الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

رموز وأشباح 

نوستالجيا العراقيين

اسئلة عن تاريخ الجيش

العراقي بين أمجاده وخطاياه


أ.د. سيّار الجَميل

مقدمة 
تمر اليوم في 6 كانون الثاني / يناير الذكرى 98 لتأسيس الجيش العراقي ، فهو من اقدم الجيوش العربية عندما تأسس عام 1921 ببغداد على ايدي نخبة لامعة من القادة والضباط العراقيين العثمانيين سابقا والذين شارك اغلبهم في قواطع استراتيجية ابان الحرب العالمية الاولى وعمليات الثورة العربية الكبرى عام 1916 ضد حكومة الاتحاديين في الدولة العثمانية .. وقد عاش ذلك " الجيش " حتى سقوط العراق بأيدي الاميركان عام 2003 ، فتشتت وتبعثر وسرقت عدته ، وقام الحاكم الاميركي بول بريمر بحلّ الجيش العراقي في اسوأ قرار اتخذه ضد العراق والعراقيين .. 
وكنت قبل اكثر من 13 سنة قد نشرت بعض الملاحظات النقدية عن تاريخ الجيش العراقي الذي نعتز به جميعا وبعراقته وادواره الوطنية ، فكان ان خرج علينا احدهم وهو ضابط متقاعد احترمه واعتز به ، فكتب ردّا عاطفيا معتبرا الجيش العراقي له قدسيته ، ولا يمكن المساس به . واليوم ، اجد تمجيدا لا تقويما ، وانفعالا من اجل التقديس لا استفادة من تاريخ منظومة بقدر ما كانت لها بطولاتها وامجادها في ساحات الوغى ، فقد كانت لها اخطاءها وخطاياها .. وقبل ثلاث سنوات نشرت ايضا عن الجيش العراقي نشرت في جريدة المدى ، بغداد 19 كانون الثاني / يناير 2016 .

المؤسسة المستلبة 
اعتقد أن أغلب العراقيين الوطنيين لا ينكرون ابدا شجاعة جيشنا السابق وبطولاته التي يعترف بها العدو قبل الصديق ، بل ان اسرائيل كانت تخشى كثيرا من الجيش العراقي ، لكن علينا ان نعترف بأن ذلك " الجيش " ساهم بارتكاب خطايا كبرى في تاريخ العراق الحديث ، اذ كان الى جانب ابطال الجيش العراقي ثلة حمقى ومرضى ومجانين ومستهترين وسفهاء واغبياء ومغامرين وطائشين وطارئين ومسيّسين الى جانب الاذكياء والنظاميين ، كما ضمت الثكنات الى جانب المخلصين والوطنيين والمحترفين الحقيقيين، عشرات الخونة والمأجورين والسفهاء المارقين .. 
واذا كان العراقيون اليوم يمجدّون الجيش العراقي السابق، فلأنهم وجدوا انفسهم مؤخرا ازاء جماعات وعصابات وميليشيات منفلتة عديمة الولاء للوطن وعديمة الاخلاق في التعامل ، كما ان شعبنا بحاجة الى جيش وطني حقيقي يحميهم من قوى ومنظمّات وتدخلات وطفيليّات وتحزبّات متعصّبة وطائفيّة .. لا ينفع للجيش ان يكون صاحب عقيدة عسكرية فقط ، بل هو بحاجة ماسة الى ان يكون صاحب اخلاقيات ومبادئ والتزامات وتقاليد وطنية وله امانته واستقلاليته ، وانتفاء طائفيته ،وانعدام خياناته ، وعدم تدخله في السياسة أبدا .
كان تأسيسه قويا على ايدي رجال مهنيين محترفين اقوياء لهم تجاربهم ومعارفهم ووطنيتهم واخلاقياتهم العالية ، وكان " العسكر " في العراق قد جمع كلّ الطيف الاجتماعي المتنّوع في ثكنة واحدة ، ووحّدهم علم واحد ، ونسّقت اصطفافاتهم ساحة عرضات واحدة ، وكان الوطن عقيدتهم ضمن نظام واحد في ظل العرش .. وكان العراقيون يحتفلون كلّ عام بذكرى تأسيسه يوم 6 كانون الثاني / يناير 1921 ، في عطلة رسمية لكل البلاد ، ولكنه جيش شهد تاريخه مختلف البدائل بين الكوارث والمحن والانتصارات والانكسارات .. بين الرفعة والسمو الى التفاهة والانحدار .. انها مؤسسة عراقية قديمة كانت لها تقاليدها ومهنيتها ونظمها ومساقاتها البريطانية ، ولكنها استلبت شيئا فشيئا ، فتكثر خطاياها القاتلة .

المنجزات والمثالب 
كان جيشا منظما قويا جراء قوّة مؤسّسيه الكبار الاوائل ، ولكنه ضمّ عشرات بل مئات الفاشلين الذين لم تقبلهم الجامعات في الاجيال اللاحقة ، او دخل البعض اليه جهويا بواسطة فلان او علان وكانوا لا يصلحون اصلا كمعلمين فاشلين في الابتدائيات ، وبقدر ما حقّق الجيش العراقي من انتصارات للعراق برا وجوا وبحرا ووقف الى جانبه في المحن والكوارث والفيضانات وادواره في فلسطين وقوته الجوية في مصر .. الخ ، فقد نكّل بالعراقيين وخذلهم وتدخّل في شؤونهم الداخلية ، كما وتدّخل في السياسة والقضاء والامن الداخلي من خلال المحاكم العرفية وفرض منع التجوال والمحاولات الانقلابية الناجحة والفاشلة واستهان بالشرطة العراقية .. فضلا عن دوره في الصراعات السياسية ومحكمة الشعب وتمرد الاشقياء ودور بعض الضباط الذين خانوا الامانة واخلوا بالقسم واليمين الذي أدّوه .
وبدل ان يحمي حدود البلاد في ازمنة عصيبة ، فقد ادخل خشمه في قضايا سياسيّة داخليّة هو في غنى عنها ، وبدل ان يتخلّق كلّ ابنائه بالأخلاقيّات العالية ، فقد ساءت اخلاق بعض ابنائه كثيرا وخصوصا من الضبّاط الذين تجعلهم الرتب على اكتافهم يتفوّقون بصلافتهم وعنجهيتهم وبذاءتهم على المدنيين من البشر ، وتكالب البعض من اجل السلطة ونخر الجيش التحزّب السياسي حتّى نجح في سحق البلاد سحقا ، وشهد العراق موجات من الاعدامات للعسكريين بدءا باغتيال العسكر العراقي لمؤسسه العظيم جعفر العسكري في حركة انقلاب بكر صدقي 1936 ، ثم مقتل بكر صدقي على ايدي العسكريين بعد اشهر ، ثم حركة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الاربعة عام 1941 .. وفشلها وهروبهم ثم القبض عليهم وتسليمهم من قبل الانكليز ليعدموا .. اخر المسلسل الذي يثير التساؤلات لاينتظر الاجابات من عقلاء .. فالحقيقة يقرّها العقلاء من كبار القادة العراقيين .

نوستالجيا العراقيين وعواطفهم اكبر من منطق الاحداث المأساوية
انني اعتقد ان نوستالجيا العراقيين للعسكر وللبنية العسكريّة هي مجرّد احساس عاطفي يأتي في زمن فرغ العراق خلاله من القوّة والاخلاق ومن النظام الوطني اليوم ، ومن السطوة التي كان يفرضها العسكر العراقي على الحياة وقت ذاك ، وخصوصا بانتظار الناس اذاعته البيان رقم (1) الذين تعوّدوا على سماعه، او في بيانات القيادة العامة لمجريات الحرب مع ايران التي لها اطماعها وتنفيذ مشروعها في تصدير مبادئها والثأر من العراق واهله . العراقيون كعادتهم لا يقبلون الاعتراف بحقائق التاريخ ، ولم يزل حنينهم لأيام سوداء اساء بعض قادة الجيش وضبّاطه التصرّف فيها برعونتهم ، وما فعلوه بالعراق الذي حولوه في مجزرة دامية الى " دولة خاكيّة " كما خطب هستيريا احد مؤسسي الجمهورية الخالدة ! 
امضيت خدمتي الالزامية والاحتياط اكثر من سنتين من حياتي جندّيا في الجيش العراقي بعد اكمالي الجامعة بالعراق، وعليه ، فانا احد ابناء هذه المؤسّسة واعرفها بالرغم من تقديس العراقيين وعشقهم لها اليوم كونهم يعتبرونها الوحيدة التي تحميهم من جحيم ما حدث لاحقا ، لكنهم لم يلتفتوا قليلا الى الوراء ليتأملوا خطاياها على مدى حياة كل جيل من اجيالهم ، وما فعله القادة العسكر ببلادهم وقد خانوا الامانة ، وانها مؤسسة اعتزت بها الدولة وكل مؤسساتها وتفاخرت برجالها ، ودللّتهم ، ولكنهم خانوا الامانة وسحقوا البلاد بمن فيها سواء بسلسلة الانقلابات العسكرية التي قامت بها ، او بخيانات البعض ، او بمؤامرات البعض ، او عمالات اخرين ، او محاكمات آخرين ، او اعدامات آخرين .. ؟؟؟؟ مؤسسة تضيع حقوق المرء فيها بين بائس تأكله الحرب او تأسره او تعوّقه .. وبين متشدّق يعلن اليوم بوقاحة انه لم يخدم في الجيش ابدا !

تساؤلات مثيرة 
أسأل : هل من اجابات عاقلة على اسئلة اطرحها على العراقيين : من قتلَ مؤّسس الجيش العراقي عام 1936 ؟ الم يقتله جيشه ؟ ولماذا ادخل الجيش انفه في السياسة ليقوم بأوّل انقلاب عسكري عربي في العراق عام 1936 ؟ ولماذا استخدم الجيش دوما لحسم مشكلات سياسيّة ، وتظاهرات شعبيّة ، وتمرّدات عشائرية ؟ لماذا رفض الفرات الاوسط قانون الخدمة الالزامية ؟ لماذا استخدم الجيش قوتة المتغطرسة في داخل العراق ؟ لماذا يقتل جعفر العسكري ويهرب ياسين الهاشمي ؟ ولماذا تأشكل الجيش قبيل 1941 ؟ وشكّل حكومة الدفاع الوطني واشعل الحرب ضد بريطانيا بتعاونه مع المحور وهتلر والنازية ، ويعدم العقداء الاربعة ؟ ولماذا تعلن الطوارئ ليمارس الجيش السلطة في الشوارع ؟ ما دوره القوي في حرب فلسطين 1948 ؟ ما تأثير بعض ضباطه في بلاد عربية اخرى مثل جمال جميل في اليمن وحركته الانقلابية هناك واعدامه ؟ ومن هم الضبّاط الاحرار ؟ وما طبيعة اتصالاتهم الخفيّة ؟ ولماذا قاموا بقلب نظام الحكم عام 1958 ونالوا من زعيمهم نوري السعيد بتقطيعه اربا اربا بعد سحله في الشوارع ؟ لماذا يقتل الضباط الاحرار الملك فيصل الثاني وتباد عائلته ؟ بأي حق يحاكم الضباط الصغار قادتهم الكبار في محكمة عسكرية ( عليا ) خاصة يترأسها العقيد فاضل عباس المهداوي ؟ ومن احدث التمرّد في الموصل بقيادة عبد الوهاب الشواف عام 1959؟ وما دور الرئيس عبد الناصر مع ضباط عراقيين قبل 14 تموز او من بعدها ؟ ولماذا انقسم الجيش العراقي بصنوفه كافة بين قوميين وشيوعيين ؟ وكيف تم اذلال الضباط ؟ وكيف يقوم الضباط بإعدام زملائهم في ساحة ام الطبول ؟ وماذا حدث للجيش في كركوك ومآسيها ؟ من قام باعدام الطبقجلي ورهطه من الضباط العراقيين المتمردين ؟ ومن قام بانقلاب 8 شباط/ فبراير 1963 ؟ وماذا فعل الضباط البعثيون بزملائهم وخصومهم الاخرين وعلى رأسهم عبد الكريم قاسم والمهداوي ؟ من بصق بوجه الزعيم قاسم وهو معدوم على شاشة التلفزيون وقد قتل شر قتلة ؟ الم يكن جنديا في هذا الجيش ؟ وماذا فعل البعثيون بالضباط الشيوعيين؟ ومن الذي منح العقيد الركن عبد السلام عارف رتبة "مشير ركن " ونصبه رئيسا بلا اية انتخابات وهو برتبة عقيد ركن ؟ من قام بحركة حسن سريع وهو نائب عريف شيوعي ومعه عصبة من العرفاء والجنود ؟ من قام بحركة 18 تشرين الثاني / نوفمبر 1963 ؟ وما دور الجيش وضباطه ؟ ولماذا سمى عبد السلام عارف نفسه بابي الثورات الثلاث ؟ من وزع الوزارات والمناصب العليا على الضباط العسكريين ؟ لماذا استأثر العسكر بحكم العراق ؟ من قام بحركة عارف عبد الرزاق الاولى والثانية وبمؤامرة دبرها جهاز المخابرات المصرية ؟ اليس هو الجيش ؟ من اقصى عبد الرحمن البزاز عن ترشيحه رئيسا للجمهورية .. اليس ضباط الجيش وعلى رأسهم سعيد صليبي ؟ من قام بحركتي 17 – 30 تموز/ يوليو 1968 ؟ الم يساهم الجيش بتآمرات ضباطه وخياناتهم واعتلاء احمد حسن البكر رئيسا بلا اية انتخابات ؟ من اجلس المئات من القادة والضباط الشرفاء في بيوتهم وصبغ الجيش بالصبغة الحزبية ؟ من نكّل بمن ؟ من منح صدام حسين رتبة "مهيب ركن" وهي اعلى رتبة متخيلة ، والرجل لم يخدم يوما واحدا خدمته الالزامية ؟ من اعدم جملة من الضباط العسكريين بتهم الخيانة العظمى والتجسس والتآمر امثال عبد العزيز العقيلي وغيره ؟ من منح حسين كامل وعلي حسن المجيد وغيرهما رتبا عليا في الجيش كالفريق اول ركن من دون اي استحقاق ؟؟

المشاركة في الحروب 
نعم ، لقد شارك الجيش العراقي بشمم واباء في حرب 1948 ، وحرب 1967 ، وحرب 1973 ضد الكيان الصهيوني ، ثم امضى ثماني سنوات عجاف استمرت حرب العراق ضد ايران وتوسعاتها .. وكم اكلت تلك الحرب من بشر ومن خيرات العراق كي يدفع بموجة ما سمي من قبل الايرانيين بـ " تصدير الثورة " ؟ وكم صنعت من بطولات ؟ وكم فجعت من عوائل ؟؟ اذا اعتبرت تلك الحرب ضرورة تاريخية لدى العراقيين الذي فقدوا الالاف المؤلفة من ابنائهم ؟ فهل من عراقيين اليوم يفسرون لي ما حل بقيمتها الوطنية والتاريخية بعد سقوط النظام السابق وتمزّق الجيش شرّ ممزّق ؟ وأسأل : كيف تعامل بعض ضباط الجيش العراقي مع الكرد في حرب داخلية قاسية جدا استمرت في كل العهود الجمهورية ؟ واسأل : من الذي غزا الكويت عام 1990 وجنرالات العراق لم تعلم ؟ وما الذي فعله ذلك الجيش هناك على مدى ستّة اشهر قاتلة ؟ وماذا حصل لذلك الجيش عام 1991 ؟ والعراق تسحق بنيته التحتيّة ل43 يوما بالطائرات الاميركيّة ؟ من قام بتهريب طائرات العراق الى ايران في اغبى عمليّة استراتيجية لم تحدث ابدا من قبل ؟ ما ذنب الالاف المؤلفة من الضباط والجنود العراقيين يسحقون وهم ينسحبون من الكويت تحت النيران الاميركية ؟ ومن قال بانتفاء التمييز في الجيش .. كنت بنفسي ارى كيف يعامل الصابئى والمسيحي واليزيدي والتركماني وغيرهم من قبل المراتب الاجلاف !

الكارثة والفجيعة ونهاية المؤسسة 
واتمنّى على من يخالفني الان ان يسأل نفسه : كم من الشرفاء العسكريين العراقيين قالوا : لا وانتهوا نهايات بائسة ؟ كم من القادة العسكريين الكبار قد اعدموا بعد ان عذبوا في قصر النهاية ؟ في عهود مضت كانت ميليشيات رسمية كالمقاومة الشعبية او الحرس القومي او الجيش الشعبي تمتلك القوة والنفوذ بحيث اهانت افراد من الجيش العراقي في عهود جمهورية متعددة ! كم اهدرت اموال وثروات على التسلح والعتاد والتصنيع العسكري بلا فائدة ؟ سنوات طوال والتمييز قائم في العراق بين الجيش النظامي والحرس الجمهوري والحرس الخاص والطوارئ وغيرها من التشكيلات .. وعندما اقتربت 2003 ينصّب اناس لا حرفية لهم قادة على الشمال والوسط والجنوب ، ليتمزّق الجيش العراقي شذر مذر ، وتسرق عدّته ، ويبعثر بالكامل ، وتهرب فيالق كاملة ، ولم تنفع نصائح واراء اسداها البعض من الضباط والقادة الكبار كما حدثني بها لاحقا بعضهم لاحقا .. اذ لا يمكن ابدا ان يقحم الجيش في معركة خاسرة بلا غطاء جوي لينسحق العراق انسحاقا ؟؟ لقد جنى الجيش العراقي ليس على نفسه وحدها ، بل على العراق واوصله الى هذا المصير .. فهل وعى كل العراقيين الدرس اليوم ؟ انني اشك في ذلك ! أتمنى مخلصا ان يتعلم كل العراقيين من تجارب الماضي ودروسه من اجل بناء مستقبل جديد وضاء لمنظومة عسكرية تحكمها التقاليد والمعرفة والهيبة والاحتراف من خلال عقيدة وطنية .

نشرت يوم 6 كانون الثاني / يناير 2019 على موقع الدكتور سيار الجميل 

الحلقة 15


http://sayyaraljamil.com
انتظروا الحلقة القادمة

 

 

  د. سيّار الجميل

 اكاديمي واستاذ جامعي وكاتب عراقي

ينشر مقالاته في (العربي الجديد) اللندنية

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا