الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

 

لوحدنا لا نستطيع ولكن

بدوننا لا يمكن أن يحدث التغيير

 

جواد بولس

 

شارك النائب أيمن عودة مساء السبت المنصرم 25/5/2019، في المظاهرة الضخمة التي دعت إليها أحزاب المعارضة اليهودية، من أجل الديمقراطية وضد فساد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وحلفائه، الذين يخططون لتشريع قوانين من شأنها أن تعطّل مكانة المحكمة العليا ودور القضاء، وأخرى تضمن حصانته وحمايته من تقديم لوائح اتهام ضده قد تفضي إلى إدانته في المحاكم والحكم عليه بالسجن الفعلي.
لو لم يلبّ النائب عودة دعوة المنظمين للمشاركة في هذه المظاهرة المهمة، ولو أصغى لمن حثّه على مقاطعتها، أو لمن ضغط عليه خلسةً، أو زايد عليه جهارًا، لأثبت أنه غير جدير بالموقع القيادي الذي يتبؤه، ولا أهلًا لآمال أولئك الذين يدعمون «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة»، وهي الاطار السياسي الأوسع جماهيريةً بين المصوّتين العرب للكنيست الإسرائيلي، والداعي إلى ضرورة الحفاظ على الشراكة السياسية المتكافئة والحقيقية بين المواطنين العرب والمواطنين اليهود في الدولة، كتجسيد للفكر الجبهوي الراسخ، الذي يدمج على طريقته، بين مكانة مواطنتنا الاسرائيلية وانتمائنا القومي كجزء من أبناء الشعب الفلسطيني.
لقد أتاحت لنا هذه المظاهرة فرصةً مبكّرة للتخيّل كيف سيكون الموقف ازاءها لو نجح الفرقاء في خوض انتخابات الكنيست بقائمة مشتركة واحدة؛ خاصةً بعد أن لاحظنا هذا الكم من الصمت المريب وهو «ينطق» في أفواه بعض القياديين؛ وقرأنا عن الردود السياسية المغمغمة أو المعارضة، حيث برز منها هجوم النائب امطانس شحادة، أمين عام حزب التجمع الديمقراطي، واستهجانه الشديد لمشاركة زميله النائب عودة فيها، فكيف «يمكن لأي قائد عربي أن يشارك في تلك المظاهرة وتحت هذا الشعار.. ما هذا؟ هل الرغبة في مخاطبة الشارع الاسرائيلي تفوق أي شيء؟ ألا يمكن كبح هذ الخلل في فهم المجتمع والسياسة في اسرائيل!» على حد تعبيره.
وقبل الحديث عن موقف حزب التجمع أو الحركة الإسلامية لابد من الإشارة، بامتعاض، إلى غياب موقف معلن وصريح من قبل «الحزب الشيوعي الإسرائيلي» ومثله من قبل «الجبهة الديمقراطية» التي يقف النائب ايمن عودة في مقدمتها.
لا معنى لسكوتهم، ولا بتأتأتهم الخجولة، إلا بكونها أوضح الأعراض لسقمهم التنظيمي المزمن؛ فكيف لحزب/جبهة – آمنت مذ قامت بمبدأ النضال العربي اليهودي، ونظّرت من البدايات لضرورة التلاقح والنضال من أجل نيل المواطنة الاسرائيلية الكاملة، وفي الوقت نفسه العمل على بناء الهوية الفلسطينية المتوازنة – أن يترك قائده البارز في الساحة وحيدًا، ليقارع سهام نتنياهو السامة وهي ترميه لكونه «مخرّبًا» يُعيب بمشاركته تلك المظاهرة، ويواجه في الوقت نفسه، على جبهة أخرى، مقارعات «رفاقه»و «إخوته» بالحجة والإصرار.

«نتنياهو مأزوم وخائف بسبب فهمه للمعادلة التي نطرحها بقوة في كل منصة. فحين نطرح نحن المواطنين العرب ثقلنا السياسي لن يبقى هو في الحكم»

لم يفاجئني موقف حزب التجمع الذي لم يتغيّر حتى خلال سنوات الشراكة في اطار القائمة المشتركة في الكنيست الماضية؛ فلطالما شهدنا خلافات بين مركباتها، لاسيما عندما واجهت وعالجت مواضيع لها علاقة بقضية الشراكة السياسية العربية -اليهودية، أو بمحاور علاقاتنا، كمواطنين وأقلية قومية، مع الدولة ومؤسساتها السيادية. فما أعلنه النائب شحادة في تعقيبه على مشاركة النائب عودة، يعكس بوضوح ويذكّرنا مجددًا بعمق الهوة السياسية الحقيقية التي تفصل بين «الندّين»، وتكشف عن واحد من أهم الأسباب التي عطلت عمل القائمة في حينه، وحوّلتها مع أسباب أخرى، إلى جسم سياسي كسيح، صار وجوده عالة على «أهله» أو وسيلة لتكسب أصحابه على حساب المصلحة الجماهيرية العليا. للحقيقة فأمين عام حزب التجمع تحدث مدفوعًا بواجبه القاضي بالدفاع عن مفاهيم حزبه السياسية المعروفة، وحسب منطقه المشروع؛ ولا غضاضة في ذلك سوى أنني شعرت، كما في المرات السابقة، بوجود تلك الإشكالية العضوية في عرى الخطاب وتماسكه والعسر في إمكانيات صرفه جماهيريًا. من يقرأ تصريح النائب شحادة يفهم أن حزب التجمع يعارض مشاركته في تلك المظاهرة، ويعارض كذلك مشاركة غيره من الأحزاب العربية فيها؛ ولكن لن يُفهم، من تصريحه، بشكل قاطع وواضح، ما هي أسباب تلك المعارضة، لاسيما إنها تأتي على لسان من يمثل حزبًا يختار، عن قناعة فكرية، خوض الانتخابات النيابية الاسرائيلية، ويشارك فيها كابن شرعي للنظام السياسي القائم في الدولة، بينما يتنكر لما تمليه عليهم تلك «الولادة» من تبعات وواجبات تجاه من انتخبوهم، وأهمها النضال في سبيل بناء نظام حكم سليم وديمقراطي، يقوم على أسس المساواة المدنية الحقيقية، ويحترم سلطة القانون، ويعمل بهدي قيم العدل الاجتماعي.
هذه هي الغاية من اللعبة السياسية البرلمانية، وهي تتيح في حالتنا لكل نائب أو تلزمه أن يعمل على إسقاط أو إفشال إقامة حكومة لا يختلف اثنان على أنها كانت وستكون من أخطر الحكومات علينا نحن الجماهير على الاطلاق. فما الغلط إذا أرادت «الأحزاب الإسرائيلية التي شاركت وتحدثت في المظاهرة، تجنيد المجتمع الإسرائيلي ضد نتنياهو» بسبب سعيه «لسن قوانين تحميه من الخضوع للمحاكمة في تهم الفساد»؟ وحتى إذا لم تكن تسعى كي «تبني نظامًا ديمقراطيًا حقيقيًا»، بل لأن رعاتها «يعتقدون أن نتنياهو يشكل خطرا على الديمقراطية الاسرائيلية، أي اليهودية، ولذلك يجب تغييره»، كما صرّح؛ فهل في هذه الحالة يجوز له كنائب عربي «أصلاني/ أقلاني» أن يستهين أو يلغي أهمية تلك الأهداف، التي من أجلها نظمت المظاهرة؟
ثم إذا كان النائب شحادة مقتنعًا بأن «الديمقراطية الإسرائيلية» تعني الآن وستبقى تعني في المستقبل «الديمقراطية اليهودية» فقط، فكيف سيسوّغ أسباب مشاركة حزبه في عملية تعتبر، بلا شك، واحدة من أهم تجليات المواطنة والديمقراطية الانتخابية؟ وإذا لم يكن إسقاط حكومة نتنياهو هدف هذه المرحلة؛ فماذا سيكون الهدف؟
على جميع الأحوال سيبقى ما قاله النائب عودة في المظاهرة، وكيف استقبلته الحناجر هناك، وتعقيب افتتاحيات الإعلام الاسرائيلي ومعظم قيادات الأحزاب المشاركة أكبر دليل على صحة قراره وأهميته؛ حتى إذا استعان بعض المنتقدين بحقيقة تلكؤ الرعاة بدعوته، يبقى اضطرارهم لدعوته في النهاية هو المؤشر الأهم الجديد الذي يعكس تغييرًا، قد يكون طفيفًا، في داخل بعض الجيوب الصهيونية كما رأينا، مثلًا، في إعلان القيادية في حزب العمل، شيلي يحيموفيتش حين قالت «على أن مظاهرة خالية من العرب هي خضوع للعنصرية ولتحريض اليمين». ومثلها جاء في تعقيب رئيسة حزب ميرتس ياعيل زندبيرغ، مؤكدة على أن «الشراكة العربية اليهودية، بالاخص في محاربة فساد نتنياهو وسعيه لهدم سلطة القانون، لا تعبر فقط عن العدل، إنما ايضًا عن الحكمة».
ستبقى صرخة أيمن عودة أبرز ما قيل من على تلك المنصة، وستتحول إلى مفتاح للأمل في مستقبل مشرق «فوحدنا لا نستطيع التغيير ولكن بدوننا لا يمكن أن يحدث التغيير».
وأخيرًا ، عليّ أن أعترف بأنني أخطأت حين توقعت بعد انتخابات الكنيست الماضية أن «الساحر» نتنياهو سينجح، رغم جميع العثرات، بإقامة حكومة يمينية متطرفة، فساعتها، عندما كتبت ذلك، لم أر أن في قنديل الجماهير ما زال بعض الزيت وفتيل من إرادة؛ واليوم لقد فشل نتنياهو وقد لا ينجح بالعودة إلى صدارة المشهد، لأن كل الاحتمالات فتحت من جديد.
لم تكن لهذه المقالة صلة بقرار حل الكنيست، لكنها ولدت مع مفارقة لافتة، فلقد أشار أيمن عوده قبل تلك المظاهرة، وبعد أن هاجمه وهاجمها نتنياهو، قائلًا «إن نتنياهو مأزوم وخائف بسبب فهمه للمعادلة التي نطرحها بقوة في كل منصة. فحين نطرح نحن المواطنين العرب ثقلنا السياسي لن يبقى هو في الحكم». ربما ساهمت تلك المظاهرة في إفشال نتنياهو وربما لم تساهم؛ لكنها شكّلت موديلًا للعمل السياسي المختلف يجب، كي يكون مؤثرًا، أن يعتمد على وقوفنا على ساقين: مواطنتنا الاسرائيلية وهويتنا الفلسطينية، فالأولى حامية لنا والثانية بوصلة.
أمامنا ، كمواطنين عرب في اسرائيل، تحدّيات كبيرة وخطيرة فهل وكيف سنطرح، بعد ثلاثة شهور، قوتنا؟ وهل سنعرف كيف نصعد ولو درجة واحدة من قعر الهاوية؟
يتبع ..
كاتب فلسطيني

 

 

جواد بولس

 كاتب فلسطيني محامي 

 ناشط في مجال حقوق الانسان  (من كتاب البلاد)

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا