الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

 

حسين مروة: منظورات

مادية في قراءة التراث

 

يمنى العيد

هو الزمن، زمنُك، الذي ما زالت تتقدم فيه الحياة، حياتُك، من زمن موتك.

لم أعاتبه يوم اعتذر عن كتابة مقدمة لأول كتاب يصدر لي، صمتُّ يومها على مضض، وفسّرتُ اعتذاره على غير حقيقته.

فيما بعد، وكنتُ قد توجهت للإفادة من نظريّات النقد الحديث، من البنيويّة بعامة، ومن بنيويّة غولدمن وباختين بشكل خاصّ، كتب مادحاً إفادتي من البنيويّة مشيراً إلى اهتمامي بمسألة العلاقة بين الأدب والواقع الاجتماعي.

لم يكن حسين مروة بنيويّا. إذن ما هي دوافعه لمديحي؟ هل كانت ذاتيّة، أم كانت لها علاقة بمنظوره النقدي ورؤيته إلى واقعنا النقدي يوم ذاك؟

أتساءل وأعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، إلى حواراتنا معه، نحن الجيل الجديد من الكتاب والنقاد المبتدئين الذين كنا نلتقي به في منزله، في حي المزرعة في بيروت، نصعد الدرج (لم يكن من مصعد للبناية) إلى الطابق السادس، متلهفين إلى جلسته الحواريّة، إلى النقاش المفتوح بحريّة للآراء على اختلافها، وإلى معرفة مواقفه من واقع النقد عندنا.

نسأل: ما هو النقد في نظرك؟

ج – النقد حوار، والحوار هو، نظريّاً، النقاش، أو الجدل المنهجي. إنه الكلام الذي يخاطب كلاماً آخر على أساس من موضوع هو، في حيّزه الأوسع، هذا الواقع في وجوده الموضوعي.

س ـ ماذا تعني بـ”الجدل المنهجي”، وهل يكفي أن يكون الحوار حواراً حول “الواقع في وجوده الموضوعي” كي يكون هذا الحوار موضوعيّاً؟

ج ـ إنَّ تأكيدي على المنهج يعني أنْ يتزوَّد الناقد بأدوات مفهوميّة تخوِّله تقديم معرفة بموضوعه، بحيث يمكن للنقاش أن يكون نقاش الفكر للفكر، وحوار المعرفة للمعرفة. يجب التمييز بين “الجدل المنهجي” الذي له أسسه ومقوِّماته، وبين مواقف الدفاع والهجوم التي يوجهها النقد للأديب.

س ـ تقول إن النقد في لبنان غلبتْ عليه الفوضى. وتصفه وصفاً سلبيّا، فتقول: إنها “فوضى القيم والمقاييس والأهداف النقديّة”، ففي “غمرة هذه الفوضى التي تسود الصفحات الأدبيّة من الجرائد والمجلات الأسبوعيّة والشهريّة، كان العمل الأدبي الواحد يرتفع هنا إلى ذروة من ذرى القيم، وينحدر هناك إلى الدرك السّحيق من التفاهة”.

أحد الحضور يبادر إلى القول: هذا صحيح، هذا هو واقع النقد على صفحات الجرائد عندنا.

س ـ ما حكاية خلافكَ مع لويس عوض بخصوص الأدب الواقعي؟

ج ـ “إن مدارس الأدب الماديّة المعاصرة” ليست كما زعم د. عوض، كلاًّ واحداً، بل ثمّة فوارق بين هذه المدارس من “حيث أساسها المادي، ما يبعد بعضها عن بعض”. يجب التمييز بين مصطلح “الواقعيّة الجديدة” ومصطلح “الواقعيّة الاشتراكيّة”، فالأول يخصُّ أدب بلداننا العربيّة، والثاني البلدان ذات النظام الاشتراكي. وقد استندتُ في قولي هذا إلى مفهوم علاقة الأدب بالواقع الاجتماعي، أو، مفهوم الانعكاس الذي عملتُ على تحريره من معناه الميكانيكي. فالميكانيكيّة هي وليدة فهم سطحي لعلاقة الأدب بالواقع. لذا سعيتُ للتأكيد على جدليّة هذه العلاقة، أو على عضويّتها.

أتذكر، وأعود إلى مديحه، في حوار صحافي معه، لكتاباتي النقديّة، فأتساءل: هل وجد حسين مروة في النقد الحديث المستفيد من البنيويّة ومن نظريّة باختين تفسيراً لمعنى “جدليّة العلاقة” بين الأدب والواقع التي تبناها من دون أن يفسِّر مقوِّماتها المفهوميّة، والتي منها: مفهوم المرجعيّة، ومفهوم الإحالة؟

ربما!

ففي الوقت الذي تبلورت فيه هذه المفاهيم وعرفتْ سبيلها إلى تجربتنا النقديّة العربيّة، كان حسين مروة قد انصرف، بشكل شبه كلّي، إلى دراسة التراث العربي الفكري والكشف عما فيه من نزعات ماديّة.

ما زلت أذكر تأويله لظاهرة الشعر الجاهلي بقراءته لواقع الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وإحالة هذه الظاهرة على تلك الظروف. فقد وجدتُ في ذلك تفسيراً لما كان يدور في رأسي من أسئلة حول معنى وجود هذه الظاهرة الشعريّة، الحضاريّة، في بيئة وُسمتْ بـ”الجاهليّة”، هكذا تبنيتُ هذا التفسير، تفسيره، في تدريسي للشعر الجاهلي لطلابي في الجامعة.

أدرك اليوم أهميّة اعتماد حسين مروة “الماديّة التاريخيّة” في قراءته الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة بهدف “تثوير الفكر الديني، وربط التراث بالتغيير المجتمعي”.

لقد تناول، حسين مروة الإسلام كحضارة تنويريّة وصلتْ بين اليونان القديمة وأوروبا الصناعيّة، كجسر حضاري بينهما، وهو ممّا لا تعترف به الدراسات الأوروبيّة، كأن لا وجود للحضارة الإسلاميّة، أو كأنَّ الحضارة هي فقط هذه الحضارة الأوروبيّة بما هي امتداد لحضارة اليونان القديمة.

يُبرِز حسين مروة الدورَ الحضاري التنويري للإسلام، ويدعونا لإدراك أهميّة تلك الحضارة، الإسلامية، وللبحث في هويتنا، في حقيقتها التاريخيّة، لننطلق من ثمّ إلى المستقبل.

في ذلك الوقت، ندرت لقاءاتنا به، كان يسافر إلى الاتحاد السوفياتي لمتابعة دراسته التي صدرت فيما بعد بعنوان: “النزعات الماديّة في الفلسفة العربيّة الإسلاميّة”. لكن، بقينا نسأل عنه وعمّا يكتب، عن مشروعه الفلسفي الحضاري الذي كنا نشعر بأنه لن ينتهي. لقد بدأ مشروعه، حسب ما علمنا، أواخر ستينات القرن الماضي، وكان قد كتب عن ابن سينا، وإخوان الصفا، والصوفيّة، والمنهج العلمي لدى جابر بن حيان… ثم انصرف لدراسة الفلاسفة: ابن سينا، الفارابي، الكندي، وأبو بكر الرازي.

بقينا نسأل عنه، أقصد نزيه وأنا، فقد كانت تربطنا به صداقة ودية، هكذا بقي يزورنا في منزلنا في فترات وجوده في لبنان. يأتي غالبا بصحبة الصديق محمد دكروب، وأحيانا بصحبة بعض الأصدقاء المشتركين. كان قليل الكلام، يميل إلى المرح، مرح صامت، يشي ببراءة طفولية…

أتذكر زيارته لنا، في بيتنا في صيدا، بصحبة د. حسن عواضة، وسرحان سرحان، إضافة إلى محمد دكروب. كانت الزيارة عفوية وعلى عشاء ارتجالي. غير أني أفاجأ، أثناء تحضيري للطعام، بمولودتي تعلن، لي، عن قرار مجيء احتفالي إلى هذا العالم. أخذني نزيه إلى المستشفى، وبقي الأصدقاء في البيت وحدهم ينتظرون بفرح قدوم المولودة، ابنتنا ليلى.

يا للذكريات التي لا تغادرنا!

ويا للذكريات التي لا تستوي على حال!

الذكريات التي قلبت صفحة زمننا، نحن اللبنانيين، رأساً على عقب، هكذا مرة واحدة.

إنها الحرب، التي صارت أهليّة وبين الطوائف، وبقينا نقاوم، نحن الذين كنّا نودُّ إحلال العدالة والديمقراطيّة في هذا البلد الذي لم يعدْ بلداً بعد أن تقاسمته الطوائف.

أتذكر… أتذكر رنين الهاتف، وصوتاً أعرفه يقول:

لقد قتلوه.

من؟

حسين مروة.

في بيته، في منطقة الرملة البيضاء، روتْ لي أم نزار. قالت: كنا قد أنهينا طعام الغذاء، ودخل أبو نزار غرفة نومه ليستريح. فصعدتْ ابنتي هناء إلى بيتها في الطابق الثاني من البناية. لن أتأخّر. قالت. كانت تعرف أن والدها مستهدف، وكانت تلازمنا. دقات، عاديّة، على الباب. ناطور البناية ومعه شابان بلباس مدني. سأل أحدهما عن د. حسين مروة قائلا: نريده فقط للتوقيع على هذا البيان ضد الحرب. هو في سريره، قلتُ لهم، لعلّه غفا… لن نزعجه، دقيقة فقط للتوقيع على هذه الورقة. ودخلا رأساً إلى غرفته من دون أن ينتظرا جوابا. أحدهما ساعده على الجلوس، والآخر مدّ يده إلى جيبه وبدل الورقة أخرج كاتم الصوت وأطلق مباشرة على رأسه.

يا إلهي… كيف فعل؟  كيف سال كل هذا الدم حتى الأرض بوجودي؟ كيف صدقتُ بأنَّه مدَّ يده إلى جيبه ليخرج تلك الورقة؟ كيف لم أفعل شيئا؟ كيف لم أسرع وأحضر مدقة الهاون النحاسية وأضربه على رأسه؟ لماذا صدقتهما وتركتهما يدخلان؟

كانت أم نزار تكرِّر تساؤلاتها، كانت تحكي مع نفسها فيما هي تحكي لي. وكنتُ صامتة، أقاوم انحدار دموعي وأرى، أرى عبر غشاوة عينيّ صورة شخص يشبهه. تتضاعف الصورة، وأسمع صوتا يقول:

قتلوه، أطفأوا أنوار الفكر، وفي الظلمة راحوا يتقاسمون مغانم الوطن…

د. حسين مروة 1910 ـ 1987

-ولد في قرية حداثا جنوب لبنان.

– غادر باكراً مع أهله إلى العراق وبقي فيه 20 سنة.

ـ درس في جامعة النجف العلوم الإسلاميّة وتخرَّج منها عام 1938 وكان يكتب المقالة والنقد والبحث، كما الشعر.

ـ أبعده نوري السعيد عن العراق وسحب منه جنسيته العراقيّة.

– عاد إلى بيروت ليواصل الكتابة الأدبية في زاويته في جريدة “الحياة” “مع القافلة” حتى عام 1956.

ـ أسس مع فرج الله الحلو وأنطون تابت ومحمد دكروب مجلة “الثقافة الوطنية” وترأس تحريرها.

-انضم إلى قوات أنصار السلم، وانتخِب عام 1965 عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني، ثم عضواً في المكتب السياسي.

– ترأس تحرير مجلة “الطريق الثقافية” حتى اغتياله.

ـ نال جائزة اللوتس للأدب عام 1980، وحاز شهادة دكتوراه فخرية من موسكو.

ـ من أعماله: “الثورة العراقيّة”، “دراسات نقديّة في ضوء المنهج الواقعي”، “النزعات الماديّة في الفلسفة العربيّة الإسلاميّة”، “تراثنا كيف نعرفه”، “ولدت شيخاً وأموت طفلاً”.

(القدس العربي) لندن

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا