الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

كردستان العراق

 زيارة وحوارات *

 

 

عندما تسافر من بغداد عاصمة العراق الى اربيل عاصمة اقليم كردستان العراق سيأخذك العجب وكأنك انتقلت من بلد  الى بلد ومن مدينة فقيرة مخربة فوضوية الى مدينة جميلة مزدهرة ومنظمة ، في مطار اربيل  الأنيق يرحبون بك بارتياح  خاصة اذا كان لديك جواز اجنبي(اوربي) وينظرون لك نظرة ارتياب او ربما تعرقل اذ كان لديك لديك بطاقة جنسية عراقية او جواز سفر عراقي فقط ، وهي مفارقة تجذب انتباهك.

تبلغ مساحة كردستان العراق بحدود 40000كم اما عدد السكان فيبلغ اكثر من 5,7 مليون نسمة ويشكلون 15%. من سكان العراق ( المساحة والسكان تقديرات الجهاز المركزي للاحصاء لعدم وجود تعداد رسمي ولوجود تباينات مابين الاقليم وبغداد في هذه الجوانب)

ليس التطور والعمران وحده الذي يسود كردستان بل الاستقرار الأمني ايضا والذي كان مشكلة في بقية اجزاء العراق وبشكل مأساوي يضاف الى ذلك تطور العناية الطبية والمستشفيات والتي يديرها أطباء مهرة عراقيين عرب تَرَكُوا مدنهم الخطرة واستقروا في كردستان اضافة الى أطباء عرب واجانب هذا اضافة الى 32 جامعة رسمية وخاصة كما يذكر الدكتور شيرزاد النجار أستاذ علم السياسةوالقانون الدستوري ومستشار رئيس وزاء كردستان .

البنى التحتية في كردستان تتطور بسرعة والفعاليات الاقتصادية والاستثمارات محط اهتمام واسع من قبل المستثمرين العرب والخليجيين خاصة وكذلك شركات ومستثمرين اجانب من دول عديدة بل الكثير من البلدان المهمة لها قنصليات تجارية اقوى وأكثر فعالية من سفاراتها في بغداد

ان تجربة كردستان تجربة فريدة كما وصفها النجار

وذلك ايضا ماذكره لنا السيد عدنان المفتي الرئيس السابق لبرلمان كردستان حين اشار الى ان ذلك التطور والازدهارويضف اليه  الاستقرار  الذي ساد  ويسود في كردستان  يعتبر من الناحية الموضوعية من النجاحات التي تحققت في كردستان اذا قارناها بالظروف التي تعيشها المنطقة برمتها ، كذلك تعاني كردستان الان بزيادة عدد السكان بنحو 30%وذلك نتيجة تدفق اللاجئين من بقية المحافظات العراقية خاصة الغربيةاو من سوريا وتركيا وكلها نتيجة للظروف الأمنية والحروب وهذا أدى الى زيادة اعباء كردستان وأضاف لها هموما جديدة ، اضافة الى ذلك فان الصراع الكردي مع الحكومات العراقية والدول المجاورة والقائم منذ القدم ،فبعد معاهدة سيفر عام 1920 والتي وعدت الأكراد بدولة حلم الأكراد بدولة مستقلة لهم ولكن هذا الحلم تبخر بتوقيع تركيا فيما بعد معاهدة لوزان عام 1923وهكذا عاش الأكراد في قلق وحروب دائمة في المنطقة وخاصة في العراق.

علاقة كردستان بالمركز في بغداد كانت في الغالب  سيئة ومليئة بالحروب منذ انشاء الدولة العراقيةوكثيرة هي الحروب التي خاضها الأكراد العراقيون ضد الحكومة المركزية.  كل الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق منذ إنشائه بعد الحرب العالمية الاولى وجهت جيوشها لمحاربة"العصاة" ومع كل ذلك العداء فأن حظ أكراد العراق كان اوفر من اخوانهم أكراد تركيا وإيران فقد كأنو يحصلون على بعض مما يتمنونه من تلك الحكومات فمثلا عبد الرحمن النقيب اول رئيس وزراء في العراق عام 1920 سمح للمحاكم في مدن الأكراد استخدام اللغة الكوردية في عملها وكذلك كان هناك مستشارين ونواب اكراد. وقادة عسكرين و وزراءوكانت مساهمة الأكراد في الكثير من الحكومات والمسؤوليات ، في حين مثلا في تركيا لايعترفون حتى بالقومية الكردية ويسمونهم سكان الجبال .ولكن بعد 2003 وجد الأكراد الفرصة ملائمة جدا لتحقيق احلامهم و مطالبهم  بل وبسقف اعلى بكثير من مطالبهم السابقة .

لم يكن الأكراد على خلاف مع الحكومات المتعاقبة وحسب بل وتأريخيا فهم في صراع دائم مع بعضهم البعض تلك الصراعات كانت بالغة الدموية ومتكررة، كما في صراعات 1994-1996 كما ذكر النجار ولم تكن تلك الصراعات في غالبيتها بعيدة عن التدخلات الإقليمية حسب التواجد الجغرافي لكل جماعة ولكننا يمكن ان نجمل ان مشاكل الأكراد خاصة في العراق تكمن في ثلاث قضايا ، جغرافية وتتمثل في ترسيم حدود كردستان وفي العراق اصطلح عليه( المناطق المتنازع عليها )  وهو من المصطلحات الغريبة في الدولة الواحدة وتشمل تلك المناطق أطراف الموصل وجزءمن مناطق اخرى وكذلك كركوك والتي وصفها مسعود برزاني بأنها قدس الأقداس ورد عليه بريمر الحاكم الامريكي في العراق  آنذاك يكفينا قدس واحدة ، القضية الثانية هي حجم الثروة التي تقدم لكردستان والتزامات الحكومة العراقية تجاه ذلك بما فيه الثروة النفطية وخاصة في كركوك ونسبة تخصيصات الميزانية للااقليم

اما القضية الثالثة فتمثلت في مشاركة الأكراد في الحكم ونستطيع ان نقول ان هذا الاخير تمتع به الأكراد وبدرجات متفاوتة منذ انشاء الدولة العراقية وفي مختلف المناصب ومنها العليا ولكن وخاصة بعد 2003 فقد كان من الأكراد منصب رئيس البلاد وعدمن الوزراء المهمين الخارجية او المالية اضافةالى غيرها من الوزارات هذا اضافة الى اكثر من 50-60 مقعدا في البرلمان حسب نسبة السكان

مع ان الأكراد شاركوا بفعالية في صياغة الدستور العراقي بل ثبتوافيه مواد يمكن القول عنها غير دستورية مثل الثلث المعطل والمادة 140  لحل النزاع على المناطق المتنازع عليها الا انهم لن يستطيعوا تحقيق اهدافهم بل في بعض الأحيان انقلبت عليهم.

كما ان سيطرتهم على النفط في المناطق التي كانوا يسيطرون عليها بما فيها كركوك وتوقيعهم عقود استخراج وبيع النفط دون الرجوع للمركز  مما أدى بحكومة المركز الى التوقف عن دفع رواتب الموظفين والبيشمركة من قبل الحكومة العراقية عام2014 اضافة الى التوقف عن دفع حصة كردستان من الموازنة الاتحادية ومن سوء حظهم تزامن ذلك مع الانخفاض الحاد في أسعار النفط مما  أوقعهم في ورطة وأوصلهم الى مديونية حادة للشركات النفطية الأجنبية اضافة الى عدم قدرتهم على دفع رواتب موظفيهم وعاش المواطنين ظروف اقتصادية صعبة وهذا ما أكد عليه المفتي في حديثه معنا .

ان كردستان العراق ورغم ذلك استطاعت ان تصل الى مايشبه الدولة المستقلة فقد أخذت تقيم العلاقات الرسمية وتستورد السلاح وتبيع النفط وتسيطر على الحدود والكمارك  وترفع إعلام الاقليم دون ترفع علم البلاد وتغلب قراراتها على الدستور والقرار المركزي  فمثلا ان الكثير من الأجانب لايستطيع ن دخول بغداد بدون فيزا لكنهم يدخلون اربيل بكل ترحاب  وغيرها من الشؤون والتي عمقت من الشعور القومي لدى الأكراد وهذا ما أكد عليه الدكتور النجار في حديثه معنا وهو  يقول ان تجربة كردستان عمقت الشعور بالهوية الكردية وتطوير المستوى الثقافي وتعزيز  ترسيخ موقع الاقليم سواء في الداخل او المحيط الإقليمي والدولي

الا ان الاقليم والذي من حقه ان يتبنى دستوره وفق الدستور العراقي  لايزال دون دستور وذلك نتيجة لعوامل عديدة أهمها الصراع الداخلي بين الاحزاب الكردية والنزاع المستمر العلني والمستتر بين السليمانية واربيل

وكذلك الامر بالعلاقة المتوترة والمشاكل المستمرة دون حل بين الاقليم والمركز والتي أكد عليها كل من النجار والمفتي وهما يؤكدان ان استقرار المركز سيؤدي الى استقرار كردستان والعكس صحيح وكما أكدا على ضرورة الثقة المتبادلة بين المركز والإقليم من شأنها ان تسهل حل الكثير من القضايا

ان اقليم كردستان وأسوة ببقية أنحاء العراق يعاني مع ذلك من سوء الادارة ومن الفساد السياسي والاقتصادي فقد وجدت حكومة بغداد ان اكثر من 50 الف موظف يستلمون رواتبهم من الحكومة العراقية دون ان يكون لهم وجود ( قضائيين كما اصطلح على تسميتهم)  وان اكثر من 100 الف يستلمون اكثر من راتب واحد وأكثر من 25 الف يستلمون رواتب تقاعدية غير قانونية وغيرها من الأرقام المخيفة ولاتزال الشرعية الثورية هي التي تحكم الاقليم ومناصبه

وقد أكد الاستاذ عدنان المفتي والدكتور شيرزادالنجار  ان قضية الفساد هي قضية عامة في كل العراق وان هناك جهود واتفاقات من مختلف التيارات من اجل معالجة هذا الامر

وأخيرا وصل الحوار الى الانتفاضة العراقية  فمن الجدير بالانتباه هو ان الأكراد بقوا تقريبا صامتين امام الانتفاضة الكبيرة في بغداد والوسط والجنوب ( تسعة محافظات) بل بدى وكانهم مرتابين منها ان لن نقل اكثر  على الرغم من ان بعض الأكرادمن الطلبة وصل بغداد ورفع شعارات في مساندة المنتفظين ورغم ان بعض الشهداء أكراد الا  ان كردستان بقيت تراهن على عبد المهدي باعتباره افضل من تفهم مطالب الأكراد  فقد نجد بعض الدعم الكلامي الفائق الرسمية والمتحفظ هنا وهناك الا انه لم يرتقي ابدا الى الفعل السياسي الداعم الحقيقي للمطالب حتى قانون الانتخابات والذي وافق عليه البرلمان بفعل الضغط الشعبي لم يكن الاقليم موافقا عليه ولكن الذين تحدثت معهم أبدو تعاطفهم وتأيدهم للانتفاضة ورفضوا القتل والاعتقال الذي يمارس ضدها ، وهذا ايضا ما لمسته من كل من التقيت في كردستان من الاصدقاء والنَّاس.

--------------------

كتبت هذه المقالة والحوارات اساسا بطلب للصحافة التشيكية مع موضوعات اخرى وقد حثني بعض الاصدقاء على نشرها بالعربية ايضا

 

د.عصام الحافظ

 اكاديمي وكاتب عراقي

 ناشط في مجال حقوق الانسان  -  جمهورية التشيك

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا