الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

العرب في إسرائيل

والمقاطعة المستحيلة

جواد بولس

 

في أعقاب الهجوم الذي تعرّض له الفنان الأردني/الفلسطيني عزيز مرقة، بعد تقديم عرضه الفني في قرية كفر ياسيف الجليلية في السادس عشر من كانون الأول/ ديسمبر المنصرم، وبعد اضطراره للاعتذار أمام مهاجميه من ناشطي ما يسمى «اللجنة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل من الداخل» (BDS 48) وغيرهم من أعضاء حركات المقاطعة – نشرت ابنة كفر ياسيف، الفنانة اللافتة أمل مرقص، على صفحتها تعقيبًا صاخبًا، أنهته بفقرة غاضبة ومغضبة فكتبت: «بكفي قرفتونا! مش هيك بتتحرر فلسطين! ما حدا علّم أبوي وإمي وستي من قبلهم كيف يكونوا وطنيين داخل وطنهم، ولا احتجناكم تشرحوا لنا معنى الصمود بالوطن، لأننا صمدنا أكثر منكم.. ولا احتجنا مشورتكم ليكتب ويبدع توفيق زياد وإميل حبيبي ومحمود درويش وسميح القاسم وليرسم عبد عابدي وليبدع المخرج رياض مصاروة والآلاف غيرهم».
أحدثت صرخة هذا «الأمل/الوجع» تفاعلًا لافتًا على وسائل التواصل الاجتماعي، فأيّدها الكثيرون وهاجمها آخرون؛ ولكن مناكفات أكثرية مهاجمي ذلك الإعلان بقيت أسيرة لخلفيات المشاركين الحزبية والسياسية الضيقة، وبعيدة عن سبر روح ذلك الوجع ومناقشة أسبابه.
لا أنوي هنا طرح قضية «صراع الأيديولوجيات» المحلي، رغم أهميتها وتأثيرها على حجب إمكانيات خوض نقاش موضوعي ومثمر بين الفرقاء، لاسيما في قضايا خلافية مهمة. فالمؤسف، في حالتنا، هو كيف تتناول مفاعيل مجتمعنا القيادية والنخبوية قضية حارقة، اختار لها بعضهم اسمًا مغالطًا حين أطلقوا عليها اسم الحركة «لمقاطعة اسرائيل من الداخل». ورغم الأضرار التي تُسبّبها بعض أنشطة هذه المجموعات، التي تدعو إلى المقاطعة على أنواعها، ما زالت مواجهتها أو مناقشتها أو تقييمها يجري بإهمال واضح أو باستخفاف مستفز أو بمزايدات معهودة؛ فحملات مقاطعة الأدباء والمبدعين والفنانين العرب والعالميين، للنشاطات الثقافية بيننا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، تعدّت كل الحدود وتجاوزت المنطق؛ وباتت، في بعض تجلياتها، كالسيل.. ما أغشمه وما أضر منه!
على جميع الأحوال، فإنّ عزيز مرقة لم يأت إلى كفرياسيف مطبّعًا، بل على العكس تماما؛ فهو حين وقف على المسرح قرب ساحة السوق الكفرساوية الشهيرة وحيّا فلسطين، وهو يضم كوفيتها بعفوية ساحرة، روّى حناجر الشباب بحماس وأسقاها حبًا أعاد إلى ربوع الجليل وعد أبائنا الصادق. كان المشهد مؤثرًا ولن تنافسه نداءات المقاطعة ولا ضجيجها؛ فهناك، في بقعة الضوء الجليلية العصية على النسيان، وقفنا، طيلة أربع ليال عامرة، على أهداب النشيد، وتذكرنا سمرة الشاعر راشد حسين، حين رفع قبضته/الجمرة، في أواخر خمسينيات القرن الماضي، ودفعها نحو صدر الحاكم العسكري الاسرائيلي ورمى بعدها، على الملأ، وعد الأحرار وقال: «اليوم جئت وكلنا سجناء، فمتى أعود وكلنا طلقاء؟».
لست متأكدًا كم من الحاضرين يعرفون مثلنا، نحن أبناء ذلك القلق، ماذا يعني فيض الفرح في ساحات البلد؟ ولست متأكدًا كم تعرف أجيال اليوم، مثلنا ومثل ما يعرفه كل من غنّى صغيرًا، كأمل مرقص وأترابها، على بيادر الحرية الحمراء وشرب العزة من عيون ماء تلك القرى الأبيّة، بأن بعض السواعد قد تلاطم المخارز؛ لكنني رغم قطيعة البعض مع ذلك الماضي، على قناعة بأن حضور عزيز مرقة وغناءه بين أهله في الجليل، بخلاف لو غنى في احتفال ترويجي لمؤسسة صهيونية مثلًا، لم يكن تطبيعًا مع الاحتلال؛ وبأنّ صوته بقي نقشًا على صفحة هوية جيل لا تخشى الهرطقات المستوردة ولا السفسطائية المراهقة. اعتذر عزيز مرقة أمام من هاجموه فأحزننا وأبكى النجوم في السماء؛ لأنها، ربما هو لا يعرف، شاهدة على مسيرة جيل يصحو ليقفو أثر جيل «عزيز»، وليغني كما غنى «السالم» «والسميح» «والمحمود» «والراشد»؛ ولتردد معهم الناس «يا كفرياسيف أردتِ لقاءنا، فتوافدت للقائك الشعراءُ».. والمغنّون والفنانات والأدباء. القضية لم تبدأ بزيارة عزيز مرقة ولن تنتهي عندها؛ وكما قلنا في السابق، فقد أدرك، فيما يبدو، من بادر إلى إقامة لجنة المقاطعة المذكورة والناشطة تحديدًا داخل إسرائيل، وجود تعقيدات في خطابها ستمنع حتمًا ترجمته على أرض الواقع. فبعد أن أجازوا للناس العمل في ثلاثة ميادين ملتبسة، كما أوضحنا في مقالتنا السابقة، ورسموا لها حدودًا مائية، تساءلوا كيف يمكن إذن الإسهام في حملة المقاطعة داخل اسرائيل؟

إخضاع المجتمع داخل اسرائيل لمفاهيم المقاطعة الثقافية محاولة عاقر لا تؤدي إلى إنجازات تصب في صالحنا

أنصح القراء أن يراجعوا مجموعة المعايير التي نشرتها اللجنة، وطالبت الناس الالتزام بها؛ فجميع ما ذكروا يثير، برأيي، ما لا يمكن حصره من التساؤلات والأسئلة، في مقالة ولا في عشر مقالات، ويستدعي، بالتالي، رفضه بشكل قاطع؛ ببساطة، لأن محاولة إخضاع مجتمعنا في داخل اسرائيل لمفاهيم المقاطعة الثقافية هي محاولة عاقر لا يمكن أن تلد مخارج واقعية مقبولة، ولا أن تؤدي إلى إنجازات تصب في صالحنا، والى خسائر بحق إسرائيل. لا يكفي أن يحظروا علينا كمواطنين في اسرائيل أن «نمثّل الدولة أو مؤسساتها الخاضعة للمقاطعة في المحافل الإقليمية والدولية»، بل عليهم أن يشرحوا لنا كيف يتّسق هذا الحظر ونضالنا للحصول على جميع حقوقنا المدنية، وعلى نصيبنا من الوظائف في جميع مرافق الدولة ومؤسساتها، وعلى حصصنا المتساوية في مقدرات الدولة ومصادر الدخل فيها؟ إن مجتمعنا يفاخر بتحصيل أبنائه العلمية، ويطالب، بحق، بأن تستوعب مؤسسات الدولة وأسواقها التشغيلية هؤلاء الرواد بأهلية كاملة، وبما يليق مع كفاءاتهم العلمية والمهنية. لقد بلغت نسبة الأكاديميين، بين المليون والنصف مليون عربي في اسرائيل 12.1%، حسب التقرير السنوي الصادر، في نهاية العام المنصرم عن «جمعية الجليل». واذا توقفنا مليًا عند هذا المعطى، سنجد أن آلافًا من بين هؤلاء الأكاديميين يتبوّأون مناصب عليا في عشرات الشركات الكبرى والمعاهد العلمية العليا والمستشفيات والمصانع والمحاكم والمصارف. وعليه، كيف يتوقع واضعو قواعد المقاطعة أن يتصرف العربي رئيس بنك لئومي – «البنك القومي الإسرائيلي» – الأكبر من بين مصارف اسرائيل، إزاء منصبه، خاصة وقد فاز به مؤخرا بعد منافسة شرسة مع عدة مرشحين يهود زاحموه على هذا المنصب؟ وكيف سيمتنع البروفيسور حسام حايك أن يمثّل المعهد التطبيقي للعلوم (التخنيون) في المحافل الدولية، وألا يستعرض إنجازات هذا الصرح العلمي الذي يقف بين طلائعيّيه بعض الاساتذة العرب البارعين؟ خاصة إذا عرفنا أن حسام حايك قد انتخب قبل أيام، بجدارة لا بواسطة تدخل مختار أو عقيد أو وزير أو أمير، من قبل مجلس عام المعهد، كعميد عام لدراسات التأهيل (اللقب الاول) وهو منصب يتضمن المسؤولية على عشرة آلاف طالب وعلى 1500 محاضر.
وكيف كان المواطن العربي، ابن كفر ياسيف، البروفيسور ميخائيل كرينّي، الذي شغل منصب عميد كلية الحقوق في الجامعة العبرية مثلا، سيقاطع تمثيل جامعته الصهيونية في «أنشطة تنظمها وترعاها المؤسسات الصهيونية الدولية في إسرائيل أو في الخارج»؟ وهو لم يكن العميد الوحيد في جامعات الدولة، أو هل يوفر، في رأي لجنة المقاطعة، القضاة العرب العاملون في سلك القضاء الإسرائيلي «غطاءً فلسطينيًا، أي «ورقة توت»، لمن يخالف معايير المقاطعة»؛ وهل ستطالبهم اللجنة بالاستقالة؟ أم أن على اللجنة ملاحقتهم ومطالبتهم بأن يقسموا يمين الولاء لفلسطين أو لآل عثمان أو للشام أو لقطر؟ وكيف سيرفض عشرات رؤساء أقسام التطبيب العرب في مستشفيات الدولة، أن يرأسوا أو «يشاركوا في وفود اسرائيلية (رسمية أو برعاية منظمات صهيونية عالمية) في زيارات دولية» وألا يستعرضوا منجزاتهم العلمية الرائدة في العالم؟ لن استرسل في إعداد هذه القوائم، ففي كل مجال وميدان نضع إصبعنا عليه، سنجد أن الحديث عن «المقاطعة الثقافية» هو ضرب من باب التعجيز وممارسة رومانسية ستغرقنا بشعارات لا طائل تحتها وستخلق بيننا البلبلة وتزرع الفرقة.
وبحسب «جمعية الجليل»، فقد عبّر 82.5% من الأفراد المقيمين في البلدات العربية غير المختلطة عن درجة أعلى من الرضا عن حياتهم في الدولة! وأعتقد أن التمعن فيما يحمله هذا المعطى من مؤشرات، سيمكّن القيادات والمسؤولين من رسم خرائط علاقاتنا المرجوّة، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، مع الدولة؛ وفي المقابل، مع حلفائنا ومع أعدائنا على حد سواء. وإلى أن نصل ذلك الجسر بأمان، لن أقبل بوصلة إلا ما علمتنا اياه كفر ياسيف، التي آوى إلى حضنها، قبل عزيز مرقة، بعقود، العشاق والكادحون والمناضلون والشعراء، بعد أن أحسوا، كما عبّر بالنيابة عنهم حبيبها الدرويش في كتابه «حيرة العايد»، انها «البيت والطريق» وبعد أن دلّتهم في تلك الأيام: « على بوصلة الشمال، على أوّل الوعي، وعلى أوّل الطريق وعلى أوّل الخطوات؛ على السجن الأوّل، وعلى حرياتنا الصغرى، وعلى طموحاتنا الأولى وعلى خياراتنا الصعبة، وعلى أوّل الكتابة، وعلى ما يدلّنا على أننا جزء من جماعة قومية، أيام كان انتماؤنا لمصلحة الشعب العامة، لا للعائلة أو القبيلة أو الطائفة».
فلا خوف، إذن، على ضياع من يدخلها آمنًا، لأنه سيبقى محصنًا وعصيًّا على أي «تطبيع».
كاتب فلسطيني

 

جواد بولس

 كاتب فلسطيني محامي

  ناشط في مجال حقوق الانسان  (من كتاب البلاد)

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا