الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

شاكر الأنباري..

عن زهير جزائري و"ضباب الأمكنة"

 

(*) يمتلك زهير الجزائري في هذا الكتاب قدرة غير متناهية على المقارنة بين زمنين، ومكانين، عاشهما في مرحلة الشباب والنضج قبل أن يغادر إلى منافيه، ثم عودته إليهما كهلا يمتلك عدة معرفية مضمخة بالحنين لاستعادة ذلك الزمن البعيد ومقارنته بواقع جديد هو الحاضر المر. عاد زهير بعد تجارب وانتقالات مكانية ليجد مدينة مدمرة، مشوهة، مختلفة عن تلك التي حملها في خياله ذات يوم. تلك المدينة التي يكرس لها زهير كتابه هذا هي العاصمة بغداد، بدجلتها، وجسورها، وساحاتها، وذكرياتها، وشخوصها ممن غادر إلى السماء أو صار شيخا محطما يجتر أحلامه، وذكرياته، ومواحعه.

يمتاز نثر زهير في مقاربته للأمكنة القديمة والجديدة في بغداد كالكرادة، والبتاويين، وشارع فلسطين، ومنطقة القشلة، وشارع المتنبي، وزيونة، وشارع الرشيد، وساحة الفردوس، بالصدق النابع من حب فريد للأمكنة، حب فتى جاءها ذات يوم من النجف شابا لينغمس بحياة أخرى، حياة الثقافة والفن والطموحات والصحافة وفجر الحداثة التي وفدت إلى العراق انطلاقا من العاصمة بغداد. بجمل شعرية، وسلاسة بليغة، وتداعيات تسافر بين الماضي والحاضر، يلمس قارئ "ضباب الأمكنة" ذلك الحب الجارف، المتدفق من روح الكاتب عبر الكلمات إلى تفاصيل الأحداث وهي تربط بين زمنين يمتدان ما يقرب من النصف القرن. وكان زهير الجزائري شاهدا، ومشاركا في صناعة تاريخ العاصمة، ومفسرا، وقارئا لتلك الوقائع بعد زوال الأمكنة والمسرح الغريب مع ممثليه. وهو من نوادر الكتاب العراقيين الذين أحبوا البلاد كل هذا الحب، ودافعوا عن شرعية الحلم بوطن يحمي الجميع ويوزع عدالته على الجميع وينسج مستقبله بسلام بعيدا عن القتل والحروب والفساد.

لقد ذابت شعلة المواطنة في روحه وتوهجت بحزن غامر، سرعان ما يسري إلى القارئ مع الكلمات، والجمل، والأفكار العميقة. وتلك هي لغة الأسى أيضا، حين يجد المرء مدينته وهي ترتدي جلدا آخر لم يعد مألوفا لجيله. وتلك هي حكمة العمر بعد معرفة، وثقافة معاصرة اخترقت حدود المحلية ورضعت من استشرافات تنتمي إلى ثقافات أخرى لتشحذ الحساسية الفردية، موصلة إياها إلى نهاية القوس. يمسك زهير كاميرته السينمائية ببراعة، وتأن، فيرصد التفاصيل، والتحولات الإجتماعية، والأفكار الجديدة، والحداثة التي جاءت بعد ثورات بركانية شهدتها بغداد في بداية هذه الألفية. ثم عبر قراءة تلك الصور يحاول أن يرمم ذاكرة مخلخلة، أو يستعيد ذكريات من تحت الركام، ركام الحروب والإقتتال الطائفي، والتكالب على الثروات والمناصب، فإذا هو يلخص تجربة نصف قرن مرت بها بغداد، والعراق بالمحصلة، ليبدع لنا في النهاية وثيقة تاريخية، أدبية، إجتماعية، ستظل مصدرا ملهما للباحثين، وللأجيال الجديدة التي لم تعاصر تلك الحقب بل سمعت عنها فقط، وهذا كله من مواصفات النص الحيوي، المكتنز بالظلال، الزاخر بالشعر والأفكار، وحكمة التاريخ.

(*)
مدونة نشرها الروائي العراقي، شاكر الأنباري، في صفحته الفايسبوكية.

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا