الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

شاهد اثبات

كنا ثلاثة غرباء


منذر ال جعفر

ماذا يعني ميلاد شهيد ؟
يعني ان الرصاصة قد اقامت في القلب كل هذا الزمن حتى لا يهرب منه الوطن بلا انحياز ولا انحناء حتى اذا سكنت في صدرك نجا الوطن ، وبهذا تكون جديرا بالحياة.
قضيت عمرك وانت تبحث عن الوطن والوطن يبحث عنك ، تسافر به ويسافر بك ، تطوفان حول الجلجلة والمشنقة تعلقها على كتفيك وانت مسكون بالشهادة . وكنا ثلاثة غرباء انا وانت والوطن , لم نكن نعرف معنى للوطن سوى دائرة النفوس والشرطة والمدرسة اما المدرسة فكانت تعني كيف نتهجى أسماءنا وكيف نقلم أظفارنا بأسناننا في الاصطفاف الصباحي خوفا من عصا المعلم ونحفظ اكبر عدد من الاناشيد والمواعظ ونأخذ كسوة الشتاء والصيف.
تلك هي المسألة اذن اني حفظت اضعاف ماكنت تحفظ من الاناشيد الحماسية والمحفوظات المدرسية والمواعظ ، واشتركت في سباقات ومهرجانات كثيرة كانت هذه الاواصر كل ما يربطني بالوطن , وكان اجمل شيء فيك انك لم تحفظ الشعر ولم تشارك في اي مهرجان .
فالشعر عندك انفعال والوطن ليس انفعالا ولا توترا ينتهي الى الاسترخاء والراحة ،ولم تبح بأسمك الجميل حتى استشهدت فالبركان ليس بركانا حتى ينفجر ،والثورة ليست ثورة حتى تجسد الكلمة والحلم .
اذن كنت تخشى ان يتسلل الحلم من عينيك او تذوب الكلمة والوطن بين شفتيك بعد ان تأكدت ان الحسين عليه السلام قد جسد الكلمة بالدم .مجد الحسين انه استشهد في الطف فعمر دمه الارض بالايمان .
هذه اللغة وهذا الحوار الألمعي جعلك تنهض من بين احضان الطرفة والغرب والنواعير الحزانا كالغزال الشارد لتشارك الجياد في السباق الاول والاخير .يافرس الغابات الجموح كنت تبحث عن الوطن والوطن يبحث عنك , وكنا ثلاثة مسافرين بلا سفر صرنا ثلاثة احبة , تحول السفر الى اقامة , صار الوطن قلبا ،صار القلب رصاصة وصارت الرصاصة سنبلة , وأنت اكتشفت ان الوطن ليس نشيدا ولا ميدان سباق وانا انفقت اكثر عمري انفض الغبار عن المفردات والعبارات والجمل المفيدة .
مأساتي اني لم اجد الجملة المفيدة التي تليق بي وسبقتني في كل شيء بالرغم من انك لم تقض الا لحظة استشهادك التي اكتشفت فيها ان الكلمة تولد ميتة ان لم تسافر بين الرصاص ،فأستشهدت لتمنحنا الحياة وجرى الرصاص المنهمر في صدرك فأزدهر الوطن.كم صديقا رثيت وكم عزيزا شيعت ..غير ان الكلمات جفت في شفتي ولا يزال دمك نديا ، فأنا ودعت برحيلك اعز مرحلة في حياتي ، وانت حاضر بيننا تحيا فينا ولنا ،والرصاصة استقرت في صدرك والجرح في صدري أيها المقيم في جرحي وحلمي ..لقد اختصرت لي الافا من الكتب بكلمة واحدة هي الشهادة ،وعلمتني الطريق الى اكتشاف الذات ..لا تترجل ولا تتنازل عن مجدك , انتظرني فربما اصل اليوم او غدا.

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا