الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا

 

 

 

في تموز العراقي

يتجدد (المدح) و (القدح) ويغيب التقييم

 الموضوعي للمراحل التاريخية

ليث الحمداني

كان اول شيء فعله عبدالرحمن عارف بعد توليه المسؤولية

 هو اعادة تكليف المدني عبدالرحمن البزاز لتشكيل الوزارة وسط معارضة العسكريين،

 

أول ما يسجل لـ عبدالرحمن عارف انه بدأ عهده  بإصدار عفو عام عن جميع

 السجناء السياسيين تضمن تأمين حقوقهم الوظيفية والتقاعدية، في قرار يحمل بُعداً انسانياً افتقده

العراقيون في ظل حكم البعث وفي ظل حكومات الاحتلال المتلاحقة منذ عام 2003

 

في شهر تموز من كل عام تتجدد كتابات العراقيين عن 14تموز و 17تموز وفي الاولى والثانية يمدح (المداحون) ويتناسون الاخطاء والخطايا حتى ليكاد محبو عبدالكريم قاسم ان يضعوه في مصاف الاولياء. يقابل ذلك (القداحون) الذين يتفننون بشتم عبدالكريم قاسم مطلقين عليه أسوأ ما في قواميس السياسة من صفات، وكل واحد من الطرفين يقدم لك اسبابه غير القابلة للنقاش معه، واذا ما اختلفت مع أي منهم فإنك (خائن) وعميل للطرف الآخر!

هكذا يكتب التاريخ في (بلادنا الأم)، بالمشاعر وليس بالعقل، والحال نفسه مع 17تموز، المهم ان لا احد يريد بعد كل هذه السنوات التي لم يتوقف فيها دوران (دولاب الدم) ان يراجع نفسه ويؤشر أخطاءه رغم ان الجميع مسؤول عما حل بالعراق من كوارث أوصلته الى الاحتلال الامريكي والى هذه الطبقة السياسية الفاسدة التي اوصلت العراق الى ما وصل اليه من خراب.

هذا العام دخل على خط (المديح) انصار النظام الملكي الذين استخدموا الاسلوب ذاته الذي يستخدمه انصار الزعيم عبد الكريم قاسم وهو قضية (نظافة اليد)، فرفعوا شعار ان الملك فيصل الثاني وخاله الاميرعبد الاله ماتا وهما لايملكان من حطام الدنيا شيئاً!. وفي الحقيقة انا اتفهم هذا الحرص على اظهار النزاهة لـ عبدالكريم قاسم ولغيره لأننا اليوم نعيش في عصراصبح فيه السياسي النزيه عملة نادرة، رغم انني اجد ان النزاهة وحدها ليست كافية لكي يبني هذا الزعيم او ذاك وطناً حقيقيا .

وحده عبد الرحمن عارف ومرحلة حكمه ظلت بعيدة عن كتابات العراقيين واهتماماتهم رغم ان الرجل وبشهادة العديد من الضباط الذين ساهموا في 14تموز 1958 كان عضواً فيما كان يسمى (تنظيم الضباط الاحرار) وانه انضم لهذا التنظيم في كانون الثاني 1956 أي قبل اخيه المشير عبدالسلام عارف الذي حكم العراق بعد انقلاب 8 شباط، ولكنه، أي عبدالرحمن، لم يشترك في أي عمل تنفيذي صبيحة 14تموز لانه كان آمراً لكتيبة المدرعات التابعة لفرقة المشاة الثالثة في جلولاء، ولم تكن تلك الكتيبة ضمن لواء المشاة العشرين الذي تحرك فجر 14تموز في طريقه للاردن وقام بالتنفيذ (بشهادة الباحث العسكري الدكتور صبحي ناظم توفيق) (1) وان الرجل احيل الى التقاعد بعد اعفاء شقيقه عبدالسلام عارف من مناصبه من قبل الزعيم عبدالكريم قاسم واعيد الى الخدمة بعد حركة 18 تشرين الثاني 1963 التي قام بها شقيقه عبدالسلام عارف واطاح بشركائه البعثيين، رغم انه لم يشارك في الحركة ثم عين رئيساً لاركان الجيش (بالوكالة) لأنه لم يحصل على شهادة عسكرية تؤهله لهذا الموقع (!!). وسنلاحظ لاحقا ان الذين اطاحوا به في 17تموز واتهموه بشتى التهم منحوا رتبة الاركان لمن لا يستحقها فيما بعد، اما بعد الاحتلال الامريكي عام 2003 فإن منح رتبة (الاركان) اصبحت اشبه بالنكتة!

نعود الى ما قبل يوم 17تموز لنطلع على مواقف الاحزاب السياسية، كان البعثيون يتهمون النظام بانه نظام (مشبوه) و (رجعي) ..الخ، وكان الشيوعيون يتهمونه بالاتهام ذاته مع تغيير بالمفردات المستخدمة في المنشورات الحزبية، وسنجد صبيحة 17تموز ان البعثيين الذين أطاحوا بعارف واستعانوا بالوجوه الاكثر رجعية في ذلك النظام، وعلى رأسها عبدالرزاق النايف وابراهيم الداوود. صحيح انهم اطاحوا بهم في 30 تموز ولكن تلك الاستعانة تركت علامات استفهام كبيرة اعقبت اغتيال رموز خططت وشاركت للاطاحة بعارف، وعلى رأسها السفير ناصر الحاني. وكما هو معروف فان عبدالرزاق النايف قتل اغتيالاً من قبل البعثيين في لندن (لانه يعرف الكثير)، ومات شريكه ابراهيم الداوود (كمداً) في السعودية التي لجأ اليها بعد إبعاده عن مناصبه في 30 تموز، كل هذه الوقائع ادرجتها للتذكير.

واعود الى عبد الرحمن عارف يوم اختير من قبل العسكر الممسكين بزمام الامور بعد سقوط طائرة اخيه عبدالسلام عارف رئيس الجمهورية يوم 13نيسان 1966، وبعد ان تنازل له منافسه المدني استاذ القانون عبدالرحمن البزاز الذي كان رئيساً للوزراء والذي حصل يومها على 14 صوتاً مقابل 13 صوتاً لعارف ولكن الرجل كان يعرف ان العسكر لن يسمحوا له بالوصول الى سدة الرئاسة رغم انه قال في المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد اعلان فوز عارف صبيحة يوم 23 نيسان (انه رشح عارف وتنازل له عن اصواته لا بوصفه مفروضاً عليه وانما لدواعي المسؤولية)، خلال الاختيار كان هناك مرشح ثالث هو العميد الركن عبدالعزيز العقيلي الذي حصل على صوته فقط.

ان المتابع لذلك التاريخ يلمس ان عبدالرحمن عارف وصل الى السلطة وسط سيطرة تامة للعسكر على النظام السياسي وتلك (سنّة) استنتها (14تموز الاولى)، ورحم الله السياسي الديمقراطي الكبير كامل الجادرجي الذي قال صراحةً لـ عبد الكريم قاسم (اذا اردتم بناء العراق عودوا الى ثكناتكم وسلموا السلطة للمدنيين). وظل الجادرجي مصراً على موقفه لأن له تجربة مرة مع انقلاب بكر صدقي اول انقلاب في تاريخ العراق الحديث عام 1936 والذي دخل فيه الجادرجي الحكومة وزيراً للاقتصاد والمواصلات).

كان اول شيء فعله عبدالرحمن عارف بعد توليه المسؤولية هو اعادة تكليف المدني عبدالرحمن البزاز لتشكيل الوزارة وسط معارضة العسكريين، وخاصة الضباط القوميين والناصريين الذين كانوا يكرهون البزاز بحجة معاداته للوحدة العربية! ولو قرأنا التاريخ جيداً سنلمس ان كراهيتهم له كانت كونه مدنيا، وكان عسكريو البعث يكرهونه ايضاً، والشيوعيون يتهمونه بالعمالة للغرب. ويروي لي صديق شيوعي عسكري هو مهدي مطلك الذي كان سجينا في قصر النهاية في السبعينات انه لمس حجم كراهية البعثيين للبزاز من خلال إهانته المستمرة، والقسوة في عمليات تعذيبه والتي لم تكن تقل عن قسوة تعذيب الشيوعيين، (ولو كان الرجل عميلا للغرب لوقف الغرب معه في محنته تلك).

أول ما يسجل لـ عبدالرحمن عارف انه بدأ عهده في 17نيسان 1966 بإصدار عفو عام عن جميع السجناء السياسيين تضمن تأمين حقوقهم الوظيفية والتقاعدية، في قرار يحمل بُعداً انسانياً افتقده العراقيون في ظل حكم البعث وفي ظل حكومات الاحتلال المتلاحقة منذ عام 2003. ويجمع المراقبون والمؤرخون على ان قرار اغلاق المعتقلات واطلاق سراح السجناء السياسيين تم بنصيحة من رئيس وزرائه المدني عبدالرحمن البزاز، وخلال حقبة حكمه كان عارف يسير وسط الالغام لان العسكر لا يريدون التخلي عن السلطة، بل ان عبد الرحمن البزاز اثار حفيظتهم حين تحدث عن اجراء انتخابات شعبية، بينما كانوا يضغطون على عبدالرحمن عارف لتشكيل مجلس لقيادة الثورة من العسكر، كذلك اصدار البزاز لبيانه الشهير في 29 تموز المتضمن حلولاً للقضية الكردية التي كان العسكر يعارضون أي حل سلمي لها. ويشير تقرير سري للسفارة البريطانية مرسل الى وزارة الخارجية البريطانية ان البزاز تحدى القوات المسلحة وحاول ايقاف تدخلها في شؤون الدولة. ويصف ذلك التقرير هذه الخطوة بانها (خطوة غير حكيمة) (2). ولا استطيع هنا ان افهم موقف الانكليز الذي يبدو وكانهم يريدون استمرار تدخلات العسكر في السلطة. لقد اضطر تحت ضغط العسكر بأن يجعل ثلاثة من وزاراته الاربع التي شكلها، برئاسة عسكريين، وكان الاستثناء الوحيد عبدالرحمن البزاز، ولم يذكر المتابعون لذلك العهد عن عارف انه تدخل بأي شأن من شؤون مجلس الوزراء. رغم ظروفه تلك كان الشيوعيون يصفونه بـ (الضعيف) و (الرجعي). واشهد انني كنت كصحفي، اقرأ مقالات قادتهم على صفحات الصحف العراقية التي شهدت عهداً لم تشهده من قبل, بعد البزاز كلف العميد الركن ناجي طالب بتشكيل الحكومة حيث شكل حكومة من ذوي الاختصاص واجهت الكثير من المشاكل، لعل ابرزها المشكلة المالية التي ترتبت عن الخلافات بين الحكومة السورية وشركات النفط العاملة في العراق حول واردات الاولى من انبوب النفط العراقي الذي يصل ميناء بانياس السوري حيث توقف الضخ اكثر من شهرين، وفي الوقت ذاته انتشر في العراق وباء الكوليرا الذي تطلب مجهوداً كبيراً للقضاء عليه.

وزارة ناجي طالب، كلفت بإعداد قانون لانتخاب اعضاء مجلس الامة، وفعلاً صدر القانون رقم 7 لسنة 1967، وكان واضحاً تأثره بالقانون المصري، كانت هناك نية لإجراء الانتخابات في السنة نفسا، ولكن الموضوع تأجل من اجل تأسيس الاتحاد الاشتراكي العربي، ومرة آخرى تقليد للنموذج المصري.

لقد حاول عبدالرحمن عارف حين شكل وزارته التي اعقبت وزارة ناجي طالب، التحاور مع البعثيين والقوميين والشيوعيين وفشلت محاولته نتيجة الصراعات الحزبية، وكان واضحاً استمرار نفوذ العسكر حين تشكلت الوزارة التي ضمنت اربعة نواب لرئيس الوزراء جميعهم من الضباط.(3)

الوزارة الثالثة كانت وزارة طاهر يحيى التي جوبهت بمعارضة من الاحزاب السياسية، وفي عهدها صدر قانون 155 لسنة 1967 لتنظيم الصحافة تقليدا للنموذج المصري. وكانت ضغوطات العسكر وراء صدور هذا القانون بعد ان اتسعت مساحة الحريات في الصحف العراقية وبعد ان اصبحت صحف مثل (صوت العمال) (النصر) منابرلكتاب اليسار العراقي يصولون فيها ويجولون لدرجة ان هذه الصحف كانت تحتفل بذكرى ثورة اكتوبر الروسية بصفحات كاملة، مما ادى بأحد وزراء الاعلام ان يخاطب رئيس تحريرها قائلاً (شنو هذه الجريدة تصدر بموسكو).

يطول الحديث عن عهد عبدالرحمن عارف الذي اعتبره شخصياً افضل العهود التي عاشها جيلنا من حيث الحريات، ويشهد بذلك من عاصر تلك المرحلة من الاحياء، وهو ايضاً اكثر العهود إهمالاً من الكتاب العراقيين.

ان كل المؤشرات التي سبقت 17تموز تؤكد ان الولايات المتحدة كانت تعمل لتغيير النظام، وكان النفط واحداً من تلك الاسباب. ويشير السيد صفوت كامل فاهم في كتابه عن الرئيس عارف ان نظام عارف قام بـ :

اصدار قرار في 6 آب 1966 باستعادة حقل الرميلة من شركة نفط العراق وإلحاقه بشركة النفط الوطنية العراقية.

في 24 كانون الاول 1967 عقدت اتفاقية مع الاتحاد السوفيتي لحساب شركة النفط الوطنية يقدم السوفيت بموجبها المساعدات التقنية والتجهيزات الخاصة بالحفر لحقل الرميلة الشمالي واستخراج النفط وتسويقه لحساب شركة النفط الوطنية العراقية.

توقيع اتفاقية مع شركة ايراب الفرنسية للتنقيب عن النفط والحفر في مساحة 11 الف كيلومتر مربع في وسط العراق وجنوبه وتلك الاتفاقية اعتبرتها الشركات البريطانية والامريكية تجاوزاً عل مصالحها في المنطقة.

رفضت الحكومة العراقية منح شركة بان امريكان الامريكية امتيازاً لاستخراج الكبريت في العراق مما اثار حفيظة الحكومة الامريكية.

مشكلة العراقيين مع عهد عبدالرحمن عارف انهم  يتجاهلونه لانه لم يكن نظاما دمويا قاسيا وهم اعتادوا على مثل تلك الانظمة. وأكتفي شخصيا بشهادة الكاتب اليساري المخضرم فاضل العزاوي في كتابه (الروح الحية جيل الستينات في العراق) حين قال: (لأول مرة منذ ثورة 14 تموز تحرر المجتمع من فكرة القائد البطل والزعيم المحبوب من الشعب) ويضيف: (صحيح ان بنية النظام كانت دكتاتورية اذ ظلت الهيمنة العسكرية قائمة، ولكن روحا جديدة من التسامح والترفع عن الصغائر والضغائن والابتعاد عن الوشايات كانت قد ظهرت في البلاد تلك الروح التي ادت الى تفجير طاقة ابداعية كبيرة في المجال الثقافي) .

فهل نعيش لنرى عراقيين يكتبون بموضوعية عن عبدالرحمن عارف وعهده دون انحياز؟

 ازعم انني وفيت الرجل حقه يوم وفاته حين رثيته في مقالة نشرتها جريدة (القدس العربي) تحت عنوان (رحيل عبدالرحمن عارف، رجل لم ينصفه شعبه فأنصفه ربه) والمقالة ما زالت على بعض المواقع على الروابط التالية لمن يرغب بقراءتها:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=107178

 

http://www.iraqiwriters.com/INP/view.asp?ID=450

 

والإنصاف الذي قصدته في مقالتي هو ان الرجل مات بين افراد اسرته وسار خلف جنازته عراقيون لاينتظرون منه او من اسرته اي مقابل. على خلاف الزعامات العراقية التي ماتت سحلا وقتلا واعداما.

(1)   كتاب صفوة فاهم كامل عبدالرحمن عارف الرئيس البار اصدار (الرافدين) للطباعة والنشر والتوزيع 2017

(2)   المصدر السابق

(3)   المصدر السابق

 

 

ليث الحمداني

صحفي عراقي

  (عضو سابق في مجلس نقابة الصحفيين )

 وناشط نقابي سابقا 

رئيس تحرير القسم العربي في جريدة (البلاد) كندا

(مقالات سابقة)

الرئيسية || من نحن || الاذاعة الكندية || الصحافة الكندية || اتصل بنا