الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

اجتهادات ليبرالية تضر بالتنوير وتعبد الطريق للتكفير   هشام النجار

 

أثبتت الكثير من التجارب أنه لا يمكن حصر الإرهاصات والمعوقات التي ترافق طريق التنوير في العالم الإسلامي في ما تطرحه تشكيلات الإسلام السياسي من جماعة الإخوان والجماعات السلفية من خطابات رجعية فحسب، بل إن البعض من المحسوبين على التيار التقدمي الليبرالي، هم بدورهم ساهموا في هذه التعثرات بإطلاقهم بين الفينة والأخرى أطروحات تمس بثوابت الدين وهو ما يعيق فعلا الوصول إلى مرحلة التنوير بل ويعبد الطريق لدعاة التكفير الذين ينتهزون هذه الخطابات لتأليب الرأي العام ضد التوجهات المدنية والعلمانية.

القاهرةيطلق البعض من المحسوبين على الاتجاه الليبرالي آراء بين الحين والآخر قد تمس بالثوابت الإسلامية، يقتنصها سلفيون وينسبونها لرموز التنوير ككل بغرض تعطيل عربة المشروع التنويري التي بدأت مؤخرا تحرز تقدما في مسيرتها.

أنكر شخص يدعى محمد شبل في مصر يوم عرفة، وطالب بألا يجتمع الحجيج فقط في يوم التاسع من ذي الحجة، ويوزع الحج على عدة أشهر مستدلا بالآية “الحج أشهر معلومات” تفاديا، وفق اجتهاده، للزحام والتكدس المروري. ناهيك عن آراء مناهضة لذبح الأضاحي، وأخرى صادمة بشأن قضايا تدخل في صلب العقيدة وتطعن في ثوابت الدين.

يفتعل البعض معارك، عن قصد أو جهل، تدور حول قضايا لا تعبر عن مشروع فكري متماسك ولا تخدم أحدا سوى التيار المتربص بالتيار التنويري الجاد، الذي ينقب السلفيون والأصوليون عن وسيلة لتشويهه وتلويث سمعته وإظهار مقاصد ورؤى رموزه بصورة غير الصورة التي أرادوها.

يبرع هؤلاء في إخراج هذه الآراء من إطارها الضيق، حتى لو عبر عنها صاحبها على صفحته الشخصية على فيسبوك ونشرها على نطاق واسع، لا بوصفها تخصه وحده إنما بحسبانها معبرة عن عموم المثقفين القائمين على الحالة التنويرية، والهدف إحداث بلبلة وإرباك في الرؤية لقضية التنوير المثارة حاليا.

انفضاض قطاع عريض من الجمهور من حول المشروع التنويري الذي يبحث له عن صيغة حضور وتواصل مع الملايين ممن مورست عليهم عملية تجهيل ممنهجة على مدى سنوات طويلة هدف التيار التراثي، ولن يجد طريقة أفضل من وصم التنويريين بالطعن في ثوابت الدين، والتركيز على الآراء الفردية التي لا يتبناها مثقفون حقيقيون، مع الحرص على تعميمها على التيار الليبرالي والقائمين بأدوار تنويرية ملحوظة ومؤثرة.

لم ينجح الأوروبيون في تجربتهم الحداثية إلا بعمل جماعي منسق وبجهد واضح، من نتائجه أنه تم التخطيط له باحترافية عالية ومنهجية منضبطة، حتى لا يتسبب أي خطأ أو اضطراب في منح الفرص للمتربصين به أو التسبب في خلل يصيب المشروع بالعطب.

ورتب هؤلاء تاريخهم الثقافي حسب القرون، وجعلوا من كل قرن حقبة تتميز بخاصية معينة تجعل منها وحدة ثقافية غير منفردة وغير معزولة بل حلقة من سلسلة متصلة، ووضعوا الأفكار والمذاهب وفق ترتيب تاريخي ومنطقي، مع الحرص على الاستفادة من الماضي بما يخدم مشروعهم، وتم تهميش الباقي بحيث يصبح الحاضر مؤسسا عليه لا نافيا له، وفي ذات الوقت يغني عنه بما أضفاه من تطوير وما منحه من مقدرة على مواكبة العصر.

الأصولية السلفية تجنح للتقليد وتقدم آراء الفقهاء على العقل

لم يكن الإصلاح الديني الذي صنع النهضة الأوروبية مؤسسا على رفض الثوابت الدينية أو الطعن فيها بقدر ما كان نقدا للتراث وإعادة لقراءته برؤى عقلانية، وهو ذاته ما يحرص عليه الجادون في العالم العربي والإسلامي حاليا.

يؤمن التنويريون العرب بأن الإصلاح الديني مشروع لخدمة الدين عبر تجديده ونفي كل ما ألصق به من إكراهات وتصورات لا إنسانية في مختلف الملفات، وهو مشروع للمستقبل الذي يرتبط بالماضي، لكن فاعليته تتحقق عندما يحتل الماضي مكانه الطبيعي من التاريخ دون التنكر له.

ويصبح الوعي بالتاريخ مسهما في بناء نظرة للمستقبل قائمة على العقل والمنطق، ما يؤدي إلى التحرر من أثقال الماضي ليصبح أداة من أدوات الدفع إلى الأمام لا الجذب إلى الخلف والتسبب في الجمود والانحطاط.

يحاول هذا التيار البناء على جهود من سبقوا، مثل محمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني وغيرهم، بهدف التوفيق بين الإسلام وقيم الحداثة في الحضارة الغربية، عبر التأكيد على مرونة الدين الإسلامي الذي يمتلك ثوابت عقائدية يصعب المساس بها، ويحتوي على آراء فقهية بشرية تتغير بتغير المكان والزمان.

تصب جهود التنويريين المخلصين عادة في خلق تيار وسط بين منهجين متشددين، يعبر كلاهما عن وجهة نظر أحادية ضيقة الأفق، أحدهما الأصولية السلفية التي تجنح للتقليد وتقدم آراء الفقهاء على العقل، والآخر منهج الفوضويين الذين يسعون لفرض رؤيتهم للحياة والدين دون شعور بمسؤولية والتزام تجاه المجتمع.

ويصوغ مثقفون تصورات حداثية مستمدة أيضا من قيم الإسلام التي تدعو إلى التعددية الدينية والحرية الفردية والتعايش الإنساني والتنوع الحضاري وحفظ العهود والمواثيق والنفس، وصيانة الدماء والتحلي بالفضائل الإنسانية من رحمة وعدل وتسامح وأمانة وصدق.

نزع الصورة المشوهة العدائية التي صدرتها الجماعات الأصولية المتطرفة للعالم، والتأصيل في ذات الوقت لوجود الإسلام في الحضارة العالمية الحديثة كدين حضارة ورقي سبيله البناء لا الهدم وعمارة الأرض لا خرابها، يفتح المجال للتعامل مع الحداثة كمشروع كوني وليس حالة خاصة بالغرب.

علاوة على أن الحفاظ على ثوابت الدين واحترام قدسية معتقداته وعباداته وطقوسه يدعم مسار المشروع التنويري كمشروع للأمة، ومن شأنه إذا اعتنق الجمهور المسلم أدبياته أن يصبح المنهج الذي تدافع عنه وتسانده الغالبية، وهذا لا يتحقق إذا تواصل التخبط والعشوائية واللجوء إلى تلفيقات وأطروحات صادمة تتسبب في النفور من أي مشروع إصلاحي وتجديدي، ما يجعل مبادئ التنويريين الجادين في واد وواقع الأمة في واد آخر.

البعض يفتعل معارك حول قضايا لا تعبر عن مشروع فكري متماسك ولا تخدم أحدا سوى التيار المتربص بالتيار التنويري الجاد

ويجد صاحب الرؤية الجادة صعوبة بالغة في التعبير عن مواقفه وطرح تصوراته وخلق تيار عام يعتنق مبادئه، حيث يعمل في مناخ فكري غير موات، والأهم أنه يحرص على ألا يحدث تشويشا على صيغته التوافقية التي يسعى لنشرها، والمتعلقة بالحفاظ على قدسية الثوابت الدينية في التعامل مع التراث البشري والميراث الفقهي بالنقد والفرز، لجعل الدين موردا إصلاحيا بدلا من أنه عائق أمام العقلانية والحداثة نتيجة ما تراكم عليه من تأويلات وتفسيرات دخيلة على نصوصه ومقاصده السامية.

يتربص بالحالة التنويرية الناشئة كثيرون، في مقدمتهم قادة ومنظرو الجماعات السلفية والأصولية بمختلف توجهاتها ومسمياتها، التي بنت مناهجها على أساس من التراكمات الدخيلة التي يسعى التنويري لفصلها عن أصل الدين الصحيح، وهم وآخرون مهددون بفقدان النفوذ الروحي والعوائد المادية الهائلة التي يحصلون عليها إذا انهارت تلك التصورات ووضح تهافتها وثبت عدم قدسيتها لدى الجمهور.

وتشن على بعض المثقفين حملات دعائية مضادة لتشويههم والحط من شأنهم واتهامهم بعدم الأهلية أو الأحقية في القيام بهذه المهمة، مقابل طرح أكثر الأفكار تشددا وغلوا وتكفيرا تحت ستار عناوين مخادعة تزعم امتلاك مشروع إصلاحي وتنويري، مثل مؤلفات يوسف القرضاوي وغيره، بل يحمل كتاب لمحمد قطب صاحب المؤلفات التكفيرية التي تقسم العالم إلى دار حرب ودار إسلام وتصف المجتمعات الإسلامية بالجاهلية، وهو شقيق سيد قطب منظر التكفير الأكبر، هذا العنوان “التنوير في العالم الإسلامي”.

تستوجب هذه الحالات تبني خطاب تنويري من مثقفين حداثيين لديهم قراءة للمشهد الدولي وما يموج فيه من متغيرات، ويتطلب الاقتناع به الاستناد إلى رؤى حضارية ومنطقية متقدمة وتتماشى مع الواقع العام وكل ما ينطوي عليه من تحولات ترمي إلى الحد من الظاهرة الأصولية- التكفيرية.

 

هشام النجار

كاتب مصري

(العرب) لندن

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا