الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

1

بعضٌ من الذكريات –

من الماضي البعيد -

د. بهجت عباس

(ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ)

 -المتنبٌي-

بعد انتهاء الزمالة الألمانية بانتهاء دورة البكتريولوجي في جامعة برلين الحرّة (برلين الغربية حينذاك) في نيسان عام 1964. رغبتُ في البقاء في برلين ذاتها ولكنّ هذا لنْ يتمّ إلّا بالحصول على تمديد الزمالة التي لم تُمدّدْ أو العمل. ولكنْ كيف أعمل وليس لديّ موافقة بالعمل. بقيت حائراً. وكنتُ أجلس أحياناً في مقهى كرانْـتْـسْلَـر Kranzler الواقعة على الشارع الرئيس في المدينة المسمّى كُرفُـورْسْـتِـنْدام Kurfürstendamm . وفي أحد الأيام دخلتها وأخذتُ أبحث عن مقعد فقد كانتْ مكتظّة فوجدت سيدة عجوزاً جالسة عند طاولة وحولها مقاعد ثلاثة خالية. سألتها إنْ كانت تلك المقاعد شاغرة فأجابت: واحد فقط محجوز. فجلستُ على أحد المقعدين الآخريْن وطلبتُ كوباً من القهوة وأخذتُ أفكّر. لاحظتُ أنّ السيّدة كانتْ تنظر إلى الخارج وإلى ساعتها ففهمتُ أنّها تنتظر أحداً أبطأ في الميعاد. أردت ملاطفتها والحديث معها لقضاء الوقت والتسلية فقلتُ لها : سوف لن يأتي Er wird nicht kommen  فانتفضت وأجابت بسرعة: هي، وليس هو، ستأتي حتماً! إنّها صديقتي! اعتذرتُ وقلتُ لها إنني أمزح. فسألتني قائلة: يظهر أنّك شاطر، فماذا تعمل هنا؟ إنني صيدليّ عاطل! هكذا كان جوابي. فقهقهتْ وقالت إنّها صيدلانية أيضاً ولها صيدلية في هذا الشارع، فلمَ لا تعملُ عندي؟ إنني أحتاج إلى مساعد. فوجئتُ بقولها وسُررتُ وقلتُ لها إنّ شهادتي العراقية ليس مُعترفاً بها في ألمانيا، فقالت لا بأس ستعمل مساعداً لي ولكن يجب أن أختبر معلوماتك أوّلاً، فلِمَ لا تأتي غداً إلى صيدليتي المسمّاة Apotheke am Kudamm وسأرى. ذهبت إليها طبعاً فاستقبلتني ببشاشة وأعطتني وصفتين طبّيتين لأقرأهما ففعلتُ . وجدتْـني أستطيع عمل الحبوب والفتائل وغيرها، فسألتني عن مقدار المبلغ الذي كنتُ أقبضه من لجنة الزمالات، فقلتُ لها: إنّه 500 مارك ألماني شهرياً، فقالت إنّها ستُعطيني مبلغ 700 مارك ألماني شهريّاً. سررت ووافقتُ فوراً ، وكيف لا؟ وأنا التائه في هذه المهامه! ولكنْ ماذا عن الموافقة بالعمل؟ سأذهب إلى وزارة الصحّة وسأقدم طلباً للموافقة وسأخبرك غداً، هكذا قالت. ولكنّها لمْ تأتِ بما يسرّ، فوزارة الصحة في إقليم برلين الغربية رفضت الطلب، والسبب أنّ للعراق تمثيلاً دبلوماسيّاً مع ألمانيا الشرقية وهذا ضدّ مبادئ  ألمانيا الغربية. اعتذرتْ عن عدم قبولي ورجتْ لي حظّاً سعيداً، ولكن من أين يأتيني الحظّ كما أتى (طارق) زميلي في الدراسة الثانويّة الذي لم يحصل في امتحان البكالوريا على درجة جيدة تؤهّله للقبول في كلية الطب في بغداد فأرسله أهله إلى تركيا ليتخرّج طبيباً فيأتي إلى برلين ويُستقبَـلَ بالتَّـرحاب ويحصل على إقامة ووظيفة ودراسة مجّانية للغة الألمانية ويُعتَرف بشهادته في الطبّ، لأنه حصل عليها من تركيا التي لها اتفاق ثقافيّ مع ألمانيا الغربيّة. و أبي الذي تقاعد عن عمر 49 سنة يكتب ويطلب من أخواتي أن يكتبن لي للعودة إلى بغداد للمساهمة في تدبيرمعيشتهم، فراتبه التقاعدي البالغ 30 ديناراً لا يكفي وبعضهنَّ على أهبة الدخول إلى الجامعات، فأخذت الأغنية الألمانية التي اشتهرتْ في عام 1963 ترنّ في أذنيَّ:

Junge, Komm bald wieder, bald wieder nach Haus!

يا فتى، عدْ فوراً، عد فوراً إلى البيت! والحقيقة إننّي لمْ أكنْ جادّاً في البقاء لهذا السبب، ولكوني، من ناحية أخرى، مرتبطاً بكفالة قدرها ألف (1000) دينار مع الحكومة العراقيّة أدفعها إن لم أعدْ بعد انتهاء الزمالة أو أفشل في الدراسة. وهكذا عدتُ في اليوم الأول من تمّوز من ذلك العام إلى بغداد وفي يدي راديو تراتسيستر صغير وفي جيبي عشرون ماركاً ألمانيّاً وقلتُ في نفسي: سأعود إلى برلين فوراً ولكنْ مع مال ولنْ أحتاج إلى مساعدة أحد. وبعد مرور سبعة عشر شهراً قضيتها في بغداد بين بطَالة وعمل في صيدلية أهليّة وموظف (كيميائي) في وزارة الصّناعة وصيدلي في المؤسسة العامة للأدوية، أصبحتُ مدير المكتب العلمي في بغداد لشركة إي ميرك الألمانية للأدوية في شباط 1966، فكان التحوّل الذي شدّد عليه الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه في سونيتاته إلى أورفيوس. ولكنْ كيف كان؟ وماذا حدث؟ وهلْ خلت تلك الفترةُ الزمنيّة من تعبٍ ومشاكلَ وهمومٍ؟

أعلّلُ النفسَ بالآمالِ أرقبُها... ما أضْيَقَ العيشَ لولا فُسحةُ الأملِ

(الطغرائي -لاميّة العجم)

2

العودة من برلين إلى بغداد (1964)

عدت إلى بغداد بعد قضاء سنتيْ الزَّمالة الألمانية في ألمانيا وبرلين اللتين لم تُثمرا عن شيء سوى نجاحي في دورتَيْ معهد غوته للغة الألمانية وشهادة اعتراف بأنني أخذت دورة في البكتريولوجي في جامعة برلين ، وهي ليست درجة علمية. كان الحكم قوميّاً برئاسة العقيد عبد السّلام عارف الذي عصف بالبعثيين واقتلعهم في خريف 1963 وأصدر (الكتاب الأسود) الذي يبيّن جرائمهم التي اقترفوها. وفي أول ليلة نمتها على سطح بيتنا القديم في الكاظمية بعد تلك الليالي الجميلة في برلين ، عزمت على العودة إلى برلين بأقرب وقت يكون، على أن أكون (محصّناً) بالمال الذي افتقدته، والذي لو كان بيديّ  منه ما يكفي حينذاك ، لكان بقائي هناك وحصولي على الدكتوراه أمراً أكيداً . أيقظني صُياح ديكة الجيران في الفجر، فلعنت الشيطان والحظَّ العائر. ولكني صبرتُ على القدر. وهل أستطيع غير ذلك؟ في أول النهار خرجت من البيت الي الشارع الذي يؤدّي إلى صيدلية صديقي المرحوم الصيدلي محمد هادي والذي لا يبعد سوى بضعة أمتار عن صحن الإمامين الكاظميْن فرأيت قشور الموز تملأ الطريق ، فأخذت أمشي بينها بحذر خشية الزّلق، وأصابني دوار. تحاملت على نفسي إلى أن وصلت إلى الصيدلية  فاستقبلني الصديق محمد هادي وعانقني ، فجلست على كرسي، وقدّم لي قنينة سفن أب أو مشن لآ أتذكّر. سألني عن مشاريعي ، فأخبرته أنّ عليّ في الوقت الحاضر أن أعمل كصيدلي لأعيش. عرض عليّ عشرة آلاف دينار لفتح صيدلية في أي مكان أرتئيه على أن يكون شريكي في الأرباح  فشكرته واعتذرتُ ، لأنّي لم أُرِدْ أن ألتزم وأبقى، فالعوْدُ إلى برلين كان هدفي. بقيت بضعة أيام بلا عمل . عرض عليّ كمال،  شريكي السابق في صيدلية الكاظمية التي أسّسناها معاً عام 1962 وبعت له حصتي قبل سفري إلى ألمانيا، أن أعمل فيها مؤقتاً وإن أردتُ فالشراكة بيننا قد تعود. فوافقت مبدئيّاً ، ولكنّي وجدت الصيدلية قاعاً صفصفاً ومدينة لكلّ المذاخر التي كان يشتري منها بضاعته ، حيث لم يكن جادّاً في عمله حينما تركت الصيدلية له قبل سنتين .  كانت الصيدلية مفلسةً. بعد حواليْ الشهرين من العمل فيها، قرأت إعلاناً في الجريدة من مجلس الخدمة العامة (المسؤول عن التعيينات في مؤسسات الدولة حينذاك) عن وظيفة شاغرة بعنوان كيميائي في وزارة الصناعة، وبالتخصيص في (مديرية التصميم والإنشاء الصناعي العامة) والذي كان مديرها الدكتور محمد الغضنفري، فقدمت طلباً، وكانت مقابلة لثلاثة صيادلة ، عبد الله ثامر العاني، تخرج بعدي ببضع سنوات، وصيدلي أقدم مني بسنة واحدة (نسيت اسمه) وأنا. تمَّ اختياري لهذه الوظيفة. لم تكن ثمة وساطات في مجلس الخدمة العامة أبداً. باشرت العمل في قسم الكيمياويات الذي كان يرأسها الكيميائي صبحي السامرائي (أصبح وزيراً في عهد البعث)، والصيدلي محمد وفيق مسعود (صيدلي أقدم من الموصل) الذي كان مدير مشروع معمل الأدوية في سامراء. أمّا الصيدلي عبد الله ثامر ، فكان يعمل بأجور يومية فيها، وقد فهمت من الصيدلي محمد وفيق مسعود أنّ هذه الوظيفة أوجدت لتثبيت السيد عبد الله ثامر، إذ رغبوا أن (يثبّتوه) في الوظيفة، فاختطفتها منه على حدّ قول مسعود! فوجدتُني مرتبكاً، حيث لم أكن أعلم ، وأنّى لي أنْ أعلمْ، وحتَى لو كنتُ أعلم، فإنّها منافسة شريفة وكعراقيّ لي الحق في المنافسة. ولذا عرفت أن أياماً عصيبة تنتظرني.  بقيَ السيد عبدالله ثامر يعمل بأجور يومية ولم أشعر بحقد منه تجاهي، ولا من السيد وفيق مسعود بالرغم من امتعاضه من تعييني. بل كانا ينظران إليّ كزميل حصل على (خبرة) ألمانية ، ولكنّي كنتُ أشعر بأنني غير مرغوب فيه ، فالجوّ كان محموماً و(مكهرباً) على كلّ حال. لذا أخذتُ أخطّط من جديد للحصول على عمل آخر في مكان آخر. 

سامرّاء ومعمل الأدوية                                                                                    

بعد يومين أو ثلاثة أيّام من مباشرتي في القسم المذكور صدر أمر وزاري (من وزارة الصناعة)، وكيل وزيرها العقيد عبد الهادي (لست متأكداً من اسمه ولكني متأكّد أنّه كان من الموصل وذهب ضحية سقوط الطائرة التي كان يستقلها عبد السلام عارف عام 1966) بتنسيبي إلى مشروع معمل الأدوية في سامراء وكيلاَ للسيد وفيق مسعود للإشراف على عمل الخبراء السوفييت والمهندسين والموظفين والعمّال الذين يقومون ببناء معمل الأدوية هناك. وهو في الحقيقة إبعاد عن بغداد وتكليفي بالمهامّ الصِّعاب والمسؤولياّت الضِّخام ،  لقد حصلت على وظيفة كيميائي ، فلماذا أعمل كمدير ، وإن كان وكالة، لمشروع كبير وضعوا له عقبات كثيرة حتى لا يكون ؟ ولمّا لم يكنْ لي خيار وافقتُ وشددت الرِّحال إلى سامراء ونزلت في فندق سامرّاء، قرب صحن الإمامين العسكريين ، وبأجرة مائة وخمسين فلساً لليوم الواحد. استقبلني المهندسون الأربعة بحفاوة وترحاب، وكانوا لطافاً معي وضيّفوني في أحد المطاعم العامة حيث أتذكر الجلّ فراي (قطع من اللحم مقلية مع البصل والكاري) وكبة حلب والطرشي وغير ذلك ، وكان طعاماً لذيذاً وحديثاً شيِّـقاً كلّه إخلاص لبناء المعمل الذي تعهد السوفييت ببنائه أثناء حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، والذي تباطأ بعض المسؤولين في زمنه ومن أتى بعده في بنائه عن عمد ووضعوا العقبات لتحول دون إنشائه لأنهم لم يريدوا أن يكون للسوفييت موطئ قدم أو أثر في العراق، فقد كانوا من أعدائهم. وحتّى ذلك الحين، حينما كنت هناك، لم يكونوا جادّين في بنائه، هكذا كان المهندسون يذكرون  لي وهم متذمّرون. أصبحنا أصدقاء منذ  اللحظة الأولى. ولما علموا أنني نازل في فندق بسيط وأدفع من جيبي أجوره، أخبروني أن ثمة داراً ذاتَ أربعِ غرفٍ مؤثّثة مستأجرةً من وزارة الصناعة لمدير المشروع ، محمد وفيق مسعود، ينزل فيها حينما يزور سامرّاء وتبقى مغلقةً حين يغادرها، وبإمكاني الطلب منه للسكن فيها، أفلست وكيله أو بالأحرى مدير المشروع حاليّاً؟ ولمّا كنتُ أضمرتُ في نيّتي عدم الاستمرار في هذه الوظيفة، لكوني شعرت أنهم أبعدوني ليتخلصوا منّي وربما فكّروا في أن أقدّم استقالتي ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى إنني لم أكنْ أرغب في الوظيفة الدائمة ، لأنّ شبح حياة أخرى ذقتُ طعمها كان يُطلّ عليّ بين حين وآخر ويناديني : أن تعالَ! ثم إنني أعرف أنه سوف لا يرضى ، ولن أستطيع المواجهة ، بل أحاول التستّر ، فقد ينبشون الماضي ، وقد يعثرون على قصيدتي التي نظمتها ونشرتها في جريدة (الثورة) التي كان يصدّرها يونس الطائي ، في 13 كانون الثاني 1959 بمناسبة مرور ستة أشهر على ثورة 14 تموز 1958 والمؤامرات التي حاكها الرئيس جمال عبد الناصر، والتي من أبياتها :

فباسم ذا الشعب محتفّـاً بقائدهِ

عبد الكريم سنحمي كلَّ منشَعبِ

ونقذف الخصمَ لا يلوي بداهية

لهيبها كلظى تموز في السُّهُبِ

وللخيانة إنْ بانتْ نواجذُها

سهمٌ من الشّعب يُردي كلَّ منقلبِ

فاضربْ بعزم ولا تأخذكَ لائمةٌ

فإنَّ في الغيب ِما يخفى على النُّجُبِ

فقد رأيتُ عيوناً وَهْيَ مُغمضةٌ

ترنو إلى أفقٍ في الجوِّ ملتهبِ

 

البدء في العمل والمشاكل

كان عدد العمال يناهز المائة ، يسكنون في أماكن متعددة من مدينة سامرّاء وكانت (لوريّات) المعمل تجلبهم من بيوتهم . جاءني رئيس نقابة العمال شاكياً من رئيس السّواق الذي امتنع أن يجلب بعض العمال مما جعلهم يأتون متأخرين ومتعبين لأنهم كانوا يضطرون إلى المشي على أقدامهم مسافات طويلة ليلتحقوا بالعمل . استدعيت رئيس السوّاق وسألته عن السبب ، فقال إنّ هؤلاء العمال يسكنون في أماكن بعيدة وأن سائق اللوري يصرف كميات كبيرة من البانزين إذا ما ذهب إلى كل بيت لينقلهم واحداً واحداً. فقلت له لماذا لا نجعل نقاطَ تجمّعٍ متعددةً للعمال وعلى كل عامل أن يكون موجوداً في تلك النقطة المخصَّصة له ليتم نقله وبهذا نقتصد في الوقت والمال ، فوافق ، وتمت تسوية أولى المشاكل. وقد علمت أنّ رئيس السواق يكره رئيس النقابة واتهمه بسرقة خشب من شركة كان يعمل فيها فطُرد على إثرها.  أما رئيس النقابة فقد دعاني على وجبة غداء في مطعم جميل يقع على منخفض الثرثار. شكرته وامتنعت ولكني وافقت بعدما ألحّ لأني وجدت حسن العلاقة تحل بعض المشاكل. أخذ ينتقد رئيسَ السوّاق ووصفه بالبعثي ، وقد تبيّن أنّه، رئيس النقابة، قوميّ، فلم أرِدْ أنْ أدخل في معامعهم ، وكنت حذراً. قلت له: الهدف هو إكمال المشروع ليستفيد أهل سامراء منه بصورة خاصة والعراقيون بصورة عامة. كانت قطعة الأرض المخصّصة لبناء المعمل تقع خارج مدينة سامراء وكان الطريق إليها وعراً غير معبّد ويستغرق 15 دقيقة للوصول إلى مركز المدينة. جاءني المقاول الذي رستْ عليه مناقصة إنشاء المجاري قائلاً : إنه تلقى رسالة من الوزارة (الصناعة) تخبره بأن يربط مجاري المعمل بمجاري سامراء التي يُتَوقّع أن تُنشأ بعدئذ، وهذا لم يكنْ موجوداً في العقد الموقع بينه وبين الوزارة ، وأن ذلك يكلف خمسة آلاف دينار إضافية وقد أوقف عمله إلى أن توافق الوزارة. أما الخبراء السوفييت فكانوا ستة (12 مع زوجاتهم) من ضمنهم رئيس الخبراء مستر مالين ، يسكنون في بيوت لا تدفئة فيها ، وكان الشهر نوفمبر، سوى مدافئ (صوبات) علاء الدين النفطية وكانت قديمة لا تُدفئُ جيداً . جاءني مستر مالين طالباً أن أبدّل الجديد بالقديم قائلاً إن مأمور المخزن مهدي لديه العديد منهنّ ولا يرضى أن يعطيهم أيّ واحدة. فوعدته خيراً وذهبت إلى المخزن فوجدت كميات كبيرة جديدة وصلته منذ مدة، فطلبت منه أن يرسل صوبة جديدة إلى بيت كل خبير ، فامتعض السيد مهدي قائلاً: أستاذ، هؤلاء ناس جياع يتبطّرون والصوبات التي لديهم تعمل جيداً، فقلت له سيّد مهدي هؤلاء ضيوف عندنا يعملون لفائدة سامراء والعراق فعلينا إكرامهم حتى لا ينطقوا بما يسيء إلى سمعتنا ، ثم إن الوزارة أرسلت صوبات جديدة ، لمن ؟ فاقتنع وأرسل إلى كل واحد صوبة جديدة بامتعاض ولعنات.  كانت ثمة سيارة مخصّصة لمدير المشروع لتنقله إلى بغداد حين الحاجة وتنقل الخبراء إلى بغداد بعد موافقة خطّية من مدير المشروع. فكان مستر مالين يأتي إليّ ليذهب إلى بغداد بين يوم وآخر ، فجاءني كتاب من الوزارة أن لا أسمح له لأنه يأتي إلى بغداد ليسكر ولا لشيء يخص المعمل . كان كل خبير يستلم نصف راتبه ، ستين ديناراً كمصرف في العراق ، والنصف الآخر تستلمه السفارة السوفييتية فتسلمه (روبلات) تحولها رسمياً إليه في الاتحاد السوفييتي  والفرق كبير بين التحويل الرسمي وسعر السوق. أما المهندسون ، فأخبروني بأنّ أسلاك (اللحيم) الروسية الموجودة لديهم والمستعملة للـ(بويلر هاوس) انتهت صلاحيتها ، وطلبوا منّي أنْ أكتب إلى الوزارة لاستبدالها ، فطلبت منهم أن يكتبوا تقريراً بذلك لأرفعه إلى الوزارة لاتخاذ الإجراء اللازم ، فكتبوا ورفعت تقريرهم بكتاب مرفق إلى الوزارة، فجاءتني  مكالمة فورية من محمد وفيق مسعود يطلبني للمجيء إلى بغداد فوراً للتباحث معه حول هذا الموضوع.  قال لي محمد وفيق مسعود كيف نستطيع أن نتخلص من هذه (الوايرات) منتهية الصلاحية وهي تكلف آلافاً من الدنانير ومن سيكون المسؤول عنها؟ سيد بهجت لتصير غشيم (لا تكنْ ساذجاً) اشتر ثلاثة براميل محلول (لا أتذكر اسمه) وغطِّس هذه الوايرات واستعملوها وستكلف هذه العملية بضعة دنانير فقط ، فقلت له سأخبر المهندسين بذلك فهم أعرف بالأمر منّي وغادرته. ولكنّي في اليوم الذي تلاه قدمت استقالتي إلى وكيل الوزارة العقيد عبد الهادي ذكرت فيها أنني عُينت بوظيفة كيمياوي وليس مراقب عمال وإدارة وأنا لا أستطيع القيام بها ، فقرأها الوكيل واستدعاني. قال لي أنت مدير المعمل ولست مراقب عمال ، فقلت له ولكني أقوم بهذه المهمة في الوقت الحاضر وأصررت على الاستقالة وخرجت ، ولم أذهب إلى سامراء وانقطعت عن الدوام ، فكتب الوكيل كتاباً عمّمه على الوزارات كافة بمنعي من التعيين في أي دائرة حكومية! أليس الحكم عسكريّاً؟ ضحكت في سرّي ، لأنني صيدلي ومهنتي التي اخترتها وأنا في الثانوية آتتْ أكلها، فأنا حرّ أستطيع العمل وممارسة مهنة الصيدلة في أيّ صيدلية أهلية وبذا أستطيع العيش حرّاً دون قيود الوظيفة وراتبها الضئيل ! واصبحت بلا عمل مرة أخرى في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) 1964. ولكن بعد شهرين من استقالتي وصدور كتاب منع تعييني في دوائر الدولة ، عُيّنتُ مديراً فنياً للمخازن الرئيسية في المؤسسة العامة للأدوية ، فكيف تمّ ذلك؟ كل شيء ممكن في بلد ألف ليلة وليلة وفي أيِّ عصر من العصور!

 

 

 

د. بهجت عباس

 اكاديمي كاتب وشاعر ومترجم عراقي

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا