الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

حزب قدري جميل:خلطة سوق الهال والبزورية الشامية

علي أسعد

يعتبر مشروع برنامج حزب "الإرادة الشعبية" بقيادة قدري جميل، المُقدّم لمؤتمره الذي لم يُعقد بعد، أن حزبه "يسعى إلى التحول إلى الطليعة الواعية المنظمة للطبقة العاملة وسائر الكادحين بسواعدهم وأدمغتهم في سوريا". في حين أن مشروع النظام الداخلي يقول: "حزب الإرادة الشعبية هو حزب الطبقة العاملة السورية وجميع الكادحين بسواعدهم وأدمغتهم في سوريا". بين برنامج الحزب ونظامه الداخلي، ضاع الفرق بين سعى وأصبح.


ولكنه ليس التناقض الأول، ولا الأخير. فالبرنامج يعتبر المركزية والديموقراطية وجهين لعملية واحدة "فتوسيع الديموقراطية الحزبية داخلياً هو الذي يعطي المركز القدرة على القيادة بأعلى مستوياتها انضباطاً ومركزية". المركزية والديموقراطية "مرتبطان ديالكتيكاً"، لكن، بحسب لينين الذي به يتمثلون، فالقانون الأساسي للديالكتيك هو التناقض، فكيف يكون طرفا القضية غير متناقضين، وأيضاً مرتبطين ديالكتيكياً؟ ومرة أخرى، "المركزية والديموقراطية لا ينفيان بعضهما": أي أن طرفي القضية مترابطان ديالكتيكياً، لكنهما لا ينفيان بعضهما. بهذا، ينفي "حزب الإرادة الشعبية" قانون الديالكتيك في نفي النفي.

ومع ذلك، يتصدر حزب "الإرادة الشعبية" المشهد اليساري المعارض في سوريا. وذلك، بفضل الدعم الروسي له كقوة معارضة ذات توجهات غير اسلامية ووقوفه في منطقة وسطى بين الحكومة السورية ومعارضيها. وأيضاً بفضل ماكينة إعلامية ذات أداء جيد وقادرة على بناء علاقات مستدامة مع وسائل الإعلام العالمية.

نشأ حزب "الإرادة الشعبية" عن آخر انشقاق في الحزب الشيوعي السوري (بكداش)، وذلك بعيد المؤتمر التاسع للحزب في العام 2000. آنذاك انهارت العلاقة التاريخية بين الثنائي قدري جميل وعمار بكداش، صديقي الطفولة وشريكي الدراسة الجامعية في الاتحاد السوفياتي، وكذلك الشريكين بالارتقاء السريع وغير الشائع في المناصب الحزبية، بفضل خالد بكداش، الذي يقال إنه كان يسميهما بـ"عباقرة الحزب الشباب".

وشهد حزب بكداش إبان هذا الانشقاق، حملات تعريض بالخصوم قلما شهدتها قوة سياسية في سوريا، كانت أدواتها الدسائس والنميمة السياسية والإشاعات والشحن التنظيمي والفكري والايقاع بين أعضاء الهيئة الواحدة وتوتير الأجواء ومحاولة قطع الطريق على أي نقاش موضوعي ضمن الحزب وصولاً للبلطجة. وأُفرِدَ مجال واسع آنذاك للطعن في الذمم المالية، وهو الموضوع الأثير لكل المشاكل التنظيمية بعد تولي عمار بكداش، لما يمكن تسميتها "حقيبة المالية" في الحزب بعد وفاة والده في العام 1995. حقيبة تحولت إلى ثقب أسود، حسب أقوال الخصوم، خاصة بعدما تم "حل المشاريع الريعية للحزب" وضاعت الممتلكات العقارية المخفية في ظل عدم وجود قانون أحزاب ينظمها. القانون أُقرَّ إبان الحرب السورية، وكان الحزب الشيوعي من أشد المعارضين له، خاصة للشق المالي المحاسبي منه، إذ اعتبره أشبه بقانون شركات تجارية.

حينها، تعرّض الحزب لانشقاق شاقولي طاول كل الهيئات الفرعية والمنطقية، ما خلا اللجنة المركزية، إذ تم اسقاط قدري جميل في انتخابات المؤتمر التاسع مع أغلب من كان لهم صلة به خاصة مدللو "منظمة دمشق" التي كانت تستولي بحكم الجغرافيا على أكثر من ثلث اللجنة المركزية رغم أن حجمها التنظيمي لم يكن يتجاوز المركز الثالث بعد منظمتي الجزيرة وحلب وربما الرابع بعد حماة. هذا رغم "الكفاءات الفكرية والتنظيمية المذهلة" لقيادتها التي كانت مثار تندر بين الشرائح المثقفة في الحزب. ولا يُعرف سر كراهية البكادشة للمثقفين وذوي الشهادات العليا، ويرجع البعض ذلك إلى كره خالد بكداش لهم، ربما بسبب ثنائية استقلالية المثقف وولائه، حتى أن مقولات تخوين الانتلجنسيا كانت ترد في كل مكان وزمان ودون سبب، مثلها مثل أبيات الشعر العربي الاجبارية في مواضيع الانشاء لأطفال المدارس.

وأهم نتائج الانشقاق، انهيار سمعة الحزب الشيوعي خاصة مع استمرار حفلات الشتائم الجماعية بين الخصوم والادعاءات الكيدية التي تطاول الذمم المالية والأخلاق الشخصية، ونشوء تيار تصفوي مشبوه بدأ يتسرب إلى المواقع الشاغرة التي غادرها المبعدون عنوة وما كان أهلاً لها في الغالب الأعم.

وشهد العامان 2000 و2001 سلسلة من أغرب البيانات السياسية، وربما الأغرب في تاريخ الأدب السياسي: المرة الأولى التي ترفع فيها مجموعةٌ مُبعَدَةٌ عن حزبٍ، شعار "لا انقسام ولا استسلام". ورغم أن قادة هذه الجماعة مطرودون من الحزب، إلا أنهم مصرون على عضويتهم فيه. مرة، تم حساب مجموع الأعمار الحزبية للموقعين على بيان، فتجاوز مجموع سني الحكم العثماني للمشرق العربي. ولا يفهم ما سر التمسك بالأعمار الحزبية إلا بربطه بالقدم العسكري والوظيفي بعد تحويل هيكلية الحزب إلى فئات غير قابلة لتجاوز السقوف الموضوعة من قبل القيادة وحاشيتها.

في ما بعد أسس المبعدون "اللجنة الوطنية لتوحيد الشيوعيين السوريين"، وعُرِفوا جماهيرياً باسم "مجموعة قاسيون" نسبة إلى الجريدة التي كانت تصدرها اللجنة المنطقية للحزب الشيوعي السوري بدمشق. ورغم أن اللجنة أكدت وبشكل متكرر أن لها "دوراً وظيفياً" هو توحيد الشيوعيين السوريين بمختلف تنظيماتهم، إلا أنه كان واضحاً أن اللجنة هي تنظيم حزبي جديد، خاصة أنها اعتمدت، في الفترة الأولى على الأقل، راية "البكداشية" والستالينية التي لا ينفر منها إلا "البكادشة".

وتميّز عمل "اللجنة الوطنية" باتباع تكتيكات سياسية لا تشابه شيئاً إلا رقصة التانغو. فهم يتحاورون للتوحد مع الحزب الشيوعي السوري، المعروف بفصيل يوسف فيصل (سمي لاحقاً الحزب الشيوعي السوري الموحد)، بينما يرفعون راية البكداشية. يوسف فيصل انشق عن الحزب بسبب خلافه مع خالد بكداش في العام 1986. وأعلنت اللجنة أكثر من مرة أنها مع العمل الجبهوي أي أنهم مستعدون للدخول إلى "الجبهة الوطنية التقدمية" بقيادة "حزب البعث" الحاكم، ثم تراجعوا عن ذلك أيضاً أكثر من مرة. حاولوا بناء علاقات مع أحزاب شيوعية أوروبية رافعين راية الستالينية، بينما داخلياً حاولوا استقطاب عناصر تروتسكية من تنظيمات يسارية متداعية. وكانت لديهم محاولات بناء علاقات مع الأحزاب الشيوعية في الدول العربية من بوابة الحزب الشيوعي اللبناني في ما سمي "اليسار العربي"، والذي كانت ثمرته تأسيس قناة اليسارية. لكن انسحاب قدري جميل، غير معروف الأسباب، من تمويل القناة ساهم بوأد التجربة في مهدها. داخلياً، ولأن أعضاء اللجنة تربوا على عبادة الفرد وتأليه الشخصيات من ستالين إلى خالد بكداش، فقد عملوا على تكريس رموز وطنية لمرحلة الاستقلال، خاصة يوسف العظمة قائد معركة ميسلون، لكنهم فشلوا في مسعاهم كما فشلوا في تقديم شخصية أو وجه إعلامي متواضع ومقبول. وأزاحوا الرطانة الايديولوجية السوفياتية لصالح أهداف تحقيق النمو الاقتصادي ومكافحة الفساد الكبير، إضافة إلى مقولات المجتمع المدني.

مع بدء الحرب السورية نشطت اللجنة واتخذت مواقف معارضة داعية للحوار وصولاً للحل السياسي. وشكلت "الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير"، كتحالف بين "تيار قاسيون" وأحد فصائل "الحزب السوري القومي الاجتماعي". وشارك الحزب في لجنة صياغة الدستور ممثلاً بقدري جميل. مع نهاية العام 2011 تحول "تيار قاسيون" إلى حزب "الإرادة الشعبية"، مستلهماً التسمية من حركة ثورية روسية في القرن التاسع عشر، وتم ترخيصه وفق قانون الأحزاب الذي صدر في العام ذاته. وشارك الحزب في الانتخابات لأول مجلس الشعب منتخب في ظل دستور 2012، ونال ثلاثة مقاعد إضافة إلى مقعدين لحليفه "السوري القومي الاجتماعي". وقد أخِذت مقاعد "الارادة الشعبية" الثلاثة من الحصة المقررة للحزبين الشيوعيين الآخرين. إذ كانت قوائم "الجبهة الوطنية التقدمية" تعطي أربعة مقاعد لكل من الحزبين الشيوعيين؛ بكداش وفيصل. الحصة بقيت كما هي، لكنها توزعت على ثلاث قوى هذه المرة؛ ثلاثة مقاعد لكل من "الارادة الشعبية" و"الشيوعي الموحد"، ومقعدان للشيوعي (بكداش).

إثر الانتخابات تشكلت حكومة جديدة نال فيها قدري جميل، منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، إضافة إلى وزارة التموين، لكنه لم يستمر في المنصب طويلاً. فقد فشلت وزارته في تأمين الأساسيات في ظرف الحرب، عدا عن دورها في الرقابة على الأسعار، وهو ما لا يتحمل الوزير مسؤوليته فقد كانت مناطق سيطرة الدولة متقطعة الأوصال في الأعوام الأولى للحرب. الأهم كان عدم قدرة قدري جميل، على التكيّف. فقد قدم نفسه زعيماً معارضاً، لكنه لم يستطع رفض المنصب المهم. في الوقت ذاته، كانت تصريحاته تتعارض مع التوجهات الحكومية أحيانا، ما أثار لغطاً حول حديثه باسم الحكومة، أم باسم قوته السياسية. وأثار الموالون للحكومة زوابع حول مواقفه وتصريحاته. فأجابهم جميل، أنه في السياسة يتحدث باسم المعارضة وفي الاقتصاد يتحدث باسم الحكومة. صيغة خروتشوفية بامتياز، فهو "المستشار الاقتصادي للحكم"، الذي يفصل بين الاقتصاد وتعبيره المكثف. ويمكن اعتبار قدري جميل وريثاً شرعياً، غير وحيد، لفكر "التطور اللارأسمالي" الخروتشوفي، حتى وإن ادعى عكس ذلك.

أخيراً انتهى التعايش بين قدري جميل والحكومة السورية وتم الطلاق غير البائن بين الطرفين، فغادر إلى روسيا، وطنه الثاني، أو ربما الأول، فهو صاحب التعبير: "للشيوعي وطنان، وطنه الأصلي وروسيا لأنها مهد ثورة أكتوبر". لحم أكتاف جميل، من خير روسيا السوفياتية، فعلياً لا مجازياً.

وعلى طول الخط، قدم قدري جميل نفسه عراباً للعلاقة بين الحكومتين السورية والروسية، حتى حسبنا أن روسيا هي الاتحاد السوفياتي، وإن عاد وكرر "الارادة الشعبية" أن روسيا المعاصرة ليست الاتحاد السوفياتي، لكن الممارسة اليومية كانت تشير عكس ذلك. وحمل "الإرادة الشعبية" لواء الحل السياسي مع تحديد سقوف زمنية له، وكأن العملية السياسية هي جزء من علم الميكانيك النيوتني. ويُذكّرُ ذلك، بالحملات الإعلامية التي كان يقودها قدري جميل، أثناء ترؤسه لتحرير "نضال الشعب" جريدة الحزب الشيوعي السوري في التسعينيات، حين كان يتنبأ بقرب عودة الاتحاد السوفياتي خلال أيام. ومرت الأيام، وحصل قدري جميل على وسام ثورة أكتوبر من الحزب الشيوعي السوفياتي الهامشي والصغير في التسعينيات، بسبب "تطويره الخلاق والمبدع للماركسية اللينينية". الوسام الذي أهله للسقوط في انتخابات المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي السوري، لأن الاتحاد السوفياتي لم يبعث حياً. عمار بكداش، تنبأ آنذاك باندلاع الثورة الاشتراكية في أميركا اللاتينية. ورغم أن "عبقري الحزب" لم يسقط في انتخابات المؤتمر التاسع، إلا أن الثورة الاشتراكية لم تندلع في أميركا اللاتينية أيضاً.

حزب "الإرادة الشعبية" استطاع أن ينشط ويعمل بفعالية خاصة في أوساط الشباب المثقفين. واستقطب العشرات، مع نشاط إعلامي لافت، لا في النشر الحزبي فحسب، بل على الشاشات العربية، وطور خطاباً متكاملاً يقوم على الحل السياسي والتفاوض. وخاض معارك كلامية مع أطراف المعارضة رغم تمثله في هيئات التفاوض المتعددة. إلا أن خطابه تميز بالنبرة المتعالية وبالتقريرية الواثقة من نفسها وغير القابلة للنقاش.

قدم "الإرادة الشعبية" مشروع برنامجه تمهيداً في العام 2013 لمؤتمره الذي لم يعقد بعد، وأعاد فيها طروحات قدري جميل، بأن "البشرية أمام مفترق طرق، فإما الاشتراكية أو البربرية". الاستعارة ربما من روزا لوكسمبورغ، قبل 100 عام. لكن قدري جميل لا يزعج نفسه بذكر المراجع، كما كان يستعير من خالد بكداش أن "قطب الشعوب سينهض في مواجهة القطب الرأسمالي". برنامج "الإرادة الشعبية" يقول إن شعوب دول البريكس، وفي إطار نضالها الوطني في وجه الإمبريالية، إنما تتحول بالتدريج ضد الرأسمالية نفسها، ما ينسجم مع مصلحة شعوب العالم الثالث. ويدفع هذا الانسجام إلى تبلور قطب الشعوب في وجه القطب الرأسمالي.

ولا يخبرنا البرنامج كيف يتجلى تحول نضال شعوب دول البريكس من نضال وطني إلى نضال ضد الرأسمالية، رغم أن الوقائع تشير أن هذه الشعوب تتجه إلى اختيار اليمين. البرازيل انتخبت بالأمس اليمين الأشبه بالفاشي، استكمالاً للتحول نحو اليمين بُعيد حكم لولا اليساري. جنوب أفريقيا تستبدل الحكام من يميني إلى أكثر يمينية، والهند مازالت محكومة من الأحزاب القومية اليمينية. أما في روسيا فالشيوعيون يفقدون قواهم بينما يلتف الشعب حول الحكم القومي وتزداد المشاعر القومية رسوخاً. والصين كذلك الأمر رغم تلفحها برداء شيوعي بات شفافاً جداً.

يُحمّلُ مشروع البرنامج الليبرالية الاقتصادية كل الشرور وأنها تفسد "الجزء المدني" من الدولة تمهيداً لتحطيم "الجزء العسكري". في استعارة غير موفقة من التراث الليبرالي في القرن الثامن عشر. ويدعي البرنامج أن في "الشرق العظيم الممتد من قزوين إلى المتوسط، كان ضرورياً أيضاً إيجاد عباءة أيديولوجية جديدة للديكتاتورية العسكرية بعد أن بليت العباءات القديمة القومية والتقدمية، فكان الإسلام السياسي (المعتدل) المتلازم والمولد للطائفية السياسية، كأداة لإدامة الاشتباك وإضعاف القوى وتفتيتها".

كتبة المشروع حاولوا معارضة "مشروع الشرق الأوسط الكبير"، لكن لماذا يعتبر هذا الشرق عظيماً؟ ولماذا تنتهي حدوده عند قزوين؟ هل ايران وأفغانستان وباكستان مع اختلافاتها الكبيرة يمكن أن تدمج في هذه المشروع ولماذا لا يقف المشروع عند حدود العراق أو يتجاوز حدود "الشرق العظيم" إلى الصين، إلا إن كانت الصين ليست شرقا أو ليست عظيمة مثلاً.

مشروع البرنامج، يتحفنا بثلاثية جديدة: "يؤدي تفاقم الأزمة الرأسمالية في المركز واشتقاقاتها الليبرالية في الأطراف إلى قفزة نوعية في حالة عدم الرضا الاجتماعي التي تقاس عملياً كمحصلة لثلاث إحداثيات هي الانعكاسات الاجتماعية لموقف السلطة الحاكمة الوطني، والاقتصادي-الاجتماعي، والديموقراطي". ولا يكلف مشروع البرنامج نفسه شرح هذه الثلاثية، بل يجعلها أحداثيات كل نضال شعبي. وعند الشرح تضيع التفاصيل، فكتّاب البرنامج يرغبون بالبقاء في منطقة رمادية لا اشتراكية ولا وطنية ديموقراطية. فمن يعتمد تكتيك التانغو في السياسة لابد أن يعتمده في الفكر أيضاً.

ويصر كتبة المشروع على ذكر تعابير شديدة الغموض فيقولون أن على "الأحزاب الثورية الحقيقية التي تناضل لتوجيه الحركة الشعبية في الاتجاهات الأكثر عمقاً وجذريةً، أن تنطلق في  نضالها من أعلى منصة معرفية وصلت إليها تجربة الدور السابق من الحركة الشعبية والثورية العالمية، أي من تلك المنصة التي وقف عليها الثوريون مع نهاية الحرب العالمية الثانية". المنصة التي وقف عليها أناس مختلفون حدّ التناقض. منصة وقف عليها القادة السوفيات، ستالين وخروتشوف وبريجنيف، وأيضاً ديمتروف وتيتو وأنور خوجا، وماوتسي تونغ وكيم إيل سونغ وهو شي مينه. عن أي منصة يتكلمون، ربما "منصة موسكو"؟

في الجانب الوطني، يركز البرنامج على المقاومة الشعبية وتحرير الأرض والحفاظ على وحدة البلاد، واعتبار الجيش السوري ضامناً لوحدتها، وصولاً إلى اعادة النظر في اتفاقية سايكس بيكو في "الشرق العظيم". ويعتبر المشروع أن تحقيقه يحتاج "بناء دولة المنتجين الحقيقيين بدلاً من الدولة الراعية لرجال الأعمال". وفي الجانب الاقتصادي الاجتماعي يقدم "نموذجاً جديداً"، هو "أعمق عدالة اجتماعية لأعلى نمو اقتصادي"، أي أن أي نموٍ لاحق لم يعد ممكناً دون إعادة توزيع جديةٍ للثروة الوطنية لمصلحة القوى المنتجة بالتحديد. إذ تتوزع الثروة "الدخل الوطني" حالياً على شكل: 80% لأصحاب الأرباح الذين لا يتجاوزون 10% من السكان، و20% لأصحاب الأجور الذين يشكلون حوالي 90% من السكان. وكسر هذا الشكل من التوزيع وتصحيحه ليصبح كخطوة أولى بحدود: 50%، 50%، يحتاج زمناً ما بين 5 و7 سنوات، ضمن "دورٍ قويٍ ذكيٍ ومرنٍ للدولةً مضبوط بأعلى درجات الرقابة الشعبية". ثم يكمل بالحديث عن مستوى عائدية 33% من خلال مجموعة من الاجراءات.

إعجاز رقمي، ضمن صيغة فيفتي فيفتي، خلال 5 أو 7 سنوات، بنسبة 33% للعائدية. هل هذه قوة سياسية يقودها دكتور في الاقتصاد السياسي، تقدم نموذجاً اقتصادياً اجتماعياً، أم مجرد تاجر في سوق الهال والبزورية يشرح للفلاحين كيفية زيادة أرباحهم، ليسلبهم محصولهم في النهاية.

من سخريات القدر، ومآسيه أيضاً، أن هذا هو مستقبل اليسار في سوريا.

(المدن) البيروتية

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا