الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

هل يوم المرأة

العالمي عالمي حقا؟

هيفاء زنكنة

 

بما ان التقويم الغربي مقسم إلى أيام مكرسة للاحتفالات التاريخية او المصنعة لأغراض الاستهلاك التجاري، وبما اننا في عصر البث التلفزيوني الفضائي والتواصل الاجتماعي وعولمة الاستهلاك، انتقلت الينا من الغرب احتفالات مستحدثة مثل الهالاوين (نهوض الموتى)، ويوم فالانتاين (الحب)، وعيد الام، ليلحقه عيد الأب بالاضافة إلى الاحتفالات الأقدم نسبيا مثل رأس السنة وعيد العمال وعيد المرأة، مع اضافة مفردة « العالمي» إلى العيدين الاخيرين. وقد شهد الاسبوع الماضي، احتفالات عديدة، في ارجاء العالم، بمناسبة عيد المرأة. من بين المحتفلين، نساء ومنظمات وساسة من البلدان العربية، تحدثوا باسهاب حول أهمية دور المرأة في المجتمع، وضرورة زيادة تمثيلها السياسي بينما أشار عدد من اجهزة الاعلام الغربية، خاصة في بريطانيا، على ما اعتبر تطورا في وضع المرأة العربية والمسلمة، والدليل هو السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة. 
يذكرني هذا التغزل الكاذب من الجانبين، ليوم واحد، سنويا، بقصة تكريم أو منح امرأة ما جائزة دولية مع التركيز على كونها عربية أو مسلمة. وهي مسألة رائعة، ان يتم تكريم أي انجاز، مبني على الكفاءة والخدمة العامة، بغض النظر عن دين او قومية او جنس المحتفى به. لكن الامور لا تسير بهذا الشكل حين يتعلق الامر بترشيح واختيار امرأة من البلاد العربية/الإسلامية. 
اذ غالبا ما تكون الجائزة انتقائية بامتياز، تقديرا لنشاطها في منظمة مجتمع مدني تناهض «العنف ضد المرأة»، مثلا، وتنحصر في زاوية أضيق حين يكون للعنف الأسري الأولوية في الترشح والفوز. 
يصاحب احتفالية منح جوائز، من هذا النوع، مثل يوم المرأة «العالمي»، ضجة اعلامية تجمع بين الشعور برضا المحسنين و فرحة المحتاجين. منبع شعور الرضا لدى مانحي الجائزة، انهم يقومون بعمل فريد من نوعه، حيث يتم منح الجائزة إلى إمرأة من « ذلك العالم» لتشجيعها على الخروج من ظلمة الاستغلال المجتمعي والأسري وبالتالي «تمكينها» من ولوج الحياة العامة، حسب رطانة مانحي الجوائز.
وتنبع فرحة الفائزة من توهمها بالتخلص، عبر تذكرة الجائزة، من عقدة الدونية المصاحبة، لابناء الشعوب المستعمَرة، بالاضافة إلى انه كلما ازداد الحديث عن العنف الأسري ازدادت فرصة الفوز وبالتالي تمكن الفائزة ومنظمتها من ضمان استمرارية الدعم المادي والدعوات إلى المؤتمرات الدولية. 
هنا، علينا التنبيه، إلى ان العنف ضد المرأة، بمستوياته المتعددة، لا يقتصر على بلداننا، بل انه «شكل من أشكال الإساءة التي تحدث على جميع مستويات المجتمع وفي جميع دول الإتحاد الأوروبي وفي المنطقة المجاورة» حسب البرلمان الاوروبي، حيث «تتعرض إمرأة من كل ثلاث نساء للعنف الجنسي و/أو البدني، كما تشهد واحدة من كل ثلاثة نساء سلوكا مسيئاً نفسياً من قبل شريك حميم. بينما واحدة من كل إثنتين تتعرض للتحرش الجنسي». ويشير تقرير البرلمان إلى ان «العنف ضد المرأة يسبب ضرراً شديداً للنساء والأسر والمجتمعات المحلية، في دول الاتحاد، ويتجسد حجم المشكلة في تكاليف اقتصادية تقدر بمبلغ مذهل سنويا».
ما الذي يجعلنا، في هذه الحالة، نتوقف بحذر عند احتفالات يوم المرأة ومنح الجوائز لناشطات يناهضن العنف الاسري، إذا كان ما يقمن به ضمن معالجة عالمية لمشكلة انسانية مزمنة؟
هناك اشكالية يثيرها الاحتفال بيوم المرأة ووصفه بالعالمية، المفترضة للمساواة، على الرغم من الاختلافات السياسية والاقتصادية الكبيرة بين الدول الامبريالية وغيرها. تتمثل الاشكالية باستغلال اليوم لاطلاق تصريحات وشعارات، جاهزة، هدفها تفكيك مأساة العنف العام التي يعيشها المواطن، وانتقائية التعامل مع جانب واحد، أي طمس الحقائق عبر التجاهل، أو التضخيم، أو تسليط الضوء على نقطة محددة، دون غيرها، مما يؤدي إلى حجب الحقيقة تحت ستار المساواة والدفاع عن حقوق المرأة، خاصة في البلدان المحتلة، ومناطق الحروب.
ويشكل الاستخدام الانكلو أمريكي لقضية «تحرير» المرأة العراقية، تبريرا للغزو والاحتلال، وسياسة المستعمر الاستيطاني الصهيوني تجاه الفلسطينيين، والقصف المستمر للشعبين السوري واليمني، وحرمان المرأة من ابسط حقوق الانسان، أي حق الحياة، نموذجا، يستحق التدريس لتعلم كيفية قراءة وتفكيك تبني الدول الكبرى، لحقوق المرأة في البلدان العربية والإسلامية، ومدى اقتراب الاحتفالات « العالمية» من مآسيها، بصورة حقيقية. 
في رسالتها من المعتقل، دعت الاسيرة النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني خالدة جرار، بمناسبة يوم المرأة العالمي، والمحكومة بالسجن الاداري القابل للتجديد حسب مزاج المحتل، النساء والرجال سوية « للنضال ضد العنف سواء عنف الاحتلال او العنف الاجتماعي بحق نسائنا». 
في ذات اليوم، وقفت شابة من مجموعة «تضامن المرأة العراقية»، في تظاهرة بمدينة « ريدنغ» البريطانية، لتفند الاطروحة الجاهزة حول حقوق المرأة وتمكينها، قائلة : « كيف يمكنك النهوض بحقوق المرأة عن طريق قصف المدارس والمستشفيات والكهرباء وإمدادات المياه؟ كيف يمكن للمرأة أن تناضل من أجل حقوقها في بيئة من الدمار وانهيار سيادة القانون كما يحدث في العراق؟ كيف يمكنك تمكين النساء عن طريق قصف المدن وخلق المزيد من الأرامل والأيتام؟ كيف يمكن للمرأة أن تقدم قضيتها عندما يتم تفكيك المؤسسات التي كانت تطبق القانون؟».
وفي تفصيل مدعم بالارقام، رسمت للمستمعين حال المرأة العراقية: « تشير الإحصاءات الصادرة عام 2009 إلى أن عدد الأرامل يبلغ مليونين، وعدد الأيتام 5 ملايين. ليس هناك تحديث لهذه الأرقام.
بالطريقة نفسها، يتم تجاهل عدد الوفيات بين المدنيين. لكن تقديرات أصدرتها شركة (
ORB) (شركة الإحصاء التي ترى وزارة الدفاع البريطانية أنها مناسبة لاستخدامها)، في أيلول/سبتمبر 2007، قدرت عدد المدنيين الذين قتلوا منذ عام 2003 بنحو مليون شخص.
تحولت مساحات شاسعة من البلد إلى مخيمات دائمة للاجئين. ووفقاً للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فإن هناك 2.5 مليون عراقي مهجر حالياً، ويحتاج 11 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية. إن النساء والأطفال يشكلون الجزء الأكبر من المواطنين الأكثر ضعفاً في المجتمع، فهل يمكنكم تصور ازدهار حقوق المرأة في مثل هذه الظروف؟»
واذا كان يوم المرأة عالميا حقا، فكم من الاحتفالات حول العالم، ساندت ودعمت نضال المرأة في بلداننا؟

٭ كاتبة من العراق

 

 

 

هيفاء زنكنة

 كاتبة وصحفية وناشطة عراقية تقيم في بريطانيا

 تكتب اسبوعيا في جريدة (القدس العربي)

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا