الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

نادي الأحزاب العراقية المغلق

سامي البدري

منذ تقديم رئيس الوزراء العراقي، عادل عبدالمهدي، استقالة حكومته، دخلت أحزاب السلطة، التي كانت تشكل تلك الوزارة، في نفق اختيار بديل له، رغم رفض المنتفضين لأي مرشح يأتي من نادي هذه الأحزاب المغلق، لأنه يرفض هذه الأحزاب ذاتها، وهي المستهدف الأول من قبل المتظاهرين.
المنتفضون، ومنذ اليوم الأول لانتفاضتهم، أعلنوا وبصريح العبارة، عن مطلبهم في حكومة إنقاذ وطني (تكنوقراط)، من خارج نادي الأحزاب، الذي يغلقونه على أنفسهم، وتكون مهمتها وضع دستور وقانون انتخابات جديدين، إضافة إلى مفوضية انتخابات مستقلة وتخضع لمراقبة دولية، مع مطلبهم الأهم والرئيسي والصريح، بحل الأحزاب السياسية جميعها، (وإغلاق ناديها الليلي) وتقديم قياداتها وعناصرها الحكومية للقضاء. ولأن هذه المطالب، وكما هو واضح، تعني تصفية الطبقة السياسية الحاكمة ، تصفية نهائية، وعلى خلاف ما تريد، وبالضد من مصالح إيران في العراق، اختار الاثنان، الطبقة السياسية وإيران، إدخال أنفسهم والعراق في نفق المماطلات والتسويف، من أجل كسب الوقت الذي يتيح للجهتين تصفية التظاهرات وشبابها بكل الوسائل التي يمتلكون، والتي كان أولها قنابل الغاز، وأوسطها الرصاص الحي، وآخرها سكاكين الغدر في الظهر.
ومن خلال ردود أفعال أحزاب السلطة وميليشياتها، وبتوجيه من قاسم سليماني، مسؤول فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، الذي اغتيل من قبل الأمريكيين على أرض العراق، نلاحظ أن هذه الأطراف، وبعد أن تسرب اليأس إليها من عودة المتظاهرين عن مطالبهم، تركز جهودها الأخيرة على سياسة الأرض المحروقة، وجر المتظاهرين إلى مواجهة عنيفة، لا يمتلكون أدواتها، لأنهم لم ينخدعوا بإصلاحات الحكومة والأحزاب الترقيعية، وهذا ما عمدت إليه الطبقة السياسية بأشكال تحرشاتها وتحرشات ميليشياتها بالمتظاهرين، التي طورتها إلى الشكل الأخير من مجازرها الوحشية في الناصرية والنجف، وكذلك مجزرة ساحة الخلاني الأخيرة وسط بغداد، التي رغم وحشيتها، لم تفلح بإخراج المتظاهرين عن سلميتهم ولا بجرهم إلى مربع المواجهة المسلحة. ومن خلال الحلول الترقيعية التي أعلنتها الطبقة السياسية، كوضع قانون جديد للانتخابات وتشكيل مفوضية جديدة لها، بيدها هي، لا بيد حكومة الإنقاذ الوطني التي يطالب بها المتظاهرون، يتضح لنا أن هذه الطبقة ليس فقط لا تفكر بترك السلطة، كما يطالب شباب الانتفاضة، بل هي ليست حتى على استعداد لإجراء أي إصلاح حقيقي في رؤيتها وسياساتها تجاه الشعب، وتفضل بالمقابل الاستمرار على صم آذانها والعيش في عزلتها، في ناديها المحصن، وعلى الشعب ومتظاهريه الرضوخ والإذعان، وإلا اقتصت منهم بالمزيد من المجازر وأعمال الخطف والاعتقال.

الطبقة السياسية العراقية ترى أنها تحكم بالحق الإلهي، لأنها مرضي عنها من قبل الولي الفقيه الإيراني ومن قبل وكيله في حوزة النجف

الطبقة السياسية العراقية ترى أنها تحكم بالحق الإلهي، لأنها مرضي عنها من قبل الولي الفقيه الإيراني ومن قبل وكيله في حوزة النجف علي السيستاني، وعليه فإنها لا ترى في المنتفضين سوى مجموعة من الغوغاء المغرر بهم، والخارجين على القانون، الذين لابد من ردعهم بكل الوسائل، لأنهم باتوا يشكلون خطراً حقيقياً على امتيازاتهم والبحبوحة التي يعيشون فيها، ولهذا لجأت مؤخراً إلى العزف على موال خطر الفوضى الذي سينتجه إضعاف الحكومة، وبالتزامن مع أعمال العنف التي مارستها ميليشيات الأحزاب ضد المتظاهرين، في محاولة لجرهم لرد فعل عنيف من أجل القضاء عليهم بأسلحتها الفتاكة، تحت دعوى السيطرة على الفوضى وإعادة النظام. حالة اليأس التي تعيشها الطبقة السياسية، جعلتها تفكر بالخيار الوحيد الذي تجيده وتفهمه، دفاعاً عن مصالحها وامتيازاتها، وهو جرّ العراق إلى مربع العنف، الذي تجيده وتجيد الحسم فيه ميليشياتها المتعطشة للدم، كما أثبتت مداهماتها الأخيرة لساحات الاعتصام في ساحة التحرير، وجسر السنك وساحة الخلاني، وما خلفته كواتم وسكاكين غدرها من ضحايا بين صفوف المتظاهرين العزل، هذ الخيار الذي يصر الشباب المنتفض والسلمي، على رفضه بوعي تام ومذهل، وهو ما يستفز الحكومة وميليشياتها، ويشعرها بالخذلان وضياع خيط السيطرة من يدها، وهذا ما يجرها للتخبط والمزيد منه، بدل المعالجة العقلانية، لأنها لا ترى غير مصالحها وامتيازات مواقعها في مراكز السلطة.
الغريب أن الحكومة العراقية وأحزابها مصران على رؤية مشكلة الحراك الشعبي، عبر ثقب مفتاح باب ناديها المغلق، وإنه لا يعدو أن يكون أكثر من ضجة عابرة، ستخمدها أسلحة ميليشياتها، بينما تنهمك هي في برجها العاجي للتوافق على اسم رئيس الوزراء، الذي يخلف عبدالمهدي، بآلية المماطلات و»الجر والعر» نفسها التي سبقت توافقها على عادل عبدالمهدي ذاته، في تشكيله لحكومته التي أجبرت على الاستقالة قبل عشرين يوما، وكأنها فعلاً تصر على تجاهل ما يحدث خارج جدران ناديها، رغم أنها لم تجد إلى الآن من يمنع ضوضاء صراخه عنها.
كاتب عراقي

(القدس العربي)

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا