الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

الكورونا ... سياسياً

ضرغام الدباغ

 

من المؤكد أن أوربا لم تعش منذ زمن بعيد وضعاً كهذا الذي نعيشه اليوم في ظل جائحة وباء كورونا ، وفيروسه القاتل (كوفيد 1)، منذ عصور الطاعون والسل، الأوبئة، وهي بالنسبة للأوربيين عصور أصبحت غابرة، تحكى كالاساطير، أو في أقرب التشبيهات، كظروف الحرب العالمية الثانية، حين كانت القنابل تتساقط كالمطر، فتبيد مدناً كاملة، وتحدث مجازر جماعية، ومن تلك الهجمات الجوية، كانت مئات من القنابل لا تنفجر(لأسباب مختلفة) وبالتالي كان يتعين على رجال الدفاع المدني التفتيش عنها وإبطال مفعولها وإبعادها عن السكان المدنيين، وهذه الحالات كانت كثيرة جداً، بحيث أن السلطات الألمانية ما تزال تبحث عنها ليومنا هذا حتى بعد مرور 75 عاماً على نهاية الحرب، فما زالت توقع الخسائر أحياناَ والبحث جار عنها(كتبنا قبل سنوات بحثاً مفصلاً عنها).

إذن الأوربيون لا يريدون العودة إلى عهود السيطرة والتفتيش والتدقيق ..ومنع التجول ..الخ، وسياسياً  شهدت ألمانيا وأوربا بتقديري، تراجعاً لليمين المتطرف، والسبب في ذلك هو شعور الناس أنهم جميعاً مستهدفون من عدو أسمه (كوفيد19) فينهض تضامن إنساني يتجاوز المشاعر العنصرية (بالطبع ليس لدى الجميع)، ولكن مؤشرات الرأي العام والاستبيانات تشير عامة إلى تراجع ذروة شعبية أحزاب اليمين. ومن مظاهر الحرب على كورونا، أن كورونا أطلقت فضائح في أوربا وأمريكا ....

ــ فرنسا تسرق 130 ألف كمامة كانت متوجهة إلى بريطانيا
ــ إيطاليا تستولي على باخرة محملة بمعقمات طبية كانت متوجهة إلى تونس .
ــ التشيك تستولي على شحنة أدوية صينية موجهة لإيطاليا .
ــ ألمانيا تستولي شحنة كمامات وهبتها الصين لإيطاليا وشحنة أخرى كانت متجهة الي النمسا .

ــ 6 مليون قناع طبي موجهة لألمانيا تختفي بأحد المطارات بكينيا .
ــ معارك بين الأستراليين على مناديل الحمامات داخل المتاجر
ــ معارك بين الأمريكان على مناديل الحمامات وتخزين للأسلحة
ــ معارك بين الأوروبيين على الطعام والشراب والمخدرات
ــ الحصول على سرير داخل مستشفى أصبح بالواسطة وبالرشوة
ــ ابن يرفض زيارة أبيه في المستشفى بعدما أراد الأب رؤيته قبل موته ، رفض أن يودع والده خوفا من العدوى !

ــ تركيا تمتلك جسماً طبياً يبلغ ضعف الجسم الأوربي مجتمعاً...!

ــ دول أوربية مهمة تعاني عجزاً فاضحاً بالمستشفيات والأجهزة الطبية...

 

من بين دروس الكورونا

أن الناس لم يعد يهمهم خطر الموت.. وهذا غريب، فالناس لا لم تعد تخاف لسببين: الأول أنهم  يواجهون الموت يومياً، مثل بلداننا بلا حسد، الثاني أن الناس في أوربا يعيشون درجة من الرفاهية والتحرر يستحيل قبولهم العودة إلى عصر منع التجول، وإيقافهم في الشوارع وس جيم من البوليس أو رجال كونترول الصحة ..!

ميل الناس إلى عادة تركوها في أوربا، فأصبحت تختص بالشرق فقط، وهو تخزين المواد الغذائية والضرورات من الحاجات.

البلدان الرأسمالية في أوربا كشفت عن مستوى منخفض جداً من القدرة على مواجهة الكوارث. الصين تمكنت من بناء مستشفيات عملاقة خلال أيام، وكذلك تركيا، وهو ما يفسر شبه انهيار الخدمات الطبية في إيطاليا وبريطانيا وفرنسا واسبانيا.

حين قدم بلد مثل كوبا مساعدات طبية مهمة إلى إيطاليا التي يحكمها حزب يمني، المساعدة لم تكن للحزب اليميني، بل للشعب الإيطالي الذي له إسهاماته الرائعة في الحضارة العالمية، الشعب الإيطالي قدر المساعدة غاية التقدير وكان لها أثرها العميق في مشاعر الناس.

أثبت الوباء أن أي حرب بايولوجية ستكون كوارثها فوق قدرات تحمل أي بلد في العالم، وتجربة كورونا كشفت أن الصرح الحضاري العالمي سيصاب بانهيار كبير إذا ما فكرت أي قوة في العالم استخدام أسلحة الدمار الشامل، وأن مشكلات الكوكب الأرضي لا تحلها سوى تكثيف العمل الدولي وعلاقات اقتصادية/ سياسية عادلة لحل مشكلات الانفجار السكاني، وأن أفكار التحريض على الصراع وإزاحة الآخر هي أفكار جنونية وستقضي على البشرية بكل تأكيد إذا ما فسح لها المجال للتحقيق.

هناك فكرة عامة، حتى لدى أكثر المراقبين حيادية، أن الوباء وانتشاره يثير قلقاً، وأن هناك فقرة مجهولة، تتردد القوى العالمية الإفصاح عنها، هناك تبادل اتهامات خفية وعلنية.

هناك كلام كثير عن كورونا، وأخبار تمتنع حكومات الدول عن الحديث بها، لأنها ستمس الأمن القومي لدول عظمى. ومن بيم من تحدث بهذا الاتجاه هو وزير الصحة الفرنسي.

يتردد بقوة، أن العلاج الفعال من وباء كورونا قد تم التوصل له، كما توصل العلماء إلى صنع المصل المضاد.  ولكن الشركات المصنعة للدواء ، بريطانية وألمانية، وفرنسية، وربما أمريكية، تتفاوض بشأن التفاهم على حجم إنتاجه وسعره، وقطاعات تسويقه، والأولويات في التوزيع وحقوق الإنتاج .... وهذا ليس بمستبعد، لأن القضية ستدور في النهاية على مليارات.

في الوقت الذي تسعى قوى اليمين في العالم إلى التصعيد، والتوتير في العلاقات الدولية، أثبتت تجربة جانحة كورونا، أن ما تحتاجه البشرية حقاً وفعلاً هو المزيد من التهاون بين شتى أنظمة العالم.

 الكورونا أخيراً، هو صفحة من صفحات الكوكب الأرضي الذي بات مزدحماً بسكانه، وسيقود إلى ضيق المكان، وشحة في الموارد، ونقص في الأخلاق (هي أساساً شبه مفقودة ..!) ..

على الشعوب التقيد بالحذر، والحرص على موجودها، وتوفير مستلزمات يوم الضيق، والتفكير على نحو استراتيجي في بحث مفردات الأمن القومي.

 

 

د. ضرغام الدباغ

 استاذ جامعي باحث وكاتب عراقي مقيم في المانيا

 مؤسس المركز العربي الألماني برلين

  ( من كتاب البلاد)

(مقالات سابقة)

 

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا