الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

سلام عادل ..

الدال والمدلول

وما يمكث وما يزول:

عبد الحسين شعبان


ح 1

 

            مدخل شخصي

            حين أكتب عن سلام عادل فثمة اعتبارات شخصية وعائلية، إضافة إلى علاقات شيوعية وسياسية، فكلانا ينتمي إلى النجف المدينة المعطاء والمركز الحضاري الثقافي المفتوح للعلم والأدب والفقه والدين والسياسة والتنوّع العرقي واللغوي على الرغم من طابعها العروبي وحفاظها على لغتها العربية السليمة.

            وكان عمّي ضياء شعبان صديقاً لسلام عادل ويفتخر بصداقته، خصوصاً وأنه يعتبر نفسه من "أنصار السلام" لأنه وقّع على نداء ستوكهولم الشهير الذي استهلّه عالم الفيزياء الفرنسي فريدريك جوليو كوري في العام 1950 والذي وقّع عليه ما يزيد عن 273 مليون إنسان، والذي دعا إلى حظر الأسلحة الذرية.

            وبعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 وظهور سلام عادل إلى العلن، كان عمّي ضياء غالباً  ما يحاول استثارة حفيظتنا بقوله :" إنني صديق سكرتير حزبكم" وأحياناً يمازحنا بقوله أنه سيشتكينا عمّي شوقي وأنا إلى " أبو إيمان" إذا تأخّرنا في تلبية طلباته أو قصّرنا في تأدية واجباتنا المدرسية.

             وكنّا أيضاً نعرف والد سلام عادل  السيد أحمد الرضي، كما كان نجيب ناجي يوسف  شقيق زوجته "ثمينة" صديقاً مقرّباً جداً لخالي ناصر شعبان، إضافة إلى العلاقات العائلية ومعرفتي اللاحقة بشقيقه إبراهيم وبالدكتورة إيمان كريمة سلام عادل  التي عرفتها في موسكو أواسط السبعينات والتقيتها في دمشق وكردستان حين التحقت لفترة وجيزة بقوات الأنصار الشيوعية في مطلع الثمانينات ، وأم إيمان "ثمينة ناجي يوسف" التي التقيتها في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي في موسكو وأعتزّ بها وبشقيقتها نوال ناجي يوسف وشقيقها الصديق نزار ناجي يوسف الذي استشهد في العام 1983 في كردستان في معارك جانبية مع الاتحاد الوطني الكردستاني بعد جريمة بشتاشان.

            لهذه الأسباب وغيرها فإن الكتابة عن سلام عادل ليست سهلة، خصوصاً  حين يختلط العام بالخاص والوطني بالسياسي والحزبي بالمبدئي، لاسيّما وأن وقصة استشهاده وحدها والبطولة التي أبداها في مواجهة جلّاديه حسبما اعترفوا بذلك  تكفي لأن تجعل منه رمزاً كبيراً على مختلف المستويات، سواء في شجاعته وكبريائه أو دفاعه عن المثل والقيم التي آمن بها لدرجة أنه دفع حياته في سبيلها وقد رحل وهو لا يزال في أوج طاقته وحيويته وإبداعه حيث لم يتجاوز الأربعين إلّا ببضعة أشهر.

            وإذا كان الحزب قد خسر في العام 1949 قيادة فهد فإنه نُكب بغياب قيادة سلام عادل في العام 1963، وكلاهما كانا مشروعي زعامة شيوعية ، بل ويمكن القول زعامة وطنية عراقية، لكن النظام الملكي ومن خلفه الاستعمار البريطاني حصد زعامة فهد وهي في طريقها للاكتمال والتفتّح، مثلما اقتطعت الموجة الفاشية زعامة سلام عادل الشابة وهي في طريقها إلى النضج والاغتناء، وهما قيادتان من الوزن الثقيل سياسياً وعملياً وتنظيمياً، وهو الأمر الذي عانى منه الحزب في السنوات التي تلت استشهادهما، خصوصاً وأن غالبية من تولّى موقع القيادة والمسؤولية بعد سلام عادل كان أقرب إلى الإدارات الحزبية والمسؤولين التنفيذيين باستثناءات محدودة  كعامر عبدالله مثلاً، على الرغم من أن ذلك يثير ردود فعل الآخرين من أقرانه ومجايليه مع إقرارهم بمواهبه ومؤهلاته .

            القائد لا يصنع  بقرار ولا يتكوّن بناء لرغبة أو لإملاء فراغ أو استناداً لقرار حزبي أو سياسي، وإنما تُنجبه ظروف وأوضاع، بعضها موضوعي وآخر ذاتي، وهذا مهمّ جداً لجهة كارزميته وتجاربه ومعارفه والأدوار التي لعبها في حياته والخبرات التي اكتسبها وعلاقاته مع الآخرين وقدرته على التميّز، سواء برأي مستقل أو من خلال موقعه، ناهيك عن قدرته على التراجع والتقدّم حسبما يتطلّبه الموقف الذي يجمع بين المبدئية وبين إمكانية تحقيق الأهداف بمرونة عالية، أي حسن اتخاذه القرار وتنفيذه، وتحمّل نتائجه حتى لو كان خاطئاً، ومن متطلّبات القيادة الحسم وعدم التردّد.

            على طريق الشيوعية

            ولد سلام عادل في النجف العام 1922 وهناك من يقول إنه ولد في العام 1924 وهو ما نشرته جريدة البرافدا إثر استشهاده واسمه الحقيقي "حسين أحمد الرضي الموسوي" ووالده "سيّد" معمّم يعتمر العمامة السوداء في إطار الحوزة الدينية النجفية، تخرج من دار المعلمين الابتدائية في بغداد (الأعظمية) العام 1944 وعمل معلّماً في الديوانية وكان رياضياً ورساماً ومخرجاً مسرحياً ومتذوقاً للشعر، وخلال وجوده في دار المعلمين اقترب من تنظيمات الحزب الشيوعي ثم انتمى إلى الحزب في العام 1944 على يد محمد حسين فرج الله في الديوانية، والتقى بـ زكي بسيم في بغداد، الذي اصطحبه إلى أحد البيوت السرية في الكرادة الشرقية، وهناك التقى بفهد (يوسف سلمان يوسف) أمين عام الحزب الذي أبلغه بأنه أصبح "عضواً" في الحزب وكان قد تم اختيار "مختار" اسماً حركياً له، ثم عُرف لاحقاً باسم "عمّار" وما بينهما هناك من يقول أنه استخدم اسم " هاشم" بعد عودته من لندن، حيث شارك في مؤتمر للأحزاب الشيوعية لدول الكومنولث العام 1954، ودخل لندن وخرج منها دون أن يُكتشف أمره، ولكن الاسم الذي اشتهر به وظلّ ملازماً له حتى استشهاده هو"سلام عادل".

            وصادف أن كان بهجت العطيّة في العام 1946  قد أصبح مديراً لشرطة الديوانية حيث وضع خطة لمضايقة الشيوعيين وكان قد عرف النشطاء منهم بعد مراقبة دقيقة، وربّما هي التي أهّلته لكي يحتل موقع مدير التحقيقات الجنائية لاحقاً، بل أصبح أحد الأعمدة المهمّة للعهد الملكي، وكان العطية قد أرسل في طلب سلام عادل  وجرى بينهما حوار كانت نتيجته فصل سلام عادل من وظيفته.

            حوار سلام عادل مع بهجت العطية

            تروي ثمينة ناجي يوسف التي أصبحت لاحقاً زوجة لسلام عادل وأنجبت منه إيمان وعلي وشذى، أن بهجت العطية قال له : إن أمر فصلك وصل إليّ وهو الآن معي وبإمكاني إيقاف تنفيذه، وحاول توجيه النصح له بترك الشيوعية قائلاً  : لو كنت أنت وجماعتك من الـ"فابيين" أو "الاشتراكيين الديمقراطيين" لأمكن التساهل معكم ، لكنكم شيوعيون وأنتم مشكلة مثل "جرثومة السلّ" تتكاثر بالانقسام وليست هناك وسيلة لمقاومتكم غير القوة ، وطلب منه بنبرة لا تخلو من تهديد ، تخفيف حماسه واندفاعه مخاطباً إياه : إنك تحطّم نفسك نتيجة هذا الاندفاع.

            فماذا كان جواب سلام عادل؟ فبدلاً من أن يرد على أسئلته ومطالبه بادر هو بتوجيه  السؤال لبهجت العطية مخاطباً إياه: كيف يمكن أن نُصلح الوضع؟ فأجابه العطية: ليس أنتم بيدكم إصلاح الوضع ، واستمرّ بسياسة الإقناع والتهديد (العصا والجزرة) قائلاً: عليك أن تختار وأنت شاب ذكي بحيث تخط لنفسك طريقاً جيداً ومريحاً، وفهم سلام عادل مثل هذا القول المبطّن فردّ عليه بالقول: هل تريد أن تشتريني وتساومني على شرفي وأصبح جاسوساً؟ فأجابه العطية : أنت لم تفهمني، الأمر ليس كذلك، ثم خاطب سلام عادل قائلاً ماذا لو جاء قرار فصلك من الوظيفة ؟ كيف يمكنك العيش؟

            هنا تغيّر منطق الحوار بالنسبة لسلام عادل الذي استشاط غضباً وقال له: تسألني  ماذا أعمل؟  وأنا أجيبك: لدي يدان وتقول لي ماذا أعمل؟ أبيع لبناً على الجسر، سخر بهجت العطية وردّ عليه: نعم " بلي" كم من المعلّمين رأيناهم يبيعون اللبن على الجسر؟ وأضاف تذكّر يا حسين بعد أن تذوق الجوع أني حاولت أن أجنّبك نتائج هذا الطريق ، فأجابه سلام عادل : أنت لا تحميني، بل تريد أنت أن تدافع عن معاهدة 1930 وعن الاستعمار ، فردّ بهجت العطية على سلام عادل بغضب: أنت مفصول، (انتهى الحوار).

            وكانت حملة الفصل قد بلغت نحو 100 معلم ، هذا ما قاله سلام عادل لفهد الذي طلب منه الاحتراف الحزبي براتب 6 دنانير ، لكن سلام عادل كان له رأي آخر عبّر عنه للسكرتير العام بالتالي: لقد قلت لبهجت العطية بأنني سأبيع لبناً على الجسر وأريد أن أقدم نموذجاً للمعلمين المفصولين. وهكذا اختار عمله، فاشترى منقلة وفحماً وأسياخاً وبدأ ببيع الأكباد والقلوب (الفشافيش) على قارعة الطريق في منطقة "علاوي الحلة" بالقرب من "سينما الأرضروملي" أو "سينما قدري" كما كانت تُعرف أو "سينما بغداد" لاحقاً، وكاراج السيارات المزدحم بالسوّاق وكان ذلك بصحبة رفيقه محمد حسين فرج الله الذي كان هو الآخر مفصولاً، ثم عمل في عدة أماكن منها أنه فتح دكاناً لبيع الكبة لتحضير وجبات الإفطار والطعام للعمال في ساحة الوصي ( ساحة الوثبة لاحقا قرب سينما الفردوس) ثم عمل مفتشاً لباصات مصلحة نقل الركاب وهناك قاد إضراباً للعاملين وحينها قررت الحكومة فصله مرّة أخرى.

            بعدها عمل معلماً في مدرسة أهلية  للأكراد الفيلية بتوصية من ناجي يوسف وبدعم من الحاج علي حيدر والد عزيز الحاج ، كما عمل في المدرسة التطبيقية النموذجية (دار المعلمين الريفية) وكان مبنى هذه المدرسة في الرستمية بصحبة محمد شرارة ومهدي المخزومي ومدحت عبدالله، وخلال تلك الفترة كانت قد نشأت له علاقات مع بدر شاكر السياب  وكاظم السماوي ونازك الملائكة وكان يلتقيهم في بيت محمد شرارة ولكنه فُصل من التعليم مرة ثانية في نهاية العام 1948، وكما تقول ثمينة ناجي يوسف بأن سلام عادل تعرّف في تلك الفترة على حسين مروّة الذي كان صديقاً مقرّباً لوالدها.

            ثم أُلقي القبض عليه في 19 كانون الثاني (يناير) العام 1949 وحكم لمدة ثلاث سنوات وسنتين تحت الإقامة الجبرية، وانتهت محكوميته بداية العام 1953  وقد نقل إلى سجن نقرة السلمان الصحراوي ثم إلى الموقف العام في بغداد، وكان من المفترض أن يقضي مدة الإقامة الجبرية في مدينة الرمادي، ولكنه هرب منها في اليوم الثاني لوصوله.

            انتدبه الحزب ليكون مسؤولاً عن المنطقة الجنوبية وهي تضم الناصرية والعمارة والبصرة التي كان مقرّه فيها، كما يقول كريم أحمد الداوود الذي تسلّم مسؤولية القيادة في نيسان (إبريل) العام 1953 بعد اعتقال المسؤول الأول بهاء الدين نوري (في محلة السفينة بالأعظمية مع مادلين مير زوجته وصادق جعفر الفلاحي) وذلك بعد التشاور بينه وبين ناصر عبود (المسؤول الثاني) وارتقى بعدها لعضوية اللجنة المركزية.

            زواج سلام عادل

            تزوّج سلام عادل من ثمينة ناجي يوسف التي ارتبط مع عائلتها، وخصوصاً والدها بعلاقة طيبة حميمة، وكان ناجي يوسف (الطالقاني ) شخصية وطنية وتربوية وأصبح نقيباً للمحامين في الستينات وكان يعرف نشاط سلام عادل ويتعاطف معه ولكنه في الوقت نفسه حاول أن ينبّهه للمخاطر التي تهدّده.

            وكان سلام عادل قد خطب ثمينة قبل دخوله السجن حتى أنه حين ألقي عليه القبض ودخل السجن كان خاتم الخطوبة بإصبعه، وبعد خروجه منه ارتبط بها رسمياً في حزيران (يونيو) العام 1953 وبعدها بثلاثة أيام سافر إلى البصرة مقر علمه ، علماً بأن مقتضيات السكن في بيت حزبي تقتضي وجود عائلة دفعاً للشبهات، وكانت ثمينة قد أصبحت عضواً في الحزب منذ العام 1949، وقد تأثرّت بسلام عادل منذ أن تعرّفت عليه في الديوانية، عندما كان  معلماً خاصاً لها بتكليف من والدها، وقد وافقت على الزواج منه، وتمت إجراءات الزواج الأصولية المدنية وطبقا للتقاليد الدينية المعروفة، وسافرت مع زوجها سلام عادل إلى البصرة.

            وعن زواج سلام عادل واقترانه بثمينة تقول السيدة نوّار سعد صالح أن " خاله أم نجيب" عقيلة ناجي يوسف ووالدة ثمينة اتصلت بهم ودعتهم بإلحاح إلى زيارتها في موعد محدد "دون أن نعرف السبب وذهبنا إلى بيتهم أنا ووالدتي وكنت طفلة حينها في الصف الخامس ابتدائي، وعند وصولنا عرفنا أن المناسبة هي عقد قران ثمينة على سلام عادل (حسين أحمد الرضي) وكما عرفنا فإن الموضوع كان في غاية السرية وأنه كان سجيناً وهو لا يزال مطلوباً، لكن "خاله أم نجيب" اعتزازاً بنا أصرّت على حضورنا ومشاركتها الحفل الذي لم يضمّ سوانا، وكانت هذه هي المرّة الأولى التي رأيت فيها سلام عادل بملامحه الذكية الحادة" ( حوار خاص مع الباحث في براغ 8 كانون الأول/ديسمبر 1989 ولندن 1992 وعمان 2004- انظر كتابنا : سعد صالح: الضوء والظلّ - الوسطية والفرصة الضائعة، الدار العربية للعلوم، بيروت ، 2009، ص 146).

            وكنت قد وجّهت أسئلة إلى المحامي لؤي سعد صالح كما التقيته في عمّان العام 2007 في جلسات مطولة ودوّنت فيها بعض إجاباته واستكملتها من خلال مسوّدة مذكراته التي لم تنشر، حيث اقتبست منها بعض الفقرات التي أدرجتها في كتابي المذكور، ومن جملة ما يذكره لؤي سعد صالح أن والده كان يقيم كل يوم أربعاء منتدى أدبياً يعرف باسم "مجلس الأربعاء" يتم فيه استقبال عدد من الأدباء والفنانين والمثقفين والسياسيين وغالبيتهم الساحقة من الرجال، لكن الملفت أن امرأتين كانتا تحضران المجلس وكان والدي يحترم المرأة ويحب كثيراً مناقشتها وكانت ثمينة ناجي يوسف على صغر سنّها تناقش الوالد وتحاوره، وكما كنت ألاحظ ، فقد كان والدي معجباً بمنطقها وشخصيتها، وكذلك كانت الدكتورة فاطمة الخرسان (أعدمت العام 1969) تحضر مجلس الوالد وكان يجلس معها طويلا ًويحاورها في مسائل شتى .

            وتذكر نوار سعد صالح أن ناجي يوسف وزوجته كانوا الأقرب إلى والدها ووالدتها، وتقول: وكانت الزيارات مستمرة بين العائلتين واستمرت العلاقة حتى بعد وفاة والدي، ومن المفارقة أننا عرفنا بإعدام سلام عادل العام 1963، وذلك عبر الخالة أم نجيب وقد حدثتنا عن تعذيبه وإعدامه وعن مراسلاتها السرية مع ثمينة حين كانت في موسكو. وتذكر أن إيمان الابنة البكر لسلام عادل "وهي طفلة" كانت تهدد جدّتها(أم نجيب):  إذا لم يلبوا رغبتها فسوف تقوم بإخبار الآخرين عن والدها ووالدتها، كما تقول أن والدتها أي السيدة رباب زوجة سعد صالح ، أخفت ثمينة في إحدى المرّات وقامت بتغطيتها بعباءتها ونقلتها من مكان إلى آخر بسيارتهم الخاصة، لأن رقم سيارة سعد صالح "10 كربلاء" معروف للشرطة ولم يكن يتم تفتيش سيارتهم.

            ويروي ناصر عبود أن سلام عادل كان قد تزوج في بيته المتواضع في منطقة القاهرة ببغداد وبقي فيه لثلاثة أيام وقد تم إرساله بعدها إلى البصرة لقيادة العمل الحزبي في المنطقة الجنوبية، وأصبح بعدها عضواً في اللجنة المركزية في العام 1954 دون أن يمرّ بمرحلة ترشيح .(انظر: توفيق التميمي، مقابلة مع ناصر عبود، صحيفة التآخي، 4/8/2015)

 

            الدولة واليسار

            لا يمكن الكتابة عن سلام عادل دون الكتابة عن جزء مهم وحيوي من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، بل وتاريخ العراق المعاصر وحين نتحدث عن تاريخ الدولة العراقية الحديثة، فلا بدّ أن نتناول تاريخ اليسار العراقي والحركة الشيوعية ولن نمرّ عليها إلّا بالخط العريض وليس مروراً عابراً.

             ولعلّ ما هو بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى هو وقفة جدّية للمراجعة الجريئة بخصوص مسيرة اليسار النضالية ودور بعض شخصياته البارزة بما فيها الشيوعية ، بكل ما لها وهو كثير وكبير  جداً، وكل ما عليها وهو ليس بقليل، وذلك بعيداً عن التقديس والتمجيد، لاسيّما حين يكون الهدف هو البحث عن الحقيقة ومعالجة ما يستلزم إزاءها. ولأن الكثير من المياه جرت تحت الجسور وإن اللحظة التاريخية لا يمكن استعادتها، لكنه يمكن قراءتها حتى وإن كانت الزوايا مختلفة، الأمر الذي يحتاج إلى قراءة تأملية ونقد ذاتي ورؤية جديدة، خصوصاً بوجود حقائق ومعطيات جديدة.

            ولعلّنا حين نكتب فإننا نحاول قدر الإمكان تجنّب ادعاء الأفضليات والزعم بامتلاك الحقيقة وهدفنا هو البحث عنها ورؤيتها خارج نطاق الآيديولوجيا والتصورات المسبقة، لذلك ليس مهمتنا غضّ النظر عن النواقص والعيوب أو التعامل في نوع من المجاملة والارتياح، ولكن بالطبع دون نسيان البطولات والتضحيات الكبيرة.

            لقد اختزلت بعض الكتابات "الحزبوية" قيمة الجانب القيادي في شخصية سلام عادل  المتميّزة وانجازاته السياسية والتنظيمية وتعاملت معها بطريقة التلقي والتلقين وخارج دائرة النقد، دون أن تمعن النظر في مدى الحيوية الفائقة التي كان يتمتع بها والمبادرات التي أقدم عليها بشجاعة وثقة، فضلاً عن كفاءاته ومواهبه التنظيمية الإبداعية، تلك التي جعلت منه قائداً حقيقياً وليس مجرد مسؤول أو موظف إداري أو مسلكي يقوم بمهمات إدارية وروتينية، وبالطبع فإن القائد الحقيقي لا ينزّه عن الأخطاء أو النواقص وهي لا تنتقص منه أو تقلّل من شأن ما أنجزه، بل على العكس تُظهر حقيقة منجزه وعلى حد تعبير الجواهري الكبير في وصف عبد الناصر :

أكبرتُ يومَكَ أن يكون رثاء

الخالدون عهدتُهم أحياءَ

لا يعصم المجدُ الرجالَ ، وإنما

كان العظيم المجد والأخطاءَ

تُحْصَى عليه العاثرات ، وحسبه

ما فات من وثباته الإحصاء

 

            وحين سألته  لمن  كنت تتمنّى يا أبا فرات  أن تقول هذه القصيدة لو لم تقلها لعبد الناصر؟ فقال كنت أتمنى أن يقولها أحدٌ بحقي، فلديّ من النواقص والمثالب ما لا أخشاه ولا أخفيه ، وبالطبع كان مثل هذا الاعتراف الجريء يقوم على قاعدتين أساسيتين أولاً لأننا بشرٌ والبشر بطبعهم خطاؤون على حد تعبير فولتير، وثانياً ففي أي عمل ثمة ثغرات ونواقص، لكن ذلك لا ينفي ولا ينتقص من النجاحات والمنجزات، والأمر ينطبق على الجميع فما بالك حين يتعلق بشخصية رمزية كسلام عادل الذي ختم حياته المفعمة بالعطاء ببطولة استشهاده الأسطوري.

            ونحن إذْ نكتب فذلك لأننا جزء من هذه المسيرة الطويلة والعويصة، وساهم كل منّا بدوره فيها وكل من موقعه بغضّ النظر عمّن أصاب أو أخطأ أو اقترب أو ابتعد عن قيم الشيوعية ومثلها، وتاريخ الأشخاص والحركات مهما كَبُر وصَغُر ، فقد مضى ولا يمكن إعادته، والكلام عنه يبقى مجرد اجتهادات وتقديرات واستنتاجات وهي التي تُبقي التاريخ مفتوحاً وقابلاً للإضافة والحذف ، حسبما تقتضيه الحالة وطبيعة القوى المهيمنة، فالتاريخ مراوغٌ أو ماكرٌ أحياناً حسب هيغل، وقد يعيد التاريخ نفسه ففي المرّة الأولى يظهر على شكل "مأساة" مثلما قد يظهر في المرّة الثانية على شكل "ملهاة" حسب ماركس الذي استلهم عبارته من هيغل ذاته، وهو سجال مفتوح وبلا نهاية حسب المؤرخ بيتر جيل.

إنجازات سلام عادل

وكان من أهم إنجازات سلام عادل هي تمكّنه من استعادة وحدة الحزب وتجميع قواه، خصوصاً بقدرته على استيعاب التنظيمات المختلفة وضمّها إلى الحزب مشخّصاً النواقص والأخطاء لدى جميع الفرقاء، لاسيّما بانتهاج سياسة جديدة قوامها البحث عن الجوامع والمشتركات التي تقرّب ولا تُبعّد والسعي للبحث عن نقاط مشتركة وإيجابية لدى الجميع بعيداً عن التخوين والتأثيم، وذلك حين وضع نصب عينيه إنهاء نهج الإقصاء والتفريط والعزل، وهو الأمر الذي جعل من الحزب قوة أساسية برزت خلال الانتفاضة الشعبية التي حدثت عقب العدوان الثلاثي الأنكلو فرنسي - الإسرائيلي على مصر في العام 1956 إثر تأميم قناة السويس .

جدير بالذكر أن الحزب بقيادة سلام عادل (بعد تنحية حميد عثمان)، كان قد استجمع قواه وكتله وتنظيماته المنقسمة حيث اعترف الجميع بأخطائهم بهدف توحيد الحزب وكانت منظمة راية الشغيلة قد انشقّت عن الحزب في العام 1953 ومن أبرز قياداتها آنذاك جمال الحيدري وعزيز محمد، وقد وصفتها جريدة القاعدة بأنها زمرة بلاطية (نسبة إلى البلاط الملكي) وإنها انحطّت في المستنقع والقاذورات اليمينية، متهمة إيّاها  بالانتهازية.

أما "منظمة وحدة الشيوعيين" فكانت برئاسة عزيز شريف وعبد الرحيم شريف التي ساهم عامر عبد الله بحكم صلته الوطيدة معهما في إقناعهما، والبقية الباقية بحلّ المنظمة والالتحاق بالحزب. كما انضمت كتلة داوود الصائغ  "رابطة الشيوعيين " لاحقاً  إلى الحزب، واعترف الجميع بأخطائهم في لحظة تطّهر غير مسبوقة، بما فيها التنظيم الأصلي (القاعدة) الذي اعترف أن القيادة التي اتّخذت قرارات الفصل كانت جاهلة والمقصود بذلك  قيادة حميد عثمان الذي جرت محاولات لمحاسبته وتجميده فيما بعد، وكان قد هرب من السجن ليصبح المسؤول الأول، لكنه تصرف بفوقية وبيروقراطية، ونشر بيانا باسمه، فتقرّر مساءلته وتجميد عضويته بمبادرة شجاعة من سلام عادل ساهم في تنفيذها ناصر عبود وشارك فيها حكمت كوتاني مسؤول محلية الموصل.

وكان ناصر عبود قد اصطحب حميد عثمان كما يروي من الموصل إلى بغداد واستبقي في بيت حزبي لكنه قرر السفر إلى كردستان وهناك انتمى إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني (انظر: توفيق التميمي، مقابلة مع ناصر عبود ، صحيفة التآخي، مصدر سابق).

وهكذا تم استعادة وحدة الشيوعيين بتدخّل من خالد بكداش والحزب الشيوعي السوري الذي تم الاحتكام إليه، لا سيّما بإنهاء انشقاق راية الشغيلة، وصدرت حينها جريدة "اتحاد الشعب" (السرّية)( العام 1956) لتعلن عن قيام وحدة الحزب.

ولعلّ موقف سلام عادل من وحدة الحزب وحرصه على الرفاق بغض النظر عن الاختلافات والتباينات في اتجاهاتهم، لاسّيما في المنعطفات الحادة هو ما كان حاضراً ومتداولاً بين الرفاق كجزء من الثقافة الحزبية ما بعد الانقسامات والانشقاقات المتكررة. وقد كان باقر ابراهيم وحسين سلطان يردّدان مقولته الشهيرة " إن إخراج أي رفيق من الحزب إنما هو اقتلاع شعرة من عيوني" وقد استعاداها في الثمانينات حين جرت حملة تصفيات وفصل وتفريط بالجملة يوم احتدم الخلاف بشأن قضايا فكرية وسياسية وتنظيمية ، وأهمها الموقف من الحرب العراقية- الإيرانية.

وبالطبع لم تكن حياة سلام عادل الحزبية سهلة فقد سبق أن تعرّض هو ذاته لعقوبات وتنحيات من جانب عناصر بيروقراطية وانتهازية ، ففي فترة تولي مالك سيف إدارة الحزب بتوصية من فهد أُبعد سلام عادل في العام 1948 اثر اعتراضه على الموقف الحزبي من فلسطين وبقي بصلة فردية وسُحبت بعض مهماته كما تنقل ثمينة ناجي يوسف.

وفي فترة حميد عثمان الذي تولّى إدارة الحزب في العام 1954 بعد هروبه من السجن استبعد سلام عادل من اللجنة المركزية وكان عثمان قد اتهمه بالإنحراف اليميني، ونُقِل إلى منطقة الفرات الأوسط. وحين تبلور موقف جديد لأغلبية أعضاء اللجنة المركزية ضد حميد عثمان تم استدعاءه فتسلّم دفة القيادة  في حزيران/يونيو 1955 بعد أن تم وضع اليد على مطبعة الحزب كما يذكر حنا بطاطو في كتابه الثاني بعنوان : العراق - الحزب الشيوعي ، ص 342) . علماً بأن عمله في منطقة الفرات الأوسط كما نقل لكاتب السطور بعض من عاصره مثل حسين سلطان وعدنان عباس وصاحب الحكيم ومحمد الحياوي كان متميزأً، سواءً على الصعيد السياسي أم على الصعيد الحزبي والإعلامي، وخصوصاً في الريف. وفي مطارحات خاصة في بشتاشان خريف العام 1982 كان الباحث قد وجّه أسئلة إلى كل من مهدي عبد الكريم وعبد الرزاق الصافي حول شخصية سلام عادل ودوره القيادي وموقفه من القضية الكردية ارتباطاً بالتطور الذي حصل في الموقف من القضية العربية في العام 1956 وبالتحديد بعد الكونفرنس الثاني، وعقب انتعاش حركة التحرر الوطني العربية بُعيد تأميم مصر لقناة السويس ومقاومة العدوان الثلاثي.

إن ما تعرّض له سلام عادل من بيروقراطية حزبية تدلّ على أنه باستمرار كان له رأي متميز ومستقل ونقديٌّ بما فيه إزاء القيادات ، حيث اعتاد على التعبير عن وجهات نظره،  بكل وضوح حتى لو أدى ذلك إلى خسارة مواقعه الحزبية، وتلك إحدى سماته القيادية البارزة، حيث لم يعرف المهادنة والتزلّف واسترضاء المسؤولين كجزء من الأمراض التي تفشّت في الحزب في وقت لاحق .

جدير بالذكر أن سلوك حميد عثمان اتّسم بالتهور، وعلى حد تعبير حنّا بطاطو كان يمتاز بـ " حماسة كبيرة وحكمة ضئيلة" وقد ورط الحزب الشيوعي بمواجهات مكلّفة ولا معنى لها مع الشرطة، حيث دعا للإضراب السياسي العام ثم رفع شعار الكفاح المسلح وبناء "جيش شعبي ثوري" واعتبار الريف "قلاعاً ثورية"، ويبدو أنه تأثر بالمسيرة الكبرى التي قادها ماوتسي تونغ وبالثورة الصينية.

وهكذا بدّد قوى الحزب وفرط برفاقه ورفع شعارات لم يكن الحزب قادراً على تنفيذها، فضلاً عن قراراته الفردية وأوامره الهستيرية ومبادراته المغامرة ومعاركه الانتحارية، ولهذه الأسباب أزيح من موقعه وهو ما ورد في مقتبسات من كتاب حنّا بطاطو (ج2 ص 343، وج3 ،  ص 13 وما بعدها) .

وقد شكل سلام عادل لجنة مركزية جديدة عملت هذه اللجنة لنحو عام في التحضير للكونفرنس الثاني أي من (حزيران/يونيو 1955 ولغاية 1 حزيران/ يونيو 1956) وقد ضمّت الرفاق التالية أسماؤهم:

1- حسين أحمد الرضي (سكرتيراً عاماً)

2- عامر عبدالله

3- كريم أحمد الداوود

4- فرحان طعمه

5- جورج حنّا تلو

6- محمد صالح العبلّي

7- هادي هاشم الأعظمي

8- عطشان ضيّول الايزرجاوي

9- ناصر عبود

ومنذ أيلول أي بعد انعقاد الكونفرنس الثاني العام 1956 ولغاية أيلول/سبتمبر العام 1958 ضمّت قيادة الحزب  بعض الأعضاء إلى اللجنة المركزية وأصبح عددهم 12، والأعضاء الجدد هم : شريف الشيخ ومحمد بابلي - كاكا فلاح وجمال الحيدري والأعضاء الاحتياط هم : عزيز الشيخ وصالح الحيدري وعبد الرحيم شريف وحكمان فارس الربيعي  وداود الصائغ وصالح الرازقي (المصدر السابق - حنا بطاطو، ج3، ص 18-21).

الكونفرنس الثاني والتوجّه الجديد

ومن منجزاته في تلك الفترة أيضاً عقد الكونفرنس الثاني للحزب العام 1956 والذي أقرّ سياسة جديدة بقراءة المتغيّرات على الساحة الدولية والتي رجّحت الخيار السلمي الجماهيري تأثراً بنهج التعايش السلمي الذي اتبعه الاتحاد السوفييتي وكان التقرير الذي صدر عنه يفصح عن هذا التوجه البارز.

وقد انعقد الكونفرنس في بغداد الجديدة وحضره 28 كادراً حزبياً وانتخب لجنة مركزية جديدة مضفياً شرعية جديدة على القيادة الحزبية التي ظلّ اختيارها غالباً يتم بالتعيين،  فتحت ظروف القمع أحياناً يجري إملاء الفراغ  لمن يعتقل أو لمن يضطر للخروج من دائرة النضال، ولم تكن الاختيارات موفقة في الكثير من الأحيان بسبب الظروف غير الطبيعية، خصوصاً بضعف الكفاءة  ونقص المعرفة وقلّة التجربة، إضافة إلى الارتباطات الشخصية، ناهيك عن عدم قناعة الكادر أحياناً وهناك أمثلة كثيرة لا مجال لذكرها.

وقد كان انعقاد الكونفرنس والاحتكام إلى الشرعية الحزبية في الانتخاب تطوراً مهماً حصل في ظل قيادة سلام عادل التي حاولت أن تجميع ملاكات الكادر وتوحيدها في إطار قيادة جديدة متنوّعة المشارب والاتجاهات تجمعها وحدة الإرادة والعمل والانسجام، دون تمييز بسبب ماضيها سواءً كانت مع هذه الكتلة أو تلك، وسرعان ما اندمجت المجموعات والكتل والشخصيات ، بل وانصهرت في بوتقة حزب مديد وذا حيوية كبيرة.

2

 

كلوا فالحزب يريدكم أقوياء

من الخيار السلمي إلى الخيار العنفي

وبخصوص تغيير سياسة الحزب من الخيار السلمي إلى الخيار العنفي خلال بضعة أشهر لا تزيد على عدد أصابع اليد، سألتُ عامر عبد الله خلال مطارحتي معه في الثمانينات، إضافة إلى مقابلات عديدة معه نشرت بعضها وانتظر نشر بعضها الآخر أو ضمّه إلى الطبعة الجديدة من كتابي "عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل - فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية"، دار ميزوبوتيميا، بغداد ، 2013، عمّا إذا كان اختيار الأسلوب الكفاحي العنفي قد تمخّض عن مؤتمر أو كونفرنس ((Conference ، علماً بأن الكونفرنس الثاني الذي عُقد العام 1956 كان قد اتخذ قراراً بالخيار السلمي، فأجاب: كانت الأمور أقلّ تعقيداً والثقة عالية وظروف العمل السري لا تسمح كثيراً بعقد مؤتمر أو اجتماع موسع لأخذ رأي القيادات والكوادر، بل إنني كنت قد كتبت رأياً بهذا الخصوص وعرضته على سلام عادل، فأبدى تأييداً وحماسةً، واقترح أن يتم تعميمه، ليصبح هذا الرأي بمثابة رأي الحزب وتوجيهاً للرفاق، وقد سعينا إلى تثقيف كادر الحزب الأساس وملاكاته المهمة بضرورة الاستعداد لكل طارئ جديد.

وكانت انتفاضة تشرين الثاني(نوفمبر) من العام 1956 بعد العدوان الثلاثي على مصر في 29 تشرين (اكتوبر) من العام ذاته ، التي شارك الحزب بقيادتها، بروفة جديدة لقياس استعداداتنا، لا سيّما الجماهيرية للنزول إلى الشوارع وقطع الطريق على القوى الرجعية فيما إذا تحرّك الجيش، وهو ما حصل يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958، حيث كانت الكتل البشرية الهائلة، صمام الأمان لانتصار الثورة، وكان الحزب قد أصدر تعميماً داخلياً لكوادره للاستعداد للطوارئ يوم 12 تموز (يوليو)، أي قبل يومين من اندلاع الثورة.

لقد ساهم الكونفرنس الثاني 1956 في استعادة هوّية الحزب بعد توحيده، وكان التقرير الذي كتبه عامر عبدالله وبتوجيه سلام عادل وإشرافه، قد عكس ذلك، خصوصاً وقد ترافق مع جو الحماس العروبي والانتعاش القومي التحرّري وتلك كانت وراء القراءة الجديدة والتصحيحية للكونفرس الثاني للحزب الشيوعي، "المخالفة" من حيث التوجّه لسياسة الحزب عشية إعدام فهد وما بعدها، فالأمر يعود إلى أن العالم العربي شهد كلّه والعراق بشكل خاص انتعاشاً وطنياً وعروبياً، وخصوصاً قبيل وبُعيد العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر، بتأميم قناة السويس وانطلاق أصوات تدعو لتأميم النفط وإسقاط الأنظمة القائمة.

الحزب والهوّية العروبية

 والجدير بالذكر أن الكونفرس الثاني الذي سبق انتفاضة العام 1956 ببضعة أشهر، كان قد أكّد  على هوّية الحزب العراقية في إطار محيطه العربي " لتحرير أرض العروبة من الإستعمار والتخلّف..."

ويلاحظ هنا أيضاً اللغة الجديدة  المستخدمة في الكونفرنس ووثائقه وهي لغة مختلفة عمّا ساد من خطاب طيلة الفترة الممتدة من العام 1948 ولغاية الكونفرنس الثاني العام 1956 ابتداءً من عنوان التقرير ومروراً بالعديد من مفاصله الأساسية التي أكدت على "أمّة العرب" و"الوحدة القومية" و"الوحدة العربية" و"وحدة العرب" و"ركب العروبة" و"حركة التحرّر العربي"  و"خطر الصهيونية والاستعمار" واعتبار " إسرائيل" قاعدة للاستعمار، وإن الحل العادل والجذري يكمن بالقضاء على الاستعمار وحكم عملائه وصنيعته الصهيونية المجرمة...

            بالعودة إلى التقرير الذي صدر عن الكونفرنس فقد كان عنوانه هو " خطتنا السياسية في سبيل التحرّر الوطني والقومي" فقد وردت فيه  دعوة صريحة إلى "تحقيق أمّة العرب أجمع في الوحدة القومية"، استناداً إلى أن هذا العصر هو عصر الشعوب والانبعاث القومي للأمم المستعمَرة والمضطهَدة، من أجل حق تقرير المصير.

أما أهم النقاط التي يمكن إضاءتها وهي تعكس العقل الستراتيجي لعامر عبدالله وبتوجيه من سكرتير الحزب سلام عادل وإشرافه فهي:

تأييد السياسة السوفييتية بشأن مبدأ التعايش السلمي بين الدول بغضّ النظر عن نظامها الاجتماعي، حيث اعتبر الكونفرنس الثاني المؤتمر العشرين  (للحزب الشيوعي السوفييتي) "حدثاً خطيراً" فتح أمام البشرية جمعاء آفاقاً رحبة، و"علّمنا درساً ثميناً في توحيد الحركة الشيوعية والحرص على وحدة حزبنا وتعزيز قوى السلم في بلدنا..."

إدانة حلف بغداد باعتباره أداة لاستبعاد الشعوب وأن هدف الغرب هو استرقاق بلدان الشرق العربي وأن نضال شعوب الشرق ضد الكتل الاستعمارية، إنما هو نضال من سبيل الاستقلال الوطني داعياً إلى الانسحاب من ميثاق بغداد الاستعبادي العدواني.

أكّد التقرير على الوحدة العربية حيث جاء فيه: " إن وحدة العرب أصبحت باهرة بعد أن أزيحت السياسات الخاطئة"،  مؤكداً على " ركب العروبة الزاخر بالحيوية" معتبراً الحركة القومية العربية حركة تقدمية ديمقراطية بمحتواها وشكلها وإن الطريق إلى الوحدة التامة (المقصود الوحدة الشاملة) ينفتح على أساس زوال الاستعمار عن العالم العربي وتحقيق الإصلاحات الديمقراطية.

وفي ذلك نقد ذاتي واعتراف صريح بضرورة تصحيح مسار الحزب ومواقفه بشأن بعض الاتجاهات الانعزالية وضيقة الأفق والموقف الخاطئ من قيام "إسرائيل"، والشعارات والتكتيكات السلبية والضارة التي اتّخذها الحزب خلال تلك الفترة. وهو ما نشرته صحيفة "اتحاد الشعب" في أواسط تشرين الأول (اكتوبر) العام 1956.

أكّد على ضرورة قيام الجهة الوطنية الموحّدة، باعتبارها سلاحاً في معركة التحرّر الوطني، وهي حقيقة قائمة تنشأ وتنمو وتتعزّز في نار المعارك الوطنية.

ولأول مرّة وبهذا الوضوح خاطب تقرير شيوعي رسمي "جماهير الضباط والجنود" كما دعا إلى اتحاد قوى الشعب،  مذكّراً بالشخصيات الوطنية مثل: شعلان أبو الجون ( أحد قادة ثورة العشرين) والزعيم الكردي الشيخ محمود الحفيد (الذي قاد ثورة العام 1919 في السليمانية) ومحمد جعفر أبو التمن الزعيم الوطني العراقي وحسن الأخرس وعبد المجيد كنّه من الشخصيات الوسطية العراقية ومصطفى خوشناو العسكري الكردي الذي أعدم في أواسط الأربعينيات.

شدّد النقد ضد شركات النفط التي تنهب ثروة العراق.

حيّا تأميم قناة السويس وانتقد حكومة نوري السعيد ومؤامراتها "السافلة" في الظلام لكسر عضد نصر القومية.

 شدّد الحزب في تقريره على: خطر الصهيونية والإستعمار وبعض العناصر المشبوهة.

وفي إطار نقد ذاتي جريء حذّر من " تسرّب المفاهيم الخاطئة إلى ملاكات الحزب بعد حرب عام 1948"  وذلك في إطار مراجعة أولية لم تستمر للأسف بشأن الموقف من الصهيونية و"إسرائيل". واعتبر "إسرائيل" قاعدة الإستعمار وأن الحل العادل والجذري يكمن "بالقضاء على الإستعمار وحكم عملائه وصنيعته الصهيونية المجرمة".

ولعلّ في ذلك ردًّا غير مباشر على الأطروحات الصادمة للمزاج الشعبي التي كتبها زكي خيري من السجن في مناقشة لعزيز شريف بخصوص القضية الفلسطينية وكان شريف قد انتقد مواقف الحزب والاعتراف بقرار التقسيم ونشر في جريدة الوطن التي كان يصدرها في حينها، وقد كان ردّ زكي خيري عليه بتبرير كون  " اليهود أمّة" ولهم " الحق في تقرير المصير" وأن إسرائيل " دولة ديمقراطية" مقارنة بالبلدان العربية الرجعية، لأن فيها حزباً شيوعياً علنياً ونقابات مرخّص بها.

 

شدّد على المهمات العاجلة التي تتلخّص في تحويل السياسة القائمة من سياسة تعاون مع الاستعمار وتوافق مع الصهيونية وانعزال عن حركة التحرّر العربي إلى سياسة مستقلة، مؤكداً على التضامن العربي.

وعند حديثه عن الحركة التحرّرية العربية ربطها التقرير بالمسألة القومية الكردية بالقول: هاتان الحركتان التقدميتان ضد الاستعمار وأحلافه تتضافران في سبيل التحرّر الوطني والقومي " وليس ثمة طريق في الظرف الراهن سوى طريق الكفاح مع الحركة التحرّرية العربية الصاعدة، في سبيل التحرّر الوطني والقومي لجماهير الشعب العراقي، في سبيل الوحدة العربية وتأمين الاستقلال الذاتي لكردستان العراق وفق اتحاد اختياري كفاحي أخوي يفتح أمام الشعب الكردي طريق التحرر الشامل والوحدة القومية للأمة الكردية".

 وأكّد التقرير على أن الشعب الكردي في العراق هو جزء لا يتجزأ من الأمة الكردية في جميع أجزاء كردستان التي مزّقها الاستعمار.

ودعا التقرير إلى الاعتراف المتبادل بحق تقرير المصير وبمشروعية كفاح الشعبين العربي والكردي إلى التحرّر والوحدة القوميّة، مؤكداً الأخوة العربية- الكردية.

 وكان الحزب الشيوعي قد تبنّى موقفاً متقدماً بشأن المسألة الكردية، حين دعا منذ العام 1935 إلى مبدأ حق تقرير المصير، واعتمد قاعدة الاستقلال الذاتي لكردستان العراق في العام 1956 في كونفرنسه الثاني، تجسيداً لذلك المبدأ في الواقع العملي، داعياً إلى وحدة الأكراد القومية، مثل دعوته إلى الوحدة العربية، في إطار التحالف بين الحركتين التحرريتين العربية والكردية.

جدير بالذكر أن ناصر عبود عضو المكتب السياسي في حينها يستبعد الدور المنسوب لعامر عبدالله في كتابة تقرير الكونفرنس الثاني لأنه حسبما يقول: لم يكن لا جمال الحيدري ولا عامر عبدالله في عداد اللجنة المركزية آنذاك، بل هما شاركا في الكونفرنس  الذي انتخبهم من بين الحاضرين ليكونا عضوين في اللجنة المركزية. ولا شكّ أن سلام عادل كان له الدور البارز في الإعداد، سواء للكونفرنس الثاني أم للتقرير الذي سيقدّم فيه، لكن ذلك لا يمنع من أن يكون سلام عادل قد استعان بعامر عبدالله في كتابة التقرير، وهو ما كنتُ قد أشرت إليه في كتابي عن عامر عبدالله وفي مطالعاتي عنه.

ردود أفعال واختلالات

أعتقد أن لجان التثقيف الحزبي لم تضع يوماً في جدول عملها قراءة وثائق الكونفرنس الثاني، لا سيّما بعد محاولات "ازدراء" العروبة أو تبشيعها أو حتى "تنغيلها"، لدرجة أنها أصبحت كلمة "منبوذة" أو "مرذولة"، بل أن بعضهم حاول أن ينسبها إلى الأنظمة التسلطية التي حكمت العراق، ولاسيّما بعد انقلاب العام 1963، بل وإلى  صدام حسين وحزب البعث في ممارساتهم القمعية ضد الآخرين دون أن يدرك خطر ذلك على هوّية الحزب الوطنية والقومية، في حين أن التقرير الذي صدر العام 1956 يختلف في لغته وأفقه عن التوجهات اللاحقة، ولاسيّما في ظروف الصراع ما بعد ثورة تموز/يوليو 1958.

وقد دفعت في إطار المنافسة الضيقة الشيوعية- القومية وبعض ردود الفعل السلبية إزاء قيادة جمال عبد الناصر وتحالفاته مع القوى القومية واضطهاده لليسار المصري والسوري خلال فترة الوحدة المصرية- السورية وتحالفاته مع القوى القومية ضد حكم عبد الكريم قاسم، إلى أن تسود في صفوفنا وجهات نظر خاطئة إزاء "الفكرة القومية" التي نظرنا إليها بمنظار أوروبي، في حين إن تقرير الكونفرنس الثاني الذي كتب بتوجيه وإشراف من سلام عادل وبدور مميز لعامر عبدالله وصيغ بلغة متينة وبأسلوب رشيق، كان لديه تصوراً آخر حين تحدث عن العروبة والوحدة العربية، وهو تقرير مؤيد من أعضاء الكونفرنس جميعهم، بل وكان الحزب عموماً آنذاك  قد تبنّاها!.

وبتقديري أن العودة إلى قراءة هذه الوثائق بروح نقدية منفتحة سيسهم في التعريف بجزء مهم من تاريخ الحزب من جهة، وبمنهج جديد كان قد اعتمده وكان هذا المنهج يحتاج إلى تعميقه وتطويره من جهة ثانية، خصوصاً وأن أعداء الشيوعية حاولوا استغلال بعض الثغرات المفارقة لهذا التوجه لتشويه سمعة الحزب وإظهاره بمظهر المعادي للعروبة، ولعبت بعض التوجهات الضيقة الأفق دوراً في ذلك، سواء كانت باسم "الأممية" أو من انحدارات غير عربية دوراً في ذلك، لاسيّما بالضد من التوجهات الخاطئة لبعض الجماعات السياسية باسم "القومية" أو "العروبة" التي اتبعت في إطار منهج متعصب وشوفيني، وخصوصاً من المسألة الكردية.

وكنت قد اقترحت على لجنة العمل الآيديولوجي المركزي التي كنت عضواً فيها وكان سكرتيرها كريم أحمد الداوود عضو المكتب السياسي وضمّت عضويتها مهدي عبد الكريم عضو اللجنة المركزية وأبو سمير الذي استشهد في  بشتاشان"، أن تدرج وثائق الكونفرنس الثاني ضمن البرنامج التثقيفي لعموم هيئات الحزب، لكنه لم يتسنَ لنا الحصول عليها، وأبدى مهدي عبد الكريم (أبو كسرى) ملاحظة من احتمال التوسّع بمطالبتنا بوضع وثائق المؤتمرات الثلاثة للحزب بما فيها المؤتمر الثالث المؤيد للجبهة الوطنية مع حزب البعث ضمن البرنامج، الأمر الذي قد يثير بعض الإشكالات التي نحن في غنىً عنها.

وقد تمّت الموافقة على اقتراحي بإعادة طبع كرّاس" ردّ على مفاهيم برجوازية قومية وتصفوية" الذي صدر في العام 1957  ردّاً على بعض التيارات القومية الإنعزالية  في إقليم كردستان داخل الحزب الشيوعي . وكانت لجنة العمل الآيديولوجي المركزي تشرف على إصدار نشرة " مناضل الحزب" وهي نشرة داخلية صدر منها أربعة أعداد في حينها (1982-1983)، إضافة إلى إعدادها للبرنامج التثقيفي لعموم ملاكات الحزب.

نوادر سلام عادل

وعن بعض نوادر سلام عادل وشخصيته المرحة يروي عامر عبد الله عن قدرته في التعامل مع المتغيّرات: فيقول كنّا في دمشق قبل ثورة تموز (يوليو) العام 1958، وقد ذهبنا لتناول العشاء، في مطعم في شارع بغداد مبتهجين بحريّتنا وكأننا حمامتين انطلقتا من القفص لتوّهما، ويومها كان سلام عادل منشرحاً بعد أخبار سارة عن علاقات الضباط الأحرار والتئام الحزب وتوسّع نشاطه تحضيراً للثورة المنشودة، لا سيّما بوعود عربية واشتراكية بدعمها عند قيامها بعد جهود مضنية وشروحات مطوّلة قُدِّمت للأصدقاء والأشقاء، فاعتدل في جلسته ونادى على النادل ونقّده (أي منحه)" ليرة" سورية قائلاً" جيب أي (إجلب) لنا إضافي لما يريده الشباب، ونظر إلى عامر عبد الله  قائلا: أبو عبد الله  أكو فلوس (أي يوجد لدينا نقود).. نحن "زناكين" (أي أغنياء) وهي لفتة يحبّها عامر عبد الله ، وكان يقوم بتمثيلها كثيراً، خصوصاً وأن لقاءه مع أبو إيمان (حسين أحمد الرضي- سلام عادل، أمين عام الحزب آنذاك) كان حرّاً وبدون عوائق، سواء في دمشق أو في موسكو، في حين كان يلتقيه في بغداد متخفّياً لابساً العقال والكوفية أو متنكّراً بزي آخر أو في أحد البيوت الحزبية، ويتحدّثان بهمس في ظروف العمل السري والملاحقة.

ويذكر عامر عبد الله  أنه في أحد أيام عيد الحزب أو احتفاءً بإحدى مناسباته، أولمت السيدة ثمينة ناجي يوسف (زوجة سلام عادل) طعاماً إضافياً وبنوعيات أفضل، وأنها حضّرت لهم "طبقاً من الدولمة" ودجاجاً وما شابه، الأمر الذي يُعتبر بذخاً في تلك الأيام العصيبة وظروف الحزب المالية القاسية (العام 1956 أو ما بعده) وخاطب سلام عادل عامر عبد الله  والآخرين: كُلوا فالحزب يريدكم أقوياء!!

سلام عادل في ليلة الثورة

            في مطالعتي عن وميض عمر نظمي الموسومة " وميض عمر نظمي - حالم قتلته النزاهة" (انظر: جريدة الزمان   في 23 و24 و26/10/2016)  رويت تفاصيل كيف قضى سلام عادل ليلته عشيّة الثورة، وكنت قد أوردت بعض التفاصيل التي نقلها لي عامر عبدالله، ولكنني سمعت رواية أخرى نقلها لي ابراهيم الحريري، وعاد ودوّنها في خاطراته المثيرة.

            وتنصبُّ رواية الحريري التي سمعها من مهدي أحمد الرضي الموسوي شقيق سلام عادل نقلاً عن كمال عمر نظمي، الذي كان سجيناً معه في سجن " نقرة السلمان" بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963، أن سلام عادل جاء إلى بيت كمال نظمي مساء يوم 13 تموز/يوليو/1958 دون موعد مسبق، وطرق الباب وفتح له نظمي وبعد السلام والسؤال عن الأخبار والأحوال سأل سلام عادل ، نظمي : هل يوجد بانزين كاف في سيارتك؟ فأجابه نظمي نعم، ثم طلب منه اصطحابه في جولة بشوارع بغداد في الهزيع الأخير من ليلة 14 تموز/يوليو 1958، فانطلقت السيارة لتمرّ من أمام وزارة الدفاع وتوجّهت بعد ذلك إلى منطقة الصالحية، حيث محطة الإذاعة والتلفزيون، ثم المرور أمام منزل نوري السعيد في كرادة مريم وكانت الأنوار مطفأة، عدا مصباح واحد أو اثنين فوق الباب الخارجية، التي يوجد أمامها شرطي يغالبه النعاس.

             أراد سلام عادل أن يستكشف بنفسه الترتيبات الأخيرة قبيل ساعة التنفيذ وليتأكد أن الأمور سائرة كما هو مخطط لها ولا شيء يوحي بحركة غير اعتيادية، وفي طريق العودة مرّ أمام وزارة الدفاع أيضاً، وحين وصلا إلى المنزل حاول سلام عادل النوم، ولكنه لم يستطع وظلّ يصعد وينزل ويتحرّك طيلة الليل وحتى الصباح، وحين فتح الراديو عرف أن الثورة انطلقت بتحرّك الجيش .

            أما رواية عامر عبدالله فتقول إن سلام عادل وجمال الحيدري باتا ليلة 13 و14 تموز/يوليو/ 1958  في منزل ناظم الطبقجلي في منطقة الصليخ وعلى سطح الدار بانتظار الإعلان عن الثورة وكنتُ قد حاورت عامر عبدالله مشكّكاً تصديقي للرواية التي تقول أن الطبقجلي كان صديقاً للحزب كما كان يؤكد عامر عبدالله، فعاد وكرّر  على مسامعي نعم ودليله أن سلام عادل وجمال الحيدري باتا عنده ليلة الثورة.

            قد يكون عامر عبدالله قصد إنهما كانا عنده ليلة الثورة ولكن هل استمرّا حتى الصباح أم إن سلام عادل غادر المنزل حين خيّم الظلام ليتوجّه إلى منزل كمال نظمي (المقصود ليلة 14 /تموز). ويقول كمال نظمي في حديثه مع شقيق سلام عادل إنه وسلام عادل توجها إلى دائرة البريد لإرسال برقية إلى مجلس السيادة ورئاسة مجلس الوزراء الذي أُعلن عنهما تأييداً للثورة باسم الحزب الشيوعي  وكان عامل البريد قد تردّد وقتها وخشي أن يكون في الأمر ثمة مساءلة، لكنه استلم البرقية منهما.

            قد لا تتعارض الرواية الأولى مع الرواية الثانية، فقد يكون سلام عادل قضى جزءًا من الليل في بيت الطبقجلي وبصحبة جمال الحيدري أو أنهما كانا في ليلة 13 في منزل الطبقجلي ثم افترقا ليلة 14 أو أنهما كانا سويّة ليلة 14، وبعدها افترقا وقضى سلام عادل الجزء الأخير من تلك الليلة في منزل كمال عمر نظمي بعد أن ترك بيت الطبقجلي (انظر: عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل، مصدر سابق)

            وكما أشرنا فقد كان أول عمل قام به سلام عادل صبيحة الثورة هو إرسال برقية تهنئة إلى قيادة الثورة وتقول ثمينة ناجي يوسف إن سلام عادل بعد أن سمع البيان الأول، ارتدى بدلته لأول مرّة بعد أن ظلّ يلبس الملابس العربية الشعبية (العباءة والدشداشة والكوفية والعقال) واصطحب معه الكادر الشيوعي دلّي مريوش (ولم تقل أن كمال مظمي كان معهما) واتجه صوب بريد الأعظمية ليرسل من هناك البرقية: وكان نصّها :

            بغداد - مجلس السيادة للجمهورية العراقية

            رئيس مجلس الوزراء السيد عبدالكريم قاسم

            نهنئكم من صميم قلوبنا على خطواتكم المباركة التي وضعت نهاية حاسمة لعهد طويل من المآسي والمحن التي قاسى منها شعبنا المجاهد النبيل على يد الاستعمار وأعوان الاستعمار.

            إننا نعبّر عن تفاؤلنا بأن هذه الخطوة الحاسمة ستكون فاتحة عهد جديد، عهد حرية وتطوّر عراقنا الحبيب، وتبوؤ شعبنا البطل مركزه في الموكب الظافر، موكب العروبة المتحرّرة الناهضة المحبّة للسلام، وموكب الإنسانية العاملة من أجل تحررها وإلى الأبد من أنيار الاضطهاد والاستعمار.

            إن شعبنا العراقي، بعربه وأكراده، سيسجّل لكم بفخر جرأتكم وتفانيكم من أجل تحقيق أهدافه الوطنية الكبرى، وهو يحمي ويصون بدمائه الغالية جمهوريته الوطنية الفتية. وإنه لعلى ثقة كبرى من قدرته على القيام بهذا الواجب المقدس، ومن مساندة القوى التحرّرية العربية في جميع ديارها وعلى رأسها الجمهورية العربية المتحدة، ومن قوى الحرية والسلام في جميع أنحاء العالم وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي.

            وإن اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي العراقي تضع قوى الحزب إلى جانب مؤازرتكم وللدفاع عن جمهوريتنا البطلة.

سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي

14 تموز/يوليو/ 1958

 

 

 

3


الترهل في جسد الحزب الشيوعي منعه

من قرارات حاسمة

ضد عبد الكريم قاسم

 



 

 

التقاط الجوهري من الأشياء

تتعدّى مزايا سلام عادل كونه شهيداً وبطلاً، فهذا أمرٌ مفروغ منه، لكن قيمته الحقيقية هي في مواهبه ومبادرته التنظيمية وعقله الستراتيجي في التقاط الجوهري من الأشياء وقدرته في الاستفادة من الكفاءات التي حوله، ولاسيّما قبل ثورة 14 تموز (يوليو) 1958.

كما حاول بعد الثورة ضم وإشراك الكثير من القيادات " التاريخية" و"الشابة" لاحقاً إلى قوام اللجنة المركزية وهيئات الحزب، لتوسيع دائرة اتخاذ القرار على الرغم من بعض تناقضاتها، وذلك يتجلّى بعمله الدؤوب في استعادة وحدة الحزب دون إقصاء أو إلغاء أو تهميش، بل بمشاركة واعية، وكذلك في إعداد الكونفرنس الثاني العام 1956.

أعتبر شخصياً وثائق الكونفرنس الثاني من أهم وثائق الحزب وأنضجها حتى الآن، آخذاً بنظر الاعتبار سياقها التاريخي، وهي الوثائق التي لم يتم الحديث عنها منذ أكثر من 6 عقود من الزمان وكأنها أصبحت نسياً منسيّاً، ثم في التحضير لجبهة الاتحاد الوطني العام 1957 وإقامة علاقة مع شبكة الضباط والجنود والأشراف من التنظيم العسكري، والإعداد للثورة بالعلاقة مع الضباط الأحرار العام 1958.

وحتى بعد الثورة فقد كان الترويج لأهم شعارات الحزب من صنع ومشاركة سلام عادل وقيادة الحزب، بحيث أصبحت قوة مادية في الشارع  وهي الخروج من حلف بغداد الاستعماري والتحلّل من الاتفاقيات والمعاهدات الاسترقاقية المذلّة والانسحاب من نظام الكتلة الاسترلينية والدعوة للإصلاح الزراعي والتوجه لاستعادة حقوقنا من شركات النفط الاحتكارية والانعطاف نحو المعسكر الاشتراكي والمطالبة بالحريات وإبراز أهمية حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، لاسيّما في العام الأول من عمر الثورة. ولهذا لا يمكن اختزال سلام عادل إلى مجرد قيامه ببعض المهمات الحزبية أو إشرافه على الجريدة كما ورد في تعليق لكادر حزبي.

خلافات ومعوّقات

لكن الخلافات التي دبّت في الحزب الشيوعي، إضافة إلى نهج الغرور ومحاولة الانفراد بالشارع وتهميش دور الآخرين دفعت قيادته إلى ارتكاب أخطاء عديدة اعترف بها على نحو شجاع تقرير العام 1959 (اجتماع ل.م) وإن كان الأمر يحتاج إلى طائفة من التدابير لم يتم التوصل إليها أو لم تتخذ الإجراءات المناسبة التي تقتضيها، وهو ما أضعف محتوى سياسة الحزب وجوهرها، خصوصاً بعض الأطروحات العائمة التي طبعت السياسة العامة. فما معنى تضامن - كفاح ثم : "كفاح، تضامن، كفاح"، الذي يتم شرحه بتأييد الخطوات الإيجابية في سياسة عبد الكريم قاسم ونقد الخطوات السلبية، وتأييد السياسة الخارجية ذات الشحنات الإيجابية ونقد السياسة الداخلية ذات التوجّهات السلبية.

 كما أن شعار " السلم في كردستان" لم يكن شعاراً يليق بالحزب الشيوعي، فقد كان يمكن وضع شعارات أكثر تعبيراً عن الشعب الكردي من جهة على سبيل الحكم الذاتي، وخصوصاً بربطه بالديمقراطية لمعالجة مبدأية تتجاوز اللحظة الآنية ذات الاعتبار الأخلاقي العام والتي تتعلّق بقضية السلام إلى طرح حلول ذات أفق مستقبلي، وقد حاول سلام عادل تعديل ذلك بالتقرير الذي ساهم في إعداده جمال الحيدري بتوجيه منه وتحت إشرافه حول القضية الكردية، ولكن بعد فوات الأوان.

وكان على سلام عادل معالجة قضية "شرعية القيادة" ليس بالإنجاز فحسب، بل في الأطر الحزبية والديمقراطية ، خصوصاً وإن ظروف ما بعد الثورة كانت تسمح بذلك، ولعلّ من ذيول هذه القضية ظهرت ما عُرف "كتلة الرفاق الأربعة" (عامر عبدالله وزكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أو العيس) ولو كان قد تم عقد مؤتمر أو حتى كونفرنس حزبي في فترة كان الحزب "علنياً" أو "شبه علني" لكان قد اكتسب شرعية أكبر بل وشرعية حقيقية، لكن ذلك لم يحصل.

وقد أحدثت تلك الإجراءات وما رافقها ردود فعل سلبية، ليس هذا فحسب، بل إن العقوبات التي أنزلت بالرفاق المتكتّلين دفعت بعضهم إلى كتابة رسائل مذلّة بحق أنفسهم وتاريخهم وقد ناقشت هذا الموضوع في كتابي عن عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل" وعكست تلك الرسائل التي تم تقديمها باسم " النقد الذاتي" (زكي خيري وأبو العيس) التشدّد في طلب تجريح الذات وليس نقدها والإساءة إلى النفس، الأمر الذي زاد من حدّة المشاكل حول الشرعية الحزبية في ظلّ عدم انعقاد مؤتمر للحزب، وهو ما كان ينبغي ألّا يسمح به أصلاً وألاّ يطلب منهم ذلك، لأن ذلك سيؤدي إلى التذلّل ويساعد على المداهنة والمراوغة.

ولم يدرس الحزب بشكل كاف موضوع السلطة والموقف منها بشكل كاف في عهد سلام عادل وقد يكون الانقسام الذي حصل في القيادة الحزبية وراء ذلك، واضطرّ سلام عادل إلى السفر إلى موسكو للدراسة الحزبية، برضاه أو بالرغم عنه، وسواءً كان ذلك تحت ضغط السوفييت أم بدونه، لكنه حين قرّر العودة إلى العراق وقطع دراسته كان ينوي اتخاذ خطوات جديدة أكثر تشدّداً إزاء قاسم ولكن الترهل الذي أصاب جسم الحزب وانقسام قيادته لم يساعده في ذلك، وظل الحزب يعاني من سياسة انتظارية، الأمر الذي بث روح الملل والروتينية حد القنوط في صفوفه، وكان هذا بحد ذاته بداية "هزيمة" قبل انقلاب 8 شباط (فبراير) الفاشي.

كان الحزب يتصرّف وفقا لرد الفعل وينتظر القدر " الغاشم" (المؤامرة المنتظرة ليتصدّى لها) وتدريجياً لم يكن لنا حلفاء يعتدّ بهم، أما ما أطلق عليه " النضال الجماهيري" فقد انحسر بالتدرّج حيث ضعفت مبادراتنا، وكانت أقرب إلى ردود فعل سواء إزاء سلطة قاسم أو بخصوص المسألة الكردية أو لمواجهة الإضراب الطلابي الذي فرضه البعثيون والقوميون والاتحاد الوطني لطلبة العراق تحضيراً لانقلاب 8 شباط (فبراير) الدموي العام 1963 وغيرها.

ولم يكن التراجع منظّماً واتّضح أننا واجهنا التحدّيات بخطة طوارئ فاشلة "وبمسدس مايثور" "لأنه تعرّض للصدأ" حسب وثيقة تقويم صدرت العام 1967 في غمرة الصراع الحزبي، كما أن مواجهة انقلاب 8  شباط (فبراير) كانت محدودة على الرغم من البطولة والبسالة، وكلّ ذلك حتى وإنْ كان يتحمل قسطه الأكبر الرفيق سلام عادل بصفته التنظيمية بنجاحاته وإخفاقاته، لكنه لا ينبغي نسيان خصاله الباهرة وسجاياه وشفافيته الإنسانية المتميّزة ، فضلاً عن بطولته النادرة، ونحن حين نتناول ذلك فإننا إزاء تقويم سياسي وعلينا أن نضع العواطف جانباً ونركن قدر الإمكان في البحث عن الحقيقة والتعامل مع المعطيات والمعلومات المتوفرة بروح موضوعية .

            الوحدة أم الاتحاد؟

            لقد أطاحت ثورة 14 تموز (يوليو) بالنظام الملكي وأعلنت العراق جمهورية ، وكان الحزب الشيوعي من الأحزاب التي هيّأت للثورة أو شاركت في التحضير لها مثله مثل الأحزاب الأخرى، على نحو مباشر أو غير مباشر وبدرجات متفاوتة بالطبع مع نفوذ كل حزب ودوره، وكان كادره القيادي قد اطّلع على بيان صدر عن الحزب يوم 12 تموز (يوليو) يوحي فيه إلى  احتمال قيام أحداث مهمة ويوصي بالاستعداد لها ورفع درجة اليقظة.

            وعندما اندلعت الثورة وجد الحزب نفسه سبّاقاً إلى  تأييدها في الشوارع والساحات ومعه الأحزاب الأخرى، على الرغم من درجة تعبئتها كانت أدنى كثيراً، وكان لمثل هذا التأييد الشعبي أن يؤدي إلى  قطع الطريق على رجالات العهد الملكي ومنعهم من القيام بحركة مضادّة، كما أنه يكون قد قطع الطريق أمام التدخلات الخارجية، على الرغم من إنزال القوات الأمريكية في لبنان والقوات البريطانية في الأردن، لكن التفاف الشعب وفيما بعد دعم حكومة الجمهورية العربية المتحدة وحكومات البلدان الاشتراكية، لاسيما الاتحاد السوفيتي أحبط أية إمكانية للانقضاض على الثورة.

ومنذ الأيام الأولى احتدم النقاش الداخلي، لاسيّما بين أطراف جبهة الاتحاد الوطني التي تأسست في 7 آذار (مارس) 1957، حول شعارات الوحدة والاتحاد، فحزب البعث إندفع باتجاه "الوحدة الفورية" وهو ما يذكره عدد من قادته مثلما هو خالد علي الصالح وهاني الفكيكي وعبد الستار الدوري وحازم جواد وعلي صالح السعدي وطالب شبيب، وتسنّى لي محاورة بعضهم بشكل مطوّل ومعمّق، وكان الرأي السائد أن ميشيل عفلق بعد زيارته إلى  بغداد وبقائه في فندق بغداد، حسم الأمر برفع شعار الوحدة العربية، في حين أن الشيوعيين، لاسيّما عامر عبدالله وعزيز الحاج وسلام عادل وجمال الحيدري وبهاء الدين نوري وآخرين ، كانوا قد رفعوا شعار الاتحاد الفيدرالي وروّجوا له، وتسنّى لي حوار عدداً منهم أيضاً، وكان الطرفان يستفزّ أحدهما الآخر بطريقة صبيانية أحياناً، أوعلى أقل تقدير غير عقلانية، واندفع داخل الطرفين تيار إستئصالي، إلغائي، تهميشي، ونسى الجميع ميثاق جبهة الاتحاد الوطني، ولعلّ ما كتبه العديد من قيادات أحزاب تلك المرحلة تعكس التوجهات السائدة ودرجة الاستقطاب والتنافر.

وأظن أن الحركة الوطنية بأطرافها الأساسية، انقسمت حول هذين الشعارين، فالحركة الكردية مالت إلى  شعار الاتحاد الفيدرالي ومعها أوساطاً من الحزب الوطني الديمقراطي، وما سمّي بالجناح اليساري الذي قيل أن كامل قزانجي يمثله وهو الذي استشهد العام 1959 في أحداث حركة الشواف في الموصل، كما مالت حركة القوميين العرب وبقايا حزب الاستقلال وبعض الشخصيات القومية الأخرى إلى  شعار الوحدة العربية مع الجمهورية العربية المتحدة، وهو ما كان حزب البعث يطرحه.

وكان هذا الانقسام عمودياً ومركزياً من القمّة إلى  القاعدة، وفي حين انحاز أحد قادة الثورة العقيد  عبد السلام عارف إلى  شعار الوحدة وألقى عدداً من خطبه الرنانة في عدد من المدن والمحافظات العراقية، كان الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء أقرب إلى  شعار الاتحاد الفيدرالي، وقلْ إنه لم يكن مع شعار الوحدة الاندماجية المطروح.

وأستطيع القول من باب النقد الذاتي وليس افتئاتاً على أحد، أن الحركة الوطنية بقضّها وقضيضها لم تكن ناضجة في تلك الفترة، وعاشت مرحلة مراهقة سياسية، ولعل وعي الكثير من قياداتها كان متدنّياً، فضلاً عن التمترس والرغبة في كسب الشارع والحصول على المواقع في الجيش والسلطة والمؤسسات النقابية والمنظمات الاجتماعية، في وضع أشبه بالغليان، أو حركة سيرك بكل الاتجاهات.

            خصوم قاسم

لقد عشعش مرض الطفولة اليساري لدى غالبية أطراف الحركة الوطنية وأعني بذلك نهج التهميش والعزل والإقصاء والاستئصال، فالبعثيون والقوميون استقووا بالجمهورية العربية المتحدة وبالرئيس جمال عبد الناصر وببعض قادة الجيش وانضمّ إليهم بعض القوى المخلوعة والمتضرّرة من الثورة وحاولوا المرّة تلو أخرى الانقضاض على الحكم الجديد، سواءً بحركة العقيد عبد الوهاب الشواف أو بمحاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد (رأس القرية) ببغداد وصولاً إلى  انقلاب 8 شباط (فبراير) الدموي العام 1963.

والشيوعيون ومن حولهم استقووا بالشارع وأصبحوا ينظرون للآخرين من خلال مواقعهم بغرور أحياناً وبعسف أحياناً أخرى، لاسيّما باختلال المعادلة بين قمة السلطة وقاعدتها، فعلى الرغم من تمثيل جميع القوى الوطنية بحكومة الجمهورية الأولى، إلاّ أن الحزب الشيوعي أستُثني منها، وهو الأطول عمراً، والأكثر تضحية والأصلب عوداً في محاربة النظام الملكي، لكن حصته من مناصب ما بعد الثورة كانت محدودة في السلطة، وإلى حين استيزار د. نزيهة الدليمي بعد احتدام الصراع مع القوميين والبعثيين، لم يكن أحد يمثّله في الوزارة، بما فيهم ابراهيم كبة أو غيره في حين كان حسين جميل وهديب الحاج حمود يمثّلان الحزب الوطني الديمقراطي وقبل ذلك محمد حديد، وكان محمد صدّيق شنشل يمثل حزب الاستقلال وكان فؤاد الركابي يمثل حزب البعث، أما الحزب الشيوعي فقد استبعد في بداية الأمر، ثم ضمّ لاحقاً.

جدير بالذكر أن مسألة الوحدة الفورية أم الاتحاد الفدرالي كانت قد واجهت ثورة 14 تموز ونالت من الجدل والصراع ما لم تنله مسألة أخرى، وقد تشبّث كل فريق بوجهة نظره وأحياناً ذهب بعيداً فيها، فالشيوعيون الذين لم يكونوا بعيدين عن موضوع الوحدة أو الاتحاد كما تبين وثائقهم راحوا يبالغون أحياناً في عرض مساوئ الوحدة، خصوصاً بتجربة الوحدة المصرية - السورية والموقف الرسمي من الحزب الشيوعي السوري الأمر الذي ساهم في التباعد مع الأطراف الوطنية العراقية، والبعثيون أنفسهم حين تشبثوا بالوحدة الفورية بالغوا فيها لدرجة ازدروا كل شكل من أشكال الاتحاد سواها، والهدف هو إحراج الشيوعيين وإظهارهم بمظهر أعداء الوحدة، علماً بأن الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان كان قد طرح موضوع الوحدة والاتحاد منذ العام 1931 ونادى مع الحزب الشيوعي الفلسطيني بـ"اتحاد عربي" وكانا يدعوان إلى وحدة طوعية وفدرالية تحفظ الاستقلال التام للدولة الوطنية ، بمعزل عن نفوذ الاستعمار.

وكان البيان الذي وزّعه فهد في الناصرية العام 1932 قد دعا إلى "اتحاد الجمهوريات العمّالية والفلاحية في البلدان العربية" وفي العام 1935 اتخذ كونفرنس الأحزاب الشيوعية العربية في المشرق قراراً في الدعوة للاتحاد العربي، ولهذا أقول بأن حماسة الشيوعيين للوحدة والاتحاد ليست أقل من القوى القومية ، لكنهم كانوا يراعون الفروق في تطور البلدان العربية وأنظمة الحكم والظروف الداخلية وغير ذلك، وهو ما كان قد تبنّاه الكونفرنس الثاني الذي جرت الإشارة إليه العام 1956 حين رفع شعار الوحدة العربية معتبراً الطريق إليها يقوم بزوال الاستعمار وتحقيق الاصلاحات الديمقراطية.

(انظر: عزيز سباهي - عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، ثلاثة أجزاء ، ج 2 ، دمشق، 2003، ص 333 وما بعدها. انظر كذلك: الحزب الشيوعي العراقي - خطتنا السياسية في سبيل التحرر الوطني والقومي ، 1956، ص 53).

            تناقضات وأخطاء

وكانت مواقف الحزب الشيوعي متناقضة أحياناً، فبدلاً من يفكّر بالاستيلاء على السلطة استولى على الشارع وحاول احتكار العمل السياسي والنقابي تحت شعارات "لا حرية لأعداء الشعب"، و"لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية"، الأمر الذي جعله في تناقض آخر بينه وبين السلطة، متجهاً نحو اليسار إزاء الشارع، ومتوجهاً نحو اليمين إزاء الموقف من السلطة، باستعارة توصيفات الستينيات.

ومن جهة أخرى فقد جعلت تلك المواقف الحزب الشيوعي في تعارض مع غالبية قوى جبهة الاتحاد الوطني، وبالرغم من نفوذه الجماهيري الّا أن الشعور بالعزلة تسلّل إليه بالتدرّج إزاء علاقته بالقوى الوطنية الأخرى، بغض النظر عن مسؤولياتها هي أيضاً.

أعتقد، بقدر إخلاص قيادة الحزب الشيوعي للثورة وحرصها عليها، فإنها لم تكن على قدر من الوعي يؤهلها لرؤية متطلبات تطوير الثورة بالتعاون مع القوى الوطنية على برنامج حد أدنى، وعلى الرغم من اندفاعات القوى الأخرى وتكتّلها للإطاحة بحكم قاسم وفي فترة مبكرة زمنياً، لكن الممارسات السلبية للاستحواذ على الشارع وعزل الآخرين قادت إلى   أحادية ومحاولة تزعّم، بعد انفضاض جبهة الاتحاد الوطني، التي كان يمكن تجديد برنامجها بما يستوجب لمرحلة ما بعد الثورة، لكن جميع القوى لم تكن مدركة وواعية لما أقدمت عليه.

ومرّة أخرى أقول: إنه بقدر إخلاص قيادة الحزب الشيوعي ولاسيّما قيادة سلام عادل ونبله واستشهاده لاحقاً، فإن المرحلة السياسية وسياقها التاريخي، لم يؤهلاه ليتخذ مواقف أخرى، فذلك كان حدود مستوى التفكير السائد، فارتكب العديد من الأخطاء والممارسات السلبية وأعمال العنف والإرهاب، لاسيما ما حدث في الموصل وكركوك، وبقدر مسؤولية القوى الأخرى، كانت كبيرة جداً، إلاّ أنه لا ينبغي التقليل من المسؤولية التي تقع على الحكم والجماعات القريبة منه، لاسيّما الحزب الشيوعي، الذي كان عليه أن لا يلعب دور الشرطي لحكومة يمكنها أن تسائله على ارتكاباته حتى وإنْ سكتت عنها، ناهيك عن أن الارتكاب مدان بالأساس ومرفوض لإعتبارات سياسية وإنسانية وأخلاقية، وتحت أية مبررات، أوردت أمثلة كثيرة على ذلك في كتابي عن عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل"، لاسيّما بعض الحوادث التي يمكن الرجوع إليها.

كانت قيادة الحزب الشيوعي قبيل الثورة قد تمرّست في النضال والتضحيات في ظروف العمل السري، وحقّقت إنجازات مهمة منها توحيد الحزب العام 1956 وقيادة انتفاضة العام ذاته تضامناً مع الشقيقة مصر ضد العدوان الثلاثي، ثم تشكيل جبهة الاتحاد الوطني التي كان للحزب دوراً فعّالاً فيها العام 1957، كما تم الاتصال بمنظمة الضباط الأحرار، ومع قيادة الثورة تحديداً من قبل رشيد مطلك (الوسيط) بين الحزب وقاسم، وعقد اتفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي)، بعد رفض أحزاب الجبهة قبوله عضواً فيها بسبب مواقف بعضهم من القضية الكردية.

لكن العمل العلني فاجأ قيادة سلام عادل، التي اعتادت على العمل السري، ولم يكن لديها خبرة في شؤون الدولة والإدارة، ناهيك عن الأعداد الغفيرة التي انخرطت في صفوف الحزب، وأحدثت نوعاً من الإرباك لدى القيادة، التي تصرّفت بطريقة غير موحّدة، وببرنامج غير موحّد أيضاً، بل يمكن القول دون برنامج واضح ومحدّد، وتقاذفتها اتجاهات شتى، فمن جهة هناك تيار أقرب إلى  قاسم مثّله عامر عبدالله وما سمّي "كتلة الاربعة" لاحقاً التي ضمت زكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس الذي لم يكن فكرياً منسجماً مع الرفاق كما يقول آرا خاجادور في حواراتي المطوّلة معه، لكنه كان قد أبدى تحفّظات حول قيادة سلام عادل، وتيار آخر بقيادة الأمين العام سلام عادل وجمال الحيدري عضو المكتب السياسي والعدد الأكبر من اللجنة المركزية، الأمر الذي عطّل بعض قرارات اللجنة المركزية وأدخلها في صراعات جانبية كثيرة.

كان تشكيل قيادة الحزب ما بعد الثورة قد جاء من ثلاث روافد مهمة: الأول من السجون، حيث ضمّت سجناء قضوا سنوات طويلة في السجن مثل زكي خيري وعزيز الحاج وعزيز محمد وآرا خاجادور وهادي هاشم الأعظمي وبهاء الدين نوري وصادق الفلاحي وآخرين، والثاني من المنفيين الذين عادوا إلى  الوطن، مثل محمد حسين أبو العيس وعبد القادر اسماعيل وغيرهم، أما الثالث فمن المختفين عن الأنظار في "أوكار حزبية"، مثل سلام عادل وعامر عبدالله وناصر عبود وجمال الحيدري وآخرين، أي أن الجميع منقطع عن الحياة العامة، ولا علاقة له بتصريف شؤون الحكم أو الدولة، كما أن مستوى الثقافة كان متدنّياً إلى  حدود كبيرة، ناهيك عن نظرة ستالينية جامدة إلى  الحياة والمجتمع والتقدّم، كلّ ذلك أفرز تشدّداً وتطرّفاً مثلماً كان لدى القوى الأخرى، ولاسيّما من القوميين والبعثيين، بل أن الجميع شعروا أن المعركة هي معركة كسر عظم، وعليهم أن يتخلّصوا من الآخر قبل أن يتخلص منهم، أي أراد كل فريق أن يتغدّى بالفريق الأخر بدلاً من أن يتعشى به.

في هذه الأجواء لعب قاسم لعبته، فبعد تقريب الحزب الشيوعي واستثماره "ماشة نار" للقضاء على خصومه في الجيش، لاسيّما عبد السلام عارف، خصوصاً بحشوده المليونية وجماهيره الغفيرة وشعاراته الرنانة، لكنه استشعر الخوف وسعى لتحجيم دوره وإضعاف تأثيره منه لثلاثة أسباب:

السبب الأول هو تظاهرة الأول من أيار (مايو) 1959 والمطالبة: "الحزب الشيوعي بالحكم" للضغط على قاسم لتمثيل الحزب الشيوعي، ثم تنكّر واستنكر الحزب وقيادته بعد اجتماع موسع للّجنة المركزية هذه السياسة وشعاراتها. وقد رويت في مطالعتي عن آرا خاجادور ملابسات رفع شعار المطالبة بالحكم في المسيرة الشهيرة على الرغم من أن جريدة اتحاد الشعب كانت قد هيأت له منذ يوم 28 نيسان (إبريل)، ولكنه ظل شعاراً عاماً ولم تتخذ القيادة موقفاً موحداً بشأنه، بل أنها انساقت وراء الجماهير التي رفعته وبدلاً من توجيهها أصبحت تحت رحمتها (انظر : شعبان ، عبد الحسين - آرا خاجادور وزيارة التاريخ ، مقالة نشرت في صحيفة الزمان على ثلاث حلقات بين 28 و30/1/2016-  ورسالة مفتوحة إلى الراحل آرا خاجادور والمنشورة في صحيفة الزمان العراقية في 9/12/2017) .

 

 

4

 

الرجعية جزء من مذبحة كركوك وتراجع الحزب الشيوعي

عن المشاركة في حكومة تموز 1958 بإيعاز من السوفييت

علماً بأن جريدة الحزب" اتحاد الشعب" كانت قد مهّدت لهذا الشعار حين حملت مقالة باسم " هيئة التحرير" (يوم 28 نيسان/أبريل/1959) عنواناً " إشراك الحزب في الحكم ضرورة وطنية" ووردت فيه دعوة وإن كانت على استحياء لإعادة النظر في تركيب السلطة السياسية... على أساس مبدأ التمثيل الصادق لسائر القوى الوطنية المخلصة ونبذ الحساسية إزاء حزبنا . وتبعت هذه المقالة مقالتان في يومين متتاليين (انظر" نجم محمود (ابراهيم علّاوي)- المقايضة: برلين - بغداد، منشورات الغد، لندن، 1991، ص 305 و306) وهو الأمر الذي اضطّر الحزب للتراجع عنه في اجتماع أواسط تموز/يوليو العام 1959 . 

ولم يكن ذلك بمعزل عن تدخل موسكو كما تقول بعض التقديرات وينقل ابراهيم علّاوي (نجم مجمود) أن لغطاً كثيراً حصل حول دور جورج تلّو الذي كان يعالج في موسكو إثر إصابته في حادث غامض راح ضحيته غازي أبو التمن، وحين عاد إلى بغداد كلّف بنقل رأي السوفييت بضرورة التراجع عن هذا التوجه، وكان بهاء الدين نوري قد كتب في " جريدة صدى القاعدة، العدد 4، أيلول/سبتمبر/1989" عن التدخلات السوفييتية السافرة لحمل قيادة الحزب الشيوعي العراقي على اتباع نهج يميني خاطئ إزاء سلطة قاسم، ولاسيّما المطالبة بالمشاركة في الحكم (أيار/ مايو/1959) .

وكانت جريدة البرافدا قد نشرت تقرير الاجتماع الموسع (أواسط تموز/ يوليو/1959) على صفحاتها يوم 17 آب/أغسطس/1959 مشيدة بأهميته واستحسنت توجهاته، (انظر كذلك: ابراهيم علّاوي- المقايضة، مصدر سابق، ص 320-321) ولا شك أن السوفييت غيّروا رأيهم بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963، بل وحاولوا الظهور بمظهر الناصح لسلام عادل، ونقلاً عن أحد المنظّرين (العلماء) السوفييت المشارك في الحوار حول الصراع الداخلي في الحزب الشيوعي السوري، يذكر: قلنا لسلام عادل: لا تعلّقوا آمالكم على قاسم وهكذا جرى، مات قاسم وأضرّ بالحزب..." ولم يكن ذلك صحيحاً حسبما يؤكده العديد من الوثائق ومن عاصر تلك المرحلة من موقع المسؤولية (حديث خاص مع بهاء الدين نوري- نوكان/ ناوزنك/كردستان/آب/أغسطس/1982).

والسبب الثاني ما حدث في الموصل من أعمال قمع وتنكيل أعقبت حركة الشواف واتّهم بها الحزب الشيوعي لاسيما "محكمة الدملماجة" الشهيرة حين تردّد اسم "عبد الرحمن القصاب"، عضو اللجنة المحلية في الموصل الذي قيل أنه كان يستلم التعليمات من مهدي حميد وبإشراف من حمزة سلمان الجبوري (عضو اللجنة المركزية)الذي كان موفداً من المكتب السياسي لهذه المهمة والذي كان يحمل رسالة خطية من المكتب السياسي كتبها له جمال الحيدري بتوجيه من سلام عادل، مفادها إنزال الضربات بالخصم بأقسى ما يمكن، وقد عرضها في اجتماع اللجنة المركزية عندما أريد محاسبته على التشدّد وأعمال العنف، وقد ألقي القبض عليه لاحقاً في زمن قاسم وأرسل إلى  سجن نقرة السلمان، ثم استدعي بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 حيث قتل تحت التعذيب مثلما قتل مهدي حميد أيضاً بنفس الطريقة، انتقاماً وثأراً.

أما بخصوص محكمة الدملماجة التي تم تشكيلها بعد فشل حركة الشواف (آذار/مارس/1959) فقد تم إعدام 17 شخصاً دون محاكمة، ووفقاً لقرار محكمة صورية سمّيت ثورية، وتم تنفيذ حكم الاعدام بهم على الفور، ناهيك عن أعمال عنف واعتقالات وتعذيب، ثم إنقلب الأمر على الشيوعيين في الموصل وألحق بهم من الخسائر والاغتيالات الشيء الكثير، وقد يكون فاق ما لحق بالآخرين خلال حركة الشواف وتمرّده ضد حكم قاسم.

والسبب الثالث أحداث كركوك التي استفزّت عبد الكريم قاسم، فوصفها بالفوضوية في خطابه الشهير بكنيسة مار يوسف، ويومها قال قاسم (أن تلك الأعمال تذكّر  بأعمال هولاكو)، ولعلّ اندفاع الحزب الشيوعي مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، في صراع ضد التركمان، لم يكن له من مبرّر، الأمر الذي يعزوه البعض إلى  أن قيادة منظمة كركوك للحزب من الكرد، بما يضفي على الصراع بُعداً قومياً، لاسيّما في ظل بعض المشكلات والحساسيات في الماضي، تلك التي أصبحت تعبيراتها اليوم مختلفة، وإن كان جزء منها يعود إلى  الماضي.

وقد ذكرت العديد من المصادر أن عدد القتلى بلغ 31 تركمانياً وتجاوز عدد الجرحى نحو 130 وتم نهب 70 محلاً تجارياً وقد جاءت هذه المجزرة المروعة بعد الأحداث المأسوية التي حصلت في الموصل وفي ظلّ أجواء مشحونة لكن قيادة الحزب لم تعالج مثل هذه القضايا ببعد نظر ورؤية مستقبلية ونظرة حقوقية وإنسانية.

وعلى الرغم من التبريرات التي قيلت عن التدخلات الخارجية ودور مشبوه لشركات النفط ، وهو موجود فعلاً وليس مبالغة، لكن سقوط ضحايا والقيام بارتكابات ليست بمعزل عن مسؤولية القوى المتنفّذة، لاسيّما القريبة من الحكومة، دون استبعاد أن بعض القوى الرجعية كانت جزءًا من المشكلة،  لكن الأمر تجاوز ما حصل في تظاهرة 14 تموز (يوليو) العام 1959، الأمر الذي لم يتم التوقّف عنده ونقده على نحو جريء، وقد ساهمت أحداث كركوك الدموية في سوء العلاقة بين قاسم وبين الحزب الشيوعي وإلى حدّ ما بينه وبين الحركة الكردية. وكان ينبغي على قيادة سلام عادل اتخاذ موقف حازم إزاء المسؤولين ومحاسبتهم وعدم ترك الحبل على الغارب كما يقال.

وإذا كان اعتراف قيادة الحزب في العام 1959 وفي خضم الصراع وذروته أن ثمة "عناصر مندسّة استثمرت بعض الاندفاعات وساقتها في اتجاهات تدميرية أحياناً" وإن: "لجوء بعض الجماهير المتأخرة سياسياً إلى أساليب السحل وتعذيب الموقوفين ونهب الممتلكات والتجاوزات على حقوق وحرّيات بعض المواطنين الأبرياء هو أسلوب لا يجمعه جامع مع الكفاح الثوري" ، ولذلك كان عليها الاعتذار عمّا حصل للضحايا وعوائلهم وهو ما يزال مطلباً لدى التركمان تجدّدت الدعوة له في العام 2009 في ذكرى 14 تموز (يوليو). وما ينطبق على أحداث كركوك يمكن أن ينطبق على أحداث الموصل، لاسيّما في الموقف من الضحايا الأبرياء والقتل خارج القضاء.

            بداية حقبة الدماء وليس نهايتها

كان عبد الكريم قاسم بقدر وطنيته سياسياً فاشلاً، فقد اتّجه بالحكم نحو الفردية والارتجال وتدريجياً أصبح دكتاتوراً فردياً، وإذا كانت النزعة الثأرية، الانتقامية، الكيدية قد سادت بعد الثورة، لاسيّما من خلال محاكمات المهداوي لأقطاب العهد الملكي، لكن قاسم وخصوصاً بعد الأحداث الدموية في الموصل وكركوك بدى أقل دموية، بل أصبح ميّالاً إلى  التسامح " عفا الله عما سلف"، حيث أطلق سراح الرئيس عبد السلام عارف بعد الحكم عليه وأطلق سراح من شارك بمحاولة اغتياله وإطلاق الرصاص عليه في شارع الرشيد. لكن سياسته أدّت إلى  تقسيم الحركة الوطنية ودفعت بها إلى  التناحر بين أطرافها، وأظنّ أن الخطأ، بل والخطيئة التي وقع بها هي إعدام الجنرالين ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري، وهما من قادة الثورة، وذلك بعد حركة الشواف في الموصل، علماً بأنهما لم يكونا مشاركين في محاولة التمرد تلك، وقد يكون ذلك الأمر هو الذي دفعه للتفكير بطريقة مختلفة، لاسيّما إزاء العقوبات الغليظة .

باختصار لم يكن لقاسم أي مشروع للتغيير الداخلي فقد تنكّر لوعوده بانهاء فترة الانتقال وإجراء انتخابات وسن دستور دائم، لاسيّما بعد منجزات الثورة في العام الأول، وخصوصاً الخروج من حلف بغداد ونظام الكتلة الاسترلينية وإبرام معاهدات واتفاقيات اقتصادية مع الدول الاشتراكية، وحتى القوانين والقرارات التي اتّخذها بشأن مسألة النفط وغيرها ظلّت عائمة في ظلّ سياسة التفرّد بالحكم ومعاداة جميع القوى الوطنية، ناهيك عن التخبّط بخصوص قضية مطالبته بالكويت أوموقفه من الحركة الكردية وحقوق الشعب الكردي.

وأظنّ أن ما عاناه العراق من فترة حكم قاسم تركت انطباعاتها على العقود اللاحقة، حتى أن البعض ما يزال يفكّر ومن جميع الأطراف بعقلية العام 1959 وما بعده (لاحظ ما ينشر أحياناً)، لاسيما التناحر والانشقاق الذي حصل في صفوف الحركة الوطنية العراقية.

            لماذا سقط عبد الكريم قاسم؟

يمكنني القول أن هناك أربعة أسباب أساسية أدّت إلى  الإطاحة بنظام قاسم:

السبب الأول مطالبته بضمّ الكويت في العام 1961، وهذه أشبه بحكاية مشؤومة دفع العراق ثمنها لاحقاً بمغامرة صدام حسين العام 1990 بغزو الكويت، الأمر الذي ساهم في تدمير العراق وفرض حصار دولي عليه دام 13 عاماً، ومن ثم احتلاله في العام 2003، وقد كانت مطالبة قاسم تعني فيما تعنيه اللعب لتغيير الجيولوليتيك في منطقة ستراتيجية وغنيّة بالنفط وجزء من مناطق نفوذ القوى الغربية، وهو أمر غير مسموح به، بل محرّم في إطار السياسة الدولية.

السبب الثاني إصداره قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 الذي منح المرأة بعض حقوقها فيما يتعلّق بقضايا الزواج والطلاق والنفقة والنسب والوصية والإيصاء والإرث وقد اعتبر عقد الزواج رضائياً بين رجل وامرأة تحلّ له شرعاً وغايته إنشاء رابطة مشتركة للحياة واعتبر كذلك كل شكل من أشكال الإكراه جريمة، وحدّد السن القانوني بالثامنة عشر من العمر واشترط تسجيل عقد الزواج لدى محاكم الأحوال الشخصية، وبخصوص الطلاق فيحق طلبه إذا كان الزوج قد تزوّج بامرأة أخرى دون إذن المحكمة أو تسبب في ضرر مستحكم أو حكم عليه بعقوبة تزيد عن ثلاث سنوات أو هجر زوجته لمدة سنتين أو بسبب المرض أو العنّة أو غير ذلك.

وجاء في الأسباب الموجبة في تشريعه هو: تعدّد مصادر القضاء واختلاف الأحكام ما يجعل حياة العائلة غير مستقرّة وحقوق الفرد غير مضمونة. وقصد من ذلك إنصاف المرأة، ليكون القانون واقعاً يجمع أهم الأحكام الشرعية المتفق عليها. فسخّرت الأوساط الدينية والتقليدية والرجعية كل قواها ضده وعملت للإطاحة به.

وقد استثمرت الجماعات القومية فتوى السيد محسن الحكيم "الشيوعية كفر وإلحاد" فحشدت القوى ضد نظام قاسم والشيوعيين، لاسيّما في إطار غطاء ديني. ومن الطريف أن محاولة جرت خلال مجلس الحكم الانتقالي للإطاحة بالقانون الذي جرى تسويف بعض مواده وتجميدها من الناحية العملية، وتم التصويت على إلغائه، لكن بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق لم يصدّق على ذلك، وطلب إعادة مناقشته والتصويت عليه، فكانت النتيجة الإبقاء عليه.

والسبب الثالث- إصدار القانون رقم 80 لعام 1961 بخصوص استعادة 99.5 % من الأراضي العراقية من شركات النفط الاحتكارية، بحجب "حقها" بالتصرف غير القانوني في التنقيب. وقد فتح هذا القرار معركة ضارية ضده وتآمراً لا حدود له على نظام قاسم من جانب القوى الاستعمارية، التي تلقّت ضربة أخرى عند تأميم النفط العام 1972، الأمر الذي جعلها لا تستكين ولا تستسلم حتى تم إلغاء نتائجه على الرغم من أن موارده ذهبت لمغامرات عسكرية وأجهزة أمنية وثم تبديدها بشكل لا عقلاني، وزاد الأمر عندما تعرضت بعد العام 2003 للسرقات وعمليات النهب والابتزاز.

والسبب الرابع حرب قاسم ضد الثورة الكردية التي بدأت في 11 أيلول (سبتمبر) 1961 بشروعه بقصف مناطق البارزانيين، الأمر الذي فتح معركة مع الأكراد، وقبلها بالطبع كانت معركته مع نظام عبد الناصر والقوميين والبعثيين، ناهيك عن تدهور علاقته مع الحزب الشيوعي وملاحقة قياداته وكوادره.

كل ذلك مهّد للإطاحة بقاسم في 8 شباط (فبراير) العام 1963 ومعه أطيح بما تبقى من مكتسبات الثورة. جدير بالذكر أن عدم حل المشكلة الكردية بشكل عادل ويلبي طموحات الكرد، كان أحد أسباب ضعف الدولة العراقية واختلالها منذ تأسيسها، وكان عامل هدر وإنهاك للأنظمة العراقية الملكية والجمهورية.

إن ما سمّي بفترة "المدّ الثوري" أو "المدّ الأحمر" أو "الهيمنة الشيوعية"، لم يكن المقصود منها أخطاء الحزب الشيوعي وما ارتكبه في الموصل وكركوك ومحاولته الانفراد بالشارع، ولاسيّما بعد القضاء على حركة الشوّاف وملاحقة القوى القومية والبعثية فحسب، بل لأن الفترة القصيرة من " شهر العسل" التي ذاق فيها الحزب السلطة أو شمّ رائحتها شهدت طائفة من الإجراءات  الثورية المهمة، فقد حققت خلال تلك الفترة القصيرة ما يلي:

1- انسحاب العراق رسمياً من حلف بغداد في 24 آذار (مارس) 1959.

2- إيقاف مفعول الاتفاقية العراقية- البريطانية في 4 نيسان (أبريل) 1959.

3- مغادرة آخر مجموعة من الجنود والضباط البريطانيين الأراضي العراقية في 30 أيار/مايو/1959.

4- ارتفاع علم العراق على قاعدتي الحبائية والشعيبة الجويتين.

5- فسخ الاتفاقيات الثلاث مع الولايات المتحدة التي وقعها العراق بين عامي 1954و1955 والمتعلقة بـ " المساعدة" العسكرية واستخدام العراق للأسلحة والمعدّات الأمريكية واستخدام " المساعدة الاقتصادية" على أساس مبدأ أيزنهاور.

6- خروج العراق من الكتلة الاسترلينية (منطقة الاسترليني) في حزيران/يونيو /1959.

(انظر: كتاب تاريخ الأقطار العربية المعاصر، أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي، معهد الاستشراق، دار التقدم، ج1، 1976، ص 329-331 ) محاولة تقييم حكم قاسم 1958-1963.

وبالطبع فثمة أسباب أخرى للإطاحة بحكم قاسم داخلية وخارجية كي لا يكون نقطة استقطاب وتأثير لبعض شعوب المنطقة، ولذلك سعت القوى الإمبريالية لإعادة حصان تموز الجامح إلى الحظيرة وعملت ما في وسعها لتفريق القوى الوطنية، خصوصاً وأن مصالحها تضرّرت بسبب الإجراءات التي اتبعتها حكومة الثورة فضلاً عن خطوات داخلية مثل الإصلاح الزراعي.

            سلام عادل وجماعة المبدأ

            شرع " الزعيم " عبد الكريم قاسم بإعلان رغبته في تنظيم الحياة الحزبية بعد انفجار الأزمة مع القوميين واستقالة وزرائهم في شباط/فبراير/1959 وهم:  ناجي طالب والدكتور عبد الجبار الجومرد وبابا علي الشيخ محمود والدكتور محمد صالح محمود ومن ثم محمد صديق شنشل وفؤاد الركابي  واتساع أزمة الحكم مع الشيوعيين بعد خطابه في كنيسة  مار يوسف ( 29/7/1959) الذي اتهم فيه الشيوعيين "بالفوضوية" ونسب إليهم ما حدث من أعمال إرهاب وقتل خارج القضاء بحقّ التركمان في كركوك (14-15 تموز/يوليو/1959)  وكان هذا الخطاب بمثابة إعلان عن نهاية ما سمّي بـ " المدّ الثوري" أو المدّ الأحمر"، الذي استمرّ 4 أشهر ونصف تقريباً.

            ولعلّ واحداً من تجلّيات التعبير عن الأزمة هو شعور الحزب الشيوعي بأنه غير ممثل بحكومة الثورة ومطالبته في مسيرة الأول من أيار/مايو/العام 1959 بالمشاركة في الحكم وتوجّس قاسم خيفة من تمدّد نفوذه، الأمر الذي زاد من حدّة التناقض بين قمة السلطة وقاعدتها.

            وكان قاسم قد فكّر بمخرج من أزمة الحكم بالدعوة إلى تنظيم الحياة الحزبية، وقام وزير الداخلية (أحمد محمد يحيى) بالطلب من الأحزاب السياسية التقدّم للحصول على الترخيص القانوني لممارسة العمل الحزبي بصورة شرعية (مطلع العام 1960) تمهيداً لإنهاء فترة الانتقال التي كرّر "الزعيم" عبد الكريم قاسم عدّة مرّات رغبته في إنهائها، ولم تنتهِ حتى انتهى حكمه بانقلاب 8 شباط (فبراير) 1963.

            لقد شهدت الفترة التي أعقبت حركة العقيد عبد الوهاب الشوّاف تصعيداً ضد القوميين والبعثيين، كما أصدرت محاكمة الشعب أحكاماً بالإعدام بحق مجموعة من الضباط والمشاركين بالحركة بينهم اثنين من قادة ثورة 14 تموز/يوليو/1958 وهما ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سرّي، على الرغم من أن التحقيقات والمحاكمات لم تثبت اشتراكهما المباشر بالحركة ، لكن الضغوط التي مورست على قاسم والأجواء المهيمنة على الشارع  دفعت الأمور بهذا الاتجاه، ويبدو أن قاسم ندِم على تنفيذ أحكام الإعدام، ولم يستطع حينها مقاومة الكتل البشرية التي كان يموج بها وتذكّر بعصر المداخن ، فاضطرّ نزولاً عند صخب الشعارات التي كانت أصداؤها تتصاعد في كل مكان: " لا تكول ما عندي وقت أعدمهم الليلة"، أي لا تبرّر تأخير حكم الإعدام بحق الذين صدرت أحكاماً بحقهم، بل أعدمهم هذا اليوم، فأقدم على تنفيذ الأحكام.

5

 

أهم خدمة تقدم للعدو

هو إخفاء أخطاء الحزب
 والزعم بصواب سياسة قياداته

 

            ويروي عبد اللطيف الشوّاف عن حالة قاسم بعد إعدام الطبقجلي والحاج سرّي، فيقول إنه من فرط حزنه وتأثّره أصيب بنوع من الانهيار والخلل العصبي ، وقد سمع أنه في إحدى المرّات في وزارة الدفاع طلب ثلاث أقداح للشاي وأمر بوضع واحد للحاج سرّي وآخر للطبقجلي والثالث له، لمشاركتهما في احتساء الشاي في جزء من توهماته وحالة الاضطراب النفسي  التي عاشها، على الرغم من أنه كان يردّد أنّهما دقّا اسفيناً في الثورة وهما وراء موقف عبد الوهاب الشوّاف، ولولا تحريضهما وإسنادهما له لما أقدم على ذلك، لكنها انسحبا بعد ذلك وتركا الشوّاف يلاقي مصيره وحده .

            ويقول عبد اللطيف الشوّاف الذي أصبح وزيراً لدى قاسم إن إعدام الطبقجلي والحاج سرّي كان مأساة حقيقية لعبد الكريم قاسم الذي استمر لبضعة أيام عصبياً وحزيناً وبائساً مثلما بقي الفريق محمد نجيب الربيعي رئيس مجلس السيادة في حالة حزن وتردّد وقرف من الوضع الذي آلت إليه الثورة .

             وكان تبرير قاسم بعد حين أنهما لم يتركا له خياراً إلّا تنفيذ حكم الإعدام. وكنت قد استمعت إلى روايته تلك لأول مرّة في القاهرة  في مطلع العام 1971 حينما كنت أحضر مؤتمراً بمناسبة ميلاد الزعيم العربي جمال عبد الناصر وذلك بعد وفاته بنحو 4 أشهر أقيم في جامعة القاهرة، وقدمت  فيه بحثاً بعنوان: "عبد الناصر وحركة التحرر الوطني العربية".

            (انظر: عبد اللطيف الشوّاف- عبد الكريم قاسم وعراقيون آخرون، ذكريات وانطباعات، دار الورّاق، لندن - بيروت، ط1، 2004، هامش ص 88 و89 ويمكن مراجعة كتابنا: عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل، مصدر سابق، ص 64 و65 وما بعدهما).

            واستغل قاسم الصراعات الداخلية في الحزب الشيوعي، وخصوصاً بين سلام عادل وكتلة الأربعة المشار إليها، ووجود مشاكل أخرى مع عضوين من اللجنة المركزية هما سليم الجلبي ( الذي كان عضواًمركزياً في الخمسينات) وداوود الصائغ وهو أحد مثقفي الحزب وكان عضواً قيادياً وشارك في حركة تكتلية في الخمسينات عُرفت باسم "رابطة الشيوعيين" التي تم حلّها بعد توحيد الحزب أسوة بالمجموعات الأخرى ، حيث تم اعتراف متبادل بالأخطاء، بما فيها تخطئة إدارة بهاء الدين نوري وحميد عثمان التي اتخذت إجراءات متشدّدة بحق عدد من الرفاق القياديين وخطوات سياسية طائشة.

            أقول استغلّ قاسم الوضع الداخلي في الحزب فاستمال داوود الصائغ وأوحى له بالتقدّم بإجازة باسم الحزب الشيوعي واستجاب الأخير لهذا الإغراء مدفوعاً بمشاكله مع إدارة الحزب وشعوره بالغبن، وحين تقدّم الحزب الشيوعي (الأصل ) بطلب الحصول على الإجازة القانونية، على الرغم من استيفائه للشروط، رُفض طلبه بزعم وجود حزب آخر بالاسم ذاته، فاضطر الحزب إلى استبدال اسمه إلى " اتحاد الشعب" اسم جريدته المركزية، ولكن وزارة الداخلية رفضت طلبه مرّة أخرى بدعوى أن أهدافه قريبة من أهداف الحزب الشيوعي (جماعة المبدأ- داوود الصائغ) .

            وكان طلب الحزب الأصلي قد تقدّم به زكي خيري أكبر الأعضاء سناً، الذي كان حينها وبعض إدارات الحزب أكثر مقبولية لدى قاسم من سلام عادل، ولذلك لم يدرج اسمه ضمن الهيئة المؤسسة بسبب تشنجات قد حصلت بينه وبين قاسم إثر مقابلة نظمها له عامر عبدالله وهو ما ترويه ثمينة ناجي يوسف في كتابها (سلام عادل- سيرة مناضل، جزءان، مصدر سابق).

            وقد اتخذت قيادة سلام عادل سلسلة من الخطوات التكتيكية  لسحب ثقة  الجمهور بجماعة المبدأ وإظهاره بمظهر المؤسّس من السلطة ذاتها، وكانت عملية الاختراق قد حصلت بأن أرسلت إدارة الحزب إلى داود الصائغ عدداً من الكوادر للانضمام إليه، وحين أعلن عن أسماء الهيئة المؤسسة انسحب هؤلاء بصورة جماعية بحيث فقدت الهيئة المؤسسة شرعيتها المطلوبة ضمن إطار قانون تنظيم الحياة الحزبية، وحين تم استبدال الأعضاء المنسحبين بأعضاء جدد وأعلنت الأسماء مجدداً، انسحب هؤلاء مرّة أخرى لإحراج قاسم من جهة والصائغ من جهة أخرى، وهكذا أصبح الحزب الذي حظي بدعم السلطة مصدر تندّر وحينها ظهرت نكتة الحزب الشيوعي لصاحبه  (؟)

            لكن سلام عادل لم يكتفِ بهذا القدر من التكتيك، بل حاول فتح حوار مع الصائغ نفسه لإقناعه بخطأ توجهه ودعوته للتنسيق مع الحزب والاستفادة من منبره العلني، لاسيّما بعد أن زاد حجم التضييق على الحزب واعتقلت السلطات المئات من كوادره وأعضائه (قيل إن العدد كان عشية انقلاب 8 شباط/فبراير/1963 خمسة آلاف معتقل) وتم الاتفاق سرّاً معه على أن يدعم الحزب جريدته " المبدأ" ويقوم كادر من الحزب بتحرير موادها الرئيسية، وهكذا عمِلَ الحزب ظلّاً لجريدة المبدأ.

            أتذكّر هنا حدثاً شخصياً مؤثراً بالنسبة لي، فقد كان موسى مشكور أحد أعضاء الهيأة المؤسسة لحزب داود الصائغ موظفاً لدى جدي الحاج حمود شعبان (في خان شعبان  في سوق المرادية للتجار ببغداد) وقصته كالتالي : فقد كان قد خرج من السجن بعد استشهاد شقيقه مهدي مشكور في سجن بغداد العام 1953، ويروي عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)  في كتابه "من أعماق السجون في العراق" الذي نشره باسم مستعار (محمد راشد) في العام 1955 ، أن الرفيق مهدي ظلّ يردّد في اللحظات الأخيرة " أني ما أريد أروح ... ما أريد ... أنا شاب أريد أن أبقى معكم يا رفاق... أنا شاب عمري عشرين " لكنه فجأة بدأت تتغير ملامحه حيث كان مصاباً  بجرح إثر هجوم الشرطة على السجن، ثم توفى .

            كان والد موسى مشكور شيخ  معمم قد طلب من  جدي إيجاد عمل لموسى مشكور لديه  في الخان حيث كان يعمل في تجارة  الأقمشة بالجملة، ولاسيّما بالاستيراد ، لأنه من الصعب عليه الحصول على عمل، خصوصاً لعدم تمكّنه من الحصول على شهادة " عدم محكومية" التي عُرفت لاحقاً " تحقيق هوّية" ، ووافق جدي شريطة ألّا يقوم بأي نشاط سياسي خلال عمله في الخان، واستمر هو في العمل حتى الثورة، وظهر كمسؤول للأسواق التجارية، ثم برز ككادر قيادي  في الهيأة المؤسسة لجماعة الصائغ (العام 1960).

            لم يعرف أحد منّا خطة سلام عادل لتفليش " جماعة الصائغ" ولذلك تقاطر على الخان، في محاولة لثني موسى مشكور عن انضمامه إلى الصايغ،عدد من الأقارب بينهم  شوقي شعبان وحسن شعبان وناهض شعبان ووهاب شعبان ومعين شعبان ونعمان شعبان  وكان عدد من الأصدقاء يتساءل عن أبعاد تلك " الخطوة" مثل عبد الواحد الخلف والمحامي عبد الوهاب عباس وصادق الحسني وحسين خليفة ومنعم الصائغ  وحسين قويزي وعلي الغرباوي وآخرين . وكنّا جميعاً نحاول أن نقنعه بالانسحاب من الجماعة أو نفهم مبرراته على الأقل، ولم يكن يردّ علينا سوى بابتسامات مبهمة وأجوبة غامضة أكثر منها إفصاحاً عن موقف، حتى إن خالي ناصر شعبان  سأله مرّة وبحضور خالي رؤوف وخالي جليل ووالدي عزيز شعبان: ما سبب اختياره الصائغ وتفضيله على الحزب الأصلي الذي كان بعنفوانه وألقه، فلم يسمع منه سوى إجابات مبهمة وهي تنمّ عن اختيار له ظروفه وخصوصياته، وأن الأمر متروك للزمن!.

            وحين تم انسحاب الغالبية الساحقة من الهيأة المؤسسة في المرّتين الأولى  والثانية وانكشفت اللعبة فهمنا ذلك، وكنّا قد عرفنا في وقت لاحق خطة الحزب، وكان هو يضحك ويحمرّ وجهه ويردّد آن الأوان لتعرفوا الحقيقة.

            وبالمناسبة فقد كانت اللجنة المركزية أو المكتب السياسي تجتمع أحياناً في منزله بالكاظمية قرب الكورنيش، وقد اضطر إلى الهرب في اليوم الأول لانقلاب 8 شباط/فبراير وبعد عدّة أشهر ظهر في السعودية يؤدي فريضة الحج ويرتدي العمامة البيضاء، وقد التقاه هناك موسى شعبان وأبلغنا بذلك، ثم انتقل إلى الكويت وعاش فيها لغاية الغزو العام 1990، وكنت قد التقيته في الكويت أول مرّة العام 1965 مع خالي المحامي جليل شعبان، ومرّة أخرى في العام 1970 حين اضطررت الهرب إليها بعد ملاحقتي. وقد لاحظت اتساع أعماله، لاسيّما بعد أن تعرّف على أحوال السوق مثلما عرف التجار الكويتيون أمانته ودقة عمله، ولكنه خسر الكثير من أمواله وممتلكاته، بعد غزو القوات العراقية للكويت في العام 1990، وصادف أن كان حينها في لندن، وقد التقيته فيها، ثم في الولايات المتحدة حيث يعيش في ساندياغو واستضافني فيها وكان حين يسألونه عن العلاقة بيننا يردّد وبكل تواضع " أنني تعلمت التجارة في بيت شعبان" (حديث خاص مع موسى مشكور، ساندياغو،1998  وقد استعد معه بعض تفاصيل تلك الفترة).

            أعود إلى اتفاق للظل مع داود الصائغ لتحرير المبدأ التي كانت تصدر بصورة علنية، حيث أوكل سلام عادل الأمر إلى بديع عمر نظمي وهو أحد مثقفي الحزب حينها وقد نشر وترجم العديد من الكتب المهمة وعدنان البراك أحد المثقفين والإعلاميين البارزين في الحزب وقتذاك وقد استشهد العام 1963 ومجيد الراضي وهو شاعر ومثقف وابراهيم الحريري وكان يكتب عموداً في صحيفة اتحاد الشعب باسم " صديق حمدان" أو " حكايات حمدان" وتكفّل الحزب حسب رواية الحريري بكل شيء يتعلّق بمكتب جريدة المبدأ، عدا الحارس الذي كان موظفاً مرسلاً من الأمن (حديث خاص مع ابراهيم الحريري، دمشق، 1984).

            ولعلّ حكاية جريدة وحزب المبدأ تصلح وحدها للتأكيد على العقل الديناميكي لسلام عادل والحيوية البالغة التي يتمتع بها، وكذلك على المرونة العالية التي يتحلّى بها مع المبدئية وبُعد النظر، وخصوصاً في تشخيص الجوهري من الأشياء والقضايا.

النقد والنقد ثم النقد

للأسف لم يراجع تاريخنا بما فيه الكفاية، ولم تسلّط الأضواء على أخطائنا ونواقصنا، وغالباً ما زعمنا إن العدو سيستفاد منها، ولذلك حاولنا أن ندثّرها بأكثر من غطاء لكي لا يطّلع عليها المتربّصون بنا في ظل صراع محموم، وهكذا كانت تتكرّر وتتناسل تلك الأخطاء والنواقص، لأنه لم يتم كشفها ومساءلة المسؤولين، ولم يسهم النقد في كشف أخطاء الماضي، الاّ بحدود الصراعات الدائرة، بين هذا الطاقم القيادي أو ذاك، وتصفية حسابات بين الفرقاء، أما التاريخ فقد ظل "صامداً" ككتلة صمّاء، لا يمكن الاقتراب منها، وقد يكون بعضهم مسؤولاً عنها، والآخر لا يريد ذكر الحقيقة ويخشى الاقتراب منها، لأنها تتعلّق بفترة سكوته وصمته لسنوات طويلة، اعتاد فيها على تلقّي التعليمات وإعطاء الأذنين الصاغيتين دائماً.

لم نلحظ هناك من نقد حقيقي لتاريخنا، خصوصاً مسلّمات الماضي وعيوبه، لاسيّما إذا كان المعنيون قريبين من الطاقم الإداري أو من متفرّعاته، وحتى حين كُتبت الكثير من المذكرات، ظلّت الكثير من العقد الأساسية دون مساس، وإن جرى التعرّض لها، فمن باب إلقاء الحجة على الآخرين، وفي أحسن الأحوال سمعنا نقداً مثيراً للشفقة، لمن يقول أنه يتحمّل المسؤولية وهو بالطبع كذلك، لأنه كان على رأس الهرم أو من المحيطين به أو من حواشيه.

والغالب الأعم يتحدّث هؤلاء باستمرار عن  صواب سياستنا التي أثبتها التاريخ، والدفاع عن نقاوة النظرية وإن كان الأمر معكوساً، ففي تاريخنا بعض المطبّات والانحرافات التي علينا مراجعتها مثلما فيه الكثير من الإشراقات والإيجابيات التي يمكن استلهامها، كما لا يكفي الحديث عن إننا نمتلك "أعظم" نظرية في العالم، علماً بأنها لا ينبغي أن تكون بمعزل عن البراكسيس، وفي حين نحن تركنا المنهج، حوّلنا التعاليم النظرية إلى نصوص مقدسة وتشبثنا ببعض الأحكام والتطبيقات أو الممارسات التي كانت تصلح لعهود مضت، في حين علينا استنباط الأحكام التي تتلاءم مع ظروفنا ودرجة تطور مجتمعاتنا.

لاحظتُ إن جميع القوى السياسية " الشمولية" سارت بالاتجاه ذاته، فحزب البعث أو الجماعات المتبقّية منه تتحدّث عن كل شيء باستثناء صدام حسين، وغالباً ما ينزّه ويمجّد، وإنْ جرى الحديث عن الارتكابات والجرائم، فهي ليست سوى أخطاء هناك من يقوم بها، وقد لا يعرف بها "الرئيس" وإذا انتقدت توجّهاتهم وحاورت في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، فإنك ستكون حاقداً أو مشبوهاً وفي أحسن الأحوال فإنك جاهلٌ.

أما القوميون العرب فلا يمكن المساس باسم جمال عبد الناصر أو حتى نقده، فالنقد سيضعك في خانة العداء للقومية العربية أو في صف "الشعوبية"، وحتى لو ذكرت مشروعه السياسي بملاحظات أو آراء، بخصوص قضية الحريات ووحدانية التنظيم السياسي وملاحقة اليسار وهزيمة 5 حزيران/يونيو/العام 1967، فإن ذلك ليس سوى تفاصيل بالنسبة لهم، إذْ لا يمكن المساس باسم الزعيم " الخالد" والأمر يتعلق بغياب النقد الذاتي، وعدم قبول نقد الآخر.

ولم نسمع نقداً للمشروع الإسلامي من داخله، باستثناء مناكفات في فترة المعارضة بين جماعات سياسية، وإلاّ فإن المرجعية "مقدسة" والتعرّض لها سيجعلك في عداد الملاحدة أو من يتنكّرون لدورها التاريخي، وأحياناً تعتبر من طائفة أخرى، حتى لو كنت من صلب الانتماء الديني أو المذهبي، ضمن التصنيفات السائدة. صحيح إن بعض الارهاصات النقدية قد بدأت، لكنها ظلّت أقرب إلى نقر في السطح وليس حفراً في العمق، حسب تعبير ياسين الحافظ بتوصيفه للثورة.

وإذا كانت الحركة الكردية قد عصفت بها رياح عاتية من داخلها، وواجهت نقداً حاداً وشديداً، وصل حدّ الاتهامات، فإن هذا النقد غالباً ما يطوى على حساب المصالحات السياسية الظرفية، وبذلك يضيع النقد الموضوعي الذي هو حاجة ماسّة وضرورية للتطوّر والتقدّم، وأحياناً تضيق بعض القوى الكردية بالنقد حتى إذا كان انحيازك لصالح الشعب الكردي وحقوقه العادلة والمشروعة، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره، مثلما هناك تواطؤ أحياناً بخصوص علاقاتها الخارجية مع القوى الدولية بما فيها المعادية لمصالح شعوبنا فما هي المصلحة من السكوت أو تبرير علاقة مع "إسرائيل" وبعض دعاة التفكيك في السابق والحاضر.

النقد فضيلة، ولاسيّما في السرديات الثقافية، وغيابه يجعلنا أمام حالة من الصدام والاحتدام المستمرين، خصوصاً في النظر إلى الآخر، أما على صعيد الآخر من الداخل فسيكون بديله الاستكانة والخنوع أو الاحتقان والاختناق حتى يحصل المحذور، لذلك فإن الكثير من التمرّدات والانشقاقات ليست بعيدة عن ذلك، إذْ أن الإلغاء والتهميش واحتكار الحقيقة وادعاء امتلاك الأفضليات ستقود إلى نتائج أخرى في ظل غياب النقد ، وهو ما حاول الباحث تسليط الضوء عليه باعتباره الأساس في فقْه الأزمة.

وإنْ كنتُ قد قدّمت قراءات انتقادية للحركة الشيوعية وتاريخها، فلأنني معني بها أكثر من غيرها وما أريده لها أن تكون معافاة وسليمة، كما إنني عندما أسترجع جزء من التاريخ، فلأنه يحتاج إلى إعادة نظر بروح رياضية ودون خشية من النقد والاعتراف بالأخطاء والاعتذار عنها، والأمر قد ينسحب على الإدارات المسؤولة التي ارتكبت الكثير من الأخطاء، وظلّت تنكر أو تتصرّف باعتبارها فوق النقد، خصوصاً في ظلّ غياب المساءلة والشفافية، الأمر الذي يحتاج إلى نقد شفاف وجريء دون تجريح أو إساءة، بقدر ما يهمّ تاريخنا وعلاقاتنا الرفاقية ونظرتنا المختلفة إلى الماضي وإلى الحاضر وإلى المستقبل، ناهيك إلى الحياة ذاتها بما فيها من مستجدّات ومتغيّرات، بما فيها محاولة قراءة الماركسية بروح القرن الحادي والعشرين وبمنهج ماركس الذي لا يزال يمتلك حيوية، لا بتعاليمه التي تصلح لعصره، وعفا الزمن على الكثير منها.

وأخيراً فالنقد لتاريخنا الشيوعي واليساري هو نقد  من الداخل، وهو نقد مسؤول للذات ونقد لمسار يعني جميع الشيوعيين والماركسيين، بل وعموم الوطنيين، وكل من هو حريص على المستقبل الشيوعي، إذْ لا يمكن الحديث عن تاريخ الدولة العراقية، دون المرور على تاريخ اليسار العراقي الذي لعب دوراً مهماً منذ تأسيسها.

والهدف من النقد تسليط الضوء على بعض النواقص والثغرات في مسيرة اليسار والحركة الشيوعية، لكي لا تتكرّر ولكي يتعرّف عليها الجيل الحالي والمستقبلي وينتفع منها، ونقد التاريخ هو أيضاً نقد للبرامج والسياسات والممارسات والشخصيات وما علق به من سلوكيات غريبة. ولعلّ أهم خدمة تقدّم إلى العدو هو إخفاء أخطائنا والزعم بصواب سياستنا على طول الخط، فتلك المهمة الإيمانية التبشيرية الاستكانية لا تصلح الاّ للدعاة والمروّجين المنحازين، وهي غير المهمة النقدية العقلانية التساؤلية، التي يضطلع بها من يبحث عن الحقيقة.

ولعلّ واحداً من أهداف هذه الاستعادة التاريخية في المسيرة البطولية لسلام عادل هو الحرص على الحقيقة كي لا تضيع بما فيها من آلام وعذابات ودروس وعِبَر، وهو ما حاول الباحث فيه تسليط الضوء على بعض الجزئيات التي يهتم بها بما فيها المنسي أو المُهمَل أو غير المرغوب استذكاره أو غير المسموح الحديث عنه، كي لا تندثر أو تتبدّد أو يطويها النسيان، وذلك استكمالاً لصورة المشهد من زواياه المختلفة.

لعلّ القراءة المفتوحة ودون عقد مسبقة كانت هي الأكثر استقبالاً وحفاوة للنصوص الجديدة التي تركت الآيديولوجيا جانباً والتشدق بالأفضليات وحاولت التفتيش عن الحقيقة من خلال النقد، ولا أحد يعفي نفسه منه.

6

 

الاستخبارات الأمريكية تنصب إذاعة في الكويت لبث أسماء

الشيوعيين وعناوينهم غداة انقلاب شباط 1963

 

استشهاد سلام عادل: روايات وسرديات مختلفة

            ظلّ استشهاد سلام عادل لغزاً غامضاً وتعددّت الروايات بشأنه، وبعضها اقترب من اليقين حتى جاءت رواية أخيرة لآرا خاجادور لتثير أسئلة جديدة وربّما لتحرّك ما استقرّ في الذاكرة وفي الأذهان، بخصوص ما كُتب وما تم تناقله وتردّد كثيراً على الأفواه والألسن، ولأن بعض من كان في تلك الأيام في موقع المسؤولية ما يزال حيّاً فقد اقتضى البحث العلمي والكشف عن الحقيقة، بذل المزيد من الجهد لإجلاء واقع الأمر، والتوجّه بالسؤال خصوصاً حين يتم الإقرار بأن ما حصل كان "جريمة "بكل معنى الكلمة.

            ولأن ما كتبه حازم جواد وقبله طالب شبيب وقبلهما هاني الفكيكي، يحتاج إلى تدقيق وتوثيق، خصوصاً حين تكون هناك رواية أخرى مختلفة أو مغايرة أو غير متطابقة، ناهيك عن رواية نقيضة بالكامل، فإن الأمر يحتاج فحص كل ما تجمّع من معلومات ووثائق ومذكرات وشهادات وحوارات بما فيها ما ورد في كتاب حنّا بطاطو، خصوصاً الجزء الثاني الموسوم " الحزب الشيوعي" ط2 ، 1996 والجزء الثالث المعنون " الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار"، ط2 ، 1999،  وهو ترجمة عفيف الرزاز وصدر عن مؤسسة الأبحاث العربية، للتوصل إلى تقديم استنتاجات مشفوعة بتحليل ورؤية يفرضها المنهج البحثي لمقارنة الوقائع والسرديات وما تخفي الكلمات وراءها من معاني واستدلالات.

            ودائماً هناك وعلى مرّ التاريخ ميثولوجيات ترتبط بالبطولات وتحاول أن تضفي عليها شيئاً من عندياتها وخصوصاً بتقادم الزمن حيث تتكدّس تصوّرات ومعطيات وتراكمت رؤى ومنظورات قد لا تكون موجودة أصلاً، ولهذا السبب حاول الباحث أن يخصص هذا المبحث لرمزية الاستشهاد وما ارتبط به من حكايات وقصص وبعض خيالات أو توهّمات أو حتى مبالغات، ناهيك عن ضياع بعضها في غمرة تقديرات مسبقة.

            انقلاب ومقاومة

            حين وقع الانقلاب صبيحة يوم 8 شباط (فبراير) 1963، بادر سلام عادل إلى إصدار بيان شديد اللهجة يندّد بالانقلاب ويدعو إلى مقاومته ويحرّض على الاستيلاء على السلاح من مركز الشرطة لتوزيعه على الجماهير لمواجهة الانقلابيين، وما جاء في البيان " إلى السلاح .. اسحقوا المؤامرة الرجعية الإمبريالية".        وبالفعل بدأت أعمال المقاومة في الكاظمية وعكَد الأكراد ومناطق متفرّقة  من بغداد ولكن التظاهرات الحاشدة، ولاسيّما أمام وزارة الدفاع انفضّت بفعل إعلان منع التجوّل والبيانات التي بدأ الإنقلابيون بإذاعتها من إذاعة وتلفزيون بغداد.

            وإذا كان التحضير للانقلاب معروفاً، لكن المفاجأة بساعة الصفر أخذت قيادة الحزب الشيوعي على حين غرّة، خصوصاً في ظلّ السياسة الانتظارية والتراجع عن المواقع وحالة الخدر التي عاشها طيلة شهور وأسابيع كلّها. وهكذا بدأت القوى تخور بالتدريج، خصوصاً بعد استسلام عبد الكريم قاسم في اليوم الثاني، حيث أعدم وعُرضت صورته في التلفزيون للتأثير على معنويات المقاومة التي تراجعت وتكاد تكون انتهت بعد 3 أيام، حيث "استتبّت" الأمور للانقلابيين وكانت دوريات "الحرس القومي" تجوب المدن والشوارع وتفتش السيارات وتبحث عن الشيوعيين وتزجّ بهم في السجون والمعتقلات، ولاسيّما بعد صدور البيان رقم 13.

             وكان عبد الكريم قاسم قد أعدم في محاكمة صورية بدار الإذاعة العراقية وفي غرفة الموسيقيين، حيث كان قد التقاه عبد السلام عارف وحازم جواد وأحمد حسن البكر وعلي صالح السعدي وطالب شبيب وصالح مهدي عماش وحردان التكريتي وآخرون، وقد تشكّلت فرقة تنفيذ قرار الإعدام برئاسة عبد الغني الراوي والضابط منعم حميد والضابط عبد الحق، كما أعدم أيضاً فاضل عباس المهداوي رئيس محكمة الشعب وطه الشيخ أحمد مدير الحركات والخطوط العسكرية في الجيش والضابط كنعان حداد مرافق الزعيم، وكان وصفي طاهر قد قتل خلال مقاومته في وزارة الدفاع وقيل أنه انتحر.

            أما أحمد صالح العبدي الحاكم العسكري العام فقد ترك الزعيم عبد الكريم قاسم يتناقش مع المهداوي حيث اقترح الأخير الاتصال بالسفارة السوفييتية  والطلب منها القيام بإنزال جوي سوفييتي في بغداد لمساندته في دحر الانقلابيين، وهنا استأذن العبدي من الزعيم بالمغادرة قائلاً: يا سيادة الزعيم عندما تصل الحلول إلى استدعاء قوات سوفييتية، فهذا يعني أن الأمور انتهت، وأنا سأستسلم "للجماعة" وخرج هائماً في الليل وخاض في نهر دجلة وكان الجو بارداً وقد التقطته إحدى دوريات الحرس القومي وهو في حالة يرثى لها، وأرسل إلى سجن معسكر الرشيد كما يروي حازم جواد في حواراته مع غسان شربل، التي سنأتي على ذكرها.

            كان حازم جواد لولب انقلاب 8 شباط/فبراير وهو أمين سر القيادة القطرية قبل  علي صالح السعدي حيث عيّن في دمشق من القيادة القومية، ثم أرسل إلى العراق لقيادة التنظيم وذلك بعد قيادة فؤاد الركابي، ولكنه اعتقل في أواخر العام 1960 وبقي في السجن لنحو عام واحد وأطلق سراحه بعفو خاص نهاية العام 1961، وخلال وجوده في السجن تولّى علي صالح السعدي مهماته في أمانة السرّ، وفي العام 1962 أمسك حازم جواد وبأهم المواقع الحزبية وهو يعتبر من الناحية الفعلية القائد الحقيقي للانقلاب الدموي في 8 شباط (فبراير) العام 1963 وقد شغِلَ منصب وزير الدولة لرئاسة الجمهورية في البداية ثم منصب وزير الداخلية بعد علي صالح السعدي الذي أصبح وزيراً للإرشاد، علماً بأن السعدي كان قد اعتقل قبل أسبوع من انقلاب شباط (فبراير).

            بيان رقم 13

            واستمرّت إدارة حازم جواد في قيادة التنظيم، سواء في التحضير أو خلال حكم البعث، وقد أذاع بنفسه البيان رقم (1) يوم 8 شباط (فبراير) العام 1963. وحين اشتدّت أعمال المقاومة قبل إعلان الحكومة اقترح طالب شبيب وهو "أكثر المسؤولين وعياً وليبرالية" على حدّ تعبير حازم جواد، إصدار إنذار هو البيان رقم 13 القاضي "بإبادة الشيوعيين"، وحسبما يذكر حازم جواد أنه اعترض على ذكر الشيوعيين بالاسم واقترح بدلاً عنه تعبير "الفوضويون" فأصرّ شبيب "إصراراً" عجيباً، وقال لا بدّ أن نسمّيهم بالاسم حتى تفهم الناس، ولكنه ندم على ذلك ندماً شديداً، وهو ما أخبر به كاتب السطور حين التقاه في كردستان العام 1992 خلال مؤتمر صلاح الدين  للمعارضة أو في دمشق العام 1994 والعام 1995 وكذلك في لندن عندما جاء لتقديم طلب اللجوء السياسي العام 1997 ولكنه توفّي هناك بعد بضعة أشهر ، وبرّر للكاتب أن قصده كما قال إيقاف المقاومة وإخافة المقاومين وشلّ حركة الشيوعيين، لكن الأمور اتجهت باتجاه آخر.

            وكان حازم جواد يعتقد أن الحزب الشيوعي سيكتفي بإصدار بيان أو يقوم بإخراج تظاهرة محدودة ضد الانقلاب، ولم يكن يتصوّر استمرار المقاومة بين 8-10 شباط ويعتبر تلك المقاومة سبباً جديداً لتشدّد العسكريين الذين كانوا ينتقدونه على تقديره الخاطئ، الأمر الذي دفعهم إلى الميل إلى حملات الإعدام ، وخصوصاً أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وعبد السلام محمد عارف وغيرهم وهو ما أكّده للكاتب عبد الستار الدوري حين قال إن معظم أعضاء القيادة كانوا يميلون إلى الرأي الذي ذكره حازم جواد.

            ويضع حازم جواد في رقبة صالح مهدي عماش المذبحة التي ارتكبت بحق الشيوعيين والتي أيّدها البكر وحردان (المقصود بُعيد حركة انتفاضة حسن السريع في معسكر الرشيد وعشية تسفير عدد من كبار الضباط وشخصيات شيوعية ووطنية بارزة إلى سجن نقرة السلمان، فيما عُرف بقطار الموت) وقد روى للكاتب العقيد غضبان السعد المحلق العسكري السابق في موسكو العام 1959قصة قطار الموت كاملة، وكما حدثت كشاهد عيان وقد جئت على ذكرها في العديد من الكتابات، (حديث خاص مع غضبان السعد، براغ، 1976 وبغداد 1978 ودمشق 1981).

            اعتقال سلام عادل

            وبخصوص اعتقال سلام عادل يقول حازم جواد وهو ما كان قد دوّنه هاني الفكيكي في كتابه " أوكار الهزيمة" (دار رياض الريّس، لندن،1992) إن علي صالح السعدي (وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء حينها) أبلغهم بنبأ سار وهو اعتقال هادي هاشم الأعظمي (المسؤول الثاني بعد سلام عادل) وعضو المكتب السياسي وهو رجل كانت تُنسب الأساطير حول صموده في العهد الملكي وكان محكوماً لمدة 20 عاماً ولكن ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 أفرجت عنه.

            وكان الأعظمي قد اعتقل مصادفة في الأعظمية وعرّف بنفسه وطلب اللقاء مع علي صالح السعدي وقد  تطوّع بتحطيم تنظيمات هذا "الحزب القذر" على حد تعبيره، وأشار إلى أن سلام عادل يحضّر لانقلاب وباشر بإرشادهم إلى الدور الحزبية بما فيها الدار الحزبية التي كان يسكنها سلام عادل في الكرادة الشرقية ،  وكما يذكر حازم جواد أنه عرّفنا بنحو 35 مقرّاً سرّياً للحزب جميعها في مناطق الطبقة المتوسطة وما فوق في بغداد، حيث اعتقل نحو 100 قيادي وكادر وقمنا بتفكيك شبكات تابعة للحزب في مناطق العلوية والكرادة والسعدون وعرصات الهندية والمسبح ومناطق شعبية .

            وكان الملك حسين بن طلال ملك الأردن قد ذكر في مقابلة مع محمد حسنين هيكل رئيس تحرير جريدة الأهرام في باريس (فندق كريون) أن إذاعة سرية كانت قد نصبتها الاستخبارات الأمريكية في الكويت تبث أسماء الشيوعيين وعناوينهم للتمكّن من اعتقالهم وإعدامهم.

            ولا أدري كم استمرّ بث تلك الإذاعة أياماً أم أسابيعاً؟ ومن كان  يلتقطها ؟ وهل كانت تبثُّ بشيفرة أم بالأسماء الصريحة؟ وخلال العقود الماضية حاولت العثور على مصدر أو معلومة تدلّني على حقيقة الأمر فلم أجد ذلك، كما أنني لم أتعرّف على شخص قال أو كتب أنه استمع إلى الإذاعة وإلى الأسماء السرّية.

            وإذا كان المقصود بوجود علاقات واختراقات فتلك مسألة أخرى، ولعلّ علي صالح السعدي نفسه أشار إلى ذلك، سواء في أحاديث شفوية أم  في جلسات خاصة، وكان أن شاع هذا القول لعلي صالح السعدي، بعد دعوة خاصة في بيت لطفي الخولي في القاهرة، وكان الخولي قد وضع مسجلاً خاصاً لحديث السعدي، وقام بنشره في مجلة الطليعة "المصرية"  التي أعدته بطريقة أقرب إلى الحوار، حيث كان قد دعا الخولي بعض الصحفيين ووجّه هؤلاء أسئلة إلى السعدي، الذي أخذ "راحته" في الحديث، ومنها "جئنا بقطار أمريكي"، مشيراً إلى اختراقات من جانب الأجهزة الاستخبارية الأمريكية وقد تردّدت أسماء مثل صالح مهدي عمّاش وإيلي زغيب وعلي عبد السلام (أعدم بعد العام 1968) وآخرين.

            وشكّك عبد الستار الدوري بصحة الرواية المنسوبة إلى السعدي وقال إنه لم يسمعها منه، أما عن الاختراقات فهي موجودة في جميع الأحزاب، وهو ما سبق أن كرّره هاني الفكيكي أمام الباحث، كما أورده في كتابه " أوكار الهزيمة".

            وبغض النظر عن وجود تصريح أو عدم وجود تصريح للسعدي، فإن الانقلاب خدم المصالح الأمريكية بشكل مباشر وغير مباشر فيما يتعلق بإجهازه على ما تبقّى من منجزات ثورة 14 تموز/يوليو 1958 سواءً على الصعيد الداخلي أم على الصعيد الخارجي، ولاسيّما في الصراع بين الشرق والغرب.

            قصر النهاية

            يروي حازم جواد أن عليّ السعدي هو الذي اقترح الاستيلاء على مقر  قصر الرحاب لتحويله إلى المعتقل الأساسي للقيادات الشيوعية وهو الذي عُرف لاحقاً باسم "قصر النهاية" منذ أن تركته العائلة المالكة في يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958، ثم أصبح مرفقاً تابعاً لمديرية المصايف وللسياحة وكان يديرها رشيد مطلك صديق عبد الكريم قاسم الذي أطلق عليه لقب "رسول الثورة" حيث كان صلة الوصل بين مجموعة الضباط الأحرار وقاسم تحديداً والأحزاب الوطنية . والهدف تحويل قصر الرحاب إلى معتقل خاص هو إخضاع المعتقلين لتحقيق مركزي، وكان يرأس جهاز التحقيق في قصر النهاية محسن الشيخ راضي ويعاونه هاني الفكيكي.

            يعترف حازم جواد ولكن بعد فوات الأوان أن قصر النهاية كان رمزاً للظلم، وأن شقيقه حامد اعتقل فيه وقال  بعد زيارته إلى ألمانيا: إن معسكر أوشفيتز للاعتقال والإبادة يعتبر فندقاً بخمس نجوم مقارنة بقصر النهاية، (الصحيح إن معسكر أوشفيتز بيركينو بنته ألمانيا خلال احتلالها النازي لبولونيا وهو يبعد حوالي 70 كم من مدينة كراكوف وقد تسنّى لكاتب السطور زيارته في خريف العام 1969 وهو معسكر اعتقال مرعب بكل معنى الكلمة).

            كان معتقل قصر النهاية تحت إشراف مدحت ابراهيم جمعة وهو من أكثر الذين أشرفوا على عمليات التعذيب، وحين سأل كاتب السطور محسن الشيخ راضي كيف استشهد سلام عادل ومن قام بتعذيبه أجاب: " كلّنا مسؤولون ومرتكبون وعلينا قول الحقيقة"  وكان الباحث قد أجرى حوارات مع الشيخ راضي على ثلاث مراحل وهي عبارة عن لقاءات واستفهامات واستفسارات، وأضاف الشيخ راضي: وتبدأ المسؤوليات من القيادة حتى أدنى المواقع ولا أحد يستطيع أن يعفي نفسه من المسؤولية، ولاسيّما القيادات العليا وكبار العسكريين.

            وكان حازم جواد يتردّد على قصر النهاية وكذلك بقية أعضاء القيادة باستثناء عبد الستار الدوري (مدير الإذاعة والتلفزيون) الذي أكّد للكاتب أنه لم يزر قصر النهاية مطلقاً ولم يحبّذ محاولة إذلال الآخرين حتى وإن كانوا " أعداء" أو "خصوماً"، ونقل للكاتب أنه حين جيء بعبد القادر اسماعيل وعدد من الكوادر الشيوعية للظهور في تلفزيون بغداد والإدلاء باعترافاتهم،  كان رأيه من سيصدق كلامهم ذلك طالما هم " أسرى" ومعتقلون، وذكر أن عبد الكريم الشيخلي تعامل معهم بقسوة خلال تهيئتهم للإدلاء باعترافاتهم.

            وحين اعتقل سلام عادل يقول الدوري إن علي صالح السعدي مرّ عليه لدار الإذاعة وطلب مرافقته للقاء سلام عادل فاعتذر عن ذلك، وحين سألته هل كان ذلك قبل زيارتهما للقاهرة أو بعد زيارتهما؟ فلم يتذكّر، لكنه يقول إن وكالة أنباء الشرق الأوسط ومختلف الإذاعات ووكالات الأنباء والصحف كانت قد نشرت خبر اعتقال سلام عادل حيث كنّا في القاهرة.

            وكان د.تحسين معلّه قد قال للباحث أنه زار قصر النهاية بحكم وظيفته كطبيب وتقتضي مهنته معالجة المعتقلين وكانت قيادة حزب البعث قد طلبت منه ذلك، وأنه لم يكن مرتاحاً مطلقاً عمّا يجري فيه وروى للباحث أنه تعرّف على سلام عادل في قصر النهاية وهو معصوب العينين، وكان كل جزء من جسده يئن من شدّة التعذيب، وروى طالب شبيب إلى علي كريم وهو ما قاله أمام الباحث أيضاً إنه اشمأز حين رأى حسن عوينة وهو محطّم ولكنه أشاد ببطولته، مثلما أشاد ببطولة سلام عادل ، وعن الحوار الذي دار بين حازم جواد وسلام عادل في قصر النهاية سخر شبيب ولو بعد نحو ثلاثة عقود من الزمان في لقاء مع الكاتب في كردستان (1992) كيف ينعقد الحوار بين سجّان وسجين. (انظر: علي كريم- عراق 8 شباط 1963، من حوار المفاهيم إلى حوار الدم، مراجعات في ذاكرة طالب شبيب، دار الكنوز الأدبية ، بيروت، 1999)

            جدير بالذكر أنه خلال فترة حكم البعث التي لم تزد عن 9 أشهر صدرت أحكاماً رسمية بإعدام نحو 150 شيوعياً أو مؤيداً لهم كما يوثقها حنا بطاطو (ج 3، ص 303) علماً بأن عشرات كانوا قد قضوا بالتعذيب ولم يتم الإعلان عن استشهادهم بينهم عدد من إدارات الحزب العليا مثل عبد الرحيم شريف وحمزة سلمان الجبوري ونافع يونس والملازم هشام اسماعيل صفوت وجورج تلو، وحسب توثيق حنّا بطاطو فإن المكتب الخاص بالتحقيق لدى الحرس القومي قتل وحده 104 أشخاص عثر على جثث 43 منهم خلال الفترة 1963-1964 مدفونة في منطقتي الجزيرة والحصوة قرب الحلّة، وعثر في أقبية قصر النهاية على أدوات التعذيب وأكوام صغيرة من الثياب الملطخة بالدماء منثورة هنا وهناك وبرك دم على الأرضية ولطخات على الجدران (انظر: حنا بطاطو- العراق، ج 3، المصدر السابق ، ص 304).

            وعلى الرغم من تأييد ميشال عفلق للانقلاب واستخدام القوة لقمع أية مقاومة والعمل على حماية النظام الجديد، إلاّ  أن فضائح التعذيب والحملة العالمية ضد الإجراءات القمعية التي اتخذها حزب البعث إزاء خصومه وحلفائه من القوميين اضطرّته إلى التحفظ عليها وعدم تأييده لها . وقد كشف عن ذلك في وقت لاحق في العام 1964 حين قال: في أيار/مايو 1963 أو قبله رجوت الرفيق حمدي عبد المجيد أن يذهب إلى بغداد وينبّه الزملاء الأعضاء هناك إلى مخاطر الارتجال... ويعرف الرفيق حمدي أني حذّرت باستمرار من سياسة سفك الدماء والتعذيب، كائنة من كانت الضحايا... لقد كان للثورة في أشهرها الأولى حقها المشروع في الدفاع عن نفسها ضد الذين وقفوا في وجهها بقوة السلاح، أما بعد ذلك، فلا يمرّ شهر أو أسبوع إلّا ونسمع أو نقرأ عن إعدام عشرات الرجال (انظر: كلمة ميشال عفلق في المؤتمر القطري السوري الاستثنائي، 1964) وقد أكّد لي صلاح عمر العلي ذلك، بقوله: صحيح إنه لم ينتقد أو يعارض استخدام جميع الأساليب لفلّ مقاومة الطرف الآخر، لكنه كان حساساً إزاء العنف والتعذيب فيما بعد.

            وقد شاعت الكثير من القصص والحكايات المأساوية عن التعذيب في بغداد والمحافظات وشملت الرجال والنساء، وحتى الأطفال وقد صدر ما سمّي بـ"الكتاب الأسود" بعد انقلاب 18 تشرين الثاني/نوفمبر 1963 الذي قاده عبد السلام عارف ضد حلفائه البعثيين،(انظر: كتاب المنحرفون، وهو كرّاس صدر بموافقة مديرية الاستخبارات العسكرية، هيئة الدليل الدولي، بغداد ، العدد 1، 1964).

            وقد تم توثيق بعض الانتهاكات والارتكابات باعترافات وصور ووثائق وشهادات نُشرت في كتاب "المنحرفون" ولكن أكثر ما هو مؤثر وكوموتراجيدي هو الطرفة التي وردت في مداخلة العقيد في الجيش السوري محمد عمران عضو القيادة القومية للحزب العام 1964 والتي تعبّر عن واقع حقيقي عاشه العراق في ظل انفلات الأوضاع . ولعلّ تلك الطرفة هي " سخرية سوداء" حين قال خلال مؤتمر حزبي في دمشق " بعد المؤامرة الشيوعية " يقصد حركة حسن السريع 3 تموز (يوليو) 1963 طُلب من أحد ضباط الجيش (العراقي) إعدام 12 شيوعياً، ولكنه أعلن أمام عدد كبير من الحاضرين أنه لن يتحرك إلّا لإعدام 500 شيوعي، ولن يزعج نفسه من أجل 12 فقط، وكان حديثه هذا أمام المؤتمر القطري الاستثنائي لحزب البعث العربي الاشتراكي (سوريا) العام 1964، وقد كانت مداخلته بعنوان: ملاحظات الرفيق محمد عمران أمام المؤتمر القطري الاستثنائي في 2 شباط/فبراير 1964، ص 3 (انظر كذلك: حنا بطاطو- العراق، ج 3، مصدر سابق، ص 304).

            منطق الجلاد ومنطق الضحية

            رغم مكابرة حازم جواد  ومحاولته النيل من سلام عادل  والتقليل من شأنه، بل والغمز من قناتة، لكنه يقر في نهاية المطاف  إن موقفه كان صلباً و"إنه لم يعترف"، ولكنه كما يقول كان يحاول إيجاد مخرج للورطة بأقل ما يمكن من الخسائر. ويكشف جواد عن مكنونات صدره وصدور بعض رفاقه بقوله: إن نار الحقد تأجّجت ضد الشيوعيين، خصوصاً بعد أن اكتشفنا أن الحزب يملك قوة كبيرة كنّا نستهين بها ، لاسيّما داخل القوات المسلحة، وهو بذلك "يبرّر" استخدام التعذيب.

            وعن الحوار المزعوم يقول حازم جواد أن سلام عادل أودع سجن قصر النهاية بعد إلقاء القبض عليه وكان قد طلب اللقاء به أو بعلي صالح السعدي الذي كان في مصر  في نهاية آذار (مارس) عن طريق مدحت ابراهيم جمعة (مدير المعتقل) (التواريخ ليست صحيحة فقد اعتقل سلام عادل يوم 19 شباط /فبراير واستشهد يوم 23 أي بعد أربعة أيام فقط على اعتقاله ، وأعلن عن استشهاده رسمياً من دار الإذاعة يوم 7 آذار (مارس).

            وهذا يعني أن علي صالح السعدي  عند اعتقال سلام عادل كان موجوداً في بغداد  لأن الوفد حسب التواريخ التي دققتها والاقتباسات التي سأنقلها عن أمين هويدي تشير إلى أن الوفد سافر يوم 21 شباط (فبراير) للقاء جمال عبد الناصر وكان برئاسة نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية علي صالح السعدي وضمن الوفد عبد الستار الدوري (مدير عام الإذاعة والتلفزيون) الذي التبس عليه يوم اعتقال سلام عادل ولكن ما يتذكّره جيداً إن الخبر نشر في القاهرة على نطاق واسع.

            وضمّ الوفد كلّ من : طالب شبيب (وزير الخارجية) وصالح مهدي عمّاش (وزير الدفاع) وفؤاد عارف (وزير الدولة) وحردان التكريتي (آمر القوة الجوية) وخالد مكي الهاشمي (آمر الدبابات) ووفد شعبي ضم حسين جميل وجلال الطالباني وأديب الجادر وعبدالله السلّوم السامرائي.

7

عبد الناصر يعيّن هويدي سفيراً في بغداد

ويرد السعدي بتعيين البزاز نظيراً له في القاهرة

 

            وبالعودة إلى حازم جواد حول "اللقاء" بسلام عادل فقد ذكر أنه تم برفقة طالب شبيب (وهذا يعني إن اللقاء حصل قبل سفر الوفد إلى القاهرة) حيث يقول أمين هويدي في كتابه (كنت سفيراً في العراق 1963-1965- الفرص الضائعة الوحدة العربية، تقديم خير الدين حسيب ، ط2، 2017، ص 18 وما بعدها) أنه تلقى مكالمة هاتفية قصيرة مفادها أن الرئيس جمال عبد الناصر عيّنه سفيراً في العراق، وذلك يوم 20 شباط ، وأن التعليمات التي صدرت له تقتضي أن يرافق وفداً عراقياً على مستوى عال سيصل القاهرة ظهر اليوم التالي لمشاركة الشعب المصري احتفالاته بأعياد الوحدة، وفعلا وصل الوفد في موعده في اليوم التالي: أي 21 شباط/فبراير.

            وفي يوم 22 شباط (فبراير) بدأت المباحثات كما يذكر هويدي، وبعد الانتهاء من الجولة الأولى سافر الوفد إلى الجزائر للقاء الرئيس أحمد بن بلّا وقادة الثورة الجزائرية وعاد مساء اليوم التالي، أي يوم 23 ، وعقدت الجولة الثانية للمباحثات في صباح يوم 25 شباط/ فبراير ويقول هويدي: وفي بداية الجلسة قدّمني الرئيس جمال عبد الناصر للوفد العراقي بصفتي مرشحاً كسفير للجمهورية العربية المتحدة في بغداد، ووافق وزير الخارجية  العراقي (طالب شبيب)على الترشيح بكلمات طيبة، ويقول عبد الستار الدوري إن علي صالح السعدي أجاب عبد الناصر، في حينها وفي دعوة لنقابة المحامين، إن سفيرنا في مصر سيكون "أستاذنا" عبد الرحمن البزاز.

            وهذا يعني أن الوفد لم يعد إلى العراق قبل يوم 25، فإما أن يكون قد عاد مساء 25 شباط /فبراير أو يوم 26 شباط/فبراير  (المصدر السابق أمين هويدي، ص 19 و20 ) وهذا يعني أن سلام عادل يكون قد فارق الحياة قبل يومين أو ثلاثة أيام على أقل تقدير وأن علي صالح السعدي لم يلتقه عند عودته ولا يتذكّر الدوري أنه سأل السعدي إن كان قد التقى سلام عادل أم إن السعدي اكتفى باللقاء " التحقيق" الذي قام به حازم جواد، الأمر الذي أعرض عنه السعدي وكنت قد سألت صلاح عمر العلي: هل إن علي صالح السعدي التقى سلام عادل، فقال لم يطرق سمعي ذلك، وأغلب الظن أ، حازم جواد هو الذي التقاه، وأضاف إن مسؤوليات علي صالح السعدي كأمين للسر، فضلاً عن مزاجه كانت غير ذلك، في حين إن حازم جواد كان منشغلاً بأمور التنظيم والحزب وما يتعلق بأمنه أيضاً.

             وحسب اعتقاد نوري عبد الرزاق إن الاحتمال الأرجح أن علي صالح السعدي لم يلتقِ سلام عادل وأنه لم يذكر ذلك أمامه مع العلم إن لسانه لم يكن معقوداً، وخصوصاً في السهرات الليلية.

            حوار أم تحقيق؟

            أما حكاية "الحوار- التحقيق" بين حازم جواد وسلام عادل فقد تم في غرفة مدحت ابراهيم جمعة وقد جرى الحديث التالي بينهما:

            سأل السجّان للسجين : لماذا طلبتني؟

            قال سلام عادل : للاحتجاج على التعذيب والمعاملة السيئة للمعتقلين.

            يقول حازم جواد طلبت منه الاعتراف لينتهي التعذيب... ثم سألته هل من دولة لا تمارس التعذيب فحتى الاتحاد السوفييتي يقوم بذلك؟ ثم أعطونا المعلومات وتفاصيل الخط العسكري للحزب لينتهي الأمر وخاطب جواد، سلام عادل: الأمر بيدك!!.

            لم يردّ سلام عادل على مقترح جواد، وطلب منه إصدار بيان سياسي مشترك يؤكد الحفاظ على سيادة الدولة والاستقلال الوطني والعمل الوطني المشترك ونسيان الماضي،  ولكن حازم جواد يقول: لاحظت أنه يريد أن يكسب الوقت، وقلت له " أنت سجين وأنا السجان" وأنصحك بإعطاء معلومات وما لديك وبعدها نبحث في اقتراحك.

            توقّفتُ عند رواية حازم جواد وتواريخها واكتشفت أنها غير متجانسة أو منسجمة، فإذا كان علي صالح السعدي في مصر فمعنى ذلك أن طالب شبيب كان معه، فهل يمكن أن يكون شبيب قد حضر اللقاء ولم يحضر السعدي؟ وإذا كان سلام عادل قد بقي تحت التعذيب طيلة الأيام الأربعة أي من يوم 19 ولغاية 23 حيث استشهد، فهذا يعني أن الوفد كان لا يزال موجوداً في القاهرة ولم يعد إلى بغداد، وهكذا يُستدل على أن علي صالح السعدي يمكن أن يكون قد التقاه قبل سفره ولكنه لم يخبر الدوري، لكنّ حازم جواد يؤكد في مقابلته مع غسّان شربل بشكل لا غموض فيه ولا لبس أن السعدي لم يلتقه لأنه كان في القاهرة وفي ذلك تناقض صارخ.

              وفي مقالة نشرت مؤخراً في جريدة المشرق (العراقية) (1 نيسان/ ابريل/ 2016) للسيد أمير الجنابي  وكان قد كتب مقالة أخرى بتاريخ 15/7/2005 في الحوار المتمدن بذات المضمون حيث نقل على لسان أحد الكتاب والروائيين الفلسطينيين محمد أبو عزّة (سكرتير تحرير مجلة دنيا العرب التي كانت تصدر في دمشق في الثمانينات) أنه كان ضمن طاقم الحرس القومي في مديرية الأمن العام ببغداد مع مجموعة من العرب والفلسطينيين، وفي فترة النهار وصلنا ضيف أقمنا له "وليمة دسمة" كما يقول تضمنت صنوف التعذيب والهتك الجسدي والنفسي على مدى ساعات، ولم يكن الضيف سوى سلام عادل .

            وتمضي الرواية وهي تستعيد الواقعة تلك وإنْ بمشاعر مختلفة وربما بشعور بالذنب حين يقول: وحاولنا قهره ولكن طاقته على الصمود والتماسك كانت لا توصف وجاءتنا الأوامر بالإبقاء على الرجل لأن شخصية مهمة في طريقها إلينا ولم تكن تلك سوى علي صالح السعدي الذي حين وصل حاول أن يقرّب فمه من سلام عادل وقال له : أنت منتهٍ وليس عليك إلّا الاعتراف وكرّر ذلك عدّة مرّات.

            لكن الدوري يعتقد إن ذلك قد يكون حصل مع حازم جواد وليس مع السعدي، مع ملاحظة مهمة هي أن سلام عادل لم يعتقل في الأمن العام. وتمضي الرواية المنشورة في المشرق فتقول : إن سلام عادل أجاب السعدي بتعجّب وبكلمات متقطعة ولكنها مفهومة وواضحة: أنت سكرتير حزب وتطلب مني الاعتراف؟... ثم سكت للحظات وبدا وكأنه يستجمع قواه، ثم فجأة بصق بوجه السعدي بصقة يخالطها الدم... وبعد أن مسح السعدي البصقة أشار إلينا بأن أجهزوا عليه وهذا ما حصل. وتقول الرواية أنه تم فقأ عينيه وكسر عظامه وقطع أصابع يديه ومن ثم ذبحه. وهناك رواية شفوية أخرى تصب بالاتجاه ذاته وتزيد عليه بأنه تم سحق جسده بسيارة ثم ذوّب بالأسيد.

             وبغض النظر عن الروايات المتناقضة والمتضاربة فإن المؤكد بالنسبة لي هو ما قاله حازم جواد في مقابلة له مع غسان شربل في العام 2004 المنشورة في جريدة الحياة والتي صدرت كجزء من كتاب بعنوان : العراق من حرب الى حرب - صدام مرّ من هنا، (دار رياض الريس ، بيروت ، 2009) إنه التقى سلام عادل ودار بينهما "حديث"، وقد أسميته "تحقيقاً" وليس حواراً، وقد عبّر عنه حازم جواد  نفسه حين خاطب سلام عادل مذكّراً إياه إنما يجري بينهما إنما هو علاقة " سجين بسجّان" وقد نفت ثمينة ناجي يوسف (أرملة سلام عادل) بشدّة ما ورد من افتراءات وإساءات حازم جواد لسلام عادل في ردها المنشور في جريدة الحياة بتاريخ 28  شباط/ فبراير/2004 وقد نفى زكي خيري في مذكراته "صدى السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم "، مركز الحرف العربي، السويد، ط2،  1996، وج 2 طبعة خاصة في السويد ، إعداد سعاد خيري الحديث عن "حوار" أو " لقاء" أو استعداد لذلك من جانب سلام عادل.

            وكما ذكر محسن الشيخ راضي  للباحث ، وهو المسؤول الأول عن الهيئة التحقيقية، "المكتب الخاص" إن ما سمّي "لقاء" بين حازم جواد وسلام عادل هو بمثابة تحقيق وهو بين طرفين غير متكافئين أحدهما معتقل والآخر بيده السلطة، وهذا يعني أن التحقيق الأساسي مع سلام عادل أجراه حازم جواد، بل أنه كان هنالك أكثر من جلسة ومنها أن "لقاء ثانياً" وربما "اللقاء" الأخير مع سلام عادل هو ما يذكره محسن الشيخ راضي الذي شاهد سلام عادل وهو بانتظار مقابلة حازم جواد، ولكنه كما نقل لي كان  قد شارف على الموت أو في ساعاته الأخيرة قبل أن يلفظ أنفاسه.

            وحسب رأي طالب شبيب: ما قيمة الحوار الذي دار إذا كان الأمر قد انتهى بموت هؤلاء " خطأ وجهلاً"  وقد تقدّم الطبيب صادق حميد علوش ليقرر كطبيب شرعي: أنهم ماتوا بالسكتة القلبية لأنهم ظلّوا حتى الصباح معلّقين وأرجلهم مرتفعة عن الأرض قليلاً. وقد أُبلغنا في صباح أحد الأيام بأن قادة الحزب الشيوعي قد ماتوا!! فغطينا نحن مع الأسف ذلك بقرارات رسمية (هكذا بكل بساطة ماتوا!!) (انظر: كتاب علي كريم - عراق 8  شباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم، مراجعات في ذاكرة طالب شبيب، مصدر سابق، ص 199).

            تشويه مقصود

            وبالعودة للقاء الأول الذي يذكره حازم جواد فقد حاول أن يقلل من قيمة سلام عادل وقال أنه لم يشعر إزاءه بالاحترام، ثم برّر ذلك ربما لأنه كان مكسور الجناح وسجيناً، لكن طالب شبيب قال للباحث: إن سلام عادل كان متماسكاً وبدا صلباً رغم ما تعرّض له من تعذيب ورغم الأجواء التي أحيط بها، وتعامل بكبرياء القائد وليس بمنطق من خارت عزيمته.

            ومع كل ما تعرّض له سلام عادل فقد كان ذهنه يقظاً ووطنيته فائضة حين طالب حازم جواد وهو في هذا الوضع كجزء من تحدّيه للانقلابيين الحفاظ على الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية والوقوف ضد القوى الاستعمارية، وتلك معايير للوطنية التي ردّ بها سلام عادل خلال التحقيق معه ومطالبته بكشف الأسرار الحزبية.

             ولم تسفر جلسة "التحقيق" تلك عن شيء، لكن حازم جواد ينسب إلى سلام عادل أن قدّم 3 نصائح للانقلابيين وسلطتهم الفاشية وهي: عليكم عدم تأميم النفط وعدم المضي لعقد الوحدة مع مصر وعدم السير في طريق الإصلاح الزراعي، وحين ينقل حازم جواد تلك النصائح فإنما ينقلها مقطوعة عن أية مقدمات  أو دلالات ولا ندري كيف وردت وتحت أي صيغة؟ لكننا نستطيع أن نخمّن أن الهدف منها هو الإساءة إلى سلام عادل حين يشكّك به بقوله: "أهو عميل بريطاني؟"..

            جدير بالذكر إن ما حصل لإيران حين أممت النفط في عهد الدكتور محمد مصدق ظلّ هاجساً لدى بعض الشيوعيين، حيث ساهمت المخابرات المركزية الأمريكية CIA بتنظيم انقلاب للإطاحة بمصدق وإعادة شاه إيران محمد رضا بهلوي إلى السلطة وكان ذلك في العام 1953. ربما حاول حازم جواد الانتقاص من موقف الحزب الشيوعي من التأميم انطلاقاً من هذه المعلومة، لاسيّما مما أشيع عن موقف زكي خيري الذي كان من أشد معارضي تأميم النفط كما يقول ابراهيم علّاوي وكان قد جاء في تصريح له إن الحزب يدعو إلى فرض رقابة صارمة على شركات النفط" وهو موقف أثير حوله لغط كثير وغمز مستمر (انظر: جريدة الديلي تلغراف البريطانية، 20 نيسان/ابريل/1959) في حين كانت تصريحات سلام عادل في 30 آذار/مارس/1959 وقبله تحركات ابراهيم كبه وزير الاقتصاد قد أثارت مخاوف احتكارات النفط العالمية، وقد جاءت متساوقة مع موقف عبد الكريم قاسم (انظر: نجم محمود، المقايضة ، مصدر سابق، ص 182 وما بعدها).

            وكان زكي خيري قد نفى أي توجه للحزب لتأميم النفط العراقي بشكل كلّي أو جزئي، ويعتقد زكي خيري وهذا اجتهاده  أن مهمة تأميم النفط تخرج من مهمات الثورة الوطنية وتدخل في مهمات الثورة الاشتراكية ويعلق ابراهيم علّاوي على هذه الجزئية بقوله " وهذا تخريج طريف في بلادته" ويذكر بتأميمات حصلت في المكسيك وإيران ومصر لمصالح أجنبية (انظر: نجم محمود (ابراهيم علاوي- المقايضة، مصدر سابق، ص 185)

8

الشيخ راضي ينفي تعذيب أمين عام الحزب

الشيوعي ويؤكد لقاءه لمدة عشر دقائق

            وبغض النظر عن الروايات المتناقضة والمتضاربة فإن المؤكد بالنسبة لي هو ما قاله حازم جواد في مقابلة له مع غسان شربل في العام 2004 المنشورة في جريدة الحياة والتي صدرت كجزء من كتاب بعنوان : العراق من حرب الى حرب - صدام مرّ من هنا، (دار رياض الريس ، بيروت ، 2009) إنه التقى سلام عادل ودار بينهما "حديث"، وقد أسميته "تحقيقاً" وليس حواراً، وقد عبّر عنه حازم جواد  نفسه حين خاطب سلام عادل مذكّراً إياه إنما يجري بينهما إنما هو علاقة " سجين بسجّان" وقد نفت ثمينة ناجي يوسف (أرملة سلام عادل) بشدّة ما ورد من افتراءات وإساءات حازم جواد لسلام عادل في ردها المنشور في جريدة الحياة بتاريخ 28  شباط/ فبراير/2004 وقد نفى زكي خيري في مذكراته "صدى السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم "، مركز الحرف العربي، السويد، ط2،  1996، وج 2 طبعة خاصة في السويد ، إعداد سعاد خيري الحديث عن "حوار" أو " لقاء" أو استعداد لذلك من جانب سلام عادل.

            وكما ذكر محسن الشيخ راضي  للباحث ، وهو المسؤول الأول عن الهيئة التحقيقية، "المكتب الخاص" إن ما سمّي "لقاء" بين حازم جواد وسلام عادل هو بمثابة تحقيق وهو بين طرفين غير متكافئين أحدهما معتقل والآخر بيده السلطة، وهذا يعني أن التحقيق الأساسي مع سلام عادل أجراه حازم جواد، بل أنه كان هنالك أكثر من جلسة ومنها أن "لقاء ثانياً" وربما "اللقاء" الأخير مع سلام عادل هو ما يذكره محسن الشيخ راضي الذي شاهد سلام عادل وهو بانتظار مقابلة حازم جواد، ولكنه كما نقل لي كان  قد شارف على الموت أو في ساعاته الأخيرة قبل أن يلفظ أنفاسه.

            وحسب رأي طالب شبيب: ما قيمة الحوار الذي دار إذا كان الأمر قد انتهى بموت هؤلاء " خطأ وجهلاً"  وقد تقدّم الطبيب صادق حميد علوش ليقرر كطبيب شرعي: أنهم ماتوا بالسكتة القلبية لأنهم ظلّوا حتى الصباح معلّقين وأرجلهم مرتفعة عن الأرض قليلاً. وقد أُبلغنا في صباح أحد الأيام بأن قادة الحزب الشيوعي قد ماتوا!! فغطينا نحن مع الأسف ذلك بقرارات رسمية (هكذا بكل بساطة ماتوا!!) (انظر: كتاب علي كريم - عراق 8  شباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم، مراجعات في ذاكرة طالب شبيب، مصدر سابق، ص 199).

            تشويه مقصود

            وبالعودة للقاء الأول الذي يذكره حازم جواد فقد حاول أن يقلل من قيمة سلام عادل وقال أنه لم يشعر إزاءه بالاحترام، ثم برّر ذلك ربما لأنه كان مكسور الجناح وسجيناً، لكن طالب شبيب قال للباحث: إن سلام عادل كان متماسكاً وبدا صلباً رغم ما تعرّض له من تعذيب ورغم الأجواء التي أحيط بها، وتعامل بكبرياء القائد وليس بمنطق من خارت عزيمته.

            ومع كل ما تعرّض له سلام عادل فقد كان ذهنه يقظاً ووطنيته فائضة حين طالب حازم جواد وهو في هذا الوضع كجزء من تحدّيه للانقلابيين الحفاظ على الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية والوقوف ضد القوى الاستعمارية، وتلك معايير للوطنية التي ردّ بها سلام عادل خلال التحقيق معه ومطالبته بكشف الأسرار الحزبية.

             ولم تسفر جلسة "التحقيق" تلك عن شيء، لكن حازم جواد ينسب إلى سلام عادل أن قدّم 3 نصائح للانقلابيين وسلطتهم الفاشية وهي: عليكم عدم تأميم النفط وعدم المضي لعقد الوحدة مع مصر وعدم السير في طريق الإصلاح الزراعي، وحين ينقل حازم جواد تلك النصائح فإنما ينقلها مقطوعة عن أية مقدمات  أو دلالات ولا ندري كيف وردت وتحت أي صيغة؟ لكننا نستطيع أن نخمّن أن الهدف منها هو الإساءة إلى سلام عادل حين يشكّك به بقوله: "أهو عميل بريطاني؟"..

            جدير بالذكر إن ما حصل لإيران حين أممت النفط في عهد الدكتور محمد مصدق ظلّ هاجساً لدى بعض الشيوعيين، حيث ساهمت المخابرات المركزية الأمريكية CIA بتنظيم انقلاب للإطاحة بمصدق وإعادة شاه إيران محمد رضا بهلوي إلى السلطة وكان ذلك في العام 1953. ربما حاول حازم جواد الانتقاص من موقف الحزب الشيوعي من التأميم انطلاقاً من هذه المعلومة، لاسيّما مما أشيع عن موقف زكي خيري الذي كان من أشد معارضي تأميم النفط كما يقول ابراهيم علّاوي وكان قد جاء في تصريح له إن الحزب يدعو إلى فرض رقابة صارمة على شركات النفط" وهو موقف أثير حوله لغط كثير وغمز مستمر (انظر: جريدة الديلي تلغراف البريطانية، 20 نيسان/ابريل/1959) في حين كانت تصريحات سلام عادل في 30 آذار/مارس/1959 وقبله تحركات ابراهيم كبه وزير الاقتصاد قد أثارت مخاوف احتكارات النفط العالمية، وقد جاءت متساوقة مع موقف عبد الكريم قاسم (انظر: نجم محمود، المقايضة ، مصدر سابق، ص 182 وما بعدها).

            وكان زكي خيري قد نفى أي توجه للحزب لتأميم النفط العراقي بشكل كلّي أو جزئي، ويعتقد زكي خيري وهذا اجتهاده  أن مهمة تأميم النفط تخرج من مهمات الثورة الوطنية وتدخل في مهمات الثورة الاشتراكية ويعلق ابراهيم علّاوي على هذه الجزئية بقوله " وهذا تخريج طريف في بلادته" ويذكر بتأميمات حصلت في المكسيك وإيران ومصر لمصالح أجنبية (انظر: نجم محمود (ابراهيم علاوي- المقايضة، مصدر سابق، ص 185).

            ومثل هذا التقدير المتناقض برز أيضاً داخل الحزب الشيوعي عشيّة تأميم النفط، العام 1972 ، علماً بأن الحزب كان أول من رفع شعار تأميم النفط، وكانت التظاهرات  الحاشدة في العام 1956 وخلال  العدوان الثلاثي على مصر ترفع شعارات: نفط العرب للعرب فماذا تريدون؟ وبأي شيء تطالبون؟ وكانت  الجماهير تجيب: نفط العرب للعرب...

            لا أظن أن سلام عادل حاول التبسّط مع حازم جواد، والدخول معه في نقاشات من هذا القبيل، وهما في موقعين غير متكافئين، بل هما في جلسة تحقيق قد سبقها أو يلحقها حفلة تعذيب، فلم يكن الأمر إذاً حواراً. وإذا افترضنا أن ثمة جدلاً كان قد جرى بخصوص النفط فالاعتقاد الأقرب إلى الواقع أن سلام عادل حاول أن يفحم محققه ويحرجه بما يتعلق بالموقف الوطني الذي يقتضي اتباعه، والذي يقوم على معاداة الامبريالية واتخاذ إجراءات حازمة بحق شركات النفط الاحتكارية، ولاسيّما وفقاً للقانون رقم 80 لعام 1961 أي أنه حاول الدفاع عن سياسة الحزب وموقفه، وهو ما يُستشف مما ذكره حازم جواد في حواره مع غسان شربل  الذي أشرنا إليه سابقاً. والأمر ينسحب على الموقف من بعض القضايا الحساسة الأخرى مثل الوحدة مع مصر وهما خطّان أحمران واجها حركة التحرّر الوطني العربية .

            وكان سمير عبدالكريم وهو اسم مستعار " لجهاز آيديولوجي لمكافحة الشيوعية"  داخل المخابرات العامة عمل فيه "شيوعيون منهارون وجواسيس عتاة"، قد اصدر كتاباً بعنوان " أضواء على الحركة الشيوعية"  عن دار وهمية (صدر عن دار المرصاد في قبرص ، 5 أجزاء، العام 1979 وما بعده) إن فهد أمين عام الحزب الشيوعي الذي أعدم في 14 شباط (فبراير) العام 1949 تعهّد أن يترك العراق ولا يعود إليه مقابل الإفراج عنه، وتلك "فريّة" أخرى تحاول الجهات الأمنية وبعض الجهات السياسية حين تفقد الحجة في مواجهة خصمها  تلجأ إلى إلصاق مثل تلك التهم الرخيصة للإساءة إليه وتشويه سمعته بزعم مساومتها واستعدادها للتنازل ، خصوصاً حين تعجز عن فتّ عزيمتها وإجبارها على التنازل.

            أين الحقيقة؟

            سألتُ محسن الشيخ راضي عضو القيادة القطرية وعضو مجلس قيادة الثورة الذي ورد اسمه على رأس القائمة التي ردّدناها لسنوات غير قليلة حكاية تعذيبه لسلام عادل، وذلك استناداً إلى  تقرير حزبي  صدر في الخارج  بعد انقلاب 8 شباط/ فبراير 1963، خصوصاً وهو المسؤول الأول عن الهيئة التحقيقية المركزية ويعاونه فيها هاني الفكيكي، فأجابني: أنه كان معتقلاً قبل 8 شباط وخرج من السجن ولم يذهب حتى لزيارة أهله في النجف، وقرّر بعد أن هدأت الأوضاع السفر إلى النجف وصادف أن سافر يوم 19 شباط (فبراير)، وفي المساء عرف باعتقال سلام عادل ولم يعد إلّا بعد أربعة أيام إلى بغداد.

            وحين قلت له : لكنك التقيت بسلام عادل في قصر النهاية، فأجاب: نعم فقلت له: ماذا جرى بينكما وكيف كان اللقاء؟ قال إنه لم يستمر أكثر من 10 دقائق، وكان هو في حالة يرثى لها ولم يميّز ما حوله، فسألته: هل التقيت به في سرداب القصر أم في غرفة التحقيق؟ فأجابني إنه التقاه بالممر حيث كان ينتظر قرب غرفة مدير المعتقل (المقصود مدحت  ابراهيم جمعة) للقاء حازم جواد ويتحلّق حوله عدد من الحرّاس (ويبدو أن هذا اللقاء لم يكن اللقاء الأول الذي ذكره حازم جواد ، بل هو لقاء آخر، حيث يبيّن تاريخه أنه اللقاء الأخير).

            وقال الشيخ راضي وهو يستعيد تلك اللحظات بألم شديد: حاولت أن أعرّفه  بنفسي وكرّرت اسمي عليه فهو ابن مدينتي، ولكنه تمتم ببعض كلمات لم أفهمها وهي أقرب إلى الهذيان وكان قد عذّب تعذيباً شديداً، وقد سألته وماذا فعلت بعدها؟ فقال: غادرت قصر النهاية في وقتها وفي المساء سمعت خبر تصفيته حيث تم الإجهاز عليه بعد أن فقد كل قدرة على الحياة، مثلما فقد الذين عذبوه، أية قدرة على الحصول منه على معلومات .

            وكرّر الشيخ راضي أمامي لعدّة مرّات وفي أكثر من مناسبة إن أي شيء تنعت به جماعة 8 شباط (فبراير) فهو قليل، وأتذكّر أنه هاتفني في أحد المرّات بعد أن قرأ مقالة  لي في جريدة النهار اللبنانية وجئت بها على ذكر جرائم 8 شباط (فبراير) وكان هو في بيروت، فقال إن ما تقوله عن 8 شباط والجرائم التي ارتكبت إنما هو ما نستحقّه وهو ما كان يكّرره منذ سنوات طويلة عبد الستار الدوري، وقد وجدت في ذلك، سواء من خلاله أو من خلال آخرين بمن فيهم بعض من قام بارتكابات لاحقة بعد 17 تموز (يوليو) نزوعا بالاعتراف والإقرار بما حصل في مرحلة عصيبة، وكنت دائماً ما أطالبهم بكتابة مذكراتهم، والأمر يسري على الجميع.

            العدالة الانتقالية وفقه التواصل

            كنت أتمنى ولا زلت أن تصل بلادنا مثلما وصلت بلدان أخرى إلى جلسات للاعتراف والاعتذار والمصارحة والتسامح في إطار ما أطلق عليه " العدالة الانتقالية" كما حصل في أوروبا الشرقية والعديد من دول أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا والتجربة المغربية، وبعض تجارب آسيوية وأفريقية وأن يتوقف حمام الدم إلى الأبد،  وأن تضع بلداننا وشعوبنا حدّاً للعنف وأن يكون الصراع سلمياً وفي إطار سيادة القانون حول البرامج والمناهج والتوجهات،  بحيث يتم الاحتكام إلى الناس لاختيار الأفضل في إطار نظام للمساءلة والشفافية وكشف الحقيقة وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإصلاح المنظومة القانونية والقضائية والأمنية لكي لا يتكرر ما حصل. ففي الكثير من الأحيان يتم التناوب بين الضحية والجلاد ويأخذ أحدهما مكان الآخر وهو الأمر الذي لا بدّ أن ينتهي ضمن منظومة الحرية والمساواة والشراكة والمشاركة والعدالة، ولاسيّما الاجتماعية.

            من أجهز على سلام عادل

            وسألت محسن الشيخ راضي من كان يقوم بالتعذيب لأنك المتهم الأول بذلك، فقال لا أريد أن أبرئ أحداً فكلّنا "مرتكبون ومسؤولون" وقد أكّد عبد الستار الدوري إن حزب البعث هو المسؤول وحتى من لم يشترك فإنه لا يمكن إعفاءه من المسؤولية عمّا حصل، وقال الشيخ راضي، إن المسؤولين المباشرين عن قصر النهاية والأكثر حماسة لتعذيب الشيوعيين هم: مدحت ابراهيم جمعة وعمّار علوش جمعة ومحمد المهداوي وهاشم قدّوري وبهاء شبيب، وكان يتردّد بعض جماعة القاهرة أحياناً، مثل عبد الكريم الشيخلي وأحمد طه العزّوز وغيرهما، وسألته من أجهز عليه؟ فقال يبدو أن وضعه كان منتهياً ولم يكن فيه ما يستطيع مواجهة الأهوال والتعذيب القاسي، فتوفّى إثر إحدى الضربات القاسية.

            ثم سألته هل أن علي صالح السعدي هو من أجهز عليه وأطلق "رصاصة الرحمة" كما روى آرا خاجادور، فنفى بثقة وقال لم يطرق سمعي ذلك  ولو حصل مثل هذا الأمر فهو ليس سرّاً، بل سيكون خبراً سريع الانتشار حتى لو تم التكتّم عليه، وأضاف الشيخ راضي إن نزعة الانتقام والثأر والحقد والكراهية كانت سائدة داخل صفوفنا، وهي التي غلبت على تصرفاتنا، ولاسيّما القيادات العليا، وخصوصاً العسكريين منهم التي كانت تميل لاستئصال الشيوعيين وعدم التساهل معهم مطلقاً، وحين حصلت حركة حسن السريع في معسكر الرشيد (3 تموز /يوليو 1963)، استشاط العسكرييون غضباً ونظموا حملة للتصفيات الجديدة سواء الإعدامات المعروفة أو قطار الموت الشهير، بل إنهم استذكروا ما حصل من قمع  للبعثيين والقوميين خلال المدّ الشيوعي العام 1959، وخصوصاً الارتكابات والانتهاكات والجرائم في الموصل وكركوك.

            وذكر نوري عبد الرزاق (السكرتير العام لمنظمة التضامن الأفرو- آسيوي) للباحث إن علي صالح السعدي زاره في العام 1969 حين عاد إلى بغداد وتعزّزت علاقته معه وقد أبدى ندمه الشديد على ما حصل وكانت اللقاءات تتكرّر معه ومع آخرين وفي إحدى المرّات حاول جلال الطالباني أن يستفزّه، وكان السعدي حينها منشرحاً فقال له: لو جاء الشيوعيون إلى الحكم وأعدموني في ساحة التحرير سأكون " سعيداً"، وقد وثقت هذه المعلومات التي سمعتها من نوري عبد الرزاق في السبعينات مجدداً وقبل إرسال هذه المقالة للطبع وذلك بهدف التدقيق وبحثاً عن الحقيقة.

            وكان عبد الستار الدوري قد نفى بشكل قاطع أن يكون علي صالح السعدي قد أجهز على سلام عادل وإنه كتب إلى آرا خاجادور بهذا الخصوص بعدما نشر مقالته " من هو عادل سلام"؟ وحاول تذكيره بأن اللقاء والتعارف بينه وبين علي صالح السعدي تم في بيته حين كان ملحقاً ثقافياً في تشيكوسلوفاكيا وبحضور الجواهري ونوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وموسى أسد، وكان يفترض حضور كاتب السطور لولا عدم وجود تلفون لديه حينها.

            ردود فعل

            وكانت الوليمة قد التأمت بعد حادث حصل في براغ سبق لمحسن دزئي السفير العراقي حينها أن رواه في كتابه "أحداث عاصرتها" ( جزءان، دار آراس ، إربيل ، 2002). وقد استذكر أطرافاً منه مهدي السعيد في كتابه " الجذور" (بيروت، دار الفارابي، 2017) ومفاده أن حفلاً أقيم في براغ بمناسبة الذكرى الثانية لبيان 11 آذار/مارس 1972 وكان كاتب السطور حينها رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين وكان لدى الجمعية فرقة فنية وقام الطالب حينها د. علاء صبيح (وهو حيّ يرزق في براغ) بتأدية بعض المقامات العراقية ، مما أطرب علي صالح السعدي، فقام من طاولته ليصافحه ولكن صبيح أبى ذلك وسحب يده، وحين سأله لماذا ؟ قال له لأن يديك ملطختان بالدماء، وحصل نوع من الاحتدام في القاعة وكانت طاولة السفير تضم عبد الستار الدوري وعلي صالح السعدي والملحق العسكري ومهدي الحافظ وموسى أسد الكريم وكان يفترض أن يكون فيها كاتب السطور وطارق عقراوي (سفيرنا في فيينا لاحقاً) باعتباره رئيساً لجمعية الطلبة الأكراد .

            وحاولنا معالجة الموقف (عقراوي وكاتب السطور) واحتواء ما حصل والتقيت بعد يوم أو يومين بعلي صالح السعدي، وتلك قصة أخرى سأحاول روايتها واستعادة حواراتي معه وكنت قد تعرفت عليه في بغداد في المقهى البرازيلية في شارع الرشيد ، وعلى أثرها نظم أبو لادا (عبد الستار الدوري) وليمة تم التعارف فيها كما يقول بين خاجادور والسعدي.

            الذاكرة والشيخوخة

            قلت للدوري ربما تكون الذاكرة قد تحرّكت، لاسيّما هو استحقاق العمر، وقد يكون المشهد قائماً بأن ما رواه السعدي بأن "رصاصة الرحمة" كانت وحدها توقف آلام الرجل، وقد يكون الزمن غيّر المشاهد والصور، وهي أمور طالما تحدث بتقادم الزمن. وقد حاولت في الأسئلة الموجهة من طرفي إلى آرا خاجادور (72 سؤالاً) والمنشورة في جريدة الزمان بتاريخ 9/12/2017 ، وكنت قد وجهتها إليه قبل نحو سنتين (20/2/2016) أن آتي إلى الإشارة إلى محسن الشيخ الراضي وروايته في السؤال رقم 35 والذي ورد فيه:" راجت إشاعات كثيرة حول استشهاد الرفيق سلام عادل، ولعلّها أكثر انتشاراً قيام محسن الشيخ راضي بالإشراف على تعذيبه عند اعتقاله، هل لديك معلومات وما هي أقرب الروايات إلى الواقع وكيف يمكن فحص دقتها؟ وكنت قد سألت الشيخ راضي عند زيارته لي في فندق فلسطين "الميرديان" (بغداد)، فقدّم رواية أخرى سأحاول نشرها؟ ماذا تقول؟"  لكنني لم أفضّل الخوض في تفاصيل أخذت أتلمّس صعوبتها مع الأمراض والشيخوخة وازدحام الأحداث في ذاكرة موجعة بحاضر صعب كان يعيشه آرا خاجادور.

            ويعترف حازم جواد وإنْ كان اعترافه قد احتوى الكثير من المتناقضات والمفارقات مع غسان شربل بمجزرة تمت في غفلة حيث أعدم 30 عسكرياً، ويقول: إنني أؤكد بعد 40 سنة أنها مجزرة خسيسة ودنيئة دبّرها صالح مهدي عماش وبتأييد من عبد السلام والبكر وطاهر يحيى، ويذكر أنه أعلن عن تبرئة الحزب منها وكذلك فعل طالب شبيب وعلي صالح السعدي وسعدون حمادي حسب محسن الشيخ راضي. لكنه لم يقل لنا أين هي مسؤوليتهم كحكام سواء على الصعيد القانوني أم السياسي أم الأخلاقي؟

            وكمختتم لهذا المبحث كان ابراهيم الحريري معتقلاً في قصر النهاية أيضاً واعتقل في اليوم ذاته الذي اعتقل فيه سلام عادل، وقد بقي معه في السرداب ليومين وروى لكاتب السطور كيف كان يجبر سلام عادل على أن يظلّ واقفاً بدون نوم وهو يعاني من آلام شديدة في الفقرات وعرق النسا ومشاكل في العمود الفقري، لاسيّما بعد جولات التعذيب التي تعرّض لها وكان قد خاطب من معه في السرداب: إنها محنة وعلينا الصمود.

            وتقول زكية شاكر وكانت حينها عضواً في لجنة بغداد للحزب ومعتقلة مع سلام عادل في قصر النهاية، أنها شاهدته في سرداب القصر وعلى الرغم من التعذيب كان يستجمع ما بقي له من طاقة ليطلق حشرجة.

             ويروي الحريري كيف تدهورت صحة سلام عادل حيث بدأ يفقد السيطرة على نفسه في مساء اليوم الثاني وكان قد بدا واضحاً أنه لن يستمر على قيد الحياة منذ اليوم الثالث حيث فارق الحياة في اليوم الرابع ويقول لقد وقع علينا الخبر مثل وقع الصاعقة واسودّت الدنيا بأعيننا، خصوصاً حين سمعنا وشاهدنا سلام عادل بشموخه وكبريائه وهو محطّم وفاقد السيطرة على نفسه ويهذي. (حديث خاص مع الكاتب في دمشق، حزيران/يونيو/1984).

نشرت في صحيفة الزمان العراقية

(انظر: ثمينة ناجي يوسف- سلام عادل، سيرة مناضل، مصدر سابق، ص 224.)

(وقارن: عزيز سباهي- عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، ثلاث أجزاء، ج 2، منشورات الثقافة الجديدة، دمشق ، 2003، ص 277-278)

باحث ومفكر عربي

 

 

 

 

عبدالحسين شعبان

 اكاديمي ومفكر عربي

 يكتب مقالااسبوعيا في جريدة (الخليج) الاماراتية  

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا