الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

 

القائمة المشتركة:

الحزب في مواجهة «النجم»

جواد بولس

 

ستُسجّل معركة الانتخابات المقبلة للكنيست كعلامة فارقة في حياة النظام السياسي الإسرائيلي، وقد تشكّل منعطفًا حادًا سيفصل بين مفهوم اليمين الصهيوني التقليدي، وذلك الذي تتحدث باسمه «النجمة الواعدة» وزيرة القضاء الحالية أييليت شاكيد التي أقامت مع شريكها «النجم» الوزير نفتالي بينيت حزب «اليمين الجديد»، ليكون اسمه إشارة واضحة تنقل، حتى لعسيري الفهم، حقيقة ما يخطط له «أمراء اسرائيل» الجديدة الذين لا يعتبرون نتنياهو ممثلًا حقيقيًا لليمين ويسعون لاستبداله وللسيطرة على مقابض الحكم وقيادة الدولة وتحويلها الى مملكة إسرائيل الكبيرة.
لن تنحصر انعكاسات هذه الانتخابات داخل المجتمع اليهودي فقط، فمن الواضح أنها ستترك أيضًا أثرًا كبيرًا بين المواطنين العرب في اسرائيل؛ أو ربما ستفضي إلى ولادة واقع سياسي ستظهر فيه أطر شبه حزبية جديدة وأدوات حركية اجتماعية/سياسية تعتمد على بنى بشرية «عصرية «، وتغيب عنه، في المقابل، أطر سياسية/ اجتماعية كانت تقود الجماهير على مدار عقود طويلة.
من المؤسف أن يقتصر جلّ النقاش بين المواطنين العرب وقياداتهم على قضية القائمة المشتركة وأن تحصر أبعاد هذه النقاشات في مدى أهمية إبقائها كقائمة مركبة من أربعة عناصرها الأصلية، من دون الخوض في أهم ما كشفته هذه التجرية، حين اصطدمت في «اللغم» الذي ألقاه أمامها النائب الطيبي.
لن أراهن على مواقف الأحزاب النهائية إزاء هذه الأزمة، فهذه لن تحسم أمورها قبل اقترابها من خط النار الحقيقي، وقبل أن تستعرض «الحركة العربية للتغيير» قوتها في مؤتمرها المزمع عقده هذا المساء، حيث من المتوقع أن تحشد له جيشًا عرمرمًا لتغص به القاعة في مشهد «بولشيفيكي» يمكّن النائب الطيبي من استثماره في وجه من كانوا شركاءه، من جهة، أو كرافعة انتخابية في حالة مضيّه منفردًا للمعركة، من جهة ثانية.
في هذه الأثناء وإلى أن يقضى أمر، سيستمر جميع اللاعبين في استعراض مهاراتهم القيادية وفي مناوراتهم على ملعب المشتركة، لكنهم يعرفون، في الوقت ذاته، معنى المقامرة وثمن المغامرة، فجميعهم يحفظون جداول «الضرب» ويشعرون بوجع الطرح والخسارة، ويقيّمون فوائد الجمع ونعمة القسمة، خاصة بعد أن بات مجموع حاصل المنتخِبين العرب محسوبًا بدقة تقريبية لا تقبل التصرف والافتراض.
لقد عزز تعهد علي سلّام رئيس بلدية الناصرة، الذي أعلنه على الملأ في السادس من الشهر الجاري «على إعادة القائمة المشتركة في الكنيست بمركباتها الأربعة شرط أن يكون النائب أحمد الطيبي رئيسًا للقائمة»، مواقف من راهنوا على عودة الطيبي للمشتركة بشروطه، وبعد تحسين مواقع حركته في صفوف مرشحي القائمة بشكلها النهائي.
لقد أطلق علي سلام تصريحه عندما كان النائب الطيبي يقف على يمينه، بيد أن هذا المشهد لم يمنع عضو المكتب السياسي في الحركة العربية للتغيير يوسف شاهين، من الخروج مباشرة إلى الإعلام ليعلن أنهم «خارج المشتركة ولا نريد رئاستها أو مقاعدها» من دون التطرق، من بعيد أو من قريب، إلى تصريح علي سلّام مبقيًا أياه على مكانته ومعناه في هذا الحراك السياسي المتفاعل.
على جميع الأحوال، لم تتخلف الحركة الإسلامية عن إشهار موقفها في هذه المساجلة، فهي وعلى لسان قادتها كانت قد أعربت عن تفضيلها لخوض المعركة بقائمة مشتركة تضم جميع مؤسسيها، وإلا ستخوضها كقائمة منفردة، في موقف صريح من شأنه أن يزج النائب الطيبي في معضلة كأداء، لأنهما، في حال خوضهما المعركة بقائمتين منفصلتين، سيتنافسان في عدة مواقع، على الأصوات نفسها وعلى الجمهور ذاته.
من خلاصات هذه التجربة يتضح أن استقواء النائب الطيبي على زملائه لم يكن مجرد نزوة أغوته على اتخاذ قراره، بخلاف ما فعله منذ بداية حياته النيابية، فخطوته كشفت عمليًا عن محركات العملية السياسية، كما تجري في مواقعنا، وهي ابنة ما يجري على نطاق أوسع عالميا ومحليًا؛ فنحن نشهد كيف تحوّلت المجتمعات، اليهودية والعربية، من مجتمعات تتخلى عن المحصِّنات «التكافلية الجمعية» وتقدم عليها الدوافع «الفردانية»، وتحولت كذلك من حالة شكّل «الكل» فيها محور الوعي الاجتماعي والسياسي إلى حالة صار فيها «الأنا» يشكل عصبها المركزي ولحاء حياتها.
لقد خضعت مجتمعاتنا إلى تأثيرات عديدة، أدت، بمجملها، إلى تراجعنا من «مجتمع/أقلية مجندة» في سبيل قضايا جمعية، إلى أفراد يسعون وراء سعاداتهم وراحاتهم وفق قوانين ومعطيات جديدة؛ فقد تحسنت الأوضاع الاقتصادية بشكل ملحوظ بين شرائح اجتماعية واسعة، وانخرطت قطاعات مؤثرة من «عربنا» في مرافق الدولة، وشرعت هذه تربط مصالحها في «سرة» مشغّليها، وارتفعت نسب الأكاديميين والأكاديميات فهُيّئت مناخات ساعدت على تطوير ونشوء مفاعيل اجتماعية/ اقتصادية جديدة حيّدت بدورها أهمية الأحزاب وراهنية الأيديولوجيات السائدة؛ علاوة على انفتاح شبابنا على العالم من خلال وسائل التواصل الحديثة وانغماسهم في هواجس أبعدتهم تلقائيًا عن «نادي الحزب» وعن دوراته التثقيفية المملة.
إنه واقع جديد جدير بالدراسة والمواجهة واستخلاص العبر، فبعد ما جرى داخل مجتمعاتنا صارت العودة الى حضن العائلة ضرورة، واللجوء إلى الحمولة ضمانة، وتحول الحزب «والقضية» إلى عالمين افتراضيين والمعبد الى ملاذ و»النجم» الى قدوة ولقمة العيش صارت غاية دونها كل الوسائل!
لقد بدأت الانهيارات قبل سنوات في مجالسنا المحلية والبلدية، ومن لم يستوعب أنها قدر سيغزو حتمًا الساحة البرلمانية كان أعمى في عيون «روسية» أو عيون «عربية».
لا أعرف كيف ستنتهي هذه الأزمة، فقد يعود الطيبي للمشتركة محمولًا على «هودج»، كما يناسب ما ومن «هوْدجوه»، ولكنني أعرف أن أزمة الأحزاب التقليدية لن تنتهي مع انتهاء المعركة الانتخابية النيابية المقبلة، بل هي في الواقع قد بدأت، وإذا لم تواجه فسيجد قادتها انفسهم بعد خمس سنوات لا أكثر من «سادة» على هياكل أو على خرائب.
وأخيرًا، فقد يأفل نجم أحمد الطيبي بعد حين ويبقى أثره ملتبسًا ولن يزول؛ فسماواتنا تضج «بالنجيمات» وهي تتأهب من ظلمتها وتنتظر تحقيق نجوميتها «الجماهيرية»؛ بينما ستبقى، من دون ريب، الحركة الاسلامية موجودة كمفاعل وازن ناشط بين ظهرانينا، إذا ما بقيت تمتح شرعيّتها من ماء السماء ومن حركات عابرة للحدود وللقوميات وللاوطان.
أما الجبهة الديمقراطية، فاذا لن تدرك ولم تتدارك «مصائبها» فقد تواجه ما يواجهه اليوم حزب «التجمع»، الذي أتمنى، رغم أنني لم أكن من داعميه يومًا، أن يبقى موجودًا وفاعلًا على ساحة العمل السياسي البرلماني بيننا، فللجبهة بخلاف الآخرين، تاريخ عريق ورصيد نفيس وعمق يميّزها ويحصّن بقاءها في هذه المتغيرات الخطيرة، لأنها، علاوة على ما ذكر، هي الحزب الوحيد في هذه الدولة «المستهودة» الذي يؤمن بالشراكة، مع القوى اليهودية الديمقراطية التي يجب أن نفتش عنها أو أن «نخترعها».
يتبع

*كاتب فلسطيني

 

 

جواد بولس

 كاتب فلسطيني محامي  ناشط في مجال حقوق الانسان

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا