الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

سلسلة جبال حمرين مقبرة

تنظيم «الدولة» أم حصن بقائه؟

أمير المفرجي

 

يبدو أن تنظيم «داعش» عزز وجوده جنوب مدينة كركوك، بعد تزايد أعداد المقاتلين الهاربين من الموصل وتلعفر، ناهيك عن دخول أعداد من المقاتلين الوافدين من الحدود السورية ضمن ما سمي باتفاقية «عرسال» واحتمال انتقالهم إلى منطقة سلسلة جبال حمرين الوعرة التي تمتد على طول الحدود الجنوبية لإقليم كردستان العراق، وكان اختيار تنظيم «الدولة» التمركز داخل هذه المنطقة، يعود إلى أهمية أراضيها الوعرة ومساحتها الواسعة التي تربط المناطق الغربية في الحدود السورية ـ العراقية بمحافظة ديالى وكركوك، بما فيها مدن جلولاء والحويجة وطوزخرماتو، وصولا إلى حدود العراق مع إيران، وإمكانية تحرك المقاتلين بيسر فيها.
من هنا أصبح سهلا، اعتماد أسلوب الكر والفر في القتال، وهو الأسلوب نفسه الذي أعتمده تنظيم «القاعدة» من قبل. حيث يعتقد، أن العديد من قادة التنظيم في الموصل تراجعوا إلى هذه المناطق الوعرة، استعدادا لإعادة بناء قواعده، ومن ثم العودة إلى التكتيكات القديمة، أي القتال على غرار حرب العصابات التي اعتمدتها قوات البيشمركه الكردية في حروبها مع الجيش العراقي سابقا، والتي كانت غالبا تعمل في الليل وتختفي بعد ذلك، وتعود إلى الجبال في الصباح.
وتكمن أهمية منطقة حمرين الجبلية إلى احتوائها العديد من الأنفاق السرية، التي يستخدمها عناصر تنظيم «داعش» للتنقل والاختباء. بالإضافة إلى الممرات الترابية المحصنة التي يستغلها المسلحون في تنقلهم بين كركوك والموصـــل وديـــالى وصلاح الدين والأنبار، ما يجعل منها حصنا مهما للتنظيم في الأراضي العراقية.
فثمة تاريخ طويل من نشاط التنظيمات التي ظهرت بعد احتلال العراق 2003 بعد الإطاحة بالنظام السابق في هذه المنطقة الجغرافية الوعرة، حيث وجدت معظم هذه الجماعات كتنظيم القاعدة وأنصار السنة في حمرين، المكان الاستراتيجي الآمن، مستفيدة من التضاريس الوعرة وسهولة انفتاح وتواصل هذه المنطقة مع سوريا التي تسهل نقل المقاتلين والأسلحة، فضلا عن صعوبة إمكانية ملاحقة القوات العسكرية من الوصول إليها وتتبعها. 
وبات من الطبيعي، لجوء تنظيم «داعش» إلى حرب العصابات التي تعتمد أسلوب الكر والفر، بعد الهزائم المتلاحقة في الموصل وتلعفر، وذلك عبر نقل مقاتليه باتجاه سلسلة جبال حمرين، خصوصا وأنه لا يزال يحكم قبضته على جيب كبير جنوب غرب محافظة كركوك، الواقع ضمن شمال هذه السلسلة الجبلية، إذا أخذنا بعين الاعتبار أهمية التضاريس التي توفر الدرع الطبيعي الذي يحمي مقاتلي التنظيم من الغارات الجوية، ولكونها منطقة آمنة لم تصلها بعد القوات النظامية العراقية والكردية لغياب تنسيق عسكري مُنظم، نتيجة للتباين السياسي والعسكري في استراتيجيات الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان، واستمرار الصراع القومي بين الكرد والتركمان والعرب على مستقبل المناطق المتنازع عليها.
وتجدر الإشارة، إلى ان الجانب الجنوبي والشرقي من حدود جبال حمرين الجغرافية يقع تحت سيطرة الجيش العراقي النظامي وتنظيمات الحشد الشعبي، في الوقت الذي يخضع الجانب الشمالي لسيطرة إقليم كردستان وقوات البيشمركه.
ولابد من الرجوع إلى أسباب نجاح تنظيم «داعش» في البقاء جنوب محافظة كركوك، واستمرار سيطرته على مدينة الحويجة على مدى السنوات الثلاث الماضية. حيث لم يتم إلى حد الآن البدء في أي عمليات عسكرية لطرد مقاتليه من المدينة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى غياب قرار الدولة المركزية في حسم الأمور نتيجة للاختلاف القومي والسياسي والاقتصادي في تفسير الدستور العراقي في (المادة 140) بين حكومتي نوري المالكي وحيدر العبادي وبين حكومة مسعود البارزاني في إقليم كردستان، فيما يتعلق بالثروات النفطية التي تقع ضمن الأراضي المتنازع عليها وبين زعماء العشائر السنية وزعماء الكرد من جهة أخرى.
ويذكر ان مدينة كركوك وقصباتها العربية تقع ضمن ما يعرف باسم الأراضي المتنازع عليها، حيث يعتقد الزعماء الكرد ان هذه المناطق العابرة للطوائف والقوميات هي جزء من منطقة الحكم الذاتي الكردي، في الوقت الذي يرى أغلبية سكانها الأصليين من العرب والتركمان انها جزء تاريخي لعراق يمتد من زاخو إلى الفاو في خريطة الجغرافيا الإنسانية والحضارية المعترف بها دولياً.
فثمة مخاوف كردية من بقاء العرب في مناطقهم بعد طرد «داعش» ومن ان يساهم هذا في كشف وإفشال المزاعم الكردية في فرض شرعيتها على مدينة كركوك الغنية بالنفط. حيث تصر الحكومة المركزية والأحزاب القريبة من إيران على المشاركة في هذه المعركة بحجة حماية العرب والتركمان الذين يعيشون في قرى حول الحويجة. إلا ان حكومة إقليم كردستان تخشى مشاركة الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي المساندة له وبالتالي اخراج مدينة كركوك نهائيا من دائرة الصراع الكردي ـ العربي في الوقت الذي تزداد حالة الاحتقان نتيجة المغامرة الكردية الأخيرة المتمثلة في إجراء استفتاء على استقلال منطقتهم المحتملة عن بقية العراق بما يشمل مدن إقليم كردستان وبضمنها مدينة كركوك رغم معارضة الحكومة المركزية في بغداد الفكرة الانفصالية.
ورغم تواصل جهود القوات العراقية النظامية ومجاميع الحشد الشعبي وبمساندة عسكرية أمريكية عملياتهما العسكرية لاستعادة بلدة العياضية شمال مدينة تلعفر، آخر جيوب تنظيم «داعش» في محافظة نينوى، لا يزال التنظيم يسيطر على مدينتين اســـتـــراتيجـــيتين هما القائم غرب الأنبـار والحويجة جنوب كركوك.
وضمن استراتيجية تنظيم «الدولة» لقواته المتبقية في العراق، ان لا تقتصر على هاتين البلدتين رغم ان طرد التنظيم من مدينة القائم سيقطع شوطا طويلا في قائمة المعارك المقبلة مقارنة بما يحدث في الوقت الحاضر في مدينة تلعفر، وذلك لأن القائم تقع على حدود دولية بين العراق وسوريا وهي إلى حد بعيد، الأكثر انفتاحا لدخول مجاميع التنظيم الوافدة من سوريا، وما سيحدث في المستقبل في مدينة الحويجة التي نجح التنظيم في الاحتفاظ بها نتيجة للخلاف السياسي بين الحكومة المركزية مع حكومة مسعود بارزاني ناهيك عن الصراع القومي العربي ـ الكردي المحتدم على مستقبل مدينة كركرك العراقية العابرة للطوائف والقوميات. 
من هذا المنطق أصبح من الصعوبة أن تتم هزيمة مسلحي «داعش» في حمرين ما لم يتم تحرير قضاء الحويجة في جنوب كركوك حيث تمتد سلسلة الجبال على طول الحدود الجنوبية لإقليم كردستان العراقي. وهذا لن يتم إلا بوجود تناسق كردي ـ عربي ـ تركماني لمستقبل مدينة كركوك وقضاء الحويجة في ظل الدستور العراقي والحكومة المركزية. 
ومن هذا المنطق أيضا أصبح من الصعوبة هزيمة مسلحي «داعش» في حمرين، ما لم يتم تحرير مدينة القائم على الحدود السورية ومنع دخول المقاتلين الأجانب إلى الأراضي العراقية ومن ثم الانتقال إلى جبال حمرين والاحتماء بممراتها وتضاريسها، كما تم العمل به في اتفاقية «عرسال» السيئة الصيت والمجحفة بحق جهود العراقيين ودماء شهدائهم من المدنيين والعسكريين.

(القدس العربي)

 

 

أمير المفرجي

 كاتب عراقي من تيار المواطنة العراقي

 ينشر مقالاته في جريدة (القدس العربي)

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا