الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

الــعــراق 2018

االانـتـخـابـات ومـوال الأغـلـبـيـة

الـسـيـاسـيـة وأشــيـاء أخــرى

 

ليث الحمداني

 

يطل عام 2018 على العراقيين وهم في أوضاع لا يحسدون عليها. صحيح إن العراق تخلص من عصابات داعش الإرهابية إلا أن  أمامه مهمات لا تقل صعوبة عن عملية هزيمة الإرهاب التي حققتها قواته المسلحة ..

في العراق اليوم حوالي 3 ملايين نازح من المحافظات التي احتلها داعش، والتي باتت شبه مدمرة، ولاتتوفر لدى ألحكومة الإمكانيات المالية للبدء بعملية الإعمار. وهناك مناطق تمنع الميليشيات المسلحة عودة السكان فيها الى منازلهم (جرف الصخر) و(مناطق في محافظة صلاح الدين) مثلا، وتقف ألحكومة عاجزة الا من تصريحات  بين الحين والآخر يؤكد فيها العبادي بأن (البعض) يعرقل، ولن نسمح لـ (البعض). ولم يجرؤ الرجل حتى الساعة تشخيص هذا (البعض)، ووضع حد لنشاطاته التي تتعارض مع قيام دولة المواطنة ألتي أصبحت حلم العراقيين الوحيد والتي يقول السيد العبادي إنه يسعى لإرساء أسسها.

ونعود إلى القضية الأبرز التي تتصدر واجهة الأخبار أي (الانتخابات)، فقد أعلن السيد العبادي أن الانتخابات ستتم بوقتها وأنه لم يتسلم أي طلب محلي أو إقليمي أو دولي لتأجيلها،  ويستند في أحاديثه دوما لـ (الدستور) الذي يقول بأن ليس فيه نص يسمح بالتأجيل. يأتي هذا في وقت تعلن فيه قوى سنية مشاركة في السلطةعلنا بأنها ليست مع إجراء الانتخابات قبل عودة ألنازحين. وترد بعض أوساط حزب الدعوة القريبة من ألسيد حيدر العبادي بالقول إن هذه القوى تخشى على مستقبلها من إجراء الانتخابات بوقتها. وهناك طرف ثالث لا أحد يستمع إليه للأسف، هو قوى مدنية ليست مشاركة بالسلطة وهي تدعو لتأجيل الانتخابات حتى عودة النازحين وفي مقدمة هذه القوى يقف الأكاديمي الدكتور غسان العطية الذي يترأس تيارا مدنيا يدعو لدولة المواطنة، فالرجل يؤكد في أحاديثه الصحفية أن إجراء الانتخابات مع وجود أكثر من مليوني نازح ليس صحيحا. ويذهب بعض الداعين إلى الدولة المدنية إلى أبعد من ذلك فيقولون بأن إجراء الانتخابات في ظل عدم عودة النازحين إلى مدنهم يشكل تمييزا بين العراقيين فالمواطن المستقر يستطيع أن يعطي رأيه بما حوله، بينما يعجز النازح عن ذلك بسبب ظروف النزوح القاسية. ومن سخريات القدر أن يقارن نائب من كتلة بدر البرلمانية بين تصويت المهاجرين خارج العراق وتصويت النازحين مشيرا إلى أن تصويت المهاجرين في الخارج نجح في الانتخابات الماضية، فلماذ نخاف من عدم نجاح تصويت النازحين في هذه الانتخابات؟ وكما يبدو حتى الآن فإن السيد العبادي ومؤيديه لا يريدون الاستماع لهذه الآراء لأنهم يعتقدون أن بإمكانهم أن يحصدوا أصوات الناخبين، معتمدين على الرصيد الجماهيري للسيد العبادي بعد تحقيق الانتصار على داعش الإرهابي. بالمقابل يستمر تيار المالكي بمناوراته السياسية متبنيا مشروع تشكيل حكومة الأغلبية السياسية بعد الانتخابات. وتبدو قضية الأغلبية السياسية هنا (كلمة حق يراد بها باطل)، وأن الهدف النهائي منها هو سيطرة المالكي وحلفائه على السلطة والحكم بأسلوب (ماننطيها) الذي حاول المالكي تكريسه خلال فترتي حكمه، وهو في هذا المجال يسعى للتحالف مع قوى كردية بعد أن تسبب إصرار مسعود البارزاني على الاستفتاء وما تبعه من تداعيات على تفتيت وحدة القوى الكردية التي ظلت تعمل معا لسنوات ما بعد الاحتلال، كذلك فنه يمهد لمن يسمونهم بـ (سنة المالكي) للوصول للبرلمان ليكونوا جزءًا من ( ديكور ديمقراطي) يحكم من خلاله حزب الدعوة (جناح المالكي). ويبدو ذلك جليا في تصريحات العديد من رموز الأحزاب الإسلامية الذين باتوا يتحدثون عن (ضرورة وصول من ساهم بتحرير هذه المدن إلى البرلمان، باعتباره استحقاقا لهم )، وهذا يعني وصول رموز ليس لديها تمثيل حقيقي في الأوساط السنية، ولكنها ستصل بطرق ملتوية يساعدها فيها حملة السلاح من الميليشيات التي تصر على التواجد في المحافظات المحررة وليس للدولة اي نفوذ عليها سوى في التصريحات الإعلامية. ويمكن أن يكون أفضل تشخيص لظروف إقامة حكومة أغلبية سياسية هو ما قاله المفكر غالب الشابندر في أحد لقاءاته التلفزيونية (أن حكومة الأغلبية السياسية تحتاج إلى مجتمع عابر للطوائف، وهذا غير متوفر في العراق الآن).

وبعيداعما يفكر به العبادي وما يريده المالكي، هناك تساؤل هام يطرح نفسه هو:

ما الفرق بين حكومة (التوافق السياسي) القائمة الآن وحكومة (الأغلبية السياسية) التي يطالب بها المالكي ومؤيدوه ...؟

هم يقولون بأن التوافق السياسي هو ما أوصلنا إلى ما وصلنا إليه من فساد!! ولكنهم يطرحون لحكومة (الأغلبية السياسية) الوجوه السياسية نفسها!!  فهل الخلل في الصيغة أم في منفذيها على الارض؟ أعتقد أن حكومات التوافق كان يمكن ان تنجز الكثير لو صدقت النوايا، ولكن المشكلة كمنت في أن أطراف التوافق كانت تعمل على أساس (غطي لي وأغطيلك)، فماذا سيتغير إذا جاءت حكومة أغلبية سياسية بالطواقم السياسية الرئيسية الموجودة نفسها التي شاركت في حكومات التوافق؟! سيستمر الفساد وسيكون الغطاء هذه المرة برلمانا بأغلبية يدافع عن حكومة أغلبية بوجه معارضة تمثل الأقلية (معارضة دون أي تاثير).

إن من الصعب بل من المستحيل إنتاج حكومة ناجحة من قادة سياسيين فاشلين. وقد أثبت السياسيون العراقيون أنهم فاشلون بامتياز، وفي مقدمة الفاشلين (أحزاب الإسلام السياسي).

إن حيدر العبادي المنتشي بالنصر المتحقق على داعش الإرهابي يدرك جيدا أن غريمه من حزب الدعوة يعمل على عزله بشتى السبل وهو وجماعته حاولوا دفعه إلى التصعيد ضد إقليم كردستان العراق، وهم اليوم يفتحون قنوات الاتصال مع الإقليم، وهو ما زال مصرا على التعامل معهم بلغة الرسائل عبر المؤتمرات الصحفية. إن تأخير حسم دفع رواتب الموظفين الكرد وتمديد فترة غلق المطارات التي اتخذها العبادي بنصيحة من مستشاريه بالتاكيد، تصب في صالح نوري المالكي وجماعته الذي يظهر غير ما يبطن في هذا المجال، وهو مستعد للتحالف انتخابيا مع الكرد، وقنوات الاتصال تؤكد هذه الحقيقة، وفي الحقيقة فإن الإثنين، المالكي والعبادي، يدركان أن الكرد، وتحديدا الحزب الديمقراطي الكردستاني رقم مهم في المعادلة السياسية العراقية.

 لكي يخرج السيد العبادي من دائرة (الكلام) و( التصريحات) و(البعض) إلى دائرة الفعل، عليه أولا:

•           البدء بفتح ملفات الفساد بالفعل لا بالتصريحات،  وأن يتقدم هذه الملفات (ملف سقوط الموصل)، والتاريخ لن يغفر لمن تسبب بتلك الجريمة التي أدت إلى سقوط الآلاف من المدنيين الأبرياء، والتقرير الذي نشرته وكالة الأسوشيتد برس مؤخرا، أشار إلى ( أن حصيلة الوفيات بين المدنيين نتيجة قصف التحالف الدولي في مدينة الموصل تراوح ما بين 9000 و 11 ألف قتيل، وهو رقم أعلى بعشرة أضعاف ما تم الإبلاغ عنه سابقا). وملف الفساد الثاني الذي يجب أن يفتحه العبادي وبسرعة، هو ملف البنوك الأهلية وتهريب العملة الذي يستنزف الاقتصاد العراقي.

•           العمل بجد على إعادة النازحين وإنهاء سيطرة الميليشيات المسلحة على بعض المناطق التي ما زال هؤلاء يمنعون سكانها من العودة لمناطقهم  بذرائع واهية (جرف الصخر) و( بعض مناطق صلاح الدين)، لأن وجود هؤلاء المسلحين يعطي إشارات واضحة إلى نوايا مبيته لتجيير أصواتهم لشخصيات معينة.

•           فتح ملف المصالحة بصدق وبدون خوف فقد آن الأوان لكي يستريح العراقيون من استمرار دولاب التهميش والعزل والانتقام، وحان الوقت لكي يكون للأكاديميين العراقييين والنخب المستقلة دور في  تحقيق هذه المصالحة.

•           حصر السلاح بيد الدولة فعلا لا قولا، ففي ظل انفلات السلاح لا يمكن بناء دولة المؤسسات.

أنا ادرك تماما أن حيدر العبادي ليس (سوبرمان)، وأعرف أنه يواجه صعوبات، ولكنه كسياسي طموح، يجب أن يعمل على الأرض ليقنع جماهيره من غير الأحزاب الإسلاموية بأنه جاد في بناء دولة المواطنة التي أصبحت الحلم الأخير للشعب العراقي. وهنا أحذر من أن المتاجرين بالغرائز الطائفية سيعيدون لعبتهم قبل الانتخابات إذا لم يبدأ العبادي خطوات إصلاحية جدية

المقال الشهري في الطبعة الورقية

 

 

صحفي عراقي

  (عضو سابق في مجلس نقابة الصحفيين )

 وناشط نقابي سابقا 

رئيس تحرير القسم العربي في جريدة (البلاد) كندا

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا