع, وبهذا ستكون مؤسسات التعليم العالي بيئة صالحة لجذب افضل الكوادر العلمية, وتقلص بدورها من هجرة الكادر وتسربه من الجامعات الى خارج العراق أو داخله !!!.

 

 

 

 

حرية الصحافة والتعبير

وأغتيال العقل المدني !!!

 

د.عامر صالح

 

أقدم مجموعة من الظلاميين الأوباش والمتلبسين في الثقافة الداعشية في تصفية الحرث والنسل على اختطاف الصحفية والناشطة المدنية العراقية أفراح شوقي في سيناريو أقل ما يقال عنه سيناريو جبان وقد نفذ من من قبل مجموعة من المتشبهين بالرجال بحق صحفية مهنية, أمرأة طموحة لعراق ديمقراطي يخلو من الأرهاب والطائفية الكريهة والمحاصصة الأثنية والمذهبية المريضة والرعناء ذات الأصول الدموية الغارقة في الفساد الأداري والمالي والأخلاقي, ومتخذة من الطائفة والمذهب والعرق شماعة لأرتكاب جرائم بحق الشعب العراقي وبحق الانسانية جمعاء !!!. 

يطال الشك الى مصداقية محاربة داعش عسكريا في مناطق تواجدها عندما لا يقترن ذلك بثقافة احترام الرأي والرأي الآخر في المناطق التي تتواجد فيها سلطة الدولة الاتحادية وبغداد بشكل خاص, لأن محاربة داعش عسكريا يجب ان يتزامن ويقترن حثيثا في القضاء على ثقافة داعش وأمتدادتها في كل التراب العراقي, تلك الثقافة الوسخة التي يجسدها العقل السيكوباتي المريض في وسط العراق وجنوبه وشماله, والتي تدعي أحتكار الحقيقة عبر تسويف المذهب والطائفة والعرق وتوظيفه لمصلحة تفكيك النسيج الاجتماعي واشاعة ثقافة التصفيات الجسدية والنفسية وخلق الفوضى المدمرة, وهي ثقافة داعشية تسعى داعش لإشاعتها في مناطق تواجدها عسكريا !!!.

لقد أقدم هؤلاء الجبناء على أختطاف الناشطة المدنية والصحفية أفراح شوقي ليؤكدوا لنا أن داعش موجودة في كل حتة عراقية وفي كل زمان وبأمكانهم أن يستنسخوا داعش اخرى ذات مواصفات ثقافية وسلوكية تخريبية لاتقل ابدا في جرمها وصلافتها عن داعش الرسمية والمعروفة لدى الغرب والشرق, فالداعشية سلوك إجرامي وهو أرهاب منزوع الصلة بدين أو مذهب بعينه, وبأمكانك ان تكون داعشيا عندما لا تحترم حرية التعبير والصحافة والرأي الآخر, والأسوء من ذلك عندما تقدم على اختطاف سيدة في عمر الزهور وأم لعدة أطفال وصحفية محترفة كما غيرها من شهداء الكلمة الذين تمت تصفيتهم من قبل رواد الثقافة الداعشية !!!.

ان الحرية الاعلامية والصحفية تشكل ركنا من أركان الدولة المدنية والديمقراطية وقد تكرست هذه الحرية في جميع المواثيق الدولية, والعراقية ايضا من خلال الدستور, وبالتالي فأن الأقدام على اختطاف الصحفية أفراح شوقي هو جريمة أسوة بجرائم اختطاف وقتل الصحفين التي ارتكبت سابقا في العراق, وهي جرائم ضد الأنسانية وتهدد النظام السياسي الوطني ومصداقيته في الحفاظ على أرواح المواطنين والصحفيين بشكل خاص !!!.

ان ما قامت به أفراح شوقي كناشطة مدنية وصحفية في نقل المعلومات الأمينة والصادقة والحيادية, وقد جاءت نشاطات الصحفية المذكورة منسجمة مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان في حرية النقد والتعبير وحق التجمع والتظاهر وابداء الرأي المغاير, كما كانت نشاطاتها منسجمة مع روح الدستور العراقي ونصوصه الصريحة في احترام حرية الرأي والتظاهر والتجمع.

لم يكن نشاط المواطنة الصحفية أفراح شوقي داعيا للحرب, ولا للصراعات الطائفية والاثنية ولا للتميز العرقي والمذهبي والطائفي, ولا للكراهية الوطنية والقومية, ولم تكن في يوم ما داعية لاستخدام العنف والعدائية. ان ما قامت به السيدة أفراح شوقي يصب في جوهر الحرية الاعلامية والصحفية وفي خدمة المواطن العراقي وصيانة حقوقه المشروعة في العيش الكريم, وممارسة النقد لمختلف الظواهر الاجتماعية ذات المساس بتهديد السلم الأهلي وتهديد كرامة الانسان العراقي.

 

فلتتظافر كل الجهود الوطنية المخلصة, من أجهزة أمنية وأستخباراتية ومنظمات أنسانية عالمية ووطنية ومنظمات مجتمع مدني عراقية من اجل النضال لأطلاق صراح السيدة أفراح شوقي ومعرفة مصيرها وانزال اقصى العقوبة بالجناة المجرمين حثالى المجتمع وأعداء حرية التعبير والأمن المجتمعي !!!.

 

 

 

 

صراعات الإسلام السياسي

 

على السلطة والبقاء هي صراعات

 

نهج وليس أفراد !!!

 

د.عامر صالح

 

ينحى بعض الأخوة الكتاب منحى ليست موضوعيا في تصوير الصراع القائم في العراق بأعتباره صراع بين رموز للكتل السياسية متمثلة بأشخاص, سواء إن كانت شيعية أم سنية, وعلى سبيل المثال ما يكتب الآن من بعض رموز الأنحياز للمالكي, بأن العبادي سرق السلطة في وضح النهار من المالكي, وما على العبادي إلا أن يسجد ليل نهار وفاء لقائده المالكي, ولولا الأخير لما كان العبادي عضوا في البرلمان ولا رئيسا للوزراء, وكذلك تهمة تآمر العبادي على المالكي وازاحته بدعم أمريكي باتت سيمفونية يومية يرددها أنصار المالكي, وكأن المالكي حقق حلم العراقيين في العيش الكريم وتناسوا أن معضلات الفساد الاداري والمالي وأفراغ ميزانية الدولة والتدهور في مختلف المستويات الخدمية كانت في حقبته لدورتين متتاليتين لرئاسة الوزراء, ولم يأتي العبادي بجديد تقدمي كي يرى شعبنا الفرق بين الحقبتيين, فالفساد هو الفساد على أشده وتنخر مؤسسات الدولة يسير على قدم وساق لأكمال ما بدأ به السيد المالكي, إلا بأستثنائية واحدة وهي في زمن المالكي سقطت الموصل بيد داعش " بغض النظر عن التفاصيل الخطيرة التي كانت سببا في سقوط الموصل ورموز إسقاطها " فهناك قائمة بأسماء من أسقط الحدباء, ولم يستطيع الى اليوم ان يستجوب أحدهم, أما في زمن العبادي فقد أستنهضت كل القوى لتحريرها في توافقات مخيفة, والله أعلم ما بعد التحرير. والكتلة السنية تعاني من نفس الصراعات على النفوذ والاستحواذ على السلطة في مناطق نفوذها, وهي الأخرى مبتلاة في الفساد وسرقة المال العام حتى من نازحي ومشردي مناطقها !!!. 

أن معضلة مجتمعنا الكبرى هي ليست مع أشخاص, بل مع الأسلام السياسي الغير مؤمن بالديمقراطية أصلا, والتي يراها لعبة غربية لا تصلح لمجتعاتنا, وأن الاسلام السياسي مكره على ممارستها في ظل الظروف العالمية الضاغطة والتي لا تقبل إلا بالتدوال السلمي للسلطة وفي ظروف طبيعية وصحية. في عودة سريعة لضبط مصطلح الديمقراطية وماهيته والذي يخدمنا كثيرا في هذا المقال, وهو أن الديمقراطية تعني حكم الشعب, أو الحكم للشعب, وإذا كان للديمقراطية مصطلحات عديدة إلا إن لها مدلولا سياسيا والذي شاع استخدامه في كل الأدبيات والفلسفات القديمة والحديثة وأنها مذهب سياسي محض تقوم على أساس تمكين الشعب من ممارسة السلطة السياسية في الدولة, فالكلمة العليا والمرجعية النهائية إنما هي للشعب ولا شيء يعلو فوقه, فهي تعني أن يضع الشعب قوانينه بنفسه, وأن يحكم نفسه بنفسه, ولنفسه, والحكومة التي تقبلها النظرية الديمقراطية هي الحكومة التي تقر سيادة الشعب وتكفل الحرية والمساواة السياسية بين الناس تخضع فيها السلطة صاحبة السلطان لرقابة رأي عام حر له من الوسائل القانونية ما يكفل خضوعها لنفوذه, وقد تبلورت هذه الفكرة فيما بعد تحت مصطلح السيادة, وقد عرفت السيادة بأنها سلطة عليا مطلقة لا شريك لها و لا ند متفردة بالتشريع الملزم, فيما يتعلق بتنظيم شئون الدولة أو المجتمع, فلها حق الأمر والنهي والتشريع والإلزام بذلك, لا يحد من إرادتها شيء خارج عنها, ولا تعلوها أو تدانيها سلطة أخرى, والسيادة في الفكر الديمقراطي إنما هي الشعب. وتتمثل ممارسة الشعب للسيادة في ثلاث جوانب رئيسية على الأقل هي :

1 ـ إصدار التشريعات العامة الملزمة للجماعة التي يجب على الجميع الالتزام بها وعدم الخروج عليها, وهذه تمارسه  السلطة التشريعية.

2 ـ المحافظة على النظام العام في ظل تلك التشريعات, وهذه تمارسها السلطة التنفيذية.

3 ـ حل المنازعات سلميا بين المواطنين انطلاقا من هذه التشريعات, وهذه المهمة تمارسها السلطة القضائية, ويتبين من ذلك أن السلطة التشريعية هي أم السلطات الثلاث.

وعلى خلفية هذه الرؤى فأن الديمقراطية كفلت الكثير من الحقوق والحريات التي تتحقق بها إنسانية الإنسان كحرية التنقل, والاستقلال في الرأي والتفكير, والمشاركة في القرار السياسي وفي اختيار الحكومة, وفي القدرة على رفض الحكومات وتغييرهم في حالة عدم صلاحيتهم, وفي حق التملك وحق الأمن والأمان, كما يحقق المساواة للجميع أمام القانون, والدعوة إلى الآراء وحرية تكوين الأحزاب, وحق المعارضة للسلطة القائمة, وحق الاقتراع العام, وتنظيم الانتخابات للوصول إلى الحكم, وتداول السلطة بين أفراد الشعب, واعتماد مبدأ الأغلبية في اتخاذ القرارات وسن القوانين !!!!.
وفي زحمة هذه الصلاحيات الواسعة للشعب في ظل الديمقراطية الحقيقية يقع الإسلام السياسي في دوامة الصراع النفسي والسلوكي مع القوى الديمقراطية ومع الشعب, كون هذه الأخيرة مصدر كل السلطات وبالتالي تشكل بديلا عن الشريعة الإسلامية ذات الطابع الإلهي, أي كما يفهمه الإسلام السياسي بأن جعل التشريع بيد الشعب هو إلغاء لشريعة الله تعالى, وهذه الخاصية التي تميزت بها الديمقراطية على تعاقب التجارب والأزمان, تعد من الاختلافات الحقيقية بينها وبين الإسلام, انطلاقا من قاعدة الإسلام التي جوهرها هي توحيد الله تعالى, والتي تعني أن يكون المسلم عابدا لله وحده, وذلك بالاحتكام إلى ما شرعه الله تعالى في كلها من صلاة وصيام وحج, معاملات بين الناس وخصومات, وفي شئونه كلها, وبالتالي أن تحل سلطة الشعب مكان سلطة الإلهة أمر غير مقبول جملة وتفصيلا لدى الإسلام السياسي !!!!

واليوم إذ تتطور الحياة الإنسانية على أسس من معطيات مختلف العلوم الإنسانية والطبيعية وتزداد مقدرة الإنسان الفعلية في التحكم في الطبيعة والمجتمع, فأنها تقع في صراع مستمر مع الخطاب الديني الذي أريد له أن يكون صالحا في كل زمان ومكان وبين الحياة المتغيرة بدون انقطاع التي تستدعي الاعتماد مزيدا على الذكاء الإنساني ومقدرته على إيجاد مختلف الحلول للمشكلات الإنسانية انسجاما مع ظروف العصر ومكانة الإنسان الريادية في التقدم. هذا لا يعني نهاية للدين, فالدين باقي في أكثر المجتمعات تطورا وله فسحته في حياة الناس التي لا تتعارض مع سنة وقوانين التطور والارتقاء, فالدين باقي هنا كحاجة شخصية وكما هي نشأته الأولى !!!. 

المشكلة في ظروف بلداننا وفي ظل غياب الديمقراطيات السياسية وانتفاء ظروف العيش الكريم واحترام إرادة الإنسان أن الدين يجد على الدوام من يفرض وصايته على أتباعه فيشذ في التفسير ويبتعد في التأويل ويجبر الناس على التمسك الأعمى برموز الدين تصل إلى حدود سوق الناس كالبهائم إلى مختلف الاتجاهات وإغراق الناس في الطقوس الدينية لحد تعطيل وشل الحياة العامة, وإيجاد مختلف التفسيرات المقدسة لتبرير سياسة ظلم الناس وسبيهم وانتهاك أموالهم وأعراضهم, بل وقطع رؤؤسهم, وتهجيرهم من ديارهم الأصلية !!!. 

وبغض النظر عن ما يقع على الإنسان من ظلم وما يستحق من إدانة, فأن القضية الكبرى والمفصلية في حياة تطور المجتمعات هو فصل الدين عن الدولة وفصل الدين عن السياسة هو مطلب أنساني وتاريخي تتطلبه المجتمعات الإنسانية اليوم, وهو مطلب اقتصادي واجتماعي تشترطه الحياة الديمقراطية الحقيقية, كما هو مطلب سياسي يفوت الفرصة على المنتفعين من رموز الإسلام السياسي وقيادته المحافظة لعرقلة التطور من خلال إقحام الدين بالسياسة, والذي يندفع ثمنه غاليا الآن في تجارب العراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر والسعودية وإيران وغيرها من البلدان التي تسعى إلى الحكم أو تحكم باسم الله !!!.

ومن هنا فإذا كان الدين على المستوى الفردي هو ملجأ آمن للإنسان الضعيف من جميع ما يحيط به من مخاوف وتهديدات حياتية, فأنه بيد الدولة سلاح لتكريس حالة الضعف لدى الإنسان والوقوف ضد نهضته. ومن هنا فأن تحرير الدين من الدولة ومن السياسة فيه مصلحة عليا للدين والدولة والسياسة !!!.

وفي الختام فهل المالكي او العبادي أو أسامة النجيفي وسليم الجبوري قادرين على انقاذ العراق من محنته والارتقاء به الى مستوى يليق بحضارته العريقة وشعبه الذي يصارع الموت اليومي من أجل البقاء. إنها مهمة شاقة ولا يستطيع الاسلام السياسي ان ينجزها قطعا. انها مهمة القوى المدنية الراغبة والمؤمنة في العراق شعبا ووطنا للجميع !!!.

 

 

 

 

 

 

في ضوء القراءة الأولى

 

لقانون مجلس قبائل وعشائر العراق

 

ملاحظات سيكولوجية ـ تاريخية

 

د.عامر صالح

 

في يوم الخميس وبتاريخ 1ـ 12 ـ 2016 تمت القراءة الأولى في قبة البرلمان العراقي لما يسمى بقانون العشائر والقبائل العراقية, وأثارت هذه القراءة وتبريراتها من قبل بعض السياسيين سخطا وغضبا شديدا في الاوساط المثقفة وأصحاب الفكر ورجال السياسة الحريصيين والطموحين لبناء دولة المواطنة, وأعتبرت ان القراءة الاولى للقانون هي بمثابة ردة تاريخية الى الوراء وعودة القبيلة والعشيرة لتكون مصدر لسلطات مختلفة وذات طابع قضائي وتشريعي مشوه وبعيدا كل البعد عن مفاهيم دولة القانون وسيادة القضاء العادل الذي يقوم على أسس معاصرة وتكون الدولة هي الضامن الوحيد للحق العام والحق الفردي, بعيدا عن اللجوء الى العشائر والقبائل وتقاليدها المتخلفة في فرض نمط من الضوابط لا تليق بحياة الانسان المعاصر !!!.

ومن الضروري التذكير هنا أن قانون العشائر قد ألغته ثورة 14 تموز في العام 1958 فهل من المعقول أن نعود أليه بعد أكثر من خمسين عاما على ألغائه. وقد سيقت مبررات لا صلة لها بمنطق العقل والتاريخ من أجل تمرير هذا القانون, ففي توضيح لشيروان الوائلي مستشار رئيس الجمهورية المسؤول عن إعداد مشروع هذا القانون بالتعاون مع أمير الكناني المستشار الآخر في رئاسة الجمهورية والقيادي في التيار الصدري ولجنة العشائر في مجلس النوّاب , قال ( العشيرة هي البنية الأساسية للمجتمع العراقي , ومعظم العراقيين ينتمون إلى العشائر ويستنجدون بها عند الحاجة وبالذات في مراحل ضعف الدولة , وعبر تاريخ العراق الحديث كان للعشائر دور مهم في ثورات العراق ) , وفي معرض تبريره لتشريع مثل هذا القانون يقول السيد شيروان الوائلي ( إن نفوذ العشائر الآن هو أقوى من جميع الفترات في تاريخ العراق الحديث , وهنالك تسرّب للسلاح المتوسط والثقيل لدى العشائر , وأن هذه العشائر قد حمت الكثير من المجرمين والفاسدين في المجتمع بفضل حماية العشيرة , والذي نحتاجه هو قانون لتهذيب الأعراف لحماية المجتمع والقانون , ويقول أن هنالك أعراف عشائرية تستحق أن تكون قواعد دستورية منها أن صاحب السودة ( أي الجريمة المخلّة بالشرف ) لا يدفع له فصل) !!!. 

ومن هنا أرى ضرورة وضع مفهوم العشيرة والقبيلة في سياق نشأتها التاريخية وفهم دورها في تشكيل "وعي خاص " أرتدادي لا ينسجم مع فكرة دولة المواطنة. أن وجود العشائر والقبائل ودورها في المجتمع يعكس مرحلة تاريخية من مراحل التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي, وهي لصيقة مرحلة الإقطاع التاريخية وما قبلها و التي مرت وتمر بها المجتمعات الإنسانية المختلفة, بكل ما تحمله الأخيرة من بنية فكرية وأخلاقية وأدائية متخلفة قياسا بلاحقتها والتي نشأت على أنقاضها ألا وهي الرأسمالية. 

بعد نشوء وبداية نشوء الدولة الوطنية بدأت عملية تحول الأمن والحفاظ على المصالح الاقتصادية والاجتماعية تنتقل من يد العشيرة باعتبارها الحافظ الفئوي والمناطقي والأسري لمصالح أبنائها, إلى الدولة باعتبارها المؤسسة الحاضنة للجميع والعابرة للعشيرة والقبيلة والطائفة والدين كما يفترض ذلك من سنة التطور التاريخي التي أفرزتها تجارب بناء الدول المدنية المتحضرة, والتي قامت على خلفية تحولات عميقة في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية والأيديولوجية, مما سهل نشأة الأسواق الوطنية والاقتصاد الوطني القومي ونشأة المدن الحضارية, والانتقال من المجتمعات الرعوية والزراعية والريفية المتخلفة إلى مجتمعات المدن الحضارية !!!.

وعلى هذا الأساس وحسب درجة تطور المجتمعات وظروفه الخاصة بدأ الاضمحلال التدريجي لسلطة العشيرة والقبيلة باعتبارها مرحلة متخلفة من مراحل النمو الاجتماعي والاقتصادي. وعلى خلفية مستويات التطور الاجتماعي والاقتصادي وعدم الاستقرار بقيت العشيرة والقبيلة في علاقة عكسية مع الدولة, فكلما ضعفت الدولة اشتد ساعد العشائرية والقبلية, وبالعكس كلما قويت الدولة واشتد بنائها ضعف الدور ألتأثيري للعشائرية والقبلية. هذه العلاقة بمجملها تدفع العشيرة للتحالف مع الدولة عندما تكون قوية, وتشهر السيف ضد الدولة عندما تكون ضعيفة أو في طور البناء. ومن هنا تنشأ المشكلات بين المركز " الدولة " وبين " الأطراف " التي هي العشائر والقبائل وحلفائها !!!.

 

أما بالنسبة للبنية الذهنية والعقلية والنفسية للعشيرة والقبيلة فهي أشد تركيزا ووضوحا وسلبية في تخلفها قياسا بالتخلف العام في المجتمع الذي تتواجد فيه, وتمثل خلاصة مركزة في القيم والاتجاهات والأنماط السلوكية السلبية لمرحلة تاريخية سابقة متخلفة, وهي بطبيعتها تقاوم التغير الايجابي والسنة الطبيعية للتطور, ويعتبر الماضي بالنسبة لها بكل ما يحمله من أبعاد الانغلاق على الذات والإبقاء على القديم أحد مصادرها ومرجعيتها الأساسية في التعامل مع مشكلات الحاضر ونهضته, وبالتالي ترى في كل جديد ايجابي مهددا لكيانها وعليها أن تقاومه. 

 العشائر والقبائل لا تمتلك خطابا سياسيا واضحا ومعلنا للجميع يمكن قراءته والتفاعل مع ثوابته المعلنة, فالسلوك العشائري تجسده بوضوح أخلاقيات " الثأر والثأر المضاد " و " الانتقام والانتقام المضاد " و " عدو عدوي صديقي " والحكم بما تقرره العشيرة وجلسات المضايف من ثأر وفصل في القضايا التي تحدث في نطاق سلوك العشيرة مع العشائر الأخرى أو مع الأشخاص الآخرين ومع الدولة, فالعشيرة لا تعترف بالدولة حتى وان كانت دولة القانون لأنها عدوة الدولة في السر وفي العلن !!!.

والعقل العشائري والقبلي هو عقل وثوقي " أي يثق بما لديه من مواقف ثقة عمياء ويعتبر كل عيوبه مزايا مطلقة ", وهي احد أسباب صراعاته مع التحولات والتغيرات الايجابية التي تجري من حوله, و تزداد وثوقية هذا العقل وانغلاقه وتحجره كلما توقف عند لحظة زمنية محددة وتشبث بها وعاش فكريا وروحيا فيها, مما يجعله لا يعيش واقعه و لا يفكر من خلاله, وهذا ما يتسبب في غربته وإحداث تناقضات وانفصام هائل في أتباعه. دائما تكون هذه اللحظة في الماضي, لحظة نشوء الفكر أو لحظة وقوع أحداث مهمة و جذرية في تاريخه. فالعقل ألوثوقي والعشائري المتحجر لا يفكر بمنطق تأريخي و لا يعترف بتغير الأزمان وتغير الظروف, لأن من صفاته الثبات والاستقرار بينما منطق الحياة والواقع هو الحركة والتغير والتحول. يحاول العقل المنغلق أن يعوض غربته عن واقعه بأحلام وردية في المستقبل يعيشها لتملأ عليه خواءه وغربته وتناقضاته, فالعقل القبلي والعشائري يرى مثلا أن النصر قريبا على الدولة التي يحيا فيها وأن النصر لا محال للعشيرة والقبيلة !!!.

اشتدت نماذج السلوك المتطرف للعشائر والقبائل العراقية في زحمة تعقد الوضع السياسي وضعف الدولة وعدم تمكنها من بسط نفوذها الكامل على التراب العراقي بفعل عوامل موضوعية وذاتية, منها بنية النظام السياسي على أسس طائفية ـ سياسية وجغروطائقية وأثنية وتحالفات سيئة مع دول الجوار, إلى جانب الرفض المطلق للعملية السياسية واللجوء إلى خيار حمل السلاح ضدها, مما أدى إلى اندلاع ما يسمى " بثورة العشائر ". فهل يحملوا ويجسدوا هؤلاء " الثوار " معنى الثورة الحقيقية, أم أنهم يشكلون جزء لا يتجزأ من دورة العنف والعنف المضاد؟؟؟, والذي أدى بدوره إلى أخطر ما أدى أليه هو التحالف مع أعداء الوطن والإنسانية لإلحاق الأذى بالوطن والمواطن وبمستقبل العراق بأكمله, ويجسد أخطر ردة فعل لمعادة سلطة المركز !!!.

والأخطر من ذلك هو عندما تضعف الدولة في أداء مهماتها الدفاعية والأمنية وتعتمد بدورها على العشائر والقبائل لحفظ الأمن ودرء الأخطار الخارجية, فأن الدولة تقع فريسة الاستحقاق العشائري وسلوكها المتذبذب والاستسلام لشروط العشيرة وليست الدولة, إلى جانب تكريس عسكرة المجتمع وإيجاد أكثر من مركز للقوة والمنافسة خارج الدولة مما يهدد الأمن الاجتماعي من الداخل ويديم نوبات العنف, وخاصة إذا اخذ هذا الاعتماد على العشائر طابعا جغرافيا ـ طائفيا, فأنه يدفع باتجاهات خطرة ويكرس حالة الاحتقان الطائفي ـ السياسي التي يعاني منها البلد !!.

والتجارب القريبة جدا اثبت عدم جدوى ذلك, فقد انشأ في عام 2006 قوات الصحوات الخاصة في المناطق الغربية ذات الطابع السني والتي عمل الأمريكان على تشجيعها, ثم أعقبتها في عام 2007 تشكيل مجالس الإسناد والتي قام بتأسيسها رئيس الحكومة السابقة نوري المالكي في مناطق الوسط والجنوب ذات الطابع الشيعي, وقد أسهما كلا التنظيمين بقدر ما في مساعدة القوات الأمنية ومحاربة المجاميع المسلحة وخاصة في سنوات العنف الطائفي, إلا أنه سرعان ما أوقع الدولة في شرك استحقاقات هذه المجالس وشروطها, وفشل الدولة في إيجاد حلول جذرية لامتصاص هذه القوى وإعادة بنائها في إطار أجهزة الدولة, مما ترك هذه المجالس في تجاذبات واحتقانات لا تحمد عقباها مع الدولة !!!.

 

وما الحدث الأخير والأخطر والمتمثل باستباحة " داعش " للأراضي العراقية عام 2014 واحتلال ثاني اكبر مدن العراق " الموصل " والذي هدد بإسقاط الحكم في بغداد إلا تعبيرا في بعض من وجوهه عن هشاشة بعض الولاءات العشائرية للدولة " بغض النظر عن من يحكم هذه الدولة " والتي قدمت تسهيلات لوجستية " لداعش " وهي تعبيرا عن ضيق الأفق العشائري لاستقراء الإحداث وانعكاساتها الخطيرة على الوطن وسلامته, فسرعان ما انقلبت داعش عليهم مسببة لأكبر كارثة إنسانية أضرت جميع الإطراف دون استثناء لطائفة أو دين أو قومية أو مذهب أو عشيرة أو قبيلة !!!. 

أن دراسة العشائر والقبائل كظاهرة سوسيولوجي ونفسية لا يعني أبدا النيل من عشيرة دون غيرها أو إلحاق الأذى بسمعة عشيرة ما ورفع شأن أخرى,فكلنا ننتمي إلى عشائر كتحصيل حاصل, بل هو دراسة لظاهرة موضوعية تشكل مرحلة سابقة من مراحل النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ولها إبعادها السياسية والاجتماعية الخطيرة, وأن أعادة بناء البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية على أسس من التطور والحداثة والتي تستند إلى العلم والتكنولوجيا والاقتصاد المتطور في كل المجالات كفيل ببناء دولة المواطنة العصرية عابرة لجميع الولاءات الضيقة من عشائرية وطائفية ومذهبية وأثنية, وبالتالي فلا حاجة لقانون مجلس القبائل والعشائر العراقية, ومهما بلغت المبررات لصدور هذا القانون فأنها لا تصمد امام سنة التطور, ولا يمكن للسلوك العشائري والقبلي أن يضبط بقانون !!!. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

استخدام سيرة نبي الإسلام

في الصراعات المذهبية

الإسلاموية وسيكولوجيا التعصب !!!

 

د.عامر صالح

 

المتصفح لصفحات الأنترنيت ومواقع التواصل الأجتماعي, وخاصة منها الفيسبوك يجد زخما من النقاشات الغير مجدية لحياة الحاضر والمستقبل, بل تعبر عن أحتقانات طائفية ومذهبية قائمة على محاولات نفي الآخر, وخاصة عندما يتعلق الأمر في صراعات الاسلامويين على السلطة وتعبئة الناس في أجواء استحضار الماضي المليئ في التناقضات واستخدامها كوقود سريع الاشتعال في الصراعات الدائرة لأغراض ديمومة الفوضى السائدة وألحاق مزيدا من الأذى في النسيج الاحتماعي !!!.

تحيي بعض صفحات التواصل الاجتماعي مناسبات ولادة ووفاة نبي الاسلام محمد ( 12 ربيع الأول 53 ق.هـ / 22 أبريل 571م ) ـ ( 12 ربيع الأول 11 هـ / 8 يونيو 632م ), وبما أن الولادة والوفاة وقعت كلاهما في يوم 12 ربيع الأول وعلى الأعم الأغلب يوم الأثنين " رغم اختلاف بعض المؤرخين والباحثين " فهناك قدسية خاصة في أذهان المسلمين بأعتبار ان حصول كل من الولادة والوفاة في نفس اليوم هو أمر رباني أو ارادة ألاهية. وبما أن ولادته حيادية ومنزوعة الصلة بالصراعات, فأن وفاته وأسبابها شكلت جزء من الصراع المذهبي السلطوي بين الفرق النتاحرة على السلطة والتي تبلورت لاحقا بعد وفاة النبي. توفي نبي الأسلام قبل 1384 عاما وعن عمر يناهز 63 تقريبا, ولكن الخلاف على اسباب وفاته وتاريخها وملابساتها اليوم على أشده !!!. 

وبدلا من التركيز على البعد الايجابي في رسالة نبي الاسلام وفي ظروفها آنذاك وبأختلاف التفاصيل وتقيمها في ظروف عصرنا, فقد أستهلكت وسائل التواصل الاحتماعي المناسبة في البحث عن أسباب وفاته وملابساتها, واعطائها صبغة طائفية ومذهبية, وجرى التركيز على السؤال الآتي: هل وفاة النبي طبيعية أم قهرية, هل شهيدا أم متوفيا, والزج بوفاته وذكراها في دائرة الصراع الطائفي الاسلاموي الجاري على السلطة السياسية بما لا يخدم الذكرى, وجرى نبش لأسباب الوفاة, وتوزعت الأسباب بين سم دسته له يهودية في خيبر, أو سم قدم له في داره, في إتهام لأقرب الناس له, أو أصيب في ألتهاب رئوية حادة رافقتها ارتفاع درجة الحرارة, وكان كل فريق متسلح بأدلته في الاحتماليين الأول والثاني وعلى طريقة " نقل فلان عن فلان عن فلان " !!!.

وقد تحولت بعض الصفحات في الفيسبوك الى سباب وشتائم مقرف ويندى له الجبين وتجاوزا على الرموز الدينية, ومتناسين البعد الانساني في وفاته, والقدر الآلهي الذي تؤمن به كل طوائف الاسلام ومذاهبه وملله في ثنائية الحياة والموت. أما علميا فقد انتفت تماما من النقاشات ولم يسأل أحد المناقشين نفسه: ما هي مستويات الحياة الصحية آنذاك في عهد النبي وقبله وبعده, وهل الحياة خالية من الأوبئة والامراض الفتاكه, والافتقاد الى أبسط المعلومات الصحية الدقيقة الذي يضعف متوسط عمر العيش, ولماذا فقد النبي العديد من أولاده وبناته وهو على قيد الحياة, ألم تحصد الامراض والمجاعات والحروب ملايين من البشر ؟؟؟. وقد تحولت ذكرى وفاة النبي قبل أكثر من الف وثلاثمائة عام الى مناسبة للأعادة انتاج الكراهية الطائفية البغيضة وتوظيف ذكراه في دائرة الصراع الاسلاموي على السلطة !!!. 

أن ما يؤذي الناس والشعب عموما وبمختلف أطيافه هو ليست الانتماء إلى طائفة, فذلك واقع حال, حيث عاش العراق فترات من المحبة والمودة بين الطوائف والمذاهب والأديان المختلفة, وهي فترات إنسانية حقه نعتز بها جميعا, لم نعرف فيها دين أو مذهب جارنا وصديقنا,ولم نؤسس تعاملنا الحياتي على أساس هذا الانتماء , ولم نجرئ لأسباب أخلاقية أن نسأل عن انتماءات جارنا وصديقنا المذهبية والطائفية, فكان ذلك من المعيب والمخزي في ثقافة التعامل اليومي, وان عرفنا بذلك فنكن له كل المودة والاحترام, حيث كان الانتماء للوطن هو سيد الموقف والثقافة السائدة !!!!.

 إننا اليوم نعاني من الفتنة الطائفية القائمة على ذلك السلوك المتمثل في بث روح التعصب الطائفي أو إثارة النعرة المذهبية, والاختلاف في الجزئيات والتفاصيل التي لا تبني مستقبلا, وخاصة عندما يستخدم هذا السلوك للنيل والانتقام من طائفة على حساب طائفة أخرى, أيا كانت هذه الطائفة " سنية, شيعية, زيديه, مسلمة, مسيحية, صابئية وغيرها " وهي سلوكيات تستهدف التفرقة الطائفية والمذهبية والدينية حيث المساس المباشر لحياة الناس وأرزاقهم وحقوقهم ومصالحهم وكرامتهم وآمالهم وأمنهم وسلمهم, بل وقتلهم باعتبارهم مرتدين, والتفرقة الطائفية هنا هي جريمة بعينها, يكون ضحاياها شرائح واسعة من المجتمع المدني, وهو كذلك بالتأكيد سلوك مخالف للأعراف والتقاليد الدولية, حيث تنص المادة ( 55) من ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان على عدم الفوارق بين الناس, حيث تؤكد المادة المذكورة على : ( احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تميز بسبب الجنس أو اللغة والدين, و لا تفرق بين الرجال والنساء, ومراعاة تحقيق تلك الحقوق والحريات فعلا).

أن التعصب بمختلف مظاهره من عنصرية, وطائفية دينية أو مذهبية, أو سياسية, أو قومية أثنية, أو حزبية وفكرية, تمثل اتجاها نفسيا جامدا ومتحجرا مشحون انفعاليا أو عقيدة وحكم مسبق مع أو ضد جماعة أو أي شيء أو موضوع, ولا يقوم على سند منطقي أو معرفة أو حقائق علمية. أو هو موقف معاد ضد الجماعات الأخرى المختلفة في المعتقد أو المذهب أو الدين أو القومية, وخاصة عندما لا يكون هناك تفاعلا حقيقيا ومعرفة واقعية بين هذه الجماعات, وان هذا التحجر وعدم التفاعل يحول الوطن الأم إلى كانتونات منعزلة تسودها الريبة والشك والبغضاء فيما بعضها البعض, وبالتالي يحرم التعصب هذه المجاميع من فرص التقدم الاجتماعي والاقتصادي والتنمية المستديمة تحت مظلة الوطن, لأن التعصب بطبيعته يناهض العلم ويحارب التقدم ويعادي الحقيقة ويقاوم المبادرة الفردية ويخاف من الأفكار الجديدة ولا يقبل بالنقد البناء ويرفض التساؤل باعتباره مصدر الحقائق والمعارف, ويترك التعصب لدى أهله انطباعا وهميا بالكمال والامتياز والأهلية في مختلف المجالات, وهو بذلك يغلق أبواب الرحمة والتفاعل مع البيئة الخارجية, وهو بذلك يكتفي بالاسترجاع والاجترار ويغلق قابليات العقل ويخنق فعاليات العلم ويكرس الجهل ويملأ النفوس مسرة وفرحا بالجهل واستماتة في الدفاع عنه. 

ويبقى الحديث عن مشروعية الانتماء إلى طائفة ما أو قومية ما أو هوية سياسية ما ناقصا بالتأكيد إذا لم يقترن بالحديث عن التعددية والديمقراطية كمنهج وكقيمة اجتماعية, والتعددية تعني قبول الآخرين المختلفين قوميا أو طائفيا أو سياسيا واحترام رأيهم وحقوقهم وطريقة حياتهم طالما أن ذلك لا يمس بحقوق بقية الفئات, ففي الوقت الذي ندعو به إلى حق الناس في ممارسة انتمائهم الطائفي يجب الدعوة بقوة إلى انتهاج التعددية والديمقراطية السياسية لكي يأخذ كل مكون اجتماعي أو ديني حجمه الطبيعي وألا يبقى خطر تحول الانتماء الطائفي إلى تعصب طائفي قائم دوما !!!.

 



 

 

 

الطفولة المنسية في العراق !!!

 

د.عامر صالح

 

في العشرين من نوفمبر عام 1989 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم يوما عالميا لأعلان جقوق الطفل في العالم أجمع, والعراق من ضمن دول العالم التي تعهدت لأطفالها بضمان طفولة أفضل وفقا لتوصيات أتفاقية حقوق الطفل, وفي مواد تلك الاتفاقية الدولية والمتمثلة بخصوص الطفولة بما يأتي: الحفاظ على الهوية, وحق الطفل في العيش في كنف والديه اذا لم يتعارض مع المصلحة العليا للطفل, ولم شمل العائلة, وحرية التعبير للطفل, والحماية ضد الاعتداء والاهمال, وحماية الطفل فاقد الأسرة, والخدمات الصحية, والمراجعة الدورية للأطفال النزلاء في المنازل الخاصة لأغراض الرعاية والحماية والمعالجة,  أطفال الأقليات والسكان المحليين وحقهم في ثقافتهم الخاصة وممارسة شعائرهم الدينية ولغتهم الخاصة, وحق الطفل في أوقات الفراغ والتسلية والأنشطة الثقافية, وللطفل حق الحماية من أي شكل من أشكال الاستغلال !!!.

 تعتبر فترة الطفولة فترة أولية من عمر الإنسان، حيث وصفها علماء النفس بأنَها فترة حساسة جدا، وهي أيضاً وفي ذات الوقت فترة مرنة من عمر الإنسان، حيث يكتسب الإنسان في هذه الفترة أطباعاً وعادات وأنماطا سلوكية تبقى ملازمة له خلال فترة حياته كلِّها، ومن هنا فقد أطلق عليها علماء النفس اسم الفترة التكوينية انطلاقا من مرونة الجهاز العصبي والدماغ بشكل خاص، حيث يتحدد فيها ذكاء الإنسان وثرائه العقلي لاحقا، وينمو فيها أيضاً نمواً متكاملاً متوازناً يحقق له ذاته في المستقبل.

إن أهميَة مرحلة الطفولة تتلخَص في اكتساب الطفل للعادات والقيم المختلفة والانماط السلوكية خلالها؛ فلو اكتسب الإنسان العادات الجيدة، والقيم والأخلاق الرفيعة فإنَه حتماً ستتشكل له اللبنات الاساسية لذلك وتخلق له فرصا مواتية للنمو السوي, أما إن اكتسب العادات السيئة والأخلاق الرديئة؛ فإنه سيكون وبالاً على المجتمع عندما يكبر وخاصة في ظل ظروف مواتية لاعادة انتاج السلوك السيئ وتعزيزه وتكراره، وهذا لا يعني أن الإنسان لا يمكن له أن يصلح اعوجاجه الذي نشأ عليه عندما يكبر، فكل شيءٍ قابل للإصلاح, والسلوك الانساني ابن ظروفه, وتغير الظروف لا بد ان ينعكس على تغير السلوك, وأن الطفل في المحصلة نتاج للظروف الموضوعية المحيطة بنشأته !!!.

العراق أحد البلدان العربية وذات الاغلبية المسلمة تعرضت فيه الطفولة العراقية الى انهيارات كبرى جراء الحروب المتواصلة وهيمنة قيم الدكتاتورية والتسلط, ثم أعقبها حروب داخلية بنكهة طائفية مقيتة, وتغيرات في البنى الثقافية والاجتماعية, واشاعة ثقافة فئوية انكفائية مغلقة, وتدهور في العملية التربوية والنفسية للطفولة العراقية, وإشاعة موقف متهاون من ضرورة التعليم والرعاية للطفولة العراقية. وهنا لا بد من تسجيل بعض ما لحق الطفولة العراقية من أضرار بليغة, تستدعي منا وقفة انسانية لمعالجة مخاطرها, وهي: 

1 ـ التسرب والرسوب المتواصل للاطفال الدارسين في التعليم الابتدائي والمتوسط جراء الضغط المتواصل لظروف العيش وعدم مقدرة الأسرة العراقية للأيفاء بمتطلبات الدراسة وظروف العيش.

2 ـ انخراط اعداد هائلة من الاطفال في سوق العمل الرثة لمساعدة ذويهم وأسرهم في ظروف ضنك العيش, مما حرم الاطفال من فرص النمو الطبيعي, العقلي منه والتربوي.

3 ـ ظاهرة التسكع في الشوارع بين الاطفال كأفراد وكمجاميع شللية مما يعرضهم الى مختلف مشاريع الاستمالة, من جريمة منظمة وانحرافات خلقية وسلوكية, وحتى زجهم في مشاريع انتحارية كالارهاب وغيره.

 

4 ـ ظاهرة الاطفال اليتامى والذين فقدو والديهم في الحروب المختلفة, أو جراء العمليات الانتحارية كضحايا لها, وعدم تمكن مؤسسات الدولة التربوية والرعائية لأحتضانهم وتوفير الأمن والآمان لهم, مما يجعل طفولتهم في مهب الريح.

5 ـ زج الاطفال وعبر العملية التربوية بثقافة الانحياز الطائفي والتعصب الاثني من خلال تعبئة عقول الاطفال بثقافة التمترس والانغلاق الذهني والفكري في اطار ثقافة احادية الجانب وغير منفتحة على الآخر.

6 ـ النزوح المتعاظم للأطفال مع أسرهم بسبب الحروب الداخلية, أو حروب تحرير الاراضي  العراقية من داعش, أو حروب التصفيات العرقية والاثنية, مما يجعل مستقبل الاطفال مجهولا.

7 ـ انتشار الاوبئة والامراض وسط مجاميع الاطفال وتجمعاتهم الشللية مما ينذر بانتشار محتلف الامراض المعدية وغير المعدية, وفي ظروف انعدام الفحوص الدورية الطبية للتأكد من سلامة الاطفال.

8 ـ أنعدام وسائل الترفيه والتسلية والانشطة الثقافية لأمتصاص الوقت الزائد لدى الاطفال وتوظيفه وجهة مفيدة لنموهم العقلي والجسدي والفكري.

9 ـ عدم الالتحاق بالمدارس الابتدائية في العمر المقرر بسبب من صعوبات مادية للأيفاء بمتطلبات النقل او عدم المقدرة في تحمل المستلزمات الدراسية من قبل الوالدين, الى جانب انخفاض الوعي لديهم بضرورة ارسال ابنائهم الى الدراسة, مما يسهم في رفد جيوش الأميين من السكان بالمزيد من الأفراد.

10 ـ تعرض الاطفال للعقاب الجسدي من قبل البيت أو المدرسة أو العنف في خارج المنزل يشكل تهديدا خطيرا للطفولة العراقية, لما يتركه من آثار وخيمة في بناء شخصية ضعيفة تستجيب بشكل خضوعي وسلبي لضغوطات الحياة المختلفة.

أن الاعلان العالمي لحقوق الطفل يشكل حافزا قويا للدفاع عن الطفولة العراقية ومحاولة للنهوض بمستلزمات الطفل العراقي في الحرية والتربية والعيش الكريم بعيدا عن الحروب والتعصب الديني والمذهبي والاثني الذي يمزق شخصية الاطفال, وتأمين فرص العيش الذي يليق بالطفولة الانسانية !!!.

 

 

 

 

في الجذور السيكولوجية والدينية لأقتصاديات الجمعة السوداء والجمعة البيضاء ومثيلاتها !!!

 

د.عامر صالح

 

لكل مرحلة تاريخية مرت بها البشرية لها اقتصاد خاص بها  "قوى انتاج وعلاقات انتاج ", ولها آلهة وأديان تفرزها تلك المرحلة, تلعب دور الحافظ لها والداعم والمدافع عن بقائها, أي بمعنى فردي ان العقل ينتج الدين وان الدين بدوره ينتج عقلا ووعيا ملازما, ويلعب الدين دورا كبيرا في إضفاء القدسية على بعض الانشطة الاقتصادية والطقوسية لإبقاء الدين حاضرا في الحياة حتى ولو شكليا, كما تنشط الآلة الاقتصادية من خلال قدسية الدين في مناسباته ذات الأسراف الشديد والمميز, وخاصة عندما يمر الاقتصاد بأزمات دورية !!!.

وللتعريف في الجمعة السوداء نستعين ببعض المعلومات المتوفرة:

أول استخدام لهذا المصطلح كان في إشارة إلى انهيار سوق الذهب في الولايات المتحدة في عام 1869. وبعد مرور قرن من الزمن، استخدمت شرطة مدينة فيلاديلفيا الأمريكية مصطلح "الجمعة السوداء" لوصف الفوضى والازدحام في شوارع المدينة، بعد إغلاق وسط المدينة بسبب توافد المتسوقين إلى المراكز التجارية لشراء الهدايا. وكره الباعة والتجار هذا المصطلح، لكنهم حاولوا إعادة ابتكاره، بعد أن وجدوا أنه اليوم الذي قفزت فيه أرباحهم من اللون الأحمر، إلى اللون الأسود. وبدأت شُهرة فكرة "الجمعة السوداء" في الثمانينيات والتسعينيات.. واليوم، تُعرف "الجمعة السوداء" بالخصومات والعروض الخاصة، أما الماضي "الأسود" لهذا اليوم، فقد أصبح طي النسيان. وقد انتقلت عدوى هذا اليوم الى العالم الأوربي, بل والى العالم العربي والاسلامي !!!. 

والجمعة السوداء " بلاك فرايدي " يأتي عادة بعد عيد الشكر في الولايات المتحدة الامريكية, وعادة يكون في نهاية شهر نوفمبر من كل عام, ويعتبر هذا اليوم بداية موسم شراء هدايا عيد الميلاد. في هذا اليوم تقوم أغلب المتاجر بتقديم عروض وخصومات كبيرة، حيث تفتح أبوابها مبكرا لأوقات تصل إلى الساعة الرابعة صباحا. بسبب الخصومات الكبيرة ولأن أغلب هدايا عيد الميلاد تشترى في ذلك اليوم، فإن أعدادا ًكبيرة من المستهلكين يتجمهرون فجر الجمعة خارج المتاجر الكبيرة ينتظرون افتتاحها. وعند الافتتاح تبدأ الجموع بالتقافز والركض كلٌ يرغب بأن يحصل على النصيب الأكبر من البضائع المخفضة الثمن. في يوم الجمعة السوداء تقوم أيضا بعض متاجر الإنترنت بتقديم عروض مغرية.

أما الجمعة البيضاء " وايت فرايدي " فهي عبارة عن ردة الفعل العربية والاسلامية على يوم الجمعة الأسود الأمريكي, حيث تقوم بعض مواقع الانترنيت العربية والاسلامية بعروض كبرى وتخفيضات والتي تعتبر الاقوى على مدار العام ويتم خفض باقة كبيرة من المنتجات خصوصا الهواتف الذكية والالكترونيات والساعات والعطور والكثير من البضائع الأخرى, وموعد الجمعة البيضاء يأتي آخر يوم جمعة من شهر نوفمبر من كل عام. ونظرا لخصوصية يوم الجمعة لدى العرب عموما والمسلمين من حيث كونها يوم تكثيف للعبادة مقترنا بولادة نبي الاسلام, فلم يتحمل الأمرإلا بسميتها بالجمعة البيضاء. وقد تباينت الآراء حول جدوى إختيار مناسبة أمريكية لإعادة إستهلاكها عربيا وكان من ضمن الآراء أن يتم اختيار يوم جمعة سابق لشهر رمضان أو عيد الفطر أو عيد الأضحى بحيث يكون مناسب للثقافة العربية والإسلامية بعيدًا عن التقليد الأعمى للغرب !!!. 

وعلى العموم فأن الاحتفالات والأعياد الدينية وغير الدينية هي ممارسات نمطية تحتوي على ممارسات شعائرية وجوانب اجتماعية وأخرى ثقافية ويشارك فيها شرائح اجتماعية دينية وثقافية واثنية واسعة, وتسودها أنشطة اقتصادية تستهلك فيها شتى أنواع المنتجات, من أكل وشرب وملبس. ويمكن هنا تقسيم الاحتفالات إلى أنواع: الاحتفالات المرتبطة بعادات دورة الحياة, من ميلاد, وزواج ووفاة؛ والاحتفالات الرسمية كالقومية والوطنية المختلفة؛ والاحتفالات الدينية, والتي يمكن تصنيفها إلى: الاحتفالات الدينية العامة, على سبيل المثال الاحتفالات بعيد الفطر وعيد الأضحى وولادة النبي, وأول العام الهجري وليلة الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان, وما يقابل ذلك طبعا في مختلف الديانات, والاحتفالات الدينية الخاصة, على سبيل المثال الاحتفالات الخاصة بولادة الأولياء كالإمام علي والحسن والحسين ومولد السيدة زينب وأول رجب ونصفه وأول شعبان ونصفه, وما يقابل ذلك في مختلف الأديان والطوائف والفرق المذهبية من أعياد خاصة !!!. 

وهنا يجب التأكيد بأن نشأة الاحتفالات الشعبية والأعياد الدينية ليست مرتبطة أصلا بنشوء الدول