الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

 

في ذكرى احتلال العراق من قبل القوات الامريكية وحلفائها والذي ثبت بأنه تم بمبررات كاذبة ومزورة، تصبح قراءة كتاب جون نكسون (استجواب رئيس) الصادر في العام الماضي هامة كونه يلقي الضوء على جوانب أحاطت بتلك العملية وبطريقة تفكير الادارة الامريكية ومؤسساتها واسلوب ترويجها لعملية الاحتلال التي دمرت الدولة العراقية  وكلفت العراق حسب شركة الاستطلاعات البريطانية (Opinion Research Business) التي اجرت دراسة حول الاحتلال توصلت الى مقتل مليون و33 الف عراقي حتى عام 2007 يوم اجريت تلك الدراسة. بينما  ترجح مصادر اخرى الان مقتل مليونين و400 الف عراقي خلال سنوات الغزو وما تمخض عنها من اعمال عنف، ومن تسليم العراق للنفوذ الايراني وإضعافه وإخراجه كبلد مؤثر من المعادلة الإقليمية.

 فمن هو جون نكسون؟

 جون نكسون ليس كاتبا عاديا ألف كتابا عن صدام حسين من بعيد، فالرجل خبير في شؤون الشرق الاوسط. كان قد أمضى ثلاثة عشر عاما في العمل كمحلل لشأنيْ العراق وايران في وكالة الاستخبارت المركزية. حصل في بداية حياته على شهادة البكالوريوس في التاريخ من جامعة هوفسترا في 1985، ثم شهادة الماجستير في التاريخ من جامعة نيويورك عام 1989، كما حصل على الماجستير في دراسات الامن القومي من كلية ادمند والش للخدمة الخارجية التابعة لجامعة جورج تاون. عمل كمحلل في وكالة الاستخبارات المركزية، وكان اول من استجوب الرئيس صدام حسين بعد اعتقاله إثر احتلال العراق.

الكتاب ومضمونه

يضم الكتاب الذي صدر بالعربية عن (الدار العربية للعلوم) أربعة عشر فصلا تشكل صفحاته الـ (237).  تتناول تلك الفصول الكثير من القضايا التي تتعلق بالاحتلال والمرحلة التي سبقته واسلوب عمل وكالة الاستخبارات في تجميع المعلومات عن العراق واعتمادها على عناصر المعارضة العراقية، وفي مقدمتهم احمد الجلبي والمؤتمر الوطني. يقول الكاتب عن الوكالة، (الوكالة شأنها شأن غالبية المؤسسات البيروقراطية الكبيرة، كانت تتحكم فيها سلالم سلطة، كثيرا ما كانت تزدحم باشخاص يتسلقونها بالعمل المألوف بالامن ويعتبرون الافكار الجديدة مصدر خطر على مراكزهم. حين التحقت بالوكالة كان أحد شعارات تأهيلي (تجرأ ان تكون مخطئا)، ولكنني اكتشفت ابان عهد كلنتون وبوش واوباما ان مبدأ العمل الحقيقي هو (تجرأ أن تكون محقا). ويعطي هذا  الواقع صورة واضحة عن فشل الوكالة في التعامل مع الملف العراقي. ويضيف الكاتب: (لم تكن الوكالة مستعدة للتعامل مع المسألة العراقية حتى وان كان قد بات واضحا في أواخر 2001 ان الولايات المتحدة ستشن الحرب على صدام). ويذكر (كنا كما اتذكر الآن مقيدين جدا نتيجة افتقارنا للمصادر على الارض، ولم تكن لدينا سفارة ولا اعين ولا آذان تطلعنا عما يجري واصبحنا نعتمد بشكل شبه كامل على مصادر المغتربين) ص46  . ويؤكد الكاتب حالة الهوس التي كانت تعيشها الادارة حين يقول: (كان تركيزنا على صدام والمقربين منه قد بلغ حدا جعل ذكر اي موضوع لا يتناول النظام الا بمساس عرضي، يعتبر استخداما سيئا لمواردنا). ويضيف: (كان بول وولفتز نائب وزير الدفاع دونالد رامسفيلد قد اغرق الوكالة بطلباته للمعلومات، اذ كان يسعى الى فهم جذور التهديد العراقي للولايات المتحدة، ولكن جهوده كانت تقوضها سخافة اسئلته، فكثيرا ما كان يطالب المحللين بالتعليق على تقارير تنشرها مجلة (فانيتي فير) او على تقارير الاخبار المسائية. من بين الذي استهواني، طلبه من زملائي التعليق على مقابلة اجرتها المذيعة في قناة (اي بي سي) كلير شيبمان مع امرأة كانت تدعي انها من عشيقات صدام وكانت تزعم انها حصلت على الكثير من الاسرار المتعلقة باسلحة الدمار الشامل من خلال حوارات الفراش، لم يتمكن احد من  التعرف على هويتها الحقيقية، ولم تكن لدينا اية معلومات عن امرأة بمواصفاتها. كانت لديها ارتباطات بالنظام، ناهيك عن كونها عشيقة صدام. عار على (اي بي سي) مجرد بث مثل تلك الموبقات، وعار ايضا على الادارة إضاعة الوقت في تقييمها. كانت مجرد شبح طاردته ادارة بوش ضمن جهودها الرامية الى تعزيز حججها للنيل من صدام). يقول الكاتب (مع اتضاح نوايا البيت الابيض في الاعداد للحرب ضد العراق اصطفت وكالة الاستخبارات المركزية خلف الرئيس، وقامت بنقل محللين من مكاتب اخرى الى مكتب الشأن العراقي. كان العديد منهم قد أمضوا سنين في منطقة حروب البلقان في عقد التسعينات، فكانوا يبحثون عن خيول جديدة ليركبوها في السباق من اجل الترقية الوظيفية ) ص20

 مواجهة صدام

 الكثير من التفاصيل يتضمنها الكتاب عن المرحلة التي سبقت احتلال العراق، والمرحلة التي سبقت اعتقال صدام حسين، ولكننا سنقفز الى  مواجهة الرجل بصدام حسين.

يروي جون نكسون كيف تم القبض على صدام حسين: (كشف لي محلل في مجلس الامن القومي ان افرادا من القوات الخاصة قد قبضوا على محمد ابراهيم عمر المسلط. كان محمد ابراهيم رئيس حراس صدام حسين الشخصيين خلال فترة فراره، الا انه سرعان ما انهار وبسهولة بعد ان حاول التاكيد بانه لا يعرف مكان صدام حسين،غير ان إغراء الجائزة، خمسة وعشرون مليون دولار قد تفوق على الولاء الشخصي، فقاد افراد القوات الخاصة الى مخبأ الدكتاتور السابق). هذه الواقعة التي يرويها الكاتب هي تأكيد على ان خيارات صدام حسين بالاعتماد على أقربائه في سنوات حكمه الأخيرة وتهميش الحزب وآليات عمله سهلت عملية احتلال العراق وسهلت اعتقاله من قبل القوات الغازية. يصف الكاتب صدام حسين حين بدأ استجوابه قائلا (كان صدام صلبا وحاد الذكاء ومناورا، كما كان حاد التقييم لمستجوبيه ويبحث دائما عن نقاط ضعف قد تصب لصالحه) (كان يقاوم اي محاوله واضحة لاخضاعه)، (كان في اغلب الاحيان منتبها وقادرا على مناقشة جملة واسعة من التفاصيل)، (بعكس غالبية السجناء. لم يبد منزعجا من احتجازه بحد ذاته وربما يعود ذلك الى السنتين اللتين قضاهما في السجن بين 1964 -1966  ولم يكن ضليعا في النهج العالمي، وكانت تصريحاته واسلوبه العام يعكسان خلفيته الفقيرة الريفية  القبلية – التكريتية.  يضيف الكاتب: كان في جلساتنا الاولى يبدو مرتاحا معنا ولكنه كان في احيان اخرى يلجأ الى اسلوب المجابهة، فخلال جلستنا الثالثة قال ردا على احد الاسئلة: انا صدام حسين رئيس جمهورية العراق، فمن تكونون انتم؟ وفي مناسبة اخرى غضب من اسئلتي الى حد جعله يرفض مصافحتي ثم وضع الغشاء على راسه ومد ذراعيه بغضب للحارس كي يخرجه من الغرفة.

 معجب بديغول ولينين وجورج واشنطن

 ويلامس الكاتب الحقيقة حين يتحدث عن شخصية صدام حسين وموقفه من التاريخ فيقول: (كان التاريخ يسحره، ولكنه كان يفتقر الى العمق الفكري ليتعلم من دروسه). ص16. وهو محق بهذا فقد تعامل صدام حسين مع التاريخ تعاملا انتقائيا لإبراز دوره كقائد اوحد للعراق دون ان يستلهم من التاريخ عبرهُ التي كان من الممكن ان تغير مسيرته كحاكم. كان صدام حسين يتحدث كثيرا عن القوة في تاريخ العراق ممثلة بنبوخذنصر مثلا، ولكنه نادرا ما يتحدث عن الحكمة والعدالة ممثلة بحمورابي صاحب اول القوانين في التاريخ، او الثقافة والوعي ممثلة بآشور بانيبال الذي اسس اكبر مكتبه في العالم في عهده.

يقول الكاتب: حين سألنا صدام أن يذكر لنا زعماء العالم المفضلين لديه قال إنه معجب بالدرجة الاولى بشارل ديغول ومن بعده لينين وماوتسي تونغ وجورج واشنطن، فهولاء اسسوا انظمة سياسية.  لم يذكر صدام ولا مرة واحدة انه معجب بأي من هتلر او ستالين، كان الرأي القائل ان صدام حسين كان منبهرا بالزعيمين النازي والسوفيتي  قد اتاح للاكاديميين مقياسا يمكنهم من خلاله تفسير صدام لعامة الناس، كما كان  وسيلة سهلة لتصوير رجل العراق القوي بصورة شيطان).  كان صدام  يعتقد بأنه اسس نظاما سياسيا جديدا، وهذا مغاير للحقيقة فالعراق عرف الانظمة السياسية منذ تاسيس الدولة العراقية الحديثة وقبلها، بل ان النظام الملكي أرسى أسسًا لتجربة برلمانية كان من الممكن ان تتطور لولا تعنت نوري السعيد وفرديته!!

 صدام والإسلاميون

 في كتابه يؤكد نكسون ان صدام  حسين قال له خلال استجوابه حول التعامل مع الرموز الدينية، وهو ما استخدمته قوى شجعت الاحتلال كورقة ضده (قلت لهم لا مانع من ممارستهم للدين، ولكن عليهم ان لا يدخلوا العمامة في السياسة فلن أسمح لهم بذلك) ص 9.

يضيف الكاتب (كان صدام يتحدث عن الشيعة، ولكن ذلك المنع كان يشمل الأصوليين السنة).

  لقد رافقت تلك المرحلة من خلال عملي الصحفي وتابعت كيف سجن صدام حسين رموز الحزب الاسلامي السني الذي كان قد تأسس في نهاية الخمسينات واكتسب الشرعية العلنية ابان حكم الزعيم عبدالكريم قاسم. وكان امينه العام الشيخ محمد محمود الصواف الذي قضى سنواته الاخيرة في السعودية، ووجد هذا الحزب فسحة من الحرية للعمل شبه العلني في عهد الرئيسين عبدالسلام عارف وعبدالرحمن عارف ورغم انه لم يتمتع بنفوذ واسع في اوساط سنة العراق لان اغلبيتهم قوميون وبعثيون وعلمانيون فقد قامت اجهزة المخابرات بتفكيك تنظيمات ذلك الحزب الذي لم يعد الى ساحة العمل السياسي في العراق الآ بعد الاحتلال، ايضاً كانت عمامة الشيخ السني عبدالعزيز البدري اول عمامة دينية تسقط تحت التعذيب في قصر النهاية مما يؤكد ان صدام حسين لم يفرق على اساس المذهب او الدين في موقفه من الاسلام السياسي.

 في مكان آخر من الكتاب يقول الكاتب: ان صدام حسين قال له اثناء استجوابه (سوف ينتشر الفكر السلفي في الامة العربية بسرعة تفوق كل التوقعات ويعود ذلك إلى ان الناس سيعتبرون السلفية فكراً ونضالاً وسيصبح العراق ساحة قتال لكل من يريد ان يحمل السلاح ضد امريكا). ويضيف الكاتب: ان صدام حسين كان على يقين تام بانه لن يكسب ابداً ثقة السنة الاصوليين، كانت القوى السلفية بحسب صدام تسعى الى التسلل داخل النظام لتهدد بذلك قوة قبضته على السلطة، اوضح صدام صورة لهذا التهديد حين روى لمستجوبه جون نيكسون قصة كامل ساجت الجنابي الضابط العراقي الواعد الذي كان بطلاً في الحرب العراقية-الايرانية، وكان قد خدم في هيئة الاركان العامة في اعقاب احتلال الكويت. علم صدام بان كامل ساجت يتواصل مع السلفيين اواخر عام 1998 فوجّه صدام ضربته الاولى قبل ان يتم تنفيذ انقلاب مزعوم، فأمر باعتقال كامل ساجت ومن ثم اعدامه لتآمره. أما المؤامرة (إن كان لها وجود بالأساس)، فكانت في مراحلها الاولى.. كانت معالم الألم واضحة على وجه صدام وهو يروي لنا قصة كامل ساجت. يتوصل الكاتب بعد حواره مع صدام الى ان الرجل بدأ وكانه يستقرئ مستقبل الصراع في المنطقة فقد صح ما توقعه في العديد من الساحات العربية، ثم يعود ليشير الى بلاده وساستها واسلوب تفكيرهم: (كنا نفتقر الى فهم حقيقي للطريقة التي ينظر بها صدام الى العالم وكيف كان يحول دون تأجيج التيارات السياسية الخفية في العراق)ص13، مؤكداً (لدى مراجعتي للسنوات الثلاث عشرة التي امضيتها في وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية كمحلل اقدم في مقر الوكالة في مدينة لانغلي في ولاية فرجينيا وللفترات الثمانية على الارض في العراق، انتبهت الى ان تطورًا مماثلاً بات يؤثر على آرائي، لقد ادهشني مقدار المراجعة التي اجريتها لأفكاري ورايت بوضوح بعض الاخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في مضيها في حرب اختيارية في العراق مع كوننا لم نعرف غير القليل جداً عن اوضاعه السياسية والطائفية). وهذا تاكيد على جهل الساسة الامريكان بما سيتمخض عنه الغزو والاحتلال.

 كيف وجدت صدامًا؟

 يقول جون نكسون (كثيراً مايسألني الناس كيف وجدت صدامًا؟ أوهل كان مجنوناً؟ خلال الفترة التي تحدثت فيها مع صدام حسين وجدته بكامل قواه العقلية)، كان العالم مليئاً باعداد السفاحين المختلين ولكن الغريب هو اننا اخترنا ملاحقة هذا الرجل خصوصا في ضوء التداعيات. اما انا فاعتقد ان الحكومة الامريكية لم تاخذ بنظر الاعتبار ابداً ماسيؤول اليه الشرق الاوسط بغياب صدام. صحيح اننا كنا قد سمعنا كل الروايات المروعة: مقتل 100الف من الشيعة في الجنوب، وعدد مماثل تقريباً في الشمال بعد حرب الخليج. واستخدام الاسلحة الكيمياوية ضد العراقيين الذين كانوا يعتبرهم مصدر تهديد سياسي له، ومجازر الحرب العراقية-الايرانية، ولكننا لم ندمج ابداً تلك الافعال الدموية بدوره بالغ الأهمية في المنطقة، ولم نفهم ذلك إلا بعد سقوط نظامه ورحيله) ص15.

ويستطرد السؤال الاهم: هل كان علينا ان نزيح صدام عن السلطة؟ لم يطرح ابداً وظل بالتالي بلا اجابة. صانعو السياسة في البيت الابيض والقيادات في الطابق السابع من مبنى وكالة الاستخبارات المركزية ما كانوا راغبين بالاستماع الى ان العديد من الاسباب المبررة لاستهداف صدام كانت تستند الى حجج واهية إن لم تكن زائفة.

أسلحة الدمار الشامل

حين سأله أحدهم عن اسلحة الدمار الشامل، نظر اليه وأجابه باقتضاب: لقد عثرتم عليّ، لماذا لا تذهبون للبحث عن اسلحة الدمار الشامل!!

ثم بدا وقد سخنه موضوع مساعي الرئيس بوش غير المثمرة في البحث عن اسلحة الدمار الشامل العراقية: قال صدام: (ان الامريكيين كانوا مجموعة من المخربين الجهلة لا يفهمون شيئاً عن العراق، وهم مصرون على تدميره لكونهم يعتقدون بوجود اسلحة حيث لا وجود لها). أضاف صدام: (لاوجود لأسلحة الدمار الشامل في العراق ولم توعز القيادة باقتنائها، لقد عثرتم على خائن قادكم الى مكان وجود صدام حسين، أفلا يوجد خائن يدلكم على وجود هذه الاسلحة).

سرقني جنودكم

 في مكان آخر يقول الكاتب سألت صدام عن النقود التي وجدت معه عند القبض عليه، ابتسم صدام ساخراً وقال: اتقصد الـ 750 الف دولار؟ بل كان مليوناً وربع المليون، فذلك هو المبلغ الذي كان معي عند وصول القوات الامريكية، قام بعض افرادكم بسرقتي.

يقول الكاتب قلت له: انه ليس من المحتمل ان يسرق الجنود أي شئ وان القوات الخاصة لاتقوم بذلك.

اشار لي صدام بإعطائه قلمي ودفتري قائلاً: هل تسمح لي؟ اعطيته الدفتر والقلم، فكتب وثيقة يبين فيها اختفاء مبلغ نصف مليون دولار من نقوده، ووقعها ثم اعاد لي الدفتر والقلم، وظلت الوثيقة في دفتري نحو يوم واحد، ولكنني ادركت انني لا يمكنني الاحتفاظ بها، فقد كان المحامون قد أكدوا ان أي شئ يقوله أو يكتبه لابد من تسليمه للمحكمة.

 كرامتي لاتسمح لي بقراءته!!

 يؤكد الكاتب ما قيل عن رفض صدام حسين اصدار بيان لايقاف المقاومة المسلحة للاحتلال فيقول: (بعد رحيلي بفترة قصيرة طلبت القوات الامريكية من صدام ان يصدر بيانا يدعو فيه المتمردين العراقيين الى القاء سلاحهم، اطلعَنا على ذلك البيان الادميرال ماكريفن في آخر اجتماع صباحي حضرته في بغداد، تمنينا له حسن الحظ، ولكنني لم اكن اظن ان صدام كان سيوافق. وفي 13 كانون الثاني 2004  حين التقى ماكريفن صداما باعتبارهما قائدين كبيرين، لم يتضمن طلب ماكريفن اي تهديد لا صريح ولامبطن بالاعدام، ولكن صدام رفض قراءة البيان او توقيعه وقال كرامتي لاتسمح لي بذلك!

في المكتب البيضاوي

في الفصل المعنون (غطس عميق في المكتب البيضاوي) يروي الكتاب لقاءه بالرئيس بوش في البيت الابيض ويلمس المرء من اسلوب الحديث والتساؤلات المطروحة على الكاتب كمحلل، سطحية تفكير بوش ومستشاريه ووزرائه فيما يتعلق بنظرتهم للواقع الذي احدثه الاحتلال ومركز القوة فيه يقول الكاتب (فوجئت  بالرئيس وانا استعرض تقريري واتحدث عن رجل الدين العراقي مقتدى الصدر يسألني: هل علينا ان نتدبر قتله؟ فقلت له ان ذلك لن ينجح الا في جعله شهيدا ويزيد بالتالي من شعبيته). في اللقاء الثاني يقول الكاتب  قال لي بوش ( ان عادل عبدالمهدي عضو المجلس الاسلامي الاعلى قد اخبره ان الصدر كاد يكون متخلفا! قلت للرئيس بوش ان عادل عبدالمهدي هو من اعداء الصدر!!)

يضيف في الفصل نفسه في مكان آخر (سألني بوش ان كان صدام يعرف بأنه سيتم اعدامه، فقلت له: ان من اوائل الامور التي اشار اليها صدام كانت معرفته بأن حبسه سينتهي بإعدامه وانه قد سلم نفسه لذلك، فقال بوش: إن صداما ستترتب عليه مساءلة عسيرة في الآخرة) .

ترى هل يفكر بوش وهو يرى ماحل بالعراقيين من قتل وتدمير وتهجير نتيجة حماقاته وسطحية تفكيره اي مساءلة عسيرة سيتعرض لها في الاخرة هو الاخر!

عن اللقاء الثاني في المكتب البيضاوي يقول الكاتب:(كان بوش قد انهمك في دراسة الشأن العراقي ولكنه ظل لا يتفهم تداعيات الغزو في المنطقة،  كان احد الزملاء قد اخبرنا ان بوش يقرأ كتاب (السلام الذي طغى على كل سلام: تكوين الشرق الاوسط)، لكن بوش كان يقرأ الكتاب عام 2007 وليس عام 2002 قبل ان يقحم الولايات المتحدة في النزاع المدمر في العراق

 أول مسودة للتاريخ

 في هذا الفصل يشير الكاتب الى عقلية الحكام في واشنطن فيقول: (بقي كبار اللاعبين السياسيين متمسكين بشدة بتبريراتهم لخوض الحرب، حتى بعد ان اظهرت الحقائق انهم قد اخطأوا ليشبهوا بالتالي الناجين من غرق سفينة الممسكين بأطراف قوارب النجاة).

يضيف الكاتب متحدثا عن قراءته لكتاب مذكرات بوش الذي صدر فيما بعد وفيه جوانب كثيرة عن احتلال العراق فيقول: (لدى انتهائي من قراءة كتاب (مذكرات بوش) كانت قناعتي قد زادت بأنه لم يتعلم اي شيء عن العراق او عن صدام حسين ، كان كتاب بوش بمثابة دفاع عن اعتقاده بأن صدام كان مصدر تهديد للولايات المتحدة حتى بعد ان اوضح الغزو والاستجوابات العديدة ان صدامًا لم يكن غير نمر من ورق فيما يخص امريكا).

يتناول الكاتب أيضا مذكرات رامسفيلد  (المعروف المجهول) فيقول (ان البيت الابيض كان يعتقد بأن صدامًا سيدفع 60 مليون دولار الى عملائه ثمنا لاغتيال ابنتيه وابنتي بوش، كان هذا مضحكا فصدام كان مختبئا في مكان لا تكاد تصله  موجات الراديو) وينقل الكاتب عن مذكرات رامسفيلد ايضا وصفه لبول بريمر  رئيس سلطة التحالف المؤقتة ( انه وغد بيروقراطي يعبث ببلاد ما بين النهرين) ويؤكد أن هذا الوصف ياتي بينما كان رامسفيلد وتشيني يصدرون التعليمات اليومية لبريمر بالاستمرار في اجتثاث البعث وتفكيك الجيش العراقي.

في ختام هذا الفصل يقول الكاتب: ( من المفارقات الكبيرة في حرب العراق هي ان الدكتاتور الوحشي صدام حسين والمقاتل من اجل الحرية جورج بوش كانا متشابهين في العديد من الجوانب، كل منهما يبدي مظهرا مترفعا ومتغطرسا وكان جاهلا نسبيا في شؤون العالم الخارجي ولم يسافر الى الخارج الا  فيما ندر، وكان ميالا الى عدم رؤية الاشياء بغير اللونين الاسود والابيض، كان كل منهما يفتقر الى الخبرة العسكرية الحقيقية)

 شنق في الظلام

 في الفصل الاخير من الكتاب الذي حمل عنوان شنق في الظلام يستعرض الكاتب ما جرى قبل اعدام صدام ثم يتوصل الى عملية اعدامه فيقول (كنت اتوقع ان اعدام صدام حسين سينقل عبر التلفزيون لكونه سيعرض على العالم وللعراقيين بشكل خاص بأنه مات وفق سلطة القانون ولكن ما شاهده العالم كان مروعا في تسجيل فيديو مصور بهاتف محمول ظهر صدام وهو يتسلق منصة مؤقتة ليواجه مضطهديه)، (بينما كنت اشاهد الصور رديئة الجودة التي كان يلتقطها مستشار المالكي للامن الوطني موفق الربيعي، كان ما لفت انتباهي هو ان صداما كان الرجل الاكثر وقارا وهيبة في الغرفة لقد تعامل مع الموقف كما كنت متوقعا منه بتحد وبلا خوف حتى النهاية). ويضيف الكاتب: (كانت عملية اعدام صدام مستعجلة تمت بمنصة مؤقتة في سرداب مظلم ببغداد. بالنسبة لي كانت قد انهارت آخر الركائز التي ارتكزت عليها عملية حرية العراق، لم يكن صدام رجلا يجذب الاعجاب، وكلما زادت معرفتك له تناقص اعجابك به ، كان قد ارتكب جرائم مروعة بحق البشرية ولكننا اتينا الى العراق قائلين باننا سنحول الاوضاع نحو الاحسن وسنجلب الديمقراطية وسلطة القانون، وها نحن نسمح بشنقه في ظلام الليل).

 تآمرت الأنظمة العربية فسقطت البوابة الشرقية للوطن العربي

 شخصيا وبعد اتمام قراءة الكتاب اجدني اتوقف امام سؤال هام هو: ما الذي جعل كاتبا يسعى لتعزيز مصداقيته في نقده لسياسة بلاده واحتلالها للعراق الى اهمال الجرائم التي ارتكبت بعد الاحتلال.

لايمكن لعرض سريع كهذا ان يغطي القضايا الهامة التي تناولها  كتاب جون نكسون والتي تضمنت آراءه حول ما يتعلق باحتلال العراق وهي اراء تتفق الى حد بعيد مع الآراء القائلة بان الادارة الامريكية دفعت للحرب بدون أي مبررات حقيقية.

لقد حكم صدام حسين العراق عقوداً من السنوات بالحديد والنار غيب الحياة الحزبية والمدنية وعسكر الشارع العراقي ولكن الاحتلال لم يكن لهذه الاسباب ابداً، فهناك حكام دكتاتوريون لا يقلون قساوةً مع شعوبهم عن صدام حسين ولم يتعرض لهم احد. كان العراق مستهدفاً كبلد اكثر من صدام حسين كدكتاتور وهذا ما اثبتته الايام والسنوات. لقد فتح هذا الاحتلال الطريق امام الموساد الاسرائيلي والايرانيين لتصفية العلماء العراقيين والكفاءات العراقية وايضا خيرة الضباط في العراق. وقد كشفت وثيقة سرية سربت من ويكيليكس  ونشرت عام 2015، أن لنوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق دورا كبيرا في عمليات اغتيال علماء العراق. حيث أكدت الوثيقة أن المالكي زود الموساد الإسرائيلي وإيران بمعلومات ساهمت في تصفية المئات من العلماء النوويين والطيارين العراقيين، وقد قدرت الوثائق عدد من تمت تصفيتهم في العراق من العلماء بـ350 عالما نوويا و80 ضابط طيران من القوات الجوية العراقية.

وأشارت الوثيقة إلى أن المالكي وفر السير الذاتية للعلماء العراقيين وطرق الوصول إليهم بغرض تصفيتهم، وسلمت هذه المعلومات إلى فرق اغتيال تابعة للموساد الإسرائيلي وإيران.

وذكر ويكيليكس أن العلماء العراقيين الذين قرروا التمسك بالبقاء في الأراضي العراقية ورفضوا التعاون مع العلماء الأميركيين أو الإيرانيين في بعض التجارب قد خضعوا لمراحل طويلة من الاستجواب والتحقيقات التي ترتب عليها إخضاعهم للتعذيب على يد الحكومة العراقية بإدارة وتوجيه من المالكي نفسه.

ويبدو أن علماء العراق قد شكلوا مصدر قلق حقيقي لأميركا وحلفائها أكثر من الأسلحة النووية في حد ذاتها، ففي أكتوبر من عام 2002 كتب مارك كلايتون المحرر في صحيفة “كريستين ساينس مونيتور” يحذر من العقول المفكرة التي تقف وراء المخزون العراقي من الأسلحة. وقدم لائحة بعدد من علماء العراق الذين تدربوا في الولايات المتحدة قائلا “إن هؤلاء العلماء والفنيين أخطر من أسلحة العراق الحربية، لأنهم هم الذين ينتجون هذه الأسلحة”. ويمكن لمن يرغب بالمزيد من المعلومات ان يطلع عليها على محرك البحث (google) على الرابط : https://alarab.co.uk/node/67312

لقد تآمرت الانظمة العربية  على العراق وفتحت السعودية وقطر والكويت اراضيها لينطلق منها العدوان، وفتحت ايران حدودها لتتوغل ميليشياتها الطائفية الى ارض العراق فتعمل على تمزيق نسيجه الاجتماعي،  وهاهم العرب يدفعون اليوم ثمن تلك الحماقة ، فقد سقطت البوابة الشرقية للعرب  وفتح الباب على مصراعيه للنفوذ الايراني ليتغول في دول المنطقة ، منفذا اجندته التوسعية الفارسية العنصرية .  وهاهو رحيم بور أزغدي، عضو المجلس الأعلى للثورة الثقافية في إيران، يعلن منذ اسابيع أن بلاده هي من أعدمت الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وتسيطر على خمس دول بالمنطقة، وتسعى لإعلان الإمبراطورية الفارسية.

وقال أزغدي، في مقابلة مع تلفزيون «أفق» الإيراني: إن بلاده «هي من قتلت رئيس النظام السابق صدام حسين، بعد سعي الولايات المتحدة الأمريكية للاحتفاظ به»، بحسب ما نقلته شبكة تلفزيون السومرية العراقية . والحديث متوفر على محرك البحث (google)  ظهر بمجرد كتابة اسم صاحبه (رحيم بور أزغدي)

 

ليث الحمداني

صحفي عراقي

( عضو سابق في مجلس نقابة الصحفيين ) 

رئيس تحرير القسم العربي في جريدة (البلاد) كندا

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا