الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

متطرفو أسامة أنور عكاشة!

محمد طلبة رضوان

 

كاتب الدراما، ليس واعظا، الواعظ يمنحك الحقيقة التي عليك أن تؤمن بها، يخوفك بالله، أما كاتب الحدوتة فهو أذكى، أمكر، أخبث، وأمتع، ذلك لأنه يفتح لك صندوق الدنيا، لتشاهد، وتحكم بنفسك، أو تظن أنك تحكم بنفسك، فيما هو يقودك إلى الحقيقة التي اختارها لك، فتؤمن بها وأنت تتصور أنك وصلت وحدك فيما يقف وراءك غول الحكاية، يدفعك ويوجهك ويوسوس لك من دون أن تدري..

مُشاهدو اليوم أذكى، وهذه الحيل باتت قديمة، وإذا أراد الكاتب أن يصور فلانًا شريرا، وعلانا طيبا، فسوف يكتشف المشاهد ولن تنطلي عليه اللعبة، فما العمل؟ الإجابة: هي الصدق، والإجادة هي الصدق، أن ينحاز الكاتب للحكاية وتفاصيلها أكثر من أفكاره، أن يمرر أفكاره من خلال ما يحدث بالفعل، لا ما يقرر هو أنه يحدث رغمًا عن الحقيقة، أن يشاهد الناس أنفسهم في حكايته، ويشير كل منهم على بطل من أبطاله ويقول: هذا أنا، أو هذا فلان الذي أعرفه، لو وصل الكاتب مع قارئه أو مشاهده إلى هذه الدرجة من الثقة، يمكنه أن يمرر ما شاء، فمن منا لا يريد أن يسمع من نفسه؟!

أسامة أنور عكاشة، عم "أسطوات" الدراما، واحد من هؤلاء، من أول (وقال البحر)، وربما من قبلها، إلى (عفاريت السيالة)، لا تخلو حكاية من بطل يمثلنا، يمثلني، يقترب مني، يتحدث إلي وحدي فأسمع منه، وأفهم، وأنحاز، ولا يعني أنه يمثلني هو أنه يتمثلني، أو أنه أنا، لكنه يمثل انحيازاتي، ما أومن به، ما يجعلني أحس بالألفة والانتماء، علي البدري، وزينهم السماحي، وطه أخوه، في الحلمية، حسن النعماني، وعمارة، والأستاذ إلهامي، وأنوار، وحسني، ومصطفى بطاطا، في أرابيسك، رفاعي الصعيدي، وعسران، بلدياته، ومحروسة، زوجته، والحاج عامر عبد الظاهر، معلمه، والست آمنة، زوجة عامر، ونعيمة مرسال وعزوز أبو شامة والدكتور صلاح، في زيزينيا، كلهم يمسكون بطرف من أيامي، كلهم على درجة من سلم الوجد، ولذلك أحبهم وأصدقهم وأسمع منهم وأتورط في حكاياتهم ويمر إلي منها ما يريده عكاشة، بـ "كيفي" ومزاجي... فكيف عالج أسامة أنور عكاشة التطرف الديني؟ وهو الذي عاش في ذروته، واكتوى بناره مثل أي مثقف مصري وناله من تهديداته على شخصه وأفكاره؟

متطرفو عكاشة ليسوا كائنات فضائية، ذهبوا إلى المسجد وتحدث إليهم الشيخ فتحولوا إلى زومبي، بل هم نتاج تجاربهم ومجتمعهم وسياقهم المأزوم، لا تقليل هنا من تأثير الأفكار، إلا أن الحكاية، كما قلنا غير الوعظ والإرشاد، الحكاية لحم ودم، الواعظ يخرج بك من الزمان والمكان، ويجرد لك الأشياء، ويخترع لك زمانًا مثاليًا، وقرونا مفضلة، وسلفًا لا يخطئون، وأشرارا وكفارا لا يصيبون، آيات تتنزل فيؤمن بها فريق، ويكفر بها فريق، دونما أسباب وأحوال وسياقات وتجارب، تفقد الحقيقة روحها، تأتيك جثة، أما الحكاء فيضعك بقلب الحكاية، تشاهدها، وتراها رؤيا "العليم"، متطرفو عكاشة ليسوا لونًا واحدًا، أفكارهم ليست واحدة، ودوافعهم ليست واحدة، وحكاياتهم ليست واحدة، حتى تصنيفاتهم الطبقية تختلف من حكاية لأخرى، كما أنهم ليسوا بالضرورة أشرارا، وليسوا بالضرورة متدينين!

في الحلمية يصادفنا توفيق البدري، الدور قام به علاء مرسي، توفيق ابن الأزمة منذ كان فكرة في خيال أبيه، توفيق الكبير، حسن يوسف، لا ينجب من أنيسة، فردوس عبد الحميد ثم محسنة توفيق، العظيمة، العيب منها، وهو رجل مجدع ومساند لزوجته ورفيقة عمره، إلا أن تقدم العمر، والإحساس بدنو الأجل يربكه، يذهب ليتزوج سرًا، يريد أن يكون له ولد، حس في الدنيا، يأتي توفيق من الزوجة الثانية، زوجة السر، يموت توفيق، وتكتشف أنيسة، أم توفيق ترميه، وأنيسة تقرر أن تربيه، أب ميت، وأم غائبة، وزوجة أب تربيه صدقة، بيت يخلو من الرجل و"الونس"، بيت موحش، وأيام صعبة وكئيبة، سبعينيات القرن الماضي، المجتمع يتغير، الهرم ينقلب، يقف على رأسه، القيم تتبدل، والمفاهيم، والأفكار، والعادات، والتقاليد، كل شيء إلى الأسوأ، حتى الدين يتحول، بفعل فاعل إلى جزء من مشروع سياسي يتقاسمه الحاكم ومنافسيه، وتوفيق يكبر وسط ذلك كله، يبحث عن نفسه، عن دفئه المفقود، عن عائلة و"عزوة"، عن قيمة بين أقرانه، وهو الذي يشعر أن كل من حوله أفضل منه وأكثر حظا ومالًا وتحققا، ينجرف مع التيار، ويتحول من "توتو" إلى الشيخ توفيق الذي يأمر وينهى ويعلم من حوله الحلال والحرام ويشخط في أمه التي ربته وفي "ناهد"، موظفة المكتبة غير المحجبة (نشوى مصطفى)، قبل أن يصرخ في الجميع ويقول هذا بيتي وحدي، لا بيتكم، وهذا مالي وحدي، لا مالكم، ويتمرد، ويمرق، فيعريه عم أسامة "اللعيب" بسطر واحد في سيناريو "فوق العظمة"، ويخبره أن البيت ليس بيته والمال ليس ماله، وأنه "هنا" ضيف الصدقة والإحسان.

يتوحش توفيق.. ويهاجر إلى أفغانستان. بعدها تأتي التجربة لتكشف عن معدن توفيق، ابن الناس الطيبيين، رغم كل شيء، ابن الحلمية، وتوفيق البدري، وأنيسة، فهو ليس شريرا، إنما مأزوم، وحين يكتشف حقيقة من انحاز لهم تحت لافتات التدين المغشوش يرجع ويبدي ندمه للجميع، إلا أن عم أسامة لا يفتح له بابا سهلًا للرجوع فالماضي لا يمضي، بل نحمله فوق ظهورنا، وماضي توفيق له حسابات واستحقاقات وفواتير يجب أن توفى أولا، وأفعاله التي اقترفها ليست كلها بنت التجربة والظروف بل هو يتحمل جزءا من مسؤوليتها، هكذا، وبميزان "جواهرجي" يضع عكاشة كل حجر في مكانه.. يرجع توفيق ويسلم نفسه.

على الجانب الآخر من الحكاية، نرى "بسة" و"خمس"، (محمد متولي وعهدي صادق)، جزء من الحدوتة منذ بدايتها، الجزء الأول، أيام الملكية والاحتلال الإنكليزي، دود الأرض، وحثالة المجتمع، "لمامين السبارس"، وآكلي سحت الإنكليز، خدم السبوبة حيثما كانت، تأتي السبعينيات فيقرر كل منهما أن يغير النشاط، يطلقان لحيتيهما ويشتغلان في توظيف الأموال، وينادي كل منهما الآخر بـ "الشيخ"، هنا لا يخبرك عكاشة بأن المتدين نصاب، على العكس، يخبرك بأن النصابين هم من ادعوا التدين حين تحول الدين إلى بضاعة واحتاج التاجر إلى السمت والمسوح كي يسوقها، مشهد واحد يختصر فيه عكاشة رأيه في هذه النوعية من تجار الأديان، حين يغضب الخمس وبسة فيمد كل منهما يده وينزع لحيته المستعارة، وكأنه يقول لنا: حتى التزييف لم يكن حقيقيا، بل مزيفا!

في أرابيسك، التطرّف هامشي، أشباح، تظهر بين الحين والآخر، "عيال صياع"، لم يحترم المجتمع تشبيحهم الإجرامي، فاختاروا تشبيحا محترما، عم أسامة في أرابيسك (1994) لا يريد أن يشرح لك ما الإرهاب، فقد عرفته، لكنه يريدك أن تشاهد ماذا يفعل الإرهاب في حياة الناس، بعيدا عن دعايات الدولة والمتطرفين، على السواء، يختار شابا مسكينا هادئا يعمل لينفق على والده الفقير الضرير، مجدع، وشهم، وضيفًا خفيفًا على حكايات الآخرين، لا يؤذي أحدًا، ولا يطمع في شيء، "شقشق"، صبي حسن في الورشة، تخرج رصاصة الإرهابي التي تستهدف "السياح" وتستقر في صدره، تصيبه بالخطأ، تنتزعه من شبابه ومستقبله، ومن لقمة عيش حلال يضعها في فم أبيه العاجز، كل من يشاهد المسلسل يبكيه، بحسرة وألم ومرارة، كل واحد فينا لحظة العرض الأولى يتمنى لو أمسك بقاتله وقتله، كل مشاهد يتحول إلى مقاوم، حتى المتعاطف مع التطرف الديني، يهتز، يتوتر، يشعر أنه مشارك في قتل بريء، يفقد جزءا من صلافته في دعم "الواغش" الذي طفا على سطح المستنقع الآسن لحياتنا البائسة.. مشهد واحد يقول كل شيء ويفعل كل شيء.

في امرأة من زمن الحب، التطرّف ليس إرهابا، والمتطرف لا يحمل السلاح، كما أنه ليس جاهلًا، ولا مأزوما، ولا دفعته ظروفه، إنما هو نتاج ثلاثين عامًا من التجريف، والتحريف، والتخريف، نحن على أبواب عام 2000، وعم أسامة يكتب لزمن جديد، ووعي جديد، وجيل جديد، المتطرف هذه المرة لا يرتكب حراما وفق رؤية المجتمع "المتدين بطبعه"، بل يستخدم "حقه"، كما تعلم، وكما يُعلم الناس، المتطرف أزهري، شيخ، واعظ، لاحظ: أسامة لا يقول لك هذا هو الأزهر، بل يقول هذا هو أحد منتجات الأزهر، هنا والآن، الشيخ عبد الستار قليني، (محيي الدين عبد المحسن)، إمام وخطيب، ريفي، عائد من الإعارة بالخارج كي يتزوج، يتقدم لـ "لبيبة"، (عبلة كامل)، بنت الأصول التي جار عليها الزمن، وتأخرت أفراحه، وبهجته، وأيامه الحلوة المستحقة، كل شيء يأتيها فجأة على وجه الشيخ البشوش وابتسامته وطيبته ومكانته، ستتزوج، وتسافر معه، تدخل الدنيا بعد انتظار، وتراها بعد غياب، لا يرى المشاهد من الشيخ إلا ما رأته العروسة وأهلها، تماما كما لا نرى من مشايخنا في الظاهر والعلن غير ابتساماتهم وتسبيحاتهم وحوقلاتهم، ثم تأتي الصدمة، مع التعامل الحي، خبط ورزع وبكاء وصراخ على الباب، عادت العروسة من حيث أتت، واكتشفت أن الشيخ "العيرة" لم يتزوجها ليسعدها بل ليستعبدها، كذب الشيخ، ولم يخبرهم أنه متزوج من اثنتين غيرها، وأنها الزوجة الثالثة، أخبرها بعد وقوع الفاس في الراس أنه اشتراها خادمة له ولزوجتيه، وعياله، وباقي الحكاية معروف، ضرب وشتم وإهانة، خيانة للعهد والأمانة والاتفاق، استفراد بالمسكينة في غربتها، بعيدًا عن أهلها وبلدها، ولا يعدم الشيخ في كل ذلك شرعنة وفقهنة لأفعاله الدنيئة، فما رأيك؟

الشيخ الفاسد نموذج في حياتنا، لا يمثل كل الشيوخ، لكنه موجود، وحاضر بقوة، وجه يضحك وفكر يقتل، أصل وضيع وصورة شائهة، وعمامة وسمت زائفان يخفيان ذلك كله، والناس تنخدع وتسلم نفسها وعقولها (وبناتها في المسلسل)، وكلها ثقة ويقين في سيدنا الشيخ.

تترك مشاهد الشيخ القليلة أثرها، ولا ينساها من شاهدها، كما لا ينسى غيرها من "شغل" أسامة المتقن، والحقيقي، والذي لا يخلو من عيوب، في مبانيه ومعانيه، لكنها ليست قاتلة للدراما، أو مفرغة لها من مضمونها، عيوب تتحملها الدراما، وتعيش معها، أو رغمًا عنها، هذا هو الفارق بين الدراما والتعليمات، بين السيناريو والنشرة الداخلية، بين من يكتب للناس، ومن يكذب عليهم، بين الفنان والعسكري.

(المدن) البيروتية

كاتب وشاعر مصري

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا