الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

 

قراءة جديدة لكتاب قديم

مذكرات الصحافي الفرنسي

( إريك رولو) 1926 -2015

في كواليس الشرق الاوسط

 

سيف الدين الدوري

 

 

إريك رولو من أبرز العارفين لشؤون الشرق الاوسط ، وقد إكتسب شهرة عالمية بفضل كتاباته في جريدة ( لوموند) الفرنسية ومجلات مختلفة في اوروبا والولايات المتحدة ومحاضرات القاها في الجامعات العربية.

   وكان الرجل من أكثر المراقبين إطلاعاً على خبايا الامور في منطقتنا وفي العلاقات المعقدة القائمة بين دولنا ببعضها البعض من جهة وبينها ودول العالم المختلفة من جهة اخرى.

 لم يكن هذا الصحفي يدعى (  إريك رولو ) الذي ولد في القاهرة وقضى فيها دراسته كاملة من المراحل الابتدائية الى الجامعة وإنما اسمه الحقيقي (إيلي رافول) الذي لم يكن مصريا وفرنسي اللسان والهوى فحسب بل كان أيضاً يهودياً.اذ كان يهود مصر يشعرون انهم مصريون. ولم يكن ليسحرهم شدو نداهات الحركة الصهيونية. بدأ حياته الصحفية في صحيفة (إجبشيان جازيت) فيما كان يواصل دراسة القانون نهارا بجامعة فؤاد الاول بالجيزة.وكان يقرأ ويتكلم العربية بطلاقة اهلها. وناضل في صفوف الحركة الطلابية مطلع سنة 1952  اي قبل ثورة يوليو وتبؤ جمال عبد الناصر الساحة السياسية في المنطقة وخارجهاوبالذات في منطقة الشرق الاوسط والساحة السياسية العالمية بكاملها  ، كما عاصر حروب العرب مع اسرائيل سنة 1948 و1956 و1967 و1973 وكذلك وصول ياسر عرافات على رأس منظمة التحرير الفلسطينية والمحاولات العديدة الرامية الى تحقيق السلم مع اسرائيل والتي باءت كلها بالفشل.

  يقول عنه صديقه المناضل والدبلوماسي الجزائري  الاخضر الابراهيمي في مقدمة المذكرات ان إريك رولو توفي في شباط/فبراير سنة 2015 وكنتُ واحداً من أصدقائه الكثيرين الذين تواجدوا الى جانب زوجته واولاده واحفاده أثناء جنازته في باريس . اذ ترك الفقيد فراغاً كبيراً في قلوب كل من عرفه ، وكانت له علاقات حميمة وقوية مع منطقتنا وخاصة مع مصر .

  هاجر إريك رولو الى فرنسا عام 1952 ليعمل في وكالة الانباء الفرنسية ثم لينضم الى فريق صحيفة (لوموند) وطوال عقود من خمسينات القرن الماضي وحتى نهاية الثمانينات غطى هذه الصحيفة اليومية الكبرى بأحداث البلدان العربية ( ومنها العراق وخاصة احداث احداث انقلاب 17 تموز 1968) والذي سوف نخصص له حلقة كاملة. كما غطى رولو احداث اسرائيل واليونان وخاصة سقوط حكم العسكر في اليونان والانقلابات العسكرية في تركيا  واولى خطوات الثورة الاسلامية في ايران وكذلك في  افريقيا.  وخاصة اثيوبيا وكذلك الباكستان ليصبح الصحفي الاشهر في أشهر صحيفة يومية فرنسية الى درجة ان قال عنه رفيق دربه الصحفي ( جان جيراس) "إن إمبراطورية إريك رولو لا تغيب عنها الشمس"  مثلما كان يقال عن الامبراطورية البريطانية .

 كان اريك رولو يحظى باستقبال بالغ وحفاوة وامارات تكريم إستثنائية فهو ينزل في اكبر الفنادق حيث ينتظر المسؤولون على بابه ليقابله وليسروا اليه بشؤونهم وليكشفوا له عن سرائرهم ، وهو ما يستثير غيرة بعض زملائه. لكن يشذ عن تلك القاعدة بلدٌ واحد ألا وهو إسرائيل  ، صحيح ان رولو قد تمكن  من اجراء مقابلات صحفية مع ديفيد بن غوريون وجولدامائير وموشي ديان واسحق رابين وشيمون بيريز لكن مناحيم بيجن زعيم اليمين ندد به بوصفه ( عميلا مصريا).

كما غطى اريك رولو احداث حرب حزيران 1967 اثناء العدوان الاسرائيلي على مصر وسوريا والاردن وكذلك المعارك بين الجيش الاردني والفلسطينيين عام 1970   ووفاة الرئيس عبد الناصر يوم 28 ايلول 1970  كما غطى احداث المحاولة الانقلابية التي قام بها الجنرال اليوناني ( غريفاس) ضد الرئيس القبرصي ( الاسقف مكاريوس) عام 1974

 في اكتوبر/ تشرين اول 1954 حقق رولو سبقه الصحفي الاول بإعلانه نجاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر من محاولة إغتيال نسُبت الى الاخوان المسلمين .

  بعد ذلك التقى  إريك رولو بقادة المنطقة العربية والشرق الاوسط التي فتحت ابوابها امامه فالتقى بالملك حسين وياسر عرفات وصدام حسين ومعمر القذافي مرورا بالخميني وحافظ اسد.

   وحين عاد إريك رولو بعد ذلك الى مصر للمرة الاولى أتت تلك الزيارة تلبية لدعوة وجهت له بصفته مديراً لقسم الشرق الاوسط في جريدة ( لوموند) الفرنسية المرموقة وكان ذلك في خريف سنة 1963,. ومن الواضح أن دعوة إريك رولو لاجراء مقابلة مع الرئيس عبد الناصر أتت في سياق تلك الجهود  لتقوية العلاقات بين مصر وفرنسا. وكان لما نشره إريك عقب تلك الزيارة صدىً واسعاً في فرنسا وفي العالم اجمع.

 

  خص إريك رولو في مذكراته هذه مصر واسرائيل والقضية الفلسطينية بشكل يكاد يكون حصريا  ولم يذكر شيئا عن تونس او تركيا بالرغم من انه عمل فيها سفيرا لفرنسا. كما انه تابع الاحداث في كل من بغداد وطهران عن كثب وكانت له علاقات وإتصالات وثيقة برجال السياسة والثقافة في كل بلد من بلدان الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

  ويتحدث ابراهيمي كيف نقل إريك رولو دعوة عبد الناصر الى ناحوم جولدمان مؤسس ورئيس المؤتمر اليهودي العالمي ، وقد قبل جولدمان الدعوة إلا أن المسؤولين الاسرائيليين منعوه منعاً باتاً من الذهاب الى القاهرة ، وكيف إستخدم كيسنجر دهاءه في الحيلولة دون اي حل للصراع العربي الاسرائيلي في حين كان يتظاهر بأنه يعمل من اجل تحقيق السلم في المنطقة.

ويضيف الابراهيم : تعرفتُ على إريك رولو أثناء تلك الزيارة – وكان الابراهيمي يشغل منصب سفير الجزائر لدى مصر -  بفضل اصدقاء مشتركين لنا من بين الكتاب والصحفيين  المصريين. وتكررت لقاءاتنا بعد ذلك أثناء كل زيارة من زياراته المتتالية الى القاهرة على مدى اعوام خدمتي السبع في مصر. وايضا في تونس حين عمل إريك سفيرا لفرنسا في تونس لمدة سنتين او يزيد قليلاً.

  التقى إريك رولو الرئيس جمال عبد الناصر اكثر من مرة ولجلسات طويلة واشك ان يكون اي صحفي آخر حظي بمعاملة شبيهة بذلك.  فهل وقع الصحفي أسيراً لكاريزما عبد الناصر المعروفة؟ كما التقى إريك رولو الرئيس انور السادات عدة مرات الا انه كان ينقل عن خليفة عبد الناصر صورة غير إيجابية . اما مناحيم بيغن محاور السادات فمن الواضح أن إريك لم يستلطف بيغن علما ان الاخير كان يبادله الضغينة  وكان يضع إريك في خانة اليهود الذين يكرهون انفسهم.

 كان اريك رولو يرى انه من حق عبد الناصر بناء سد اسوان لتوسيع نطاق الري في بلد صحراوي في معظمه وزيادة سعة الطاقة الكهربائية ومن ثم رفع قدرته الصناعية . ويقول رولو كنت اعتقد ان قرار واشنطن عام 1956 بحرمان هذا المشروع من مساعدتها المالية والتقنية إنما هو قرار خسيس وليس سوى معاقبة لعبد الناصر عن ابرامه صفقة اسلحة مع موسكو.

 من المفارقات التي واجهت إريك رولو انه يروي قصة عودته الى البيت الذي ولد فيه بحي مصر الجديدة في نهاية الستينات ، طرق الباب هو وزوجته ( روزي) فاستقبلهما أهل البيت بلطف . روى لهم قصته فاذا بهم لدهشتهم يقهقهون . تبين له أن من باتوا يحتلون بيته القديم فلسطينيون ليبدوا للجميع ما في الموقف من سخرية صاعقة سيرتبط صاحبنا بعلاقة صداقة مع هؤلاء المقتلعين من جذورهم الهائمين بلا سكن او وطن الذين شعر حيالهم وكأنه جارهم. فهو قد عايش آثار الخراب الذي خلفه النزاع  الاسرائيلي العربي على بلدان المنطقة.

     عودة اخرى  الى الصحفي الفرنسي اريك رولو الذي قلنا اعلاه انه كتب عن الاوضاع السياسية قبل الحركة الانقلابية التي اطاحت بالرئيس العراقي عبد الرحمن عارف ورئيس وزرائه الفريق طاهر يحيى.

 فقد كتب الصحفي الفرنسي اريك رولو في صحيفة الوموند الباريسية في 9و10/10/1969 تحليلا للاوضاع قبل العملية الانقلابية في 17 تموز/يوليو 1968 جاء فيه " وبينما كانت تباشير العاصفة تلوح وتتكاثر وتتابعت الازمات الوزارية بسرعة اكثر فاكثر والمستوزرين اخذ عددهم يتضاءل اكثر فاكثر بعضهم كان يتهرب منتحلا شتى الاعذار والبعض الاخر يرفض بصراحة . والحقيقة ان مصير النظام كان مطروحا منذ 14 نيسان /ابريل 1968 يوم نشر 13 عسكريا متقاعدا بينهم رئيسا وزراء سابقان يمثلون جميع الاتجاهات الوطنية في الجيش نشروا بيانا اصروا فيه بشكل خاص على ضرورة تشكيل حكومة ائتلاف حالا وتسوية القضية الكردية ومن بين الموقعين اللواء احمد حسن البــكر الذي اصبــح رئيسا للجمهورية عقب حركة 17 تموز 1968

 فالرأي العام العراقي مثل الكثير من المراقبين الاجانب لم يسند تبديل النظام فقط الى الاسباب الداخلية فالقاسم المشترك الاعظم لجميع ما دار في صيف 1968 هو ان الجنرال عارف قد اطاحت به الاحتكارات البترولية الاي بي سي ووكالة المخابرات المركزية الامريكية

 وقد انتهزت جماعة من الضباط ذلك للاطاحة بالنظام ويقال ان دولا اجنبية قد راهنت ايضا على اسقاط الجنرال عارف وان واشنطن هي التي تغذي فكرة الحركة التي تأخذ شكل انقلاب صاعق وربما اسفرت سلسلة من الضغوط تمارسها الشركات البترولية والاوساط البرجوازية في العراق .)

واستشهد رولو بما نشرته صحيفة الاوريان البيروتية التي تنبأت قبل 4 اشهر من انقلاب 17 تموز/يوليو 1968 وبشرت باضطرابات في العراق بل انها وصفت بالتفصيل الدقيق بـ( الثورة البيضاء).

 والواقع ان الحرس الجمهوري هو الذي كان رأس الحربة للمنشقين وقد اتفق الجنرال العقيلي والبكر وهما من اتجاهين سياسيين متنافرين على قلب نظام عارف .واخيرا كان للحركة الشكل الذي اشير اليه أي الانقلاب الخاطف .

 كان الملحق العسكري العراقي في بيروت العقيد بشير الطالب احد المشتركين في حركة 17 تموز . اما الرئيس المباشر لهذا العقيد فهو المدير المساعد للمكتب الثاني العقيد عبد الرزاق النايف وهو احد الاثنين اللذين قاما بالانقلاب،  وكان العقيد طالب يعد تقارير مستقاة من زملائه في السفارات الاجنبية وهذا امر طبيعي بالنسبة لوظيفته وكذلك من الاوساط المحافظة للاجئين العراقيين الذين كانوا بدورهم يغذون الصحف اللبنانية بمعلومات صحيحة او مغلوطة ماسة كلها بنظام عارف .

وهكذا بدأت حملة صحفية حقيقية في لبنان بالمؤازرة مع الجهود المبذولة في العراق استهدفت حتى تشويه السياسة البترولية لحكومة بغداد، وكان الهدف الرئيس للحملة الاتفاق الذي ابرم في تشرين الثاني 1967 بين الشركة الفرنسية ايراب والشركة الوطنية العراقية .لقد وصفت نية الجنرال عارف في الحصول على طائرة ميراج واعطاء امتياز استثمار منابع الرميلة الشمالي الى الشركة الوطنية لبترول – اكتيان – وصفت بانها خيانة المصالح الوطنية.

 وكان على نظام عارف امام هذا الهجوم المختلط ان يتراجع .وفي ربيع عام 1968 قطع المفاوضات التي كانت تسير متوازية مع الشركة الفرنسية للبترول والشركة الوطنية العراقية واعلن انه سوف يستثمر بنفسه وبلا وسيط منابع الرميلة الشمالي ومناجم الكبريت في المشراق ، لكن في 17 تموز استولى على السلطة ايضا المحافظون من المحيطين بالجنرال عارف بالتعاون مع العسكريين من الجناح المعتدل لحزب البعث كان اول تدبير اتخذه هو اعتقال جميع الرجال الذين اسهموا من قريب او بعيد في توقيع اتفاقية ايراب .ففي بغداد ترددت شائعات تقول ان الشخصيات المعتقلين سوف يحاكمون بتهمة الاختلاس اذ انهم تقاسموا مبلغ 30 مليون فرنك (6 ملايين دولار )  دفعته لهم الشركة الفرنسية.

 وفجأة بدا كل شيء واضحا وضوحا شديدا بالنسبة للاوساط السياسية في العراق وكذلك بالنسبة لبعض الصحافة العالمية المسؤولون الجدد لن يكونوا سوى عملاء للانكلو – امريكان ولن يتأخروا عن الغاء اتفاقية الايراب واعادة العلاقة مع الاي بي سي ، وقد خيل لبعض المراقبين في الحال ان هناك اليد الانكلوسكسونية التي تعتبر العراق بشكل تقليدي منطقة نفوذ لها ولما اعوزهم الدليل الذي لا يدحض دعموا نظريتهم بالاشارة الى العلاقات بين بغداد وشركة نفط العراق الاي بي سي وهي المؤسسة البترولية القوية التي يشرف عليها الانكليز والامريكان قد تردت بشكل خطير والاستنتاج المنطقي هو ان لندن وواشنطن سعتا الى التخلص من حكومة هي في كل الاحوال محرومة من أي مرتكز شعبي تهدد مصالحهما الحيوية، فمنابع الرميلة الشمالية وحدها هي ما تزال غير مستثمرة تحتوي حسب اقوال الخبراء احتياطيا يقدر ما بين 700 – 1400 مليون طن أي ما يعادل انتاج العراق السنوي عشرة اضعاف او عشرين ضعفا ،وتحولت نقمة الانكلو سكسون الى عناد وعندما تضامنت الحكومة العراقية مع سوريا عام 1966 تحت ضغط الرأي العام ورغم ما لحق بها من خسارة عندما عمدت الى اغلاق حنفيات الانابيب التي تجتـاز اراضيها في اعقاب نزاع نشأ بينها وبين شركة نفط العراق الاي بي سي.

 

 

 

 

سيف الدوري

 كاتب وصحفي من جيل الرواد

(مواد سابقة)

 

 

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا