الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

البديري الرافض لوصاية إيران على العراق

فاضل البديري.. تمرد المرجعيات الشيعية

على إيران في عراق ما بعد الموصل

سمير السعيدي

 

ظهور الأصوات العربية الشيعية الرافضة للهيمنة الإيرانية على العراق

 يبشّر بأن القبضة الإيرانية قد بدأ يتسلل إليها الوهن، فرجل مثل البديري يدرك تماماً ما الذي يفعله.

 

أثينا - ما إن انتهت معركة تحرير الموصل بهدم أقدم المدن العراقية فوق أهلها وخراب جوامعها وكنائسها وجامعاتها وأوابدها الحضارية حتى ابتدأت معركة التناحرات السياسية المحميّة بميليشيات مسلّحة شرسة دربتها وجهزتها إيران بالمال والسلاح والتعليمات عن طريق وكلائها في وزارة الداخلية العراقية والاستخبارات لضمان ولاء كل المتغيرات المحتملة لصالحها وإحكام قبضتها على قدرات ومقدرات العراق الاقتصادية والعسكرية والسياسة والمجتمعية.

وإن صادف وظهر من يعترض هنا أو هناك من العراقيين على تلك التوجهات الإيرانية فمصيره الاغتيال من قبل عصابة مسلحة مجهولة، كما جرى مساء الثلاثاء الماضي لرجل الدين الشيعي العربي فاضل البديري وسط مدينة النجف.

إذ تعرّض المرجع الشيعي لمحاولة اغتيال من قبل مسلّحين ملثمين وهو خارج من مجلس عزاء. ألقوا بثلاث قنابل أصابت الأولى أفراد حمايته فسقط ثلاثة منهم قتلى، وألقوا الثانية والثالثة على سيارته فأصابت الشظايا رأسه.

الشيخ البديري من أتباع المدرسة الصدرية فقهياً. تتلمذ على يد المرجع محمد ياسين السوداني أحد طلبة المرجع الراحل محمد باقر الصدر، وهو متفرغ للتأليف والتدريس منذ أعوام، وتخرّج على يديه أكثر من ثلاثة آلاف طالب حوزوي حتى الآن. وقد اختير عام 2008 كأفضل أستاذ في تخصصه، أي في المستويات العليا في الأصول الدينية، وهو خطيب جامع خاص به وبمريديه، وهو جامع هاشم الحطّاب في النجف.

ولد في قبيلة آل بدير في العام 1971 ويجعل منه نسبه في موقع رئاسة قبيلته التي تعدّ من القبائل العربية الكبيرة في العراق، وكان منها المرجع الكبير آية الله الشيخ جعفر البديري الذي توفي في العام 1950 وآية الله الشيخ أحمد البديري وآية الله الشيخ حسن البديري وآخرون يحمل لهم العراقيون التبجيل والاحترام. أما جدّه لأمه فهو الحاج عزيز عباس من آل بواللحية في الدبلة بمدينة القاسم بالحلة وهو من أعيان عشيرة الجبور.

محافظة القادسية كانت البيئة التي عاش فيها البديري نموذجا للبيئة الريفية العشائرية العراقية العربية، ثم انتقل إلى النجف بعد أن توفّي والده عام 1982 وأكمل دراسته بين أخواله، وفي عام 1988 دخل كلية العلوم في الجامعة المستنصرية وتخرج منها ونال شهادة البكلوريوس في علوم الأحياء عام 1992 وعمل في المعهد الطبي في الكوفة.

فقد شقيقه جليل في الكفاح ضد النظام السابق وكان قد اتجه في العام 1985 إلى الدراسة في الحوزة العلمية في النجف. ودرس بداية التسعينات من القرن العشرين كل السطوح، وتفرّغ تماماً للتحصيل عام 1993 وبأمر من السيد محمد محمد صادق الصدر أكمل السطوح العليا ولا سيما الكفاية والمكاسب والفرائد على أيدي مدرسين كبار وهو لم يلبس الزي الديني الحوزوي بعد.

وللشيخ البديري مؤلفات هامة في الفقه والشريعة من بينها “ثمرات الأفكار في علم الأصول” و”ضوابط الصناعة الفقهية” في 15 جزءاً، و”ضوابط الحديث والرجال” و”أسرار العالمين في شرح منهج الصالحين” و”إلى أين أيها المسلمون” وغيرها.

 

المرجع الشيعي البديري تعرض لمحاولة اغتيال من قبل مسلحين ملثمين ألقوا بثلاث قنابل وهو خارج من مجلس عزاء في قلب النجف

 البديري ونقليات نصر الله للدواعش

انتقد الشيخ البديري الاتفاق المبرم بين حزب الله اللبناني وتنظيم داعش بعد نقلهم بباصات سورية مكيّفة من عرسال في لبنان تحت إشراف النظام السوري إلى البوكمال ودير الزور المحاذية للحدود العراقية، وقد تسرّب أكثر من 300 داعشي منهم إلى مدينة راوة العراقية بعد يوم واحد من وصولهم وفي نيّتهم التوغل أكثر باتجاه مدينة عانة.

البديري يصف اتفاق إيران والنظام السوري وحزب الله اللبناني بأنه "صفقة سياسية تهدف إلى حماية أمن حزب الله على حساب أمن العراق". وإثر ذلك التصريح جرت محاولة اغتياله، رغم أنه ليس الوحيد المعترض على تلك الصفقة، لكنه المختلف (بحكم كونه عربيا) من بين المعترضين

قال البديري عن هذا الاتفاق إنه “صفقة سياسية تهدف إلى حماية أمن حزب الله اللبناني على حساب أمن العراق”. فجرت محاولة اغتياله إثر ذلك بأيام فقط على تصريحه هذا، رغم أنه ليس الوحيد المعترض على تلك الصفقة، لكنه المختلف (بحكم كونه عربياً) من بين المعترضين.

فهادي العامري قائد ميليشيا بدر والإيراني الصناعة والتصدير قال بدوره عن اتفاق عرسال “أعترض على هذا الاتفاق، فهو خطوة غير طيبة تجاه العراق”، وطالب النظام السوري بنسخة عن صيغة ذلك الاتفاق. أما رئيس الوزراء حيدر العبادي فقد قال “إن هذا الاتفاق مع داعش سيسبب المزيد من الخسائر للشعبين، السوري والعراقي”، وقال عنه الجبوري رئيس البرلمان ” هذا الاتفاق يحاول إعادتنا إلى المربع الأول، نرفضه ونرفض أيّ اتفاق آخر يجلب داعش ثانية أو يقربها من المدن العراقية، والعراق لن يدفع ضريبة اتفاقات أو توافقات تمسّ أمنه واستقراره”، كذلك قال المتحدث باسم الرئيس الأميركي بريت مايغورك “يجب قتل إرهابيي داعش في الميدان وليس نقلهم على متن حافلات عبر سوريا إلى الحدود العراقية دون موافقة الدولة”.

بالمقابل أصدر حسن نصرالله بيانا من ست نقاط قال فيه للعراقيين بلغة عاطفية غير سياسية تدغدغ الطائفية “سنقاتل معكم لدحر داعش، إن رضيتم أن تختلط دمائنا بدمائكم”. وجاء فيه أن الدواعش نقلوا من أرض سورية إلى أرض سورية، وليس من لبنان إلى حدود العراق، يناغمه في هذا النشاز من داخل العراق الشيخ جلال الدين الصغير بقوله “لا ضير لا ضير، شنو يعني، وإذا دخل 300 داعشي إلى العراق، وين المشكلة ، مقابل بطولات حزب الله؟”.

يضاف إلى حزب الله الجانب القطري الذي يصرّ على التدخل في شؤون الجماعات المتطرفة كطرف ضامن وكوسيط كفيل، فقد نقلت قناة العربية عن مصادر لبنانية مطلعة أن وسيطاً قطرياً (نائب مدير المخابرات القطرية)، لعب دوراً بارزاً في عملية التفاوض ودفع الأموال، عبر مفاوض محلي سوري كان هو من تولى الالتقاء بمندوبي “جبهة النصرة”.

وفي هذا المناخ المشحون عراقيا ضد نقليات حسن نصرالله للدواعش بإشراف سوري يصل في زيارة غير معلنة إلى بغداد والنجف قادما من طهران رئيس مصلحة تشخيص النظام الإيراني محمود شاهروردي على خلفية تلك التصريحات المضادة لاتفاق نصرالله-داعش.

 

منذ اقتحام المتظاهرين العراقيين مبنى البرلمان العراقي هاتفين ضد إيران وضد قاسم سليماني أبلغت إيران وكلاءها وتابعيها بعد أيام بتسيير مظاهرات ترفع العلم الإيراني وصور خامنئي والخميني في شوارع العاصمة بغداد. إذ لم يعد مخفيّا على أيّ عراقي (عربي) طموحات إيران التوسعية التاريخية التي تراودها منذ عهد كورش عام 539 قبل الميلاد حين احتلت بابل، ولكن هذه المرة بلباس فارسي-صفوي-شيعي معاً، تستحضر به أحلام الفرس المتوارثة باختراق استراتيجي لهم يصلهم بالبحر المتوسط ويستوجب ابتلاع سوريا ولبنان كذلك.

ومع حال التخلخل والفراغات التي تركها الاحتلال الأميركي في العراق والتفكك الذي يشهده البلد اليوم تغلغلت إيران بكل مفاصل الدولة، اقتصاديا وسياسيا ومجتمعيا، وتغوّلت ميليشياتها في كل زاوية وصارت لها أذرع أمنية وعسكرية سرعان ما أشركتها في مرحلة تصفية الحسابات مع جميع المعترضين السابقين واللاحقين، بدءا من ضباط الطيران العراقي المشاركين في حرب العراق مع إيران، وقد اغتيلوا في المقاهي وفي بيوتهم ولم ينج منهم سوى أنفار قلائل هربوا خارج البلاد ومازالوا يمارسون حياتهم بأسماء مستعارة تحسبا من الاغتيال وهم في بلاد أجنبية، إلى السياسيين والكتّاب والصحافيين ورجال الدين.

إيران وهيمنتها على العراق

لعبت إيران بمهارة على تناقضات المشهد الشيعي العراقي وجعلته يبدو بأضعف ممّا يبدو العليه لتقزيم دور المرجعيات العربية في النجف، لتظل طهران وقم، كعبتا القرار العراقي دينيا وسياسيا، فزادت من الانقسامات داخل البيت الشيعي العراقي بحيث لم يعد العراقيون يتمكنون من التوفيق بين العروبة والمذهب وبين الوطنية والتبعية.

ومازالت طهران تدعم كل الحركات الميليشياوية الناشئة وتمدها بالمال والسلاح، إمعانا بالمزيد من شرذمة البلاد ومنع نشوء أيّ قوة عسكرية منافسة. وبذات الوقت تقيم طهران صلات وثيقة مع الحركات الجهادية السلفية من تنظيم القاعدة إلى تنظيم داعش، وجعلت المدن الإيرانية ملاذا لهم ولعوائلهم، وغالبا ما تسعى لإطلاق سراح أسراهم بحجة الهروب المبرمج من سجون العراق وسوريا، ويتم كل ذلك بإشراف وإدارة فيلق القدس وقاسم سليماني.

إيران تعتبر المتحكم الأكبر بالاقتصاد العراقي وأكبر شريك له بـ12 مليار دولار سنويا، وتضاعفت بعد إطلاق يد داعش في الموصل والمحافظات العراقية الغربية، وبعد إغلاق كافة المنافذ الحدودية وتدمير الجسور بين الأحياء والمدن، فزادت من هيمنتها ونفوذها في الأسواق العراقية كافة وباتت المنتوجات الإيرانية تغزو البلاد، وتضاعف حجم الصفقات من البترول المهرّب إلى صفقات الحديد والأسمنت، حتى أن بعض الشباب اليائس حين يرغب في تناول الحبوب المخدّرة والمهلوسة فنها تأتيه من طهران.

المالكي بين قم والنجف

ما إن أعلن العبادي عن طرد داعش من كل محافظة نينوى حتى سارع المالكي إلى القول “إن استعادة تلعفر تمّت بالاتفاق مع عناصر داعش بأن ينسحبوا من دون قتال” لتشويش مشهد الانتصارات التي يتحدث عنها غريمه العبادي، وبذات الوقت للتغطية على اتفاقية حزب الله اللبناني مع داعش في عرسال.

المالكي المتهم الأول في التفريط بمدينة الموصل وتسليمها لداعش من بعد إطلاق سراح الآلاف منهم من سجني التاجي وأبو غريب. وهو المعتمد الأبرز من قبل طهران لإشعال موجة عنف جديدة في العراق تحرج رئيس الوزراء الحالي وتخفف من احتمال تولّيه ولاية ثانية كما تلّمح بعض الدوائر الأميركية إلى ذلك.

ينفّذ المالكي رغبة خامنئي والحرس الثوري الإيراني بإضعاف البلاد أكثر فأكثر، كما يؤجل مشاريع دعم الاستقرار وإعادة بناء المدن المدمرة وعودة النازحين وسواها من الأزمات الراهنة، فيطغى الاشتباك السياسي بين الرجلين بمسلسل يومي غير ممتع يوحي بنتائج دموية تنفذها على الأرض مختلف الميليشيات المسلحة.

فالعبادي الرافض لاتفاق حزب الله-داعش، والذي يعتبره مسيئا للشعبين السوري والعراقي، يقول عنه المالكي بأن منتقدي هذه الاتفاقية هم جهلة، ويعني العبادي، وإن نقل مقاتلي داعش إلى الحدود العراقية هو جزء من استراتيجية المعركة ضد الإرهاب، ولكلّ معركة ظروفها وأدواتها، مستنكرا الحملة الممنهجة التي يقودها الحقد والجهل ضد الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، وأن الحديث عن البوكمال ودير الزور هو شأن سوري وليس عراقيا.

تلك اللغة التي يتحدث بها المالكي هي لغة إيران ولسان قاسم سليماني في العراق، وهو العارف بالتناحر القائم بين المراجع الدينية في قم وفي النجف حول اختيار رجل المرحلة المقبلة في العراق، بين إدانة المالكي أو قبوله مرشحا من جديد، مقابل سيادة وجهة نظر خامنئي بالمالكي باعتباره الرجل الأنسب لضمان نفوذ إيران في العراق، في الوقت الذي يبهت فيه دور السيستاني المختفي العليل وينشط دور وكيله في قم جواد الشهرستاني الذي ينسق مع الأجهزة الإيرانية المعنية في شؤون المرجعية في العراق وإيران ويدعم ويموّل الجهات الداعمة لمرجعية خامنئي ويتكفّل برواتبها الشهرية.

وبعد أربعة عشر عاما من الاحتلال الأميركي أحكمت الجارة اللدود إيران قبضتها على كامل العراق وخنقت فرص نهوضه من جديد كمنافس تاريخي، حضاريا وعسكريا ومدنياً، وبذلك تكون أميركا قد قدمت العراق كأثمن هدية استراتيجية إلى إيران لتمارس طموحاتها التوسعية على أرض الواقع من بغداد إلى اليمن والبحرين مرورا بدمشق وبيروت.

قال الشيخ فاضل البديري بعد نجاته من الموت إنه “تعرّض لمحاولة اغتيال من قبل الطابور الخامس الذي يستثمر أيّ فجوة تحصل هنا وهناك”. وأضاف “أرادوا أن يصنعوا مشكلة بسبب البيان الأخير الذي انتقدتُ فيه تواجد داعش على الأراضي العراقية”.

ويبدو أن ظهور هذه الأصوات العربية الشيعية الرافضة للهيمنة الإيرانية على العراق يبشّر بأن القبضة الإيرانية قد بدأ يتسلل إليها الوهن، فرجل مثل البديري يدرك تماماً ما الذي يفعله، وحين تصل الأمور إلى الاغتيال فلن يعود الصمت هو الوسيلة التي ستلجأ إليها بقية المرجعيات الشيعية العربية.

 المصدر (العرب) اللندنية

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا