الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

نكسة وعي وانتماء وهوية  احسان الفقيه

 

في الثاني من حزيران/يونيو 1967، جلس الزعيم الهُمام يترأس اجتماعا عالي المستوى مع القيادات العسكرية العليا في الجيش المصري، وأخبرهم أن العدو الإسرائيلي سوف يشن هجوما جويا خلال يومين أو ثلاثة أيام، فبدأ الاستعداد، وتم حشد القوات الفنية، وتجمعت ألوية الطرب، ومعها كتيبة الرقص، لتُحيي حفلا غنائيا راقصا في التاسعة مساءً، في أكبر القواعد الجوية المصرية، جاءت الأخبار بتحليق طائرتين للصهاينة في سماء غزة التابعة للإدارة المصرية، لكن ذلك لم يمنعهم من استكمال الاستعدادات القصوى للحرب، التمايل مع أصوات المطربين والتلوّي مع حركات الراقصات، حتى الصباح.. الصباح الأسود.
نكسة 5 يونيو، التي ضاع فيها الشباب في الصحراء تحت وابل النيران، وضاعت فيها فلسطين، بل ضاعت فيها الأمة، بشرذمة من ثُلّة زعماء لا علاقة لهم بالزعامة، الذين لم يفلحوا إلا في الخطب الحماسية التعبوية من نوع: «سنلقي إسرائيل في البحر»، ليُلقوا بشعوبهم وهيبة بلادهم في قعر محيط الخيبة والهزيمة.
هذه الخيانة مات أصحابها، وتركوا لنا حصادا وافرا من الذل والعار، فانكسرنا، وتحطمنا، وتلك كانت غاية العدو، كما يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي: «لم يكن هدف إسرائيل توسيع حدود بقدر ما كان تحطيم روح تخشاها».
لم يفصل بين انكسارنا في النكسة، وانكسارنا اليوم، سوى حرب 73، التي خسرت فيها إسرائيل رجالا وعتادا، وخسرنا فيها نحن عزا وكرامة وقُدسا لم يحافظ عليها الساسة على طاولات المفاوضات، مفاوضات الحملان مع الذئاب.
كيف يُعذر حكام العرب في تلك النكسة، ولم يكن هناك شيء قد تبقى ليؤكد أن الحرب ستندلع، كانت الحدود مشتعلة آنذاك، ونذر الحرب تعالت صيحاتها، وعبد الناصر أغلق مضيق تيران، والاشتباكات المتقطعة تجري بين الإسرائيليين والسوريين، لكن لم يتحرك أحد. لم تتحرك القوات، رغم أن محطات الرادار على جبل عجلون بالأردن أرسلت في صبيحة اليوم الأسود، إشارة للقوات المصرية بأنها رصدت أعدادا من الطائرات الإسرائيلية، لكن أحدا لم يتحرك. أبواق النذير لم تنطلق في القاهرة، إلا بعد عشرين دقيقة من بداية القصف الإسرائيلي على المطارات.
وماذا كانت تفعل طائرة المشير في سيناء، التي لم تجد لها مكانا تهبط عليه لأن المطارات قصفت، هل كان رفيقه الزعيم ينوي التخلص منه، وهو يعلم بالضربة الجوية؟ ماتوا وماتت معهم الحقيقة، فارقوا الحياة ولم تفارقنا نحن المآسي.. بعد النكسة كانت اللافتات تعلق في مطاعم وفنادق دول الغرب مكتوب عليها «ممنوع دخول العرب والكلاب»، حيث تنكرت لنا تلك الدول الكبرى التي ارتمينا على أعتابها وأيدناها في مواقفها، وانطلقت المظاهرات المؤيدة للانتصار الصهيوني الساحق على العرب. وخرج كعادة النكسات دجالون، اصطادوا في الماء العكر، فكما يقول اللواء الركن محمود شيث خطاب: بعد نكسة عام (1967) تعالت أصوات عربية مريبة، تدَّعي بأن أسباب النكسة تمسك العرب بالدين، وبأن من أسباب النصر التخلي عن الدين. وذلك رغم الاتجاهات التي غزت الوطن العربي والتي ولّت ظهرها للدين، وأغرقت البلاد في أحدث الصيحات الفكرية الأجنبية.
لكل نكسة دجّالوها، وكان من دجالي نكسة حزيران، قلم عبد الناصر، كاتب كل العصور والرؤساء، محمد حسنين هيكل، الذي رقص على دماء الشباب الذي اقتيد إلى الموت، وأعد المسرحية الهزلية التي أعلن فيها جمال عبد الناصر، تخليه عن كرسيه بعد النكسة، بكلام عاطفي أبكى الشعوب العربية المغرر بها، ليعود بعدها بساعات إثر مظاهرات مدبرة تنادي بعودة الزعيم الملهم، الذي لم ينتصر في حرب خاضها، عاد، ورقص الناس لمن أذلهم وبعثر كرامتهم، رقصوا لبطل حرب الست ساعات. تقول الأديبة والصحفية صافي ناز كاظم في الخديعة الناصرية: «كان أهم ما أبدع فيه هيكل هو إعلانه أننا انتصرنا في الحقيقة – رغم خسارة الرجال وضياع الأرض – ونصْرنا هو: إن نظام عبد الناصر لم يسقط، وبالفعل صرنا نحتفل بعيد النصر رغم الهزيمة».
مرت سنوات وعقود، ونحن نعيش في ذكرى هزيمة يونيو، نكسة جديدة، نكسة وعي وانتماء وهوية، حين نحّيْنا الصديق ونصبناه عدوا، وأدنينا العدو المغتصب وجعلناه صديقا، نعيش أشد النكسات، إذ كانت الحكومات العربية في الماضي تسترزق في التباري برفع شعار القضية الفلسطينة والقدس الشريف، أما اليوم، فحتى الشعارات والكلام المنمق عن الأرض المغتصبة لم يعد يهمهم، أوحلوا في التطبيع، وأطلقوا عبيدهم وأبواقهم ودجاليهم يروجون للتطبيع، في وقت تتأهب فيه حكومة الاحتلال لضم منطقة الأغوار والمستوطنات بالضفة الغربية، ليصل الضم إلى ما يزيد عن 30% من مساحة الضفة المحتلة.

نعيش نكسة التطبيع الذي تولى الدعوة إليه رموز سياسية وكُتّاب ومنابر إعلامية ناطقة ومروجة لسياسات حكوماتها العربية

نعيش نكسة التطبيع الذي تولى الدعوة إليه رموز سياسية وكُتّاب ومنابر إعلامية ناطقة ومروجة لسياسات حكوماتها العربية، تعمل على إمضاء صفقة القرن وإنهاء القضية الفلسطينية، على وضعية عار وذل، يتحدد فيها مصير من يملك، على يد من لا يملك. ولما كانت الإمارات أبرز هذه الدول المُطبِّعة مع الكيان، فقد أطلقت أحد أبواقها لمزيد من الترويج للتطبيع في ذكرى النكسة، لتنكأ في الجراح، ضاحي خلفان رئيس شرطة دبي السابق، يكيل لنا النصائح، فما هي توجيهات حكيم الأمة «خلفان»؟ يطالبنا ضاحي خلفان بالاعتراف بدولة إسرائيل، إذ عدم الاعتراف بتلك الدولة القائمة على العلم والمعرفة والازدهار والروابط الوثيقة بكل دول العالم المتقدم، حاجة لا معنى لها، من أنتم يا من لا تعترفون بدولة في مكانة إسرائيل العلمية؟ هكذا يخاطبنا حكيم قومه. يُطالبنا «خلفان» بأن نعيش مع اليهود كجيران وأبناء عمومة، ولا ينسى في المقام أن يشعرنا بضعفنا وقلة حيلتنا مقابل قوة أبناء عمومتنا: «اتركوا العنتريات اللي انتم مش قدها». ضاحي خلفان يفضّل أن تظل فلسطين قلب الأمة في يد الصهاينة، على أن يتولى أمرها العرب: «لو أعيدت فلسطين للعرب بتصبح خرابة مهدمة بين حماس وغيرها». بل يرى المطالبة بدولة فلسطين جريمة تجلب الويلات للفلسطينيين، فينتقل أمرهم من أصحاب القلب الرحيم (الصهاينة) إلى القساة المتوحشين (حماس): «من يطالب بدولة للفلسطينيين يريد الويل للفلسطينيين، الفلسطيني في كنف اليهود أرحم من وجودهم في كنف حماس». ولأن ضاحي خلفان من بلاد الذهب الأسود، فهو يغري الخليج بمستقبل اقتصادي مزدهر، إذا ما تمت المصالحة مع الصهاينة: «تصالحوا مع إسرائيل سيرتفع حتى النفط».
يا خلفان، إن رضيت بأن يقتحم أحدهم بيتك عنوة، ويفرض عليك أن يعيش بين أهلك ونسائك ويعطيكم حجرة تعيشون فيها ويتحكم في كل شيء، فنحن لن نرضى بأن يعيش المحتل الغاصب في أرضنا، وبين حرائرنا ويأكل خيراتنا. يا خلفان، هي ليست مشاجرة بين شابين في مقهى نقول فيها (الصلح خير يا شباب)، هي أرض وعرض ومقدسات، وحق مغتصب، هي مسألة كرامة وشرف لا يعرفها من رضي باحتلال جُزُره الثلاث ويتبادل التجارة مع سارقه. يا خلفان، إن فتحنا صفحة جديدة مع العدو، فكيف سنطوي صفحات المقاومة والأنفس التي أزهقت من أجل التحرير، ماذا سنقول للنساء الثكالى اللاتي استشهد فلذات أكبادهن دفاعا عن القدس والتراب الفلسطيني منذ عقود حتى اليوم؟ ماذا سنقول لليتامى الذين حُرِموا من آبائهم بسلاح الصهاينة؟ وماذا نقول للأجيال القادمة إن تخلينا عن فلسطين قلب الأمة فصرنا بلا قلب؟
ضاحي خلفان نموذج من أولئك الذين تطلقهم الحكومات العربية لإخماد تلك الجمرة في الوجدان العربي والإسلامي، والعمل على تبديد مركزية القضية الفلسطينية في قلوب الشعوب، تمهيدا لإغلاق هذا الملف على النحو الذي يرضي السادة الكبار، ويحفظ عروش الأتباع العملاء. هؤلاء الدجالون الذين يمارسون دجلهم على الشعوب، الملكيون أكثر من الملك، المتصهينون أكثر من الصهاينة أنفسهم، حُق لمالك بن نبي أن يقول عنهم: «إننا لنهتف لنشر قائمة أصدقاء الصهيونية في العالم الغربي المعلقة على جدران شوارعنا». ولكن… عفوا أين قائمة أصدقاء الصهيونية الذين يتفسحون في شوارعنا؟ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
كاتبة أردنية

(القدس العربي)

 

 
الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا