الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

 

المستتر الذي

 أظهره فيسبوك

أحمد ابو رتيمة

 

مثّل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي قبل عقد من الزمن أو يزيد؛ تحدياً ثقافياً في المجتمعات العربية. إذ إن ميزة هذا الإعلام أنه منح كل مواطن منبراً مجانياً للحديث والتواصل بأفكاره دون قيود، كما أنه سمح للناس بالاقتراب من خواطر نفوس بعضهم البعض ورصد تقلباتهم المزاجية دون فلترة وتزويق.

هذا الواقع الجديد شكل فرصةً لرصد ظواهر المجتمع على حقيقتها وسهولة التعرف على ثقافة الناس وطرق تفكيرها. وإذا كان كثيرون يميلون إلى وصف هذه المواقع بأنها "عالم افتراضي"، إلا أن هذه التسمية ليست دقيقةً دائماً، وكثيراً ما تكون هذه المواقع أكثر حقيقيةً من عالمنا الحقيقي ذاته، ولا أدل من ذلك من حوار فريق من زملاء العمل مكثوا في مكاتب متجاورة سنوات طويلةً قبل ظهور الإعلام الجديد، ثم حين صار لكل واحد منهم منصة يعبر فيها عن نفسه قالوا لبعضهم لبعض إننا لم نعرف أنفسنا حق المعرفة إلا عبر فيسبوك. فقد يكون فرد بجوارك لا تأبه له ثم إذا قرأت له نفذت إلى أعماق فكره وإحساسه، فذهلت من بحار هائجة وأشواق ثائرة تنطوي عليها نفسه، ولا ينبئ عنها وجهه البسيط.

ما يظهر من الإنسان في الإعلام الجديد هو أفكاره ونظرته للحياة وخبايا مشاعره، وهذه الأشياء هي أكثر جوهريةً من أن يعرف أحدنا عن الآخر أباه وأنسابه وأصهاره وعمله والشارع الذي يسكن فيه.

إن قرب أجهزة التواصل من أيدي الناس وسهولة الوصول والحديث في أي ساعة من ليل أو نهار؛ قد قرب عقولهم وقلوبهم من بعضهم البعض، فانحسرت مساحة الغموض وتوسعت مساحة الانكشاف. فالمرء بطبيعته يميل إلى الإفاضة ويختنق من الكتمان، وهذه الطبيعة قديمة، لكنها لم تكن تجد سبيلاً سوى الحديث مع الوسط الاجتماعي القريب. أما اليوم، فإن خروج خاطرة من سريرة النفس إلى فضاء العالم لا يقتضي أكثر من لحظة صغيرة بجهد يسير: "يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ".

كم من خواطر التمعت في عقول أصحابها فجأةً ثم تجسدت خلقاً كبيراً وارتفع ذكرها؟ إذ تحولت إلى مبادرات اجتماعية آمن بها الناس فأخرجوها من ظلمة الاحتجاب إلى نور الظهور والانتشار. وهذا تجل لسنة الله الذي يخرج الخبء من السماوات والأرض.

الإعلام الجديد هو مرآة النفس والمجتمع، فيه ترتخي سلطة المجاملة والتجمل ويشعر الإنسان بحرية أن يقول ما يشعر به، حتى لو كان ذلك باسم مستعار، فإن خلف هذا الاسم المستعار إنسان حقيقي يبوح بما تنطوي عليه نفسه. وحتى لو أوصل الإنسان فكرته بالتلميح بدل التصريح، فإن المقصود بالتلميح هو إنسان حقيقي يريد صاحب الرسالة أن يقول له ما يخجل أن يواجهه به. في النتيجة، فإن محتوى الإعلام الجديد مرآة حقيقية كاشفة لثقافة المجتمع وخبايا الأفراد.

فجَّر الإعلام الجديد الطاقات الإنسانية الكامنة، وأظهر أيضاً أمراض الثقافة المستترة. وكلا الأمرين خير وإن ضاق الناس بالآفات التي يظهرها هذا الفضاء، فإن مواجهة قبح الواقع خير من خداع النفس، والحقيقة المرة خير من الوهم المريح، ومواجهة أمراض الثقافة هي الخطوة الأولى في طريق علاجها.

لقد أظهر الإعلام الجديد اتساع الجدل الذي تنطوي عليه نفس هذا الإنسان ومثالية التطلع إلى اجتماعهم على رأي واحد، حتى في المسائل التي يظنها المؤمن بها بدهيةً. في هذا الفضاء تجد من يبرر أبشع الجرائم الأخلاقية ويناصر أعتى الطغاة، ويثبت على موقفه سنوات طويلةً دون أن تدفعه كل الأحداث والآيات إلى تصحيح موقفه. اختلاف الناس في الرأي لا يجعل الخطأ صواباً ولا يمنح الجريمة شرعيةً، لكن ييأس المرء من إضاعة وقته في انتظار اتفاق الناس حتى على أشد الأمور بداهةً، مثل صيانة كرامة الناس واحترام حقهم في الحياة والتعبير وإدانة قتلهم.

أظهر الإعلام الجديد استعداداً مهولاً في الوسط الثقافي لتصديق الوهم والخرافة بكل أنواعها، الدينية والعلمية والسياسية، وغياب أبسط بدهيات التحقق العلمي. فأي فرد يمكنه أن يؤلف أي خبر أو تصريح ثم ينشره بين الناس فيتداولونه، دون أن يكلف أحدهم نفسه التحقق من ثبوته، بل ويمكن أن يشتمل هذا الخبر أسماء جامعات وشخصيات ومعاهد لا أصل لها في الواقع، فيتحول الناس إلى موطن سخرية للساخرين، وإذا سألتهم عن مصدر ما يقولون؛ نظروا إليك مستنكرين، مع أن أبسط قواعد المنطق هي مطالبة المدعي بالبينة. والعجيب إن طالبت أحدهم بالدليل أن يجادلك بجهل، مع أن المطالبة بالدليل هي شرط سابق لأي حوار محتمل، وكل كلام لم يأت صاحبه بدليل فهو ساقط لا قيمة له.

رواج الخرافة يحدث في أمة يتسابق أبناؤها في ختم القرآن في رمضان دون أن يفقهوا أن القرآن يقول لهم: "ولا تقف ما ليس لك به علم"، ويقول لهم: "هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"، ويقول لهم: "إن عندكم من علم فتخرجوه لنا"، ويقول لهم: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس". 

استعداد الناس لتصديق أي شيء دون التحقق منه يعني في المحصلة مجتمعاً يرتع في الخرافة والجهل، ولا يحترم العقل والفكر، ويقوده الماكرون في أي وجهة يريدونها على عماية منه وضلال مبين.

هذا الرواج للخرافة والوهم ليس شأن البسطاء وحدهم، بل يتورط فيه من يصفون أنفسهم بأنهم نخبة المجتمع. وكم من فرد يحمل شهادةً عليا أو يحتل موقعاً رفيعاً في الشأن العام يتورط في إعادة نشر هراء وادعاءات؛ لو كلف نفسه ببحث قصير عبر جوجل لاحترم عقله وعقول الناس. وهذه هي إحدى خصائص الإعلام الجديد؛ أنها أسقطت أقنعةً كان يختبئ وراءها من يوصفون بالثقافة والفهم والقيادة، لكنهم حين أعطوا فرصةً مكافئةً مثل الناس افتضحت ضحالة تفكيرهم، فزال العجب من النتيجة التي أوصلت قيادتهم الناس إليها ما دامت هذه هي عقولهم.

في مقابل رواج الخرافة أظهر الإعلام الجديد الكسل المعرفي، فأكثر الناس زاهدون في العلم، ولا يصبرون على إتمام قراءة مقال بحجة الانشغال، بينما يضيعون ساعات من وقتهم في اللغو واللهو، ثم يحاكمون الناس ويوزعون اتهامات الخيانة والكفر والفساد دون فهم. وهناك من يطالبك بإعادة قول ما قلته وتفسير المفسر لأنه ينتظر منك أن تطعمه الإجابة في فمه كما يطعم الوليد التمرة في فمه.

زهد الناس في القراءة ليس مشكلةً ثانويةً بل هو مأساة ثقافية، إذ كيف سيفهم الإنسان الحياة وكيف سيتخذ القرار الصحيح، وكيف سيصدر الحكم العادل على الأشياء ما لم يطلع على تجارب الناس وأفكارهم ويشاركهم ثمار عقولهم؟

أظهر الإعلام الجديد مدى هشاشة التصاق كثيرين بالمبادئ، وأنهم يكيفون المبادئ لتوافق أهواءهم الشخصية والسياسية والطائفية بدل أن يلتزموا في حياتهم بالمبادئ. تراهم ينظرون بمجهر مكبر لعيوب الآخَر السياسي والطائفي والثقافي، بينما يهشون أخطاء أنفسهم كما يهش أحدهم الذبابة عن أنفه، وفي ذلك يصدقون قول القرآن: "ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون".

 
حين يحدثك متعصب شيعي عن جرائم السعودية في اليمن ترى عينيه تذرفان من الدمع أسفاً على الإنسانية المعذبة، فإذا سألته عن الإنسانية المعذبة في سوريا قلب لك المسألة وعقدها، والعكس صحيح إلا من رحم الله.

حين يحدثك الفتحاوي عن اعتقال ناشط في غزة تعجب من جمال تنظيره لمبادئ حقوق الإنسان وصيانة حرية التعبير، فإذا سألته عن الاعتقال في الضفة نكس رأسه وانتكست المبادئ التي كان يدعو إليها من قبل، والعكس صحيح إلا من رحم الله.

 
من المؤسف ألا يكون الناس صادقين، وألا يتذكروا المبادئ إلا حين توافي أنانياتهم: "وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين". وما دام أحدنا لا يرى بأساً في انتهاك حق الآخر "ليس علينا في الأميين من سبيل"، فإن الطريق إلى بناء مجتمع إنساني يصون كرامة الإنسان ويحفظ حقوقه لا يزال بعيداً وشاقاً.

لقد أهدى إلينا فيسبوك عيوبنا، والعاقل لا يحطم المرآة إذا أظهرت له ما يكره، بل ينتفع من المرآة في إصلاح نفسه

.

" عربي21" لندن

 

 

أحمد أبورتيمة

 كاتب فلسطيني من غزة

 ينشر في موقع (عربي21)  

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا