الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

محنة المثقف

عبدالرحمن عناد *


لا تعني مطالبة المثقف بدوره المطلوب في الريادة والفعل المؤثر مجتمعيا ، نسيان ما هو عليه من حال تعمل بالضد منه ، فالمثقف هنا مقيد بأكثر من حائل بينه وما يريد ، لعل في مقدمتها ردود الفعل المتأتية من جهات عدة ، من بينها السلطة ، والتي تصل حد التصفية الجسدية ، ان هو تجاوز ما وضعته هذه الجهات من خطوط حمر كما تراها هي . 
ومثل هذه الحال ليست بجديدة على المثقف ، ففي التاريخ الأسلامي أمثلة كثيرة على ما لقيه المثقف حينها ، الكاتب ، العالم ، المتنور ، وغيرهم من اصحاب القلم والفكر الذي لم يكن يتماشى وما تريد الرغبات السلطوية . وقد وثق بن النديم في كتابه ( الفهرست ) عناوين كتب كثيرة أخفيت ولَم يعد لها وجود لمؤلفين معارضين للسلطة في مرحلة ما ، وتطرق الى ذات الحالة ياقوت الحموي والأصفهاني ، ومنه احراق كتاب ( الشفاء ) لأبن سينا في عهد دولة الموحدين التي أنشأ ها يوسف بن تاشفين ، وتسبب ضرب الرازي بكتبه على راْسه الى أحداث أضرار فيه وضعف في عينيه ، غير قتل بن المقفع وسجن وتعذيب بن حيّان ونفي بن رشد وحرق كتبه وحجز الطبري في داره الى أن مات ، واتهام المعري بالزندقة ، وغيرها من أمثلة مؤلمة تدل على محنة المثقف وما يلقاه من أضطهاد . وفي كتاب د. محسن محمد حسين المعنون ( المثقف اللامنتمي في التراث الاسلامي - دراسة عن قمع الدولة للفكر الأخر ) أمثلة وتحليل لهذه الحالة المأساوية . 
وحين تسكت الدولة بمفهومها الحديث عن ردود فعل عنيفة من قبل جهات مجتمعية ضد المثقفين ، ولا تنهض بواجبها في الدفاع عنهم وردع من يؤذيهم بكشفه ومعاقبته ، فإنها تكون مشاركة ضمنا ومسؤولية في هذا الاضطهاد والعنف . 
ان محنة المثقف الْيَوْمَ متعددة الاوجه ، والعنف أحدها لكنه ليس الوحيد ، فهناك عدم سماع صوته بمؤثرات عدة ، منافسته في مواقعه التنظيمية ، عدم إيجاد البيئة الامنة له ، أنعدام أو ضعف الإمكانيات المتاحة له لنشر أفكاره وكتاباته ، وإلا كيف نفسر نشر مبدع لكتاب ببضع مئات من النسخ وعلى حسابه الخاص في بلد تجاوز عدد مواطنية (٣٥ ) مليونا ؟ ، ومن أوجه المِحنة غير ما تقدم هو الاختلاف والتناحر داخل أوساط المثقفين أنفسهم ، ضعف الأحوال المادية وهزالة المردود المادي - ان وجد - لما ينتج ، شيوع الجهل والأمية في المجتمع ، ومنافسة الجهلة للمبدعين واتاحة الفرص لهم . 
ان كل ما تقدم رغم ما يمثله من صعوبات ، لم تحل بين المثقف ودوره ما أستطاع الى ذلك سبيلا ، والتضحيات المتواصلة ، والابداع الذي يقدمه بين فترة وأخرى ، والأصرار على الفعل والتحدي ، شواهد على أرادة المثقف وقدرته على تجاوز محنته التي يعيش .

·         كاتب وصحفي عراقي  من جيل الرواد

 

عبدالرحمن عناد

       صحفي وكاتب عراقي من جيل الرواد

يقيم في السويد (من اسرة البلاد)

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا