الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

قراءة في كتاب طاهر توفيق

(انهيار العراق المفاجيء وتداعياته)

البعث جمهورية واحدة ام جمهوريتان !!

ليث الحمداني *

يبدو من قراءة متأنية لكتاب طاهر توفيق عضو القيادة القطرية لحزب البعث وعضو مجلس قيادة الثورة المعنون (انهيار العراق المفاجيء وتداعياته) الصادر عن دار الحكمة في لندن بوضوح ان البعث حكم العراق بجمهوريتان وليس جمهورية واحدة فمرحلة حكم الرئيس احمد حسن البكر كانت تختلف جذريا عن مرحلة حكم الرئيس صدام حسين . في الاولى كان الحزب هو الحاكم ، وفي الثانية اصبحت العائلة هي السلطة !

يصر السيد طاهر توفيق الذي رافق المرحلتين على استمرار التزامه (ببعثيته) رغم ان الكثير من البعثيين هاجموه بعد صدور كتابه في جلساتهم فهو يقول ( ادون هذه الذكريات والمواقف وأنها لامانة على البعثي للجيل الحالي والاجيال القادمة ان يتحدث عن تجربتنا بحلوها ومرها ص7 ) ويضيف في مكان آخر من مقدمة كتابه (الخطأ من البعثيين وليس من البعث والتجاوزات لم تكن من فعل العقيدة بل من فعل حملتها ص9) .

شخصيا عرفت طاهر توفيق عن قرب عندما كان وزيرا للصناعة وكنت مديرا لتحرير مجلة (الصناعة) وسافرت معه الى الجزائر ضمن وفد اعلامي ضمني مع الزملاء اسامة مهدي الصالحي من (وكالة الانباء العراقية) وقاسم سلمان من (جريدة الثورة ) للمشاركة في مؤتمر وزراء الصناعة العرب في الجزائر ولمست وللتاريخ عفوية الرجل ومصداقيته ونزاهته ، وأنا اذ استعرض الكتاب فأن هدفي هو الوقوف على التجربة من شخص ساهم في صنعها وأرجوا ان لايذهب احد الى غير ذلك ، اما المقارنة بينما كان ابان حكم البعث وماحصل بعد الاحتلال فهي مقارنة  بائسة وغير واقعية ، ففي ظل نظام البعث ورغم الدكتاتورية ومصادرة الحريات كانت هناك دولة شهدت تنمية شاملة لاينكرها الا (مؤدلج) او (جاهل) لايستخدم عقله وكان هناك قرار وطني عراقي ، اما في ظل الاحتلال فقد تم تدمير كل شيء  وفي المقدمة بنية الدولة الوطنية ،وساد الفساد في جميع مفاصل الحياة واهدرت اموال لم يعرفها العراق في ظل جميع انظمته منذ تاسيسه  واصبح القرار العراقي مرتهنا اقليميا ودوليا .

يتحدث طاهر توفيق عن انتمائه للحزب ونشاطه السياسي ويشير الى انه انتخب عضوا في قيادة فرع بغداد ومن ثم عضوا في القيادة القطرية نهاية عام 1973 ولغاية 1982 حيث يقول ( تركت المؤتمر القطري التاسع لخلافات تنظيمية اتهمت فيها بانني اغالي بالتدين والتشدد الاخلاقي ص14) والقضية التي يشير لها معروفة لدى من عاش تلك المرحلة فقد استبعد من القيادة يومها لانه بنى مسجدا على قطعة ارض التي منحت له في شارع الزيتون وكان يومها لايملك دارا للسكن  .

جمهوريتان !!

تلمس في كتاب السيد طاهر توفيق ان جمهورية البكر كانت مختلفة عن جمهورية صدام حسين فحين يتحدث عن ذكرياته مع الرئيس البكر يقول (لااريد ان اروي ذكرياتي مع الرئيس البكر بل ان القي الضوءعلى مواقف تنضح منها جوانب من شخصية الرجل وعلاقة ذلك بمسيرة الدولة خلال فترة توليه رئاسة الجمهورية وانعكاس شخصيته على الاحداث التي شهدتها البلاد وعلاقته بأعضاء مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية فلقد كان على قدر من التجربة والحكمة والتواضع والكياسة والصدق ص40) ومما يرويه طاهر توفيق يستنتج القاريء ان الرجل لم تكن له (بطانة) من المقربين ، ولم يلتزم جانب اقربائه وهو يروي حادثة مظهر المطلك نسيب البكر مع طه ابن حميد قادر في مطعم المطعم وموقف البكر منه بعد الحادثة (ص41) ويؤكد و(للتاريخ ولارضاء الضمير فانني اجدني ملزما بالقول ان البكر لم يسمح لاي من اولاده بالتدخل في شؤون الدولة ودوائرها واستغلال كونهم ابناء رئيس الجمهورية فقد كان يراقبهم بدقة والشهادة لله انهم كانوا على خلق قويم ولم الحظ منهم او اسمع اي تجاوزات ارتكبوها ص41 ) .

يضرب العاني امثلة كثيرة على زهد الرئيس البكر وتقشفه وعدم حبه للمظاهر ومنها ان دورا شيدت لسكن اعضاء القيادة القطرية احدها دار كبيرة ومتميزة لامين سر القطر رئيس الجمهورية الا انه رفض السكن فيها لانها اكبر من حاجته بعد ان توفيت زوجته واعطى الدار لاحد اعضاء القيادة (ع .أ . د) الصفحة 42 . ويتحدث عن شخصية الرئيس البكر فيقول (انه كان ذو قلب رقيق ومحب)  ويروي ان وزير الدولة وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي  عامر عبدالله  زاره في يوم بارد فخلع معطفه والبسه الى عامر الذي كان يقول ان البكر يتصرف معنا كأب ، ويضيف متحدثا عن زهده قائلا: (ان عديله خليل الناصري عين معاونا للملحق العسكري في لبنان بعد ان عمل لفترة مرافقا له ، وفي احدى زياراته  لبغداد جلب كمية من البرتقال لاسرة البكر وفي اليوم التالي جاء البكر الى مكتبه يحمل كيسا فيه برتقالات مما جلبه خليل وهو يغلي ثورة واستياء واستدعاني بالضغط على الجرس وهي علامة على غضبه اعرفها جيدا وعندما رايت البرتقالات على منضدته ظننتها للوهلة الاولى لي الا انه قال لي غاضبا كيف دخلت هذه من لبنان ودخول الفواكه ممنوع ولماذا لم تمنع في المطار افتح تحقيقا وعاقب المقصرين  ص53 ) ويشير الكاتب الى ان الرئيس البكر كان يهتم بشكل استثنائي باسعار السلع الغذائية حتى انه كلف كتيبة من الحرس الجمهوري عام 1969 – 1970 لفتح اسواق شعبية للفواكه والخضر، وكان ياتي في الصباح منزعجا اذا حدث اي ارتفاع في الاسعار (ص52)  .

يقول طاهر توفيق في كتابه (للتاريخ فأن البكر ترك للعراقيين دولة في غاية النزاهة والانضباط فكانت نظافة اليد سمة بارزة تجدها لدى الشرطي والعامل والموظف الصغير والكبير وحتى الوزير ) ويؤكد ايضا (والشهادة لله ان البكر كان حريصا على الجيش وعدم الحاق اي ضرر بتشكيلاته لذلك فأنه عارض الحرب مع ايران وعدها خطأ فادحا وخطيئة لاتغتفر)   (الصفحة 47) .

 ايضا يشير طاهر توفيق في كتابه (لقد كانت الخلافات بين البكر وصدام واضحة منذ الايام الاولى للثورة بسبب اختلاف العقلية ونمط التفكير ) ( ص 51- 73 )  ويروي حكاية غضب البكر على صدام ومنعه من دخول القصر الجمهوري وابلاغه بذلك من قبل العقيد الركن عدنان شريف امر فوج الحرس الجمهوري ولجوء صدام الى دار صديقه د.علي الصافي وكيف ان البكر اخذ معه اعضاء القيادة وذهب ليصالحه ) (ص 73) ويؤكد ايضا  وجود خلافات بين نجل الرئيس البكر محمد وبين صدام وهو ماكان ينفيه المقربين من البكر ويقول(عندما توفي محمد بحادث سيارة لم يستطع صدام اخفاء سروره وقال بحضور عدد من اعضاء القيادة هذه عدالة السماء ) (ص 48)

جمهورية صدام حسين

تبدو جمهورية صدام حسين مختلفة تماما عن جمهورية البكر فقد احتلت العائلة السلطة بعد ان صفى صدام حسين رفاقه المتميزين حزبيا ..  يقول طاهر توفيق عن تلك الجمهورية في كتابه (كان الرئيس صدام حسين يتسلى بأي خلاف ينشأ بين اعضاء القيادة وقد اخبرني عزة الدوري أواخر الثمانينات عندما كنت محافظا لنينوى انه اختلف مع طارق عزيز في اجتماع للقيادة وانه كان خشنا وقاسيا في كلماته وملاحظاته ، ضحك صدام ولم يعلق) ، ويضيف الكاتب ( من صفات الرئيس صدام حسين انه كان يبكي ويمسح دموعه حين يكون الحديث عن السيرة النبوية الشريفة وزهد وعفة اصحاب الرسول وتجردهم ، الا ان التجربة الحياتية لم تشهد تطبيقا لذلك ) (ص68) ( كان الرئيس صدام حسين ملتزما باهله واقاربه وافراد عشيرته بل وحتى اصدقاؤه وكثيرا  ماكان يتغاضى عن الخروقات التي يرتكبها اقربائه وابناء عمومته) (ص69) ولكنه رغم ذلك يسجل له حادثة مختلفة ، (من المواقف المشهودة للرئيس صدام حسين ان لؤي خيرالله ابن خاله اعتدى على استاذه في كلية الهندسة وكسر ذراعه، وعندما وصلته المعلومة امر بكسر يد لؤي على مبدأ السن بالسن والعين بالعين وعلى اثر ذلك تحول لؤي الى كلية اخرى ) (ص67 ) يضيف الكاتب حالة مناقضة للاولى وهي حالة يتذكرها من عاصر تلك المرحلة لانها اطاحت بخيرة الكفاءآت القانونية واصبحت حديث الشارع لشهور  ( في حادث آخر فأن احد المتنفذين اشتكى له من قرار لمحكمة التمييز اعتبره غير عادل فما كان من صدام الا ان احال ثمانية من اعضاء المحكمة على التقاعد ، وعاد بعد مدة ليعيد واحدا منهم فقط الى الخدمة ) (ص67) ايضا يضيف الكاتب قائلا : (كان صدام على علم بأن بعض اقربائه يستغلون صفتهم للكسب غير المشروع من الكويت وتمرير معاملات غير سليمة في دوائر الدولة وكان يشتكي من ذلك ولكنه لايردعهم) (71) قال مرة :( قد يكتب التاريخ انني حكمت بدكتاتورية ولكني لن اسمح ان يكتب عني شيء آخر غير جيد ) (ص71) (بعد استلام صدام حسين لموقع رئيس الدولة فأن بعض الجماعات المحيطة به كانت تحاول ان تنهب اقصى مايمكن مع انه شخصيا لم يحاول ان تكون له ثروة او املاك ، ولم يظهر لديه اي رصيد مالي خارج العراق) اما عن اتخاذ صدام حسين للقرارات بشكل منفرد فيضرب بذلك مثلا الاجتماع الذي كان يناقش تصاعد الازمة بين العراق وايران بعد تكرار عملية القصف الايراني  لمدينة خانقين حيث قال صدام للمجتمعين وكانت الساعة 12 ظهرا (الآن باشر النشامى يضربون ايران) مؤكدا أن الاجتماع كان بقصد استكمال متطلبات شكلية) ( ص 72) .

اما عن موقف صدام حسين من الوحدة بين العراق وسوريا فيقول الكاتب : (كان واضحا منذ بدأت خطوات الوحدة بين العراق وسوريا أن صدام حسين لايحبذها في حين كان موقف البكروالاسد معاكسا و كانا متحمسين لها فقد كان البكرمستعدا للتنازل عن كل مواقعه لاقامة الوحدة ) (ص74)(قال الرئيس البكر لاتحسبوا حسابي كناية عن انه لايريد ايا من المنصبين رئاسة دولة الوحدة او الامانة العامة للقيادة القومية للحزب فقال صدام : ابو هيثم يريد ان يبيعنا لحافظ الاسد فقال البكر : انا مابعتكم ولن ابيعكم) (ص75)  يشير كاتب المذكرات الى  صفة الاستعجال باتخاذ القرارات التي اتصف بها صدام حسين فيقول : (اعدم العشرات من القادة لاتهامهم بالجبن والتخاذل ولكن بعد ذلك ظهر انهم كانوا يطبقون المباديء العسكرية وانهم كانوا على عقل ودراية لذلك فقد اعتبروا شهداء) (ص82) .

عن مرحلة سجنه ومحاكمته مع صدام بعد الاحتلال الامريكي للعراق يقول  : (لاحظت خلال محاكمتنا ان قناعة الرئيس صدام حسين ببعض الاشخاص غير موضوعية فقد كان مرتاحا لامير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مثلالانه استقبل عائلته باعتناء وحفاوة وقال :( انه تاكد ان الله يحبنا وذكر ان امير قطر بنى بيتا كبيرالعائلته وقال لهم لايصح انهم يسكنون في بيت سكنه احد قبلهم متناسيا ان العدوان على العراق انطلق من قواعد امريكية في قطر والكويت)(ص86) ويؤكد الكاتب ان (اسوأ المواقف ضد الرئيس صدام حسين بعد اعتقاله كانت من اقرب الناس اليه ويضرب مثلا بسكرتيره عبد حمود الذي تطوع لتقديم تسجيلات كانت مخبأة وكان من الممكن عدم وصولها للامريكان) (ص91) .

في فصول الكتاب الاخرى يتناول طاهر توفيق قضايا الحزب القطرية والقومية وسفراته كمبعوث من العراق الى بعض الدول العربية حيث يروي انه زار دولة الامارات العربية بعد انتهاء الحرب العراقية - الايرانية والتقى الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان ويقول : احسست كأنه مطلعا على ماستؤل اليه الامور وقدم 500 مليون دولار هدية للعراق (ص121) .

يتناول الكتاب ايضا في فصول اخرى (احداث واحاديث ذات دلالة) مر بها في تاريخه السياسي والحزبي ومن ابرز مايذكره هنا : (كانت تظهر على الرئيس صدام حسين خلال السبعينات الكثير من المواقف التي تدل على نفس ديمقراطي والتزام حزبي ، وانه لم يكن يريد ان تنغمر البلاد بالدكتاتورية والفردية ، ولكن السلوك العام لاتجاهاته في القيادة وادارة الدولة لم يكن ينسجم مع هذه الومضات) (ص129) ويضرب مثلا : في عام 1989 زار صدام مدينة الموصل وكنت محافظا لها وكانت الحرب مع ايران قد انتهت منذ فترة ليست طويلة وجماهير شعبنا تنتظرحياة جديدة تنتشلها من ويلات الحروب وخسائرها المادية والبشرية وكانت تأمل الكثير من قيادة البلد ومن الرئيس صدام حسين بالذات في هذه الزيارة قال صدام حسين : (اطلبوا ماشئتم من مشاريع لاننا بعد فترة سيكون لنا برلمان يضع ظوابط تصرف وحركة الدولة وسياقات صارمة تمنع العمل بالصيغ الاستثنائية وتنهي الحالة التي فرضتها ظروف الحرب ، حتى انه خلع نطاقه ومسدسه ورمى بهما على اريكة قريبة قائلا : الاتكفي الـ (25) سنة ونحن على هذه الحالة ، الا ان المؤسف ان بعض اعضاء مجلس قيادة الثورة اخذوا يتباكون على التفريط بمجلس قيادة الثورة معتبرينه رمزا للثورة الامر الذي دفعه الى ترك الموضوع ) (129) ويضيف : (من المفارقات انه وقعت في الاردن في تلك الفترة احتجاجات جماهيرية اتسمت بالعنف سقط فيها قتلى وجرحى فبادر الرئيس صدام حسين الى زيارة عمان ومعه مائة مليون دولار منحة مالية للمملكة الاردنية وقدم نصيحة للملك حسين تتمثل في التحول الديمقراطي السريع وانتخاب برلمان يتولى تشكيل حكومة تتحمل المسؤولية امام الشعب وقد عمل الملك حسين بتلك النصيحة) يقول الكاتب : (طبيب يداوي الناس وهو عليل) مؤكدا (علة الرئيس صدام البطانة الجاهلة والفاسدة وغير المخلصة وغير النزيهة) .

كتاب السيد طاهر توفيق في جميع صفحاته مراجعة جريئة لتجربة من تاريخ العراق ، وكنت اتمنى لو ناقشه (البعثيون) بموضوعية وراجعوا انفسهم فيما ارتكبه حكمهم من خطايا ادت الى سقوط العراق بتلك السهولة بيد الاحتلال .

 لايكفي حديثهم عن (مؤآمرة دولية) لتبرير ماحصل مع التاكيد بأن العراق تعرض لمؤآمرة دولية (فعلا ) والدليل من تسلموا الحكم بعد عام 2003 وفعلوا مافعلوه بالعراق  .

·         رئيس تحرير القسم العربي في جريدة (البلاد) كندا

 

 

ليث الحمداني

صحفي عراقي

  (عضو سابق في مجلس نقابة الصحفيين )

 وناشط نقابي سابقا 

رئيس تحرير القسم العربي في جريدة (البلاد) كندا

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا