الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

الإمام الحسني البغدادي

مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن

التاريخ والسياسة

أ.د. عبد الحسين شعبان

1

كل إصلاح مفتاحه الفكر الديني

توماس هوبز

توطئة

            حين هاتفني الصديق فوزي الراوي (عضو القيادة القومية لحزب البعث- سوريا) إلى فندق ” الفردوس تاور” (برج الفردوس) بدمشق، سألني إنْ كنتُ أعرف سماحة السيد أحمد الحسني البغدادي، وقبل أن ينتظر جوابي قال إنه يعرفك جيداً، ثم خاطبه قائلاً تكلّم مع د. عبد الحسين شعبان بعد أن نقل سماعة التلفون إليه، وجاءني صوته رهيفاً وعميقاً ومؤثراً بالسلام والسؤال عن الصحة والعائلة، وإنه من المتابعين جداً لكتاباتي ومواقفي.  ولكي أتأكّد مَنْ يكون محدّثي سألته ما الذي يربطك بآية الله الإمام السيد محمد الحسني البغدادي؟ فقال إنه جدّي، فقلت له إذاً أنت نجل السيد كاظم، فقال نعم، فقلت له وصلنا إلى حيث المشترك.

             والحسني البغدادي الكبير هو الفقيه الموسوعي الثقافة والمنشغل بالتاريخ مفهوماً ومنهجاً ورؤية فلسفية، وخصوصاً التاريخ الإسلامي القديم، ولاسيّما ” الرسالة المحمدية” وما بعدها في ” الخلافة الراشدية”، وينتمي لأسرة علمية ضمّت عدداً من الفقهاء والمحققين والشعراء، وكانوا يلقبّون بآل العطار نسبة إلى جدهم الأكبر السيد “محمد العطار” الذي كان في سوق العطارين في منطقة الشورجة ببغداد. والإمام محمد الحسني البغدادي هو ابن صادق بن محمد بن راضي بن حسين بن أحمد بن محمد العطار البغدادي، ويتواشج نسبه بالسيد الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، وقد ولد في مدينة النجف في 25 حزيران (يونيو) 1881. وتتلمذ على يد ابيه وعدد من أفقه علماء عصره مثل الآخوند ملا محمد كاظم الخراساني وشيخ الشريعة الأصفهاني ومحمد سعيد الحبوبي وباقر الجواهري وضياء الدين العراقي والميرزا محمد حسين النائيني، الذي ظلّ ملازماً له نحو عقدين من الزمان. وأظهر الحسني البغدادي تفوّقاً متميّزاً، واهتمّ منذ مراحل دراسته الأولى بالتاريخ العربي- الإسلامي إلى جانب الفقه والأصول والأدب، وحصل على مرتبة الاجتهاد عشية ثورة العشرين، ولم يكن قد بلغ نهاية عقده الرابع، حيث تفرّغ للبحث والتدريس. وهو “المدرّس الفقيه”، و”الفقيه المدرّس″ على حدّ تعبير المؤرّخ الموسوعي حميد المطبعي، الذي يقول عن مجلسه الأدبي أنه أثمر عن مجادلات فكرية منفتحة . ومن أهم مؤلفاته بحثه الجامع الموسوم ” التحصيل في أوقات التعطيل”، ويقع في 6 أجزاء، ولم يطبع منها سوى الجزء الأول والثاني والثالث والرابع (مؤسسة دار النبراس، النجف، 2005) وكما علمت من السيد الحسني البغدادي (الحفيد) بأن الأجزاء المتبقية لا زالت مخطوطات، الأمر الذي يقتضي بذل الجهود وتقديم الدعم لكي يرى الجزءان الأخيران النور، ويطّلع عليها الباحثون بشكل خاص والقرّاء بشكل عام، خصوصاً وهي سفر واسع في التاريخ والأدب والرجال والعقائد والفقه والأصول.  وكذلك كتبه “خير الزاد ليوم المعاد” و”مناسك الحج” و”حاشية على العروة الوثقى” (1956) و” أرجوزة الصوم والاعتكاف والخُمس″ وكتب أخرى لعلّ من أهمّها كتاب “وجوب النهضة لحفظ البيضة”(1967) وقد حققه “الحفيد” أحمد الحسني البغدادي وأطلق على تسميته “وجوب النهضة- رؤية تأسيسية استباقية حول الجهاد الدفاعي” الذي سنأتي على ذكره  . وعُرف عن الحسني البغدادي، صلابة الموقف وشجاعة الرأي والوضوح في التعبير، إضافة إلى الوطنية العراقية والتوجّه العروبي الوجداني. وقد توفّي الإمام الحسني البغدادي في 2 كانون الأول (ديسمبر) 1973?بعد مسيرة طويلة حفلت بمواقف سياسية جريئة ووجهات نظر دينية إشكالية، لعلّها شكّلت أحد أبرز ملامح شخصيته.

الحقيقة نادراً ما تكون خالصة وليست بسيطة قطعاً

أوسكار وايلد

مؤشرات الذاكرة

            قال لي السيد أحمد الحسني البغدادي “حفيد” البغدادي الكبير “أنتم أخوالنا”، فعدتُ بذاكرتي إلى النجف وإلى نحو أربعة عقود مضت وكنّا حينها في أواخر التسعينات، وحاولت أن أستعيد صورة السيد أحمد “الحفيد”، خصوصاً حين اعتمر العمامة في مطلع الستينات، وكان يومها فتى نحيفاً حتى أن عدّة ملابس رجل الدين والعباءة الخفيفة التي ارتداها كانت تبدو فضفاضة عليه، وفي وجهه النحيل المتّسم بالسماحة والطيبة، أخذت تنبتُ شُعيرات سوداء، حيث يكتمل المشهد مع العمامة السوداء والسالفين السوداوين والحاجبين اللذين يعلوان عينيّه المشعّتين الموحيتين بالكثير من الانتباه واليقظة. وكان السيد “الحفيد” حين يحاول أن يداري خجله أحياناً ترتسم على شفتيه ابتسامة خفيفة، ليزيل الحاجز، فيبدأ بالحديث أو بالسلام وأحياناً بالأسئلة. تذكّرت ذلك الفتى “الملاّئي” كما كنّا نقول، وهو يستقبل زوّار مجلس جدّه العامر ذي المنزلة الرفيعة والمهابة الكبيرة والجرأة المعهودة. وكانت ” الملّائية” وصفاً نعتمده في تصنيف بعض أبناء العوائل الدينية في الحوزة الدراسية، وذلك للتفريق بينهم وبين العوائل الدينية الأخرى ممّن انخرطوا في الحضرة العلوية بموجب فرامين سلطانية منذ عهد الدولة العثمانية. وإذا كان “الملّائيون” يعتمرون العمائم السوداء (السادة الذين ينتسبون إلى الرسول) أو البيضاء (لباس رجال الدين في الحوزة من غير السادة)، فإن خدم حضرة الإمام علي، كانوا يضعون ” الكشيدة” على رؤوسهم  وهي طربوش أحمر اللون يتميّز بها “السيد” الذي ينتسب إلى الرسول عن ” العامي” خادم الحضرة من غير السادة، حيث يلفّ الأول الشريط الأخضر وسطها وحتى أسفلها، في حين يلفّ غير السيّد الشريط “البيج” المائل إلى الأصفر والسكّري، وهؤلاء توارثوا ” المهنة” عن الآباء أيضاً، ومن بينهم عدد كبير من أفراد عائلتنا، على الرغم من أن جدّي لأبي “جابر شعبان” وقبله والده الشيخ جواد شعبان وجدّي لأمي “حمّود شعبان” ووالده عبد الحسين شعبان امتهنوا التجارة وسلكوا طريق العمل المهني ودفعوا بأبنائهم إلى الجامعات، فتخرجوا أطباء ومحامين ومن كلّيات مختلفة، مع أنّه كان يحقّ لهما بحكم الفرامين السلطانية الخدمة في حضرة الإمام علي، لكنهم فضّلوا العمل الحر والتجاري تيمنّاً بآبائهم، مثلما كان لهم مكانة دينية فلهم مكانة اجتماعية، إضافة إلى مكانتهم التجارية والمالية. استعدتُ تلك الصور مثل شريط سينمائي يمرّ من أمامي وأنا في حديث شيّق وممتع عن الذكريات حين زارني السيد الحسني البغدادي ” الحفيد” يوم كنت أمكثُ في فندق “الفردوس تاور” بدمشق، وأخذت أسترجع تفاصيل تلك الأيام مع نفسي، حيث كانت الأضداد تتجاور أحياناً في هارموني متناسق، لكن الزمن والظروف التي مرّ بها العراق غيرّتها، وأخذ التباعد يزداد شقّة واتّساعاً. وقد رويت في مقالة كتبتها عن المفكر الإسلامي السيد محمد باقر الصدر (أواخر التسعينات)” حلّق في سماوات بعيدة وسبح في بحور عميقة” نشرت في صحيفة المنبر التي كان يصدرها السيد حسين هادي الصدر في لندن، وفي مناسبات أخرى لبعض قضايا التعايش والصراع والحوار، لاسيّما بين الشيوعيين والإسلاميين، وفي الوقت الذي كانت العائلة الواحدة والزقاق الواحد والمحلّة الواحدة تضم دينيين وغير دينيين ، متديّنين وغير متديّنين، شيوعيين وبعثيين وقوميين وإسلاميين، حيث لم تجد ضيراً أو بأساً في تلك  الاختلافات والتعارضات التي كانت تمثّل شكلاً مميّزاً من الفسيفساء الجميلة أو الموزائيك بتعدّد الصور والمشاهد، فإذا بتلك اللوحة تتشقق وتنثلم وتتشوّه بعض ألوانها، في حين أنها كانت تعبّر عن طبيعة منسجمة للمجتمع العراقي المتعايش المتفاعل والمختلف في آن، حيث يجتمع الكلُّ في إطار “حق” لم يمنحه أحد لأي أحد، لكن الجميع ظلّ يتشبّث به ويحاول الدفاع عنه وأعني بذلك ” حق الاعتقاد” .

إذا وجدت نفسك مع الأغلبية، فآن الأوان للتغيير

مارك توين

انقطاع خط التطوّر التدرّجي

            للأسف خلخلت ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 هذه الصورة وهزّت أركانها، بل إنها قطعت خطّ التطور التلقائي والاعتيادي دافعة البلاد كلّها نحو العنف باتجاهات ضيقة سارت عليها اختياراً أو اضطراراً، ولكن بالتدرّج أصبح المشهد آحادياً، خصوصاً بعد هيمنة العسكر على مقاليد السلطة، ناهيك عن عدم الوعي أو ضعفه، إزاء محاولات الانفراد بالحكم، سواء من فرد أو حزب أو مجموعة سياسية، الأمر الذي ضاعف من تضبّب الرؤية التي أصابت الجميع على حين غرّة، خصوصاً بالصراع التناحري الإلغائي لاسيّما  حين يغيب العقل ويتم التعامل بردود أفعال قصيرة النظر، دون إدراك لخطورة إقصاء الآخر ومحاولات إزاحته أو تهميش دوره، لاسيّما إذا استخدمت العنف وسيلة لتحقيق الأهداف، ذلك أن ممارسة العنف ضد الآخر لإجباره على الانصياع لما هو سائد ومطلوب، إنما هو ممارسة ضد الذات في الوقت نفسه، فالعنف الذي يوجّه ضد الآخر المختلف والمغاير، إنما هو موجّه لمن يمارسه أيضاً، إذْ سيكون نزعاً لإنسانيته وتخديراً لضميره، سواء من سلطة أو حزب أو مجموعة طائفية أو جماعة إثنية. وساهمت هذه الأسباب ومعها أسباب أخرى في جعل التناقض تناحرياً والاختلاف عدوانياً، وهكذا حلّت دورة من العنف والعنف المضاد، واستمرّت في إنتاج أشكال جديدة ومختلفة وغير مألوفة، كانت أقرب إلى عمليات استئصال أو إبادة، انخرط الجميع في مسرحها ومارسوا لعبتها وبقدر تعرّض كل منهم لأذاها، فقد كانوا في الوقت نفسه ضحاياها.  ومقارنة بالعنف الذي ساد في العهد الملكي وهو مدانٌ ومرفوضٌ، فإن العنف الذي ساد في العهود الجمهورية فاقه بما لا يمكن المقارنة بمئات ، بل بآلاف المرّات، وهو ما شهده العراق في تصفيات واحترابات داخلية ووصل ذروته في ظل حروب لا مبرّر لها وحصار دولي جائر واحتلال بغيض، وذيوله الطائفية- الإثنية المحاصصاتية. كان التباعد قد حصل بين القوى السياسية بعد الثورة بسبب محاولة اليسار والحزب الشيوعي الهيمنة على الشارع وعزل الآخرين واحتكار حق العمل السياسي والمهني، خصوصاً حين اصطفّ الشارع باتجاهين متصارعين الأول مثّله الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردي “الكردستاني” (حليفه) وهو اتجاه قريب من عبد الكريم قاسم قائد الثورة الأول، والثاني مثّله التيّار القومي الذي ضمّ البعثيين والقوميين العرب بأجنحتهم المختلفة، وهؤلاء قريبون من قائد الثورة الثاني عبد السلام محمد عارف وهو من المؤيدين لجمال عبد الناصر والداعين للوحدة الفورية معه، وانضم إلى هذا التيّار من تضرّرت مصالحه من الذين خلعتهم الثورة وأجهزت على امتيازاتهم، في حين كان التيّار الشيوعي واليساري أميل إلى فكرة الاتحاد الفيدرالي، وهو ما رفع شعارها مؤكداً على صداقة الاتحاد السوفييتي. وإذا كان كلا الاتجاهين والشعارات التي رفعاها عاطفيين وطفوليين ودخلا في صراع عبثي لا يزال البعض مستغرقاً فيه إلى الآن ولا يستطيع أن يخرج منه، فإن التيّار الوسطي الاعتدالي في الحركة الوطنية العراقية ضاع بين الإثنين، وأعني به الحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي وشخصيات أخرى كانت تريد للبلاد السير في طريق التحوّل الديمقراطي الدستوري بعد الثورة، لاسيّما بإجراء انتخابات تشريعية وإعداد دستور دائم وإنهاء فترة الانتقال ووضع البلاد على عتبة التطور الدستوري وحكم القانون. وكان ردّ فعل الآخرين وخشيتهم من التحوّل الذي أحدثته الثورة، هو اللجوء إلى وسائل مختلفة للتصدّي للتيّار الأول، وخصوصاً لبعض ما تحقّق من منجزات ومكاسب أقدمت عليها الثورة بشجاعة في العام الأول من عمرها، الأمر الذي جعل التباعد يزداد بين الفريقين، وهكذا شعر “التيّار القومي” باستهدافه، عبر محطات عديدة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر: مثل الدستور العراقي المؤقت الذي أقرّ بشراكة العرب والأكراد في الوطن العراقي، وإصدار قانون رقم 188 لعام 1959 بخصوص “الأحوال الشخصية”، وقبل ذلك قانون الإصلاح الزراعي الذي صدر في 30 أيلول (سبتمبر) العام 1958? وما كان مطروحاً من أهداف اجتماعية تجسّدت لاحقاً بقانون رقم 80 لعام 1961 بشأن استعادة 99.5% من أيادي شركات النفط الاحتكارية من الاستثمار في الأراضي العراقية وغيرها.  واستهدف التحرّك المضاد معاكسة التيّار الشيوعي واليساري وإبعاده عن دائرة الحكم، باستغلال أخطائه وانتهاكاته، ولاسيّما ما حصل في أحداث الموصل (آذار/ مارس/ 1959) وبعد حركة العقيد عبد الوهاب الشوّاف، من تجاوزات وارتكابات خارج القانون وقتل دون محاكمة كما حصل في محكمة الدملماجة حيث قتل خارج القضاء 17 شخصاً بمحاكمة صورية سمّيت ” محكمة شعبية”، وكذلك ما حصل في أحداث كركوك بمناسبة الذكرى الأولى لثورة 14 تموز (يوليو) 1959? حين تعرّض التركمان إلى أعمال عنف وارتكاب راح ضحيّتها عشرات منهم، خصوصاً وإن الصراع القومي “الكردي – التركماني” لم يكن بعيداً عنه، الأمر الذي أضعف من مكانة الحزب الشيوعي، وجعله هدفاً للنقد وهو ما دفع الزعيم عبد الكريم قاسم إلى شن هجوم شديد عليه في خطابه الشهير في بغداد في كنيسة مار يوسف.

            وإذا كان البعثيون والقوميون قد اتجهوا للعمل العسكري والتحضير لانقلابات للإطاحة بحكم عبد الكريم قاسم للانتقام من الشيوعيين، فإن الإسلاميين ولاسيّما رجال الدين لجأوا إلى إصدار الفتاوى بتحريم الشيوعية والانتساب إلى الحزب الشيوعي والضغط على الحكومة لإلغاء قانون الأحوال الشخصية وقانون الإصلاح الزراعي وحلّ المقاومة الشعبية وغيرها. وبعد مرور ستة عقود من الزمان كيف نقرأ ما حدث؟ ثم كيف نستفيد من الأخطاء؟ وبعد ذلك هل نجرؤ على تقديم نقد ذاتي لما حصل؟ فلم يعد التشبّث بالماضي والزعم بامتلاك الحقيقة وتخطئة الآخر وادّعاء الأفضليات كفيل بالوصول إلى شاطئ السلام. كما لم يعد تعليق كل شيء على شمّاعة الآخر مجدياً أو نافعاً كل ذلك مرّ على العراق ويبدو إن من تعلّم الدرس واستفاد من التجربة لا يزال قليلاً، ولعلّ ذلك يذكّرني بطريفة كان يردّدها زكي خيري القائد الشيوعي المخضرم الذي تم عزله لموقفه المختلف من الحرب العراقية- الإيرانية ودعوته للدفاع عن الوطن، وهي تقول إن “التجربة أنكس برهان” (بمعنى أسوأ) لأننا لا نستفيد من تجاربنا.  والأمر لا يخصّ الشيوعيين وحدهم، بل إن الآخرين بعثيين وقوميين، عرباً وكرداً، وإسلاميين بمختلف ألوانهم ركبوا في ذات السفينة وأكلوا من نفس صحن الآيديولوجيا الشمولية، بل استمرأوه لدرجة التلذّذ، وهكذا عاش الجميع في جزر منعزلة وكل منهم له فردوسه الخاص، في حين يرى أن مصير الآخرين في جهنم ، سواء السماوية أو الأرضية.

            وبعد حين وجد الشيوعيون أنفسهم مع الإسلاميين منذ أواخر السبعينات وجها لوجه ليس في مواجهة بينهما، بل في السجون والمعتقلات دون أن ينطلق الحوار بينهما، مثلما وجد الشيوعيون والبعثيون أنفسهم، وجهاً لوجه في السجون بعد انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963? وهكذا دارت الدائرة على الجميع، وخصوصاً في فترة حكم البعث الثانية بعد انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 وهيمنة صدام حسين على الحكم العام 1979? ولم يسلم منها حتى البعثيون أنفسهم حيث ابتدأت هذه المرحلة بمجزرة قاعة الخلد التي راح ضحيتها قادة ومسؤولون بعثيون، ولاذ الآخرون بالصمت والدعاء” للقائد الضرورة”. وهو ما سبق أن وثّقته في كتابي الموسوم ” عامر عبدالله – النار ومرارة الأمل”- فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية، دار ميزوبوتيميا، بغداد، 2013.

            وعلى ذكر الحوار الشيوعي – الإسلامي، فقد أصدر حزب الدعوة العام 1981 وثيقة عنونها باسم “بيان التفاهم” كان لي شرف التعليق عليه بالإيجاب في جريدة “طريق الشعب” حينها، واعتبرت ما جاء فيه يصلح أن يكون مادة للحوار للوصول إلى المشتركات السياسية مع الأطراف الأخرى، ولكنني فوجئت مثل غيري أنه تم سحب هذا البيان، بل ازداد الحزب تشّدداً بالترافق مع تطوّرات الحرب العراقية -الإيرانية، وانحسار التمدّد العراقي، وانعطافات الموقف العسكري لصالح إيران، حيث اضطرّت القوات العراقية للانسحاب من إيران بعد معركة المحمّرة “خرمشهر” 1982. ولم يرغب الحزب الدعوة باللقاء مع الشيوعيين إلّا بعد انتهاء الحرب وبُعيد غزو القوات العراقية للكويت فانعقدت “جبهة العمل المشترك”(كانون الأول/ديسمبر/1990) في الشام. أمّا المجلس الإسلامي الأعلى فقد رفض في العام 1996 حضور الحزب الشيوعي في اجتماعات دمشق للمعارضة العراقية، وهو ما كتبت نقداً بشأنه في مقالتين نشرتها في جريدة الحياة اللندنية في حينها.

معرفة الجهل قوة وجهل المعرفة سقم

حكمة صينية تاوية

في الدراسة الحوزوية

            تربّى السيد الحسني البغدادي “الحفيد” في كنف جدّه وتعلّم الكثير منه وتذوّق الوطنية من كأسه، وكان قد انصرف  وهو في عقده الثاني إلى الدراسة الحوزوية وتلقّى دروسه الفقهية الأولى التي تسمّى بـ “المقدّمات”، حيث يدرس فيها الطالب النحو والصرف  والبلاغة والمنطق ومقدمات لدراسة الفقه والتخصّص فيه والبديع والبيان وعلم الكلام، إضافة إلى الفقه والتاريخ. أما المرحلة الثانية فتسمّى بـ “السطوح”، حيث يدرس الطالب المتون الفقهية الاستدلالية، ومتون أصول الفقه التي تتضمّن الآراء العلمية في أية مسألة ومناقشتها ومحاكمتها والاستدلال بالرأي الذي يختاره ويتوصل إليه. وفي المرحلة الثالثة على الطالب أن يقدّم ما اصطلح عليه “بحث الخارج”، ويحضر الطالب في هذه المرحلة دروس أعلام المجتهدين في الفقه وأصوله وهي آخر المراحل الدراسية.

وحين يتخصّص الطالب بدراسة الفقه وأصوله يطلق عليه “المجتهد”، والاجتهاد يعني القدرة على استنباط أحكام الشريعة الإسلامية من أدلتها، وتلك منظومة لا بدّ من استيعابها وهي تتعلّق باللغة العربية ونحوها وصرفها وبلاغتها، إضافة إلى علم المنطق وعلم الكلام والعرفان وعلم الرجال والتفسير والحديث وشيء من الفلسفة. وهذه الأخيرة ظلّت غائبة عن المدارس الحوزوية، مع استثناءات محدودة جداً أخذت طريقها في العقود الأخيرة الماضية، حيث ارتفعت دعوات للمطالبة بإعادة النظر بالمناهج الدراسية في الحوزات الدينية وتطويرها وإدخال أساليب وطرق جديدة في التدريس بما ينسجم مع التطورات في حقول التربية والتعليم على المستوى العالمي. وكان من أبرز من اهتمّ بالفلسفة آية الله عبد الكريم الزنجاني الذي سيأتي ذكره، فقد تعمّق فيها واستوعب أسسها وحاول أن يخصصها للمنهج الحوزوي الجديد بوصفها “أم العلوم” بطريقة بدت هادئة وسلسة، وإن كانت محدودة .

 

2

كل إصلاح مفتاحه الفكر الديني

توماس هوبز

            توطئة

            حين هاتفني الصديق فوزي الراوي (عضو القيادة القومية لحزب البعث- سوريا) إلى فندق ” الفردوس تاور” (برج الفردوس) بدمشق، سألني إنْ كنتُ أعرف سماحة السيد أحمد الحسني البغدادي، وقبل أن ينتظر جوابي قال إنه يعرفك جيداً، ثم خاطبه قائلاً تكلّم مع د. عبد الحسين شعبان بعد أن نقل سماعة التلفون إليه، وجاءني صوته رهيفاً وعميقاً ومؤثراً بالسلام والسؤال عن الصحة والعائلة، وإنه من المتابعين جداً لكتاباتي ومواقفي.  ولكي أتأكّد مَنْ يكون محدّثي سألته ما الذي يربطك بآية الله الإمام السيد محمد الحسني البغدادي؟ فقال إنه جدّي، فقلت له إذاً أنت نجل السيد كاظم، فقال نعم، فقلت له وصلنا إلى حيث المشترك.

            وتلكم هي المراحل التي مرّ بها “الحفيد”، حتى تمكّن من الفقه وحاز لقب “حجّة الإسلام والمسلمين” ثم “آية الله”، ونال الدرجة العلمية في استنباط الأحكام. وكان الفتى المتديّن الذي سيندمج في عالم الفقه واللغة والتاريخ والوطنية في الوقت نفسه، يفكّر بهمّ الوطن على طريقته الخاصة، ولعلّه وجد ضالته في البداية في تنظيم أسَّسه عز الدين الجزائري وكانت أهدافه ثقافية واجتماعية ودينية اتسمت بنوع من الغموض، لكن وجهتها السياسية بدأت مع ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 وضمّت مجموعة متميّزة ومتحمّسة من الشباب بينهم محمد صالح الحسيني الذي اغتالته المخابرات العراقية في بيروت العام 1981 والسيد البغدادي “الحفيد” ومحسن عباس زاغي وعبد الأمير الدخيّل شقيق العضو القيادي البارز في حزب الدعوة عبد الصاحب الدخيّل الذي أعدم في مطلع السبعينات وأطلق على ذلك التنظيم حينها “حركة الشباب المسلم”. وكان للحركة منهاجاً سمّي “دستوراً” و”نظاماً” داخلياً وأصدرت بعض النشرات وكان شعارها ” مجتمع مسلم ودولة إسلامية: سعادة الدنيا ونعيم الآخرة” وقد أورد الباحث صلاح الخرسان بعض التفاصيل عنها (أنظر: صلاح الخرسان – حزب الدعوة الإسلامية: حقائق ووثائق، فصول من تجربة الحركة الإسلامية في العراق خلال 40 عاماً (دمشق ، 1999 ط /1) .

            وكان هذا التنظيم الذي تخلّى عنه لاحقاً بعض أعضائه قد استمرّ على نحو مختلف بقيادة الجزائري ليؤسس “حركة الشباب العقائديين”، لمواجهة المدّ الشيوعي، ومعه مجموعة صغيرة أخرى أسست ما سمّي  ” شباب العقيدة والإيمان” وكان من بين موجهيها السيد محمد علي المرعبي شخص يدعى عبد الرزاق التورنجي وهو إيراني الأصل، ويلبس العقال والكوفية ويجتمع ببعض الإسلاميين في الصحن العلوي، وقد شكّك الإسلاميون به لاحقاً واتهموه بالعمل لصالح الأجهزة الأمنية، وكانت حركته وعلاقاته تتّسم بالغموض والإبهام، والغريب أنه في أيام مرجعية ” الخوئي” أصبح وكيلاً رسمياً له، وقد اعتمر العمامة ” البيضاء” ولقّب نفسه بالشيخ عبد الرزاق الواعظ ( وهو ليس من آل الواعظ في بغداد وهم عائلة سنّية معروفة أو من آل الواعظ في النجف وهم أسرة شيعية وشيوعية معروفة).

            ولعلّ هذه الارهاصات التنظيمية الأولى تفاعلت مع غيرها، وكانت جزءًا من “حركة إسلامية” تداخلت مع حركات أخرى وعُرفت لاحقاً باسم “حزب الدعوة” الذي تأسّس كردّ فعل للمدّ الشيوعي الذي بدأ بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958.

من أنصف الناس من نفسه رصين به حكماً لغيره

الإمام الصادق

الخؤولة

            أما عن الخؤولة التي يتحدّث عنها السيد البغدادي (الحفيد)، فلها أكثر من بعد، فعمّي الدكتور عبد الأمير شعبان الذي درس الطب في أواخر الثلاثينات وتخرّج طبيباً من كلية الطب في بغداد قبل ولادتي في الأربعينات، تزوج في العام 1948من العلوية زهراء مهدي الحسني ابنة عم السيد أحمد الحسني البغدادي.

            ليس هذا فحسب، فالصلة لها تشابكات أخرى، حيث أن صادق الحسني البغدادي، هو شقيق زوجة عمّي الدكتور عبد الأمير شعبان الذي كان يلقّبه لؤي أبو التمن، بالحجّة أو “الداروغة”، وأظنّها كلمة إيرانية، أي “الفهيم” و”العارف” و”المطّلع″، وحسب القاموس تعني “الشريف”، وعمّه هو السيد البغدادي الكبير، وكان صادق عضواً في الحزب الشيوعي وكم من مرّة اعتقل وفرّ من بغداد إلى النجف وبالعكس.

            وأتذكّر أن صادق الحسني البغدادي في العام 1960 أو العام 1961 اعتقل، فاعترف أنه شيوعي، ولما كان هذا الاعتراف دليل إدانة وبخط يده، فقد ضغطوا عليه ليدلي باعترافات على رفاقه، وتحمّل ضرباً مبرحاً، لكنه قال لهم أنه لن يبوح لهم بذلك، سواء كان شيوعياً داخل التنظيم أو شيوعياً بالفكر والعقيدة، وعبثاً حاول عمّي د. عبد الأمير الطلب منه تغيير إفادته لإطلاق سراحه، لكنه رفض ذلك، قائلاً وما العيب في أنني شيوعي؟

            وكانت لصادق الحسني آراء غريبة وغير مألوفة أحياناً وكأنه على حدّ تعبير أحدهم يبحث عن المعركة في حين يُستدرج إليها الآخرون، أما هو فقد كان على العكس يستدرج الآخرين ليجرّهم إلى معركته. ولاستكمال الحكاية فقد تمكّن عمّي بعد ذلك وبمساعدة من والد ناجي طالب أحد قادة ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 والوزير بعد الثورة ورئيس الوزراء في عهد الرئيس عبد الرحمن محمد عارف في النصف الثاني من الستينات “الحاج طالب”، الذي كان صديقاً له وطبيبه الخاص في “سوق الشيوخ” منذ أواسط الأربعينات، من إطلاق سراحه، حين تم نقله إلى معتقل بالناصرية فكان للواسطة أثرها في تغيير الإفادة وأغلقت القضية، ثم أطلق سراحه.

            وقد رويت في مداخلتي عن وميض عمر نظمي عن حوار دار بين ناجي طالب وبيني في بغداد العام 2003? حين بادرته بالشكر قائلاً حتى وإنْ جاء متأخّراً، لكنه واجب واعتراف بالجميل الذي لا يُنسى، لأنه أسهم في إطلاق سراحي (العام 1963) من خلال برقية أرسلها الحاكم العسكري العام رشيد مصلح، وكذلك في إطلاق سراح عمّي شوقي الذي كان معتقلاً في النادي الأولمبي، وبعدها في القلعة الخامسة “الموقف العام”، واستغرب الرجل، وأخبرته بأن ذلك تمّ عن طريق والده ولقائه بعمّي د. عبد الأمير شعبان، وكان قد أشاد به وبصداقته لوالده.

            وكانت مفاجأة مفرحة وبداية حديث تعزّزت فيه الثقة، فقد استمعتُ إلى وجهات نظر ذلك العسكري الرفيع المستوى وأحد أبرز الضباط الأحرار، سواء في التاريخ أو عن وجهة نظره الراهنة حينذاك أو عن رؤيته للمستقبل،  ليس هذا فحسب بل أخبرته أننا كنّا طيلة الخمسينات وحتى أواخر الستينات نأكل التمر بأنواعه النادرة من بساتينهم، حيث تصل “حصتنا” سنوياً. وفي لقاءات لاحقة كانت دائرة الحضور تتّسع لصبحي عبد الحميد وعبد الحسين الجمالي ووميض عمر نظمي والشيخ جواد الخالصي وآخرين.

            وما دمنا نستعيد في الذاكرة السيد صادق الحسني البغدادي ابن شقيق البغدادي الكبير، فقد اعتقل ليومين في مقر الحرس القومي في النجف في العام 1963 التي جاءها هارباً من بغداد، حيث كان والده السيد مهدي الحسني البغدادي عالم الدين المعروف يسكن في الكرخ “محلة التكارتة” ويصلّي في جامع “الرحمانية”، وقد أطلق سراحه لعدم التعرّف على شخصه من جهة وبعد تدخّلات من جانب السيد البغدادي الكبير مدعوماً بطلب من الشيخ كاشف الغطاء من جهة ثانية، حيث أرسل الحاكم العسكري العام رشيد مصلح برقية لإطلاق سراحه، ثم قام بتهريبه إلى إيران الشيخ وهاب شعبان (خادم الحضرة العلوية) والشيوعي المعروف والسجين لأكثر من مرة في الخمسينات، وكان معتقلاً معنا بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 كما عمل معنا في التنظيم الجديد بعد الانقلاب البعثي. وكان طريق الهروب سالكاً عبر البصرة فعبادان، وهو الطريق ذاته الذي سلكه الشاعر مظفر النواب الذي خلّده بقصيدته الشهيرة “وتريات ليلية”  والتي يقول فيها:

            وعرفت بأن النخلة في “عربستان” انتظرتني قبل الله

لتسأل:

إن كان الزمن المغبر

غيّرها

قلتُ: حزنتُ

فأطبق صمتٌ. وبكى النخلُ. وكانت سفنٌ في

آخر شط العرب احتفلت بوصولي،

ودعني

النوتي وكان تنوخيّاً تتوجّع فيه اللكّنة:

قال إلى أين الهجرة؟

فارتبك الخزرجُ والأوسُ بقلبي

ومسحتُ التنقيط من الحدس

لئلا يقرأني الدرب

وسيطر سلطان نعاس الصبح

……………

            وعاد وهاب شعبان إلى العراق بعد أن أكمل المهمة على أحسن وجه، أما صادق الحسني فبقي في طهران حتى حصل انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1963 فرجع الحسني إلى العراق وتصدّعت علاقته بالحزب بعد خط حزيران (يونيو) آب (أغسطس) العام 1964 فرفض العمل في صفوف الحزب، معتبراً ذلك نوعاً من العبث والتخلّي عن قيم الحزب وتاريخه الثوري.

            وددتُ من خلال هذا الاستطراد أن أشير إلى أن الكثير من أبناء العوائل الدينية، شيعة وسنّة كانوا قد انتسبوا إلى الحركة الشيوعية، وعائلة الحسني الكبير واحدة منها، مثل عوائل الحكيم وبحر العلوم والجواهري والشبيبي والرفيعي وشعبان والخرسان والمخزومي وسميسم والدجيلي وشريف والصراف (شكر) وغيرهم، كما هي عوائل عزيز شريف وعامر عبدالله وتوفيق منير وغيرهم من آل العاني والآلوسي والنقيب والخطيب.

            وتتشابك عائلة الحسني البغدادي مع عوائل عديدة منهم عائلة الهاشمي أو ما كانوا يعرفون “بيت شاه عبد العظيم”، ومنهم من انتسب إلى الحزب الشيوعي أو كان صديقاً له مثل أولاد السيد حسن (الذي كان يضع الكشيدة ذات الشريط الأخضر فوق رأسه وهو يمتهن  تجارة الأقمشة)، وأقصد بذلك محسن ويوسف وهما، إضافة إلى صادق الحسني وشوقي شعبان من أصدقاء السيد كاظم الحسني البغدادي، وكانوا يلتقون به في بغداد وكان لي نصيب المشاركة في هذه اللقاءات، وأحياناً يطلعنا السيد كاظم على علاقته ومطالباته من سلطة عارف.

            ومن عائلة الهاشمي السيد صاحب وهو صديق لعمّي ضياء ولمعين وناصر شعبان (خالي)، وشقيقه السيد علي وكان على ملاك اليسار وولده عباس خريج كلية العلوم وأحد نشطاء الحركة الطلابية خلال الانتخابات في الستينات وشقيقيه، فاضل وإحسان الذي استشهد في بشت آشان العام1983 خلال المعارك مع الاتحاد لوطني الكردستاني تمهيداً لتحالف الأخير مع سلطة بغداد آنذاك، وتتشابك هذه العلاقة مع الشيوعيين واليساريين من آل شعبان وعوائل أخرى.

            ما يقلقني بخصوص الدين،

 أنه يعلّم الناس أن يرضوا دون أن يفهموا

ريشارد دوكينز

            في لبّ الصراع السياسي

            وحين جرت ضغوط لإصدار فتوى ضد الشيوعية والشيوعيين في أواخر العام 1959 ومطلع العام 1960 كنّا نعرف من خلال متابعتنا بأن رأي السيد البغدادي الكبير ليس مع تكفير الشيوعيين أو دمغهم بالإلحاد، خصوصاً وأنه كان يردّد أن الكثير منهم لم يفهموا المذهب المادي بقدر ما كانت أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والظلم الواقع عليهم هي التي تدفعهم إلى الانتماء إلى الحزب الشيوعي.

            وحتى حين أصدر السيد البغدادي الكبير ” فتواه” في العام 1964 وهناك من يميل إلى أنه كتب ” رأياً” وليس ” فتوى” بخصوص الشيوعية، كما سيأتي ذكره، حاول التفريق بين ما يسمّيه ” العوام ” الذين لم يتبعوا منهج الإلحاد أو يدعون إليه، وبين من يحاول فلسفة الأمر للمادية والإلحادية، علماً بأن الأغلبية حسب وجهة نظرة هم من الشيعة، وهذا يعني إنه سيزيد الحمل عليهم، وهم تعرّضوا لأعمال قمع تاريخية ولظروف اقتصادية واجتماعية دفعتهم إلى الانخراط في صفوف الحزب الشيوعي.

            وإذا كانت هذه وجهة نظره حين أصدر السيد الحكيم “فتواه”، فلذلك أسباب أخرى، سنبيّنها لاحقاً فيما يتعلّق بعلاقات المراجع ومنافساتهم وصراعاتهم المبدئية وغير المبدئية، ولاسيّما علاقة السيد البغدادي الكبير بالسيد الحكيم الكبير، ولكن البغدادي عاد وغيّر رأيه وأصدر “فتوى” أو كتب “رأياً” ووضعه في مكتبته من باب الاحتراز والحيطة والتقيّة، سواء كان مقتنعاً به أو أنه كتبه ليردّ به على اتهامات وإشاعات حاولت ” المرجعية الرسمية” ترويجها ضده، أو لأنه بعد حين شعر بأنه لا ينبغي أن يكون خارج المألوف في هذه القضية بالذات، فسرّب هذا “الرأي” أو سمح بنشره أو سكت عنه، كي يبدو ضمن الإطار السائد.

            وكان رأيه ضد الشيوعية قد صدر في عهد عبد السلام عارف كما سنأتي على ذكره، بعد نحو 4 سنوات عن صدور فتوى السيد الحكيم، حيث كتب في موسوعته الإسلامية “التحصيل في أوقات التعطيل” حول إشكالية التوقيت (المقصود توقيت إصدار الفتوى) وتوظيفها ضد الشيوعيين، لكن الأمر اتخذ طابعاً آخر حين نشر الشيخ محمد هادي الأميني رأي البغدادي نقلاً عن مخطوطات مكتبته، وكان قد وضع ذلك الرأي أو تلك الفتوى في ترجمته، الأمر الذي شاع حينها بأنه أصدر فتوى، وهو ما سنتوقّف عنده في مكان آخر من هذه الدراسة.

            وكانت الأخبار تصل إلينا عبر السيد صادق الحسني الذي كان له مجسّاته الخاصة وطرقه المختلفة في الحصول على الأخبار، وأحياناً توليفها بحبكة درامية مثيرة، خصوصاً وهو حين يتحدّث كان يحاول أن يظهر وكأنه “شبكة أخبار” أو ” وكالة أنباء” لديها مصادر خاصة تستقي المعلومات منها، وهو ما كان شغوفاً به حتى آخر أيام حياته، وأتذكّر إنني إلتقيته في سوريا حين وصولي إلى دمشق العام 1980? وكان يجتمع حوله عدد من الأصدقاء وهو ينقل لهم بعض الأخبار الطازجة من العراق. وحين انفرد بي حاول أن يعتصرني وينتزع ما لديّ من أخبار، ولأني أعرف “هوايته” و” شغفه” زوّدته بما أستطيع، وفي اليوم التالي كان يجتمع بكادرات حزبية وشخصيات عراقية، وهو ينقل لها باقة الأخبار بطريقته الخاصة المشوّقة والمُقنعة.

            وحتى وهو خارج الحزب الشيوعي كان ينقل لنا الأخبار، خصوصاً بعد أن تعزّزت علاقته مع السلطة في العراق التي حدثت لأول مرة في العام 1968  أي بعد الانقلاب البعثي الثاني، حيث ارتبط بعلاقات صداقة قوية “كرخية” مع صدام حسين التكريتي، وكان قد حاول الذود عنه في العام 1959 خلال المدّ الشيوعي كما يقول، ويبدو أن صدام حسين حين أصبح في موقع القرار لم ينس ذلك وكان قد التقاه في “جمعية الاقتصاديين العراقيين” على نحو خاطف بعد 17 تموز (يوليو) العام 1968 بأيام، وأعطاه أرقام هواتفه وطلب منه الاتصال به.

 لا تُدرك الحقيقة إلّا عندما تُفنى

جلال الدين الرومي

            قريباً من خط “حنين”

            وكان صدام حسين قد حاول أن يستجمع عدداً من الأشخاص حوله ممن عرفوا بالشجاعة أو خوض المعارك أو ما يسمّى بالعرف الشعبي “الشقاوات” وكان “الحجة” يعدّ واحداً منهم وإنْ لم ينخرط في المعارك، لكنه كان غير هيّاب، وهكذا قرّبهم إليه ويبدو إنهم ارتبطوا بخط “حنين” الصدامي العنفي، تأسس قبل انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 وتحوّل لاحقاً إلى ما سمّي “دائرة العلاقات العامة” نواة جهاز المخابرات العراقي. وحين سألنا “الحجة”: كيف حصل ذلك؟ برّر بالقول أنه يقوم بمساعدة الدولة في كشف أوكار التجسس وأنه مكلّف بمهمات خاصة وطنية ولا علاقة لها بالسياسة الداخلية، ويبدو أن ثمة مهمات أخرى أوكلت له منها إنه حاول أيضاً عقد لقاء بين صدام حسين وكاظم الصفار.

            وأتذكّر أنني كنت قد عدتُ من القاهرة (شباط/فبراير 1969)? حيث كنت أزورها للمشاركة في اجتماع طلابي عالمي، على الرغم من أنني كنت قد تخرّجت من الجامعة قبل ذلك لكن الحزب قرر انتدابي مجدداً لهذا الميدان، واتّضح أنّ الاجتماع نقل إلى فارنا ولم يكن لنا علم بذلك بسبب ظروف عملنا السرّية، وقد التقيت هناك بالشاعر عبد الوهاب البياتي الذي كان يرتاد مقهى لاباس يومياً، ومعه الشاعر عبد السامرائي الذي أصبح لاحقاً من أصدقائي، وكان قد جاء من لايبزك (ألمانيا الديمقراطية آنذاك) وعرفتُ من البياتي أنه تم  إلقاء القبض على عزيز الحاج.

            وبعد عودتي زارني السيد صادق الحسني وأخبرني بأن عزيز الحاج اعترف اعترافاً كاملاً، وقد تم تسجيل شريط تلفزيوني معه (مقابلة) مدّتها 72 دقيقة، وستبثُّ لاحقاً. وأتذكّر إنني ضبطت ساعتي بعد بث المقابلة التي ظهر فيها محمد سعيد الصحاف (مدير الإذاعة والتلفزيون) في مقابلة مع عزيز الحاج، يوم 3 نيسان (إبريل) 1969 حيث استغرقت 72 دقيقة بالضبط، وبالرغم من أننا كنّا نشكّك أحياناً ببعض المعلومات أو نرى فيها مبالغة أو حتى رسالة إلينا، لكن القسم الأكبر منها كان صحيحاً ودقيقاً ، حيث كان يستقي معلوماته من المصادر الأولى في الدولة، وكانت اتصالاته وعلاقاته وثيقة مع عبد الفتاح الياسين قبل تعيينه سفيراً في بيروت.

            وفي إحدى المرّات كنّا قد اتفقنا على العشاء في حانة “الشاطئ الجميل” والتقينا في “مقهى الجندي المجهول” (ساحة الفردوس حالياً) وخلال خروجنا من المقهى تحرّكت سيارتي نجدة سريعاً ونزل منها أربعة شرطة أحدهم يحمل سلاحاً والآخر رشاشاً وبدأ بالتفتيش وطلب الهوّيات لتدقيقها، وكان الجمع يضم: شوقي شعبان ونعمان شعبان، (كان ممثلنا في جمعية العلوم السياسية وهو عضو في لجنة طلابية اتحادية سابقاً في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية)، ورياض محمد (من الكرادة توسّط له الحسني البغدادي للتعيين في وقت كانت التعيينات متوقّفة وتمكّن من تعيينه) وهو أحد أصدقائنا، وفاضل جلعوط، وهو أحد البعثيين المعروفين في  الفضل، ولؤي أبو التمن وكنّا ننتظره، ويبدو أنه كان يحضر اجتماعاً حزبياً ويحمل في جيبه محضر الاجتماع وجدول المالية وأوراق ترشيح، وبعد وصوله قمنا بالتحرك، وكاتب السطور.

            وكان صادق الحسني البغدادي (الحجة) قد بادر بمخاطبة من يقوم بالتفتيش بالتوقّف وأطلعه على هويته الخاصة، فما كان منه إلا أن اعتذر وتركنا لحال سبيلنا، وبدلاً من تناول العشاء والبيرة والاستمتاع بالجو الخريفي المنعش في بغداد، فقد ذهبنا كل إلى بيته. وحينها سأل شوقي شعبان، الحسني ما هذا الذي حصل؟ ومن أين لك هذه الهوّية؟ وما هي صفتك؟ ثم أضاف: لا يهمّنا من تكون ولكن إيّاك إن سخّرت علاقاتك للمسّ بالشيوعيين، وكان الحسني حتى في تلك الفترة يعتبر نفسه شيوعياً، وقد انفعل انفعالاً شديداً، وكنت أنا أسوق السيارة لإيصاله إلى بيت شقيقته القريب من بيتنا.

            ولكن صدام حسين  تخلّى عنه تحت مبرر “استغلال النفوذ” واعتقل في قصر النهاية لمدة 13 يوماً (خلال شهر آذار/مارس/1969 وتلك قصة أخرى، يمكن أن أروي بعض جوانبها في مناسبة ثانية، ويعرفها جيداً وبالتفصيل أيضاً لؤي أبو التمن، بحكم العلاقة المشتركة، كما اطّلع عليها شوقي شعبان في حينها أيضاً.

3

 

كل إصلاح مفتاحه الفكر الديني

توماس هوبز

            توطئة

            حين هاتفني الصديق فوزي الراوي (عضو القيادة القومية لحزب البعث- سوريا) إلى فندق ” الفردوس تاور” (برج الفردوس) بدمشق، سألني إنْ كنتُ أعرف سماحة السيد أحمد الحسني البغدادي، وقبل أن ينتظر جوابي قال إنه يعرفك جيداً، ثم خاطبه قائلاً تكلّم مع د. عبد الحسين شعبان بعد أن نقل سماعة التلفون إليه، وجاءني صوته رهيفاً وعميقاً ومؤثراً بالسلام والسؤال عن الصحة والعائلة، وإنه من المتابعين جداً لكتاباتي ومواقفي.  ولكي أتأكّد مَنْ يكون محدّثي سألته ما الذي يربطك بآية الله الإمام السيد محمد الحسني البغدادي؟ فقال إنه جدّي، فقلت له إذاً أنت نجل السيد كاظم، فقال نعم، فقلت له وصلنا إلى حيث المشترك.

            وبالعودة إلى أجواء الصراع الشيوعي- الديني، خصوصاً الفترة المحمومة منه أواسط العام 1959 وأوائل الستينات، وأعني بذلك التي توّجت بإصدار فتوى تحريم الشيوعية، فقد كان صادق الحسني يقول لنا إن عمّه لن يصدر فتوى، وحصل الأمر فعلاً، وفشلت محاولات عديدة لإقناعه، ولكن دون جدوى، فهو وهو وآية الله السيد محسن الحكيم خصمان لدودان، ولأن الأول كان قد أعطى مثل تلك الفتوى، فلم يرغب البغدادي أن يكون مقلداً أو ثانياً، لأنه كان يعتقد وظلّ هكذا حتى آخر أيامه إنه رائد وأول، ولاسيّما بالمقارنة مع السيّد الحكيم، إضافة إلى عدم رغبته في التعميم، حتى وإن عارض الفكرة الشيوعية، فإنه في الوقت نفسه حاول التمييز بين الشيوعية وبين أتباعها من غير المتبحّرين فيها.

الذين يقولون أنه لا علاقة للدين بالسياسة،

هم في الحقيقة لا يعرفون ما هي الديانة

المهاتما غاندي

            ارتوى من نبع الدين ففاضت به السياسة

            عاملان متعارضان حكما علاقة المرجعية بالسياسة خلال نحو قرن من تأسيس الدولة العراقية، أحدهما كان يسعى لدور سياسي يقوم به رجل الدين، سواء كان مباشراً أو غير مباشر، تحت عناوين مختلفة دينية وغير دينية، والآخر يرغب في الابتعاد عن الحقل السياسي، بل يعتبر السياسة لا تدخل في الحقل الديني، وعلى رجل الدين والعالِم الابتعاد عنها، وبين هذا وذاك، كان هناك اتجاه ثالث متردّد، أي بين الاتصال والانفصال، بمعنى الاهتمام بالجوانب الثقافية والتعليمية والتربوية لنشر رسالة الدين وممارسة ضغوط معنوية وأدبية على صاحب القرار.

            والمرجعية عموماً في العراق وبعد فشل ثورة العشرين تعرّضت إلى التهميش من جانب البريطانيين وحلفائهم الجدد، نفياً وإبعاداً وإهمالاً، كما حصل للشيخ محمد مهدي الخالصي والسيّد أبو الحسن الموسوي والميرزا محمد حسين النائيني وقد اضطرّ غالبية رجال الدين الشيعة إلى الانكفاء والعزوف عن الاهتمام بالشأن السياسي والاكتفاء بمراقبته إلّا في حالات محدودة أو حين تحتاجهم الحكومة أحياناً لغرض دعمها.

            وليس بعيداً عن ذلك بعض مواقفها الانعزالية من الدولة وتحريم العمل في مؤسساتها ودوائرها الرسمية، بل كان هناك من اتّخذ موقفاً عدائياً منها باعتبارها “دولة غير شرعية”، حتى إن “الرواتب” التي كان يتقاضاها  الموظف من الدولة لعمله فيها، تستوجب “إذناً شرعياً” من المرجع المقلّد، لأن الأموال تأتي من جهة “مجهولة المالك” الأمر الذي يحتاج إلى أخذ ” رخصة” أو ” فتوى” لغرض تعاطيها.

            وقد ناقشت الأمر مع عدد من رجال الدين الشيعة بخصوص هذا الموقف الغريب، وأود هنا أن أستشهد بموقف متقدم اتّخذه الإمام محمد مهدي شمس الدين وبلوره في أواخر أيام حياته ونشره في العام 2002 وقدّم له غسّان تويني وصدر لاحقاً بعنوان “الوصايا” ، دعا فيه الشيعة أن ينخرطوا في مجتمعاتهم وأمتهم وشعوبهم ودولهم إذا أرادوا أن يخدموا آل البيت، وألّا يسعون لإنشاء مشروع خاص، بل الاندماج في نظام المصالح العام، وأن يكونوا متساويين في ولائهم للنظام وللقانون والاستقرار وللسلطات العامة على أساس الشراكة مع الأقوام والشعوب والجماعات التي ينتمون إليها.

            ويقول شمس الدين: أوصي الشيعة في كل مجتمع من مجتمعاتهم وفي كل قوم من أقوامهم وفي كل دولة من دولهم الّا يفكروا بالحسّ السياسي المذهبي أبداً وألّا يبنوا علاقتهم مع أقوامهم ومع أقوامهم ومع مجتمعاتهم على أساس التمايز الطائفي وعلى أساس الحقوق السياسية والمذهبية… وأن يتجنّبوا في كل وطن من أوطانهم شعار حقوق الطائفة والمطالبة بخصوص النظام، وفي ذلك دعوة جريئة للإقرار بالدولة الوطنية والمطالبة بالمواطنة المتساوية وعدم التمييز كأساس  للمشاركة والشراكة في الوطن مع بقية الشركاء. (انظر: محمد مهدي شمس الدين – الوصايا ، تقديم غسان تويني، دار النهار، بيروت ، 2002ص 55-57).

            وباستثناء بعض المواقف وهو ما سيأتي ذكره بخصوص قضية فلسطين والعدوان الثلاثي على مصر، فإن المرجعية الدينية ظلّت بعيدة عن عالم السياسة، بل تتحاشاه وتبتعد عنه، متجنّبة ما قد تتعرّض له من ضغوط قد لا تكون قادرة عليها أو حتى مستعدة لمواجهتها، لاسيّما إذا لم تؤمن بمثل هذا الدور واستمرّت تبريراتها بشأن الحفاظ على “بيضة الإسلام” وحماية الحوزة من التبديد والضياع، وهو ما سارت عليه منذ السبعينات بعد وفاة  السيد الحكيم، وفي عهد السيد الخوئي والسيد السيستاني، حتى الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003. وإن كان هناك تململات بشأن ” المرجعية الصامتة “، و” المرجعية الناطقة” لكنها بشكل عام ظلّت تخشى الاقتراب من عالم السياسة، لاسيّما في عهد النظام السابق، حيث كان البطش شديداً والقمع شاملاً، ونكّلت السلطة بقسوة بجميع الفاعليات الدينية والسياسية والثقافية المناوئة ولم تتهاون إزاء أي اشتباه بمعارضة أو توجه مختلف.

            وكان لثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 التي أطلقت الحرّيات، ولاسيّما حرّية التعبير، وخصوصاً في العام الأول من عمرها، دور كبير في أن يسيل لعاب بعض رجال الدين لمقاربة السياسة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وتجلّى ذلك في عدد من المواقف التي سنأتي على ذكرها، خصوصاً بعد أن انقسم الشارع العراقي إلى تيّارين متعارضين،  كما جرت الإشارة إلى ذلك، وكان التيّار الديني الذي أخذ يتبلور عبر آراء وأطروحات معارضة لقاسم والشيوعية، أقرب إلى التيّار القومي، وإنْ اختلفت المنطلقات، وقد أضاف مثل هذا الانحياز، حتى وإن كان غير مباشر، ثقلاً للقوى المناهضة لحكم قاسم المدعوم من الشيوعيين.

            ويمكن هنا رصد اتجاه رجال الدين، لاسيّما من الشيعة والسنّة باتخاذ مواقف سياسية منذ تأسيس الدولة العراقية العام 1921 إلى ثلاث مجموعات:

            المجموعة الأولى: لم تكن ترغب في مقاربة السياسة، خشية من تبعاتها وهو ما شمل مرجعيات ما بعد ثورة العشرين، وخصوصاً مرجعية السيد أبو الحسن ومرجعية البروجردي وآخرين على امتداد فترة العهد الملكي، لكن بعد حدوث ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 وبالتدرّج والتراكم تشجّعت بعض المرجعيات من مقاربة السياسة بعد أن وجدت مراجع أولى كانت قد اتخذت مواقف سياسية، وإن كانت “إصلاحية” مطلبية، فانضمت إليها مؤيدة توجّهاتها وكان من أبرز رموزها الإمام الحكيم .

            المجموعة الثانية: قاربت السياسة من منظور فقهي- شرعي، باعتبارها واجب على الأمة، فما بالك برجل الدين الذي ينبغي أن يكون في مقدمة المتصدّين بحكم مسؤولياته، ومن أبرز هؤلاء محمد مهدي الخالصي ونجله محمد الخالصي ومحمد الحسني البغدادي.

أما المجموعة الثالثة: فهي الأوسع والأعم، تلك التي كانت تريد ممارسة دور إصلاحي ومطلبي وسطي، وإن كان البعض يعتبرها متردّدة بين المجموعة العازفة عن السياسة والأخرى الراديكالية المندفعة فيها.

            وقد اتّسع هذا الاتجاه في ظلّ قيادة السيد محسن الحكيم، وهو وإنْ كان لا يؤمن بالسياسة من حيث الظاهر أو المعلن، ولا يدعو لقيام دولة إسلامية، ولكنّه من الناحية الفعلية يقوم بدور سياسي شبه مباشر، كما يذهب إلى ذلك عادل رؤوف في كتابه ” العمل الإسلامي في العراق- بين المرجعية والحزبيّة”، إصدار المركز العراقي للإعلام والدراسات،2005? ط 4- ص 32 وما بعدها.

            ويستند بذلك إلى حديث عن مقابلة بين محمد صالح الأديب وعدد من الشباب في مطلع الستينات وبين السيد محسن الحكيم، وكان الأديب قد سأل الحكيم: ماذا لو تمكّنا من إقامة الدولة الإسلامية؟ هل نقيمها؟ فأجابه: إن عليكم أن تعملوا على نشر الدين وندعو الله سبحانه وتعالى أن يظهر الحجّة (عج) (المقصود الإمام المهدي المنتظر أو الغائب أو صاحب الزمان كما يُدعى)، ويستنتج أنه كان لا يريد الإفصاح المباشر عن الانخراط المسلكي في العمل السياسي، بقدر ما كان يريد الحصول على منجزات ومطالب لتوسيع دائرة تأثيره، دون أن يرتقي إلى التفكير بإقامة دولة إسلامية.

            وإذا كان هناك من يؤاخذ السيد الحكيم على هذا الموقف، فإنني أعتقد أنه كان أقرب للواقعية السياسية ولم يرغب في زج نفسه ومرجعيته في أتون العمل السياسي المباشر، لأن ذلك سيجعله طرفاً، في حين إن الدولة كانت تحسب له حساباً في كل خطوة تخطوها،     وهو ما كان يريده لتعظيم دور مرجعيته التي حاول أن يعطيها بُعداً احتجاجياً في مواجهة الدولة، كلّما كان يريد الاعتراض على بعض إجراءاتها بزعم مخالفتها لمبادئ الشريعة الإسلامية، كما هو في الموقف من قانون الإصلاح الزراعي وقانون الأحوال الشخصية وغيره.

“… ليست كل عين ترى “

جلال الدين الرومي

            راديكالي في السياسة محافظ في الدين

            ويعتبر السيد البغدادي احد رجال الدين الذين أعطوا للسياسة حيّزاً كبيراً في مناظراتهم ويمكن القول أنه ثمة فوارق ليست بالقليلة تفصل بين السياسي والديني لدى السيد الحسني البغدادي، سواء على مستوى التفكير أو الممارسة. وإذا كان الأغلب الأعم أن الإنسان في مقتبل حياته يحلم بتغيير العالم، أو حتى يتصوّر نفسه قادراً على تحمّل مثل هذه المسؤولية، فيتّخذ مواقف جذرّية ويميل إلى التطرّف فيها أحياناً، إلّا أنه مع تقدّم السن يغدو أكثر تواضعاً في أحلامه مثلما يصبح أكثر واقعية في إمكانية تحقيقها، وهكذا وشيئاً فشيئاً يكون أقرب إلى المحافظة، فيخفض سقف مطالبه وقد يتردّد كثيراً قبل أن يتّخذ مواقفه، لاسيّما إذا لم تراعِ توازن القوى والنظرة الواقعية، بحيث يكون أكثر مرونة وأقلّ تشدّداً، وهذه هي القاعدة العامة.

            أما بالنسبة للحسني البغدادي، فمواقفه الراديكالية وجذّريته السياسية كانت متواصلة ومتصاعدة خصوصاً ازاء القضايا المصيرية التي تهمّ الأمتين العربية والإسلامية، لدرجة أنه كان أقرب إلى روح الشباب واندفاعاته حتى وهو شيخ كبير. وإذا كان ذلك إحدى مواصفاته في الحقل السياسي، فإنها في الحقل الديني أيضاً، وعلى الرغم من الانفصال بين الحقلين ومنطلقاتهما، فقد كانا يتوحّدان لديه لدرجة الاندغام أحياناً. فهذا الراديكالي الثوري في حقل السياسة، هو نفسه المحافظ التقليدي في حقل الدين، وتلك واحدة من المفارقات التي تمتاز بها شخصيته الإشكالية، ليس في الحقلين المشار إليهما فحسب، بل في الحقل الاجتماعي أيضاً، خصوصاً وقد عُرف بصراحته الشديدة، وكان البعض يتجنّب الاصطدام أو حتى الاحتكاك به خشية من ردود الأفعال الشديدة أحياناً والمُحرجة في أحيان أخرى لمقامات تريد أن تبقى صورتها لدى “العامة” غير ما هي عليه حقيقتها، لكن الحسني البغدادي يكشف أحياناً عن مستورها ليضعها عارية أمام الملأ.

            هكذا بدأ السياسي معه راديكالياً، ولم يفترق عنه حتى آخر أيام حياته، وكأن حلفاً غير قابل للانفصام تم عقده بينهما، خصوصاً وقد أصبحت الراديكالية السياسية نهجاً لحياته منذ تبلور وعيه الأول، كما رسمت خطاً بيانياً لتوجّهه الفكري، سواء بصفته الدينية فقيهاً أو فاعلاً اجتماعياً، يعي دوره جيداً ويدرك مغزى وظيفته المهنية، لاسيّما وإن مثل هذا الدور وهذه الوظيفة، عمّدتا بلقاح الوطنية والسيرة الجهادية.

             وبدا الحسني البغدادي أبعد عن رجل دين تقليدي، وأقرب إلى “ثوري” راديكالي كلاسيكي، يسعى للتغيير بجميع الوسائل لنصرة الحق وللوقوف إلى جانب المظلوم، سواء من خلال نقد السائد من السياسات والمواقف، ولاسيّما في العهد الملكي والعهد الجمهوري الأول، أو في معارضة الاتجاه الديني الذي قارب السياسة من منظور محافظ، ومتردّد في الكثير من الأحيان، سواء بالممالئة أو الموالاة أو بالممانعة والمعارضة، على صعيد الداخل والخارج.

            وامتاز الحسني البغدادي في توجّهه السياسي عن غيره من رجال الدين بنزعة  عروبية واضحة كان يجاهر بها أحياناً، ليس ما يتعلّق بدعوته لدعم الحوزة العربية ومدرسة النجف تحديداً، بل إن مواقفه السياسية على الصعيد العربي والإسلامي ، كانت ذا نزعة عربية تحرّرية واضحة، وأحياناً تبدو حادّة أو حتى استفزازية أو محرجة لأطراف في الحوزة العلمية التقليدية.

            وقد وقف ضد محاولات الهيمنة الأجنبية على العراق والعالم العربي والإسلامي منذ نعومة أظافره، وشارك في التصدّي للانكليز، حين انخرط في المقاومة العراقية لمواجهة الاحتلال البريطاني 1914-1918 وفيما بعد بالثورة العراقية 1920 وكان لديه الكثير من الملاحظات والانتقادات على الحكم الملكي ورموزه منذ تنصيب الأمير فيصل الأول في 23 آب (أغسطس) 1921 ملكاً على العراق، وعبّر عن آرائه بشجاعة في العديد من المواقف، لعلّ أبرزها تنديده بموقف الحكومة العراقية المتفرّج إزاء العدوان  الثلاثي على مصر 1956. كما وقف إلى جانب انتفاضة خرداد الإيرانية وندّد بحكم شاه إيران، وكان يعتبره عدوّاً للإسلام.

            كما أيّد الثورة في 14 تموز (يوليو) 1958 وقد استبشر بها خيراً إلّا أنه اختلف مع بعض توجهاتها، ولم ينخرط في معارضتها أو في معارضة الحكومات التي أعقبتها من موقف طائفي، بل إنه كان قد ندّد بالطائفية، سواء في بعض تمظهراتها في الحكم أو في معارضتها بالوسيلة ذاتها، وهذا ما ينطبق عليه قول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي  من مرض ” الطائفية المتفشي” والذي عبّر عن تصرّفات بعض أطرافها، بأنهم “طائفيون بلا دين”، وهؤلاء بينهم المتديّن وغير المتديّن، بل إن بعضهم غير معني بالدين أصلاً، لكنه متعصب طائفياً.

            كما وقف إلى جانب المقاومة الفلسطينية، وأفتى بالانخراط فيها وأجاز التبرّع بالحقوق الشرعية لها، وكان شديد البأس في تنديده بالصهيونية وحماتها على طول الخط، بل والدعوة إلى مقاطعة الدول التي تتعامل مع “إسرائيل”، ومثل هذا الموقف يذكّر باقتراح الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء العام 1931 في المؤتمر العربي الذي انعقد في القدس، حيث طالب فيه ” بتغيير الحج في ذلك العام من مكّة إلى القدس″ دعماً لثورة البراق، التي كانت قد انطلقت في العام 1929 وتأييداً للشعب العربي الفلسطيني في مقاومة الصهيونية والاستعمار البريطاني. وكان المؤتمر يضم علماء دين كبار مسيحيين ومسلمين (سنّة وشيعة)، إضافة إلى شخصيات متنوّعة، لكنه لم يتخذ قراراً بذلك، خصوصاً لجهة “جواز الحجيج” إلى القدس استثناءً بدلاً من مكة وما استقرّ عليه المسلمون لنحو 1400 عام، مع الحفاظ على مقاصد الشـــــــريعة والحج ركن أساسي من أركانها.

            وقد أملى هذا التوجّه السياسي الراديكالي على الحسني البغدادي ، قناعاته من جهة ومزاجه الشخصي الذي يستجيب للتحدّي، منطلقاً من ثقة بالنفس واعتدادٍ بالحسب والنسب، ولذلك كان يشعر بامتلاء كبير على الرغم من رقّة الحال، خصوصاً حين يكون مجاهراً ومتحدّياً، ولأنه امتلك شخصية كارزمية ومكانة علمية، فقد نظر إلى جميع المحاولات التي حاولت كسبه، سواء عن طريق المال أم بالإغراء، أو سواءً كانت تلك المحاولات خارجية أم داخلية، بعين الاستصغار والازدراء، خصوصاً في ظل نزاهته الشخصية ونظافة يده.

            وعاش حياة زهد وعفّة نفس وكبرياء، فضلاً عن صراحته المعهودة ، لاسيّما في اتخاذ المواقف، فقد كان جريئاً “لا تأخذه في الحق لومة لائم” كما يقال. ولم يحاول الاقتراب من الحكام، بل إنهم اقتربوا منه، وإنْ استجاب إلى بعضهم، فقد وضع مسافة بينه وبينهم، كما هو في عهد الرئيسين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف والرئيس أحمد حسن البكر. وكان هؤلاء معجبين بمواقفه الوطنية والعروبية العامة، وهو ما حاول خصومه إثارة إشاعات حوله.

            أما في الحقل الثاني والمقصود بذلك الحقل الديني، فقد كان محافظاً وأحياناً شديد المحافظة، سواء في المنهج أو الآراء التي تبنّاها وهي لا تبتعد كثيراً عن مجاراة ” العامة” وما هو سائد، وقد تكون خشيته نابعة من اعتقاد إن الخروج عمّا هو سائد من معتقدات وموروثات قد يفسح في المجال للخروج على الدين والتحلّل من التزاماته، تلك التي استقرّت عبر مئات السنين في تاريخ الممارسة الدينية المتوارثة، وخصوصاً في مجال الشعائر الحسينية.

            ولذلك واصل ما اعتاد عليه الآباء والأجداد وكأنه يمثّل “السلف” في الحاضر، وخصوصاً فيما يتعلّق بممارسة الطقوس والشعائر الحسينية، علماً بأن بعضها كان دخيلاً على الدين والمذهب بالطبع. وقد يكون سبب موقفه هذا هو تجنّب الاشتباك مع مثل هذه التوجّهات حرصاً منه على التقاليد الراسخة من “العامة”، وربّما حيطته من ” منازلة” قد لا يقوى على دخولها لأنها ستكون غير متكافئة، أو أنه لم يكن مستعداً فكرياً وفقهياً لها، أو أنه يعتقد إن المجتمع يحتاج إلى وقت طويل لكي يتم تغييره، وبالتالي لا يريد المغامرة بالمضي في هذا الاتجاه . وقبل كل ذلك كان يبدو مقتنعاً بها ومنسجماً “روحانياً” وإيمانياً مع دلالاتها في إظهار “حبّ آل البيت” والولاء لهم.

            وأرى أن ذلك يعود لعدد من الأسباب، منها أن التغيير يحتاج إلى تهيئة فكرية ونفسية، بل كلفة قد لا يكون قادراً على تحمّل نتائجها أو تسديد فواتيرها الكثيرة، أو أنه لم يصل إليها، أو إن اختيارها سيؤدي إلى الصدام مع ما هو سائد، أو إنه يخشى من مزايدات رجال الدين الآخرين، خصوصاً من جانب خصومه، لكي لا يُتّهم بالخروج على الدين، أو كان يرى فيها طريقاً طويلاً يحتاج إلى تهيئة ومستلزمات لم تكن متوفّرة لديه.

            ولا أستبعد أن ثمة في الأمر موقف لا يخلو من مهادنة أو عدم استفزاز لما هو تقليدي أو سائد انطلاقاً من رؤية لا تستشرف بعداً حداثياً في التنوير والتغيير والإصلاح، وتلك تحتاج إلى منظومة فكرية مختلفة.

4

 

            وأضيف إلى ذلك إن المنافسة الشديدة بين “المراجع″، وغير المبدئية أحياناً خصوصاً حتى تشمل حواشيهم، تضطر بعضهم إلى عدم الخوض في مسائل الإصلاح أو التجديد أو التغيير، فذلك أسلم لهم في نظر “العامة” والعادات والتقاليد السائدة، في حين أن تبنّي نهجاً آخر قد يجعل المرجع عرضة للنقد من “المراجع” الأخرى، وهو ما يحاول كل طرف استغلاله ضد الآخر.

            وإذا كان الحسني البغدادي قد رفض إصدار فتوى في العــام 1960 إلّا أنه عاد وأصدر “فتوى” أو كتب “رأياً”، بخصوص الشيوعية، مع أنني أفرّق بين “الإفتاء” و”الرأي” وإن كان الإفتاء رأياً أيضاً، لكن وظيفة الإفتاء تعبوية تحريضية أحياناً ومباشرة، القصد منها مخالفة أو اعتراض أو تأييد لموقف معين راهن في الغالب، في حين أن الرأي يصدر عن مناقشة لفكرة أو أطروحة، وقد تصدر في كتاب أو مقالة أو تعليق أو حاشية أو ما شابه ذلك، وأعتقد أن وظيفته تختلف عن الفتوى وإن كان القصد واحداً، أي إعلان موقف، لكن الوسيلة تختلف بطبيعة الحال، خصوصاً إذا كان القصد منها مباشراً وتحريضياً.

            فالسيد محمد باقر الصدر عارض الشيوعية وحاول تفنيد أسسها ومبادئها وقدّم بديلاً نظرياً لها مؤسس وفقاً لقناعته كما جاء في كتاب “فلسفتنا” (انظر: محمد باقر الصدر- فلسفتنا، ط3 دار الكتاب الإسلامي، 2004) الذي سبق موجة الفتاوى، لكنه لم يقل أحد أنه أصدر فتوى تحريمية أو تجريمية أو تأثيمية، مع إنه حاول تقديم بديل نظري عنها وعن الرأسمالية أيضاً، وذلك محطّ نقاش وجدل بين الفلسفتين المادية والمثالية منذ الأزل وحتى نهاية التاريخ إن كان له نهاية.

            وبتقديري إن ما كتبه الحسني البغدادي، سواء “فتوى” أم “رأي”، فإنه جاء من حيث الخلفية الفكرية بالاتجاه والمضمون ذاته، وبدلاً من العام 1960 فقد صدر في العام 1964 علماً بأنه كان يتحسّس آلام الشيوعيين وعذاباتهم، لاسيّما بعد أن تعرّضوا لحملة تنكيل شديدة، خصوصاً بعد العام 1963 على يد “الحرس القومي”، وكان هو قد تدخّل لإطلاق سراح بعضهم ومنهم ابن شقيقه السيد مهدي والمقصود “صادق الحسني”، كما مرّ ذكره، بل ويعد بعضهم “ضحايا”، كما يستدلّ على ذلك في تفسيرات قام بها عادل رؤوف لفتواه وسنأتي على ذكرها في مكان آخر .

          وقد علمت في حينه، وبعد إطلاق سراحي وعملي في التنظيم الشيوعي “الجديد”، وإصدار أمر إلقاء القبض بحقي بعد حركة العريف حسن السريع، أنه كان قد تدخّل لإطلاق سراح بعض الشيوعيين الذين اشتركوا في ” انتفاضة معسكر الرشيد” في 3 تموز (يوليو) 1963? وكان الحكم قد صدر بالإعدام على الوجبة الأولى رمياً بالرصاص في 13 تموز (يوليو)، أي بعد 10 أيام على قيامها، كما توالت أحكام الإعدام والعقوبات القاسية بحق المشاركين فيها. وقد أوردت في سردية بخصوص الحركة تفاصيل عديدة بشأنها، كنت قد دوّنتها، في وقت سابق، وجاء على ذكرها لاحقاً د. علي كريم في كتابه “العراق، البيريّة المسلّحة حركة حسن سريع وقطار الموت 1963 ” الفرات للنشر والتوزيع ،العراق، 2002 ويمكن العودة إلى مقالتي المذكورة والموسومة “من دفتر الذكريات- على هامش حركة حسن السريع” والمنشورة في صحيفة الناس العراقية على حلقتين 15/8/2012 و25/8/2012 .

الدين روح عالم بلا روح

ماركس

           

 

            الماركسية والدين

            والسؤال الذي كان مطروحاً: لماذا استُهدف الشيوعيون بالذات وتم استثناء غيرهم؟ وقد يكون الجواب عند الحسني البغدادي وغيره ممن أصدروا الفتاوى، أن الأمر يعود إلى عقيدتهم “الإلحادية” المنافية للتعاليم الدينية، وهو أمر بحاجة إلى نقاش طويل، وقد حاولت في فقرة خاصة ومطوّلة في كتابي “الحبر الأسود والحبر الأحمر- من ماركس إلى الماركسية” الصادر عن مركز حمورابي، بغداد، 2013 وقبله كتابي ” تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف” الصادر عن الدار العربية للعلوم، بيروت ، 2009 تسليط الضوء على الموقف من الدين، من خلال الدين والتمركس، وفهم عبارة ماركس “الدين أفيون الشعوب” فمتى قيلت وما القصد منها؟ وكيف وظّفت من جانب أعداء الماركسية على نحو إغراضي مقصود لتشويه سمعتها؟ ومن جانب آخر كيف استخدمت بصورة مشوهة من  بعض أنصارها على نحو خاطئ واستفزازي وطفولي؟

            وجدير بالذكر الإشارة هنا إلى أنّ ماركس ليس أول من استخدم عبارة ” الدين أفيون الشعوب” فقد سبقه إلى ذلك الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط، حيث وردت هذه العبارة في كتابه “الدين في حدود الفعل البسيط”، وعنه أخذها ماركس والتصقت باسمه وبالشيوعيين من بعده، حيث كانت تتردد وبمناسبة وبغيرها من دون أدنى علاقة أحياناً بالموضوع، سوى اجترار لشعار أو مقولة نقلها ماركس لحالة محددة ولظرف مجدد، ليس صحيحاً تعميمه إلّا لقصدية أو جهل، وكلاهما لا علاقة له بالواقع والحقيقة.

            ويحتاج الأمر إلى قراءة نقدية، لما قصده ماركس وظروف مجتمعه وجذور الكنيسة والأفيون في (القرن التاسع عشر) الذي كان علاجاً طبياً وقانونياً مستخدماً وتتعامل به المستشفيات والمراكز الصحية، لا باعتباره مخدّراً ساماً أو مدمّراً لجسم الإنسان وصحته، وإنما هو مسكّن مؤقت من الآلام والأوجاع، ولم يكن النظر إليه كفعل مخالف للقانون كما هو في الوقت الحاضر، بل كان أمراً مرخصاً به ومفيداً.

            وحين تحدّث ماركس عن الدين تناول العلاقات الملموسة بين بروسيا والكنيسة البروتستانية  ذاتها في القرنين السابع عشر والثامن عشر، آخذاً بالحسبان ما كان يقوم به الرهبان من تطمينات عند رؤوس الموتى، ذلك إن الخوف من الموت يعطي نوعاً من “المقبولية” على بعض تصرفاتهم التطمينية، وليس الألم الأخلاقي أو وخز الضمير كما فسّره ماركس في كتابه “نقد فلسفة الحق لدى هيغل”، وليس الدين وحده يمكن أن يكون أفيوناً، بل إن الفن والأدب والسياسة يمكن أن تكون أفيوناً أيضاً، وهو ما عبّر عنه فيديل كاسترو في حوا رعميق مع رجل الدين المسيحي ” فراي بيتو” لمجلة أنفيو ANVIO.

            لقد تحدّث ماركس وانجلز وبعدهما لينين عن فعل ملموس فيما يتعلّق بالدين كعنصر يمكن أن يسهم في دعم الإيمان والتديّن أو اللّاتديّن ، وعلى الماركسي، لاسيّما من يبحث في سسيولوجيا الدين والتديّن دراسة الواقع واستنباط الأحكام والقواعد التي يمكنها الإسهام في عملية التغيير، بتعزيز ما هو إيجابي فيه وتوظيفها للهدف الأساسي، سواء كان ديناً أو غيره، وتشخيص الجوانب السلبية التي تعيق عملية التغيير، بهدف مواجهتها ومعرفة تأثيراتها الكابحة لمسار التطوّر الاجتماعي.

الدين زفرة المقهور

ماركس

            ليس شيوعياً من يعادي الدين

            وللأسف فقد انجرف بعض الشيوعيين ممن تعوزهم المعرفة والثقافة، بما فيها الماركسية لتبنّي مقولة ماركس ” الدين أفيون الشعوب” والتغنّي بها على نحو ساذج وسطحي وأعمى، لاسيّما المجاهرة باستخدامها بمناسبة وغير مناسبة، لدرجة استفزاز الآخرين، وخصوصاً من المتديّنين، لإظهار معارضة الماركسية للدين، مثلما حاول أعداؤها تحميلها ما لا تحمله، بل زادوا عليها تضخيماً من خلال تفسيرات وتأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، مستغلين بعض “الإجراءات” التعسّفية التي قامت بها ثورة اكتوبر الروسية العام 1917 للتضييق على “حرية العقيدة” و”حق ممارسة الشعائر والطقوس الدينية”، انطلاقاً من فهم خاطئ لتعميم النظرة المادية الديالكتيكية والتاريخية، وهو ما جرى تخفيفه لاحقاً، ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي الستينات والسبعينات وما بعدهما على وجه الخصوص.

            أستطيع القول أنّ الدين ظاهرة اجتماعية، وليس من مسؤولية الماركسيين الوقوف معها أو ضدها، بقدر ما ينبغي دراستها وتحليلها على نحو معمّق وموضوعي، للإفادة منها بما يخدم نضالهم السياسي والاجتماعي، وبما يقرّبهم من تحقيق أهدافهم وينسجم مع قيم العدالة والحق، تلك التي تدعو لها الأديان أيضاً، وإن اختلفت الطريق إليها.

            كما يمكنني القول أيضاً دون خوف من الوقوع في خطأ التعميم: إن من يعادي الدين ليس شيوعياً، وليس ماركسياً، وليس ثورياً، لأن لبّ الماركسية بعد منهجها يرتبط بفكرة إنهاء استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وليس التفتيش في أدمغة البشر عن الإيمان والضمير والعلاقة بالسماء. وكل أمر يساهم في الوصول إلى سعادة الإنسان ينبغي توظيفه في تعزيز قيم الحرية والمساواة والعدل والجمال وإنهاء استغلال الإنسان للإنسان.

            وإذا كنّا نقول ذلك من موقعنا كماديين جدليين، فإننا نقصد في الحياة المعيشة ، كما نريد ونحلم ونناضل بأشكال مختلفة. أما المتدينون فهم يريدون ويتمنّون ذلك في ” الحياة الآخرة”، أي أن كل منهما يسعى للوصول إلى مرفأ السعادة حسب طريقته ورؤيته للكون والحياة والطبيعة والمستقبل. ولهذه الأسباب وعلى الرغم من التعارض بين المادية والمثالية كفلسفتين متناقضتين، إلّا أنه يمكن الاتفاق والإئتلاف على صعيد السياسة فيما راهن ومنظور من الأهداف الآنية والمطالب الإنسانية، بين الماركسيين والمتديّنين، بالرغم من اختلاف المنطلقات الفلسفية والفكرية، لاسيّما بتأجيل ما هو خلافي للمستقبل، دون أن يعني تجميد الصراع الفكري بين المنهجين اللّذين حكما حركة التاريخ، منذ أن بدا وربّما إلى أن ينتهي، إذا كانت له نهاية!!!

            إن أية جماعة تدّعي الثورية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكل خاص والعالمثالثية بشكل عام، لا يمكنها تجاهل الظاهرة الدينية، لأن هذه الأخيرة هي ظاهرة مجتمعية، وإلّا فإنها هي ذاتها، سوف تتوقّف من أن تكون ثورية، لأنّ واجبها يقتضي دراسة الظاهرة وتحليلها وليس إنكارها. وإذا ما فعلت ذلك ستكفّ أن تكون ثورية، خصوصاً وأنها لم يكن بمقدورها القيام بعملية التغيير الاجتماعي الحقيقي للمجتمع.

            وأعتقد أنّ أمريكا اللاتينية وحركتها الثورية سبقتنا إلى ذلك، حيث وظّفت لاهوت التحرير المسيحي لصالحها، خصوصاً وإن التديّن الشعبي هو أحد معطيات الواقع الاجتماعي الذي ينبغي أخذه بنظر الاعتبار، ومن يريد أن يكون ” طليعة” عليه أن يعمل على كسب هذا السند الشعبي، وبالتالي عليه احترام الأديان واتخاذ موقف إيجابي منها، خصوصاً من خلال القيم المشتركة إذا ما أراد أن التغيير الحقيقي.

            ووفقاً لذلك لا بدّ من التوقف عند الماركسية في جوهرها وليس عند بعض الإجراءات والتصرّفات القاصرة لفهم مسألة الإيمان الديني، في النظرية والممارسة، لاسيّما الأخطاء التي وقعنا فيها ، سواء عن جهل أو عن سابق إصرار، أو جزء من التصدي للمعارضة في هذا الوسط بعد أن هيمن الشيوعيون والماركسيون على السلطة في بعض البلدان.

            وبالعودة إلى ماركس فالدين هو ” روح عالم بلا روح” وهو ” زفرة المقهور” أو “المعذّب” وذلك ارتباطاً في وظيفة الدين وحاجة البشر إليه على مرّ العصور، لاسيّما وهو قد رسم حياة الناس منذ الأزل وقد يبقى إلى ما لا نهاية حسب تقديري، خصوصاً وأن ثمة أسئلة تبقى غامضة ومبهمة ولا يستطيع الإنسان مهما بلغ من تقدم في مجال العلم الإجابة عليها، تلك التي تتعلق بالحياة والموت وأسرار الطبيعة والمستقبل وغير ذلك.

            الماركسية نظرية لفهم الواقع، ومن ثم لتغييره، لكنّها لا تتطابق مع هذا الواقع الجديد، بل ستسعى هي ذاتها لعدم ثباته أو جعله ساكناً، لأن ذلك يتعارض مع قانون الحركة، وهو الأمر الذي يحتاج إلى فهم التناقضات في الظاهرة الدينية ذاتها من خلال تحليلها ودراستها لاختيار السبل المناسبة للتعامل معها، باتجاه تغيير المجتمع وتقدّمه.

          وأعتقد إن أية حركة سياسية وبالأساس تغييرية لا يمكنها النجاح والاقتراب من تحقيق أهدافها إذا وقفت من الدين موقفاً سلبياً، فما بالك إذا عادته جهاراً، فستكون قد حكمت على نفسها بالانتحار، وستقودها مثل تلك التوجهات ” اليسارية الطفولية” (بمقاربة كتاب لينين مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية) الذي كتبه في نيسان (ابريل) العام 1920 (انظر: فلاديمير ايليتش- لينين، المختارات 10 أجزاء، دار التقدم، موسكو،1978 ? ج 9? ص 431) إلى فشلها المحتّم، ولاسيّما في البلدان النامية (العالمثالثية) بشكل خاص، وبالخصوص بلداننا العربية – الإسلامية. والأمر لا يتعلق بموقف الجماعات الدينية المؤدلجة ودعايتها السوداء، بل بالإيمان الشعبي التي اعتاد عليه الغالبية الساحقة من أفراد الشعب بغض النظر عن ديانتهم.

            وكنت قد استذكرت ما كتبه المفكر الإيراني الإسلامي علي شريعتي (الذي اغتيل في لندن العام 1977 واتهم جهاز السافاك الإيراني  حينها بذلك) ولاسيّما كتابه ” العودة إلى الذات” (ترجمة الدكتور ابراهيم الدسوقي، إصدار دار الزهراء للإعلام العربي، بيروت، 1986.) بشأن بعض مواقفنا من الدين، والأصح مواقف بعض المتطرفين والسطحيين الماركسيولوجيين (الماركسيون ضد الماركسية) في صفوفنا ، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر أحياناً، حيث اعتبر مدخلنا خاطئاً، وإن كان قد أشاد بمواقف اليسار وما قدّمه من تضحيات، لأنه كما يقول كان ينبغي أن يكون المدخل من العدالة وليس من الله، ووجدت نفسي أنقل سيناريوهاته الكاريكاتورية الطريفة بشأن تعامل بعض الماركسيين المتطرفين من الدين مثلاً، ومنهم المفكر التونسي العفيف الأخضر.

            المشهد الأول – يرسم فيه مثقفاً يسارياً يخاطب جمهور الفلاحين لتحريضهم بالوقوف ضد السلطة ويقنعهم بأخذ زمام المبادرة.

            المشهد الثاني – صورة المثقف اليساري وهو يقود جمهرة الفلاحين خلفه لمواجهة السلطة عبر الاستيلاء على رمزها ” مركز الشرطة”.

            المشهد الثالث- يختبئ المثقف اليساري خلف أفراد الشرطة ويحاول الفلاحون قتله، حين شكّك بوجود الخالق.

            ولعلّ مجرد مناقشة قضية حسّاسة تمثّل جزءًا من المستقر في وجدان العامة “الثابت”، والمقصود “الوجدان الجمعي” حوّل مصدر السخط والعداء من السلطة التي هي سبب الظلم (كما اقتنع بذلك الفلاحون) إلى المثقف اليساري الذي كان يريد نصرتهم والدفاع عنهم، لأنه شكّك بعقائدهم أو تعرّض لها على نحو سلبي.

            إن مجرّد اقتراب الماركسيولوجيين  (ماركسيون ضد الماركسية) من دائرة العقائد الجمعية جعل المظلومون والمستلبة حقوقهم في مواجهة حامية لا مع تسبّب في ظلمهم واستلابهم، بل مع من حاول تنويرهم لأنه مسّ ركناً أساسياً من مقدساتهم، وهو الأمر الذي استثمرته القوى الدينية في عدائها ضد الشيوعية والماركسية بالباطل والحق، مستغلة تصرفات بعض قليلي المعرفة من المتمركسين والمتطرفين منهم بشكل خاص، بل والمغالين في إظهار عدائهم لما هو قائم باعتباره رجعياً ومتخلفاً، فأصدرت الفتاوى وجنّدت قوى منها وحيّدت أخرى في هجومها التحريمي ضد الشيوعية واتهامها بالكفر والإلحاد.

            ولا بدّ من التوقّف عند الماركسية والإيمان الديني في النظرية والممارسة، والأخطاء التي وقعنا فيها، خصوصاً وإنّ الصراع حول قضايا ملموسة، تتعلّق بالحقوق والحريات والعدالة والمساواة وهي كلّها قضايا أرضية وليست سماوية،علماً بأن ماركس لم يقدم على دراسة الدين أو تقديم أطروحات ومساهمات تُذكر بشأنه، اللّهم إلّا إذا اعتبرنا تأثيرات فيورباخ عليه. وباستثناء كتاب ماركس “المسألة اليهودية” (المنشور لأول مرة عام 1844 في باريس في جريدة تسمى الحوليات الألمانية الفرنسية) وهو كتاب صغير، لم يخصّصه لمبحث حول الدين، إلّا على نحو محدّد ومحدود، فإنه لم يخض في هذا الميدان.

            وإذا اعتبرنا ماركس الحلقة الذهبية الأولى في التمركس، فإن لماركسية من بعده لم تنصب إلى تقديم رؤيا وتنظيرات موسعة بخصوص الدين من بعده، لكن الموقف السلبي والتوجه التقنيني إزاء الممارسات والطقوس الدينية كان قد اتبع بعد قيام النظام الاشتراكي في روسيا العام 1917 وفيما بعد في الدول الاشتراكية، دون أن ننسى محاولات توظيفها ضد النظام الاشتراكي، ويمكن العودة لقراءة هذه الفقرة تفصيلياً في كتابينا المشار إليهما، علماً بأن ماركس ليس خارج النقد، بل هو الآخر عرضة للنقد، ولديه العديد من الأحكام التي لم تثبت الحياة صحتها، أو أنها كانت صالحة لعصره، ولم تعد تتناسب مع ما حصل من تطور  علمي وتكنولوجي، ولاسيّما في ظلّ العولمة.

            وقد توقفت في الكتابين المذكورين عند العديد من النواقص والثغرات عند ماركسية ماركس وفي الماركسية بشكل عام، وذلك فيما أطلقت عليه “النقد الماركسي لماركس″، وحين يُراد إنسابي لماركس، كنت أقول أنا شخصياً لا أنتسب إلى فرد ، بل أنتسب إلى المنهج المادي الجدلي (الديالكتيكي) التاريخي، وليس هو المنهج الوحيد، بل يمكن الاستفادة من مناهج أخرى معه.

            وعلى هذا فالماركسية ليست تمامية أو نهائية أي أنها ليست أبدية . الماركسية تحتاج إلى مراجعة ونقد مستمرين، مثلما تحتاج إلى حذف وشطب، حتى إننا يمكن أن نحتفظ ببعض النصوص في متحف التاريخ على ما فيها من أهمية حينها، كما تحتاج إلى “فلترة” وتدقيق، وبالطبع فهي مثل أي شيء في الحياة، تحتاج إلى تطوير وإضافة وتجديد وتغيير ، ولا شيء في الحياة ثابت، بل إن الثابت الوحيد في الكون هو التغيير إضافة إلى الموت، وما عداه كل شيء نسبي. وإذا كانت الحياة متطوّرة ومتغيّرة فكل شيء قابل للتطوير والتغيير وعدم السكون . وهذا هو جوهرها .

            وقد لفت فردريك انجلز رفيق ماركس إلى أن ” البيان الشيوعي” ” المانيفاستو”  الذي صدر لأول مرة العام 1848?(انظر: كارل ماركس – بيان الحزب الشيوعي، دار التقدم، موسكو 1968)  يحتاج عند كل طبعة إلى إعادة النظر في بعض أحكامه، ارتباطاً مع التطورات العلمية والتقنية التي حدثت ولم يأخذها بنظر الاعتبار، بل إنه هو القائل : كلّما حصل تقدم في العلوم العسكرية (المقصود تطوير السلاح واكتشاف أسلحة جديدة مؤثرة)  فعلينا تغيير أو إعادة النظر في ستراتيجيتنا .

 

 

 

5

لكن بعض الشيوعيين المتقولبين والمبرمجين ولا زال من بقي يضع على وسادته  بعض الكتب المدرسية السوفيتية، التي هي أقرب إلى “المحفوظات”، يجعل من بعض مقولات ماركس “أيقونات” أقرب إلى “الأدعية” و”التعاويذ” ، وهم الذين سبق أن أطلقت عليهم ” الماركسيولوجيون” أي ماركسيون ضد الماركسية، لأنهم حوّلوها إلى عقيدة صنمية جامدة، تعبّدوا في محرابها ومارسوا طقوسها على نحو قريب من الدين أو القداسة، وتراهم ذاتهم أو تلاميذهم من نقل رحيله بالاتجاه الليبرالي وبرّر التعاون مع الأمريكان لاحتلال العراق أو تعامل معه بحجة الأمر الواقع والخوف من الانعزال.

وإذا كان ثمة فراغات فكرية وعملية لا تزال بحاجة إلى جهد مثابر وعمل طويل الأمد من الماركسيين، فإن المسألة لا تتعلّق بهم وحدهم، بل بالمتدينين أيضاً الذين لا ينبغي عليهم الصراع على الآمال والأحلام الماورائية الغيبية، بقدر ما يجب عليهم دراسة الواقع والبحث عمّا يعانيه الإنسان من بؤس وظلم واستغلال، سواء كان مؤمناً أو غير مؤمن ، متديناً أو غير متديّن، انطلاقاً من رؤية نظرية فكرية للمصالح السياسية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة بشكل خاص، والتي تخصّ البشر الذين يعيشون على الأرض، وليس مملكة السماء. ويمكن لكل فريق أن يحتفظ بما لديه من آمال وأمنيات تبشيرية بالخلاص على طريقته، دون إرغام أو إكراه الطرف الآخر على الإيمان بها.

توجه اسلامي

أما محاولات الشيوعيين الهيمنة على الشارع وتوجيهه بما يضرّ بالتوجه الإسلامي فذلك جزء من الصراع السياسي، لا علاقة له بالإيمان أو الإلحاد. وإذا كان هذا “مبرّر” من جانب بعض رجال الدين، لكنّ مثل هذا التبرير كان بالإمكان مواجهته بقرع الحجة بالحجة ومعارضة الفكرة بالفكرة والرأي بالرأي، وليس باستخدام الدين وسيلة للتأثيم والتجريم والتحريم، خصوصاً بتأليب السلطات الحاكمة ضدهم، وتحريض “العامة” بزعم تنكّر الشيوعيين لعقيدتهم، الأمر الذي كان يمكن أن يقود إلى أعمال عنف قد تصل إلى حرب أهلية في ظل ردود أفعال غير عقلانية، ولاسيّما باستمرار التخلّف والأمية والبطالة.

ثم ألم يحاول الآخرون صرف اتجاهات الشارع، بعيداً عن التوجهات الدينية؟ فلماذا لم تتمّ عملية تحريم أعمالهم أو اتهامهم بمعاداة الإسلام، وخصوصاً بالممارسة الفعلية؟ وتلك بالطبع مسألة قانونية وليست مسألة سياسية أو أخلاقية أو اجتماعية فحسب. ولعلّ المقصود من هذه المداخلة لا التوسع في التحريم، بل إظهار الانتقائية في المعايير والازدواجية في الممارسة، لاسيّما باستهداف الشيوعية لأن الفكرة الأكثر راديكالية للوقوف بوجه الاستغلال  والشعوذة الدينية ومحاولات استغلال بعض رجال الدين للعامة للإبقاء على ” سلطاتهم”.

الطريق إلى الحقيقة تتعدّد بتعدّد السالكين

ابن عربي

الحسني البغدادي والمشروطة

تأثّر السيد البغدادي في بداياته بالشيخ الميرزا  محمد حسين النائيني (المتوفي في 1355 هـ) صاحب كتاب “تنبيه الأمة وتنزيه الملّة” طبع للمرة الأولى في العام 1909 باللغة الفارسية وترجمه الدكتور مشتاق الحلو، ونشره مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد ودار التنوير، الطبعة الأولى 2014 وهو أحد روّاد الإصلاح والتنوير ومن دعاة “الدستورية” والحكم المقيّد. وكانت حركة مناهضة الحكم القاجاري الاستبدادي في إيران قد بدأت تتبلور وتمكّنت الحركة الشعبية من فرض دستور على شاه إيران العام 1906? وترافق ذلك مع تطور دستوري حداثي شهدته الدولة العثمانية العام 1908 وأثارت الحركتان الدستوريتان الإيرانية والعثمانية حراكاً سياسياً وفقهياً في النجف مركز الشيعة في العالم، حيث شهدت صراعات وسجالات فكرية وسياسية، فقهية وسياسية.

ولقيت أطروحة النائيني تجاذباً شديداً بين مؤيد ورافض، خصوصاً إزاء مبدأ مشاركة الأمة في ” القرار والولاية”، وحقها في المساءلة والرقابة ومسؤولية الموظفين. وقد كان لأفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم ، دور كبير في تحريك الجدال والنقاش، فيما يتعلق بالإصلاح الديني.

ويصف النائيني الاستبداد في قسميه أو شعبيته كما يسمّيهما:

الأول – الذي يأتي من السلطان بسياساته التحكمية والاستعبادية، المستندة إلى القهر والغَلَبة.

والثاني- الناجم عن خضوع رؤوساء المذاهب والملل له. وكان قد قصد بالاستعبادية أو العبودية الاستناد إلى الخدعة والتدليس.

 وتأثّر بتلك الأوضاع في حينها العديد من العلماء ورجال الدين الشيعة والسنّة وامتدّ الصراع إلى العراق بين  ما سمّي شعبياً بـ”المشروطة” وهم دعاة الحكم الدستوري وبين “المستبّدة” ممن يؤيدون الحكم المطلق، وانعكس ذلك حتى على أبناء “العامّة” في ظل تخندقات سياسية وولاءات تقليدية، إضافة إلى “مصالح” متعارضة.

جدير بالذكر إن كتاب النائيني غاب أو غيّب، لكنّه ظهر مجدداً على يد الصديق توفيق السيف في إطار كتابه ” ضد الاستبداد، الفقه السياسي الشيعي في عصر الغيبة” دار النشر المركز الثقافي العربية ، 1999.

واستمرّ النقاش والجدل الذي اتّخذ بُعداً أشمل وأوسع بعد صدور الدستور العثماني العام 1908? وكان بعض علماء الدين الشيعة ينحاز إلى جانب “المشروطة” في أصفهان والنجف، إضافة إلى علماء السنّة في اسطنبول، وعبّروا عن ذلك بفتاوى ورسائل، وكان في مقدّمة هؤلاء الآخوند محمد كاظم الخراساني (المتوفى  في العام 1329 هـ) ومحمد حسين النائيني، وهبة الدين الشهرستاني (1884-1967) والسيد محسن الأمين العاملي (1865-1952) وتأثّر بها أيضاً الشاعر علي الشرقي (1860- 1964) وكذلك الشاعر صالح الجعفري (1907-1979) الذي يتحدّر من آل كاشف الغطاء.

أما من كان إلى جانب المستبدّة في العراق فهو السيد محمد كاظم اليزدي (1831-1919) الذي كان له نفوذ كبير، وجمع أنصاراً ومدافعين عنها في النجف وأماكن أخرى بزعم ” حماية الدين” والدفاع عن ” بيضة الإسلام”، خصوصاً باستغلال مشاعر ” العوام” من البسطاء،إضافة إلى الاستقواء ببعض المتنفّذين والمنتفعين، الذين كانوا يشنّون حملات دعائية لتشويه أنصار “المشروطة”.

انحاز الحسني البغدادي إلى صف أستاذه النائيني في تأييد المشروطة، خصوصاً وكان قد لازمه نحو 20 عاماً، وبعد رحيله بدأ التدريس بعد أن كان قد استوفى الدرجة العلمية، إضافة إلى القدرة على استنباط الأحكام من أدلّتها الشرعية، وكان مجتهداً ورأيه واضحاً، كما كان له طلبة كثيرون من بين ألمعهم الشيخ محمد رضا المظفر، الذي يعتبر واحداً من نواتات الحركة الجنينية الإصلاحية في الحوزة الشيعية النجفية في خمسينيات القرن الماضي إلى جانب عدد من المجدّدين الذين ورد ذكرهم في سرديتي عن السيد محمد بحر العلوم “السكون الرؤوم” المنشورة في صحيفة الزمان على حلقات في شهر نيسان (ابريل) وأيار (مايو) 2015 والموجودة على موقع الحوار المتمدن وعدد. من المواقع الأليكترونية.

وإضافة إلى المظفر يمكن الحديث عن محاولات تجديدية في الحوزة العلمية من عدد من مجايليه أو من الجيل الذي تلاه مثل السيد مصطفى جمال الدين ومحمد بحر العلوم ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد باقر الصدر ومحمد حسين فضل الله  وآخرين (انظر كذلك : سلطة العقل: السيد فضل الله: حضور عند الرحيل (نشرت في صحيفة العرب “القطرية” العدد 8065 بتاريخ 12|7|2010).

وبالعودة للمجموعة المناهضة للحكم الاستبدادي والمؤيدة للمشروطة والتي شارك فيها الحسني البغدادي فقد اتخذ عملها شكلاً سرّياً، وكان أتباعها يجتمعون في سراديب النجف ويتّخذون قرارات لتعبئة الناس بالدعوة إلى حكم مقيّد بدستور، وتعرّضوا إلى ضغوط من حاشية اليزدي، إضافة إلى إشاعات ضدهم بالخروج عن الدين والمذهب.

إذا بدأ الإنسان باليقين فسينتهي إلى الشك،

وإذا بدأ بالشك فسينتهي إلى اليقين

فرانسيس بيكون

الجدل والحوزة النجفية

كان الحسني البغدادي قد فتح مجلساً وعقد ما يشبه الندوة فيه أسبوعياً، وكان العديد من المهتمين من أبناء النجف يتناقلون أخبارها، وأحياناً تنتقل سجالاتها وحواراتها إلى الشارع، وكان البغدادي يقوم بدور ضابط الإيقاع أو مدير الجلسة ويحرص على حرّية النقاش والجدل في المسائل المطروحة على المجلس، سواء كانت فقهية أو سياسية أو أدبية .

وبالمناسبة فالمدرسة النجفية هي “مدرسة الجدل”، وهي من حيث المكانة العلمية تضاهي مدارس الزيتونة (تونس) والأزهر (القاهرة) والقرويين (فاس). والمدرسة الحالية هي امتداد لمدرسة الكوفة التاريخية، وقد أشرت في كتابي عن سعد صالح (جريو) – الموسوم: “الضوء والظل، الوسطية والفرصة الضائعة”، الدار العربية للعلوم، بيروت ، 2009  إلى أن مدرسة النجف تعتبر من أعرق المؤسسات الأكاديمية في العالم، فمدرسة “بولونيا” في إيطاليا، حيث تأسست أعرق الجامعات في أوروبا، كانت قد أنشئت العام 1119 م ، في حين التحق بمدرسة النجف الإمام الطوسي العام 1027 المصادف بين 448 -449 هـ، وهذا يعني أن المدرسة موجودة قبله، وحسب بعض المؤرخين أنها تأسست نحو 250هـ. أما الأزهر فقد شُرع بتأسيسه نحو 359 هـ أي بعد أكثر من 100 عام على قيام مدرسة النجف.

وتمتاز المدرسة النجفية بأمميتها، حيث يقصدها الطلبة من جميع أنحاء العالم الإسلامي، إضافة إلى وجود أكبر مقبرة في العالم بجوارها ” مقبرة الغري- وادي السلام”، وتعتبر النجف مدينة التعايش القومي واللغوي والسلالي والتآخي الإنساني ، على الرغم من طابعها العروبي المتميّز، حيث تعتبر اللغة العربية ونحوها وصرفها وفقهها وآدابها الأساس الذي ينبغي على الطالب الانصهار فيه إذا ما أراد التقدّم في الحقل الحوزوي العلمي.

وعرفت المدرسة النجفية، بتعدّديتها، أي أنه لا وجود لمرجعية واحدة يخضع لها الجميع، وإنما هناك مرجعيات متعددة تمثّل مدارس مختلفة واجتهادات متنوّعة، وإذا كانت النجف قد سمّيت بـ”فاتيكان الشيعة” فليس المقصود بذلك أن دور المرجع هو مثل دور البابا، وإنما لمكانتها العلمية والأدبية والثقافية والدينية، حيث هي أقرب إلى معهد عالمي فيه حركة فكر وجدل فيما يخصّ الدين والتاريخ والحياة والسياسة والمجتمع، وذلك وجهاً من أحد وجوه النجف، علماً بأنّ للنجف وجه آخر مدني وثقافي ، كنتُ قد تحدثت عنه في جامعة القديس يوسف ( كتجربة حياة معيشة) لقسم الماجستير في محاضرة أواخر العام 2011 وعدتُ، وألقيت محاضرة عنه في “منتدى التنوير” في الكويت العام 2012 بتحفيز من الصديقين د. حامد حمود العجلان والاستاذ جهاد الزين.

كما عرفت مدرسة النجف حرّية التفكير والبحث العلمي، والاستقلالية، خصوصاً وقد بقيت دون أي دعم رسمي، بل كانت أقرب إلى مؤسسة أهلية بالمعنى الاصطلاحي  المتداول، وقد درس الدكتور محمد فاضل الجمالي رئيس وزراء العراق الأقدم في العهد الملكي كما قال، العديد من نظم التعليم الجامعية في الغرب (ألمانيا- بريطانيا – فرنسا) بما فيها جامعتي اكسفورد وكمبريدج، فضلاً عن دراسته في أمريكا، وتوصّل إلى استنتاج مثير مفاده أنه لم يجد ما يضاهي مدرسة النجف من حرّية واستقلالية، وفي ترسيخ المادة العلمية في ذهن الطالب، وتكوين شخصيته وترك الأثر العميق في حياته.

وبهذا المعنى حسب الجمالي، يكون سقف الحرّية في مدرسة النجف أعلى، لأنه دون قيود تُذكر، خصوصاً الالتزام بشروط البحث العلمي، فلا تقييد على الأفكار أو الآراء أو الاستنتاجات، ولا على اختيار الموضوع والعنوان والأستاذ والمصادر والتمويل، وعلى الطالب الذي يريد نيل الدرجة العلمية أن يتقدّم بأطروحتين، الأولى تفسّر وتؤيد، والثانية تعارض وتخالف، وبذلك يحصل مثل هذا الجدل الداخلي. وكان الجمالي قد عرض وجهة نظره تلك لدى تقديمه محاضرة في أكسفورد في العام 1957.

وتأييداً لكلام الجمالي نقول إن بعض من درسوا في المدرسة النجفية تحوّلوا من الإيمانية التبشيرية اليقينية، إلى الجدلية التساؤلية الفكرية، الأقرب إلى الشكّية الديكارتية، والأمر يعود إلى أجواء الجدل والشك الموصل إلى اليقين، وليس اليقين الأعمى الذي يحجب التفكير ويمنع الجدل، والحق في الشك، ولذلك كان طلبة العلوم الدينية يشعرون أنهم أحراراً فيما يفكّرون وقد يتوصّلون إلى قناعات معاكسة لما هو سائد.

وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر أن الشيخ حسين مروّة الذي درس نحو 14 عاماً في الحوزة النجفية، من العام 1924 ولغاية العام 1938? سرعان ما غيّر اتجاهه منتقلاً من خندق اليقينية إلى خندق الجدلية، ومن التبشيرية إلى التساؤلية، ثم كتب في “مجلة الهاتف” التي يصدرها جعفر الخليلي مقالة بعنوان ” أنا وعمامتي” أشار إلى أنه رماها في الكناسة. وعلى هذا التوجه سار محمد شرارة الذي درس في الحوزة النجفية، ثم اتجه نحو الحركة الشيوعية، مثل حسين مروّة، وكان الشاعر الجواهري وهو ابن المدرسة النجفية قد كتب منذ وقت مبكّر قصيدة بعنوان “الرجعيون” ندّد فيها ببعض رجال الدين الذين عارضوا فتح مدرسة للبنات في النجف (1929) والتي يقول فيها:

تحكَّمَ باسمِ الدّينِ كلُّ مذَمَّمٍ                  ومُرتكِبٍ حفَّتْ به الشُبُهات

وما الدينُ إلّا آلةٌ يَشهَرونها                إلى غرضٍ يقضُونه ، وأداة

ويمكننا أن نذكر سعد صالح جريو وأحمد الصافي النجفي وعباس الخليلي وسعيد كمال الدين وعلي الدشتي (إيراني الأصل، عاد إلى إيران وشغل مواقع سياسية مختلفة وله كتاب مهم بعنوان 23 عاماً دراسة في الممارسة النبوية المحمدية) الذين أسّسوا حركة تمرّد في النجف، حين كانوا يدرسون في مدرسة الآخوند وهي فارسية الأصل في العام 1918 تحت اسم “معقل الأحرار”، وهناك أمثلة كثيرة أخرى لا يتّسع المجال لذكرها (وبالمناسبة فإن كلمة الآخوند تطلق على رجال الدين عامة وكبار العلماء خاصة، إجلالاً واحتراماً لهم، ومن أشهر الشخصيات التي حملت هذا اللقب ملّا صدر الدين الشيرازي ومحمد كاظم الخراساني والكاشي أو الكاشاني “القاشاني”، وموسى الصدر).

وعلى ذكر روّاد ندوة الحسني البغدادي فمن أهمهم أو الذين ترددوا عليها: السيد محمد سعيد الحبوبي والشيخ علي الخاقاني والشيخ محمد حسن كُبّه والسيد عبد الرزاق الحلو وشيخ الشريعة الأصفهاني والشيخ علي الجواهري والشيخ أحمد كاشف الغطاء والشيخ محمد جواد البلاغي والشيخ الميرزا محمد حسين النائيني والسيد أبو الحسن الموسوي الأصبهاني والشيخ محمد رضا آل ياسين والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء والشيخ محمد حسن المظفر والشيخ قاسم محي الدين والشيخ محمد جواد الجزائري والسيد عبد الحسين شرف الدين والشيخ عبد الكريم الجزائري والسيد حسين البروجردي والشيخ مرتضى آل ياسين وآخرين، وهؤلاء جميعهم من الأعلام والشخصيات المتميّزة من رجال الدين .

كان شيخ الشريعة الأصفهاني1850-1920 قد جاء بعد محمد تقي الشيرازي الحائري (1842- 1920) القائد الفعلي لثورة العشرين التي أعلنها من سامراء، وأصبح مرجعاً أساسياً وبعده نقلت المرجعية إلى السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني، الذي كان أحد روّاد حركة الإصلاح والتجديد وإن كانت الظروف التي عاش فيها جعلته يبدو حذراً، لاسيما الضغوط التي مورست عليه من خارج المؤسسة الدينية ومن داخلها، ومع ذلك كانت له آراء متقدمة قياساً لعصره.

ويعتبر السيد أبو الحسن في حينها المرجع الأول بلا منازع لاسيّما في فترة أواسط العشرينات وحتى أواسط الاربعينيات (1860- 1946) وكانت مواقفه قياساً لمرحلته تمثّل خطوات ريادية جريئة منها على سبيل المثال لا الحصر: تحريمه التطبير (أي ضرب الرؤوس بالسيوف) وأي نوع من أنواع الأذى الجسدي، ودعوته إلى تأجيل الكفارة إلى وقت مناسب (ذبح الأضاحي) ورأيه بعدم نجاسة أصحاب الديانات الأخرى، وإلى حق المرأة في طلب الطلاق إذا لم تكن متمكّنة مادياً بعد خمس سنوات على سجن زوجها، ورفضه تكفير الشاعر الرصافي.

وقد تناولنا ذلك في كتابنا سعد صالح – الضوء والظل: الوسطية والفرصة الضائعة، الذي سبق أن تمت الإشارة إليه.

كتاب المرجعات

أما السيد البروجردي(1875-1961) فقد كان من المتميّزين وكذلك السيد عبد الحسين شرف الدين1873-1957 صاحب كتاب “المراجعات” (وكان اسمه الأولي ” المناظرات الأزهريّة والمباحثات المصريّة”، وقد جمع فيه المراسلات الحواريّة بينه وبين شيخ الأزهر سليم البشري، حول موضوع الإمامة وهي التي أدّت أخيراً إلى تشيّعه وفقاً لما جاء في المراجعات، غير أن جمعاً من أهل السنة ينفون تشيّع سليم البشري، بل وينكرون أصل هذه المراسلات. ويعد هذا الكتاب من أشهر الكتب الحوارية الشيعية، وقد كتب باللغة العربية، ثم تُرجم إلى لغات أخرى). وإضافة إلى من ورد ذكره فهناك عدد من الشخصيات الدينية البارزة، وروّاد المجالس النجفيــــــة.

وارتبط الحسني البغدادي مع الشيخ محمد مهدي الخالصي (1888-1925) بعلاقة وثيقة، وكان الأخير قد زار النجف في العام 1912 بهدف التحضير لمؤتمر الكاظمية تمهيداً لمؤتمر الجهاد، وكان يسعى لإقناع اليزدي بالانضمام إلى عمل جهادي ضد القيصرية الروسية التي قامت بقصف مدفعي على مرقد الإمام الرضا في مشهد، وكان قد دعاه للإقامة قبل ذلك في الكاظمية، لكنـــــــــــــه اعتذر عن ذلك.

 

نشرت في صحيفة الزمان

 

 

الإمام الحسني البغدادي.. مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن

التاريخ والسياسة

6

مرجع يرفض الإنخراط بعمل منظم ضد عبد الكريم قاسم

وفي العام 1914 حين حاول البريطانيون احتلال العراق نشبت معارك الشعيبة قرب البصرة تطوّع العديد من رجال الدين للذود عنها وشارك فيها البغدادي، كما شارك في جبهة الكوت، وكان بصحبته السيد محمد هادي مكوطر وكانت الهوسة الشهيرة قد تردّدت: ثلثين الجنة لهادينا….. وثلث لكاكا أحمد وأكراده…. ومعروف إن السيد محمد سعيد الحبوبي (1849-1915) كان على رأس المجموعات التي تصدّت للاحتلال، وبعد عودته توفّي في الناصرية، أي قبل أن يصل إلى النجف .

وحين كانت عوامل وأسباب الثورة الكبرى تنضج كان الحسني البغدادي يستحثّ القادة ورجال الدين لتنظيم مضابط تدعو البريطانيين للاعتراف بحقوق الشعب العراقي، وقد كان الشيخ محمد تقي الشيرازي الحائري (1842-1920) هو القائد الفعلي، حيث انطلقت ثورة العشرين في 30 حزيران (يونيو) 1920. وقد حاول الحاكم البريطاني ليجمان استمالته بتقديم مفاتيح الروضة العسكرية في سامراء (مقام الإمام علي العسكري) إليه، وذلك بهدف زرع الفتنة الطائفية بين السنّة والشيعة، فكما هو معلوم بأن الغالبية الساحقة من سكان سامراء هم من الطائفة السنّية، ومن جهة أخرى حاول تحريض الشيخ ضاري المحمود ضدّه وضدّ الشيعة ، فما كان من الأخير إلّا أن أجابه “إنه مرجعنا” فباءت محاولته بالفشل، الأمر الذي أراد الانتقام منه بإهانته في وقت لاحق لكنّ الضاري ردّ له الصاع صاعين وقام بقتله.

 وقد تم تسفير النائيني والأصفهاني إلى خارج العراق 1923 لاعتراضهما على خضوع الملك فيصل الأول للإنكليز، مثلما تم تسفير الخالصي إلى الهند ومنها إلى إيران، وقد عاد النائيني والأصفهاني “عودة مشروطة” بالتعهد بعدم ممارسة النشاط السياسي، في حين رفض الخالصي ذلك وتوفي في إيران العام 1925 وعاد نجله الشيخ محمد الخالصي إلى العراق في العام 1949 ليترأس المدرسة الخالصية في الكاظمية.

وكان البغدادي منذ البدايات ضد “المؤسسة الفارسية الدينية” في العراق، وكان يعتقد إن دورها سينتهي وتأثيرها سيكون محدوداً بعد أن أصبح العراق دولة، وإن ما يأتي من “عملة صعبة” بزعم دعم المرجعية والعتبات المقدسة سوف لا تكون الحاجة إليه شديدة، كما هي حينذاك، فضلاً عن أن تخلّف العراقيين سوف لا يستمر طويلاً. وكان ذلك قد جاء في حوار له مع السيد محسن الحكيم (العام 1923).

لأنه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه

أو ماذا يعطي الإنسان فداءً عن نفسه

السيد المسيح

الحسني البغدادي والعدوان الثلاثي

اتّخذ الحسني البغدادي مواقف راديكالية من النظام الملكي بشكل عام، وعند حدوث العدوان الثلاثي الأنكلو – فرنسي “الإسرائيلي” على مصر بشكل خاص، العام 1956? وحين حدثت الهبّة الجماهيرية في النجف وبغداد والحي والموصل ومناطق أخرى من العراق، تضامناً مع الشقيقة مصر، جابهتها السلطات الحكومية بالقمع وقامت بإطلاق الرصاص على طلبة المدارس المنتفضين في النجف، وسقط ثلاثة من أبناء النجف، وهاجت المدينة المنتفضة، حيث تمكّن المتظاهرون من السيطرة على المدينة لنحو 9 أيام، وكان الجيش قد أرسل لضبط الأمن والنظام دون أن يتدخّل في ردع المتظاهرين.

وحاولت السلطة امتصاص حالة الغضب الشعبي، فأرسلت الدكتور محمد فاضل الجمالي لزيارة بعض رجال الدين، والتقى الحسني البغدادي به في منزله في النجف، وذلك بهدف التهدئة واستعادة زمام المبادرة كي لا يفلت من يد الحكومة. وكانت الزيارة برفقة محمد علي كمّونة، رئيس بلدية النجف حينها، وقد نقل له الجمالي تحيات الملك فيصل الثاني واعتزازه بمواقفه وطلب منه التعاون لتهدئة الموقـف.

وقد بادره الحسني البغدادي بالقول: ما كنت أرضى بمقابلة أحد من أركان النظام، بل كنتُ سأغلق الباب في وجههم، ولكن اختياركم من جانب الملك جاء لأن والدك ” عباس″ صديقي، والمرء يُحفظ بولده، وإن مجيئك كان بسبب توجيهي رسالة شديدة، تندّد بالموقف الرسمي بشأن العدوان، الذي استنكرته الجماهير في كل مكان، رجالاً ونساءً .

وعلى ذكر النساء، فقد كانت إحدى التظاهرات التي قادها الشيوعيون في النجف مجموعة نسوية شاركن فيها، كما إن التظاهرات التي استمرت لعدّة أيام كانت عامة شارك فيها الجميع من القوميين والبعثيين والشيوعيين والوطنيين بشكل عام. وختم حديثه لقد قابلتكم للاعتبارات التي ذكرتها، ولكن قطيعة بيني وبين النظام قد حصلت، وقد جئتم “بعد خراب البصرة”.

جدير بالذكر الإشارة إلى أن الحركة الوطنية في النجف آنذاك أرسلت وفوداً إلى عدد من رجال الدين لحثّهم على استنكار مواقف الحكومة العراقية والتضامن مع المتظاهرين، فضلاً عن إدانة موضوع إطلاق النار وقتل عدد منهم، وكان جدار الصحن العلوي المواجه للسوق الكبير قد تعرّض إلى إطلاق نار، وقامت السلطات ليلاً بمعالجة الأمر، ولكن آثاره ظلّت واضحة، واعتبرت حينها وصمة عار في جبين النظام الملكي، لكن نظام صدام حسين استخدم السلاح داخل الصحن العلوي في النجف، والصحن الحسيني والعباسي في كربلاء، وخصوصاً خلال أحداث ما سمّي بالانتفاضة الشعبانية بعد انسحاب القوات العراقية من الكويت (آذار /مارس 1991  ولاسيّما في كربلاء والنجف.

استقرار عواطف

وأتذكّر أن قمصان الشهداء عبد الحسين الشيخ راضي وأحمد الدجيلي والخياط، وهي مضرّجة بالدم، كانت مرفوعة فوق رؤوس المتظاهرين وهم يجوبون الشوارع والأسواق والصحن العلوي، وذلك بهدف استدرار العواطف من جهة، وممارسة ضغوط على رجال الدين لاتخاذ موقف واضح ضد سلطة نوري السعيد من جهة أخرى، ولذلك فقد توجّهت بعض التظاهرات إلى بيوت بعض رجال الدين، وكان الجمهور الغاضب يطالبهم باتخاذ موقف صريح وحازم، لاسيّما محاسبة المسؤولين عن إطلاق النار على المتظاهرين، وعلى الرغم من أنّ الإدانة عامة وشاملة، لكن الاستجابة كانت متفاوتة، خصوصاً باتخاذ موقف الإدانة الشديد.

وأتذكّر أيضاً وهذا ما كان شائعاً في صفوفنا حينذاك، إن تجاوب السيد الحسني البغدادي كان شديداً وقوياً، وكانت برقيته استنكارية إلى الحكومة العراقية لموقفها المتفرّج إزاء العدوان الثلاثي من جهة ومن موضوع التعرّض للمتظاهرين من جهة ثانية، فضلاً عن دعوته لإقالة نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي المعتّق. وقد حاولت العثور على نصّها فوجدته منشوراً لدى عبد الحميد الراضي وفي كتاب: ” محمد الحسني البغدادي- المسيرة الجهادية والفكرية في قراءة حوارية ووثائقية ” اكثر من سبعة عقود من الزمن في قسم الوثائق- (وثيقة 7)? وكان قد نشرها عبد الرضا فرهود أيضاً في مجلة الكوثر، العدد 642? 1422. ولكنها بدون عنوان أنقلها بالنص (نص برقية البغدادي إلى الملك):

 “إن الموقف المتفرّج تجاه العدوان الثلاثي المسلح على مصر مخالفة للشريعة الإسلامية، وإنه إلغاء لحقيقة استقلال المسلمين من سلطة المشركين وليس لهذه الوزارة برئاسة نوري السعيد مفعول قانوني. نناشدكم بإقالتها في الوقت الذي نؤكد لكم إن قيامكم بهذا الواجب يجمع كلمة المسلمين، ويقطع طمع الكافرين والله سبحانه ولي النصر، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والسلام على من اتّبع الهدى”.

وحين حدثت ثورة 14 تموز (يوليو)1958 استبشر بها الحسني البغدادي، وقد أرسل برقية تهنئة عاجلة إلى الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس مجلس الوزراء، واستلم جواباً تحريرياً، وكانت جريدة البلاد (البغدادية) قد نشرتها وهي بالعنوان التالي- سيادة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم المحترم بطل الثورة العراقية ،السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

“نبتهل إلى الله تعالى بنهضتكم رفع أعلام الدين وإعزاز الإسلام والمسلمين… قاضية فوراً على كل قوة استعمارية في جميع أوطاننا العربية والإسلامية” (محمد الحسني البغدادي). وكانت البرقية بتاريخ 6 محرم 1378 . وكان جواب الزعيم الذي ندوّن نصّه:

سماحة الفقيه الأكبر السيد البغدادي دامت بركاته،

” كان لكتابكم أطيب الأثر في نفوسنا. نرجو من الله أن يوفقنا إلى خدمة دينه وحماية شريعته والقضاء على الظلم والظالمين.”

الزعيم الركن عبد الكريم قاسم – رئيس الوزراء – 8 محرّم 1378

وقابل الحسني البغدادي وفداً عسكرياً برئاسة فؤاد عارف الذي جاء إلى النجف باسم قيادة الثورة وكان يأمل أن تسير الأمور بما يحقّق طموحات الشعب العراقي، لكن قلقه بدأ يكبر ونقده أخذ يزداد بالتدرّج، وسرعان ما أصبحت كفّة النقد أثقل، خصوصاً بعد أن يئس من استقرار الأوضاع بسبب الصراع السياسي الحاد الذي بدأ بعد الثورة بين القوميين والشيوعيين، واتّسع شق الخلاف بدخول الإسلاميين حلبة هذا الصراع، وكانت مواقفهم النقدية من حكم قاسم أقرب إلى القوميين، حتى وإن اختلفت المنطلقات.

وكنّا نعرف أنّ الحسني البغدادي متضايق من “انحراف” الثورة كما أسماه، ومن هيمنة الشيوعيين وإرهابهم الفكري، كما مورست عليه بعض الضغوط من “جماعة العلماء” الأكثر تشدّداً في مواجهة ما سمّي بالمدّ الأحمر، فاضطرّ لكتابة نص يؤيد فيه منشوراتهم، علماً بأنهم كانوا على خلاف شديد مع السيد محسن الحكيم الأب الروحي للجماعة، أشار فيه أنه مقدر دعوتها إلى التمسّك بالدين ووحدة الأمة ووحدة الكلمة، وأن عملها مشكوراً، لأنه لم يخرج عن الحق والواقع.

وللأسف فلم نكن نصغي إلى ذلك كثيراً، وأصابنا نوع من الغرور والتعالي، حتى على أوساط كانت مقرّبة منّا، أو يمكن تحييدها على أقل تقدير باستثمار الصراعات الداخلية في صفوفها، ولأن قوانا الذاتية كانت كبيرة ونبالغ فيها أحياناً، فقد كنّا نستخفّ أحياناً بالجبهة الواسعة التي أخذت تتشكّل ضدنا، سواء بصورة رسمية “الجبهة القومية التي ضمّت البعثيين والقوميين على تعدّد مجموعاتهم” أو بصورة غير رسمية، حيث جمعت القوميين والبعثيين والإسلاميين وبعض رجالات العهد الملكي والمتضرّرين من الثورة من الإقطاعيين وغيرهم.

وبالطبع كان هناك بعض الخيوط التي ترتبط بشركات النفط والدول التي تقف وراءها، والتي أعلنت صراحة عن عدائها للحكم الجديد، في محاولة لإعادة “حصان تموز الجامح” إلى الحظيرة، وخصوصاً بعد الخروج من حلف بغداد الاستعماري وفكّ الارتباط بالكتلة الاسترلينية، وبالأساس في الخوف من وقوع العراق في قبضة الشيوعية ودائرة النفوذ السوفييتي.

ليس هذا فحسب، بل إن معسكر الخصوم كان قد امتدّ إلى داخل الوسط الديمقراطي أيضاً، سواءً  في الحكم أو خارجه، الذي جرى الاستهانة به في إطار نزعة تسيّدية استعلائية سادت صفوفنا، وانعكست على علاقتنا بـ”الحزب الوطني الديمقراطي” بقيادة كامل الجادرجي وجناحه الآخر “الحزب الوطني التقدمي” بقيادة محمد حديد، وشخصيات محسوبة على عبد الكريم قاسم، عسكريين ومدنيين.

وتلك للأسف كانت السياسة العامة السائدة، وظروف الصراع التي اتخذت طابعاً متعصّباً ومتطرّفاً وإلغائياً على تناقضاته في إطارات يسارية طفولية في الممارسة اليومية، ويمينية في الموقف من استلام السلطة، وهو ما ينطبق على جميع القوى السياسية دون استثناء بشكل أو بآخر حتى وإن كان على نحو معاكس، وأعتقد إننا بسببها، إضافة إلى أسباب أخرى مهمة، دفعنا ثمناً باهظاً ونالنا من حملة تنكيل ما لم ينل أحداً، سواء في فترة عبد الكريم قاسم، وخصوصاً بعد خطابه الشهير في كنيسة مار يوسف واتهامه الشيوعيين بالفوضوية في أحداث كركوك أو بعده، في ظل حكم انقلاب شباط (فبراير) العام 1963 وما بعده، حين انفلت العنف على مصراعيه، ليتم قتل المئات تحت التعذيب، واعتقال عشرات الآلاف من الشيوعيين وأنصارهم ومن الوطنيين العراقيين بشكل عام.

هل الدين غير الحب

الإمام جعفر الصادق

جماعة العلماء

نشطت بعض المجموعات الدينية القريبة من “المرجعية”، وكان أكثرها تأثيراً وأبرزها حضوراً “جماعة العلماء” التي عملت بدعم غير مباشر من قيادة السيد محسن الحكيم في التصدّي للمدّ الشيوعي، وكان رئيسها الشيخ مرتضى آل ياسين، بمساعدة محمد تقي بحر العلوم ومحمد جواد الشيخ راضي وإسماعيل الصدر، وحظيت بدعم أبو القاسم الخوئي ومهدي الحسيني الشيرازي وعبد الهادي الشيرازي وعبد الكريم الجزائري وبدعم محدود في البداية من السيد الحسني البغدادي، ولم يتجاوب معها عدد من رجال الدين، بل وقفوا ضد توجهاتها وفي مقدمتهم السيد حسين الحمّامي والشيخ فاضل القائيني والشيخ عبد الكريم الزنجاني، خصوصاً وقد رافق تحرّكها بعض الإشاعات التي شكّكت بمقاصدها، لاسيّما وقد كان باكورة هذا التحرّك هو تكفير الحزب الشيوعي، وكان البغدادي يتّفق معهم من حيث تحريم “الشيوعية الإلحادية” التي هي بنظره “المسألة الكبرى”، إلّا أنّه يختلف وإياهم في “المسألة الصغرى”، لأنه لا يجوز الإفتاء بإلحاد الشيوعيين، لأنها تؤدي إلى احترابات وفوضى وهو ما حاول السيد “الحفيد” توضيحه (انظر أحمد الحسني البغدادي- تأصيل معرفي بين الثورية واللّاثورية، ج 5? القسم الثاني، 2011? ص 30 وما بعدها).

وبقدر ما كانت تتودّد “الجماعة” في البداية لكسب “الزعيم المحبوب” و”ربّان السفينة الأفضل” كما أسمته في منافسة مع ما كان يخاطبه به الشيوعيون بـ”الزعيم الأوحد”، وفي محاولة استرضائية لغروره، فإنها حاولت أن تصبّ جام غضبها على الشيوعيين، مستغلة الأخطاء التي وقعوا فيها والاندفاعات التي قامت بها المقاومة الشعبية، حيث عملت على دق الأسافين بين الزعيم وبينهم، خصوصاً باستثمار بعض التصرّفات الصبيانية التي أظهرتها وكأنها معادية للدين. وكانت جماعة العلماء قد أصدرت مجلة باسم ” الأضواء الإسلامية” العام 1959 واستمرت حتى العام 1962. وكان رئيس تحريرها محمد باقر الصدر الذي كان يكتب افتتاحياتها  (لخمسة أعداد) ثم تلاه الشيخ محمد مهدي شمس الدين وكان من بين محرّريها محمد حسين فضل الله.

وفي البداية كانت بياناتها تذيعها إذاعة بغداد (الراديو الرسمي) وكان معظمها يكتبه محمد باقر الصدر. وقد سمح لها بتأسيس مدارس ابتدائية ومتوسطة وإعدادية (في بغداد والبصرة والحلّة والنعمانية) كما قامت بتأسيس “كلية أصول الدين” بإدارة السيد مهدي الحكيم والسيد مرتضى العسكري.

لكن الحسني البغدادي لم يرغب في الانخراط بعمل منظّم ضد حكم قاسم، والأمر يعود لعدم رغبته في ممارسة عمل سياسي مباشر، وكان يفضل العمل الدعووي والوعظي غير المباشر، وثانياً وهذا مهم، لتعارض توجهات عمل جماعة العلماء، مع منهجه، يضاف إلى ذلك الإتهامات التي حامت حولها، لاسيّما بشأن دعم إيران والسافاك الإيراني لها، خصوصاً وأن نشاطاتها انصبّت على السعي لمنع تغلغل الحزب الشيوعي في مؤسسات الحكم، وذلك بعد رفع الحزب شعاره بالدعوة إلى إشراكه بالحكم في 1 أيار (مايو) 1959 والذي سرعان ما تم سحبه والتخلّي عنه.

وبالمناسبة فإن شعار الدعوة للمشاركة بالحكم في مسيرة الأول من أيار لم يصدر بقرار من المراجع الرسمية للحزب، بل وجد ضالته عبر طرحه في المسيرة من قبل أوساط متحمّسة حزبية وحتى غير حزبية، ولم يكن سلام عادل الأمين العام للحزب (حسين أحمد الرضي) الذي قتل تحت التعذيب العام 1963 يمانع في ذلك، بعد أن استشار بعض أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية، الذين أبدوا استحساناً، وبعضهم حماسة لطرحه لأنه داعب ما كانوا يفكّرون به، ولامس جزءًا من طموحاتهم، وهكذا استمرأوا الترويج له، وكنت قد رويت جزءًا من ذلك في حديث خاص مع آرا خاجادور القيادي الشيوعي العمّالي حينها في مقالة موسّعة كتبتها عنه بعنوان “آرا خاجادور وزيارة التاريخ” (صحيفة الزمان العراقية ابتداء من  28/1/2016).

  وكان الشعار قد انتشر مثل النار في الهشيم، ولم يعد ممكناً التراجع عنه، ولعلّ ذلك واحد من أخطاء القيادة الشيوعية، التي انساقت وراء أهوائها واضطرّت إلى مداهنة الشارع والسير خلف عواطف ورغبات بعض القياديين، دون حساب موازين القوى الداخلية والعربية والعالمية، وردود الفعل المحتملة فضلاً عن ذلك دون وضع استراتيجية لكيفية وضع هذا الشعار موضع التنفيذ الفعلي، في حين كان عليها قيادة الشارع لا السير في ذيله، خصوصاً برفع شعارات ذات طابع شعبوي وديماغوجي، إذْ لا يجوز طرح مثل هذا الشعار الستراتيجي وتبنّيه بمثل تلك الخفّة دون دراسة وتمحيص لنتائجه الخطرة وتأثيراته على مستقبل الحزب.

الأديان التي تعلّم ” الحب الأخوي” استخدمت ذريعة للقتل،

وأعظم اكتشافاتنا العلمية صارت أداة دمار شامل .

 

الإمام الحسني البغدادي.. مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن

التاريخ والسياسة

7

الصدر حاول نقد الشيوعية بطريقة منهجية تعكس ألمعية مواهبه

فتاوى تحريم الشيوعية

واستغلت جماعات مختلفة، ولاسيّما من القوى الإسلامية الشيعية والسنّية الانتهاكات والتجاوزات التي حدثت في الموصل بعد حركة العقيد عبد الوهّاب الشوّاف آذار/مارس 1959 وكركوك في الذكرى الأولى لثورة 14 تموز/يوليو حين اندلع العنف على مصراعيه وكان إصبع الاتهام الأول موجّهاً إلى الحزب الشيوعي ومعه بعض القوى الكردية، للقيام بهجوم مضاد عبر المؤسسة الدينية، حيث تم إصدار فتاوى من المراجع الكبار لتحريم الشيوعية، حيث أصدر السيد محسن الحكيم في شباط/فبراير فتوى لتحريم الشيوعية جاء فيــها :

” لا يجوز الانتماء إلى الحزب الشيوعي، فإن ذلك كفر وإلحاد، وترويج للكفر والإلحاد، أعاذكم الله وجميع المسلمين عن ذلك، وزادكم إيماناً وتسليماً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…”. وقد نشرناها في كتابنا “تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف” الذي ورد ذكره.

وكنموذج آخر للفتوى ننشر فتوى عبد الكريم الجزائري التي جاء فيها بعد البسملة “…الشيوعية هدم للدين وكفر وضلال، فلا يجوز الانتماء إليها بوجه من الوجوه، كفى المسلمين شرّها”.

أما فتوى مرتضى آل ياسين فقد أكّدت على “أن مساعدة الشيوعيين أو الانتماء إليهم يعدّ ذنباً كبيراً”.

وكان محمد الخالصي وهو نجل الإمام محمد مهدي الخالصي، الأسبق في اتخاذ مواقف حادة ضد الحركة الشيوعية، ولاسيّما ضد المدّ الشيوعي في العراق وهو في أوجه، وكان الأكثر جرأة وعداءً لها كما عشناها، وكما يوثقها جعفر الخليلي في كتابه “موسوعة العتبات المقدسة ” التي قام بتأليفها وبجمع بحوثها وعلّق عليها وصدرت عن مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت، الطبعة الثانية 1987  ج1قسم الكاظمين.

 فترة سابقة

وعالج عادل رؤوف الباحث الإسلامي المتميّز والضليع بشؤون الحركة الإسلامية موضوع الفتوى من زاويته في كتابه “محمد باقر الصدر بين دكتاتوريتين” إصدار المركز العراقي للإعلام والدراسات، دمشق العام 1999  من حيث أسبابها وتوقيتها ونتائجها، وأشار إلى أن مواجهة محمد حسين كاشف الغطاء وعبد الكريم الزنجاني ومحمد الخالصي للشيوعية كانت فكرية، وقد بدأت بفترة أسبق، في حين أن فتوى الحكيم صدرت العام 1960 كانت مفاجئة، بل إنه لم يسبقها بأي خطاب فكري في مواجهة الشيوعيين.

ويدعم عادل رؤوف كلامه باستنتاج يقول فيه: إن خطاباً فكرياً يشكل جزءًا من مشروع متكامل في مواجهة الشيوعية لم يوجد أصلا في المؤسسة المرجعية قبل محمد باقر الصدر، لكنه يستدرك باستثناء كاشف الغطاء ومحمد الخالصي، وهما من قدّم تفسيراً وتوصيفاً مهمين للانتشار الشيوعي في العراق عبر خطاب يستبطن وعياً سياسياً وفكرياً إسلامياً متقدّماً .

ويمكننا اقتباس فقرة من كاشف الغطاء موجهة الى السفير البريطاني في بغداد يقول فيها: ” فاعلم أن الشيوعية لا يجدي في قمعها ومقاومتها بالقوة والعنف والإعدام، فضلاً عن السجون والتبعيد والتعقيب الشديد، بل هي كحشائش الأرض والزرع كلّما حصدته تنمو جذوره وتزداد مهما تكرّر الحصاد”. ويضيف: “الشيوعية مبدأ ونظام وإن كان مبدأً فاسداً ونظاماً معوجاً، لا يقضي عليه إلا المبدأ الصحيح والنظام الصالح”.

وفي كتابه “المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون” (1954) والذي أثار ضجة كبرى في حينه واتّسع انتشاره لأنه يفضح هدف المؤتمر حين يضع عمل الإمبريالية والصهيونية على المحك من القضايا العربية، وذلك بمخاطبته القائمين على المؤتمر والغرب عموماً بقوله ” هل أبقيتهم للقيم الروحية قيمة…؟ أليست أعمالكم الفظيعة وضربتكم القاسية للعرب والمسلمين في فلسطين قد سوّدت وجه الدهر وألبست الإعصار جلابيب الخزي”؟ (عن حسن شبر تاريخ العراق السياسي 1900-1957 ? ج2 ? دار المنتدى 1991).

وكان كاشف الغطاء قد رفض الدعوة الأمريكية للمشاركة في المؤتمر المكرّس لمحاربة الأفكار الإلحادية والذي ضمّ رجال دين مسيحيين ومسلمين. وقد احتفى اليسار العراقي والحركة الشيوعية عموماً، بالكراس، وقاما بتوزيعه والتثقيف بالضد من الدعاوى الامبريالية بشأن الأفكار الهدامة والإلحادية كجزء من الصراع الآيديولوجي والدعائي الدائر بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي آنذاك.

وقد تناولت في كتابي ” الصراع الآيديولوجي في العلاقات الدولية” الصادر عن دار الحوار في اللاذقية، العام 1985 ? تنوّع وسائل وأدوات الصراع والدعاية بين المعسكرين، وقد انكشفت بعض تأثيراتها لاحقاً لشراء ذمم مثقفين وكتّاب وإعلاميين، تلك التي اتخذت في وقت لاحق توقيع عقود مع البنتاغون ومؤسسات وأجهزة أمريكية بصفة خبراء أو استشاريين، وذلك عشية احتلال العراق وتدمير الدولة العراقية.

وإذا كانت مثل تلك العلاقات في الخمسينات تتم على نحو في غاية السرّية والحذر، فإنها في التسعينات وما بعدها اتخذت طابعاً علنياً، بل إن البعض كان يتباهى بها، حيث تم تمويل صحف ومراكز أبحاث ومؤسسات مجتمع مدني، وتجيير نشاطاتها وفعالياتها وما تنشره ليصبّ في الخطط الاستراتيجية الامريكية والامبريالية.

نقد الشيوعية

أما محمد باقر الصدر فقد حاول نقد الشيوعية بطريقة منهجية في كتابه الشهير “فلسفتنا” الذي صدر في العام (1959) وفي ذروة المدّ الشيوعي، وكتابه الآخر “اقتصادنا” إصدار العام 1959  وقد أوردت حيثيات تلك التحضيرات بشكل مفصّل في مقالتي الموسومة “محمد باقر الصدر: حلّق في سماوات وسبح في بحور عميقة، لندن، المنبر، 1998 وكنت قد دخلت في نقاشات وحوارات مطوّلة مع السيد طالب الرفاعي في الولايات المتحدة العام 1992 والذي التقيته حين كنت أحضر مؤتمراً دولياً، وكان اهتمامي ينصبّ حول ألمعية الصدر ومزاياه ومواهبه الفكرية، إضافة إلى ظروف تأسيس حزب الدعوة والالتباسات بشأنها.

وسألت الرفاعي عن ظروف تأليف كتاب “فلسفتنا” وهي ليست بعيدة عن ظروف تأسيس حزب الدعوة ونشاط الحركة الإسلامية عموماً، في شقّها الشيعي والسنّي في مواجهة المدّ الشيوعي في العراق.  وكان جوابه إن الصدر “كان أنبهنا وأكثرنا جدارة”، ولذلك حاولنا توفير ما نستطيع له للقيام بمهمة التصدي لنفوذكم. وأضاف كنت أجلب له الكتب الشيوعية ليطّلع عليها ويحاول الرّد عليها بمنهج إسلامي رصين، حيث كنت أشتريها من مكتبة محمد الحلو في مدخل السوق الكبير في النجف من جهة الميدان، وتفرّغ الصدر لهذه المهمة وقد لمع نجمه فيما بعد وأصبح أحد أبرز المفكرين الإسلاميين.

 وكان الرفاعي في مصر حين توفّي الشاه محمد رضا بهلوي، الذي كان ضيفاً على الرئيس المصري محمد أنور السادات، واستدعته الخارجية المصرية للصلاة على روحه، لكونه رجل الدين الشيعي الوحيد الموجود في مصر آنذاك، وبالطبع فإن رجال الدين الشيعة كانوا يرفضون القيام بمثل تلك المهمة، لاسيّما بعد أن أغرق الشاه إيران الانتفاضة بالدم كما فعل في انتفاضة خرداد (حزيران / يونيو) العام 1963? ثم اضطر إلى الفرار في أواخر العام 1978 ولم يجد له ملاذاً سوى في مصر أيام الرئيس محمد أنور السادات.

وكان تصرّف الرفاعي قد أغضب الثورة الإيرانية التي انتصرت في شباط (فبراير) العام 1979 وأسست الجمهورية الإسلامية، ولذلك اضطرّ إلى اللجوء إلى أمريكا، علماً بأنه من أبرز مؤسسي حزب الدعوة في العراق. وحين سألته: هل كان مقتنعاً بالصلاة على روح محمد رضا بهلوي؟ فأجابني : لم يكن له من بدّ، إذْ لم يكن بوسعه الاعتذار، ولهذا السبب لم تكن علاقته ودية مع الثورة الإسلامية في إيران، وخصوصاً في حياة الإمام الخميني.

ولم يكن الحكيم وحده هو من أفتى بتحريم الشيوعية، بل كانت الحملة منظّمة ومنهجية ومدعومة من أوساط مختلفة في الداخل والخارج، وكان الهدف منها إظهار الشخصيات الدينية الأساسية والمراجع الشيعية بأنها كتلة واحدة ضد الشيوعية، ولذلك جاءت الفتاوى متتالية وبعضها إجابة على أسئلة مفتعلة تأتي على لسان شخص مجهول أحياناً، فيجيبه المرجع، بهدف الترويج لفكرة أو نقضها أو لغاية خاصة أحياناً.

وكما أشرنا فإن الشيخ عبد الكريم الجزائري (1289-1382 هـ) أصدر هو الآخر فتوى مماثلة للسيد الحكيم، الذي هو الآخر لم يكن على وفاق مع السيد الحكيم الذي كانت تعتبره حاشيته ” سلطوياً”، أي أن علاقته مع السلطة كانت مريبة، علماً بأنه كان من الذين اتخذوا مواقف وطنية، سواءً ضد الاحتلال البريطاني أو خلال ثورة العشرين وبُعيدها.

وبالمناسبة، فالجزائري هو والد الشيخ أحمد الجزائري الذي كان من الشخصيات القومية في النجف وكان عضواً في “حزب الاستقلال” الذي يرأسه محمد مهدي كبّه، وهرب إلى القاهرة في العام 1959? إثر محاولات لاعتقاله مع أحمد الحبوبي، وتعرّض في القاهرة لحادث سير فقد فيه حياته(1962). وكان السيد أبو القاسم الخوئي (1899-1992) قد أصدر فتوى أيضاً على غرار فتوى الحكيم، وتبعهم عبد الهادي الشيرازي الذي أصدر فتوى شبيهة للفتاوى المشار إليها، وكذلك الشاهروردي وعبدالله الشيرازي ومرتضى آل ياسين ومحمد جواد الطباطبائي التبريزي.

فتوى البنا

أما العلماء المسلمون السنّة فقد كانت الفتوى التي أصدرها الشيخ حسن البنّا جاهزة لديهم منذ حين، حيث كان البنّا قد اعتبر ” الشيوعية مذهب مادي تهتم بكل ما هو محسوس على حساب الجانب الروحي، ولذا فقد أنكرت وجود الله ومحت العقيدة ورفعت الأخلاق” ويعتبر البنّا الشيوعية إلحاد وإباحية لا بدّ من محاربتها، وقد كانت وجهات النظر هذه تمثّل خلفية لما اتخذه بعض علماء الدين السنّة مثل محمد محمود الصوّاف وعبدالكريم زيدان وعبد الرحمن السيد محمود، الذين فرّوا إلى المملكة العربية السعودية بعد أحداث الموصل، ومن هناك شنّوا حملة ضد حكم قاسم والشيوعية، علماً بأن جماعة الأخوان المسلمين (الفرع العراقي) كانوا قد تقدّموا بالحصول على ترخيص لممارسة العمل العلني والقانوني تحت اسم “الحزب الإسلامي” في العام 1960? وفي حينها رفضت وزارة الداخلية طلبهم، ولكنهم استأنفوا وكان قرار محكمة الاستئناف قد صدر لصالحهم فحصلوا على الحق في العمل القانوني العلني، وكانوا قد وضعوا اسم السيد محسن الحكيم بصفته راعي الحزب، تأكيداً على تضامنهم ضد الشيوعية.

جدير بالذكر إن فتاوى مماثلة كانت قد صدرت عن المفتي نجم الدين الواعظ (المعاضيدي الشمّري) (1880-1976) ومنذ وقت مبكّر من مفتي بغداد الشيخ قاسم القيسي (1876-1955).

ويروي هاني الفكيكي في كتابه “أوكار الهزيمة”( دار رياض الريس، لندن- قبرص، 1993) عن أن عبد الغني الراوي اندفع في حمأة نقاش ضد الشيوعيين بعد حركة حسن السريع (تموز/يوليو 1963) بالدعوة لإعدام الضباط الشيوعيين على نحو جماعي. وعندما لم يحظَ رأيه بالتأييد التجأ إلى الاحتماء بالدين فدسّ بضعة أوراق بيد عبد السلام عارف الذي هتف لإسكات المترددين أو المتحفّظين على مثل هذا الإجراء: ماذا تريدون أكثر من ذلك فالشيخ قاسم القيسي والمفتي نجم الدين الواعظ والسيد محسن الحكيم أفتوا بجواز قتل الشيوعيين.

وبعد أن أُعدم بضعة عشرات منهم (حوالي 30 ضابطاً) أرسل نحو 450 ضابطاً ومدنياً شيوعياً إلى نقرة السلمان بقطار الموت الذي كان أقرب إلى نحر جماعي، وهم مقيّدون بسلاسل حديدية ورُبطوا إلى بعضهم البعض، بعربات جدرانها وأرضيتها مطلية بالزفت “القار” وفي حرارة الصيف اللاهب، حيث كانت التقديرات أنهم سيموتون جميعا في الطريق، خصوصاً بالسرعة البطيئة التي أُمر سائق القطار السير فيها لكنه أدرك المغزى من ذلك بعد حين، خصوصاً حين سمع أصوات المعتقلين الذين ظنهم حمولة خاصة، فأسرع بالقطار لإنقاذهم وتوقف عند مدينة السماوة التي كانت قد عرفت ركاب هذا القطار الغريب فحاولت تقديم الإسعافات اللازمة لهم مع وجود عدد من الأطباء بينهم ومنهم رافد صبحي.وكان الصديق العقيد غضبان السعد قد روى لي تفاصيل هذه الحادثة الأليمة. أما سائق القطار عبد العباس المفرجي وهو والد الصديق مظهر ، فقد كان مصيره أن اقتيد معهم إلى سجن نقرة السلمان الصحراوي، وقد تداولت مع الأخ علي كريم بعض التفاصيل عن قطار الموت، إضافة إلى ما كتبته عن حركة حسن السريع.

وبالعودة إلى الموضوع كان رئيس الحزب الإسلامي حينها الدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي، وقد أعيد تأسيسه في لندن العام 1991? ومن قياداته لاحقاً اياد السامرائي وأسامة التكريتي، وشارك في مجلس الحكم الانتقالي بعد احتلال العراق العام 2003? ومثّله فيه د.محسن عبد الحميد، وأصبح طارق الهاشمي أميناً عاماً له وقد تركه في وقت لاحق.

وقد أصدر الحزب الإسلامي بعد طلبه الترخيص في العام 1960 بيانات شديدة اللهجة ضد الشيوعية بعد صدور الفتاوى بتحريم الشيوعية. وندّد بالفكر الإلحادي الشيوعي في الذكرى الثانية لثورة 14 تموز (يوليو)، وقدّم في الوقت نفسه مذكرة إلى عبد الكريم قاسم تضمّنت نقداً لاذعاً للحكومة لإغفالها تعليم الدين الإسلامي وممالئتها للشيوعية الإلحادية . وقد استغلت القوى الإسلامية الشيعية والسنّية صدور قانون الأحوال الشخصية رقم 188 العام 1959 الذي استجاب لبعض حقوق المرأة، فندّدت به واعتبرته ضد مبادئ الشريعة الإسلامية ودعت لإلغائه .

وكان السيد محسن الحكيم قد أرسل وفوداً لعبد الكريم قاسم يطالبه بإلغاء القانون، وكتب في حينها السيد محمد بحر العلوم بتكليف منه كتاباً يردّ فيه على القانون من منطلق “إسلامي” وقد نشر القانون في جريدة ” الوقائع″ العراقية ، العدد 2? 28 تموز (يوليو) 1959 فاعتبر القانون مخالفة للدستور المؤقت (الصادر في 27 تموز/يوليو/1958) الذي يقول أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام واعتبر القانون يحدّد طبيعة القاضي ووظيفته.

تعدد الزوجات

وبموجب القانون الجديد، ألغيت مسألة تعدّد الزوجات والحصول على موافقة ولي أمر الزوجة، كما منع القانون الزواج بأكثر من امرأة واحدة وأعطى للمرأة الحق في الطلاق، والمساواة بالإرث مع الرجل. ومن الأسباب الموجبة للقانون كما جاء فيه أنه “وجد أن في تعدّد مصادر القضاء واختلاف الأحكام ما يجعل حياة العائلة غير مستقرة وحقوق الفرد غير مضمونة فكان هذا دافعاً للتفكير بوضع قانون يجمع فيه أهم الأحكام الشرعية المتفق عليها”.

ومن أبرز نشاطات القوى الدينية حينها، هو الاحتفالات الكبرى في كربلاء والنجف بمناسبة ولادة الإمام الحسين ومولد الإمام علي والاحتفال في بغداد بمناسبة مولد النبي محمد، واستغلت هذه المناسبات للتنديد بالأفكار الإلحادية.

الشاهق جداً يُعرف بالكاد

حكمة صينية تاوية

تمنّع الحسني البغدادي

وكانت قد مورست ضغوطاً كبيرة على الحسني البغدادي لإصدار فتوى في الوقت نفسه متزامنة مع فتوى الحكيم، لكنه رفض ذلك بعناد وإصرار، وحسب عادل رؤوف، وهو ما دقّقته مع الحسني البغدادي (الحفيد) “إن هذه الفتاوى سيكون ضحيتها الأولى والأخيرة شيعة العراق”، لأن الشيوعيين العراقيين كانوا أغلبهم من الطائفة الشيعية، وإذا كان ولا بدّ من إصدار فتاوى فلا بدّ من إقناع علماء أهل السنة بإصدار مثل هذه الفتاوى.

ويروي (الحفيد): زار البغدادي الكبير ثلاثة من علماء الشيعة لإقناعه بإصدار فتوى ضد الشيوعية ، وكان الوفد يتألف من الشيخ مرتضى آل ياسين والسيد اسماعيل الصدر والسيد محمد جمال الهاشمي وبحضور عبد الهادي العصامي وناشدوه بقولهم: إن خطر الإلحاد أصبح واضحاً وإن الشيوعيين يسحلون الناس بالحبال وهم يدعون إلى الإباحية، ولا بد من إصدار فتوى ضدهم فكان جوابه: إذا كان العنوان الأول صحيحاً، فإن نتائجه ستؤدي إلى ذبح الشيعة، وهذا خطأ فادح، ثم أضاف أين كنتم طوال هذه السنين عن الشيوعية؟ والمقصود مواجهتها الفكرية.

ومع أنه كان مقتنعاً بإلحادية الأفكار الشيوعية، لكنه كان رافضاً إصدار الفتوى متزامنة مع الأربعة ومن تبعهم لاحقاً، وفي محاولة لاستمالته، قال له الهاشمي ستكون صورتك وفتواك مقدّمة على صورة وفتوى السيد الحكيم، ولكن البغدادي الكبير نهره بقوله: لسنا أطفالاً، كما أفادني البغدادي (الحفيد)، إذ لم يعبئ بمثل تلك الترّهات.

الإمام الحسني البغدادي.. مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن

التاريخ والسياسة

8

 

 مرجع يصدر فتوى لإنقاذ البسطاء من المنخرطين في الحزب الشيوعي

وفي حديث مع (الحفيد) وكنت قد سألته بعد أن كان جدّه قد تأسّف لذبح الشيوعيين وإصدار البيان رقم 13 القاضي بإبادتهم واستغلال الفتاوى الأربع في ذلك، لماذا إذاً أصدر الفتوى في العام 1964 في حين كان آية الله حسين الحمّامي وآية الله عبد الكريم الزنجاني وآية الله الشيخ محمد فاضل القائيني، قد استمرّوا في رفضهم إصدار مثل هذه الفتاوى وتحمّلوا بسببها الكثير من الاتهامات والإساءات، وكذلك السيد البغدادي.

وأعتقد إن الأساس في موقفهم يعود لاعتبارات فكرية وعملية، فضلاً عن ما قد تسبّبه من زيادة الانقسامات المجتمعية، إذْ أن على فكرة التكفير ستترتب إجراءات وردود فعل وتبعات أخرى، ناهيك عن كونه يثير إلتباسات قانونية، مثلما يثير خلافات وحسّاسيات سياسية واجتماعية وحتى شخصية وعائلية، فمن يستطيع أن يفتي بذلك وهو مرتاح الضمير أو يتحمّل تلك النتائج، خصوصاً، وإنه شاهد بأم عينيه كيف تمّ استغلال فتوى السيد الحكيم في العام 1963 عقب الإنقلاب البعثي الأول وحتى قبله؟

اصدار فتوى

ومثلما حامت شبهات حول من أصدر الفتوى، فإن شبهات مضادة كانت قد راجت، في إطار حملات التسقيط بين المراجع، فقد اتّهم القائيني بالشيوعية وتمّ تسّفيره إلى إيران في العام 1963? والتهمة ذاتها تمّ ترويجها ضد الحمّامي، أمّا الزنجاني فقد اتّهم بأنه عميل بريطاني، في حين كانت تهمة كاشف الغطاء بأنه “سلطوي” و”مداهن للحكام”، علماً بأن أوساطاً من المرجعية الرسمية كانت تروّج لمثل هذه الإشاعات، في ظلّ صراعات خرجت عن حدودها في الشارع النجفي وسبّبت باحتداماته، وخصوصاً بارتفاع درجة حرارة الجو السياسي.

وقد أجابني الحسني البغدادي (الحفيد): إنّ الفتوى من جانب البغدادي الكبير كانت حيطة وحذراً، وقد حاول فيها التفريق بين بعض قيادات الشيوعيين المؤمنة بالإلحاد وبين القواعد البسيطة. ونقل نصاً عن جدّه يقول فيه ” وقد ابتلى بها أبرياء من المؤمنين بأنواع القذف والتكفير ونحوهما”، وقد ناقشته بذلك طويلاً، فقد كان الأمر بالنسبة لي ولا زال على نحو أشد وضوحاً، هو أنني غير مقتنع على الإطلاق للتبريرات، وأعتبره مجاراة ومجاملة للتيار الديني السائد، ممثّلاً بالحكيم والجماعات التي تلتفّ حوله، إضافة إلى مداهنة للسلطة الحاكمة أيام عبد السلام محمد عارف، وأية دفوعات غير ذلك إنما هي تبريرات لا تستند إلى حجج واقعية أو مقنعة. وعلى افتراض حسن النية، فمثل تلك الذرائع أقرب إلى السذاجة السياسية في حين أن السيد البغدادي يدرك المسالك الوعرة والطرق الملتوية، التي تتخذها المسارات السياسية، وما كان عليه الإقدام على ذلك.

وأظن أن الإمام الحسني البغدادي كان قد استدرج إليها ولم يكن يرغب في إصدارها وتوزيعها، وإنما كان ذلك بمثابة “رأي” منه أورده الشيخ الأميني منقولاً عن مخطوطة في مكتبته، ولكن ما إن نشر الأميني ذلك، حتى تم استغلال ما ورد فيه باعتباره “فتوى” ضد الشيوعية. وبالطبع فإن هناك اختلاف بين إصدار فتوى تحريضية تعبوية إلغائية، وبين رأي واجتهاد بخصوص فكرة، بهدف دحضها وتفنيدها وإثبات ضررها، سواء كان مثل هذا الرأي صائباً أم خاطئاً، لأن سياقاته ستكون مختلفة ، وقد أوردنا في مكان آخر من هذه السردية الاختلاف بين الأمرين.

وقد جاءت “الفتوى” الحسنية – البغدادية في فترة كانت قد لجأت سلطة عارف إلى انتزاع البراءات من الشيوعيين، الأمر الذي تم توظيفه سياسياً مثل الفتاوى الأخرى. وكان الشاعر مظفر النواب بعد أن أُلقي القبض عليه في إيران وتم تسليمه إلى العراق (أواخر العام 1963)? حيث حكم عليه بأحكام غليظة، قد نقل إلى سجن نقرة السلمان، وقد كتب قصيدته الشهيرة الموسومة “البراءة” وهي “صورتان”: الأولى عن “الأم” والثانية عن “الأخت”، وذلك في العام 1964. وعلى الرغم من أنها فنياً لا ترتقي إلى مصاف قصائد النواب الرائعة، فإنها لقيت رواجاً سياسياً وشهرة كبيرة جداً. وهناك نص مؤثر حين تخاطب الأم ولدها  الذي يعطي البراءة أو ينوي إعطاءها لتبرير إعالة عائلته بقولها :

يا بني ابن الجلب يرضع من حلبيي

ولا ابن يشمر لي خبزه من البراءة

يا بني يأكلني الجرب لحم وعظم

وتموت عيني ولا الدناءة

يا بني ها أيام يفرزنها القحط، أيام محنة

يا بني لا تثلم شرفنا

يا بني يا وليدي البراءة تظل مدى الأيام عفنة

تدري يا بني بكل براءة

كل شهيد من الشعب ينعاد دفنه

كطرة كطرة وبنظر عيني العميته

كلّي ما يندار رحمي و أنت أمي وذاك حزبي

وعزّ أبوي المالواني وما لويته

كلّي ما أهدم حزب بيدي بنيته

وجاء في فتوى الحسني البغدادي التي ننشرها نصاً (وسواء كانت فتوى أم رأياً)  “الشيوعية فئة ملحدة ، صريحة الإلحاد” في كتبهم المنشورة وسائر كلماتهم الشائعة  التي لا يمكن تأويلها ويكفي في ذلك هجر اسم الجلالة وتعقيب من نطق به بأنواع الأذى… حتّى أنّهم بهذا المبدأ قد قضوا على عبادة الله في أديانهم بل حجزوا عليهم في جميع ما يعود إليهم خدائع كثيرة وقد أشرنا إلى جملة منها وقد سرت هذه الفتنة إلى بلادنا وقد اغترّ بها أناس كثيرون حتّى أصبحوا من أكبر دعاتها وهم لا يشعرون، فاشتدّ الاختلاف وعمّت الفوضى وأريقت الدماء وهتكت الأعراض واستهين بالحرمات وتوسّع الفساد بأنواعه، وكان لهؤلاء أعظم تأثير على المستضعفين وقد ابتلى الأبرياء من المؤمنين بأنواع القذف والتكفير ونحوهما بذلك نسأله تعالى تحسين الحال.

إنّ الشيوعية فتنة وقعت في زماننا جاءتنا من أعدائنا وهي أكبر فتنة قاضية على الدين والنظام فالواجب على جميع المسلمين ولاسيّما حكوماتهم مقاومتها والقضاء عليها فعليكم أيها المسلمون أخذ تمام الحزم لهذا الأمر بكلّ طريق حاسم لها”.

ويلاحظ من قراءة النص ارتباكه والتباس معانيه وذلك بقوله: إن الشيوعية فئة، في حين أنها فكرة، أمّا الشيوعيون فهم فئة، ويعود ليعتبرها فتنة، والفتنة ليست سبباً، بل نتيجة.

وإذا كانت فتوى الحكيم مدوّية ومؤثرة إلى حدود لا يُستهان بها، وأضعفت نسبياً من نفوذ الحزب الشيوعي الذي كان واسعاً، وفي ظرف اتّسم ببعض التصرّفات غير المقبولة من بعض أعضائه أو المحسوبين عليه، لاسيّما الاستخفاف بالدين وإظهار العداوة لرجال الدين، بسبب بعض مواقفهم المعادية للثورة، فضلاً عمّا حدث من انتهاكات في حينها، ولاسيّما العام 1959? وما رافق ذلك من إشاعات حول ” تمزيق القرآن” و” الدعوة للإلحاد” و”الإباحية” وغير ذلك، فإن تلك الظروف تغيّرت، فالحزب الشيوعي لم يعد يوم صدر رأي الحسني البغدادي أو فتواه مهيمناً على الشارع، بل هو ملاحق، والسجون كانت ما تزال مملوءة بالشيوعيين، وما لاقوه من تعسّف وتعذيب، أقرّ به حتى بعض من قام بممارسته لاحقاً من خصومهم، فلماذا يصدر السيد الحسني البغدادي “الفتوى” ضد الشيوعية، خصوصاً وأنها لم تشكّل خطراً فعلياً آنذاك؟

وقبل الإجابة على هذا السؤال نعود إلى الحديث عن تأثيرات فتوى الحكيم، وكما سبق وأن أشرت في مباحث أخرى، إنها كانت محدودة وانحصر تأثيرها في بعض أوساط الريف والفلاحين والمناطق النائية والبعيدة بحجم الاتهامات والتشكيك بالدين والرُسل والأئمة التي نُسبت إلى الشيوعيين، ولكن لم يكن لها نفس التأثير في النجف مثلاً، وبعض المدن الكبرى مثل بغداد والموصل والبصرة، فضلاً عن كردستان.

الشك ينمو مع المعرفة

غوته

للأفكار أجنحة

وقد بيّنت في كتابي ” تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف” وفي حوارات تلفزيونية عديدة إن المسؤول الأول عن اللجنة المحلية للحزب الشيوعي في النجف حينها هو السيد صاحب الحكيم وهو نجل السيد جليل الحكيم، إضافة إلى شقيقيه سلمان وناجي وشقيقتهم زهوري (أم فلاح) (زوجة الشهيد حسن عوينه) كانوا من الشيوعيين، وإن والدتهم  وهي سيّدة شجاعة كانت مراسلة مع سجن نقرة السلمان في الخمسينات، ليس هذا فحسب، بل إن العشرات من أبناء العوائل الدينية الكبيرة آل الحكيم والرفيعي والخرسان وشعبان وشريف والصرّاف، وهم من سدنة الروضة الحيدرية، كانوا من الشيوعيين، مثلما كانت أعداد كبيرة من عوائل دينية لها نفوذ في الحوزة من آل الجواهري وبحر العلوم والحلو والخليلي والدجيلي والشبيبي والسوداني وزيردهام وسميسم على ملاك الحزب الشيوعي أيضاً، إضافة إلى عوائل معروفة أخرى غير دينية، فكيف يمكن لفتوى تشمل هذه العوائل الكبرى في النجف أن تكون مقبولة؟

ومن الطريف ذكره في هذا المقام أنه بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 وإثر انكشاف تنظيمات الحزب الشيوعي، كان هناك تنظيم خاص برجال الدين ضم 33 عضواً، إضافة إلى أعداد من الأصدقاء والمؤيدين، سواء من كانوا في حضرة الإمام علي أو قرّاء وشعراء المنابر الحسينية أو في أوساط الحوزة العلمية.

وإذا كانت قد أثارت فتوى الحكيم احتكاكات في الشارع وتقاطعات حادة وأحداثاً صاخبة، فإن فتوى الحسني البغدادي قياساً لفتوى الحكيم، جاءت باهتة وكأنها في غير وقتها، الأمر الذي لم تثر أي ردود فعل بشأنها.  وقد يعود الأمر إلى عدم رغبة الحسني البغدادي توظيفها على نحو دعائي واستفزازي، فقام بوضعها بصفتها ” رأي” في مكتبته، ولولا الأميني، فقد يكون مثل ذلك الرأي أو تلك الفتوى في الأدراج إلى يومنا هذا، وقد يكون الزمن قد طواها، ويا حبّذا… لأنها كانت في غير سياق منهج البغدادي. وحسب معرفتي بنهج ” رجال الدين”، فقد يكون البغدادي كتبها تقيّة، حتى إذا ما سُئل عن رأيه، فسيقول إنه كتبه منذ حين، وهذا ما حصل حسب تقديري، وأرجو ألاّ أكون مخطئاً في ذلك.

وإذا كان الحسني البغدادي ” الحفيد” قد سار على خطى الجد في راديكاليته ومواقفه السياسية الوطنية والعروبية، ولاسيّما في موقفه المتميّز الرافض للاحتلال الأمريكي، وكان من أبرز رجال الدين الذين دعوا لمقاومته والوقوف ضده بجميع الوسائل المتاحة وأبدى استعداده للتعاون مع جميع القوى لتحقيق هذه المهمة النبيلة.

احتلال امريكي

وأتذكّر مرّة قولاً جريئاً له بهذا الصدد، حين أبدى استعداده للتعاون حتى مع “عاهرة” إذا كانت ضد مشروع الاحتلال الأمريكي،  ولم يتورّع من قول ذلك، وهو بزيّه الديني وعمامته السوداء ولحيته البيضاء، وبالطبع فإن مثل هذا القول مجازي على صعيد “التشبيه والدلالة” كما يقول علماء البلاغة، قصد منه الدعوة إلى تعبئة جميع القوى ضد المحتل وإبعاد ما هو ثانوي وطارئ ومؤقت، على حساب ما هو استراتيجي وثابت وطويل الأمد، لاسيّما بإذكاء روح الوطنية العراقية وتحفيزها على مقاومة المحتل الأمريكي.

أمّا موقفه من الشيوعية، فهو لا يحرّم عمل الشيوعيين أو يجرّمهم ، بل يعارض الفكرة الشيوعية المادية، لكنه مستعد للتعاون معهم لأهداف سياسية ومطلبية تخص حياة الناس ومستقبل وطنهم، وقد جاء في مقابلة له مع جريدة “قاسيون” التي يصدرها الحزب الشيوعي السوري، وأعيد نشرها في كتاب ” فتاوى أحمد الحسني البغدادي في فقه المقاومة وثقافة الاستسلام”، إعداد وتحقيق علي الحسني 24/1? الطبعة الرسمية الأولى، نيسان ، 2010″. رداً على سؤال حول مقولة ماركس ” الدين أفيون الشعوب” وإلحادية الماركسيين: إن كارل ماركس قرأ الدين المسيحي المنحرف(ويقصد الكنيسة وبعض رجالها وخصوصاً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) من خلال أسطورة الخطيئة الموروثة التقليدية، التي يقام عليها ركام هائل من الطقوس والتشكيلات ومن الأساطير والخرافات، ويعني بذلك إعطاء “صكوك غفران” للبسطاء من الناس في سبيل الخلاص الأبدي من العذاب الآخروي… من هنا جاءت مقولة ماركس ” الدين أفيون الشعوب”، علماً بأنه لم يقرأ الدين المحمدي الأصيل، الذي لا يرضى بالخنوع والذل والعبودية واستغلال الإنسان للإنسان.

ويفرّق ” الحفيد” بين من آمن بالتعاليم “الماركسية – اللينينية” كانتماء سياسي وبين من كفر بالأديان السماوية في معناها، وهو ما استغلته القوى الرجعية ضدهم كما يقول واعتبرتهم جميعهم ” ملاحدة” بلا استثناء، في حين إن الانتماء السياسي مع البقاء على العقيدة وعدم إنكار أصول الدين وفروعه شيء، والكفر والإلحاد شيء آخر، فمن آمن بالشيوعية كانتماء سياسي وآيديولوجي وظلّ على دينه فهؤلاء ” مسلمون لا ملحدون” حتى لو كانوا ماركسيين.

وبالعودة إلى “رأي” أو فتوى البغدادي الكبير، وأستطيع القول أنها جاءت في الوقت الضائع، وكأنها إثبات حسن ولاء مجاني، وفي إطار المنافسة بين المراجع، علماً بأن فتوى الحكيم أثارت علامات استفهام بحق الحركة الدينية، كان بعضها قد جاء على لسان الحسني البغدادي نفسه من وجود شبهات، لاسيّما في ظل صراعات حادة على المستوى العالمي بين معسكرين، متناحرين هما الشرق والغرب (الشيوعية والرأسمالية) فكيف إذاً إنساق إلى ذلك؟

وإذا كانت “الفتاوى” قد أضرّت بالحركة الشيوعية، فإن ضررها كان بليغاً على  الحركة الإسلامية ذاتها، التي واجهتها أسئلة كبرى لاحقاً لم يكن بمقدورها الإجابة عليها. فلماذا اتجه الحسني البغدادي صوب هذا النهج في وقت لم يكن الصراع حاداً مع الشيوعيين ويستوجب مواجهتهم بسلاح الدين كوسيلة “مجرّبة” حتى وإن كانت مُستهلكة، لأن البعض يمارسها إلى اليوم وكأنه ينتمي إلى الماضي حيث ترتفع أصوات تدعو إلى مكافحة الشيوعية ومحاربة المادية الديالكتية تارة بزعم علمانيتها ودعوتها لفصل الدين عن الدولة، وأخرى لمنهجها الإلحادي والإباحي، بسبب ما تبناه من رأي بخصوص مساواة المرأة مع الرجل والدفاع عن الحقوق والحريات العامة والخاصة، وكأن الزمن قد تجمّد عنده.

وكنت سأتفّهم موقف الحسني البغدادي لو حاول نقدها فكرياً أو تفكيك منطلقاتها، كما فعل كاشف الغطاء أو محمد باقر الصدر بعده، في محاورة سجالية مهمة، سواء اتفق البعض معها أو اختلفنا بشأنها، لكنها محاولة جادة ورصينة ومؤسسة على نحو مُحكم.

لقد شهد التاريخ القديم والمتوسط والحديث تأثيم وتجريم وتحريم أفكار ومفكرين، وكان ابن رشد وهو فيلسوف وطبيب وفقيه وقاضي وفيزيائي أندلسي ومن مواليد قرطبة في 14 نيسان (ابريل) 1126 قد تعرّض لأشد حملة تكفيرية حيث اتهم من رجال الدين، بالكفر والإلحاد والزندقة، وهي التهم التي وجّهت للماركسيين والشيوعيين والتنويريين، وتم ترحيله إلى مراكش حيث توفي هناك في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1198 بسبب الكآبة والعزلة. وكان رجال الدين المتزمتين قد قاموا بحرق كتبه ، وذلك لما تحتويه من مفاسد وكفر وإباحية وهرطقة وهي التهم ذاتها الموجهة على أصحاب الفكر التغييري في كل زمان ومكان، حسب تبريراتهم.

قول شهير

وحين رأى أحد تلامذته يبكي، فقال قولته الشهيرة وهو يخاطبه “لا تبكي يا بني فإن للأفكار أجنحة”. وهو ما يذكّرنا بسقراط الذي لم يكن يرى أي تعارض بين الدين والفلسفة، وهناك طرق مختلفة للوصول إلى الغايات المشتركة. وكان غاليلو قد أدين بالاشتباه بالهرطقة والتعرض لما جاء في الإنجيل، لأنه تحدث عن مركزية الشمس استناداً إلى تعاليم كوبنريكوس، وإن الأرض تدور حول الشمس، وفرضت عليه الإقامة الجبرية حتى توفي في 8 كانون الثاني (يناير) 1642 بعد أن عاش عزلة كاملة لعدّة سنوات، وقد ولد 15شباط (فبراير) 1564 ? وبعد مرور نحو 350 عاماً وبالتحديد في العام 1983 اعتذرت الكنيسة منه وردّت إليه اعتباره، وتلك عبرة لمن يعتبر.

وكنتُ أتابع الجدل والنقاش الذي اندلع عقب مشروع قانون مساواة المرأة بالرجل الذي طرحه الرئيس التونسي القائد السبسي، وكيف استحضرت “فكرة الكفر والإلحاد” ومخالفة الشريعة والتجنّي على الإسلام، تلك التي روّجها بعض القوى الإسلامية والإسلاموية ضد مشروع القانون، لاسيّما بخصوص الإرث والحق في الزواج من غير المسلم، فقد كانت ردود الأفعال غاضبة وشديدة، بل وتكفيرية ضد المشروع والداعين والمؤيدين له، في حين لم نلحظ مثل هذه الحماسة في الموقف من سرقة قوت الناس وخبزهم وتهديد أمنهم وحياتهم، ناهيك عن تدنيس مقدساتهم، بما فيها القدس الشريف.

الحقيقة النهائية تتكشّف شيئاً فشيئاً

من خلال تطوّر الأفكار

هيغل

البغدادي والخميني

كان البغدادي عدواً لدوداً لشاه إيران ووقف بصلابة إلى جانب انتفاضة خرداد العام 1963 منحازاً إلى الجانب الشعب الإيراني، ولعلّ موقفه هذا جعله قريباً من السيد الخميني بعد أن كاد الأخير أن يحاكم، وتصدر أحكاماً ثقيلة بحقه، لولا التضامن معه، ومنحه درجة الاجتهاد باعتباره “آية الله” وحسب الدستور الإيراني، فإن ذلك يمنحه الحصانة. وقد اضطرّ بعد استجوابه إلى مغادرة إيران باتجاه تركيا، ومنها إلى العراق، واستقر بالنجف كما هو معروف نحو 14 عاماً حتى قامت الثورة الإيرانية العام 1978 فأبعد إلى الكويت، بناء على اتفاق عراقي- إيراني، كان تنفيذاً لاتفاقية 6 آذار (مارس) 1975 بين شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب الرئيس العراقي صدام حسين، ولكن الكويت رفضت استقباله، فاضطرّ للتوجّه إلى باريس، ومن هناك واصل إذكاء روح التمرّد والانتفاضة ضد الشاه حتى انتصرت الثورة في 11 شباط (فبراير) 1979 وعاد الخميني إلى طهران.

الإمام الحسني البغدادي.. مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن

التاريخ والسياسة

9

رفض مساعدة من البكر بواسطة طلفاح والمزاج الحاد وراء الخلاف مع الحكيم الأب

             وخلال وجوده في النجف منذ 1964 ولغاية العام 1973 (وفاة السيد الحسني البغدادي) كانت علاقاتهما جيّدة وحميمة والزيارات بينهما قائمة. ولعلّ جزءًا من ذلك يعود إلى موقف الحسني البغدادي الداعم لانتفاضة خرداد من أحداث الثورة ومن الخميني شخصياً، وكانت الفاتحة قد أقيمت في النجف على أرواح شهداء الانتفاضة، وحضرها الحسني البغدادي بنفسه، وكان لذلك تأثير كبير على حركة التضامن، حيث كان بعض رجال الدين متردّداً أو أنه اتخذ مواقف ذات سقف أدنى من موقف السيد البغدادي .

            وكان الحسني البغدادي قد أرسل برقية استنكار إلى الشاه وقام بتوزيعها على شكل منشور، وبادرت إذاعة صوت العرب من القاهرة على إذاعتها والتعليق عليها، كما نشرتها في وسائل إعلام مختلفة، علماً بأن ذلك كان وقت هيمنة الحرس القومي على مقاليد الأمور، لكنه لم يبالِ بمثل هذا التحرّك الشجاع.

            وكان د. الشيخ محمد هادي الأميني قد نقل برقية السيد البغدادي إلى شاه إيران محمد رضا بهلوي، وهذا نصّها: (نص برقية الحسني البغدادي إلى شاه إيران):

            عاهل المملكة الإيرانية محمد رضا بهلوي – طهران

“انخداعكم لأعداء الإسلام الذين كان مقصدهم الوقيعة في شريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلّم والقضاء على الإسلام والمسلمين .. هو الذي أدى إلى سوء صنيعكم بالشعب الإيراني وعلمائه الأبرار قتلاً وإرهاباً وحبساً وتبعيداً. وأعظم من ذلك بغيكم على علماء الدين،وعلى رأسهم الإمام آية الله الخميني، الذين بهم تقام الدولة، وتنظم الرعية. كيف لا وهم حجج الله وآياته ، وأعلام الدين ودعاته؟ … وقد يؤدي سوء صنيعكم إلى سوء عاقبتكم في الدارين هواناً وخسراناً، وصريح القرآن في كثير من آياته هو البطش والانتقام من الجبابرة والطغاة. وأن فاجعة إيران لم تكن خاصة بهم، بل عمّت كافة المسلمين، فإنهم منكم ناقمون، وعليكم ساقطون، والأمر يحدث بعده الأمر.”

(محمد الحسني البغدادي)

            وحين اندلع الخلاف في العام 1969 بين إيران والعراق حول شط العرب، ألغت إيران من جانبها معاهدة العام 1937 مع العراق، من طرف واحد، علماً بأن هذه المعاهدة كانت لصالحها، مطالبة بحصولها على المزيد من التنازلات من جانب الحكومة العراقية وطامعة في بسط نفوذها على الخليج وقد أقدمت لاحقاً على احتلال الجزر العربية الثلاث أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى العائدة لدولة الإمارات العربية المتحدة العام 1971. وخلال اندلاع الأزمة بين العراق وإيران أرسل شاه إيران قوات بحرية لتفتيش السفن المتوجهة إلى شط العرب، وطالبها برفع العلم الإيراني، فما كان من الحسني البغدادي  إلّا اتخاذ موقف شجاع وهو المعروف بعدائه لحكم الشاه، فأعلن في مقابلة أعيد نشرها في مجلة التراث النجفي مؤخراً (العدد 76-77) العام  2017 نقلاً عن مجلة العمل الشعبي (العدد 15-16 حزيران/يونيو/1969  أن ” لا فرق بين حكومتي إيران وإسرائيل” مندّداً بالتعاون بينهما، وأشار إلى وجوب مساعدة أبناء عربستان.

            وللسيد البغدادي مواقف متميّزة بشأن الدعوات الطائفية، ففي العام 1965 أصدر بياناً بعنوان” لا طائفية ولا استكبار”، وبقدر ما كان يقصد بذلك حكومة عبد السلام عارف، فإنه قصد أيضاً بعض معارضيه من الاتجاه الطائفي المعاكس والمتمثّل بالمرجعية الرسمية (الحكيمية). وقد استفسرت عن ذلك البيان من الحسني البغدادي ” الحفيد” فأجابني : حاولنا طبع البيان في “مطبعة الغري” في النجف، لكن أصحابها كانوا يخشون طبعه تحاشياً من ملاحقة السلطات  الرسمية وبعض المتنفذين حينذاك، وبعد أن علمت الأجهزة المختصة بوجود مثل هذا البيان، قامت باقتطاع أجزاء منه محرّفة مضمونه، الأمر الذي دفع الحسني البغدادي الكبير إلى المبادرة بإصدار بيان يحمل صيحات احتجاج على هذا النهج غير الشرعي.

            ويمضي الحسني البغدادي “الحفيد” بعرض تفاصيل ما حدث فيقول: أمرني رضوان الله عليه أن أقوم بهذه المهمة الصعبة وأن يكون البيان باسمي شخصياً، فلبيّت الطلب بكل اعتزاز. فذهبت إلى بغداد وكان برفقتي ابن عمّي صادق الحسني البغدادي (الحجّة)، فذهبنا معاً إلى “مطبعة النجوم” وكان صاحبها صديق ابن العم وشرحنا له الأمر، فوافق على نشر البيان شريطة أن يتم تنفيذه بعد انصراف العمّال كي لا ينكشف الأمر. وبالفعل تم طبع البيان في 28 من شهر رمضان المبارك، وجئنا به إلى النجف الأشرف ووزّعناه على علمائها ورجالها (انتهى كلام الحفيد).

            وقد حاول الشيخ علي كاشف الغطاء إقناع البغدادي بالتخلّي عن البيان أو عدم توزيعه، خصوصاً وإنه كان يقصد بالاستكبار “الحكومة العراقية” وبالطائفية المجموعة الناشطة من التيار الإسلامي الشيعي الذي كان بينه وبينهم ما صنع الحدّاد كما يُقال، لكن الحسني البغدادي أبى ذلك، وقد حاول أن يشرح موقفه في بيت كاشف الغطاء لممثل رئيس الجمهورية عبد الجليل أحمد العبيدي الذي وصل إلى النجف برفقة محمد بديع شريف رئيس الديوان والشيخ عبد الوهاب الأعظمي أمين عام المؤتمر الإسلامي الأول في بغداد، لاسيّما بتأكيده على الوحدة الوطنية، في حين كان الجانب الآخر يريد منه شيئاً آخر، ولمّا شعر بأنه أدى المهمة قام بترك غرفة الاستقبال وسارع بالخروج.

ثلاثة لا يمكن اخفاؤهم لفترة طويلة:

 الشمس والقمر والحقيقة

بوذا

 

            حكاية اللقاء بالسفير الأمريكي

            استغربنا حين سمعنا لقاء السيد البغدادي مع السفير الأمريكي في بغداد وحين استفسرنا، علمنا كيف حصل اللقاء، علماً بأن هناك الكثير من الإشاعات التي كانت رائجة بشأن علاقة بعض رجال الدين بالسفارات الأجنبية، البريطانية والأمريكية وغيرها، ولأننا نعرف الحسني البغدادي، فقد كان الأمر محيّراً. وقد نقل لنا صادق الحسني البغدادي (الحجّة)، إن الحسني الكبير كان ضيفاً على أحد أصدقائه في بغداد (المقصود عبد الباقي الطيار) وكان هناك من ينتظر لمقابلته وهو في قيلولة، وإذا بالسفير الأمريكي يطرق الباب ويطلب مقابلة السيد (ويبدو أن ثمة من دعاه واتفق معه، وإلا من أين له أن يعرف بحضور السيد البغدادي؟ وكيف يسوّغ لنفسه مثل هذا التصرّف غير الدبلوماسي؟).

             وقد فوجئ السيد بعد أن استيقظ من النوم، وكان رد فعله الأول هو الاعتذار عن اللقاء، ولكن المضيفين أقنعوه بذلك، بأن السفير جاء يستفسر عن صحتكم، ولأنه ضيف، فالتعاليم الإسلامية والتقاليد العربية تقضي بإكرام الضيف، فأذن له بالدخول عليه، ناقلاً له تحيّات رئيس الولايات المتحدة ليندون جونسون.

            وهناك من يرتاب بصحة هذه الرواية معتبراً إن اللقاء جاء بترتيب واتفاق، لكنني أميل إلى هذا الرأي، وأعتقد أن الاتفاق لم يكن مع الإمام الحسني البغدادي ، بل مع بعض الحاشية التي كانت تريد استغلال اسمه وتليين موقفه، خصوصاً وإن وضعه في مثل تلك الأجواء قد تضطره إلى المجاملة، وبذلك تكون خطوة أولى للتنازل، لكن السيد خيّب مثل هذا الظن وأفشل مثل هذا التقدير أو الاعتقاد، حين عبّر عن موقفه الحاد إزاء الصهيونية و”إسرائيل” والولايات المتحدة.

            وكان الحسني البغدادي قد بادر السفير الأمريكي بالسؤال: ماذا تطلبون منّا وأنتم من يدعم الصهيونية العالمية ويساند “إسرائيل”؟ هل تريدون السلام فعلاً أم تريدوننا أن نستسلم؟، وكان ذلك بمثابة مفاجأة غير دبلوماسية، لكنها لغة الحسني البغدادي المعروفة بفصاحتها ووضوحها ولغة العراقيين السائدة آنذاك، وهم عرفوا وخبروا كيف تمارس “إسرائيل” عدوانها، وكيف يتمّ تعطيل التنمية والتقدم، بحجة مواجهتها وتبديد الأموال لشراء السلاح.

            وكان الحسني البغدادي أول الداعين لدعم ومساندة الثورة الفلسطينية “بالجند والسلاح والمال”، فلم يضع قيوداً على العمل الفدائي أو شروطاً لممارسة الكفاح ضد الصهيونية، كما فعل بعض رجال الدين الآخرين في فتواهم التي اتخذت طابع المجاملة، أو هكذا فُسّرت في ظل الحماسة السائدة، وقد توافد عدد من القيادات الفلسطينية لزيارة السيد البغدادي، والتقى وفوداً من فتح والجبهة الشعبية، وتبادل بعض الرسائل مع ياسر عرفات وجورج حبش، وكان عرفات (أبو عمار) قد زاره في المستشفى حين كان يرقد في بغداد في مدينة الطب.

            علماً بأنه وجه في حينها نداءً إلى ملوك ورؤساء الحكومات الإسلامية وشعوبها حول مقاطعة الدول التي تساند إسرائيل جاء فيه: “… فالواجب على المسلمين كافة مقاطعة الاستعمار في كل أمر، فيحرم عليكم مساعدة المستعمرين، بل يحرم عليكم كل ما يوجب ضعفكم وقوتهم”.

حين يكون الحديث عن المال،

فإن كل الناس على دين واحد

فولتير

الوطنية والنزاهة

            قلتُ إن السيد الحسني البغدادي رفض إصدار الفتوى مع السيد الحكيم، لكنه بمناسبة الذكرى الأولى أرسل برقية إلى الزعيم عبد الكريم قاسم، يستنكر فيها إقامة المهرجانات التي صادفت ذكرى استشهاد الحسين، وكانت قد حدثت بعض المصادمات في المسيب والديوانية والحي وغيرها، وعلى إثر ذلك أرسل الزعيم ، السيد حميد الحصونة قائد الفرقة الأولى لينقل رسالة شفوية منه ، وكان وقتها البغدادي بالكوفة، وقد تذرّع بالمرض، وطلب منه إذا كان لديه شيئاً يقوله فليقله لمرافقيه، لاسيّما بخصوص احتفالات الشيوعيين التي كان قد اعترض عليها.

            وقد قال الحصونة إن الزعيم قرّر تقديم مخصصات شهرية للسيّد “ليستعين بها في شؤونه الخاصة والعامة”، وهنا بادر السيد حسام الدين الهادي الحسني بقوله: إن مقام السيد لا يسمح له بقبض مخصصات من أي حاكم مهما كانت صفته. ولكن ممثل الزعيم قال له إن زملاءه من علماء النجف يستلمون هذه المخصصات، بل إن بعضهم هو من طالبهم بها.

            وكان قد سبق للحسني البغدادي أن رفض استلام راتب شهري من عائدات الأوقاف الهندية، لما يحوم حولها من صلات بالانكليز، وكان من عرض عليه ذلك هو محمود آغا الهندي  وهو ضابط ارتباط بالسيد محمد كاظم اليزدي وحكومة الاحتلال، وهو ممن يسمّون “علماء الحفيز” أي الـ office (عن اللغة الانكليزية) التي حرّفت لتصبح “الحفيز″، وعلماء الحفيز هم رجال الدين الرسميين.

            كما رفض تخصيص راتب له من الرئيس عبد السلام محمد عارف، حين جاءه نجم الدين النعيمي ممثلاً له برفقة عبد الوهاب الأعظمي، بهدف  دق المزيد من الأسافين بينه وبين السيد محسن الحكيم من جهة (الذي تحرّكه إيران كما تقول الرواية الحكومية) وضد الملّا مصطفى البارزاني من جهة أخرى، حيث كانت الحركة الكردية قد عادت إلى العمل المسلّح قبل الوصول إلى بيان 30 حزيران (يونيو) العام 1966 والذي لبّى جزءًا من مطالب الشعب الكردي.

            وكان الرئيس عارف كما تقول “الرواية” التي تم تداولها في حينه، قد قرّر تخصيص مبلغ 10 آلاف دينار لإدارة شؤون “الحوزة العربية” وتغطية نشاطاتها. لكن الحسني البغدادي اعتذر عن ذلك بلا حوار أو نقاش، وترك الجلسة قائلاً “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..” وقد نقل هذا عبد الحميد الراضي في حواره  مع الحسني البغدادي (الحفيد) في كتابه: محمد الحسني البغدادي – المسيرة الجهادية والفكرية في قراءة حوارية ووثائقية خلال سبعة عقود من الزمن 1298 – 1392 / 1881 – 1973? منشورات مكتبة الإمام المجاهد السيد البغدادي العامة، 2017.

            ويبدو أن عبد السلام عارف أراد مكافأة البغدادي على فتواه بتحريم الشيوعية، لكن البغدادي الذي عبّر عن قناعاته، لم يكن يسعى للحصول على مكافأة مالية أو غير مالية له، بل كانت تلك قناعاته، بل واحدة من “شطحاته” التي لم أجد لها أي مبرّر سياسي، لكن رأيه يبقى محترماً، طالماً كان نزيهاً حتى وإن كان “خاطئاً”.

            وبعد انقلاب 17 تموز (يوليو) العام 1968 الذي أعاد حزب البعث إلى السلطة،اجتمع الدكتور عبد المجيد الرافعي عضو القيادة القومية لحزب البعث والوفد المرافق له مع الحسني البغدادي الذي زاره في داره (أواخر العام 1969)? وتم تبادل الأخبار والمعلومات عما يجري في الساحة اللبنانية، التي كانت تنذر بحرب أهلية، وخصوصاً في الموقف إزاء الوجود الفلسطيني المسلّح، وكان السيد شبيب المالكي قد حضر اللقاء بوصفه متصرّفاً للواء كربلاء (محافظاً)، وكانت النجف قضاءً حينها تتبع لكربلاء، ولفت الرافعي انتباه المالكي بعد خروجهما إلى حياة التقشف التي يعيشها البغدادي قياساً بأقرانه في لبنان، وطلب مفاتحة القيادة بدعمه مادياً، فكان رد المالكي: إن البغدادي رجل زاهد وتؤكد المعلومات التي  لدينا أنه يرفض الهدايا وأية مساعدات من الجهات الرسمية. وهو ما أكّده لي المالكي شخصياً إضافة إلى رسالته المؤرخة يوم 28/9/2017. وكان قد زاره من لبنان خلال تلك الفترة أيضاً طلال سلمان (رئيس تحرير جريدة السفير لاحقا) والسيد جعفر شرف الدين والسيد موسى الصدر وأديب الفرزلي وكامل الأسعد رئيس البرلمان اللبناني الأسبق.

رفض مساعدة

            وكان خيرالله طلفاح  قد طلب من الرئيس أحمد حسن البكر تقديم المساعدة للحسني  البغدادي، طالما يحصل آخرون على مساعدات إيرانية تأتيهم باسم الحقوق، وكان ردّ الرئيس البكر، إن الحسني البغدادي رفض أكثر من عرض منّي ومن الدولة، وهذا هو تاريخه، فكيف يقبل أن يأخذ المخصصات من الشاه عدوّه اللدود. وقد وثقت هذه المعلومة مع منذر المطلك سكرتير مكتب البكر حينها والسفير لاحقاً، الذي أكّد لي أنه سمعها من الرئيس البكر، مع إشارة إلى مرجعيته العربية الشجاعة، وهو ما يؤكد ترفّعه ووطنيته ونزاهته.

            وإذا كان موقفه السياسي راديكالياً وعروبياً واضحاً ووطنياً صافياً، لكن بعض أطروحاته، ولاسيّما فيما يتعلّق بالطقوس والشعائر كانت محافظة بل تقليدية، وأستطيع القول إنها شديدة “التخلّف”، خصوصاً وإن بعضها اختلط بما لا علاقة له بالإسلام مثل إيذاء النفس. وإذا كان الحسني البغدادي ينتقد مواقف السيد محسن الحكيم ويشكّك بأطروحاته الممالئة لإيران، لكن الحكيم في هذا الجانب كان أكثر واقعية وملاءمة لروح العصر، ولاسيّما حين يرفض إيذاء النفس، وهو موقف لا يتفرّد به لوحده، وإنما سبقه إليها وبشكل واضح عدد من العلماء وفي مقدمتهم أبو الحسن الأصفهاني والسيد محسن الأمين وغيرهم، في حين كان الحسني البغدادي يميل إلى التسليم بالتقليد السائد، وما ورد من السلف، ودعوة لإحياء  الشعائر بشكل مطلق.

إنك رأيت الصورة، ولكنك غفلت عن المعنى

جلال الدين الرومي

الخلاف بين البغدادي والحكيم

            تعود أسباب الخلاف والاختلاف الى منهجين متعارضين ومزاجين مختلفين، فقد كان الحسني البغدادي حاداً في صراحته وواضحاً في رأيه، في حين كان الحكيم أميل إلى الحذر والتحوّط وتقليب الأمور لدرجة التردّد أحياناً، وبعد أن كانت العلاقات طبيعية بين الإثنين، حتى وفاة النائيني (1355 هـ)، دبّت الخلافات بعد ذلك، ولعلّ السبب حسب رأي السيد أحمد الحسني البغدادي (الحفيد)، إن الحكيم طلب من البغدادي ” انتزاع المرجعية” من “الحوزة الفارسية” في النجف، بوصفها ظلمت الحوزة العربية، بطرق ووسائل مختلفة ولا شرعية، أقلّها التمييز، لكن الحسني البغدادي (الكبير) فهم الأمر على إن الحكيم يسعى لضمان المرجعية له، علماً بأن رأيه هي للأكثر زهداً والأتقى عملاً والأكثر ورعاً والأجدر أعلمية، ولم ير مثل هذه الصفات في السيد الحكيم ، فضلاً عن مواقفه السياسية لاحقاً التي باعدت بينهما حد العداء والكراهية .

            وبخصوص “المرجعية” فهناك خصائص تفترض توفرها، فإضافة إلى الأعلمية فإنها تتطلب الزهد والتسامح والتواضع، كما تتطلب الأقدمية في العلم وفي سعة المدارك والمعارف والآفاق، وتستوجب تراكم الخبرة والقدرة على قول الحق، إضافة إلى رحابة الصدر والانفتاح ومدّ يد الوحدة والتعاون، لأنّ المرجع ليس للطائفة، بل هو لعموم المسلمين  أو هكذا يفترض. لكن اسم المرجعية حشر أحياناً لأسباب سياسية هنا وهناك في محاولة لإضفاء قدسية عليها، علماً بأن رجل الدين غير معصوم، لأنه إنسان، يخطأ ويصيب  مهما بلغ من سعة علم وإدراك ومعرفة ، لكن الإنسان ليس كاملاً فالكمال لله وحده، ومثلما هناك مواقف توحيدية وإيجابية ووطنية وجامعة هناك أيضاً مواقف هزيلة وضعيفة، بل ومتخاذلة تتستر وراء موضوعية مزعومة.

            وفي هذا المقطع أجد نفسي أقرب إلى السيد الحكيم منه إلى الحسني البغدادي، فالحوزة في النجف ظلّت تتلاقفها “المرجعية الفارسية”، ولو عدّدنا من تولى أمرها منذ بداية الدولة العراقية، وحتى الآن، سنرى إن المراجع في غالبيتهم، لاسيّما المؤثر منهم والمدعوم، كانوا من أصول فارسية، وتلك ليست إشكالية عرقية أو قومية، بل إشكالية وطنية بالأساس، وهي تتعلق أيضاً بالهوّية ومتعلقاتها.

            وحين أصبح السيد محسن الحكيم المرجع الأول، كان قد حصل على دعم الداخل والخارج، بتأييد من عدد من رجال الدين في العراق من جهة ودعم رجال دين آخرين خارجه أيضاً، وبتأييد من شاه إيران الذي كان قد أرسل له برقية يعزّيه فيها بوفاة البروجردي 1961? وكان هذا يعني اعترافا منه بمرجعيته الأولى بعده، الأمر الذي أدى إلى اتخاذ مواقف متفاوتة إزاء ما حصل في إيران بانتفاضة خرداد العام 1963? ففي حين اتخذ الحسني البغدادي موقفاً حاداً وحتى  غير دبلوماسي في مخاطبته لرئيس دولة، وهو عادة ما تتّخذه القوى المعارضة السرّية، فإن السيد الحكيم كان موقفه ناقداً ولكن بعبارات منتقاة وبحذر شديد، محذّراً من مغبّة الاستمرار في هذا النهج.

الإمام الحسني البغدادي.. مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن- التاريخ والسياسة

10

حذق الخميني يبعده عن إستخدامه ورقة

ضغط ضد إيران

وحيث يجري اليوم استخدام وزج اسم المرجعية فأود التوقّف على عجالة للإشارة إلى أن أول مرّة تمّ فيها استخدام مصطلح ” المرجع الديني الأعلى” جاء في رسالة كُتبت باسم السيد محسن الحكيم إبان حكم عبد الكريم قاسم (1958-1963) في محاولة لمواجهة المدّ الشيوعي، ثم تم تداول ونشر وصف “آية الله العظمى” بهدف الترهيب والتعظيم  والتقديس.

وبصدد مصطلح “المرجعية” وما تبعه من مصطلح “التقليد” للمرجع يذهب محمد مهدي شمس الدين إلى القول : إنهما مصطلحان غير موجودين في أي نص شرعي، وإنما هما مستحدثان وليس لهما أساس من حيث كونهما تعبيرين يدلّان على مؤسسة هي مؤسسة التقليد ومرجعية هي مرجعية التقليد، ويضيف إلى أنه ليس لهما ذكر في الأخبار والآثار، فضلاً عن الكتاب الكريم (أنظر: محمد مهدي شمس الدين- الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، بيروت، 1999 ص 142 وما بعدها) وانظر بتوسع: صناعة العقول بين “التقليد الفقهي” وثقافة التقليد، عادل رؤوف، الطبعة الثالثة، 2007م، المركز العراقي للإعلام والدراسات.

ويقرّر شمس الدين: ” نحن في الفكر الإسلامي ليس عندنا إتباع للأشخاص، الفقيه لا يتمتع بأية قداسة على الإطلاق، وليس مؤهلاً لأن يكون متبوعاً على الإطلاق، ولذلك مفهوم التقليد، مفهوم دخيل…” وكان البغدادي قد ذهب إلى ذلك بقوله إن التقليد السائد لم يرد له أصل في الشرع. وأعتقد أن شمس الدين والبغدادي أعطيا الأولوية للعقل ولعلاقة الإنسان المباشرة بالخالق.

وإذا كان هذا الاستطراد خروجاً عن المتن، فلأن الكثير من الكلام قيل حول دور المرجع والمرجعية لدرجة إن بعض الأقوال المنسوبة لهما أصبحت شبه مقدسة بل إن مجرّد إنسابها يعطيها قوة التنفيذ حد التابو وهناك من استغلها لأغراض سياسية أو شخصية، ربّما ألحقت ضرراً بجوهر الدين وقيمه الإنسانية. فرجل الدين بشر معرّض للخطأ والصواب، لاسيّما إذا ما اتخذ أحكاماً أو مواقف أو ما يطلق عليه فتاوى تتعلّق بأحوال الناس والحياة العامة. فليس كل مرجع مؤهل لإصدار فتوى أو حكم لأن بعضهم قد يحق ضرراً بالسلام المجتمعي والوحدة الوطنية إضافة إلى الأحكام الخاصة التي تتعارض في الكثير من الأحيان مع قوانين الدولة ودستورها، ويعود ذلك إلى مدى علمه وثقافته ومعرفته وتفقهه وكم من الفتاوى كانت خاطئة ، بل وضارّة لأنها ضد العلم وسببت في إحداث شرخ في النسيج الاجتماعي أحياناً، وقد دفع الناس ثمن ذلك باهظاً.

ويقول محمد مهدي شمس الدين بخصوص مصطلح “المرجعية”: أنه تم اختراع هذا المصطلح، وهو بالطبع مصطلح سياسي ليس له أي أساس في المراتبية الحوزوية الشيعية كما ذكرنا والسبب يعود لإظهار مكانة السيّد الحكيم و”مرجعيته” خلال فترة الصراع مع الحركة الشيوعية، وبلا أدنى شك سيكون مثل هذا الانحياز أو التمايز على حساب “المرجعيات” الأخرى، مثلما يتم اليوم استخدام اسم ” المرجعية العليا” أو “المرجعية الرشيدة” لإضفاء نوع من الهيبة والتقديس عليها وإبراز مكانتها ، بل والتعكّز عليها في دعم هذا الموقف السياسي أو ذاك، علماً بأن المرجعية الشيعية- الإثنا عشرية هي تعدّدية ، بحكم تعدّد الاجتهادات.

نخبة دينية

وحسب عادل رؤوف، فإنه وبسبب التفاوت في المعرفة بين النخبة الدينية التي يُطلق عليها اسم ” المرجعيات” وبين المجتمع، ولاسيّما عامة الناس، مهما كانت معرفة هؤلاء متطورة في العلوم غير الدينية، فإن ذلك يمنح “حقوقاً” استثنائية للنخبة يسمّيها ” حقوق ما فوق بشرية”، منها اعتقادات تتعلق بامتلاكها ناصية الفقه الديني وحق الإفتاء وإنها حلقة الوصل بين الأتباع الذين يسمّون ” المقلّدون” وبين الله. وهناك من يبالغ بذلك لدرجة المغالاة في الشفاعة باليوم الآخر، خصوصاً بإعلاء شأنها ومكانتها ومقامها لدرجة القدسية.

وبخصوص ما يسمّى بالحقوق الشرعية (الخمس والزكاة) فيقارن رؤوف بين ما تحصل عليه بعض المرجعيات من الأموال وبين ما تحصل عليه الكنائس المسيحية، وفي كلا الحالين، فإن الأمر سيّان بمن يتصرّف بها دون حساب أو مساءلات، خصوصاً من جانب الورثة بالنسبة للمرجعيات الدينية الإسلامية خارج أي رقابة  أو خضوع لقانون أحياناً (انظر: صناعة العقول بين التقليد الفقهي وثقافة التقليد، المركز العراقي للإعلام  والدراسات، بغداد، بيروت، دمشق، ط2? 2007? ص 329 وما بعدها).

ولعلّ تلك “الحقوق” والمكانة التي تقوم على أساسها تضفي على رجال الدين أحياناً نوعاً من الحصانة والعلوية، بحيث تجعلهم خارج نطاق النقد، بل ومنزهين عن الأخطاء وخالين من العيوب ، وكأنهم “مصانون وغير مسؤولين” ويدفع بعض المقلّدين وأبناء العامة إلى تقبيل أيديهم والتبرّك بهم حتى وإن كان بعضهم لا يتمتع بصفات الورع والتقوى والزهد وخدمة الصالح العام.

نعود بعد هذا الاستطراد إلى أصل الموضوع فقد نشرنا برقية الحسني البغدادي في مكان آخر من هذه السردية، وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، ففي حين كان التنديد شديداً بالمجازر التي حصلت في إيران، كان محسن الحكيم يستقبل وزير خارجية إيران “عباس آرام” ونقلت الأخبار حينها أنه حثّه على تغيير سياسته إزاء المعارضة الإسلامية الإيرانية، وهو موقف لا يرتقي إلى التضامن المطلوب  والمواقف التي اتخذها الحسني البغدادي وعدد من رجال الدين الآخرين.

وكان آية الله الحكيم قد أرسل برقية إلى آية الله محمد البهبهاني تحثه فيها على التدخّل لدى السلطات الإيرانية لإيقاف التطاول على مقام الروحانيين. ومما جاء في نص البرقية ” إن إصرار المسؤولين على تشريع القوانين غير المشروعة موجب للارتباك … ويسبب نقمة الشعب المسلم واستفزازه، وحيث أن المؤمنين يستفتونني في واجبهم، رأيت لزاماً عليكم وعلى العلماء الأعلام أن تبلغوا المسؤولين ، إن الشعب الإيراني المسلم إنما انتخب أولياء الأمور للقيادة في سبيل تنفيذ قوانين الإسلام المقدسة والدفاع عن نواميس الدين الحنيف…” (نقلاً عن عادل رؤوف- العمل الإسلامي في العراق- بين المرجعية والحزبية، المركز العراقي للإعلام والدراسات، دمشق ، ط4? 2006? ص 39).

ومن الانتقادات الأخرى التي توجّه إلى الحسني البغدادي أنه اتّخذ موقفاً أقرب إلى موقف الحكومة حين تعرّض السيد مهدي الحكيم نجل الإمام الحكيم الكبير إلى الاتهام بالجاسوسية، وكانت تصريحاته تلميحاً فيها نوع من “الإدانة”، وإن لم يأتِ على ذكر الاسم ، لكنها في الشارع فُهمت على أنها اصطفاف مع الحكومة ضد خصمه اللدود الحكيم. وحسب تدقيقاتي فإن موقف الإمام الحسني البغدادي وتصريحاته بشأن الجواسيس كان قبل اتهام السيد مهدي الحكيم بالتجسس بنحو ثلاثة أشهر، لكن الحكومة أبرزته واستغلته بعد توجيه الاتهام إلى السيد مهدي الحكيم. (انظر: عادل رؤوف – أنبياء وأصنام – حوزة الأرض والوطن وحوزة الوافدين إلى الوطن،  فقرة: جاسوسية مهدي الحكيم نقاشات مجتزأة.. واشتباكات مرجعية، ص: 148? ط: الثانية، 2009م، المركز العراقي للإعلام والدراسات.

والهدف منه كما هو معروف: تعميق الخلافات بين رجال الدين لإضعاف الطرفين، وإبقاء روح المنافسة غير المبدئية أحياناً قائمة بينهما، فضلاً عن الكراهية والتشفي والحسد، وهي كثيراً ما تكون موجودة، بل ومتفشية بين أبناء المراجع وحاشياتهم، التي هي المتحكّمة أحياناً بأمور المرجع، خصوصاً مع تقدّم السن، ومع الرغبة في عدم المواجهة المباشرة، فيترك أمر إدارة شؤون المرجع للمقربين منه من الأبناء والأنسباء والأقرباء والبطانات.

وإذا كانت سلطة انقلاب 17 تموز (يوليو) العام 1968 أقرب إلى الحسني البغدادي منه إلى الحكيم في المجال السياسي بشكل خاص، فإن هذه العلاقة ساءت بسبب تمسّكه الشديد بإقامة الشعائر الحسينية، حيث كان قد حدثت مشاكل في النجف وفي صحن الإمام علي، وتم إطلاق النار، الأمر الذي اضطرّ المتصرّف (المحافظ) شبيب المالكي إلى التدخّل لتهدئة الموقف الذي كاد ينفجر، خصوصاً بسبب بعض التصرّفات المتطرّفة والهوجاء لبعض الحزبيين آنذاك، وكان البغدادي قد أرسل على السيد عبد الرزاق الحبوبي والسيد حسين الكليدار، ونصحهما ومن خلالهما “الدولة” أو حسب المصطلح الشائع آنذاك “الحزب والثورة” بعدم منع ممارسة الشعائر الحسينية، الأمر الذي سيثير أوساطاً كثيرة ضدهم.

عوامل تباعد

وقد جرت اتصالات بين المحافظ والسيد النائب صدام حسين حينها، وهو ما ساهم في امتصاص الغضب والنقمة وتهدئة الشارع، الذي ظل يحتقن وتتصاعد عوامل التباعد بينه وبين الحزب الحاكم ، حتى انفجر في شباط (فبراير) 1977 فيما سميّ بـ”هبّة خان النص”، التي قابلتها الحكومة بعنف شديد، ثم أقدمت على إعدام 8 أشخاص اتهموا بالمشاركة فيها وإصدار أحكام غليظة بحق مجموعة أخرى.

وإذا كان العنف منهجاً في نمط تفكير قيادة حزب البعث، ولاسيّما الانفراد بمجموعة بعد أخرى وتصفيتها أو إضعافها لكي تستجيب لمطالبها وتتعاون معها بشروطها، فإن هذا العنف تصاعد على نحو لا مثيل له بعد انتصار الثورة الإيرانية، العام 1979? واتّخذ حملة شديدة طالت عشرات الآلاف من منتسبي الحركة الإسلامية أو من المتديّنين، حيث تم إعدام المئات منهم. وعشيّة اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت 8 سنوات (1980-1988) أقدمت الحكومة العراقية على تهجير نحو نصف مليون مواطن عراقي بحجة التبعية الإيرانية، وذلك طبقاً للقرار 666 الصادر عن “مجلس قيادة الثورة” في 7 أيار (مايو) 1980.

رحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي

عمر بن الخطاب

قراءة ارتجاعية

وللأسف لم يكن موقفنا صحيحاً إزاء هبّة خان النص، حيث اندفعنا بفعل تحالفنا مع حزب البعث في إدانتها، حتى أننا طالبنا بـالمزيد من ” الحزم الثوري” ضد المتآمرين، وهو ما كان مانشيتاً عريضاً في صحيفتنا “طريق الشعب” آنذاك، فضلاً عن أن بعض المزايدين في صفوفنا كانوا يستهينون بأرواح الآخرين، بزعم حماية ” النظام الثوري” والدفاع عن “التحالف مع حزب البعث”.أقول ذلك من باب النقد الذاتي، وللتاريخ ، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعة جادة ومسؤولة ونقد صريح وواضح لمواقفنا، وتلك القيمة الحقيقية لقراءة التجربة التاريخية، حتى وإن كان الماضي قد مضى، لكن الحقيقة لن تمضي إلّا إذا كانت في اتجاهها الصحيح، كما يحتاج الأمر إلى إعادة قراءة المواقف من الحرب العراقية- الإيرانية والتي كانت سبباً أساسياً في انشطار مجموعة كبيرة من الشيوعيين عن الحزب الرسمي، الذي كان موقف قيادته ممالئاً لإيران، وحتى حين تم تعديل الموقف بسبب ضغوط حزبية داخلية، لاسيّما من جانب مجموعة المنبر وقيادات أخرى، ظل موقف القيادة الشيوعية التقليدية مائعاً، وهو ذات الموقف الذي اتخذته القيادة إزاء موضوع الحصار الدولي 1991-2003 ومن ثم احتلال العراق العام 2003  الأمر الذي ألحق ضرراً تاريخياً بهوّية الشيوعيين الوطنية، وأثار لغطاً والتباساً حول مواقفهم وصدقيتهم، على الرغم من التضحيات الجسام التي قدّموها في تاريخهم المجيد.

ولا نقول ذلك من باب الاتهام أو التخوين، وإنما القصد هو النقد والنقد الذاتي للتصويب والتصحيح وتقدير سليم للمواقف والعواقب، وهو الذي عاد على الحزب وعموم الشيوعيين بالسلبية والتراجع، وهو ما يدعو جميع المخلصين للبحث في الأسباب الفكرية والسياسية والتنظيمية والشخصية، الخاصة والعامة، تلك التي أوقعته في أزمة معتّقة وطويلة الأمد.

وكان الرأي الذي تكوّن لدى قيادة حزب البعث بعد أحداث النجف العام 1970? إن المرجعية العربية فيما لو استقوى أمرها ستثير مشاكل بوجه الحزب والثورة، وبالتالي فإن عليهم دعم مرجعية ضعيفة، يمكن التعامل معها والتأثير عليها، خصوصاً إذا لم تكن عربية. ومثل هذا الاستنتاج ينمّ عن عدم معرفة بالوسط الديني الشيعي وتعقيداته ومشاكله، سواء فيما يتعلق الأمر بالحوزة العلمية أو النجف كمدينة، وما يمكن أن تلعبه في خدمة الدولة العراقية، عربياً وإسلامياً، إذ أن قوتها ومكانتها من قوة ومكانة الدولة. وأي إضعاف لها سيكون إضعافاً للدولة وتقليلاً من هيبتها.

وتلك معادلة كان ينبغي استيعابها على نحو صحيح وجدلي، بقراءة جوّانية وليس بقراءة برّانية، خصوصاً وأن النجف بما تمثّله من تراث علمي وثقافي يعتبر صرحاً حضارياً ينبغي أن تعتز به البشرية، فما بالك بالدولة العراقية، الذي هو تراث شعبها  التاريخي، حيث تحتضن النجف أقدم مدارس العالم بالمعنى الذي نقاربه حديثاً، فقد مضى على مدرستها أكثر من 1000 عام.

واستناداً إلى القراءة المخطوءة للقيادة العراقية البعثية آنذاك، من أن المرجعية الدينية الشيعية كانت هي التي أحدثت مشاكل للدولة لأنها عربية وبالتالي تشعر بقوتها في مواجهة الدولة، وتستدل هذه القراءة  باستعادة مرجعية الإمام محمد مهدي الخالصي في العشرينات وفيما بعد نجله محمد الخالصي والحكيم والحسني البغدادي والحمامي والجزائري وغيرهم في الخمسينات والستينات، في حين إذا كانت المرجعية غير العربية التزمت بعدم التدخل بالسياسة السيد أبو الحسن والبروجردي والزنجاني والخوئي والسيستاني وغيرهم، وحسب حديث منسوب إلى صدام حسين، فإنها في اللحظة التي ستخالف مثل هذا الالتزام “سنرميها خارج الحدود”.

وعلى الرغم من المواقف الوطنية والعروبية الصميمية والعراقية الأصيلة للإمام الحسني البغدادي، خصوصاً مقاومته لمحاولات الاستتباع الخارجي ودعمه للمقاومة الفلسطينية، بل وقوفه ضد بعض رجال الدين الشيعة، من منظور أقرب إلى الحكومة، في إطار معادلة وضعها لنفسه لمواجهة التحديات المختلفة، لكن نقده لإجراءات الحكومة إزاء منع الشعائر الحسينية جعل الحكم يتخذ منه موقفاً سلبياً، وبسبب هذا الموقف تم منعه من السفر للعلاج (1970)? وحين تم تسوية الأمر، احتجز في المطار في المرّة الثانية، في حين إن بعض رجال الدين الآخرين، ممن كانت مواقفهم السياسية ضد الحكم أكثر تشدداً، لم يتعرضوا إلى مثل هذه المعاملة، وتلك واحدة من ازدواجيات الحكم في العراق وعدم تقديراته الصائبة لمعسكر الأصدقاء أو الخصوم أو الأعداء، الأمر الذي سرعان ما وجد نفسه وحيداً ومعزولاً.

وقد دعمت الحكومة العراقية بشكل مباشر أو غير مباشر تنصيب آية الله السيد الخوئي كمرجعية في الحوزة النجفية بعد وفاة السيد محسن الحكيم (حزيران/يونيو/1970)? وردّاً على سؤال ابراهيم الفاضلي الموجّه إلى صدام في القصر الجموري: لماذا تم دعم الخوئي على حساب مرجعية الحسني البغدادي والسيد الخميني، وهما عدوّان لدودان لشاه إيران؟

أجاب صدام حسين، وهذا سننقله عن “مذكرات أحمد الحسني البغدادي – في مواجهة الدين الآخر نقد.. مواقف.. توقّعات” ط2? 2011 ص 22 وما بعدها، ما يلي:

” إن الشيخ الخوئي فيه عيوب لا يمكن أن يتحرّك من خلالها ضد (الحزب والثورة)، منها : إنه تركي لا فارسي، فالشاه ينظر إلى العنصر التركي بالدونية، ومنها: إنه يخاف من أقل واحد له صلة بالدولة، فكيف إذا التقى معه أعلى سلم في القيادة (يقصد نفسه حين كان نائباً للرئيس) … وهذه العيوب لصالح مسيرتنا التقدمية التغييرية، إذْ يمكن تحجيمه في أي وقت إذا تحرّك ضدنا، والشاه لا يتحمّس له، ولا يدخل معنا في صراعات جانبية على حساب مصالحه في المنطقة”.

ثم يفصح صدام عن موقفه من الحسني البغدادي، بقوله: “أما الشيخ البغدادي،(فإنه) متعصّب بتأييد ومساندة ممارسة طقوس الشعائر الحسينية وتجمّعات هذه  المراسيم ليست لصالحنا، في حين إن الشيخ الخميني يسعى لإسقاط الشاه وإقامة الدولة الدينية في إيران، وهي خطر علينا وعلى الأمن القومي العربي”.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن السلطة العراقية حاولت استخدام الخميني وتوظيفه في الصراع ضد إيران واستعماله كورقة (سواء سلطة العارفين – عبد السلام وعبد الرحمن محمد عارف- أو سلطة البكر- صدام)، لكن الخميني كان حاذقاً وماهراً بقدر ما هو حازم في رفض

 الانصياع لذلك، وكانت علاقته مع الحسني البغدادي تحكمها اعتبارات مبدئية – جهادية انطلاقاً من قناعاتهما الشرعية، بأنهما ضد حكم ظالم، وليس كما حاول البعض تفسيره بأنها نكاية بموقف الحكيم الممالئ.

وإذا كانت السلطة قد شعرت بخطئها في توجهها هذا، حسبما يبدو دون تصريح أو تلميح أو نقد ذاتي، وخصوصاً خلال الحرب العراقية -الإيرانية أو في التحضير لها، خصوصاً بعد أن أخفت قسرياً محمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى ثم سرّبت خبر اغتيالهما، كما قامت باغتيال عشرات من رجال الدين والعوائل الدينية، من آل الحكيم وبحر العلوم وآخرين، فحاولت معالجة مواقفها ولكن بعد فوات الأوان، وعلى طريقتها الخاصة سعت إلى  تقريب ودعم مراجع عربية أصيلة، بعد أن نكّلت بهم مثل محمد صادق الصدر، لكن تلك المحاولة جاءت متأخرة، كما أنها أفلتت من بين يديها، حين حاول الصدر على نحو حثيث وشجاع  بناء تيار معارض، دافعاً المرجعية من الصمت إلى النطق.

 

 

الإمام الحسني البغدادي.. مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن

التاريخ والسياسة

11

 

 كتاب الجهاد الدفاعي غير مسبوق بحياة تيار الفقهاء التقليديين

            وإذا كانت مرجعية الخوئي صامتة، فقد اعتبرت مرجعية الصدر ناطقة، ولذلك حاولت السلطة الانتقام منه، فقامت باغتياله مثيرة إلتباساً وغموضاً حول فعلتها، ومستغلّة الخلافات  والتعارضات في الوسط الديني الشيعي بين محمد باقر الحكيم بشكل خاص ومحمد صادق الصدر، حيث كانت جريدة الشهادة عشية اغتيال الأخير قد نشرت ملفاً اتهامياً ضده باعتباره مقرّباً من السلطة الدكتاتورية، يضاف إلى ذلك الملابسات والحزازات والعنعنات بين قم والنجف، لاسيّما موضوع المنافسة على من يكون بيده القدح المعلّا. وفي كل الأحوال، فالسلطة أثبتت عدم جدارتها في كل ما اتخذته من خطوات للتعامل مع هذا الوسط الحسّاس الذي كان يمكن إستفادة الدولة العراقية منه، بدلاً من أن يكون بؤرة للفتن والاحتجاجات ضدها، أو حاضنة للمعارضة على نحو غير مباشر أو منظور.

            وإذا كان صدام حسين في مطلع السبعينات يريد “منح” المرجعية لرجل دين “إيراني” أو غير عربي، خشية من الإشكالات التي تسببها المرجعية المرجعية العربية، فإن الوجه الآخر لمثل هذا الموقف هو موقف شاه إيران محمد رضا بهلوي، الذي كان يرغب في “إهداء” المرجعية إلى رجل دين عربي، ليتخذ منه عكازه في مواجهة مع الحكومة العراقية من جهة، ومن جهة ثانية ليضعف من دور “المرجعية الفارسية” في إيران وليس في النجف التي وقفت بشجاعة في مواجهته، والتي توّجت لاحقاً بثورة خرداد التي قمعها بشدّة. وقد جاء مثل هذا التأكيد في  بحث لمختار الأسدي في كتابه ” الشهيد الصدر بين أزمة التاريخ وذمّة المؤرخين” الصادر عن دار الهادي، في بيروت، 1998 (ص 202) ونقلاً عن حامد الغار في بحثه ” دور العلماء المعارضين للسياسة الإيرانية”، بما يفيد ” إن شاه إيران اختار السيد محسن الحكيم للمرجعية ، فيما بعث إليه برقية تعزية بمناسبة وفاة السيد البروجردي (المرجع الأسبق) مفضلاً فقهياً عربياً من النجف – أي خارج إيران- لتقليص الدور الذي يمكن أن تقوم به (قم) ومنع نشوء مركز للسلطة الدينية داخل إيران”.

 

 

مفارقات سياسية

            ولعلّ تلك واحدة من مفارقات السياسة في منطقتنا ، وكل يريد أن يلعب بملعب الآخر، وكان الوجه الثاني لمثل هذه السياسة بخصوص القضية الكردية، فطهران دعمت كرد العراق في مواجهة بغداد، سواء أيام الشاه أو بعد الثورة الإيرانية، وخلال الحرب العراقية- الإيرانية وبعدها في حركة المعارضة، وبغداد دعمت الحركة الكردية الإيرانية، خصوصاً عبد الرحمن قاسملو وحزبه الكردي الإيراني، وقبل ذلك دعمت المعارضة الإيرانية ، بما فيهم السيد موسى الموسوي (حفيد السيد أبو الحسن) وشاهبور بختيار وبعض جماعات تعود لنظام الشاه.

            وللأسف فإن بعض من  ظلّ يعيش في الماضي استمرّ في محاولة تلميع صورة النظام السابق وإنساب فضائل له في هذا المجال بعيدة كلّ البعد عن الواقع، حيث لم تشهد النجف والمرجعية الدينية تحديداً، فترة مظلمة أكثر من ربع القرن الأخير قبل احتلال العراق في تاريخ الدولة العراقية، دون نسيان الدور السلبي لبعض رجال الدين وارتباطاتهم الخارجية، لكن ذلك لا يمنع من رؤية الحقيقة  على نحو موضوعي ومنصف.

            وقد حاول النظام أن يناور وإن كان بشكل مفضوح، في دعم هذا المرجع أو رجل الدين أو ذاك، خلال فترة الحرب العراقية- الإيرانية وبعدها، لكن ذلك لم يكن سوى محاولة بائسة زادت في الطين بلّة وفي الالتباس إزاء العلاقة بالسلطة، ولم تنفع تلك المناورات في تحسين صورته إزاء الواقع المأسوي الذي عاشه العديد من رجال الدين والعوائل الدينية في النجف وخارجها، ولاسيّما بعد أن تولى صدام حسين موقع الرئاسة العام 1979 فقد كان صارخاً بكل المعايير، بل والأكثر بشاعة في كل تاريخها إزاء علاقتها برجال الدين، حيث قتلت العشرات منهم ومن العوائل الدينية دون أية أسباب حقيقية أو محاكمات حتى ولو صورية أحياناً، ابتداء من السيد محمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى العام 1980 والسيد محمد صادق الصدر العام 1999 وعشرات من آل الحكيم وآل بحر العلوم  وآل الحلو وغيرهم.

أما بعدُ، فالجهاد بابٌ من أبواب الجنة

الإمام علي بن أبي طالب

الجهاد الدفاعي

            تبنّى الحسني البغدادي فكرة “الجهاد الدفاعي” منذ أمد بعيد، وقد حاول الكتابة فيه، حيث أعدّ عنه مخطوطة كبيرة، لكنها ظلّت تقبع في مكتبته عقوداً من الزمان، حتى سنحت الفرصة بصدورها في كتاب بعنوان “وجوب النهضة”. وجاء موضوع نشره وتوقيته مناسباً جداً، خصوصاً بعد العدوان “الإسرائيلي” على الأمة العربية في 5 حزيران (يونيو) العام  1967? فجرى طبعه وتوزيعه في حينها، واحتفلت فيه الأوساط السياسية والثقافية، الوطنية والعروبية واليسارية، خصوصاً لما حمله من رؤية ثاقبة بخصوص مقاومة العدوان ورد كيد المعتدين والمتخاذلين.

            وإذا كان الكتاب قد أعدّ أيام حكم الدولة العثمانية وفي مواجهة الإنكليز، فإن أحكامه امتدّت، بل أصبحت أكثر ضرورة حيوية لمواجهة “العدوان الإسرائيلي” باعتباره ” فرض عين وليس فرض كفاية” كما يقال. وهي الفكرة التي حاول آية الله علي السيستاني استحضارها في أطروحته عن “الجهاد الكفائي” لمواجهة داعش بعد احتلال الموصل في 10 حزيران (يونيو)2014.

عليك بالصدق وإن قتلك

عمر بن الخطاب

“الجهاد” وآراء فقهاء شيعة

            وكانت كلمة الجهاد قد استّبعدت من كتب بعض رجال الدين منذ فترة طويلة على الرغم من أنّ ثلاثة من فقهاء الشيعة المتأخرين أخذوا بفكرة “الجهاد الابتدائي”، وهم آية الله الأنصاري وأبو القاسم الخوئي والحسني البغدادي، ويمكن إضافة السيد علي الخامنئي أيضاً، ومن الجيل الجديد أحمد الحسني البغدادي (الحفيد) وشقيقه السيد علي البغدادي.

            والفارق واضح بين البغدادي والخوئي، والأخير باحث وفقيه له مؤلفات كثيرة، ففي حين اتّخذ الخوئي مواقف نظرية، “متقدّمة” بخصوص ” الجهاد” إلّا أنها كانت “تجريدية” من الناحية الفعلية والتطبيقية، فقد أحجم عن تكييفها للظرف الموضوعي الملموس، خصوصاً إبعاد نفسه عن أي دور سياسي، بينما كان منهج السيّد الحكيم ينصبّ دور إصلاحي ويرفع شعارات مطلبية، يعتقد أنها تتناسب مع توازن القوى. أما البغدادي فقد كان داعية لفكرة الجهاد الدفاعي على نحو عملي ومنسجم مع الدور الذي يريده لرجل الدين كعنصر مؤثر في خلق الوعي الشعبي.

            وكان الخميني قد ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى فكرة الجهاد، بل كان مؤمناً ومنظّراً لفكرة قيام “حكومة إسلامية” في إطار ما أطلق عليه “ولاية الفقيه. والولي الفقيه وهو “النائب عن الإمام” في ما يسمى بعصر الغيبة بصلاحيات تكاد تكون مطلقة، وهو ما اعتمده بعد الثورة الإيرانية في العام 1979 وثبته دستورياً، مع أن غالبية فقهاء النجف والحوزة النجفية لم يكونوا مع فكرة ولاية الفقيه  في الماضي ولا في الحاضر. وكان الحكيم قد رفض فكرة ولاية الفقيه والجهاد الابتدائي، لكنّه اتّخذ لنفسه منهجاً تدرجياً معارضاً، بل كان شديد التأثير قياساً بغيره، وما موقفه من الشيوعية وتكفيرها إلّا دليل على قدرته على مجابهة مدّ ثوري وحركة صاعدة آنذاك.

            إن استعادة موضوع الجهاد من جانب الحسني البغدادي هو بمثابة إعادة تأسيس للفكرة التي ظلّ يدعو لها، سواء في السابق دفاعاً عن الدولة العثمانية ضد الانكليز أو لاحقاً لمقاومة الاحتلال “الاسرائيلي” بعد العام 1967. ويعتبر البحث من الدراسات الفقهية – الاستدلالية، وهو مصدر أساس للمدارس الفقهية على اختلاف توجهاتها، وخارج نطاق التوجّه الطائفي، لأنها تخصّ الأمة التي يريدها أن تصطف في مواجهة أعدائها والتصدّي لعدوانهم.

مصدر اساسي

            وكان البحث من السعة والتفريع والتحقيق بحيث يعتبر مصدراً أساسياً جديداً ومتقدماً للدراسات الفقهية المعمّقة، بعكس سائر المباحث الاخرى، لاسيّما كتاب الطهارة والصلاة والبيع والخيارات. (انظر: أحمد الحسني البغدادي – بحوث في الاجتهاد، طبعة بغداد، 1991? صفحة 184) وقد قام (الحفيد) بتحقيقات وتعليقات وترتيبات فصول كتاب “وجوب النهضة” وقد أسماه “وجوب النهضة- رؤية تأسيسية إستباقية حول الجهاد الدفاعي، الطبعة الرسمية الأولى، 2012م”  وقدّمه إلى الجمهور باعتباره كتاباً راهنياً.

            وقد نقل لي البغدادي “الحفيد” أنه سمع من جدّه في مجلسه ما يفيد أنه  كتب كتاب “الجهاد الدفاعي” كمبتكر لم يسبقه إليه أحد من تيار الفقهاء التقليدين، بل ولا من تيار المفكرين الإصلاحيين من أمثال: السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده ونحوهما، خصوصاً وأنه حاول تفنيد شبهات المستشرقين الغربيين حول جهاد الكافرين والمشركين. وحسناً فعل “الحفيد” حين كتب مقدّمة له، إضافة إلى ترجمة عن حياة البغدادي الكبير،وأعاد طباعته بحلّته الجديدة.

            ويعود ذلك إلى حرص البغدادي “الحفيد” ومساهمته في الترويج لفكرة مقاومة الاحتلال الأمريكي ونشر ثقافة الدفاع عن الوطن والقيم، التي تبنّاها منذ العام 2003 ولاسيّما “الحق في مقاومة الاحتلال” وكان “الحفيد” قد أسّس منذ أواسط التسعينات “حركة الإسلاميين الأحرار” وكان لها بعض الامتدادات في أهوار الجنوب، إضافة إلى النجف وبغداد وبعض المدن العراقية من المؤيدين لآية الله البغدادي، وحين انكشف أمرها بعد ترصّد من جانب السلطة البعثية، التي لاحقته، فاضطرّ الهروب  إلى إيران في العام 1998 ومنها انتقل بعد بضعة أشهر إلى دمشق، وتعرّض بعض أعضاء الحركة إلى التنكيل، بما فيها إعدام بعض من قياداتها.

            وكتاب “وجوب النهضة” هو درس في الكفاح الوطني والقومي من أجل الحقوق وضدّ المعتدي والمحتل، مثلما هو درس في فقه المقاومة والدفاع عن الوطن. وعلى الرغم من أنه كان قد كُتب إبّان الحرب العالمية الأولى، لكن حيثياته واستنتاجاته لا تزال راهنة وحيوية، وفيها إعادة قراءة معمّقة لفقه المقاومة في مواجهة الاستكبار العالمي، وخصوصاً بعد اتّفاقية سايكس – بيكو لتمزيق البلدان العربية، العام 1916 وحتى اليوم.

            ويعتبر الجهاد من فروع الدين، مثل الصلاة والصوم والزكاة والخمس والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتولي لأولياء الله والتبرؤ من أعدائه. ويقسّم الفقهاء الجهاد حسب المفهوم الإسلامي إلى نوعين أساسيين هما: النوع الأول “الجهاد الابتدائي” وهو الجهاد الدعوي أو الأصلي، والأساس فيه إعلان الحرب على الكفار والمشركين والكتابيين لرفع كلمة “لا إله إلّا الله”. والنوع الثاني ” الجهاد الدفاعي” وهو جهاد من يشنّ الحرب على بلاد الإسلام ويحاول مهاجمة المسلمين أو احتلال أرضهم، وهو جهاد مباح حتى في الأشهر الحُرم.

            ويضاف إلى ذلك الجهاد الفردي وهو بمثابة الدفاع عن النفس، كما هو معروف في القوانين الجزائية الوطنية التي تعطي “الحق في الدفاع عن النفس” عند التعرّض لاعتداء أو هجوم. والجهاد بشكل عام هو جهاد بالنفس والتضحية بها أو بالمال والعِرض وبكل ما لديه من عوامل قوة ومنعة.

            من جهة أخرى فهناك الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر، وقد ورد على لسان النبي محمد، حين عاد المسلمون من إحدى المعارك، قال: “رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، فسألوه: وهل هناك جهاد أعظم من الجهاد ضد الكفّار؟ فأجاب نعم إنه جهاد النفس، ولا شكّ أن جهاد النفس سابق على أنواع الجهاد الأخرى، ومن لم يستطع الانتصار على نفسه وحمايتها من الشرور والرذيلة والقسوة، فإنه لن يستطيع الانتصار على العدو لأن القتال مكروه إلى النفس البشرية.وجاء في سورة الإسراء الآية 85 ” ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربّي، وما أوتيتم من العلم إلّا قليلا”، وقد  اعتبرت الصوفية حب الدنيا رأس كل خطيئة ، لذلك انصرفت عنها وعن لذائذها.

            وجاء في سورة البقرة الآية 216 ما يفيد بهذا المعنى حيث تقول: ” كُتب عليكم القتال، وهو كُرهٌ لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم…” ولكي تنقاد النفس وتطمئن إلى جهاد الأعداء، لا بدّ من مجاهدة النفس والتغلّب على أهوائها ونزواتها. والجهاد الأكبر يورث النور في القلب بصفائه وبأخذه النور يصير محلاً لانعكاس نور الله حسب جلال الدين الرومي.

أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر

رسول الله محمد بن عبدالله

الجهاد الكفائي

            أما الجهاد الكفائي، وهو الذي دعا إليه السيد علي السيستاني بعد احتلال داعش للموصل في 10 حزيران (يونيو)2014? فإنه جهاد يحلّ على الجميع دفاعاً عن العرض والأرض والمال والقيم، وسمّي بـ ” الكفائي” لأنه: لو قام به من يفي بالغرض، فإنه يسقط عن الآخرين، أي أن مبدأ الكفاية يكون قد تحقّق، في حين إن الجهاد العيني لا يسقط عن الشخص حتى لو تحقق مبدأ الكفاية، إذا كان رأي الإمام أن يخرج له الشخص فيصبح واجباً عليه، أو إذا كان لديه نذر أو نحوه فإنه يكون قد خرج من حدود الكفاية.

            لقد بحث الكثير من الفقهاء ورجال الدين في الجهاد الابتدائي وكتبوا الكثير من الأفكار المكرّرة بخصوصه، وهي أقرب إلى استعادات مطروقة ومتناقلة من السلف إلى الخلف، لأنه من الناحية العملية والواقعية لم يعد بالإمكان تطبيقه بسبب تغيّر الظروف والأحوال، التي تحتاج إلى تغيّر الأحكام والقواعد، فشنّ الحرب على الكفار والمشركين سيعني التورط بحرب عالمية مفتوحة وبلا حدود، وهل يمكن قتل 3 مليارات إنسان من الكفار والمشركين مثلاً دون قتل ما يقابلهم من المهاجمين، زاد أو نقص، الأمر الذي سيعني الفناء للجميع؟

دخول الاسلام

            أمّا شنّ الحرب على الكتابيين (المسيحيون واليهود وسواهم من الموحّدين) وإجبارهم على الدخول بالإسلام أو دفع الجزية، فضلاً عن سبي نسائهم، فهو أمرٌ يعود إلى الماضي ولم يعد قاعدة صالحة لعصرنا وللعلاقات بين الدول، بل إنّها محرّمة دولياً، لأنها ضد قيم هذا العصر وقواعد القانون الدولي والإنساني، إضافة إلى ميثاق الأمم المتحدة. وعلى افتراض هناك من ينتمي إلى الماضي ويريد التشبث بتطبيقها بإدراجها ضمن برامج لقوى أو دول ، فإن ذلك سيعني أيضاً الترويج لثقافة الكراهية والحروب وإبادة البشر والقضاء على مستلزمات بقاء الحياة الإنسانية، خصوصاً وإن آلة التدمير الحربية، بما فيها القنابل النووية بإمكانها القضاء على البشرية عشرات أو مئات المرّات.

            واستناداً إلى الإسلام وتعاليمه السمحاء وبشكل خاص ما ورد في القرآن الكريم والقراءة الحضارية التأويلية لنصوصه وتفسيراته وتكييفاتها الإنسانية، فإنه “لا إكراه في الدين، قد تبيّن الرشد من الغي” (سورة البقرة الآية 26  إضافة إلى الدعوة للجنوح إلى السلم والتعايش والمحبة، ودليلي على ذلك ما ورد في سورة آل عمران آية 64 ”  قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم” أو ما جاء في سورة العنكبوت آية 64 ”  ولا تجادلوا أهل الكتاب إلّا بالتي هي أحسن…”

تعاليم الاسلام

            وأعتقد إن مثل هذه الأحكام هي من قبيل المبادئ والقواعد التي قامت عليها العلاقات بين المسلمين وغيرهم، سواء في زمن الرسول أو بعده، ولا ينبغي الأخذ بما هو طارئ ومؤقت، فحكم هذا ينتهي بزمانه، أما ما هو ثابت واستراتيجي وإنساني فهو ينسجم مع تعاليم الإسلام وقيمة التي لا تستقيم مع فكرة إرغام الآخرين على الدخول في الإسلام أو دفع الجزية، لاسيّما في زماننا.

             وهذا يعني أن الأحكام التي تتعلق بقضايا الحرب والسلام والأمن والتعاون ليست مطلقة ولا ينبغي تعميمها، لأنها تتعارض مع مقاصد الإسلام وجوهر رسالته الإنسانية التسامحية، فضلاً عن كونها لم تعد صالحة لعصرنا، وتتعارض مع قواعد الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، سواء كان الإنسان مؤمناً أو غير مؤمن، مسلماً أو غير مسلم أو من ديانة أخرى، شعباً أو دولة أو أمة. ولم يعد مناسباً الحديث عن “دار الحرب” و”دار الإسلام” لأن العالم تغيّر وإن قوانين التعايش السلمي والإنساني هي التي تحكمه بغض النظر عن الدين والقومية واللغة والتاريخ والأصل الاجتماعي وغيرها.

            وأود أن أشير إلى أن الجهات التي ظلّت تبشّر فعلياً بفكرة الجهاد الابتدائي، بل وتعمل على تطبيقها ليست سوى التنظيمات الإرهابية مثل “تنظيم القاعدة”، والذي أسّسه أسامة بن لادن ويقوده حالياً أيمن الظواهري، وربيباته “تنظيم الدولة الإسلامية للعراق والشام” “داعش” و”جبهة النصرة ” “جبهة فتح الشام” حالياً وسواهما، تلك التي تريد إعادة الزمن إلى الوراء بنحو 1400 عام، شاطبة التاريخ وتطوّر البشرية والقوانين والمؤسسات الدولية، بخصوص قضايا السلم والحرب والعلاقات الدولية (وحول فلسفة التنظيمات الإرهابية انظر بالتفصيل: عبد الحسين شعبان – ثلاثية الثلاثاء الدامي: الدين، القانون، والسياسة- الإسلام والإرهاب الدولي، دار الحكمة ، لندن، 2002) كذلك قارن: فواز جرجس- داعش إلى أين؟ – جهاد ما بعد القاعدة” الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، ط2? بيروت، 2016? (ص 201 – 202).

الإمام الحسني البغدادي.. مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن

التاريخ والسياسة

الحلقة الأخيرة  12

 المسلم الحقيقي لا يكون طائفياً

والوردي يرى التعصب يكمن فيها

وإذا كان “الجهاد الابتدائي” يتطلّب إذناً من الرسول محمد ومن بعد “الأئمة المعصومين” فإن مثل هذه الظروف حالياً غير متوفرة، إضافة إلى “الاستئذان” بشأن وجوب الجهاد مع “الإمام العادل” حسب الإمام علي موسى بن الرضا. ولهذا يذهب العديد من الفقهاء إلى القول بـ”عدم كفاية الجهاد بإذن الفقيه”، بل لا بدّ من الرسول أو من ينوب عنه “الإمام المعصوم” حسب الفقه الشيعي كما ورد في كتاب ” جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام”  لصاحبه الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنة 1850 في النجف، والذي يعتبر أفقه علماء عصره، وقد أخذت العائلة اسمها من الكتاب ومع مرور الأيام أصبحت عائلة الجواهري.

بتقديري إن فكرة “الجهاد الابتدائي” لم تعد موجودة إلّا في الكتب القديمة أو استعادتها لأغراض بحثية وتاريخية أو مستنسخة ليس إلاّ، ويمكننا القول إن تطبيقاتها العملية هي في أذهان التنظيمات الإرهابية التي تعلن منازلة عالمية ضد الكفر والكفّار وضد الكتابيين وضد البشر ككل بسبب اختلاف العقائد والأديان وطرائق العيش، لإرغامهم على الامتثال للإسلاموية التكفيرية الإرهابية التي تقوم على أساس الإسلاملوجيا أي (الإسلام ضد الإسلام)، وهي على العكس مما يحاول الغرب إلصاقه بالإسلام على أساس إثارة الرعب والخوف والرهاب منه والتي سبق وأن أطلقت عليها منذ نحو عقدين من الزمان “الإسلامفوبيا” أي الرهاب من الإسلام، باعتباره ديناً يحضّ على الإرهاب والعنف.

حالات محدودة

لذلك ذهبت الاتجاهات الفقهية الحديثة إلى التخلي عنه لعدم صلاحه، ناهيك عن عدم واقعيته، وعلى نحو محدود هناك بعض الاستثناءات التي تتعلّق بحالات محدّدة إذا توفّر الشرط الموضوعي والذاتي، والجيش والسلاح والمال، ومن بين هؤلاء السيد أبو القاسم الخوئي الذي عمّم الجهاد إلى ما بعد ذلك أو ما يطلق عليه “زمن الغيبة” وذلك في كتابه “تكملة منهاج الصالحين” للمزيد من المعلومات والاطلاع على أفكار الإمام الخوئي (أنظر: الإمام أبو القاسم الخوئي الموسوي- مجلدان : الأول ، العبادات والثاني المعاملات، الناشر: مؤسسة الخوئي الإسلامية، الطبعة الثانية والثلاثون  :1424هـ ، 2004م وكتاب تكملة منهاج الصالحين، للإمام الخوئي ، الناشر: مدينة العلم ، الطبعة الثامنة والعشرون 1410 هـ، 1989م) مؤكداً على وجود القتال والجهاد على المسلمين ضد الكفار والمشركين استناداً إلى القرآن الكريم ” فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم …” (سورة التوبة: الآية 5) “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة…” (سورة البقرة: الآية 193 وسورة الأنفال : الآية 39)? حتى يسلموا أو يقتلوا، وضد أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (سورة التوبة: الآية 29).

وتعتبر هذه الآيات من آيات السيف وليس من آيات الإسماح. وهنا يقتضي إخضاع بعض هذه النصوص إلى سياقها التاريخي، إذْ لا يمكن مدّها لتكون صالحة لكل زمان ومكان، لأنها قيلت لحالات محدّدة ولظروف محدّدة أيضاً، الأمر الذي يعني انتهاء مفعولها بزمانها، وذلك بالاستناد إلى القرآن الكريم أيضاً، كما جرى الاستشهاد به بالتعامل مع أهل الكتاب وفقاً لكلمة سواء، لأنّ ما كان سائداً من أوضاع خاصةً في زمن الرسول، لم تعد مثلها في زماننا، فالتاريخ لا يمكن إعادته، والزمن لا يتوقف والتغيير من مقتضيات الحال، ولهذا لا بدّ من البحث بما يتناسب مع زماننا، فضلاً عن ذلك لا يتوفّر إجماع حول ذلك، من أهل الخبرة والبصيرة.

وهناك من يفسر كلمة “الابتدائي” أنها لا تعني البدء بالحرب، بل إظهار القوة والتهديد بها وممارسة كل أنواع الضغط لإخضاع الطرف الآخر، وخصوصاً إذا ما تعرّضت حقوق المسلمين للانتهاك. وعلى أي حال إن هذا الجهاد يؤسس لعلاقة الحرب مع غير المسلم، كافراً أو مشركاً أو حتى موحّداً، تلك التي تتطلّب البحث بما يناسبنا في إطار التطوّر الفقهي الدولي والقوانين والمعاهدات الدولية، التي تعبّر عن توازن القوى في الظرف الملموس، سواء في الماضي أو في الحاضر وفي المستقبل أيضاً.

أستطيع القول إن فتوى السيد علي السيستاني المعروفة باسم ” الجهاد الكفائي” لم تكن فتوى فقهية قصدية، لأن الجهاد الدفاعي من المسلمات البديهية، وهي التي تقرّها القوانين الدولية  والوطنية وجميع الشرائع السماوية، وهي تقوم على الدفاع عن النفس ضد العدوان والاحتلال وانتهاك الحقوق، وهذه لا تحتاج إلى فتوى، فكل معقول يدركه العقل ولا حاجة إلى معجزة أو دليل، حسب الرومي، “لأن العقل أعزّ من كل شيء” لكن الفتوى كانت “ضرورية” لاعتبارات سياسية ودينية، حيث كان هناك تهديداً لمدن دينية، مثل كربلاء والنجف وسامراء، وهي مدن لها قدسية ومكانة خاصة، لهذا حين أصدر السيستاني فتواه لقيت صدى إيجابياً، لأنها جاءت متناغمة ومنسجمة مع واقع الحال واستهدفت تثوير الوضع  الرافض لاحتلال داعش للموصل، وكذلك تحفيز الدفاع عن الوطن ضد الهجمة الداعشية الظلامية التكفيرية. وكانت دافعاً للعقل الجمعي الذي كان مهيئاً لمقاتلة داعش، حتى وإن كان لكل أغراضه.

وكانت فتوى السيستاني قد اعتمدت على عنصرين أساسيين: الأول- إن الأمة غير متفقّهة، لذلك اقتضى الأمر أن يلعب الفقيه دوره في تنويرها. والثاني- إن داعش احتلت الموصل وهي في طريقها للتمدّد عراقياً وربّما إقليمياً، لهذا كان لا بدّ من تعبئة وتحريض ضروريين، وتلك في علم السياسة ما يطلق عليه “اللحظة الثورية”، التي التقطها السيستاني، ليصدر فتواه، وقد لا يكون ذلك بمعزل عن ضغوط وإشارات سياسية محلية وإقليمية، لكنها كانت تعبيراً عن انسجام الظرف الموضوعي مع الظرف الذاتي، فكان تأثيرها كبيراً والاستجابة للدفاع عن الوطن تتقدّم على غيرها من الأهداف.

جهاد كفائي

إن ما أطلق عليه “الجهاد الكفائي” هو فرع من “الجهاد الدفاعي”، مع الأخذ بنظر الاعتبار الإيفاء بالغرض، لذلك أسماه “كفائياً”، ومن الطبيعي عند الهجوم على أي بلد، سيهبّ أبناءه للدفاع عنه والذود عن حياضه، وهو أمر طبيعي يحصل في كل زمان ومكان. وأظن أن شعباً لا يدافع عن نفسه، سيكون شعباً من العبيد، ولا أعتقد أن العراقيين كذلك، بل هم شعب من الأحرار والمتطلّعين إلى حريتهم واستقلالهم، ولذلك فهم سيدافعون، بل ودافعوا بالفعل وفي كل الأوقات عن بلادهم بكل ما أوتوا من قوة وبأس، لكن دور الفتوى بغض النظر عن الجانب “الشرعي” فيها، هو دور تحريضي وجزء من  التعبوية التي حاولت أن تشحذ الهمم باتجاهها، لأن العدوان هو مساس بوجود الإنسان وكيانه وأرضه وعرضه وماله وشرفه، والكفاح ضدّه في نهاية المطاف هو “جهاد دفاعي”.

ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار

الإمام علي

وجوب النهضة: درس في الكفاح الوطني

أخذ السيد البغدادي الكبير في كتابه “وجوب النهضة” بالجهاد الدفاعي بل إن هناك من حاول القول إن هذا الكتاب بما تضمنه من أحكام خاصة بالدفاع عن الوطن، مهما كان شكل الحاكم وممارساته، تشمّ منه “رائحة التسنّن”، خصوصاً وقد كُتِبَ إبان حكم الدولة العثمانية، وللبغدادي آراء بخصوص الجهاد، فهو يستند إلى “دعاء الثغور” الذي تقول مقدمته  ” أَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَحَصِّنْ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ بِعِزَّتِكَ، وَأَيِّدْ حُمَاتَهَا بِقُوَّتِكَ، وَأَسْبغَ عَطَايَاهُمْ مِنْ جِدَتِكَ…” وهو دعاء منقول عن الإمام السجاد، الذي هو عبارة عن دعوة للجهاد حفاظاً على الدولة الإسلامية، ولصدّ هجوم المعتدين ممّن يرابط في الثغور الّتي تقع في أطراف البلاد الإسلامية. وهو الدعاء رقم 27 من أدعية الصحيفة السجادية .

المقصود بالرباط والمرابطين هو جواز مقاتلة العدو حتى مع السلطان وإن كان “جائراً”، ففي ذلك حسب بعض التنظيرات الشيعية، ولاسيّما التي وردت على لسان الإمام الصادق أن القتال هو من أجل الوطن والنفس والعرض، وحسبما يقول: “قاتل من أجل نفسك وليس من أجل السلطان”.

وهو ما ذهب إليه البغدادي الذي نظر إلى أن الصراع الأساسي هو مع العدو البريطاني المحتل، أما الإمبراطورية العثمانية، فعلى الرغم من ممارساتها الطائفية والعنصرية، سواء القيام بحملات تأديبية لجباية الضرائب أو إخضاع التمردات على حكمهم، فإنها لا ينبغي أن تقف عقبة أمام مهمة مقاومة الأجنبي، ولاسيّما غير المسلم، ولهذا أصدر فتواه لإقناع العشائر التي كانت قد ذاقت الأمرّين من حكم العثمانيين، بل كانت تتمنّى التخلص منهم حتى على يد البريطانيين، في لحظات جزع وعدم وضوح رؤيا، ولهذه الأسباب حاول البغدادي التنظير، في لحظة دقيقة للمفاضلة بين عدوّين أو عدو أجنبي وخصم مسلم، فاختار الأخير على الأول.

وبالعودة إلى كتاب “الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة” ليوسف البحراني (المتوفى 1772 م) الذي يعدّ من رموز المدرسة الإخبارية التي تختلف عن المدرسة الأصولية بأنها ترفض الإجماع والدليل العقلي كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي، وكتاب “مستند الشيعة في أحكام الشريعة” لأحمد بن محمد مهدي النراقي،  وكتاب “مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام”  للفقيه المحقق محمد بن علي الموسوي العاملي ( مؤسسة آل البيت، قم، 1410هـ) فإنها جميعها أخذت بالجهاد الابتدائي شرحاً وتفسيراً، وباستثناءات محدودة تطرقت إلى الجهاد الدفاعي، في حين إن السيد البغدادي كرّس نحو 314 صفحة للجهاد الدفاعي.

وإذا كنتُ توقفت عند كتاب “وجوب النهضة” فإن فلسفته السياسية هي التي اجتذبتني مقارنة بمؤلفاته الأخرى المطبوعة والمخطوطة الأخرى التي تدور في “حاشية وتعليق على كتاب العروة الوثقى” للسيّد اليزدي، ولاسيّما قسم العبادات ورسائله العملية التي تتعلّق بـ “هداية الأنام ومختصرها” و”مناسك الحج”، ومخطوطة عن العقائد والرجال والأخلاق والفقه، إضافة إلى أرجوزة في الصوم والاعتكاف والخُمس (حوالي 700 بيت) وهي مذيّلة بخطّ يده، وهذه كلّها تدور حول قضايا العبادات والمسائل التقليدية، وكان قد انشغل بالتدريس وتقديم آراء وأفكار عديدة، حاول “الحفيد” جمع بعضها وتبويبها لكي يطّلع عليها المعنيون.

لقد ضعفت نزعة التديّن في أهل العراق وبقيت فيهم الطائفية …

علي الوردي

خاتمة

لو اطّلعنا على خطاب ما يطلق عليه ” المرجعية الدينية” ولا سيّما فتاواها وآرائها، بما فيها ما يتعلق بعدد من القضايا الساخنة والتي تحتاج إلى وجهة نظر محدّدة، سنراها تمتاز بالعمومية والفضفاضية  والحذر والتردّد في الكثير من الأحيان، خصوصاً إذا كان ثمة مواجهة مع الدولة ، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. ويعود ذلك لأسباب عديدة منها تجنّب الخوض في الشأن العام بما فيه من تداخلات سياسية واجتماعية، واصطفافات موالية أو معارضة، فضلاً عن ذلك فإنها منذ فشل ثورة العشرين من تحقيق أهدافها ظلّت تخشى الانخراط في السياسة أو مقاربتها، خصوصاً  القسوة التي استخدمتها سلطات الاحتلال البريطاني ضدها، نفياً وعزلاً وتهميشاً.

ولهذا السبب، فضلاً عن عدم وعي الدور الذي يمكن أن تقوم به، نأت بنفسها عن الانخراط في الشأن السياسي أو مواجهة السلطة أو اتخاذ مواقف ذات توجّه سياسي، وانصرف الغالبية الساحقة منها إلى الأمور الحياتية كالعبادات والحلال والحرام والطهارة والنجاسة والمعاملات وغير ذلك، وإن حاولت الدخول في عوالم السياسة ودروبها، فقد كان دخولاً من باب المطالب العامة، واستمرّ الأمر كذلك، باستثناءات محدودة حتى ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958? فاندفعت بعض الأوساط الدينية لمقاربة العمل السياسي، سواء كمرجعيات أو حركة سياسية توّجت بتأسيس حزب الدعوة الإسلامية وواجهات علنية تابعة للمرجعية ، تمت الإشارة إليها.

وحتى الدراسة في الحوزة العلمية بقيت تقليدية وإلى حدود غير قليلة راكدة وتعتمد على مناهج السلف، وإن جرت محاولات لتجديدها في أواسط الخمسينات، لكنها بشكل عام استمرت على منوالها ، بما فيها الرسائل العملية، حتى إن البغدادي ظلّ يعتقد وهو على حق بعدم جدوى طبعها، لأنها تكرار أقرب إلى التقليد للسابقين، وحسب محمد حسين كاشف الغطاء، ففي هذه الرسائل “يسرق الّلاحق من السابق”، ويتفق مع هذا الرأي الباحث الإسلامي عادل رؤوف في كتابه “عراق بلا قيادة” (إصدار المركز العراقي للإعلام والدراسات ، دمشق، 2002).

وكل لاحق يضيف إلى السابق حواشي وملاحظات جزئية قليلة لا تشكل إغناء أو إثراءً إلّا على نحو محدود، وهو الأمر الذي حدا بالبغدادي للانصراف إلى التدريس الذي كرّس له نفسه، لأنه كان يريد أن يُحدث تغييراً في نمط التفكير والعقول من خلال جدل ونقاش وتبادل وجهات نظر وآراء وأخذ ورد وتأييد وتنديد مع تلامذته ومريديه، وخصوصاً مع عدد من مجايليه في مجلسه الخاص وفي بعض مطارحاته الفكرية والأدبية.

وكان الخطاب الإسلامي المرجعي قبل محمد باقر الصدر عموماً يتّسم بغياب التوجّه النقدي الذي اكتسب بعداً جديداً مع منهج الصدر ورؤيته المتقدمة، لكن الإضافة النوعية الفكرية للصدر تتمثل في محاولته في نقل الجدل إلى المفاهيم وعدم الإبقاء عليه في الأحكام الشرعية. وللأسف فإن “المرجعية” شهدت منافسات شخصية وسياسية شديدة وحادة واتهامات تسقيطية وبعضها ليس بعيداً عن القوى الخارجية، إضافة إلى تشكل محاور ومصالح، فضلاً عن الصراع المحموم على ما سمّي بالموقع الأول، والحصول على الحقوق والمكتسبات.

وادت الحواشي دوراً سلبياً في تأجيج النزاعات، فمن جهة كانت تقوم بعملية التمجيد والتقديس لمن تمثّله أو تحسب نفسها عليه، ومن جهة ثانية تحاول تشويه سمعة رجل الدين الآخر لدرجة تبشيعه والتشنيع به حتى وإن كان عالماً جليلاً، طالما هناك حسابات شخصية أو سياسية ضده، كما لعب الجهل والانحيازية المطلقة دوراً في صب الزيت على نار الصراع، وكلّما هدأت أو اقتربت من أن تخمد يجري تأجيجها، بشن حملات خفية وأخرى علنية لتشويه سمعة الخصم الذي تكون العلاقة معه استئصالية وإلغائية أكثر حتى من العدو، ولعلّ المجتمع النجفي، وخصوصاً الديني يعرف الكثير من القصص والمفارقات والملاسنات والحكايات بين المراجع، حيث يختلط الغث بالسمين والحق بالباطل والواقعي بالافتراضي، والخاص بالعام. وكما جاء في سورة الحشر الآية 14 “… تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى”.

ولعلّنا نستذكر هنا بيتين من الشعر للجواهري تنطبق على الصراع بين بعض رجال الدين وهو ليس حكراً عليهم، بل إن السياسيين في الكثير من الأحيان أكثر شهوة للتسقيط والإيذاء والتنديد بالخصم، لاسيّما في حالات الصراعات الداخلية حيث تطغى العدائية والكراهية والكيدية إلى درجة كبيرة، خصوصاً بين القيادات والمسؤولين وتشترك في ذلك الأحزاب جميعها من حزب البعث والقوميين العرب والكرد والحزب الشيوعي والحركة الدينية بجميع قواها. يقول أبو فرات :

وتجمّع الأقطاب، يأكل بعضهم بالحقد بعضا

                                                يتفحّصون مشاكل الدنيا سماوات وأرضا

أيعالج المرضى أطباء بذات الجنب مرضى؟

                                                يشكو المحبة “واحدٌ” لـ “ثلاثة” يشكون بُغضا

اطروحات حادة

وبقدر “مبدئية” البغدادي فقد كان حاداً في أطروحاته وهو يعتبر ألّا فائدة من التديّن أو المبادئ إن لم يقف المرء بوجه المفسدين، فهناك رجال دين وهناك متديّنون، حتى وإن لم يتفقهوا في الدين، ومثلما هناك دين فهناك ضمير، وأحياناً يحصل التعارض والتناقض بين المصلحة والمبدأ، ولا شيء يُنزِلُ من قيمة رجل الدين إلاّ حين يكون “ممثلاً” فيظهر عكس ما يُبطن، ويتصرّف عكس ما يدعي، وبهذا المعنى يكون مثل الزهور الاصطناعية، دون رائحة أو جاذبية، لأنها سرعان ما سيعرفها الناظر إليها ولو بعد حين، حتى دون الحاجة إلى لمسها وسيكون رجل الدين بلا مزايا إن لم يضع الضمير نصب عينيه.

            وحسب الشاعر الجواهري مرّة أخرى:

            ومن لم يخف عقب الضمير / فمن سواه لن يخافا .

            وأختتم بالقول بقدر حاجة الناس الروحية إلى الدين التي ستبقى ما بقية الحياة على سطح المعمورة، فهناك حاجات عقلية وفكرية وثقافية واجتماعية ، مثلما هناك جوانب علمية وعملية لا يمكن للإنسان أن يستغني فيها عن الدين أو ينكره أو يهمله أو يقلّل من شأنه، خصوصاً وأنه يشكّل جزءًا لا يتجزأ من ثقافة الأمم ووجدانها وهو إحدى أهم الظواهر الاجتماعية والسايكولوجية التي تحتاج إلى دراسة ومعرفة ومعايشة تلبي احتياجات البشر وتأخذ بنظر الاعتبار تطوّر مجتمعاتهم .

            وتبقى ظاهرة الإمام البغدادي وشخصيته الإشكالية، مسألة متميّزة في إطار الهوّية الدينية التي حاول أن يعبّر عنها بوضوح وجرأة واجتهاد، ولا يكفي المرء أن يكون ” متديّناً” أو رجل دين أو يرتدي زيّه، فالعبرة دائماً بالأفعال والمواقف، وليس بالأقوال والمزاعم والتخفي وراء قداسة الدين أو كتاب الله الحكيم، وحسب انشتاين فإن ” كل الأديان والفنون والعلوم هي في الحقيقة فروع لنفس الشجرة، وكل هذه المناهج موجهة نحو رفعة الإنسان وإرشاده نحو الحرية الفردية”، ولا قيمة أعلى منها على المستوى الإنساني، لاسيّما بعد حق الحياة، بل إنها المدخل للحرّيات والحقوق الأخرى، سواء كان الإنسان متديناً أو غير متدين، مؤمناً أو غير مؤمن، مسلماً أو غير مسلم ، لأنّ ما هو مشترك بين البشر هو الأساس، والحرّية في التديّن والحق في الاعتقاد، يمثلان المدخل الحقيقي لسسيولوجية الدين في المجتمع، وسيكولوجية التديّن تعطيه بعدين أساسيين هما الإنساني والحقوقي مثلما في بعديه الروحاني والأخلاقي، وهما جوهر الدين وغاية التديّن، ومثلما هي الغاية نبيلة، فالوسيلة ينبغي أن تكون كذلك لأنهما يرتبطان على نحو عضوي ومتلازم لا إنفصام بينهما، وهما مثل البذرة إلى الشجرة على حد تعبير قائد المقاومة اللّاعنفية المهاتما غاندي.

            ثم كيف برجل دين يكون طائفياً مثلاً، لأن المتديّن الفعلي والمؤمن الصادق والمسلم الحقيقي لا يمكن أن يكون طائفياً، وصدق علي الوردي حين شخّص ظاهرة الطائفية فاعتبر التعصّب أساسًا فيها، وكل متعصّب متطرّف في حبّه أو كرهه، وقد يذهب أبعد من ذلك حين يحاول إقصاء الآخر أو تهميشه فيلتجئ إلى العنف، الذي هو استهداف مقصود ومحدّد، والذي يقدم عليه يعرف تماماً الضحية، أما إذا استخدم العنف عشوائياً بهدف إرعاب الآخر وإحداث ضرر مادي ومعنوي وبشري به، فإنه قد لا يعرف الضحايا، وهو ما ينطبق عليه تعريف الإرهاب، وأهدافه سياسية في الغالب حتى وإن ارتدت ثوباً طائفياً أو مذهبياً أو دينياً. كما هو عنف الجماعات الإرهابية، سواء كانت داعش وقبلها القاعدة ومتفرّعاتها.

وإذا كان العنف الأول تحكمه القوانين الجزائية الوطنية، فإن العنف الثاني الذي يتخذ شكل الإرهاب يمكن أن يخضع للقوانين الدولية، خصوصاً إذا استهدف جماعة ثقافية: دينية أو مذهبية أو إثنية أو قومية أو سلالية أو لغوية.

كنت أمازح السيد محمد بحر العلوم دائماً بقول أردّده عليه ويطرب له، أقول له: علاقتي بالدين لها طابع خصوصي، حيث أريد جمع المذاهب، فلا أجدني أرغب بالاستفراد بواحد منها ، فإذا أردت أن تتحلّل من أحكام الزكاة فكن مالكياً، وإذا أردت أن تتحلّل من أحكام الربا فكن شافعياً، وإذا أردت أن تتحلّل من أحكام تحريم الخمور فكن حنفيّاً، وإذا أردت أن تتحلّل من أحكام الزواج فكن شيعياً، وهكذا ستخرج من الشريعة بالشريعة وكنّا دائماً ما نستذكر ذلك مع الصديق يحيى الجمل.

ولا يكفيني أن أجمع المذاهب، بل إنني أتمنى أن تجتمع الأديان في وحدة دينامية تناسقية أساسها المحبة والإنسانية لأن “الإنسان مقياس كل شيء” حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس، والإنسان سواء كان مؤمناً أو غير مؤمن، مسلماً أو غير مسلم، فإنما يجمعه بالآخر هو المثل والقيم والحق والعدل والسلام والجمال والعمران، وكما يقول القديس بطرس أحد تلامذة المسيح ” طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّة”.

لقد ظلّت تسكنني قصيدة محي الدين بن عربي التي تعبّر عن سسيولوجيا الدين والتديّن والتي جاء فيها :

لقدْ صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورة ٍ                      فمَرْعًى لغِزْلاَنٍ وديرٌ لرُهْبانِ

وبَيْتٌ لأوثانٍ وكعبة ُ طائفٍ، وألواحُ توراة ٍ ومصحفُ قرآنِ

أدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجَّهتْ              رَكائِبُهُ فالحُبُّ ديني وإيماني

 

 

 

 

نشرت في صحيفة الزمان العراقية 22/11/2017

 

 

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا