الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

  

يوميات ساحة التحرير

د. عصام الحافظ الزند

 

على مساحة تقدر بحوالي 6-8 كم مربع وسط العاصمة العراقية بغداد نصبت مئات الخيم الفردية والمتوسطة والكبيرة  ترعاها عشائر ومواكب حسينية واحياء سكنية ونقابات وجمعيات مجتمع مدني ومؤسسات لحقوق الانسان ومنظمات نسائية وطلاب وجامعات وباختصار كل فئات الشعب العراقي مئات الآلاف من المواطنين من وخاصة من الشباب تجمعوا في اعتصام يشبه الكرنفال  مجموعات من الشباب والشابات  يقدمون عروضا مسرحية  واُخرى تغني أغاني سياسية ووطنية بل وحتى عاطفية ورومانسية

 والأخرى تهتف بمختلف الشعارات المناهضة للسلطة حفلات رقص ورياضة، ومجموعات اخرى تصلي وتقرأ القرآن تشكيلات وفعاليات منوعة كلها تطالب باستقالة الوزارة وإسقاط البرلمان  وتعديل او إلغاء الدستور وطبعا شعارات معادية لإيران ومطالبتها بعدم التدخل بالشؤون العراقية ومعادية للأحزاب وخاصة الدينية منها ،وكأنك امام ترجل شخوص نصب جواد سليم احياء ليقولوا كفى بعد ان نفذ صبرهم من الحكومات العراقية منذ عام 2003 فقد سرق العراق وأصبح اللصوص يتحدثون علنا كما في تصريح وزيرة الصحة السابقة والتي تعيش حاليا في الاْردن مهددة بأن لاأحد يسطيع محاسبتها على ما استحوذت علية من صفقات الفساد وحجتها بأن الجميع فاسدون ولا يجرأ احد على محاسبتها مادامت تملك عليهم ملفات فساد. الحكومة العراقية ومن الناحية العملية لم تتجاوب حتى الان  وبشكل جدي لاي. من مطالب المحتجين، فقط وعود وكلام عام سأم منه العراقيون   وكان الحكومة والرآسات الاخرى دخلت في غيبوبة لاتقوى على روية نبض الشارع وبالمقابل فأن عدد ضحاياها ارتفع الى اكثر من 360 شهيد اضافة الى عدد يفوق الستة عشر الف جريح ومصاب بالغازات المسيلة للدموع والقنابل الصوتية والتي استخدمت بكثافة كبيرة علاوة على كونها تزن اكثر من اربعة أضعاف القنابل المسيلة للدموع المستخدمة دوليا وفوق ذلك فقد كانت هذه القنابل منتهية الصلاحية منذ سنوات ومن السخرية ان وزير الدفاع العراقي يصرح بانه لايعرف الجهات التي استوردت هذه المقذوفات .

تشير الكثير من الإحصاءات والدراسات الدولية بأن العراق وعلى الرغم من كونه من المصدرين الاساسيين للنفط في السوق العالمية بمعدل يفوق 3,5  مليون برميل يوميا الا انه يقع في نهاية قائمة الدول من حيث الرفاهية والخدمات الطبية والكهرباء والماء  وغيرها من المؤشرات كما سرقت الاموال عن طريق المشاريع الوهمية والفضائية وعشرات الأساليب الاخرى واستولت الأحزاب على كل مفاصل الدولة وأخذت تبيع المناصب حتى مناصب الوزارة وعضوية البرلمان وبعد ان كان العراق قد حصل من اليونسكو عام 1975على شهادات تقدير في مجال نجاح حملة مكافحة الأمية  فأن الأمية متفشية الان وهبطت مستويات التعليم بشكل كبير علاوة على ان متعلمين وخريجين لايجدون العمل ولقد تفشت المحسوبية والعشائرية والطائفية في جميع مفاصل الدولة واتجه عشرات الآلاف من العراقين الى الهجرة خارج العراق ومنهم الكثير من الكفاءات الوطنية من الأطباء والمهندسين والعلماء واساتذة الجامعات .

 تحت ستار الدين دمر العراق وارجع لعقود الى الوراء ولهذا كان من الشعارات المهمة في التظاهرات التي سبقت الانتفاضة "باسم الدين (باكونا) سرقونا الحرامية اي اللصوص" ،ومن المظاهر المفرحة في هذه التظاهرات مشاركة المرأة الفعالة والواسعة محطمة بذلك التقاليد الاجتماعية المتخلفة التي اشاعتها احزاب الاسلام السياسي حول حجر المرأة والتميز ضد ضدها في العقد والنصف الاخير،  انت تجد هنا الشابات يقدن المتظاهرين  ويساعدون في كل الفعاليات خاصة منها الطبية بل ان عشرات الفتيات الرائدات  يبقون في الساحة لايام تنام على الرصيف او في أحدى خيام المفارز الطبية او في (جبل احد) وهي التسمية التي اطلقها المنتفضون على مبنى مهمل منذ سنوات كان يشغله (المطعم التركي) ، وقد زرته شخصيا ووقفت على تجهيزاته المتواضعة التي يستخدمها المتظاهرين ، ولم تسجل اي حالة تحرش او انتهاك لقد انشأ المتظاهرون هياكل  خدمية للتفتيش في بعض الأماكن حفاظا على شعار سلمية المظاهرات بل ان هناك خيم المفقودات تجد فيها الهويات والمفاتيح ومحافظ النقود حتى واشياء اخرى كثيرة قد تقع او تنسى من قبل المشاركين ،الاكل والشرب والشاي مجاني  تقديمة العشائر والمواكب والاحياء ومنظمات المجتمع المدني وأشخاص فرديين  لايسامح لاحزاب بالظهور او نصب الخيام لكن بعضها نصب الخيام تحت شعارات المتظاهرين فمن الظواهر المهمة تجاوز المتظاهرين لكل الاحزاب فقد حول المتظاهرين التحزب الى شتيمة ومنقصة  وانتماء الى المافيات واللصوص .

احد الشباب من قسم الاعلام قال لي اتي الينا جماعة قالوا انهم يمثلون السلطة وطلبوا ان نعطيهم قائمة بأسماء من يمثلوننا ليتفاوضوا معهم مع تأكيدهم بحمايتهم وحصانتهم لهم طلبنا منهم وقتا لاختيار من يمثلنا بعد فترة قدمنا لهم قائمة من عدد كبير من الاسماء ذهبوا بها وحاولوا الاتصال بهؤلاء الممثلين لنا لكنهم بعد فترة اكتشفوا انها من اسماء شهداء الانتفاضة ، نعم نريد ان نقول لهم هم من يمثلونا وتصرفوا وفق ذلك.شباب بل  واصغر وأحيانا لم يكن نصيبهم من التعليم كبيرا ولكنهم يتصرفون بأعلى  درجات الحنكة والوضوح لقد تحولوا  كبارا قبل الاوان نتيجة الضيم  والانتهاك الفظ لحقوق العراق أرضا وشعبا وحضارة .

من المفارقات السعيدة فوز العراق على ايران2-1 في المباريات التي جرت في عمان في إطار التصفيات الآسيوية للتحضير للبطولة العالمية لكرة القدم في الدوحة لسنة 2022 والتي صادفت اثناء الاحتجاجات وقد عشت مع المتظاهرين احتفالهم بالفوز كان احتفالا استثنائيا ومميزا ترى من خلاله التشفي بايران ، ذكرني ذلك تماما بما كان يحتفل به التشيك في فوزهم على المنتخب الروسي ايام الحقبة السابقة فقد بلغ الانتقاد والكره لإيران   أشدة وفي ذلك مغزاه الكبير اذ ان الغالبية العظمى من المنتفظين هم من الشيعة وهذا من ناحية اخرى يسحب البساط من تحت اقدام السلطة التي تحكم باسم الشيعة .

 ان انتفاضة التحرير والتي شملت تقريبا كل جنوب ووسط العراق و بكل المقاييس هي وجه آخر للعراق ، صحيح ان عمودها كان من الشيعة الا انها رفضت الطائفية بامتياز  وأصبح خطاب المشاركين عراقي  بامتياز وانت ترى يوميا المتوافدين على الساحة من مختلف الطوائف والشرائح الاجتماعية والدينية وترى الوفود والعشائر والطلاب من الأنبار وصلاح الدين والموصل وحتى طلاب من اربيل رفعوا لافتة " جئناكم من اربيل نحن الأكراد ندعم مطاليبكم"، شعار آخر يقول" كن عراقيا لا صدريا ولا سيستأنيا ولا شيعيا  ولا سنيا لا كرديا لا عربيا كن عراقيا قبل كل شيء" وشعار آخر وقد خط على لوحة سوداء 

(اننا لله واليه راجعون) انتقلت الى رحمة الله السيدة طائفية وهي شقيقة كل من نوري المالكي والعبادي وَعَبَد المهدي وغيرهم من أركان الحكم ويقام الفاتحة على روحها في ساحة التحرير……"

"لقد هرمنا كما قالها  شيخ ولكن شباب التحرير ضخوا بنا دما جديدا وهذه اول بركات الانتفاضة انها ولادة جديدة مهما كانت نتائجها ستكون حتما صفحة مجيدة ان لم تكن الأمجد في تاريخ العراق وتكتب وستكتب ربما عشرات الاعمال والروايات والقصائد وتقص احداث ربما يخالها المرء من وحي الخيال ولكنها حدثت بالفعل فقدسطر هؤلاء الشباب عشرات الصفحات المجيدة كنت شاهدا ولاازال على بعض منها  وكم انا سعيد وفخور ان أكون وسط  الحدث الذي انتشلني من تشاؤمي ومن غربتي ونزلت معهم ادعم حقوقهم واردد معهم اريد وطن

 بغداد - ساحة التحرير 23-11-2019

 

 

د.عصام الحافظ

 اكاديمي وكاتب عراقي

 ناشط في مجال حقوق الانسان  جمهورية التشيك

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا