الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

من كوريا  الى ايران

.... مابين الجد والحفيد

 

ليث الحمداني

تابع العالم باهتمام كبير القمة بين الرئيسين الامريكي دونالد ترامب والكوري الشمالي كيم يونغ اون وماتمخض عنها من اتفاقات ، هذه القمة اعادتني عقودا من السنوات الى الوراء وتحديد الى اواخر الستينات وبداية السبعينات يوم كان  الحاكم في كوريا الشمالية هو كيم ايل سونغ جد الحاكم الحالي ، فقد ظل ذلك الرجل يحلم بتصدير افكاره للعالم الخارجي وانفق من اجل ذلك الاف الدولارات لترجمة اقواله واحاديثه الخرافية الى لغات العالم الحية والميتة ، ومازلت اذكر نهاية الستينات في العراق كانت الصحف الرئيسية صحفا حكومية تصدر امتدادا لقرار التاميم الذي صدر في العهد العارفي الثاني (اي انها صحف لاتتعامل مع السفارات) ، يومها كانت تصدر صحافة اسبوعية ابرزها جريدة (الراصد) التي كان يصدرها مصطفى الفكيكي ، كان الملحق الصحفي في سفارة كوريا الشمالية يدور على تلك الصحف الاسبوعية ويشتري منها صفحات كاملة ينشر فيها افكار (الزعيم المحبوب جدا) و(العظيم جدا) كيم ايل سونغ ، وطبعا لااعرف ان كانت هذه الـ (جدا) اجتهاد من المترجم العربي ام انها نص كوري شمالي وبالمناسبة فأن افكار ومؤلفات كيم ايل سونغ المعادية للامبريالية ترجمت للغة الكردية يومها وقيل بأن وراء تلك الترجمة قائد كردي هو اليوم (في ذمة الله) ،كان الملحق الصحفي الكوري الشمالي ياتي الى مطبعة الزمان حيث كانت تطبع جريدة (المجتمع) التي كان يصدرها جاسم الكلكاوي وجريدة (الراصد) الانفة الذكر مصطحبا معه مصورا سينمائيا لتصوير المكائن وهي تطبع افكار الزعيم المحبوب كيم ايل سونغ وارسالها الى كوريا الشمالية للاحتفال بوصول افكار الزعيم الى العراق ، وشاء الحظ ان اذهب يومها الى بيروت انا وزميلي الصحفي سامي عاشور الذي كانت تربطه علاقات واسعة بصحفيي ذلك الزمان ورايت المشهد نفسه امامي جرائد  هزيلة تفرد صفحات كاملة  للزعيم المحبوب ، والاكثر من ذلك زرنا دور نشر معروفة يومها ووجدناها تطبع كتبا على ورق ابيض وبغلاف صقيل مشمع للزعيم المحبوب على نفقة السفارة الكورية ، كانت توزع مجانا وتذهب الى  محلات البقالة لتستخدم كمواد تغليف دون ان يقرأها احد.

ظل كيم ايل سونغ يحلم بنشر افكاره في العالم وينفق الكثير من اجل ذلك فيما انكب جاره الجنوبي على تطوير اقتصاده وبناء قلعة صناعية قدر لي ان اشاهد بعضا من مصانعها العملاقة نهاية الثمانينات .

مات كيم ايل سونغ واقتنع وريثه بان مافعله ابوه كان بلا جدوى فترك تصدير الافكار ولكنه ظل منغلقا عن العالم وظل شعبه يعاني من المشاكل الاقتصادية الى الحد الذي تبرع له جاره الجنوبي في احدى السنوات بقطعان من البقر لانقاذ شعبه من المجاعة ، اليوم جلس الحفيد بمواجهة اللرئيس الامريكي (صاحب المزاج المتقلب) لانه كما اعتقد ادرك ان العالم يتغير وان سياسة (الانغلاق) والتهديدات بالحروب لن تقدم شيئا للكوريين وان لغة (الصواريخ) و(المدافع) تتراجع حول العالم الذي جعلته وسائل الاتصالات قرية صغيرة ، وانه سياتي اليوم الذي لايستطيع فيه عزل شعبه عما يجري في العالم كما فعل جده وابيه ، كانت شقيقته قد سبقته الى زيارة الجار الجنوبي فلمست عن قرب الفرق بين اسلوب الحياة في البلدين ونقلت له الصورة بالتفصيل  فادرك استحالة استمرار الوضع كما هو بعد عدة سنوات  .

لقد ادرك الحفيد الكوري مالم يدركه الجد،  فهل ننتظر حفيد السيد خامنئي ليدرك استحالة  تصدير الافكار والثورات ويقلع عنها، ام يقتنع السيد المرشد  بعد المليارات التي انفقها بخطأ سياساته فيعيد النظر بها ويلتفت لشعبه الذي ارهقته البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحياة ، ويصالح جيرانه مصالحة صادقة  ويحتفظ بامواله لشعبه بدل تبديدها هنا وهناك من اجل تصدير ثورة لم تعد تقنع احدا .

 

ليث الحمداني

صحفي عراقي 

 (عضو سابق في مجلس نقابة الصحفيين )

 رئيس تحرير القسم العربي في جريدة (البلاد) كندا

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا