الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

«نبع السلام»: احتلال يمهد

للضمّ بموجب الأمر الواقع

صبحي حديدي

 

عملية «نبع السلام» التي أطلقتها تركيا مؤخراً في شمال سوريا، وعلى مساحات شاسعة تغطي غالبية الشريط الحدودي، ليست بعيدة عن أن تكون التتويج الأقصى، والتجسيد الأوضح كذلك، لخيار مبكّر اعتمده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ أربع سنوات على الأقلّ. وبمعزل عن رطانة الأهداف المعلنة للعملية، وأنها تتوخى إقامة ملاذات آمنة تتيح للاجئين السوريين العودة إلى بلدهم، وليس بالضرورة إلى قراهم وبلداتهم ومدنهم التي هاجروا أو هُجّروا منها؛ فإنّ الهدف الحقيقي الأوّل القريب هو محاربة «حزب العمال الكردستاني» PKK، عبر فروعه السورية المختلفة وفي طليعتها «وحدات حماية الشعب»؛ وأمّا الهدف التالي، الحقيقي والستراتيجي البعيد، فهو تثبيت احتلال تركي جدير بأن يتحوّل إلى أمر واقع على الأرض، حتى أمد بعيد مرتبط بالحلول المختلفة للمسألة السورية.
خيار أردوغان، الذي اتخذ وجهة معلنة وصريحة منذ العام 2015، انطوى على الدمج بين: 1) ضرورة تقليم أظافر الـ
PKK عسكرياً، في مختلف مناطق انتشار أنصاره داخل سوريا، مع إمكانية تحويل التقليم إلى عمليات بتر جراحية ما أمكن ذلك؛ و2) اعتماد مطلب المناطق الآمنة، بعد ترقيته إلى مستوى الهاجس الجيو ـ ستراتيجي عند تركيا، والشكوى من أعداد اللاجئين السوريين الهائلة والمتزايدة؛ و3) نقل الهاجس إلى أوروبا، ولكن تحت صيغة كابوسية مفادها فتح الحدود التركية مع أوروبا أمام مئات آلاف اللاجئين السوريين. وذلك الخيار، مثلّث الأبعاد، كان في الواقع لا يقطع مع سنوات من تقلّب المواقف التركية من الملفّ السوري، فحسب؛ بل كان أقرب إلى المقامرة الإقليمية والدولية، بالنظر إلى اشتباك عناصر الخيار مع الوجودين الروسي والأمريكي، ثمّ مع سياسة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في تسليح المجموعات الكردية لمحاربة «داعش».
ذلك كله، وسواه من معطيات أخرى أقلّ إشكالية، يعيد التذكير بسلسلة الاعتبارات التي صنعت تاريخ العلاقة بين تركيا المعاصرة والملفّ السوري إجمالاً، ثمّ هذا الملفّ بعد أن أدخلت عليه الانتفاضة الشعبية السورية معطيات جديدة بالغة الحساسية. قبيل 2011 كانت العلاقات التركية مع النظام السوري في أبهى أزمنتها، ثمّ أخذت تتدهور يوماً بعد آخر، وكلما حنث بشار الأسد بما قطعه من وعود لأردوغان شخصياً (حين كان الأخير رئيس الوزراء)، وتوجّب أن تنقلب اعتبارات الجوار المزدهرة من مزايا إلى تحدّيات، ومن مغانم إلى مخاطر.
فعلى الصعيد الجيو ـ سياسي، كان على تركيا أن تتخلى عن ركائز كبرى في فلسفة وزير خارجيتها يومذاك، أحمد داود أوغلو، التي ظلت ناظمة للسياسة الخارجية التركية منذ نجاح «حزب العدالة والتنمية» في حيازة أغلبية برلمانية مريحة. بين تلك الركائز مبدأ تطوير علاقات متعددة المحاور مع القوقاز، والبلقان، وآسيا الوسطى، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وجنوب شرق آسيا، والبحر الأسود، وكامل حوض المتوسط؛ وليس الاقتصار على علاقات أنقرة التقليدية مع أوروبا والولايات المتحدة، أو البقاء في أسر التلهف على عضوية الإتحاد الأوروبي. ركيزة ثانية هي خيار «الدرجة صفر في النزاع» مع الجوار، من منطلق أنه أياً كانت الخلافات بين الدول المتجاورة، فإنّ العلاقات يمكن تحسينها عن طريق تقوية الصلات الاقتصادية.
وفي الماضي كانت تركيا تحاول ضمان أمنها القومي عن طريق استخدام «القوّة الخشنة»، واليوم «نعرف أنّ الدول التي تمارس النفوذ العابر لحدودها، عن طريق استخدام القوة الناعمة هي التي تفلح حقاً في حماية نفسها’، كما ساجل داود أوغلو في كتابه الشهير «العمق الستراتيجي: موقع تركيا الدولي».

كذلك، على الصعيد الاقتصادي، ظلّت تركيا حريصة على إدامة ميزان تجاري رابح تماماً بالنسبة إلى أنقرة، وخاسر على نحو فاضح من الجانب السوري، بلغ 2,5 مليار دولار في سنة 2010، بزيادة تقارب 43 بالمئة، وكان يُنتظر له أن يتجاوز خمسة مليارات في السنتين اللاحقتين.
الصادرات التركية كانت تشمل المعدّات الكهربائية، والوقود المعدني، والزيوت النباتية والحيوانية، والبلاستيك، ومنتجات الصناعات التحويلية والمؤتمتة، ومشتقات البترول المصنعة، والمنتجات الكيماوية، والإسمنت، ومنتجات الحديد والصلب، وصناعة القرميد والبلاط، والمنتجات الجلدية، والأخشاب، والقمح، والدقيق، والسمن النباتي، والملابس الجاهزة… الاستثمارات التركية في سوريا بلغت أكثر من 260 مليون دولار، واحتلّت الشركات التركية المرتبة الأولى من حيث عدد المشاريع التابعة لجهات أجنبية… ولقد اتضح، طيلة أسابيع الانتفاضة، أنّ كبار التجار الأتراك تكاتفوا مع كبار التجّار السوريين، في حلب ودمشق بصفة خاصة، لإبقاء العاملين في مؤسساتهم بمنأى عن الحراك الشعبي، حتى إذا كلّفهم ذلك سداد تعويضات إضافية ومغريات مادية مجزية.
ومن جانب آخر، تغاضى النظام السوري عن شحّ مياه نهر الفرات بسبب تغذية السدود التركية المتزايدة، وتعاونت الأجهزة الأمنية السورية مع الأجهزة الأمنية التركية في تعقّب أنصار «حزب العمال الكردستاني»، الـ
PKK؛ الذين كان النظام السوري يزوّدهم بالسلاح ومعسكرات التدريب حتى عام 1998، بل وحدث مراراً أنّ أجهزة النظام سهّلت قيام الأتراك بعمليات إغارة على القرى السورية المحاذية للحدود مع تركيا، بهدف اعتقال أولئك الأنصار. الأهمّ من هذه الاعتبارات الاقتصادية، الجيو ـ سياسية بامتياز ايضاً، أنّ النظام السوري أقرّ، ضمنياً، بالسيادة التركية التامة على لواء الإسكندرون، وهو منطقة سورية واسعة قامت تركيا بغزوها سنة 1938، قبل أن تسلخها سلطات الانتداب الفرنسية عن الجسم السوري، وتضمّها إلى تركيا.
في المستوى الإيديولوجي، لم يكن «حزب العدالة والتنمية» يملك الكثير من هوامش المناورة في ضبط مشاعر جماهيره وناخبيه، وغالبيتهم الساحقة من المسلمين السنّة، إزاء ما يرتكبه النظام السوري من مجازر وأعمال وحشية، وخاصة في مواقع ذات قيمة عاطفية ورمزية عالية مثل مدينة حماة، فضلاً عن دمشق التي تظلّ «الشام الشريفة» في ناظر الجمهور التركي العريض. وكيف للفريق التركي الحاكم أن يسكت عن جرائم النظام السوري، فيضحّي بما اكتسبته تركيا من شعبية واسعة في الضمير العربي العريض، بسبب الموقف من العدوان الإسرائيلي على غزّة، وانسحاب أردوغان من سجال مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس في ملتقى دافوس، ومأثرة «أسطول الحرية»، وسواها؟
وهكذا، لم تكن مصادفة أنّ تركيا استضافت غالبية المؤتمرات التي عقدتها بعض أطراف المعارضة السورية في الخارج، من جهة أولى؛ وأنّ مقرّ قيادة جماعة الإخوان المسلمين السورية قد انتقل من عمّان ولندن إلى اسطنبول، من جهة ثانية؛ وأنّ رجال أعمال سوريين معارضين للنظام لأنهم تضرّروا من سياساته، من أمثال آل سنقر، صاروا يجدون راحة أكبر في إطلاق المبادرات من أنقرة، بدل القاهرة أو طرابلس (لبنان)، من جهة ثالثة. وهكذا، لم يكن صحيحاً أنّ المنابر التركية (وهي، في نهاية المطاف، ليست حكومية أو رسمية البتة) لا تشرع أبوابها إلا للإسلاميين، كما تردّد مراراً؛ إذْ شهدت المؤتمرات واللقاءات ولجان العمل حضور سوريين من مشارب شتى، من أهل اليمين واليسار والوسط، المتديّن فيهم مثل العلماني، والماركسي مثل الليبرالي، فضلاً عن التنويعات الإثنية والدينية والمذهبية كافة. هنا ولد «المجلس الوطني»، ومثله ولد «الائتلاف»…
تتوغل تركيا اليوم في الأراضي السورية ليس اعتماداً على جيشها الجرار وحده، بل عن طريق زجّ مجموعات عسكرية سورية أشرفت وزارة الدفاع التركية على إنشائها وتدريبها وتسليحها، ضمن مساحات شاسعة تمتد من جرابلس إلى ديريك (المالكية)، على مبعدة أمتار من حقول النفط السورية في رميلان.
وهكذا فإنّ عملية «نبع السلام» تعيد تظهير خيارات أردوغان القديمة، ولكن تحت صفة الاحتلال العسكري المباشر، الذي يمهّد للضمّ بموجب الأمر الواقع… أياً كانت التسميات الوردية والشاعرية!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

 

 

 

صبحي حديدي

 باحث وكاتب سوري مقيم في فرنسا

 يكتب في جريدة ( القدس العربي)

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا