الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

 

طارق  يوسف اسماعيل

يفيض بالتاريخ وينتشي بالوطنية

 

مقدمة بقلم :

عبد الحسين شعبان*

 

I

            استعدت وأنا أقرأ السردية الممتعة التي كتبها الدكتور طارق يوسف اسماعيل والموسومة "من زوايا الذاكرة ؛على هامش ثورة 14 تموز عام 1958"، كتابه الأثير عن "الحزب الشيوعي العراقي" The Rise and Fall of the  Communist Party of Iraq: Evolution and Transformation  الذي صدر عن جامعة كامبريدج ، العام 2008، بل كتاباته عن الحركة الشيوعية العربية، فهو من الأكاديميين الذين لهم باع طويل في البحث العلمي والذي خصّص مساحة كبيرة منه لليسار العربي بشكل عام.

            ومن أبرز مؤلفاته على هذا الصعيد كتابه عن الحركة الشيوعية المصرية The Communist Movement in Egypt, 1920-1988,    الذي صدر عن جامعة سيراكيوز للإعلام ، العام 1990، والحزب الشيوعي السوداني The Sudanese Communist Party: Ideology and Party Politics  الصادر  في لندن عن Routledge العام 2012 ، والحركة الشيوعية في العالم العربي The Communist Movement in the Arab World  الصادر عن  Routledge العام 2004، والحركة الشيوعية في سوريا ولبنان The Communist Movement in Syria and Lebanon الصادر عن جامعة فلوريدا العام 1998، وغيرها من الكتب التي لها علاقة بالسياسة والحكم في الشرق الأوسط المعاصر، بما فيها كتابه عن "الاستمرارية والتغيير في الشرق الأوسط المعاصر"، الصادر العام 2012 Government and Politics of the Contemporary Middle East: Continuity and Change وآخر إنتاجه العلمي Iraq in the twenty- first century: Regime Change and the Making of a Failed State , Routledge,2015  والذي عالج فيه آثار الاحتلال الأمريكي للعراق وتحويله إلى دولة فاشلة.

            وصديقنا الأكاديمي والمفكّر طارق يوسف اسماعيل وإنْ كتب عن اليسار ، وحتى لو تعاطف معه، فلم يكن يوماً من الأيام قد عمل في صفوفه أو جزء منه، لكنه كتب بعقل المؤرخ ولغة الباحث السسيولوجي والخبير والمختص  بعلوم السياسة والعلاقات الدولية، وهكذا بحث في شؤون وشجون اليسار العراقي والعربي من منظور منفتح ودون إسقاطات أو رغبات إرادوية، ولعلّ كتابه " من زوايا الذاكرة - على هامش ثورة 14 تموز 1958"  الذي سيكون بيد القارئ العراقي والعربي، وإن كان تعبيراً عن تجربة شخصية وحياتية، وخلجات روح وطنية توّاقة إلى الحقيقة، فإنه في الوقت نفسه جزء من التاريخ السسيولوجي لمجتمعاتنا وصراعات قواه السياسية وتياراته الفكرية والدينية وتنوّع قومياته وإثنياته ولغاته، وذلك لأن تاريخ اليسار العراقي والحركة الشيوعية بشكل خاص هو جزء لا يتجزأ من تاريخ الدولة العراقية، التي لا يمكن الحديث عنها وعن المجتمع العراقي دون المجيء على ذكرهما.

             وبهذا المعنى فإن أي بحث عن اليسار سيقود بالضرورة إلى أروقة الدولة ومؤسساتها وقوانينها وطبيعة نظامها السياسي وممارساتها، تلك التي سيكون مواقفه منها في الصميم  من تكويناتها،  مثلما سيكون موقف الدولة من اليسار بمؤشراته السلبية أو الإيجابية جزء من معايير الحكم عليها، خصوصاً وإن اليسار بشقه الماركسي وعلى مدى تاريخ الدولة العراقية، لم يعرف العمل العلني الشرعي والقانوني إلّا باستثناءات  محدودة جداً، وتعرّض لتصفيات وتشويهات كثيرة ومتنوّعة دون نسيان أخطائه وعيوبه بالطبع.

            إن الصورة التي ترسمها زوايا ذاكرة اسماعيل الخصبة والطريّة تظهر على نحو جلي وواضح، دور اليسار العراقي في صعوده ونزوله وتمدّده وانحساره ونجاحاته وإخفاقاته على مدى تاريخه، ويجب أن لا ننسى أن مدرسة اليسار العراقي كانت قد خرّجت أو أثّرت في طواقم من المثقفين العضويين بتعبير المفكر الماركسي الإيطالي انطونيو غرامشي، ممن كان لهم دور كبير في أربعينات وخمسينات القرن الماضي وجلّهم من أصدقاء طارق اسماعيل الذين ترد أسماؤهم في متن الكتاب، لاسيّما مساهمتهم  في الحركة الشعبية والمنظمات المهنية المدنية والسلمية وأنشطتها المختلفة، تلك التي انضوت تحت لواء  جبهة الاتحاد الوطني التي انعقدت في 7 آذار (مارس) العام 1957 ، والتي كان سكرتيرها وكاتب بيانها التأسيسي ابراهيم كبّه الذي ارتبط مع اسماعيل بصداقة خاصة، سواء حين كان وزيراً، أو بعد ذلك في إطار عمل جامعي وأكاديمي يوم عمل طارق اسماعيل استاذاً زائراً في جامعة بغداد،  وكان تأسيس جبهة الاتحاد الوطني قد مهّد لمجموعة الضباط الأحرار للقيام بالثورة في 14 تموز (يوليو) 1958 بعد أن تأكدت من تأييد القوى الوطنية المتحالفة في دعمها وبالتنسيق معها.

II

            تضيء زوايا ذاكرة طارق اسماعيل، الثورة العراقية منذ اللحظة الأولى لذلك الصباح التموزي المتميّز، حين اصطحبه صديقه الملازم عبد الكريم جاسم إلى دار الإذاعة ليتعرّف على العقيد عبد السلام محمد عارف، وليبدأ رحلة متميّزة وأثيرة من العمل الوظيفي بالقرب من الزعيم عبد الكريم قاسم بعد أن كان قد تخرّج من دار المعلمين العالية عشية الثورة واستلم شهادته من الملك فيصل الثاني، الذي كان أول الضحايا صبيحة الثورة، وتلك إحدى مفارقات التاريخ.

            وشهدت الثورة أحداثاً جساماً منذ لحظاتها الأولى، لاسيّما بتصفية العائلة المالكة وما رافق ذلك من أعمال عنف طالت بعض رموز العهد الملكي، مثلما حصل للأمير عبد الإله الذي تم سحله، ثم علّقت جثته في منطقة الكرخ قرب جسر الشهداء، وبعدها تم تقطيع أوصاله في مشهد سادي شديد الوحشية ولا مثيل له، وجثة نوري السعيد  التي حصل لها ما حصل للأمير عبد الإله، وذلك بعد يومين من انتصار الثورة (16 تموز/يوليو/1958).

            وتركت تلك الأحداث تأثيراتها السلبية على مسار الثورة وتطوّرها والصراعات داخلها، كما أتتها رياح التأثير من خارجها إقليمياً وعربياً ودولياً. وللأسف فإن الثورة دشّنت  باكورة أعمالها بالدم، وهو المشهد الذي غطّى على الكثير من منجزاتها وشوّش عليها، ووضعها في حالة دفاع عن النفس، وضاع العديد من المكتسبات في ظلّ ضبابية المشهد وغياب الوحدة الوطنية وتفكك جبهة الاتحاد الوطني .

            وبغض النظر عن دموية المشهد واندلاع الصراع الداخلي المحموم  فإن الثورة  حققت عدداً من المكاسب التاريخية منها الانسحاب من حلف بغداد الاستعماري والمعاهدات غير المتكافئة مع بريطانيا والولايات المتحدة وتحرير العملة العراقية من نظام الكتلة الاسترلينية وإطلاق الحريات في الأشهر الأولى من عمرها، وإصدار قانون الأحوال الشخصية رقم 88 العام 1959، الذي كان خطوة متقدمة لمساواة المرأة بالرجل، وغيرها من الإجراءات التقدمية المهمة، وفيما بعد خطت الثورة خطوات وطنية كبرى مثل تحرير الثروة النفطية من الاحتكارات بإصدار قانون رقم 80 لعام 1961.

            ولعلّ تلك الخطوات هي التي دفعت القوى الإمبريالية للإطاحة بنظام قاسم والعمل على تقويض الوحدة الوطنية، خصوصاً بالصراع بين الشيوعيين والقوميين،  وكان أحد أوجهه ما حصل في الموصل وكركوك من ارتكابات، وينقل لنا مؤلف الكتاب بعض المشاهد الحيّة من داخل منصة الحكم كما يقال، منها حركة العقيد عبد الوهاب الشوّاف وملابساتها، بما فيها ضيق صدر الزعيم عبد الكريم قاسم من الشيوعيين، وخصوصاً بعد مسيرة الأول من أيار (مايو) 1959 " المليونية" التي رفع بها الحزب شعار "المشاركة بالحكم" بالضغط على قاسم من الشارع، وكانت تلك إحدى مؤشرات تدهور العلاقة بين الطرفين، وانتهاء ما سمّي بفترة "المدّ الثوري" التي استمرّت من آذار (مارس) ولغاية تموز(يوليو)1959.

            ولم ينسَ طارق وهو يتناول بعض منجزات الثورة أن يستعيد تلك الثنائية التي تكاد تكون متلازمة سلباً أو إيجاباً بين اليسار الماركسي واليسار القومي، فكل حديث عن اليسار  يتفرّع حتى دون رغبة في ذلك إلى شق ماركسي وآخر قومي، وإن اتسمت علاقتهما بحساسية خاصة شابها في معظم الأحيان منافسة مشروعة وغير مشروعة، أخذت بُعداً إقصائياً وإلغائياً وتهميشياً، ولاسيّما بعد ثورة 14 تموز(يوليو) 1958، وقد حاول أن يتوقف عند العديد من محطاتها المعلومة وغير المعلومة، وأن يستذكر أحداثها بما لها وما عليها، بحلوها ومرّها، محاولاً أن ينظر إليها بعد تلكم السنون بشيء من الموضوعية والإنصاف والتجرّد.

            وكانت تلك الثنائية العجيبة بين اليساريين تسير في طريق شاق ومرهق ووعر، انتقل من التحالف إلى الاقتتال، ثم إلى التحالف والاحتراب مرّة أخرى، ومن الصداقة والتضامن والعمل المشترك إلى التشكيك والاتهام والتخوين، ومن التقارب في الأهداف إلى التباعد في الوسائل، ومن المُشتركات إلى المُختلفات، وهو الأمر الذي كانت خسارته فادحة على الإثنين وعلى الدولة والمجتمع في العراق الذي دفع ثمنه باهظاً.

III

            وللأسف فإن العزل السياسي اتخذ أشكالاً مختلفة في العراق، ففي العهد  الملكي كانت القوانين ذات العقوبات الغليظة قد خصّت الشيوعيين بالتأثيم ومنه إلى التحريم والتجريم، لاسيّما  بعد قيام حلف بغداد العام 1955، ولكن في العهد الجمهوري الأول وحين هيمن الحزب الشيوعي على الشارع، ولاسيّما  بعد حركة الشواف (آذار/مارس/1959) اتخذ من الإرهاب الفكري وسيلة ضد خصومه القوميين والبعثيين  (حلفاء الأمس) الذين رموا كل بيضهم في سلّة جمال عبد الناصر الذي صعّد من عدائه لنظام عبد الكريم قاسم، مثلما حاولت القوى الإمبريالية وحلفائها العمل بكل ما تسنى لها لإعادة حصان تموز (يوليو) الجامح إلى "الحظيرة ".

            وحين وصل حزب البعث العربي الإشتراكي إلى السلطة بعد الانقلاب الدموي في 8 شباط (فبراير) 1963، انتقم من الحزب الشيوعي ، بل أصدر بياناً برقم 13 من مجلس قيادة الثورة (المجلس الوطني) شرّع فيه إبادتهم، وشهدت مقرات الحرس القومي ودوائر الأمن ومراكز الاعتقال حملات غير مألوفة من حيث الحجم وأساليب التعذيب والتفلّت من القوانين، ناهيك عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وتراجع عن منجزات الثورة.

            أما في العهد الجمهوري الثالث (العارفي) فقد احتكر التنظيم الوحيد "الاتحاد الاشتراكي العربي" حق العمل الحزبي القانوني والشرعي، وتم تحريم العمل السياسي للشيوعيين والبعثيين والحركة الكردية .

            وبعد انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 (الجمهورية الرابعة) ومجيء حزب البعث مجدداً إلى السلطة، شهدت البلاد انفراجاً نسبياً والتأمت بعض التحالفات المؤقتة والقلقة، حسبما بيّنت التجربة بين حزب البعث والحركة الكردية (1970) وبينه وبين الحزب الشيوعي (1973)، لكنها سرعان ما تهاوت، وكان العمل شبه العلني مجرد اتفاقات فوقية لم ينظمه قانوناً للأحزاب.

            وظل حزب البعث يتحكم بمقاليد الأمور ويقبض على جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وفقاً لصيغة "مجلس قيادة الثورة" المقرّة دستورياً، وكانت القوى التي تحالفت معه قد ارتضت به قائداً للدولة والمجتمع والسلطة السياسية ولصيغة تحالفاتها، فاستدار بالبلاد سريعاً نحو احتكار العمل السياسي والنقابي والمهني وتحريمه على الجميع،  واتخذ قرارات  بالقضاء على خصومه، حيث أصدر قراراً من مجلس قيادة الثورة  بتحريم حزب الدعوة (العميل) كما ورد في النص في 31 آذار/مارس 1980، مثلما اتخذ قراراً (داخلياً) بتحديد العام 1980 موعداً للقضاء على الحزب الشيوعي ، وامتدت إجراءاته  التعسفية تلك إلى داخل حزب البعث نفسه فأطاحت ببعض قياداته في مجزرة قاعة الخلد الشهيرة العام 1979.

            وللأسف فإن حكومات ما بعد الاحتلال استمرت، في منهج تحريم العمل السياسي على الخصوم ، حيث اعتمد قرار الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر بتحريم حزب البعث بالقرار رقم 1  في 16 أيار (مايو) 2003 القاضي باجتثاث البعث، والذي استمر لحين صدور قانون المساءلة والعدالة وهو قانون أقره البرلمان العراقي في 12 كانون الثاني (يناير) 2008 بديلا لقانون اجتثاث البعث، ويتضمن إجراءات أقل صرامة تجاه أعضاء المراتب الدنيا من الحزب.

            ولم تستفد القوى السياسية جميعها من الدرس التاريخي والتجربة  المريرة التي عاشتها. وكلما جاء عهد حتى انتقم من سابقه، وهكذا استمرّت دورة العزل السياسي وتلك التركة الثقيلة في  العهود المتعاقبة والمستمرة حتى تاريخنا هذا .

            ولعلّ هذه الفقرة الاستدلالية لها علاقة بمذكرات طارق يوسف اسماعيل، فما أن يأتي بحادثة تخص أحد الفريقين اليساريين إلّا ويكون الفريق الثاني حاضراً فيها اتفاقاً وإن كان قليلاً واختلافاً في الغالب، ولاسيّما عقب ثورة 14 تموز/يوليو 1958 التي يعتبر المؤلف أحد شهودها والحاضرين فيها، بل ويمكن اعتبار ما يرويه من مؤرخيها .

            وعلى الرغم من صغر سنّه وبداية تجربته الإدارية، لاسيّما بالقرب من الموقع الأول في الدولة، إلّا أنه لعب دوراً مهماً فيها حتى وإن كان موقع تنفيذي، لكنه كان قريباً من صاحب القرار ومؤثراً فيه، مع أنه لا يدعي ولا يزعم ذلك تواضعاً، لكن بعض تلميحات أو إشارات يأتي عليها بسرعة ، إلّا أن  دلالاتها كبيرة  بالنسبة لكاتب السطور وأظنّها ستكون للقارئ والمتابع حين نستعيد عفوية تلك الأيام وبساطتها وحميمية أطرافها،  مؤسسات وقوى وأفراداً، وهو ما سيكتشفه قارئ هذه المذكرات الشائقة.

IV

            كنتُ  أتابع ما يكتب طارق اسماعيل قبل أن ألتقيه، وكان قد درس في النجف في متوسطة الخورنق، أما الثانوية فقد أنهاها في الحلة، مثلما عاش مع عائلته في أبي صخير الذي كان عمي د. عبد الأمير شعبان طبيباً فيها، وكنا نقضي بعض أوقات العطل وأيام الأعياد عنده، علماً بان والد طارق عمل في سلك الشرطة وتولّى مناصب عديدة معظمها في الفرات الأوسط في الكوفة وسدّة الهندية والسماوة والرميثة، إضافة إلى أبي صخير.

            وكان والده قد تخرّج من مدرسة الصنائع، وكما يقول عنه طارق كان قريباً من الحركة الوطنية، حيث كان يتعاطف مع حزب الإخاء الوطني وجماعة الأهالي لاحقاً، ثم اقترب من " الحزب الوطني الديمقراطي" وإنْ احتسب على الشيوعيين بعد الثورة، لكنه لم يمارس العمل السياسي ولم ينخرط مع أي مجموعة سياسية، ومع ذلك أحيل على التقاعد بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963، وكان طارق متأثراً بجدّه اسماعيل الضابط في الجيش العثماني مثلما تأثر بوالدته الكردية التي يتحدث عنها بإعجاب كبير، وبقدر اعتزازه بنسبه الحسيني الذي تعود أصوله إلى اليمن، فهو " مشبّك العروق" حسب تعبير الجواهري الكبير عن نفسه لتداخله مع سلالات وأقوام عديدة، ومن هنا ينبع شعوره الإنساني، باحترام الخصوصيات والهويّات الفرعية، الدينية والإثنية واللغوية.

            ومثلما كنت أتابع طارق، فهو الآخر كان يتابع ما أكتب، ووجد كل منّا "شراكة" مع الآخر كما عبّر عن ذلك في مقدمة هذا الكتاب، لاسيّما في بعض الاستنتاجات والآراء، خصوصاً وأن الخلفية الأكاديمية والوطنية العراقية هي التي تجمعنا، وخلال لقاءاتي العديدة مع طارق في لندن والقاهرة وأنقرة وبيروت وغيرها، وفي مؤتمرات متعدّدة لجامعات ومنتديات فكرية مختلفة، إضافة إلى الرابطة الدولية للدراسات العراقية التي عمل على تأسيسها، كنت في كل لقاء أسمع منه بعض ما اختزن في زوايا ذاكرته من علاقة مع قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم الذي عمل بصحبته ، إضافة إلى علاقاته مع العديد من قياداتها والزعامات السياسية والفكرية والثقافية، دون أن ننسى أنه عمل في العديد من الصحف وفي الإذاعة وفي الإعلام ، وما كان مشوّقاً حقاً، هو بعض الصور التي حفّزته أسئلتي على استحضارها، في لقاء الجامعة الأمريكية في القاهرة في العام 2015.

            وكنت في كلّ مرّة أحثّه وأطالبه، بل ألحّ عليه بتدوين مذكراته، وهو ما حصل بعد تردّد وعناء، وحين أكمل كتابتها وأرسلها إليّ لكتابة مقدمة لها، وبعد الانتهاء من قراءتي لها وجدتها غنيّة وشائقة، بل أكثر عمقاً وثراءً مما كنت أتوقّعه، فضلاً عن موضوعيتها، ولعلّ طول المران وكثر المراس على العمل الأكاديمي جعلته أكثر عدالة واعتدالاً، خصوصاً وهو ينطلق من وطنية صافية وروح إنسانية نقية، وتلك إحدى صفاته الشخصية والعامة، ناهيك عن تسامحه ومرحه، وطارق اسماعيل ليس من النوع الذي يحبّ الظهور والمباهاة ، بل هو شديد الحرص على تقديم أهم وأكبر الأشياء بطريقة مبسّطة، فالأشياء البسيطة هي الأكثر تميّزاً وطبيعية  .

            وبعد أن التهمت عيوني حروفه الفضّية شعرت بكل بساطة بأنني أمام إنسان كبير بسجاياه الشخصية ودماثة أخلاقه وغزارة علمه، فالإنسان حين يكون كبيراً يزداد تواضعاً، وذلك هو علو الشأن الحقيقي وارتفاع الكعب دون شعور بالتبجّح وادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، فقد  قرأت نبرة طارق اسماعيل القوية لكنها دون صخب أو ضجيج، الواثقة دون تكبّر، فهو لم يرفع صوته أو ينسب أمراً إليه، بل حاول أن ينقل ما رآه وشاهده وسمعه وعاشه، حين كان قريباً من موقع الثورة الأول، وكأني به أستذكر جلال الدين الرومي الذي يقول " اخفض صوتك ، فالزهر ينبته المطر ، لا الرعد".

            لقد حاول طارق أن يستذكر بعض ما حدث ومن موقع الرائي والمشاهد والشاهد وأحياناً من موقع المشارك، واكتفى في أحيان أخرى بلغة المؤرخ وتدقيق الباحث ومسؤولية الساعي للوصول إلى الحقيقة، خارج دائرة الآيديولوجيا والانحيازات الجاهزة والأحكام المسبقة، ويقول في مقدمته التي وزعها على ثلاثة أقسام :

            الأول- تمهيدي يستعرض فيه كيف راودته فكرة كتابة ما يسمّيه بـ "الإرهاصات"؛     والثاني- يتناول فيه بألم أوضاع العراق بعد الاحتلال ويطلق عليه "العزيز الذي مات"، وهو الأمر الذي خبا بعد أن كان الحلم حاضراً في الإتيان بنظام يضع حدّاً للدكتاتورية والاستبداد، ويعيد للعراق وجهه المشرق كأحد شعوب الأرض المتميزة التي علّمت البشرية أولى حروف الأبجدية وعلوم القانون والفلك والطب وغيرها من دُرر الحضارة الإنسانية، وإذا به ينجرف نحو الطائفية البغيضة ونظام يقوم على الزبائنية والمغانم في إطار محاصصة مذهبية - إثنية وفي ظل احترابات خارج دائرة المواطنة ومرجعيات فوق مرجعية الدولة.

            والثالث - استعاد فيه الحديث عن أوراق ضائعة وعنونه: "أيامي في بغداد"، وحاول فيه أن يجيب لماذا هذه الخواطر؟ ويسميها "خواطر" بعد أن أسماها "إرهاصات"، حيث يقول " وكنت قد تجنّبت الولوج في عالم السياسة خوفاً من أن اختصاصي الدقيق سيدفعني إلى تحليل سلوك البشر ومحاولة فهم مكنونات صانعي القرار، فضلاً عن فهم التراث والثقافة التي تتحرك فيها تلك الكائنات، فوجدتني أشعر بالحيرة وأنا أحاول أن أكون منصفاً وعلمياً" وهي حيرة الباحث الموضوعي، ولعلّه حسب ابن عربي :

الهدى بالحيرة

والحيرة حركة

والحركة حياة

            لم توهن غربة طارق اسماعيل، التي زادت على نصف قرن ، من روحه الوطنية الوثّابة وتعلقه بكل ما له صلة بالعراق،  وكان أحياناً وعند منتصف الليل يتصل بي ليسأل عن خبر سمعه، أو ليتأكد عن حدث  ما،  أو ليدقق معلومة، أو ليسأل عن كتاب أو بحث أو ليلفت نظري إلى قضية ما أو مسألة مهمة، وسرعان ما يدرك "أنني كائن صباحي" وليس "كائناً مسائياً" أو " ليلياً"، فيستدرك ليغلق السماعة سريعاً، وليكتب لي ما يريد، فأجيبه قدر معرفتي ومستطاعي في اليوم التالي، وهكذا كانت الصلة والعلاقة خلال ربع القرن الماضي.

            وإذا كانت المذكرات قد احتوت على زفرات من الإنفعالات  والهموم التي ترك لقلمه أن يضعها على الورق، فهي ليست سوى آلام وعذابات لرجل ظلّ قلبه على وطنه في أحلك الظروف ولم يتوانَ رغم كل شيء من تقديم ما يستطيع له، وهو في الغربة، بغض النظر عن مواقفه وآرائه، وكم كان مفيداً لو استفادت الحكومات المتعاقبة من الكفاءات العراقية، خارج دائرة التصنيف المسبق الصنع الذي كان "الجميع" ضحاياه، وتنقّل بين نعيمه وجحيمه، وآن الأوان لإدراك هذه الحقيقة، وكل تجربة بنقدها، لأنه دون النقد لا تقويم حقيقي ولا معالجة للعيوب والمثالب والأخطاء، فما بالك إذا كان بعضها خطايا وآثام .

V

            حين نشر طارق كتابه عن الحزب الشيوعي العراقي أبديت له بعض الملاحظات الانتقادية  وتقبّلها برحابة وسعة صدر، خصوصاً ما يتعلّق ببعض خلافات الحركة الشيوعية من داخلها، لاسيّما سنوات السبعينات والثمانينات والموقف من الحرب العراقية - الإيرانية، وحركة المنبر الاحتجاجية، واستعاد بعضها بشغف بعد إصدار كتابي " عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل" - 2013  وقام بعدها بإجراء مقابلات معي ودوّن ذلك في مقالة مهمة له باللغة الانكليزية ، اقتبستها لأعيد نشرها في كتاب يصدر لي عن بعض قضايا الخلاف في الحركة الشيوعية.

            وطارق اسماعيل وإن لم ينتم يوماً إلى الحركة الشيوعية، لكنه يكّن لليسار احتراماً خاصاً، لأنه يراه يمثل القوى الأكثر مدنية وتحضراً وثقافة وحبّاً للحياة والجمال والعمران ومناهضة الاستغلال والدعوة للمساواة والعدالة الاجتماعية، خصوصاً وإن القسم الأكبر من صداقاته القديمة كانت مع مفكرين وأكاديميين ومثقفين يساريين وتزخر المذكرات بأسماء عديدة مثل بلند الحيدري  وبدر شاكر السياب ويوسف العاني وخالد الجادر وابراهيم جلال  وفؤاد التكرلي وسليم الفخري وابراهيم كبه وحسين مردان، لكن ذلك الموقف الشديد الاحترام لليسار العراقي، لم ينسه بعض أخطائه، بل حاول أن يذكّر بها، ولعلّ الخطأ الأكبر عنده هو موقف الحزب الشيوعي من الاحتلال الأمريكي والتعاون مع مجلس الحكم الانتقالي، وحسب رأيه إن ذلك أضعف الحزب الشيوعي، فما الذي سيتبقى من الماركسية؟

            ويكتب باعتزاز عن تاريخ الحزب الشيوعي الذي يقول عنه إنه شق طريقه في  النشاط الطليعي خلال القرن العشرين كلّه، ودعا إلى دولة عصرية مستقلة واتخذ مواقف سياسية رصينة وطرح قضايا اجتماعية واقتصادية جذرية وقدّم حلولاً ومعالجات مهمة، وقاد تحركات شعبية كبرى وعبّأ الجماهير للدفاع عن حقوقها ، لكن موقفه من دعوة بول بريمر الانضمام إلى مجلس الحكم الانتقالي عصفت بتلك التجربة والدور الطليعي الذي قام به.

            وبالعودة إلى تقييمه الإيجابي للفكر اليساري الماركسي ولعمل الحركة الشيوعية فإن كتابه يعدّ مرجعاً للحركة الشيوعية، بل لا غنى عنه، وقد استعرض فيه تاريخ الحركة منذ التأسيس وحتى السنوات الأخيرة، ما قبل الاحتلال وما بعده. وقد استكمل ذلك بمقطع مهم عن حركة المنبر ، نشره في مجلة المستقبل العربي ، العدد 439، أيلول  ( سبتمبر)، 2015 تحت عنوان "حركة المنبر الشيوعية: بين التبشير والتنوير!"

وكنت  قد عرّفت بهذه المقالة بالقول" أعتقد أن ما كتبه د. طارق اسماعيل سيسدّ فراغاً في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية المدوّن وغير المدوّن ولحقبة مهمة من تاريخ العراق، وتأتي هذه الدراسة، بعد نحو ثلاثة عقود من الزمان على انطلاقة المنبر، وبعد نحو ربع قرن على توقف عملها، لتكشف بالوثائق تفاصيل حركة المنبر وتسلّط الضوء على منطلقاتها ومطبوعاتها، كجزء من تاريخ الحزب الشيوعي، وذلك خدمة للحقيقة والتاريخ."

            وقبل أن أنهي هذه الفقرة وأنا أعرّف بالكتاب والمذكرات وبالمؤلف أنقل ما ذكره ثلاثة من الخبراء بشأن كتاب طارق اسماعيل عن الحزب الشيوعي :

            تقريض كلين رانكوالا - كلية ترنتي - كامبرج

            دوّن طارق اسماعيل تأريخ قيّم للفكر السياسي التقدمي العلماني للسنوات المئة الماضية، من خلال التحليل المنسجم والدقيق والمحايد، كيف أن حزباً جماهيرياً بمثله العليا وبالتصاقه بآمال وتطلعات الجماهير ، قد تفسّخ تحت ثقل الاضطهاد والظلم والسياسة الدولية وحماقات قادته.

            واطلعنا اسماعيل على التركة الفكرية الهامة والحيّة في ضمير الشعب العراقي ، تعي جيداً بأن السياسة هي ليست ببساطة الخيار بين طغيان صدام حسن والاحتلال الأمريكي.

 

            تقريض جارلس تريب- جامعة لندن

            إنه عمل يعج بالحراك والتفاصيل عن صعود وسقوط الحزب الشيوعي العراقي. لقد لامس البروفسور اسماعيل النضالات  والصراعات الفكرية التي واجهت العراقيين الذين أصرّوا على تغيير الظروف الاجتماعية المتردية لمواطنيهم وعلى تخليص بلدهم من السيطرة الخارجية ، لتأسيس حكم ديمقراطي اشتراكي.

            أظهر هذا العمل إلى العلن المعارك الأيديولوجية والفكرية للحزب الشيوعي العراقي، من خلال سلسلة من المقابلات مع عدد من الذين عايشوا النضال ومن مذكرات آخرين فضلاً عن أدبيات ووثائق الحزب ومصادر صحفية .

            أظهر هذا البحث ، المأزق الذي وصل إليه الحزب الشيوعي العراقي، بحيث لم يكن بإمكانه أن يتساوق لا مع قوة دولة عدوانية ولا مع الكفاءة التعبوية لمناصريه مما أجبره على المساومة التي هدّدت كيانه ووجوده.

 

تقريض أريك ديفز- جامعة روتجرس

            إنه أول دراسة باللغة الإنكليزية عن الحزب الشيوعي العراقي، الذي هو واحد من أكثر الأحزاب السياسية قوة وشهرة في العالم العربي . باعتماد مصادر عديدة ومقابلات مكثفة لعراقيين ذوو خبرة عميقة في معرفة الحزب، فإن البروفسور اسماعيل أظهر لنا كيف أن الحزب قد جذب أعضاء كان اهتمامهم بالماركسية أقلّ من تأكيدهم على العدالة الاجتماعية وعلى معاداة الطائفية.

            لقد أظهرت هذه الدراسة أن موقف الحزب الشيوعي العراقي من المناطقية والطائفية، جعلت منه الحزب الجماهيري الوطني الحقيقي الوحيد بين الأحزاب الجماهيرية الأخرى. كما أنه بيّنت أن الحزب الشيوعي العراقي قد استمر في نهجه بالتعاون فيما بين كل العراقيين من مختلف الانتماءات الإثنية في نظام ما بعد البعث.

            وأود هنا أن أعرّج على ما دوّنه القيادي الشيوعي العراقي السابق حسقيل قوجمان بشأن انطباعاته عن كتاب طارق اسماعيل، الذي يعتبره أفضل كتاب يعبّر عن تاريخ الحزب الشيوعي تعبيراً صادقاً، ويشدّد على كونه أروع ما كُتب ويدعو لترجمته للغة العربية (موقع الحوار المتمدن، 24 أيلول/سبتمبر/2009)، وكنت قد ذهبت بذات الاتجاه حين اعتبرت كتاب طارق اسماعيل من أهم الكتب عن تاريخ الحركة الشيوعية .

            ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أن تاريخ الحزب ليس من السهولة كتابته أو اختزاله أو حصره بمرجعية واحدة ووحيدة فهو متنوّع ومتشعّب وعويص، علماً بأن المؤتمر الثاني للحزب (العام 1970) قرر تكليف لجنة لهذا الغرض، لكن هذه المهمة لم يتم انجازها وهو ما يذهب إليه عبد الرزاق الصافي، على الرغم من تكليف رسمي لـ عزيز السباهي لاحقاً وتوفير المستلزمات الضرورية لقيامه بهذه المهمة، لكن ما أنجزه حتى وإن كان يمثّل الجناح الرسمي، لكنه كان يمثّل  في الوقت نفسه وجهة نظر خاصة، وسرعان ما وردت عليه ردود فعل وملاحظات  حادّة وشهد شدّاً وجذباً، حتى أن أحد إدارييّ الحزب السابقين كتب كتاباً تضمن قراءة نقدية لكتاب السباهي، وعنوان الكتاب الأول "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" وصدر عن مجلة الثقافة الجديدة، العام 2002، أما الكتاب الثاني فقد حمل عنوان " قراءة في كتاب عزيز السباهي" وصدر في العام 2007 وهو من تأليف جاسم الحلوائي.

            وبتقديري إن ثلاث جهات حاولت كتابة تاريخ الحزب ولكل أغراضه:

            أولها - حزبية من داخل الحزب أو كانت قد عملت في صفوفه ومن هذه الكتابات كتابي سعاد خيري وزكي خيري وهما " فهد والنهج الماركسي - اللينيني في قضايا الثورة ، بغداد 1972". أما الكتاب الثاني فهو " دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، دمشق، 1984"، وكتابات ابراهيم علّاوي (نجم محمود) ، وخصوصاً كتابيه " الصراع في الحزب الشيوعي العراقي وقضايا الخلاف في الحركة الشيوعية" و" الخلاف السوفيتي - الصيني وأثره على الحزب الشيوعي العراقي"، وهناك كتابات أخرى لبعض إداري الحزب السابقين ويمكن الإشارة هنا إلى كتاب نصف قرن من النضال الوطني والطبقي الصادر عن منشورات الحزب الشيوعي ، القيادة المركزية ، العام 1984.

            وثانيها- مؤلفات أكاديمية من خارج الحزب، بما فيها بعض أطاريح الماجستير والدكتوراه وأهمها كتاب حنّا بطاطو عن العراق  وهو يتألف من 3 أجزاء، وقام بترجمته عفيف الرزّاز، خصوصاً الجزء الثاني الموسوم " الحزب الشيوعي" ط2 ، 1996 والجزء الثالث المعنون " الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار"، ط2 ، 1999،  وصدر عن مؤسسة الأبحاث العربية، وقد خصص جزءًا مهما منها لتاريخ الحركة الشيوعية وأجزاء اتصالات بعدد من إداري الحزب السابقين، كما اطلع على وثائق الأمن العام والتحقيقات الجنائية السابقة.

            وثالثها- ما كتبه بعض المعادين للحزب الشيوعي والشيوعية أو المرتدين عليه، وأهم الكتب في هذا الميدان كتاب سمير عبد الكريم، وهو اسم وهمي وصدر لدار نشر وهمية، ويبدو أن أجهزة المخابرات العراقية هي من قامت بترويجه مع مجموعة كراريس أخرى في أواخر السبعينات والثمانينات وما بعدها. وكتاب مالك سيف " للتاريخ لسان" الذي صدر في العام 1983، وورد في مقدمته أنه ذكريات وقضايا بالحزب الشيوعي منذ تأسيسه حتى تاريخ صدوره .

            ويأتي كتاب طارق يوسف اسماعيل ليسدّ نقصاً كبيراً في المكتبة العراقية بشكل عام واليسارية بشكل خاص لما احتوى عليه من معلومات وتدقيقات وما قام به من جهد بإجراء مقابلات حيّة، فضلاً عن موضوعيته، حيث استند إلى المواقف المختلفة من مصادرها الأصلية وعلى لسان أصحابها، لذلك يستحق مثل هذا الاهتمام الكبير، علماً بأن طبعته الجديدة ستتضمن إضافات ومعالجات ووثائق لبعض قضايا الخلاف لم يتم التطرّق إليها في الطبعة الأولى كما وردت الإشارة إليه، وهو ما يعدّه للطبعة العربية حالياً.

VI

            كان طارق اسماعيل تلميذاً نجيباً لعلي الوردي وعلي جواد الطاهر، اللذان كانا من أوائل الذين أثرّوا في مشواره الأكاديمي الطويل والعويص والمتشابك، وحاول بما اكتسبه من معارف وعلوم لاحقة أن يتبع منهجاً وضعياً تاريخياً في تناول الأحداث الاجتماعية، بما يعطيها دلالات أكثر حيوية، بل يجعلها أكثر اقتراباً  من نبض الحياة ذاتها، ومثل هذا المنهج استخدمه في علوم السياسة والعلاقات الدولية، التي درّس فيها في العديد من الجامعات العربية والأجنبية، في الولايات المتحدة وكندا والجامعة الأمريكية في بيروت والقاهرة وجامعة بغداد كأستاذ زائر.

            ووفاء منه لذكرى علي الوردي فقد بادر في إطار الجمعية الدولية لدراسات الشرق الأوسط والرابطة الدولية للدراسات العراقية المعاصرة وبالتعاون مع الجامعة الأمريكية في بيروت AUB إلى تنظيم مؤتمر للاحتفال بمنجز الوردي بمناسبة مرور 100 عام على ميلاده حضره عشرات من الباحثين والأكاديميين (25-26 فبراير/شباط 2014).

            ولعلّ مذكّراته التي حاولتُ تأطير الحديث عن بعض زواياها فكرياً والانطلاق منها لمناقشة بعض أوضاع العراق، تحمل الكثير من القصص والحكايات والأحداث، ولذلك سأكتفي بهذا القدر وأترك للقارئ فرصة الاستمتاع بها، بل والاندهاش بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني، وسيكتشف عالماً غنياً ومثيراً في آن، وسيكون الأمر أكثر دهشة وانبهاراً للجيل الجديد الذي لم يعش تلك الفترة الخصبة من تاريخ العراق بما فيها صراعاتها بكل ما لها وما عليها . ولعلّه حتى أخطاء ونواقص تلك الأيام على حجمها وضخامتها، إلّا أنها كانت صميمية تعبّر عن اجتهادات ومواقف لقوى وتيارات أخطأت في اختيار الطريق الصحيحة.

            "فعراق اليوم ليس هو عراق الأمس الذي عشته" كما يقول طارق، وهو على حق، وأهله اليوم ليسوا أولئك الذين عرفتهم وعشت بينهم، كما يذكر في خاتمة مذكراته، ويقول "أجزم بأن ما كان يُدعى "عراقاً" لم يعد موجوداً، فقد حاول الغزو الأمريكي ومن جاء معه " اختطاف الوطن" وتعريضه للقضم والتفتيت واغتيلت صورة العراق موطن الثقافة وأساس الجذور الأولى للبشرية، خصوصاً حين عمّ الحقد وتفشت الكراهية وسادت الطائفية وانتشر الكثير من مظاهر التعصّب والتطرّف والعنف مصحوبة بالكذب والدجل ..."

             بذلك يختتم طارق مذكراته  التي أرادها لأحفاده بهذه اللغة المؤلمة، حيث يرى "تجار السياسة " وهم يتصدّرون المشهد العام، علماً بأن  للتجارة أخلاقها ومقاييسها وقوانينها وأصولها ووسائلها المعروفة ، لكن ذلك لم يكن يأساً منه، بل تعبيراً عن واقع مأساوي " لأن من أفجع ما تبصره العيون / وجوه أولادي حين يعلمون" كما  ورد من نفثة حزن من الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدته  "الزائر الأخير".

            كتب طارق بقلب حار فاستحضر التاريخ ليعطينا العبرة والدلالة، ففاض فيه، ولأن التحقّق والامتلاء مصدره ذاتي وعفوي، فقد طفح بالوطنية ، وتلك في كل الأحوال "إرهاصات" و"خواطر" أكاديمي وعالم اجتماع وتاريخ وسياسة وأخلاق، هي كل رأسماله، إضافة إلى صداقاته في رحلته الشائكة فـ" ليس من رحلة أشقّ من العودة إلى العقل" حسب الشاعر والكاتب المسرحي الألماني برتولت بريخت .

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 

* مفكر وباحث عربي من العراق، له عدد من الكتب في قضايا الفكر والقانون والسياسة والأديان والأدب والثقافة والنقد. أستاذ القانون الدولي وحالياً نائب رئيس جامعة اللّاعنف وحقوق الإنسان في جامعة أونور(بيروت) .حائز على وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي، القاهرة، 2003.

(الناشر)

صحيفة الزمان (العراقية)

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا