الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

«الأوليغارشية»

وروح الديمقراطية

 

عبد الحسين شعبان

 

الديمقراطيات الغربية تمرّ اليوم بتغييرات جذرية أقرب إلى الانقلاب على بعض أسس الديمقراطية، خصوصاً الاستثمار في «عولمة اليد العاملة».

زعزع صعود التيارات والأحزاب الشعبوية في الغرب «الديمقراطية» فكرة وممارسة، وخصوصاً من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، ناهيك عن ارتقائها سدة الحكم في بولونيا وهنغاريا وتشيكيا وسلوفاكيا والنمسا وتعزّز نفوذها ومواقعها في فرنسا وهولندا وألمانيا وإيطاليا وشمال أوروبا في الدول الاسكندنافية.

وتبدو الحقيقة أكثر تعقيداً؛ حيث تتآكل الديمقراطيات الغربية؛ بسبب أوضاعها الداخلية وصعود موجات من التعصّب والتطرّف والعنف ضد الأجانب بشكل عام وضد المهاجرين واللاجئين المسلمين والعرب بشكل خاص، وتدريجياً وعلى مدى العقود الأربعة ونيّف الماضية، ولاسيّما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وتحوّل الصراع الأيديولوجي إلى شكل جديد، اتّخذ أبعاداً مختلفة، اعتبر الإسلام عدواً لا بدّ من استئصال شأفته تحت عنوان «القضاء على الإرهاب»، خصوصاً وقد صوِّر الصراع بأنه «صراع تاريخي» تناحري بين الحضارات المختلفة حسب صموئيل هنتنغتون، وكان فرانسيس فوكوياما قد أطلق عليه «نهاية التاريخ».

لقد تهدّدت «الديمقراطية» بانتقال السلطة إلى مؤسسات هيمنت عليها الطبقات العليا والشركات واللوبيات المتنفّذة ووسائل الإعلام وبعض الهيئات الأكاديمية والجامعية ومراكز الأبحاث الاستراتيجية التي تعمل في خدمة الجهات والمجموعات المتنفذة، أو ما يسمّى ب«مجمّع العقول» أو «تروست الأدمغة» والذي عمل فيه وتخرّج منه كبار المسؤولين الأمريكان مثل: هنري كيسنجر وبريجنسكي ومادلين أولبرايت وكونداليزا رايس وغيرهم.

إن الديمقراطيات الغربية تمرّ اليوم بتغييرات جذرية أقرب إلى الانقلاب على بعض أسس الديمقراطية، خصوصاً الاستثمار في «عولمة اليد العاملة» والاعتماد على عمال من الصين ودول أخرى، مقابل أجور أقل بما لا يقاس للأجور التي يتقاضاها العاملون في الغرب، الأمر الذي انعكس سلباً على أوضاع الطبقة العاملة، إضافة إلى أوضاع الطبقة الوسطى؛ حيث بات سوق العمل لهاتين الطبقتين يواجه صعوبات متزايدة للحصول على فرص وظيفية تمكّنهم من تحقيق مستوى معيشي أفضل.

وقد فوجئت «الديمقراطيات الغربية» مؤخراً باندلاع انتفاضة عارمة ضد «العنصرية والتمييز العنصري»؛ إثر حادث اغتيال جورج فلويد الذي أشعلت استغاثته الضمير الإنساني حين كانت جزمة الشرطي فوق رقبته «لا أستطيع أن أتنفس» وامتدت من الولايات المتحدة إلى بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والمانيا وبلجيكا وهولندا والعديد من الدول الأوروبية؛ حيث حطّم المحتجون تماثيل في الساحات العامة، ولطخوا رموزاً اتهمت بالعنصرية وبيع الرقيق وجرائم ضد الإنسانية.

ولعلّ هذه التغييرات خلقت مجتمعات جديدة ومختلفة، خصوصاً بعد انتهاء عهد الحرب الباردة، وتراجع دور النقابات العمالية والمؤسسات الدينية، على الرغم من الترويج لعدم جدارة ما سمّي بالصراع الطبقي، لاسيّما بصعود الأوليغارشية أو «الأقليّة الحاكمة» في ظل إثارة مخاوف وفوبيا «البيض» إزاء الهجرة والمهاجرين واللاجئين والملوّنين، مع إثارة فوبيا الإسلام المعروفة باسم «الإسلامفوبيا»؛ (الرهاب من الإسلام ).

ويعارض بعض دعاة «النيوليبرالية» كل من يعارض أسلوبهم في إدارة الشأن العام ويعتبرون أي شخص بأنه مختلّ نفسياً أو عقلياً، ولا يتورع هؤلاء من إعلان نيتهم لحجز معارضيهم في المستشفيات قسرياً، بما في ذلك معارضو دونالد ترامب إضافة إلى المصوتين بعدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وباقي أنصار الحركة الشعبوية، وهو ما انكشف على نحو مريع خلال مداهمة وباء كورونا مؤخراً.

وبالطبع فإن النخب الأوليغارشية في دوائر المال والسياسة والإعلام تحاول التحكّم في أذهان الناس وعقولهم وثقافتهم بما فيها خطابها إزاء البلدان النامية، بالترويج لفكرة إن الحاضر أفضل من الماضي، والمستقبل أفضل من الحاضر، في محاولة لإشعار الناس بالخجل تجاه تراثهم وهويّتهم، ليكونوا على استعداد للتخلّي عنها أمام أساليب الدعاية الديماغوجية وسطوة الإعلام والصراع الأيديولوجي، ولاسيّما بهيمنتها على المؤسسات الثقافية الكبرى ومحاولة ضخّ أفكارها وأساليبها لفرض قواعد جديدة مفادها أن كل من يتصدّى للأوليغارشية، يعدّ إنساناً رجعياً ومثيراً للخجل؛ بل ويحمّلون هؤلاء ما يعانيه العالم من خيبات ومرارات وآلام، الأمر الذي يستوجب إنهاء المعارضة وتحقيق الانسجام؛ لضمان العدالة.

وقد كانت هذه الأطروحات جزءاً من حوار مستمر في الغرب، وأخيراً صدر كتاب بعنوان: «The New Class War» «حرب طبقية جديدة» لمؤلفه مايكل لاند، مع عنوان فرعي «إنقاذ الديمقراطية من النخبة الإدارية»، وهو أمر يحتاج إلى «تفكّر وقراءة» ليس على الصعيد الغربي فحسب؛ بل على صعيد العالم الثالث بشكل خاص، لاسيّما وأن الطبقة الوسطى تكاد تكون غائبة في ظل صعود شعبوية دينية وطائفية وقومية، ذات توجهات شمولية وعنفية وبعضها إرهابية.

drhussainshaban21@gmail.com

 

عبدالحسين شعبان

 اكاديمي ومفكر عربي

 يكتب مقالااسبوعيا في جريدة (الخليج) الاماراتية 

(مقالات سابقة) 

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا