الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

فايروس (Covid-19)

 تساؤلات أثارها، بعضها

 مازال ينتظر الإجابة

 

د. أنس خالد النصار

 

لا يخفى على أحد الآثار التي يخلفها فايروس كورونا (Covid-19) على جميع مناحي الحياة، والأثر ضخم ومخيف على الاقتصاد، وتأثر الاقتصاد يعني تأثر حكومات ومنظمات وشركات، وبكل تأكيد أي شخص سيكون له نصيب من هذا الأثر، وإذا استصحبنا قاعدة النظام العالمي الرأسمالي اليوم التي ترتكز على أن الاقتصاد هو منطلق الحياة بل هو الحياة بعينها، يمكننا القول إن تأثر الاقتصاد سلباً يجر معه تأثيراً سلبياً على الحياة والمجتمع. ومع تعطل عمل معظم الشركات اضطرت الأخيرة إلى إيقاف عمل بعض موظفيها سواء مع استمرار دفع رواتبهم أو جزء منه أو الاستغناء عن خدماتهم ليصبحوا عاطلين عن العمل، مجبرين على البقاء في منازلهم في ظل هذه الظروف الصعبة، ومع أن بعض الحكومات وفرت حزمة من المساعدات المالية للمتأثرين بهذه الظروف، لكنها غير كافية ولم تشمل جميع المتضررين.  

منذ أن بدأ انتشار فايروس كورونا (Covid-19) عالمياً ضجت مراكز الأبحاث والصحف العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي بآلاف بل وملايين الآراء والتحليلات تحاول الإجابة على تساؤلات أثارها هذا الوباء، وهذا أمر طبيعي نتيجة خطورة أثره وما خلفه حتى الآن من حصد لأرواح البشر وتعطيل لعجلة الاقتصاد، واحتجاز الناس في بيوتهم بعيداً عن أعمالهم وحياتهم اليومية المعتادة التي تحولت إلى ترقب وخوف مما ستؤول إليه الأمور.

من خلال متابعتي لتلك الآراء وتحليلات المفكرين السياسيين والاقتصاديين وجدت العديد من التساؤلات التي اثارها انتشار هذا الوباء، ولست هنا في معرض حسم الأمور وتقديم إجابات قاطعة لهذه التساؤلات، بل هي محاولة تحليلية تقدم التساؤل وإجاباته الممكنة والمحتملة من خلال وجهات نظر مختلفة لأترك للقارئ الحرية في الاختيار والاقتناع، ولأشكل تحفيزاً على مزيد من البحث وجمع الأدلة لكل جواب قد يتبناه القارئ.

أول سؤال خطر على بالنا عندما سمعنا عن كوفيد١٩ هو؛ كم سيستمر هذا الحال؟ والكثير منا كان متفائلاً بانقشاع هذه الغمامة خلال فترة قصيرة قد لا تتجاوز أسابيع معدودة، لكن للأسف خاب ظن المتوقعين وباءت التمنيات بالفشل، وإذا اردنا التحدث بشكل علمي بعيد عن الأمنيات فهناك رأيان؛ الأول يستند إلى الجانب التاريخي للأوبئة ويعتقد أن كورونا مثل غيره من سلالات فيروسات الانفلونزا، يمر بمراحل من ظهور إلى انتشار وتصاعد إلى خمول ثم ضمور وتراجع، ويعتقد البعض أن كورونا الآن في مرحلته الأخيرة وسينحسر خلال أسابيع، والرأي الثاني يقول أن الأمر مرتبط بإيجاد لقاح وهذا يتطلب ايضاً اشهر إضافية. وفي الحقيقة نجد بعض الدول أيدت الرأي الأول وشرعت اليوم في رفع الحظر تدريجياً وإعادة فتح المدارس أو أعطت تواريخ قريبة لإعادة افتتاحها، رغم تحذير بعض العلماء من أن ذلك قد يؤدي إلى انتكاسة ارتدادية قوية وتزايد في حالات الإصابات، وأن الحجر والإغلاق يجب أن يستمر أشهر أخرى.

أما السؤال الثاني فهو مهم جداً لأنه يسهم بالفعل في انحسار الوباء وهو؛ هل يجب عليَّ بالفعل الالتزام والبقاء في المنزل؟ للأسف بعض الأشخاص لم يأخذوا الأمر بجدية ولم يقتنعوا بضرورة الحجر الصحي، ويعود ذلك لأنهم أجابوا على سؤال آخر مهم بشكل خاطئ وذلك السؤال كان؛ هل يوجد فعلاً فايروس ووباء أم هي خدعة لغرض معين؟ لاحظنا فئة ليست بالقلية يعتقدون بعدم وجود فايروس، وهي مجرد خدعة دولية لأغراض سياسية واقتصادية؛ كإعادة برمجة الاقتصاد العالمي أو إراحة الأرض والمساهمة في حل المشاكل المناخية من خلال تخفيض انبعاث غازات المصانع وعوادم السيارات، من هنا استمرت هذه الفئة بحياتها الطبيعية ولم تلتفت لضرورة الحذر والحجر الصحي. وللأمانة فقد صدرت تقارير تعرض الأثر الإيجابي للحجر الصحي وتوقف العديد من المصانع على البيئة بل وبعضها تحدث عن بدء تعافي ثقب الأوزون. لكن ذلك كله لا يعني عدم وجود وباء بل هو كما ذكرنا أثر إيجابي لما يحدث، ولا ننسى الإحصاءات والوفيات التي تحدث كل يوم، ومنهم من هو قريبنا أو صديقنا أو من معارفنا، فلا مجال هنا للقول بعدم وجود فايروس كورونا.

والسؤال الثالث الذي تبادر إلى أذهان العديد من المحللين والخبراء هو؛ هل الفايروس طبيعي ام مصنَّع؟ وهذا السؤال جداً مهم والاجابة عنه ليست بالأمر السهل، خاصة أن هناك ما يسمى التصنيع البيولوجي والحرب البيولوجية في الأدبيات السياسية والعسكرية، وشائكية الإجابة على هذا التساؤل تأتي من أنه سيحدد جرمية الوباء والمتسبب به، فنشره يعتبر جريمة بحق الإنسانية سواء كان عمداً أو بالخطأ، ويحتاج إثبات ذلك إلى الأدلة والدراسات المحايدة الدقيقة بعيداً عن الشكوك والخلافات السياسية والأغراض المشبوهة من الاتهام والإثبات، ولن أغوص في ثنايا هذا الأمر وأفضل أن أفرد له مقال مستقل لأنه جدير بذلك، لكنني سأشير إلى دراسة علمية بعنوان [1]"The proximal origin of SARS-CoV-2" منشورة على موقع Nature Medicine بتاريخ ١٧-٣-٢٠٢٠، حيث بينت أن فايروس كورونا أو Covid-19، أو SARS-CoV-2 كما أسمته الدراسة ليس مصنع إنما تطور طبيعي لفايروس حيواني نشأ في الخفافيش أو آكل النمل، لكن مع ذلك اختتمت الدراسة بعدم إمكانية البت والقطع بأصل هذا الفايروس، لذلك يبقى هذا التساؤل مفتوحاً لاستقبال المزيد من الأدلة والبحث العلمي.

وهناك سؤال آخر مهم أيضاً وهو؛ ما أثر هذا الوباء على النظام العالمي؟ قد يكون هذا السؤال تخصصي وأكاديمي في مجال العلاقات الدولية والاقتصاد العالمي، لكن الناس العاديون اليوم يسألونه، وهو مشروع للجميع، لأنه الجميع وببساطة سيتأثر إذا ما تغير "مدير الدفة العالمية" إن صح التعبير، أو تزعزعت السيادة الغربية على الاقتصاد الدولي، فقد بدأ الحديث عن بداية النهاية للسيادة الغربية، فحلفاء القوى العظمى اليوم بأمس الحاجة للدعم، لكن القوى العظمى نفسها منشغلة بالتعامل مع هذه الأزمة، وتكاد تفقد السيطرة داخلياً، وعلى النقيض؛ الصين تظهر التعافي والاستعداد لمساعدة الدول الأخرى، والدعم اليوم ليس دعم سلاح ومعدات حربية، بل دعم علمي وطبي وعلاجي، وقد بدأت الفرق الطبية الصينية الانتشار في العديد من الدول (ومنها الغربية) لتقديم المساعدة في الحد من انتشار كورونا، في ظل حالة شبه عجز للقوى الغربية، فهل ما يحصل هو بداية لتولي الصين رسمياً راية قيادة العالم، وسحب البساط من تحت الولايات المتحدة وأوربا؟؟؟!!!. كمتخصص في العلاقات الدولية والاستراتيجيات العالمية أفضل أيضاً مناقشة وتحليل هذا الموضوع في مقال مستقل، لكن هنا أيضاً احيلكم إلى تحليل نشرته مجلة Foreign Policy بتاريخ ٢٠-٣-٢٠٢٠ بعنوان[2] "How the World Will Look After the Coronavirus Pandemic" كيف سيبدو العالم بعد وباء كورونا؟ وقد استعرض التحليل إجابات نخبة من المفكرين والسياسيين، ومنهم من توقع نهاية القيادة الغربية وتفكك الاتحاد الأوروبي وتحول الدفة إلى الصين.

إن التساؤلات التي أثارها ومازال يثيرها انتشار هذا الوباء عديدة وعميقها بعمق وتعقد الواقع الذي نعايشه مع هذا الفايروس، ومن هذه التساؤلات ما يحتاج الإجابة عنها دراسات وأبحاث علمية لتعطينا أجوبة مقنعة، ولكن عموماً؛ الأزمات ميدان خصب للتحليل والاستقراء والاستدلال، والتحليل ليس حكراً على حملة الشهادات العالية والمناصب السياسية أو الاقتصادية، نعمة العقل من التفكر لا من التجاهل والتسليم، ولكل شخص الحرية والحق في التحليل والاستفسار والتساؤل، لذلك عتبي اليوم على بعض المتدينين الذين يطالبون الناس بالتسليم لرب العالمين والابتعاد عن التحليل والتساؤل والاكتفاء بالتضرع والدعاء لله، رغم عدم إنكاري أهمية ذلك، لكن الاكتفاء به هو دعوة لتعطيل العقول كما عطل كورونا الأعمال، تأمل وفكر وحلل وتساءل واستفسر فهذه وظيفتك كإنسان عاقل، لكن لا تكتفي بأخذ الآراء كما هي بل راجع وفند وصحح وركز على جمع الأدلة وتحرى من مدى جديتها وعلميتها وقدرتها على الإقناع، وهنا يكمن الفرق بين مجرد النقل والهرطقة من جهة والتحليل العلمي من جهة أخرى.

 

[1] https://www.nature.com/articles/s41591-020-0820-9

 


 

 

 

 

د. أنس خالد النصار

 تخصص دراسات استراتيجية

 باحث ومدير التطوير والعلاقات الحكومية

 في المنظمة الكندية الدولية لحقوق الإنسان CHRIO  

 

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا