الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 


المثقفون والسلطة


سيف الدين الدوري


تعتبر الفئة المثقفة الواعية من ادباء وكتاب وشعراء وصحفيين والناقدين، في كل قطر قيمة لا تقدر بثمن،إن هي قامت بواجباتها تجاه مجتمعها ، خاصة خلال فترة إشتداد الازمات ، وناقشت هذه الازمات ، وفسرتها تفسيراً حقيقياً بعيداً عن رغبة السلطة ، فهي إن تصرفت عكس ذلك تكون قد أرتكبت خيانة كبرى لنفسها ولمجتمعها ، لأنها تغاضت عن إرتكاب الجرائم الانسانية وبررتها بمبررات فكرية وتاريخية متعصبة ومنحازة للسلطة.
إن أسوأ ما شهده العراق منذ 14 تموز 1958 هو ما يقوم به أدعياء الثقافة من أدوار إنتهازية تخريبية ، الذين سخروا أقلامهم وعقولهم – إن كانت لديهم عقول – في خدمة السلطة القمعية. بل أن الادهى والأمر أن هذه النماذج من أدعياء الثقافة كانوا يطرحون شعارات الحرية والديمقراطية حينما كانوا خارج السلطة،إلا أنهم أفرغوا هذه الشعارات من مضمونها، عندما اصبحوا في مواقع متقدمة في السلطة العنفية أو خدماً لها.فأصبحت لغة العنف إحدى نتاجاتهم الفكرية التي برزت بشكل واضح وشديد تحت السلطة القمعية في كتاباتهم، حتى أصبح هؤلاء المثقفون الوجه الثاني للمؤسسة العنفية والمدافعين عنها ومدحها،حتى أصبح العنف الصادر عنهم أكثر إيلاماً للجماهير لكونهم يمارسون دوراً مزدوجاً _أي دور الضحية والجلاد – في الوقت نفسه مما يمنح السلطة القمعية بقاءها وإستمراريتها أكثر فأكثر. بل وأخذ هؤلاء يتحدثون عن الديمقراطية ناسين انهم تبوأوا مناصب في الدولة العنفية ليس عن طريق الديمقراطية.أدعياء الثقافة هؤلاء لم يذوقوا لا هم ولا أي من ذويهم وأقاربهم او معارفهم أشكال القمع التي كان المجتمع يتجرعها فانخرطوا وإنغمسوا في أعماق السلطة الدكتاتورية وقدموا من خلال نتاجاتهم الثقافية المديح للطاغية المتسلط متخلفين عن نداء الضمير والفكر والمباديء.
لقد تحول هؤلاء المثقفون او ادعياء الثقافة الى طبقة عازلة بين الحاكم والمحكوم ، فهم فوق الشعب وتحت السلطة. وأخذوا يزينون للحاكم اخطاءه وجرائمه ويصورون الهزائم أنتصارات والمصائب محاسن ، فحولوا الحاكم المستبد الى صنم يعبد وزعيم ملهم ،وبذلك حجبت أكاذيبهم الحقائق عن الجماهير التي عاشت في الاوهام والغشاوة فوق عيونها.لقد صبغت السلطة العنفية وجه العراق المشرق فحولته الى سجن كبير بفضل ادعياء الثقافة الذين لا هم لهم سوى ملء بطونهم ولا عمل لهم الا حرق البخور للحاكم المتسلط من خلال قصائد المديح والمقالات الطويلة والاشادة بعبقريته بعد أن إغتالت الامل في نفوس الناس واصبحت المناصب في حياتهم مغانم والبحث عن الشهرة لكي تتردد أسماؤهم في الصحف ومحطات الاذاعة والتلفزيون محاولين اضفاء الثقافة والبطولات الزائفة والامجاد الباطلة على أنفسهم فأشاعت الخراب في البلاد وشجعت النفاق في كل موقع ونشرت الجهل.
منذ تموز 1958 سيطرت هذه الفئة من أدعياء الثقافة وهم الاقلية ، فأصبح لديهم مبدأ وشرط لتكوين دولة( حديثة) قوية من خلال القمع الذي تمارسه الاقلية في الدولة،على الاكثرية ، قمع ثقافي كشرط لتكوين ثقافة احادية لا تنفذ اليها التيارات الديمقراطية والتعددية، بل وحتى الاصلاحية ، بالاعتماد على ادعياء الثقافة من الذين أمسكوا بزمام الاجهزة الاعلامية ، فأخذ هؤلاء ( المثقففون) او ادعياء الثقافة يمارسون عملية عنف متجددة وموجهة ضد الجماهير التي أخذت تشعر بالغربة في وطنها أو داخل مجتمعها .
هؤلاء ادعياء الثقافة اصبحوا الفئة المقيمة لكل شيء . وخاصة العنف المبرمج والارهاب الفكري المتعدد.فأصبح كل شيء يجد جوابه المختصر لدى هؤلاء الذين اصبحوا المحتكرين لكل وسائل الحياة معتمدين في سياستهم الثقافية او ثقافتهم السياسية على المراوغة والمناورة وأصبحوا اشبه بالريبوتات يكتبون حسب التوجيهات ويصرخون بواسطة الازرار ويسكتون بالأوامر ويرقصون على نقرات الدفوف .وبسببهم فضلّ الكثير من المثقفين الشرفاء الهرب الى الخارج ،على أن لايكونوا أداة طيعة بيد السلطة القمعية ولم ينزلقوا الى الردح والتعصب الاعمى او التعصب للسلطة بدلا من التعصب للحق والحقيقة. حيث وصفتهم وأقلام أدعياء الثقافة بالعملاء والخونة وأنهم عراقيون بالهوية، الى غير ذلك من الصفات التي لا تعبر الا عن صاحبها .

 

سيف الدوري

 كاتب وصحفي من جيل الرواد

 شغل العديد من المواقع في مجال الاعلام

 وصدرت له العديد من المؤلفات

 التي تناول فيها جوانب من تاريخ العراق المعاصر

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا