الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

عائد من تونس مع

تجارب تثير الاعجاب

زياد علي *

كان لي شرف دعوتي للمشاركة في ندوة  دولية تحت شعار  «تيسير اللغة العربية للناطقين بغيرها من أجل فهم صحيح لمبادئ الإسلام وثقافة العروبة» في مقر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)» في تونس من 24 - 26 من شهر أبريل 2018.

حديثي ليس عن هذه الندوة وليس عما تمت مناقشته هناك ولا عن التوصيات التي خرجت بها الندوة، فتلك أمور مجالها مقالة الشهر المقبل إن كتب الله لنا الحياة. لكن الحديث سيكون عنا هنا، نحن مجتمع مدينة لندن وكيفية معايشة الظروف التي نحياها مقارنة مع إخواننا الذين يعيشون ظروفنا نفسها وبالرغم من ذلك يتصرفون بوعي أنضج من وعينا ويبنون لمجتمعاتهم أكثر مما نبني رغم أني فهمت أن ظروفهم وعلاقاتهم بحكوماتهم ليست أفضل من علاقاتنا بحكومتنا التي تعطينا كامل الحرية للتصرف في حياتنا وفي صلاتنا بغيرنا وتيسر لنا عملية الاندماج مع المجتمع الجديد الذي اخترناه لنا وطنا. وتسمح لنا بممارسة عباداتنا وإحياء تراثنا وتقاليدنا وتعليم لغتنا، بل وتساعدنا في ذلك إن طلبنا مساعدتها.

تلك الندوة جمعت علماء ومفكرين ورؤساء جامعات وعمداء كليات اللغة العربية جميعهم متخصصون في اللغة العربية وتعليمها لأهلها وللناطقين بغيرها. جاءوا من القارات الأربع آسيا وأوروبا وأفريقيا وأمريكا ليقدموا تجاربهم في تعليم هذه اللغة العظيمة وتيسير تعلمها وتعليمها.

وأكرر هنا أني لن أتكلم عن كل ذلك، فلذلك مكان آخر. لكني سأتكلم عن بعض الإحصائيات التي سمعتها والتي جعلتني أخجل من وضعنا نحن هنا في مدينة لندن، أنتاريو.

طبعا، لم أتوقع أن يكون مجتمعي في مدينة لندن قد تغير في هذه الأيام الخمسة التي غبتها عنه، لكني أنا الذي تغيرت نظرتي إليه بعد أن رأيت وسمعت من إخواني في أوروبا ما حققوه لمجتمعاتهم.

كان من ضمن فقرات هذه الندوة أن يتحدث بعض الوافدين عن تجاربهم في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها. ولقد اهتممت طبعا بهذا الجانب كوننا هنا في لندن ندير مؤسسات ومدارس كاملة الدوام ومدارس تعلم في يومي نهاية الأسبوع فقط. والغرض من هذه الندوات هو الاستفادة من تجارب الآخرين.

من كل هؤلاء الأساتذة والخبراء سأذكر فقط أستاذين فاضلين هما الآستاذ محمد عمراني مدير مدرسة لتعليم اللغة العربية في بلجيكا ومن أصل مغربي، والأستاذة نهلة تيلخ مدير عام مدارس قرطبة في برلين، ألمانيا، ومن أصل فلسطيني.

في لقاءاتنا الجانبية على موعد الغداء أو العشاء نلتقي فنتوسع في ذكر التجارب التي نمر بها في حياتنا العملية مع طلابنا في أوطانهم الجديدة ولغتهم العربية التي يكادون أن يفقدوها، وسعينا الحثيث لإدراك ما يمكن إدراكه من تعليم هذا الجيل والحفاظ على الأجيال التي تليه، حتى لا تضيع هويته التي هي آخر ما يملك بعد ترك الوطن الأم، ويبدأ الوازع الديني عنده يتلاشى، وذلك هو أخطر الأمور المرعبة عند ذوي الضمائر الحية والأحاسيس الوطنية.

وكان أكثر ما أثار إعجابي مستوى التعاون الذي وصلوا إليه حتى استطاعوا أن يقيموا صروحا تعليمية شامخة بإمكانيات لا أعتقد أنها تصل إلى مستوى ما عندنا من إمكانيات. فأخونا الأستاذ محمد عمراني يخبرني أنهم بنوا هذه المدرسة المرفقة صورتها بتكلفة مليون ونصف يورو أي ما يعادل 2.325 مليون دولار كندي. كما إني سمعته يذكر لفظة «تنسيقية» فسألته عما تعنيه، فقال إنهم اثنتان وعشرون مدرسة تقوم بالمهمة نفسها، فرأوا أن يوحدوا جهودهم حتى تكون كلمتهم مسموعة وقوية. فقارنوا أيها الإخوة بين هذا وبين وضعنا نحن في مدينة لندن التي لا يتعدى عدد مدارسها عدد أصابع اليد الواحدة، ورغم ذلك لا تعاون ولا تنسيق، بل إن الواحد لا يعترف بالآخر، والأستاذ محمد كان يمثل في هذه الندوة اثنتين وعشرين مدرسة.

بالله عليكم هل يمكن أن تقبل مؤسساتنا اللندنية العريقة أن يمثلها شخص واحد في أية مناسبة أو منتدى؟!!

أما الأستاذة نهلة تيلخ فمسمى منصبها الوظيفي يدل على مدى التعاون عندهم فهي مدير عام «مدارس قرطبة»، التي تستقبل ألفا وستمائة طالب وطالبة يعلمهم بين ستين إلى سبعين مدرسا ومدرسة (إن لم تخني الذاكرة)، وضعوا خطوطا تحت كلمة مدارس بالجمع. وهم كذلك يضعون مناهجهم الخاصة بهم لتلائم البيئة التي يعيشون فيها بدل الحديث عن الكورنيش الفلاني في البلد العربي الفلاني والحديث عن بابا فلان رئيس الدولة العربية الفلانية. كما إنهم يؤلفون ويطبعون كتبهم التي رأيت بعضها.

هذا عن هناك، أماعن هنا، فيوم عودتي وتصفحي للرسائل الإلكترونية التي وجدتها بالمئات طبعا، وجدت الدعوات التي تدعو للمناسبات الرمضانية والدعوة إلى كرم التبرعات في العشاءات الخيرية، وكلها في قاعات مستأجرة من المجتمعات اللندنية الأخرى التي هي أقل من مجتمعنا العربي والأسلامي بكثير. مع أن فردا واحدا ميسورا من أبناء مجتمعنا العربي يمكنه أن يقوم بمثل هذا الأمر ويسد هذا العجز.

ندعي، نحن المسلمين، أننا نشكل %10 من سكان مدينة لندن أي أننا، نحن العرب، نشكل ما لا يقل عن %5 من سكان هذه المدينة، فلماذا لم نصل إلى المستوى الذي يؤهلنا لأن يكون لنا وزن في مدينتنا هذه؟

أدعو الله ألا نكون من ذاك الغثاء الذي ذكره نبينا محمد صلى الله عليه وسلم!!

·         رئيس تحرير القسم الانكليزي جريدة (البلاد) كندا

 
 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا