الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

لا تتركوا الصناديق وحيدة

جواد بولس

 

أصدرت «حملة- المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي»، تقريرًا لافتًا تطرقت فيه إلى ارتفاع في منسوب التحريض والعنصرية الإسرائيلية عبر الشبكات الاجتماعية خلال عام 2018 مقارنة مع معطيات عام 2017، حيث تزامنت ذروة التحريض فيه خلال فترة تشريع قانون القومية وهجوم المحرضين على العرب، بأشكال لم يسبق لها مثيل، لا من حيث العدد ولا الكثافة ولا وقاحة المجاهرة وخطورتها.
اقترح على جميع المعنيين مراجعة تقرير «حملة» وقراءته بعين فاحصة، عساهم يستدلون من معطياته على بعض المؤشرات التي قد تدفع بهم إلى إعادة نظرهم في مواقفهم السياسية، لاسيما عند من ينادي بمقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة، وخصوصًا من انضم منهم إلى تلك النداءات محتجًا أو مستاءً أو منتقدًا أو معاقبًا قيادات الأحزاب العربية، جراء «تصرفاتهم» خلال أزمتي المناوبة، ومحاولة استعادة تشكيل القائمة المشتركة.
لقد تبين من التقرير أن وتيرة كتابة منشور تحريضي ضد الفلسطينيين في عام 2018 كان بواقع كل ست وستين ثانية (بينما كانت وتيرة ذلك في عام 2017 كل احدى وسبعين ثانية) في حين وصل عدد المنشورات التي تضمنت دعوة لممارسة العنف ضد الفلسطينيين إلى (474250) منشورا. تعاطت نصف هذه المنشورات مع مواضيع سياسية مباشرة، وكان معظمها موجهًا ضد أعضاء الكنيست العرب وضد أحزابهم؛ علاوة على تخصص بعضها بالهجوم على شخصيات اعتبارية وإعلامية يهودية، كما حصل مع مذيعة الأخبار المشهورة أوشرات كوطلر وغيرها. لا يمكن إهمال هذا الواقع من قبل من ينادي بضرورة مقاطعة الانتخابات، أو من يقوم بتتفيه أهمية المشاركة السياسية للمواطنين العرب، وإلغاء دور النضال البرلماني وشطبه كرافد مهم، وليس وحيدًا، يتعدى كونه ممارسة لحق مدني مهم وعاكس لمكانة المواطنين داخل الدولة؛ فوجود عدد وازن من البرلمانيين العرب والديمقراطيين اليهود، يجب أن يبقى هدفًا نسعى إلى تحقيقه كاقلية تكافح من أجل بقائها على وطنها، ومن أجل المحافظة على شرعية وجودها، وعلى وجود مؤسساتها القيادية التمثيلية السياسية والأهلية والمدنية.
على قلة الأصوات اليهودية الديمقراطية سيبقى وجودها بالنسبة لنا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، بمثابة الضرورة الملحة، ويبقى واجبنا، كما قلنا مرارًا، أن نفتش عنها وأن نتواصل ونتعاون معها؛ فصوت واحد من هذه الأصوات يسبب زلزلة داخل المجتمع اليهودي، أكبر من بعض بيانات الشجب الصادرة عن الجامعة العربية، ويعيد إلى عُرض الشارع عناوين حاول اليمين وزبانيته على مدار الساعة ولسنين أن يمحوها من الذاكرة الجمعية، وأن يردمها كالحطام المنسي. فبعد الانتهاء من مشاهدة مقاطع الفيديو لخمسة جنود إسرائيليين وهم يعتدون بوحشية مقززة على والد فلسطيني، وعلى ابنه أثناء اعتقالهما، علقت مذيعة الأخبار في التلفزيون الإسرائيلي، أوشرت كوطلر، وعلى الهواء مباشرة وقالت «يرسلون الأولاد للجيش ويستعيدونهم وحوشًا بشرية، هذه هي نتيجة الاحتلال».

مقاطعتنا للانتخابات والبقاء في بيوتنا لن يفيدنا، والتمترس وراء الشعارات البراقة لن ينقذنا من الجحيم

لم تمض دقائق معدودة حتى انهالت على كوطلر آلاف التهديدات والتعليقات، ومن بينهم كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي نشر على صفحته تعقيبًا قال فيه « أنا فخور بالجنود وأنا أحبهم، وأقوال كوطلر جديرة بكل الشجب».
لقد تزامنت قضية كوطلر مع تعقيب أطلقته مذيعة وعارضة أزياء إسرائيلية شهيرة أخرى اسمها «روتم سلع»، فهذه وبعد أن استفزتها أقوال الوزيرة ريجف حول مكانة المواطنين العرب في البلاد صرخت متسائلة على الملأ «متى، بحق الجحيم سيصرّح واحد من هذه الحكومة بأن دولة إسرائيل هي دولة لكل مواطنيها، فلقد ولد جميع البشر متساوون، والعرب هم أيضًا من بني البشر». مرة أخرى هبت جموع الظلاميين ضد هذه الشابة/النجمة، وهاجمت فيالق الإفك والعنصرية أقوالها، وتدخل مجددًا نتنياهو ليؤكد أن إسرائيل ليست دولة لكل مواطنيها، بل هي دولة لليهود؛ فمرت على إسرائيل غيمة شوشت على يمينييها صفاء بطشهم وهيمنته، واستفاق بالمقابل، زملاء لسلع وشرعوا في الدفاع عنها وعن مواقفها، وبرز من بينهم مذيع آخر اسمه آسي عازار ، فنشر على موقعه معلنًا «لقد فتحت روتم سلع أمس البوابة، وعلى جميعنا الآن، أن ننضم إليها وأن نتوقف عن الخوف من الكلام».
سيمر الكثيرون على هذه التفاصيل بدون اكتراث، وسيتلقفها البعض، كما يجيد ندافو الكلام وحرفيوه، باستهزاء وبإهمال، فمقاطعة الانتخابات عندهم أمر من علٍ ، وواجب من كبروا ليرووا « لمن يرثون بنادقهم سيرة الدم فوق الحديد».
النقاشات حول هذه المسألة، لم تنقطع منذ عقود ولم تتغير محاورها ومضامينها، بخلاف وتائر حدتها من جهة، ومن يقف وراءها ودوافع من يروّج لها من جهة أخرى؛ فعلاوة على من تمسّكوا بالمقاطعة المبدئية، مباشرةً بعد اسدال ستائر «النكبة»، لرفضهم التعاطي مع « قلعة بناها جنود يوشع بن نون من حجارة بيوتهم»، سنجد مجموعات جديدة، انضمت لهم لكنها لا تأتلف معهم على الدوافع العقائدية نفسها، ولا تسعى مثلهم لتحقيق الأهداف المعلنة، أو المضمرة ذاتها، وقد نجد منهم من يخدم ، بدهاء وبمزايدات وبالخديعة، أجندات غريبة ومعادية لحقوقنا، السياسية والمواطنية على حد سواء.
من المؤسف أن يخضع هذا الخلاف في وجهات النظر إلى ذات المؤثرات الصوتية المزعجة والاتهامات الهابطة والمتبادلة بين الفرقاء، فعلى ما يبدو، لم ولن يتحرر من شبّوا على ثقافات تخوين المختلف من سطوة جيناتها حتى في بعض القضايا الخلافية، التي يجب معالجتها بمسؤولية فائقة وبنضوج فكري يليق بمستقبل أقلية مهدد وجودها بشكل واضح وملموس.
لا يستطيع أحد التقليل من شأن من يؤمنون عن عقيدة وبقناعة ويمارسون بمفهومية مبدئية حقهم بمقاطعة الانتخابات النيابية؛ وإذا كان هذا الحق مكفولاً للأفراد فهو كذلك حق مكفول للأحزاب وللحركات السياسية والدينية، إلا أن هذه، خلافًا لحالة الأفراد، مطالبة بشرح دوافعها السياسية الحقيقية للناس وكيفية درء تبعات مواقفها على مصالح الجماهير، وعلى مكانة حقوقهم؛ وفوق هذا كله وقبله عليهم أن يكشفوا عن رؤاهم البديلة التي يقترحونها في سبيل تنظيم علاقات المواطنين بأجهزة ومؤسسات الحكم، في دولة يجاهر معظم قادتها بعزمهم على إقصاء مواطنيها العرب، وعلى إلغاء مكانتهم القانونية الفردية والقومية.
وتبقى التجربة بين ممارسة الحق بشكله المطلق والمنفعة المتأتية من جراء تلك الممارسة فيصلًا، فمستقبلنا ومصالح عامة الناس، مثلها مثل كبرى القضايا الانسانية، لم تخضع عبر التاريخ إلى قوانين العدل المطلق، ولا إلى جوهر الحق الخالص وبراءة الشعارات، مهما كانت هذه مقدسة أو واضحة، ومن مثلنا ، نحن أبناء الشرق، قد عانى من عربدة ذلك التاريخ وعهره، ومن إبهار الشعارات وسرابها؛ فهل سنمضي، مرة أخرى، نحو هاويتنا ونصنع من «جماجنا لعزنا سلما».
سأكرر ما قلناه في الماضي مرارًا ولا بأس بالتذكير، فلقد انتصرنا ببقائنا على أرضنا، وهكذا نجونا من نقمة الخيام؛ وقد أفشلنا مخططات تذويبنا أو تهجيرنا بإصرار آبائنا على عدم استذواق سمي الخنوع والمخاتلة؛ ولقد فوتنا على قادة اسرائيل فرصة تنفيذ أحلامهم بحكمة، وبرفض البقية الباقية للإقصائيْن، الذاتي أو المفروض عليهم، فتحولنا من بقايا نكبة إلى كيان صامد، ولم يكن هذا ممكنًا لولا سياسة « الواقعية الكفاحية» ووقوف بعض اليهود الديمقراطيين مع حقوقنا. لقد استفزت أقوال العنصريين الأخيرة رئيس الدولة رؤوبين ريفلن الذي، رغم انحداره من أصول يمينية جابوتبسكية ، تصدى، مرة أخرى، لأقوال نتنياهو وزمرته فصرح قائلًا «نقول بصوت عال وواضح إنه في الأونة الأخيرة بينما يطغى الفكر السياسي على كل منطق عرفناه، ظهر خطاب غير مقبول تجاه المواطنين العرب في إسرائيل» ثم تابع مؤكدًا «لا يوجد مواطن من درجة أولى ولا يوجد ناخب من درجة ثانية، فجميعنا متساوون أمام صناديق الاقتراع عربًا ويهودًا». مواقف هؤلاء اليهود لافتة ومهمة.
مقاطعتنا للانتخابات والبقاء في بيوتنا لن يفيدنا، والتمترس وراء الشعارات البراقة لن ينقذنا من الجحيم، والجلوس عند حافة البئر سيبقينا ننتظر «ذلك الغد الطائش وهو يمضغ الريح في ليالي الشتاء الطويلة»؛ ومن لا يصدق حكمة الهزيمة فليسأل ذلك الحصان، لماذا تركوه وحيدًا.
كاتب فلسطيني

 

 

 

جواد بولس

 كاتب فلسطيني

 محامي  ناشط في مجال حقوق الانسان(من كتاب البلاد)

(مقالات سابقة)

 

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا