الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

 

  

حسب الله يحيى

 

 

 

 

دروس في العذوبة والعذاب

 

ومضات من حياة الشهيد وعد الله يحيى النجار

 

 

 

 

                     

 

 

 

                                                                       سيرة

 

 

 

 

 

الطبعة الاولى/2018

 

 

أما قبل

 

هذا كتاب صنعته الصدفة ، مثلما أملته التجربة .

كتاب زاده الألم المعتق الذي إكتوينا به جميعاً من دون إستثناء أحد ، وليس منّة على أحد.

كتاب كرر صفحاته المكتوبة جذر من الوجع والذاكرة التي أثقلها النضج حتى ولدت وواجهت الحياة .. مثلما ساهم مساهمة فعالة أولئك الاصدقاء الذين أغروا أصابعي وشجعوا حبري على كتابة خزينه الذي ظل محتبساً في ذمة الماضي .

أولئك هم : الشاعر الأثير ابراهيم الخياط ، والشاعر الصميمي  ناظم السماوي والشاعر المزهر كاظم غيلان ، والصديق الحميم نوح الربيعي ورفيق العقل والروح  عبد الرحمن الطباخ وعدد ممن شاخت الذاكرة عن حفظ أسمائهم ، لكنهم جميعاً في القلب مني ..

وقد تكرمت جريدة ( طريق الشعب) ومجلة ( الشرارة) نشر فصول من هذا الكتاب وزاد حجم التكريم تفضل جريدة ( الحقيقة) نشره كاملاً وعلى حلقات تحت عنوان : ( دروس في التربية الديمقراطية) ثم فاجأني الصديق الحميم الدكتور حسام اسماعيل رشيد بتقديم مبادرة كريمة وهي توليه نشر الكتاب على نفقته الخاصة بعد أن عجزت عن طبعه شخصياً .. فله مني والى كل الاصدقاء وافر الشكر والامتنان العميق .

ولان هذا الكتاب .. لا يعني اخي الشهيد وعد الله يحيى النجار بتماسه الجيني حسب ، وإنما بما أفادني من قيم أخلاقية ومبدأية عالية .. وأنا مدين له في زرع وشم الكلمات في أعماقي .. حتى تحولت الى دروس تركت بصماتها في مسيرتي، وما كان من طبعي حفظها في خزائن روحي ، وإنما وجدتها من الاهمية والاضاءة بحيث يمكن إتخاذها نموذجاً متميزاً يجدر بنا الوقوف عندها والتعامل معها بوصفها قطاف حياة نضالية نقية وشاقة .. والسير على وفق ما أعطته من قيم جديرة بأن تضيء الزمان والمكان .. فهل جاءت كما تمنى لها أصدقائي وقرائي الكرام ..

أتمنى وأرجو أن اكون قد أفلحت .

 

 

 

 

 

 

ح.ي

 


 

الدرس الاول

 

دائماً..هناك بذرة بكر تتنفس الارض من خلالها،مثلما..هناك كلمة تصبح،كما الوشم دائم الحضور في العقل والقلب والاحساس..

تبقى هذه الكلمة..كما النجمة الاولى في سماء متسعة،مخترقة الظلام،متجاوزة مساحة العتمة والسكون والغربة والابعاد..

هذه البذرة/الكلمة..كانت أشبة بالومضة التي يستحيل على المرء نسيانها في وقت كان يستحيل على المرء سماعها،أو قبول الآخر بها،ومن ثم البوح من خلالها.

الكلمة عادية..عادية جداً في التداول اليومي الاستهلاكي،إلا أنها جاءت كبيرة المعاني،شديدة التأثير.

والمشهد كما جرى..إن أخي البكر الشهيد: وعد الله يحيى النجار قالها بطريقة الخشوع والرغبة الملحة الصادقة في القبول بها.. وما كانت بي حاجة الى سماعها.. فقد ذابت الاسباب ،وما كنت في حالة حقد ولا نقمة ولا غضب ولا حاجة الى سماعها.. ذلك أنني لست ممن يتوسل ندم الآخرين والقبول بأخطائهم حال سماعي إعتذاراتهم ..لكنني حين سمعتها من أخي..كانت قد تشكلت عندي غابات من المحبة،وسماوات من الألحان العذبة.

كان ثمة سوء فهم،تلقيت بسببه سخط أخي وتوجيهه وتوبيخه وضربة موجعة على الخد..ما كنت أتوقعها ممكن أكن له إحتراماً وحباً أبلغ من البلاغة..لكنها صدرت من أخي الذي أباهي نفسي به.

وخجلت حتى من صمتي..واخترت زاوية أوضح فيها فلأخي عجالة في غضبه وإستيائه مني..

كتبت له حقيقة ماجرى، وجعلت الصورة أمامه جلية صادقة،بحيث لايمكن له إنكار صدقي في روايتها..وتركت (ورقة الايضاح) في مكان بارز قرب سريره..

وعد الله..قرأ الورقة..وأحسست أنه قرأها أكثر من مرة،وجاءني مقبلاً ومعتذراً محتضناً.. قائلاً (المعذرة) أخطأت،سامحني..

ولم أجد من سبيل مداراة خجله مني،وخجلي منه سوى إحتضانه،كما لو أنه كل أنفاسي،كما له كل قطرة حبة في دمي.

هذه الومضة التي توجه بها إليّ أخي وعد الله النجار الذي كان يتجاوزني عمراً وتجربة ووعياً ومسؤولية وموقفاً وأنا الصبي المرهف تارة،والكاتم لغضبه تارة أخرى..فيما هو الرجل / المعلم والحكيم في العائلة..كان يعني الشيء الكثير.

هذا إذن طبع كل شيوعي آثر أن يكون أمام الحقيقة وهي في كامل وضوحها،وهذا هو المبدأ المضيء الذي يحمله هذا الرجل ويفتدي حياته من أجله..وهذا هو العقل الحي الذي لايعاند نفسه،ويكابر روحه عن سوء فهم.

وعد الله..الشيوعي الذي أشاع كل قيم الفضيلة في العائلة.يعتذر لأخيه الذي يصغره بمسافة طويلة من السنوات.

أوضح قائلاً:

لم لا..حين نخطيء لابد أن نعتذر،وحين نعرف حقيقة الامور..يحسن بنا إصلاح العثرات حتى لانقع فيها مرة أخرى.

كانت شيخوخة أبي تتأمل،وأمي بالكاد تسمع وقد لاتفهم تلك الكلمات ولكنها تحس بوجودها على نحو ما..وكانت جميع أخواتي يجتمعن على إحترام نور العقل الذي يحمله أخي،وكيف عالجت سوء الفهم معه بحيث أوضحت له الامر.

منذ ذاك الحدث العائلي،وأنا ممتن لذلك الدرس الذي تعلمته من أخي الشهيد الذي تحول عندي الى نخلة باسقة وشمساً أزلية وجبلاً من الرسوخ..حتى وجدت نفسي أنحني إجلالاً لنخلة تساقط رطباً،وشمساً تملأ الكون ضياء،وجبلاً تترسخ في قمته المباديء والقيم والمواقف الراسخة التي ترفض ان تذوب وتتلاشى.

تلك الحالة..جعلتني ادرك مع أبي وكل أفراد عائلتي أن هذا الشيوعي الأصيل الذي هو أخي..ليس إنساناً عادياً يمر على الاشياء والعالم مروراً عابراً..وإنما يرى الاشياء والعالم من خلال رؤى أكثر عمقاً ودلالة ووعياً.

وبتنا ندرك جيداً ان هذا الأنموذج الأحسن من الحسن الذي يحمله أخي في أعماقه كبير ومهم وجدير بأن يتحول الى جذر راسخ في نفوسنا وعقولنا..بحيث نتبين من خلاله قيم كل الشيوعيين الذين نعرفهم من خلال صداقات أخي و ممن لانعرفهم إلا من خلال سلوك صميمي يجسد صورته أخي.

كان الذي جرى بسيطاً..كما قد يتصوره البعض،فيما كان يصنع إرادته في أعماقنا حتى أصبحت كل قيم العقل والفضيلة والنزاهة والاخلاق الحميدة..صورة مكبرة لابد أن نحترمها من خلال هذا الشيوعي الأثير الذي هو أخي..أخي وبحرارة أحسد عليها وأنا فخور بها.

وفي اليوبيل الماسي للشيوعيين العراقيين..تنفع الذكرى..والذكرى تبوح وتشع وتملأ الكون الذي يؤمن بأنسانيته كل شيوعي نبيل.

 

 

 

 

الدرس الثاني

 

يطرق الباب، وهن حذرات.. يتلفتن ويدخلن سريعاً قبل دعوتهن دخول الدار.

كان أخي الشهيد يسبقني الى إستقبالهن ومن ثم توجيههن الى غرفة تقابل الباب الخارجي تماماً..

كنت أرقبه،وألحظ إبتسامته التي يرفقها بكلمة أو كلمتين ثم ينصرف.،وكنت أقلده في هذا الاداء.

كان وعد الله يحيى النجار..لايعني بالنسبة لي سوى أنه أخ،أنجبته لي أمي في ليلة مقمرة كما كانت تباهي نفسها،مثلما أنجبتني ذات صباح ممطر..

لا عليّ من ميلاد أخي المقمر،ولا ميلادي الممطر..لكن اللافت التي أثار إنتباهي..أن أخي لايحدق في وجوه النسوة اللواتي يدخلن الى بيتنا،ويشكلن صفا متآلفاً..وهن يتحدثن خلف باب مغلقة في شؤون لم أكن أدرك معانيها جيدا..وقد تبين فيما بعد..وأنا أدخل إليهن حاملاً دائرة الشاي،فاسمع منهن بقايا كلمات تلتقطها أذناي..فأحس بالخوف منها وأسعى لتسليم عدة الشاي وأنصرف.

كانت كلمات منها: النشرة، البيان، ملاحقة الامن، الحزب، الجريدة، الاجتماع، الحذر من الشرطة، الثقة.. من اكثر الكلمات تداولاً على ألسنتهن.

كنت أحاول الجمع بين هذه الكلمات..وحين أفعل،أحس بالخوف والملاحقة والحذر والخشية من المجهول.

لم يكن لأخي دور بارز في هذا التجمع النسوي داخل بيتنا سوى إحترام قدسية هذا التجمع وتوفير الحماية والامن والاطمئنان على سلامته،وتقديم حزمة من الاوراق الى أحداهن..وإغلاق الباب.

كان بي شباب يقظ، نابه ومراقب لكل شاردة وواردة،صغيرة وكبيرة..وكانت بي رغبة للحديث مع هذه الشابة أو تلك.

كنت أجدهن جميلات..كلهن جميلات ولايسعني الخيار لأختيار من بينهن واحدة..كنت أخشى أن يلحظني وعد الله وأنا أحدق فيهن بشكل يدهشني شخصياً..

وقد بدأت هذه الخشية منه،عندما سمعته يهمس برقة لأحداهن وهي تدخل بيتنا.

- إنتبهي الى قميصك.

وتنبهت اليه قبل أن تتنبه اليه تلك الشابة المليحة الوجه والثغر،وهي تمد أصابعها الطويلة المنحوتة الناعمة لتقفل زراً كان قد تمرد عند صدرها وأراد أن يتنفس حريته من دون حذر ولا إستئذان من صاحبته.

منذ ذاك المشهد، بدأت أحذر نظرات أخي، وتحول هذا الحذر الى إحترام ..والاحترام الى قدسية ظلت تلازمني..حتى اللحظة وأنا في ختام شيخوختي.

كنت أفكر لوقت طويل وأتساءل:

- هل كان شباب أخي يحذر بهاء الشبيبة النسوية المتألقة..وهل كان صده تعففاً..وهل كان يمثل دور القديس أمامي وأمام شابة لوجهها طلعة الشمس؟

تجرأت مرة وسألته وكانت خشيتي من غضبه أشد عليّ وأكثر وقعاً من جوابه..لكنه طمأنني بهدوء،قال:

- كل من تدخل بيتنا..تعنينا،وهي شرفنا الذي يهمنا جداً الحرص عليه..مبادؤنا تقول أن كل رفيقة من رفيقاتنا..تعني  بالنسبة لنا الشرف الذي يميزنا عن سوانا ممن يبتذل المرأة ولا يرى فيها سوى جسداً ورغبة.

فهل نسيء الى أخواتنا..والى أنفسنا،ولعوائلنا..هؤلاء جزء أساسي من وجودنا.

وأحسست به يقول:

- أعرف نظراتك..أعرفك،إحذر..

وأحذر نفسي قبل أن أحذر أخي وعد الله..الذي بدأت أنظر اليه بعيون أخر،وبمنظور أعمق بكثير من الشبيبة التي كانت قد إستيقظت معي.

تنبهت الى حقيقة..لم يصرح بها أخي علناً؛وإنما أدركتها بحدسي وتدبيري ومعالجة الاسئلة والأجوبة التي كانت تحاصرني.

أحسست أنني أكبر من الرغبات التي كانت تشتعل في صدري..وأحسست أن ذلك الاشتعال لايليق بي،وأنني أكبر منه.

وسألت نفسي:

- هل أترفع عن رغباتي، وهل أقتل الرجولة التي كانت تنهض معي سريعاً.. وهل أبعد عني عاطفة باتت تملأ وجداني ..وهل.. وهل؟

وأحتكم الى رأسي الذي راح يثقله الصداع الذي لم يبارحه حتى اللحظة..وأجد الجواب على أسئلتي:

- إذا كان أخي الوسيم والمملوء حيوية ورجولة.. لا يندفع الى ما أندفع اليه.. واذا كانت أمي الصماء تكن لأخي كل هذا الاحترام، واذا كان أبي يتدبر مرضه بالصبر والود والهدوء، واذا كانت أخواتي يواجهن مصاعب الحياة بالخياطة المنزلية والتطريز الذي يمارسنه للحصول على قوت يومنا..

اذا كان الجميع يشعرون بالفخر والاعتزاز والامتنان لأخ..جميله أن يعمل بالخشب كرسياً يتكيء عليه متعب،فلماذا لايتحول هذا الجميل الذي إختاره الى عقل وسلوك يهتدي به؟

كنت أدرك هذه المعاني التي تشكلت لدى أفراد عائلتي..إزاء أخي وهو يخص بالعناية جمعاً من النساء وبمختلف الاعمار..وهن يجتمعن في غرفة تضيق بهن وتمتليء بكلماتهن التي إلتقطت منها الكثير..وبينها ماأفهمه ولا أفهمه،ولكنني في جميع الاحوال أجدني شديد الفضول لسماعي تلك الكلمات..وإن كنت خائفاً منها.

يبتسم وعد الله النجار – الذي هو أخي وبكل فخر – وأنا أنقل إليه ماسمعت..ويحذرني بهدوء من دون أن ألحظ فيه لمحة مهما كانت ضئيلة لخوف يملأني.

- إحذر..الكلمات بالنسبة لأعدائنا أمضى من السلاح..نحن لانتسلح بدمار الاخرين،نحن نضيء دروب الناس حتى يتوجهوا الى الخير والعدالة والرفاه والمساواة ...

تجرأت مرة وسألته:

- أنتم تؤمنون بغصن زيتون وحمامة سلام ومطرقة عامل ومنجل فلاح وغابات من الكلمات..كل هذه العدة التي تعملون بها؛هل بمقدورنا مواجهة..طلقة ،طلقة واحدة تنطلق من عدو سيء السمعة إليكم؟

يصغي إليّ كما لو أنني أعظه وأرشده وألزمه برأيي..وعندما أنتهي من الادلاء بأقوالي جميعاً..يبدأ بالكلام:

- نحن جميعاً نعرف..نعرف أن المقارنة صعبة،والخيار أكثر صعوبة..ولكن ألا ترى أننا نحفر ونزرع في الصخر،وفي أشد الظروف صعوبة..الا ترى كيف يمارسون ضغوطهم علينا،ويسيئون الى شرفنا..وكيف يقتلوننا واحداً ..واحداً،وكيف يعمدون الى تشويه صورتنا أمام الناس؟

ألاحقه بجوابي،وأقاطعه قائلا:

-.. وقد نجحوا..وسيواصلون نجاحاتهم.

وبأطمئنان وثقة يجيبني:

- إنتبه،لاحظ الحدائق،كم مرة يقطعون خضرة الارض..ومع ذلك نجد (الثيل) ينمو..ونحن ننمو وليس بوسعهم إقتلاعنا من الارض.

لاحظ..كم يصطادون من أسماك انهارنا..ولكن الاسماك تتكاثر من جديد.. نحن هذه الاسماك.

لاحظ..كم يصدرون من الكتب والصحف والمجلات والفضائيات،ونحن لا نملك الا وعينا  وسلوكنا السليم والنزيه والصادق الذي نباهي أنفسنا به.

وأستعدت فجأة تلك اللحظة التي شاهدت فيها أخي وهو يهمس في أذن شابة دخلت بيتنا بالانتباه الى كل شيء حولها اثناء السير.. وما تعنيه تلك الملاحظة السريعة،وكم كان لها تأثيرها العميق في نفسي وقلبي ورأسي..

كنت أصغي الى درس ثان تعلمته من اخي الشهيد..

كنت انظر الى الشرف بمقياس أخلاقي عميق،وكيف أستر لحظة..لتكون كل اللحظات ملك إرادتي التي أحترمها في الآخر مثلما أحترمتها فيّ وفي عائلتي..فأصونها،وذاك هو الشرف الذي ظل الخصوم يعمدون الى تلويثه وتشويه صورته..فلا يفلحون ولا تصل بهم كل السبل إلا الى مزيد من الخيبات.

 

 

 

 


 

الدرس الثالث

 

وراء اللهفة الطويلة.. كان هناك أمل.

قرأت هذه اللهفة المضمخة بالخزن في وجه أبي، وهو يتوجه الى محطة قطار الموصل.. قرأتها.. كما لو انني في مأتم، أو وداع ليس به أمل في العودة.. ومع ذلك وجدت في عيني ابي ثمة أمل.. أمل جد ضعيف، ضئيل حد العدم.. ومع ذلك ثمة ما يؤشر ويوحي الى ومضة الامل هذه.

تعلقت بهذه الومضة.. وكانت براءة طفولتي تتوسل هذا الامل علّه يكبر، علّه يساعدني على قراءة قدر.. قدر معين من ملامح أبي التي اضاعها الحزن العميق الذي بدا طاغياً وثقيلاً وظلامياً في ملامحه.

بحثت طفولتي عن نفسها في عيني.. أبي.. فلعل هذه الطفولة المنكسرة التي أحملها ترشدني الى سبيل يدلني على نقطة دالة لمفتاح مسرة ادخل من خلاله الى الاسرار التي تكمن في أعماق أبي التي لم يكن بوسعه البوح بها، مثلما ليس بوسعي استيعاب ما تحمله من انشغالات في شتى الامور.

كان القطار الصاعد الى بغداد.. يسير صاخباً.. ونسمع عبره احتكاك اقدام الحديد للقطار على الشارع الحديد الذي أسمع الناس وهم يطلقون عليه اسم السكة الحديد.. فينتابني إحساس بالقوة والقسوة معاً.. فأي شارع هذا الذي تسير عليه القطارات الحديد، بعجلاتها الحديد، بشارعها الحديد؟

لم يتحدث أبي طوال الطريق الممتد طويلاً إلا بكلمات قليلة، فيما وجدت عدداً من الركاب يستلقون فوق الرفوف الخشبية القائمة على جانبي القاطرة..

كنت أعرف اننا نتجه لمواجهة أخي وعد الله يحيى النجار في سجن بعقوبة..

وما كانت بعقوبة برتقالية اللون ولا بوشم الفاكهة التي نسمع عن طعمها اللذيذ، وإنما كانت مرسومة في الاذهان بوصفها السجن الذي يضم آلاف الشيوعيين ومن بينهم كان أخي الشهيد وعد الله.

الآن.. لا اتذكر كيف مر القطار ولا كيف وصلنا بعقوبة وأي طريق سلكنا.. ولكنني استعيد الان جيداً صورة الباب الحديد والسور الطويل للسجن والاسلاك الشائكة في أعلى السور.. وكيف استقبلنا الحراس بكلمة (ممنوع)  وماذا كانت تعني هذه الكلمة أمام من قطع (500) كيلومتر بالقطار والسيارة حتى يصل الى هذا المكان الذي صدئت جدرانه والاماكن المحيطة به... حتى ليحس المرء وكأن الزمن قد نسي المرور به وايقاظ الارض التي سكنت ودب فيها الموت.. وما من حركة يمكن الانتباه إليها سوى هذه البقعة السوداء التي أسماها (سجن بعقوبة).

- المواجهة ممنوعة.. وعد الله ممنوع من الزيارة.

- ولكنه سجين مثل بقية السجناء..

قال أبي وفي عينه دموع وفي كلامه توسل وانين مكتوم:

- هذا أمر المدير.. وعد الله ليس مثل البقية.. انه مضرب عن الطعام منذ (19) يوماً.

ما كنت اعرف معنى (الاضراب).. الى ان سأل ابي الشرطي:

- يعني انه لم يأكل الطعام كل هذه المدة.!؟

- نعم.. نعم.. كم عنيد هذا الرجل..

همس الشرطي في اذن ابي واعقب ذلك بقوله:

- عد الى بغداد واذهب الى (الريسس).. وستجده هناك يلعب في ساحة الخيول.. كلمه لعله يوافق على المواجهة.

تحول وجه أبي الى ليمونة.. كاد يسقط أرضاً لولا انه اتكأ على كتفي الذي مال جانباً وكاد يسقط كذلك.

انصرفنا ونحن في حالة من الاحباط واليأس والحزن الثقيل.. كان فمي جافاً وبي ظمأ الى قطرة ماء، لكنني لم أجرؤ على مفاتحة أبي بالامر، كما ان ابي كان مشغولاً عني بما لا يعرفه، لكنني ادركت ان الحوار القصير الذي سمعته بين أبي والشرطي كان كافياً لجعلي أفهم ما كان يدور في رأس ابي.

ركبنا باصاً ثقيلاً يئن.. كما لو انه يعاني من الزمن الثقيل الذي سربه.. كان الباص يشبهنا في تعبه وعجزه.

وكان باص ينقلنا الى باص واقدام تسلمنا الى شوارع وشوارع تسلمنا الى أماكن مجهولة لا نعرفها.. حتى إذا ادركنا المكان.. قالوا لنا:

- هذا هو الريسس.

وسأل ابي عن المدير.. قال له من سمعه يسأل:

- كيف ستعرفه، ومن يدلك على مدير سجن بعقوبة.. وهل هو مكان تقابل به مدير السجن؟

لم ييأس أبي من الاسئلة.. حتى قادته الأدلة الى رجل ممتلئ.. مليء بالعافية والمزاج الرائق وهو يتناول كأسه في إدارة الريسس..

أشفق عليه أحد الحضور الذي كان متأنقاً وعليه سيماء السماح والالفة.. فهمس باذن صاحبه، فخاطب أبي:

- اتبعني..

وعندما تبعناه انا ووالدي.. سأل الرجل أبي:

- ما عندك في سجن بعقوبة ؟

- ابني..

- شيوعي ؟

- يقولون.. والله ماعنده شيء.

- ولماذا انت خائف؟

- كيف لا أخاف وابني سيموت جوعاً.

- ولماذا يموت جوعاً وهناك مخصصات طعام لكل سجين!

- ابني لم يأكل منذ (19) يوماًً!   

- هل هو مريض..؟

- لا أعرف..

- بل تعرف..

سكت قليلاً وقال:

- قد يكون ذاك الشيوعي الذي اسمه وعد الله النجار؟

- بعينه.. هل تعرفه؟!

سمعت الرجل يهمس في اذن ابي:

- يجب ان تفخر بابنك.. ابنك بطل، انهم يخافونه.. انهم يتحدثون عنه هنا.. يقولون انه مضرب عن الطعام لأن المدير يسرق مخصصات طعام السجناء ويصرفها هنا على سباق الخيول.

عجب أبي، اغتنمت الفرصة وسألت أبي بدوري:

- هل يريد وعد الله.. استلام هذه المخصصات بدلاً عن المدير؟

اسكتني ابي..

- اسكت.. هل هذا وقتك؟

اجابني الرجل نيابة عن أبي:

- اخوك ينوب عن زملائه.. يعرف جيداً حقوق السجين السياسي.

لم افهم ما قاله الرجل لكنني احسست بتعاطفه مع أخي.

وصلنا مكاناً بهياً.. وفتح الرجل باباً ضخماً وانطلقت من فتحة الباب ضحكات عالية..

مددت عنقي، ووجدت الرجل يهمس في اذن رجل بدين.. فصاح هذا:

- تعال.. تعال.

تقدم ابي بحذر وانا امسك به.. فيما كانت الوجوه المحيطة بالرجل البدين تنظر إلينا وترى فينا مخلوقات عجيبة وكأن الحضور لم يروا ما يماثلها من قبل، وفجأة خاطب البدين أبي:

- تريد مواجه هذا الشيوعي الخطر..

- وعد الله خطر.. من لم يأكل لمدة (19) يوماً هل يمكن ان يشكل خطراً على أحد؟

- ها.. انت تدافع عنه..

بدا أبي متوسلاً

- سيادة المدير.. ابني يموت.

- ومن قال له ان يموت.. تعال غداً صباحاً الى السجن حاملاً ما شئت من الطعام وليأكل ما يريد. من يمنعه عن الاكل..

استدار ابي متوجها الى الخروج..

كان أبي حائراً بين فرصة الحصول الى موافقة المواجهة وبين القلق الذي كان ينتابه في بقاء أخي حياً حتى الغد..

مرت الليلة ثقيلة في (فندق السعادة) الذي لم تكن ليلته سعيدة أبداً بدليل اننا تقيأنا رغيف الخبز الذي تناولناه وبقينا في حالة من القلق والنتانة ورائحة الخمر والحشرات الطائرة والزاحفة المحيطة بنا.

كان تموز لاهباً والهواء جاف والحاجة الى الماء ملحة.. كانت هناك ذبالة مصباح مريض يحمل وجها أصفر منزوياً في أعلى الجدار لم يجد أبي من ضمان يمكن ان يحيطني به سوى احتضاني..

وكنت احسه يستعين بي حتى اسكت انيناً حاداً كان يمكن ان ينطلق في كل لحظة.

مرت الليلة ثقيلة.. كما جبل يجلس فوق جسدينا.

وعند الفجر كان نقف عند باب السجن.

وسأل أحد الحراس أبي:

- هل تعتقد ان معالي المدير سيتذكرك..!

قال آخر..

- لا يأتي لاستقبالك فجراً..!

ظل أبي حائراً لا يعرف كيف يجيب. فيما كان ينظر الى كيس لف بها ما كنا قد اشتريناه من طعام وتناولنا جزءاً منه حتى نداوي جوعنا..

ووجدت أبي يسأل مضطراً:

- هل وعد الله مازال حياً..؟

أجاب الشرطي:

- لا نعلم.. لم يخبرنا أحد بموت سجين حتى الان.

وجدت أبي يتوسل الشرطي:

- قد يكون ميتاً ولا يعلم به أحد هل يمكن السؤال عنه ؟.

تلفت الشرطي.. واقترب من أبي، ورأيت أبي يسرع بإخراج مبلغ من المال ويدسه في جيب الشرطي الذي اندفع متوجهاً الى الداخل.

كان الوقت يمر ثقيلاً.. حتى إذا عاد الشرطي.. كنا قد فقدنا الصبر.

- حي.. مازال حياً.. اطمئن..

ملت الساعات نظرتنا وانتظاراتنا واسئلتنا معاً.

كانت الساعة العاشرة صباحاً عندما وصلت سيارة معالي السيد مدير سجن بعقوبة..

راحت التحيات والاستعدادات تجري لاستقباله وكنت وابي في سكون كما لو كنا نترقب حدثاً هاماً قد يواجهنا..

التفت الرجل البدين بكامل قيافته الرسمية.. قال:

- تعالوا..

وجه الكلام الى أحد الحراس.. دعوه يواجه وعد الله النجار.

ارتسمت ابتسامة جريحة على شفتي أبي..

وقادنا شرطي الى المكان.. كان هناك سياج حديدي مرتفع وأمامه مساحة كافية لمرور أكثر من شرطي.. ثم يأتي سياج حديدي آخر بالارتفاع التي نحن فيه.. ليكون باستطاعة السجين الوقوف..

هتف به ابي:

- وعد الله.. وعد الله، هذا انا ابوك وهذا أخوك حسيب.

- أهلاً.. أهلاً.. بالكاد قالها رافعاً وجهه..

- ابني جئت لك بالطعام.. كل، لماذا انت عنيد لا تأكل..؟

صمت وعد الله، وحدق في وجه أبي معاتباً..

التفت الى حركة .. ورأيت المدير يقف قريباً من أخي..

- اسمع كلام والدك.. انت لا تضر إلا نفسك

سأل المدير:

- هذا والدك ألا تطيع أمره كذلك؟

- انا اعرف حقوق ابي وأخي والناس..

انتم لا تعرفونها..

غضب المدير.. قال: سنعلمك كيف ترفع صوتك..

توسل ابي بالمدير..

- سامحه يا سيدي.. سامحه، إنه في حالة صحية سيئة

- هذا بيده.. انه يريد ان يكون بطلاً برأسنا.. يريد ان يعلمنا الاخلاق.. هذا الشيوعي.

رفع أخي رأسه:

- نعم نحن من يعرف الاخلاق.. نحن لا نسرق طعام السجناء..

صرخ المدير:

- نحن سراق.. يا شيوعي.

انحنى ابي يريد تقبيل يد المدير حتى يكسب وده ..

رآه وعد الله فخاطب أبي:

- ابي .. لست أبي ان قبلت يده.. لا اريد ان اراك تقبل يداً فاسدة مجرمة.

ثم وجه السؤال لي:

- حسيب.. اذا كنت تريد ان تفعل مثل ابيك.. فأنا لا أريد رؤيتكما..

بكى أبي وبكيت لبكائه.

صرخ وعد الله:

- لا تهينونني.. بهذا البكاء.. اخرجا.. لا اريدكما هكذا ضعفاء..

وغادرنا داخلاً الى زنزانته.. فيما كان المدير يرثى لحالنا..

غادرت المكان مع أبي.. وفوجئت به يخاطب المدير:

- ابني قوي.. قوي بالحق ولن يتراجع.

احس المدير بعيني ابي وهما تحملان الاصرار والتضامن مع أخي.. وقال:

- وخرجنا لخاطرك.. سأعفو عنه... سألبي مطالبه..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدرس الرابع

 

مضى أكثر من نصف قرن على ما حدث.. ومع ذلك ظل هاجس الخوف ينوء فوق كاهلي، حتى أحس ان ما حدث يمكن ان يتكرر في كل لحظة.

الطرقات القوية على الباب الحديدي الضيق، كانت طرقات تعلن عن حزمها وتوترها وغضبها وقسوتها.. كانت ضربات موجعة كأنها ضربات سوط على جلد عار في ليل ثلجي.

ضربات تعلن عن عدوانها، ولا يمكن ترجمة أصواتها إلا ان تكون صادرة من عدو وخصم لدود.

خشيت فتح الباب، لكن خشيتي باءت بالاحباط فقد دخل من كان يطرق بقوة.. وتتوجه ايقاعات الاقدام القاسية الى باحة البيت.

-اين وعد الله النجار.

-انه ليس هنا.. لم يكن هنا.. من قال لكم انه هنا!؟

جمل عاجلة اطلقتها امي وهي تخاطب هذا العدد الكبير من المسلحين بمختلف الرتب العسكرية الى جانب عدد من المدنيين.

-انه هنا.. اين يختبيء؟

قال الضابط بتهديد وثقة مطلقة.. مؤكداً:

-ها.. اين يختفي، اذا وجدناه سنعدمكم معه.

-وماذا فعل، وماذا فعلنا؟

-انه ضدنا.. وانتم جميعاً ضدنا.

-لسنا ضد أحد..

ظل والدي يحاورهم هذه المرة، فيما كانت قلقة أمي تسعى للاصغاء، إلا ان محاولاتها باءت بالفشل، لانها لم تتمكن من معرفة حقيقة الاسئلة والاجوبة المتداولة بين الضابط وأبي.

توزعوا في أرجاء البيت.. خجل أحد الشرطة فيما كان يريد ان يدس خاتماً ذهبياً صغيراً عثر عليه في مجر خشبي يعود لأبي.. داخل جيبه.. فاعاده الى مكانه.

كنت امسك ابي حتى اصبحت ملحقاً به وتابعاً لوجوده اينما حل.. وكان احساسي يقول انهم سيأخذون ابي بدلا عن هروب أخي الذي افلت من قبضتهم وهم يتجهون لالقاء القبض عليه..

وجدت أخي وعد الله يحيى النجار يقفز من سطح الى سطح ويختفي عن الانظار.. فيما كانت اعداد الشرطة تتوزع كل زاوية وقسم صعد الى السطح بحثاً عن وجود أخي هناك.

سألت نفسي: هل كان أخي بهذه الاهمية التي يخشى منه فيما عرفت اخي لم يكن حاملاً سلاحاً ابداً.. وإنما وجدته حاملاً جريدة يبرز معالمها ان كانت تحمل أسم (طريق الشعب) وبلون أحمر واضح المعالم.. بينما كان اخي هناك يحمل كتابه وكتاب آخر دائم الانتظار وموشراً لموضوع ومركوناً على رف قريب من منام أخي..

كان فضولي دائم الانشغال بمعرفة عنوان أي كتاب منزوٍ هناك.. متسائلاً ما إذا كان يعني اهتمام أخي الذي يمتهن النجارة يعنى بهذا الكتاب من دون سواه.

وجدت مرة عنوان (التثقيف الذاتي) من تأليف سلامة موسى وأصر فضولي على قراءته.. ساعة أعرف غياب أخي.

ووجدت بعد أسبوع كتاباً آخر أشبه بكراس يحمل العنوان نفسه ولكن المؤلف هذه المرة يحمل أسم امرأة تدعى: كروبسكايا.. وقد ضبطني أخي وانا اقرأ فيه، وخشيت ان يعاقبني لأنني أعبث في حاجاته.. ولكنه ابتسم بوجهي من دون افتعال وإنما كانت ابتسامة تدل على الارتياح والتفاؤل..

قال:

- الكتاب.. هو الشيء الوحيد المسموح لك به..

أحسست بسعادة تملأ كياني كله.. ومنذ ذلك الوقت صرت أقرأ كل كتاب مركون في تلك الزاوية التي كان يرفد فيها أخي ذاكرته..

ذلك ان وعد الله علمني على قراءة الكتب من دون ان يطلب هذا مني أو ان يلزمني به.. وحين تعلقت بالكتب صارحني:

- لقد كانت دعوة قصدتها فأثمرت.. كنت اريدك ان تعرف العالم من خلال الكتاب.. وقد فرحت بنجاح خطتي..إذن كان أخي يخطط.. ساعياً نحو توجيهي لقراءة الكتب، ولكن على وفق خياري لا فرض ولا أمر ولا إلتزام يكرهني على ادائه.

عفواً ..

استعدت هذا الموقف فيما غادر الشرطة المسكن وهم في خيبة جراء عدم نجاحهم في القاء القبض على أخي الذي افلت من قبضتهم..

كانوا يعرفون هذا مؤكدين انه كان هنا، وهذا المكان الذي كان يجلس عنده ومازال دافئاً يسامره قدح الشاي الذي يتصاعد بخاره.

لكن الضابط تعاطف معنا وهمس في اذن ابي بعيداً عن زملائه:

- لا تقل لي انه لم يكن هنا.. أنا أعرف.

سكت أبي حتى وجد ان لسانه قد ضاع منه، بحيث صار من الصعب عليه.. السلام على الشرطة الذين غادروا بيتنا بهدوء غير معهود على العكس من دخولهم الشرس ونظراتهم اليابسة.. التي تبيناها عندما كانت الطرقات على الباب تتواصل ..

ومنذ ذلك الوقت قبل نصف قرن وانا اخشى فتح الباب لأن الطرقات القوية كانت تعني ان رجال الامن والشرطة قد جاءوا لاعتقال أحدنا..

ذهب الجميع وملأ الهدوء المكان كله.. فاذا أخي الشهيد وعد الله يحيى النجار الذي استعيد صورته الآن يأخذ مكانه بيننا.. وكأنه كان يتطلع الى ازهار الحديقة المنزلية الصغيرة وشم عطرها ثم عاد إلينا بهدوء تام..

هاتفاً:

-الشاي بارد.. سخنوه.

احتضنت أخي حتى اصدق انه موجود ولم يعثروا عليه فيما كنت اعتقد جازماً انه كان قد قفز من سطح جار لنا الى آخر.. ثم عاد طالباً شاياً ساخناً وها هو نفسه يكمل ما كان يتحدث به إلينا.. وكأن شيئاً لم يكن، وكأن ما حدث مسألة عادية تحدث دائماً..

وما كان علينا سوى معالجتها بطرق ذكية وأساليب تتسلل من خلالها الافلات من قبضة الامن الذي كان يلاحقنا.. هكذا كان يعلمنا أخي ويدلنا على كيفية الخلاص من خصومنا من دون ان نلحق بهم الاذى.. ذلك انهم يؤدون واجباً رسمياً ولا رأي لهم فيه، فاذا احسنا السلوك معهم، تعاطفوا معنا وجعلونا نفلت من الاصفاد التي اعدوها لنا..

هذا هو الدرس الجديد الذي تعلمته من أخي باتجاه بناء مفهوم لاشاعة الحياة التي ندعو في مسارها الآمن الى شيوع الافكار والرؤى.. وقد احسنت العمل فعلاً.. احسنته واتقنته حتى أصبح مؤشراً واضح المعالم.. لكنني مع ما تعلمته بقيت أخشى الطرقات على الابواب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدرس الخامس

 

لا اعرف بالضبط كيف تمت عملية الهروب ، وكيف افلت أخي الشهيد وعد الله يحيى النجار من يد حارسه وهما في حلقتين مشتركتين من الاصفاد في يد كل واحد منهما واحدة ويلتقيان معاً في سلسلة حديدية قوية .. ويجلسان على مقعد واحد داخل عربة قطار تقلهما الى السماوة .

لكن ما اعرفه عن اخي قدرته على اقناع حراسه وكسب ودهم وبناء جسور من الصداقة معهم .. وعملية الهروب لاتعني بالنسبة لاخي ان يتخذ صداقة حراسه وكسب ثقتهم هدفاً للهروب وجعلهم امام موقف حرج امام مسؤوليهم .. ولكنه كان يعد حراسه الى مهمة اخرى وهي انهما ـ اخي وحارسه ـ كلاهما يعانيان من الظلم وانهما نتيجة سلبية لافرازات دافع سياسي سيء لا يهمه ولا يشغل بال القائمين عليه سوى انفسهم والابقاء على كراسيهم .

لذلك يجد الحارس نفسه في موقف لايختلف كثيراً عن هذا الرجل الذي يعمل على تأمين وصوله الى سجن لا يستحقه وعقوبة لا توجه لامثاله ..

لذلك يعمل الحارس على تسهيل مهمة هروب اخي من دون ان يدعوه الى ذلك مباشرةً .. فهذا امر صعب وتواطؤ مقصود ودعوة غريبة ان يتولى الحارس اطلاق سراح من يحرسه ويظل مسؤولاً عن حياته ووجوده حتى آخر لحظة يتم فيها تسليمه الى الجهة الرسمية المعنية .

ما من شرطي يحرس سجيناً لا يخشى من هروبه ومن عواقب هذا الهروب على عمله وحياته ومستقبله ؛ ولكن المسألة اذا ما تحولت الى مبدأ يجد صداه لدى شرطي ، فان الامر يختلف ، وعبره يدرك الشرطي ان المسألة .. نضال يشترك فيه السجين والسجان .. والجلاد والضحية .

لذلك يشتركان في هدف واحد هو الافلات من قبضة السلطة وهو امر كان يسعد اخي كثيرا ، حيث كان يقول لي باستمرار:

ـ لا اخشى السجن ولا الموت ، ولكن الخلاص منهما امر سعيد .. كسب للحياة وتحد للطغاة ، وتفاؤل في صنع المستقبل .

اذا كان اخي ينسق مع حارسه في عملية فتح ( الكلبجة ) التي تضغط على معصمه والابقاء على ( الكلبجة ) الثانية مع السلسلة بيد الشرطي وهو مستغرق في النوم وفي ليل القطار المعتم واجواء الصيف الجافة ، فان هذا التنسيق كان مختمراً بين اخي والشرطي .. وهو ما حدثني اخي به فيما بعد ..

القى وعد الله النجار نفسه من الشباك الذي عمد الى فتحه بمساعدة الشرطي نفسه بهدف استنشاق هواء نقي والخلاص من هواء العربة الثقيل .. على الرغم من الموجات الترابية التي كانت تدخل العربة فتخنق الانفاس .

وفي اللحظات التي اثقل النوم جفون من كان في العربة من ركاب ومعتقلين وجنود وشرطة، .. اخرج وعد الله النجار مفتاح (الكلبجة) من مكان خفي في ملابسه وراح يعمل بهدوء لفتح ( الكلبجة ) والتي استجابت لطللبه وتخلصت من سجنها وفتحت بابها للحرية .. وفي الحال كان اخي خارج النافذة ، وخارج القطار ، وخارج السجن .. بعيداً عن التماس مع حارسه .

لم يشعر احد بما جرى .. ولكن الشرطي راح يصرخ حال استيقاظه وافتقاده السجين الذي كان يشترك معه في سلسلة الحديد .. اين هذا السجين ، وكيف اغتنم فرصة نومه وفتح ( الكلبجة) من دون أن يحس .. وما الذي جعله يوافق على فتح نافذة القطار ، وكيف يمكن لانسان أن يلقي بنفسه من القطار المسرع في سيره؟!

بالتأكيد تعرض الى كسور في انحاء جسده وربما مات بعد أن عجز عن الحركة أو تناوشته الذئاب الجائعة في صحراء السماوة .

راح يصرخ : كيف يمكن ايقاف القطار .. والعودة للبحث عن السجين الهارب ؟

اجاب أحد الجنود :

ـ ارفع الغطاء واسحب السلسلة .. هكذا تقول القطعة المكتوبة التي ترشد الراكب الى ايقاف القطار عند الضرورة .

فعلها الشرطي على عجل .. وبعد قليل احس الجميع بأن القطار بدأ يبطيء من سرعته حتى توقف نهائياً .. وجاء السائق ومساعده يسألان ركاب العربة :

ـ ماذا حدث ؟

ـ هرب سجين .. القى بنفسه من الشباك .

ـ كيف حدث هذا.. من يلقي  بنفسه من القطار السريع تتكسر عظامه ..

وقال مساعده :

ـ اين كنت .. الم يكن مربوطاً بسلسلة واحدة معك والمفاتيح في جيبك .. هل سرقها منك .. كيف تفتح الشباك المجاور لجلوسه ؟

انتاب الشرطي حزن عميق وغضب عارم ورغبة في تسديد ضربات الى سائليه الذين لا يعرفون العواقب التي ستواجهه وكيف يمكن الخلاص منها بسلام ..؟

بالتأكد سيتم اعتقاله الى ان يتم القبض على السجين أو مواجهة العقوبة بالسجن لعدة سنوات بسبب اخلاله بواجبه الرسمي واهماله وتقصيره .

-       هذه مسألة ليست سهلة عندي ولا عند الشرطي بالتاكيد ..

قال اخي وهو يحدثني بوضوح بعد ايام من هروبه ومجيئه الينا طارقا الباب ذات مساء مرتديا ثياب فلاح ريفي غير معني بمظهره .

هكذا قال اخي ..

سالته بطريقة حاولت من خلالها إغاظته حتى اتبين موقفه.

- إذن .. تخلصت من السجن بجلدك ووضعت الشرطي في السجن بديلاً عنك..!

هل تقول الشيوعية هكذا :(انقذ نفسك ولا عليك بالآخرين)!؟

ابتسم اخي وأجاب قائلا:

- ليس الامر كذلك..لكنني حسبت الامر على نحو آخر..

فأنا محكوم عليّ بالاعدام وقد ينفذ الحكم في أية لحظة..اما الشرطي فقد جعلته من خلال حديثي معه بان الحياة لذيذة ولابد أن تعاش بطريقة او بأخرى وان البقاء حياً في اتعس الظروف أفضل بكثير من الموت مجاناً هكذا .. فأنت لست قاتلاً ولا مفسداً في الارض..ولكنك تفكر بطريقة تختلف عن سواك ممن يحكمونك .. فهل تستحق على وعيك ومبادئك ان يتم التخلص منك والحكم عليك بالاعدام؟

-   كنت أمهد للشرطي بالفرق الشاسع بين إنسان يتم اعدامه بسبب إنتمائه الفكري وآخر باق لاشاغل له في الحياة سوى أن يأكل وينام .. ماهكذا تعاش الحياة ياأخي.

خاطبني بهدوء كأنما يريد إقناعي بأن ما اتخذه من قرار الهروب كان صحيحاً .. وان مافعلته كان لابد ان يفعله فهو عين الصواب.

 سكت قليلاً،فاغتنمت سكوته وسألته:

- وعد الله .. وماذا بعد القاء نفسك من القطار!

إنتابته حسرة ألم ومعها مشاعر قبول بالتحدي حتى في كل المسرات..قال:

- لم أكن خائفاً من الكسور والآلام التي كانت تثقل على جسدي العليل،كان الامر بالنسبة لي متوقعاً ومؤكداً،فلماذا أكون قلقاً على شيء كنت أعرف عواقبه مسبقاً؟

بدأت أركض في أتجاه مستقيم ولا اعرف مداه ولا عوالمه..

كانت مسالة الوصول الى مكان آمن هي الرجاء الاول والاخير بالنسبة لي .. كان فمي جافاً وكانت حنجرتي تختنق ومع ذلك واصلت الحركة بأقصى سرعة امتلكتها وأنا الذي أحس بان عظامي تتكسر واحداً واحداً..

ولكنني مع ذلك كنت أمتلك الاصرار على تجاوز المحنة والخلاص من اعدام محكوم به الى موت يحمل معه أكثر من فرصة للعيش وان كان هذا العيش مقترناً بالقلق..

كنت أسقط في حفرة وأتخلص من اخرى،وتلاحقني أصوات حيوانات شتى لا اكاد أميز بينها مع حذر من وقوعي بين فكي أحدها..

كان الليل عميقاً والقمر غائباً والجو خانقاً والجفاف يعم المكان الذي لا ألمح من خلاله سوى بعض الاعشاب التي تتكسر تحت أقدامي..

كنت أبحث عن شبح شجرة،ذلك انني أدرك ان الشجرة قرين الانسان،فاذا وجدت شجرة ما،فلابد ان هناك وجود لإنسان قد شتلها وعني بنموها .

كانت انفاسي ثقيلة..والتعب يثقل على كل جسدي..وجدتني أستريح وقد هّدني التعب هداً أصبح فيه من الصعب عليّ أن أواصل طريقي..

كان الفجر يتسلل ببطء وكل شيء فيّ كان يتوجع..

من بعيد لمحت شبح شيء تبينت فيما بعد انه شجرة..شجرة بالفعل،ورحت أجر نفسي باتجاهها.حتى إذا اقتربت؛كان الفجر يعلن عن نفسه وثمة حركة قادمة من هناك..ولكن شكل انسان يلوح في المدى البعيد..

اقترب كل منا من الآخر ولم يكن بوسعي مناداته،لكنني سمعت بالمقابل ثمة نداء:

- من هناك..؟

بالكاد قلت:

- ضيف..ضيف.

وطمأنت نفسي ... ان الكلمة قد وصلت الى القادم.

- اهلاً بالضيف.

عجل الرجل في التوجه نحوي..حدق في وجهي..سألني:

- هل انت جندي هارب من الحرب؟

بالكاد قلت له:

- بل محكوم بالموت.

احتضنني قائلاً إطمئن،مادمت قد وصلت الينا .. فانت بسلام.

حملني فوق ظهره،عندما وجدني عاجزاً عن الحركة .. وراح ينادي:

- هين .. ياجماعة الخير ..هين.

بعد قليل تبينت ملامح وجوه سمراء جافة تقبل لمساعدتي..

وحملوني الى مكان ما.

وجدت نفسي محتفى به،ومعني بعلاجه واطعامه واحترام وجوده.

سألني أكبرهم سناً:

- يا.. شاب من اين أنت قادم،مامحنتك..؟

شرحت للرجل حقيقة أمري..

- شيوعي .. محكوم بالاعدام، القيت بنفسي من القطار بعد أن تخلصت من سجاني..

وجدتهم يهمسون على شفاههم عدة كلمات:

- شيوعي .. ماذا يعني.. ؟ القطار يمشي مسرعاً وهذا الرجل القى بنفسه من الشباك ،والسجان الى جانبه..!

شرحت لهم:

- الشيوعي .. إنسان ضد الظلم،وضد ان يكون هناك فلاح يعمل بعرق جبينه وإقطاعي يجني جهده..هذه ليست عدالة.

- ولهذا السبب حكموا عليك بالاعدام؟

- نعم..إنهم يخشون إنتشار هذه الافكار بين الناس..انهم يريدون السعادة والخير لأنفسهم فقط.

- ونحن..؟

- ماعليك سوى القبول والرضى بهذا الحال.

وجدتهم يهتمون بي ويبذلون جهوداً إستثنائية لإخفاء أمري.

- ياسيد..

- وعد الله يحيى،من جبور الموصل،مهنتي نجار.

- سيبحثون عنك،سيفتشون كل بيوت القرية..يجب أن نجد لك مكاناً آمنا.

وراح كل واحد من الجماعة يقترح مكاناً .. حتى إتفق الجميع على مكان قريب مملوء بالاشواك..هنا سنغطيك بالاشواك ونخفيك عن أنظارهم..

ذهب ثلاثة لجمع الاشواك وتامين المكان..

ووجدت نفسي هناك مثقلاً بمعطف وفوقه تل من الاشواك.

سمعت أصوات سيارات وشرطة ..

- سنجده عندكم،سنعتقل كل شباب القرية أن لم تدلونا على مكانه.

- فتشوا..لم يدخل قريتنا غريب..كيف ندلكم على شيء غير موجود أصلاً ؟

سمعتهم يقتربون من تل الاشواك، وهناك من دفع سكين بندقيته في الاشواك، وتلمست حركة سكين في ظهري غير انني عالجت الالم بالاحتمال..إحتمال ان يغوص السكين في أعماقي من دون ان اوقع نفسي وأهل القرية بأخفاء سجين هارب.

ادركت انهم كانوا قد أنهوا تفتيش كل بيوت القرية..

وان هذه الاكداس من الاشواك لأخفاء أمر السجين الذي يبحثون عنه .. لكنهم استبعدوا أن يحتمي المرء بالاشواك وقد تأكدوا بعد أن غرسوا سكين البندقية في الاشواك.

- قال الشرطي:

- لنشعل هذه الاشواك.

وخشيت أن يحرقوني..لكن الضابط تدارك الامر:

- سوف ينتشر الحريق فيشعل القرية كلها..

سمعت حركة سياراتهم وأصواتهم تغادر المكان..

وعلى عجل وجدت من يزيح عني الاشواك ويسألني:

- هل جرحت، هل وصلت السكين الى ظهرك..؟

وجعلوا يبحثون عن جرح في ظهري ويعملون على علاجه بماء ساخن وقطعة قماش نظيفة ورماد سيكارة.

بقيت في ضيافتهم أياماً .. كنت اعرف خلالها أنهم سيداهمون بيتنا في الموصل.

قلت لأخي وعد الله وأنا مصغ اليه ليتحول الى مصغ اليّ:

- نعم .. جاءوا الى هنا وأخذوا أبي الى مركز الشرطة ثم اعادوه بعد أن احسوا انه على وشك الموت بسبب شيخوخته عجزه وقلقه..

وسمعت أخي وعد الله يهمس في أذن أبي:

- هل أنت بخير؟

- إحترم شيخوختي يا أبني وعد الله ،اجعلني اموت مطمئنا عليك وعلى ذلك السجان الذي سجن بسبب هروبك .. سلّم نفسك.

اندفع أخي يحتضن ابي..وساله:

- هل يرضيك اعدامي أم سجن شرطي بسببي؟

سمعت أبي يقول؟

- وعد الله..انت الذي اخترت طريقك..ولم يلزمك أحد باعتناق مبدأ معين ..فلماذا يسجن بريء بسببك؟

أصغى اخي الى كلمات أبي أحس نبضات قلبه.. نهض، توجه اليه.

- إطمئن ..إطمئن من أجل إطمئنانك،ومن اجل سجاني الذي سجن بسببي..سأسلم نفسي وان اعدمت..

وفي الصباح ودعنا وعد الله يحيى النجار مقبلاً كل واحد منا قبلات صميمية..وقد ترك في رؤوسنا درساً جديداً يحمل معه نقاء رجل إختار ضوء حياة الآخرين وان كان ثمن ذلك حياته.

 


 

الدرس السادس

 

ممكن.. كل شيء ممكن،لاشيء يستحيل على الانسان ان هو صمم على إنجاز شيء مايريد إنجازه..وقد يتأخر الانجاز..لكن الاصرار من شأنه تحقيق هذا الانجاز.

هكذا كان يخاطبني معلمي وأخي الشهيد وعد الله يحيى النجار،وهو يعلق على خوفي وحذري وأنا اعتذر عن تلبية طلبه في إيصال البيانات الحزبية بين سجن الموصل وخارجه.

- كيف..هل تريدهم ان يسجنوني ويدمروا حياتي ومستقبلي.؟

إبتسم أخي وقال:

- بالتأكيد لايمكن أن اريد هذا لك يا أخي وياصديقي العزيز..إنما اريد ان اعلمك على مسألة مهمة وهي أنه لاشيء عصي على من يملك العزيمة والارادة والتصميم.

- ولكن هذا القاء النفس في التهلكة..

- لا..لا..اريد ان تتعلم على حقيقة أساسية وهي أننا نعمل في أصعب الظروف ونواجه اعداءنا في صلب عملهم وحياتهم وظروفهم السعيدة..وظروفنا الصعبة.

إنهم يخشون وجودنا وهم في قمة مجدهم..ونحن نعمل في جميع الظروف ولن يثنينا طاريء.

- وهل تعتقد بأن البيانات الحزبية تستحق كل هذه التضحية.؟.

- بالتأكيد تستحق،فنحن لانؤمن باستخدام السلاح في مواجهة من نختلف معهم فكرياً.

- ولكنهم يستخدمون السلاح في مواجهتكم.

- هذا شأنهم..اما نحن فنحاربهم ونواجههم بأفكارنا..الفكر هو سلاحنا الوحيد والذي يخشى إستخدامه اولئك الذين لايفكرون بعقولهم وإنما تملي عليهم عواطفهم كل تصرفاتهم.

ويظل يحاورني في هذا الشأن،وأنا حذر من حراس السجن الذين يحيطون بنا..فقد تكون كلماتنا قد وصلت الى آذانهم وبالتالي ستكون النتائج بالغة الخطورة.

أدق نواقيس الخطر أمام أخي..أعالج جرحي بالسؤال:

- هل أنت خائف الى هذا الحد؟

- كيف لاأخاف وهم يفتشوننا عند دخول السجن والخروج منه.

يضحك ويقول:

- هذا سهل..سهل جداً،سوف نبتكر سبلاً أخرى نتواصل فيها مع رفاقنا..

- ماذا ستفعلون؟

- نضع البيانات داخل الطعام،وفي (الزنابيل) وفي أفواهنا..يمكن ان تكون داخل هذا اللبن أو الكبة.

تأملت وجه اخي، وجدته جاداً، واثقاً من كلامه، حذراً من حرس السجن المحيطين بنا..مضى يقول:

- بين تلافيف هذا (الزنبيل) تجد عدة رسائل أرجو إيصالها الى رفاقنا.

دهشت..حاولت الاعتذار ولكن نظرته الواثقة؛جعلتني اوافق واستجيب وأحمل تلك الرسائل وأوزعها على أصحابها.

تكرر الموقف أكثر من مرة..وفوجئت ذات مرة أنهم يفتشون الطعام والزنابيل....

إكتشفني أحد المفتشين مرة ولكنه همس في إذني بعد أن وجد مظروفاً داخل علبة اللبن..

- إذهب – قالها بصوت عال – في وقت همس في أذني : لاتفعلها مرة اخرى فقد تقع الرسالة بيد مفتش غيري.

وحتى اكون حذراً في المواجهة الثانية حملت بياناً حزبياً بعد ان ضغطته بدقة وجعلت اتناوله كعلكة في فمي،وعندما قال لي مفتش السجن:

- إرم هذه العلكة من فمك..الرجال لايتناولون العلكة.

لئلا يكتشف أمري إبتلعت البيان/العلكة.

وتأملني الحارس..دون ان يعلق ..احسست انه أدرك ان شيئاً غير العلكة كان يدور في فمي..وهو لايملك دليلاً يجعله يكشف أمري ويجلبني للتحقيق..لكنني قررت أن لا أكرر التجربة مرة أخرى..

الا أن عينا أخي وعد الله ظلت تلاحقني وتراقب أمري وانا احمل بين ساقي رسالة سميكة وقد تحركت من مكانها وكادت تسقط فيما كنت أسحب دراجتي الهوائية وانا اخرج والانظار متوجهة نحوي..احترت بدراجتي وبنفسي وبالرسالة السميكة التي كنت أحملها واريد الخروج بها من السجن بسلام..

جعلت أعرج وامضي في سبيلي جاراً قدماي بصعوبة،ولا أكاد اصدق انني واصل الى مكان أمن خارج السجن..وكلما تذكرت هذا الموقف الصعب اشعر بالفخر والاعتزاز ذلك ان اخي علمني ان لا أضعف أمام الملمات وأنا أنطلق من ثقتي بنفسي وبقدرتي على تجاوز المحنة باصرار وانتباه وشجاعة..

تعلمت درساً جديداً في التربية السليمة التي كان يمارسها أخي في مسار حياتي..تعلمت أن لاشيء يستحيل على إنسان يملك الاصرار والثقة العالية بنفسه..لذلك رحت انقل البيانات وجريدة الحزب والرسائل من الخارج الى السجن..ومن السجن الى فضاء المدينة من دون ان أفكر يوماً في فتحها ومعرفة ماهو مدون فيها..الى أن طلبت ذات يوم من اخي السماح لي بقراءتها.

- ألم تقرأها مرة.؟

- لا .. إنها امانة أوصلها.

إبتسم اخي..شكرني على امانتي..قال:

- مادمت امينا الى هذا الحد،فانني ازيد في هذه الامانة واترك لك حرية قراءتها..شرط أن تكون حذراً..وأن تكون أميناً على ماورد فيها من معلومات..

- الامانة.. أن تحفظ مايعهد اليك، والامانة أن تصون كل ماينبغي لك ان تصونه..

وبهذا تعلمت الدرس بتفاصيله الكاملة..

 

 

 

 

 

 

 

 


 

الدرس السابع

 

لا اعرف متى حل بيننا هذا الرجل الغريب،لكنني فتحت عيني ذات صباح وإذا برجل لم أره من قبل يجلس بيننا ويقاسمنا فطور الصباح.

سالت امي:

- من هذا الرجل؟

إكتفت بكلمة واحدة : - يونس.

أضاف أبي :- عمك يونس سيعيش معنا..كان مسافراً وعاد للعيش معنا..

ضحك العم يونس ودعاني للجلوس الى جانبه..قبلني بحرارة ..قال:

- أنت حسيب إذن..

قلت : نعم.

قال : ياحسيب،سوف نكون أصدقاء منذ الآن.

سألته : وهل ستبقى في البيت لنتسلى معاً.. الا تذهب للعمل؟

- لا .. سأبقى معك ، أنا عاطل عن العمل.

وبقيت لسنوات وفي علمي أن العم يونس .. عمي شقيق أبي ومن المألوف أن يعيش بيننا بوصفه واحداً من أفراد العائلة.

لكن ما أثار إنتباهي إن العم يونس كان يتكلم بضع كلمات مع ابي بلغة غريبة عرفت فيما بعد أنها اللغة الكوردية .. وقد حاول العم يونس أن يناديني بمفردات كوردية .. حتى أصبحت آنس لها وأحسها صميمية وان العم يونس لايستخدمها الا عندما يزداد شجنه وتتوطد صداقته معي .. ويعاملني كما لو انني كنت في عمره .. مع انني كنت في عمر يباهي نفسه بالصبا.

- كاكا حسيب .. تعال نقرأ هذه القصة..

- عمو .. هذه قصة طويلة لايمكن أن ننهيها لا اليوم ولا غداً.

يبتسم قائلا :

- فليكن .. ولو بعد شهر.

وأقرأ العنوان : (الأم) والى جانب الكلمة .. إسم غريب : مكسيم غوركي

- عمو ..

- قل لي كاكا ..

- ولكنك عمي .

- عمك وصديقك .. وأفضل أن نكون أصدقاء أولاً .. ما رأيك؟

- كما تحب عمو ..

يضحك من جديد.

- حسيب .. هذا الكتاب يتحدث عن أمهاتنا .. وقد كتب هذا الرجل عن أمه وإسمه مكسيم غوركي.

- ولكنني اعرف أمي.

- وكذلك أنا ..

- أخوك وعد الله يقول : من قلوب أمهاتنا نعرف قلوب كل الامهات.

اعدت العبارة في داخلي حتى حفظتها.

- إذا عرفت أمي .. هل سأعرف أمك أيضاً؟

بالتاكيد .. كل الامهات يشتركن في صفة اساسية هي الحنان ..

- وإذا أختفى هذا الحنان من قلب الام؟

معنى هذا أنها لاتملك قلباً وبالتالي لم تعد أماً.

بهذا الحافز بدأت قراءة (الأم) مع العم ،عفواً / الصديق العزيز يونس.

وتوطدت العلاقة معه ، حتى وجدتني أتعامل واياه كما لو أنه في طفولتي التي لم تكن تميز الاعمار بشكل جيد.

وتنبه أبي الى الود العميق الذي يجمع بيني وبين يونس .. حتى وجدت نفسي أساله يوماً :

- عمو .. لماذا تخشى الابواب ، فتحها وغلقها .. لماذا تهرب من مواجهة أي ضيف يحل بيننا؟

- حسيب .. لقد كبرت ، وعليّ أن اصارحك واكون صادقاً معك .. انا صديق عمك ، رفيقه في الحزب الشيوعي .. الحكومة تطارد أعضاء الحزب وتريد إعتقالهم .. كما فعلت مع أخيك.

- أنت هارب إذن وفي حمايتنا .. إطمئن.

إحتضنني بقوة :

- حسيب .. أنت ذكي ، وتعرف ما أريد توضيحه .. أنت لاتكلفني اعباء الشرح والتوضيح .. وهذا يعني ..

قاطعته وقلت :

- يعني أن لايعرف أمر وجودك هنا .. أي إنسان.

- نعم .. عندما تعرف الحكومة أنني هنا ستعتقلني وربما تعدمني ..

حزبنا ممنوع ، وأنا عضو في هذا الحزب الممنوع.

- هذا يعني أنك ستبقى متخفياً لمدة طويلة؟

- هل يضجرك هذا .. سأغادر البيت إن كان ذلك لا يسعدك؟

- لا .. لا عمو يونس انت واحد منا .. أنت العم والصديق ..أنت صديقي وصديق أخي وأبي وواحد من أفراد العائلة.

ومضت اعوام والعم يونس .. لم يغادر عمومته في قلبي مثلما لم تغادر صداقته وألفته التي تجعلني أحس بالغبطة ..

كنت أتبين عمق الصداقة والثقة التي تجمع بين أخي وهذا الرجل..

مثلما كنت ادرك طبيعة التغيرات التي جعلت من هذا الشيوعي الكوردي أثيراً لدى كل فرد من أفراد العائلة..

وعندما حانت ساعة الولادة لأمي الحامل .. قرر أبي أن يقوم العم يونس بنفسه بتسمية المولود الجديد إكراماً له .. فأطلق على اخي الذي أطل على الدنيا إسم (باسم) فرضينا بالاسم فرحين مستبشرين.

وسألته :

- عمو يونس .. لماذا إخترت هذا الاسم؟

- حسيب عزيزي .. لابد أن نبتسم للمستقبل ونعد انفسنا لاستقباله.

اذا لم نبتسم فان الامل سينصرف ويغادر هذا البيت الى الابد.

- وهل سيرضى وعد الله بهذا الاسم ؟

- بالتاكيد .. لأنه متفائل بالحياة التي نريد أن تزهو يوماً ، وان الشمس لابد أن تضيء ذات صباح.

ابتسمت ليونس .. وسألته :

- ألا تعتقد بأنك سجين هنا .. واخي سجين هناك .. ما الفرق؟

- الفرق .. انني لا أضع مصيري بيد الحكومة ..

- وهل وضعها أخي؟

- مضطراً .. لو أفلح بالهروب من سجن الحكومة لكن ذلك أفضل بكثير .. ومع ذلك .. هو يعمل من داخل السجن وأنا اعمل من خارجه .. كلانا نعمل بالطريقة والوسيلة المناسبة من اجل الوصول الى حياة أفضل ..

- وماذا تعني الحياة الافضل ياعم يونس؟

- ان نضمن رغيفنا ، وأن نقول رأينا بلا خوف ، وأن نطمئن على مستقبلنا ومستقبل أبنائنا ، وأن يسود العدل بيننا ، وأن نتساوى في الحقوق والواجبات ، وأن ...وأن..

- عمو .. هل تعلمت الحياة الافضل من أخي وعد الله ؟

- تعلمناها معاً من الحزب.

- من هو الحزب ؟

- أخوك وأنا وأنت – إذا رغبت – وكل من يسعى لتحقيق الحياة الافضل لنفسه وللآخرين..

تأملت وجهه ، وسألته :

- ولكن الواحد منكم يدفع حياته ثمناً لهذا الهدف .. هل تستحق الحياة كل هذه التضحية..

- نعم .. الحياة كما نريدها .. نقية مزدهرة ، وتستأهل التضحية.

تنبهت الى عينيه وهما ترصدان وجهي .. وتبحثان عن جواب.. كان ذلك واضحا في معالم وجهي..

- حسيب .. هل تحب وعد الله ؟

- ومن لايحب أخاه .. ولكنني اخشى عليه وهو يضع نفسه في التهلكة !

- إذا كنت تحبه حقا ..إعمل على ان تحب الحياة مثله ..

- وإذا فقدته ؟

- لن تفقده ..أنه في قلب الحياة .

 

 

 

 

 

 

 

 


 

الدرس الثامن

هذا أسن شرطي يدخل بيتنا،وأول شرطي يرفض إستلام (هدية) من العائلة!

كما أنه الشرطي الوحيد الذي عرفناه متعاطفاً بصدق معنا ومع أخـــــي السجين وعد الله يحيى النجار في سجن الموصل المركزي.

أما أن عمره قد تجاوز السن القانونية ؛ فهذا أمر واضح ، وقد علمنا فيما بعد ان الحكومة قد مددت سنوات خدمته لثلاث سنوات لاحقة ، وذلك بهدف الاستفادة من خبرته الطويلة وإخلاصه في عمله وتدريبه فريقاً من الشرطة لتأهيلهم على ممارسة مهنتهم حراساً وسجانين وإداريين ..

أما رفضه أستلام (الرشا) التي نزهنا وقع فهمها وصداها في اذني الشرطي وسميناها (هدية) ،فان امر رفضها لم يكن بدافع خشية الشرطي من ابلاغنا الحكومة بشأنها بعد أن شاعت في ذلك الوقت فضيحة الشرطي الذي يقف في باب المستشفى العام في الموصل الذي كان يحول من دون زيارة ذوي المرضى ما لم يدفعوا رشا نقدية معلومة اليه ..

وعندما دون أحد الزوار رقم العملة الورقية التي دفعها للشرطي وقدم شكوى ضده لأدارة المستشفى وتم التحقيق معه والكشف عن العملة ..

بادر هذا الشرطي لاستبدال اسلوبه في استلام الرشا وذلك عن طريق استلام النقود المعدنية فقط رافضاً استلام أية نقود ورقية مطالبا استبدالها بعملات معدنية لأنها بلا أرقام وليس بوسع أحد إتخاذها دليلاً ضده..

لم يكن رفض صاحبنا الشرطي ينطلق من هذه الزاوية أبداً وإنما كان ذلك طبعاً فيه ومساراً في حياته الوظيفية وإكراماً لسجين إستثنائي يحترمه ويمني نفسه بولد صالح يماثل ولدنا وعد الله النجار ..

هكذا قال لأبي ..

وكان في جميع زياراته يأتينا ليلاً ومع هبوط الظلام .. يتسلل الى بيتنا كما لو انه يتخذ موقفاً مغايراً لما هو مألوف .. وبالفعل كان هو كذلك .. بحيث كنت أراه وهو في زي مدني ويتجنب مشاهدته أو رصده من قبل أي مخلوق ..

كان يتلفت الى كل الجهات ، وعندما يجد أحداً في طريقه يتجاوز زقاقنا وبيتنا ويعود الينا في وقت آخر .

لم يكن أحد يعرف أسمه ، ولم يكن بمقدور أحد سؤاله عن إسمه الحقيقي .. يكفي أن نقول أبو حسين .

وذات مرة أخطأ ابي وناداه بأبي اسماعيل .. فنهض غاضباً ..

- لست أبا اسماعيل .. انا ابو حسين .. والحسين عاش نظيفاً وقوته في نظافة عقله وقلبه وروحه .. اما اسماعيل وابو اسماعيل فهما لقبان ملازمان للمرتشين والفاسدين في الشرطة وانا لست منهم .

اعتذر أبي مراراً .. وبالكاد قبل ابا حسين الاعتذار على مضض .

وغاب أبا حسين لأسابيع تالية امتدت الى أكثر من شهرين .. حتى وجدته ذات يوم امامي ويدخل عاجلا فيما كنت اروم فتح الباب ولم يترك لي فرصة حتى ارحب به وأساله عن غيابه وأطمئن اليه ..

- أهلاً .. اهلاً عمي ابو حسين.

- هل والدك موجود ..؟

كان على عجل ، بحيث لم يجد وقتاً حتى للاجابة على سلامي .. كان مرتبكاً ، وقلقاً وحذراً ومهموماً .. وتوجه الى غرفة قميئة كان يعرف ان أبي مستلق فيها معانيا من جملة امراض .

- ها .. ابو وعد الله ، انت زين ، وعد الله زين ولكن أمر نقله الى سجن البصرة صدر اليوم وعليكم مواجهته قبل ذلك .. القطار يغادر المحطة في الساعة التاسعة .. امامكم ساعة ، ساعة واحدة.

عجل ابي بالحركة .. اراد ان ينهض ويقفز من مكانه متوجهاً الى لقاء أخي ..

- ياب .. نحن سنذهب نيابة عنك .. انا وامي واخواتي سنذهب بدلاً عنك ..

- وانا انتظر .. ووعد الله يتم تسفيره ولا اراه .. وقد لا اراه الى الابد ..!؟

وجدت في كلمات ابي الاصرار .. ورضخ ابو حسين والاهل الى اصراره على لقاء وعد الله وساعدناه على مغادرة سريره .

خاطبنا ابو حسين :

- يصعب عليّ المجيء الى المحطة ، لقد ودعت وعد الله وهو في السجن .. سأجيء اليكم غداً .

كان وعد الله محاطاً بعدد من الحراس ومكبلاً ومقيداً بقيود مشتركة مع شرطي شاهدناه عبر النافذة .. لوح لنا بيده الثانية .. فيما كانت حركة القطار بطيئة وتستعد للاسراع ..

قال أبي :

- حمداً لله .. لقد شاهدته قبل أن اموت .. سأموت الآن مرتاحاً ، وانا اغمض عيني على وجه وعد الله .

بكينا جميعاً .. كما لو اننا كنا ننتظر هذه الكلمات ونستأذنها لنبكي سوية .. على أخ يغادر الى سجن بعيد ، وأب مرشح للموت في أية لحظة ..

كانت امي أكثرنا هماً وأكثرنا احتباساً للألم .. مثلما كانت أكثرنا قدرة على احتمال الصبر وهو في قمة الأذى .

أمسكت ابي وجعلت تحتضنه في حضرتنا بلا حذر :

- ابو وعد الله .. وعد الله بخير ، وعد الله سبع ، وعد الله اعتاد على المصاعب ، وعد الله لايذل أبداً .

- والله تمام .. هذا الذي يجعلني اصبر .

جعلت استعيد هذا الحوار مع نفسي ، متسائلاً :

- من أين يجيء هذان الابوان بكل هذا الصبر العنيد وبكل هذا الاحتمال على الاذى ، وبكل هذه القدرات على مواجهة الصعاب .. وهما لايعرفان السياسة والسياسيين .

كانت دموع اخواتي الستة مكفنة بعباءات سوداء لاتظهر من خلالها سوى وجوه شاحبة وعيون مملوءة بالدموع واصوات نحيب مكتوم .

قالت اختي الكبرى في حسرة :

- إيه .. سنبقى معذبين من وراء الشيوعية؟

أجابت أمي فوراً :

- إبنتي .. وشبيها الشيوعية ، الشيوعية صنعت رجالاً .. هل من أحد مثل وعد الله؟

سكتت اختي ولم تعلق ..

وصلنا الى البيت في قلب ليل شديد العتمة .. وجدنا في زاوية من الزقاق ثمة  شبح لرجل ما .. تبيناه بوضوح ، أنه الشرطي ابو حسين الذي توجه الينا على عجل وسألنا :

- ها .. رأيتموه ، وصلتم اليه قبل مغادرة القطار .. ها ؟

قالت أمي :

- إي عيني ابو حسين .. الله يرضى عليك ، هذا فضل منك لن ننساه.

- أختي أم وعد الله .. وعد الله ليس ابنكم بس .. وعد الله ابننا جميعاً.

افتخر أن يكون لي إبن من صلبي مثل وعد الله ( الله يحفظه) .

ودعاه والدي للدخول وجعلته يتقدمني :

- ابني امسك ابوك ..انا ادخل.

ودخلنا تباعاً .. يتقدمنا أب عليل ، وام تكتم غيظها وحزنها العميق وست أخوات ينتصبن كما لو كنا الواحاً من الفحم الذي احرقته نيران الصبر الثقيل .

كنت الوحيد الذي يعمل على جمع كل هذه النفوس المثقلة بالحزن والتحلي بالهدوء امام ضيف نجله ونكبر فيه مساعدته لنا ولعزيزنا وعد الله .

جلس العم ابو حسين الى جانب أبي قال :

- ابو وعد الله .. لماذا انت حزين الى هذا الحد .. من كان له ولد مثل وعد الله يجب أن يباهي نفسه .

سأله أبي :

- حتى إن فقدته؟

اجاب ابو حسين بكلمات كان يحاول من خلالها إقناع ابي :

- ابو وعد الله .. كل الاشياء الجميلة سنفقدها يوما ما ،ما من شيء ثابت في هذه الحياة الى الابد سوى المواقف الشريفة والنبيلة والشجاعة .. ووعد الله يحمل مثل هذه المواقف .. الا يكفيك هذا ؟

صمت والدي .. ومضى أبو حسين يتحدث فيما كان الشاي الذي امامه قد فقد بخاره وصار بارداً ..

- ابو حسين اشرب شايك .

تناول ابو حسين قدح الشاي ودفعه في جوفه مرة واحدة ..

- هل ارتحت .. شربت الشاي !

- ابو وعد الله لم تسألني عن سبب تعلقي بأبنك وعد الله .. أنا لست شيوعياً ، ولكنني سأصبح شيوعياً إذا كان وعد الله يمثل نموذجهم .

- ما به وعد الله ..؟

- به كل خير .. تصور ، تصور ..

 وسكت ابو حسين .. وطال سكوته :

- ها .. ابو حسين اكمل .

- لا .. لا ، اتركها لوقت آخر .. لا اريد ازعاجك .

- ابو حسين .. الحزن صار يعيش معنا ، صار جزء منا ، ينام ويأكل ويسهر معنا في كل الاوقات .

وبحسرة راح الرجل يتحدث :

- تصور .. كان جسم وعد الله مملوءاً بالتقيحات جراء التعذيب .

كانت جراحه تبعث رائحة كريهة .. ولم يكن بوسعي وأنا الحارس الخافر الاقتراب منه .. تصور ، تصور كان ينسيني رائحة جراحه النتنة المملوءة قيحاً بحلو حديثه..

كان يسألني عن أولادي وأحفادي واحداً واحداً .. كان يقول لي :

- عمي ابو حسين .. لاتجعلهم يتركون المدرسة .. لابد ان نعلم ابناءنا .. ما يحدث من ماسِ .. هو نتيجة للجهل , الجهل بالحقوق والواجبات .

لو كان الناس جميعاً يعرفون ماعليهم من مهمات وما يحتاجون اليه من حقوق لما حدث .. ماحدث .

المدرسة تعلم أبناءنا كل شيء ..

سألته :

- وانت قد تعلمت ياوعد الله .. وهذا ما اصابك !

إبتسم وعد الله .. قال :

- عمي ابو حسين .. كفتا الميزان اختلفت .. انا أعلم ، والآخر بقي لا يعلم .. كلانا يجب أن يعلم وفي هذه الحالة يصبح كل واحد منا يعيش وضعه الانساني السليم .

ومضى ابو حسين يتحدث :

- ابو وعد الله .. هذا الموقف علمني أن لا اكون يائساً في أصعب الظروف ، وأن احتمل الأذى في أشد الاوقات ضراوة .

وعد الله علمني دروساً كثيرة منها أن أبتسم وأنا اواجه أقسى الازمات .. وأن اتجاوز المحن باتجاه ان اصنع حياة افضل .

ظل الرجل يتحدث .. حتى وجدنا الليل قد تعب فيما كان الحديث عن وعد الله يمضي ولا تطاله كل الاوقات .. وكان ظلام الليل ماضِ فيما كان الفجر يتنفس .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

الدرس التاسع

 

عندما حلت في بيتنا طابعتان يدويتان،كان الامر بالنسبة الينا في غاية الخطورة والحذر .. اما ان يزيد على الطابعتين مسدس صغير من أجل حماية الطابعتين ممن قد يشي بوجودهما أو يعرضهما للسرقة أو من يتولى الاشتغال عليهما معرض للخطر .. فهذا امر يفوق الوصف والاحتمال .. ذلك إن كل الادلة الجرمية واضحة ولا لبس بوجودها والعثور عليها بسهولة .. كما إن الاشتغال على الطابعتين يرافقه صوت الضربات على الآلة الكاتبة .. فإذا أخفيناهما عن العيون ، كيف يمكن لنا اخفاء صوتيهما ونحن نعمل اصابعنا واصابع من يتكفل بالضرب على حروفه .. واذا إتممنا ذات ليلة دخوله الى بيتنا ، كيف لنا خروجهما ثانية .. ولكن من قال أنه ستخرجان ، لقد حلا في بيتنا أشبة بضيفين إلزاميين وليس بوسعنا طردهما أو اهمال شأنهما ..

واذا استسلمنا لهذا الواقع واخترنا السكوت حفاظاً على أسرار أخي وعد الله يحيى النجار الذي وثق به رفاقه ، فكيف بوسعنا أن نتخلى عن هذه الثقة وكيف نرفض من إئتمنا على أموال ومستلزمات عمل الحزب الشيوعي .. ؟

ما كنا نعرف أبداً ان للحزب الشيوعي آلة كاتبة .. فهذا من شأن كتاب العرائض الميسورين الحاصلين على إجازة موقعة من مديرية الامن العامة وبرقم سري لايعرفه سواهم ..

ترى هل كان الشيوعون قد أجازوا آلتيهما من الامن وأخذو تصريحا باستخدامهما ؟

سألت أخي وعد الله :

- وعد الله .. أي اجازات !

- حسيب .. هل انت عاقل .. هل تعتقد ان الامن يجيز للشيوعيين آلة كاتبة ؟

 - كيف ستعمل بهما .. من يساعدك ؟

سنعمل بالسر طبعاً .. أنا لا أجيد الكتابة .. هناك رفيقان سيتوليان العمل عند حاجتنا لاصدار بيان ..

- الا تخشى الجيران .. الا تعرف ان لهذه الالات الكاتبة أصوات معلومة ؟

- بلى .. سنعمل عليها بعد منتصف الليل ..

- الليل لايحمل سراً .. ان هدوء الليل أفضل وسيلة لنشر الاصوات .

- لا تيأس .. سندبر أمرهما .

وخشيت على نفسي وأخي وعائلتي من هاتين الآلتين ، ووجدت فيهما أفضل دليل علينا وعلى معارضة بيتنا للحكومة ..!

وتنبه ابي الى الخطر المحدق ببيتنا .. قال مخاطباً أخي :

- وعد الله .. هل تجر المصائب علينا جراً ؟

- يابا .. لابد من وجود أحد يضحي ..

- ولماذا نكون نحن الضحية .. ولايكون سوانا .. ؟

ضحك وعد الله وقال :

- يابا .. لقد أخذنا حصتنا من المحن .. نريد أن نرتاح .

يابا .. راحتنا من راحة الناس جميعاً .

سكت أبي وحدق في وجهي علني أعينه على إقناع أخي بالعدول عن بقاء هاتين الآلتين في بيتنا .. قلت :

- وعد الله .. هذه الطابعات ستسبب لنا الكوارث .

- لاتبالغ .. كل شيء يمكن أن يكون كارثة ، وكل شيء يمكن إحتماله ..

- وعد الله .. انت تعلم أن الطابعة .. تعني بالنسبة لآعداء الشيوعيين أكثر خطراً عليهم من الاسلحة .

- اعلم ..

وسكتنا ..

كان في ذهن وعد الله اصرار عجيب ، ما أن يقرر أمراً حتى يحسمه ومن الصعب التراجع عنه الا بقناعة كافية وبرهان مقنع ودليل حاسم ..

كنا نعرف هذا ولأجل ذلك سكتنا .. ولم تكن امي افضل منا في مناقشة الموضوع ، ذلك إنها لاتعرف أصلا طبيعة عمل هذه الآلة الجهنمية التي يسمونها (الطابعة) .

وبعد أيام بدأت الطابعتان تعملان معاً وعلى أياد ماهرة حنونة مشغوفة بعملها .. كما لو أنها جزء من الآلة الكاتبة .

كانا شابين أسمرين .. لا يشغلان نفسهما الا برشفة شاي في ساعات متباعدة ، ويعملان كما لو أنهما في سباق مع نفسيهما وكنا قد وضعنا بطانيات عسكرية قديمة على الابواب والشبابيك حتى لايتسرب صوت الآلة الى الخارج.

عملا بسرعة .. وكان أخي ينظم الاوراق ويصحح الاخطاء الطباعية ويبتسم منتشياً بكل بيان يضعه فوق سابقه.

كنت اعمل بصفة متابع لأخي ولرفيقيه .. فآتيهما بالطعام والشاي والماء ومع انهما كانا يدخنان – كما عرفت من حديثهما – الا انهما فضلا الانصراف للعمل اولاً ومن ثم خوفهما من تلوث المكان وانتشار الدخان والحذر من اي حريق قد يحصل ..

في ليلة واحدة أنجز العمل .. ومن الفجر شد الضيفان حملهما من البيانات وتسللا الواحد بعد الآخر في مدة زمنية قصيرة وكل اتخذ طريقاً عكس الآخر .

كان وعد الله يراقب من جهة ، فيما كنت اراقب المكان من جهة أخرى حتى اختفينا .. كل في سبيله .

وتنفسنا الصباح بسرور كما لو كنا أنجزنا عملاً كبيراً كنا نخشى ونحذر من الوقوع في فخاخ فشله ..

- ها .. هل ارتحت .. متى تذهب المحروسات ..

- ياب .. اي محروسات ..؟

- ماتعرف .. الطابعات الكارثة ..!

- ياب .. بحمايتك وضيافتك باقيات ..

وضحكنا معاً .. واغتنم ابي الفرصة ، وخاطب أخي وهو ينظر الى المسدس الاستيل الذي بات تحت وسادة قريبة ..

امسك ابي المسدس ..

- وعد الله .. سأخذ هذا المسدس .

- لا يابا .. هذا مال الحزب .

- يعني مالك ..

- لا يابا .. مال الحزب .. مو مالي ..

- والحزب .. هو من وقعك على إستلامه ، وهل يعرف أنك قدمته هدية لي ..؟

قل لهم .. ضاع ، سرق مني .. هاي صعبة عليك ..؟

- يابا .. مال الحزب ، يعني مال عام وليس ملكي .. واذا الحزب لايدري فأنا أدري .. هل اكذب على الحزب .. وهل تقبل أن اكذب عليك .. لقد علمتني على الصدق يابا ..؟!

- إبني وعد الله .. هل تقارنني بالحزب ؟

- ياب .. أنت انجبتني والحزب علمني ، انت فرد والحزب جماعة ..أنا لا اخونك ولا أكذب عليك .. لن أخون الحزب ولن أكذب عليه .

- وعد الله .. المسدس أعجبني .. سآخذه .

- لا يابا .. هذا غير ممكن .. مسدس الحزب يعود للحزب .

- لا .. أنا آخذ المسدس .. الحزب مو أحسن مني .

- لا يابا .. الحزب أحسن منا جميعاً .

- وعد الله .. أنت تعص أمري .

- أنا امين على أموال وحاجات الحزب ..

- وتعص أمري..؟!

- علمتني على الطاعة والاحترام .. لكن عندما يتعلق الامر بالحزب والقيم التي علمتني إياها .. أقول .. نعم سأعص أمرك .

وتقدم من أبي وأخذ المسدس من يده .. وذهب خارج الغرفة ..

إنتاب أبي الغضب ..وكاد أبي يبكي حنقاً على أول تمرد واجهه من وعد الله .. غير أنني قبلت أبي وقلت :

- يابا .. كيف تقبل أن تأخذ ماليس لنا ؟

ومضيت أقول :

يابا .. أنت علمتنا على إحترام من يولينا الثقة ويأتمننا على ماله وعرضه .. أليس كذلك ؟

ادرك ابي أنه على خطأ .. إنه يناقض قضاياه وتربيته التي ربانا على وفقها .

وعالج الامر سريعاً .. وفاجأني صوت أبي :

- وعد الله .. تعال نجحت في الامتحان ..

جاء وعد الله راكضاً باسماً محتفياً بأبي محتضناً ومقبلاً وجهه ..

- يابا .. كنت تمتحنني .. ؟

- نعم .. امتحن تربيتي ..

وفي سري قلت .. سواء كان ابي صادقا في مسألة الامتحان أو معالجاً الامر على هذا لوجه ..فان المسألة قد حلت ودياً ..

 


 

الدرس العاشر

 

وقف امام دكان النجارة التي كان يعمل فيها ..وحدق في الجانب الآخر من الشارع .

كانت هناك شابة لافتة ، تشع بهاء ، ويزدهي فيها المكان جمالاً .

كنت انزوي في مكان داخل الدكان ..واراقبه يحدق فيها ، فيما كان مساعده العامل حازم يرقب الفتاة من زاوية أخرى ..

كنا ثلاثة نرقب ذلك الكائن الساحر في الجانب المقابل لنا .

الاول / أخي يتأمل ويراقب ويفكر .. وينظر باستحياء ..

الثاني / عامل لايعرف كيف يفلت من منافسه زميله على هذه المنطقة المضيئة التي تقف هناك بانتظار الحافلة.

أما الثالث فهو أنا وقد كان يعنيني من الامر الاجابة على سؤال :

- من سيكون صاحب الحظ السعيد في الاقتران بهذه الفتاة التي باتت شاغلنا نحن الثلاثة كل صباح وهي تتوجه الى مدرستها الثانوية.

لم يكن أحد يسأل أحداً ، ولم يجرؤ أحد على البوح بنظرة الآخر ، لكن كل واحد منا كان يجد نفسه مفتونا ً بهذه الزهرة التي تطل علينا كل صباح .. فتشرق بهاء وتتألق نوراً .

مرة إلتفت وعد الله النجار – أخي اليّ ، فوجدني أرقبه .. إبتسمت وعالج خجله بالانصراف من دون تعليق .. فندمت على مراقبتي واعطيت وعداً  أمام نفسي أن لا أفعلها ثانية .

لكنني تجاوزت وعدي وأنا أتنبه الى زميلنا النجار حازم الذي كان يرقب تلك الفتاة بطريقة تسترية وكأنه يعمل قاطعاً خشبة في وقت كان يقطع الوقت منتظراً حضورها .

كيف يمكن الخروج من هذا المأزق الثلاثي الذي نتنافس فيه نحن الثلاثة ؟

قلت .. أنا في عمر الصبا ، لاينبغي أن أضع نفسي في موقع الكبيرين المتنافسين .. امامي مسافات من العمر والنضوج والاكتمال والاستعداد حتى أصل الى ما وصلا اليه .

إلتقينا في ابتسامة مشتركة ذات صباح .. قلت لوعد الله :

- لم تشرق الشمس هذا الصباح .

قال مبتسماً :

- لا .. الشمس تشرق كل يوم .

وأشار الى وجودها في زاوية تتحدث فيها مع زميلة لها .

إذن كان يرصدها ويمعن في التاكد من وجوده وبحذر شديد حتى لا يرصد نظراته أحد ..

كان الصباح عليلاً امام حازم وهو يجد نفسه وحيداً من دون منافس حتى يملأ عينيه بهذا الطائر العجيب في ظل غياب أخي الذي لم يأت في ذلك الصباح لأمر حزبي قال لي إنه مكلف بتنفيذه في ذلك الوقت .

- ولكنه وقتك الأجمل ياوعد الله ..

- الاجمل من الجمال ياحسيب .. ثقة الناس بك ..ثقة الحزب بي أولاً ، وثقة هذه الفتاة بصدق نظراتي نحوها تأتي في مرحلة ثانية .

كانت هي المرة الاولى التي يصارحني فيها بأمر الفتاة من دون ان اتوجه اليه بالسؤال .. وأضاف :

- هذه الفتاة من عائلة طيبة .. وسمعة اهلها ممتازة ، ولي مع إخوانها صداقة ..

- والدنا .. هل يعرفهم ؟

- بالتأكيد .. وهل توجد في الموصل عائلة لايعرف أبي أصلها وفصلها .. ؟

- هل حدثته بالمسألة ؟

- عندما أتأكد من قدراتي المالية والاجتماعية في الزواج ..سأحدثه لاشيء يمكن أن يحدث من دون مشورته .. إنه يعرف ما لا نعرفه ..

- وإذا رفض ..

- إذا رفض والدي فله أسبابه ، وإذا وافق فله اسبابه كذلك .. وفي الغالب تكون أسبابه منطقية ومعقولة ومدروسة ومقبولة .

وشغلنا الحديث عن الزواج وقتاً .. حتى فوجئت بأخي وعد الله وهو يسألني وهو كدر الخاطر :

- حسيب .. هل تعرف بان حازم كان يريد الزواج من زينب ..؟

- لا .. لا .. ولكنني توقعت .. فقد كان ينظر اليها بأعجاب ولهفة ..

- تصور .. يريد وساطتي  ، فاخوانها أصدقائي .

- ولكنك تريدها أنت .. كيف تخطبها له ، هل صارحته ؟

- لا .. لا حسيب ، صراحتي ستجيء متأخرة ، وسوف يعتقد أنني أنافسه ، وأكيد له ، ولا أحترم مشاعره .. وهذا ليس عدلاً ..

- وماذا ستفعل إذن .. ؟

تأملني وظل يحدق في وجهي كأنما يقرأ الاجابة في عيني .

كنت دهشاً أمام نظراته .. سألني :

- وأنت .. مارأيك ؟

- قل له أنك كنت قررت خطبتها لنفسك في الوقت المناسب .

- حسيب .. هذا سيؤذيه ، وهل تعتقد إن لديّ القدرة على إيذاء أحد ؟

- ولكنك في المقابل ستؤذي نفسك إن أنت تقدمت لمساعدته في خطبتها له بدلاً عنك ؟

- راح يتنقل بنظراته في المكان .. كانت شجرة برتقال تنتصب أمامنا .. فيما الشمس تذوب في السماء .. سقطت برتقالة صغيرة كانت أشبه بكرة زجاجية خضراء ..

- حسيب .. هل رأيت كيف سقطت تلك البرتقالة الضعيفة .. فيما ظلت البرتقالات الاخرى متمسكة بالشجرة ولا تقوى الرياح على اقتلاعها وكما أن السقاية الزائدة تعمل على إسقاطها بسهولة ..؟ هناك رياح عاتية قد تسقطها.. هناك اسباب إذن..

كدت أسخر منه وأضحك .. قلت :

- وما علاقة البرتقالة بخطوبتك ؟

- حسيب .. هناك علاقة أساسية تجمع بين شجرة البرتقال وقضيتنا .. كيف ؟ .

لم ينتظر سؤالي .. وأجاب :

- أنا شديد التمسك بعائلتي والناس وليس بمقدوري الانسلاخ عن أصلي وجذري .. والتوجه لتحقيق مصلحتي الشخصية ورغبتي العاطفية .

 - حسيب .. مادام الرجل قد إستعان بي على تحقيق امور حياته وبناء مستقبله فليس بوسعي ان أخذله ..

ومضى يقول :

- حسيب .. الحياة تضحية .. ليس بمقدوري إلا الحرص على ثقته بي .. أنا أنتمي الى تلك الشجرة التي حفرت عميقاً في الأرض .

- وعلى حساب مشاعرك ؟

- هذا ما تعلمته من الشيوعيين .. وليس بوسعي غير ماتعلمته ..

عجيب سألته :

- وعد الله .. هل علموك أن تضحي بمستقبلك من أجل مستقبل سواك ..؟

- نعم علموني هذا ، ولن أفعل غيره وإلا لن أكون شيوعياً باراً بحزبي ومبادئي وقيمتي ..

حدقت في عينيه .. وجدت فيهما إستقراراً وإطمئناناً على ما إتخذته من موقف حاسم ..

وفي الصباح التالي .. كانت (زينب) تقف في الجانب الثاني من الشارع ، لكن أخي وعد الله لم يتوقف كما هو عهدي به يتأملها وإنما صرف نظره وشغل نفسه بالعمل .. فيما كانت نظرات حازم منصرفة كلياً اليها .. كأنما صار المالك الوحيد لهذا الوجه الذي تألق في شمس الصباح ..

وعندما غادرت المكان مستقلة الحافلة .. توجه أخي الى حازم وساله :

- متى تريد أن نذهب لخطبتها ..؟

إبتسم حازم واحتضن أخي .. وأدرك بشكل عميق أن وعد الله كان معجباً بها ، مفتوناً بوجودها ، لكن مادام هو .. هو الذي يعمل في دكانه قد سبقه لخطبتها وإتمنه المساعدة على خطبتها .. فأنه لن يخيب أمله .. قال :

- وعد الله .. اليوم عصراً ..

قال أخي بثقة وإصرار وحسم :

- اليوم عصراً ..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

الدرس الحادي عشر

 

وقف الرجل والمرأة التي كانت ترافقه .. وهما يتأملان الاعمال التجارية الجاهزة التي كانت مصنوعة في محل النجارة التي كان قد أنجز عملها أخي وعد الله يحيى النجار .

سألاه عن أسعارها وتصاميمها .. فوافاهما بالمعلومات المطلوبة بسرور عميق واحتفاء كبير .. وإتفقا مع أخي على الاسعار ..

وحين هّما بدفع الثمن .. إعتذر أخي وقال :

- هذه القطع تم بيعها وهي هنا للعرض فقط .. وسيأتي صاحبها لإستلامها حال إنجاز طلاء بيته .

وأضاف :

- يمكن إنجاز مثلها بعد إسبوع ..

قال الرجل :

- نريد هذه الآن .. وهذا ثمنها .

إعتذر أخي عن بيعها ..

- لا .. هناك إتفاق بيني وبين صاحبها على إستلامها وقت يشاء.

- اعمل له أخرى .

إبتسم أخي وخاطب الرجل والمرأة معاً :

- أنصحكما .. جاري لديه قطع خشبية وعلى وفق المواصفات التي تريدون وصناعتها ونوعية خشبها جيدان جداً ..

تبادلت المرأة والرجل النظرات .. قالت المرأة :

- كيف تفضل صناعة جارك على صناعتك ؟

- وكيف تفضل أن نشتري من جارك على أن نشتري منك ؟

قال الرجل .

إبتسم أخي ثانية وسألهما وعلى محياه علامات إستفهام :

- ما الغرابة في الموضوع .. اعمالي مباعة ، وانتم لاتريدون الانتظار ، وجاري اعماله جيدة وممتازة ، إلا أن حركة البيع عنده بطيئة .. لماذا لا أفيده وهو جاري ؟

- إنك تقدمه على نفسك ؟

- ولماذا لا أفعل .. أليس جاري ؟

لم يجيبا ، وإنما تركا أخي باحترام وتوجها الى النجار القريب من دكانه ..

وبعد قليل .. شاهدت قطع الاخشاب تنقل الى السيارة التي وقفت لحملها .. فيما توجه الرجل والمرأة الى اخي وشكراه :

- نعم الجار .. ونعم النصيحة .. فعلاً وجدنا مانريد وبنوعية جيدة وأسعار مناسبة ومعاملة حسنة ..

صافح الرجل أخي وذهب .. عندئذ سألت اخي :

- كان يمكنك بيع هذه الاخشاب وصناعة أخرى تماثلها بعد أيام خاصة وان صاحبها قد دفع ثمنها ولم يستعجل إستلامها ..

- حسيب .. إسمع ، الرجل دفع ثمن هذه القطع وليس غيرها وهي لم تعد ملكاً لنا .. نحن هنا مؤتمنون عليها .. وليس من الأمانة أن نصنع ما يماثلها طبق الاصل ونقول له هذه اخشابك !

- وعد الله .. أليست هذه مثالية وإحساس مفرط وتعامل مبالغ فيه ؟

- لا .. لا ..

وأضاف :

- جارنا لم يبع قطعة واحدة منذ أسابيع .. اليس من حقه علينا بوصفنا جاره اعانته في عمله وتيسير رزقه ؟

تأملني ثم وقال :

- لقد شعرت بشعورك نفسه مع أبينا .. كنت اراقبه وهو يبيع اللحم .. وذات صباح وجدته يبيع كمية من اللحم.. وعندما قصده مشترِ آخر .. نصحه على شراء اللحوم من جاره .. فسأله المشتري : لماذا لا أشتري منك لا من جارك .. قال أبي : لقد بعت هذا الصباح والحمد لله (إستفتحت) ولكن جاري لم يبع شيئاً حتى الآن !

وحين سمع المشتري هذا الكلام من أبي قال :

- لخاطر هذا الكلام وهذه الجيرة الحسنة .. سأشتري منك ومن جارك ..

وقد فعل ..

قلت لوعد الله ..

- هل تريد ان تقلد والدنا ؟

أجاب بثقة عالية :

- ولم لا .. مادام القصد سليم والنوايا طيبة ..

وأفكارنا قائمة أساساً على خدمة الناس وتيسر أحوالهم ؟

- وعد الله .. لكن تلك حالات نموذجية فريدة .. مبالغ فيها !

- لا .. لا حسيب ، كل الحالات والنماذج الفريدة والصغيرة يمكن إعمامها مادامت صالحة وناجحة .. وبناء أي مجتمع سليم يبدأ من الاشياء الصغيرة .. ونحن من يعمل على نشرها وتوسيعها وجعلها صالحة للجميع .

سألته :

- طبعاً .. طبعاً ، جارك النجار، صديقك ، وأنت تريد النفع له .

- وهل هناك عيب أو ضرر في تحقيق الفائدة لأصدقائي وجيراني ورفاقي وأبناء جلدتي .. اذا كانت صادقة وسليمة وعادلة ..؟

ثم ضحك وقال :

- حسيب .. أنت تعلم جيداً أن جارنا ليس شيوعياً ولا ينتمي الى حزبنا وديننا وليس لنا قرابة به .. حتى أنه لايتكلم لغتنا .. ولكنه رجل مخلص في عمله ، صادق في تعامله ، متقن لمهنته .. الا ينبغي أن نقف سنداً له في تعزيز ودعم مكانة هذا الطراز من الناس .. أليست هذه مهمتنا .. أم تريدني أن اتعامل مع الآخرين على وفق مصلحتي وعشيرتي ولون بشرتي ؟!

وكبر أخي في عيوني .. صرت أباهي نفسي به ، وادرك أن هذا الطبع الذي في أخي لا ياتي على الفطرة وانما على وعي وتربية وسلوك وبناء إنسان واحياء مجتمع صادق وأمين .. وعلى هذا الطراز من الناس يمكن أن تزدهر المجتمعات وتزهر الحياة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدرس الثاني عشر

 

في الوقت الذي إنصرف فيه أربعة عوائل لدفن أبنائهم : الذين اعدموا فجر يوم 24 / 8 /1964 وهم ( وعد الله يحيى النجار ومحمود التمي وطارق الشهواني وهاشم جعب ) كنت أقبع في سرداب التوقيف الذي بنى في اعلاه مركز شرطة باب الشط في الموصل ..

هناك في الموقف إستقبلني بحفاوة رجل بهي الطلعة وقد عرفت فيما بعد أن إسمه : مثري العاني .

كنت حذراً من وجودي بين الموقوفين .. فقد كانت عائلة العاني في الموصل تصطف في موقع مناويء لما نحمله من أفكار ورؤى .. لكن هذا (المثري) كان ثرياً بطيبة غير معهودة .. فقد عٌني بي وقدم لي الطعام والمنام في سجن يفرط (نزلاؤه) بالاحتفاظ بأصغر شيء ويتنازعون من أجله نزاعاً خشناً ..

وفي وقت يجتمع فيه القتلة والمجرمون واللصوص والمفسدين في الارض مع أولئك الذين جاءت بهم أفكارهم المضيئة الى هذا المكان المظلم المليء بالتناقضات .

لم أكن اعرف التهمة الموجهة لي ، لكنني كنت أحس ان عظامي تتكسر وهناك من يشد ازري ويقدم لي أقراصاً مهدئة وماءاً بارداً .. ويداوي جراحي التي لم يكن بوسعي لمسها ولا رؤيتها .. ذلك انها اصابت أماكن غير مرئية مني ..

كان الوقت صعباً والآتي مكتوم والاسباب مجهولة .. لكن هذا المثري النبيل كان يعرف كل شيء من دون أن يقول لي أي شيء كأنما كان يسعى لأخفاء ما يعلم عن مصابي في اعدام أخي ورفاقه في سجن الموصل فجراً..

كنت أراه يجلس الى جانبي،يحدق في وجهي وكلما فتحت عيناي وجدته على تماس بي وهو يكتم ألماً بان في وجهه وعبر عن حفاوته ومودته وعطفه ..

ومضت أيام لم أكن أعرف عددها على غير مايعهده الموقوف .. ذلك أنني كنت منشغلاً بمعالجة آلام جسمي ومعرفة ما حّل بأخي في ذلك الفجر وما إذا كان الأهل قد تسلموا جثته وواروه تراباً ظل يقدسه ويقدس أهله ..

ما من أحد زارني .. هل نسوني ، وهل نسيتهم ، وهل ألزموهم بنسياني .. لا أعرف !

وعندما إستدعاني صوت بإسمي .. نهضت بمساعدة صاحبي المثري .. الذي همس في أذني ..

- حسيب .. إطمئن معاون المركز إنسان طيب .. لاتخف ، سيساعدك .

لم أجب وإنما نظرت اليه نظرة إمتنان .

إستقبلني المعاون بطريقة ودية ، وطلب لي طعاماً وشراباً .. شكرته وجعلني أطمئن اليه .

- إبني حسيب لاتخف .. سيطلقون سراحك إن شاء الله بعد أيام .. أنصحك .. لاتقل شيئاً امام المحقق .. لاتقل له إنك اندفعت الى الحراس وهاجمتهم وحاولت سحب السلاح منهم .. لا تقل هذا أبداً .. قل له إنك اندفعت عاطفياً نحو أخيك المرحوم .. وبالتأكيد سينظر الى الأمر نظرة إنسانية .

ومضى يقول بفيض من المحبة :

- ابني حسيب عليك أن تفتخر بأخيك ورفاقه .. لقد ذكر الحراس أنه توجه الى المشنقة بشجاعة .. وكان كل واحد من الاربعة يريد أن يسبق صاحبه .. وكأن الواحد منهم سيصعد سلم طائرة ويطير في اجواء بهية .

ونسيت أوجاعي وسالته :

- هل كانوا يريدون الموت بعد ان يئسوا من الحياة ؟

- لا .. لا ابني ، هذا الطراز من الثوار والمعارضين والمبدئيين ، لايريدون أن يضعفوا أمام الموت .. ولا يريدون أن يساوموا الموت على حساب المباديء والافكار التي يؤمنون بها ويضحون من أجلها .

- وكيف كان موقف وعد الله .. ؟

- كان اكثرهم شجاعة ، كان يتقدمهم ويشد ازرهم .. كان الاعدام بالنسبة اليه يعادل الحياة .. كانت الحياة نفسها هي التي ستجعل الآخرين يجدون في تضحيته ورفاقه سبيلاً الى حياة أفضل وأكثر إشراقاً وبهاء وأبهى عطاءً .

كان الرجل متحمساً وينظرني باحترام غريب ويعمد الى أن يقدم لي كل ما بوسعه .. موحياً اليّ بأنني عوض أخي .. او أنه بمثابة حليف صميمي لأخي ، وان مايقدمه لايساوي شيئاً أمام ماقدمه أخي من تضحية .

وعدت وسألته :

- هل كنت هناك لحظة تنفيذ الاعدام ؟

إبتسم إبتسامة حزن وحسرة .. وقال :

- لا .. ولكن كل حراس السجن والسجناء ومدير السجن واللجنة المشرفة على الاعدام .. كانوا يتناقلون ماحدث بكثير من الاعجاب والابهار .. فما حدث بالنسبة اليهم ، كان حالة نادرة لم يألفوها في عمليات الاعدام السابقة التي نفذوها من قبل ..

بقيت صامتاً .. فيما راح يشرح لي موقف أخي وكيف كان يريد أن يتقدم زملاءه حتى يبعث فيهم الشجاعة والاقدام .. وما كانوا أقل منه شجاعة وإنما كانوا صفوة تشترك في البذل والعطاء والتضحية دفاعاً عن قيم ومباديء لايريدون أن يضعفوا أمامها ولا ان تأخذ من كبريائهم وشخصياتهم .

عندئذ وجدت نفسي وأنا أرفع رأسي مفاخراً :

- لماذا أوقفوني أنا .. وليس لديهم إدانه واحدة ضدي..؟

أجابني مطمئناً :

- إبني حسيب .. إطمئن كل ما أرادوه .. الحذر ، الحذر من وقوع فوضى أو اعمال عنف مضادة ..

- وهل كنت أشكل مثل هذا الخطر وهذا الحذر .. ؟

- على كل .. هذا تصورهم ، كانوا يخشون من عوائل الذين تم اعدامهم .. وكان نصيبك أن تكون في هذا الموقف .

لاتخشى شيئاً من التحقيق .. المحقق سيفهم موقفك بالتأكيد ، وسأهمس بأذنه .. انا اعرفه انساناً عادلاً.

ومن منطلق الفخر قلت :

- أنا لا أتوسلهم ..

- لا .. لا .. إبني لاتندفع هكذا .. الامور تحل بالحكمة .. الموت حق على البشرية جميعاً ، ولكن تجاوز الموت والتعلق بالحياة مسألة تسعد الانسان وتنقله من عالم الى عالم آخر .

أخجلني جوابه وجعلت أبحث في عينه عن إلفة ما ..

إستقبل الرجل نظراتي بحفاوة .. قال :

- إذهب الى مكانك .. سيتم إستدعاؤك ..

وحين استدعاني كان المحقق قد أعد لي السؤال والجواب معاً ..!

أما السؤال فكان : لماذا اندفعت أمام الحرس عند خروج جثة اخيك الذي تم إعدامه .. هل كنت تريد أن تنظر اليه النظرة الاخيرة أم ماذا ؟

وكان الجواب : نعم لم أكن أقصد سوى القاء نظرة أخيرة الى أخي .. كانت محبتي تسبقني اليه ..

سألني : هل انت مقتنع باجابتك ؟

- بالتأكيد .. مقتنع كل القناعة .

- إذن .. وقع .

ووقعت على الاجابة التي أملاها عليّ محقق كان يعرف ان الامر لايتجاوز هذه الحدود ..

 

 

 

 

 

 

الدرس الثالث عشر

 

في جلسة ودية وحميمة وصريحة .. سألت أخي : وعد الله النجار :

- تعلمت منكم النقد والنقد الذاتي ، وقرأت ماكتبته روبسكايا وقرأت ماكتبه سلامة موسى عن هذا الطراز من النقد .. فهل يمكن أن تكون جلستنا اليوم قائمة على هذا المحور ؟

أجابني بثقة عالية :

- بالتأكيد ..تحدث كما تشاء .

- سأتحدث بصراحة .. فهل يمكن لكم القبول بالرأي والرأي الآخر ؟

- نعم ..نحن ديمقراطيون ، نؤمن بحرية الفرد .

- وحرية المجتمع .. ؟

- كذلك ..

- قل لي إذن ياوعد الله ، كيف قبلتم أن يكون الحكم العارفي السابق ينحو منحى الاشتراكية لمجرد انه أمم البنوك في وقت كان يعمد الى تصفية الشيوعيين واعدامهم وهم أهم قوة سياسية تؤمن وتناضل من أجل بناء المجتمع الاشتراكي ؟

قال مؤكداً :

- نعم .. نحن باركنا الخطوة التي اعتمدها عبد السلام عارف في تأميم البنوك ؟

- إن هذا القرار لايعني الاشتراكية .. انه قرار يعتمد على إشراف الحكومة وبسط ارادتها على المصارف .. بينما الاشتراكية قائمة على رعاية الدولة لمصالح الشعب ، بدلاً من تركها لأمزجة التجار والمستغلين .. وقد أثبتت الاحداث صحة ذلك .

- لقد اعتبرنا عملية التأميم خطوة طيبة نحو الاشتراكية .. فدعمناها ، ما الخطأ في ذلك ؟

- نظام الحكم .. توقف عند هذا الاجراء ولم يتجاوزه .. وهذا يعني ان عملية التأميم كان يراد منها خدمة ودعم نظام الحكم لا الفكر الاشتراكي .. وهذا فرق شاسع بين التوجهين .

- لقد ناقشنا هذا الامر وخرجنا بنتائج طيبة قريبة من تصوراتك .

-ولكن بعد فوات الأوان .. بعد أن أقدم النظام العارفي على زج مئات الشيوعيين في السجن والمصادقة على تنفيذ أحكام الاعدام – ومن جملة من نفذ فيهم الحكم / اخي وعد الله النجار الذي ناقشته في طبيعة نظام الحكم نفسه ، وكانت النتيجة إعدام أخي نفسه وثلاثة من رفاقه يوم 24 / 8 / 1964 – وكنت أسأل وعد الله .. ألا تجد تناقضاً في خطاب السلطة العارفية في دعوتها تأميم البنوك واعتباركم ذلك توجهاً إشتراكياً ، وبين إقدام السلطة على اعدام معتنقي الافكار الاشتراكية ؟

- قلت لك .. لقد أعدنا النظر وحددنا موقفاً مناوئاً لحكم عارف .. الا يصب هذا في النقد والنقد الذاتي ؟

- نعم .. نعم وكان من الممكن تجاوز الافكار حال وقوعها او إستباق وقوعها اساساً ..

- هذا صحيح ، ولا اجد حرجا في الاعتراف بهذه المسألة .

ومضت ايام وجلسنا نحاور بعضنا ؟

- وعد الله .. هل قرأت كتاب سولجنستسين :( أرخبيل القولاغ ) ؟

- لا .. ولكنني اعرف ان سولجنستسين معاد للاشتراكية .

- لا انه معاد للديكتاتورية وللطغيان وللعنف الذي يمارس ضد الانسان أياً كان مصدره .

- تقصد المرحلة الستالينية التي أدناها ؟

- نعم .. ولكنكم مازلتم تتحدثون عن ديكتاتورية البلوريتاريا .

- حسيب .. ماذا تريد أن تقول ؟

- وعد الله ..اعتناق الاشتراكية لايعني أبداً فرض ديكتاتورية طبقة ضد اخرى .. هذا تعسف مضاد للانسان والشيوعيون بناة السلام لا الديكتاتورية .

- هذا صحيح لقد تجاوزنا هذه المسألة أيضاً ..يعني أننا بتنا نؤمن بالحوار السلمي لبناء المجتمع الحديث.

- وأنتم تدعون الى تغيير العالم وبناء وحدته .. وانتم في الوقت نفسه تدعون الى : حق الشعوب في تقرير مصيرها ؟

ألا ترون بأن تقرير المصير هذا يعني الانسلاخ عن الوطن وعن العالم الذي تدعون الى وحدته إلا إذا كان يراد بتقرير المصير هذا الخروج من دائرة الاستعمار والبلاد التي تمت هيمنة المحتل عليها ؟

- عندما ندعو الى توحيد العالم .. لايعني أننا نلغي خصوصيات كل شعب وصهرها كلياً لتكون من نمط واحد .. وعندما ندعو الى تبني شعار :( يأعمال العالم اتحدوا ) لانعني بذوبان العمال مع بعضهم الآخر .. بل إننا ندعو الى وحدة أهداف عمال وفقراء ومظلومي العالم كله .. ذلك ان الانسان الذي هضمت حقوقه يعنينا .. لأننا جزء منه .. نحن / هو عند إستغلاله  في استغلاله في العمل / جهداً واجراً وزمناً .. هذا يجري في أنحاء العالم .. ونحن ندافع على المظلومين وندعو الى إتحادهم حتى يشكلوا قوة ضد مستغليهم .. أما  أن تقرر الشعوب مصيرها فإنه شعار يدعو الى الخروج من دائرة الاستعمار فعلاً ، اما تمزيق الشعب الواحد والبلد الواحد الى طوائف وكتل وقوميات وأثنيات .. فهذا لا نقبل به ولا نؤمن بوجوده لأنه يحطم وحدة الوطن الذي نريد له الازدهار والتقدم ..

- كان يجب أن توضحوا هذه الصورة .. حتى لايفهم الشعار على انه دفاع عن العمال دون سواهم من الطبقات الاجتماعية .

- هذا صحيح .. صحيح جداً .. نحن لانصر على الخطأ .

- وعد الله .. لديّ سؤال مهم اريد منك ان تجيبني عليه .. وعد الله ، ما التقيت بمثقف عراقي الا ووجدت ان خلفيته الثقافية .. شيوعية ، لكنني أجد في الوقت الراهن عزوف المثقفين عن الالتحام والانتماء للحزب الشيوعي .. ماالسبب ؟

- حسيب .. ليس بوسع أي حزب إلزام أو إكراه أحد أعضائه على البقاء داخل التنظيم .. فلكل انسان قدراته في التواصل او الانقطاع .. نحن فخورون ان يكون معظم المثقفين العراقيين قد خرجوا من معطف الحزب .. والمثقف بطبعه كائن متمرد ومن الصعب التعامل معه على وفق نظام محدد وأوامر ثابته .. وليس من الملائم الضغط على المثقفين باتجاه البقاء داخل التنظيم وحضور الاجتماعات والالتزام ..

المثقفون العراقيون من أكثر الفئات الاجتماعية تواصلاً مع الحزب .. وهذا يعني ان الفكر الماركسي الذي يتبناه الشيوعيون .. هو الاصلح لبناء المجتمع الحديث الذي يراد به تحقيق العدالة والرفاهية للجميع ..

- وعد الله .. ولكن عدداً من الشيوعيين ما زالوا يتوجهون الى الغيبيات والروحانيات وانتم ماديون بطبعكم وتؤمنون بالجدل والبرهان ..

- الشيوعيون يثقفون أعضاءهم على الفكر المادي العلمي ، ولكنهم لايمارسون ضغطاً ولا الزاماً ولا إكراها على اعتناق توجه معين والتخلي عن قناعاتهم الشخصية في كل صغيرة وكبيرة .. نحن حزب أحرار ، لاحزب عبيد .. هل تريد من الشيوعيين صهر اعضاء الحزب حتى يكون الواحد منهم نسخة من الآخر .. ؟

- ولكن يفترض ان يكون الشيوعي علمياً لا طوباوياً ..

- نحن نصقل ذهنيات اعضائنا ، ونوجهم الوجهة التي نعتقد انها صحيحة وسليمة وسديدة ومفيدة للمجتمع .. غير أننا في الوقت نفسه نرفض اعطاء وصايا وتعليمات قسرية ملزمة للآخرين .. الآخرون .. كما أنت وانا ، يمكن أن نفكر ونعمل على وفق مانراه صائباً وسليماً .. من دون ان يسيء الى سمعة الحزب وأخلاقياته ومبادئه .

- وعد الله هل تواجهون مثل هذ النقد ومثل هذا الحوار داخل الحزب ؟

- نعم نواجهه داخل الحزب وخارجه ونتعامل معه بكل شفافية وكل وضوح ونرفض رفضاً قاطعاً ان نتحدث الى بعضنا بروح استعلائية او التقليل من شأن من نحاوره ..

نحن نعتمد النوايا الطيبة التي يحملها محاورونا .. ونريد أن نصل وإياهم الى بر السلام والى نقاط مشتركة والى معطيات من شأنها ان تسهم مساهمة فاعلة في اغناء الحاضر والمستقبل .. نحن بناؤون مجتهدون نحترم من يضيف الى خبراتنا مايراه  أعضاؤنا وأصدقاؤنا ملائماً ومفيداً فنأخذ به ونتبناه وندافع عنه ونعمل على تطبيقه .

- وما لايتلاءم معكم .. هل تقفون على الضد منه ؟

- حسيب .. من قال لك هذا .. هل تعتقد ان الشيوعيين تعيسون ويتعاملون مع الناس على وفق إتفاقهم واختلافهم مع أفكارهم .. ؟

هذا إدعاء سلبي يمارسه اعداء الشيوعية ضدنا .

- وهل تعقدون تحالفات معهم ؟

- ليس بالضرورة .. الضرورة الظرفية والزمانية والمكانية والاوضاع المحيطة بنا قد تفرض علينا شروطاً والتزامات قد لاتلائمنا ولا تنسجم معنا في ظرف آخر .

لكن السياسة تقتضي قدراً من المرونة .

- وفي الحياة الاجتماعية كذلك .

- وهل السياسة خارج المجتمع .. ؟

كل سياسة لاتتواصل مع المجتمع ، سياسة فاشلة وشعارات ميتة ..

سالته بإلحاح :

- وعد الله .. ما الذي يجعلكم أكثر السياسيين حرصاً على شؤون دنياكم ؟

- ادراكنا بحاجات الناس الى التوعية والى من يلمس الجراحات ويعالج الازمات برؤية وكلمة وموضوعية .

- هل تعتقدون بأنكم أصلح الجميع .. وأصدق الجميع وأخلص الجميع كذلك .. ماهو برهانك ودليلك وحجتك .. ؟

- الدليل أمامك .. لا أبتعد عنه .. الا تعتقد ان بإمكاني أن اكون شيئاً آخر ، ان أكون خارج السجن على الاقل ، ان لا أكون ملاحقاً وانا مطلق السراح .. وان اجد نفسي في موقع احسد عليه .. ان اكون مثل العديد من أقراني .. احمل شهادات عالية واجد سبلاً كثيرة للربح السريع واتمتع بالراحة التامة بعيداً عن هذه الضغوط المحيطة بي من كل جانب .. الا تعتقد انني سأكون مرفهاً عندما اكون خارج صفوف الحزب ؟

- لماذا لاتفعل .. من منعك ، من وضع الحواجز ضدك !

- لا احد .. واذا كان هناك من حال دوني والحياة الذاتية الرغيدة .. فهو ضميري وذاكرتي ووعيي .. وهي جميعاً كلاً مشتركاً .. تهدي اليّ سبيلي وأنا سعيد ان يوجهني عقلي لاعواطفي ، ومعرفتي لاجهلي ..

 

 

الدرس الرابع عشر

 

عندما هاجم ثلاثة شبان صديق وشريك أخي الشهيد وعد الله النجار في دكان النجارة الذي كانا يديرانه معاً،فوجئت بصمت أخي ورقة طبع صديقه محسن الذي خاطبهم بود وهدوء :

- لقد استعرتم الدراجة وكان ينبغي اعادتها سالمة مثلما اخذتموها او اصلاح الخلل والعطل الذي الحقتموه بها .

قال كبيرهم :

- هي دراجة قديمة وتعطلت .. ماذا نفعل بها ؟

أضاف الثاني :

- هل تريد اصلاحها من جيوبنا ؟

علق الثالث :

- محسن .. شوفلك غيرها .

نما الغضب في صدر محسن جراء الاجابات الثلاث .. قال :

- يابا .. عليّ الغلط ، كان يجب ان استورد لكم دراجة من الشركة .. لتركبوها آمنين ، مطمئنين،سالمين ،غانمين ..

- ها .. محسن تسخر منا !؟

قال الاول:

- حضرتك تستمن بالدراجة علينا ؟

قال الثاني :

- هل نحن مابعينك ؟

عندئذ نهض أخي وعد الله وخاطبهم :

- يابا .. اكسروا الشر .. مايكون الا خاطركم طيب ، الدراجة دراجتنا ونحن مسؤولون عن اصلاحها عندما يعطلها من استعارها منا .. إدللو .

- إدللو .. شنو !

قال اكبرهم

قال أخي :

- يعني .. نحن المقصرون ، كان يجب اصلاحها واعارتكم اياها !

اجاب الثاني :

- شنو يعني ، هل تريدون توريطنا بدراجة عاطلة ؟

صرخ محسن :

- أخي انتم مشكورون ..الدراجة عاطلة ، اتركونا والسلام .

صاح الثاني :

- ولماذا تصيح .. ولماذا هذه المنّة علينا ؟

بقيت اراقب الموقف .. وعجبت كيف كان يجيب هؤلاء الاخوة ، وكيف يسعى أخي وصديقه محسن الى تجاوز الموقف الذي بدأت وتيرته تتصاعد وتأخذ مساحة الحوار جواً من السخونة والحدة والترقب والحذر ..

خاطبهم أخي وعد الله بهدوء :

- اخوان .. ما صار شيء ، الدراجة عاطلة ..

ولم يدعه كبير الاخوة يكمل :

- أنت شيوعي ، ماعلاقتك بالموضوع ؟

عندئذ وجدت وعد الله يتقدم خطوة الى الامام ويواجه كبير الاخوة :

- ما علاقة الشيوعية بالموضوع .. نعم أنا شيوعي .. وعلاقتي بالموضوع أن صاحب الدراجة صديقي وشريكي .. وانا اريد أن اصلح بينكم .. ولا اريد تصعيد الامور ..

قال الثاني :

- نحن لانقبل النصيحة منك .

لاحظت وعد الله وقد بدأ ينفعل واندفع الى المتحدث قائلاً :

- اذا لم تقبل النصيحة من شيوعي يتعامل معك باحترام .. انصرف أنت وإخوانك ..

هذه آخر نصيحة لك .

واندفع الثلاثة باتجاه أخي ..فيما وقف محسن خلفه .. ليكون ظهيره .

وفوجئت بوعد الله يمسك بأكبرهم ويدقع به نحو الأخوين فيسقطان وقبل أن ينهض الثلاثة حمل بوجههم عموداً من الخشب :

- من يتقدم سأضربه .. هيا إنصرفوا .

طأطأ الاخوة رؤوسهم وانصرفوا .

بعد انصرافهم ، توجه اخي الى محسن وسأله :

- أهذا طراز من البشر يمكن اقامة صداقة معه ؟

- وعد الله ، لقد فوجئت بطريقة كلامهم ، واحسست انهم كانوا يريدون تصعيد الامور حتى يجروك انت بالذات الى معركة ..

- ولماذا انا .. انا لا اعرفهم ، ولا علاقة لي بهم .. انهم أصدقاؤك ..

- اعتقد ان هناك من دفعهم لاقامة خصومة معك .

وانفعل وعد الله :

- اذا لم تكن الكلمة مفيدة ، والنصيحة مجدية ، فهناك امور يمكن حسمها بالقوة .. واذا لم تحسم القوة المشكلة .. فان خصمك سيسيء اليك مرة ثانية ..

وبالفعل عاد الاخوة الثلاثة بعد قليل وهم يحملون الخناجر فيما كان احدهم يحمل مسدساً وأطلق هذا رصاصة في الهواء وتوجهوا الى وعد الله مجتمعين .. واستبق أخي الهجوم ، فكان ان ضرب حامل المسدس بلوح خشبي على يده فسقط ، فالتقطه فوراً فيما كان الاثنان يتوجهان اليه بخنجريهما .. وقبل ان ينالا منه واجههم بالمسدس .. وكما في الحالة الاولى .. إنصرفوا .. فيما بقي المسدس بيد أخي .

كانت صورة اخي هذه المرة مختلفة تماماً عن سابق عهدي به ، فقد كان بالنسبة لي صورة لرجل حكيم ، قبل ان تكون لرجل يمتلك القدرة على مواجهة الآخر بيد قدت من القوة والحسم والشجاعة ..

وتذكرت أن اخي كان يأخذ تمارين رياضية في البيت بهدف أن يكون بوضع صحي جيد وسليم .

- وعد الله انت تمتك القوة في مواجهة اعدائك ، مثلما تمتلك الحجة والبرهان في النقاش مع من يختلف معك .

- حسيب .. لكل حالة اسلوبها .. وحين يعجز الحوار عن اقامة الجسور مع الآخرين .. لاينبغي أن يكون المرء خروفاً وسط جمع من الذئاب .. انهم سيفترسونه .. وعندئذ لانفع من الحوار  .. ولابد من مواجهة الامور بالقوة .. القوة وحدها تحسم الامور .

- وعد الله .. كدت ترتكب جريمة قتل !

- لايمكن أن افعلها الا عند الضرورة القصوى ، عندئذ اجد نفسي مشروع قتيل لاذنب له .. لذلك أجد نفسي مضطراً للدفاع عن نفسي .. هذا حق قانوني وشرعي وإنساني .. والا هل يمكن انتظار خصمي الذي لم أخاصمه ولم أكن اعرفه من قبل .. يفتعل معركة واستسلم له حتى يقتلني..؟

هذا ضعف وهزيمة .. وما كنت ارضى لنفسي أن أهزم أبداً .. وما كنت يوماً أقبل الخضوع والركوع أمام أحد .. أياً كان هذا الأحد ..

- ولكنك داعية سلام ..

- نعم .. السلام مع من يبادلني السلام .. وليس بوسعي أن اكون حمامة سلام مع من يريد أن يصطادني ويقطع عنقي .. هل ترضى هذا لنفسك وللآخرين ..؟

قلت وأنا خجل من موقفي :

- لا .. لا

 

 

الدرس الخامس عشر

 

في كل مرة أفكر فيها بمواجهة أخي وعد الله النجار وسؤاله عن (الله) وما إذا كان له ولحزبه موقف من الدين ومن الاسلام .. ؛ أجد نفسي محرجاً وسائلا : ماهي مسوغات هذا السؤال ؟

- هل كان وعد الله يحول دون صلاة أمي وأبي .. هل تحدث مرة بطريقة سلبية ضد الدين ، وهل سمعت منه مرة كلمة كفر ..  فلماذا أسأله إذن ؟

كنت أبحث عن مناسبة ، وعن وقت معين أثير فيه السؤال الذي كان يلح عليّ .. رحت أصلي أمامه ، وقرأت كتب سيد قطب وكراسات أخوان المسلمين .. ولم يبد سوى ملاحظة عابرة :

- حسيب .. حاول أن تنوع في قراءاتك ، ستجد نفسك وتحدد موقفك ، لاتجعل كتاباً ولا كاتباً يفرض عليك رأيه .. شكّل رأيك بنفسك ، وحاول ان تصل الى الرأي الأكثر صواباً .. وبعقلك وقناعتك ووعيك ودرايتك .. لاتدع العواطف والامور الغيبية غير المقنعة تلعب بمشاعرك وتعطل حواسك ، وتغيّب عقلك .. إحسم كل الامور بعقلك .. فالعقل وحده سيد المواقف كلها .

رحت أصغي اليه بهدوء ، وأتأمل نصائحه .. وسألته :

- هل كل هذه التوجيهات بسبب الكراسات التي أقرأها ؟

نفى جازماً :

- لا .. لا .. حسيب إقرأها جيداً ، وإقرأ ماهو نقيضها ، اقرأ كتباً تناقش ماقرأت حتى تجد نفسك،مع من وضد من ؟

- ولكن هذا سيحعل أفكاري في حالة إرتباك وقلق وحيرة ..

- حسيب .. الحيرة هي التي تقود الانسان الى الطريق الصحيح .. الحيرة تجعلك تلجأ لأستخدام عقلك لمعرفة أي الطرق أسلم وأي الآراء أكثر صواباً .

وتنبهت الى أن وعد الله لم يكن يناقش صلاتي ولا مسألة الدين التي تشغلني ..

ترى هل كان يهرب من مناقشة هذه المسألة لعجز في معلوماته ، او نفيا ً لمسألة الدين برمتها،أم هروباً من موقف قد يكون سبباً في التدخل في شؤون وخلق أسباب ماكان يريدها لأزعاجي .. بوصفي أقرأ كتباً قد لا تتلاءم مع أفكاره ولا يريد حجبها عني لأن الأمر بالمنع يعني التدخل الشخصي في خياراتي ..

هذا ما يرفضه تماماً .. ولا يعقل أن يناقض نفسه .

تجرأت وسألته :

- وعد الله .. لماذا لاتقرأ هذه الكراسات وتلجأ للصلاة والعبادة ؟

قال بثقة :

- قرأتها .. ولم أصل من خلالها الى قناعة .

- بماذا تريد أن تقتنع ؟

- بما تقوله هذه الكراسات .

- والصلاة والعبادة ؟

- حسيب .. كل القيم النبيلة ، وكل إخلاص في العمل ، وكل نصيحة مثمرة ، وكل مايبعد الأذى عن الناس ، وكل ماهو نظيف ونقي ، وكل ماهو نزيه وصادق وعادل .. كل هذه عبادة .. والصلاة وقفة احترام لهذه القيم كلها ..

- وعد الله .. يبدو أن صلاتك وعبادتك تختلف عنا !

- لا .. أنت وأمي وأبي والكثير من الناس يصلون بطريقة مظهرية .. وبطقس محدد ، وبآلية معينة وحدود ثابتة .. وأنا أصلي بطريقة جوهرية ، جذرية معمقة ..

- يعني أننا على خطأ وأنت على صح ؟

- لا .. وإنما أعني أن لكل أمرء تصوره عن العبادة ، وكل يرى أنه في الطريق الصحيح وسواه يسير في الطريق الخطأ ..

- وما هو الصحيح ؟

- إنني صحيح ما لم يقنعني أحد بأخطائي ، وأنا مخطيء ما دام لايوجد من يهديني الى الصواب والى الطريق السليم .

قلت مبتسماً :

- وعد الله .. إنتظر إذن .. إحتفظ باخطائك الى ان يجيء من يصوبها لك !

- ولماذا لا انتظر من يؤكد صحتها ؟

تأملت كلماته جيداً .. قلت ان هذا الرجل الذي هو اخي ، يستطيع أن يحاورني بطريقة تجعلني أشك في كل قناعاتي .. لكن هذا لم يكن يؤذيني ولا يزعجني ، بل كان على العكس من ذلك يدفعني للتفكير والتأمل والمراجعة ..

كنت أناكده وأسعى لتفنيد آرائه ، لكنني لا أملك الحجة ولا البرهان وكان هذا مايريده ويلح على وجوده في أي حوار موضوعي .

- وعد الله .. صارحني ، هل لدى الشيوعيين موقف من الدين ؟

قال بثقة عالية :

- لا .. هل وجدتني يوماً أحول دون ممارسة العبادات والطقوس الدينية ، سواء معك أو مع والدينا .. هل وجدتني – لا سامح الله –  أكفر ، فيما تجد أمامك كثرة ممن يزعمون أنهم منشغلون بالاسلام الحنيف يعمدون الى الكفر والكذب والفساد المالي والاخلاقي والاداري ..؟ والاسلام وكل الديانات السماوية بعيدة عن هذه الاساليب .. أليس كذلك ؟

- بالتأكيد .. ولكن لماذا لايدعو الشيوعيون لنشر الاسلام ؟

- وهل يحتاج الاسلام الى من ينشره ، إنه منشور بشكل واسع في الجوامع والفضائيات و والكتب والصحف .. ولكن قسم من الذين يزعمون انهم رجال دين .. لايحترمون رجولتهم ولا دينهم .. وهذا الامر يلحق الضرر بالاسلام وكل الاديان وكل المذاهب ..

نحن لانسمي الانتحار جهاداً ، ولا تملق السلطة إطاعة اٌلي الامر ، ولا نكسر عصا موسى ، ولا نصلب الناس على أفكارهم ، ولا نكفر ونصفي حساباتنا مع من نختلف معهم ، ولا ننهب أموال المسلمين ونتقاسمها سراً وعلناً على أنها ملك عام مشاع للجميع ..

نحن لانفعل هذا ولا سواه ممن يسيء للانسان .. لذلك يحاربوننا بإسم الدين الحنيف .. لأن الدين يمثل للناس اعلى مراتب العدل والحق والنقاء والمساواة ..

- وكيف تقنعون الناس بأفكاركم .. ؟

إبتسم وقال :

- المشكلة أننا نجد أنفسنا نعمل وسط أناس يملكون عقولاً مفتوحة لأستقبال الرأي الآخر .. ولكننا نعجز عن الحوار مع أنماط أخرى من البشر الذين يرفضون أصلاً الاصغاء الينا .. وقد سمعت بعضهم يقول:

- لا اريد أن اغير قناعاتي حتى وإن كانت خاطئة .. ولا اريد أن يؤثر عليّ الآخرون ..

- ولكن هذا جماد وتعطيل للعقل .. وهذا اصرار على النقل لا العقل .

- نعم هذا مايعتمده كثرة ممن يمارسون الجمود العقائدي .

وتنبهت وسألت وعد الله :

- وعد الله .. الا ترى إنك تقودني الى منطقة تريد من خلالها السيطرة على أفكاري وتغيير قناعاتي؟

إبتسم وقال :

- هذا الامر يعود لك ، أنا لا ألزمك ولا اكرهك على اداء ما لا قناعة لك به ..

كل ما لا يتلاءم مع قناعاتك أرفضه .. شرط ان تعرف جيداً ، لماذا رفضته ، ولماذا قبلت به كذلك.. كلا الامرين يحتاج الى برهان .. والبرهان سيد المواقف كلها .

كنت أصغي الى وعد الله ، كما لو أنني أصغي الى معلم أو زاهد أو مرب يحمل معه حزماً من المعرفة التي كانت بي حاجة اليها حتى اعرف موقعي او اقيس على وفق ذلك قناعاتي التي بدأت تكبر معي وانا أناقش وعد الله بشكل واضح .. يتيح لي من خلاله معرفة ما أجهل ومعرفة ما أريد أن اعرف .. وهو سبيلي الى تغيير حياتي وتغيير الخطاب الذي أتوجه به الى نفسي والى من حولي ..

كان وعد الله .. أستاذي وصديقي وخلي الذي راحت أفكاره ترفدني بما أعرف فأزداد رسوخاً ، مثلما ترفدني بما لا أعرف فأضيف واختزن وأصبر بشكل أعمق مما يراه الآخرون ..

هذا ثراء ذاكرة حية أكتسبها من ذاك المعلم الأثير ..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

الدرس السادس عشر

 

كان أخي وعد الله يحيى النجار ؛ يعرف جيداً أن عائلتنا تعاني من فاقة مزمنة ، وأننا بالكاد نسد رمقنا اليومي .. فكيف إذا كان الحال مع سجين سياسي يفترض أن نقدم له في كل مواجهة وجبة من الطعام ، بحيث يتلاءم وطبيعة نقل الطعام الى سجين يفتقر طعامه اليومي في السجن الى النوعية الجيدة والطعام الذي يحبه ويتوق الى تناوله ؟

كان وعد الله .. يعرف جيداً اننا نقتر على انفسنا حتى ننقل اليه الطعام وهو في السجن كأفضل مايمكننا اعداده وتقديمه .

كانت امي بالكاد توفر روث بقرة البيت الوحيدة لتشعل ناراً تعده لطعام الغد .. مثلما تعده كذلك لتنورها الطيني .. وتبدأ عملها فجراً وقبل يوم من المواجهة ..

كنا نشم  رائحة الطعام فيسيل لعابنا من دون ان نقول شيئاً أو حتى أن نمني أنفسنا بتذوق ذاك الطعام اللذيذ الذي كانت أمي تطبخه بطريقة يثير الشهية .. وفي العادة كان يحدد في أحد الاكلات الثلاث : الباجة ، كبة الموصل ، خبز العروق المملوء باللحم المثروم .. وهي الاكلات التي  كان يحبها أخي ويباهي السجناء باعداد أمي لها ..

ولكنه مع الايام وبعد أن طال أمد سجنه .. صار يلح علينا أنه ممنوع من تناول الوجبات الكثيرة الدسم وبخاصة الاكلات الثلاث التي يتوق لها وينتظر جلبها اليه ..

كنا نعرف أن صحته العامة جيدة ، وليس هناك طبيب يمكن أن يوجه النصيحة الى سجين ويدلله ويختار له الطعام المناسب .. لكن وعد الله ما كان يريد إحراجنا ، لا أن يكسر بخاطر أبي ولا ان يؤكد له فقره ومعاناته وأمكاناته ومشقته من اجل توفير هذا الطعام أثناء المواجهة في حين يحرم نفسه والعائلة بكاملها منه ..

ولما فشلت جميع حجج ودعوات أخي في ثني أبي عن أحضار أفضل مايمكن من الطعام الجيد الذي يرغبه ؛ راح وعد الله يبحث عن سبيل يساعد فيه أبي على محنته المعيشية .. وأخذ يزودنا في كل مواجهة بلوحات ملونة منسوجة من زجاج النمنم ، أو جوارب صوفية او ألياف للاستحمام أو حلي مصنوعة من النمنم ، او حقائب صغيرة منسوجة بخيوط ملونة مطرزة بالنمنم ، او أحذية منسوجة او عرقجين للرأس للكبار بلون أبيض وللصغار بألوان عدة .. ويطلب الينا بيعها خارج السجن .. او يعطينا نقوداً مدعياً أنها من مبيعات مثل هذه الحاجات للسجناء ، طالباً منا شراء خيوط ونمنم .. حتى يواصل العمل داخل السجن .

كنا نعرف أن وعد الله ما كان يتقن مهنة الحياكة والتطريز أبداً ، وما كان به ميل الى إشغال وقته في هذا النوع من العمل .. وإنما كان وقته داخل السجن - على طوله - وخارج السجن -على قصره -  مملوء جله في قراءة الكتب ، وهذا هو شاغله الاساس .

سأله والدي :

- وعد الله أبني .. من قال لك انني احتاج الى عملك وانت سجين .. هل يعقل هذا ، وهل يمكن لسجين ان يساعد أهله على الحياة وهم خارج السجن وهو داخل السجن ؟

إعتذر وعد الله بخجل وقال لأبي مخففاً من الاحراج الذي أوقع نفسه فيه وأوقع أبي في محوره:

- ياب .. والله ، في السجن الوقت طويل ويصعب عليّ ان أظل بلا عمل .. عملي أقضي وقتي به..

يؤكد أبي :

- إبني .. الرزق موجود ، والحياة ماشية .. لاتشغل بالك .

ويضطر وعد الله للتصريح :

- حسيب ما زال صغيراً ، وانا إبنك الكبير ، ومهنتي مساعدة عائلتي على إحتمال أذاهم بسببي،ومشاركتكم في الاحتمال على هذه الحياة البالغة الصعوبة .. ومثلي يجب أن يعمل حتى في أصعب الظروف المحيطة به ..

لاينبغي على الانسان العيش عالة على غيره ..

- إبني وعد الله .. نحن لسنا الغير ، نحن أهلك .

أكد وعد الله :

- وإن كنتم اهلي .. وعندما إخترت دربي ، لاينبغي ان أحملكم عبء هذا الاختيار ، ولاينبغي ان أثقل عليكم وانغص عليكم الحياة .. لابد لي من اعانتكم مادمتم تشاركوني السجن وانتم خارجه،فان الامر يقتضي ان أشارككم مشقة الحياة وانا داخل السجن .. لاينبغي للمرء ان ينصرف للعكس في وقت يملك القدرة على العمل .. والعمل موجود والمرء له القدرة على ابتكار العمل الذي يناسب ظرفه وقدرته .

رأيت وعد الله ينظرني بشكل خفي .. وإكتشفت نظرته فأبتسمت وقلت :

- وعد الله .. إطمئن إنني اساعد أبي في عمله .. إنني بت قصاباً مثله ويمكنني التمييز بين اللحوم وجودتها ونوعها ..

ضحك وعد الله بإشراق .. وسرتني ضحكته ، وسرّت أمي التي إحتضنت اخي بلهفة وفي عينيها دموع حارة .. كأنما كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتقبله حتى قبل إنتهاء مدة المواجهة وكأنما كانت تعد تلك القبلات بمثابة كسب مضاف الى بدء المواجهة التي تكون في العادة مغمورة بالقبلات .

وراح أخي يتحدث عن مهنته الجديدة في محاولة منه لأن ينسينا جهده داخل صورة بهيجة لعمل مفتون به .

كنت انا الصغير أحس بهذا .. فكيف لايحس به أبي الخبير بدراسة كل زبون يمر في السوق ، وأمي التي تعرف بفطرتها ما بداخل الآخرين من دون أن تتكلم أو تبوح بما يجري في بالها ..

كنا نعرف جيداً .. كم يجهد اخي نفسه في العمل وهو السجين الذي يعاني من ضغوط نفسية حادة نتيجة للقضبان والاقفال الصدئة والجدران النتنة والايام الثقيلة والغد المجهول .. حتى يوفر للعائلة مبلغاً مادياً وإن كان ضئيلاً ، لكنه جهد ومشاركة ودعم لحالة نمر جميعاً بها وننوء تحت ضغوطها الصعبة ..

كنت أتنبه الى أن وعد الله يعمد الى إعطائي انا بالذات درساً في العمل .. وكيفية إستثمار الوقت وفي المساعدة حتى في أصعب الظروف ، وكيف يجعل وحدة العائلة قائمة ، وان وجوده بيننا قائم ومستمر وفاعل وهو يعاني من ضغوط السجن وعقدة الانتظار التي ينوء تحت ثقلها مثلما نجد أنفسنا وقد عجزنا حتى عن إحتمال ثقل هذا الانتظار وقد حولناه الى طقس عادي من طقوسنا في زيارة السجن كل إسبوعين .. وأمامنا ان نعد انفسنا لهذه ( المناسبة السعيدة ) التي تحولت من ثقل يرهق العائلة نفسياً ومادياً الى لقاء حميم وعمل يغنينا على البقاء مدة اطول نستعين بها على تقديم إضافات جديدة للطعام كالفواكه والحلويات .. وكان وعد الله يجد نفسه في حرج جديد ورغبة ملحة في العمل بشكل مضاعف حتى يجعل العائلة في حلٍ من ثقل المواجهة وضغوط الحياة .

كان وعد الله يحقق حضوره بيننا في كل لحظة ، عبر عمله المنتج وشغفه أن يكون عنصراً منتجاً ، لا عاطلاً ، يثقل بمبدأيته ومواقفه السياسية على أن يكبد العائلة المزيد من الاذى ..

هكذا كان يرى وجوده ، وهكذا كنا نتبين المبادئ الشيوعية التي ينتمي اليها  وهي تدفعه للعمل والاستعانة على الصعب بالجهد والعمل والأمل ..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدرس السابع عشر

 

لم يكن أخي الشهيد وعد الله النجار وحده من ملأ عليّ ذاكرتي وحفر عميقاً في سلوكي الذي إمتد من صباي حتى شيخوختي التي أنا فيها الآن أكتب هذه السطور التي استعيد فيها أخي وانقذها من النسيان .. بل كان هناك رفاق وعد الله الذين عرفتهم في مسيرة حياتي ، ووجدت فيهم وشماً من القيم بات من الصعب عليّ في هذا العمر التخلي عنه .

وفي هذه اللحظة بالذات ذكرني احد اولادي الذين تحولوا الى أصدقاء حميمين لي في امسياتي وصباحاتي وسهراتي .. ومعالجة وحدتي ..ليذكرني بما قد حدثتهم به عن أخي وأصحابه .

قال لي : مرة ذكرت لنا يا أبي أسماء عدد من الشيوعيين الذين رافقوا مسيرة عمنا وعد الله وقلت لنا إنك كنت سعيداً بمعرفتهم والتواصل مع حياتهم بوصفها حياة تقترب وتتماس مع ماعرفته عن عمنا وعد الله .. وأذكر من الاسماء التي جاءت على لسانك : عباس هبالة ،واسماعيل رشيد، وصبحي إسماعيل ، ومظفر النواب ، وهاشم صاحب ، والفريد سمعان ، ويوسف الصائغ ، وعبد الرحمن الطباخ ، وحاتم الحلة  وغيرهم .

تأملت وجه سلام إبني .. وكنت أبحث في ملامحه عن أحداث تتعلق بهذه الاسماء وسواها .. فلم تسعفني إلا بقايا صور ..

عباس هبالة ، كان قصاباً ومحل عمله قريب من سجن الموصل ، وما كنت أتوجه لمواجهة اخي او الخروج بعد إنتهاء المواجهة إلا وإلتقيته ..

كان المصدر الاساس الذي يشكل العلاقة بين العالم خارج السجن وداخله .. ولم أكن اعرف ان البيانات التي انقلها تشكل خطراً على حياتي وحياة الرجل وحياة اخي ، لكن عباس ما كان يوماً قد تخلى عن ثقته بي .. سألته مرة :

- عمي عباس .. كيف تثق بي ، إلا تخاف ان اعترف عليك اذا ما ألقوا القبض عليّ وعذبوني وطلبوا مني ان اقول لهم من اين جئت بهذه البيانات ؟

اجابني العم عباس بابتسامة مملوءة بالثقة :

- ثقتنا بوعد الله تجعلنا نثق بكل شيء يتعلق ويتصل به ..

قلت وفيّ قدر من العتاب :

- انتم تثقون بأخي ولا تثقون بي ..!

- لا .. لا حسيب ، لقد فهمتني خطأ ..  حسيب إنتبه ، وعد الله لايمكن ان يرشح لنا شخصاً يصل بيننا ، ما لم يكن واثقاً به حتى لو كنت انت .. انت اخوه .. وعد الله لايفكر بهذه الطريقة ونحن جميعاً لانعتمد عليك ونثق بك لأنك أخ لوعد الله .. أنت مؤهل وموثوق بك ، لذلك نعتمد عليك ..

شكرته وانتصبت قامتي أمامه ..

وأذكر مرة أنه رأى شرطياً يتعقبني من دون أن أدري وتنبهت الى ان عباس حال مشاهدتي إستقل دراجة قريبة منه وركبها على عجل واسقط نفسه من الدراجة أمام ذلك الشرطي وترك لي فرصة الهروب .

اما كيف عرفت ان رجل الامن هذا يتعقبني ، وأن عليّ ان اهرب حتى لايمسك بي ويعثر على ما أحمله فهذا ما أخبرني به عباس نفسه وأثنى على ذكائي وحسن تصرفي والهروب على عجل ..

اما صبحي اسماعيل فقد كان الشخص الاكثر شجاعة ممن عرفت ..

فقد كان رحمه الله .. رجل المهمات الصعبة ، وهو الذي يتكفل بعملية إخافة حراس السجن .. سواء كان سجينا أو خارج السجن.

كان صبحي .. يحب الحياة كثيراً ، ولكن الغريب في الامر ان هذا الشيوعي الباسل ، كان يتقدم بشجاعة وفي أخطر الظروف العصيبة ، كنت احمل له بيانات حزبية من داخل السجن ، فاذا بها تملأ الشوارع في اليوم الثاني .. وكان يسألني :

- حسيب .. هل تعرف أحداً مزق بيانات الحزب ؟

لم أكن اجرؤ على اتهام احد ، خشية معاقبته من قبل صبحي اسماعيل ، ومن ثم دخوله السجن الذي كان دخوله طبيعياً بالنسبة اليه .

اما مظفر النواب الذي التقيته اثناء مواجهة اخي وعد الله في سجن الحلة .. فقد كان من اهم الذين تركوا بصماتهم في حياتي .. فقد كان لقائي به بمثابه عيد .. حيث كان به طبع رقيق يختلف عن الغضب المحتدم في قصائده وقد وجهني مرة على اختزال الغضب والانفعال وتحويلهما الى طاقة تعبيرية في القصة والشعر والرسم .. لا أن يتحول الى عنف فهذا ليس من طبع البشر .. الابداع يحمل شحنات من الألم والفرح .. وهذا ما فعله في قصيدة كتبها عن

وعد الله بعد اعدامه .

اما المحامي والشاعر الراحل هاشم صاحب ، فقد حمل لي قصيدة كان قد كتبها عن أخي

وعد الله في يوم استشهاده .

خشيت من الاستاذ هاشم صاحب أول مرة ، ولكن هذا الحنو الذي حمله اليّ ، جعلني أجد اخي وعد الله في عينيه وكلماته وسلوكه وفي النظام القانوني الذي اورثني إياه وجعلني احترم القوانين واجعلها بمنزلة التقديس شرط ان تكون عادلة ومنصفة ومن أي مصدر كانت .

سألته مرة :

- استاذ هاشم .. هل كان اعدام اخي قانونياً ؟

- حسيب ، الحكومة لم تحكم على وعد الله على وفق القوانين الثابته ، بل انشأت محاكم عرفية لتصفية خصومها السياسيين ومثل هذه المحاكم تنشرها الانظمة الدكتاتورية للتخلص من خصومها على وفق محاكمات صورية سريعة .. تسوغ لها أفعالها ..

والتقيت الفريد سمعان في جريدة (طريق الشعب) في السبعينات ، ولم أكن اعرفه ، لكنني وجدت فيه شيئاً من طباع أخي .

كانت به روح نقية تبينتها مرة عندما سألته بعد سنوات من استشهاد زوجته (أم شروق) :

 - لماذا لاتتزوج يا أبا شروق ؟

- حسيب .. من كان له أخ مثل وعد الله لايمكن ان يسأل هذا السؤال .. الشيوعيون لايخونون.

فوجئت بجوابه .. وعدت أسأله :

- ابو شروق وهل الزواج بعد وفاة الزوجة الاولى خيانة ؟

أكد وبأصرار :

- نعم خيانة .. أم شروق تاريخ من السجون والآلآم والانتظار كيف الغي هذا التاريخ واتزوج؟

وحين اردت مناقشته ، قطع عليّ الكلام ، قال :

- ارجوك لاتناقشني .. وعد الله لم يكن يناقش في بديهيات الاخلاص للاحياء والاموات .

اما الشاعر الراحل يوسف الصائغ ، فقد تعامل معي بحب واحترام من خلال حبه واحترامه لأخي الذي رافقه في عدد من السجون وكتب بعد استشهاده عدة مقالات في جريدة (الفكر الجديد) .

لكنني فوجئت به يسألني يوماً ونحن نعمل في مجلة (آفاق عربية) ومكتبي يجاور مكتبه :

- حسيب .. الا تعتقد انني استحق أن اكون مديراً عاماً ؟

فوجئت بسؤاله .. قلت :

- بل تستحق أن تكون وزيراً ، ولكن من يعطيك هذا الاستحقاق ؟

تأملت وجهه .. فوجدت به رغبة ملحة لأن يكون ذا شأن .

قلت في نفسي :

لا اعرف حتى الآن إن كنت قد أخطأت في قولي الساخر هذا أم كان به استعداد ذاتي للعمل على وفق ماقلته ؟ 

- أبو مريم .. الوصول الى هدفك .. سهل ، سهل جداً .

- كيف ؟

- انت شاعر معروف وهم يحترمون شاعريتك .. كما أنهم يريدون منك جواز مرور فقط .. إشتم الشيوعيين بقصيدة أو مقال ويكون لك ماتريد .. صدقني .

سألني :

- أنت .. أخو وعد الله النجار تقول لي هذا !!

وفهمت منه انه يرفض وبأصرار كل كلمة قلتها .. بل انه يلومني عليه .

لكنني فوجئت به في اليوم الثاني والثالث يحمل صحيفة (الثورة) .

يفتح صفحاتها على مقالين له يشتم فيها رفاق دربه من الشيوعيين الذي زاملهم وعمل معهم وتنفس معهم عذاباتهم .

وادركت ان الرجل كان يريد من الشيوعيين ان يكونوا سلماً للوصول الى مآربه وطموحاته في استلام موقع وظيفي متقدم وهذا ماكان له .. وتم على وفق ماتوقعته حيث عيّن مديراً عاماً لدائرة السينما والمسرح .

سألت نفسي : هذا نموذج سلبي افرزته مرحلة معايشة يوسف الصائغ لعدد من الشيوعيين .

وهذا أمر طبيعي أن يتخلف عدد من الشيوعيين عن المسيرة فيما يتقدم سواهم ..

واضاءت صورة رجل السلام : اسماعيل رشيد الذي حول دكان النجارة الى مكتبة يوزع من خلالها جريدة ( طريق الشعب ) والى جانبها صحف ومجلات مختلفة ..

اذكر ان احد الحاقدين أحرق المكتبة الا ان اسماعيل رشيد اعادها الى الحياة ثانية وباصرار وحب عميق ..

كان وعد الله يلتقي عنده ويقضي ساعات طويلة معه .. كان به حب أثير وصداقة حميمة معه.

وراجعت ذاكرتي ، فوجدت فيها صورة أبا عوف / عبد الرحمن الطباخ متألقة .. حيث استعاد الرجل مواقف عاشها وعرفها مع أخي وهما في معتقل واحد ..

واصبح ابا عوف من أكثر اصدقائي حميمية ونحن في سجن الموصل نصنع طعامنا بايدينا .. حتى وجدت نفسي مساعداً له فإذا بي أشعل ناراً قوية جعلت القدر نفسه ينصهر وينسكب الطعام الناضج الذي فيه .. وحرمنا جميعاً من طعام شهي ..

لكن ابا عوف اغتنم تلك الحادثة وقال :

- ألذ الطعام ما تم طهيه على نار هادئة .. والشيوعيون من طبعهم العمل والنضال وايصال افكارهم عبر مسار يطول أمده .. حتى يجد المرء نفسه وقد نضجت قناعاته وصار شيوعياً ..

سألته : وهل كان وعد الله .. ذلك النجار الذي أحب مهنته وقد وصل بقناعاته وايمانه واهداف الحزب الشيوعي على هذا النحو .. ؟

- بالتأكيد .. ليس وعد الله وحده ، كلنا آمنا واقتنعنا بمباديء الحزب .. يوم راحت الافكار تصل الى اذهاننا شيئاً فشيئاً حتى أصبحت جزءاً من وجودنا ورسالتنا ومسارنا في مسيرة الحياة الشاقة والطويلة .. سألته ثانية :

- ابو عوف .. صارحني ، متى وجدت وعد الله نادماً وهو ينتقل من سجن الى سجن آخر الى أن تم اعدامه ؟

- حسيب .. صدقني لم أجده نادماً أبداً ، ولم أجده متخاذلاً أبداً .. مثلما لم يكن اي شيوعي قد ندم على القناعات التي وصلت اليه وراحت تجري في دمه .. وباتت كل تاريخه .

وعندما أذكر هذه العبارات أستعيد ذكرى تلك العلاقة الحميمة التي جمعت بين بائع القماش حاتم الحلة والنجار الذي يقيم سكنه في السجن وعد الله .. وحولتهما الى قريبين حميمين وشدتهما تلك الرفاقية الى ان يصبح حاتم الحة صهراً لوعد الله .

حاتم الحلة .. حمل معه من وعد الله .. ان الانتماء للحزب الذي آمنا برسالته ، أصدق وأهم انتماء يجدان فيه حضورهما الاكثر صدقاً ومسؤولية وتضحية .. وهذا ما كان .. حين صارا في ضمائرنا نوراً يتوهج ..

وعد الله النجار أعدمه الطغيان وحاتم الحلة إغتاله الظلاميون ..

الطغيان .. قتله طغيانه ، والظلاميون أعمى شمس الحرية أبصارهم وبصيرتهم ..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

الدرس الثامن عشر

 

واجهته في سجن الموصل مع اهلي ، كانت المواجهة تتم في ممر ترابي مهجور يشق غرف ادارة السجن وردهات السجناء ، كانت الجدران صخرية بالغة الارتفاع والحرس المدججون بالاسلحة في كامل استعداداتهم يتوزعون في اماكن مختلفة ، سألني وعد الله أثناء إحدى المواجهات :

ـ حسيب .. فكر معي ، كيف يمكن ان نعد مشروعاً للهروب من السجن !

ـ وعد الله .. الم تيأس وتتعلم من تجارب سابقة للهروب !

ـ كل سجين يعشق الحرية ، ويبحث وبكل السبل للخروج من السجن بطرق مشروعة وغير مشروعة .. ذلك ان السجين في اساس وجوده قائم على طريق حجب الحرية عن البشر الذين يشكلون خطراً فكرياً على الآخرين حسب وصف من يختلفون معهم في الرأي.. في حين يعد مصدر الخطر وجود اولئك الذين يمارسون العبودية ضد افكار سواهم ..

إن من نختلف معهم فكرياً .. فشلوا في اقناعنا بتوجهاتهم .. وليس بوسعهم ان يتركونا لاقناعهم واقناع الناس بمبادئنا .. اننا جملة اغصان زيتون وحمامات سلام .. ونحن نزرع افكارنا على المحبة والاقناع .. ومع ذلك يخشون وجودنا .

سألته : ـ اخي وعد الله ، اسمح لي أن اصارحك .. وانقل اليك رأي عدد من الناس بالشيوعيين الذين تحمل انت رسالتهم .. يقولون : انتم تمارسون الجمود العقائدي ولا تساهمون بالتطور فكراً وممارسة .. فما هو جوابك ؟

ابتسم وعد الله وعاد يسألني :

ـ حسيب ، وانت ما رأيك ؟

- اعتقادي الشخصي قائم على حقيقة ثابتة .. وهي انني اتنفس الهواء الذي ينعش راسي وقلبي .. ولست ملزماً ان اتنفس هواء فاسداً الا واكون مكرهاً .

الناس احرار فيما يؤمنون به .

ـ وهل الزمناك بشيء .. وهل فرضت انا أو أحد من رفاقي فكرة عليك .. أم اننا تركنا لك حرية الاختيار ؟

ـ هذا ليس من حقكم .. وهذه ليست مهمتكم .. الانسان لا يكره على اعتناق فكر معين وهو مكره وملزم ومهدد بالموت .

ـ كذلك نحن .. الحزب الشيوعي ، لا ينظر الينا بوصفنا متلقين ومنفذين لمباديء آمنا بها ولا عقائد جامدة توارثناها .. لا .. الحزب يعلمنا كيف نفكر ونناقش ونطور .. فاذا كان هذا التوجه يعني جموداً فنحن نفتخر بهذا الجمود الذي نتبين من خلاله حقائق الامور ، لا ان نتغير على وفق الامزجة والمصالح والأهواء .

نحن محاصرون بالوعي والنباهة والانشغال بالتغيير .. وهو حصار نعده عافية في العقل البشري .. لانه يبعد عنا كل ماهو عابر وفج ومفرغ من المحتوى .

ـ وعد الله .. انتم تتعاملون مع النظرية كما لو انها قوالب جامدة صالحة لكل زمان وفي كل مكان !

ـ حسيب .. ان تسلم أمرك لاولئك الذين يحاربوننا ويعمدون لتشويه صورتنا بشتى السبل فهذا امر يدل على عدم ادراك لما يفعله اعداؤنا، فهم يطعنون بشرفنا واخلاقنا وقيمنا وديننا وقد ناقشنا هذه الامور من قبل .. فهل تعتقد ان الشيوعيين يمكن لهم الركون الى وعي ثابت ونظرية جامدة وتوجه رجعي عقيم تخلى عنه العصر ؟

ـ اعرف كل هذا ، لكنني كنت اريد الاصغاء الى رأيك حتى تترسخ قناعتي ويكون كلامك بمثابة توثيق لما اعرفه وادركه واعيشه انا المستقل عن اي انتماء حزبي .

راح وعد الله يتأملني .. ويتوجه الي بالسؤال : 

 ـ هل انت فخور بعدم انتمائك ؟

ـ لست فخوراً ، كما انني لست نادماً .. ولكنني وصلت الى قناعة مفادها ان بإمكاني تقديم خدماتي الى الناس بشكل افضل واعمق واهم مما لو كنت منتمياً .. ذلك انني اجدني اعيش في فضاء مفتوح .. وليس لأحد ان يتهمني انني اعبر عن وجهة نظر معينة واعمل من اجلها فقط ..

ـ حسيب .. انت تعرف بأنني شيوعي وافتخر بانتمائي ، لكنني بدوري وصلت الى قناعة تختلف عن قناعتك وهي ان بوسعي تقديم خدماتي الى شعبي بطاقة اسمى واعلى واغنى مما لو كنت مستقلاً .. ذلك ان اعمالي ستكون نتيجة لتفكير وخطط وادراك قيادة الحزب الذي انتمي اليه .. وتفكير الجماعة خير من تفكير الفرد .

ـ ها .. ها وعد الله ، عدنا ، تريد ان تكسبني للحزب مرة اخرى ؟!

ضحك وقال :

ـ هذا شأنك ، مثلك يحتاج اليه الحزب والشعب معاً ، ولكن حريتك أهم شيء في وجودك داخل الحزب وخارجه .. لك ان تختار الطريقة المناسبة لك من غير ضغوط ولا اكراه من أية جهة .. الشيوعيون لا يكرهون أحداً على الانتماء كما تفعل الاحزاب الاخرى ، الشيوعيون يشيعون المعرفة والوعي والقناعة وهي السبل الاهم في كسب ود الناس واحترامهم ورؤى الحزب ومنطلقاته المتجددة هي التي تجعل من الشيوعي انساناً عقلانياً وواقعياً ونزيهاً .

ـ وعد الله .. هل تريد ان تلقي علي درساً ..؟!

ـ ولم لا .. هل يمكن لاحد ان يتوقف عن التعلم .. ما من أحد بمعزل عن الدروس والتجارب التي اكتسبها من سبقه ؟

نحن مجموعة هذه الدروس ، نحن مجموعة من التجارب الانسانية التي لا تشيخ ولا تبلى ، نحن نتعلم من بعضنا .. ولا يمكن لاحد ان يعيش في جزيرة أو قلعة منعزلة عن العالم .. العالم وحده يشكل وحدة انسانية ندعو اليها ونعمل من أجلها ..

اليس هذا الهدف استباقاً للحاضر وفتحاً للمستقبل .. أليست هذه افكارنا ، ومع ذلك تتهمنا بـ (الجمود العقائدي) ؟!

الشيوعيون لا يعدون انفسهم وجوداً احادياً خالصاً ، انهم نتاج طبيعي من التجارب والتفاعلات والقرارات مع الازمنة والامكنة المختلفة .. وليس هناك كائن بشري خالٍ من التأثر والتأثير .. والمتخلفون وحدهم من يسدون ابوابهم ونوافذهم عن الشمس والريح والمطر ..

ـ وعد الله .. اراك اليوم تريد أن تبوح بنصائحك وارشاداتك دفعة واحدة .. فهل تحولت الى مصلح سياسي واجتماعي ..وانا التلميذ النجيب والخلي الوفي الذي تجد فيه آذاناً صاغية اليك؟

ـ من حسن حظي أن أجد فيك الأخ والصديق الحميم الذي يناقشني في مسائل جوهرية ومصيرية هامة .. وكنت امني نفسي أن يقوم هذا الحوار بين جميع من نتفق أو نختلف معهم .. وبالتأكيد سيتعلم أحدنا من الآخر وسيؤثر ويتأثر أحدنا بالآخر .. فهكذا تتطور المجتمعات وتزدهر حياتها وتتوحد ارادة الناس لبناء بلادهم.. بدلاً من اساليب العنف والتدمير والتصفيات وكيد البعض ضد البعض الآخر.. هذه الاساليب تجعل القلوب قاسية ، والعقول جامدة والنفوس مريضة ..والقسوة والجمود والمرض .. لا يمكن ان تبني وطناً معافى مستقل ..

ألست معي ؟

ـ معك يا وعد الله .. معك ، ولكن من يصغي ومن يراجع ومن يتأمل ما كان وما قد يكون؟!

ـ حسيب .. لنتفق على أن نضيء دروب الناس ..

ـ ولكن .. كل بطريقته ..

ـ كل بطريقته وبالاسلوب الذي يراه مناسباً ، شرط أن لا يكون عدائياً ولا ضداً لمن يختلف معهم في هذا الرأي أو ذاك .

ـ بكل تأكيد ..  

 

 

 

 

 

 

الدرس التاسع عشر

 

ما كنت اعتقد ان لدي القدرة على استعادة احداث جرت قبل نصف قرن ..

وانا الذي شاخ زمني بحيث لم اعد أذكر فيه اسماء احفادي ممن الاعبهم وا ناغيهم وارتبط معهم بعلاقات جد اليفة ..

لكن ما ان بدأت السطور الاولى بالحديث عن اخي الشهيد وعد الله يحيى النجار حتى تبين لي انني امتلك خزيناً ثراً من الذكريات التي لا تحتاج الا لتنظيمها وتنسيق احداثها حسب ، لتصبح دروساً جد مهمة اضعها امام هذا الجيل الراهن والاجيال القادمة .. لتكون نبراساً يهدي الى حسن القصد ووجه النقاء ومسار الصدق وفعل الجهد والاجتهاد .

اذكر في هذه اللحظة مشهداً انسانياً لعمر وعد الله النجار وهو في تفتحه الوردي ..

كنت اعرف ان ابنة خالي ، مقترنة بأسمه بوصفها خطيبته الاثيرة ومستقبله الزوجي السعيد ..وكان في كل مرة يعد نفسه للاقتران بها ، يواجه ظروفاً صعبة ..

كان يلاحق اكثر من مرة كنتيجة للاساليب التي يراد من خلالها النيل من الشيوعية والشيوعيين في الموصل .. بعد سلسلة مداهمات وملاحقات واعتقالات ..

كان اخي يستأثر بانتباهي ، وكنت اعجب له نبوءته المسبقة للملاحقات والاعتقالات ، وكنت اسأله بعد انتهاء كل ازمة :

ـ وعد الله .. كيف علمت بحملة الاعتقالات ، كيف عرف الحزب بالامر ؟

 كان وعد الله يضحك مني .. ويقول :

ـ انا اول من يبلغ الحزب بالامر ، فيعمم الخبر ويتخذ الاحترازات .

ـ وكيف كنت تعلم ؟

ـ كنت على علاقة وطيدة مع صديق حميم يعمل في المخابرات وكان على تماس مباشر                                                    بمصادرالاحداث .

ـ انت .. انت .. شيوعي ويصادق رجلا يعمل ضابطاً في المخابرات ..!؟

كيف تأتمنه ، وكيف يأتمن هو نفسه اللقاء بك من أن يعتقل بسببك ، أو يطردك الحزب بسببه؟

ـ كان يدفع الاشتراكات الشهرية للحزب ويتبرع مراراً .. وعندما وثقنا به ووثق بنا صار واحداً منا .. صار عضواً في الحزب وقدم لنا خدمات جليلة ، وتمكن من انقاذ حياة الكثيرين من رفاقنا ..

كنت اؤثره على نفسي ، ويؤثرني على نفسه .. كنت الشخص الوحيد الذي له حق الارتباط والتعامل المباشر معه .

ـ كيف تعرفت عليه .. كيف وثقت به ووثق بك ؟

ـ مرة جاء صحبة عدد من الشرطة لاعتقالي بعد منتصف الليل .. كنت اتخفى في بيت خالي .. كان اول من استيقظ من اهل البيت خطيبتي .. وقد تنبهوا اليها وهي تحثني على الهروب .. لذلك شدوا يدها وضربوها وارادوا اعتقالها معي .. الا ان هذا الشرطي تقدم من الآمر متوسلا اليه طالباً اخلاء سبيل ابنة خالي .. واصر الآمر وأصر صاحبي حتى اختصما وحدثت مشادة عنيفة بينهما حسبتها ستنتهي الى حسم مدمر ..

الآمر وجد ان صاحبي مصر على اطلاق سراحها وان تحديه من شأنه ان يعرض نفسه للموت ومن ثم هروبي .. لذلك أثر الاستجابة والخضوع بطريقة لم يكن يريد فيها ان يكون ضعيفاً وانما متعاطفاً مع صاحبي ..

اعتقلوني وتركوا خطيبتي .. لكن المسألة اخذت منحى آخر عندما احيل صاحبي للقضاء وحكم بالسجن عدة سنوات لرفضه تنفيذ أوامر من هو اعلى منه رتبة ..

صرنا في سجن واحد ..

انا بصفتي شيوعياً وهو بصفته رجل مخابرات متمرد على الاوامر وبدأت علاقتنا تتوطد حتى صرنا لا نأنس لأحد مثل انسنا مع بعضنا ..

وعدت اسأل اخي وعد الله :

ـ لماذا لم تتزوج ابنة خالنا .. وهي الوفية التي تعمل لانقاذ حياتك ؟

ـ حسيب ، تذكر جيداً اننا ناقشنا أمر الزواج مع بعضنا ..

كنت تقول لي .. وعد الله ان حياتك في خطر دائم ، فلماذا تجعل الآخرين في حالة خطر معك .. لماذا تربط مستقبلك ومستقبل اولادك بالمجهول .. كنت تقول لي .. وعد الله انك قد نذرت نفسك للموت .

قلت له :

ـ وعد الله .. اذكر .. اذكر ، ان مثل هذا الحديث قد جرى بيننا فعلاً ، لكنني لم اطلب اليك عدم الاقتران بأبنة خالنا ..

ـ لا .. لم تطلب هذا ، لكنني عندما راجعت حديثك تبينت صحته ودقته والمسؤولية الكامنة في اعماقه ..

قلت لنفسي :

ـ لا نني احب خالي وابنة خالي حباً لانظير له ، فأن هذا الحب يجعلني الا اربط مصيري المجهول بحياة هنيئة يمكن لابنة خالي ان تعيشها مع سواي .

الخطر الذي يلاحقنا .. لا ينبغي اعمامه على سوانا .. بالعكس علينا النضال من اجل ابعاد الخطر عن الآخرين .. هذه هي مهمة الشيوعيين ..

اكبرت في اخي موقفه النبيل هذا ، ونبل قصده وجرأة حسمه لحب عميق مزروع في قلبه لأبنة خالنا ..

ادركت ، كم يحب وعد الله خطيبته ، لكنه كان يدرك جيداً ان حياته ليست ملكاً له ، وانه منذور للآخرين .. فلماذا لا يكون في مقدمة الآخرين ..

 الفتاة التي يحب ويتمنى ويرسم المستقبل العطري ؟ .. لماذا يجعلها في منطقة الخطر معه .. مادام يحب بشكل جيد ونبيل؟

ان هذا الحب يرقى ويتجاوز اصحابه .. يتجاوز قلب وعد الله وصولا الى عقله وموقفه وارادته ..

هذا اخي .. يدرس الحب دراسة معمقة ، يقطر ازهاره ويمتلك ارادة الحسم بقدرته الواعية .

 

 

 


 

الدرس الأخير

 

الآن وأنا أبلغ الرابعة والسبعون من عمري.. لا أذكر انني مررت بليلة أصعب من تلك الليلة الاصعب من الصعب، بحيث جفت الدموع وسكت النواح ولم يبق فيّ ما أقوله أو يقوله سواي من أفراد العائلة الذين اجالسهم وكل واحد منا لم يكن بوسعه إسعاف الاخر أو التخفيف عنه أو حتى تقديم مساعدة له بقطرة ماء بعد ان جفت الحناجر من النواح وانتفخت العيون وشحبت الوجوه وصار الواحد منا صعب على الاخر، حتى بقينا نجد انفسنا وكأننا ننتظر جللاً عظيماً سنشهده صباح الغد.. وهذا ما حدث فعلاً.

وكنا قبل ذلك التقينا نبض قلوبنا الشهيد وعدالله يحيى النجار في ليلة اعدامه.

كان المساء دامياً وكانت الزنزانة التي شاهدناه فيها ونحن داخلها اشبه بقفص حديدي له قضبان غليظة صدئة.. على الرغم من الطلاء الاسود الذي يبدو انه قد طلي أكثر من مرة..

كانت جدران الزنزانة تضيق علينا، فيما كنا بانفاسنا الحارة ندفع بالجدران بعيداً.. ونجد لانفسنا مكاناً نحدق فيه في وجه من نحب ملياً..

كان كل واحد منا يريد ان يأخذ أكبر حصة من رؤية وعدالله.. ذلك انها ستكون الرؤية الاخيرة التي ليس بوسعنا استبعادها من بعد ابداً..

كانت نظرة وداع.. شربنا فيها كل دموعنا، مثلما شربنا عبرها كل ومضة من عيني الشهيد..

كان لعينيه شعاع خاص لم نألفه من قبل، ولم نعرف له وجود من بعد..

وكنت اراقب اللحظة.. كيف يكون حال المرء وهو ينتظر ساعات غيابه الى الابد.. وكيف سيتعامل مع روح حية، تتوقف قسراً عن الحياة، كيف ستكون لحظات الموت، كيف سيستقبلها أخي..؟

ترى أكان أخي يمثل علينا دور البطل اللامبالي بموته القادم بعد ساعات؟

إذا كان أخي ممثلاً.. فهو في الحكم النقدي ممثل بارع.. يجرد عشقه للحياة باللامبالاة وهو يواجه الموت.. لكنني لم أعرف عن أخي انه يجيد التمثيل في مواقف عادية، فكيف سيكون الامر أمام مواقف حاسمة مثل هذه..؟

انها مدعاة للقلق والخوف والانهيار.. هذا أمر طبيعي.. فحب البقاء سمة في البشرية جميعاً، فكيف يمكن لأخي ان يجسد موقفاً مأساوياً ومصيرياً سيواجهه لاحقاً..؟

عجيب.. كان يخفف عنا.. قّبل أمي، احتضنها.. قّبل والدي، احتضنه.. قال:

- اعذراني لقد سببت لكما الكثير من الاحزان والعذاب والمآسي .. صدقوني ان هذه الاحزان ستكون مفاتيح لأفراح الناس القادمين.

 

    - لكننا لم نفرح بك.. قال أبي :

-ولن نفرح ما دمت غائباً عنا.. قالت أمي.

-ستفرحون.. حتماً ستفرحون.. كل شيوعي سيكون أبناً لكم، سيكون عوناً لكم على مواصلة الحياة.

سحب أبي آهة.. ولطمت أمي وجهها.

أخواتي شاحبات يبكين بصمت.

اما انا فكنت في حالة من الذهول لا أعرف كيف انقل صورتها هنا..

كنت أقاسم رغبتي في احتضانه ومشاركته الموت، وبين التخلص مني.. من هذا الذي لا أهمية لوجوده.

تنبه إليّ وهو في قمة قلقه علينا جميعاً..

- حسيب.. واصل الدرب من بعدي، كن شيوعياً كما اعهدك.. هل تعدني.. كن صادقاً معي..

تأملت وجهه ملياً ولازمني صراع بين ان أعده صادقاً أو أعده كاذباً.. قلت:

- وعد الله.. تعلمت منك أن اكون صادقاً.. لا أعدك بشيء، ذلك أنني لا أريد ان أكون شيوعياً بالوراثة والنسب.. اريد ان اكون شيوعياً في الوقت الذي أدرك فيه ضرورة أن اكون.. ان اجد في عقلي وقلبي ووجداني وكلي ضرورة قصوى في الانتماء.

احتضنني بقوة.. قال :

- هكذا اريدك.. انت شيوعي مادمت صادقاً مع نفسك ومعي وفي هذه اللحظات الحاسمة.. كان يمكنك الاستجابة لطلبي وأنا في لحظة لن تراني بعدها أبداً.. ولكنني سأكتشفك، سأكتشف انك كذبت عليّ..

- أعرف.. أعرف.. وعد الله كيف تقرأ الاكاذيب في الوجوه والعيون.. لقد علمتني ان الشيوعي الافضل، هو الشيوعي الاكثر صدقاً ونقاءً ونزاهة ونبلاً وفداءً وتضحية.. - ومن أجل هذا كله أموت.. فليكن موتي سبيلاً الى حياة الاخرين.

وواصل حديثه:

- حسيب.. كن باراً بابوينا، احفظ لهما شرفهما وسمعتهما الحسنة ولا تفرط بالقيم التي عملوا وعملت من أجلها.. احفظ شرف الناس، تحفظ شرف أخواتك..

حسيب.. لا تخجل من أداء أي عمل يحفظ لك وجودك، ولا تساوم على باطل، صن من وضعك في موضع الثقة.. اقرأ ما تيسر لك الوقت..  اقرأ حتى تعرف شعبك جيداً.

- وعد الله.. هل ستلقي عليّ درساً ونحن في لقاء أخير؟

ابتسم، وحدق في الوجوه التي كانت تريد ان تتقاسم وجهه..

- حسيب.. من حق الانسان ان يستثمر كل دقيقة لتحقيق هدف نبيل.. اوقاتنا ثمينة، ولابد من استثمارها لصالح الاخرين.

وجعلت أتأمله.. واردت ان اقول له:

- الاخرون.. من هو الاخرون، هؤلاء الذي يضعون المشنقة في رقبتك..؟ لكنني سكت مرغماً.. قلت:

- وعد الله.. سنظل نفتخر بك..

- اذا كنتم صادقون معي.. واصلوا الطريق.. هذا الطريق الذي اخترته بنفسي. انا لست نادماً على شيء.. صدقوني.. ولو تم الافراج عني لواصلت العمل بالطريقة نفسها.

كنت أبحث في عينيه عن لحظة ندم أو أسى أو خوف.. وعجبت لهذا الذي هو أخي كيف بمقدوه ان يوجه نصائح لي ولمن حولي، وكيف بمقدوره ان يفكر بشكل منظم وهو في قمة مأساته وفراقه الحياة؟

لم يكن يواسينا ولا يواسي نفسه، لم يشفق على شباب سيودعه وشيخوخة تبكي من اجله وانفاس تختنق عبراتها لفقدانه.

كانت به قوة عجيبة لم ألفها من قبل لدى انسان هو في مواجهة حقيقية لموته، وعلى هذا القدر من الهدوء..

 ترى هل كان كل هذا الهدوء يختزن في داخله شؤوناً وشجوناً تحتسب في أعماقه وترفض الانطلاق والاعلان عن نفسها.. أي طاقة يملكها هذا الكائن الذي يخبيء حياة كاملة.. سيودعها بعد ساعات؟

كانت ليلة وداع أبدية.. يصعب على المرء احتمال عواقبها ونتائجها وآلامها المعتقة التي ستصبح تاريخاً مطرزاً بالدم يحمل تاريخ: 24/8/1964 يوم إعدام من عشنا زمنه بكل عذاباته ونحن راضون، ولكن ان نفتقده الى الابد.. فان هذا يعني ان ما اعتدناه من آلام سيتحول الى سقم واستسلام مر لم يكن لنا خيار فيه.

كانت ليلة لا كالليالي القاسية التي قبل والتي بعد.. ذلك ان كل ما جمعناه من ليالٍ مهما طالت او قصرت.. ما عادت تستأثر بالاهمية في الذاكرة، بقدر ما تحمله هذه الليلة التي قدر لنا ان نرى ونسمع ونعيش حياة كاملة مع وعدالله وهو يلقي علينا درساً في الفضيلة والنقاء، فيما هو يذهب الى الموت ابياً، كما لو انه كان على موعد مع الموت، كما لو انه كان يرسم لهذا الموت الذي جمله بكلماته.. قال:

- الشيوعيون.. يصلون للحياة، والحياة من صنع إله عظيم.. صوتوا لحياة الناس.. انتم شيوعيون اذن.. انتم مؤمنون اذن.

واحتضننا مجتمعين.. فيما رأينا حراسه يبكون، وعلى خجل ودعونا عند أبواب سجن الموصل المركزي في تلك الليلة المقمرة التي صار صفاؤها شاحباً وسماؤها بلون الدم..

  

 

 

حسب الله يحيى

 

*ولد في مدينة الموصل عام 1944.

*عمل في التعليم لعدة سنوات في القرى الكوردية .

*مارس العديد من المهن وأكتسب خبرة مهنية واجتماعية واسعة.

*اصدر الكتب الآتية:

مجاميع قصصية

1- الغضب - الموصل 1967 / مطبعة الزهراء.

2- القيد حول عنق الزهرة- منشورات مجلة الثقافة - بغداد 1974.

3- ضمير الماء/دار العودة - بيروت1972.

4- الحطب/ بيروت دار الثورة العربية 1974.

5- النهار يدق الأبواب( قصص ومسرحيات )- دار الأديب - بغداد 1977.

 6- هي... أمرأة عراقية / المؤسسة العربية - بيروت1982.

7- الاشواق- دار الشؤون الثقافية 1986 بغداد .

8- - كتمان - دار الشؤون الثقافية 1989  بغداد.

9- أنفاس - دار الشؤون الثقافية  1993 بغداد.

1. - كوميديا الكاتب في الزمن الكاذب - اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1999.

11- حدائق عارية - أتحاد الكتاب العرب - دمشق 2..1.

12- أغتيال الحنين ( رواية ) - دار الحرية بغداد 2..1.

13- أجنحة حجرية - دار الشؤون الثقافية -2..1 بغداد.

 14- هواجس/ دار الشؤون الثقافية - بغداد 2..2.

15- ارهاب – قصص،صدر عن المجلس الاعلى للثقافة – القاهرة 3..2.

16- حكايات من بلاد ما بين النارين ـ قصص ومسرحيات ـ دار الشؤون الثقافية ـ بغداد 2008.

17 – اصابع الاوجاع العراقية – قصص/ دار الشؤون الثقافية – بغداد 2017

18 – ذاكرة القراءة / دار ئاراس – اربيل 2012

 

المسرحيات

* أصابع القرنفل/ مسرحيات للكبار والصغار. ترجمت الى اللغة الكردية ونشرت عن طريق دار الثقافة والنشر الكردية في وزارة الثقافة – بغداد 2006.

 

 

 

قصص للأطفال

 1- دفاع عن الفرح- أتحاد الشباب- بغداد 1977.

 2- الفراشات- دار ثقافة الاطفال- بغداد 1997.

3- سمكة تعرف كل شيء - دار الهلال-القاهرة2003.

 

الدراسات

 1- مقدمة في مسرح الاطفال - دار ثقافة الاطفال- بغداد 1985.

2- فنا رات في القصة والرواية- دار الشؤون الثقافية - بغداد 1993.

3- المسرح العراقي- قضايا ومواقف- دار الشؤون الثقافية -بغداد2..2. سلسلة الموسوعة الصغيرة.

4- ثقافة الارهاب والعولمة- دار الشؤون الثقافية-2004.

5- شخصية الدكتاتور في المسرح العالمي - دار الشؤون الثقافية - بغداد 2..2- سلسلة الموسوعة الثقافية.

6- في الخطاب المسرحي / رؤية نقدية في المسرح والمسرح والمقارن ومسرح الاطفال – دار الشؤون الثقافية – بغداد 2012 .

7- كلام الاخرس وبصيرة الاعمى / مقالات في الفن التشكيلي / وزارة الثقافة –دار الشؤون الثقافية العامة / بغداد 2015

*ناقد مسرحي قام بتدريس النقد المسرحي وتاريخ المسرح في معهد الفنون الجميلة -بغداد لعدة سنوات وساهم في ندوات ومؤتمرات ومهرجانات مسرحية عراقية وعربية عديدة وترأس قسم المسرح في مجلة (فنون) وهيئة تحرير مجلة ( السينما والمسرح).

*كتب ونشر العديد من المقالات بأسماء مستعارة عديدة وفي صحف ومجلات عربية وكوردية في اثناء الحكم السابق.

* أعد وقدم عددأ من البرامج الثقافية والمسرحية - إذاعية وتلفزيونيه لعدة سنوات من تلفزيون بغداد ، والتلفزيون الثقافي - بغداد .

*كتب عدة نصوص مسرحية للاطفال واخرى للكبار ونشرها في صحف ومجلات عراقية واردنية وسورية … وقد عرض قسم منها على خشبة المسرح.

*عمل في الصحافة منذ عام 1964، ونشر دراساته النقدية والقصصية والمسرحية في المجلات الثقافية العربية المتخصصة.

*مراسل معتمد للمجلات العربية:

*الرافد  - الاماراتية.

*الجسرة الثقافية - قطر.

*لمجلة الثقافية - الاردن.

*عمل خبيراً في وزارة الثقافة ورئيساً لتحرير المجلة (المركزية لوزارة الثقافة (دجلة)  مسؤول الملحق الثقافي (ابعاد ثقافية ) في جريدة التآخي التي سبق وان بدأ العمل فيها منذ عام 1971.

* حالياً متقاعد ومتفرغ للكتابة.

 

E.mail : hassaballa_yahya@yahoo.com

هـ / 07706552972

 

 

 

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا