الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

  

من يجرؤ على الكلام؟ :

“كوميرسانت” الصحيفة الروسية

المعارضة تحت سطوة الكرملين

محمد خلف - صحافي عراقي

 

روسيا تستحق حرية الصحافة”، هذه العبارة استهلت رسالة وجهها أكثر من 180 صحافياً روسياً، يعملون في صحيفة “كوميرسانت”، بعد يوم واحد من استقالة 11 من أبرز صحافييها، احتجاجاً وتضامناً مع اثنين من زملائهم في الجريدة اليومية، تعرضا للفصل التعسفي بسبب تحقيق استقصائي أعداه عن التغييرات التي حصلت في قيادة الغرفة السفلي في البرلمان الروسي (الدوما). ووفقاً لما ورد في الرسالة فإن “مالكي “كوميرسانت”، يقضون على واحدة من أفضل الصحف في روسيا، بسبب مصالحهم السياسية قصيرة المدى”.

تعني كوميرسانت (Kommersant) باللغة الروسية رجل الأعمال، وتوزع  أكثر من 131 ألف نسخة يومياً. تأسست عام 1909 وتعرضت خلال مسيرتها الصحافية للرقابة المشددة بعد استيلاء الشيوعيين البلاشفة على السلطة عام 1917، ولكنها عاودت نشاطها قبل انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1990، وتمتعمت بعد هذه الفترة باستقلالية وحرية في نشر الأخبار والتحليلات الاقتصادية. عام 2006 اشترى الصحيفة التي تميز عملها وصحافيوها بالحرفية، الاوليغارشي المقرب من الكرملين عليشر عثمانوف، وهو من أصول اوزبكية ويعد احد مالكي قناة “مووز تي في”، ونادي ارسنال الكروي في لندن. واشتهر أيضاً برعاية الفنون، بخاصة بعدما اشترى مجموعة “روستروبوفيتش فشنيفسكا” للوحات الفنية النادرة من فنانة الاوبرا غالينا فشينيفسكا. وبعد ذلك باعها الى الحكومة الروسية.

قبضة السلطة وحرية الصحافة

بدأت قصة الفصل التعسفي في 17 نيسان/ أبريل الماضي عندما نشرت “كوميرسانت”، تحقيقاً استقصائياً أعده المحرر ايفان سافرونوف، الذي نقل فيه عن مصادر سماها واسعة الاطلاع، تأكيدها أن رئيسة مجلس الفيدراليات – الغرفة العليا في البرلمان فالنتينا ماتفينكو، سيتم تنحيتها وتعيين بدلها رئيس الاستخبارات الخارجية سيرغي ناريشكين. إلا أن نفياً قاطعاً للخبر ورد على الفور وعلى لسان رئيسي الغرفتين العليا والسفلى اللذين اعتبراه مجرد شائعات لا اساس لها من الصحة. ولكن لم يمض سوى شهر واحد على نشرهما الخبر، حتى طُرد سافرونوف مع رئيس القسم السياسي في الصحيفة ماكسيم ايفانوف. ووصفت نائب رئيس التحرير ريناتا يامبايفا عملية فصل الصحافيين بالـ”الخسارة الفادحة”، و”محاولة مفضوحة للتأثير في حرية الصحيفة في نقل الأخبار وتناول الأحداث في البلاد”. وقالت إن “قرار فصل الزميلين اتخذه مالك الصحيفة عليشر عثمانوف شخصياً، إلا أن ممثله في هيئة التحرير أنكر ذلك مشيراً إلى أن “مالك الصحيفة لا يتدخل مطلقاً في سياستها التحريرية، ولا يتدخل في قرارات التعيين او طرد المحررين”. وبعد اجتماع موسع عقده المحررون والعاملون في القسم السياسي قرروا وبالاجماع تقديم استقالة جماعية احتجاجاً وتضامناً مع الزميلين. ونقلت وكالة “رويترز” عن الصحافي غليب تشركاسوف قوله إن “مالك الصحيفة له الحق الكامل في اجراء تغييرات في طاقم الصحيفة، فيما نحن نمتلك حق الاعتراض على قرارته، والتعبير عن موقفنا بطريقة واحدة فقط، وهي أن نغير مكان عملنا”.

من هو مالك الصحيفة؟

تعد “كوميرسانت” واحدة من بين أولى الصحف المتخصصة في مجال المال والاعمال في روسيا، وكانت حتى عام 2006 ملكاً للملياردير اليهودي الروسي بوريس بيريزوفسكي، الذي يحمل الجنسيتين الروسية والاسرائيلية واشتهر بمعارضته الرئيس بوتين منذ تسلمه السلطة وحتى هروبه الى منفاه في بريطانيا التي منحته اللجوء السياسي. وتوفي هناك في ظروف غامضة عن عمر يناهز67 سنة، وتعيش عائلته الآن في إسرائيل.

 

عثمانوف

عام 2006 اشترى عثمانوف “كوميرسانت”، وتشير تقارير صحافية إلى أنه راكم المليارات من الاتجار بالحديد والصلب بشكل خاص، ويعد أحد الأثرياء الكبار ليس في روسيا وحدها، وانما في العالم إذ احتل المرتبة 106 في إحصاء “مجلة فوربس” للأثرياء. ويعتبر عثمانوف أحد المقربين من بوتين، وبان ذلك بوضوح بعد طرده الصحافيين سافرونوف وايفانوف. وبحسب المحلل في الشؤون الروسية إليان فاسيليف “إن الخلاف الذي نشب بين عثمانوف والصحافيين في ما يخص هذا التحقيق الاستقصائي ليس الاول من نوعه منذ شرائه الصحيفة، إذ قام عام 2011 بطرد اثنين من الصحافيين العاملين في النشرة الاسبوعية التي تصدرها مؤسسته “كوميرسانت فلاست”، قاما بتوجيه انتقادات لاذعة إلى حزب بوتين الحاكم “روسيا الموحدة”، وهو قرار أثار موجة من الانتقادات ضده من جانب المنظمات الصحافية المستقلة في البلاد والخارج، والتي اعتبرت القرار “تدخلاً فظاً في عمل هيئة التحرير، إضافة إلى فرض رقابة فاضحة على عمل المحررين وتقييد سافر لحرية التعبير”.

الصحافيون تحت طائلة قانون الإرهاب

يفرض الكرملين رقابة مشددة على الميديا المستقلة في البلاد، ويواجه الصحافيون المستقلون أوضاعاً صعبة، إذ يتعرضون لعمليات تهديد وملاحقات امنية. وبحسب نائب رئيس الفيدرالية الأوروبية للصحافيين في روسيا ناديجادا أزكيخينا فإن “روسيا تستخدم قوانين مكافحة الإرهاب أداة لإسكات الآراء المستقلة، لا سيما تلك التي تنتقد الرئيس بوتين، ومن خلال استخدام الامن ذريعة لمسخ التشريعات الإعلامية في روسيا، التي تحمي الصحافيين من الرقابة، ما أدى إلى تقويض دورهم في كشف الفضائح داخل أروقة الحكم، وسياسات السلطة الحاكمة”.

يتفق خبراء في الميديا وقوانين الصحافة والنشر في روسيا على تآكل التشريعات التي استندت إلى القانون الأوروبي والدولي، بعد قيام الكرملين بتعديلات دستورية وقانونية، حدت من حرية التعبير وقدرة الصحافيين على العمل بلا عوائق، وبفعل التباين في تطبيق القواعد القائمة. ومن هذه التشريعات ما يعرف بـ”قانون مكافحة الأنشطة المتطرفة”، الذي يحد من حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، والذي صدر عام 2012، واستخدمته الحكومة في معظم الاحيان لاستهداف الصحافيين والمدونين. ووفقاً لما ذكرته مديرة مركز الدفاع عن وسائل الإعلام غالينا آرابوفا التي كانت مستهدفة شخصياً ببنود هذا القانون، “إن هذا التشريع يمكن تطبيقه كلما وجهت انتقادات إلى مجموعات أو أنظمة كاملة”، مضيفة: “هذا من شأنه أن يسلط الضوء على المشكلة المركزية المتعلقة بقانون مكافحة التطرف، الذي يضم بنوداً غامضة يحمل تفسيرها تأويلات متعددة يمكن أن تستخدم في اتهام من له موقف أو رأي مغاير للسلطة”.

تصطف إلى جانب هذا القانون مصطلحات اخرى غامضة مثل التشهير وخطاب الكراهية، فالتشهير في عرف السلطة هو “الإضرار بالسمعة” الذي يعد وفق القانون “عملاً إجرامياً”، منذ عام 2012. وقالت آرابوفا إن “توجيه انتقادات للقضاة والمدعين والحكام المسؤولين عن تنفيذ القانون يعتبر في التشريع عملاً يستحق عقوبة قاسية”. وتابعت “هذه القوانين تجعل  من اجراء التحقيقات الاستقصائية حول الفساد الرسمي أكثر صعوبة بالنسبة إلى الصحافيين المستقلين، إذ يتعرضون لمحاكمات لمجرد الحديث عن انماط حياة المسؤولين الباذخة”. وتؤكد ازكيخينا أن “الاتهامات الآن تدور حول ما سموه التطرف والتحريض، فمثلاً البحث في قضايا فساد الشرطة يعتبر تحريضاً على الكراهية، كما أن تناول الصحافيين الفساد في الإدارات الإقليمية والمؤسسة القضائية وغيرها من السلطات، يعد أيضاً تحريضاً على الكراهية”.

 

قانون ياروفايا والانترنت

دخل خلال السنوات الاخيرة في روسيا موضع التنفيذ أكثر من 20 قانوناً عن وسائل الاعلام، ومعظمها الهدف منه تقييد حرية التعبير، وفرض قيود على الاستثمار الاجنبي في مجال الإعلام، والحد من تمويل الميديا المستقلة. وتستهدف هذه القوانين النشر على شبكة الانترنت بما في ذلك المواقع الالكترونية، فأي موقع له أكثر من 3 آلاف زائر يومياً، يعتبر الآن “وسيلة اعلام”، وبالتالي يخضع لقوانين تقليدية، أحدها هو “قانون ياروفايا”، الذي يلزم مزودي الهاتف والانترنت بتخزين سجلات جميع الاتصالات لمدة ستة اشهر، وجميع البيانات الوصفية لمدة ثلاث سنوات، ويتحتم على هذه الشركات مساعدة وكالات الاستخبارات في فك رموز الرسائل المشفرة.

يواجه الصحافيون المستقلون في روسيا تهديدات وهجمات واتلاف المعدات وفرض غرامات غير العادلة والطرد وغيرها من اشكال العقوبات. وتحتل روسيا في تصنيف منظمة “محررون من دون حدود” المرتبة 149 بين 180 دولة في العالم. ويشير تقرير المنظمة إلى أن “وسائل الإعلام الوطنية أصبحت ملكاً لرجال أعمال المقربين من الكرملين، في وقت تصطدم المواقع الالكترونية بمزيد من التقييدات والضغوط من جانب السلطة الحاكمة”. ويفيد التقرير بأن مزيداً من الصحافيين والمدونين يتم القاؤهم في السجون، أما الصحف التي تحصل على تمويلات أجنبية فتعتبر رسمياً، “عميلة للاجنبي”. وكشف تقرير صادر عن لجنة حماية الصحافيين عام 2000 وهو عام تسلم بوتين السلطة، وحتى الآن، عن مقتل 28 صحافياً روسياً، بسبب نشاطاتهم المهنية.

كانت إدارة تحرير صحيفة “نوفايا غازيتا” المعارضة أعلنت أنها تعتزم تسليح صحافييها لتأمين حمايتهم، بعد أيام من الاعتداء على مقدمة برامج في إذاعة “صدى موسكو”،عرفت بتوجيهها انتقادات لسياسات الكرملين. وقال مساعد رئيس الصحيفة سيرغي سوكولوف لوكالة “فرانس برس”: “إذا كانت الحكومة غير مستعدة للدفاع عنا، فنحن مضطرون للدفاع عن انفسنا”، مردفاً: “عندما يكون الصحافيون من دون حماية في وجه هيمنة الحكم الاستبدادي على الشارع، وإهمال قوات النظام، ليس لدينا حل آخر غير التسلح”.

ويأتي قرار ادارة “نوفايا غازيتا” بتسليح محرريها بعد تعرض رئيسة التحرير المساعدة في اذاعة “صدى موسكو” تاتيانا فيلغنغاور (32 سنة) إلى حادث طعن في عنقها، قام به رجل (مختل عقلياً) وفق السلطات الروسية، ما دفع  منظمات حماية الصحافيين الى استنكار نشر الأجواء المعادية لوسائل الإعلام التي تنتقد الكرملين”. وقال رئيس التحرير ديمتري موراتوف في حديث لـ”صدى موسكو”، إنه “سيسلح فريق التحرير لأنه لم يعد لدي وسيلة أخرى بعد تعرضنا لمحاولات اغتيال كثيرة”.

موقع (درج)

 

محمد خلف - صحافي عراقي

 

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا