الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

نوري السعيد..

جدلية القاتل والمقتول

جعفر المظفر


سأقول.. إن لكل مرحلة تاريخية سياسية خصوصياتها وأحكامها وتداعياتها وإن الحكم الأساسي على الخطأ والصواب لا بد وأن يراعي كل مرحلة على حدة. 
لكني سأقول أيضا أن المراحل ليست حدية البدايات والنهايات بالشكل الذي يجعل كل مرحلة تاريخا قائما ومستقلا بذاته ولذاته, ولا علاقة له بالتواريخ الذاهبة أو الآتية, فالتاريخ رغم تمرحله هو واحد بمعنى تواصل المراحل مع بعضها, حتى على اختلافها, فما دامت هناك وحدة جدلية بين السبب والنتيجة فإن النتيجة في مرحلة سابقة ستتحول إلى سبب في مرحلة لاحقة, وسيؤدي السبب في المرحلة اللاحقة إلى نتيجة تبدأ بها مرحلة لاحقة أخرى.
بعض القراءات التاريخية الخاطئة تبدأ من هنا.. بمحاولة البعض دراسة كل مرحلة على حدة وكأنها مقطوعة عن سابقتها بحد السكين. أفضل ما لدينا هنا من أمثلة هو ما حدث صبيحة الرابع عشر من تموز من عام 1958 يوم تم قتل وسحل جثتي الوصي على العرش عبدالإله ومعه رئيس وزراء ذلك العهد نوري السعيد الذي وصل تأثيره إلى درجة أن تسمى العهد الملكي باسمه. قبل ذلك كان قد جرى قتل العائلة المالكة بوحشية سوف يظل العراقيون جميعا مسئولين, ليس عن إدانتها فحسب, وإنما أيضا عن التوقف أمامها بكل خشوع للترحم على الملك الشاب وعائلته وجعل مقتله مناسبة لتنقية النفس العراقية من موروث العنف الذي ما زال فاعلا. وستكون روح الملك الجميل حاضرة معنا بنقاء, مثلما سيكون الوفاء لها أجمل, فيما لو تم تجاوز جلد الذات إلى حالة نستطيع من خلالها مراجعة النفس بكل شفافية وصولا إلى معرفة أسباب العنف الموروث أو المكتسب لغرض تجاوزه.
لكن مأساة إبادة العائلة المالكة, رغم فظاعتها, ورغم الندم الذي تسببت به في نفوس الأغلبية المطلقة من العراقيين كانت ساهمت من ناحيتها بتأسيس قراءة عاطفية خاطئة لذلك التاريخ, فثمة من غيب من خلال تلك المأساة كل نواقص ذلك العهد وجعله, كما الملك, مجنيا عليه.
إن مقتل العائلة المالكة يجب أن يوضع خارج سياقات القراءة المنتجة لأحداث تلك المرحلة وإلا لغطت مأساويته على الأسباب الحقيقية لتلك الأحداث العاصفة ولحصل الحكم الملكي بالتالي على براءة قد لا يستحقها أبدا. 
ولكي أوجز سأقول أن العهد الملكي, تأسيسا على حجم المسؤوليات والأدوار لم يكن في الحقيقة حكما ملكيا وإنما كان حكما " سعيديا " بأكثر المقاييس, بسبب طغيان شخصية رئيس وزرائه المزمن نوري السعيد على كل الشخصيات الأخرى وارتباط دوره بكل السياسات التي أدت إلى الثورة.
إن هذه الحقيقة ستوفر لنا وصولا أسهل وأوضح لجريمة أخرى كانت قد أرتكبت في صبيحة الرابع عشر من تموز, ألا وهي قتل وسحل الوصي على العرش عبدالإله ونوري السعيد..نعم لقد كانت تلك جريمة حقيقة قانونية وأخلاقية بسبب أن القتل نفذ خلافا للقانون, حيث لم تجر لهذين الشخصين أية محاكمة كما جرت للعديد من شخصيات ذلك العهد, فتم قتل الأول في حديقة القصر مع بقية شخصيات العائلة المالكة, بينما تم قتل الثاني على يد الغوغاء الثوريين في اليوم التالي على الثورة. أما جانبها اللاإخلاقي فقد جسدته جريمة تعليق الجثتين وسحلهما بالحبال ومن ثم تقطيعهما في شوارع بغداد وأزقتها. 
لكن علينا أن نتذكر أن أحدا لم يتعرض لجثمان الملك الشهيد وجثامين بقية عائلته الذين تم دفنهم جميعا بسرعة, وظلت ذكراهم عالقة بحزن, لكنها مخفية تحت سطح المآسي اللاحقة التي مر بها الشعب العراقي, والتي منعت تلك الذكرى من احتلال مكانتها المؤثرة وجعلتها تنزوي إلى حين.
لكن على الجهة الأخرى سيكون مفيدا لنا أن نتذكر, برغم إدانتنا للجريمة بشكليها القانوني والأخلاقي, إن نوري السعيد وعبدالإله لم يكونا بعيدين أبدا عن إرساء العنف وزرع بذرة العنف المضاد الذي جرى تنفيذه بعد ذلك بهما. ومثال على ذلك فقد تم قبل مقتلهما, بأكثر قليلا من عقد ونصف, إعدام القادة الأربعة لثورة مايس عام 1941وهو حدث كان أعتبر يومها وطنيا, على الأقل بسبب الكراهية المتفشية للإنكليز. وإذا ما قيل أن الحكم الملكي كان محقا قانونيا بسبب أن ذلك كان جزء من عملية دفاع مشروعة عن النفس ضد أشخاص كانوا تآمروا عليه فإن إثمه الكبير كان تجلى بإقدامه على تعليق أولئك القادة الأربعة لمدة ثلاثة أيام أمام بوابة وزارة الدفاع, وهي ممارسة إجرامية وحشية لم يكن مقدرا لها سوى أن تعيد إنتاج العنف ضد الحكم في اللحظة المناسبة.
إن البقية من أركان الحكم كان قد جرى تقديمهم وقتها إلى المحاكمة حيث لم يجر أبدا تنفيذ الحكم بأي واحد منهم كما جرى مع السعيد وعبدالإله, ولنتذكر أيضا أن السعيد لم يكن حين قيام الثورة رئيسا للوزراء, لكن ذلك لم يكن قد شفع له, إذ ظل في نظر الشارع العراقي مسئولا بشكل أساس عن جرائم العنف وخاصة تلك التي علقت فيها جثث العقداء الأربعة.
والآن وحينما تجري محاولة رد الاعتبار للعهد الملكي وللكثير من شخصياته وإنجازاته فإنها يجب أن تتم بطرق غير تعويمية, أي أن يجري تشريحها بطريق معقول ومتوازن, فإذا ما تم مقارنتها بالجرائم التي ارتكبت في العهود التي تلته فإن ذلك يجب أن لا يكون مدعاة لنسيان أن العنف لا يقاس بحجمه وإنما بحدته, وإن جريمة واحدة قد تؤسس لعدة جرائم, وإن العنف يولد العنف, وبدون كسر حلقاته من خلال ممارسات ديمقراطية وقانونية وأخلاقية وثقافية صبورة فإن رحم العنف سيبقى ولادا.

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا